شواهد الفن الثالث وهو علم البديع بُشْراكَ قدْ أَنجزَ الإقبالُ ما وَعَدا مَوْعِدُ أحبابك بالفُرْقَةِ غَدْ أَقَوْمٌ آلُ حصنٍ أَمْ نِسَاءُ لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَواءْ لا خَيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله كَالْقِسِيِّ الْمُعَطِّفَاتِ بَلِ الأسْهُم مَبْرِيَّةً بَلِ الأوْتَار


تردَّى ثياب الموتِ حْمراً فما أتىَ ........ لها الليلُ إلا وهي من سندسٍ خُضْرُ


البيت لأبي تمام الطائي ، من قصيدة من الطويل ، يرثي بها أبا نهشل محمد بن حميد حين استشهد ، وأولها :


كذا فليجلّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ ........ وليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ تُوفيتِ الآمالُ بعد محمدٍ ........ فأصبح في شعل عن السفَرِ السفْر وما كان إلا مالَ من قلَّ مالهُ ........ وذُخراً لمن أمسى وليسَ لهُ ذُخرُ وما كانَ يدرى مَنْ بَلاَ يُسْرَ كفهِ ........ إذا ما استهلَّتْ أنهُ خُلق العسرْ


يقول فيها :


غدَا غدوةً والحمدُ نسجُ ردائهِ ........ فلم ينصرفْ إلا وأكفانهُ الأجرْ


وبعده البيت ، وبعده :


كأنَّ بني نبهان يومَ وفاتهِ ........ نجومُ سماء خرَّ من بينها البدرُ يُعَزَّوْنَ عن ثاوٍ تُعَزَّى بهِ العلاَ ........ ويبكِي عليه البأس والجود والنصرُ وأنِّي لهم صبرٌ وقد مضى ........ إلى الموتِ حتى استشهَدَا هو والصبرُ


ومعنى البيت أنه ارتدى الثياب الملطخة بالدم ، فلم ينقض يوم قتله ، ولم يدخل في ليلته إلا وقد صارت الثياب خضراً من سندس الجنة .


أقول : ولو قال أبو تمام :


تردَّى ثياب الموت حمراً فما اختفى ........ عن العين إلا وهيَ من سندسٍ خضرُ


لكان أبلغ في القصد وأبدع ، فإنه جعل غاية تبديلها بالسندس دخوله في الليل ، وهذا ليس بمعلوم ، فإن الميت إذا غيب بالدفن عن الأعين تبدلت أحواله إلى خير أو شر ، والعياذ بالله تعالى ، ويشهد لذلك ما ورد أن الميت يجرد ستره عن الأعين يأيته ملكان السؤال .


وفي معنى بيت أبي تمام قول القاضي الفاضل عبد الرحيم ، رحمه الله ، من مجزو الكامل :


لَهفي لِمقتولٍ تُلاَ _ حظهُ عيونُ البيض شَزْرَا متضرّجاً بدَمٍ رأته ُالحورُ في الجناتَ عطرَا متكفنٌ بملابسٍ ........ حمراء وهي تعودُ خضرا


يروى أنه لما ورد نعي هذا المرثي غمس أبو تمام طرف ردائه في مداد ، ثم ضرب به كفيه وصدره ، وأنشد هذه القصيدة .


وإِلى ذلك أشار ابن زنجي الكاتب المغربي في قوله يرثي الشيخ أبا علي ابن خلدون من الكامل :


لولا الحياءُ وأن أجئ بفعلةٍ ........ تنْضَى عليَّ بها سيوفُ ملامِ وأكون متبعاً لأشنعِ سنةٍ ........ قد سنها فبلي أبو تمامِ للبست لبس الثاكلات وكنت في ........ سود الوجوهِ كأنني من حامِ


والشاهد في البيت : الطباق المسمى بالتدبيج ، وهو : أن يذكر الشاعر أو الناثر في معنى من المدح أو غيره ألواناً لقصد الكناية أو النورية ، ويسمى تدبيج الكناية أيضاً ، فإنه هنا ذكر لون المرة والخضرة ، والمراد من الأول الكناية عن القتل ، ومن الثاني الكناية عن دخول الجنة .


ومن طباق التدبيج قول عمرو بن كلثوم من الوافر :


بأنَّا نوردُ الراياتِ بيضاً ........ ونُصْدِرُهُنَّ حمراً قد رَوينَا


ولو اتفق له أن يقول :


منَ الأسل الظِّماء يردنَ بيضاً ........ ونُصدرهنَّ حمراً قد روينَا


لكان أبدع بيت للعرب في الطباق ، لأنه يكون قد طابق بين الإيراد والإصدار ، والبياض والحمرة ، والظمأ والري ، وقد تم لأبي الشيص ، فقال من الطويل :


فأورَدها بِيضاً ظماءً صدورُها ........ وأصدرَها بالريّ ألوانُها حَمْرَا


فصار أخذه مفغوراً بكمال معناه ، وما أحسن قول ابن حيوس من الكامل :


وتملكِ العلياءَ بالسعي الذي ........ أغناكَ عن متعالم الأنسابِ ببياض عِرْضٍ واحمرار صوارمٍ ........ وسواد نَقْع واخضرار رِحابِ وأفخر بعمّ عمَّ جودُ نوالهِ ........ وأبٍ لأفعال الدنيةِ آبِي


وقوله أيضاً من الخفيف :


إنْ تردْ عِلمَ حالهم عن يقينٍ ........ فالْقَهُمْ في مكارمٍ أو نزالِ تلقَ بيضَ الأعراض سمرَ مثار النقع خضرَ الأكناف حمر النصالِ


وقد أخذه ابن النبيه فقصر عنه في قوله من السريع :


لهمْ بنانٌ طافحٌ بالندَى ........ فهنَّ إما دِيَمٌ أوْ بِحارْ بيضُ الأيادي خضرُ رَوض الرُّبا ........ حُمْرُ المواضِي في العَجَاج الْمُثَار


وقل بعضهم من الكامل :


الغصنُ فوقَ الماء تحت شقائقٍ ........ مثلُ الأسنة خُضِّبَتْ بدماءِ كالصَّعْدةِ السمراءِ تحتَ الراية ال _ حمراء فوقَ الَّلأمة الخضراءِ


وقريب من لفظه قول الصلاح الصفدي رحمه الله تعالى من الكامل :


ما أبصرَتْ عيناكَ أحسنَ منظراً ........ فيما يُرَى من سائر الأشياءِ كالشامةِ الخضراءِ فوقَ الوجنة ال _ حمراءِ تحتَ المقلةِ السوداءِ


ولابن النبيه من المتقارب :


دَع النوحَ خلف حُدُوجِ الركائبْ ........ وَسلّ فؤادكَ عن كل ذاهبْ ببيضِ السوالف حمر المراشف صفر الترائبِ سود الذوائبْ فما العيشُ إلاَّ إذا ما نظمتَ ........ بثغر الْحَبَاب ثنايا الحبائبْ


ولابن الساعاتي من الكامل :


من معشر ويجلُّ قدرُ علائهِ ........ عن أن يقاَل لمثلهِ من معشرِ بيض الوجوه كأن زُرْقَ رماحهم ........ سر يحلُّ سواد قلب العسكرِ


ولابن دبوقاء العماد من أبيات من المتقارب :


أرَى العقدَ في ثغرهِ محكماً ........ يرنيا الصِّحاح منَ الجوهرِ وتكملَةُ الحسن إيضاحُها ........ رويناه عن وجهك الأزهرِ ومنثورُ دَمعي غدَا أحمرَا ........ على آس عارضكَ الأخضرِ وبعتُ رشادي بغيِّ الهوى ........ لأجلكَ يا طلعةَ المشترِي


ولأبي الحسن محمد بن القنوع من أبيات من الطويل :


ويخترمُ الأرواح والموتُ أحمرُ ........ بأبيضَ يتلوه لدى الطعن أزرقُ


وما أحسن ما قال بعده :


وُيجْرِي عتاقَ الخيل قُبَّاً شوازباً ........ تبارى هبوبَ الريح بل هي أسبقُ إِذَا حفرت منها الحوافرُ في الصفا ........ محَاريبَ ظلتْ بالنجيع تخلَّقُ


ولأبي الفرج الببغاء في قريب من معناه من الكامل :


وكأنما نَقَشَبْ حَوافرُ خيلهِ ........ للناظرين أهلةً في الجلْمَد


وما أحسن قوله بعده :


وكأن طَرْفَ الشمس مطروفٌ وقدْ ........ جعلَ الغبارُ لهُ مكان الأثمدِ


ولأبي سعيد الرستمي من الطويل :


منَ النفر العالينَ في السلم والوغى ........ وأهلِ المعالي والعواليَ واللُّهَا إِذا نزلوا اخضرَّ الثرَى من نزولها ........ وإن نازلوا احمرَّ القنا منِ نزالها


ولابن جابر الأندلسي ، الخفيف :


تشتكي الصفر من يديه وترضى البسر من راحتيه عند الحروب أحمرُ السيف أخضرُ السيب حيث الأرض غبراء من سواد الخطوبِ


ولأبي القاسم عبد الصمد بن علي الطبري من قصيدة من السريع :


حَمِّر يدي بالكأس فالروضُ مخضرُّ الرُّبا قبل اصفرار البنانْ


ولأبي بكر الخالدي من الكامل :


ومدامة صفراءَ في قارورةٍ ........ زَرقاء تحملها يدٌ بيضاءُ فالراح ُشمسٌ والْحَبَاب كواكبٍ ........ والكفّ قُطْبٌ والإناءُ سماءُ


ولنجم الدين البارزي في وصف قلم من الكامل :


ومثقف للخَطّ يحكى فعلَ سمرِ الخط إلا أن هذا أصغرُ في رأسهِ المسودِّ إن أجروه في المبيض للأعداء موتٌ أحمر


ومن المضحك فيه قول ابن لنكك البصري يهجو أبا رياش ، وكان نهما شرها على الطعام من الوافر :


يَطيرُ إلى الطعام أبو رياشٍ ........ مُبَادرةً ولو واراهُ قبرُ أصابعهُ من الحَلَواء صُفْرٌ ........ ولكنَّ الأخادِعَ منه جُمْرُ


وكان أبو رياش هذا باقعة في حفظ أيام العرب وأنسابها وأشعارها ، غاية بل آية في هذ دواوينها وسرد أخبارها ، مع فصاحة وبيان ، وإعراب وإتقان ولكنه كان عديم المروءة ، وسخ اللبسة ، كثير التقشف ، قليل التنظف ، وفيه يقول أبو عثمان الخالدي من الرجز :


كأنما قمْلُ أبي رياشٍ ........ ما بينَ صِئْبَان قَفَاهُ الفاشي وذا وذا قد لج في انْتِفاشِ ........ شهدانج يُذَرُّ فِي خَشْخَاشٍ


وفيه يقول ابن لنكك وقد ولي عملاً بالبصرة من الكامل :


قل للوَضيع أَبي رياش لا تُبَلْ ........ تِهْ كلُّ تِيهكَ بالولايةِ والعَمَلْ ما ازْدَدتَ حين ولِيَت إلا خِسّةً ........ كالكلب أنجسُ ما يكون إذا اغتَسَل


وله فيه أيضاً من الكامل :


نُبِّئْتُ أنا أبا رياش قَدْ حَوَى ........ علم اللغات وفاقَ فيما يَدِّعى مَنْ مُخْبري عنهُ فإني سائلٌ ........ من كان حَنِّكهُ بإير الأصْمَعي


وله فيه أو في غيره من الأدباء من الكامل :


يا مَنْ تَطَيَّبَ وهو من خَرْقِ اسْتِهِ ........ قَلِقٌ يكابِد كل داءٍ مُعْضِلِ فشل الصيال وما عهدنا دبره ........ مذ كان يفشل عن صيال الفيشل وأراهُ في الكُتُبِ الجليلَةِ زاهداً ........ لا يَسْتَجيد سوى كتابِ المَدْخَلِ قَبِّلتهُ ولثمتُ فاهُ مُسَلماً ........ لثم الصّديقِ فم الصديق المجملِ فدَنا إليَّ على المكانِ وقالَ لي ........ أفديكَ من مُتَعَشِّقٍ مُتَغَزِّلِ إِن كنتَ تلثمني بودٍّ فاشْفِني ........ بلِسَانِ بطنِكَ في فمي من أسفلي


وقد زاغ القلم وطاش ، بجريرة أبي رياش ، وأنا أستغفر الله من ذلك .


لا تَعْجَبِي يا سلْمَ من رَجلٍ ........ ضَحِكَ المشيبُ برأسِهِ فَبَكى


البيت لدعبل من قصيدة من الكامل أولها :


أينَ الشبابُ وأيةَ سَلكا ........ لا ، أين يطلَبُ ؟ ضَلِّ ، بل هَلكا


وبعده البيت ، وبعده :


يا سَلْمَ ما بالشيبِ مَنْقَصَةٌ ........ لا سوقَةً يُبْقِي ولا ملِكا قَصَرَ الْغَوايةَ عن هَوَى قَمرٍ ........ أجِدُ السَّبيلَ إليهِ مُشتركا يا لَيْتَ شعري كَيْفَ نومكما ........ يا صاحِبَيَّ إذا دمي سُفِكا لا تأخذا بِظُلاَمتي أحَداً ........ قلبي وطَرْفي في دمي اشْتركا


حدث أبو هفان قال : قال مسلم بن الوليد من السريع :


مُستَعبر يبكي على دِمْنَةٍ ........ ورأسُهُ يضحك فيهِ المشيبُ


فسرقه دعبل فقال ، وأنشا البيت ، فجاء به أجود من قول مسلم ، فصار أحق به منه .


وحدث أبو المثنى قال : كنا في مجلس الأصمعي فأنشده رجل لدعبل لا تعجبي يا سلم . . . البيت ، فاستحسناه ، فقال الأصمعي : إنما سرقه من قول الحسين ابن مطير الأسدي من الخفيف :


أين أهلُ القِبابِ بالدَهْناء ........ أين جيرانُنا على الأحْسَاء فارقونا والأرضُ مُلْبَسَةٌ نَوْ _ رَ الأقاحي تُجَادُ بالأنْوَاءِ كلَّ يوم بأقْحُوَانٍ جديدٍ ........ تضحَكُ الأرضُ من بكاء السماء


وروى عن أبي العباس المبرد أنه قال : اخذ ابن مطير قوله تضحك الأرض من بكاء السماء ، من قول دكين الراجز من الرجز :


جُنَّ النباتُ في ذُراها ورَكا ........ وضَحِكَ المزنُ به حتى بكى


وقال أبو هفان : أنشدت يوماً بعض البصريين الحمقاء قول دعبل ضحك المشيب برأسه فبكى فجاءني بعد أيام فقال : قد قلت أحسن من البيت الذي قاله دعبل ، فقلت : يا هذا وأي شيء قلت ؟ فتمنع ساعة ثم قال من الرجز :


قَهْقَه في رأسِهِ القَنبرُ


وقد تداول الشعراء معنى بيت دعبل ، فمنه قول الراضي القرطبي من مجزوء الكامل :


ضحك المشيب برأسِهِ ........ فَبَكى بأعينِ كأسِهِ رجُلٌ تَخَوَّنه الزما _ نُ ببُوسِهِ وببأسِهِ فجرَى على غُلَوَائِهِ ........ طَلْقَ الجموحُ بفأسِهِ أخذاً بأوفَرِ حَظِّه ........ لرجائه من يأسهِ


ومنه أيضاً قول ابن نباتة المصري رحمه الله تعالى من السريع :


تَبسُّمُ الشيب بذقْن الفتى ........ يوجِبُ سَحَّ الدمع من جَفْنهِ حسبُ الفتى بعد الصبا ذلَّةً ........ أن يضحك الشيب على ذقنه


ولمؤلفه رحمه الله تعالى أيضاً في هذا المعنى من مجزوء الرمل :


ضحك الشيب برأسي ........ فبكتْ عيني الشَّبَابا


ومن البكاء على الشباب ، وهو أبكى بيت قيل في فقده ، وينسب لأبي الغصن الأسدي من الوافر :


أتأَملُ رجْعَةَ الدنيا سَفَاهاً ........ وقد سار الشبابُ إلى الذهابِ فَلَيْتَ الباكياتِ بكلِّ أرضٍ ........ جُمِعْنَ لنا فَنُحْن على الشبابِ


وما أحسن قول أبي العلاء المعري فيه أيضاً من البسيط :


وقد تَعَوَّضْتُ عن كلٍّ بمشْبهِهِ ........ فما وجدتُ لأيام الصِّبَا عِوَضا


وقول الآخر من الكامل :


شَيآنِ لو بكَتِ الدماءَ عَلَيهمَا ........ عينايَّ حتى تُؤْذنا بذَهاب لم تَبْلُغا المعشار من حَقِّيْهما ........ فَقْدُ الشباب وفُرْقَة الأحبابِ


ولأبي بكر بن مجير من الكامل :


رَحَلَ الشباب وما سمعْتُ بعَبرَةٍ ........ تجري لمثْلِ فِرَاقِ ذاكَ الرَّاحِلِ قد كنت أُزْهَى بالشباب ولم أخَلْ ........ أن الشَّبيبَةَ كالخِضَاب الناصل ظِلٌّ صفا لي ثم زَالَ بسرعةٍ ........ يا ويحَ مُغتُرٍ بظل زائِل


ولابن حمديس في قريب من معناه من الطويل :


ولم أرَ كالدنيا خَؤوناً لصَاحِبٍ ........ ولا كمصابي بالشَّباب مُصَابا فَقَدْتُ الصِّبا فابيَضَّ مُسْودُّ لمتى ........ كأنَّ الصبا للشيب كان خضابا


ولأبي الفتح البستي فيه من الخفيف :


دعْ دموعي تَسيلُ سَيْلاً بدارا ........ وضُلوعي يَصْلَينَ بالوَجْدِ نارا قد أعادَ الأسىَ نهاريَ لَيْلاً ........ مذْ أعاد المشيبُ ليلي نَهارا


ولعلى بن محمد الكوفي في البكاء من المشيب والبكاء عليه من الوافر :


بكى للشَّيْبِ ثم بكى عَلَيه ........ فكانَ أعَزَّ من فَقْدِ الشبابِ فَقلْ للشيب لا تبرَحْ حميداً ........ إذا نادى شبابي بالذهابِ


ومثله قول مسلم بن الوليد من البسيط :


الشيب كُرْهٌ وكُرهٌ أن يُفارقني ........ فاعجَبْ لشيء على البَغْضاء مَوْدُود يمضي الشباب وقد يأتي له خَلفٌ ........ والشيب يذهَبُ مفقوداً بمفقود


وقد أعاد مسلم بن الوليد هذا المعنى فقال من البسيط :


لا يرحل الشيبُ عن دار أقام بها ........ حتى يُرَحَّلُ عنها صاحِبُ الدار


ويقال : إن مسلماً أخذ هذا المعنى من قول بعض الأعراب من الرجز :


أسْتَغفر الله وأستَقِيله ........ ما أنا ممن شَيبُهُ يَهُولهُ أعظَم من حاولهِ رحيلُهُ


ومثل قول مسلم قول للبحتري من الوافر :


يعيبُ الغانياتُ علىَ شيبي ........ ومَنْ لي أن أُمَّتَع بالمشيبِ ووجْدِي بالشباب وإن تَقَضَّى ........ حميداً دونَ وجدي بالمشيب


وما أحسن قول كشاجم الكاتب : من الطويل :


تَفَكرْتُ في شَيبِ الفتى وشبابه ........ فأيقَنتُ أن الحق للشيب واجبُ يصاحِبني شرخُ الشباب فَينْقَضي ........ وشيبي إلى حين المماتُ مُصَاحب


وبديع قول الغزي من الكامل :


ذهبَ الشباب ذهابَ سهم مارِقٍ ........ لا يُسْتطاعُ مع التأسُّفِ ردُّهُ وأتى المشيب بقَضِّهِ وقَضيضهِ ........ وأشَدُّ من وجدانِ ذلك فَقْدهُ أنا في السُّرى والسَّير كالطِّفل الذي ........ يجدُ السكونَ إذا تحَرَّكَ مَهدُه من يَقْتَدحْ زنداً بكَفّ ما لها ........ زنْدٌ فكيف تراه يقدح زنده


وبديع أيضاً قول حسن بن النقيب رحمه الله تعالى من الكامل :


لا تأسَفَنَّ على الشباب وفَقْده ........ فَعلى المشيب وفَقْده يُتأسَّف هذا ذاك يخلُفه سواه إذا انقضى ........ ومَضَى ، وهذا إن مضى لا يُخْلَف


وقوله أيضاً من المنسرح :


عجبت للشيب كنت أكرَههُ ........ فأصبَحَ القلب وهوَ عاشقُهُ وكنت لا أشْتَهي أراه وقد ........ أصْبَحْتُ لا أشْتَهي أفارقهُ


وما أحسن قول الصفي الحلي من الخفيف :


لو تَيَقَّنْتُ أن شَينَ بياض الشيب يبقى لما كَرهت البياضا غيرَ أنِّي علمت من ذلكَ الزَّا _ ئِرِ ما يقتضى وإذا يَتقَاضى


ولأبي الفتح البستي رحمه الله تعالى فيه من الكامل :


يا شَيْبتي دومي ولا تترحَّلي ........ وتيَّقِني أني بوصلك مُولَع قد كنت أجْزَعُ من حلولك مرة ........ والآن من خوف ارتحالك أجزع


ولأبي اليمن الكندي فيه أيضاً ، من الطويل :


عفا الله عما جرَّه اللهو والصبا ........ وما مرَّ منْ قَالِ الشباب وقيله زمانٌ صحبناه بأرغد عيشة ........ إلى أن مضى مستكرهاً لسبيلهِ وأعقَبَنَا من بعدهِ غير مُشْتَهي ........ مَشيباً نَفى عنَّا الكَرَى بحلُولهِ لئن عَظَمتْ أحْزَانُنا بقُدومِهِ ........ فأعْظَمُ منها خَوْفُنا من رَحيلهِ


وقد خالف ابن الرومي حيث يقول من المنسرح :


من كانَ يبكي الشبابَ من أسَفِ ........ فَلَست أبكي عليه من أسَفِ كيفَ وشَرْخُ الشباب عرَّضني ........ يومُ حِسَابي لِمَوْقفِ التَّلَفِ لا صُوحِبَتْ شِرَّةُ الشباب ولا ........ عدِمتُ ما في المشيبِ مِنْ خَلَفِ


ومثله قول بعضهم من الخفيف :


لم أقلْ للشباب في دعَة الله ولا حفظهِ غَدَاةَ اسْتَقَلاَّ زائر زارنا قامَ قَليلاً ........ سَوَّدَ الصُّحْفَ بالذنوبِ وولى


ومن الجيد أيضاً قول العلوي من الوافر :


لَعَمْرُكَ لَلمشيبُ عليَّ مما ........ فَقَدْتُ من الشباب أجَلُّ فوتا تمَليتُ الشباب فصارَ شيباً ........ ومُلِّيتُ المشيبَ فصار مَوْتا


وما أحسن أيضاً قول الآخر من البسيط :


والمرءُ إن حَلَّ شَيْبٌ في مفارقه ........ فما يفارِقُه أو يرحلانِ معا


وما أحسن قول المعري في مدح الشيب من الخفيف :


خبرِيني ماذا كرِهْتِ من الشَّيْب فلا علم لي بذنبِ المشيب أضيِاَء النهارِ أم وضَحَ اللؤ _ لؤ أم كونَهُ كثغر الحبيبِ أخبريني فضلَ الشباب وماذا ........ فيه من مَنْظر يَسُرُّ وطيبِ غَدْره بالخليل أم حبهُ للغي أم كونهُ كعيش الأديبِ


وبالجملة فما أحسن قول الحافظ بن سهل بن غانم الأصفهاني وأصدقه من مخلع البسيط :


من شابَ قد ماتَ وهوَ حَيٌّ ........ يمشي على الأرضِ مَشْيَ هالِكِ لو كانَ عمرُ الفتى حِساباً ........ لكان في شيْبه فذلك


والشاهد في البيت : الجمع بين معنيين غير متقابلين عبر عنهما بلفظين يتقابل معنياهما الحقيقيان ، فإنه هنا لا تقابل بين البكاء وظهور الشيب ، لكنه عبر عن ظهروه بالضحك الذي يكون معناه الحقيقي مضاداً لمعنى البكاء ، ويسمى إيهام التضاد ، لأن المعنيين المذكورين وإن لم يكونا متقابلين حتى يكون التضاد حقيقياً ، لكنهما قد ذكرا بلفظين يوهمان التضاد ، نظراً إلى الظاهر والحمل على الحقيقة .


ومن الشواهد على إيهام التضاد قول أبي تمام الطائي من الكامل :


وتَنَظَّرِي خَبَبَ الركاب ينُّصها ........ مُحْيي القريض إلى مميت المال


فليس بين محي ومميت هنا تضاد بالمعنى ، إلا بما يتوهم من اللفظ ، لأن محيي القريض هنا كناية عن مجيده ، ويعني به نفسه ، ومميت المال كناية عن مفنيه في الكرم ، وليس بينهما تضاد .


ومنه قول الشاعر من الكامل :


يبدي وِشاحاً أبيضاً من سيفه ........ والجوُّ قد لبس الرداء الأْغبَرَا


فإن الأبيض ليس بضد الأغبر ، وإنما يوهم بلفظه أنه ضده .


ودعبل : هو ابن على بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي ، ويكنى أبا علي ، وهو شاعر مطبوع متقدم هجاء خبيث اللسان ، لم يسلم منه أحد من الخلفاء ، ولا من وزرائهم ، ولا من أولادهم ، ولا ذو نباهة : أحسن إليه ، أو لم يحسن ، ولا أفلت منه كبير أحد .


وحدث أبو هفان قال : قال لي دعبل : قال لي أبو زيد الأنصاري : مم اشتق دعبل ؟ قلت : لا أدري ، قال : الدعبل الناقة التي معها أولادها .


وحدث محمد بن أيوب ، قال : دعبل اسمه محمد ، وكنيته أبو جعفر ، ودعبل لقب لقب به .


وعن أبي عمرو الشيباني قال : الدعبل البعير المسن .


وحدث دعبل قال : كنت جالساً مع بعض أصحابنا ذات يوم ، فلما فقمت سأل رجل لم يفرقني أصحاباً عني ، فقالوا : هذا دعبل ، قال : قولوا في جليسكم خيراً ، كأنه ظن اللقب شتماً .


وقال دعبل : صرع مجنون مرةً ، فصحت في أذنه : دعبل ثلاث مرات ، فأقاق .


وكان سبب خروجه من الكوفة أنه كان يتشطر ، ويصحب الشطار ، فخرج هو ورجل من أشجع فيما بين العشاء والعتمة ، فجلسا على طريق رجل من الصيارفة ، كان يروح كل ليلة بكيسه إلى منزله ، فلما طلع مقبلاً عليهما وثبا عليه وجرحاه وأخذا ما في كيسه ، فإذا هي ثلاث رمانات في خرقة ولم يكن كيسه معه ليلتئذ ، ومات الرجل في مكانه ، واستتر دعبل وصاحبه ، وجد أولياء الرجل في طلبهما ، وجد السلطان أيضاً في ذلك ، فطال على دعبل الاستنار ، فاضطر إلى أن يهرب من الكوفة ، فما دخلها حتى كتب إليه أهله أنه لم يبق من أولياء الرجل أحد .


وحدث أحمد بن أبي كامل قال : كان دعبل يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع ، وقد أفاد وأثرى ، وكانت الشراة والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه ، يؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه ، وكان إذا لقيهم وصع طعامه وشرابه ودعاهم إليه ، ودعا بغلاميه نفنف وشنغف - وكانا مغنيين - فأقعدهما يغنيان وسقاهم وشرب معهم ، وأنشدهم ، فكانوا قد عرفوه وألفوه لكثرة أسفاره ، وكانوا يواصلونه ويصلونه . قال : وأنشدني دعبل لنفسه في بعد أسفاره من الطويل :


حللتُ محلاً يَقْصُر البرْقُ دونهُ ........ ويعجز عنه الطيفُ أن يتجشَّما


وحدث محمد بن عمر الجرجاني قال : دخل دعبل الري في أيام الربيع ، فجاءهم ثلج لم ير مثله في الشتاء ، فجاء شاعر منم شعرائهم ، فقال شعراً ، وكتبه في رقعة وهو من الخفيف :


جاءَنا دِعبلٌ بثلج من الشعر فجادت سماؤنا بالثلوج نزل الري بعد ما سكن البر _ دُ وقد أينعت رياضُ المروجِ فكسانا ببرده لا كساه الله ثوباً من كرسفٍ محلوجِ


وألقى الرقعة في دهليز دعبل ، فلما قرأها ارتحل عن الري .


وحدث أحمد بن خالد ، قال : كنا يوماً عند دار رجل ، يقال له صالح ابن علي ابن عبد القيس ببغداد ، ومعنا جماعة من أصحابنا ، فسقط على كنيسة في سطحها ديك طار من بيت دعبل ، فلما رأيناه قلنا هذا صيد ، فأخذناه ، فقال صالح : ما نصنع به ؟ قلنا : نذبحه ، فذبحناه وشويناه يومنا ، وخرج دعبل فسال عن الديك ، فعرف أنه سقط في دار صالح ، فطلبه منه فجحدناه ، وشربنا يومنا ، فلما كان من الغد خرج دعبل فصلى الغداة ، ثم جلس على باب المسجد ، وكان ذلك المسجد مجمع الناس ، يجتمع فيه جماعة من العملاء ، ونبهاء الناس ، فجلس دعبل على باب المسجد ، وقال من الكامل :


أسَرَ المؤذِّنَ صالحٌ وضُيُوفُهُ ........ أسْرَ الكمىِّ هفا خلالَ المأقط بَعثُوا عليهِ بناتهمْ وبنيهمُ ........ ما بينَ ناتفةٍ وآخر سامطِ يتنازعون كأنهم قد أوثقوا ........ خاقان أو هزموا كتائب ناعطِ نهشوه فانتزعتْ له أسنانهمْ ........ وتهشمتْ أقفاؤهمْ بالحائطِ


قال : فكتبها الناس عنه ومضوا ، فقال لي أبي ، وقد رجع إلى البيت : ويحكم ! ضاقت عليكم المآكل ، فلم تجدوا شيئاً تأكلونه سوى ديك دعبل ثم أنشدنا الشعر ، وقال لي : لا تدع ديكاً ولا دجاجة تقدر عليها إلا اشتريت ذلك لدعبل وبعثت به إليه ، وإلا أوقعتنا في لسانه ، ففعلت ذلك .


قال : وناعط : قبيلة من همدان ، وأصله جبل نزلوا به فنسبوا إليه .


وقال دعبل : كنا يوماً عند سهل بن هارون الكاتب البليغ ، وكان : شديد البخل ، فأطلنا الحديث واضطره الجوع إلى أن دعا بغداء له ، فأتى بقصعة فيها ديك جاسٍ هرم ، لا تخرقه سكين ولا يؤثر فيه ضرس ، فأخذ كسرة خبز ، فخاض بها مرقته وقلب جميع ما في القصعة ففقد الرأس ، فبقي مطرفاً ساعة ثم رفع رأسه ، وقال للطباخ : أين الرأس ؟ فقال : رميت به ، فقال : ولم ؟ قال : ظننتك لا تأكله ، قال : بئس ما ظننت ! والله إني لأمقت من يرمي برجليه ، فكيف من يرمي برأسه ، والرأس رئيس ، وفيه الحواس الأربع ، ومنه يصيح ولو لا صوته لما فضل ، وفيه فرق الذي يتبرك به ، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل ، فيقال : شراب كعين الديك ، ودماغه عجب لوجع الكليتين ، ولم ير عظم قط أهش من عظم رأسه ، أوما علمت أنه خير من طرف الجناح ، ومن الساق ، ومن العنق ، فإن كان قد بلغ من نبلك أنك لا تأكله فإنا نأكله ، فانظر أين هو ؟ قال : لا أدري والله أين هو ، رميت به ، قال : لكني أدري أن هو ، رميت به في بطنك فالله حسيبك .


وحدث إبراهيم بن المدبر ، قال : لقيت دعبل بن علي ، فقلت له : أنت 194


أخبر الناس عندي وأقدمهم حيث تقول ، يعني في حق المأمون من الكامل :


إني منَ القوم الذينَ سيوفهمْ ........ قتلتْ أخاكَ وشرَّفتكَ بمقعدِ رفعوا مَحَلِّكَ بعد طول خُمولهِ ........ واستنقذوكَ من الحضيض الأوهدِ


فقال لي : يا أبا إسحاق ، أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة ، فلا أجد من يصلبني عليها بعد .


وبات دعبل ليلة عند صديق له من أهل الشأم ، وبات عندهم رجل من أهل بيت لهيان ، يقال له حوي بن عمرو السكسكي ، وكان جميل الوجه ، فدب إليه صاحب البيت ، وكان شيخاً كبيراً فانياً قد أتى عليه حين ، فقال فيه دعبل من السريع :


لولا حويٌّ لبيت لهيان ........ ما قامَ أيرُ العزب الفاني لهُ دَواةُ في سراويلهِ ........ يليقها النازحُ والدَّاني


وشاع هذان البيتان ، فهرب حوي من ذلك البلد ، وكان الشيخ إذا رأى دعبلاً سبه ، وقال : فضحتني أخزاك الله .


وحدث محمد بن الأشعث قال : سمعت دعبلاً يقول : ما كانت لأحد عندي منة قط إلا تمنيت موته .


وكان دع بل قد مدح محمد بن عبد الملك الزيات ، فأنشده ما قاله فيه ، وهو جالس وفي يده طومار قد جعله على فيه كالمتكئ عليه وهو جالس ، فلما فرغ أمر له بشيء قليل لم يرضه ، فقال من البسيط :


يا منْ يقبلُ طوماراً ويلثمهُ ........ ماذا بقلبكَ من حُبّ الطواميرِ فيه مَشَابهُ من شيء تُسَرُّ بهِ ........ طولاً بطولٍ وتدويراً بتدويرِ لو كنتَ تجمعُ أموالاً كجمعكها ........ إذاً جمعتَ بيوتاً من دنانيرِ


وقال دعبل في الفضل بن مروان من الطويل :


نصحتُ فأخلصتُ النصيحة في الفضلِ ........ وقلتُ فسيرت المقالة في الفضلِ ألا إنّ في الفضلِ بن سهلٍ لعبرةً ........ إِذَا اعتبرَ الفضل بن مروانَ بالفضلِ وللفضلِ في الفضلِ بن يحيى مواعظٌ ........ إذا فكرَ الفضلُ بن مروان في الفضلِ فأبْقِ جميلاً من حديثٍ تَفزْ بهِ ........ ولا تدعِ الإحسانَ والأخذَ بالفضلِ فإنكَ قدْ أصبحتَ للملكِ قَيْماً ........ وصرتَ مكان الفضلِ والفضلِ والفضلِ ولم أرَ أبياتاً منَ الشعرِ قبلها ........ جميعُ قوافيها على الفضلِ والفضلِ وليسَ لها عيْبٌ إذا هيَ نشدَتْ ........ سوى أنَّ نصحي الفضلَ كان من الفَضلِ


فبعث إليه الفضل بدنانير ، وقال له : قد قبلت نصحك ، فاكفني خيرك وشرك .


وحدث محمد بن حاتم المؤدب ، قال : قيل للمأمون : إن دعبلاً قد هجاك ، فقال : وأي عجب في هذا ؟ هو يهجو أبا عباد فلا يهجوني أنا ، ومن أقدم على جنون أبي عباد أقدم على حلمي ، ثم قال لجلسائه : من كان فيكم يحفظ شعره في أبي عباد فلينشده ، فأنشده بعضهم من الكامل :


أولىَ الأمورِ بضيعةٍ وفسادِ ........ أمْرٌ يدبرُهُ أبو عبادِ خرقٌ على جلسائه فكأنهمْ ........ حضروا لملحمة ويوم جلادِ يسطو على كتابه بدواتهِ ........ فمضمخ بدمٍ ونضحِ مِدادِ وكأنه من دير هرقلَ مفلتٌ ........ حَرِدٌ يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ فاشددْ أَميرَ المؤمنين وثاقهُ ........ فأصحُّ منه بقيةُ الحدَّاد


قال : وكان بقية هذا مجنوناً في المارستان ؛ فضحك المأمون ، وكان إذا نظر إلى أبي عباد يضحك ، ويقول لمن يقرب منه : والله ما كذب دعبلٌ في قوله .


وحدث أبو ناجية ، قال : كان المعتصم يبغض دعبلاً لطول لسانه ، وبلغ دعبلاً أنه يريد اغتياله وقتله ، فهرب إلى الجبل ، وقال يهجوه ، من الطويل :


بكى لشتات الدين مكتئبٌ صبٌّ ........ وفاضَ بفرط الدمعِ من عينهِ غَرْبُ وقامَ إمامٌ لم يكنْ ذا هدايةٍ ........ فليسَ له دينٌ وليس لهُ لبُّ وما كانت الأنباءُ تأتي بمثلهِ ........ يُمَلَّكُ يوماً و تدينُ له العُرْبُ ملوكُ بني العباسِ في الكتب سبعةٌ ........ ولم تأتنا عن ثامنٍ لهمُ كتبُ كذلكَ أهلُ الكهف في العدّ سبعةٌ ........ خيارٌ إذا عُدُّوا ، وثامنهم كلبُ وإني لأُعْلِي كلبهمْ عنكَ رفعةً ........ لأنكَ ذو ذنبٍ وليسَ لهُ ذَنبُ لقد ضاع ملكُ الناس إذ ساس ملكهمْ ........ وصيفٌ وأشناسٌ وقد عظم الكربُ وفضلُ بنُ مَرْوان سيثلمُ ثلمةً ........ يظلّ لها الإسلامُ ليسَ لهُ شَعْب


ولما مات المعتصم قال ابن الزيات يرثيه من المنسرح :


قد قلتُ إذا غيبوهُ وانصرفوا ........ في خير قبرٍ لخير مدفونِ لنْ يجبر الله أُمة فقدَتْ ........ مثلك إلا بمثل هرونِ


فقال دعبل يعارضه من المنسرح :


قد قلتُ إذ غيبوه وانصرَفوا ........ في شرّ قَبرٍ لشرِّ مدفونِ اذهبْ إلى النار والعذاب فَما ........ خلتكَ إلا من الشياطينِ ما زلتُ حتى عقَدْتَ بيعةَ منْ ........ أضَرَّ بالمسلمين والدينِ


وحدَّث محمد بنْ جريرٍ ، قال : أنشدني عبد الله بن يعقوب هذا البيت وحده لدعبل ، يهجو به المتوكل ؛ وما سمعت له يغره فيه ، من الوافر :


ولستُ بقائلٍ بدعا ولكنْ ........ لأمرٍ ما تَعَبَّدَكَ العبيدُ


قال : يرميه في هذا البيت بالأبنة .


وحدث محمد بن جرير قال : كنت مع دعبل بالصيمرة ، وقد جاءنا نعي المعتصم ، وقيام الواثق ، فقال لي دعبل : أمعك ما تكتب فيه ؟ قلت : نعم ، فأخرجت قرطاساً ، فأملى علي بديهاً من البسيط :


الحمد لله لا صبرٌ ولا جلدُ ........ ولا عزاءٌ إذا أهلُ البلا رقدُوا خليفةٌ ماتَ لم يحزن لهُ أحدٌ ........ وآخر قامَ لم يفرح به أحدُ


وكان المأمون قد تطلب دعبلاً ، وجد في ذلك وهو طائر على وجهه ، حتى دس إليه قوله من الكامل :


علم وتحكيمٌ وشيب مَفَارق ........ تطميسُ ريعان الشباب الرائقِ وإمارةٌ في دولةٍ ميمونةٍ ........ كانت على اللذات أَشغبَ عائقِ نَعَوُا ابن شكلةَ بالعراقِ وأهلهِ ........ فَهَفَا إليه كلُّ أخرَقَ مائِق أنى يكونُ ولا يكونُ ولم يكنْ ........ يرثُ الخلافةَ فاسقٌ عن فاسقِ إن كان إبراهيم مضطلعاً بها ........ فلتصلُحَنْ من بعده لمخارقِ


ولما قرأها المأمون ضحك ، وقال : قد صفحت عن كل ما هجانا به إذ قرن إبراهيم بمخارق في الخلافة ، وولاه عهده ، ثم إنه كتب إلى دعبل أماناً ، فلما دخل وسلم عليه تبسم في وجهه ؛ وقال أنشدني :


مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةِ


فجزع ، فقال له : لك الأمان ، فلا تخف ، وقد رويتها ، ولكني أحب سماعها من فيك : فنشده إياها إلى آخرها والمأمون يبكي ، حتى اخضلت لحيته بدمعه ، ثم إنه أحسن إليه وانسر به ، حتى كان أول داخل إليه ، وآخر خارج من عنده ، ثم عاد إلى خباثته ، وشاعت له أبيات بعدها أيضاً ، يهجو بها المأمون .


وحدث دعبل قال : دخلت على علي بن موسى الرضي ، فقال : أنشدني مما أحدثت ، فأنشدته من الطويل :


مَدَارِسُ آياتٍ َخَلْت مِنْ تِلاَوَةٍ ........ ومنْزلُ وحْيٍ مُقْفرُ العَرَصاتِ


حتى انتهيت إلى قولي فيها :


إذا وُتِرُوا مَدُّوا إلى واتِريهِمُ ........ أكُفّاً عن الأوْتَارِ مُنقَبِضَاتِ


قال : فبكى عنده حتى أغمي عليه ، فأومأ إلى خادم كان على رأسه أن أسكت فسكت ، فمكث ساعة ثم قال لي : أعد ، فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى ، وأومأ الخادم أيضاً إلي أن أسكت ، فسكت ، ثم مكث ساعة أخرى ثم قال لي : أعد ، فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها ، فقال : أحسنت أحسنت ، ثلاث مرات ، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه ، ولم تكن دفعت إلى أحد بعد ، وأمر لي من في منزله بحلى كثير أخرجه إلى الخادم فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة ، اشتراها مني الشيعة ، فحصل لي مائة ألف درهم ، فكان أول مال اعتقدته .


ثم إن دعيلا استوهب من علي بن موسى الرضي رضي الله عنهما ثوباً قد لبسه ليجعله في أكفانه ، فخلع جبة كانت عليه فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم ، فلم يفعل ، فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها غصباً ، وقالوا له : إن شئت أن تأخذ المال فافعل ، وإلا فأنت أعلم ، فقال لهم : إني والله لا أعطيكم إياها طوعاً ، ولا تنفعكم غصباً ، وأشكوكم إلى الرضي ، فصالحوه على أن أعطوه ثلاثين ألف درهم وفرد كم من بطانتها ، فرضي بذلك .


وحدث دعبل قال : لما هربت من الخليفة بت ليلة بنيسابور وحدي ، وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة ، فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود علي قائلاً يقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أألج يرحمك الله ؟ فاقشعر بدني من ذلك ، ونالني أمر عظيم ، فقال لي : لا ترع فإني رجل من إخوانك من الجن من ساكني اليمن طرأ علينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك مدارس آيات . . . إلى آخرها فأحببت أن أسمعها منك ، قال : فنشدته إياها ، فبكى حتى خر ثم قال : يرحمك الله ألا أحدثك بحديث في نيتك ويعينك على التمسك بمذهبك ؟ قلت بلى ، قال : مكثت حيناً أسمع بجعفر بن محمد رحمهما الله تعالى ، فصرت إلى المدينة المنورة فسمعته يقول : حدثني أبي عن أبيه عن جده رضي الله عنهم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "على وشيعته هم الفائزون" ثم ودعني لينصرف فقلت : يرحمك الله ! إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل ، قال : أنا ظبيان بن عامر .


وحدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال : بويع إبراهيم بن المهدي ببغداد وقد قل المال عنده ، وكان قد لجأ إليه أعراب من أعراب السواد وغيرهم من أوباِ الناس وأوغادهم ، فاحتبس لعيهم العطاء ، فجعل إبراهيم يسوفهم وهم لا يرون لوعده حقيقة ، إلى أن خرج رسوله إليهم يوماً وقد اجتمعوا وضجوا فصرح إليهم بأنه لا مال عنده ، فقال قوم من غوغاء أهل بغداد : أخرجوا إلينا خليفتنا ليغني أهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاءهم ولأهل هذا الجانب مثلها ، قال إسحاق : فأنشدني دعبل بعد أيام من السريع :


يَا مَعْشَر الأجْنَادِ لا تَقْنَطُوا ........ وارّضوْا بمَا كاَن ولا تَسْخَطُوا فَسَوْفَ تُعْطَونَ حنّينَةً ........ يَلْتذَها الأمْرَدُ وَالأشْمَطُ والمَعْبَدِيّاتُ لِقُوّادِكُمْ ........ لا تَدْخُلُ الكِيسَ ولا تُرْبَطُ وهَكَذَا يرزُقُ قُوَّادَه ........ خليفَةٌ مُصْحَفه البَرْبَطُ


ودخل عبد الله بن طاهر على المأمون فقال له : أي شيء تحفظ يا عبد الله لدعبل ؟ قال : أحفظ أبياتاً له في أهل بيت أمير المؤمنين ، قال : هاتها ، فأنشده عبد الله قوله من البسيط :


سقياً ورَعْياً لأيّام الصِّبَاباتِ ........ أيامَ أرفُلُ في أثْوَاب لَذَّاتي أيام غُصني رَطيبٌ مِنْ ليانتهِ ........ أصْبُو إلى غيْرِ جارَاتٍ وكنّاتِ دعْ عنْكَ ذكر زمَانٍ فاتَ مطْلَبه ........ واقْذِف برجْلِكَ عَنْ متن الجَهَالاَتِ واقْصِدْ بِكلِّ مديح أنْتَ قائِلهُ ........ نَحْوَ الهُدَاةِ بني بَيْتِ الكَرَامات


فقال المأمون : إنه وجد والله مقالاً فقال ، ونال ببعيد ذكرهم ما لا يناله في وصف غيرهم ، ثم قال المأمون : لقد أحسن في وصف سفر سافره فطال ذلك السفر عليه فقال فيه من الطويل :


ألم يأنِ لِلسّفْر الذِّينَ تَحَمّلوا ........ إلى وطَنٍ قبْلَ المَماتِ رُجُوعُ فَقُلْتُ ولمْ أمْلِكْ سوَابِقَ عَبْرةٍ ........ نَطَقْنَ بمَا ضُمّتْ عَلَيْه ضلُوعُ تَبَّين فكَمْ دارٍ تَفَرَّقَ شَمْلُها ........ وَشَمْلٍ شَتيتٍ عادَ وهْوَ جمِيعُ كَذَاك اللَّيَالي صَرْفُهُنّ كما تَرَى ........ لِكلِّ أُناسِ جَدْبَةٌ وَرَبيعُ


ثم قال المأمون : ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني وهجيراى ومسليتي حتى أعود .


ومن شعره يهجو من مجزوء الخفيف :


رُفعَ الكلْبُ فاتَضَعْ ........ لَيْسَ في الكلبِ مُصطَنعْ بَلَغَ الغايَةَ الَّتي ........ دُونَهَا كلُّ ما ارْتفَعْ إِنما قَصْرُ كلِّ شَيْ _ ءٍ إذا طَارَ أنْ يَقَعْ لَعَنَ اللهُ نَخْوَةً ........ صارَ مِنْ بَعْدِها ضَرَعْ


ومن شعره يهجو أيضاً من البسيط :


سُمْعُت المَدِيحَ رجالاً دون ما لهمُ ........ رَدٌّ قَبيحٌ وقَوْلٌ لَيْسَ بالحَسَن فلم أفُزْ مِنْهُم إلا بمَا حَمَلتْ ........ رِجْلُ البَعُوضةِ مِنْ فَخَّاَرة اللَّبَن


ومنه قوله فيمن استشفع به في حاجة فاحتاج إلى شفيع يشفع له من السريع :


يا عَجَباً لِلْمرتَجِي فَضْلَهُ ........ لَقَدْ رَجا ما لَيْسَ بالنْافع جئْنا به يَشْفَعُ في حاجةٍ ........ فاحْتاجَ في الأذنِ إلى شافع


وحدث دعبل قال : خرجت إلى الجبل هارباً من المعتصم ، فكنت أسير في بعض طريقي والمكاري يسوق بي بغلاً تحتي وقد أتعبني تعباً شديداً ، فتغني المكاري بقولي من الكامل :


لا تَعْجبي يَا سلم مِنْ رَجلٍ ........ ضحكَ المَشيبُ برأسِهِ فبكى


فقلت له وأنا أريد أن أتقرب إليه ليكف ما يستعمله من الحث للبغل لئلا يتعبني : تعرف لمن هذا الشعر يا فتى ؟ قل : لمن ناك أمه وغرم درهمين ، فما أدري من أي أموره أعجب : أمن هذا الجواب ، أمير المؤمنين من قلة الغرم على عظم الجناية .


وحدث على بن عبد الله بن مسعدة قال : قال لي دعبل وقد أنشدته قصيدة بكر بن خارجة في عيسى بن البراء النصراني من الرجز :


زُنَّارُه في خَصْرِهِ مَعقُود ........ كأنه مِنْ كَبِدِي مقْدُودُ


والله ما أعلم أني حسدت أحداً كما حسدت بكراً على قوله : كأنه من كبدي مقدود ، وكان بكر هذا وراقاً ضيقاً عشيه معاقراً للشراب في منازل الخمارين وحاناتهم وكان طيب الشعر مليحاً مطبوعاً حسناً ماجناً خليعاً ، وكانت الخمرة قد أفسدت عقله في آخر عمره ، فصار يهجو ويمدح بالدرهم والدرهمين ونحو هذا ، فاطرح .


وحدث بعض الكوفيين قال : حضرنا دعوة ليحيى بن أبي يوسف القاضي وبتنا عنده ونمت ، فما أنبهني إلا صياح بكر يستغيث من العطش ، فقلت له : مالك ؟ قم فاشرب فالدار ملأى ماء ، قال : أخاف ، قلت : من أي شيء ؟ قال : في الدار كلب كبير فأخاف أن يظنني غزالاً فيثب علي ويقطعني ويأكلني ، فقلت له : خرب الله بيتك ! أنت والله بالخنازير أشبه منك بالغزلان ، قم فاشرب إن كنت عشاناً وأنت آمن ، وكان عقله قد فسد من كثرة الشرب .


وحدث أحمد بن عثمان الطبري قال : سمعت دعبل بن علي يقول : لما هاجيت أبا سعد المخزومي أخذت معي جوزاً ودعوت الصبيان فأعطيتهم منه وقلت لهم : صيحوا به قائلين من مجزوء الخفيف :


يا أبا سَعد قوصره ........ زاني الأخْتِ والمَرَهْ لو تراه مجيباً ........ خِلْتَهُ عقْدَ قَنْطرَهْ أو تَرَى الأير في استِهِ ........ قلت ساق بمقطره


فصاحوا به فغلبته .


ولأبي سعد المخزومي يهجو دعبلاً ، وكان قد دعاه إلى بيته ، وأضافه من المنسرح :


لدعْبلٍ مِنّةٌ يَمُنُّ بها ........ فَلسْتُ حتى الممات أنساها أدخلنا بَيْتَهُ فأكرمنا ........ ودَسّ امرأتهُ فنكناها


وحدث أبو سعد المخزومي ، واسمه عيسى بن خالد الوليد ، قال : أنشدت المأمون قصيدتي الدالية التي رددت فيها على دعبل قوله من الكامل :


ويَسومني المأمونُ خُطّة عاجز ........ أو ما رأى بالأمس رأسَ مُحمَّدِ


وأول قصيدتي من الكامل :


أخَذَ َالمَشيبُ من الشباب الأغيد ........ والنَّائِباتُ من الأنام بِمرْصَدِ


ثم قلت له : يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أجيئك برأسه ، فقال : لا هذا رجل قد فخر علينا فافخر عليه كما فخر علينا ، فأما قتله فلا حجة فيه .


وكان الرشيد قد غنى بقول دعبل :


لا تعْجبي يا سَلم مِنْ رَجُل . . . . الأبيات


فطرب لها وسأل عن قائلها ، فقيل : لدعبل غلام نشأ من خزاعة فأمر له بعشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه ومركب من مراكبه ، وجهز له ذلك مع خادم من خدمه إلى خزاعة ، فأعطاه الجائزة وأشار عليه بالمسير إليه ، فلما دخل عليه وسلم أمره بالجلوس فجلس ، واستنشده الشعر ، فأنشده إياه ، فاستحسنه وأمره بملازمته وأجرى عليه رزقاً سنياً ، فكان أول من حرضه على قول الشعر ، ثم إنه ما بلغه أن الرشيد مات حتى كافأه على فعله بأقبح مكافأة وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت رضي الله عنهم وهجا الرشيد من البسيط :


وليْسَ حيٌّ من الأحياء نَعلمه ........ من ذي يَمانٍ ولا بكرٍ ولا مُضَرِ إلا وهم شركاء في دمائهم ........ كما تشارك أيسارٌ على جُزُر قتلٌ وأسْرٌ وتحريقٌ ومنهبة ........ فعلُ الغزاة بأرض الروم والخَزَرِ أرى أُمية مَعذُورين إن قتلوا ........ ولا أرَى لبني العَباس من عُذُرِ أرْبع بطوس على القبْر الزِكي إذا ........ ما كنْتَ تربع من دير إلى وطر قبْران في طوس خيرُ الناس كلهم ........ وقبر شرَّهم ، هذا من العِبَر ما ينفعُ الرِّجس من قرب الزكى ولا ........ على الزكى بقرب الرِّجس من ضرر هيهات كل امرئ رَهْنٌ بما كسبت ........ له يداه ، فخُذْ ما شئت أو فَذَرِ


يعني قبر الرشيد وقبر موسى الكاظم ، ولعمري لقد هذا هذا ، ولنفسه ظلم وآذى .


وحدث أبو حفص النحوي مؤدب آل طاهر ، قال : دخل دعبل على عبد الله بن طاهر فأنشده وهو ببغداد من المنسرح :


جئتُ بلا حُرْمةٍ ولاَ سَبَب ........ إليك إلا بحُرْمة الأدب فاقْضِ ذِمَامِي فإنني رَجُلٌ ........ غيرُ مُلِحٍّ عليك في الطلبِ


قال : فانتقل عبد الله ودخل إلى الحرم ووجه إليه بصرة فيها ألف درهم ، وكتب إليه معها من الكامل :


أعجلْتَنا فأتاك عاجلُ برنا ........ ولَو انتَظَرْتَ كثيرَهُ لم يقلل فخُذِ القليلَ وكن كأنّكَ لم تسل ........ ونكُون نحْنُ كأننا لم نفْعَل


وكان دعبل قد قصد مالك بن طوق ومدحه فلم يرض ثوابه فخرج عنه وقال فيه من السريع :


إنّ ابنَ طوْق وبني تغلب ........ لو قُتلوا أو جُرِحُوا قصره لم يأخذوا من دية درْهما ........ يوماً ولا من أرْشِهِمْ بعْرَهْ دماؤهم ليْسَ لهها طالبٌ ........ مطلولة مِثْل دم العذره وجوهُهُم بيضٌ وأحسابهُمْ ........ سودٌ وفي آذانهمْ صفره


وقال فيه أيضاً من السريع :


سألت عنكم يا بني مالك ........ في نازح الأرْضِينَ والدانيه طرّاً فلم نعرف لكم نسبة ........ حتى إذا قلتُ بني الزّانيهْ قالوا فَدعْ داراً على يمنةٍ ........ وتلكَ ها دارُهُمُ ثانيهْ


فبلغت الأبيات مالكاً ، فطلبه ، فهرب فأتى البصرة وعليه إسحاق بن العباس ابن محمد بن علي العباسي ، وكان قد بلغه هجاء دعبل وعبد الله بن عيينة نزاراً فأما ابن عيينة فإنه هرب منه فلم يظهر بالبصرة طول أيامه ، وأما دعبل فإنه حين دخل البصرة بعث إليه فقبض عليه ، ودعا بالنطع والسيف ليضرب عنقه فحلف بالطلاق على جحدها وبكل يمين تبرئ من الدم أنه لم يقلها ، وأن عدواً له قالها - إما أبو سعد المخزومي أو غيره - ونسبها إليه ليغري بدمه ، وجعل يتضرع إليه ، ويقبل الأرض ويبكي بين يديه فرق له ، فقال : أما إذا أعفيتك من القتل فلا بد أن أشهرك ، ثم دعا له بالعصي فضربه حتى سلح ، وأمر به فألقي على قفاه وفتح فمه ، فرد سلحه فيه ، والمقارع تأخذ رجليه ، وهو يحلف أن لا يكف عنه حتى يستوفيه ويبلعه أو يقتله ، فما رفعت عنه حتى بلع سلحه كله ، ثم خلاه فهرب إلى الأهواز ، وبعث مالك بن طوق رجلاً حصيفاً مقداماً وأعطاه سماً وأمره أن يغتاله كيف شاء ، وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم ، فلم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السوس ، فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة ، فضرب ظهر قدمه بعكاز لها زج مسموم ، فمات من الغد ، ودفن بتلك القرية ، وقيل : بل حمل إلى السوس فدفن فيها .


وكانت ولادته في سنة ثمان وأربعين ومائة . ووفاته في سنة ست وأربعين ومائتين .


ولما مات - وكان صديق البحتري ، وكان أبو تمام قد مات قبله - رثاهما البحتري بقوله من الكامل :


قدْ زادَ في كلفي وأوقدَ لوعتي ........ مَثْوَى حبيب يوم مات ودعبلِ أخويّ لا تزلِ السماء مخيلةَ ........ تغشاكما بسماء مزنٍ مُسْبلِ جدثٌ على الأهواز يبعدُ دُونهُ ........ مسرَى النعيِّ ورِمْةٌ بالموصلِ


ودعبل بكسر الدال وسكون العين المهملتين وكسر الباء الموحدة .


ما أحسن الدينَ والدُّنيا إذا اجتمعا ........ وأقبح الكفر والأفْلاَسَ بالرَّجُلِ


البيت من البسيط ، ويعزى لأبي دلامة .


يحكى أن أبا جعفر المنصور سال أبا دلامة عن أشعر بيت قالته العرب في المقابلة ، فقال : بيت يلعب به الصبيان ، قال : وما هو على ذاك ؟ قال : قول الشاعر ، وأنشده البيت .


قال ابن أبي الأصبع : لا خلاف في أنه لم يقل قبله مثله ، فإنه قابل بين أحسن وأقبح ، والدين والكفر ، والدنيا والأفلاس ، وهو من مقابلة ثلاثة بثلاثة وكلما كثر عدد المقابلة كانت أبلغ .


وأحسن من بيت أبي دلامة قول المتنبي من الطويل :


فلا الجودُ يفني المالَ والجدّ مقبلٌ ........ ولا البخلُ يبقي المالَ والجدُّ مدبرِ


ومن المقابلة قول النابغة الجعدي من الطويل :


فتى تم فيه ما يَسْرُّ صديقَهُ ........ على أن فيه ما يسوء الأعاديا


وقول الفرزدق من الطويل :


وإنا لنمضي بالأكف رماحنَا ........ إِذَا أُرعشتْ أيديكمُ بالمعالقِ


وقول عبد الله بن الزبير الأسدي من الوافر :


فردّ شعورهنّ السودَ بيضاً ........ وَرَدّ وُجوههن البيضَ سودَا


وقل أبي تمام من البسيط :


يا أُمةً كان قبحُ الجور يسخطها ........ دَهراً فأصبح حسنُ العدل يُرْضِيها


وقول البحتري من الخفيف :


فإِذا حاربوا أذلُّوا عزيزاً ........ وإِذَا سالموا أعزُّوا ذَليلاً


وقول يزيد بن محمد المهلبي لسليمان بن وهب من الطويل :


فمنْ كانَ للآثامِ والذُلِّ أرضهُ ........ فأرضكمُ للأجرِ والعزِّ مَعْقِلُ


وقول العباس بن الأحنف من السريع :


اليومُ مِثلُ الحولِ حتى أرَى ........ وَجهكَ والساعةُ كالشهرِ


لأن الساعة من اليوم كالشهر من الحول جزء من اثني عشر .


ولمؤلفه من أبيات من السريع :


لو كانَ ذا الكاشحُ في بلدتي ........ لم يستطعْ يُوِمضُنِي وَمْضاً وكنتُ في العزِّ سماءَ لهُ ........ وكانَ لي مِنْ ذلهِ أرْضَا


وحسنٌ في المقابلة قول الشريف الموسوي من البسيط :


ومنظرٍ كانَ بالسَّرَّاء يضحكُنِي ........ يا قربَ ما عادَ بالضرَّاء يُبكينِي


وقول أبي عبد الله الغواص من البسيط :


جَهْلُ الرئيسِ وحقّ الله يضحكنُا ........ وفعلهُ وإلهِ الناسِ يبُكينَا


وقول ابن شمس الخلافة من الرمل :


طالتِ الشّقوَةُ للمرْءِ إذَا ........ قَصُرَ الرزقُ وطالَ العمرُ


وقول السري الرفاء من مجزوء الرجز :


وصاحب يقدَحُ لِي ........ نارَ السرُورِ بالقدَح في روضةٍ قد لبستْ ........ منْ لؤلؤ الطلّ سبحْ والجَوُّ في مُمسَّكٍ ........ طرازُهُ قوسُ قزَحْ يبكي بِلاَ حزنٍ كمَا ........ يضحك من غير فرحْ


وقوله وقد شرب ليلة في ورق من الطويل :


ومعتدلٍ يسعى إليَّ بكأسهِ ........ وقد كادَ ضوءُ الصبح بالليل يفتكُ وقد حجبَ الغيمُ السماء كأنما ........ يُزَرُّ عليها منهُ ثوبٌ ممسّكُ ظَلِلنا نبثُّ الوجدَ والكأسُ دائرٌ ........ ونهتكُ أستار الهوى فتهتَّكُ ومجلسنا في الماء يهوى ويَرْتقى ........ وإبرِيقنا في الكأس يبكي ويضحك


وقول التمتام الحداد المصري من المنسرح :


أَما ترى الغيثَ كلما ضحكتْ ........ كمائمُ الزهرِ في الرياض بكىَ كالحبّ يبكي لديهِ عاشقهُ ........ وكلما فاضَ دَمعهُ ضحكَا


وما أحسن قول الأرجاني وأرشقه من مخلع البسيط :


شبتُ أنا والتَحى حبيبِي ........ حتى برغمي سلوتُ عنهُ وابيضّ ذَاكَ السوادُ مني ........ واسودّ ذَاكَ البياضُ منهُ


وما أصفى قول الصافي الحلي من الطويل :


مليحُ يغيرُ الغصنَ عند اهتزازهِ ........ ويخجلُ بدرَ التمِّ عندَ شُروقهِ فما فيهِ معنى ناقصٌ غيرُ خَصرهِ ........ ولا فيهِ شيءٌ باردٌ غيرُ ريقهِ


وما أشرق قول الشمس التلمساني من الطويل :


فكم يتجافى خصرُه وهو ناحلٌ ........ وكم يتحالى ريقهُ وهو باردُ وكم يدعي صوناً وهذِي جفونهُ ........ بفَتْرتها للعاشقينَ تواعدُ


ومن مقابلة خمسة بخمسة قول المتنبي من البسيط :


أزُورُهم وسوادُ الليل يشفعُ لي ........ وأنثني وبياض الصبح يغري بِي


وقد أخذه بعضهم أخذاً مليحاً ، فقال من الكامل :


أقلى النهارَ إذا أضاء صباحهُ ........ وأظَلُّ أنتظر الظلامَ الدامسَا فالصبح يَشْمت بي فيقبلُ ضاحكاً ........ والليلُ يَرثي لي فيدير عابسَا


والمتنبي أخذ معنى بيته من مصراع بيت لابن المعتز ، وهو قوله من البسيط :


لا تلقَ إلا بليلٍ مَنْ تواعدُهُ ........ فالشمسُ نَمَّامةٌ والليلُ قَوَّادُ


إلا أن ابن المعتر هجن هذا المعنى بذكر تمامه وقواد ، وأبو الطيب سبكه أحسن سبك وأبدعه ، فصار أحق به منه .


وقال عبد الله بن خميس من شعراء المغاربة من الكامل :


باتتْ له الأهواء أدهم سابقاً ........ وغدَتْ به الأيامُ أشهبَ كابي


فأحسن ما شاء ، لمقابلته الأدهم بالأشهب ، والسابق بالكابي ، على أنه مأخوذ من قول ذي الوزارتين أبي عبد الله بن أبي الخصال ، رحمه الله تعالى من الطويل :


وقد كنتُ أسرى في الظلام بأدهم ........ فها أنا أغدو في الصبَاح بأشهَبِ


وفي بيت كل منهما زيادة على الآخر .


ومن مقابلة ستة بستة ما أورده الصاحب شرف الدين مستوفي إربل ، وهو من الطويل :


على رأس عبدٍ تاجُ عِزٍّ يزينهُ ........ وفي رِجْلِ حرّ قيد ذُلٍّ يَشينهُ


حكى غرس الدين الأربلي ، أن الصاحب المذكور لما أنشد لغيره هذا البيت ، قال هو بديهاً من الطويل :


تسر لئيماً مكرماتٌ تزينهُ ........ وتبكي كريماً حادثاتٌ تهينهُ


ومن مقابلة خمسة بخمسة قول القائل في ذي أبنة من الكامل :


يأتي إلى الأحرار يجلسُ فوقهمْ ........ وينامُ من تحت العبيد ويُوتَى


ومن مقابلة خمسة بخمسة قول النميري الغرناطي من الكامل :


هنّ البدُورُ تغيرتْ لما رأتْ ........ شعرَاتِ رأسي آذنَتْ بتغيرِ رَاحت تحبُّ دُجى شباب مظلم ........ وغدَتْ تعاف ضحى مشيب نيرِ


وأبو دلامة اسمع زند بن الجون ، وأكثر الناس يصحف اسمه ، ويقول : زيد بالياء التحتية ، وهو خطأ ، وإنما هو بالنون ، وهو كوفي أسود ، مولى لبني أسد ، وكان أبو دلامة عبداً لرجل منهم ، يقال له : قضاقض ، فأعتقه وأدرك آخر أيام بني أمية ، ولم يكن له فيها نباهة ، ونبغ في أيام بني العباس ، فانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي ، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره ، ولم يصل لأحد من الشعراء ما وصل لأبي دلامة من المنصور خاصة . وكان أبو دلامة فاسد الدين رديء المذهب ، مرتكباً للمحارم مجاهراً بذلك . وكان يعلم هذا منه ويعرف به فيتجافى عنه للطف محله ، وكان أول ما حفظ من شعره وأسنيت له الجائزة به قصيدة مدح بها أبا جعفر المنصور ، وذكر قتله أبا مسلم ، وفيها يقول من الطويل :


أبا مسلم خوّفتني القتلَ فانْتَحَى ........ عليكَ بما خوفتني الأسدُ الوَرد أبا مسلم ما غير اللهُ نعمةً ........ على عبده حتى يغيرها العبدُ


وأنشدها المنصور في محفل من الناس ، فقال له : احتكم ؟ فقال له : عشرة آلاف درهم . فأمر له بها . فلما خلا به قال له : أما والله لو تعديتها لقتلتك .


وكان المنصور قد أمر أصحابه بلبس السواد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها ، ون يلقوا السيوف في المناطق ، يكتبوا على ظهورهم "فسيكفكهم الله وهو السميع العليم" ، فدخل عليه أبو دلامة في هذا الزي ، فقال له أبو جعفر : ما حالك ؟ قال : شر حال ، وجهي في وسطي ، وسيفي في استي ، وقد صبغت بالسواد ثيابي ، ونبذت كتاب الله وراء ظهري ، فضحك منه وأعفاه ، وحذره من ذلك ، وقال له : إياك أن يسمع منك هذا أحد ، وفي ذلك يقول أبو دلامة من الطويل :


وكنا نرجِّى منحةً من إمامنَا ........ فجاءتْ بطُولٍ زادهُ في القلانسِ تراها على هام الرجال كأنها ........ دنانُ يهود جُلِّلتْ بالبرانسِ


وحدث الجاحظ ، قال : كان أبو دلامة واقفاً بين يدي المنصور - أو السفاح - فقال له : سلني حاجتك ، قال أبو دلامة : كلب صيد . قال : أعطوه إياه . قال : ودابة أتصيد عليها . قال : أعطوه . قال : وغلام يقود الكلب ، قال : أعطوه غلاماً ، قال : وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه . قال : أعطوه جارية . قال : هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال فلا بد من دار يسكنونها . قال : أعطوه داراً تجمعهم . قال : وإن لم يكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون ؟ قال : قد أقطعتك مائة جريب عامرة ، ومائة جريب غامرة . قال : وما الغامرة ؟ قال : ما لا نبات فيه من الأرض ، قال : قد أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد ، فضحك وقال : اجعلوا المائتين كلها عامرة . قال : فأذن لي أن أقبل يدك . قال : أما هذه فدعها فأنى لا أفعل . قال : والله ما منعت عيالي شيئاً أقل ضرراً عليهم منها ! .


قال الجاحظ : فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها ، حيث ابتدأ بكلب فسهل القضية ، وجعل يأتي بما يليه على ترتيب فكاهة ، حتى نال ما لو سأله بديهة لما وصل إليه .


وحدث الهيثم بن عدي قال : دخل أبو دلامة على المنصور ، فأنشده قصيدته التي أولها من البسيط .


إنّ الخليط أجدَّ البين فانتجعوُا ........ وزو دوكَ خبالاً ، بئس ما صنعُوا


إلى أن قل فيها يهجو زوجته :


لاَ والذي يا أميرَ المؤمنينَ قَضىَ ........ لكَ الخلافةَ في أسبابها الرَّفَعُ ما زلتُ أخلصها كسبي فتأكلهُ ........ دوني ودون عيالي ثم تضطجعُ شوهاء مَشْنِيَّة في بطنها بجَرٌ ........ وفي المفاصل من أوصالها فدعُ ذكرتها بكتاب الله حرمتنَا ........ ولم تكن بكتاب الله ترتدعُ فاخرَ نطمت ثمّ قالَتْ وهي مغضبةٌ ........ أأنت تتلو كتاب الله يا لُكَعُ أخرجْ لتبغِ لنا مالاً ومزرعةً ........ كما لجيراننا مالٌ ومُزْدَرَعُ واخدعْ خليفتنا عَنَّا بمسألةٍ ........ إنَّ الخليفة للسؤَّالِ ينخدعُ


فضحك المنصور ، وقال : أرضوها عنه ، واكتبوا لها ستمائة جريب عامرة وغامرة ، فقال : أنا أقطعك يا أمير المؤمنين أربعة آلاف جريب غامرة فيما بين الحيرة والنجف ؛ وإن شئت زدتك ، فضحك وقال : اجعلوها كلها عامرة .


وشهد أبو دلامة لجارة له عند ابن أبي ليلى القاضي ، على أتان نازعها فيه رجلٌ ، فلما فرغ منن الشهادة قال لابن أبي ليلى : اسمع ما قلت قبل أن آتيك ، ثم اقض بما شئت قال هات : فأنشده من الطويل :


إن النَّاسُ غطوني تغطَّيت عنهمُ ........ وإن بَحثُوا عني ففيهم مَباحث وإن حَفَروا بئري حفرت بئارهم ........ ليعلم يوماً كيف تلك النبائت


فأقبل القاضي على المرأة ، وقال : أتبيعينني الأتان ؟ قالت : نعم ، قال : بكم ؟ قالت : بمائة درهم ، قال : ادفعوها إليها ، ففعلوا ، وأقبل على الرجل فقال : قد وهبتها لك . وقال لأبي دلامة : قد أمضيت شهادتك ولم أبحث عنك وابتعت ممن شهدت له ووهبت ملكي لمن رأيت ، أرضيت ؟ قال : نعم ، وانصرف .


ودخل أبو عطاء السندي يوماً إلى أبي دلامة ، فاحتبسه ، ودعا بطعام وشراب فأكلا وشربا ، وخرجت إلى أبي دلامة صبية له ، فحملها على كتفه ، فبالت عليه ، فنبذها عن كتفه ، ثم قال من الوافر :


بَللْتِ عليّ لأحُيِّيتِ ثَوبِي ........ فَبالَ علَيْكِ شيطانٌ رَجيمُ فمَا وَلَدَتك مَرْيمُ أمُّ عيسىَ ........ ولا ربَّاكَ لقمانُ الحكيمُ


ثم التفت إلى أبي عطاء فقال له : أجزيا أبا عطاء ، فقال من الوافر :


صَدقتَ أبا دُلامةَ لَمْ تَلدْها ........ مُطهَّرَةٌ ولا فحلٌ كَريمُ ولكِنْ قَدْ حَوَتهَا أمُّ سوءٍ ........ إلى لَبَّاتها ، وأبٌ لئيمُ


فقال له أبو دلامة : عليك لعنة الله ! ما حملك على أن بلغت بي هذا كله ؟ والله لا أنازعك بيت شعر أبداً ، فقال له أبو عطاء : يكون الذي من جهتك أحب إلي ثم غدا أبو دلامة إلى المنصور فأخبره بقصة ابنته ، وأنشده الأبيات ، ثم اندفع فأنشده بعدها من البسيط :


لوْ كانَ يعْقُدُ فوْقَ الشمسِ مِنْ كَرَم ........ قَوْمٌ لَقيلَ اقْعُدُوا يا آلَ عَبَّاسِ ثمْ ارْتَقْوا في شُعاع الشّمسُ كلكُمُ ........ إلى السماءِ فأنتُمْ أكرَمُ النّاسِ وقَدّمُوا القائمِ المَنْصُورَ رأسَكُمُ ........ فالعيْنُ والأنْف ُوالأذنِ في الرّاس


فاستحسنها ، وقال : بأي شيء تحب أن أعينك على قبح ابنتك هذه ؟ فأخرج خريطة قد خاطها من الليل ، وقال : تملأ لي هذه دراهم ، فوسعت أربعة آلاف درهم .


ولما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على المنصور والناس يعزونه فأنشأ أبو دلامة يقول :


أمْسيتَ بالأنْبار يا ابنَ مُحَمّدٍ ........ لم تَستطعْ عن عُقرِها تحويلا وَيليَ عَليكَ وَوَيل أهْلي كلِّهم ........ ويلاً وعَوْلا في الحَياةِ طَويلاَ فلتَبكِيَنَّ لكَ السّماءُ بِعَبْرَةٍ ........ ولتَبكيَنَّ لَكَ الرِّجالُ عويلا ماتَ النَدى إذ مُتّ يا ابنَ مُحَمّدٍ ........ فجعَلْتَهُ لكَ في التُّرَابِ عَدِيلا إنِّي سألْتُ النّاسَ بَعْدَك كلَّهُمْ ........ فوَجَدْتُ أسمَحَ مَنْ سألتُ بخيلاَ ألِشَقْوَتي أُخِّرْتُ بَعْدَكَ لِّلتي ........ تَدَعُ العزِيزَ مِنَ الرِّجال ذليلاَ فلأحْلِفَنَّ يَمينَ حَقٍّ بَرّةً ........ بالله ما أُعْطِيتُ بَعْدَكَ سولاَ


فأبكى الناس قوله ، وغضب المنصور غضباً شديداً وقال : لئن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك ، فقال أبو دلامة : يا أمير المؤمنين ، إن أبا العباس كان لي مكرماً ، وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء الله عز وجل بإخوة يوسف عليه السلام إليه ، فقل أنت كما قال يوسف "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" فسرى عن المنصور ، وقال : قد أقلناك يا أبا دلامة فسل حاجتك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض ولم أقبضها ، فقال المنصور : ومن يعلم ذلك ؟ قال : هؤلاء ، وأشار إلى جماعة ممن حضرن فوثب سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا : صدق يا أمير المؤمنين فنحن نعلم ذلك ، فقال المنصور لأبي أيوب الخازن وهو مغيظ : يا سليمان ادفع إليه وسيره إلى هذا الطاغية يعني عبد الله بن علي ، وكان قد خرج بناحية الشام وأظهر الخلاف ، فوثب أبو دلامة فقال : يا أمير المؤمنين ، أعيذك بالله أن أخرج معهم فإني والله لمشؤم ، فقال له المنصور : امض فإن يمني يغلب شؤمك فاخرج ، فقال : والله يا أمير المؤمنين ما أحب لك أن تجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر فإني لا أدري أيهما يغلب يمنك أو شؤمي إلا أني بنفسي أدرى وأوثق وأعرف وأطول تجربة ، فقال : دعني من هذا فمالك من الخروج بد ، قال : فإني أصدقك الآن ، شهدت والله تسعة عشر عسكراً كلها هزمت وكنت سببها ، فن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك العشرين فافعل ، فاستفرغ المنصور ضحكاً ، وأمره أن يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة .


وحدث أبو دلامة قال : أتى بي إلى المنصور أو إلى المهدي وأنا سكران ، فحلف ليخرجني في بعث حرب ، فأخرجني مع روح بن عدي بن حاتم المهلبي لقتال الشراة ، فلما التقى الجمعان قلت لروح : أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثراً ترتضيه مني ، فضحك وقال : والله العظيم لأدفعن ذلك إليك ولآخذنك بالوفاء بشرطك ، ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إلي ودعا له بغيرهما فاستبدل به ، فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع قلت له : أيها الأمير ، هذا مقام العائذ بك ، وقد قلت بيتين فاسمعهما ، فقال : هات ، فأنشدته من الكامل :


إنِّي استَجَرْتكَ أَنْ أُقَدَّم في الوَغى ........ لِتَطَاعُنٍ وتَنَازُل وَضِرَابِ فَهَبِ السُّيُوفَ رَأَيْتُهَا مَشْهُورةً ........ فَتَركتُهَا ومَضَيْتُ في الهُرَّابِ ماذَا تَقُولُ لِمَا يَجِيءُ ولا يُرَى ........ من وَاردَاتِ المَوْتِ في النشاب


فقال : دع عنك هذا وستعلم ، فبرز رجل من الخوارج يطلب المبارزة ، فقال : اخرج إليه يا أبا دلامة ، فقلت : أنشدك الله أيها الأمير في دمي ، فقال : والله لتخرجن ، قلت : أيها الأمير إنه أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وأنا والله جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع فمر لي بشيء آكله ثم أخرج ، فأمر لي برغيفين ودجاجة ، فأخذت ذلك وبرزت من الصف ، فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل وأصابته الشمس فاقفعل وعيناه تقدان ، فأسرع إلي ، فقلت : على رسلك يا هذا كما أنت ، فوقف ، فقلت : أتقتل من لا يقاتلك ؟ قال : لا ، قلت : أفتستحل أن تقتل رجلاً على دينك ؟ قال : لا ، قلت : افتستحل ذلك قبل أن تدعو من يقاتلك إلى دينك ؟ قال : لا فاذهب عني إلى لعنة الله ، فقلت لا أفعل أو تسمع مني ، قال : قل ، قلت : هل كان بيننا عداوة قط أوترة أو تعلم بين أهلي وأهلك وتراً ؟ قال : لا والله ، قلت : ولا أنا والله لك إلا على جميل ، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين بدينك وأريد الشر لمن أراد هلك ، قل : يا هذا جزاك الله خيراً ، فانصرف ، قلت : إن معي زاداً وأريد أن آكله وأريد مواكلتك لتأكد المودة بيننا ونرى أهل العسكرين هوانهم علينا ، قال : فافعل ، فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا أرجلنا على معارفها وجعلنا نأكل ، والناس قد غلبوا ضحكاً ، فلما استوفينا ودعني ، ثم قلت له : إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني لك فتتعب وتتعبني ، فإن رأيت أن لا تبرز اليوم فافعل ، قال : قد فعلت ، ثم انصرف وانصرفت ، فقلت لروح : أما أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري يكفيك قرنه ، قال : ثم خرج آخر يريد البراز ، فقال : اخرج إليه ، فقلت من البسيط :


إِني أعوذ بِروح أن يُقدمني ........ إلى القتَال فتَخْزَي بي بنو أسد إنَّ البرَاز إلى الأقْرَان أعلَمُهُ ........ ممَّا يُفَرِّق بيْنَ الرُّوح والجَسد قَدْ حالَفَتْكَ المَنَايا إذ صَمَدْتَ لها ........ وأصبَحَتْ لجميع الخَلْق بالرّصد إِنَ المُهَّلبَ حُبّ المَوْت أوْرثكم ........ وما وِرثْتَ اختيارَ المَوت عن أحد لو أن لي مُهجةً أُخرى لجدتُ بها ........ لكِنّها خُلقَتْ فَرْداً فلم أجد


فضحك وأعفاني .


وعزم موسى بن داود على الحج فقال لأبي دلامة : احجج معي ولك عشرة آلاف درهم ، فقال : هاتها ، فدفعت إليه ، فأخذها وهرب إلى السواد ، فجعل ينفقها هناك ويشرب الخمر ، وطلبه موسى فلم يقدر عليه ، وخشي فوات الحج ، فخرج فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجاً من قرية إلى قرية أخرى وهو سكران ، فأمر بأخذه وتقييده وطرحه في المحمل بين يديه ، ففعل به ذلك ، فلما سار غير بعيد أقبل أبو دلامة على موسى وناداه بقوله من البسيط :


يا أيُّها النّاس قُولوا أجْمَعينَ معاً ........ صلّى الأله على مُوسى بنِ دَاود كأن ديباجتي خَدّيه منْ ذَهبٍ ........ إذا بَدَا لكَ في أثْوَابه السُّود إنِّي أعوُذُ بدَاوُدٍ وأعظُمه ........ مِنْ أَن أُكلَّفَ حجّاً يا ابنَ دَاوُدِ أنبِئْتُ أن طَريق الحجِّ مَعْطَشَةٌ ........ منَ الشّراب وما شُرْبي بتصريدُ والله ما فيّ منْ أجرٍ فَتطلبهُ ........ ولاَ الثّناء على ديني بِمَحْمُود


فقال موسى : ألقوه لعنه الله عن المحمل ودعوه ينصرف ، فألقى وعاد إلى قصفه بالسواد حتى نفدت العشرة آلاف .


ودخل أبو دلامة يوماً على المنصور فأنشده من الوافر :


رأيتك في المنَام كَسَوْةَ جلدي ........ ثيَاباً جمَّةً وقَضَيْتَ دَيْني وكانَ بنَفْسَجيُّ الخز فيها ........ وساجٌ ناعمٌ فأتَّم زَيني فَصَدِّق يا فَدَتكَ النّفْسُ رُؤيا ........ رَأتهَا في المَنام كذَاكَ عيني


فأمر بذلك ، وقال : لا عدت تتحلم علي ثانية فاجعل حلمك أضغاثاً ولا أحققه ثم خرج من عنده ومضى فشرب في بعض الحانات فسكر وانصرف وهو ثمل فلقيه العسس فأخذ فقيل له : من أنت ؟ وما دينك ؟ فقال من الرجز :


ديني عَلى دين بني العَبّاس ........ ما ختم الطينُ على القرْطاس إذا اصطَبَحْتُ أرْبعاً بالكاس ........ فَقَدْ أدارَ شُرْبهُا براسي فَهَلْ بمَا قُلْتُ لكُمْ من بأس ؟


فأخذوه ومضوا به فخرقوا أثوابه وساجه ، وأتوا به إلى المنصور ، وكان يؤتى بكل من أخذه العسس ، فحبسه مع الدجاج في بيت ، فلما أفاق جعل ينادي غلامه مرة جاريته مرة فلا يجيبه أحد ، وهو مع ذلك يسمع صوت الدجاج وزقاء الديكة ، فلما أكثر قال له السجان : ما شأنك ؟ قال : ويلك ! من أنت ؟ وأين أنا ؟ قال : في الحبس ، وأنا فلان السجان ، قال : ومن حبسني ؟ قال : أمير المؤمنين قال : ومن خرق طيلسني ؟ قال : الحرس ، فطلب منه أن يأتيه بدواة وقرطاس ، ففعل ، فكتب إلى المنصور من الوافر :


أميرَ المؤمنينَ فدَتكَ نَفسِي ........ عَلى مَ حسبتني وخَرَقْتَ ساجِي أمِنْ صَهْباءَ صافيةِ المزَاجِ ........ كأنَّ شُعاعها لهبُ السِّرَاجِ وقد طبختْ بنارِ الله حتى ........ لقد صارَتْ من النطفِ النضاجِ تهشُّ لها القلوب وتشتهيها ........ إذا بَرزت تَرقرَقُ في الزجاجِ أقاد إلى السجون بِغير جُرْمٍٍ ........ كأنِّي بعضُ عمالِ الخراجِ ولو معهم حُبستُ لكانَ سهلاً ........ ولكني حُبستُ معَ الدجاجِ وقد كانت تخبرني ذنوبِي ........ بأنِّي من عقابكَ غيرُ نَاجِي عَلَى أني وإن لاَقيُت شرَّاً ........ لخيركَ بعْدَ ذاكَ الشر رَاجِي


فدعا به ، وقال له : أين حبست يا أبا دلامة ؟ فقال : مع الدجاج ، قال : فما كنت تصنع ؟ قال : أقوقئ معهم حتى أصبحت ، فضحك وخلى سبيله ، وأمر له بجائزة . فلما خرج قال له الربيع : إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين ، أما سمعت قوله : وقد طبخت بنار الله ، يعني الشمس ، فأمر برده . ثم قال له : يا خبيث ، شربت الخمر ؟ قال : لا . قال : أفلم تقل : طبخت بنار الله ، تعني الشمس . قال : لا ، والله ما عنيت إلا نار الله المؤصدة التي تطلع على فؤاد الربيع ، فضحك وقال : خذها يا ربيع ، ولا تعاود التعرض له .


ولما قدم المهدي من الري ، دخل عليه أبو دلامة ، فأنشأ يقول من الكامل :


إني نذَرتُ لئن لقيتُكَ سالماً ........ بِقُرى العرَاق وأنتَ ذو وفرِ لتصليَنَّ عَلى النبيّ محمدٍ ........ ولتملأنَّ دَرَاهِماً حِجرِي


فقال : صلى الله على النبي محمد وسلم ، وأما الدراهم فلا ، فقال له : أنت أكرم من أن تفرق بينها ، ثم تختار أسهلهما ، فضحك ، وأمر بأن يملأ حجره دراهم .


ودخل أبو دلامة على أم سلمة زوج السفاح بعد موته ، فعزاها به وبكى ، فبكت معه ، فقالت أم سلمة : لم أجد أحداً أصيب به غيري وغيرك يا أبا دلامة قال : ولا سواء يرحمك الله ! لك منه ولد ، وما ولدت أنا منه قط ، فضحكت ، ولم تكن ضحكت منذ مات السفاح إلا ذاك الوقت ، وقالت له : لو حدثت الشيطان لأضحكته .


ودخل يوماً على المهدي ، وهو يبكي ، فقال له : مالك ؟ قال : ماتت أم دلامة ، وأنشد لنفسه فيها من الطويل :


وكنا كزوج من قَطاً في مفازةٍ ........ لدَى خَفْض عيشٍ مونِقٍ ناضِرٍ رغدِ فأفرَدَني رَيب الزمان بصرفهِ ........ وَلم أرَ شيئاً قطُّ أوحشَ من فردِ


فأمر له بطيب وثياب ودنانير ، وخرج ، فدخلت أم دلامة على الخيزران وأعلمتها أن أبا دلامة قد مات ، فأعطتها مثل ذلك ، وخرجت أم دلامة على الخيزران وأغلمتها أن دلامة قد مات ، فأعطتها مثل ذلك ، وخرجت فلما التقى المهدي والخيزران عرفا حيلتهما ، فجعلا يضحكان لذلك ويعجبان منه .


وحدث المديني قال : دخل أبو دلامة على المهدي وعنده جماعة من بني هاشم فقال المهدي له : أنا أعطي الله تعالى عهداً ، لئن لم تهج واحداً ممن في البيت لأضربن عنقك ، فنظر إليه القوم ، وغمزوه بأن عليهم رضاه . قال أبو دلامة : فعلمت أني وقعت ، وأنها عزمة من عزماته ، ولا بد منها ، فلم أر أحداً أحق بالهجاء مني ، ولا أدعي إلى السلامة من هجائي نفسي ، فقلت : من الوافر :


إلا أبلغْ لديكَ أبا دُلامهْ ........ فليس من الكرام ولا كرامهْ إذا لبس العمامة قلت قردٌ ........ وخنزيرٌ إذا وضع العمامهْ جمعت دمامةً وجمعت لؤماً ........ كذاك اللؤم تتبعهُ الدمامهْ فإِن تكُ قد أصبتَ نَعيم دُنيا ........ فلا تفرحْ فقد دنت القيامهْ


فضحك القوم ، ولم يبق منهم أحد إلا أجازه .


وخرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد ، فسنح لهما قطيع من ظباء ، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل ، فرمى المهدي سهماً فصرع ظبياً ، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلباً فقتله ، فقال في ذلك أبو دلامة من مجزوء الرمل :


قد رمى المهديُّ ظبياً ........ شكّ بالسهم فؤادهْ وعليٌّ بن سليما _ ن رمى كلباً فصادهْ فهنيئاً لهما كلُّ ........ امرئ يأكلُ زاده


فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه ، وقال : صدق والله أو دلامة وأمر له بجائزة . ولقب علي بن سليمان بصائد الكلب ، فعلق به .


وتوفيت حمادة بنت عيسى ، وحضر المنصور جنازتها . فلما وقف على حفرتها قال لأبي دلامة : ما أعددت لهذه الحفرة ؟ قال : بنت عمك يا أمير المؤمنين حمادة بنت عيسى ، يجاء بها الساعة فتدفن فيها ، فضحك المنصور حتى غلب وستر وجهه .


وحدث الهيثم بن عدي قال : حجت الخيزران ، فلما خرجت صاح أبو دلامة : جعلني الله فداك ! الله الله في أمري ، فقالت : من هذا ؟ قالوا : أبو دلامة ، قالت : اسألوه ما أمره ، قال : أدنوني من محملها ، فأدنى ، فقال : أيها السيدة ، إني شيخ كبير وأجرك في عظيم . قالت : فمه ؟ قال : تهبين لي جارية من جواريك تؤنسني وترفق بي وتريحني من عجوز عندي قد أكلت رفدي ، وطالت كدي ، فقد عاف جلدي جلدها ، وتمنيت بعدها ، تشوقت فقدها . فضحكت ، وقالت : سوف آمر لك بما سألت ، فلما رجعت تلقاها وأذكرها وخرج معها إلى بغداد وأقام حتى سئم ، ثم دخل على عبيدة حاضنة موسى وهارون ، فدفع إليها رقعة قد كتبها إلى الخيزران فيها من مجزوء الرمل :


أبلغي سيدتي بالله يا أم عبيدَهْ أنها أرشدَها الله وإن كانت رَشيدهْ وَعدتني قبلَ أن تخ _ رج للحج وليدهْ فتأتيت وأرسلت ........ شرين قصيدهْ كلما أخلقنَ أخلفت لها أخرى جديده ليس في بيتي لتمهيد فراش من قعيدهْ غيرُ عجفاء عجوز ........ ساقُها مثل القديده وجهها أقبح من حو _ ت طريٍّ في عصيده ما حياتي مع أنثى ........ مثل عِرْسِي بسعيده


فلما قرئت عليها الأبيات ضحكت ، واستعادت قوله : وجهها أقبح من حوت . . . إلى آخره ، وجعلت تضحك ، ودعت بجارية من جواريها فائقة ، فقالت لها : خذي كل مالك في قصرين ففعلت ، ثم دعت بخادم وقالت له : سلمها إلى أبي دلامة . فانطلق الخادم بها فلم يصبه في منزله . فقال لامرأته : إذا رجع فادفعيها إليه وقولي له : تقول لك السيدة أحسن صحبة هذا الجارية فقد آثرتك بها . فقالت له : نعم . فلما خرج دخل إليها ابنها دلامة فوجد أمه تبكي ، فسألها عن خبرها فأخبرته وقالت : إن أردت أن تبر بي يوماً من الدهر فاليوم ، قال قولي : ما شئت فإني أفعله ، قالت : تدخل عليها فتعلمها أنك مالكها فتطؤها وتحرمها عليه ، وإلا ذهبت بعقله وجفاني وجفاك ، ففعل ودخل على الجارية فوطئها ووافقها ذلك منه وخرج ثم دخل أبو دلامة فقال لامرأته : أين الجارية ؟ فقالت : في ذلك البيت فدخل إليها شيخ محطم ذاهب فمد يده إليها وذهب ليقبلها ، فقالت له : مالك ويلك تنح عني وإلا لطمتك لطمة دققت بها أنفك . فقال : أبهذا أوصتك السيدة ؟ فقالت : إنها بعثت بي إلى فتى من حاله وهيئته كيت وكيت ، وقد كان عندي آنفاً ونال مني حاجته ، فعلم أنه قد دهى من أم دلامة وابنها ، فخرج إلى دلامة فلطمه وتلبب به وحلف أنه لا يفارقه إلى المهدي ، فمضى به متلبباً حتى وقف على باب المهدي . فعرف خبره وأنه قد جاء بابنه على تلك الحالة ، فأمر بإدخاله فلما دخل قال له : مالك ويلك ؟ قال : عمل هذا الخبيث ابن الخبيثة ما لم يعمله ولد بأبيه ولا يرضيني إلا أن تقتله . فقال : ويلك ! فما فعل بك ؟ فأخبره الخبر . فضحك حتى استلقى على قفاه ثم جلس . فقال له أبو دلامة : أعجبك فعله فتضحك منه ؟ فقال علي بالسيف والنطع . فقال له دلامة : قد سمعت قوله يا أمير المؤمنين فاسمع حجتي ، قال : هات . قال : هذا الشيخ أصفق الناس وجهاً ، وهو ينيك أمي منذ أربعين ما غضبت نكت أنا جاريته مرة واحدة فغضب وصنع بي ما ترى ، فضحك المهدي أشد من ضحكه الأول . ثم قال : دعها له وأنا أعطيك خيراً منها . قال : على أن تخبأها لي بين السماء والأرض وإلا ناكها والله كما ناك هذه ، فتعهد المهدي إلى أبي دلامة أن لا يعاود دلامة مثل فعله ، وحلف أنه إن عاود قتله ، وأمر له بجارية أخرى كما وعده .


ودخل أبو دلامة على المهدي وسلمة الوصيف واقف ، فقال : إني قد أهديت لك يا أمير المؤمنين مهراً ليس لأحد مثله ، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله ، فأمر بإدخاله إليه ، فخرج أبو دلامة وأدخل فرسه الذي كان تحته ، فإذا هو برذون ؟ محطم أعجف هرم ، فقال له المهدي : أي شيء ويلك هذا ، لم تزعم أنه مهر فقال له : أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك قائماً ، تسميه الوصيف ، وله ثمانون سنة ، وهو بعد عندك وصيفاً ، فن كان سلمة وصيفاً فهذا مهر ، فجعل سلمة يشتمه والمهدي يضحك . ثم قال لسلمة : ويحك ! إن لهذه منه أخوات ، وإن أتى بمثلها في محفل يفضحك ، فقال أبو دلامة : إي والله يا أمير المؤمنين لأفضحنه فليس في مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره ، فإني ما شربت له الماء قط ، قال : فقد حكمت عليه أن يشتري نفسه منك بألف درهم حتى يتخلص من يدك ، قال : قد فعلت علي أن لا يعاود ، قال : أفعل ، ولولا أني ما أخذت منه شيئاً قط ما استعملت معه مثل هذا ، فمضى سلمة فحملها إليه وسلمه إياها .


وجاء دلامة يوماً إلى أبيه وهو في حفل من جيرانه وعشيرته جالساً فجلس بين يديه ، ثم أقبل على الجماعة ، فقال لهم : إن شيخي كما ترون قد كبر سنه ، ودق عظمه ، وبنا إلى حياته حاجة شديدة ، ولا أزل أشير عليه بالشيء يمسك رمقه ويبقي قوته فيخالفني ، وإني أسالكم أن تسألوه قضاء حاجة لي أذكرها بحضرتكم فيها صلاح جسمه وبقاء حياته ، فأسعفوني بمسألته معي ، فقالوا : نفعل وحباً وكرامة ، ثم أقبلوا على أبي دلامة بألسنتهم ، فتناولوه بالعتاب حتى رضي ابنه وهو ساكت ، فقال : قولوا لهذا الخبيث فليقل ما يريد ، فستعلمون أنه لم يأت إلا ببلية ، فقالوا : قل ، فقال : إن أبي ما يقتله إلا كثرة الجماع ، فتعاونوني عليه حتى أخصيه فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء فيكون أصح لجسمه وأطول لعمره ، فعجبوا مما أتى به ، وعلموا أنه أراد أن يبث بأبيه ويخجله حتى يشيع ذلك عنه ويرتفع له به ذكر ، فضحكوا منه ، ثم قالوا لأبي دلامة : قد سمعت فأجب قال : قد سمعتم أنتم وعرفتم أنه لم يأت بخير ، قالوا : فما عندك في هذا ؟ قال : قد جعلت أمه حكماً بيني وبينه . فقوموا بنا إليها ، فقاموا بأجمعهم ودخلوا إليها ، وقص أبو دلامة القصة عليها وقال : قد حكمتك فأقبلت على الجماع فقالت : إن ابني هذا أبقاه الله قد نصح أباه وبره ولم يأل جهداً وما أنا إلى بقاء أبيه بأحوج مني إلى بقائه ، وهذا أمر لم تقع به تجربة ولا جرت بمثله عادة ولا أشك في معرفته بذلك فليبدأ بنفسه أولاً فليخصها ، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أثر عليه أثراً محموداً استعمله أيضاً أبوه ، فجعل أبوه يضحك منه ، وخجل ابنه دلامة ، وانصرف القوم يضحكون ويعجبون من خبثهم جميعاً واتفاقهم في ذلك المذهب .


وكان عند المهدي رجل من بني مروان قد جاءه مسلماً ، فأتى المهدي بعلج ، فأمر المرواني أن يضرب عنقه ، فأخذ السيف وقام فضربه فنبا عنه ، فرمى به المرواني وقال : لو كان من سيوفنا ما نبا ، فسمعها المهدي فغاظه حتى تغير وجهه وبان فيه ، فقام يقطين فأخذ السيف وحسر عن ذراعيه ثم ضرب العلج فرمى برأسه ثم قال : يا أمير المؤمنين ، إن هذه السيوف سيوف الطاعة ولا تعمل إلا في أيدي الأولياء ، ولا تعمل في أيدي أهل المعصية ، ثم قام أبو دلامة فقال : يا أمير المؤمنين ، قد حضرني بيتان أفأقول ؟ قال : قل ، فأنشده من الخفيف :


أبهَذَا الإمامُ سيْفُك َماضٍ ........ وَبِكَفِّ الوَليِّ غيْرُ كهَام فإِذا ما نبَا بِكَفٍّ عَلمْنَا ........ أنه كَفُّ مُبْغِض للإِمَامِ


فقام المهدي من مجلسه ، وسرى عنه ، وأمر حجابه بقتل المرواني ، فقتل . و


قال ابن النطاح : دخل أبو دلامة على المهدي ، فأنشده قصيدته في بغلته المشهورة يهجوها ويذكر معايبها ، فلما أنشده قوله من الوافر :


أتَاني خائِبٌ يَستَامُ منِّي ........ عريْقاً في الخَسارَةِ والضَّلال فقالَ تبيعُهَا قُلْتُ ارتبِطْها ........ بِحُكمِكَ إِن بَيْعي غَيْرُ غالي فأقْبَلَ ضاحكاً نَحْوِي سرُوراً ........ وقالَ أراكَ سَهْلاً ذا جَمَال هَلُم إليَّ يخْلو بي خِدَاعاً ........ وما يَدْري الشَّقي لِمَنْ يُخالي فقلْتُ بأرْبعينَ فقَالَ أحْسِنْ ........ إِليَّ فإنَّ مِثلكَ ذُو سجال فأتْرُكُ خَمْسةً مِنْهَا لِعلْمي ........ بِما فيهِ يَصيرُ مِنَ الخَبَالِ


فقال له المهدي : لقد أفلت من بلاء عظيم ، فقال : والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهراً أتوقع صاحبها أن يردها علي ، قال : ثم نشده من الوافر :


فأبدِلني بِهَا يا رَبِّ طِرْفاً ........ يكُونُ جَمَالُ مَرْكبِهِ جَمَالي


فقال المهدي لصاحب دوابه : خيره بين مركبين من الاصطبل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كان الاختيار إلي وقعت في شر من البغلة ، ولكن مره أن يختار لي ، فقال : اختر له .


وأخبار أبي دلامة كثيرة ، وقد أثبتنا منها طرفاً صالحاً .


وكانت وفاته سنة إحدى وستين ومائة ، رحمه الله تعالى !


البيت للبحتري ، من قصيدة من الخفيف يمدح بها أبا جعفر بن حميد ويستوهبه غلاماً ، ومنها قوله :


أبُكَاءً في الدَّار بَعْدَ الدَّار ........ وَسُلوَّاً بِزَينَبٍ عَنْ نَوَار لا هَنَاكَ الشغْلُ الجديدُ بحُزْوَي ........ عن رُسُوم برَامتين قفَارِ ما ظَنَنْتُ الأهواء قَبلكَ تُمحي ........ في صُدُور العُشَّاق مَحْوَ الدّيار


إلى أن قال منها في وصف النوق :


يَتَرقْرَقْنَ كالسّرَاب وقَدْ خُضْنَ غماراً من السّراب الجَاري


وبعده البيت ، والقصيدة طويلة ، يقول منها في تشكيه من الغلام الأجير ويسأل مخدومه في هيبته غلاماً ويصفه :


قَدْ مَللْنَاكَ يَا غلاَمُ فغَادٍ ........ بِسلاَمِ أوْ رائحٌ أوْ سَاري سَرقات منِّي خصوصاً ، فَهَلا ........ منْ عَدُو أوْ صاحبٍ أوْ جار أنا مِنْ ياسرٍ وَسعْدٍ وَفتْح ........ لَسْتُ من عامرٍ وَلاَ عَمْار لا أحبُّ النّظيرَ يُخْرِجهُ الشتْمُ إلى الاحتْجاِج والافْتخار فإذَا رُعتَهُ بِناحيَةِ السّوْ _ ط على الذنْبِ رَاعني بالفرار ما بأَرض العِرَاق يا قَوْمُ حرٌّ ........ يشترَيني منْ خِدمةِ الأحرار هلْ جوَاد بأبْيض من بني الأصفَر محْض الجُدُود محْض النِّجار لم يُرْم قَومهُ السِّرَايا وَلم يغْزُهُم غيْرُ جَحفَلٍ جرَّار فحوته الرِّماح أغيَدَ مجْدُول _ لاً قصيرَ الزُّنار وافي الأزَار فوْقَ ضعْفِ الصِّغار إن وكِلَ الأمرْ إليه ودون كبر الكِبار لك من ثَغْره وخَدّيه ما شئتَ من الأقحوَان والجُلّنار وكأنّ الذكاءَ يبْعَثُ مِنهُ ........ في سَوادِ الأمُور شعلَةَ نار يا أبا جعفر وَما أنْتَ بالمَدْ _ عوِّ إلا لِكلِّ أمرٍ كُبَار ولعمْري للجُودُ بالناس للنا _ سِ سِواهُ بالثّوْبِ والدِّينَار وقليلٌ إلا لَدَيكَ بهذَا الفج أخْذُ الغلمان بالأشعار


ومعنى البيت أنه يصف إبلاً أنحلها السرى بحيث صارت من الهزال كالقسي بل السهام بل الأوتار .


وقد تداول الشعراء هذا المعنى ، وتجاذبوا أطرافه ، فمن ذلك قول الشريف الموسوي من الكامل :


هُنّ القسيُّ مِنَ النُّحُول فإنْ سمَا ........ خَطْبٌ فهُنّ منَ النّجاءِ الأسهُم


وقد أخذه ابن قلاقس فقال أيضاً من الكامل :


خُوصٌ كأمثال القسيِّ نَوَاحلا ........ وإذا سَمَا خَطبٌ فَهُنّ سِهامُ ونَدْفعُ بالسُّرَى مِنْها قِسياً ........ فتَقْذِفُ بِالنّوَى مِنْها سِهَاما


وقال ابن خفاجة أيضاً من الطويل :


وقِدْ ما برَتْ مِنْها قِسيّاً يدُ السُّرَى ........ وفَوَّق منْها فَوْقَها المَجْدُ أسهُما


وقل ابن النبيه من الخفيف :


إنَ خَوْضَ الظَّلَماِء أطُيَبُ عنْدِي ........ مِنْ مَطايا أمْسَتْ تَشكي كَلاَلَهْ فَهْيَ مِثْلُ القِسيِّ شكْلاً ولكِنْ ........ هيَ في السّبْق أسهُمٌ لا مَحَالَهْ


والشاهد في البيت : مراعاة النظير ، ويسمى : التناسب ، والتوافق ، والائتلاف ، والمؤاخاة ، وهو : جمع أمر وما يناسبه مع إلغاء التضاد لتخرج المطابقة فهو هنا قصد المناسبة بالأسهم والأوتار لما تقدم من ذكر القسي ، وهذه المناسبة هنا معنوية لا لفظية كما في قول مهيار من الخفيف :


ومُدبِر سيّانِ عيْنَاهُ والإبريقُ فَتْكاً ولحظُهُ والمُدَامُ


والإبريق هنا السف سمي بذلك لبريقه ، وكان يصح أن يقال سيان عيناه والصمصام أو الهندي ، فاختار الإبريق لمناسبته لفظاً للمدام ، إذ الإبريق يطلق على إناء الخمر ، وليس هذا من المعنى في شيء ، وإما هو مراعاة مجرد اللفظ .


ومن أحسن ما ورد في مراعاة النظير قول ابن خفاجة يصف فرساً وهو من السريع :


وأشْقَر تضرم منْهُ الوَغى ........ بشُعْلةٍ مِنْ شُعِل البَاس منْ جلّنار ناضر خدُّهُ ........ وأذنُهُ مِنْ وَرَق الآسِ تَطْلُعُ للغرِّةِ في وَجههِ ........ حبَابة تَضحكُ في الكاس


فالمناسبة هنا بين الجلنار والآس والنضارة .


وقل ابن الساعاتي من أبيات في وصف الثلج من الكامل :


السُّحْبُ راياتٌ ولمعُ بُرُوقها ........ بيضُ الظُّبي والأرْضُ طِرْفُ أشهَبُ والنَدُّ قَسطَلُه وَزَهرُ شمُوعنا ........ صُمُّ القَنا والفحْمُ نَبْلٌ مُذْهَبُ


وما أبدع قول بعضهم في آل النبي صلى الله عليه وسلم من الكامل :


أنتُمْ بنُو طهَ ونَ والضُّحى ........ وبنوُ تَبارَك والكِتابِ المُحكَم وبنو الأبّاطِح والمَشاعرِ والصّفا ........ والركْن والبَيتِ العتيقِ وَزمزَم


فإنه أحسن في المناسبة في البيت الأول بين أسماء السور ، وفي الثاني بين الجهات الحجازية ، وما أعجب قول السلامي من الكامل :


أوما تَرى طرَر البروق تَوسطَتْ ........ أُفُقاً كأنَّ المُزنَ فيه شُنُوفُ واليَوْمُ مِنْ خَجَل الشقيق مُضَرَّجٌ ........ خَجلٌ ومنْ مَرَض النّسيم ضعيفُ والأرْضُ طِرْس والرِّياض سطُورُه ........ والزَّهْرُ شكْل بَيْنها وحُرُوفُ


وقوله في وصف النارنج والسماريات في نهر طلعت عليه الشمس من الوافر :


تَنَشطْ لِلصّبوح أبا عَليٍّ ........ على حُكْم المُنَى وَرضَا الصّدِيق بِنَهْر لِلرِّياح علَيْهِ دِرْعٌ ........ يُذَهَّبُ بالغُرُوب وبالشُّرُوق إذا اصفَرّتْ علَيْهِ الشمْسُ صبَّتْ ........ عَلى أمْوَاجه ماءَ الخَلوُق وقَفْتُ به فكمْ خَدٍّ رقيق ........ يُغازلُني على قَدٍّ رَشيق وجَمْر شبّ في الأغْصان حتى ........ أضاعَ المَاء في وَهْج الحَريق فَدُهْمُ الخَيلِ في ميدان تبْرٍ ........ يُصاغ لها كُراتٌ مِنْ عَقيقِ


وقوله أيضاً في وصف الحب من البسيط :


الحب كالدَهرْ يُعطينا ويرْتَجعُ ........ لا اليأسُ يَصرفُنا عنْهُ ولا الطّمَعُ صَحِبتُهُ والصِّبا تُغري الصَّبابة بي ........ والوَصلُ طفْلٌ غريرٌ والهَوى يفَعُ أيامَ لا النّوْمُ في أجفَانِنا خلَسٌ ........ ولا الزّيارَةُ منْ أحْبابنا لمَعُ إذا الشبيةُ سَيْفي والهَوَى فَرسي ........ وَرايتي اللَهْوُ والَّلذاتُ لي شِيَعُ


وما أحسن قول السري الرفاء من الوافر :


وغيْمٍ مُرْهفَاتُ البَرْقِ فيهِ ........ عَوَارٍ والرِّياضُ بِهَا كَوَاسي وقَدْ سَلَّتْ جُروشُ الفِطْر فيه ........ عَلى شَهْرِ الصِّيام سُيُوفَ باسِ ولاحَ لنا الهِلاَلُ كَشَطْر طَوْقٍ ........ على لَباتِ زَرقاء اللِّباسِ


وبديع قول أبي طالب البغدادي النحوي من أبيات من البسيط :


ومَهْمَةٍ سِرْتُ فيه والبِساطُ دمٌ ........ والجَوُّ نَقْعٌ وهاماتُ الرِّجالِ رُبا


وقول أبي حنيفة الاسترابادي غاية هنا ، وهو من السريع :


هَلْ عثَرَتْ أقلاَمُ خَطِّ العذار ........ في مشْقِها فالخَالُ نَضْخُ العِثَارْ أو استَدَارَ الخَطّ لما غَدَتْ ........ نُقْطَتُه مركَزَ ذاكَ المدَارْ وَريقُه الخَمْرُ فَهَلْ ثَغْرُهُ ........ دُرُّ حَباتٍ نَظّمَتْه العُقَارْ


وقوله وهو بديع من البسيط :


أنا الرميّ بسَهْم اللّحْظ إذ رشَقَا ........ فلم تدَرّع من أصْدَاغِهِ الحَلقا


وقول أبي علي الحسن الباخرزي والد صاحب دمية القصر من الطويل :


وذِي زَجَلٍ والي سِهامَ رُهامه ........ وَولَّي فَألقَى قَوْسهُ في انهزامِهِ ألم تَرَ خد الوَرْدِ مُدْمىَ لوَقعها ........ وأنْصُلها مَخْضوبةٌ في كمَامِهِ


وما أحسن قول الحسين بن علي النميري من قصيدة من الكامل :


رَوضٌ إذَا جَرَت الرياحُ مريضةً ........ في زهرهِ استشفتْ بهِ مرضاهَا وإذا تقابلت الندامى وسطهُ ........ سكر الصحَاة كما صحَا سكرَاهَا


وما أزهر قول بعضهم يرثي فقيهاً حنفياً من الخفيف :


َروضة العلم قَطِّبي بعدَ بشرٍ ........ والْبَسِي من بنفسج جِلبَابَا وَهبي النائحات منثورَ دَمعٍ ........ فشقيق النعمانِ بَان وغابَا


ولأبي العصب الملحي من مجزوء الرمل :


ذَرَفتْ عينُ الغَمَامِ ........ فاستهلت بِسجامِ وبكى الإبريق في الكأ _ سِ بِدَمعٍ من مُدامِ فاسقني دَمعاً بدمعٍ ........ من مُدَام وغمَامِ واعْصِ من لامك فيهِ ........ ليس ذَا وقت الملامِ


ولأبي العلاء المعري من البسيط :


دَع اليراعَ لقومٍ يفخرون بهَا ........ وبالطوال الرُّدَيْنِيَّاتِ فافتخرِ فهن أقلامكَ اللاتي إذَا كتبت ........ مجداً أتت بمداد من دَم هدَرِ


وما أحسن قول الوأواء الدمشقي من البسيط :


سقياً ليومٍ غدا قوسُ الغمَام بهِ ........ والشمسُ مشرقةٌ والبرقُ خلاسُ كأنهُ قوسُ رَامٍ والبُرُوقُ لهُ ........ رَشقُ السهام وعين الشمس برجَاسُ


وما أبدع قول السلامي من الطويل :


وقد خالطَ الفجرَ الظلامُ كما التقى ........ علىَ رَوضةٍ خضراء وَردٌ وأدهمْ وعهدي بها والليلُ ساقٍ ووصلنَا ........ عُقارٌ وَفْوها الكأسُ أو كأسهَا الفمُ


ولبعض شعراء الذخيرة من الطويل :


بدارٍ سقتها ديمةٌ إثر ديمةٍ ........ فمالت بها الجدران شطراً على شطرِ فمن عارضٍ يسقى ومن سقف مجلسٍ ........ يغني ومن بيتٍ يميلُ من السكرِ


ومن الغايات في هذا الباب قول البديع الهمذاني من قصيدة يصف فيها طول السرى من الطويل :


لكَ الله من عزم أجوبُ جيوبهُ ........ كأنيَ في أَجفان عين الردى كحلُ كأن السرى ساقٍ كأن الكرى طلاً ........ كأنَّا لها شَربٌ كأن المنى نَقْلُ كأنا جياعٌ والمطيُّ لنا فمٌ ........ كأن الفلاَ زادٌ كأن السرى أكلُ كأن ينابيع الثرى ثدىُ مرضعٍ ........ وفي حجرها مِنِّي ومن ناقتي طفلُ كأَنا على أرجوحةٍ في مسيرنا ........ لِغَورٍ بنا تَهْوِى ونجدٍ بنا تعلوُ


ومنها في المديح ولم يخرج عن حسن المناسبة من الطويل :


كأن فمي قوسٌ لساني لهُ يدٌ ........ مديحي لهُ نزعٌ بهِ أملي نبلُ كأن دواتي مُطْفِلٌ حبشيةٌ ........ بناني لها بعلٌ ونقشي لها نسلُ كأن يدي في الطِّرْس غَوَّاص لجةٍ ........ بها كلمي دُرُّ به قيمتي تغلوُ


وله أيضاً في قريب منه يمدح الممدوح في القصيدة قبله ، وهو الملك خلف ابن أحمد صاحب سجستان من الطويل :


وليلٍ كذكراه كمعناه كاسمهِ ........ كدين ابن عباد كأدبار فائقِ شققنا بأيدي العيس بُرْدَ ظلامهِ ........ وبتنا على وعدٍ من السير صادقِ تزجُّ بنا الأسفاُر في كل شاهقٍ ........ وترمي بنا الآمال في كل حَالقِ كأن مطايانا شفار كأنما ........ تمدُّ إليهنَّ الفلاَ كفّ سارقِ كأن نجوم الليل نَظَّارةٌ لنا ........ تعجب من آمالنا والعوائقِ كأن نسيم الصبح فرصة آيسٍ ........ كأن سراب القيظ خجلةُ وامقِ


ومن الغريب هنا قول ابن الرومي يصف أينقاً من البسيط :


تطوى الفلاَ وكأن الآلَ أرديةٌ ........ وتارةً وكأنَّ الليل سيجانُ كأنها في ضَحَاضيح الضحى سفنٌ ........ وفي الغمار من الظلماء حيتانُ


وما أرشق قول ابن رشيق من الطويل :


أصح وأقوى ما سمعناهُ في الندى ........ من الخبر المأثور منذ قديمٍ أحاديث ترويها السيول عن الحيا ........ عن البحر عن كف الأمير تميمِ


ومن المستحسن في هذا النوع قول ابن زيلاق في غلام معه خادم يحرسه من الطويل :


ومن عجَبٍ أن يحرسوكَ بخادمٍ ........ وخدّامُ هذا الحسن من ذاكَ أكثرُ عذاركَ ريحانٌ وثغرك جوهرٌ ........ وخدُّكَ ياقوت وخَالكَ عنبرُ


وما أبدع قول ابن مطروح من مجزوء المتقارب :


وليلة وصلٍ خلَتْ ........ فيا عاذلي لا تسَلْ لبسنا ثياب العناقِ ........ مُزَرّرَة بالقبلْ


ومثله قول العماد السلمامسي من مجزوء الكامل :


شَقَّتْ عليكَ يد الأسىَ ........ ثوبَ الدموع إلى الذيولِ


وعجيب قول ابن الخشاب في المستضيء وأجاد من الكامل :


وَرَدَ الورى سلسال جودكَ فارتَوَوْا ........ وَوَقفت دون الوِرْد وَقفة حائمِ ظمآن أطلبُ خفة من زحمةٍ ........ والوِرد لا يزدَاد غير تزاحمِ


وقول ابن شرف في اجتماع البعوض والذباب والبراغيث في مجلس ، مخاطباً لصاحبه يستهزئ به من الكامل :


لكَ مجلسٌ كملتْ ستارتنَا بهِ ........ للهو ، لكن تحتَ ذَاك حديثُ غنَّى الذبابُ وظلّ يزمر حولهُ ........ فيه البعوض ويرقص البرغوثُ


ومن النهايات هنا قول القاضي عبد الرحيم الفاضل من الكامل :


في خدّه فخّ كعطفة صُدْغهِ ........ والخالُ حَبَّتهُ وقلبي الطائرُ


وقول مجير الدين بن تميم من الكامل :


لو كنت تَشْهَدُني وقد حمىَ الوغَى ........ فِي موقفٍ ما الموت عنه بمعزلِ لتَرى أنابيبَ القناة علىَ يدي ........ تجري دَماً من تحت ظلّ القسطلِ


وقد أغرب الأديب بدر الدين حسن الزغاري بقوله من الطويل :


كأنَّ السحابَ الغرَّ لمَّا تجمعتْ ........ وقد فرقتْ عنا الهمومَ بجمعهَا نياقٌ ووجهُ الأرض قعبٌ وثلجها ........ حَليبٌ وكف الريح حالب ضَرْعها


والباب واسع ، ولا بد من مراعاة الاختصار هنا .


إِذَا لم تستطعْ شيئاً فدعهُ ........ وجاوِزهُ إلى مَا تستطيعُ


البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، من قصيدة من الوافر : وأولها :


أمِنْ رَيحانةَ الدَّاعي السميعُ ........ يُؤَرْقني وأصحَابي هُجُوعُ سبَاهَا الصمَّةُ الجشميُّ غصباً ........ كأنَّ بيَاضَ غرَّتهَا صديعُ وحَالت دونهَا فرسانُ قيسٍ ........ تكشفُ عن سواعدها الدروعُ


وبعده البيت ، وبعده :


وصلهُ بالزمان فكلُّ أمرٍ ........ سمَا لكَ أو سمَوتَ لهُ ولوعُ


وهي طويلة .


قال المدائني : حدثني رجل من قريش قال : كنا عند فلان القرشي ، فجاءه رجلٌ بجارية ، فغنته من السريع :


بالله يا ظبيَ بني الحارثِ ........ هَلْ مَنْ وفى بالعهد كالنَّاكث


وغنته أيضاً بغناء ابن سريج من المنسرح :


يا طولَ ليلى وبتُّ لم أنمِ ........ وساديَ الهمُّ مبُطنٌ سقمِي


فأعجبته ، واستام مولاها فاشتط عليه فأبى شراءها ، وأعجبت الجارية بالفتى ، فلما امتنع مولاها من البيع إلا بشطط قال القرشي : فلا حاجة لنا في جاريتك ، فلما قامت الجارية للانصراف رفعت صوتها ، تقول :


إذَا لم تستطع شيئاً فدعهُ . . . البيت


قال : فقال الفتى القرشي : أفأنا لا أستطيع شراءك ؟ والله لأشترينك بما بلغت ، قالت الجارية : فذلك أردت . قال القرشي : إني لا أخيبك ، وابتاعها من ساعتها .


والشاهد فيه : الإرصاد ، ويسميه بعضهم التسهيم ، وهو : أن يجعل قبل العجز من الفقرة أو البيت ، ما يدل على العجز إذا عرف الروي - وهو الحرف الذي تبنى عليه أواخر الأبيات أو الفقر - ويجب تكراره في كل منها فإنه قد يكون منها ما لا يعرف منه العجز لعدم معرفة حرف الروي كقول البحتري من الطويل :


أحَلَّت دمي من غير جرم وحَرَّمت ........ لا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي قد حللت بمحلل ........ وليس الذي قد حرمت بحرام


فإنه لو لم يعرف أن القافية مثل سلام وكلام لربما توهم أن العجز بمحرم ، وقول جنوب أخت عمرٍو ذي الكلب من المتقارب :


وخرق تجاوزت مجهوله ........ بوجناء حرف تشكَّى الكلالا فكنت النهار به شمسه ........ وكنت دجى الليل فيه الهلالا


والقول فيه كالذي قبله .


ومما اختير من شواهد هذا النوع قول الراعي من الوافر :


وإن وَزِنَ الحصى فوزَنْتُ قومي ........ وجدتُ حصى ضريبتهم وزينا


وقد حكى أن عمر بن أبي ربيعة المخزمي جلس إلى ابن عباس رضي الله عنهما فابتدأ ينشده :


تشطُّ غداً دارُ جيرانِنا


فقال ابن بعاس رضي الله عنه :


وللَدارُ بعدَ غدٍ أبعدُ


وكان كذلك ولم يسمع غير الشطر الأول .


وكذلك يحكى عن عدي بن الرقاع أنه أنشد في صفة الظبية وولدها من الكامل :


تُزْجي أغَنَّ كأن إبرة رَوْقِهِ


وغفل الممدوح عنه فسكت ، وكان جرير حاضراً فقيل له : ما تراه يقول ؟ فقال جرير :


قلم أصابَ من الدواة مدادَها


وأقبل عليه الممدوح فقال كما قال جرير لم يغادر حرفا


ومنه قول الخنساء من المتقارب :


ببيض الصفاح وسمر الرماح ........ فبالبيض ضرباً وبالسمر وخزا


وقول دعبل من الرمل :


وإذا عاندنا ذو قوةٍ ........ غضب الروح عليه فعرجْ فعلى أيماننا يجري النَّدَى ........ وعلى أسيافنا تجري الْمُهَجْ


ومن جيده قول بعضهم من الطويل :


ولو أنني أعطيتُ من دهريَ المنى ........ وما كل من يُعْطَى المنى بمسَدِّدِ لقلت لأيامِ مضيْنَ ألا ارجعي ........ وَقلت لأيام أتَيْنَ ألا ابْعَدي


وما أحسن قول البحتري من الكامل :


أبكيكما دمعاً ولو ني على ........ قَدْرِ الجوى أبكي بكيتكما دَمَا


وحدث إبراهيم بن أبي محمد اليزيدي قال : كنت عند المأمون يوماً وبحضرته عريب فقالت له على سبيل الولع : يا سلعوس ، وكانت جواري المأمون يلقبنني بذلك عبثاً ، فقلت من الطويل :


وقل لعريب لا تكوني مسلعسه ........ وكوني كتعريف وكوني كمؤنسه


فقال المأمون :


فإن كثر منك الأقاويل لم يكن ........ هنالك شيء ، إن ذا منك وسوسه


فقلت : كذا والله يا أمير المؤمنين أردت أن أقول ، وعجبت من ذهن المأمون وطبعه وفطنته .


ولمؤلفه من أبيت من الكامل :


ليس التقدم بالزمان مقدِّماً ........ أحداً ولا التأخير فيه يؤخِّرُ فلكل عصر مستجد تُبَّعٌ ........ ولكل وقت مقبل إسكندر


ومدح أبو الرجاء الأهوازي الصاحب ابن عباد لما ورد الأهواز بقصيدة منها من السريع :


إلى ابن عبادٍ أبي القاسم ال _ صاحب إسماعيل كافي الكفاة


فاستحسن جمعه بين اسمه ولقبه وكنيته واسم أبيه في بيت واحد ، ثم ذكر وصوله إلى بغداد وملكه إياها فقال :


ويشربُ الجندُ هنيئاً بها


فقال له ابن عباد : أمسك امسك ، أتريد أن تقول :


من بعد ماء الري ماء الفراة


فقال : هكذا والله أردت ، وضحك .


وعمرو بن معدي كرب هو : أبو عبد الله ، وقيل : أبو ربيعة بن عبد الله بن عمرو بن عاصم بن عمرو بن زبيد ، ينتهي نسبه لقحطان ، ويكنى أبا ثور ، وأمه وأم أخيه عبد الله امرأة من جرهم فيما ذكرن وهي معدودة من المنجبات ، وعن أبي عبيدة قال : عمرو بن معدي كرب فارس اليمن ، وهو مقدم على زيد الخيل في الشدة والبأس .


وعن زيد بن قحيف الكلابي قال : سمعت أشياخنا يزعمون أن عمرو بن معدي كرب كان يقال له مائق بني زبيد ، فدخل عمرو على أخته فقال لها : أشبعيني إني غداً آتي الكتيبة ، فجاء معدي كرب فأخبرته ابنته فقال : هذا المائق يقول ذلك ؟ قالت : نعم ، قال : فسليه ما يشبعه ، فسلته فقال : فرق من ذرة وعنز رباعية ، قال : وكان الفرق يومئذ ثلاثة آصع ، فصنع له ذلك وذبح العنز وهيأ الطعام ، قال : فجلس عمرو عليه فسلته جميعاً ، وأتتهم خثعم الصباح ، فلقوهم ، وجاء عمرو فرمى بنفسه ثم رفع رأسه فإذا لواء أبيه قائم ، فوضع رأسه ثم رفعه فإذا هو قد زال ، فقام كأنه سرحة محرقة فتلقى أباه وقد انهزموا ، فقال له : انزل عنها ، فقال : إليك يا مائق ؟ فقال له بنو زبيد : خله أيها الرجل وما يريد فإن قتل كفيت مؤنته وإن ظهر فهو لك ، فألقى إليه سلاحه ثم ركب فرمى خثعم بنفسه حتى خرج من بين أظهرهم ، ثم كر عليهم ، وفعل ذلك مراراً ، وحملت عليهم بنو زبيد ، فانهزمت خثعم وقهروا فقيل له يومئذ : فارس بني زبيد .


وكان من خبر إسلام عمرو بن معدي كرب الزبيدي ما حكاه المدائني عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء ، قال : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من غزاة تبوك يريد المدينة ، فأدرك عمرو بن معدي كرب الزبيدي في رجال من بني زبيد ، فتقدم عمرو ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمسك عنه حتى أوذن به ، فلما تقدم ورسول الله يسير قال : حياك إلهك أبيت اللعن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، فآمن بالله يؤمنك الله يوم الفزع الأكبر" فقال عمرو ابن معدي كرب : وما الفزع الأكبر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنه فزع ليس كما تحسب وتظن ، إنه يصاح بالناس صيحة لا يبقى حي إلا مات إلا ما شاء الله تعالى من ذلك ، ثم يصاح بالناس صيحة لا يبقى ميت إلا نشر ، ثم تلج تلك الأرض بدوي تنهد منه الأرض وتخر منه الجبال وتنشق السماء انشقاق القبطية الجديدة ما شاء الله من ذلك ، ثم تبرز النار فينظر إليها حمراء مظلمة قد صار لها لسان في السماء ترمي بمثل رؤوس الجبال من شرر النار ، فلا يبقى ذو روح إلا انخلع قلبه وذكر ذنبه ، أين أنت يا عمرو" فقال : إني أسمع أمر عظيماً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عمرو أسلم تسلم" فأسلم وبايع لقومه على الإسلام وذلك منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ، وكانت في رجب سنة تسع .


وعن أبي عبيدة قال : لما ارتد عمرو بن معدي كرب مع من ارتد عن الإسلام من مذحج استجاش فروة النبي صلى الله عليه وسلم فوجه إليهم خالد ابن سعيد بن العاص وخالد بن الوليد وقال لهما : إذا اجتمعتم فعلي بن أبي طالب أميركم وهو على الناس ، ووجه علياً رضي الله عنه ، فاجتمعوا بكسر من أرض اليمن ، فاقتتلوا وقتل بعضهم ونجا بعض ، فلم تزل جعفر وزبيد وأدد بنو سعد العشيرة بعدها قليلة يروى أنه لما بلغ عمر وبن معدي كرب قرب مكانهم أقبل في جماعة من قومه ، فلما دنا منهم قال : دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فإني لم أسم لأحد قط إلا هابنى ، فلما دنا منهم نادى : أنا أبو ثور ، أنا عمرو بن معدي كرب فابتدره علي وخالد وكلاها يقول لصاحبه : خلني وإياه ، ويفديه بابيه وأمه ، فقال عمر وإذ سمع قولهما : العرب تفزع مني ، وأراني لهؤلاء جزراً ، فانصرف عنهما ثم رجع إلى الإٍسلام ، وفي هذا الوجه وقعت الصمصامة إلى آل سعيد ، وكان سبب وقوعها إليهم أن ريحانة بنت معدي كرب ، وهي المعنية أول القصيدة ، سبيت يومئذ فأفداها خالد ، وأثابه عمرو الصمصامة ، فصار إلى أخيه سعيد فوجد سعيد جريحاً يوم قتل عثمان رضي الله عنه حين حصر أي في الدار وقد ذهب السيف والغمد ، ثم وجد الغمد ، فلما قام معاوية جاءه أعرابي بالسيف بغير غمد ، وسعيد حاضر ، فقال سعيد : هذا سيفي ، فجحد الأعرابي مقالته ، فقال سعيد : الدليل على أنه سيفي أن تبعت إلى غمده فتغمده فيكون كفافه ، فبعث معاوية إلى الغمد فأتى به من منزل سعيد فإذا هو عليه ، فأقر الأعرابي أنه أصابه يوم الدار ، فأخذه سعيد منه وأثابه ، فلم يزل عندهم حتى أصعد المهدي من البصرة فلما كان بواسط فأرسل إلى آل سعيد فيه ، فقالوا : إنه للسبيل ، فقال : خمسون سيفاً قاطعاً أغنى من سيف واد ، فأعطاهم خمسين ألف درهم وأخذه .


وعن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض لعمرو بن معدي كرب في الفيء ألفين فقال له : يا أمير المؤمنين ألف ههنا ، وأومأ إلى شق بطنه الأيمن ، وألف ههنا ، وأومأ إلى شق بطنه الأيسر ، فما يكون ههنا ؟ وأومأ إلى وسط بطنه ، فضحك عمر من كلام عمرو رضوان الله تعالى عليهما ، وزاده خمسمائة .


وقال أبو اليقظان : قال عمرو بن معدي كرب : لو سرت بظعينة ، وحدي على مياه معد كلها ما خفت أن أغلب عليها ما لم يلقني حراها وعبداها ، فأما الحران فعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب ، وأما العبدان فأسود بني عبس - يعني عنترة - والسليك بن السلكة ، وكلهم لقيت ، فأما عامر بن الطفيل فسريع الطعن على الصوت ، وأما عتيبة بن الحرث فأول الخيل إذا غارت وآخرها إذا آبت ، وأما عنترة فقيل النبوة شديد الكلب ، وأما السليك فبعيد الغارة كالليث الضاري .


وعن قيس أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص : إني قد أمددتك بألفي رجل عمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وهو طليحة الأسدي ، فشاورهما في الحرب ولا تولهما شيئاً .


وعنه قال : شهدت بالقادسية ، وكان سعد على الناس ، فجاء رستم فجعل يمر بنا وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ، يمر على الصفوف ويحض الناس ويقول :


يا معشر المهاجرين ، كونوا أسداً ، أعني عباساً فإنما الفارسي تيس بعد أن يلقى يبرك ، قال : وكان مع رستم أسوار لا تسقط له نشابة ، فقيل له : يا أبا ثور اتق ذلك ، فإنا لنقول له ذلك إذ رماه رمية فأصاب فرسه ، وحمل عليه عمرو فاعتنقه ثم ذبحه وسلبه سوارى ذهبٍ كانا عليه ، وقباء ديباج ، قال غير قيس : ورجع بسلبه وهو يقول من الرجز :


أنا أبو ثور وسيفي ذُو النونْ ........ أضربهم ضربَ غلامٍ مجنونْ يالَ زَبيدٍ إنهم يموتونُ


وفي رواية عن أبي زيد أن عمراً شهد القادسية ، وهو ابن مائة وست سنين وقيل : بل ابن مائة وعشر ، ولما قتل العلج عبر نهر القادسية هو وقيس ابن مكشوح المرادي ، ومالك بن الحارث الأشتر ، وكان عمرو آخرهم ، وكانت فرسه ضعيفة ، فطلب غيرها ، فأتى بفرس فأخذ بعكوة ذنبه وأخلد به إلى الأرض ، فأقعى الفرس ، فرده وأتى بآخر ، ففعل به مثل ذلك فتحلحل ولم يقع ، فقال هذا على كل حال أقوى من ذلك ، وقال لأصحابه : إني حاملٌ وعابرٌ الجسر ، فإن أسرعتم بمقدار جزر الجزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي وقد عقرني القوم وأنا قائم بينهم ، وقد قتلت وجردت ، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلاً بينهم وقد قتلت وجردت ، ثم انغمس فحمل في القوم ، فقال بعضهم : يا بني زبيد على م تدعون صاحبكم ؟ والله ما نرى أن تدركوه حياً ، فحملوا ، فانتهوا إليه وقد صرع عن فرسه ، وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكه ، وإن الفارس ليضرب الفرس فلا تقدر أن تتحرك من يده ؛ فلما غشينا رمى الأعجمي بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو وقال : أنا أبو ثور ، كدتم والله تفقدونني ، قالوا : أين فرسك ؟ قال : رمى بنشابة فشب فصرعني وعار .


وعن أبان بن صالح قال : قال عمرو بن معدي كرب يوم القادسية : ألزموا خراطيم الفيلة السيوف فإنه ليس لها مقتل إلا خراطيمها ، ثم شد على رستم وهو على الفيل فضرب فيله فجذم عرقوبيه فسقط وحمل رستم على فرس ، وسقط من تحته خرج فيه أربعون ألف دينار فحازه المسلمون ، وسقط رستم بعد ذلك عن فرسه فقتله وانهزم المشركون ، وقيل : إن الخراج سقط عليه فقتله .


وعن الشعبي قال : جاءت زيادة من عند عمر يوم القادسية فقال عمرو بن معدي كرب لطليحة : ما ترى أن هذه الزعانف تزاد ولا نزاد ، انطلق بنا إلى هذا الرجل حتى نكلمه ، فقال : هيهات ، والله لا ألقاه في هذا أبداً ، فلقد لقيني في بعض فجاج مكة فقال : يا طليحة ، أقتلت عكاشة ؟ فتوعدني وعيداً ظننت أنه قاتلي ، ولا آمنه ، قال عمرو : ولكنني ألقاه ، قال : أنت وذاك فخرج إلى المدينة ، فقدم على عمر رضي الله عنه وهو يغدي الناس ، وقد جفن لعشرة عشرة ، فأقعده عمر مع عشرة فأكلوا ونهضوا ولم يقم عمرو ، فأعقد معه تكملة عشرة حتى أكل مع ثلاثين ، ثم قام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه كانت لي مآكل في الجاهلية منعني منها الإسلام ، وقد صررت في بطني صرتين وتركت بينهما هواء فسده ، فقال : عليك حجارة من حجارة الحرة فسده بها يا عمرو ، إنه بلغني أنك تقول : إن لي سيفاً يقال له : الصمصامة ، وعندي سيف اسمه المصمم وإني إن وضعته بين أذنيك لم أرفعه حتى يخالط أضراسك .


وحدث يونس وأبو الخطاب ، قالا : لما كان يوم فتح القادسية ، أصاب المسلمون أسلحة ، وتيجاناً ، ومناطق ، ورقاباً ، فبلغت مالاً عظيماً ، فعزل سعد الخمس ، ثم فض البقية . فأصاب الفارس ستة آلاف ، والراجل ألفان . وبقي مال دثر ، فكتب إلى عمر رضي الله عنه بما فعل ، فكتب إليه أن رد على المسلمين الخمس ، وأعط من لحق بك ممن لم يشهد الوقعة ، ففعل ، فأجراهم مجرى من شهد ، وكتب إلى عمر بذلك ، فكتب إليه أن فض ما بقي على حملة القرآن ، فأتاه عمرو بن معد كرب ، فقال له سعد : ما معك من كتاب الله ؟ فقال عمرو : إني أسلمت باليمن ثم غزوت فشغلت عن حفظ القرآن ، قال : مالك في هذا المال نصيب ، وأتاه بشر بن ربيعة الخثعمي ، وصاحب جباية بشر فقال : ما معك من كتاب الله ؟ قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، فضحك القوم ، ولم يعطه شيئاً ، فقال عمرو في ذلك من البسيط :


أنَختُ بباب القادسية ناقتي ........ وسعدُ بن وقاص عليَّ أميرُ وسعدٌ أميرٌ شرُّهُ دونَ خيرهِ ........ وخيرُ أميرٍ بالعراق جَريرُ وعندَ أمير المؤمنين نوافلٌ ........ وعندَ المثَّنى فضةٌ وحَريرُ تذكر هداكَ اللهُ وقع سيوفنا ........ ببابِ قديس والمكرُّ عسيرُ عشيةَ ودَّ القومُ لو أن بعضهمْ ........ يُعار جناحَيْ طائرٍ فيطيرُ إذَا ما فرغنا من قراع كتيبةٍ ........ دَلفنا لأخرى كالجبال تسيرُ ترَى القوم فيها واجمين كأنهمْ ........ جمالٌ بأحمالِ لهنَّ زفيرُ


فكتب سعد إلى عمر رضي الله عنه بما قال لهما وما زاد عليه ، وبالقصيدتين ، فكتب أن أعطهما على بلائهما ، فأعطى لكل واحد منهما ألفي درهم .


وعن ابن قتيبة أن سعداً كتب إلى عمر رضي الله عنه يثني على عمرو ابن معدي كرب ، فسال عمر معمراً عن سعد ، فقال : هو لنا كالأب ، أعرابي في نمرته ، أسد في تامورته ، يقسم بالسوية ، ويعدل في القضية ، وينفر في السرية ، وينقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة ، فقال عمر رضي الله عنه : لشد ما تقارضتما الثناء .


وجاء رجل وعمرو بن معدي كرب واقف بالكناسة على فرس له ، فقال : لأنظرن ما بقي من قوة أبي ثور ، فأدخل يده بين ساقه وبين السرج ، ففطن عمرو ، فضمها عليه وحرك فرسه فجعل الرجل يعدو مع الفرس ، لا يقدر أن ينزع يده ؛ حتى إذا بلغ منه قال : يا ابن أخي ، مالك ؟ قال : يدي تحت ساقك ، فخلى عنه ، وقال : يا ابن أخي إن في عملك لبقية بعد .


وكان عمرو - مع شجاعته ومواقفه - مشهوراً بالكذب ، فحدث المبرد قال : كانت الأشراف بالكوفة يخرجون إلى ظهرها يتناشدون الأشعار ويتحدثون ، ويتذاكرون أيام الناس . فوقف عمرو إلى جانب خالد بن الصقعب النهدي ، فأقبل عليه يحدثه ، ويقول : أغرت على بني نهد ، فخرجوا إلى مسترعفين بخالد بن الصقعب يقدمهم فطعنته طعنة فوقع ، وضربته بالصمصامة حتى فاضت نفسه ، فقال له الرجل : يا أبا ثور إن مقتولك الذي تذكره هو الذي تحدثه ، فقال : اللهم غفراً ! إنما أنت محدث فاستمع ، إنما نتحدث بمثل هذا وأشباهه لنرهب هذه المعدية .


وقال محمد بن سلام : أبت العرب إلا أن عمراً كان يكذب ، قال : وقلت لخلف الأحمر ، وكان مولى للأشعريين ، وكان يتعصب لليمانية : أكان عمرو يكذب ؟ قال : كان يكذب باللسان ويصدق بالفعال .


وعن زياد مولى سعد قال : سمعت سعداً يقول - وبلغه أن عمرو بن معدي كرب وقع في الخمر ، وأنه قددله - : لقد كان له موطن صالح يوم القادسية عظيم الغناء شديد النكاية للعدو ، فقيل له : فقيس بن مكشوح . ؟ فقال : هذا أبذل لنفسه من قيس ، ون قيساً لشجاع .


وعن أبي محمد المرهبي قال : كان شيخ يجالس عبد الملك بن عمير فسمعته يحدث قال : قدم عيينة بن حصن الكوفة ، فأقام بها أياماً ، ثم قال : والله ما لي بأبي ثور عهد منذ قدمنا هذا الغائط ، يعني بابي ثور عمرو بن معدي كرب ، أسرج لي يا غلام ، فاسرج له فرساً أنثى من خيله ، فلما قربها إليه ليركبها ، قال له : ويحك ! أرأيتني ركبت أنثى في الجاهلية فأركبها في الإسلام ، فأسرج لي حصاناً فأسرجه ، فركبه وأقبل إلى محلة بني زبيد . فأساله عن محلة عمرو بن معدي كرب ، فأرشد إليها ، فوقف ببابه ، ونادى : أي أبا ثور اخرج إلينا ، فخرج إليه مؤتزراً كأنما كسر وجبر ، فقال : انعم صباحاً أبا مالك . قال : أوليس قد أبدلنا الله بهذا السلام عليكم ! قال : دعنا مما لا نعرف ، انزل فإن عندي كبشاً شناحاً فنزل فعمد إلى الكبش فذبحه ، ثم كشط جلده عنه ، وعضاه وألقاه في قدر جماع وطبخه حتى إذا أدرك جاء بجفنة عظيمة فثرد فيها وألقى القدر عليها ، فقعدا فأكلاه ، ثم قال له : أي الشراب أحب إليك : اللبن ، أم ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية ؟ قال : أوليس قد حرمها الله عز وجل علينا في الإسلام ؟ قال : أنت أكبر سناً أم أنا ؟ قال : أنت ، قال : أفأنت اقدم إسلاماً أم أنا ؟ قال : أنت ، قال : فإني قد قرأت ما بين دفتي المصحف ، فوالله ما وجدت لها تحريماً ، إلا أنه قال "فهل أنتم منتهون" فقلنا : لا ، فسكت وسكتنا ، فقال له : أنت أكبر سناً وأقدم ِإسلاماً ، فجاء بها ، فجلسا يتنادمان ويشربان ويذكران أيام الجاهلية حتى أمسيا ، فلما أراد عيينة الانصراف قال عمرو بن معدي كرب : ولئن انصرف أبو مالك بغير حباء إنها لوصمة علي ، فأمر بناقة له أرحبية كأنها جبيرة لجين ، فارتحلها وحمله عليها ، ثم قال : يا غلام ، هات المزود ، فجاء بمزود فيه أربعة آلاف درهم ، فوضعها بين يديه ، فقال : أما المال فوالله لا قبلته ؛ قال : فوالله إنه لمن حباء عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلم يقبله عيينة ، وانصرف ، وهو يقول من الطويل :


جُزيتَ أبا ثورٍ جزَاء كرَامةٍ ........ فنعمَ الفتى المُزْدَارُ والمتضيِّف قَريتَ فأكرَمتَ القِرَى وأفدتنَا ........ خَبيةَ عِلمٍ لم تكنْ قطُّ تُعرَفُ وقلتَ حلالٌ أن نُدِيرَ مدامةً ........ كلونِ انعقاق البْرق والليلُ مسدفُ وقدَّمتَ فيها حجةً عربيةً ........ ترد إلى الإنصَاف من ليس ينصفُ وأنتَ لنا والله ذي العرشِ قدوةٌ ........ إذا صدَّنا عن شربها المتكلفُ نقولُ أبو ثورٍ أحَلَّ حَرامهَا ........ وقولُ بي ثور أسَدُّ وأعرَفُ


وغزا عمرو بن معد كرب هو وبي المرادي فأصابوا غنائم ، فادعى أبي أنه قد كان مسانداً ، فأبى عمرو أن يعطيه شيئاً ، وبلغ عمراً أنه يتوعده ، فقال عمرو في ذلك قصيدة أولها من الوافر :


أعاذِل شكتي بدني ورُمحي ........ وكل مقلِّص سَلسِ القيادِ أعاذل إنما أفنى شبابي ........ وأقرحَ عاتقي ثقلُ النِّجادِ تَمَنَّاني ليلقانِي أبيٌّ ........ وددت وأينما منى ودادي ولو لاقيتني ومعي سلاحي ........ تكشَّفَ شحمُ قلبك عن سواد أريد حياته ويريد قتلي ........ عذيرَك من خليلك من مراد


وهذا البيت كان يتمثل به على بن أبي طالب رضي الله عنه إذا أعطى الناس ورأى ابن ملجم قاتله الله .


وكان سبب موت عمرو بن معدي كرب ما حكاه ابن قتيبة وغيرهقالوا : كانت مغازي العرب إذ ذاك الري ودمستي فخرج عمرو مع شباب من مذحج حتى نزل الخان الذي دون روذة ، فتعذى القوم ثم ناموا وقام كل رجل منهم لقضاء حاجته ، وكان عمرو إذا أراد الحاجة لم يجترئ أحد أن يدعوه وإن أبطأ ، فقام الناس للرحيل وترحلوا إلا من كان في الخان الذي فيه عمرو ، فلما أبطأ صحنا به : يا أبا ثور ، فلم يجبنا ، وسمعنا عازاً شديداً ، ومراساً في الموضع الذي دخله ، فقصدناه وإذا به محمرة عيناه مائلا شدقه مفلوجاً فحملناه على فرس ، وأمرنا غلاماً شديد الذراع فارتدفه ليعدل ميله ، فمات بروذة ، ودفن على قارعة الطريق ، فقالت امرأته الجعفية ترثيه من الطويل :


لقد غادر الركبُ الذين تحملوا ........ بروذة شخصاً لا ضعيفاً ولا غمرَا فقل لزبيد بل لمذحج كلِّها ........ فقدْتُمْ أبا ثور سنانكم عَمْرَا فإِن تجزعوا لا يُغْنِ ذلك عنكم ........ ولكن سلوا الرحمن يُعقبكم صبرا قالوا اقْتَرِحْ شيئاً نُجِدْ لك طَبْخَهُ ........ قلت اطْبُخُوا لي جُبَّةً وقميصا


البيت من الكامل ، وقائله أبو الرقعمق ، يروى أنه قال : كان لي إخوان أربعة ، وكنت أنادمهم أيام الأستاذ كافور الإخشيدي ، فجاءني رسولهم في يوم بارد ، وليست لي كسوة تحصنني من البرد ، فقال : إخوانك يقرأون عليك السلام ويقولون لك : قد اصطبحنا اليوم وذبحنا شاة سمينة فاشته علينا ما نطبخ لك منها ، قال : فكتبت إليهم من الكامل :


إخواننَا قصدوا الصبوحَ بسحرةٍ ........ فأبى رسولُهُمُ إليَّ خصوصا قالوا اقترح شيئاً نُجدْ لك طبخه ........ قلت اطبخوا لي جبة وقميصا


قال : فذهب الرسول بالرقعة ، فما شعرت حتى عاد ومعه أربع خلع وأربع صرر في كل صرة عشرة دنانير ، فلبست إحدى الخلع وصرت إليهم .


والشاهد فيه : المشاكلة ، وهي : ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً ، وهي هنا قوله اطبخوا فإنه أراد خيطوا فذكر خياطة الجبة والقميص بلفظ الطبخ لوقوعها في صحبة طبخ الطعام .


ومثل البيت قول ابن جابر الأندلسي من الكامل :


قالوا اتخذ دُهناً لقلبك يَشْفِهِ ........ قلتُ ادهنوه بخدها المتوردِ


وذكرت باشتهاء أبي الرقعمق قول بعضهم من الخفيف :


قال لي عُوَّدي غَدَاة أتوني ........ ما الذي تشتهيه واجتهدوا بي قلتُ مُغْلًى فيه لسانُ وشاةٍ ........ قطّعوه فيه بصنع عجيب وَأُضيفت إليه كبْدُ حسودٍ ........ فُقِئت فوقها عيون الرقيبِ


وقول الآخر من الكامل :


عندي لكم يوم التواصُل فرحةٌ ........ يا معشر الجلساء والندماء أشوي قلوبَ الحاسدينَ بها وَألسنةَ الوشاة وأَعينَ الرُّقباءِ


ومن أمثلة قول عمرو بن كلثوم في معلقته من الوافر :


ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ........ فنجهل فَوقَ جهل الجاهلينَا


أراد : فنجازيه على جهله ؛ فجعل لفظة فنجهل موضع فنجازيه لأجل المشاكلة .


ومثل الأول ما حكي عن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ، أنه كان يشرب في منتزه ، وعنده ماني الموسوس ، فقال عبيد الله من الوافر :


أَرى غيماً تؤلفهُ جنوبٌ ........ وأحسب أن ستأتينا بهطلِ فحزمُ الرأي أن تأتي برطلِ ........ فتشربهُ وتأتيني برطلِ


فقال : ما هكذا قال الشاعر ، وإنما هو :


أرَى غيماً تؤلفهُ جنوبٌ ........ أرَاهُ على مساءتنا حَريصَا فحزمُ الرأي أن تأتي برطلٍ ........ فتشربهُ وتكسوني قميصَا


وأبو الرقعمق هو أحمد بن محمد الأنطاكي الشاعر المشهور ، ذكره الثعالبي في اليتيمة فقال : هو نادرة الزمان ، وجملة الإحسان ، ممن تصرف بالشعر الجزل في أنواح الجد والهزل ، وأحرز قصبات الفضل ؛ وهو أحد المداح المجيدين ، والشعراء المحسنين ، وهو بالشام كابن حجاج بالعراق . ومدح ملوك مصر ووزراءها : فمن غرر شعره قوله يمدح الوزير يعقوب بن كلس ؛ من الخفيف :


قد سمعنَا مقالهُ واعتذارهُ ........ وأقلناهُ ذنبهُ وعثارَهْ والمعاني لمنْ عنيتُ ولكنْ ........ بك عرَّضتُ فاسمعي يا جارَهْ


منها :


سَحَرتني ألحاظهُ وكذا كلُّ مليحٍ عيونهُ سَحَّارهْ ما عَلىَ مؤثرِ التباعدِ والإعراض لو آثرَ الرضا والزيارَهْ


وهي طويلة ، وأكثر شعره جيد على هذا الأسلوب . مثل صريع الدلاء والقصار .


ومن شعره على طريق ابن حجاج قوله من مجزوء الكامل :


كتبَ الحصيرُ إلى السرير ........ أن الفصيلَ ابنُ البعيرِ فلأمنعنَّ حِمَارَتي ........ سنتين من أكل الشعيرِ لا هُمَّ إلا أنْ تَطِي _ رَ من الهزَال مع الطيور ولأخبرَنكَ قصتِي ........ فلقدْ سقطت على الخبيرِ إنّ الذين تصافَعُوا ........ بالقرعِ في زَمن القشُورِ أسِفوا عَلَيَّ لأنهمْ ........ حضروا ولم أكُ في الحضورِ لَوْ كنتُ ثمّ لقيل هَلْ ........ منْ آخذٍ بيدِ الضريرِ ولقد دخلت على الصديق البيت في اليوم المطير متشمراً متبختِراً ........ للصفع بالدَّلوِ الكبير فأدرت حين تبادروا ........ دلوي فكان على المدير يا للرجالِ تَصَافعوا ........ فالصفعُ مفتاحُ السرورِ هو في المجالس كالبخو _ ر وكالقلائدِ في النحورِ


وله قصيدة طويلة مشهورة أولها من مجزوء الرجز :


وقوققى وقوققى ........ هدية في طبقِ أما ترون بينكم تيْساً طويل العنق


وكانت وفاته سنة تسع وتسعين وثلثمائة .


إذا ما نهى النَّاهي فلَج بي الهوى ........ أصاختْ إلى الواشي فلَجَّ بها الهجْرُ


البيت للبحتري ، من قصيدة من الطويل في الفتح بن خاقان ، أولها


متى لاح برقٌ أو بدا طللٌ قفرُ ........ جرى مُسْتَهِلٌّ لا بطئ ولا نَزْرُ وما الشوق إلا لوعةٌ بعد لوعةٍ ........ وغُزْر من الآماق تتبعُها غزرُ فلا تذكرا عهْدَ التصابي فإنه ........ تقضَّي ولم يشعرْ به ذلك العصر


إلى أن يقول فيها :


هل العيش إلا أن تساعفنا النوى ........ بوَصْل سُعَاد أو يساعدَنا الدهرُ


إلى أن يقول فيها :


على أنها ما عندها لمُوَاصِلٍ ........ وصالٌ ولا عنها لمصطبرٍ صبرُ


وبعده البيت ، وهي طويلة يقول منها في المخلص :


لعمرَّكَ ما الدنيا بناقصة الْجَدَا ........ إذا بقىَ الفَتحُ بن خاقان والقطرُ


ومعنى أصاخت استمعت ، والواشي : النمام الذي يشي حديثه ويزينه .


والشاهد فيه : المزاوجة ، وهي : أن يزاوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزاء ، فهنا زواج بين نهي الناهي وإصاختها إلى الواشي الواقعين في الشرط والجزاء في أن يترتب عليهما لجاج شيء .


ومثله قوله أيضاً من الطويل :


إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤُها ........ تذكرت القربى ففاضت دموعُها


فزاوج بي الاحتراب وتذكر القربى الواقعين في الشرط والجزاء في ترتب فيضان شيء عليهما .


ومن المزاوجة قول أبي تمام من المتقارب :


وكنا جميعاً شريكي عنانٍ ........ رضيعي لِبانٍ خليلي صفاء


وفي معنى صدر البيت قول أبي نواس من البسيط :


دَعْ عَنْكَ لومي فإن اللَّوْمَ إغراءُ ........ ودَاوِنِي بالتي كانت هي الداءُ


وقول ابن زريق البغدادي من البسيط :


لا تَعْذِليه فإنَّ العذل يُولِعُه ........ قد قلتِ حَقَّاً ولكن ليس يسمعه


وقول ابن شرف القيرواني من الكامل :


قلْ للعذول لو اطلعت على الذي ........ عاينتهُ لعناكَ ما يعنيني أتصدُّني أم للغرَام ترُدُّني ........ وتلومني في الحبّ أمْ تُغْرِينِي دَعنِي فلستَ مُعَاقباً بجنايتِي ........ إذ ليسَ دينكَ لي ولا لك دينِي


وقول الصابي من الخفيف :


أيهَا اللائمُ المضيِّقُ صدري ........ لا تلمني فكثرةُ اللوم تُغْرِي قَدْ أقامَ القَوَامُ حجةً عشقي ........ وأبانَ العذارُ في الحبّ عذرِي قِفْ بالديار التي لم يعفها القدمُ ........ بلىَ وغيرَها الأرواحُ والدِّيَمُ


البيت من البسيط ، وهو أول قصيدة لزهري بن أبي سلمى ، يمدح بها هرم بن سنان ، وبعده :


لاَ الدارُ غيرَها بعد ُالأنيسُ ولاَ ........ بالدارِ لو كَلَّمَتْ ذا حاجة صممُ دارٌ لأسماء بالغمرَين ماثلةٌ ........ كالوحي ليس لها من أهلها أرِمُ


يقول منها في مدحه :


إن البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ولكنّ الجوادَ على علاتهِ هَرِمُ هو الجوادُ الذي يعطيكَ نائلهُ ........ عفواً ويظلمُ أحياناً فيظَّلِمُ فإِن أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ ........ يقولُ لا غائبٌ ما لي ولا حَرِمُ


وهي طويلة .


والأرواح : جمع ريح ، ويجمع على أرياح أيضاً ، ورياح ، وريح بكسر الراء وفتح الياء . والديم : جمع ديمة ، وهي المطر الدائم في سكون .


والشاهد في البيت : الرجوع ، وهو العود إلى الكلام السابق ، بالنقض والإبطال لنكتة ، فهنا دل صدر البيت على أن تطاول الزمان وتقادم العهد لم يعف الديار ، ثم عاد إليه ونقضه في عجز البيت بأنه قد غيرتها الرياح والأمطار لنكتة ، وهي هنا : إظهار الكآبة والحزن والحيرة والدهش ، كأنه خبر ولاً بما لم يتحقق ، ثم رجع إليه عقله وأفاق بعض الإفاقة فنقض كلامه السابق .


ومثله قول الشاعر من الطويل :


فأفٍّ لهذا الدهر لا بلْ لأهلهِ


وقول ابن الطثرية من الطويل :


أليسَ قليلاً نظرةٌ إن نظرتها ........ إليك ؟ وكلاّ ليسَ منك قليلُ


وقول أبي البيداء من الطويل :


ومالي انتصارٌ إن غدَا الدهرُ جائراً ........ عليّ ، بلى إن كان من عندكَ النصرُ


وقول المتنبي من الطويل :


لِجنِّيَّةٍ أم غادةٍ رُفعَ السجفُ ........ لِوَحشيةٍ ، لاَ ما لِوَحشيةٍ شنْفُ


وما أحسن قول أبي بكر الخوارزمي في شمس المعالي قابوس بن وشمكير ، صاحب جرجان من البسيط :


لم يبقَ في الأرض من شيء أهابُ لهُ ........ فَلِمْ أهابُ انكسارَا الجفن ذي السقمِ أستغفرُ اللهَ من قولي ، غلطتُ بلىَ ........ أهابُ شمسُ المعالي أُمةَ الأممِ


وله فيه أيضاً من المتقارب :


إذَا ما ظمئتُ إلى ريقهِ ........ جعلتُ المدامَةَ منهُ بديلاَ وأينَ المدامةُ من ريقهِ ........ ولكن أُعللُ قَلباً عليلا


وبديع قول السراوندي من الكامل :


كالبدر بلْ كالشمس بلْ ككليهما ........ كالليث بلْ كالغيث هطالِ الديمْ


وما ألطف ابن سناء الملك من الكامل :


ومليةٍ بالحسن يسخرُ وجههَا ........ بالبدر يهزأ ريقها بالقَرْقَفِ لا أرتضي بالشمس تشبيهاً لها ........ والبدرِ بل لا أكتفي بالمكتفي


وهو من قول ابن المعتز من الكامل :


واللهِ لا كلمتها لو أنها ........ كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفِي إذا نزل السماء بأرض قومٍ ........ رَعيناهُ وإن كانوا غِضابَا


نسب غالب شارحي التلخيص هذا البيت لجرير ، وهو من قصيدة من الوافر ، أولها :


أقلي اللومَ عاذِلَ والعتابَا ........ وقولي إن أصبتُ لَقد أصابَا أجدَّك ما تذكر عهدِ نجدٍ ........ وحَيّاً طالما انتظروا الإيابَا بلىَ فارفضَّ دمْعُكَ غير نَزْرٍ ........ كما عَيَّنْتَ بالسرَب الطبابَا وهاجَ البرق ليلةَ أذرعاتٍ ........ هوى ما تستطيع لهُ طلابا


وهي طويلة ، والسماء : الغيث .


ونسبه المفضل في اختياراته لمعاوية بن مالك بن جعفر معود الحكماء وساقه في قصيدة طويلة أولها :


أجدّ القلبُ من سلمى اجتنابَا ........ وأقصرَ بعد ما شابَتْ وشابَا وشابَ لِدَاتهُ وعدلنَ عنهُ ........ كما أنضيتُ من لُبْسٍ ثيابَا فإن يكُ نبلها طاشتْ ونبلي ........ فقد نرمي بها حقباً صيابا فتصطادُ الرجالَ إذَا رمتهمْ ........ وأصطادُ المخبأةَ الكعابَا


منها :


وكنتُ إذَا العظيمة أفزعَتْهُمْ ........ نهضتُ ولا أدبُّ لها دبابَا بحمدِ الله ثمَّ عطاء قَومٍ ........ يفكونَ الغنائمَ والرقابَا إذَا نزَلَ السماء بأرضِ قومٍ ........ رَعيناهُ وإن كانوا غضابا بِكلّ مُقَلصٍ عَبْلٍ شَوَاهُ ........ إذَا وُضعتْ أعنتهنّ ثابَا


ويدل على أن هذا البيت من هذه القصيدة أنه لم يوجد في قصيدة جرير على اختلاف رواة ديوانه .


والشاهد فيه : الاستخدام ، وهو أن يراد بلفظٍ له معنيان أحدهما ثم يراد بضميره الآخر ، أو يراد بأحد ضميريه أحدهما ، ثم يراد بالآخر الآخر ، فالأول كما في البيت هنا ، فإنه أراد بالسماء الغيث ، وبالضمير الراجع إليه من رعيناه النبت .


وجرير هو ابن عطية بن الخطفي ، وهو لقبه ، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ابن مرة ، ينتهي نسبه لنزار ، ويكنى أبا حزرة بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة ، وهي المرة الواحدة من الحزر .


وهو والفرزدق والأخطل المقدمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية جميعاً ، ومختلفٌ في أيهم المقدم ، ولم يبق أحد من شعراء عصرهم إلا تعرض لهم فافتضح وسقط .


وكان أبو عمرو يشبه جريراً بالأعشى ، والفرزدق بزهير ، والأخطل بالنابغة وقد حكم مروان بن أبي حفصة بين الثلاثة بقوله من الكامل :


ذهب الفرَزْدقُ بالفخار ، وإنما ........ حُلْوُ الكلام ومرهُ لجرير ولقد هجا فأمَضَّ أَخطلُ تغلبٍ ........ وحَوَى الُّلهى بمديحه المشهورِ كلُّ الثلاثةِ قد أبرَّ بمدحهِ ........ وهجاؤُه قد سارَ كلَّ مسيرِ


فهو كما تراه حكم للفرزدق بالفخار ، وللأخطل بالمدح والهجاء ، وبجميع فنون الشعر لجرير .


وقال أبو العلاء بن جرير العنبري ، وكان شيخاً قد جالس الناس : إذا لم يجيء الأخطل سابقاً فهو سكيتٌ ، والفرزدق لا يجئ سابقاً ولا سكيتاً ، وجرير يجيء سابقاً ومصلياً وسكيتاً .


وحدث مولى لنبي هاشم : قال : امترى أهل المجلس في جرير والفرزدق أيهما أشعر ، فدخلت على الفرزدق فما سألني عن شيء حتى نادى : يا نوار ، أدركت برنيتك يا نوار ؟ قالت : قد فعلت أو كادت ، قال : فابعثي بدرهم فاشتري لحما ، ففعلت وجعلت تشرحه وتلقيه على النار ويأكل ، ثم قال : هات برنيتك ، فشرب قدحاً ثم ناولني ، وشرب آخر ثم ناولني ، ثم قال : هات حاجتك يا ابن أخي ، فأخبرته ، فقال : أعن ابن الخطفي تسألني ؟ ثم تنفس حتى انشقت حيازيمه ، ثم قال : قاتله الله فما أحسن ناجيته ، وأشرد قافيته ، والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها ، والشابة على أحبابها ، لكنهم هروه فوجدوه عند الهراش نابحاً ، وعند الجد قادحاً ، ولقد قال بيتاً لأن أكون قلته أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، وهو من الوافر :


إذا غضبَتْ عليك بنو تميم ........ لقيت القومَ كلهمُ غضابا


وقال إسحاق بن يحيى بن طلحة : قدم علينا جرير المدينة ، فحشدنا له ، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته ، فجاء الأحوص فقال : أين هذا ؟ فقلنا : قام آنفاً ، ما تريد منه ؟ قال : أخزيه ، والله إن الفرزدق لأشعر منه وأشرف ، فأقبل جرير علينا ، وقال : من الرجل ؟ قلنا : الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت ابن أبي الأفلح ، قال : هذا الخبيث بن الطيب ، ثم أقبل عليه فقال : قد قلت من الطويل :


يقر بعيني ما يقر بعينها ........ وأحسن شيء ما به العينُ قَرَّت


فإنه يقر بعينها أن يدخل فهيا مثل ذراع البكر ، أفيقر ذلك بعينك ؟ قال : وكان الأحوص يرمي بالأبنة ، فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة .


وكان راعي الإبل الشاعر يقضي للفرزدق على جرير ويفضله ، وكان راعي الإبل قد ضخم أمره ، وكان من أشعر الناس ، فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال : هل تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق علي وهو يهجو قومه وأنا أمدحهم ؟ قال جرير : فضربت رأيي فيه ، ثم خرج جرير ذا يوم يمشي ولم يركب دابة وقال : والله ما يسرني أن يعلم أحد ، وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بالمربد بالبصرة يجلسون فيها ، قال : فخرجت أتعرض إليه لعلي ألقاه على حياله حيث كنت أراه يمر إذا انصرف من مجلسه ، وما يسرني أن يعلم أحد ، حتى إذا هو قد مر على بغلة له وابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى محذوف الذنب ، وإنسان يمشي معه يسأله عن بعض النسيب فلما استقبلته قلت : مرحباً بك يا أبا جند ، وضربت بشمالي على معرفة بغلته ، ثم قلت له : يا أبا جندل ، إن قولك يستمع ، وإنك تفضل الفرزدق علي تفضيلاً قبحاً ، وأنا أمدح قومك وهو يهجوهم ، وهو ابن عمي دونك ، ويكفيك عن ذلك إذ ذكرنا أن تقول : كلاهما شاعر كريم ، ولا تحتمل مني ولا منه لائمة ، قال : فبينا أنا معه وهو كذلك واقفاً علي وما رد علي بذلك شيئاً حتى لحق ابنه جندل فرفع كرمانية معه فضرب بها عجز بغلته ، ثم قال : لا أراك واقفاً على كلب من كليب كأنك تخشى منه شراً أو ترجو منه خيراً ، وضرب البغلة ضربة فرمحتني رمحة وقعت منها قلنسوتي ، فوالله ما عرج علي الراعي فيقول سفيه عوى يعني جندلاً ابنه ، ولكن لا والله ما عاج علي ، فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على رأسي ثم قلت من الوافر :


أجندلُ ما تقولُ بنو نميرٍ ........ إذا ما الأيْرُ في استِ أبيكِ غابَا


فسمعت الراعي قال لابنه : أما والله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة ، قال جرير : ولا والله ما القلنسوة بأغيظ أمره لي ، ولو كان عاج علي ، فانصرف جرير غضبان ، حتى إذا صلى العشاء ومنزله في علية له قال : ارفعوا لي باطية من نبيذ وأسرجوا لي ، فأسرجوا له وأتوه بباطية من نبيذ ، قال : فجعل يهينم ، فسمعت صوته عجوز في الدار ، فاطلعت في الدرجة فنظرت إليه فإذا هو يحبو على الفراش عرياناً لما هو فيه ، فانحدرت فقالت : ضيفكم مجنون ، رأيت منه كذا وكذا ، فقالوا لها : اذهبي لطيتك فنحن أعلم به ، وبما يمارس ، فما زال كذلك حتى كان السحر ، ثم إذا هو يكبر ، قد قالها ثمانين بيتاً يهجو بني نمير ، فلما ختمها بقوله :


فغُضَّ الطرف إنك من نميرٍ ........ فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا


كبر ، ثم قال : أخزيته ورب الكعبة ، ثم اصبح حتى علم أن الناس قد أخذوا مجالسهم بالمربد ، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق ، دعا بدهن فادهن وكف رأسه ، وكان حسن الشعر ، ثم قال : يا غلام أسرج لي ، فأسرج له حصاناً ثم قصد مجلسهم حتى إذا كان موقع السلام قال : يا غلام ، ولم يسلم ، قل لعبيد بعثتك نسوتك تكسبهن المال بالعراق ؟ أما والذي نفي بيده لترجعن إليهن بميرة تسؤهن ولا تسرهن ، ثم اندفع فهيا فأنشدها ، فنكسى الفرزدق وراعى الإبل ، وأزم القوم ، حتى إذا فرغ منها وسار وثب راعي الإبل ساعتئذ فركب بغلته بشر وعر ، وخلا المجلس ، حتى أوفى إلى المنزل الذي ينزله ثم قال لأصحابه : ركابكم ركابكم فليس لكم هنا مقام ، فضحكم والله جرير ، فقال له بعض القوم : ذاك شؤمك وشؤم ابنك ، قال : فما كان إلا ترحلهم فساروا إلى أهلهم سيراً ما ساره أحد ، وهم بالشريف - وهو أعلى دار بني نمير - فيحلف بالله راعي الإبل إنا وجدنا في أهلنا :


فغُضَّ الطرفَ إنك من نُميرٍ


وأقسم بالله ما بلغه إنسي قط ، وإن لجرير لأشياعاً من الجن ، فتشاءمت به بنو نمير وسبوه وابنه ، فهم يتشاءمون به إلى الآن .


وحدث أبو عبيدة قال : التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان فقال الفرزدق لجرير من الطويل :


فإِنك لاقٍ بالمنازل من مِنىً ........ فَخَاراً فخبرني بمَنْ أنتَ فاخرُ


فقال له جرير : ليبك اللهم لبيك ، قال : فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويتعجبون منه .


وعن العتبي ، قال : قال جرير : ما عشقت قط ، ولو عشقت لنسبت نسيباً فتسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها ، وإني لأروي من الرجز مثال آثار الخيل في الثرى ، ولولا أني أخاف أن يستفرغني لأكثرت منه .


وعن أبي عبيدة قال : رأت أم جرير وهي حامل به كأنها ولدت حبلاً من شعر أسود ، فلما خرج منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيقتله وفي عنق هذا فيخنقه ، حتى فعل ذلك برجال كثيرين ، فانتبهت فزعة فولت الرؤيا فقيل لها : تلدين غلاماً أسود شاعراً ذا شدة وشر وشكيمة وبلاء على الناس ، فلما ولدته سمته جريراً باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها ، قال : والجرير الحبل .


وحدث بلال بن جرير أن رجلاً قال لجرير : من أشعر الناس ؟ قال : قم حتى أعرفك الجواب ، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزاً له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها ، فصاح به : اخرج يا أبت ، فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته ، فقال : أترى هذا ؟ قال : نعم ، قال : أوتعرفه ؟ قال : لا ، قال : هذا أبي ، أفتدري لم كان يشرب لبن العنز ؟ قلت : لا ، قال : مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن ، ثم قال : أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارهم به فغلبهم جميعاً .


وحدث المدائني قال : كان جرير من أعق الناس بأبيه ، وكان ابنه بلال أعق الناس به ، فراجع جرير بلالاً الكلام ، فقال له بلال : الكاذب مني ومنك ناك أمه ؟ فأقبلت أمه عليه فقالت له : يا عدو الله ، أتقول هذا لأبيك ؟ فقال جرير : دعيه فوالله لكأني أسمعها وأنا أقولها لأبي .


ونظير ذلك ما حكى عن يونس بن عبد الله الخياط أنه مر به رجل وهو يعصر حلق أبيه ، وكان عاقاً به ، فقال له : ويحك ! أتفعل هذا بأبيك ؟ وخلصه من يده ، ثم أقبل على الأب يعزيه ويسكنه ، فقال له الأب : أخي لا تلمه ، واعلم أنه ابني حقاً ، والله لقد خنقت أبي في هذا الموضع الذي خنقني فيه ، فانصرف الرجل وهو يضحك ولأبيه يقول من الرجز :


ما زال بي ما زال بي ........ طَعْنُ أبي في النسبِ حتى تربيتُ وحتى ........ ساء ظني بأبِي


ونشأ ليونس وقد يقال له دحيم فكان أعق الناس به ، فقال يونس فيه من المنسرح :


جلا دُحيمٌ عماية الريبِ ........ والشكَّ مني والظنَّ في نسبي ما زال بي الظنُّ والتشكك حتى عقتى مثل ما عققت أبي


وقال يونس بن عبد اله الخياط : جئت يوماً إلى أبي وهو جالس وعنده أصحاب له ، فوقفت لعيه لأغيظه وقلت : ألا أنشدكم شعراً قلته بالأمس ؟ قالوا : بلى ، فأنشدتهم من البسيط :


يا سائليَ مَن أنا أو مَن يناسبُني ........ أنا الذي لا له أصلٌ ولا نسبُ الكلب يختال فَخْراً حين يُبْصرني ........ والكلب أكرمُ مني حين ينتسب لو قال لي الناس طرّاً أنت أَلأمنا ........ ما وهمَ الناس في ذاكم ولا كذبوا


قال : فوثب إلى أبي ليضربني ، وعدوت من بين يديه ، فجعل يشتمني وأصحابه يضحكون .


رجع إلى بقية أخبار جرير .


حدث أبو العراف قال : قال الحجاج لجرير والفرزدق وهو في قصره يجر بن البصرة : ائتياني بلباس أبيكما في الجاهلية ، فلبس الفرزدق الديباج والخز وقعد في قبة ، وشاور جرير دهاة بني يربوع ، فقالوا له : ما لباس آبائنا إلا الحديد فلبس جرير درعاً وتقلد سيفاً وأخذ رمحاً وركب فرساً لعباد بن الحصين يقال له المنحاز ، وأقبل في أربعين فارساً من بني يربوع ، وجاء الفرزدق في هيبته ، فقال جرير من الطويل :


لبست سلاحي والفرزدق لعبة ........ عليه وشاحاً كُرَّجٍ وجلاجلُهْ أعِدَّ مع الحلي المَلاَبَ فإنما ........ جرير لكم بعل وأنت حلائله


ثم رجعا ، فوقف جرير في مقبرة بني حصن ، ووقف الفرزدق في المربد ونعى الفرزدق إلى المهاجر بن عبد الله وجرير عنده ، فقال من الكامل :


مات الفرزدق بعدما جدعتُهُ ........ ليت الفرزدق كان عاش قليلا


فقال له المهاجر : بئس لعمر الله ما قلت في ابن عمك ! أتهجو ميتاً ؟ أما والله لو رثيته لكنت أكرم العرب وأشعرها ، فقال : إن رأى الأمير أن يكتمها علي فإنها سوءة ، ثم قال من وقته البيتين السابقين في ترجمة الفرزدق في شواهد المقدمة ، ثم بكى ، وقال : أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده ، ولقد كان نجمنا واحداً ، وكل واحد منا مشغول بصاحبه ، وقلما مات ضد أو صديق إلا تبعه صاحبه ، فكان كذلك ، مات بعد سنة .


قال ابن الجوزي : مات سنة إحدى عشرة ومائة ، وكانت وفاته باليمامة ، وعمر نيفاً وثمانين سنة ، وقال ابن قتيبة في المعارف : إن أمه حملت به سبعة أشهر .


فَسقَى اْلغَضَا والساكِنِيهِ وإن هُمُ ........ شبُّوهُ بينَ جوانِحٍ وقلوبِ


البيت للبحتري ، وهكذا هو في ديوانه وإن كان في كثير من نسخ التلخيص ، بل وفي كثر من كتب هذا الفن بلفظ بين جوانحي وضلوعي ، وهو من قصيدة من الكامل أولها .


كم بالكثيب من اعتراض كثيبِ ........ وقوام غصنٍ في الثياب رطيبِ تأبى المنازلُ أن تجيبَ ومِن جَوَى ........ يوم الديارِ دعوتُ غيرَ مُجيب


وبعده البيت ، وهي طويلة .


والغضا : شجر معروف ، واحدته غضاة ، وأرض غضيانة : كثيرته .


والشاهد فيه : الاستخدام أيضاً ، فإنه أراد بأحد الضميرين الراجعين إلى الغضا وهو المجرور في الساكنيه المكان وهو ارض لبني كلاب وواد بنجد ، وبالآخر وهو المنصوب في شبوه النار أي أوقدوا في جوانحي نار الغضا ، يعني نار الهوى التي تشبه نار الغضا ، وخص الغضا دون غيره لأن جمره بطيء الانطفاء .


وقد استخدم كثير من الشعراء لفظة الغضا فقال ابن أبي حصينة من الطويل :


أما والذي حَجَّ الملَبُّونَ بَيتهُ ........ فمِنْ ساجِدٍ لله فيه وراكعِ لقد جَرَّعتني كأس بَيْنٍ مَرِيرةً ........ من البُعْد سلمى بين تلكَ الأجارع وحَلَّتْ بأكنافِ الغَضَا فكأنما ........ حَشَتْ نارهُ بين الحشى والأضالع


وقال ابن جابر الأندلسي من البسيط :


إنَّ الغَضَا لسْتُ أنسى أهلَهُ فَهُمُ ........ شَبُّوهُ بين ضلوعي يومَ بيْنِهمِ جَرَى العَقيقُ بلقبي بَعْدَما رَحَلوا ........ ولو جَرَى من دموع العين لم أُلَمِ


وقال ابن قلاقس الإسكندري من الكامل :


حَلتْ مطاياهم بمُلْتَفِّ الغضا ........ فكأنما شَبُّوهُ في الأكْبَادِ


وبديع قول البدر بن لؤلؤ الذهبي من الكامل :


أحمَّامَةَ الوادي بشَرْقيِّ الغضا ........ إن كْنِت مُسْعِدَة الكئيب فَرَجعِي ولقد تَقَاسمنا الغضا فَغُصُونُهُ ........ في راحَتَيْكِ وجمْرُهُ في أضلُعي


ولمؤلفه من قصيدة من الطويل :


وحقِّكِ إني للرِّياح لحاسِدٌ ........ ففي كلِّ حين بالأحبةِ تخطُرُ تمرُّ الصَّبا عفواً على ساكني الغضا ........ وفي أضلعي نيرانهُ تَتسَعَّرُ فتذكِرني عهْدَ العقيق وأدمُعي ........ تُسَاقطهُ والشيء بالشيء يذكَرُ ويورِث عيني السَّفْحَ حتى ترى به ........ مَعَالم بالأحْبَابِ تزهو وتزهرُ


ومن الاستخدام البديع قول المعري يرثي فقيهاً حنيفاً من الخفيف :


وفقيهٌ ألفاظُهُ شِدْنَ للنُّعمان ما لم يَشدْهُ شعرُ زيادِ


وقوله أيضاً يصف درعاً من الخفيف :


نثرةٌ من ضمانها للقنا الخطي عند اللقاء نثر الكعوب مثْلُ وشْيِ الوليدِ لانَتْ وإن كانت من الصُّنع مثلَ وشي حبيب تلك ماذية وما لذبابِ السيفِ والصيفِ عندها من نَصيبِ


فاستخدم لفظ الذباب في معنييه : الأول طرف السيف والثاني الطائر المعروف .


ولابن جابر الأندلسي فيه من البسيط :


في القَلب من حبكُمْ بَدْرٌ أقام به ........ فالطّرّفُ يزدادُ نوراً حينَ يُبْصِرُهُ تَشَابه العقد حُسْناً فَوقَ لَبتهِ ........ والثَّغْرُ منهُ إذا ما لاحَ جوْهَرهُ


ومن ظريف الاستخدام قول السراج الوراق من السريع :


دعِ الهَويني وانتَصبْ واكتَسبْ ........ واكدَح فنَفسُ المرء كدَّاحهْ وكن عن الراحةِ في مَعْزِلٍ ........ فالصَّفْعُ موجود مع الراحهْ


استخدم الراحة في معنييها : الأول من الاستراحة ، والثاني من اليد .


وبديع قول الصفي الحلي من الطويل :


لئن لم أُبرقع بالحيا وجْهَ عفتي ........ فلا أَشْبَهتهُ راحتي في التكرمِ ولا كنت ممن يكسر الجفن في الوغى ........ إذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم


ومن الاستخدامات البديعة قول ابن نباتة المصري يمدح النبي صلى الله عليه وسلم من الطويل :


إذا لم تفض عَيْني العَقيقَ فلا رأت ........ مَنازله بالقُرْبِ تبْهى وتبهرُ وإن لم توَاصلْ عادَةَ السفح مُقلتي ........ فلا عادها عيشٌ بمغناهُ أخضرُ


ومنها :


سَقى الله أكنافَ الغضا سائلَ الحيا ........ وإن كنتُ أُسْقي أدمعاً تَتَحَدّرُ وعيشاً نَضَى عنهُ الزمان بياضَهُ ........ وخلّفهُ في الرأس يزهُو ويزهَرُ تغيرَ ذاك اللونُ مَعْ من أُحبُّهُ ........ ومن ذا الذي يا عَزُّ لا يتغيرُ وكان الصبا ليلاً وكنتُ كَحَالم ........ فيا أسَفي والشيب كالصُّبْحِ يُسْفِرُ يُعللني تحْتَ العمامَةِ كتْمَهُ ........ فَيعتادُ قَلبي حَسْرةٌ حين أحْسِرُ وتنكرني لَيْلَى وما خِلتُ أنه ........ إذا وضع المرء العمامة ينكرُ


ومن الاستخدام أيضاً قول العلامة عمر بن الوردي رحمه الله تعالى من مجزوء الوافر :


وَربَّ غَزالةٍ طَلعتْ ........ بِقلبي وَهْوَ مَرعاهَا نَصبتُ لهَا شِباكاً مِنْ ........ لُجينٍ ثمّ صِدْناها وقالتْ لِي وقدْ صِرْنا ........ إلى عَينِ قَصَدْناها بذلْتَ العْينَ فاكْحلها ........ بِطلْعتها ومجْراها


ومنه قول ابن مليك رحمه الله تعالى من الطويل :


فَكم ردّ مِنْ عَيْنٍ وجادَ بِمثلها ........ ولوْلاهُ ما ضاءَتْ ولمْ تكُ تَعذُبُ


وقوله من قصيدة أخرى نبوية من الكامل :


كمْ ردَّ مِنْ عَينٍ وجادَ بِها وَكم ........ ضاءَتْ بهِ وسقى بِها منْ صادِي


ومنه قول الرشيد الفارقي من مجزوء الرمل :


إنَّ في عيْنيْكِ معْنَى ........ حدَّثَ النَرْجِسُ عنهُ ليتَ لِي منْ غُصنهِ سَهماً ففي قلبيَ مِنهُ


وقد أخذه الشهاب محمود ولم يحسن الأخذ فقال من الرمل :


نازَعتْ عيناهُ قلبي حبّةً ........ لم تكُنْ تقْبلُ قَبْلُ الإِنْقِساما يا لقوْمِي هلْ عَلمتُم قبْلها ........ أنَّ للأعينِ في القلْبِ سِهاما كَيْفَ أسْلُو وَأنْتِ حِقْفٌ وَغُصْنٌ ........ وغزَالٌ لْحَظاً وقَدَّاً وَرِدْفَا


البيت من الخفيف ، وهو منسوب لابن حيوس ، ولم أره في ديوانه ، ولعله ابن حيوس الإشبيلي .


والحقف بكسر الحاء الرمل العظيم المستدير .


والشاهد فيه : اللف والنشر ، وهو : ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال ، ثم ذكر ما لكل واحد من آحاد المتعدد من غير تعيين ، ثقة بأن السامع يرد ما لكل من آحاد المتعدد إلى ما هو له ، ثم الذي على سبيل التفصيل ضربان ؛ لأن النشر إما على ترتيب اللف ، وإما على غير ترتيبه كما في البيت هنا ، وهو ظاهر .


ومما جاء على الترتيب قوله ابن الرومي من الكامل :


آراؤُكمْ وَوُجوهُكمْ وَسيُوفُكمْ ........ في الحادِثاتِ إذَا دَجوْنَ نُجومُ فِيها مَعالِم لِلهدَى وَمصابحٌ ........ تَجلو الدُّجَى والأُخْرَياتُ رجومُ


وقول بعضهم من البسيط :


ألستَ أنتَ الَّذِي مِن ْوِرْدِ نعمتهِ ........ وَوِرْدِ رَاحتهِ أَجني وأغْترِفُ


وما أبدع قول ابن شرف القيرواني من البسيط :


جاوِرْ عَليّاً ولاَ تَحْفلْ بِحادثةٍ ........ إذَا ادّرعتَ فلاَ تَسألْ عنِ الأسَلِ سلْ عنهُ وانْطقْ بهِ وانْظرْ إليهِ تَجدْ ........ مِلء الْمَسَامِع والأفوَاهِ والمُقلِ


وقد أخذه تاج الدين الذهبي فقال من الكامل :


بدْرٌ سمَا للمُجتلي ، ثَمرٌ نَمَا ........ للمُجتني ، بَحْرٌ طَما للمُجتدِي سلْ عنهُ وادْنُ إليهِ واستْمسِكَ تَجدْ ........ مِلءَ المسَامِع والنَّواظرِ واليدِ


وما أزهر قول البهاء زهير من الطويل :


ولي فيهُ قلبٌ بالغَرَامِ مقيدٌ ........ لهُ خَبَرٌ يرويه طرفىَ مطلقَا ومنْ فرط وجدي لمَاهُ وثغرهِ ........ أعللُ قلبي بالعُذَيْبِ وبالنَّقَا


وما أحلى قول ابن نباتة المصري مع زيادة التورية من الخفيف :


لا تخَفْ عَيْلَةً ولا تخشىَ فقراً ........ يا كثيرَ المحاسن المختالهْ لكَ عينٌ وقامةٌ فِي البرايا ........ تلكَ غَزَّالةٌ وذي عَسَّالهْ


وقوله أيضاً من السريع


سألتهُ عن قومهِ فانْثنى ........ يعجبُ من إسرافِ دَمعي السخِي وأبصَرَ المسكَ وبدرَ الدُّجى ........ فقالَ ذَا خالي وهذا أخي


وبديع قول ابن مكنسة من الرجز : د


والسكرُ في وجنتهِ وطرفهِ ........ يفتحُ وَرْداً ويغضُّ نرجسَا


وقد جاء اللف والنشر بين ثلاثة ، فأكثر ، فمنه قول ابن حيوس من الكامل :


ومُقَرْطقٍ يَغْنَى النديمُ بوجههِ ........ عن كأسهِ الملأى وعن إبريقهِ فعلُ المدام ولونهَا ومذَاقُهَا ........ من مقلتيهِ وَوَجنتيهِ وريقهِ


وقول حمدة الأندلسية من الطويل :


ولمّا أبى الوَاشون إلاّ فرَاقَنَا ........ وما لهُمُ عندي وعندكَ من ثارِ وشَنّوا على أسماعنا كلّ غارَةٍ ........ وقَلّ حُمَاتي عند ذاكَ وأنصارِي غَزَوْتُهُمُ من مقلتيكَ وأدمُعِي ........ ومن نَفَسي بالسيف والسيلِ والنارِ


وقول ابن نباتة ، وأجاد إلى الغاية من البسيط :


عَرْجَ عَلَى حرم المحبوب منتصباً ........ لقبلة الحسنِ واعذرنِي على السهرِ وانظر إلى الخال فوقَ الثغْر دُونَ لمىً ........ تجد بلاَلاً يُراعي الصبحَ في السحر


وبديع قول بعضهم من المجتث :


وَرْدٌ وَمسكٌ وَدُرٌّ ........ خدٌّ وخالٌ وثغرُ لحظٌ وجفنٌ وغنجٌ ........ سيفٌ ونبلٌ وسحرُ


ومنه بين أربعة ، وأربعة قول الشاعر من البسيط :


ثغْرٌ وخدٌّ ونهدٌ واحمرَارُ يدٍ ........ كالطلعِ والوَرد والرّمان والبلَحِ


ومثله قول الشاب الظريف محمد بن العفيف من الطويل :


رَأى جسدي والدّمعَ والقلبَ والحشى ........ فأضنَى وأفنىَ واستمالَ وَتَيَّمَا


ولأبي جعفر الأندلسي الغرناطي بني خمسة وخمسة من الكامل :


ملكٌ يَجيءُ بخمسة من خمسةٍ ........ لقى الحسودَ بها فماتَ لما بهِ منْ وَجههُ وَوَقارهِ وجوادهِ ........ وَحسامه بيديهِ يومَ ضِرَابهِ قمرٌ على رضوى تسيرُ بهِ الصبا ........ وَالبرقُ يلمَعُ من خلال سحَابهِ


ولابن جابر الأندلسي بين ستة وستة من الكامل :


إن شئتَ ظبياً أو هلاَلاً أو دُجى ........ أو زهرَ غصن في الكثيب الأملدِ فللَحظهَا ولِوَجههَا ولشَعْرهَا ........ ولخدّها والقدّ والرّدفِ اقصدِ


ولنجم الدين البارزي بني سبعة وسبعة من الطويل :


يُقَطِّعُ بالسكين بطيخةً ضحىً ........ على طبقٍ في مجلسٍ لأصَاحِبهْ كبدرٍ ببرقٍ قَدَّ شمْساً أهِلَّةً ........ لدَى هالة في الأفق بينَ كواكِبهْ


وسبقه إلى ذلك ابن قلاقس ، فقال من المتقارب :


أتانَا الغلامُ ببطيخةٍ ........ وسكينة أحكموها صقالاَ فقسَّمَ بالبرْق شمسَ الضحى ........ وأعطى لكلّ هلال هلاَلاَ


ومثله قول محاسن الشواء ، وأجاد من الخفيف :


وغلام يحزُّ بطيخةً في اللون مثلي وفي المذَاقة مثلَهْ لأنَاسٍ غُرٍّ عَلى طبقٍ في ........ مجلسٍ مشرقٍ يشابهُ أهلَهْ قَدّ بدرٌ شمساً بأفقٍ شهدتُ الليلَ في هالة ببرقٍ أهلَّهْ


وقول الآخر من الطويل :


ولما بدا ما بيننا منية النفس ........ يحززُ بالسكين صفراء كالْوَرْسِ توَّهْمُت بدر التِّمِّ قدّ أهلةً ........ على أنجم بالبرق من كرَةِ الشمسِ


وقول الآخر من الكامل :


خلنَاهُ لما حزّزَ البطيخَ في ........ أطباقه بصقيلةِ الصفحاتِ بدراً يقدُّ من الشموس أهلةً ........ بالبرْقِ بين الشُّهْبِ في الهالاتِ


وقول البديع الدمشقي ، في غلام يقطع بطيخاً بسكين ، نصابها أسود من الكامل :


انظرْ بعينكَ جوهراً متلالئاً ........ سحراً لفرط بيانه وجمالهِ قمرُّ يقدُّ من الشموس أهلةً ........ بظلامِ هجْرَته وفجرِ وصالهِ


والسابق إلى فتح هذا الباب العسكري حيث يقول من الوافر :


وجامعةٍ لأصناف المعاني ........ صلحنَ لوقت إكثارٍ وَقلَّهْ فمن أُدمٍ ورَيحانٍ ونَقْلٍ ........ فلم يُرَ مثلُها سَدّاً لخلَّهْ فمنها ما تَشَبهُهُ بُدُوراً ........ فإِن قَطَّعتها رجعت أهلهْ


ولابن مقاتل بين ثمانية وثمانية من الطويل :


خدُودٌ وأصداغ وقدٌّ ومقلةٌ ........ وثغرٌ وأرياقٌ ولحنٌ ومعربُ وُرُودٌ وسوسانٌ وبانٌ ونرجسٌ ........ وكأسٌ وجِرْيَالٌ وجَنكٌ ومُطْرِبُ


وللصفي الحلي من الطويل :


وظبي بقفرٍ فوقَ طِرْفٍ مُفَوّقٌ ........ بقوسٍ رَمى في النقع وحشاً بأسهمِ كَبدرٍ بأفقِ فوْقَ برْقٍ بكفهِ ........ هلالٌ رمى في الليل جنّاً بأنجم ولبعضهم بين عشرة وعشرة من البسيط : شَعْرٌ جَبِينٌ محيّاً معطفٌ كَفَلٌ ........ صدغٌ فمٌ وجناتٌ ناظرٌ ثَغْرُ ليلٌ صباحٌ هلالٌ بانةٌ ونَقاً ........ آسٌ أقاحِ شقيقٌ نرجسٌ دُرُّ


ولابن جابر بين اثني عشر واثني عشر من الطويل :


فرُوعٌ سنَا قدٌّ كلامٌ فمٌ لَمىً ........ حُلىً عُنُقٌ ثغرٌ شَذاً مقلةٌ خَدُّ دُجىً قمرٌ غصنٌ جَنىً خاتم طلاً ........ نجومٌ رشَاً دُرٌّ صباً نرجسٌ وردُ


وجل القصد هنا : أن يكون اللف والنشر في بيت واحد ، خالياً من الحشو وعقادة التركيب ، جامعاً بين سهولة اللفظ والمعاني المخترعة .


وابن حيوس بحاء مهملة وياء تحتية مشددة مضمومة وواو ساكنة بعدها سين مهملة هو أبو الفتيان محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس ، الملقب بمصطفى الدولة ، الشاعر المشهور ، وهو أحد الشعراء الشاميين المحسنين وفحولهم المجيدين ، وله ديوان شعر كبير ، لقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم ، وكان منقطعاً إلى بني مرداس أصحاب حلب ، وله فيهم القصائد الفائقة ، وقصته مع الأمير جلال الدولة وصمصامها نصر بن محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس مشهورة ، فإنه كان قد مدح أباه محموداً ، فجازه ألف دينار ، فلما مات وقام مقامه ولده نصرٌ المذكور قصده ابن حيوس المذكور بقصيدة رائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه ، أولها من الطويل :


كفَى الدينَ عِزّاً ما قضاهُ لكَ الدهرُ ........ فمن كان ذا نذرٍ فقد وجب النذرُ


ومنها :


صبرنا على حكم الزمان الذي سطَا ........ على أنهُ لولاكَ لم يكنِ الصبرُ غزَانا ببؤسي لا يماثلها الأسى ........ تقارنُ نعمى لا يقومُ بها الشكرُ تَباعدتُ عنكم حرفةً لا زهادةً ........ وسرتُ إليكم حين مَسَّنِيَ الضرُّ فلاَقيتُ ظلّ الأمن ما عنهُ حاجزٌ ........ يصدّ ، وباب العز ما دونهُ سترُ وطَالَ مُقامي في إسارِ جمليكم ........ فَدامت معاليكم ودام ليَ الأسْرُ وأنجزَ لي ربُّ السموات وعدهُ الكريمَ بأنَّ العسر يتبعهُ اليسرُ لقدْ كنتَ مأمولاً تُرجى لمثلها ........ فيكف وطوعاً أمرك النهيُ وَالأمرُ وما بي إلى الإِلحاح والحرص حاجةً ........ وقد عرف المبتاعُ وانفصل السعرُ وإني بآمالي لديكم مخيمٌ ........ وكم في الورى ثاوٍ وآمالهُ سَفْرُ وعهدكَ ما أبغي بقولي تصنعاً ........ بأيسرِ ما توليهِ يُسْتَعْبدُ الحرُّ


فلما فرغ من إنشادها قال الأمير نصر : والله لو قال عوض قوله سيخلفها نصر سيضعفها لأضعفتها له ، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة .


وكان اجتمع على باب الأمير نصر جماعة من الشعراء وامتدحوه ، وتأخرت صلته عنهم ، ونزل بعد ذلك الأمير نصر إلى دار بولص النصراني ، وكانت له عادة بغشيان منزله ، وعقد مجلس الأنس عنده ، فأتت الشعراء الذين تأخرت جوائزهم إلى باب بولص ، وفيهم ابن الدويدة المعري الشاعر المعروف ، فكتبوا ثلاثة أبات اتفقوا على نظمها ، وقيل : بل نظمها ابن الدويدة العري المذكور وصيروا الورقة إليه وفيها الأبيات ، وهي من الطويل :


عَلى بابِكَ المَحْرُوسِ مِنّا عِصَابةٌ ........ مَفاليسُ فانْظُرْ في أمور المَفَاليس وَقدْ قَنعتْ مِنك َالجَمَاعةُ كُلُّها ........ بِعُشْرٍ الَّذِي أعطَيْتَهُ لابن حَيُّوس وما بَيْنَنا هذَا التَفَاوُتُ كُلُّهُ ........ ولكِنْ سَعيدٌ لا يُقاسُ بِمنحوس


فلما وقف عليها الأمير نصر أطلق لهم مائة دينار ، وقال : والله لو قالوا بمثل الذي أعطيته لابن حيوس لأعطيتهم مثله .


وكان الأمير نصر سخياً واسع العطاء ، تملك حلب بعد وفاة أبيه محمود سنة سبع وستين وأربعمائة ، ولم تطل مدته حتى ثار عليه جماعة من جنده فقتلوه ثاني شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة .


وكان ابن حيوس المذكور قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس فبنى داراً بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره من السريع :


دارٌ بَنيْنَاها وعِشْنا بِها ........ في نِعمةٍ مِنْ آلِ مِرْداس قَومٌ نَفواْ بُؤْسي ولم يتركوا ........ عَليّ للأَيام مِنْ باسِ قُلْ لِبني الدُّنيا ألا هكذَاَ ........ فَليفْعِل الناسُ مَعَ الناسِ


وقيل : إن الأبيات لابن أبي حصينة الحلبي ، وهو الصحيح .


وحكى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق قال : أنشدنا أبو القاسم علي بن إبراهيم العلوي من حفظه سنة سبع وخمسمائة ، قال : أخذ الأمير أبو الفتيان ابن حيوس بيدي وقال : أروعني هذا البيت ، وهو في شرف الدولة مسلم ابن قريش من الكامل :


أنْتَ الَّذِي تفقَ الثنَاءُ بِسُوقهِ ........ وَجَرَى النَّدَى بِعرُوقهِ قَبْلَ الدم


وهذا البيت في غاية المدح .


ومن غرر قصائده السائرة قوله :


هُو ذاكَ رَبعُ العَامرية فارْبَعِ ........ واسأَلْ مَصيفاً عافياً عَنْ مَرْبع وَاستَسْقِ لِلدِّمَن الخَوالي بِالحمى ........ غُرَّ السحَائب واعْتَذرْ عن أَدْمُعِي فَلَقد غدوتُ أمامَ دَانٍ هَاجرٍ ........ في قُرْبه وَوَراءَ ناءٍ مُزْمع لَوْ تُخبرُ الرُّكبَانُ عنِّي حدّثُوا ........ عَنْ مُقلةٍ عَبْرَى وقَلبٍ مُوجعَ رُدِّى لنا زَمنَ الكَثيبِ فإنّهُ ........ زَمنٌ متى يَرْجع وصالُك يَرْجع لوْ كُنتِ عَالِمةً بِأدبى لَوْعتي ........ لرَدَدْتِ أقْصَى نيلكِ المُسْتَرْجَعِ بَل لوْ قَنعتِ منَ الغرَام بمُظْهر ........ عَنْ مُضمر بينَ الحَشى والأضلُعِ أُعْتَبْتِ إِثْرَ تعتُّبٍ وَوصلْتِ ........ غِبَّ تجنُّبٍ وبذلْتِ بَعْدَ تمنّع ولو أنني أنْصَفتُ نفسي صُنتُها ........ عَنْ أن أكُونَ كَطَالبٍ لم يَنْجَع إِنِّي دعَوْتُ نَدَى الغرام فلَم يُجب ........ فَلاَ شُكْرَنَّ نَدَى أجاب وما دُعى ومنَ العَجَائبِ والعجائبُ جمَّةٌ ........ شكْرٌ بَطيءٌ عَنْ ندَى مُتَسرّع


ومن شعره يمدح سابق بن محمود من البسيط :


يزْدادُ إن قَصُرَ الخَطْىُّ عن غَرض ........ طُولاً ، وَيمضي إذا حَدُّ الحُسام بنا حلّ السِّماكَ وما حُلّتْ تَمائِمهُ ........ عَنْ جِيدِه وحبَا العافِينَ مُنذُ حَبَا حوَى منَ الفَضْل موْلوداً بلا طَلَب ........ أضافَ ما أعجَزَ الطُّلاَّبَ مُكتَسبا طلْقُ المحيّا إذا ما زُرْتَ مجْلِسهُ ........ حُزْتَ الغنى والعُلاَ والبأس والأدبا


ومحاسنه كثيرة .


وكان أحمد بن محمد الخياط الشاعر قد وصل إلى حلب سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وبها يومئذ ابن حيوس المذكور فكتب إليه ابن الخياط يقول من الكامل :


لم يبْقَ عِندِي ما يُباعُ بدرْهَم ........ وكَفَاكَ مِنِّي مَنظَري عنْ مَخْبَري إِلاَ بَقيَّةُ ماءِ وَجهٍ صُنْتُها ........ عنْ أن تُبَاعَ وأينَ أينَ المُشترِي


فقال : لو قال ونعم أنت المشتري لكان أحسن .


وكان مولد ابن حيوس سنة أربع وتسعين وثلثمائة بدمشق ، وتوفي سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة .


وابن حبوس الإشبيلي ذكره ابن فضل الله فقال : لا يخف له ضرع خاطر ولا يجف له نوء سحاب ماطر ، لو مس بقريحته الصلد لتفجر ، أو الجهام لا تعنجر ، وحسبك من مرمى غرضه البعيد ، ما ذكره له ابن سعيد ، وأورد له في المرقص قوله في أشتر العين لا تفارقه الدمعة من الكامل :


شبِرَت فقُلنا زوْرقٌ في لُجَّةٍ ........ مَالت بإِحدَى دفّتيهِ الرِّيحُ فكأنمَا إنسانُهَا ملاّحهُا ........ قد خافَ مِنْ غرقٍ فَظلّ يميح إِنَّ الشَّبَابَ والفَرَاغَ والْجِدَهْ ........ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ


البيت لأبي العتاهية ، من أرجوزته المزدوجة التي سماها ذات الأمثال يقال : إن له فيها أربعة آلاف مثل ، فمنها :


حسبُكَ مِما تَبْتغيهِ القُوتُ ........ ما أكثَرَ القُوتَ لِمنْ يمُوتُ الفقرُ فيمَا جاوزَ الكَفافا ........ مِن اتّقى اللهَ رَجا وَخافا هيَ المَقَاديُر فلُمني أو فذرْ ........ إن كنْتُ أخطأتُ فما أخطا القَدَر لِكُلّ ما يُؤذي وإن قَلّ ألم ........ ما أطوَل اللَّيْلَ على مَنْ لم ينم ما انتَفَعَ المرءُ بِمثلْ عقلهِ ........ وخيْرُ ذُخْرِ المرءِ حُسْنُ فِعلهِ إِن الفَساد ضدّهُ الصَلاَحُ ........ ورُبّ جدٍّ جَرّهُ المُزَاحُ مَنْ جعلَ النَّمَّامَ عبنأً هلكاَ ........ مُبلغُكَ الشّرّ كباغيهِ لَكا


وبعده البيت ، وبعده :


يُغنيكَ عن كُلِّ قبيح تَركُهُ ........ يرتهن الرأيَ الأصيلَ شكّهُ ما عَيْشُ مَنْ آفتهُ بقاؤُهُ ........ نَغَّصَ عَيشاً كلَّهُ فناؤُهُ يا رُبّ من أسخطنَا بِجْهدِهِ ........ قد سرَّنا الله بغيرِ حَمْدِهِ ما تطلعُ الشَّمْسُ ولا تغيبُ ........ إلا لأمرٍ شأنهُ عَجيبُ لِكلِّ شيء قدرٌ وجوهرُ ........ وأوسط وأصغر وأكبرُ فكلُّ شيء لاحقٌ بجوهرهْ ........ أصغرهُ متّصِلٌ بأكبرهْ من لك بِالمحْصِ وكلُّ مُمتزجْ ........ وساوسٌ في الصَّدرْ من تختلج ما زالتِ الدُّنيا لنا دارَ أذى ........ مَمزُوجةَ الصفوِ بأنواع القَذَى الخيْرُ والشّرُّ بِها أزواجُ ........ لذَا نتاجٌ ولِذَا نِتاجُ مَنْ لكَ بالمحْضْ وليس مَحْضُ ........ يخبُثُ بَعضٌ وَيطيبُ بعضُ لِكُلِّ إنسانٍ طبيعتَانِ ........ خيْرٌ وشَرٌّ وُهما ضِدَّانِ والخيرُ والشرُّ إذا ما عُدّا بَينهُما بَوْنٌ بعيدٌ جدَّا إنّكَ لو تَستنشقُ الشحيحا ........ وَجدتَهُ أنتنَ شَيءٍ ريحا عجِبْتُ حتى ضمَّني السُّكوتُ ........ صِرْتُ كأنِّي حائرٌ مَبْهُوتُ كذَا قَضى اللهُ فكَيْفَ أصنعُ ........ والصمْتُ إن ضاقَ الكلامُ أوسعُ


وهي طويلة جداً ، وهذا الأنموذج كاف منها


والجدة : الاستغناء ، والمفسدة : الخلة الداعية إلى الفساد .


والشاهد فيه : الجمع ، وهو الجمع بين متعدد في حكم ، وهو ظاهر في البيت ، وما أحسن قول الصفي الحلي فيه من البسيط :


أرَاؤُهُ وَعَطاياهُ ونِعمتُهُ ........ وعفوُهُ رحمَةٌ للنَّاس كلِّهم


ومنه قول ابن حجة مع تسمية النوع من البسيط :


آدابهُ وعَطاياه ورأفَتُهُ ........ سجيةٌ ضمن جَمْع فيه مُلتئم


وقول ابن جابر الأندلسي من البسيط :


قد أحْرَز السَّبق والإحسانَ في نَسقٍ ........ والعِلم والحِلم قَبلَ الدَّرك لِلحُلمِ


وأبو العتاهية هو : إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان ، مولى عنزة وكنيته أبو إسحاق ، وأبو العتاهية كنية غلبت عليه لأنه كان يحب الشهرة والمجون فكنى لعتوه بذلك ، وقيل : إن المهدي قال له يوماً : أنت إنسان متعته متحذلق ، فاستوت له من ذلك كنية ، ويقال للرجل المتحذلق عتاهية ، وفيه يقول أبو قابوس النصراني وقد بلغه أنه فضل عليه العتابي من الكامل :


قُلْ لِلْمُكني نَفْسهُ ........ مُتخيراً بِعتاهِيةْ والمُرْسلِ الكلم القَبيح وعنهُ أذنٌ وَاعيهْ إن كنتَ سِرّاً سؤتني ........ أو كانَ ذَاكَ عَلاَنِيهْ فَعليك لعنَةُ ذي الجلا _ ل وأُمُّ زيدٍ زانيهْ


وأم زيد هي أم أبي العتاهية ومنشأه بالكوفة ، وكان في أول أمره يتخنث ويحمل زاملة المخنثين ، ثم كان يبيع الفخار بالكوفة ، ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدم ، ويقال : أطبع الناس بالشعر بشار والسيد الحميري وأبو العتاهية ، وما قدر أحد قط على جمع شعر هؤلاء الثلاثة بأسره لكثرته ، وكان غزير البحر ، كثير المعاني لطيفها ، سهل الألفاظ ، كثير الافتنان ، قليل التكلف ، إلا أنه كثير الساقط المرذول مع ذلك ، وأكثر شعره في الزهد والأمثال ، وكان قوم من أهل عصره ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة ممن لا يؤمن بالبعث والنشور ، ويحتجون بأن شعره إنما هو في ذكر الموت والفناء دون النشور والمعاد .


وحدث الخليل بن أسد النوشجاني قال : أتانا أبو العتاهية إلى منزلنا فقال : زعم الناس أنني زنديق ، والله ما ديني إلا التوحيد ، فقلنا له : قل شيئاً نتحدث به عنك ، فقال من المتقارب :


أَلا إِنَّنَا كلَّنا بائدُ ........ وأيُّ بني آدمٍ خالِدُ وبَدؤُهُم كانَ من رَبِّهم ........ وكُلٌّ إلى رَبِّهِ عَائدُ فَيا عَجَباً كيفَ يُعصي الإلهُ أم كيفَ يجحدهُ الجاحد وفي كلِّ شيء له آيةٌ ........ تَدُلُّ على أَنهُ واحدُ


وكان من أبخل الناس مع يساره وكثرة ما جمعه من الأموال .


وحدث محمد بن عيسى الخرقي قال : وقف عليه ذات يوم سائل من العيارين الظرفاء وجماعة من جيرانه حواليه ، فسأله دونهم ، فقال له : صنع الله لك ، فأعاد السؤال ، فرد عليه ، فأعاد الثالثة ، فغضب ، وقال له : ألست الذي يقول من المديد :


كلُّ حَيّ عند ميتتهِ ........ حظُّهُ من مالهِ الكفنُ


قال : نعم ، قال : فبالله عليك أتريد أن تعد مالك لكه لثمن كفنك ؟ قال : لا ، قال : فبالله كم قدرت لكفنك ؟ قال : خمسة دنانير ، قال : فاعمل على أن ديناراً من الخمسة وضيعته قيراط وادفع إلي قيراطاً واحداً ، وإلا فواحدة أخرى ، قال : وما هي ؟ قال : القبور تحفر بثلاث دراهم ، فأعطني درهماً وأقيم لك كفيلاً بأن أحفر لك به قبرك متى مت وتربح درهمين لم يكونا في حسابك ، فإن لم أحفر رددته على ورثتك أو رده كفيلي عليهم ، فخجل أبو العتاهية وقال : اغرب لعنك الله وغضب عليك ، وضحك جميع من حضر ، ومر السائل يضحك ، فالتفت إلينا أبو العتاهية وقد اغتاظ فقال : من أجل هذا وأمثاله حرمت الصدقة ، فقلنا له : ومن حرمها ومتى حرمت ؟ فما رأيت أحداً ادعى أن الصدقة حرمت قبله ولا بعده .


وقال : قلت لأبي العتاهية : أتزكى مالك ؟ فقال : والله ما أنفق على عيالي إلا من زكاة مالي ، فقلت له : سبحان الله ! إنما ينبغي لك أن تخرج زكاة مالك للفقراء والمساكين ، فقال لي : لو انقطعت عن عيال زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم .


وحدث أيضاً قال : كنت جاراً لأبي العتاهية ، وكان له جار يلتقط النوى ضعيف سيئ الحال متجمل عليه ثياب ، فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار فيقول أبو العتاهية : اللهم بارك فيه ، فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحواً من عشرين سنة ، لا والله إن تصدق عليه بدرهمين ولا دانق قط ، وما كان زاده على الدعاء شيئاً ، فقلت له : يا أبا إسحاق ، إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ وتزعم أنه فقير معيل ، فلم لا تتصدق عليه بشيء ؟ فقال : أخشى أن يعتاد الصدقة وهي آخر مكاسب العبد ، وإن في الدعاء خيراً كثيراً .


وقال الجاحظ : حدثني ثمامة بن أشرس قال : دخلت يوماً على أبي العتاهية فإذا هو يأكل خبزاً بلا شيء ، فقلت له كالمنكر : كأنك رأيته يأكل خبزاً وحده ، فقال : لا ولكني رأيته يتأدم بلا شيء ، فقلت : وكيف ذلك ؟ فقال : رأيت قدامه خبزاً يابساً من دقاق فطير وقدحاً فيه حليب ، فكان يأخذ القطعة من الخبز فيغمسها في اللبن ويخرجها فلم تعلق منه بقليل ولا كثير ، فقلت له : كأنك اشتهيت أن تتأدم بلا شيء ، وما أريت أحداً قبله تأدم بلا شيء .


وقال ثمامة أنشدني أبو العتاهية من الطويل :


إِذا المَرْءُ لم يُعتِق منَ المَال نفسَهُ ........ تمَلّكَهُ المالُ الَّذِي هُوَ مالكُهْ ألا إنما مالي الَّذي أنا مُنفِقٌ ........ ولَيسَ ليَ المَالُ الَّذِي أنا تاركُهْ إِذا كُنتَ ذا مال فبادر به الَّذي ........ يحقُّ ولا استَهْلكَته مَهالكُهْ


فقلت له : من أين قضيت بهذا ؟ قال : من قوله صلى الله عليه وسلم "إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت" فقلت : أتؤمن بأن هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه الحق ؟ قال : نعم ، قلت : فلم تحبس عندك سبعاً وعشرين بدرة في دارك لا تأكل منها ولا تشرب ، ولا تزكي ، ولا تقدمها ذخراً ليوم فقرك وفاقتك ؟ قال : يا أبا معن ، والله إن ما قلت لحق ، ولكني خاف الفقر والحاجة إلى الناس . قلت : وما يزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم الحزن لا تأكل ولا تشرب منها دائم الجمع شحيح على نفسك ، لا تشتري الحم إلا من عيد إلى عيد ؟ فترك جواب كلامي كله ، ثم قال لي : والله لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحماً وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم ، فلما قال لي هذا القول أضحكني حتى أذهلين عن جوابه ومعاتبته ، وأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره للإسلام .


وقيل له : مالك تبخل بما رزقك الله تعالى ؟ فقال : والله ما بخلت بما رزقني الله قط ، قيل له : فكيف ذاك وفي بيتك من المال ما لا يحصى ؟ قال : ليس ذلك رزقي ، ولو كان رزقي لأنفقته .


وحدث أبو العتاهية قال : أخرجني المهدي معه إلى الصيد ، فوقعنا منه على شيء كثير ، وتفرق أصحابه في طلبه ، وأخذ هو في طريق آخر غير طريقهم ، فلم يلتفتوا ، وعرض لنا وادٍ جرار عظيم ، وتغميت السماء ، وبدأت بمطر ، فتحيرنا ، وأشرفنا على الوادي ، وإذا فيه ملاح يعبر الناس ، فلجأن إليه وسألناه عن الطريق ، فجعل يضعف رأينا ويعجزنا في بذل أنفسنا في ذلك الغيم والمطر للصيد حتى أبعدنا ، ثم أدخلنا كوخاً له ، وكاد المهدي يموت برداً ، قال له : أغطيك بجبتي هذه الصوف ؟ فقال : نعم ، فغطاه بها ، فتماسك قليلاً ونام ، وافتقده غلمانه ، وتبعوا أثره حتى جاؤونا ، فلما رأى الملاح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب وتبادر الغلمان ، فنحوا الجبة عنه ، وألقوا عليه الخز والوشي ، فلما انتبه قال لي : ويحك ! ما فعل الملاح ؟ فوالله لقد وجب حقه علينا ، فقلت : والله هرب خوفاً مما خاطبنا به . قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله لقد أردت أن أغنيه ، وبأي شيء خاطبنا ؟ نحن والله مستحقون لأضعاف ما خاطبنا به ، بحياتي عليك إلا ما هجوتني ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، كيف تطيب نفسي بأن أهجوك ؟ قال : والله لتفعلن فإنني ضعيف الرأي مغرم بالصيد ، فقلت من السريع :


يا لابِسَ الوَشْي على ثَوبهِ ........ ما أقبَحَ الأشيب بالراح


فقال : زدني بحياتي عليك ، فقلت :


لو شئتَ أيضاً جُلْتَ في خامةٍ ........ وفي وِشَاحَيْنِ وأوضاحِ


فقال : ويلك ! هذا معنى سوء يرويه عنك الناس وأنا أستأهل ، زدني شيئاً آخر ، فقلت : أخاف أن تغضب ، فقال : لا والله ، فقلت :


كم من عظيم القَدْرِ في نَفْسهِ ........ قد نامَ في جُبَّةِ مَلاَّحِ


فقال : معنى سوء عليك لعنة الله ، وقمنا فركبنا وانصرفنا .


وعن الحسن بن عابد قال : كان أبو العتاهية يحج في كل سنة ؛ فإذا قدم أهدى للممون برداً قطرياً ونعلاً سوداء ومساويك أراكٍ ، فيبعث إليه بعشرين ألف درهم ، فأهدى له مرة كما كان يهدي كل سنة إذا قدم ، فلم يثبه ولا بعث إليه بالوظيفة ، فكتب إليه أبو العتاهية يقول من الرمل :


خبروني أنّ مِنْ ضَرْبِ السنهْ ........ جدداً بيضاً وصُفْراً حسنهْ أُحدِثَتْ لكنني لم أرَها ........ مثلَ ما كنتُ أرى كلّ سنهْ


قال : فأمر المأمون بحمل العشرين ألفاً إليه ، وقل : أغفلناه حتى أذكرنا .


وحدث أبو عكرمة قال : كان الرشيد إذا رأى عبد الله بن معن بن زائدة ، يتمثل بقل أبي العتاهية من السريع :


أُختُ بني شيبانَ مرّتْ بنا ........ ممشوطة كوراً على بغلِ


وهذا البيت من أبيات لأبي العتاهية يهجو بها عبد الله المذكور ، وبعده :


تُكْنَى أبا الفضلِ ومَنْ ذَا رَأى ........ جاريةً تكنى أبا الفضل قد نقطت في وجها نقطةً ........ مخافةَ العين من الكحل إن زُرتموها قال حُجابها ........ نحنُ عن الزُّوَّار في شُغلِ مولاَتُنَا مشغولة عندَها ........ بعلٌ ولا إِذنَ على البعلِ يا بنتَ معنِ الخيرِ لا تجهلِي ........ وأينَ تقصيرٌ على الجهلِ أتجلدُ الناسَ وأنتَ امرُؤٌ ........ تُجلَدُ في دُبرِكَ والقبلِ ما ينبغي للناسِ أن ينسُبُوا ........ من كانَ ذَا جودٍ إلى البخلِ يبذلُ ما يمنعُ أهلُ الندَى ........ هذا لعمرِي مُنْتَهَى البذلِ ما قلتُ هذا فيكَ إلا وقَدْ ........ جَفَّتْ بهِ الأقلامُ من قبلِي


قال : فبعث إليه عبد الله بن معن ، فأتى به ، فدعا بغلمان له ثم أمرهم أن يرتكبوا منه الفاحشة ، ففعلوا ذلك ، ثم أجلسه ، وقال له : قد جزيتك على قولك ، فهل لك بعد هذا في الصلح ومعه مركب وعشرة آلاف درهم أو تقيم عل الحرب وما ترى ؟ قال : بل الصلح ، قال : فأسمعني ما تقوله في معنى الصلح فقال من الرمل :


ما لِعذالي ومالِي ........ أمرُونِي بالضلاِل عذَلوني في اغتفارِي ........ لابن مَعنٍ واحتمالِي إن يكن ما كانَ منهُ ........ فَبجرْمِي وفعالِي أنا منه كنتُ أسوا ........ عِشْرَةً في كل حالِ قل لمن يعجبُ من حسن رجوعي ومقالِي رُبّ ودّ بعدَ صَدّ ........ وهوى بعدَ تقَالِ قد رأينا ذا كثيراً ........ جارياً يبن الرّجالِ إِنما كانت يمينِي ........ لطمتْ مِني شمالِي


وكان أبو العتاهية في حداثته يهوى امرأة من أهل الحيرة نائحة لها حسن ودمائه ، يقال لها سعدى وكان ممن يهواها أيضاً عبد الله بن معن ، وكانت مولاة لهم ، وكانت صاحبة حبائب ، وكان أبو العتاهية مولعاً بالنساء ، فقال فيها من الطويل :


ألا يا ذوات السحق فِي الغرب والشرقِ ........ أفقنَ فإن النيكَ أشهى من السحق أفقنَ فإنّ الخبز بالأدم يشتهَى ........ وليس يسوغُ الخبز بالخبز في الحلق أراكنَّ ترقعنَ الخرُوق بمثلها ........ وأيّ لبيبٍ يرقعُ الخرق بالخرقِ وهل يصلحُ المهراسُ إلا بعودهِ ........ إذَا احتيجَ منه ذَاتَ يوم إلى الدقّ


وقال فيها أيضاً من الخفيف :


قلتُ للقلب إذ طوى وصلَ سُعَدى ........ لهواهُ البعيد الأسبابِ أنتَ مثل الذي يفرُّ من القَطرِ حِذَارَ الندى إلى الميزابِ


فغضب ابن معن لسعدى ، ضرب أبا العتاهية مائة ، فقال فيه من مجزوء الخفيف :


جَلَدَتْنِي بكفها ........ بنتُ معن بنِ زائده جلدتني بكفها ........ بأبي تلك جالدهْ وتراها مع الخصيِّ ........ على الباب قاعدهْ تتكَنّى كُنى الرجا _ لِ لعمدٍ مُكايدهْ جَلدَتْنِي وبالغتْ ........ مائة غيرة واحده اجلديني اجلدي اجلدي ........ إنما أنتِ والدهْ


وقال في ضربه إياه أيضاً من الخفيف :


ضربتني بكفها بنتُ معنٍ ........ أوجعت كفها وما أوجعتني ولعمري لولا أذى كفها إذ ........ ضربتني بالسوط ما تركَتْني


وحدث أحمد بن أبي فتن قال : كنا عند ابن الأعرابي فذكر قول يحيى بن نوفل في عبد الملك بن عمير القاضي ، وهو من الطويل :


إذا كلمتهُ ذاتُ دَلٍّ لحاجةٍ ........ فهمَّ بأن يقضي تنحنح أو سَعَلْ


وأن عبد الملك بن عمير قال : تركني والله وإن السعلة لتعرض لي في الخلاء فأذكر قوله فأهاب أن أسعل قال : فقلت : هذا ابن معن بن زائدة يقول له أبو العتاهية من الهزج :


فصُغْ ما كنت حَلَّيْتَ ........ به سيفكَ خَلخالا فما تصنعُ بالسيفِ ........ إذا لم تك قَتّالا


فقال عبد الله : ما لبست السيف قط فلمحني إنسان إلا قلت يحفظ شعر بي العتاهية في فينظر غلي بسببه ، فقال ابن الأعرابي : اعجبوا لهذا العبد يهجو مولاه ، وكان أبو العتاهية من موالي بني شيبان .


وحدث المدايني قال : اجتمع أبو نواس وأبو الشمقمق في بيت ابن أذين ، وجاء أبو العتاهية ، وكان بينه وبين أبي الشمقمق شر فخبأه من أبي العتاهية في بيت ، ودخل أبو العتاهية ، فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث ، فظنه جارية فقال لابن أذين : متى استظرفت هذه الجارية ؟ قال : قريباً يا أبا إسحاق ، فقل فيها ما حضر ، فمد أبو العتاهية يده إليه وقال من السريع :


مددتُ كَفِّي نحوكم سائلاً ........ ماذا تردُّون على السائلِ


فلم يلبث أبو الشمقمق حتى ناداه من داخل البيت بهذا البيت :


تردُّ في كفك ذا فَيْشَةٍ ........ يشفي جَوّى في استك من داخل


فقال أبو العتاهية : أبو الشمقمق والله ، وقام مغضبا .


وقال أبو العتاهية : حبسني الرشيد لما تركت قول الشعر ، فأدخلت السجن وأغلق الباب علي ، فدهشت كما يدهش مثلي لذلك الحال ، فإذا أنا برجل جالس في جانب الحبس مقيد ، فجعلت أنظر إليه ساعة ، ثم تمثل وقال من الطويل :


تعوَّدْتُ مَسَّ الضر حتى ألفتُهُ ........ وأسلمني حسنُ العزاء إلى الصبر وصيرني يأسي من النَّاسِ راجياً ........ لحسن صنيع الله من حيث لا أدري


فقلت له : أعد أعزك الله هذين البيتين ، فقال لي : ويلك يا أبا العتاهية ! ما أسوأ أدبك وأقل عقلك ! دخلت علي الحبس فما سلمت تسليم المسلم على المسلم ، ولا سالت مسألة الحر للحر ، ولا توجعت توجع المبتلي للمبتلي ، حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضل فيك غيره لم تصبر عن استعادتهما ، ولم تقدم قبل مسألتهما عذراً لنفسك في طلبهما ، فقلت : يا أخي ، إني دهشت لهذا الحال فلا تعذلني واعذرني متفضلاً بذلك ، فقال : والله أنا أولى بالدهش والحيرة منك ، لأنك حبست في أن تقول الشعر الذي به ارتفعت وبلغت ما بلغت ، فإذا قلت أمنت ، وأنا مأخوذ بأن أدل على ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتل أو أقتل دونه ، ووالله لا أدل عليه أبداً والساعة يدعى بي فأقتل ، فأينا أحق بالدهش ؟ فقلت : أنت والله أولى سلمك الله وكفاك ، ولو علمت أن هذه حالك ما سألتك ، فقال : لا نبخل عليك إذن ، ثم أعاد البيتين حتى حفظتهما ، فسألته من هو قال : أنا حاضر داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد ، ولم تلبث أن سمعت صوت الأقفال . فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جرة ولبس ثوباً نظيفاً ودخل الحرس والجند معهم الشمع ، فأخرجنا جميعاً ، وقدم قبلي إلى الرشيد ، فسأله عن أحمد بن عيسى ، فقال : لا تسألني عنه واصنع ما أنت صانع فلو أنه تحت ثوبي هذا ما كشفت عنه ، أمر بضرب عنقه فضربت ، ثم قال لي : أظنك ارتعت يا إسماعيل ؟ فقلت : دون ما رأيته تسيل من النفوس ، فقال : ردوه إلى محبسه ، فرددت . وانتحلت البيتين وزدت فيهما من الطول :


إِذا أنا لم أقبلْ من الدهر كل ما ........ تَكَرَّهْتُ منه طال عَتْبي على الدهر


وكان أبو العتاهية مشتهراً بحب عتبة جارية المهدي ، وأكثر نسيبه فيها فمن ذلك قوله وكتب به إلى المهدي يعرض بها من البسيط :


نفسي بشيء من الدنيا مُعَلَّقَةٌ ........ والله والقائم المهديُّ يَكفْيها إني لأيأس منها ثم يُطْمعني ........ فيها احتقارك للدنيا وما فيها


فهم المهدي بدفع عتبة إليه ، فخرجت وقالت : يا أمير المؤمنين مع حرمت وخدمتي أفتدفعني إلى قبيح المنظر بائع جرارٍ ومكتسب بالعشق ؟ فأعفاها ، وكان قد كتب البيتين على حواشي ثوب مطيب ووضعه في برنية ضخمة ، فقال المهدي : املأوا له البرنية مالاً . فقال للكتاب : أمر لي بدنانير ، قالوا : ما ندفع إليك ذلك ، ولكن إن شئت أعطيناك الدراهم إلى أن يفصح بما أراد ، فاختلف في ذلك حولاً ، فقالت عتبة : لو كان عاشقاً كما يزعم لم يكن يختلف منذ حول في التمييز بين الدراهم والدنانير ، وقد أضرب عن ذكري صفحاً .


وجلس أبو العتاهية يوماً يعذل أبا نواس ويلومه على استماع الغناء ومجالسته لأصحابه ، فقال أبو نواس من مجزوء الرمل .


أتراني يا عتاهي ........ تاركاً تلك الملاهي أتراني مفسداً بالنُّسْكِ عند القوم جاهي


فوثب أبو العتاهية وقال : لا بارك الله عليك ! وجعل أبو نواس يضحك .


وحدث مخارق قال : جاءني أبو العتاهية يوماً فقال لي : قد عزمت على أن أتزود منك يوماً تهبه لي ، فمتى تنشط لذلك ؟ فقلت : متى شئت ، قال : إني أخاف أن تقطع بي ، فقلت : لا والله ولو طلبني الخليفة ، فقال : يكون ذلك في غد ، فقلت : افعل ، فلما كان من الغد باكرني رسولهن فجئته فأدخلني بيتاً له نظيفاً فيه فرش نظيف ، ثم دعا بمائدة وعليها خبز سميذ وخل وبقل وملح وجدي مشوي ، قال : فأكلنا منها حتى اكتفينا ، ثم دعا بسمك مشوي فأصبنا منه أيضاً ، ثم دعا بفراخ ودجاج وفراريج مشوية فأكلنا منها حتى اكتفينا ، ثم أتونا بحلواء فأصبنا منها وغسلنا أيدينا ، ثم جاءونا بفاكهة وريحان وألوان من الأنبذة فقال لي : اختر ما يسلح لك ، فخرت وشربت وصب قدحاً ثم قال : إن لي قول من الخفيف :


أحمدٌ قال لي ولم يَدْرِ ما بي ........ أتحبُّ الفتاة عُتْبَةَ حقاً


فغنيته ، فشرب أقداحاً ، وهو يبكي أحر بكاء ، ثم قال غنني في قول من السريع :


ليسَ لمن ليستْ لهُ حيلةٌ ........ موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ


فغنيته ، وهو ينتحب ويبكي ، ثم قال : غنني ، فديتك في قولي من الطويل :


خليليّ ما لي لا تزال مُضرتِي ........ تكونُ مع الأقدار حَتْماً من الحتمِ


فغنيته إياه ، وما زال يقترح علي كل صوت غني به في شعره ، ويقول : غنني به ، فأغنيه ويشرب ويبكي ، ثم صارت العتمة ، فقال لي : أحب أن تصبر حتى ترى ما أصنع ، فجلست ، فأمر ابنه وغلامه ، فكسرا كل ما كان بين أيدنا من النبيذ وآلات الملاهي ، ثم أمر بإخراج كل ما كان في بيته من النبيذ وآلاته فما زال يكسره ويصب النبيذ ، وهو يبكي ، حتى لم يبق من ذلك شيء ، ثم نزع ثيابه واغتسل ولبس ثياب بياض من الصوف ، ثم عانقني وبكى ، وقال : عليك السلام يا حبيبي وفرحي من الناس كلهم ، سلام الفراق الذي لا لقاء بعده ، وجعل يبكي ويقول : هذا آخر عهدك بي في حال تعاشر أهل الدنيا ، فظننت أنها بعض حماقاته ، فانصرفت فما لقيته زماناً ، ثم تشوقته ، فأتيته فاستأذنت عليه ، فأذن لي فدخلت ، فإذا هو قد أخذ قوصرتين وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص ، وثقب أخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل ، فلما رأيته نسيت ما كان عندي من الغم عليه والوحشة لعشرته وضحكت والله ضحكاً ما ضحكت مثله قط ، فقال لي : من أي شيء تضحك ؟ لا ضحكت ! فقلت : اسخن الله عينيك ! أي شي هو ؟ من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء ، أو الزهاد ، أو الصحابة ، أو التابعين ، أو المجانين ؟ انزع عنك هذا يا سخين العين ، فكأنه استحيا مني ، ثم بلغني عنه أنه جلس حجاماً ، فجهدت أن أراه بتلك الحالة ، فلم أره ، ثم مرض فبلغني أنه اشتهى أن أغنيه ، فتيته عائداً ، فخرج إلى رسوله يقول : إن دخلت جددت لي حزناً وتاقت نفسي إلى سماعك وإلى ما قد غلبته عليه ، وأنا أستودعك الله وأعتذر إليك من ترك الالتقاء ، ثم كان آخر عهدي به .


وقيل لأبي العتاهية عند الموت : ما تشتهي ؟ فقال : أشتهي أن يجيء مخارق فيضع فمه على أذني ثم يغنيني من الطويل :


ستعرضُ عن ودي وتنسى مودتِي ........ ويحدثُ بعدي للخليل خليلُ إذا ما انقضت عني من الدهر مدّتي ........ فإنَّ غَنَاء الباكيات قليلُ


وحدث محمد بن أبي العتاهية قال : آخر شعر قاله أبي في مرضه الذي مات فيه من الوافر :


إلهي لا تعذبني فإني ........ مقرٌّ بالذي قد كانَ مني فما ليَ حيلةٌ إلا رجائي ........ لعفوكَ إن عفوت وحُسْنَ ظني وكمن مِنْ زَلْةٍٍ لي في الخطايا ........ وأنت عليَّ ذو فضل ومَنِّ إذا فكرتُ في نَدَمي عليها ........ عضضت أناملي وقَرَعْتُ سني أجنُّ بزهرة الدنيا جنوناً ........ وأقطعُ طولَ عمري بالتمني ولو أنِّي صدقتُ الزهدَ عنها ........ قلبتُ لأهلها ظهرَ المجنِّ يظنُّ الناسُ بي خيراً وإني ........ لَشَرُّ الناس إن لم تعف عني


ومحاسنه كثيرة :


وكان الأصمعي يستحسن قوله من مجزوء الرمل :


أنتَ ما استغنيتَ عن صا _ حبكَ الدهرَ أخوهُ فإذا احتجتَ إليه ........ ساعةً مَجَّكَ فُوهُ


وحدث ابن الأنباري أبو بكر ، قال : أرسلت زبيدة أم الأمين إلى أبي العتاهية أن يقول على لسانها أبياتاً بعد قتل الأمين يستعطف بها المأمون ، فأرسل إليها هذه الأبيات من الطويل :


ألا إنّ صرف الدهر يُدْنِي ويُبْعِدُ ........ ويُمْنِعُ بالآلاف طوراً ويفقدُ أصَابت بريبِ الدهر مني يدي يدِي ........ فسلمتُ للأقدار واللهَ أَحمدُ وقلتُ لريب الدّهر : إنْ هلكَتْ يدٌ ........ فقد بقيت والحمدُ لله لي يدُ إذَا بقي المأمونُ لي فالرّشيدُ لي ........ ولي جعفرٌ لم يفتقد ومحمدُ


قال : فلما قرأها المأمون استحسنها وسأل عن قائلها ، فقيل له : أبو العتاهية فأمر له بعشرة آلاف درهم ، وعطف على زبيدة ، وزاد في تكرمتها ، وقضى حوائجها جميعاً .


وحدث عمر بن أبي شيبة قال : مر عابد براهب في صومعة ، فقال له : عظني ، قال : أعظك وعليكم نزل القرآن ونبيكم محمد صلى الله عليه وسلم قريب العهد بكم ؟ قلت : نعم ، قال : فاتعظ ببيت من شعر شاعركم أبي العتاهية حيث يقول من الطويل :


تجرّد من الدُّنيا فَإنَّكَ إنما ........ وقعْتَ إلى الدنيا وأنت مجرّدُ


ومن شعر أبي العتاهية قوله من الكامل :


بادر إلى اللذّات يوماً أمكنت ........ بحلولهنّ بوادر الآفاتِ كم من مُؤَخِّرِ لذةٍ قد أمكنتْ ........ لغدٍ وليس غدٌ لهُ بِمُوَاتِ حتى إذا فاتت وفاتَ طلابها ........ ذَهبت عليها نفسهُ حسرَاتِ تأتي المكارهُ حين تأتي جملةً ........ وأرى السُّرور يجيء في الْفَلَتَاتِ


ومنه قول بعضهم من الخفيف :


أيُّ شيء يكونُ أعجبَ أمراً ........ إن تنكرتَ من صُرُوف الزمانِ عارضاتُ السُّرُور توزنُ فيهِ ........ والبلايَا تُكالُ بالقُفْزَانِ


ومن شعره أيضاً قوله من الكامل :


وإذَا انقضى هَمُّ امرئ فقد انقضى ........ إنّ الهموم أشدُّهنّ الأحدثُ


ويومئ إلى هذا المعنى قوله أيضاً ، وهو عجيب في معناه من الخفيف :


إنما أنتَ طولَ عمركَ ما عمرتَ في الساعة التي أنتَ فيها


ومن هذا قول من قال من الرمل :


وكما تبلىَ وُجوهٌ في الثرَى ........ فكذا يبلىَ عليهنَّ الحَزَنْ


ومن شعره أيضاً قول من البسيط :


كأنّ عائبكم يُبْدِي محاسنكمْ ........ منكم فيمدحكمْ عندي فيغرينِي إني لأعجبُ من حبِّ يقرِّبني ........ مِمَّا يباعدني عنهُ ويقْصِيني


ومثل الأول قول عروة بن أذينة من السريع :


كأنما عائبها جاهداً ........ زَيَّنَهَا عندي بتزييِن


وكذا قول أبي نواس من السريع :


كأنهم أْثَنْوا ولم يعلَمُوا ........ عليكَ عندي بالذي عابُوا


وقال أبو العتاهية لابنته رقية في علته التي مات فيها : قومي يا بنية ، فأرني أباك واندبيه بهذه الأبيات ، فقامت ، فندبته بقوله من الكامل :


لَعبَ البلاَ بمعالي ورسومي ........ وقُبِرْتُ حياً تحتَ رَدم همومِي لزمَ البلاَ جسمي فأوهى قوَّتي ........ إنَّ البلاَ لموكَّلٌ بلزومي


وكان مولده سنة ثلاثين ومائة ، ووفاته في يوم الاثنين ، لثمان من جمادى الأولى ، وقيل : لثلاث من جمادى الآخرة ، سنة إحدى عشرة ومائتين ، وقيل : سنة ثلاث عشرة ، ودفن حيال قنطرة الزياتين في الجانب الغربي ببغداد ، وأمر أين يكتب على قبره من الخفيف :


إنَّ عيشاً يكونُ آخرُهُ المو _ تَ لَعيشٌ معجَّلُ التنغيصِ


وقيل : أوصى أن يكتب عليه من مجزوء الخفيف :


أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي ........ واسمعي ثم عِي وَعِي أنا رهنٌ بمضجعي ........ فاحذروا مثل مَصْرَعي عشت تسعين حِجَّةً ........ أسلمَتْنِي لمضجعي كم ترى الحي ثابتاً ........ في ديار التزعزُع ليس زادٌ سوى التقى ........ فخذي منه أو دَعِي


ولما مات رثاه ابنه محمد فقال من محزوء الخفيف :


يا أبي ضَمَّكَ الثرى ........ وطوى الموتُ أجْمَعَكْ ليتني متُّ يوما صرْ _ ت إلى حفرة معك رحم الله مصرعك ........ بَرَّدَ الله مضجعك ما نوالُ الغمام وَقْتَ رَبيعٍ ........ كنوالِ الأمير يوم سخاءِ فنوالُ الأمير بدْرَةُ عَيْنٍ ........ ونوالُ الغمام قَطْرَةُ ماءِ


البيتان لرشيد الدين الوطواط الشاعر ، من الخفيف .


والنوال : العطاء ، والبدرة : كيس فيه ألف دينار ، أو عشرة آلاف درهم ، أو سبعة آلاف درهم ، أو سبعة آلاف دينار ، والعين هنا : المال .


والشاهد فيهما : التفريق ، وهو : إيقاع تباين بين أمرين من نوع في المدح أو في غيره ، فمن ذلك قول بعضهم من الوافر :


حسبْتُ جمالَهُ بدراً منيراً ........ وأين البدر من ذاك الجمال


وقول الآخر من مخلع البسيط :


قاسوك بالغصن في التَّثَنِّي ........ قياسَ جهل بلا انتصاف هذاك غصن الخلاف يُدْعَى ........ وأنت غصن بلا خلاف


وما أحسن قول الموصلي مع تسمية النوع من البسيط :


قالوا هو البحر والتفريق بينهما ........ إذ ذاك غَمٌّ وهذا فارق الغُمَمِ


وقد تلاعب الشعراء بمعنى البيتين المستشهد بهما ، فللوأواء الدمشقي من المنسرح :


مَنْ قاس جَدْوَاكَ بالغمام فما ........ انصف في الحكم بين شكلين أنت إذا جُدْتَ ضاحك أبداً ........ وهو إذا جاد باكي العين


ولبعضهم فيه أيضاً وأجاد جداً ، من المجتث :


من قاس جَدْوَاكَ يوماً ........ بالسُّحْب أخطأ مدحك السحبُ تعطي وتبكي ........ وأنت تعطي وتضحك


ولأبي الفتح البستي وأجاد من الكامل :


يا سيد الأمراء يا مَنْ جُودُه ........ أوْفَى على الغيث الْمَطير إذا هَمَى الغيثُ يعطي باكياً متجهِّماً ........ ونراك تعطي ناضراً متبسما


ومثله لأبي منصور البوشنجي من الوافر :


وذلكَ ضاحكٌ أبداً بجُودٍ ........ وَجودك ليس يمطرُ غيرَ باكي


وقول الأديب يعقوب النيسابوري ، في الأمير أبي الفضل الميكالي ، من الطويل :


رأيتُ عُبيدَ الله يضحكُ معطياًُ ........ ويبكي أخُوهُ الغيثُ عند عطائهِ وكم بينَ ضَحُاكٍ يجُودُ بمالهِ ........ وآخَرَ بكَّاءٍ يَجودُ بمائهِ


ولشرف الدين السنجاري في معناه من الكامل :


ما قستُ بالغيث العطايا منكَ إذ ........ يبكي وتضحكُ وأنت إذ تُولى النّدَا وإذا أفاض على البرية جودُهُ ........ ماءً تفيضُ لنا يمينك عسجداً


وما أبدع قول البديع الهمذاني ، مع زيادة المعنى ، والمبالغة في الغلو من البسيط :


يكادُ يحكيكَ صوبُ الغيث منسكباً ........ لو كان طَلْقَ المحيَّا يمطرُ الذهَبَا والدهرُ لو لم يخنْ والشمس لو نطقتْ ........ والليثُ لو لم يُصَدْ والبحرُ لو عَذُبّا


وقول ابن بابك يمدح نظام الملك من الطويل :


يقولونَ إنّ المزن يحكيك صوبهُ ........ مجاملةً ها قد شهدت وَغابَا وكم عزمةٍ عمّ البريةَ بؤسها ........ فهل ناب فيها عن نداك مَنابَا هَمَتْ ذهباً فيها يَداك عمليهمُ ........ وضنت يداه أن ترشّ ذهابَا


وقول ابن اللبانة في المعتمد على الله بن عباد من الطويل :


سألتُ أخاهُ البحر عنهُ فقال لِي ........ شقيقيَ إلا أنه الباردُ العذبُ لنا دِيمَتَاً ماء ومال ، فديمتي ........ تَمَاسَكُ أحيانَاً وديمَتُه سَكْبُ إذا نشأت بَرِّية فلهُ الندَى ........ وإن نشأت بحرية فلي السحبُ


وينظر إلى معاني ما مر ولم يكن بعيداً منها قول بعضهم من الخفيف : د


يا عيونَ السماء دمعُكِ يفنى ........ عن قَريب وما لدمعي فناءُ أنا أبكي طوعاً وتبكين كرهاً ........ ودموعي دِماً ودمعك ماءُ


ولم أقفل على ترجمة الوطواط الشاعر ، لكن رأيت ابن فضل الله ذكر في المسالك في معرض تراجم فاثبت ما رأيته ، قال في ترجمة الشمس بن دانيال إنه كان بينه وبين الوطواط ما يكون بين الأدباء ، ويدب بين الأحباء ، فعرضت للوطواط رمدة تكدر بها صفيحه ، وتكنى له فيها صريحه ، فقيل له : لو طلبت ابن دانيال ، فقال : ذاك لا يسمح بذرة ، يعني من كحله . فبلغ ابن دانيال فقال في ذلك من الطويل :


ولم أَقطع الوطواط بُخْلاً بِكَحْلِهِ ........ ولا أنا من يعييه يوماً تردد ولكنه ينبو عن الشمس طرفه ........ فيكف به لي قدرة وهو أرمد


وقال في ترجمة شافع بن علي بن عباس الكاتب ، ومن قوله في الوطواط الشاعر من الخفيف :


كم على درهم يلوح حراماً ........ يا لئيم الطباع سرّاً تواطى دائماً في الظلام تمشي مع النا _ س ، وهذي عوائد الوطواط


وقوله فيه من السريع :


قالوا نرى الوطواط في شدة ........ من تعب الكد ومن ويل فقلت هذا دأبه دائماً ........ يسعى من الليل إلى الليل


ثم إني رأيت المرحوم الجلال السيوطي ذكره في طبقات النحاة ، فقال : محمد بن محمد بن عبد الجليل بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن مردويه بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، المعروف بالرشيد الوطواط قال ياقوت : كان من نوادر الزمان وعجائبه ، وأفراد الدهر وغرائبه ، أفضل أهل زمانه في النظم والنثر ، وأعلم الناس بدقائق كلام العرب ، وأسرار النحو والأدب ، طار في الآفاق صيته ، وسار في الأقاليم ذكره ، وكان ينشئ في حالة واحدة بيتاً بالعربية من بحر وبيتاً بالفارسية من آخر ، ويمليهما معاً ، وله من التصانيف حدائق السحر ، في دقائق الشعر أسفاره رسالة بالعربي ورسالة بالفارسي ، وغير ذلك ، مولده ببلخ ، ومات بخوارزم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة .


فتبين بهذا أن الذي ذكرناه أولاً ليس هو .


ومن رسائله ما كتبه إلى العلامة جار الله الزمخشري ، ليستأذنه في حضور مجلسه والاستفادات من سؤالاته من الطويل :


لقد حاز جار الله دام جماله ........ فضائل فيها لا يشق غُبَاره تجدّدَ رسم الفضل بعد اندراسه ........ بأيام جار الله فالله جاره


أنا منذ لفظتني الأقدار من أوطاني ، ومعاهد أهلي وجيراني ، إلى هذه الخطة التي هي اليوم بمكان جار الله ، أدام الله جماله جنة للكرام ، وجنة من نكبات الأيام ، كانت قصوى منيتي ، وقصارى بغيتي ، أن أكون أحد الملازمين لسدته الشريفة التي هي مجثم السيادة ومقبل أفواه السادة ، فمن ألقى بها عصاه ، حاز في الدارين مناه ، ونال في المحلين مبتغاه ، ولكن سوء التقصير ، أو مانع التقدير ، حرمني مدة تلك الخدمة ، وحرم تلك النعمة ، والآن أظن المؤمن لا يخطئ أن آفل جدي هم بالإشراق ، وذابل إيراقي تحرك للإيراق ، فقد أجد في نفسي نوراً مجداً يهديني إلى جنته ، ومن شوقي داعياً موفقاً يدعوني إلى عتبته ، ويقرع سمعي كل ساعة لسان الدولة أن اخلع نعلك ، واطرح بالواد المقدس رحلك ، ولا تحفل بقصد قاصد ، وحسد حاسد ، فإن حضرة جار الله أوسع من أن تضيق على راغب في فوائده ، وأكرم من أن تستثقل وطأة طالب لعوائده ، ومع هذا أرجو إشارة تصدر عن مجلسه المحروس ، إما بخطه الشريف ، فإن في ذلك شرفاً لي يدوم مدى الدهر والأيام ، وفخراً يبقى على مر الشهور والأعوام ، وإما على لسان من يوثق بصدق مقالته ، ويعتمد على تبليغ رسالته ، من المنخرطين في سلك خدمته ، والراتعين في رياض نعمته ، ورأيه في ذلك أعلى وأصوب .


وكتب إليه يهنئه بالعيد : الأعياد - عرف الله سيدنا جار الله بركة قدومها وورودها ، وجعل له الحظ الأكمل والقسط الأجزل من ميامنها وسعودها ! - فرائد قلائد الأيام ، وغرر جبهات الأعوام ، لكنها راحلة لا تقوم ، وزائلة لا تدوم ، ولقاء جار الله - أدام الله مجده لنا معشر خدمه ، والمرتضعين در فضله وكرمه - عيدٌ لا زال العيد له كتصحيفه باقية محاسنه ، دائمة ميامنه ، يهدي كل ساعة إلى أبصارنا نوراً ، وإلى أرواحنا راحة وسروراً ، فكيف نهنئ عيداً هذه حاله ، بعيد لا يؤمن زواله من الطويل :


أتى العيدُ جارَ الله وهو مجدّدٌ ........ بخدمته عهدَ المهيمن تجديداً فلستُ بعيدٍ لا يدومُ مهنئاً ........ لصدر محياه يدومُ لنا عيداً ولا يقيمُ على ضَيْمٍ يرادُ بهِ ........ إلا الأذَلاَّنِ عَيْرُ الحي والْوَتِدُ هذا على الخسفِ مربوطٌ برُمَّتِهِ ........ وذَا يُشجُّ فلا يَرْثِي لهُ أحدُ


البيتان من البسيط ، وقائلهما المتلمس من أبيات ، وهي :


إنَّ الهوَانَ حمارُ الأهل يعرفهُ ........ والحر ينكرهُ والرسلة الأجدُ كونُوا كَسَامَة إذ ضنك منازلهُ ........ إذ قيل جيشٌ وجيشٌ حافظٌ عتدُ شدَّ المطية بالأنْسَاعِ فانْحَرَفَتْ ........ عَرض التَّنُوفَةِ حتى مسها النَّجَدُ كونوا كبكر كما قد كان أولكم ........ ولا تكونوا كعبد القيس إذ قعدُوا يُعْطُونَ ما سئلوا والبحرُ محتدُهم ........ كما أكبَّ على ذي بَطْنِهِ الفهدُ


وبعده البيتان ، وبعدهما قوله :


وفي البلاد إذا ما خِفْتَ ثائرة ........ مشهودة عن وُلاة السوء تنتقدُ


والضيم : : الظلم ، والعير ، بفتح المهملة : الحمار ، وغلب على الوحشي ، والمناسب هنا : الأهلي ، والخسف : النقيصة ، والإذلال : تحميل الإنسان ما يكره ، وحبس الدابة بلا علف ، والرمة بضم الراء ، وتكسر : قطعة من حبل ، والشج : الكسر والدق ، والاستثناء في إلا الأذلان استثناء مفرغ وقد أسند إليه فعل الإقامة في الظاهر ، وإن كان مسنداً في الحقيقة إلى العام المحذوف .


والشاهد فيهما : التقسيم ، وهو ذكر متعدد ، ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين ، فإنه ذكر العير والوتد ، ثم أضاف إلى الأول الربط مع الخصف ، وإلى الثاني الشج ، على التعيين .


ومما ورد في التقسيم قول زهير بن أبي سلمى السابق في شواهد الإيجاز والأطناب من الطويل :


وأعلم علم اليومِ والأمْس قبلهُ ........ ولكنني عن علم ما في غَدِ عَمِي


وقد نقل أبو نواس هذا التقسيم من الجد إلى الهزل فقال من المنسرح :


أمرُ غدٍ أنتَ منهُ في لَبْسِ ........ وأمس قد فاتَ فالهُ عن أمْسِ وإنما الشأنُ شأنُ يومك َذَا ........ فبَاكِر الشمس بابنةِ الشمسِ


وقد نقله بعضهم أيضاً ، فقال من الطويل :


تمتع من الدنيا بِساعتكَ التي ........ ظفرتَ بها ما لم تَعُقْكَ العوائقُ فلا يومكَ الماضي عليكَ بعائدٍ ........ ولا يومكَ الآتي به أنت واثقُ


ومن التقسيم قول بشار بن برد من الطويل :


وراحوا فريقٌ في الإسَارِ ومثلهُ ........ قتيلٌ ، ومثلٌ لاذ بالبحر هارُبهْ


ومثله قول الصفي الحلي من البسيط :


أفنى جيوش العدا غزواً فلست ترى ........ سوى قتيلٍ ومأسورٍ ومنهزم


وهو مأخوذ من قول عمر بن الأيهم من الخفيف :


اشربا ما شربتما فَهُدَيلٌ ........ من قتيلٍ أو هاربٍ أو أسيرِ


ومنه ، وزعم قومٌ أنه أفضل بيت وقع فيه تقسيم ، قول نصيب من الطويل :


فقالَ فريقُ القوم : لاَ ، وفريقهم ........ نعم ، وفريقٌ أيمنُ الله ما ندري


وزعم أبو العيناء أن خير تقسيم قول عمر بن أبي ربيعة من الطويل :


تهيمُ إلى نعم فلا الشملُ جامعٌ ........ ولا الحبلُ موصولٌ ولا القلبُ مُقْصِرُ ولا قربُ نعم إن دَنت لكَ نافعٌ ........ ولا نأيها يُسْلِي ولا أنت تصبرُ


واختار آخرون قول الحاركي ، وقالوا : إنه أفضل من الطويل :


فلا كمدى يفني ولا لَكِ رقةٌ ........ ولا عنك إقصارٌ ولا فيكِ مطمعُ


وبديع قول الأمير السليماني من الطويل :


وصلتَ فلما أن مَلَكْتَ حُشَاشتي ........ هجرت فجد وارحم فقد مسني الضرُّ فليت الذي قد كان لي منكَ لم يكن ........ وليتكَ لا وصلٌ لديكَ ولا هجرُ فلا عَبْرَتِي ترقَا ولا فيكَ رقة ........ ولا منك إلمام ولا عنكَ لي صبرُ


وقد لم بنحو هذا التقسيم الشهاب محمود حيث قال من المتقارب :


وإني لفي نظري نحوهَا ........ وقد ودَّعَتْنِي قُبَيْلَ الفراقِ ولا صبرَ لي فأطيقَ الهوى ........ ولا طمعٌ إن نأت في اللحاق ولا أملٌ يرتَجى في الرجوع ........ ولا حكم في ردّ تلك النياقِ كمُضْنيً يودّعُ رُوحاً غدت ........ يَراها على رغمه في السِّياقِ


ومن مليح التقسيم قول دواد بن مسلم من السريع :


في باعه طولٌ ، وفي وجههِ ........ نورٌ ، وفي العِرْنِينِ منهُ شممْ


وكان محمد بن موسى المنجم يحب التقسيم في الشعر وكان معجباً بقول العباس ابن الأحنف من الطويل :


وصالكم صرمٌ ، وحبكم قِلاً ........ وعطفكم صد ، وسلمكم حربُ


ويقول : أحسن والله فيما قسم حيث جعل حيال كل شيء ضده ، والله إن هذا التقسيم لأحسن من تقسيمات إقليدس .


ومن يجيد التقسيم قول أبي تمام من الطويل :


فما هو إِلاَّ الوحي أوحدُّ مرهفٍ ........ تميلُ ظبَاهُ الحدَّ عن كل مائلِ فهذا دواءُ الداء من كل عالمٍ ........ وهذا دواءُ الداء من كل جاهلِ


وذكر الجاحظ أن قتيبة بن مسلم لما قد خراسان خطب الناس ، فقال : من كان في يده من مال عبد الله بن حازم شيءٌ فلينبذه ، وإن كانفي فمه فليلفظه ، وإن كان في صدره فلينفثه ، قال : فعجب الناس من حسن ما فصل وقسم .


ووقف أعرابي على حلقة الحسن ، فقال : رحم الله من تصدق من سعة ، أو واسى م كفاف ، أو آثر من قوت .


ولقد أجاد ابن حيوس في التقسيم بقوله من الطويل :


ثمانيةٌ لم تَفْتَرِق مُذْ جمعتها ........ فلا افترقت ما ذبَّ عن ناظرٍ شَفْرُ ضَميرُك والتقوى ، وكفك والندى ........ ولفظك والمعنى ، وسيفك والنصرُ


وما أحسن قول أبي ربيعة المخزومي من الطويل :


وهَبْهَا كشيء لم يكن أو كنازح ........ عَنِ الدار أو مَنْ غَيَّبَتْهُ المقابرُ


وعجيب هنا قو لأبي تمام في مجوسي أحرق في النار من الكامل :


صَلَّى لها حيّاً ، وكان وقودَها ........ ميتاً ، ويدخلها مع الفجّارِ


وما أعذب قول الشيخ شرف الدين بن الفارض من الطويل :


يقولون لي صِفْهَا فأنتَ بوصفها ........ خبيرٌ ، أجلْ عندي بأوصافها علمُ صفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هوَى ........ ونورٌ ولا نار ، وروحٌ ولا جسمُ


وقول محمد بن دارج القسطلي وأجاد من الطويل :


عطاءٌ بلا منّ ، وحكمُ لا هوَى ........ وملك بلا كبرٍ ، وعزٌّ بلا عُجْبِ


وقول الآخر أيضاً من الطويل :


بَنِي جعفرٍ أنتم سماء رياسةٍ ........ مناقِبكمْ في أُفقها أنجمٌ زهرُ طريقتكمْ مثلى ، وهديكمُ رِضىً ........ ومذهبكم قصدٌ ، ونائلكم غَمْرُ عطاءٌ ولا منٌّ وحكمٌ ولا هوًى ........ وحلمٌ ولا عجزٌ ، وعزٌ ولا كبرُ


وبديعٌ قول بعضهم أيضاً من البسيط :


قوسٌ ولا وتَرٌ ، سهمٌ ولا قودٌ ........ عينٌ ولا نظر ، نحلٌ وَلا عسلُ


وقول بعضهم أيضا من الطويل :


تسربْلَ وَشْياً من خُزُوزٍ تطرَّزتْ ........ مطارفهَا طرزاً من الْبَرْق كالتبرِ فوشْيٌ بلا رقمٍ ، ورقمٌ بلا يدٍ ........ ودمعٌ بلا عينٍ ، وضحكٌ بلا ثغرِ


وقول الرستمي من الطويل :


فتىً حَازَ رِقَّ المجدِ من كل جانبٍ ........ إليهِ وخَلَّى كاهلَ الشكرِ ذَا ثُقْلٍ بِعَفْوٍ بلا كدٍّ ، وصفوٍ بلا قَذىً ........ ونقدٍ بلا وعدٍ ، ووعدٍ بلا مَطْلٍ


وما أشرف قول ابن شرف من الطويل :


لمختلقي الحاجاتِ جمعٌ ببَابهِ ........ فهذا لهُ فنٌّ وهذا لهُ فنُّ فللخامل العليَا ، وللمعدمٍ الغنىَ ........ وللمذنبِ العتبي ، وللخائفِ الأمنُ


وقول بعضهم أيضاً ، من الكامل :


نرجو سُلُوا في رسُومٍ بَيْنها الأغصانُ سكْرَى والحمامُ مُتَيَّمُ هَذِي تميلُ إذا تَنَسَّمَتِ الصبا ........ والوُرقُ تذكُرُ شَجْوَها فترَنَّمُ


ولابن جابر الأندلسي من المتقارب :


لقد عَطَفَتني على حُبِّهَا ........ بوَجْهٍ تبدَّى على عَطْفِهِ فهذا هو البدرُ في أُفْقِهِ ........ وهذا هو الغُصْنُ في حِقْفِهِ


ولأبي الحسين الجزار من الوافر :


وزيرٌ ما تَقَلَد قطُّ وزْرَاً ........ ولا داناهُ في مَثْوَى أنامُ وجُلُّ فعالهِ صاداتُ برّ ........ صِلاَتٌ أو صَلاَةٌ أو صيامُ


ولشيخ شيوخ حماة من المتقارب :


لنا مَلِكٌ واجدٌ ما اشْتَهَى ........ ولكنهُ لم يجِدْ مثلَهُ ملاذي به ومثولي لديهِ ........ ومَيْلي إليه ومَدْحي له


ومثله قول بعضهم مجوناً من الخفيف :


وبديعُ الجمالِ مُعتَدِلُ الَقا _ مَةِ كالغصنِ حنَّ قلبي إليهِ أشتهى أن يكونَ عنْدِي وفي بَيْتي وبَعْضي فيهِ وكلِّي عَلَيهِ


ومن المضحك فيه قول السراج الوراق من مجزوء الوافر :


رأتْ حالي وقَدْ حالَتْ ........ وقد غال الصِّبَا فَوْتُ فَقَالَتْ إذ تَشاجَرْنا ........ ولم يُخْفَضْ لنا صَوْتُ أشيخ مفلسٌ يهْوَى ........ ويَعْشَقُ فاتكَ الفَوْتُ فلا خيرٌ ولا ميرٌ ........ ولا إيرٌ فذا مَوْتُ


ولطيف قول بعضهم من الطويل :


وفي أربع منِّي حَلَتْ منكَ أرْبَعٌ ........ فما منهُ أدري أيُّها هاجَ لي كرْبي أوجْهُكِ في عيني أم الرِّيقُ في فمي ........ أم النطق في سمْعي أم الحُبُّ في قلبي


وقد سمع يعقوب بن إسحاق الكندي هذا فقال : هو تقسيم فلسفي .


وقد أخذه الحماني العلوي فجعله خمسة فقال من الطويل :


وفي خمسَةٍ مني حَلَتْ منك خمسَةٌ ........ فريقكَ منها في فمي طَيِّبُ الرَّشْف ووجهكَ في عَيْني ولمسكَ في يدي ........ ونُطْقكَ في سمعي وعَرْفُك في أنفي


والمتلمس أسمه جرير بن عبد المسيح الضبعي ، وهو أحد الثلاثة المقلين الذين اتفق العلماء بالشعر على أنه أشعرهم ، وهم المتلمس ، والمسيب بن علس وحصين بن الحمام ، ولقب بالمتلمس لقوله من الطويل :


وذاكَ أوانُ العِرْض طَنَّ ذبابُهُ ........ زنابيرُهُ والأزرق المتلمسُ


وكان هو وطرفة بن العبد يتنادمان مع عمرو بن هند ملك الحيرة وكان سيئ الخلق شديده ، وكان قد حرق من تميم مائة رجل فهجوه وكان مما هجاه به المتلمس قوله من الكامل :


إن الخيانَةَ والمغَالةَ والخنا ........ والغَدْرَ نترُكه ببَلَدةِ مُفْسِدِ ملكٌ يلاعبُ أمهُ وقَطينَهَا ........ رِخْوُ المفاصل بطْنُهُ كالمزْوَدِ فإذا حَللتُ فَدُونَ بيتي غَارةٌ ........ فابرُقْ بأرْضِك ما بدا لكَ وارْعَدِ


وهجاه طرفة بما تقدم في ترجمته في شاهد التكميل ، فاستحيا أن يقتلهما بحضرته وبينه ويبنهما إدلال المنادمة ، فكتب لهما صحيفتين وختمهما لئلا يعلما ما فيهما ، وهو أول من ختم الكتاب ، وقال لهما : اذهبا إلى عاملي بالبحرين فقد أمرته أن يصلكما بالجوائز ، فذهبا فمرا في طريقهما بشيخ يحدث ويأكل من خبز بيده ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه ، فقال المتلمس : ما رأيت شيخاً كاليوم أحمق من هذا ، فقال الشيخ : ما رأيت من حمقي ، أخرج الداء ، وأدخل الدواء ، وأقتل الأعداء ، ويروى : أطرح خبيثاً ، وأدخل طيباً ، وأقتل عدواً ، أحمق والله مني من يحمل حتفه بيده ، فاستراب المتلمس بقوله ، فطلع عليهما غلام من أهل الحيرة من كتاب العرب ، فقال له المتلمس : أتقرأ يا غلام ؟ قال : نعم ، ففك حينئذ الصحيفة فإذا فيها : إذا أتاك المتلمس فاقطع يده ورجليه وادفنه حياً ، فقال لطرفة : ادفع إليه صحيفتك فإن فيها مثل هذا ، فقال طرفة : كلا لم يكن ليجترئ علي ، وكان غراً صغير السن ، فقذف المتلمس بصحيفته في نهر الحيرة وقال من الطويل :


قَذَفْتُ بها بالثني من جَنْبِ كافرٍ ........ كذلك أقنى كلَّ قِطٍّ مُضَلّلٍ رضيتُ بها لما رأيْتُ مدادها ........ يجولُ به التيارُ في كل جَدْوَلِ


وأخذ نحو الشام وقال : من الكامل :


ألْقَي الصحيفَة كي يخفِّفَ رَحْلهُ ........ والزَّادَ حتى نعْلُه ألقاها


يريد أنه تخفف للفرار وألقى ما يثقل وما لا بد للسفر منه .


وأما طرفة فإنه وصل إلى البحري ، وقتل كما مر في ترجمته ، وهلك المتلمس في الجاهلية ، وقال ابن فضل الله في حقه : هو رجل نبيه الذكر ، معروف بصحة الفكر ، وهو الذي يضرب المثل بصحيفته ، ومن شعره من الطويل :


ألم تَرَ أن المرْءَ رَهْنُ مَنيةٍ ........ صَرِيعاً لعافي الطّيرِ أو سَوْفَ يرْمَسُ فلا تقبلَنْ ضَيماً حِذاَر منيةٍ ........ ومُوتَنْ بها خُرَّاً وجلدُك أملسُ فمن حذر الأوتار ما حزَّ أنفهُ ........ قصيرٌ وخاض الموْت بالسيف بيهسُ وما الناس إلا ما رأوْا وتحدثوا ........ وما العجز إلا أن يُضاموا فيجلسوا فإن تُقْبِلوا بالود نُقْبِلْ بمثله ........ وإلاّ فإنا نحن آبى وأشمسُ


ومن شعره أيضاً من الطويل :


تعيرني أمي رجال ولا أرى ........ أخا كَرَمٍ إلا بأن يَتَكرَّم أحارِثُ إنَّا لو تُسَاط دماؤُنا ........ تزَيَّلْنَ حتى لا يمسَّ دمٌ دما لذي الحلم قبل اليوم ما تُقْرَعُ العصا ........ وما عُلِّمَ الإنسانُ إلا ليعلْمَا وما كُنتُ إلا مثلَ قاطع كفهِ ........ بكَفٍّ له أخرى فأصبح أجْذَما يَدَاهُ أصابَتْ هذه حتْفَ هذه ........ فلم تجدِ الأخرى عليها مُقَدَّما فأطْرَقَ إطراقَ الشُّجَاعِ ولو يرى ........ مسَاغاً لنابهِ الشُّجاعُ لصممَا إِذَا ما أديمُ القومِ أنَهَجهُ البِلَى ........ تفرِّي وإن كَتَّبْتَهُ وتخرما


ومما يتمثل به من شعره قوله من الوافر :


وأعلم عِلم حق غير ظنٍّ ........ لَتقوَى اللهِ مِنْ خير العَتادِ وَحِفظُ المالِ خيرٌ مِن ضَياع ........ وضَرْبٍ في البِلاَد بغير زادِ وإصلاَحُ القَليلِ يَزيدُ فيهِ ........ ولاَ يبقى الكثيرُ مَعَ الفَسادِ


وهذه الأبيات من قصيدة له مطلعها :


صَبَا من بَعدِ سلوتِهِ فُؤادي ........ وأسمَحَ للقَرِينةِ بِالقيادِ


وقد ضمنه بعضهم في الهجاء فقال من الوافر :


يُحصِّنُ زادهُ عن كلِّ ضِرْس ........ ويُعملُ ضِرسَهُ في كلِّ ذاد ولا يَرْوى منَ الأشعارِ شيئاً ........ سِوى بيتٍ لأبْرَهة الإِيادي قليلُ المالِ تُصلحُهُ فيبقى ........ ولا يبقى الكثيرُ معَ الفَساد


وشطر هذا البيت رواية في شطر البيت السابق ، وأخذه ابن وكيع فقال من مجزوء الكامل .


مالٌ يخلفُهُ الفتى ........ للشامتينَ منَ العِدَا خيرٌ له مِنْ قَصْده ........ إخوانهُ مُستَرْفدا


ويقال : إن حاتماً الطائي لما سمع قول المتلمس هذا قال : ما له قطع الله لسانه يحمل الناس على البخل والتباخل ، ألا كان يقول من الطويل :


وما البذْلُ يُفني المالَ قبلَ فنائهِ ........ ولا البُخلُ في مال الشحيح يَزيدُ فلاَ تلتَمسْ فَقْراً بِعيْش فإِنهُ ........ لكلِّ غدٍ رزْقٌ يَعُودُ جديدُ ألم تَدْر أنَّ المالَ غادٍ ورَائحٌ ........ وأنَّ الَّذِي يُعطيك لَيْسَ يبيدُ


انتهى .


وقد قال البلغاء في معنى الأول : إن في إصلاح مالك جمال وجهك ، وبقاء عزك ، ونقاء عرضك ، وسلامة دينك ، وطيب عيشك ، وبناء مجدك ، فأصلحه إن أردت هذا كله ، وفي المثل احفظ ما في الوعاء ، بشد الوكاء يضرب في الحث على أخذ الأمر بالحزم ، وقيل : من أسلح ماله فقد صان الأكرمين الدين والعرض وقيل : التدبير يثمر التيسير ، والتبذير يبرد الكثير ، ولا جود مع تبذير ، ولا بخل مع اقتصاد ، والاعتدال في الجود ، أحسن من الاعتداء على الموجود ، والرزق مقسوم محدود ، فمرزوق ومحدود والله أعلم بالوجود .


فَوَجْهكَ كالنَّارِ في ضَوْئِهَا ........ وقَلْبِيَ كالنَّارِ في حَرِّهَا


البيت لرشيد الدين الوطواط ، والشاهد فيه : الجمع مع التفريق ، وهو : إدخال شيئين في معنى ، والتفريق بين جهتي الإدخال ، فهنا أَدخل وجه الحبيب وقلبه في كونهما النار ، ثمَّ فرق بينهما بأن جهة إدخال الوجه من جهة الضوء ، وإدخال القلب من جهة الحرِّ والإحراق ، وفي معناه قول بعضهم :


فكالنَّار ضَوْءاً وكالنَّارِ حَرًّا ........ مُحَيَّا حبيبي وحُرْقَةُ بالي فذلكَ من ضَوئه في اختيالٍ ........ وهذا لحرقتِهِ في اختِلالِ


وقريب منه قول الصفي الحلي :


سَناه كالنُّور يَجْلو كلّ مُظلمةٍ ........ والبَأسُ كالنَّار يُفني كلّ مُجْترم


ومما يُستشهد به على هذا النوع قولُ الفخر عيسى :


تَشابَه دَمعانا غَداةَ فِراقنا ........ مُشابهة في قصَّةٍ دونَ قِصَّة فَوَجنتها تكْسو المَدامع حُمْرَةً ........ ودمعيَ يكْسو حُمْرَة اللَّونِ وجنتي


وقول مروان بن أَبِي حفصة :


تَشَابهَ يوماهُ عَلينا فأشكلا ........ فما نحنُ ندري أيُّ يوميْهِ أفْضلُ أيومُ نَدَاهُ الغمرُ أم يومُ بؤسه ........ وما مِنهما إِلاَّ أغَرُّ محجّل


وقول البحتري أيضاً :


ولما التَقينا والنوى موْعدٌ لنا ........ تعَجَّبَ رائي الدُّرِّ منَّا ولاقِطُهْ فمن لَؤلؤٍ تجلوه عندَ ابتسامها ........ ومن لؤلؤ عند الحديث تُساقِطُهْ


وقول بعضهم أيضاً :


أرى قمرَين قدْ طلعا ........ على غصنين في نَسَقِ وفي ثَوْبين قد صُبغا ........ صباغَ الخدِّ والحَدَقِ فهذِي الشَّمسُ في شفَقٍ ........ وهذا البَدْرُ في غَسَقِ


وما أحسن قول علي بن مليك في هذا النوع :


بالرُّوح أفدي صاحباً لم يَزَل ........ مُحْتَقَراً ذنبيَ في عَفْوِهِ فكفُّهُ كالماءِ في جُوده ........ وقلبُهُ كالماءِ في صَفْوِهِ


وقد أحسن هنا ابن حجة في تسمية النوع حيث قال :


يُمناهُ كالبرق إن أبْدَوْا ظلام وغًى ........ والعَزْمُ كالبرق في تَفريق جَمْعهم حتَّى أقامَ على أرْباض خَرْشنةٍ ........ تَشقى به الرُّومُ والصُّلْبانُ والبِيَعُ للسَّبي ما نَكَحُوا والقَتلِ ما ولَدُوا ........ والنَّهْبِ ما جَمَعوا والنَّارِ ما زَرَعُوا


البيتان لأبي الطيّب المتنبّي ، من قصيدة من البسيط ، يمدح فيها سيف الدولة ابن حمدان ، أولها :


غَيْري بأكثرِ هذا النَّاس ينْخَدِعُ ........ إن قاتلوا جَبُنُوا أَو حدَّثُوا شَجُعُوا أَهلُ الحَفيظَةِ إلاّ أَن تُجَرِّبَهُمْ ........ وفي التَّجارِبِ بعدَ الغَيِّ ما يَزَعُ وما الحياةُ ونفْسي بعدَ ما علمت ........ أَنَّ الحياة كما لا تُشْتَهَى طَبَعُ ليسَ الجمالُ لوَجْهٍ صَحَّ مارنُهُ ........ أنفُ العَزيز بقَطْع العزِّ يُجْتَدَعُ أأطْرَحُ المجْدَ عن كِتْفي وأطْلُبُهُ ........ وأترُكُ الغَيْثَ في غمدي وأنْتجعُ والمَشْرَفيَّةُ لا زالتْ مُشرَّفةً ........ دواءُ كلِّ كريمٍ أَو هي الوَجَعُ وفارسُ الخيل مَنْ خفَّتْ فَوَقرها ........ في الدَّرْبِ والدّم في أعطافها دُفعُ وأوجدَتهُ وما في قلبهِ قَلَقٌ ........ وأغضبَتْهُ وما في لفظهِ قَذَعُ بالجيْش يمْتَنعُ الساداتُ كلُّهُمُ ........ والجَيْشُ بابن أبي الهَيجَاء يمتنعُ قادَ المَقانِبَ أَقْصى شُرْبها نَهَلٌ ........ على الشَّكيمِ وأدنى سَيْرِها سَرَعُ لا يَعتَقي بَلدٌ مَسْراهُ عن بلدٍ ........ كالمَوْتِ ليسَ له ريٌّ ولا شِبعُ


وبعده البيتان ، والقصيدة طويلة فريدة . والأرباض : جمع ربض ، بفتح الباءِ ، وهو سور المدينة ، وخرشنة : بلد الروم وهي التي تسمَّى الآن أَماضية ، والبيع : جمع بيعة ، بكسر الباء ، وهي معبد النصارى ، وإنما لم يقل من نكحوا أَو من ولدوا ليوافق قوله والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا وللدلالة على إهانتهم وقلة المبالاة بهم ، حتَّى كأنهم ليسوا من جنس من يعقل فيخاطبون بخطابه .


والشاهد فيهما : الجمع مع التقسيم ، وهو جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه ، أَو تقسيم متعدد ثم جمعه تحت حكم ، فالأول كما في البيتين وهو ظاهر ، والثاني كما في البيتين الآتيين بعدهما ، وهما :


قومٌ إِذا حارَبوا ضرُّوا عَدوَّهُمُ ........ أَو حاولوا النَّفعَ في أَشْياعِهِمْ نفعُوا سجيَّةٌ تلكَ منهم غيرُ محدَثةٍ ........ إن الخلائِقَ فاعلم شَرُّها البدعُ


البيتان لحسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه ، من قصيدة من البسيط قالها حين قدم وفد تميم على النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وفيهم الأقرع بن حابس ، والزبرقان بن بدر ، وعطارد بن حاجب ، وأرادوا المفاخرة بخطيبهم - وهو عطارد - وشاعرهم - وهو الزبرقان - في خبر طويل ، والقصيدة أولها :


إن الذَّوائب من فهرٍ وإخْوتهم ........ قد بَيَّنوا سُنَّةً للناس تُتَّبعُ يَرْضى بها كلُّ من كانت سريرتُهُ ........ تقوى الإله وبالأَمر الذي شَرَعوا


وبعده البيتان ، وبعدهما :


لا يرْقُع النَّاس ما أوْهَتْ أكفُّهُمُ ........ عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن كان في النَّاس سباقون بعدهم ........ فكل سَبْقٍ لأدنى سبْقِهِمْ تَبعُ أَعفّة ذكرتْ في الوحْي عفَّتُهمْ ........ لا يطبعون ولا يُزْرى بهم طَبعُ ولا يضنون عن جارٍ بفضلهم ........ ولا يمسُّهمُ من مطمعٍ طمعُ يسمون للحرْب تبْدو وهي كالحةٌ ........ إِذا الزعانفُ من أظفارها خَشَعوا لا يفرَحون إِذا نالوا عدوَّهمُ ........ وإن أُصيبوا فلا خورٌ ولا جُزُعُ كأنَّهم في الوَغَى والموتُ مكتنعٌ ........ أُسودُ بيشَةَ في أرساغَها فدَعُ خُذْ منهم ما أتَوْا عفواً وما منَعوا ........ فلا يكن همّكَ الأَمرَ الذي منَعوا فإنَّ في حرْبهم فاترُك عَدَاوتهُمْ ........ سُمًّا يخاضُ عليهِ الصَّابُ والسَّلَعُ أَكرمْ بقولٍ رسول الله قائدهُمْ ........ إِذا تفرَّقتِ الأَهواءُ والشِّيَعُ أَهْدي لهم مِدْحَتي قلبٌ يؤازرُهُ ........ فيما أَرادَ لسانٌ حاذقٌ صَنَعُ وأنهم أَفضلُ الأَحياءِ كلهمُ ........ إنْ جدَّ بالنَّاسِ جِدُّ القول أَو شَمَعُوا


ولمَّا أنشد حسَّان رضي الله عنه هذه القصيدة بعد أن خطب ثابت بن شماس خطبته المشهورة ، قال الأَقرع بن حابس : إنَّ هذا الرجل لمؤتًى له ، والله لشاعِرُه أَشعر من شاعرنا ، ولخطيبه أَخطبُ من خطيبنا ، ولأصواتُهم أَرفع من أَصواتنا ، أعطني يا محمد ، فأَعطاه ، فقال : زدني ، فزاده ، فقال : اللهم إنَّه سيد العرب ، وهم الذين أَنزل الله في حقّهم "إنَّ الذينَ يُنادونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ" .


ومعنى حاولوا راموا وطلبوا ، والأشياع : جمع شيعة - بكسر الشين المعجمة - وهي : الأَنصار والأَتباع ، والفرقة : تقع على الواحد والاثنين ، والجمع والمذكر والمؤنث ، والسجيّة : الغريزة ، وما جُبل عليه الإنسان ، والخلائق : جمع خليقة ، وهي الطبيعة هنا ، والبِدَع : جمع بدعة ، وهي الحَدَث في الدين بعد الكمال ، والمراد بها هنا مستحدثات الأَخلاق لا ما هو كالغرائز فيها . والشاهد فيهما : القسم الثاني من الجمع مع التقسيم ، فإنَّه قسَّمَ في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضرر الأَعداء ، ونفع الأَولياء ، ثم جمعهما في البيت الثاني في كونهما سجية . وقد أَخذ ابن مفرغ عجز البيت الثاني برُمَّتِهِ ، فقال من قصيدة :


جاور بني خلفٍ تحمدْ جوارهُمُ ........ والأَعظمين دفاعاً كلَّما دفعوا والمطعمين إِذا ما شَتْوَةٌ أَزمتْ ........ فالنَّاس شتَّى إلى أبوابهم سُرُعُ هم خير أَقوامهم : إن حدَّثوا صدقوا ........ أَو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا


وقد أجاد ابن حجة في قوله هنا مع تسمية النوع :


جمع الأَعادي بتقسيمٍ يفرّقه ........ فالحيّ للأسر والأَمواتُ للضَّرَمِ ثقالٌ إِذا لاقَوْا ، خِفافٌ إِذا دُعُوا ........ كثيرٌ إِذا شدُّوا قليلٌ إِذا عُدُّوا


البيت للمتنبي ، من قصيدة أوَّلها :


أَقلُّ فعالي بَلْهَ أَكثَرَهُ مَجْدُ ........ وذا الجدّ فيه نلت أَو لم أنل جدُّ سأَطلب حقِّي بالقَنَا ومشايخ ........ كأنَّهمُ من طول ما التَثَموا مُرْدُ


وبعده البيت ، وبعده :


وطعن كأنَّ الطعن لا طعن عنده ........ وضرب كأنَّ النَّار من حَرِّهِ بَرْدُ إِذا شئت حُفَّتْ بي على كلّ سابح ........ رجالٌ كأنَّ الموت في فمها شهدُ أذمُّ إلى هذا الزمان أُهَيْلَهُ ........ فأعلمهم فَدْمٌ وأحزمهم وَغْدُ وأكرمهم كلبٌ وأبصرهم عَمٍ ........ وأسهدهم فَهْدٌ وأشجعهم قِرْدُ ومن نكد الدُّنيا على الحرِّ أن يَرَى ........ عدوًّا له ما من صداقته بُدُّ


فهو في البيت المذكور يصف شدة وطأتهم على العدا ، وثباتهم على اللقاء ، وأنَّهم مسرعون إلى الإجابة إِذا دعوا إلى كفاية مهم ، ومدافعة خطب مدلهمٍّ ، وأن الواحد منهم يقوم مقام جماعة من غيرهم .


والشاهد فيه : مجيء التقسيم على وجه آخر ، وهو : أن تُذْكر أحوال الشيء مضافاً إلى كل من تلك الأَحوال ما يليق به ، فإنَّه ذكر أَحوال المشايخ وأضاف إلى كل منها ما يليق به ، وهو ظاهر .


ومن أنواع الجمع مع التقسيم قول الخالدي :


في وجهه كل رَيحانٍ تراح له ........ منَّا قلوبٌ وأَبصارٌ وتهواه النرجس الغضُّ عيناه وطُرَّتُه ........ بنفسجٌ ، وجنيُّ الورد خَدَّاه


ومثله قول ابن قلاقس :


حملت من الأَزهار أَشباه الرُّبا ........ فتساوتِ الأَمثالُ والأَشكالُ فالآس صدغٌ ، والأَقاحي مبسمٌ ........ والورد خدٌّ ، والبنفسج خالُ


وقول الصاحب بن عباد في الوزير بن العميد :


قدِمَ الوزيرُ مقَدَّماً في سبقِهِ ........ فكأنَّما الدُّنيا جَرَتْ في طَوْقِهِ فجِبالَها من حلْمِهِ ، وبِحارُها ........ من جُودِهِ ، ورياضُها من خُلْقِهِ


ومن بديع الجمع مع التقسيم قول ابن سكرة الهاشمي :


جاءَ الشِّتاءُ وعنْدي من حَوَائِجِه ........ سبْعٌ إِذا القَطْرُ عن حاجاتِنا حبسا كِنٌّ وكيسٌ وكانونٌ وكأسٌ طلاً ........ معَ الكبابِ وكُسٌّ ناعمٌ وكِسا


وقد تبع ابن سكرة في جادته هذه التي سلكها جماعة من الأدباء فمنهم من جاراه ، ومنهم من كبا ، فمن ذلك قول بعضهم :


وكافات الشِّتاء تعدُّ سبعاً ........ وما لي طاقةٌ بلقاء سَبْع إِذا ظَفِرت بكافِ الكيس كفِّي ........ ظَفِرْتُ بمُفْرد يأتي بجَمْع


وقول الآخر أيضاً :


جاء الشِّتاء وما الكافات حاضرة ........ وإنَّما حَضَرَت منهنَّ أَبدالُ قلٌّ وقرٌّ وقلبٌ موجَعٌ وقلاً ........ وقادرٌ هاجرٌ والقِيلُ والقَالُ


وقول جمال الدين ياقوت الكاتب :


جاء الشِّتاء ببردٍ لا مَرَدَّ له ........ ولم يطق حجرٌ قاسٍ يقاسيه لا الكاس عندي ولا الكانون متقدٌ ........ كني كلامي وكيسي قلَّ ما فيه دع الكباب وخلِّ الكسّ وا أسفا ........ كسًّا أَتَغَطَّى في دياجيه


ولمؤلفه في قريب له :


قلت لذي صبوةٍ بكافا _ تِ شتوةٍ من عَنَاك دعني والَهفَ قلبي على كساءٍ ........ يردُّ برد الشِّتاء عنِّي


ومن باب جاء الشتاء قول الأَعرابي :


جاء الشِّتاء وليس عندي درهمٌ ........ ولقد يصاب بمثل هذا المسلمُ وتقسم النَّاس الجِبابَ وغيرها ........ وكأنَّني بفناء مكَّة مُحْرمُ


وقول آخر من الأعراب :


جاءَ الشِّتاءُ ومسَّنا قرٌّ ........ وأصابنا في عيشنا ضرُّ ضرٌّ وفقرٌ ونحن بينهما ........ هذا لعمر أبيكما الشرُّ


وقول جحظة أيضاً :


جاء الشِّتاءُ وما عندي له وَرِقٌ ........ ممَّا وهبت ولا عندي له خِلَعُ كانت فبدَّدها جودٌ ولعت به ........ وللمساكين أيضاً بالندى وَلَعُ


وقول أبي نصر بن نباتة السعدي :


جاء الشِّتاءُ وما عندي له عُدَدٌ ........ إلا ارتعادٌ وتقريص بأسناني ولو قضيت لما قَصَّرْتَ في كَفَنِي ........ هبني قضيت فهبني بعضَ أكفاني


وقول أبي طالب المأمون في طست الشمع :


وحديقةٍ تهتزُّ فيها روضةٌ ........ لم يُنْمِها تربٌ ولا أمطار فصعيدها صفرٌ ، ونامي غصنها ........ شمع ، وما قد أَثمرته نار


وقول أبي الفضل الميكالي :


ومهفهفٍ تهفو بلبِّ الم _ رء منه شمائلُ فالردف دِعْصٌ هائل ........ والقدُّ غُصْنٌ مائلُ والخدُّ نَوْرُ شقائق ........ تنقدُّ عنه غلائلُ والعرف مثل حدائق ........ نَمَّتْ بهنَّ شمائلُ والطرف سيفٌ ماله ........ إلا العذار حمائلُ


ولطيف قول منصور الفقيه :


بنو آدَمَ كالنَّبْتِ ........ ونَبْتُ الأَرض أَلوانُ فمنه شَجَرُ الصند _ ل والكافورُ والبَانُ ومنه شجرٌ أَفض _ لُ ما يحمل قَطْرَانُ


وفي معناه قول رجل من عبد القيس :


جامل النَّاس إِذا ما جئتهم ........ إنَّما النَّاس كأَمثال الشجرْ منهمُ المذمومُ في منظرهِ ........ وهو صلبٌ عودُهُ حُلْو الثمرْ وترَى منهم أثيثاً نبتُهُ ........ طعمُهُ مرٌّ وفي العُودِ خَوَرْ


ومنه قول الآخر أيضاً :


الناسُ كالتربِ ومنها هُمُ ........ من خَشِنِ اللَّمْسِ ومن لَيِّنِ فجَلمدٌ تَدْميَ به أرجُلٌ ........ وإثْمَدٌ يوضعُ في الأعينِ


وقول الآخر :


والناسُ كالناسِ إلا أن تجرَّبهمْ ........ وللبصيرةِ حكمٌ ليس للبصرِ كالأيك مشتبهاتٍ في منابتَها ........ وإنَّما يَقَعُ التفضيل في الثمرِ


ولأبي عبد الله الغوَّاص في وصف دار :


يا دارَ سعدٍ قد علتْ شُرُفاتها ........ بُنيتْ شبيهَةَ قبلةٍ للناسِ لِوُرودِ وَفْدٍ ، أَو لدفْعِ ملمَّةٍ ، ........ أَو بذلِ مالٍ ، أَو إدارةِ كاسِ


وما أحسن قول الرستمي :


يا ابنَ الذينَ إِذا بنَوْا شادُوا ، وإن ........ أَسْدَوْا يداً عادوا ، وإن يَعِدوا يَفُوا إن حارَبوا لم يحجِموا ، أَو قاربوا ........ لم يندَموا ، أَو عاقبوا لم يشتفُوا ومتى استُجيروا أَسعفوا ، ومتى استُني _ لوا أَسرفوا ، ومتى استُعيدوا أَضعفوا إن عاهدوا لم يخفرُوا ، أو عاقدوا ........ لو يغدرُوا ، أَو مُلِّكوا لم يعسفُوا


وبديع قول ابن شمس الخلافة :


أُناسٌ أَبَوْا غيرَ التلوُّن عادةً ........ فشأنهمُ في الحبِّ هونٌ وإذلالُ وصالٌ وهجرٌ ، واجتماعٌ وفرقةٌ ........ وبذلٌ وإمساكٌ ، وحلٌّ وترحالُ فإنْ سمحُوا ضَنُّوا ، وإنْ عَطَفُوا جنَوْا ........ وإنْ عَقَدوا حَلُّوا ، وإنْ عَهَدوا حالوا


وقول ابن هرمة :


قومٌ لهمْ شرفُ الدُّنيا وسودَدُها ........ صفوٌ على النَّاسِ لم يُخْلطْ بهمْ رَنَقُ إن حارَبوا وضَعوا ، أَو سالموا رفعوا ، ........ أَو عاقدوا ضمنوا ، أَو حدَّثوا صدقوا


ومنه قول حسَّان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه يهجو :


قومٌ لِئامٌ فلن تلقى لهم شبهاً ........ إلا التيوسَ على أكتافها الشَعر إنْ سابقوا سُبقوا ، أو نافروا نُفروا ........ أو كاثروا أحداً من غيرهم كثروا قومٌ لِئامٌ أقل الله خيرهمُ ........ كما تساقط حولَ الفقحة البَعَرُ كأنّ ريحهم في الناس إذْ برزوا ........ ريحُ الكلاب إِذا ما بلّها المطر وشوْهاء تعدوا بي إلى صارخ الوغى ........ بمستلئمٍ مثل الفنيق المرَحَّلِ


البيت من الطويل ، ولا يعرف قائله .


وشوهاء : صفة لفرس ، وهي الطويلة الرائعة ، والمفرطة رحب الشدقين والمنخرين ، والوغى : الحرب ، والمستلئم : لابس اللأمة وهو الدرع ، والفنيق : الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته على أهله ولا يركب ، ويجمع على فُنُق - بضم أوله وثانيه - والمرحل : من رَحَل البعير أشخصه عن مكانه وأرسله .


والشاهد فيه : التجريد ، وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة لكما لها فيه ، وهنا قال : تعدو بي ومعي من نفسي لابس درع لكمال استعدادي للحرب ، فبالغ في اتصافه بالاستعداد حتَّى انتزع منه مستعداً آخر لابس درع ، والله أعلم .


ولئنْ بَقيتُ لأرْحلنَّ بِغزْوةٍ ........ تحوي الغنائم أو يموتَ كريمُ


البيت لقتادة بن مسلمة الحنفي ، من قصيدة من الكامل أولها :


بكرتْ عليَّ منَ السَّفاهِ تلومُني ........ سفهاً تُعَجِّزُ بعْلَها وتلومُ لما رأتني قد رُزئتُ فوارسي ........ وبدت بِجسمي نهكةٌ وكلومُ ما كنتُ أوّلَ من أصابَ بنكبةٍ ........ دهرٌ وحيّ باسلونَ جَميمُ


إلى أن يقول فيها :


ومعي أسودٌ من حنيفة في الوغى ........ للبيضِ فوقَ رُؤوسهم تسْويمُ قومٌ إِذا لبسوا الحديدَ كأنهم ........ في البَيْضِ والحلق الدِّلاصِ نُجومُ


وبعده البيت . والغنائم : جمع غنيمة ، وهي الفوز بالشيء بلا مشقة .


والشاهد فيه : التجريد بدون توسط حرف ، فإنه عني بالكريم نفسه ، فكأنه انتزع من نفسه كريماً مبالغة في كرمه ، ولذا لم يقل أو أموت .


يا خيرَ من يركبُ المطيّ ولا ........ يشربُ كأساً بكفِّ من بَخلا


البيت من المنسرح ، وقائله الأعشى ، من قصيدته السابقة في شواهد المسند .


والشاهد فيه : التجريد بطريق الكناية ، فإنه انتزع من الممدوح جواداً يشرب هو الكأس بكفه ، على طريق الكناية ، لأنه إِذا نفى عنه الشرب بكف البخيل فقد أثبته له بكف الكريم ، ومعلوم أنه شرب بكفه ، فهو ذلك الكريم .


قائله أبو الطيب المتنبي ، وهو أول قصيدة من البسيط يمدح بها فاتكاً وقد حمل إليه هدية . ألف دينار ، وكان بمصر مقيماً ، وتمامه :


فليستعدِ النطقُ إن لم تُسعدِ الحالُ


وبعده :


واجزِ الأميرَ الذي نعماهُ فاجئةٌ ........ بغير قولٍ ، ونُعمى الناس أقوالُ فربَّما جزتِ الإحسانَ موليهُ ........ خريدة من عذارَى الحيِّ مكسالُ وإن تكنْ مُحكماتُ الشكلِ تمنعني ........ ظهور جرْيٍ فلي فيهن تَصْهالُ وما شَكَرْتُ لأنَّ المالَ فرحني ........ سيَّان عندي إكثارٌ وإقلالُ لكن رأيتُ قبيحاً أن يجادَ لنا ........ وأننا بقضاءِ الحقِّ بُخَّالُ


وهي طويلة ، وأراد بالحال الغنى .


والشاهد فيه : التجريد بمخاطبة الإنسان نفسه ، فكأنه انتزع من نفسه شخصاً آخر مثله في فقد الخيل والمال والحال ، ومثله قول الأعشى :


ودّعْ هريرةَ إنَّ الركبَ مُرْتَحِلُ ........ وهَلْ تُطيق فِراقاً أيُّها الرَّجل


ومن الأمثلة في التجريد قول التميمي لنجدة بن عامر الحنفي الخارجي :


متى تلقَ الجريشَ جريشَ سعدٍ ........ وعبَّاداً يقودُ الدَّارِعينا تبينْ أنّ أمَّك لم تورّك ........ ولم ترْضعْ أمير المؤمِنينا


ومثله قول ذي الرُّمَّة أيضاً :


وليلٍ كجلبابِ العروسِ ادَّرَعْتُهُ ........ بأربعةٍ والشخص في العينِ واحدُ أحمّ علافيٌّ وأبيض صارمٌ ........ وأعيس مهريِّ وأرْوع ماجدُ


أراد بالأحم العلافي الرجل ، وهو منسوب إلى علاف رجل من قضاعة تنسب إليه الرجال لأنه أول من عملها ، وأراد بالأروع الماجد نفسه ، وهو تجريد ظاهر ، لأن قوله جبته بأربعة ثم عد فيها الأزوع الماجد مُشعِر بأنه شخص آخر ، وهو معنى التجريد . ومنه قول الشاعر :


أباحت بنو مروانَ ظلماً دِماءنا ........ وفي الله إن لم يُنْصِفوا حكمٌ عدلُ


وقول المعري :


هاجت نمير فهاجت منك ذا لبدٍ ........ والليثُ أفتكُ أفعالاً من النَّمِرِ


وقول الشاعر أيضاً :


وبي ظَبيةٌ أدماءُ ناعمة الصلا ........ تحار الظباءُ الغيدُ من لفتاتِها أعانق غصن البانِ من لينِ قدِّها ........ وأجني جَنِيَّ الوردِ من وَجَناتِها


وقول الآخر أيضاً :


إن تلقَني لا ترى غيري بناظرةٍ ........ ينسى السلاح ويغزو جَبْهَة الأسد


وقول ابن جابر الأندلسي :


جزيل الندى ذو أيادٍ غدتْ ........ يُحدَّثُ عنهنَّ في كلِّ نادي يُلاقيكَ منه إِذا جِئتهُ ........ كثير الرَّمادِ طويل النجادِ فعادَى عداءً بين ثورٍ ونعجةٍ ........ دِراكاً ولم يُنْضَحْ بماءٍ فَيَغسَلِ


البيت لامرئ القيس ، من قصيدته المشهورة السابقة في شواهد المقدمة وقبل البيت :


فَعَنّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعاجهُ ........ عذارى دَوارٍ في ملآء مُذَيَّلِ فأدْبرْن كالجزعِ المُفصَّل بينه ........ بِجيدِ مُعِمّ في العشيرةِ مُخْوِلِ فألحقَنا بالهادياتِ ودونهُ ........ جواحرُها في صَرَّةٍ لم تَزَيَّلِ


وبعده البيت ، وبعده :


فظلّ طُهاةُ اللحم من بين مُنْضِجٍ ........ صفيفَ شِواءٍ أو قديرٍ مُعَجّلِ ورُحنا يكاد الطِّرْفُ يقصر دونهُ ........ متى ما ترقّ العينُ فيه تَسَهَّلِ فبات عليه سَرْجُهُ ولجامهُ ........ وبات بعيني قائماً غيرَ مُرْسَلِ


والمعنى في البيت أنه يصف فرسه بأنه لا يعرق وإن كثر العَدْوُ منه ، والعِداء بالكسر والمد الموالاة بين الصيدين يصرع أحدهما على أثر الآخر في طلق واحد ، وأراد بالثور الذكر من بقر الوحش ، وبالنعجة الأنثى منها ، ومعنى دِراكاً متتابعاً ، ويغسل مجزوم معطوف على ينضج ، والمعنى لم يعرق فيغسل .


والشاهد فيه : المبالغة ، ويسمى التبليغ ، وهو : ادعاء ممكن عقلاً وعادة ، فإنه ادعى أن فرسه أدرك ثوراً وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق ، وهذا ممكن عقلاً وعادة . وقد استعمل امرؤ القيس هذا المعنى في شعره كثيراً ، فقال من قصيدة :


وعاديتُ منهُ بين ثورٍ ونعجةٍ ........ وكان عِدَأني إذْ ركبت على بالي


وقال أيضاً من أخرى :


فأقصَدَ نعجة وأعرض ثورُها ........ كفحل الهجان ينتحي لغضيض ووالى ثلاثاً واثنتين وأربعاً ........ وغادَرَ أخرى في قناةِ رفيض


وقال أيضاً من أخرى :


فأدرك لم يعرقْ مَناطُ عذارِه ........ يمرُّ كخذروفِ الوليدِ المثقَّبِ


إلى أن قال بعد أبيات :


فغادرَ صَرْعى من حمارٍ وخاضبٍ ........ وتيسٍ وثورٍ كالهشيمة قرهبِ


وقال من أخرى :


فصاد لنا عيراً وثوراً وخاضباً ........ عِداءً ولم يَنْضَحْ بماء فيعرَقِ


وقد ألم المتنبي بهذا المعنى ، فقال في وصف جواد وأجاد :


وأصرعُ أيَّ الوحش قَفَّيْتُهُ بهِ ........ وأنزلُ عنه مثلهُ حين أركبُ


وينظر إلى صدر بيت المتنبي قوله أيضاً :


وخَيْلٍ إِذا مرّت بوحشٍ ورَوضةٍ ........ أبَتْ رَعْيَها إلا ومِرْجَلُنا يغلي


وقد ألم به أبو طاهر الأردستاني بقوله من قصيدة :


طِمِرٍّ أبى أن يرتع العشبَ في الطَّوى ........ ولم نغلِ للأضياف في الحيّ مِرْجَلا


ومنه قول امرئ القيس أيضاً :


إِذا ما ركبنا قال ولدانُ بيتنا ........ تعالَوا إلى أن يأتي الصيدُ نحطِب


يشير إلى سرعة مجيئهم بالصيد وقوة يقينهم بالظفر به . ومثله قول ابن المعتز في وصف البازي :


قد وثقَ القومُ له بما طلبْ ........ فهو إِذا خلى لصيدٍ واضطربْ عَدُّوا سكاكينهم من القرَبْ


ومثله قول الآخر فيه :


مُباركٌ إِذا رأى فَقَدْ رُزِقْ


رجع إلى المبالغة وإن لم نخرج عنها .


قال ابن أبي الأصبغ : أبلغ شعر سمعته في باب المبالغة قول شاعر الحماسة :


رَهَنْتُ يدي بالعجز عن شكر برّهِ ........ وما فوقَ شكري للشكور مَزيدُ ولو كان مما يستطاع استطعتهُ ........ ولكنّ ما لا يستطاعُ شديدُ


ومن هنا قال أبو نواس :


لا تُسْدِيَنّ إليّ عارفةً ........ حتَّى أقومَ بشكر ما سلفا


ومن المبالغة قول النظام :


تَوهَّمَهُ طرفي فآلم خدّهُ ........ فصار مكانُ الوهمِ من نظري أثرُ وصافحه كفّي فآلم كفَّه ........ فمنْ صَفح كفي في أنامله عَقْرُ ومَرَّ بفكري خاطراً فجرحته ........ ولم أر خلقاً قطّ يجرحهُ الفكرُ


يقال إن الجاحظ لما بلغه ذلك قال : هذا ينبغي أن لا يناك إلا بأيرٍ من الوهم . وعجيب في المبالغة قول السلامي في عضد الدولة أيضاً :


إليكَ طوى عَرضَ البسيطة عاجلاً ........ قُصارى المطايا أن يلوحَ لها القصرُ فكنتُ وعزمي في الظَّلامِ وصارِمي ........ ثلاثَةَ أَشباهٍ كما اجتمع النسْرُ وبَشَّرْتُ آمالِي بملْكٍ هو الورَى ........ ودارٍ هي الدُّنيا ويومٍ هو الدَّهْرُ


وقوله أيضاً ، وأَجاد :


أَقْبِلْ عليَّ وقلْ ضيفي ومتَّبِعِي ........ وشاعري قاصِدي راجيّ مُمْتارِي أَنتَ الأنامُ فمن أَدعو وحَضرتكَ ........ الدُّنيا فأَينَ أقضِّي بعضَ أَوْطارِي


ومثله قول المتنبي :


هي الغرضُ الأَقصى ، ورؤيتك المُنَى ........ ومنزلُكَ الدُّنيا ، وأنتَ الخَلائقُ


وقول القاضي ناصح الدين الأرجاني :


يا سائِلي عنهُ لمَّا جئتُ أَمدحهُ ........ هذا هوَ الرَّجلُ العارِي من العارِ لقيتهُ فرأيتُ الناسَ في رجلٍ ........ والدَّهر في ساعةٍ والأَرض في دارِ


وقول أبي محمد الخوارزمي :


أَلا يا سائِلي عن كنهِ عَلياهُ إنَّهُ ........ لأُعْطِيَ ما لم يُعْطَهُ الثقَلانِ فمن يَرَهُ في منزلٍ فكأَنَّما ........ رأَى كلّ إنسانٍ وكلَّ مكانِ


ومن بديع المبالغة قولُ ابن نباتة السعدي في سيف الدولة من قصيدة وأجاد :


قد جُدْتَ لي باللُّهَى حتَّى ضجرْتُ بها ........ وكدْتُ من ضَجَري أُثْني على البَخَلِ إنْ كنتَ ترغبُ في بذلِ النَّوالِ لنا ........ فاخْلُقْ لنا رغبَةً أَولا فلا تُنِلِ لم يُبْقِ جودُكَ لي شيئاً أُؤمّلهُ ........ تركتني أصحبُ الدُّنيا بلا أَمَلِ


وأَبلغ منه قول أبي الفرج الببغاء ، في سيف الدولة ، ابن سيف الدولة :


لا غيثُ نعماهُ في الورَى خَلَبَ ال _ برْقَ ولا وردُ جوده وَشَلُ جادَ إلى أنْ لم يُبْقِ نائلهُ ........ مالاً ولم يبقَ للورَى أمَلُ


وقريب من هذا المعنى قول ابن بابك في الصاحب بن عبَّاد :


فحسنُ ظنّكَ بي استوفى مَدَى أَمَلي ........ وحُسْنُ رأيكَ بي لم يُبْقِ لي أَرَبا


ومن محاسن المبالغة قول ابن اللبانة ، وقد رأَى ابن المعتمد بن عبَّاد صائغاً بعد الملك :


أَذكَى القُلوبَ أَسًى أَجْرى الدُّموعَ دَمَا ........ خطبٌ وجُودُكَ فيه يشبهُ العَدَمَا وعادَ كونكَ في دكَّانِ قارعةٍ ........ من بعدِ ما كنتَ في قصرٍ حكى إرمَا صرَّفْتَ في آلةِ الصُّوَّاغِ أَنمُلةً ........ لم تدْرِ إلا النَّدَى والسيفَ والقَلمَا يَدٌ عهِدتكَ للتقبيلِ تبسطُها ........ فتستقلُّ الثُّرَيَّا أَن تكون فَما يا صائغاً كانتِ العَليَا تُصاغُ لهُ ........ حْلياً وكانَ عليهِ الحَلْيُ مُنتظمَا للنفخِ في الصُّورِ هولٌ ما حكاهُ سوَى ........ يومٍ رأَيتكَ فيه تنفخُ الفَحَمَا وَدِدْت إذْ نَظَرَتْ عَيني إليكَ بهِ ........ لو أنَّ عَيْنِيَ تشكو قَبْلَ ذاكَ عمَى لُحْ في العُلا كوْكباً إنْ لم تَلُحْ قمَراً ........ وقُمْ بها رَبْوَةً إنْ لم تَقُمْ علَما


وما أَبلغ قول السلامي :


ففي جيشِهِ خَمسونَ أَلفاً كعنترٍ ........ وأَمضَى وفي خُزَّانِهِ أَلفُ جاتِمِ


ولمؤلفه فيها قصيدة :


متَى لَمَسَتْ كفُّهُ معدماً ........ أَصابَ الغنى وانْثَنى مُسْعَفَا وإنْ لَمَحَتْ عينُهُ خامِلاً ........ غَدَا نابِهاً قبلَ أَنْ يَطْرِفا


ومن المبالغة في المجون قول ابن حجَّاج :


فَتاةٌ كالمَهاةِ ترُوقُ عَيني ........ مَشاهِدُها وتفْتنُ منْ رآهَا تكادُ تَرُدُّ للمحبُوبِ أَيراً ........ وتحدثُ للفتَى العنِّينِ باهَا


وهو من قول جحظة البرمكي :


لو مرَّ بالأعمَى لأَبصرَ ........ أَو بعنِّينٍ لأَنْعَظْ


ولقد أَحسن الخالدي وأَجاد إلى الغاية في قوله من قصيدة :


كأَنَّما من ثَناياها ومبسِمِها ........ أَيدي الغَمَام سَرَقْنَ البرْدَ والبَرَدَا


وبديع قول السلامي أيضاً :


تبسمْتَ والخيلُ العتاقُ عوابسٌ ........ وأَقدمْتها والحرْبُ لم تتأَجَّجِ فما وطئَتْ إلا على خدِّ سيِّدٍ ........ ولا عَثَرَتْ إلا برأْسِ مُتَوَّجِ


وقد أغرب الوأواء الدمشقي بقوله :


متى أَرْعى رِياضَ الحسنِ منهُ ........ وعَيْني قدْ تَضمنْهَا غَديرُ ولو نُصِبَتْ رَحًى بإِزاء دَمْعي ........ لكانتْ من تَحَدُّرِهِ تَدُورُ


ومن المبالغة في البخل قول ابن الرُّومي :


لوْ أَنَّ قَصرَكَ يا ابنَ يوسفَ مُمْتَلٍ ........ إبراً يَضيقُ بها فناءُ المنزلِ وأَتاكَ يوسفُ يَستَعيرُكَ إبرةً ........ ليَخِيطَ قَدَّ قميصِهِ لمْ تَفعَلِ


ومثله قول كشاجم :


يا من يؤمّل جعفراً ........ من بينِ أَهْلِ زَمانِهِ لو أَنَّ في اسْتِكَ درهماً ........ لاسْتَلَّهُ بلِسانِهِ


وقول دعبل :


أنَّ هذا الفَتى يَصونُ رَغيفاً ........ ما إليهِ لناظرٍ منْ سَبيلِ هو في سفرتَيْنِ من أَدَمِ الطَّا _ ئفِ في سلَّتينِ في منديلِ خُتِمَتْ كلُّ سلَّةٍ بحديدٍ ........ وسُيُورٍ قُدِدْنَ من جلدِ فِيلِ في جِرابٍ في جوفِ تابوت موسَى ........ والمفاتيحُ عندَ إسْرافيلِ


وقول بعضهم أيضاً :


فَتًى لو أُدْخِلَ الحمَّامَ حَوْلاً ........ وحوْلاً بعدَ أَحوالٍ كثيرهْ وأُلبسَ ألفَ فَرْوٍ بعدَ أَلفٍ ........ ولُحْفٍ حَشوُها قطنُ الجزيرهْ وأُوقِدَتِ الجحيمُ عليه حتَّى ........ تَصيرَ عِظامُهُ مثلَ الذَّرِيرَهْ لما عَرِقَتْ أَنامِلُهُ لبخْلٍ ........ بعُشْرِ عُشَيرِ معْشارِ الشَّعِيرَهْ


ومنه قول بعضهم :


رَغيفكَ في الحِجابِ عليهِ قُفْلٌ ........ وحُرَّاسٌ وأَبوابٌ مَنيعهْ رأَوْا في بيتِهِ يَوْماً رَغِيفاً ........ فقالَ لضيفِهِ : هذا وَديعَهْ


ومنه قول عبدان الأَصبهاني :


رَغيفكَ في الأَمْنِ يا سيِّدي ........ يحِلُّ محَلَّ حَمامِ الحَرَمْ فلله دَرُّكَ مِنْ سيِّدٍ ........ حَرَامِ الرَّغيفِ حَلالِ الحُرَمِ


وقول ابن الرُّومي أيضاً :


فتًى على خُبزهِ ونَائلهِ ........ أَشْفَقُ من والدٍ على ولَدِهْ رَغيفهُ منهُ حينَ تسأَلهُ ........ مكان روح الجبانِ من جَسَدِهْ


ومن المبالغة في الهجو قول الشَّريف النَّاسخ :


لستُ أَخْشى حَرَّ الهجيرِ إِذا كا _ نَ حسينُ الصوَّافِ في النَّاسِ حَيَّا فبِبَيْتٍ من شِعرهِ أَتَّقي الحَ _ رَّ وفي ظِلِّ أَنفِهِ أَتَفَيَّا


ومنه قول الآخر أيضاً :


ورُبَّ أَنفٍ لصديقٍ لنا ........ تحديدُهُ ليسَ بمعلومِ ليسَ عن العَرْشِ له حاجِبٌ ........ كأَنَّه دَعْوَةُ مظلومِ


وقول النجم يحيى أيضاً :


شبَّهْتُ أَنفكَ كردكوهَ بعينها ........ والفَرْقُ بينهما جَلِيُّ المَقْصِدِ إنَّ المَلاحِدَ أَصبحُوا في قلعةٍ ........ ورأَيتُ أنفكَ قلعةً في مَلْحَدِ


وقول الصَّابي يهجو أَبخر :


قد أبصَرَتْ عَيني العَجائب كلّها ........ ما أَبصَرَتْ مثلَ ابن نصر أَبخَرا ما شَمَّ نكهتهُ امرُؤٌ متعطِّرٌ ........ إلا وعادَ مُخاطهُ منه خَرَا


وقوله فيه أيضاً :


نطقَ ابنُ نصرٍ فاسْتَطارَتْ جيفةٌ ........ في العالمينَ لنَتْنِ فِيهِ الفاسدِ فكأَنَّ أَهل الأَرضِ كلّهم فَسَوْا ........ مُتواطِئينَ على اتِّفاقٍ واحدِ


ومنه قول ابن زريق الكوفي الكاتب :


ولي صاحِبٌ أَفْسى البريَّةِ كلّها ........ يشككْني فيه إِذا ما تنفَّسَا تحوَّلَتِ الأَنفاسُ منه إلى استِهِ ........ فما أَحدٌ يدري تنفَّسَ أَمْ فَسَا


ولبعضهم ، وأَجاد :


أَتانا عالِمٌ من أرضِ فاسِ ........ يُجادِلُ بالدَّليلِ وبالقياسِ وما فاسٌ ببلدَتِهِ ولكنْ ........ فَسَا يَفْسُو فساءً فهو فاسِي


وقول ابن درَّة الشاعر في معيان :


مُدَوَّر الكَعْبِ فاتَّخذهُ ........ لِيلِّ غَرْسٍ وثَلِّ عَرْشِ لوْ رَمَقَتْ عينُهُ الثُّرَيَّا ........ أَخرَجها في بَناتِ نَعْشِ


وقد بالغ بعضهم في ملازمة الرقيب بقوله :


أَنا والحِبُّ ما خلوَنا ولا طَرْ _ فَةَ عينٍ إلاَّ علينا رَقيبُ ما اجتمعْنا بحيثُ أَنْ يمكنَ الدَّهْ _ رُ بأَنِّي أَقولُ أَنتَ الحَبيبُ بلْ خلوْنا بقَدْرِ ما قُلْتُ أَنتَ اْل _ حَ فَوَافي فقلت كَيمُ الطَّبيبُ


ومن المبالغة نوع يسمَّى الاستظهار ، كقول ابن المعتز العبَّاسي لابن طباطبا العلويّ أَو غيره :


فأَنتمْ بَنو بنتهِ دُوننا ........ ونحنُ بَنو عمَّهِ المسلمِ


فقوله المسلم استظهار لأن العلويَّة من بني عم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أيضاً أَعني أبا طالب ، ومات جاهليًّا ، فكأَنَّ ابن المعتز أَشار بحذقه إلى ميراث الخلافة وقد أَخذه ابن المعتز من قول مروان بن أبي حفصة وكان شديد العداوة لآل أبي طالب حين قال مخاطباً لهم :


خلُّوا الطَّريقَ لمعشرٍ عاداتُهُمْ ........ حَطمُ المناكِب يومَ كلّ زِحامٍ ارْضُوا بما قسمَ الإلهُ لكمْ به ........ ودَعُوا وِراثَةَ كلّ أَصْيَدَ سامِي أَنَّى يكونُ وليسَ ذاكَ بكائنٍ ........ لِبني البناتِ وِراثَةُ الأَعمامِ


وقد أَخذه من مولًى لتمام بن العبَّاس بن عبد المطَّلب ، قاله لمولى من موالي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، لمَّا أَتى الحسين رضي الله عنه ، فقال له : أَنا مولاكَ يا ابن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :


جحدتَ بَني العبَّاسِ حقَّ أَبيهمُ ........ فما كنتُ في الدَّعوَى كَريمَ العَواقِبِ متى كانَ أَولادُ البَناتِ كوارثٍ ........ يحوزُ ويُدْعَى والداً في المناسبِ


ومثله قول الطاهر بن علي بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العبَّاس في الطَّالبيِّين :


لو كانَ جدُّكُمُ هُناكَ وجَدُّنا ........ فتنازَعَا فيهِ لوَقْتِ خِصامِ كانَ التُّراثُ لجدِّنا من دونِهِ ........ فحواهُ بالقرْبَى وبالإسْلامِ حقُّ البَنات فريضةٌ معلومةٌ ........ والعَمُّ أَوْلى من بَني الأَعْمامِ ونكرِمُ جارَنَا ما دَامَ فِينَا ........ ونُتْبعُهُ الكَرامَةَ حيثُ مالاَ


البيت من الوافر ، وهو لعمرو بن الأَهتم التغلبي . والشاهد فيه الإغراق ، وهو : ادعاء عقلاً لا عادة ، فإنَّه ادَّعى أَنَّ جاره لا يميل عنه إلى جانب إلا وهو يرسل الكرامة والعطاء إليه على أَثره ، وهذا ممكنٌ عقلاً ممتنعٌ عادةً ، ومن أَمثلته قول امرئ القيس :


تَنَوَّرْتُها من أَذْرعاتٍ وأَهْلُها ........ بيثْرِبَ ، أَدنى دارِها نَظَرٌ عالي


فإنَّ أَذرعات من الشام ، ويثرب مدينة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ورؤية النَّار من بعد هذه المسافة لا يمتنع عقلاً ، ويمتنع عادةً . ومن محاسن ما استشهدوا به على نوع الإغراق قول القائل :


ولوْ أَنَّ ما بي من جَوًى وصَبابَةٍ ........ على جملٍ لم يدخُل النَّار كافِرُ


يريد أَنَّه لو كان ما به من الحبّ بجمل لنحل حتَّى يدخل في سمّ الخيَّاط ، وذلك لا يستحيل عقلاً ، إذْ القدرة صالحة لذلك ، لكنَّه ممتنع عادة . وقد تفنَّن الشعراء في المبالغة في النحول ، فمن ذلك قول المتنبِّي :


رُوحٌ تردَّدُ في مثلِ الخلالِ إِذا ........ أَطارَتِ الرِّيحُ عنهُ الثَّوْبَ لم يَبِنِ كفَى بجِسْمي نُحولاً أَنَّني رجلٌ ........ لولا مُخاطَبَتي إيَّاكَ لمْ تَرَنِي


وقد أَخذه من قول الآخر :


برى ضَنًى لم يدَعْ منِّي سِوَى شَبَحي ........ لو لمْ أقلْ ها أنا للنَّاسِ لم أَبِنِ


ومثله قول بعضهم :


ها فانْظُروني سقيماً بعدَ فُرقتِكمْ ........ لوْ لم أَقلْ ها أَنا للنَّاسِ لم أَبِنِ لوْ أَنَّ إبرَةَ رفَّاءٍ أكلَّفُها ........ جرَيتُ في ثُقبها من دِقَّةِ البَدَنِ


وما أَلطف قول الشيخ شرف الدِّين بن الفارض في هذا المعنى :


كأَنِّي هِلالُ الشَّكِّ لولا تأَوُّهي ........ خفيتُ فلم تُهْدَ العُيونُ لرؤيَتِي


ومثله قول نصر السفاقسي :


أَذابَهُ الحُبُّ حتَّى لوْ تَمثلهُ ........ بالوَهْمِ خلقٌ لأَعياهُمْ تَوَهُّمُهُ لولا الأَنينُ ولوْعاتٌ تُحرِّكُهُ ........ لم يدْرِهِ بعيانٍ منْ يكلّمهُ


ومثله قول بعضهم :


قدٌّ سَمعتمْ أَنينهُ من بَعيدٍ ........ فاطلبُوا الشَّخْصَ حيثُ كانَ الأَنينُ


وقول ابن حجّة الحموي :


وقدْ تجاوَزَ جسمِي حدَّ كلِّ ضَنًى ........ وها أَنا اليومَ في الأَوهامِ تخْييلُ


وما أَحسن قول بشَّار :


سلبْتِ عِظامي لحْمها فتركتها ........ عوَارِيَ في أَجْلادِها تتكسَّرُ وأَخْليْتِ منها مُخَّها فتركتِها ........ أَنابيبَ في أَجوافِها الرِّيحُ تَصْفِرُ خُذِي بيدِي ثم ارْفَعِي الثَّوْبَ فانْظُري ........ ضَنى جسدِي لكنَّني أَتستَّرُ وليسَ الذي يجْري منَ العَيْنِ ماؤُها ........ ولكنَّها نفسٌ تَذوبُ فتقطرُ


ومثل البيت الأَخير قول ديك الجن :


ليسَ ذَا الدَّمْعُ دَمْعُ عَيني ولكنْ ........ هي نَفْسٌ تُذيبها أَنْفاسِي


وقول ابن دُريد أيضاً :


لا تَحْسبي دَمعي تحدَّرَ ، إِنَّما ........ رُوحي جرَتْ في دَمْعِيَ المتحدِّرِ


ومن الإغراق قول أبي القاسم بن هاني :


لبسَ الصَّباحُ بهِ صَباحاً مُسفراً ........ وسَقَتْ شَمائلهُ السَّحابَ سَحابَا


وقول المتنبِّي :


وثِقْنا بأنْ تُعْطي فلوْ لمْ تَجُدْ لنا ........ حَسِبْناكَ قدْ أَعْطَيْتَ من قوَّةِ الوَهْمِ


ولم أَقف على ترجمة ابن الأَهتم التغلبي قائل البيت :


وأَخَفْتَ أَهلَ الشِّرْك حتَّى إنَّهُ ........ لتخافكَ النُّطَفُ التي لم تُخْلَقِ


البيت لأبي نواس ، من قصيدة من الكامل يمدح بها الرَّشيد ، أَوَّلها :


خَلَقَ الزَّمانُ وشِرَّتِي لم تخلق ........ ورَمَيْتُ في غرضِ الزَّمانِ بأَفوقِ تقعُ السِّهامُ وَراءهُ وكأَنَّهُ ........ أَثرَ الخَوالِفِ طالبٌ لم يلحَقِ وأَرى قُوايَ تكاءدَتْها رَيثةٌ ........ فإذا بطشتُ بطشتُ رِخْوَ المرْفقِ ولقدْ غدوْتُ بدستبان معلمٍ ........ صخب الجلاجلِ في الوظيفِ منسقِ حرّ صنعناه لتحسن كَفُّهُ ........ عملَ الرفيقة واسْتلابَ الأَخرقِ


واستمرَّ في وصف البازي إلى أن قال :


هذا أَميرُ المؤمنينَ انْتاشَني ........ والنَّفْسُ بينَ محنجر ومُخنَّقِ نفسِي فِداؤُكَ يومَ دابقَ مِنهما ........ لولا عَواطِفُ حِلمِهِ لم أُطلقِ حرّمت منْ لَحْمي عليكَ مُحلَّلاً ........ وجَمعتَ من شتَّى إلى مُتفرّقِ فاقْذِفْ برَحْلِكَ في جنابِ خليقةٍ ........ سبَّاقِ غاياتٍ بها لم يُسْبَقِ


إلى أَن قال :


إنِّي حلفْتُ عليكَ جهْدَ أَليَّةٍ ........ قسماً بكلِّ مُقصرٍ ومُحلِّقِ لقدِ اتَّقيتَ اللهَ حقَّ تُقاتِهِ ........ وجهدْتَ فيهِ فوقَ جهدِ المُتَّقي


وبعده البيت ، وبعده :


وبضاعَةُ الشُّعَراءِ إنْ أَنفقْتها ........ نفقتْ وإنْ أَكسدْتَها لم تنفُقِ


والشاهد في البيت : الغلو ، وهو : ادِّعاء ما لا يمكن عقلاً وعادةً ، فإنَّه ادَّعى النُّطَفَ غير المخلوقة تخاف من سطوته ، وهذا ممتنعٌ عقلاً وعادةً . ومن أَلطف ما يحكى هنا أنَّ العتابي الشَّاعر لقي أبا نواس فقال له : أَما استحييت من الله بقولك :


وأَخَفْتَ أَهلَ الشِّرْك حتَّى إنَّهُ ........ لتخافكَ النُّطَفُ التي لم تُخْلَقِ


فقال له أبو نواس : وأنت ما استحييت من الله بقولك :


ما زلتُ في غَمراتِ الموتِ مُنطرِحاً ........ يَضيقُ عنِّي وَسيعُ الرَّأْي منْ حيلِي فلمْ تزَلْ دائماً تَسعَى بِلطفكَ لي ........ حتَّى اخْتلسْتَ حَياتِي من يدَيْ أَجَلي


فقال له العتابي : قد علم الله وعلمت أَن هذا ليس مثل ذاك ، ولكنَّك أَعددت لكل ناصح جواباً . وقد استعمل أبو نواس معنى البيت ثانياً ، فقال من قصيدة أُخرى :


حتَّى الذي في الرَّحمِ لم يكُ صورةً ........ لفُؤادِهِ منْ خوفِهِ خَفقانُ


ومن الغلو أيضاً قول البحتري :


ولوْ أنَّ مُشتاقاً تكلَّفَ فوقَ ما ........ في وسعِهِ لسَعى إليكَ المنبرُ


ومن هنا أَخذ المتنبِّي قوله :


لوْ تعقلُ الشَّجَرُ التي قابلتَهَا ........ مدَّتْ مُحَيِّيَةً إليكَ الأَغصُنا


إلاَّ أَنَّ بيت البحتري أَحسن وأَمكن . حدَّث أَحمد البلاذري المؤرخ ، قال : كنت من جلساء المستعين بالله ، فقصده الشُّعراء ، فقال : لست أَقبل إلاَّ ممَّن قال مثل قول البحتري في المتوكّل :


ولوْ أنَّ مُشتاقاً تكلَّفَ فوقَ ما ........ في وسعِهِ لسَعى إليكَ المنبرُ


فرجعت إلى بيتي ، وأتيته ، وقلت : قد قلت فيك أَحسن ممَّا قاله البحتري . فقال : هات ، فأنشدته :


ولوْ أَنَّ بُرْدَ المصطفى إذْ لبستَهُ ........ يظنُّ لظنَّ البُرْدُ أَنَّكَ صاحِبُهْ وقالَ وقدْ أُعطيتهُ ولبستَهُ ........ نَعَمْ هذه أَعطافُهُ ومناكبُهْ


فقال : ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به ، فرجعت ، فبعث إلي بسبعة آلاف دينار ، وقال : ادَّخر هذه للحوادث بعدي ، ولك على الجراية والكفاية ما دمت حيًّا . ومنه قول أبي نواس في وصف الخمر :


لا ينزلُ اللَّيْلُ حيثُ حلَّتْ ........ فدَهْرُ شُرَّابها نهارُ


وقول الآخر أيضاً :


منعَتْ مهابتُكَ القُلوبَ كلامَها ........ بالأَمْرِ تكرَهُهُ وإن لم تعلَمِ


وقول التمار الواسطي ، وقيل : نصر الخابز :


قدْ كانَ لي فيما مَضَى خاتمٌ ........ واليوْمَ لو شئْتُ تمنطَقْتُ بهْ وذُبْتُ حتَّى صِرْتُ لوْ زُجَّ بي ........ في مُقلَةِ النَّائمِ لم ينتبهْ


وقول كشاجم :


وما زالَ يبري جُملَةَ الجسمِ حُبُّها ........ وبنقصهُ حتَّى لطُفْتُ عنِ النَّقْصِ وقد ذُبْتُ حتَّى صرتُ إذْ أَنا جِئتها ........ أَمنْتُ عليها أَن يرَى أَهلُها شَخْصِي


وقول المظفر بن كيغلغ :


عبدُكَ أَمرضْتَهُ فعُدْهُ ........ أَتلِفْهُ إنْ لم تكنْ تُرِدْهُ ذابَ فلوْ فَتَّشُتْ عليهِ ........ كفُّكَ في الفرْشِ لم تجدْهُ


وقول ابن دانيال أيضاً :


مُحِبٌّ غَدا جسمُهُ ناحِلاً ........ يكادُ لفرطِ الضَّنَى أَنْ يذُوبا ورَق فلوْ حرَّكتهُ الصّبا ........ لصارَ نسيماً وعادتْ قضيبا


ومن الغلو قول الفرزدق يمدح العذافر بن زيد :


لعمركَ ما الأَرزاق حينَ اكْتيالها ........ بأكثر خَيْراً من خِوانِ العذافرِ ولو ضافهُ الدَّجالُ يلتمِسُ القِرَى ........ وحلَّ على خبازه بالعساكرِ بعدّة يأْجوج ومأْجوج كلّهم ........ لأشبعهم يوماً غداءُ العذافرِ


وقال بعض أَهل الأَدب : هذا طعام اتّخذ في قِدْرِ القائل :


وبوَّأْتُ قِدْرِي موضعاً فوضعتها ........ برابيةٍ منْ بين ميثٍ وأَجرَعِ جعلتُ لها هضبَ الرجامِ وطحفَةٍ ........ وغولاً أَثافي جذرها لم ينزعِ لقدر كأَنَّ اللَّيْلَ سحمة قَعْرِها ........ ترَى الفيلَ فيها طافِياً لم يقطَّعِ


وهذه الأبيات للفرزدق أيضاً . ومن الغلو قول دُريد في النحول :


إنِّي امرُؤٌ أَبقيْتَ من جسمهِ ........ يا مُتلفَ الصبِّ ولم يشعرِ صبابَةً لو أَنَّها قطرةٌ ........ تجولُ في عينكَ لم تقطرِ


وقول بعضهم أيضاً :


ولو شئْتُ في طيِّ الكِتابِ لزُرتكمْ ........ ولم تَدْرَعَنِّي أَحرُفٌ وسطورُ


وأَزيد منه في الغلو قول أبي عثمان الخالدي :


بنَفْسي حَبيبٌ بانَ صَبْري ببينِهِ ........ وأَوْدَعَني الأَحزانَ ساعَةَ ودَّعا وأَنْحَلَني بالهَجْرِ حتَّى لَوَ انَّني ........ قَذًى بينَ جفنيْ أَرْمَدٍ ما توجَّعا


ومثله قول الوزير أبي الفضل بن العميد :


فَلَوَ انَّ ما أَبْقَيْتَ من جسمي قَذًى ........ في العينِ لم يمنع مِنَ الإغْفاءِ


وزاد عليه المتنبي بقوله :


أَراكَ ظنَنْتَ السِّلْكَ فَعُقْتَهُ جسمي ........ عليكَ بدُرٍّ عن لقاءِ التَّرائبِ ولو قلم ألقيتُ في شقِّ رأسِهِ ........ من السقمِ ما غيرتُ من سَطرِ كاتِبِ


ومن الغلو المفرط قول بعضهم :


غَرامٌ ووجدٌ واشْتِياقٌ وغربَةٌ ........ وما ذاقَ إنسانٌ من الحبِّ ما ذُقْتُ نحلتُ فلو عُلِّقْتُ في رجا ذرَّةٍ ........ لطارتْ ولم تشعر بأَنِّي تعلقتُ ولو نمتُ في جفنِ الذُّبابِ معرَّضاً ........ من السقمِ لم تشعر بأَنِّيَ قد نمتُ ولو نَفَسٌ من أَنفِها قد أَصابَني ........ من الشَّوقِ أَو من حَرِّ أَنفاسِها ذُبْتُ


ولهذه الأبيات خبر غريب أحببت ذكره .


حدَّث الشيخ المقري الصوفي الواعظ أبو عبد الله بن الخبَّاز ، قال : كنت مع جماعة من أَهل التصوُّف بأَصبهان في رباط هناك ، واجتمع أَصحابنا ليلة في سماع ، فلما كان في أثناء ذلك بعد مضي جزء من الليل والوقت قد طاب ، إذْ طرق الباب طارق ، فخرج إليه من سمع ذلك ، فوجد شيخاً طويل القامة ، عظيم الهامة ، على رأسه كرزية ، وعليه فرجية ، وبيده إبريق وعكَّاز ، فقال : ما هذا ؟ قلنا : سماع اجتمع فيه الأَصحاب ، فقال : ندخل ؟ فدخل فوجد القائل يقول :


خليلي لا والله ما القلبُ سالمٌ ........ وإن ظهرتْ منِّي شمائلُ صاحي وإلاَّ فما بالي ولم أَشْهَدِ الوغَى ........ أَبيتُ كأَنِّي مُثْخَنٌ بجِراحِ


فرمى للمنشد ما كان على رأسه ، ثم قال له : قل ، فقال :


يا بانَةَ الجزعِ لولا رنَّة الحادي ........ لم تنقلتُ من وادٍ إلى وادِ ولا سَلَكْتُ بنعمان الأَراك ولا ........ شربتُ ماءً به يا نهلَةَ الصَّادِي


ثم قال أيضاً :


كرّرْ عليَّ أَحاديثِهم يا حادِي ........ فحديثهم يُطْفِي لَهيبَ فؤادِي كرّرْ عليَّ حَديثهمْ فلربَّما ........ لانَ الحديدُ لضربَةِ الحدَّادِ


فنزع فرجيته ، وبقي الشيخ عرياناً ، وقال : قل ، فقال الأَبيات السابقة ، قال الشيخ أبو عبد الله بن الخبَّاز : فصاح الشيخ صيحة عظيمة وشهق شهقةً قويَّة وخرجت روحه ، رحمة الله عليه ! ولمَّا أَصبح الصباح وطلع النهار غسلناه وكفّنّاه وجهَّزناه إلى حفرته ، وتركناه في عظيم رتبته . ونظير ذلك ما حكاه بعض أَهل دمشق قال : قال شيخٌ من الفقراء لآخر : إنِّي أُحبُّ اليوم أن نجتمع وأُغنِّي لكم ، قال : فاجتمعوا ، فغنَّى لهم :


سَلي نُجومَ السَّمَا يا طلعَةَ القمر ........ عنْ مَدمعي كيفَ يدمَى فيكِ بالسَّهرِ إيهٍ بعيشكِ ماذا أَنتِ صانعَةً ........ منَ الجميلِ فهذا آخرُ العمرِ


ثم شهق ومات رحمه الله .


ومثل ذلك ما رواه ابن القمَّاح قال : سمعت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يذكر في مجلس درسه بجامع ابن طولون أَنَّه حضر سماعاً ، وكان هناك فقير ، فغنَّى مغن بأَبيات ابن الخيَّاط الدمشقي ، وهي :


خذَا من صَبَا نَجْدٍ أَماناً لقلبِهِ ........ فقد كادَ ريَّاها يَطيرُ بلبِّهِ وإيَّاكما ذاكَ النَّسيم فإنَّه ........ إِذا هَبَّ كان الموتُ أَيْسَرَ خطبهِ أَغارُ إِذا آنستُ في الحيِّ أَنَّةً ........ حذاراً وخوفاً أَنْ تكونَ لحبِّهِ وفي الركبِ مطويُّ الضُّلوعِ على جَوًى ........ متى يدعهُ داعي الغَرامِ يُلَبِّهِ


قال : فقال ذلك الفقير : لبيك ، ورفع رأسه فإذا هو ميت ، رحمه الله ونفعنا به . ولنرجع إلى ذكر الغلو ، ومراتبه تتفاوت إلى أن تؤول بقائلها إلى الكفر والعياذ بالله تعالى ، فمن ذلك قول دُريد في المقصورة :


مارسْتَ من لوْ هوَتِ الأَفلاكُ منْ ........ جوانبِ الجوِّ عليه ما شكَا


قيل : لأجل ادِّعائه في هذا البيت ابتلاه الله بمرضٍ كان يخاف فيه من الذُّباب أن يقع عليه . ومنه قوله أيضاً :


ولوْ حَمَى المقدُورُ منهُ مُهجَةً ........ لَرَامَها أو يستبيحَ ما حَمَى تَغدو المَنايا طائِعاتِ أَمْرِهِ ........ تَرضَى الذي يرضَى وتأْبَى ما أَبَى


ومنه قول أبي الطيِّب المتنبِّي :


كأَنِّي دَحَوْتُ الأَرْضَ مِنْ خِبْرَتِي بها ........ وكانَ بِنَا الإسكندَرِ السَّدَّ من عَزْمِي


وقوله أيضاً :


لو كانَ ذُو القرْنينِ أَعْمَلَ رأْيَهُ ........ لمَّا أَتى الظلماتِ صِرْنَ شُمُوسا أَو كانَ صادَفَ رأْسَ عازِرَ سيفُهُ ........ في يوم معركةٍ لأَعْيا عِيسَى أَو كانَ لُجَّ البَّحْرِ مثلَ يمينِهِ ........ ما انْشَقَّ حتَّى جازَ فيه مُوسَى


وقوله أيضاً :


يتَرَشَّفْنَ من فمِي رَشَفَاتٍ ........ هُنَّ فيهِ أَحلى مِنَ التَّوْحيدِ


وقال بعض من اعتذرَ للمتنبِّي : إنَّ المراد بالتَّوحيد هنا : نوعٌ من التمر ، وبعضٌ أَصلح البيت فقال :


هُنَّ فيهِ حَلاَوَةَ التَّوْحيدِ


ومنه قول الوزير أبي القاسم المغربي :


قارَعَتِ الأَيَّامُ مِنِّي امْرءاً ........ قدْ عَلَّقَ المجدَ بأَمْراسِهِ تستنزلُ الرِّزْقَ بأَقْدامِهِ ........ وتستمدُّ العزَّ من باسِهِ أَرْوَعَ لا ينحطُّ عنْ تيهٍ ........ والسَّيْفُ مسلولٌ على راسِهِ


ومن الغلو القبيح قول عضد الدولة :


ليسَ شُرْبُ الكأسِ إلاَّ في المطرْ ........ وغناءٍ مِنْ جَوارٍ في السَّحَرْ غانياتٍ سالباتٍ للنُّهَى ........ ناغماتٍ من تَضاعيفِ الوَتَرْ مبرِزاتِ الكأسِ من مطلعها ........ ساقيات الرَّاحِ مَنْ فاقَ البَشَرْ عَضُدَ الدَّولةِ وابنَ رُكنها ........ مَلكَ الأَملاكِ غَلاَّبَ القَدَرْ


يُروى أنَّه لم يفلح بعد هذا القول ، وأَخذته علَّة الصرع ، ودخل في غمرات الموت ، فكان لا ينطق إلاَّ بقوله تعالى "مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ" . والمتساهلون في هذا النوع كثيرون : كأبي نواس ، وابن هانئ الأَندلسي ، والمتنبِّي ، وأبي العلاء المعرِّي ، وغيرهم من المتأخِّرين كابن النبيه ، ومن جرى مجراه ، والإضراب عن ذكر ذلك أنسب ، والله أعلم .


عَقَدَتْ سَنابِكُها عليها عِثْيَراً ........ لوْ تَبْتَغِي عَنَقاً عليه أَمْكَنَا


البيت لأبي الطيب المتنبي ، وهو من قصيدة من الكامل ، يمدح بها ابن عمار ، أولها :


الحبُّ ما منعَ الكلامَ الألسُنا ........ وألذُّ شكْوَى عاشقٍ ما أعلنا ليتَ الحبيبَ الهاجري هَجْرَ الكَرى ........ من غيرِ جُرْمِ واصلي صِلةَ الضنى بنَّا فلَوْ حاوَلْتَنا لم تَدْرِ ما ........ ألوانَنا مما امتقِعْنَ تَلوُّنا وتَوَقَّدَتْ أنفاسنا حتَّى لَقدْ ........ أشفَقْتُ تحترقُ العواذلُ بيننا


إلى أن قال :


طَرِبَتْ مَراكبنا فخلنا أنها ........ لو لا حياءٌ عاقَها رَقَصتْ بنا أقبلت تبسمُ والجيادُ عوابسٌ ........ يَخببنَ بالحلق المضاعفِ والقَنا


وبعده البيت ، وبعده :


والأمرُ أمرُكَ والقلوبُ خوافقٌ ........ في موقفٍ بينَ المنيةِ والمُنى فعجبتُ حتَّى ما عجبتُ من الظبا ........ ورأيتُ حتَّى ما رأيتُ من السنا


وهي طويلة . والسنابك : جمعُ سنبك - بضمّ أوله وثالثه - وهو طرفُ الحافرِ ، والعثير - بكسر أوله - التراب والعجاج ، والعَنَقُ - محركه - سيرٌ مستطرد للإبل والدابة .


والشاهد فيه : الغلو المقبول ، وهو : ما تضمن معنى حسناً من التخييل ، فإنه ادّعى أن الغبار المرتفع من سنابك الخيل قد اجتمع فوق رؤوسها متراكماً متكاثفاً بحيث صار أرضاً يمكن أن تسير عليها تلك الجياد ، وهذا ممتنع عقلاً وعادة ، لكنه تخييلٌ حسن . وقريب من معناه قول ابن فضال القيرَواني :


بنيتَ الأرضَ فوقهمُ سماءً ........ وقد أجرَيت من عَرقٍ بحارا فليسَ تَراكَ ألحاظُ الدَّراري ........ وأنتَ حشوْتَ أعْيُنَها غبارا


ومنه قول علي بن عاصم الأصبهاني :


مدَّتْ سنابِكُهُ عليكَ سُرادقاً ........ نسجَتْ مضاربهُ من القسطالِ في حومةٍ ما إن يبينُ من الوغَى ........ إلاَّ هَلاً من زَجرهنّ وَهالِ لَيلٌ من الغمراتِ أنتَ سِراجهُ ........ ونجومهُ هِندِيَّةٌ وَعوالِ


وقول الببغاء أيضاً :


كالليلِ إلاَّ أن ثوب ظلامهِ ........ من عِثْيَرٍ ونجومه من لامِ


وقول السري الرفاء أيضاً :


في معرَكٍ طافَ الرّدَى بكُماتِه ........ عند اختلاف الطعن أَيّ مطافِ فإذا السنابكُ أنشأتْ ليلاً به ........ بعث الصباحَ لها سنَا الأسيافِ


وقول البحتري أيضاً :


في نهارٍ منَ السيوفِ مضيءٍ ........ تحتَ ليلٍ من مُسْتَثارِ الصعيدِ


وقد تقدم طرف من ذلك في شواهد التشبيه .


يُخَيَّلُ لي أن سُمِّرَ الشهبُ في الدّجى ........ وشُدَّتْ بأهْدابي إليهنّ أجْفاني


البيت للقاضي الأرجاني ، من قصيدة من الطويل ، يمدح بها شمس الملك عثمان بن نظام الملك ، أولها :


أأجفانُ بيضٍ هنَّ أم بيضُ أجفانِ ........ فواتِكُ لا تُبْقي على الدَّنِف العاني صوارمُ عشاق يُقَتِّلْنَ ذا الهوَى ........ ومن دونها أيضاً صوارمُ فرسانِ مررْتُ بنعمان فما زلتُ واجداً ........ إلى الحول نَشْرَ المسكِ من بطن نعمانِ سَوافر في خضرِ الملاءِ سَوائر ........ كما ماسَ في الأوراق أعطاف أغصانِ وقد أطلعت وردَ الخدودِ نَواضرا ........ ومن دونها شوكُ القنَا فَمَنِ الجاني


إلى أن قال :


وقفتُ بها صبحاً أُناشدُ معشَري ........ وأُنْشِدُ أشعاري وأنْشُدُ إخواني ولما توَسمتُ المنازلَ شاقني ........ تذكرُ أيامٍ عهدتُ وإخوانِ مضَتْ ومَضوا عني فقلتُ تأسُّفاً ........ قِفا نبكِ من ذكرى أُناسٍ وأزمانِ تأوّبني ذكرُ الأحبةِ طارِقاً ........ وللّيْلِ في الآفاقِ وقفةُ حيرانِ وأرَّقني والمشرَفيُّ مُضاجِعي ........ سنا بارِقٍ أسْرى فَهَيَّجَ أحزاني ثلاثةُ أجفانٍ ففي طيّ واحدٍ ........ غِرار وخالٍ من غِرارَيهما اثنانِ


وبعده البيت ، وبعده :


نظرْتُ إلى البرْق الخفيّ كأنهُ ........ حديثٌ مُضاعٌ بينَ سِرّ وإعلانِ وباتَ له مني وقد طَنَّبَ الدُّجَى ........ كلُوءُ الليالي طرفهُ غير وَسنانِ


وهي طويلة . والشاهد في البيت : إدخال شيء على الغلو يقربه إلى الصحة ، مع تضمنه نوعاً حسناً من التخييل ، فإنه يقول : يوقع في خيالي أن الشُّهُبَ محكمة بالمسامير لا تزول عن مكانها ، وأن أجفان عيني قد شُدت بأهدابها إلى الشهب لطول سهري في ذلك الليل وعدم انطباقها والتقائها ، وهذا ممتنع عقلاً وعادة ، ولكنه تخييل حسن ، ولفظ يخيل مما يقربه إلى الصحة . ومن المقبول في الغلو أيضاً قول أبي العلاء المعري :


تكادُ قِسِيُّهُ من غيرِ رامٍ ........ تمكنُ في قلوبهم النّبالا تكادُ سيوفهُ من غيرِ سَلٍّ ........ تجدُّ إلى رقابهم انسلالا


وما أبدع قوله في هذه الأبيات ، وهو مما نحن فيه :


يذيبُ الرُّعبُ منهُ كلَّ عضبٍ ........ فَلولا الغمدُ يمسكهُ لَسالا


وفي معناه قول ابن المعتز :


يكادُ يجري من القميصِ من ال _ نعمة لو لا القميصُ يمسكهُ


وقوله أيضاً يصف فرساً :


يكاد أن يخرج من إهابهِ ........ إِذا تدلى السوطُ لو لا اللَّبَبُ


ومنه قول أبي الشيص :


لو لا التمنطق والسوار معاً ........ والحجلُ والدملوج في العضدِ لتزايلت من كل ناحيةٍ ........ لكن جُعِلْنَ لها على عمدِ


وقد أخذه ابن النبيه ، فقال :


لها معصمٌ لولا السوارُ يصدُّهُ ........ إِذا حَسَرَتْ أكمامها لجرى نهرَا


ومثله قول بعضهم أيضاً :


لها من الليل البهيم طُرَّةٌ ........ على جبينٍ واضحٍ نهارهُ ومعصمٌ يكاد يجري رقةً ........ وإنما يعصمه سوارُهُ


ولعز الدين بن عبد الرزاق في معناه :


قالتْ وقد صرت كطيف الخيالْ ........ كيفَ ترى فعل الدمى بالرجالْ وسدّدت سهماً إلى مقتلي ........ تقولُ هل فيك لدفع النصالْ رقيقةُ الجسم ، فلولا الذي ........ يمسكهُ من قسوة القلب سالْ


وما ألطف قولَ شرف الدين الحلاوي ، يصف كأساً من أبيات ،


رقَّ فلولا الأكفُّ تمسكه ........ سالَ مع الخمر حين ترشفه


ومنه قول ابن حمديس في وصف فرس :


يجري فلمعُ البرْق في آثارهِ ........ من كثرة الكبوات غيرُ مفيقِ ويكاد يخرجُ سرعةً من ظلهِ ........ لو كان يرغبُ في فراق رفيقِ


ومثله قول شمس الدولة بن عبدان :


أبَتِ الحوافر أن يَمَسَّ بها الثرى ........ فكأنهُ في جريهِ متعلقُ وكأنَّ أربعةً تُراهِنُ طَرْفَهُ ........ فتكاد تسبقهُ إلى ما يرمقُ


وقول الآخر أيضاً :


كم سابح أعددتهُ فوجدتهُ ........ عند الكريهة وهو نسرٌ طائرُ لم يرم قطُّ بطرفهِ في غايةٍ ........ إلاَّ وسابقهُ إليها الحافرُ


وقول الطاهر الجزري :


وأدهمَ كالليل البهيم مطهم ........ فقد عَزَّ من يعلو بساحة عُرْفهِ يفوت هبوبَ الريح سبقا إِذا جرى ........ تُراهِنُ رجلاهُ مواقع طرفهِ


وقول جمال الدين الصوفي :


وأدهم اللون فاق البرْق وانتظرهْ ........ فغارت الريح حتَّى غَيَّبَتْ أثرهْ فواضعٌ رجله حيث انتهت يدهْ ........ وواضعٌ يَدَهُ أنَّى رمى بَصَرَهْ سهمٌ تراه يحاكي السهم منطلقاً ........ وماله غرضٌ مستوقفٌ خبرهْ يعفر الوحش في البيداءِ فارسهُ ........ وينثني وادعاً لم يستثر غبَرَهْ


وقد أبدع أبو القاسم بن هانئ ، فقال :


عُرِفَتْ بسرعة سَبْقها لا أنها ........ علقت بها يوم الرِّهان عيون وأجلُّ علم البرْق فيها أنها ........ مرّت بجانحتيه وهيَ ظنونُ


ومثله قول ابن نباتة السعدي :


لا تعلق الألحاظ من أعطافِه ........ إلاَّ إِذا كفكفت من غلوائه


وما أبلغ قول ابن الخطيب الأندلسي مع التورية المرشحة :


يعتدُّ بها ملكٌ شهمٌ ........ لو رام بها الشعرى سبقا أو عارضها بالبرْق كَبا ........ أو أورد عين الشمس سَقا


وأبدع امرؤ القيس بقوله :


كأن غلامي إذْ عَلا حالَ متنهِ ........ على ظهر طيرٍ في السماء محلق


هكذا قيل ، والرواية في ديوانه بلفظ باز بدل طير وأجاد معاوية بن مرداس بقوله أيضاً :


يكاد في شأوِهِ لولا أسَكِّنهُ ........ لو طار ذو حافرٍ من سرعة طارا


ومثله لبعض الأعراب أيضاً :


فلو طار ذو حافرٍ قبلها ........ لطارت ولكنه لم يطرْ


وما أبدع قول ابن المعتز :


فكأنه موجٌ يذوبُ إِذا ........ أطلقتهُ فإذا حبست جمدْ


وهو مأخوذ من قول العكوك :


مضرَّجٌ يرتج في أقطارهِ ........ كالماء جالتْ فيه ريح فاضطربْ


وما أحسن قول أبي العلاء المعري :


ولمّا لم يُسابقْهُنَّ شيء ........ من الحيوانِ سابَقْنَ الظِّلالا


ولمؤيد الدين الطغرائي :


سَبَقَتْ حوافِرُها النَّواظِرَ فاسْتَوَى ........ سَبْقٌ إلى غاياتِها وسُكونُ لَوْلا تَرامى الرّايَتَيْنِ لأقْسَمَ ........ الرّاءونَ أنّ حِراكَهَا تَسْكينُ وتَكادُ تُشبِهُها البُروقُ لو أنّها ........ لم تَعتلِقها أعيُنٌ وظُنونُ


وبالغ ابن الحجاج في مرثية فرس له فقال :


قال لهُ البرْقُ وقالت لهُ ........ الرِّيحُ جميعاً وهُما ما هُما أأنتَ تَجري مَعَنا قال لا ........ إن شِئتُ أضحكْتُكُما مِنكما هذا ارْتِدَادُ الطّرْف قد فُتُّه ........ إلى المَدَى سَبقاً فمَنْ أنتُما


وبديع قول الصلاح الصفدي :


يا حُسْنَهُ من أشْقرٍ قصَّرَتْ ........ عَنهُ بُروقُ الجَوِّ في الركضِ لا تَستطيعُ الشمسُ من جَرْيه ........ تَرْسمُهُ ظِلاَّ على الأرضِ


ومن الغلو المقبول قول الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم :


يكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ راحتِهِ ........ رُكْنُ الحَطيم إِذا ما جاء يَستلمُ


والقاضي الأرجاني هو : أحمد بن محمد بن الحسين بن علي ناصح الدين وهو منسوب إلى أرجان - بتشديد الراء المفتوحة وبالجيم - وهو من كور الأهواز من بلاد خوزستان ، وأكثر الناس يقولونها بالراء المخففة ، واستعملها المتنبي في شعره كذلك ، وكان القاضي المذكور أحد أفاضل الزمان ، كامل الأوصاف ، لطيف العبارة ، غواصاً على المعاني ، إذا ظفر بالمعنى لا يدع فيه لمن بعده فضلاً ، قال أبو القاسم هبة الله بن الفضل الشاعر : كان الغزِّي معنًى لا لفظٍ ، وكان الأبيورديُّ صاحب لفظٍ لا معنى ، وكان القاضي أبو بكر صاحب لفظ ومعنى . قال ابن الخشاب : والأمر كما قال ، وأشعارهم تُصدق هذا الحكم إِذا تؤملت ، وكان في عنفوان شبابه بالمدرسة النظامية بأصبهان وكان ينوب في القضاء ببلاد خوزستان تارة بتستر وتارة بعسكر مكرم ، ومن شعره في ذلك :


ومنَ النّوائِب أنني ........ في مِثْل هذا الشّغْل نائِبْ ومنَ العَجائِب أنَّ لي ........ صبراً على هذي العَجائِبْ


وكان فقيهاً شاعراً ولذلك قال :


أنا أفْقَهُ الشُّعَراءِ غيرَ مُدافع ........ في العَصْر لا بَلْ أشعَرُ الفُقَهاءِ شِعْرٌ إِذا ما قُلْتُ دَوَّنَهُ الوَرَى ........ بالطَّبْع لا بتكلُّفِ الإلقاءِ كالصَّوْتِ في قُلَل الجِبال إِذا علا ........ للسَّمْع هاجَ تَجاوُبَ الأصداءِ


وقد قدم الأرجاني بغداد مرات ، ومدح الإمام المستظهر وغيره . ومن شعره وهو غريب :


رثَى لي وقَدْ ساوَيتُهُ في نُحولِه ........ خياليَ لمَّا لم يكُنْ لي راحمُ فَدَلّسَ بي حتَّى طَرَقْتُ مكانهُ ........ وأوهمْتُ إلفي أنه بي حالِمُ وبِتْنا ولم يَشْعُر بنا النّاسُ لَيلَة ........ أنا ساهِرٌ في جَفْنِهِ وهو نائِمُ


وله قصيدة يصف فيها الشمعة ، وقد أحسن فيها كل الإحسان ، واستغرق سائر الصفات ، ولم يكد يخلي لمن بعده فيها فضلاً ، ولنذكر طرفاً منها ، فأولها :


نَمَّتْ بأسْرار لَيْل كانَ يُخفيها ........ وأطْلَعتْ قَلبها للنّاسِ من فيها قَلْبٌ لها لم يَرُعنا وهو مكتَمِنٌ ........ ألا ترى فيه ناراً من تَراقيها سَفيهةٌ لم يَزَل طولُ اللِّسان لها ........ في الحَيِّ يُجني عَليها حَذْف هاديها غَريقةٌ في دُموع وهيَ تحرقُها ........ أنفاسُها بِدَوام من تَلَظّيها تَنفّستْ نَفَسَ المَهْجور إذْ ذكَرت ........ عَهْدَ الخَليطِ فَبات الوَجدُ يُذْكيها يُخْشى عليها الرَّدى مَهما ألَمَّ بها ........ نَسيمُ ريح إِذا وافى يُحيِّيها بدَت كنَجْم هَوى في إثرِ عِفْريةٍ ........ في الأرض فاشتَعلَتْ منه نواصيها كأنها غرّةٌ قد سادَ شادخها ........ في وجهِ دَهماءَ يَزْهاها تجلِّيها أو ضَرَّةٌ خُلِقَتْ للشَّمسِ حاسدة ........ فكُلّما حُجِبَتْ قامتْ تُحاكيها وحيدَةٌ بشباةِ الرُّمح هازمةٌ ........ عساكِرَ الليلِ إن حَلّت بواديها ما طنبت قَطُّ في أرض مُخَيَّمةً ........ إلاَّ وأقمَرَ للأبصار داجيها لَها غَرائِبُ تَبدو من محاسِنها ........ إِذا تَفَكَّرتَ يوماً في مَعانيها فالوَجنَة الوَرْدُ إلاَّ في تَناوُلِها ........ والقامَةُ الغُصْنُ إلاَّ في تَثَنِّيها قد أثمَرَتْ وَردَةً حَمراءَ طالِعةً ........ تجني على الكَفِّ إن أهويت تجنيها وَرْدٌ تُشاكُ به الأيْدي إِذا قطفت ........ وما على غُصنِها شَوْكٌ يُوَقِّيها صُفْرٌ غلائِلُها حُمْرٌ عمائِمُها ........ سودٌ ذَوائِبُها بيضٌ لَياليها


ومنها :


وصيفَةٌ لَستَ منها قاضياً وَطَراً ........ إن أنتَ لم تكْسُها تاجاً يُحلِّيها صَفراء هِنْدِية في اللّوْنِ إن نُعِتَت ........ والقَدّ واللّين إن أتمَمت تَشبيها فالهِنْدُ تقتُل بالنِّيرانِ أنفُسها ........ وعِنْدَها أن ذاكَ القتلَ يُحييها


منها :


غَرَّاء فَرعاء ما تَنْفكُّ خاليةً ........ تقُصُّ لمّتها طَوراً وتَفليها شيباء شعثاء لا تكسى غَدائرها ........ لونَ الشّبيبةِ إلاَّ حين تُبليها يَلمها في سَوادِ اللّيل مُسعدة ........ إِذا الهُمومُ دعت قلبي دواعيها لولا اختلافُ طِباعينا بِواحدَةٍ ........ وللِطِّباع اختِلافٌ في مبانيها بأنّها في سوادِ اللّيل مُظهِرةٌ ........ تلكَ التي في سوادِ القَلْبِ أخفيها وبَيْننا عبَراتٌ إن هُمُ نَظَروا ........ غيّضتُها خوفَ واشٍ وهي تجريها ما عاندَتها اللّيالي في مَطالبها ........ ولا عدَتها العوادي في مباغيها ولا رَمتها بِبُعدٍ من أحِبّتها ........ كما رمَتني ، وقُربٍ من أعاديها ولا تُكابدُ حُسّاداً أكابدُها ........ ولا تُداجي بني دَهرٍ أداجيها


وعلى ذكر الشمعة فما أحسن قول الصنوبري فيها أيضاً :


مَجْدولة تحكي لنا ........ في قَدِّها قَدَّ الأسَلْ كأنها عُمْرُ الفتى ........ والنّار فيها كالأجَلْ


ومنه قول ابن شبل :


وساعدَتني على الظَّلماء مُشبهتي ........ هَيْفاء حافَ عليها السُّقْمُ والأرقُ الفَضْلُ فيَّ وفيها النّار نَفْعهُما ........ لغيرِنا وكِلانا فيهِ يحْترِقُ


وهو من قول العباس بن الأحنف :


أحْرَمُ مِنكُم بما أقولُ وقَدْ ........ نالَ به العاشقونَ من عشقوا حتَّى كأنِّي ذُبالَةٌ نُصبَتْ ........ تُضيءُ للنَّاس وهيَ تَحتَرِقُ


ومن شعر القاضي ناصح الدين الأرجاني قوله :


تَقولُ للبَدْرِ في الظَّلماء طَلْعتُهُ ........ بأيّ وجهٍ إِذا أقبَلْتُ تَلْقاني وجهُ السَّما لِيَ مِرآةٌ أُطالِعُها ........ والبَدْرُ وهناً خَيالي فيهِ لاقاني لم أنسهُ يوم أبكاني وأضحكَهُ ........ وقوفُنا حَيثُ أرعاهُ ويَرْعاني كلٌّ رأى نَفْسه في عينِ صاحبه ........ فالحسنُ أضحكَهُ والحُزن أبكاني


ومنه :


تمَتَّعْتما يا ناظِرَيَّ بِنظرةٍ ........ فأوْرَدتما قلبي أشَرَّ المَواردِ أعيْنَيَّ كُفَّا عن فُؤادي فإنه ........ من البَغْي سَعْيُ اثنين في قَتل واحدِ


ومنه :


اقرنْ برَأيكَ رأى غيرِكَ واستَشِرْ ........ فالحَقُّ لا يَخْفى على اثنينِ المَرْءُ مرآة تريه وَجْهَهُ ........ ويرى قَفاه بِجَمْع مِرآتينِ


ومنه :


شاوِرْ سَواكَ إِذا نابَتْكَ نائبةٌ ........ يوماً وإن كنتَ من أهلِ المَشورات فالعين تلقى كفاحاً ما نأى وَدَنا ........ ولا تَرَى نَفْسَها إلاَّ بِمرآةِ


وبالجملة فمحاسنه كثيرة ، ولطائفه غزيرة ، وشعره كثير ، والذي جمع منه لا يكون عشره ، ويقال : إنه كان له في كل يوم ثمانية أبيات ينظمها على الدوام وكانت ولادته سنة ستين وأربعمائة ، ووفاته بتستر في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة .


أسْكَر بالأمْس إنْ عَزَمْتُ على ........ الشُّرْب غَداً ، إنَّ ذا من العَجَبِ


البيت من المنسرح ، ولا أعلم من قائله .


والشاهد فيه : إخراج الغلو مخرج الهزل والخلاعة ، وهو ظاهر ، ومنه قول أبي نواس :


فلما شَربناها ودَبَّ دبيبها ........ إلى مَوْضع الأسْرار قلت لها قفي مَخافة أن يَسطو على شعاعها ........ فتُطلِعَ نَدْماني على سِرِّيَ الخفي


ومنه قول ابن لنكك البصري :


فديتكَ لو علمت ببَعْض ما بي ........ لما جرَّعتني إلاَّ بِمسعطْ بِحَسبكَ أن كَرْماً في جواري ........ أمرُّ بِبابهِ فأكاد أسْقُطْ


وقوله أيضاً :


قرأت عهدة كَرْمٍ ........ فأسكَرَتني سنينا


وقول أبي الحسن أحمد بن المؤمل :


وقائِلَة لي ما لكَ الدَّهرَ طافحاً ........ وأنتَ مُسِنٌّ لا يَليق بك السُّكْر فقلت لها أفكَرْت في الخمر مَرَّة ........ فأسكَرَني ذاكَ التوَهُّم والفكْر


ومنه قول السراج الوراق :


ومُرّةٍ من طول ما عمِّرَتْ ........ كُنِّيَ إبليس أبا مرّهْ تَرَى الندامى حَول حيطانها ........ صَرْعى وماذا قوا ولا قطْرهْ


وقول بعضهم يهجو :


أخشَن من قنفذٍ ومن حَسَكِ ........ ومن عِظام تكون في السمَكِ ويدّعي ضيقه وأسْفَله ........ يَصلح طوْقاً لِدارَةِ الفَلَكِ


وهو ينظر إلى قول ابن الرومي في معناه :


أوسَعُ من وقت العشاء الآخرهْ ........ أولج فيهِ كالقَناةِ العابِرَهْ كأنَّ أيْري نقطة في الدَّائرهْ


وهو على إساءة أدبه مخطئ في المعنى . وظريف قول ابن سناء الملك .


إن قلتُ ما أحسنه شادنا ........ فإنما قصديَ ما أخْشَنَهْ يَظلُّ أيري ضائعاً في استِهِ ........ كأنّه المِغْزل في الرّوزنَهْ


وقول ابن حجاج :


فتَى له عزْمٌ إِذا كلّتِ الأس _ يافُ مثلُ المرْهفِ الصَّارم وراحة لو صفَعَت حاتماً ........ تَعلَّمَ الجودَ قفا حاتِمِ


وقول النفري البغدادي :


وصديقٍ جاءني يَسأ _ لني ماذا لدَيْكْ قلتُ عِندي يحر خمرٍ ........ حوله آجامُ نَيْكْ حَلَفتُ فلم أترُكْ لنفسك ريبَةً ........ وليسَ وراء الله للمَرْء مطْلَبُ لئنْ كنتَ قدْ بلِّغت عنِّي خيانة ........ لَمُبلِغكَ الواشي أغشُّ وأكذَبُ ولكنني كنتُ امرأ ليَ جانبٌ ........ من الأرض فيه مُسْتَرادٌ ومذهبُ ملوكٌ وإخوانٌ إِذا ما مدحتهم ........ أحكّم في أموالهم وأقرَّبُ كَفِعلك في قوم أراكَ اصْطَفَيْتَهُم ........ فلم تَرهم في مَدْحِهم لك أذنَبوا


الأبيات للنابغة من قصيدته السابقة في أواخر الفن الأول وقبلها :


أتاني وَعيدٌ والتّنائِف بَيننا ........ سخاويُّها والغائِط المتَصوّبُ فبتُّ كأنَّ العائِداتِ فَرشنني ........ هراساً به يعلى فراشي ويُقْشَبُ


والريبة : التهمة ، والمستراد : موضع يتردد فيه لطلب الرزق ومنتجع من راد الكلأ ، ومعنى أقَرَّبُ يجعلونني حكماً في أموالهم مقرباً منهم رفيع المنزلة عندهم .


والشاهد فيها : المذهب الكلامي ، وهو : إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام ، وهو : أن تكون المقدمات بعد تسليمها مستلزمة للمطلوب ، فهو هنا يقول : لا تلمني ولا تعاتبني على مدح آل جَفْنة وقد أحسنوا إلي كما لا تلوم قوماً مدحوك وقد أحسنت إليهم ، فكما أن مدح أولئك لك لا يعدُّ ذنباً كذلك مدحي لمن أحسن إلي ، وهذه الحجة على صورة التمثيل الذي تسميه الفقهاء قياساً ، ويمكن رده إلى صورة قياس استثنائي بأن يقال : لو كان مدحي لآل جفنة ذنباً لكان مدح أولئك القوم لك أيضاً ذنباً ، لكن اللازم باطل ، فكذا الملزوم ، وآل جفنة كانوا ملوك الشام ، كما أن آل النعمان كانوا ملوك الحيرة . ومن المذهب الكلامي قول الفرزدق :


لكلّ امرئ نفسانِ نفسٌ كريمةٌ ........ وأخرى يُعاصيها الهوى فيطيعُها ونفسكَ من نفسيكَ تشفعُ للنَدى ........ إِذا قلَّ من أحرارهنَّ شَفيعُها


وقول إبراهيم بن العباس :


وعَلَّمتني كيفَ الهوَى وجهلتهُ ........ وعَلَّمكمْ صبري على ظلمكمُ ظلمي وأعلم ما لي عندكم فيميل بي ........ هوايَ إلى جهلي فأعْرضُ عن علمي


وقولُ إبراهيم بن المهدي ، يعتذرُ للمأمون من وثوبه على الخلافة :


البرُّ منك وِطاءُ العذْرِ عندكَ لي ........ فيما فعلتُ فلم تعذِلْ ولم تَلُمِ وقامَ علمكَ بي فاحتجَّ عندَكَ لي ........ مقامَ شاهدِ عدلٍ غيرِ متهمِ


وقول ابن المعتز :


أسرفتُ في الكتمانِ ........ وذاكَ مِنِّي دَهاني كتمتُ حبكَ حتَّى ........ كَتمتهُ كِتماني فلم يكن ليَ بدُّ ........ من ذِكرهِ بِلساني


وقوله أيضاً :


كيفَ لا يخضرُّ شاربهُ ........ ومياهُ الحسنِ تسقيهِ


وقول قابوس :


ياذا الذي بصُروفِ الدَّهرِ عَيَّرَنا ........ هل عاندَ الدهرُ إلاَّ من له خَطَرُ أما ترى البحرَ تطفو فوقهُ جيفٌ ........ وتستقرُّ بأقصى قعرهِ الدُّرَرُ وفي السماء نجومٌ لا عِدادَ لها ........ وليسَ يكسفُ إلاَّ الشمسُ والقمرُ


وقول أبي عبد الرحمن العطوي :


فوَحقّ البيانِ يعضدهُ البرْ _ هان في مأقطٍ ألدِّ الخصامِ ما رأينا سوى الحبيبةِ شيئاً ........ جمعَ الحسنَ كله في نظامِ هي تجري مجرَى الإصابة في الرأ _ ي ومجرى الأرواح في الأجسامِ


وقول ابن رشيق :


فيكَ خلافٌ لخلافِ الذي ........ فيه خلافٌ لخلافِ الجميلْ وغيرُ من أنتَ سوى غيرهِ ........ وغير من غيركَ غير البخيلْ


وقول الآخر أيضاً :


محاسنه هَيولا كلّ حسنٍ ........ ومِغناطيس أفئدة الرجالِ


وقول مالك بن المرحل الأندلسي :


لو يكون الحبُّ وصلاً كلهُ ........ لم تكنْ غايته إلاَّ المَلَلْ أو يكون الحبّ هجراً كله ........ لم تكنْ غايته إلاَّ الكَلَلْ إنما الوصل كمثل الماء لا ........ يستطاب الماء إلاَّ بالعللْ


البيتان الأولان قياس شرطي ، والثالث قياسٌ فقهي ، فإنه قاس الوصل على الماء ، فكما أن الماء لا يستطاب إلاَّ بعد العطش ، فالوصل مثله لا يستطاب إلاَّ بعد حرارة الهجر .


يروى أن أبا دُلَفٍ قصده شاعر تميمي ، فقال له : ممن أنت ؟ قال : من تميم ، فقال :


تميمٌ بِطُرْقِ اللؤمِ أهْدَى من القَطا ........ ولو سلكت سبلَ المَكارم ضَلَّتِ


فقال له التميمي : نعم بتلك الهداية جئت إليك ، فأفحمه بدليل حَمْلي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال . وظريفٌ قول ابن لنكك :


تعستمْ جَميعاً من وجوهٍ لبلدةٍ ........ تَكَنَّفَهُمْ جهلٌ ولؤمٌ فأفرَطا أراكم تعيبونَ اللئام وإنني ........ أراكم بطرق اللؤم أهدى من القَطا


ومن المذهب الكلامي قول ابن جابر الأندلسي :


لو قضى الله أنَّ قلبيَ يبقى ........ ما حكى لحظه الغزالَ التفاتا لكن اللحظ قد حكاه فقلبي ........ قد قضى نَحْبَهُ زماناً وماتا


وقول أبي جعفر الأندلسي :


لو كنتَ تعلم ما عيناكَ قد صنعا ........ لما بخلت على المشتاق بالأملِ لكن بخلت فلم تعلم بما صنعَتْ ........ في مهجتي لحظاتُ الأعين النُّجُلِ لمْ يحْكِ نائِلَكَ السحابُ وإنما ........ حُمَّتْ به فصَبيبها الرُّحَضاءُ


البيت للمتنبي من قصيدة من الكامل ، ذكر أولها : في شواهد التشبيه ، وبعده قوله :


لمْ تلقَ هذا الوجه شمسُ نهارنا ........ إلاَّ بوجهٍ ليسَ فيه حياءُ فبأيّ ما قدمٍ سعيتَ إلى العلا ........ أُدمُ الهلالِ لأخمُصيكَ حذاءُ ولكَ الزمان من الزمانِ وقايةٌ ........ ولكَ الحمام من الحمام فداءُ لو لم تكن من ذا الوَرى الَّذْمنك هو ........ عقمت بِمولدِ نسلها حوّاءُ


والنائل : العطاء ، والرحضاء : العرق أثر الحمى .


والشاهد فيه : حسن التعليل لصفة لا يظهر لها في العادة علة ، وقد عللها بأن عرق حماها الحادثة بسبب عطاء الممدوح .


ويقرب من معنى البيت قول أبي القاسم الزعفراني :


رَأى المزنُ ما تُعطي فضمَّ على الأسى ........ فؤاداً كأنّ البرْق فيه لهيب


وما أحسن قوله بعده :


وكم لاح برقٌ وابتسمت لِشائِمٍ ........ فكنت صدوقَ الوبْلِ وهو كذوب ما بهِ قَتل أعاديهِ ولكن ........ يَتَّقي إخلافَ ما ترجو الذئاب


البيت للمتنبي ، من قصيدة من الرمل ؛ قالها في بدر بن عمار ارتجالاً ، وهو على الشراب ،


إنما بدرُ ابن عمارٍ سحابُ ........ هَطِلٌ فيهِ ثوابٌ وعقابُ إنما بدرٌ رَزايا وعطايا ........ ومنايا وطعانٌ وضرابُ ما يجيلُ الطرف إلاَّ حمدتهُ ........ جَهْدَها الأيدي وذمتهُ الرقابُ


وبعده البيت ، وبعده :


فلهُ هيبة مَنْ لا يرتجي ........ ولهُ جود مُرَجَّى لا يهابُ طاعن الفرسان في الأحداق شزراً ........ وعَجاجُ الحرب للشمس نقابُ باعث النفس على الهولِ الذي لي ........ سَ لنفس وقعتْ فيه إيابُ بأبي ريحكَ لا نرجسنا ذا ........ وأحاديثكَ لا هذا الشّرابُ ليسَ بالمنكر أن برَّزتَ سبقاً ........ غيرُ مدفوعٍ عن السَّبق العِرابُ


والشاهد فيه : ظهور علة لصفة غير علتها الحقيقية ، فلا يكون من حسن التعليل ؛ فإن قتال الأعداء في العادة : إنما يكون لدفع مضرتهم ، لا لما ذكره من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه ومحبة تصديق رجاء آمليه بعثته على قتل أعدائه ، لما علم أنه لما غدا للحرب غدت الذئاب ترجو سعة الرزق من قتلاه وهذا مبالغة في وصفه بالجود ، ويتضمن المبالغة في وصفه بالشجاعة على وجه تخييلي : أَي تناهى في الشجاعة ، حتَّى ظهر ذلك للحيوانات العجم من الذئاب وغيرها ، فإذا غدا للحرب رَجَتْ أن تنال من لحوم أعدائه ، ويتضمن أيضاً مدحه بأنه ليس ممن يُسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق ، أَي ليست قوته الغضبية متصلة برذيلة الإفراط ، ويتضمن أيضاً قصور أعدائه عنه ، وفرط أمنه منهم ، وأنه لا يحتاج إلى قتلهم واستئصالهم . ومثله أيضاً قول أبي طالب المأموني :


مغرمٌ بالثناء صبٌّ بكسب ال _ مجد يهتز للسماح ارتياحا لا يذوقُ الإغفاء إلاَّ رجاءً ........ أنْ يَرَى طيف مستميح رَواحا


وأصله من قول الآخر :


وإني لأستغفي وما بي نعسةٌ ........ لعلّ خيالاً منك يَلْقى خياليا يا واشياً حَسُنَتْ فينا إساءته ........ نَجَّى حذارُكَ إنساني من الغَرَق


البيت لمسلم بن الوليد ، من قصيدة من البسيط ، لم أقف منها إلاَّ على هذه الأبيات :


إني أصدُّ دموعاً لَجَّ سائقها ........ مطروفة العين بالمَرْضَى من الحدقِ إيه فإن النوى وافت مصيبته ........ مولَّعَ القلب بين الشوق والقلقِ ما كلّ عاذلةٍ تُصْغي له أُذني ........ وقد سمعت على الإكراه فانطلقِ فما سلوت الهوى جهلاً بلذتِه ........ ولا عصيت إلهَ الحلم عن خرقِ


والمراد بالإنسان هنا : إنسان العين .


والشاهد فيه : إثبات صفة ممكنة لموصوف ، فإن استحسان إساءة الواشي شيء ممكن ، لكن لما خالف الناس فيه عَقَّبه بأن حذاره منه نجى إنسان عينه من الغرق في الدموع حيث ترك البكاء خوفاً منه .


وقد تشبث القاضي السعيد بن سناء الملك بأذيال مسلم بن الوليد وأحسن اتباعه بقوله :


علمتني بهجرها الصبرَ عنها ........ فَهْيَ مشكورةٌ على التقبيحِ


وهو من قول القائل :


أعتقني سوءُ ما صنعتَ من ال _ رق فيا بَرْدَها على كبدي فصرت عبدًا للسوء فيك وما ........ أحسَنَ سوءٌ قبلي إلى أحدِ


ومنه قول أسامة بن منقذ ، ولم أدر أيهما أخذ من الآخر :


قل للملول الذي تَجَنَّى ........ وخان من بعد ملك رقي أحسن بي لا عن اعتماد ........ غَدْرُكَ إذْ جاد لي بعتقِ


ومنه قول الشاعر :


أهلاً وسهلاً بالمشيب فإنه ........ سِمَةُ العفيف وحلية الزهاد


ومنه قول بعضهم :


جزى الله الشدائد كل خير ........ وإن جَرَّعْنَني غصصي بريقي وما شكري لها إلاَّ لأني ........ عرفتُ بها عدوّي من صديقي


وقول الآخر :


عداتي لهم فضل علي ومنة ........ فلا أذْهَبَ الرحمنُ عني الأعاديا هُمُ بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ........ وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا


ومسلم بن الوليد هو صريع الغواني ، وأبوه مولى أبي أمامة أسعد بن زرارة الخزرجي ، ومسلم شاعر متقدم من شعراء الدولة العباسية ، منشؤه ومولده بالكوفة وهو - فيما زعموا - أول من قال الشعر المعروف بالبديع ، وهو لَقَّبَ هذا الجنس بالبديع واللطيف ، وتبعه فيه جماعة ، وأشهرهم فيه أبو تمام الطائي ، فإنه جعل شعره كله مذهباً واحداً فيه ، ومسلم كان متفننا متصرفاً في شعره .


وقال محمد بن يزيد : كان مسلم شاعراً حسن النمط ، جيد القول في الشراب ، وكثير من الرواة يقرنه بأبي نواس في هذا المعنى ، وهو أول من عقد هذه المعاني اللطيفة الظريفة واستخرجها .


وحدث محمد بن القاسم بن مهرويه قال : سمعت أبي يقول : أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد ، جاء بهذا المعنى الذي سماه الناس بالبديع ، ثم جاء الطائي بعده فتحير الناس .


واجتمع أصحاب المأمون عنده يوماً فأفاضوا في ذكر الشعر والشعراء ، فقال له بعضهم : أين أنت يا أمير المؤمنين من مسلم بن الوليد حيث يقول ، قال : ماذا قال ؟ قال : حيث يقول وقد رثى رجلاً :


أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه ........ فطيبُ ترابِ القبر دلَّ على القبرِ


وحيث مدح رجلاً بالشجاعة فقال :


يجود بالنفس إنْ ضنَّ الجواد بها ........ والجود بالنفس أقصى غاية الجود


وهجا رجلاً بقبح الوجه والأخلاق فقال :


قبحتْ مناظره فحين خبرته ........ حسنتْ مناظره لقبح المخبرِ


وتغازل فقال :


هوى يجد وحبيبٌ يلعب ........ أنتَ لقًى بينهما مُعَذَّبُ


فقال المأمون : هذا أشعر من خضتم اليوم من ذكره .


وحدث أبو القاسم الفقيه الموصلي قال : جاريت ابن فراس الكاتب بحضرة القاسم بن عبيد الله في شيء من أشعار المحدَثين ، فاعتقد تفضيل أبي نواس ، واعتقدت تفضيل مسلم بن الوليد ، وطال الخطاب في ذلك حتَّى دخل أبو العباس محمد بن يزيد المبرد ، فتحاكمنا إليه ، فقال : قال لي عبد الصمد بن المعذل وما رأيت أغربَ معرفة منه بالشعر وقد سألته عنهما : والله ما جرى أبو نواس قط في ميدان مسلم ، ولا تسمو نفسه إلى أن يفاضل بينهما ، إلاَّ أن له حظاً من الشهرة والذكر ليس لمسلم مثله .


وكان مسلم منقطعاً إلى البرامكة ، ثم اتصل بعد ذلك بالفضل بن سهل ، وقرب من قبله وحظي عنده حتَّى قلده أعمالاً بجرجان اكتسب فيها ألف ألف درهم ، فلما حصل المال عنده لزم منزله ، وكان كريماً سمحاً ، فأتلف جميع ما اكتسبه ، ثم صار إلى الفضل بن سهل بعد ذلك مستجدياً ، فقال له : ألم أغنك ؟ قال : ما غناي في ألف ألف وألف ألف وألف ألف ، ولا هي قدرك ولا قدري ، فقال له الفضل : إن بيوت الأموال لا تقوم على هذا الفعل ، ثم قلده الضياع بأصبهان ، وضم إليه رجلاً يأخذ مرافق العمل ويطلق له منها شيئاً يحتاج إليه بقدر نفقته ويبتاع له بالباقي ضياعاً ، فاكتسب منها أيضاً ألف ألف ابتيع له بها ضياع ، فلما قتل الفضل بن سهل لزم منزله ولم يمدح أحداً حتَّى مات .


وحدثت رابعة البرمكية قالت : كنت يوماً وأنا وصيفة على رأس مولاي الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي وبيدي مِذَبة أذب بها عنه إِذ استؤذن لمسلم بن الوليد الأنصاري ، فأذن له ، فلما دخل عليه أعظمه وأكرمه واستنشده ، قالت : ثم خلع عليه وأجازه وانصرف ، فلما قلت إنه جاز الستر حتَّى استؤذن لأبي نواس فامتنع من الأذن له ، حتَّى سأله بعض ما كان في المجلس أن يأذن له ، ففعل على تكره منه ، فلما دخل سلم عليه ، فما علمت أنه ردَّ عليه ، ولا أمره بالجلوس ، ولا رفع إليه رأسه ، فلما طال عليه الوقوف قال : معي أبيات أفأنشدها ؟ قال : افعل ، وهو في غاية الكره والثقل ، فأنشده إياها :


طرحتم علي الترحالِ أمراً فغمَّنا ........ ولو قد فعلتم صبَّح الموتُ بعضَنا


فلما بلغ إلى قوله :


سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدٍ ........ هواكِ لعلَّ الفضلَ يجمع بينَنا


قَطَّبَ وجهه وقال : أمسك عليك لعنة الله ، اغرب قبحك الله ، وأمر بإخراجه محروماً ، فأخرج ، والتَفَتَ الفضلُ إلى أنس بن أبي شيخ وقال : ما رأيت مثل هذا الرجل ولا أقل تمييزاً في كلامه منه ، فقال أنس : إن اسمه كبير ، فقال : عند من ويلك ؟ هل هو إلاَّ عند سُقَّاط مثله وخَلْق يشاكلونه ، فقال له : وأين هو من مسلم ؟ فقال الفضل وقد غضب : والله لأحجبنك ثلاثاً ، ولا كلمتك سبعاً إذْ كان هذا مبلغ عقلك ونهاية معرفتك ، والله إن مسلماً ليفضل عندي الطبقة المتقدمة أو يساويهم ، فلا أرينَّكَ ثلاثاً .


وحدث حماد بن إسحاق عن أبيه قال : لقي مسلماً بن الوليد أبا نواس فقال له : ما أعرف لك بيتاً إلاَّ فيه سقط ، قال : ما تحفظ من ذلك ؟ قال : قل أنت ما شئت حتَّى أريك سقطه فيه ، فأنشده :


ذكرَ الصبوح بسحرةٍ فارتاحا ........ وأملَّه ديكُ الصباح صياحا


فقال مسلم : فلم أملَّه وهو الذي أذكره وبه ارتاح ؟ فقال أبو نواس : فأنشدني أنت شيئاً من شعرك ليس فيه خلل ، فأنشده مسلم :


عاصَى الشبابَ فراح غير مفنَّدِ ........ وأقام بين عزيمة وتجلدِ


فقال له أبو نواس : قد جعلته رائحاً مقيماً في حالة ، فتشاغبا وتسابَّا ساعة ، وكلا البيتين صحيح المعنى . وقال يزيد بن مزيد : أرسل إلى الرشيد يوماً في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي فأتيته لابساً سلاحي مستعد لأمر إن أراده ، فلما رآني ضحك إلي ثم قال : يا يزيد خبرني من الذي يقول فيك :


تراه في الأمن في درع مُضاعَفَةٍ ........ لا يأمن الدهر أن يُدْعى على عجل لله من هاشم في أرضه جبل ........ وأنت وابناك ركنا ذلك الجبل


فقلت : لا أعرفه يا أمير المؤمنين ، فقال : سوءةً لك سيد قوم يُمدَح بمثل هذا الشعر ولا يعرف قائله ، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله ، وهو مسلم بن الوليد ، فانصرفت فدعوت به ووصلته وواليته . وحدث ذو الهدمين قال : دخل يزيد بن مزيد على الرشيد فقال له : يا يزيد ، من الذي يقول فيك :


لا يعبق الطيب خَدَّيْهِ ومفرقه ........ ولا يمسح عينيه من الكحل قد عَوَّدَ الطير عاداتٍ وثقن بها ........ فهن يتبعنه في كل مُرْتَحَلِ


فقال : لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين ، فقال له : أيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله ؟ فخرج من عنده خَجِلاً ، فلما صار إلى منزله دعا حاجبه ، فقال له : مَنْ بالباب من الشعراء ، قال : مسلم بن الوليد ، فقال : وكيف حجبته عني فلم تعلمني بمكانه ؟ قال : أخبرته أنك مُضَيَّق وأنه ليس في يدك شيء تعطيه إياه وسألته الإمساك والمقام أياماً إلى أن تتسع ، قال : فأنكر ذلك عليه ، وقال : أدخله إلي ، فأدخله إليه فأنشده قوله :


أجررتُ حبلَ خليع في الصِّبا غزلِ ........ وشَمَّرَتْ هممُ العذالِ عن عَذَلي رد البكاء على العين الطموح هَوًى ........ مفرقٌ بين توديعٍ ومرتحلِ أما كفى البينَ أن أُرْمَى بأسهمه ........ حتَّى رماني بسهم الأعين النجلِ مما جنت لي وإن كانت مُنًى صدقتْ ........ صبابةً خُلَسُ التسليم بالمقلِ


فقال له : قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم ، فاقبضها واعذر ، فخرج الحاجب فقال لمسلم : قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم خمسون ألفاً منها لك وخمسون ألفاً لنفقته ، فأعطاه إياها وكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرشيد فأمر له بمائتي ألف ، وقال : اقض الخمسين ألفاً التي أخذها الشاعر ، وزده مثلها وخذ مائة ألف لنفقتك ، فافتكَّ ضيعته وأعطى مسلماً خمسين ألفاً أخرى .


وحدث مسلم قال : كنت يوماً جالساً في دكان خياط بإزاء منزلي إذْ رأيت طارقاً ببابي ، فقمت إليه فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة قد قدم من قُمَّ ، فسررت به ، وكأن إنساناً لطم وجهي حيث لم يكن عندي درهم واحد أنفقه ، فقمت فسلمت عليه وأدخلته منزلي ، وأخذت خفين كانا لي أتجمل بهما فدفعتهما إلى جاريتي ، وكتبت معها رقعة إلى بعض معارفي في السوق أسأله أن يبيع الخفين ويشتري لحماً وخبزاً ، فمضت الجارية وعادت إلي وقد اشترى لها ما حددته له ، وقد باع الخفين بتسعة دراهم ، فكأنها إنما جاءت إلي بخفين جديدين ، فقعدت أنا وضيفي نطبخ ، وسألت جاراً لي أن يسقينا قارورةَ نبيذٍ فوجه بها إلي ، وأمرت الجارية بأن تغلق باب الدار ، فإنَّا لجالسان نطبخ إذْ طرق طارق الباب ، فقلت لجاريتي : انظري من هذا ، فنظرت من شق الباب فإذا رجل على جواد عليه سواد وشاشية وقطيفة ومعه شاكري ، فحبرتني بموضعه ، فأنكرت أمري ، ثم رجعت إلى نفسي فقلت : لست بصاحب دعارة ، ولا للسلطان علي سبيل ، ففتحت الباب وخرجت إليه ، فنزل عن دابته وقال : أنت مسلم بن الوليد ؟ قلت : نعم ، قال : كيف لي بمعرفتك ؟ قلت : الذي دَلَّكَ على منزلي يصحح لك معرفتي ، فقال لغُلامه : امض إلى الخياط فسله عنه ، فمضى فسأله عني ، فقال : نعم هو مسلم بن الوليد ، فأخرج إلي كتاباً من خفه وقال : هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد يأمرني أن لا أفضه إلاَّ عند لقائك ، فإذا فيه إِذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع إليه هذه العشرة آلاف درهم تكون له في منزله ، وادفع له أيضاً ثلاثة آلاف درهم نفقة ليتحمل بها إلينا فأخذت الثلاثة والعشرة ودخلت إلى منزلي والرجل معي فأكلنا ذلك الطعام ، وازددت فيه وفي الشراب ، واشتريت فاكهة ، واتسعت ، ووهبت لصاحبي من الدراهم ما يُهْدي به هدية لعياله ، وأخذت في الجهاز ، ثم ما زلت معه حتَّى صرت إلى الرقة إلى باب يزيد بن مزيد ، فدخل الرجل وإذا هو أحد حجابه فوجده في الحمام فخرج إلي فجلس معي قليلاً ، ثم خبرني الحاجب بأنه قد خرج من الحمام ، فأدخلني إليه فإذا هو جالس على كرسي وعلى رأسه وصيفة وبيدها غلاف مرآة ومشط يسرح به لحيته ، فقال لي : يا مسلم ، ما الذي أبطأ بك عنا ؟ فقلت : أيها الأمير قلة ذات اليد ، قال : فأنشدني ، فأنشدته قصيدتي التي مدحته بها ، فلما صرت إلى قولي منها :


لا يَعْبَقُ الطِّيبُ خديهِ ومَفْرقَهُ ........ ولا يُمَسّحُ عَينيهِ من الكحلِ


وضع المرآة في غلافها وقال للجارية : انصرفي فقد حرم علينا مسلم الطيب ، فلما فرغت من القصيدة قال لي : يا مسلم ، أتدري ما حداني إلى أن وجهت إليك ؟ قلت : لا والله ما أدري ، قال : كنت عند الرشيد منذ ليالي أغمز رجليه إذْ قال : يا يزيد من القائل فيك :


سلَّ الخَليفةُ سَيْفاً من بني مطر ........ يَمْضي فَيَخترمُ الأجسادَ وإلهاما كالدَّهر لا ينثني عَمَّا يَهُمُّ بهِ ........ قدْ أوسَعَ الناسَ إنعاماً وإرغاما


فقلت : لا والله ما أدري ، فقال لي الرشيد : يا سبحان الله ! أنت مقيم على أعرابيتك ، يقال فيك مثل هذا الشعر ولا تدري من قائله فيك ، فسألت عنه فأخبرت أنك هو ، فقم حتَّى أدخلك على أمير المؤمنين ، ثم قام فدخل على الرشيد فما علمت حتَّى خرج على الآذن ، فأذن لي فدخلت على الرشيد فأنشدته ما لي فيه من الشعر فأمر لي بمائتي ألف درهم ، فلما انصرفت إلى يزيد بن مزيد أمر لي بمائة وتسعين ألفاً وقال : لا يجوز أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين ، وأقطعني إقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم ، قال مسلم : ثم أفضت بي الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني ، فهجوته ، فشكاني إلى الرشيد ، فدعاني وقال لي : أتبيعني عرض يزيد ؟ قلت : نعم ، فقال لي : بكم ؟ فقلت : برغيف خبز ، فغضب حتَّى خفته على نفسي وقال قد كنت أرى أن أشتريه منك بمال جسيم ، ولست أفعل ولا كرامة ، فقد علمت إحسانه إليك ، وأنا نَفِيٌّ عن أبي والله ثم والله لئن بلغني أَنك هجوته لأنزعنَّ لسانك ، من بين فكيك ، فأمسكت عنه بعد ذلك ولا ذكرته بخير ولا شر . وحدث أبو توبة وقال : كان مسلم بن الوليد جالساً بين يدي يزيد بن مزيد ، فأتاه كتاب فيه مهم له ثم أراد القيام ، فقال له مسلم بن الوليد :


الحزمُ تخريقُهُ إن كنتَ ذا حَذَرٍ ........ وإنَّما الحَزْمُ سوءُ الظَّنِّ بالنَّاسِ لقدْ أتاكَ وقد أَدَّى أَمانتهُ ........ فاجْعَلْ صيانتَهُ في بَطْنِ أَرْماسِ


قال : فضحك يزيد وقال : صدقت لعمري ، وخرق الكتاب وأمر بإحراقه وحدَّث الحسن بن سعيد عن أبيه قال : كان داود بن يزيد بن حاتم المهلبي يجلس للشعراء في السنة مجلساً واحداً ، فيقصدونه لذلك اليوم وينشدونه ، فوجَّه إليه مسلم بن الوليد براويته بشعره الذي يقول فيه :


جَعَلتهُ حيثُ ترتابُ الرِّياحُ بهِ ........ وتَحْسدُ الطَّيْرَ فيهِ أَضْبُعَ البِيد


فقدم عليه يوم جلوسه للشعراء ، ولحقه بعقب خروجهم عنه ، فتقدَّم إلى الحاجب وحَسَرَ لثامه عن وجهه ثم قال له : استأذن لي على الأَمير ، قال : ومن أنت لقد انصرم وقتك وانصرف الشعراء وهو على القيام ؟ فقال له : ويحك ! قد وفدت على الأَمير بشعر ما قالت العرب مثله ، قال : وكان مع الحاجب أدب يفهم به ما يسمع ، فقال : هات حتَّى أسمع فإن كان الأَمر كما ذكرت أوصلتك إليه ، فأنشده بعض القصيدة ، فسمع شيئاً يقصر الوصف عنه ، فدخل على داود فقال له : قد قدم على الأَمير شاعر بشعر ما قيل فيه مثله ، فقال : أدخل قائله ، فلما مثل بين يديه سلَّم وقال : قد قدمت على الأَمير أعزَّه الله بشعر يسمعه فيعلم به تقدُّمي على غيري ممَّن امتدحه ، فقال : هات ، فلمَّا افتتح القصيدة فقال :


لا تَدْعُ بي الشَّوْقَ إنِّي غير مَعْمُود ........ نَهَى النهي عن هَوَى البِيضِ الرَّعاديدَ


استوى جالساً وأَطرق حتَّى أتى الرجلُ على آخر الشعر ، ثم رفع رأسه إليه فقال : أَهذا شعرك ؟ قال : نعم أَعزَّ الله الأَمير ، قال : في كم قلته ؟ قال : في أربعة أشهر أَبقاك الله ، قال : لو قلته في ثمانية أَشهر كنت محسناً ، وقد اتهمتك لجودة شعرك وخمول ذكرك ، فإن كنت قائل هذا الشعر فقد أَنظرتك أربعة أَشهر في مثلها ، وأمرت بالأجراء عليك ، فإن جئتنا بمثل هذا الشعر وهبت لك مائة أَلف درهم وإلاَّ حرمتك ، فقال : أَو الإقالَةَ أَعزَّ الله الأمير ، قال : قد أقلتك ، قال : الشعر لمسلم بن الوليد ، وأَنا راويته والوافد عليك بشعره ، قال : أنا ابن حاتم إنَّك لمَّا افتتحت شعره فقلت :


لا تَدْعُ بي الشَّوْقَ إنِّي غيرُ مَعْمُود


سمعت كلام مسلم بن الوليد ينادي ، فأجبت نداءه واستويت جالساً ، ثم قال : يا غلام ، أعطه عشرة آلاف درهم ، واحمل الساعة إلى مسلم بن الوليد مائة ألف درهم .


وحدَّث محمد بن عبد الله التميمي ، قال : دخل مسلم بن الوليد على الفضل ابن سهل لينشده شعراً فقال : أَيُّها الكهل إنِّي أجلك عن الشعر ، فسل حاجتك قال : بل تستتم اليد علي بأَن تسمع ، فأنشده :


دُمُوعها من حِذارِ البين تنسَكِبُ ........ وقلبُها مُغرمٌ من حَرِّ ما يَجِبُ جَدَّ الرَّحيلُ بها عنه ففارَقَهُ ........ لبينِها اللَّهْوُ واللَّذاتُ والطَّرَبُ يَهْوى المَسيرَ إلى مروٍ فيحزنهُ ........ فراقُها فهوَ ذو نفسينِ يرتَقِبُ


فقال له الفضل : إنِّي لأجلك عن الشعر ، قال : فأَغنني بما أحببت من عملك ، فولاه البريد بجرجان .


وحدَّث محمد بن عمرو بن سعيد قال : خرج دعبل الخزاعي إلى خراسان لما بلغه حظوة مسلم بن الوليد عند الفضل بن سهل ، فصار إلى مرو وكتب إلى الفضل ابن سهل :


لا تَعبَأَنْ بابن الوليدِ فإنَّه ........ يرميكَ بعدَ ثلاثةٍ بمَلالِ إنَّ المَلولَ وإنْ تَقادَمَ عهدُهُ ........ كانتْ مودَّتهُ كفَيْءِ ظِلالِ


قال : فدفع الفضل الرقعة إلى مسلم وقال : انظر يا ابن الوليد رقعة دعبل فيك فلما قرأها قال له : هل عرفت لقب دعبل وهو غلام أمرد يفسق به ؟ قال : لا ، قال : كان يلقب بميَّاس ، ثم كتب إليه يقول :


ميَّاسُ قلْ لي أَينَ أنتَ من الوَرَى ........ لا أَنتَ معلومٌ ولا مجْهولُ أمَّا الهجاء فدَقَّ عرضُكَ دونهُ ........ والمدحُ عنكَ كما علمت جَليلُ فاذْهب فأنتَ طليق عرضكَ إنَّه ........ عِرْضٌ عززت به وأَنتَ ذَليلُ


وكان مسلم أستاذ دعبل ، وعنه أَخذ ومن بحره استقى .


وحدَّث الحسين بن دعبل قال : سمعت أَبي يقول : بينا أنا جالس بباب الكَرْخ إذْ مرَّت جارية لم أرَ أحسن منها وجهاً ولا قدًّا ، تتثنَّى في مشيها وتنظر في أَعطافها ، فقلت متعرِّضاً لها :


دُمُوعُ عيني بها انْبِساطُ ........ ونومُ عَيني بها انْقِباضُ


فأَجابتني مسرعة فقالت :


وذَا قَليلٌ لمنْ دهتْهُ ........ بلحْظِها الأعينُ المِراضُ


فأَدهشتني وأَعجبتني فقلت :


فهلْ لموْلاتِ عَطْفُ قلبٍ ........ وللَّذي في الحَشَى انْقِراضُ


فأَجابتني غير متوقفة وقالت :


إنْ كنتَ تهوى الوِدادَ منَّا ........ فالودُّ في دِيننا قِراضُ


قال : فما دخل في أذني كلام قطّ أَحلى من كلامها ، ولا رأَيت أَنضر وجهاً منها ، فعدلت بها عن ذلك الوجه وقلت :


أَترَى الزَّمانَ يسرّنا بتلاقٍ ........ ويضمُّ مشتاقاً إلى مشتاقِ


فأجابتني بسرعة فقالت :


ما للزَّمانِ وللتَّحكّمِ بيننا ........ أَنتَ الزَّمانُ فسُرَّنا بتلاقِ


قال : فمضيت أَمامها أَؤم بها دار مسلم بن الوليد وهي تتبعني ، فصرت إلى منزله ، فصادفته على عسرة فدفع إليَّ منديلاً وقال : اذهب فبعه وخذ لنا ما نحتاج إليه وعُدْ ، فمضيت مسرعاً فلما رجعت وجدت مسلماً قد خلا بها في سرداب ، فلما أَحسَّ بي وثبَ إليَّ وقال : عَرَّفَكَ الله يا أبا علي جميل ما فعلت ، ولقَّاك ثوابه ، وجعله أحسن حسنة لك ، فغاظني قوله وطَنْزه بي ، وجعلت أفكر أَي شيء أعمل به ، فقال : بحياتي يا أبا علي أخبرني من الذي يقول :


بتُّ في درعِها وباتَ رَفيقي ........ جنبَ القَلْبِ طاهِرَ الأَعطافِ


فقلت :


من له في حِرِامِّهِ أَلفُ قَرْنِ ........ قد أَنافتْ على علوِّ منافِ


وجعلت أشتمه وأثب عليه ، فقال لي : يا أحمق منزلي دخلت ، ومنديلي بعت ، ودراهمي أنفقت ، على من تَحْرَدُ أنت ؟ وأيّ شيء سبب حَرَدِكَ يا قوَّاد ؟ فقلت له : مهما كذبت عليَّ فيه من شيء فما كذبت في الحمق والقيادة . ولقي محمد بن أمية مسلم بن الوليد وهو يمشي وطويلته مع بعض أصحابه ورواته ، فسلم عليه ثم قال : قد حضرني شيء ، فقال : هاته ، فقال : على أنَّه مزاح ولا تغضب ، قال : هاته ولو كان شتماً ، فأنشده :


مَنْ رأَى فيما خَلاَ رجُلاً ........ تيهُهُ أَرْبَى على جِدَتِهْ يتمشَّى راجِلاً وله ........ شاكِرِيٌّ في قلنسِيَتِهْ


فسكت عنه مسلم ولم يجبه ، وضحك ابن أمية ، وافترقا . وكان لمحمد بن أبي أمية بِرْذَوْنٌ يركبه ، فنفق ، فلقيه مسلم وهو راجل فقال له : ما فعل برذونك ؟ قال : نفق ، قال : فنجازيك إذاً على ما أسلفتنا ، ثم أنشده :


قلْ لابنِ مَيٍّ لا تَكُنْ جازِعاً ........ لنْ يرْجِعَ البرذَوْن باللَّيْتِ طامَنَ أحْشاءَكَ فِقْدانهُ ........ وكنتَ فيهِ عاليَ الصَّوْتِ وكنتَ لا تنزل عنْ ظَهْرِهِ ........ ولو مِنَ الحُشِّ إلى البيتِ ما ماتَ مِنْ سُقْمٍ ولكِنَّه ........ ماتَ من الشَّوْقِ إلى المَوْتِ


وعن الحسين بن أبي السَّريّ قال : قيل لمسلم بن الوليد : أيُّ شعرك أحبُّ إليك ؟ قال : إنَّ في شعري لبيتاً أَخذتُ معناه من التوراة وهو قولي :


دَلَّتْ على عَيبِها الدُّنيا وصَدّقها ........ ما اسْتَرْجَعَ الدَّهْرُ ممَّا كانَ أَعْطاني


قال الحسين : وحدَّثني جماعةٌ من أهل جرجان أَن راوية مسلم جاءه بعد أن تاب ليعرض عليه شعره ، فتغافل مسلم ، ثم أخذ منه الدفتر الذي في يده فقذف به في البحر ، فلهذا قلَّ شعره ، فليس في أيدي النَّاس منه إلاَّ ما كان بالعراق وما كان في أَيدي الممدوحين من مدائحه . وحدَّث الحسين بن دعبل قال : قال أبي لمسلم بن الوليد : ما معنى قولك :


لا تَدْعُ بي الشَّوْقَ إنِّي غير مَعْمُود


قال : لا تدعني صريع الغواني فإنِّي لست كذلك ، وكان يلقب هذا اللقب ، وكان له كارهاً . وحدَّث محمد بن المهنَّا قال : كان العبَّاس بن الأَحنف مع إخوان له على الشَّراب فذكروا مسلم بن الوليد ، فقال بعضهم : صريع الغواني ، فقال العبَّاس : ذلك ينبغي أن يسمَّى صريع الغيلان ، لا صريع الغواني ، وبلغ ذلك مسلماً فقال يهجوه :


بَنو حنيفَةَ لا تَرْضَى الدَّعي بهم ........ فاتْرُكْ حنيفَةَ واطْلُبْ غيرها نَسَبَا فاذْهَبْ فأنتَ طليقُ الحلمِ مُرْتَهَنٌ ........ بسوْرَةِ الجهلِ ما لم أَملكِ الغَضَبَا ارْجِعْ إلى عرَبٍ ترضَى بنسبَتِهِمْ ........ إنِّي أَرَى لكَ خَلْقاً يشبهُ العَرَبَا مُنيتَ منِّي وقدْ جَدَّ الجرَاءُ بنا ........ بغايةٍ مَنَعَتْكَ الفَوْتَ والطَّلَبَا


وكانت وفاته بجرجان وهو يتقلَّد بها عملاً ، يروى أنَّه لما احتضر نظر إلى نخلةٍ لم يكن بجرجان مثلها فقال :


أَلا يا نَخْلَةً بالسَّفْ _ حِ مِنْ أَكْنافِ جُرْجانِ أَلا إنِّي وإيَّاكِ ........ بجُرْجان غَرِيبانِ


ثم مات عند آخرهما ، رحمه الله تعالى !


لَوْ لَمْ تكنْ نِيَةُ الجَوْزاءِ خِدْمَتَهُ ........ لَمَا رَأَيْتَ عليها عِقْدَ مُنْتَطِقِ


البين من البسيط ، وهو مترجم من الفارسيَّة . والجوزاء : برج في السَّماء ، والانتطاق : شد المنطقة ، ونطاق الجوزاء : كواكب حولها . والشاهد فيه : إثبات صفة غير ممكنة لموصوف ، فنية الجوزاء خدمة الممدوح صفة غير ممكنة قصد إثباتها له . ومثله قول التهامي :


لو لمْ يكنْ أقْحواناً ثَغْرُ مبسمها ........ ما كانَ يزْدادُ طِيباً ساعَةَ السَّحَرِ


وقوله أيضاً :


لو لمْ تَكُنْ ريقَتُهُ خَمْرَةً ........ لما تثنَّى غُصْنُهُ وهوَ صاحْ


وقول الأَمير مجير الدين بن تميم في مليح وقاد :


لامُوا على الوَقَّادِ في حُسْنِهِ ........ وحُبُّهُ باللَّوْمِ يزْدادُ لو لمْ يَكُنْ في حُسْنِهِ كوْكَباً ........ ما كانَ أَمْسَى وهوَ وَقَّادُ


وقول السري الرفاء :


مَوْقِفٌ لو لم يَكُنْ ناراً إذاً ........ لم تكنْ زُرْقَ عَواليهِ شَرَرْ


وقول أبي إسحاق إبراهيم الغرناطي :


لَعَمْرُكَ ما ثَغْرهُ باسِمٌ ........ ولكنَّهُ حَبَبٌ لاعِبُ ولوْ لمْ يَكُنْ رِيقهُ مُسْكِراً ........ لمَا دارَ من حَوْلِهِ الشَّارِبُ


وقوله : وكتب به على الكتاب المسمَّى بتاج المفرق :


إنَّ الإمامَ أبا البَقاءِ الأَوَحَدا ........ عَجَب يَعزُّ بمَغْرِبٍ وبمَشْرِقِ لوْ لمْ تكنْ دُرَراً لنا كلماتهُ ........ ما نُظِّمَتْ حَلْياً بتاجِ المَفْرقِ


وما أَحسن قول محمد بن هانئ :


قدْ طَيَّبَ الأَفواه طِيبُ ثنائِهِ ........ من أَجْلِ ذَا تَجِدُ الثُّغورَ عِذابَا


وقول الآخر أيضاً :


قدْ قلتُ إذْ أَبْصَرْتها حاسِراً ........ عنْ ساقها فاضِلَ سِرْبالَها لوْ لمْ تكنْ من بَرَدٍ ساقُها ........ لاحْتَرَقَتْ من نارِ خلْخالها كأَنَّ السَّحَابَ الغُرَّ غَيَّبن تَحْتَها ........ حَبيباً فمَا تَرْقَا لهنَّ مدَامِعُ


البيت لأبي تمَّام الطائي ، من قصيدة من الطويل يمدح بها قومه طيئاً ، أَوَّلها :


أَلا صَنَعَ البيْن الذي هوَ صانِعُ ........ فإنْ تَكُ مِجْزاعاً فما البَيْنُ جازِعُ هُوَ العامُ من أسْماءٍ والعامُ رابعٌ ........ لهُ بلِوَى خَبْتٍ فهلْ أَنْتَ رابِعُ أَلا إنَّ صَدْري من عَزائِي بَلْقَعُ ........ عشيَّةَ شاقَتْني الدِّيارُ البَلاقِعُ


وبعده البيت ، وبعده :


رُباً شَفَعَتْ ريحُ الصّبا لرِياضِها ........ إلى الغَيْثِ حتَّى جادَها وهوَ هامِعُ فبشْر الضُّحى غَدَوْا لهنَّ مُضاحكٌ ........ وجَنْبُ النَّدَى ليلاً لهنَّ مُضاجِعُ كَسَاكَ من الأَنوارِ أَبيضُ ناصِعٌ ........ وأَصفَرُ فقَّاعٌ وأَحمرُ سَاطِعُ لئنْ كانَ أَمْسَى شَمْلُ وحْشِكَ جامِعاً ........ لقدْ كانَ لي شَمْلٌ بأُنْسِكَ جامِعُ


وهي طويلة . والسحاب الغر : جمع أَغر ، وهي الماطرة الغزيرة الماء ، والضمير في تحتها راجع للديار في البيت الذي قبله . والشاهد فيه : التعليل على سبيل الشك ، فإنَّه علَّل شاكًّا نزولَ المطر من السَّحاب بأنَّها غيَّبت تحت تلك الربا حبيباً فهي تبكي عليه . ومنه قول محمد بن أبي زرعة :


كأَنَّ صَبَّيْنِ باتَا طولَ ليْلِهما ........ يستَمْطِران على غُدْرانها المُقَلاَ


ومنه قول أبي الطيب المتنبِّي :


وكأَنَّ كلّ سحَابةٍ وقفتْ بها ........ تبكي بعينيْ عروَةَ بنِ حزامِ


ومنه قوله أيضاً :


رَحَلَ العزاءُ برحْلتي فكأَنَّني ........ أَتبعتُهُ الأَنْفاسَ للتَّشييعِ


ومنه قول بعضهم ، وقد مات صديق له في يوم ماطر :


برُحي الَّذي جاءَ الغمَامُ يعودُهُ ........ فصادَفَهُ نحوَ المنيَّة قدْ سَرَى فما زال يُبدي حُرْقةً وتنهُّداً ........ ويبكي إلى أنْ بلَّ من دَمعهِ الثَّرَى


وقريب منه قول ابن رَشيق ، وقد غاب المعز صاحب إفريقية عن حضرته وكان العيد ماطراً :


تَجَهَّمَ العيدُ وانْهَلَّتْ بَوادرُهُ ........ وكنتُ أَعْهَدُ منه البشر والضحِكَا كأَنَّما جاءَ يَطوي الأَرْضَ من بُعُدٍ ........ شوقاً إليكَ فلمَّا لم يجِدْكَ بكَى


وبديع قول الوزير الأَديب أبي الأصبع بن رشيد ، وقد هطلت بأشبيلية سحابة بقطر أَحمر في يوم السبت الثالث عشر من صفر عام أَربعة وستين وخمسمائة :


لقدْ آنَ للنَّاسِ أَنْ يُقْلِعوا ........ ويَمْشوا على المنهجِ الأَقوَمِ متَى عُهِدَ الغَيْثُ يا غافِلاً ........ كلونِ العَقيقِ أَو العَنْدَمِ أَظُنُّ الغمَائِمَ في جوِّها ........ بكتْ رحمَةً للوَرَى بالدَّمِ


ولنذكر طَرَفاً من محاسن التعليل : فما جاء من ذلك قول البحتري :


ولوْ لمْ يكُنْ ساخِطاً لمْ أَكنْ ........ أَذُمُّ الزَّمانَ وأَشْكو الخُطوبَا


وقول أبي هفان أيضاً :


ولوْ لمْ تُصافحْ رجلُها صفحَةَ الثَّرَى ........ لمَا كنتُ أَدري علَّةً للتيمُّمِ


وقد أخذه ابن رشيق ، فقال :


سأَلتُ الأَرضَ لِمْ كانت مُصَلًّى ........ ولِمْ كانت لنَا طهْراً وطِيبَا فقالتْ غيرَ ناطِقَةٍ : لأنِّي ........ حَوَيْتُ لكلِّ إنسانٍ حَبيبَا


وقول مسلم بن الوليد :


إنْ يقْعُدوا فَوْقي لغيرِ نزاهةٍ ........ وعلوِّ مرتبةٍ وعزٍّ ومكانِ فالنَّارُ يَعْلوها الدُّخانُ وربَّما ........ يَعْلو الغُبارُ عمائم الفرْسانِ


ولمؤلفه في معناه :


إنْ يقعد الجاهِلُ فَوْقي ولمْ ........ يرعَ ذمامَ العلمِ والأَصْلِ فالشَّمْسُ يَعْلو زُحَلٌ فوقَها ........ وهي على الغايَةِ في الفَضْلِ


ومن لطيف حسن التعليل قول ابن المعتز :


قالُوا اشتكتُ عينُهُ فقلتُ لهمْ ........ من كثرَةِ الفتكِ نالَها وَصَبُ حُمْرَتها منْ دِماءِ ما قتلَتْ ........ والدَّمُ في النَّصْلِ شاهدٌ عَجَبُ


وقد أَخذه ابن المعتز من قول الواثق بالله :


لي حَبيبٌ قدْ طالَ شوقي إليهِ ........ لا أُسمِّيهِ من حِذارِي عليهِ لمْ تكنْ عينُهُ لتجحدَ قَتْلي ........ ودَمي شاهِدٌ على وَجنتيهِ


ولأبي خلف العكبري في مثله ، وقيل : لأبي محمد البافي الشافعي :


لم تستعرْ عينهُ من وَرْدِ وَجْنَتِهِ ........ إلاَّ خضاباً وحَاشَاها من الوَصَبِ تَبَيَّنَتْ من محبٍّ كانَ يألفها ........ شَواهدَ الغَدْرِ فاحْمَرَّتْ من الغَضَبِ


ومثله قول بعض الأندلسيِّين :


قالُوا الحَبيبُ شَكا جُعلتُ فداءهُ ........ رَمَداً أَضرَّ بعينيهِ كالعَنْدَمِ فأَجبْتُهمْ ما زال يفتكُ لحظُهُ ........ في مُهْجَتي حتَّى تلطَّخَ بالدُّمِ


وقول أبي الفرج الببغاء :


بنفسيَ ما يشكوهُ مَنْ راحَ طَرْفهُ ........ ونرجسهُ ممَّا زَها حُسْنُهُ وَرْدُ أَراقتْ دَمي ظُلْماً محاسنُ وجههِ ........ فأَضْحى وفي عينيهِ آثارهُ تبدُو غدَتْ عينهُ كالخدِّ حتَّى كأَنَّما ........ سَقَى عينهُ من ماءٍ توريدهُ الخدُّ لئِنْ أَصبحَتْ رَمْداءَ مقلة مالِكي ........ لقد طالما استشفتْ بها مقلٌ رُمْدُ


ومن بديع حسن التعليل قول ابن نباتة السعدي ، في فرس أَدهم محجل القوائم ذي غُرَّة :


ولأدهَمَ يَستمدُّ اللَّيْلُ منهُ ........ وتطلعُ بينَ عينيهِ الثُّرَيَّا سَرَى خلفَ الصَّباحِ يطيرُ رهواً ........ ويطْوي خلفهُ الأَفْلاكَ طَيَّا فلمَّا خافَ وشكَ الفَوْتِ منهُ ........ تَشَبَّثَ بالقوائمِ والمحيَّا


وفي معناه ، وهو جيد إلى الغاية :


وكأَنَّما لطَمَ الصَّباحُ جبينَهُ ........ فاقْتَصَّ منهُ فخاضَ في أَحشائِهِ


وقد أخذه ابن الشهيد الأندلسي ، وقصر عنه بقوله :


وأَغَرُّ قد لبسَ الدُّجَى ........ برداً فراقكَ وهوَ فاحِمْ يَحكي بغُرَّتِهِ هِلا _ لَ الفطْرِ لاحَ لعينِ صائِمْ وكأَنَّما خاضَ الصَّبا _ حَ فجاءَ مبيضَّ القوائِمْ


ولطيف قول ابن قلاقس أيضاً :


وأَدهمَ كالغُرابِ سَوادَ لَوْنٍ ........ يَطيرُ معَ الرِّياحِ ولا جَنَاحُ كساهُ اللَّيْلُ شملتهُ وولَّى ........ فقبَّلَ بينَ عينيهِ الصَّباحُ


وما أَحسن قول ابن القصَّار البغدادي فيه :


أَدهمُ كاللَّيلِ له حُجُولٍ ........ قد غَوَّرْت صبحهُ بلَيْلِهْ كأَنَّما البَرْقُ خافَ منهُ ........ فجاءَ مُستمسِكاً بذَيْلِهْ


وما أَلطف قول التهامي أيضاً :


لوْ لمْ يكنْ رِيقُها خَمْراً لما انتطَقَتْ ........ بلؤلؤٍ من حَبابِ الثَّغْرِ مبتسمِ


وبديع قول الأرجاني في التعليل :


أَبْدَى صَنيعكَ تقصيرَ الزَّمانِ ففي ........ وقتِ الرَّبيعِ طلوعُ الوردِ من خَجَلِ


وقول أبي طالب المأموني يصف داراً من أبيات :


وثَرَاها من عَنْبَرٍ شيب بالمِسْ _ كِ فإِنْ هَبَّتِ الصَّبَا فيهِ فاحَا ما بكاءُ الرِّياضِ بالطَّلِّ إلاَّ ........ خَجَلاً من رياضها وافْتِضاحَا


وقوله أيضاً يمدح :


وما جاراكَ صوبُ المُزْنِ لما ........ جَرَى وجَرَى نداكَ وما حكاكَا ولكنَّ الغمَام عَنَى سُجوداً ........ على وَجْهِ الثَّرَى لمَّا رآكَا


وما أَحسن قول الصلاح الأربلي ، معلِّلاً عدم نزول المطر بأرضِ مصر غالباً :


ما قصرَ الغَيْثُ عن مصرٍ وترْبتها ........ طبعاً ولكنْ تعدَّاكم من الخَجَلِ ولا جَرَى النِّيلُ إلاَّ وهو معترفٌ ........ بسبقكمْ فلذَا يَجْري على مَهْلِ


ويقرب منه قول ابن رشيق القيرواني :


وأَهوَى الَّذي أَهوَى لهُ البدرُ سَاجِداً ........ أَلستَ يرَى في وَجههِ أَثرَ التُّرْبِ


ومن بديع حسن تعليل دنوّ السَّحاب من الأَرض ، قول أبي العبَّاس ابن حديدة اللَّخمي :


يا رُبُ مُثقلةٍ تَنُوءُ بثقلها ........ تَسقي البلادَ بوابِلٍ غَيدَاقِ مَرَّتْ فُوَيقَ الأَرضِ تَسحبُ ذَيْلها ........ والرِّيحُ تحملها على الأَعناقِ ودَنَتْ فكادَ التُّرْبُ ينهضُ نحوَها ........ كنهوضِ مشتاقٍ إلى مُشتَاقِ فكأَنَّما جاءَتْ تقبِّلُ ترْبها ........ أَوْ حاوَلَتْ منها لَذيذَ عِناقِ


وما أَحسن تعليل أبي العلاء المعرِّي في قوله :


وما كَلَفُ البَدْرِ المُنيرِ مذمَّةٌ ........ ولكنَّهُ في وجههِ أَثرُ الدَّمِ


ومن حسن التعليل ، ما أَنشده عبد الملك بن إدريس الحريريّ بديهاً ، وكان بين يدي المنصور أبي عامر في ليلة يبدو فيها القمر تارةً ويختفي بالسَّحابِ تارةً ، وهو :


أَرَى بَدْرَ السَّماءِ يلوحُ حيناً ........ ويبدُو ثمَّ يلتحِفُ السَّحَابَا وذاكَ لأنَّه لمَّا تبدَّى ........ وأَبصرَ وجهكَ اسْتَحْيا وغابَا


ومثله ما حكى أنَّ أَبا الحسن النوبختي ، كان مع جماعة من أَهله ، على سطح ابن سهل النوبختي ، في ليلة من اللَّيالي يشربون ، ومعهم إبراهيم بن زرزر المغني وكان أَمرد حسن الوجه ، وكان في السَّماء غيمٌ ينجاب مرَّة ، ويتَّصل أُخرى ، فانجاب الغيم عن القمر فانبسط ، فقال أبو الحسن النوبختي ، وأَقبل على إبراهيم :


لم يطلعِ البَدْرُ إلاَّ من تَشَوُّقهِ ........ إليكَ حتَّى يُوافي وجهكَ النَّضِرَا


ثمَّ لمَّا غاب القمر تحت الغيم ، قال :


ولا تَغَيَّبَ إلاَّ عندَ خَجلتِهِ ........ لمَّا رآكَ فوَلَّى عنكَ واسْتَتَرَا


ومن رقيق حسن التعليل قول ابن عمار ، حين أُخرج من الأَندلس :


عليَّ وإلاَّ ما بكاءُ الغمَائِمِ ........ وفيَّ وإلاَّ ما صِياحُ الحُمائِمِ وعنِّي أَثارَ الرَّعدُ صرخة طَالبٍ ........ لثأرٍ وهزَّ البرْقَ صفحَةَ صارِمِ وهل لبسَتْ زُهْر النُّجومِ حِدادها ........ لمثليَ أَو قامتْ له في المآتِمِ وهل شَقَّقَتْ هُوجُ الرِّياحُ جيوبَها ........ لغيريَ أَو حنَّتْ حَنينَ الرَّوائِمِ


وما أَرشق قول بعضهم :


لوْ لمْ أُعانق من أُحبُّ بروضَةٍ ........ أَحداقُ نرجسها إلينا تنظُرُ ما شقَّ جيب شَقيقها حسداً ولا ........ باتَ النَّسيمُ بذَيْلِهِ يتعَثَّرُ


ولبعضهم فيه أيضاً :


ولَّما نَضَا وجهُ الرَّبيعِ نقابهُ ........ وفاحَتْ بأَطرافِ الرِّياضِ النَّسائِمُ فطارَتْ عُقولُ الطَّيْرِ لمَّا رأَيْنَهُ ........ وقدْ بُهتتْ من بينهنَّ الحمائِمُ وخفنَ جُنوناً بالرِّياضِ وحسنهَا ........ صدَحْنَ وفي أَعناقهِنَّ التَّمائِمُ


ومنه قول وجيه الأَنصاري :


بروحيَ مَعْشوقُ الجَمَالِ فما لهُ ........ شبيهٌ ولا حبِّهِ ليَ لائِمُ تثنَّى فمتَ الغُصْنُ من حسدٍ لهُ ........ أَلم ترَهُ ناحَتْ عليهِ الحَمائِمُ


ومنه قول بعضهم في الآذريون ، ويسمَّى المنثور الرُّومي ، وهو ينضمُّ ليلاً ، ويتفتَّح نهاراً :


عُيونُ تبْرٍ كأَنَّها سرقتْ ........ سَوادَ أَحداقهَا من الغَسَقِ فإنْ دَجَا لَيلها بظلمتِه ........ ضممْنَ من خوفها على السَّرَقِ


وما أَحسن قول بعضهم :


ورِياضٍ من الشَّقائقِ أَضحَتْ ........ يتهَادَى بها نسيمُ الرِّياحِ زُرْتها والغمَامُ يجلدُ منها ........ زهَراتٍ تفوقُ لَوْنَ الرَّاحِ قلتُ : ما ذَنْبها ؟ فقال مجيباً : ........ سرَقَتْ حُمْرَةَ الخُدودِ المِلاحِ


وما أَظرف قولهم أيضاً :


ومعَذَّرٍ رَقَّتْ حَواشي وجههِ ........ فقُلُوبنا وَجْداً عليه رقاقُ لمْ يكْسُ عارضهُ السَّوادَ وإنَّما ........ نفَضَتْ عليهِ سوادها الأَحداقُ


وقول غوث الدين بن العجمي في العذار ، وفي الخال :


لَهيبُ الخَدِّ حينَ بدَا لعيني ........ هوَى قلبي عليهِ كالفَراشِ فأَحرَقَهُ فصارَ عليهِ خالاً ........ وها أَثرُ الدُّخانِ على الحَواشي


وقول مظفرٍ الأَعمى فيه :


لا تَحْسَبوا شامَةً في خَدِّهِ طُبعتْ ........ على صحيفَةِ خدٍّ راقَ منظرُهُ وإنَّما خدُّهُ الصَّافي تخالُ بهِ ........ سَوادَ عينيكَ خالاً حينَ تنظرُهُ


وما أَلطف قول ابن رشيق في تعليل حمرة الخدّ :


همتْ عذارُهُ بتقْبيلِهِ ........ فاسْتَلَّ من عَينيهِ سيفينِ فذلكَ المُحْمَرُّ من خَدِّهِ ........ دِماءُ ما بينَ الفَريقينِ


ومنه قول ابن حمديس الصقلِّي في الخال :


يا سَالِباً قمَرَ السَّماءِ جَمَالَهُ ........ أَلبَسْتَني في الحبِّ ثوبَ سمائِهِ أَشعلتَ قلبي فارْتَمى بشَرارةٍ ........ علقتْ بخدِّكَ فانْطَفَتْ في مائِهِ


ومن لطيف حسن التعليل ، في خال تحت الحنك ، ما حكاه ابن رشيق ، قال : كنت أُجالس محمد بن حبيب ، وكان كثيراً ما يجالسنا غلامٌ مليح ، ذو خال تحت لحييه ، فنَظَرَ إليَّ ابن حبيب يوماً ، وأَشارَ إلى الخال ثمَّ أَطرقَ ساعة قال : ففهمت منه أنَّه يصنع شيئاً فيه ، فصنعت بيتين ، وأَمسكت عنهما خوف الوقوع دونه ، فلمَّا رفع رأسه قال : اسمع وأَنشد :


يقولونَ لِمْ من تحتَ صفحَةِ خدِّهِ ........ تنزَّلَ خالٌ كان منزلَهُ الخَدُّ فقلتُ رأَى بهْرَ الجَمالِ فَهابَهُ ........ فحطَّ خُضوعاً مثلَ ما خضعَ العَبْدُ


فقلت : أَحسنت أَحسن الله إليك . ولكن اسمع . قال : أَو صنعت شيئاً ؟ قلت : نعم ، وأنشدته :


حبَّذا الخالُ كائناً منه بينَ الخَ _ دِّ والجِيدِ رقْبَةً وحذَارَا رامَ تقبيلهُ اختِلاساً ولكنْ ........ خافَ من لحظِ طَرْفِهِ فتوَارَى


فقال : فضحتني قطع الله لسانك . ولأبي سعيد المغربي وأَجاد :


إنَّ للجبهَةِ في قلبي هَوًى ........ لم يكنْ عنديَ للوجهِ الجميلْ يرقُصُ الماءُ بها من طَرَبٍ ........ ويَميلُ الغُصْنُ للظلِّ الظَّليلْ وتوَدُّ الشَّمْسُ لو باتَتْ بها ........ فلذا تصفَرُّ أَوْقاتَ الرَّحيلْ


ومثله قول بعضهم أيضاً :


نهدٌ يَهيمُ بحُسْنِهِ مَن لوْ لم يَهِمْ ........ ويُجيدُ فيهِ الشِّعرَ مُن لم يشعرِ ما اصفَرَّ وجهُ الشَّمْسِ عندَ غروبها ........ إلاَّ لفرقَةِ حسن ذاكَ المنظرِ


ولعلَّه سرقهُ من قول ابن الرُّومي :


أَمَّا ذُكاءَ فلم تصفرُّ إذْ جنحَتْ ........ إلاَّ لفرقَةِ ذاكَ المنظر الحسنِ


وما أَلطف قول عبد الله بن القابلة البستني :


ووَجْهُ غَزالٍ رَقَّ حُسناً جَمَالهُ ........ يرَى الصَّبُّ فيه وجههُ حينَ ينظرُ تَعَرَّضَ لي عندَ اللِّقاءِ به رَشاً ........ تكادُ الحميَّا من مُحَيَّاهُ تَقْطُرُ ولم يتعَرَّض كي أَراهُ ، وإنَّما ........ أَرادَ يُريني أَنَّ وجهيَ أَصفَرُ


وما أَحسن قول بعضهم في مليح يطيل حمل الكأس ، وقد تشاغل بشم الآس :


حَبيبي وَعَدْتَ الكأْسَ منكَ بقبلَةٍ ........ وأَعقبَ ذاكَ الوعدَ منكَ نِفارُ فأَوقفْتَها تحتَ الرَّجاءِ وقَلْبُها ........ بهِ خوفَ خُلْفِ الوعد منكَ شَرارُ وما كانَ هذا لَوْنها غيرَ أَنَّها ........ عَلاهَا لِطولِ الانتظارِ صَفَارُ


وما أَحلى قول ابن نباتة هنا :


لم يزلْ جودهُ يجورُ على الما _ لِ إلى أن كَسا النضار اصفرَارَا


ولابن الدهان الموصلي :


ترْدِي الكتائبَ كتبه فإذا سرتْ ........ لم تدرِ أنفذَ أسطراً أمْ عسكرَا لم يَحسُن الأترَابُ فوق سطورها ........ إلاَّ لأنَّ الجيشَ يعقدُ عِثْيَرَا


ومن لطيف حسن التعليل ، ما أنشده الملك الأشرف ، شاه أرمن موسى ، في مملوك له جميل ، وقعت عليه شمعة فأصابت شاربه :


وذي هيفٍ زارَني ليلةً ........ فأمسى بهِ الهمُّ في معزلِ فمالت لتقبيلهِ شمعةٌ ........ ولم تخشَ من ذلك المحفلِ فقلتُ لصَحْبي وقد حكَمتْ ........ صوارمُ لحظيهِ في مقتلي أتدرون شمعتَنَا لِمْ هوتْ ........ لتقبيل هذا الرشا الأكحلِ دَرَت أنّ ريقَتَهُ شهدَةٌ ........ فمالت إلى إلفها الأولِ


ومن المضحك فيه قول ابن قلاقس ، في أصفر الوجه ، ذي لحية حمراء :


لئنْ زادَ في ذقنهِ حُمْرَةٌ ........ بما زادَ في الوجهِ من صُفْرَتِهِ فمن كثرة الصفع في رَأسِه ........ تَصَفَّى لهُ الدَّمُ في لحيتهِ


ومن ظريف حسن التعليلُ قول ابن النبيه ، وقد دخل على الصاحب صفى الدين بن شكر في مرضه فوجده قد حُمَّ بقشعريرة :


تبًّا لحماكَ التي ........ أصلَتْ فؤادي وَلَها هَلْ سألتكَ حاجَةُ ........ فأنتَ تهتزُّ لَها


فكانت جائزة هذين البيتين استخدامه على ديوان أوقاف الجامع المعمور بدمشق المحروسة بجراية وافرة وجارٍ موفور .


ومنه قول المتنبي ، مخاطباً لسيف الدولة ، وقد وقعت عليه الخيمة :


رَأتْ لوْنَ نورك في لونها ........ كلون الغزَالة لا يغسلُ وأنَّ لها شرفاً باذِخاً ........ وأنَّ الخيامَ بها تخجلُ فلا تنكرَنَّ لها صرعةً ........ فمن فرَحِ النفس ما يقتلُ


ولصاحب الدوح شاعر الحاكم ، وقد زلزلت مصر في أيامه :


يا لحاكم العدِل أضحى الدينُ معتلياً ........ نجلِ العَلا وَسليلِ السادَة النجبا ما زلزلتْ مصرُ من كَيدٍ يرَادُ بها ........ وإنما رَقصتْ منْ عدلِه طَرَبا


ولشرف الدين التيفاشي في مثله :


أما تَرَى الأرضَ من زلزالها عجباً ........ تدْعو إلى طاعةِ الرحمنِ كلَّ تَقي أضحَتْ كوالدةٍ خَرْقاءَ مُرضعةً ........ أولادَها دَرَّ ثدْيِ حافلٍ غَدِقِ قدْ مَهَّدَتهمْ مِهاداً غيرَ مضْطرِبٍ ........ وأفرَشتهمْ فراشاً غيرَ ما قَلِقِ حتَّى إِذا أبصَرت بعض الذي كرهتْ ........ مما يَشُقُّ منَ الأولاد مِنْ خُلقِ هَزَّتْ بهمْ مَهدَهمْ شيئاً تنبِّهُهُمْ ........ ثم استشاطَتْ وآلَ الطبعُ للخُرُق فصكت المهدَ غضبيَ وهيَ لافظةٌ ........ بعضاً على بعضهمْ منْ شدة النَّزَقِ


ومثله أيضاً قول الحظيري :


يقولُ لي حينَ وافَى ........ قدْ نلْتَ ما ترتجيهِ فما لقلبكَ قد جا ........ بخَفْقَةٍ تعْتَريهِ فقلتُ وصلكَ عُرْسٌ ........ والقلبُ يرقُصُ فيهِ


وفي معناه قول بهاد الدين زهير :


لا تنكُروا خفقانَ قل _ بي والحبيبُ لديّ حاضِرْ ما القلبُ إلاَّ دارُهُ ........ دُقَّتْ لهُ فيها البشائرْ


وما ألطف تعليل خفقان القلب في قول ابن رشيق :


ومُهَفْهفٍ يحميه عن نظرِ الوَرى ........ غَيرَ أن سكنى الملك تحتَ قبابهِ أوْمى إليَّ أنِ ائتني فأتيتهُ ........ والفجرُ يرمقُ من خلال نقابهِ وضممتهُ للصدْر حتَّى استوهبتْ ........ مني ثيابي بعضَ طيبِ ثيابهِ فكأن قلبي منْ وَراء ضلوعهِ ........ طرَباً يخَبرُ قلبهُ عما بهِ


ومن لطيف حسن التعليل ، وهو قريب من هذا المعنى ، قول ابن بقي الأندلسي :


بأبي غَزالاً غازلتهُ مُقلتي ........ بينَ العُذَيْبِ وبينَ شطي بارِقِ وسألتُ منهُ زيادة تشفي الجوَى ........ فأجابني منها بوعدٍ صادقِ بتنا ونحنُ من الرَّجا في خَيْمَةٍ ........ ومن النجوم الزهر تحتَ سرادقِ عاطَيْتُه والليلُ يَسحب ذيْلَهُ ........ صهباءَ كالمسكِ الفتيق الناشقِ وضَممتُه ضَمَّ الكميِّ لسَيْفِهِ ........ وذؤابتاهُ حمائلٌ في عاتقي حتَّى إِذا مالَتْ به سنَةُ الكَرَى ........ زحزحتهُ شيئاً وكان مُعانقي أبْعَدْتهُ عن أضْلُعٍ تشتاقهُ ........ كي لا ينامَ على وسادٍ خافقِ


وقد ناقض ابن عيال اللبيب البيتَ الأخير والذي قبله بقوله :


إن كانَ لا بدَّ من رُقادِ ........ فأضلعي هاكَ كالوِسادِ قمْ على خَفْقِها هدوًّا ........ كالطفلِ في هزَّةِ المِهادِ


وقد تعصب لابن بقي قوم ، ولابن عيال آخرون ، وقالوا : إن بيتي ابن بقي عليهما اعتراضان : الأول : إفحاشه العبارة بقوله أبعدته وكان ينبغي أن يقول أبعدت عنه أضلعاً ، والثاني : ما ذكره ابن عيال ، فقال المتعصبون لابن بقي : أما الاعتراض الأول فمسلَّم ، وأما الثاني فممنوع ، فإن شعر ابن بقي يدل على أن خفقانه لكثرة قوته مما يمنع النوم ، بخلاف ما ذكره ابن عيال ، فإن تشبيهه بتحريك المهد يقتضي أنه يسير ضعيف ، ويدل عليه قوله هدوّا فقول ابن بقي أدل على قوة المحبة والشفقة على المحبوب والرفق به ، وقد سئل ابن فضل الله عن فضل الحكومة بينهما فأجاب بقوله :


قولُ ابن بقي عليهِ مأخذٌ ........ لكنهُ قول المحبِّ الوامِقِ يكفيهِ في صدق المحبةِ قولهُ ........ زحزحتهُ شيئاً وكان معانقي وأرادَ شيئاً ما ليهْدَأ في الكَرَى ........ كي لا ينامَ على وسادٍ خافقِ ما حُبُّهُ كذبٌ كدعوَى غيرهِ ........ ما الكاذب الدعوى نظيرُ الصادقِ تالله ما هذا فؤادُ مُتَيَّمٍ ........ كلا ولا هذا المَقالُ بلائِقِ ولَقَوْلُ من قد قال إن ضُلوعَه ........ خفقانُها كالمهدِ غيرُ موافِقِ ما الحبّ إلاَّ تذل مالَ له الحشا ........ وببره يهدَا فؤاد العاشقِ


وقد رد الصلاح الصفدي على ابن بقي بقوله :


أبعدتَهُ من بعد ما زَحْزَحْتَهُ ........ ما أنتَ عند ذوي الغرام بعاشِقِ هذا يدُلُّ الناسَ منك على الجَفا ........ إذْ لَيْسَ هذا فعلَ صَبّ وامقِ إن شئتَ قلْ أبْعَدْتَ عنهُ أضالعي ........ ليكونَ فعْلَ المُسْتَهام الصَّادقِ أو قُلْ فبات على اضْطِراب جوانحي ........ كالطفل مضطجعاً بمهْدٍ خافقِ


ومن بديع حسن التعليل في العذار قول ابن عبد ربه :


يا ذا الذي خَطَّ العذارُ بخَدِّه ........ خطين هاجا لوْعَةً وبلابلا ما كنتُ أقْطَعُ أن لحظكَ صارم ........ حتَّى رأيتُ بعارضَيكَ حمائِلا


ومثله في الحسن قوله أيضاً في العذار :


ومُعَذَّرٍ نَقَشَ الجمالُ بخطه ........ خدًّا له بدم القلوب مُضَرَّجا لما تيقَّنَ أن عضْبَ جفونه ........ من نرجس جعل النجاد بنفسجا


وينظر إلى البيتين الأولين قول علي بن حسن الإشبيلي :


غزالٌ كحيلٌ له ريقةٌ ........ يشابُ بها المسكُ والقرقَفُ كأن العذار على خده ........ نجادٌ ومقلته مرهفُ


ومثله قول ابن رشيق أيضاً :


وأسمرُ اللونِ عَسْجَدِيٍّ ........ يكاد يَسْتَمطر الجهاما ضاقَ بحمل العِذارِ ذَرْعاً ........ كالمهر لا يعرف اللجاما ونكس الرأس إذْ رآني ........ كآبةً واكتسى احْتشاما وظنَّ أن العذارَ مما ........ يزيح عن قلبيَ الغراما وما دَرَى أنهُ نباتٌ ........ أنْبَتَ في جِسميَ السقاما وهل ترى عارضيه إلاَّ ........ حمائلاً حملتْ حُساما


ومثله قول ابن جكينا البغدادي :


تبرَّمَ بالعذارِ وظَنَّ أني ........ أُقاطِعُهُ وأخْرُجُ من يديهِ وخافَتْ عارضاهُ خلاص قلبي ........ من التبريح فانغلقت عليه


وما أحسن قول ابن الشقاق أيضاً :


بخدِّ أحمد للأبصارِ مُعْتَبِرٌ ........ عِذار مسكٍ جرى في صفحَتي برَد كأنَّ وجْنتُه من حُسنه خجلتْ ........ واسْوَدَّ عارضُه من شدَّة الحسد


ولطيف قول ابن الخباز في العذار والخال :


ولي كاتبٌ أضْمَرْت في القلب حبّه ........ مخافة حسّادي عليه وعُذّالي له صنعةٌ في خطِّ لام عذاره ........ ولكن سَها إذْ نَقَّطَ اللام بالخالِ


وما أبدع تعليل ابن اللبانة للعذار بقوله :


بدا على خده عذارٌ ........ بمثله يُعْذر اللبيبُ وليس ذاك العذارُ شَعْراً ........ لكنما سرُّهُ غريبُ لما أراق الدماء ظلماً ........ بدتْ على خَدِّهِ الذنوبُ


وهذا كقول عبد الجليل المرسي أيضاً :


فطوَّقهُ الزَّمانُ بما جناهُ ........ وعَلّق في عذاريه الذُّنوبا


ومن لطيف حسن التعليل قول ابن رشيق في العذار :


خطَّ العذارُ لهُ لاماً بصفحتهِ ........ من أجلها يستغيثُ الناسُ باللاَّم


وقد تفنن الشعراء في تشبيه العذار باللام ، وقد عكس ابن غالب وأبدع وأبعد حيث قال :


سأصنَعُ في ذم العذار بدائعاً ........ فمن شَاءَ يقضي بالدليل كما أقضي ألا إنهُ كاللام واللامُ شأنُها ........ إِذا التصقت بالاسم آل إلى الخفضِ


فاجعله محتملاً لما شئت من الذم : إن شئت وجهت الخفض لانخفاضه للعمل المطلوب منه ، وإن شئت جعلته انخفاض حاله . رجع إلى حسن التعليل .


ومن لطيف حسن التعليل ما جاء فيه قول السراج الورَّاق في العذار :


وفاتك يَجْرَحُ سيْفُ لحظِهِ ........ مجَرَّداً من جَفنهِ ومُغمدا خافَ على خَدَّيه من لحاظِهِ ........ فبات في عِذارِه مزرَّدا


ومنه قول ابن جكينا البغدادي :


عيناكَ ترمي قلبي بأسهُمِها ........ فما لخدَّيك تلْبَسُ الزَّرَدا ريقَتهُ الشّهدُ والدليل على ........ ذلك نَمْلٌ بخَدِّه صَعَدا


وما أحسن قول ابن معد القيرواني فيه :


أطْلَعَ الحسنُ من جَبينك شمساً ........ فوقَ وردٍ من وجنَتيك أطَلاَّ فكأنَّ العِذارَ خاف على الوَرْ _ دِ ذبولاً فمدَّ بالشَّعْرِ ظِلاَّ


وللأمير سيف الدين المشد أيضاً :


يا من عذارُهُ وأصداغُهُ ........ حدائقٌ هِمْتُ بأزهارها لو لم يكن خدك لي كَعبةً ........ لما تَعَلَّقْتُ بأستارها


ولأبي هلال العسكري في حسن التعليل أيضاً :


ومُهفهفٍ قال الإلهُ لِحُسْنِهِ ........ كُنْ فتنةً للعالمينَ فكانَهُ زعَمَ البَنفسَجُ أنهُ كعِذاره ........ حَسداً فسلُّوا من قَفاهُ لِسانَهُ


ولبعضهم :


أتتني تُؤَنبني بالبكا ........ فأهلاً بها وبِتأنيبها تقولُ وفي قَوْلها حشمةٌ ........ أتبكي بِعيْنٍ تَراني بها فَقلتُ إِذا استَحْسَنت غيْرَكُمْ ........ أمَرْتُ الدُّموع بتأديبِها


ولابن الخازن أيضاً :


لوْ فاخَرَتْ ذاتُ العِمادِ بُيوتَها ........ عادَتْ مُقَوَّضةً بغيرِ عِمادِ لا تكْذبنَّ فما لها دار إِذا ........ أنْصَفتني إلاَّ صميمُ فؤادي فَلِذاك لا تَسْقي السَّحائِبُ أرضها ........ إلاَّ يَزِدْنَ حَرارةَ الأكبادِ


ولابن قلاقس في بركة عليها قبة مذهبة :


فَسقِيَّةٌ نُصبتْ عليها قُبَّةٌ ........ تَزْهو بإبريز لها مُتَوقدِ لوْ لم يكنْ مَلِك على أرْجائها ........ ما شُرِّفتْ بمظلَّةٍ من عَسْجَدِ


ولابن الساعاتي أيضاً :


لا تَعْجَبنَّ لِطالبٍ بَلَغ المُنَى ........ كهلاً وأخفَقَ في الشَّبابِ المُقبلِ فالخمرُ تَحكم في العُقول مُسِنَّةً ........ وتُداسُ أوَّل عَصْرِها بالأرجُلِ


ولبعضهم يرثي ابن البواب الكاتب :


استَشْعَر الكُتَّابُ فَقْدَكَ سالِفاً ........ وقَضَتْ بِصحّةِ ذلكَ الأيامُ فلِذاكَ سُوِّدتِ الدُّوِيُّ كآبةً ........ أسفاً عَلَيك وشُقّتِ الأقلامُ


ولصرَّدُ في جارية سوداء :


عُلِّقتها سَوْداء مَصقولة ........ سَوادُ قلبي صفَةٌ فيها ما انكَسَفَ البدرُ على تِمِّه ........ ونورهِ إلاَّ لِيَحكيها لأجلها الأزْمانُ أوقاتُها ........ مُؤَرَّخات بلياليها


وبديع في معناه قول ابن رشيق أيضاً :


دَعا بِكِ الحُسْنُ فاستَجيبي ........ يا مِسكُ في صِبْغَةٍ وطيبِ تيِهي على البيض واسْتَطيلي ........ تيهَ شبابٍ على مَشيبِ ولا يَرُعْكِ اسْوِدادُ لوْنٍ ........ كمُقلَةِ الشادِنِ الرّبيبِ فإنَّما النُّورُ عن سَوادٍ ........ في أعيُنِ الناس والقُلوبِ


وقد أخذه ابن قلاقس فقال :


رُبّ سوْداءَ وهيَ بيضاءُ معنى ........ نافَسَ المِسك في اسمِها الكافورُ مثلُ حبِّ العُيون يَحْسبهُ النّا _ سُ سواداً وإنما هوَ نورُ


والأصل في هذا المعنى قول الوزير المهلبي :


وسمَّوْهُ مع القُرْبى غَريباً ........ كَنور العين سَمّوْهُ سَوادا


وما أحسن تعليل اليغموري بقوله :


أنا مِرآةٌ فإنْ أبصرْتمُ ........ حَسَناً أنتمْ بها ذاكَ الحَسَنْ أو تَرَوْا ما ليسَ يُرْضيكم فَقد ........ صدئَتْ إذْ لم ترَوْها من زمنْ


وفي معناه قول ابن اللبانة :


زادوا جفاءً فانتَقَصَتْ مَوَدّةً ........ ومنَ الزِّيادة موجبُ النُّقْصانِ أنا مثلُ مرآةٍ صقيلٍ صفحُها ........ ألقى الوجوه بمثل ما تلقاني


ومن لطيف حسن التعليل قول الصفي الحلي :


وعدْتَ جَميلاً فأخلفْتهُ ........ وذلك بالحُرِّ لا يجْمُلُ وقُلت بأنكَ لي ناصِرٌ ........ إِذا قابل الجحفَلَ الجحفَلُ وكم قَد نصرْتُك في كرَّةٍ ........ تكسَّرَ فيها القنا الذُّبّلُ ولستُ أمُنّ بفضليَ عليكَ ........ فأعجَبُ بالقَوْل إذْ أعجلُ كما قالهُ الباز في عِزّةٍ ........ بهِ حينَ فاخَرَهُ البُلبُلُ وقالَ أراكَ جَليسَ المُلوك ........ ومِنْ فَوْق أيديهمُ تحمَلُ وأنت كما علموا صامتٌ ........ وعن بَعْض ما قُلتهُ تنكل وأحبَسُ مع أنني ناطقٌ ........ وحاليَ عِنْدَهُم مُهْملُ فقالَ صدقت ولكِنّهُم ........ بذا عَرَفوا أينا الأكملُ لأني فَعلتُ وما قُلتُ قط ........ وأنتَ تقولُ ولا تَفْعَلُ


ولابن القيسراني أيضاً :


هذا الذي سلبَ العُشّاق نَوْمَهُمُ ........ أما تَرى عَيْنُه مَلأ من الوَسن


وللخباز البلدي أيضاً :


ليْلُ المحبين مطويٌّ جوانبُهُ ........ مشمِّرُ الذّيل منسوبٌ إلى القصر إِذا الحبيبان باتا تحت جانبه ........ غابَتْ أوائله في آخر السَّحر ما ذاكَ إلاَّ لأن الصُّبْح نمَّ بنا ........ فأطلع الشّمس من غيظٍ على القمر


ولصدر الدين بن الوكيل :


لم يُصْلب الراووقُ إلاَّ عِنْدما ........ قطع الطَّريق على الهُموم وساقَها


وهو من قول سيف الدين المشد في مليح نصراني :


يصبو الحَبَابُ إلى تقبيل مَبْسمِهِ ........ وتكتسي الرّاحُ من خدّيهِ أنوارا من أجلهِ أصْبَحَ الرّاووق منعكفاً ........ على الصَّليب وشدّ الكاس زنارا


وما أحسن قول صدر الدين بن الوكيل أيضاً :


أرَقْتُ دم الرّاووق حلاًّ لأنني ........ رأيت صليباً فوقه وهوَ مشرك وزَوَّجْت بنت الكرْم لابن غمامةٍ ........ فصحّ على التّعْليق والشرطُ أمْلَكُ


وما أحسن قول ابن دانيال فيما ينقش على مشراط حجام ، وضمنه المثل الذي أتى به صدر الدين بن الوكيل حيث قال :


أنا لا أُكَلِّمُ واصباً ........ إلاَّ بإذن منه يُملَكُ شَرْطي شفاءُ الهالكينَ ........ من الأذى والشّرْط أملكُ


وقد ذكرت بهذين البيتين بيتين قلتهما قديماً وهما :


بي من الحَبْش غادةً ........ وصفها لَيْسَ يُدْرَكُ مَلكَ القلبَ شرطُها ........ وكذا الشّرْطُ أملكُ


رجعنا إلى حسن التعليل . ولابن سناء الملك فيه :


يا بأبي مَنْ ذِكْرُه في الحشا ........ ضيفي وذِكري في الحَشا ضيفُهُ لا تحسبوني ناعساً إنَّما ........ سَجَدْتُ لما مَرَّ بي طَيفهُ أحلامُكمْ لِسَقامِ الجهلِ شافيةٌ ........ كما دِماؤكُم تَشْفي مِنَ الكلَبِ


البيت للكميت الشاعر ، من قصيدة من البسيط ، أولها :


هَلْ للشبابِ الذي قد فاتَ من طلب ........ أمْ ليسَ غابرُهُ الماضي بمنقلبِ دَعِ البكاءَ على ما فاتَ مَطلبهُ ........ فالدَّهرُ يأتي بألوانٍ منَ العجبِ


والأحلام : جمع حلم - بالكسر - وهو الأناة والعقل ، والكَلَبُ : جنون الكلاب المعتري من أكل لحم إنسان ، وشبه جنونها المعتري للإنسان من عضها ، أو هو داء لا يصبر الإنسان معه عن الأكل ساعة واحدة ، ولا دواء له أنجح من شرب دم ملك . قال ابن الأعرابي : كانت العرب تقول : من أصابه الكَلَبُ والجنون لا يبرأ منه ، إلاَّ أن يسقى من دم ملك ، فهو يقول : إن ممدوحيه أربابَ العقول الراجحة ملوكٌ وأشراف .


ومثله قول الحماسي ، وهو القاسم بن حنبل المزني حيث قال :


بُناةُ مكارمٍ وأُساةُ كَلْمٍ ........ دماؤكم من الكلَبِ الشفاءُ


وقول عبد الله بن الزَّبير الأسدي في عبيد الله بن زياد :


من خير بيتٍ علمناه وأكرمِهِ ........ كانتْ دماؤهُم تشفي من الكلَبِ


وقريب من معناه قول العباس بن مرداس :


وإني منَ القوم الذينَ دماؤهمْ ........ شفاءٌ لطلاب التراب من الوَغْم


وقول البحتري مهنئاً من افتصد :


لِيَهْنكَ البرْءُ مما كنتَ تألمهُ ........ وليهنك الأجرُ عقبى صائب الوصبِ لئنْ فُصِدْتَ ابتغاء البرْءِ من سَقَمٍ ........ فقد أرَقْتَ دماً يشفي من الكَلَبِ


والشاهد في البيت : التفريع ، وهو : إثبات حكم لمتعلق أمر بعد إثباته لمتعلق له آخر ، على وجه يشعر بالتفريع والتعقيب ، فها هنا فَرَّعَ على وصفهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهل ، وَصْفَهم بشفاء دمائهم من الكلب . ومن التفريع قول الشريف الرضي :


إِذا فاتَ شيءٌ سمعَهُ دلَّ أنفهُ ........ وإن فاتَ عينيهِ رَأى بالمسامعِ


وقول ابن المعتز أيضاً :


كلامُه أخدعُ منْ لحظهِ ........ ووَعدُهُ أكذبُ من طيفهِ


فبينا هو يصف خدع كلامه فرع خدع لحظه ، وبينا هو يصف كذب وعده فرع كذب طيفه . وقوله أيضاً يصف ساقي كأس ، حيث قال :


فكأنَّ حمرة لونها من خدّه ........ وكأنَّ طيبَ نسيمها من نَشرهِ حتَّى إِذا صب المزاجُ تبسمتْ ........ عنْ ثغرها فحسبتهُ من ثغره


ومن التفريع الجيد قول الصَّنوبري :


ما أخطأت نوناتهُ من صدغه ........ شيئاً ولا ألفاتهُ من قدّه وكأنما أقلامهُ من شَعْرهِ ........ وكأنما قرطاسهُ من جلده


وشتان ما بين هذا الوصف وقول الآخر يهجو كاتباً ، أنشده الصولي في أبيات :


كأنّ دواتَهُ من ريقِ فيهِ ........ تُلاقُ فنَشْرُها أبداً كريه


ومنه قول ابن النطاح يصف البحر :


يا مادح البحر وهوَ يجهلهُ ........ مهلاً فإني قتلتهُ عِلْما مكسبه مثل قعره بعداً ........ ورزقهُ مثل مائه طَعْما


وذكرت بهذين البيتين ، قول ابن رشيق في ذم البحر وركوبه :


البحرُ صعْبُ المرام مُرٌّ ........ لا جُعِلَتْ حاجتي إليه أليس ماءً ونحنُ طينٌ ........ فَما عسى صَبْرُنا عليه


قال ابن حمديس : اجتمعت مع أبي الفضل الكاتب جعفر بن المقترح بسبتة ، فذكر لي بيتي ابن رشيق ، ثم قال لي : أتقدر على اختصار هذا المعنى ؟ قلت : نعم أقدر على ذلك ، وأنشدته :


لا أركبُ البحر خوفاً ........ عليَّ منهُ المعاطب طينٌ أنا وهوَ ماءٌ ........ والطينُ في الماء ذائب


فاستحسن ذلك إذْ كان على الحال ، وأقام عني أياماً ثم اجتمعت به فأنشد لنفسه في المعنى :


إنّ ابن آدم طينٌ ........ والبحرُ ماءٌ يذيبُهْ لولا الذي فيه يُتْلى ........ ما جازَ عندي رُكوبُهْ


فأنشدته لي فيه :


وأخضر لولا آيةٌ ما رَكبتهُ ........ ولله تصريفُ القضاء بما شَاءَ أقولُ حذاراً من ركوب عُبابه ........ أيا ربِّ إنَّ الطين قد ركب الماءَ


ومن التفريع قولُ كشاجم :


شيخٌ لنا من مشايخ الكوفة ........ نسبتهُ للمريض مَوْصوفهْ لو حوَّل الله قملُه غَنَماً ........ ما طمع الكلب منهُ في صوفَهْ


ومن المستحسن فيه قول الخوارزمي :


سَمْحُ البديهة ليس يمسك لفظهُ ........ فكأنما ألفاظهُ من مالهِ وكأنما عزماتهُ وسيوفهُ ........ من حَدِّهنَّ خُلِقْنَ من إقباله متبسمٌ في الخطب تحسبُ أنهُ ........ تحت العجاج ملثمٌ بفعاله


ومثله قول ابن جابر :


كريمٌ شكتْ أموالهُ من سَماحِهِ ........ كما قد شكتْ أعداؤهُ من سِنانِهِ فلوْ لمْ يُبِدْ جمع العداة برمحه ........ لأغرقهمْ بحر الندى من بنانه


وقوله أيضاً :


يزيّن منها الخصرَ لطفٌ ورقة ........ كرِقَّةِ معناها ولطف جوابها وتسمعنا حلو الجواب كأنما ........ قَدِ امتزجتْ ألفاظها برُضابِها


وقوله أيضاً :


خضبتْ أناملَها فخلنا أنها ........ مخضوبةٌ من حمرةٍ في خدّها ويكون قائم نَهْدِها رُمانةً ........ حَقَّقْتُ أنَّ الغصنَ مُشبه قدْها


ولأبي جعفر الأندلسي أيضاً :


وكيفَ يكونُ الصبرُ عنها لعاشقٍ ........ وقدُ حُكِّمَتْ ألحاظها في فؤاده إِذا أرسلتْ سودَ الغدائر خلتها ........ صبغن بما في طرْفِها منْ سواده


ومن التفريع أيضاً قول العسجدي :


رأيتَهُ ممتطياً أشهبا ........ يحملُ بازاً حمل قفازه وطِرْفُهُ أسبق من طَرْفِهِ ........ ولحظهُ أصيدُ من بازه


ومنه قول المتنبي على غير هذا النظام :


أسيرُ إلى أقطاعه في ثيابه ........ على طِرْفه من داره بحسامه وما مطرتنيه من البيض والقَنا ........ وروم العِبِدَّى هاطلات غمامه


وهذا التفريع تناوله من قول أبي تمام :


وقالوا فما أولاك صِفْ بعضَ فعله ........ فقلت لهم من عِنده كلُّ ما عندي


وأصله قول أبي نواس يصف كلب صيد :


أنعَتُ كلباً أهلهُ في كدّهِ ........ قد سَعِدَتْ جُدودُهمْ بجدِّه وكلُّ خيرٍ عندهم من عندِه ........ وكلُّ رِفْدٍ عندَهمْ من رَفْدهِ


وأخبث ما سمع في باب التفريع ، قول ابن الرومي ، يهجو رجلاً :


لهُ سائِسٌ ماهرٌ ........ يجولُ على متنهِ ويطعنُ في دُبرهِ ........ أفانينَ من طَعْنهِ بأطولَ من قَرْنهِ ........ وأغلظ من ذهنهِ


والكميت : هو ابن زيد الأسدي ، شاعر مقدم ، عالم بلغات العرب ، خبير بأيامها ، فصيح ، من شعراء مضر وألْسِنتها ، والمتعصبين على القحطانية المقارنين المقارعين لشعرائهم ، العلماء بالمثالب والأيام ، المفاخرين بها . وكان في أيام بني أمية ، ولم يدرك الدولة العباسية ، ومات قبلها ، وكان معروفاً بالتشيع لبني هاشم ، مشهوراً بذلك ، وقصائده الهاشميات من جيد شعره ومختاره . قال ابن قتيبة : وكان بين الكميت والطرماح خلطة ومودة وصفاء لم يكن بين اثنين ، حتَّى إن راوية الكميت . قال : أنشدت الكميت قول الطرماح :


إِذا قُبِضَتْ نفسُ الطرماحِ أخلَقتْ ........ عُرى المجدِ واسترخى عِنانُ القصائدِ


فقال الكميت : إي والله وعنان الخطابة والرواية .


قال : وهذه الأحوال بينهما على تفاوت المذاهب والعصبية والديانة ، وكان الكميت شيعياً عصبياً عدنانياً من شعراء مضر متعصباً لأهل الكوفة ، والطرماح خارجياً صفرياً قحطانياً عصبياً لقحطان من شعراء اليمن متعصباً لأهل الشام ، فقيل لهما : ففيم اتفقتما هذا الاتفاق مع سائر اختلاف الأهواء ؟ قال : اتفقنا على بغض العامة .


وحدَّث محمد بن أنس السلامي ، قال : سئل معاذ الهراء : مَنْ أشعر الناس ؟ قال : من الجاهليين ، أم من الإسلاميين ؟ قالوا : بل من الجاهليين ! قال : امرؤ القيس وزُهير وعبيد بن الأبرص ، قالوا : فمن الإسلاميين ؟ قال : الفرزدق ، وجرير ، والأخطل ، والراعي ، فقيل له : يا أبا محمد ، ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت . قال : ذاك أشعر الأولين والآخرين ! .


وحدَّث محمد بن النوفلي قال : لما قال الكميت بن زيد الشعر كان أول ما قال الهاشميات ، فسترها ، ثم أتى الفرزدق ، فقال له : يا أبا فراس : إنك شيخ مضر وشاعرها ، وأنا ابن أخيك الكميتُ بن زيد الأسدي ، قال له : صدقت أنت ابن أخي ، فما حاجتك ؟ قال : نفث على لساني ، فقلت شعراً فأحببت أن أعرضه عليك ، فإن كان حسناً أمرتني بإذاعته ، وإن كان قبيحاً أمرتني بسَتْره ، وكنت أولى من ستره عليَّ ، فقال له الفرزدق : أما عقلك فحسن ، وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك ، فأنشدني ما قلته ، فأنشدته :


طربتُ وما شوقاً إلى البيضِ أطْربُ


فقال لي : ففيم تطرب يا ابن أخي ؟ فقلت :


ولا لعباً مني وَذو الشوقِ يلعبُ


فقال : يا ابن أخي فالعب فإنك في أوان اللعب ، فقلت :


ولمْ تُلهني دارٌ ولا رسمُ منزل ........ ولم يتَطَرّبْني بنانٌ مخضَّبُ


فقال : ما يطربك يا ابن أخي ؟ فقلت :


ولا السانحاتُ البارحاتُ عشيةً ........ أمرَّ سليمُ القَرْنِ أمْ مرَّ أعضَبُ


فقال : أجل لم تتطير ، فقلت :


ولكن إلى أهلِ الفضائلِ والنُهَى ........ وخير بني حوَّاء والخيرُ يطلبُ


فقال : مَن هؤلاء ويحك ؟ فقلت :


إلى النَّفَرِ البيضِ الذينَ بحبهمْ ........ إلى الله فما نابني أتقرّبُ


فقال : أرحني ويحك مَنْ هؤلاء ؟ فقلت :


بني هاشم رَهطِ النبيِّ فإنني ........ بهمْ ولَهُمْ أرضى مراراً وأغضبُ خفضت لهم مني جناحَيْ موَدَّةٍ ........ إلى كنفٍ عطفاه أهلٌ ومرحَبُ وكنت لهمْ من هؤلاء وهؤلا ........ مِجَنًّا على أنّي أذمُّ وأُقصبُ وأرمي وأرْمي بالعداوَةِ أهلها ........ وإني لأوذَى فيهمُ وأؤنبُ


فقال له الفرزدق : يا ابن أخي ، أذع ثم أذع . فأنت والله أشعر من مضى ومن بقي .


وحدث إبراهيم بن سعد الأسدي ، قال : سمعت أبي يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقال لي : من أيِّ الناس أنتَ ؟ قلت : من العرب ، قال : أعلم فمن أيّ العرب أنت ؟ قلت : من بني أسد ، قال : من أسد بن خزيمة ؟ قلت : نعم ، قال : أهلاليٌّ أنت ؟ قلت : نعم ، قال : أتعرف الكميت بن زيد ؟ قلت : يا رسول الله ، عمي ومن قبيلتي . قال : أتحفظ من شعره شيئاً ؟ قلت : نعم ، قال : أنشدني :


طربتُ وما شوقاً إلى البيضِ أطرَبُ


قال : فأنشدته حتَّى وصلت إلى قوله :


فما ليَ إلاَّ آل أحمد شيعةٌ ........ وما لي إلاَّ مشعب الحق مشعبُ


فقال لي : إِذا أصبحت فاقرأ عليه السلام وقل له : قد غفر الله لك بهذه القصيدة .


وحدَّث نصر ابن مزاحم المنقري أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ورجل بين يديه ينشده :


مَنْ لقلبٍ متيم مستهامِ


قال : فسألت عنه ، فقيل لي : هذا الكميت بن زيد الأسدي . قال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "جزاك الله خيرا"ً ! وأثنى عليه .


وحدَّث محمد بن سهل صاحب الكميت قال : دخلت مع الكميت على أبي عبد الله جعفر بن محمد في أَيام التشريق فقال له : جعلت فداك ألا أَنشدك ، فقال إنَّها أَيَّامٌ عظامٌ ، قال : إنَّها فيكم ، قال : هات ، وبعث أبو عبد الله إلى بعض أَهله ، فقرَّب ، فأنشده ، فكثر البكاء ، حتَّى أتى على هذا البيت :


يُصيبُ بهِ الرَّامُونَ عن قَوْسِ غيرِهم ........ فيا آخِراً أَسْدَى له الغَيُّ أَوَّلُ


فرفع أبو عبد الله رحمه الله تعالى يديه فقال : اللهمَّ اغفر للكميت ما قدَّم وما أخَّر وما أسرَّ وما أعلن ، وأعطه حتَّى يرضى .


وحدَّث صاعد مولى الكميت قال : دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي ، فأنشده الكميت قصيدته التي أولها :


منْ لقلْبٍ مُتَيَّمٍ مُسْتهامِ


فأَمر له بمال وثياب ، فقال الكميت : والله ما أحببتكم للدُّنيا ، ولو أردت الدُّنيا لأتيت من هي في يديه ، ولكنَّني أحببتكم للآخرة ، فأمَّا الثياب التي أصابت أجسامكم فأنا أقبلها لبركاتها ، وأمَّا المال فلا أقبله ، فردَّه وقبل الثياب . قال : ودخلنا على فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهما فقالت : هذا شاعرنا أهل البيت ، وجاءت بقدح فيه سويق فحرَّكته بيدها وأَسقته الكميت ، فشربه ، ثم أَمرت له بثلاثين ديناراً ومركب ، فهملت عيناه وقال : لا والله لا أقبلها ، إنِّي لا أحبكم للدُّنيا . وكان خالد بن عبد الله القسري قد أنشد قصيدة الكميت التي يهجو فيها اليمن ، وهي التي أوَّلها :


أَلا حُيِّيتِ عنَّا يا مَدِينَا


فقال : فَعَلَهَا ؟ والله لأقتلنه ، ثم اشترى ثلاثين جارية بأغلى ثمن وتخيرهن نهايةً في الحسن والكمال والأَدب ، فروَّاهنّ الهاشميَّات ، ودسهنّ مع نخَّاس إلى هشام ابن عبد الملك ، فاشتراهنّ جميعاً ، فلمَّا أنسنا به واستنطقهن رأَى منهن فصاحةً وأدباً ، فاستقرأهنّ القرآن فقرأن ، واستنشدهنّ الشعر فأنشدن قصائد الكميت الهاشميات ، فقال هشام : ويلكنّ ! من قائل هذا الشعر ؟ قلن : الكميت بن يزيد الأسدي ، قال : وفي أي بلدٍ هو ؟ قلن : بالعراق ثم بالكوفة ، فكتب إلى خالد عامله في العراق : ابعث إليَّ برأس الكميت بن يزيد ، فلم يشعر الكميت إلاَّ والخيل محدقة بداره ، فأُخذ وحُبس في الحبس ، وكان أبان بن الوليد عاملاً على واسط ، وكان الكميت صديقه ، فبعث إليه بغلام على بغل ، وقال له : أَنت حرّ إن لحقته ، والبغل لك ، وكتب له : أمَّا بعد فقد بلغني ما صرت إليه ، وهو القتل إلاَّ أن يدفع الله عزّ وجلّ ، ورأَى لك أن تبعث إلى حُبَّى - يعني زوجة الكميت وكانت ممَّن يتشيَّع أيضاً - فإذا دخلتْ عليك تنقبت نقابها ولبست ثيابها وخرجت ، فإني أَرجو الأوبة لك ، قال : فركب الغلام البغل وسار بقية يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصحبها فدخل الحبس متنكراً وخبر الكميت بالقصة ، فبعث إلى امرأته وقصَّ عليها القصة ، وقال لها : أَي ابنة عم ، إنَّ الوالي لا يقدم عليك ولا يسلمك قومك ، ولو خفت عليك ما عرضتك له ، فألبسته ثيابها وإزارها وخمرته وقالت له : أقبل وأدير ، ففعل ، فقالت : ما أنكر منك شيئاً إلاَّ يبساً في كتفيك ، فاخرج على اسم الله تعالى ، وأخرجت معه جاريتين لها ، فخرج وعلى باب السجن أبو الوضاح حبيب بن بدير ومعه فتيان من أسد فلم يؤبه له ، ومشى الفتيان بين يديه إلى سكة شبيب بناحية الكناس ، فمرَّ بمجلس من مجالس بني تميم ، فقال بعضهم : رجل ورب الكعبة ، وأمر غلامه فاتَّبعه ، فصاح به أبو الوضاح : يا كذا وكذا أراك تتبع هذه المرأة منذ اليوم ، وأومأ إليه بنعله ، فولى العبد مدبراً ، وأدخله أبو الوضاح منزله ، ولمَّا طال على السجَّان الأَمر نادى الكميت فلم يجبه ، فدخل ليعرف خبره ، فصاحت به المرأة : وراءك لا أم لك فشقَّ ثوبه ، ومضى صارخاً إلى باب خالد فأخبره الخبر ، فأحضر المرأة فقال : يا عدوة الله ، احتلتِ على أمير المؤمنين وأخرجتِ عدوّ أمير المؤمنين ، لأنكلنّ بك ولأصنعنّ ولأفعلنّ ، فاجتمعت بنو أسد عليه ، وقالوا له : ما سبيلك على امرأة منَّا خدعت ، فخافهم فخلى سبيلها ، وسقط غراب على الحائط ونعب فقال الكميت لأبي الوضاح : إنِّي لمأخوذ وإنَّ حائطك لساقط ، فقال : سبحان الله ! هذا ما لا يكون إن شاء الله تعالى ، وكان الكميت خبيراً بالزجر ، فقال له : لا بدّ أن تحولني ، فخرج به إلى بني علقمة وكانوا يتشيّعون ، فأقام فيهم ، ولم يصبح حتَّى سقط الحائط الذي سقط عليه الغراب ، قال المستهل : وأقام الكميت مدة متوارياً ، حتَّى إِذا أيقن أنَّ الطلب خفَّ عنه خرج ليلاً في جماعة من بني أسد على خوفٍ ووجلٍ ، وفيمن معه صاعد غلامه ، وأخذ الطريق إلى القطقطانة ، وكان عالماً بالنجوم مهتدياً بها ، فلما صار سحيراً صاح بنا هوِّموا يا فتيان ، فهوَّمنا ، وقام فصلى . قال المستهل : فرأينا شخصاً فتضعضعت له ، فقال : ما لك ؟ قلت : أرى شخصاً مقبلاً ، فنظر إليه فقال : هذا ذئب قد جاء يستطعمكم ، فجاء الذِّئب فربض ناحية فأطعمناه يد جزور فتعرَّقَها ، ثم أهوينا له بإناء فيه ماء فشرب منه ، فارتحلنا وجعل الذئب يعوي ، فقال الكميت : ما له ويله ألم نطعمه ونسقه ؟ وما أعرفني بما يريد هو يدلنا أنَّا لسنا على الطريق ، تيامنوا يا فتيان ، فتيامنَّا فسكن عواؤه ، فلم نزل نسير حتَّى جئنا الشام ، فتوارى في بني أسد وبني تميم ، وأرسل إلى أشراف قريش - وكان سيّدهم يومئذ عنبسة بن سعيد بن العاص - فقال : يا أبا خالد ، هذه مكرمة أتاك بها الله تعالى ، هذا الكميت بن زيد لسان مضر ، وكان أمير المؤمنين قد كتب في قتله فجاء حتَّى تخلص إليك وإلينا . قال : مروه أن يعوذ بقبر معاوية بن هشام بدير حنيناء . فمضى الكميت فضرب فسطاطه عند قبره ، ومضى عنبسة فأتى مسلمة بن هشام ، فقال له : يا أبا شاكر ، مكرمة أتيتك بها فابلغ الثُّريَّا إن اعتقدتها ، فإن علمت أنَّك تفي بها وإلاَّ كتمتها عنك ، قال : وما هي ؟ فأخبره الخبر ، وقال : إنَّه قد مدحكم عامَّة وإيَّاك خاصَّةً بما لم يسمع بمثله ، فقال : على خلاصه ، فدخل على أبيه هشام وهو عند أُمه في غير وقت دخول ، فقال له هشام : أجئت لحاجة ؟ قال : نعم ، قال : هي مقضية إلاَّ أن تكون الكميت ، فقال : ما أُحب أن تستثني عليَّ في حاجتي ، وأمَّا أنا والكميت ، فقالت أمه : والله لتقضينّ حاجته كائنة ما كانت ، قال : قد قضيتها ولو أحاطت بما بين قطريها ، قال : هي الكميت يا أمير المؤمنين وهو آمن بأمان الله عزّ وجلّ وأمان أمير المؤمنين وأماني ، وهو شاعر مضر ، وقد قال فينا قولاً لم يقل مثله ، قال : قد أمنته وأجزت أمانتك له ، فاجلس له مجلساً ينشدك فيه ما قال فينا ، فعقد مجلساً وعنده الأَبرش الكلبي ، فتكلم بخطبة ارتجلها ما سمع بمثلها قط ، وامتدحه بقصيدته الرَّائية ، ويقال : إنَّه قالها ارتجالاً ، وهي قوله :


قفْ بالدِّيارِ وُقوفَ زائِرْ


فمضى فيها حتَّى انتهى إلى قوله :


ماذا عليكَ منَ الوَقُو _ فِ بها وأنَّكَ غيرُ صاغِرْ دَرَجَتْ عليكَ الغَادِيا _ تُ الرَّائِحاتُ من الأَعاصِرْ


وفيها يقول :


فالآنَ صِرْتَ إلى أُميَّةَ ........ والأُمورُ إلى المَصائِرْ


فجعل هشام يغمز مسلمة بقضيب في يده ، فيقول له : اسمع ، ثم استأذنه في مرثية ابنه معاوية ، فأذن له ، فأنشده قوله :


سأَبْكيكَ للدُّنْيا وللدِّينِ ، إنَّني ........ رأيتُ يدَ المَعْروفِ بعدَكَ شلَّتِ أَدامَتْ عليكمْ بالسَّلامِ تحِيَّةً ........ ملائكَةُ الله الكِرامِ وصَلَّتِ


فبكى هشام بكاءً شديداً فوثب الحاجب فسكته ، ثم جاء الكميت إلى منزله آمناً ، فحشدت له المضرية بالهدايا ، وأمر له مَسْلمة بعشرين ألف درهم ، وأمر له هشام بأربعين ألف درهم ، وكتب إلى خالد بأمانه وأمان أَهل بيته وأنَّه لا سلطان له عليهم ، قال : وجمعت له بنو أميَّة فيما بينها مالاً كثيراً .


وفي رواية أنَّه لمَّا أجاره مسلمة بن هشام وبلغ هشاماً دعا به وقال له : أتجير على أمير المؤمنين بغير أمره ؟ فقال : كلاَّ ، ولكنِّي انتظرت سكون غضبه ، قال : أحضرنيه السَّاعَةَ فإنَّه لا جوار لك ، فقال مسلمة للكميت : يا أبا المستهل إنَّ أمير المؤمنين أَمرني بإحضارك ، قال : أتسلمني يا أبا شاكر ؟ قال : كلاَّ ، ولكنِّي أحتال لك ، ثم قال له : إنَّ معاوية بن هشام قد مات قريباً ، وقد جزع عليه جزعاً شديداً فإذا كان من اللَّيل فاضرب رواقك على قبره وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرواق ، فإذا دعا بك تقدمت عليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك ويقولون : هذا مستجير بقبر أبينا ، ونحن أحقّ بإجارته ، قال : فأصبح هشام على عادته متطلعاً من قصره إلى القبر فقال : ما هذا ؟ فقالوا : لعلَّه مستجير بالقبر ، فقال : يجار من كان إلاَّ الكميت فإنه لا جوار له ، فقيل : فإنَّه الكميت ، فقال : يحضر أَعنف إحضار ، فلمَّا دعا به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه ، فلمَّا نظر هشام إليه اغرورقت عيناه واستعبر وهم يقولون : يا أمير المؤمنين ، استجار بقبر أبينا وقد مات ومات حظّه من الدُّنيا فاجعله هبة لنا ولا تفضحنا فيمن استجار به ، فبكى هشام حتَّى انتحب ، ثم أقبل على الكميت فقال له : يا كميت ، أنت القائل :


وإلاَّ فقُولوا غيرَهَا تَتَعَرَّفوا ........ نَواصِيَها ترْدى بنا وهيَ شُزَّبُ


فقال : لا والله ، ولا أتان من أُتن الحجاز وحشية ، ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، ثم قال : أَمَّا بعد فإنِّي كنتُ أَتدهدى في غمرة جهالة ، وأَعوم في بحر غواية ، أخنى على خطلها ، واستفزَّني وهلها ، فتحيَّرت في الضلالة ، وتسكَّعت في الجهالة ، مهرعاً عن الحق ، جائراً عن القصد ، أَقول الباطل ضلالاً ، وأَفوه بالهتان وبالاً ، وهذأ مقام العائذ المبصر الهدى ، ورافض العمى ، فاغسل يا أمير المؤمنين الحوبة بالتوبة ، واصفح عن الزلّة ، واعف عن الجرم ، ثم قال :


كم قال قائلكم لعاً ........ لك عندَ عَثرَتِهِ لعاثِرْ وغَفَرْتُم لذوي الذنو _ ب منَ الأكابرِ والأصاغرْ أبني أميَّة إنَّكم ........ أهلُ الوسائلِ والأوامرْ ثِقَتي لكلِّ مُلِمّةٍ ........ وعشيرَتي دونَ العَشائرْ أنتم مَعادنُ للخِلا _ فةِ كابراً من بَعْدِ كابرْ يا لتسعةِ المتَتابِعينَ ........ خلائفاً وبخير عاشِرْ وإلى القيامة لا تزا _ لُ لشافعٍ منكم وواترْ


وقطع الإنشاد ، وعاد إلى خطبته فقال : إغضاء أمير المؤمنين وصباحته ، وسماحته ومناط المنتجعين بحبله ، من لا يحل حبوته لإساءة المذنبين ، فضلاً عن استشاطة غضبه لجهل الجاهلين ، فقال له : ويلك يا كميت مَنْ زين لك الغواية ودلاك في العماية ؟ قال : الذي أخرج أبانا من الجنة وأنساه العهد فلم يجد له عزماً ، فقال له : إيه يا كميت ألست القائل :


فيا موقداً ناراً لغيرك ضوءها ........ ويا حاطباً في غير حبلك تحطب


فقال : بل أنا القائل :


إلى آل بَيتِ أبي مالكٍ ........ مناخ هو الأرْحَبُ الأسْهَلُ نمتُّ بأرحامِنا الداخلا _ ت من حَيْثُ لا ينكَرُ المدخلُ بمُرَّةَ والنضْرِ والمالكيين ........ رهطٌ هم الأنبل الأنبلُ وجَدْنا قُرَيشاً قريشَ البِطاح ........ على ما بنى الأَوَّلُ الأوَّلُ بهم صَلَحَ الناسُ بعدَ الفسادِ ........ وحيصَ من الفَتْقِ ما رعْبَلوا


قال له : وأنت القائل :


لا كَعَبْدِ المليك أو كَوليدٍ ........ أو سليمان بعده أو هِشامِ من يمت لا يمت فقيداً ومن ........ يحيا فلا ذو إلٍّ ولا ذو ذمامِ


ويلك يا كميت ! جعلتنا ممن لا يرقب في مؤمن إلاَّ ولا ذمة ، فقال : بل أنا القائل يا أمير المؤمنين :


فالآنَ صِرْتُ إلى أُمَيَّةَ ........ والأمورُ إلى المصائرْ والآنَ صرْتُ بها المُص _ يبَ كمهْتَدٍ بالأمس حائرْ يا ابن العقائل للعقا _ ئل والجحاجحةِ الأخايرْ من عبدِ شمسٍ والأكا _ برِ من أمَيَّةَ فالأكابرْ إن الخلافةَ والآلا _ ف برغمِ ذي حَسَدٍ وواغرْ دَلَفا من الشَّرفِ التلي _ دِ إليكَ بالرِّفْدِ الوافرْ فَحَللتَ مُعتلج البطا _ حِ وحلّ غيرُكَ بالظواهرْ


قال : إيه ، فأنت القائل :


فَقل لبني أمية حَيثُ كانوا ........ وإن خِفْتَ المهند والقطيعا أجاعَ الله من أشْبَعْتُموهُ ........ وأشبعَ من بجوركمْ أجيعا بمرضيِّ السياسة هاشمي ........ يكون حياً لأمته ربيعا


فقال : لا تثريب يا أمير المؤمنين ، وإن رأيت أن تمحو عني قولي الكاذب ، قال : بماذا ؟ قال : بقولي الصادق :


أورَثَتهُ الحَصانُ أم هِشام ........ حَسَباً ثاقباً ووَجهاً نضيرا وتعاطى به ابنُ عائِشة البد _ رَ فأمْسَى لهُ رَقيباً نظيرا وكَساهُ أبو الخلائِفِ مروا _ نُ سَناءَ المكارم المأثورا لم تَجَهم له البطاحُ ولكن ........ وَجَدَتْها لهُ معاناً ودورا


وكان هشام متكئاً ، فاستوى جالساً وقال : هكذا الشعر فليكن ، يقولها لسالم ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم ، وكان إلى جانبه ، ثم قال : رضيت عنك يا كميت ، فقبَّل يده وقال : يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تزيد في تشريفي فلا تجعل لخالد عليَّ إمارة ، قال : قد فعلت ، وكتب بذلك ، وأمر له بأربعين ألف درهم وثلاثين ثوباً شامية ، وكتب إلى خالد أن يُخلي سبيل امرأته ويعطيها عشرين ألف درهم وثلاثين ثوباً ، ففعل .


وللكميت مع خالد هذا أخبار عند قدومه الكوفة بالعهد الذي كتب له : منها أنه مر يوماً وقد تحدث الناس بعزله عن العراق ، فلما جاز تمثل الكميت وقال :


أراها وإن كانَتْ تُحَبُّ كأنها ........ سَحابَةُ صيفٍ عن قليلٍ تقشَّعُ


فسمعه خالد ، فرجع وقال : أما والله لا تنقشع حتَّى يغشاك منها شؤبوب برد ، ثم أمر به فجرد وضرب مائة سوط ، ثم خلى عنه ومضى ، رواه ابن حبيب .


وحدث السلامي قال : كان هشام بن عبد الملك مشغوفاً بجارية له يقال لها صدوف مدنية اشتريت له بمال جزيل ، فعتب عليها ذات يوم في شيء وهجرها وحلف أن لا يبدأها بكلام ، فدخل عليه الكميت وهو مغموم بذلك ، فقال : ما لي أراك مغموماً يا أمير المؤمنين ؟ لا أغمَّك الله ! فأخبره هشام بالقصة ، فأطرق الكميت ساعة ، ثم أنشأ يقول :


أعَتِبْتَ أم عَتَبَتْ عليكَ صُدوفُ ........ وعِتابُ مثلكَ مثلها تَشْريفُ لا تقْعَدَنَّ تلومُ نفسَكَ دائِباً ........ فيها وأنتَ بحبِّها مَشْغوفُ إنَّ الصَّريمَ لا يقومُ بمثلِها ........ إلاَّ القَوِيُّ بها وأَنتَ ضَعيفُ


فقال هشام : صدقت والله ، وقام من مجلسه فدخل إليها ونهضت إليه فاعتنقته وانصرف الكميت ، فبعث إليه هشام بأَلف دينار ، وبعثت إليه بمثلها .


وحدَّث حبيش بن الكميت قال : وَفَدَ الكميت على يزيد بن عبد الملك ، فدخل عليه يوماً وقد اشتريت له سلاَّمة القسِّ فأدخلت إليه والكميت حاضر فقال له : يا أبا المستهل ، هذا جارية تباع ، أفترى أَن تبتاعها ؟ فقال : إي والله يا أمير المؤمنين ، وما أرى أنَّ لها مثيلاً في الدُّنيا فلا تفوتنك ، قال : فصفها لي في شعر حتَّى أقبل رأيك ، فقال الكميت :


هي شمْسُ النَّهارِ في الحسنِ إلاَّ ........ أَنَّها فُضِّلَتْ بفتكِ الطِّرَافِ غَضَّ بَضَّ رخيمٌ لَعوبٌ ........ وعثَةُ المتنِ شختَةُ الأَطرافِ زانَها دَلُّها وثغرٌ نقِيٌّ ........ وحَديثٌ مُرَتَّلٌ غيرُ جافِ خُلِقَتْ في منيَةِ المُتَمَنِّي ........ فاقبلْ النُّصْحَ يا ابنَ عبد منافِ


قال : فضحك يزيد ، وقال : قد قبلنا نصحك يا أبا المستهل ، فأمر له بجائزة سنية .


وحدَّث ابن قتيبة قال : مرَّ الفرزدق بالكميت وهو ينشد ، والكميت يومئذ صبي ، فقال له الفرزدق : يا غلام ، أيسرّك أنِّي أَبوك ؟ فقال : لا ، ولكن يسرّني أَن تكون أُمِّي ، فخجل الفرزدق وأَقبل على جلسائه فقال : ما مرَّ بي مثلها قط ، وقال محمد بن مسلمة : كان مبلغ شعر الكميت حين مات خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتاً ، وكانت ولادته أيَّام مقتل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه وذلك سنة ستين ، ووفاته سنة ست وعشرين ومائة في خلافة مروان بن محمد . وكان سبب موته ما حكاه حجر بن عبد الجبار قال : خرجت الجعفرية على خالد القسري وهو يخطب على المنبر ولا يعلم بهم ، فخرجوا في التبابين ينادون : لبيك جعفر ، لبيك جعفر ، وعرف خالد خبرهم وهو يخطب فدهش بهم فلم يعلم ما يقولون فزعاً ، فقال : أطعموني ماء ، ثم خرج الناس إليهم ، فأخذوا ، فجعل يجيء بهم إلى المسجد ويأخذ طن قصب فيطلى بالنفط ويقال للرجل منهم : احتضنه ويضرب حتَّى يفعل ثم يحرق ، فحرقهم جميعاً ، فلمَّا عزل خالد عن العراق ووليه يوسف بن عمر دخل عليه الكميت وقد مدحه بعد قتله زيد بن علي رضي الله عنهما فأنشده قوله فيه :


خرَجْتَ لهمْ تَمشي البَراحَ ولم تكُنْ ........ كمنْ حُسنُهُ فيه الرتاج المُضَبَّبُ وما خالدٌ يسْتَطْعِمُ الماءَ فاغِراً ........ بعِدْلِكَ والدَّاعي إلى المَوْتِ ينعَبُ


قال : والجند قيام على رأس يوسف بن عمر ، وهم يمانية فتعصَّبوا لخالد ، فوضعوا ذباب سيوفهم في بطن الكميت فوجؤوهُ بها وقالوا : أتنشد الأَمير ولم تستأْمرهُ ، فلم يزل ينزف الدَّم حتَّى مات .


وحدَّث المستهل بن الكميت قال : حضرتُ أبي عند الموت وهو يجود بنفسه وأُغمي عليه ، ثم أفاق ففتح عينيه ثم قال : اللهم آل محمد ، اللهم آل محمد ، ثلاثاً ، ثم قال : يا بني ، وددت أنِّي لم أكن هجوت نساء كلب بهذا البيت وهو :


مَعْ العُضْرُوطِ والعُسْفاء أَلْقَوْا ........ بَرَادِعهُنَّ غيرَ مُحَصَّنينَ


فعممتهن قذفاً بالفجور ، والله ما خرجت ليلاً قط إلاَّ خشيت أن أُرمى بنجوم السماء لذلك ، ثم قال : يا بني ، إنَّه بلغني في الروايات أنَّه يحفر بظهر الكوفة خندق ويخرج فيه الموتى من قبورهم وينبشون منها فيحوَّلون إلى قبور غير قبورهم ، فلا تدفنِّي في الظهر ولكن إِذا متّ فامضِ بي إلى موضع يقال له مكران فادفنِّي فيه ، فدفن في ذلك الموضع ، وكان أول من دفن فيه ، وهو مقبرة بني أسد إلى الساعة ، والله تعالى أعلم .


ولا عَيْبَ فيهمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ........ بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتائِبِ


البيت للنابغة الذبياني ، من قصيدة من الطويل ، يمدح بها عمرو بن الحارث الأَصغر بن الحارث الأَعرج بن الحارث الأَكبر حين هرب من النعمان بن المنذر اللخمي من الحيرة ، وأوَّلها :


كِلينِي لِهَمٍّ يا أُميمَةُ ناصِبِ ........ ولَيْلٍ أُقاسيهِ بَطيءُ الكَواكِبِ تَطاوَلَ حتَّى قُلْتُ ليسَ بمنقَضٍ ........ وليسَ الذي يَرْعى النُّجوم بآيِبِ وصَدْر أناخَ اللَّيْلُ غَاربَ هَمِّهِ ........ تَضاعَفَ فيهِ الهَمُّ من كلِّ جانِبِ علَيَّ لعَمْرٍ ونِعمةٌ بعدَ نعمةٍ ........ لوالِدِهِ ليستْ بذاتِ عَقارِبِ حَلَفْتُ يَميتاً غيرَ ذي مَثْنَويةٍ ........ ولا عِلمَ إلاَّ حُسْنُ ظنٍّ بصاحِبِ لئنْ كانَ للقَبْرين قبر بجلَّقٍ ........ وقبر بصَيْداء الذي عندَ حارِبِ وللحارثِ الجفني سَيِّدِ قَوْمِهِ ........ لَيَلْتمسن بالجَيْشِ دارَ المُحارِبِ


ومنها :


فَهُمْ يتساقَوْنَ المنِيَّة بيْنَهُم ........ بأَيديهُمُ بيضٌ رِقاقُ المَضارب يطيرُ فُضاضاً بيْنَها كلُّ قَوْنس ........ ويتْبعُها منهُمْ فَراشُ الحواجب


وبعده البيت ، وبعده :


تُوُرِّثْنَ من أَزمانِ يومَ حليمةٍ ........ إلى اليومِ قدْ جرّبن كلّ التَّجاربِ


إلى أن قال فيها :


لهُمْ شيمَةٌ لمْ يُعْطِها الله غيرَهُمْ ........ منَ الجودِ والأَحلامُ غيرُ عوازِبِ مَحَلَّتُهُمْ ذاتُ الإِله ودِينهمْ ........ قويمٌ فما يرجونَ غيرَ العَواقِبِ رِقاقُ النِّعالِ طيبٌ حجزَاتهمْ ........ يحيونَ بالرّيحانِ يومَ السباسِبِ


والفلول : جمع فل ، وهو الثلم ، وقراع الكتائب : مضاربة الجيوش .


والشاهد فيه : تأكيد المدح بما يشبه الذم ، كأنه قال : ولا عيب في هؤلاء القوم أَصلاً إلاَّ هذا العيب ، وهو فلول أسيافهم من المقارعة والمضاربة ، وهذا ليس بعيب ، بل هو نهاية المدح ، فهو تأكيد المدح بما يشبه الذم ، لأنَّ قوله : غيرَ أَنَّ سيوفهم يوهم أَنَّ ما يأتي بعده ذمّ ، فإذا كان مدحاً فقد تأكَّد المدح .


ويروى أنَّ عُرْوَةَ بن الزبير رضي الله عنه سأل عبد الملك بن مروان أن يردّ عليه سيف أَخيه عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنهما ! فأخرجه إليه في سيوف مُنتَضَاة ، فأخذه عُرْوَة رضي الله عنه من بينها ، فقال له عبد الملك : بم عرفته ؟ فقال : بقول النابغة ، وأنشده البيت . ومن مليح هذا النوع قول أبي هفان :


ولا عَيْبَ فينا غيرَ أَنَّ سَمَاحَنا ........ أَضرَّ بِنا والبأْسُ من كلِّ جَانِبِ فأَفْنَى الرَّدَى أَرْواحَنا غيرَ ظالمٍ ........ وأَفْنَى النَّدَى أَموالَنا غيرَ عَائِبِ


وقول الآخر :


ولا عَيْبَ فيه غيرَ ما خوف قومهِ ........ على نفسهِ أن لا يَطولَ بقاؤُها


وقول الشاعر :


ولا عَيْبَ فيكم غيرَ أنَّ ضيُوفكُمْ ........ تعابُ بنسيانِ الأَحبَّةِ والوطنْ


ومثله قول ابن نباتة المصري :


ولا عَيْبَ فيهِ غيرَ أنِّي قصدْتُهُ ........ فأَنْستْنِيَ الأَيَّامُ أَهلاً وموطِنَا


وقول الصفي الحلي :


لا عَيْبَ فيهمْ سِوَى أَنَّ النَّزيل بهمْ ........ يَسلو عنِ الأَهْلِ والأَوْطانِ والحشَمِ


ولمؤلفه رحمه الله تعالى ، فيمن أَلفَّ الكتاب باسمه :


لا عَيْبَ فيهِ سِوى مكارمهِ الَّتي ........ نَسَبَتْ لحاتم بخْلَ كلِّ بَخيلِ


وقوله أيضاً في غيره :


لا عَيْبَ فيهِ غيرَ أَنَّ يَمينهُ ........ تدعُ العَديمَ مهنئاً بيسَارِهِ


وما أحسن قول بعضهم أيضاً :


ولا عَيْبَ في معروفِهمْ غيرَ أنَّهُ ........ يُبَيِّنُ عَجْزَ الشَّاكرينَ عن الشُّكْرِ


وقول ابن الرُّومي أيضاً :


ليسَ به عيبٌ سِوَى أَنَّهُ ........ لا تَقَعُ العَيْنُ على شبههِ


وما أَحسن قول ابن الحجاج :


أَتَوْنِي فعَابوا مَنْ أُحبُّ جَهالَةً ........ وذاكَ على سمعِ المحبِّ خَفيفُ فما فيهِ عَيْبٌ غيرَ أَنَّ جُفونهُ ........ مِراضٌ وأَنَّ الخَصْرَ منه ضَعيفُ


وقول أبي جعفر القرشي :


فَتًى لمْ تُسافرْ عنهُ آمالُ آملٍ ........ وليسَ لهَا إلاَّ إليه إِيَابُ ولا عَيْبَ فيه لامرئٍ غيرَ أنَّهُ ........ تعَابُ لهُ الدُّنْيا وليْسَ يُعابُ


وما أَبدع قول ابن نباتة ، يمدح الملك الأَفضل ، صاحب حَماة ، من قصيدة :


لا عَيْبَ فيهِ سوَى عزائم قصَّرَتْ ........ عنها الكواكبُ وهيَ بعدُ تحلِّقُ


وقوله :


ليسَ فيهِ عَيْبٌ سوَى أَنَّ إحْسا _ نَ يَدَيهِ يستعبِدُ الأَحْرارَا


وقوله :


لا عَيْبَ فيه أَدامَ اللهُ دولتهُ ........ إلاَّ عزائم مجدٍ عندَهُنَّ شرَهْ


وقوله :


ولا عَيْبَ فيها غيرَ سحرِ جُفونهَا ........ وأَحببْ بها سَحَّارَةً حينَ تسحرُ


وقوله :


وتتابع المنن الَّتي ما عَيْبها ........ إلاَّ رُجوعُ الوَصْفِ عنْها قَاصِرَا


وبديع قول الآخر أيضاً :


عَيْبُ تلكَ الخلال أَنْ لمْ يُعَوَّذْ _ نَ بعيبٍ يكونُ فيهنَّ خَالاَ


وظريفٌ قول بعضهم :


ولا عَيْبَ في هذا الرَّشا غيرَ أَنَّهُ ........ لهُ معطفٌ لدْنٌ وخَدٌّ مُنَعَّمُ


وما أحسن قول بعضهم ، وهو من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح ، عكس هذا الباب :


بِيضُ المَطابِخِ لا تَشْكو ولائدهُمْ ........ طَبْخَ القُدُورِ ولا غَسْلَ المناديلِ لا تأكُلُ النَّار في مغنى بُيُوتهُمُ ........ إلاَّ فَتائِلَ سُرج أو قَنَادِيلِ


وتقدَّم ذكر النابغة في شواهد الإيجاز والإطناب .


هُوَ البَدْرُ إلاَّ أَنَّهُ البَحْرُ زَاخِراً ........ سِوَى أَنَّهُ الضِّرْغامُ لكنَّهُ الوَبْلُ


البيت لبديع الزمان الهمذاني ، من قصيدة من الطويل ، يمدح بها خلف بن أَحمد السجستاني أَوَّلها :


سَماءَ الدُّجَى ما هذه الحدقُ النُّجل ........ أَصَدْر الدُّجَى حال وجِيدُ الضُّحَى عطلُ


وفيها يذكر أَباه بهمذان واستقباله الحجيج للسؤال عن خبره ، والبحث عن وطنه ووطره ، حيث قال :


يُذَكِّرُني قُرْب العراق وَديعةً ........ لدَى الله لا يُسليهِ مالٌ ولا أَهْلُ إِذا وَرَدَ الحجَّاجُ وَافَى رفاقَهُمْ ........ بِفَوَّارتي دَمْعٍ هُما النَّجل والسَّجْلُ يُسائِلُهُمْ أينَ ابنهُ أينَ دارُهُ ........ إلى مَ انتهى لِم لمْ يَعُدْ هلْ لهُ شُغْلُ أَضاقَتْ له حالٌ أَطالَتْ له يَدٌ ........ أَأَخَّرَهُ نَقْصٌ أَقَدَّمهُ فَضْلُ يقولونَ وَافَى حضرَةَ الملكِ الَّذي ........ له الكَنَفُ المأْمولُ والنائِلُ الجزلُ وفاضَتْ عليه دِيمةٌ خَلَفِيَّة ........ بها للغَوادِي عن ولايتِها عزْلُ يُذكِّرُهُمْ باللهِ إلاَّ صَدَّقْتُمُو ........ لديَّ أَجدٌّ ما تقولونَ أَم هَزْلُ سلَوْنا للقياكَ الملوكَ وإنَّما ........ بمثلِكَ عن أَمثالهم مثلنا يَسْلُو ولمَّا بَلَوْناكم تَلَوْنا مَديحكُم ........ فيا طِيبَ ما نبلو ويا صِدْقَ ما نَتْلو فِدًى لكَ من أَبناءِ دهركَ مَنْ غدَا ........ فلا قَوْلهُ علمٌ ولا فعلهُ عَدْلُ أَيا ملكاً أَدنَى مناقبهِ العلا ........ وأَيْسَرُ ما فيهِ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ


وبعده البيت ، وبعده :


مَحاسِنُ يُبْدِيها العيانُ كمَا تَرَى ........ وإن نحنُ حَدَّثْنا بها دفع العقلُ


وهي طويلة ، وقد مضى طرف منها في مراعاة النظير . والضرغام : الأسد ، والوبل : المطر الشديد الضخم القطر ، ومثله الوابل . والشاهد فيه : أنَّ الاستدراك الدال عليه لفظ لكن في باب تأكيد المدح بما يشبه الذم الاستثناء في إفادة المراد ، فالأَوَّلانِ استثناآن ، وقوله لكنه استدراك يفيد ما يفيده هذا الضرب من الاستثناء لأنَّه استثناء منقطع و إلاَّ فيه بمعنى لكن ، ومثله قول ابن قلاقس :


هو الثَّغْرُ إلاَّ أنَّهُ الفجرُ طالعاً ........ على أنَّهُ الكافُورُ لكنَّهُ البَدْرُ


وقول بعضهم أيضاً :


يَسْعَى به البَرْقُ إلاَّ أَنَّهُ فَرَسٌ ........ من فَوْقِهِ الموْتُ إلاَّ أنَّهُ رجُلُ


وقول السري الرفاء أيضاً :


أَما ترَى الثَّلجَ قد خاطَتْ أَنامِلُهُ ........ ثوباً يُزَرُّ على الدُّنْيا بأَزرارِ نارٌ ولكنَّها ليستْ بمُبْدِيةٍ ........ نوراً وماء ولكن ليسَ بالجَارِي


وقول التنوخي :


غصنٌ تأَوَّدَ فوقَ دِعْصٍ من نقاً ........ ليلٌ تَبَلَّجَ عن صَبَاحٍ مُسْفرِ كالشَّمسِ إلاَّ أنَّهُ مُتَنفِّسٌ ........ عن مسكةٍ متبسِّمٌ عن جَوْهَرِ


وقوله أيضاً :


وجوهٌ كأَكْبادِ المُحِبِّينَ رقَّةً ........ ولكنَّها يومَ الهيَاجِ صُخُورُ


وقوله وأَجاد :


وراحٌ من الشَّمْسِ مخلوقَةً ........ بَدَتْ لكَ في قَدَحٍ من نُضَارِ هواءٌ ولكنَّهُ ساكنٌ ........ وماءٌ ولكنَّهُ غير جَارِي


وما أَحسن ما قال بعدهما ، وهو من بديع التشبيه :


كأنَّ المديرَ لها باليَمينِ ........ إِذا قامَ للسَّعي أَو باليَسارِ تَدَرَّعَ ثوباً من الياسمينِ ........ لهُ فردُ كمّ من الجلنَارِ


وهذا المعنى من قول بعضهم :


وبكرٍ شَرِبْناها على الوَرْدِ بكْرَةً ........ فكانتْ لنا وَرْداً إلى ضَحْوَةِ الغَدِ إِذا قامَ مُبْيَضُّ الثِّيابِ يُديرُها ........ تَوَهَّمتهُ يسعى بكمٍّ مُوَرَّدِ


ولأبي القاسم الطبري :


قَضيبٌ ولكن مَبسمُ النُّورِ ثَغْرُها ........ وبدرٌ ولكنَّ المحاقَ بخَصْرها


ولابن جابر الأندلسي أيضاً :


ولم ترَ عيني مثل جَنَّةِ خَدِّها ........ ولكن حماها اللّحظ بالصَّارمِ العَضْبِ موَرَّدَةُ الخدِّين مَعْسُولَةُ اللَّمى ........ سوَى أَنَّها تفْترُّ عن لؤلؤٍ رَطْبِ


وما أحسن قول بعضهم في شكوى الزمان :


ولي فَرَسٌ من نَسْل أَعْوَجَ سابقٌ ........ ولكن على قَدْرِ الشَّعيرِ يحمحمُ وأقسم ما قَصَّرت فيما يزيدني ........ علوا ولكن عند من أتقدَّمُ


وبديع الزمان هو أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني ، قال في حقه صاحب اليتيمة : هو بديع الزمان ، ومعجزة همذان ، ونادرة الفلك ، وبكر عطارد ، وفرد الدهر ، وغرة العصر ، ومَنْ لم يلف نظيره في ذكاء القريحة ، وسرعة الخاطر ، وشرف الطبع ، وصفاء الذهن ، وقوة النفس ، ولم يدرك قرينه في طُرَف النثر وملحه ، وغرر النظم ونكته ، ولم يرو أن أحداً بلغ مبلغه من لب الأدب وسره ، وجاء بمثل إعجازه وسحره ، فإنه كان صاحب عجائب ، وبدائع وغرائب : فمنها أنه كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتاً فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها لا يخرم منها حرفاً ، وينظر في الأربع أو الخمس الأوراق من كتاب لا يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهذها عن ظهر قلبه ، ويسردها سرداً ، وهذه حاله في الكتب الواردة وغيرها ، وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة ، والجواب عنها فيها ، وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطره ، ثم هلم جراً إلى الأول ، ويخرجه كأحسن شيء وأملحه ، ويوشح القصيدة من قوله بالرسالة الشريفة من إنشائه فيقرأ من النظم النثر ويروي من النثر النظم ويعطي القوافي الكثيرة فيصل بها الأبيات الشريفة ، ويقترح عليه كل عويص وعسير من النثر والنظم فيرتجله في أسرع من الطرف ، على ريق لا يبلعه ونفَس لا يقطعه ، وكلامه كله عفو الساعة ، وفيض القريحة ، ومسارقة القلم ، ومسابقة اليد ، وجمرات الحدة ، ونمرات المده ، ومجاراة الخاطر للناظر ، ومباراة الطبع للسمع ، وكان يترجم ما يقترح عليه من الأبيات الفارسية المشتملة على المعاني الغريبة بالأبيات العربية فيجمع فيها بين الإبداع والإسراع ، إلى عجائب كثيرة لا تحصى ، ولطائف يطول أن تستقصى ، وكان مع هذا كله مقبول الصورة ، خفيف الروح ، حسن العشرة ، ناصع الظرف ، عظيم الخلق ، شريف النفس ، كريم العهد ، خالص المودة ، حلو الصداقة ، مر العداوة .


فارق همذان سنة ثلاثين وثلاثمائة وهو مقتبل الشبيبة ، غض الحداثة ، وقد درس على أبي الحسن بن فارس وأخذ عنه جميع ما عنده ، واستنفد علمه ، واستنزف بحره ، وورد حضرة الصاحب فتزود من ثمارها ، وحسن آثارها ، ثم قدم جرجان وأقام بها مدة على مداخلة الإسماعيلية ، والتعيش في أكنافهم ، والاقتباس من أنوارهم . ثم إنه قصد نيسابور فنشر بها بزه ، وأظهر طرزه ، وأملى بها أربعمائة مقامة نحلها أبا الفتح الإسكندري في الجد وغيره ، وضمنها ما تشتهي الأَنفس ، وتلذ الأَعين : من لفظ أنيق قريب المأخذ بعيد المرام ، وسجع رقيق المطلع والمقطع كسجع الحمام ، وجد يروق فيملك القلوب ، وهزل يشوق فيسحر العقول . فمن ذلك قوله : المقامة السادسة عن أبي الفتح الإسكندري قال : حدَّثنا عيسى ابن هشام ، قال : اشتهيت الأزاد ، وأنا ببغداد ، وليس معي عقدٌ على نقد ، فخرجت أَخترق محالها حتَّى أَحلَّني الكدح بسواديّ يحدو بالجهد حماره ، ويطرف بالعقد إزاره ، فقلت : ظفرنا والله بصيد ، وحيَّاك الله يا أبا زيد ! من أَين أَقبلت ؟ وأَين نزلت ؟ ومتى وافيت ؟ فهلمّ إلى البيت . فقال : لست بأبي زيد ، وإنَّما أنا أبو عبيد . فقلت : لعن الله الشيطان ، أنسانيك طول العهد . كيف أبوك أَشابٌّ كعهدي ، أَم شابَ بعدي ؟ فقال : قد نبتَ المرعى على دمنته . فقلت : إنَّا لله ونفسي في سبيل الله ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله ، ومددت يد البدار إلى الصدار أحرِّك زيقه وأُريد تمزيقه ، فقبض السواديّ على خصري بجُمعه ، وقال : نشدتك الله لا مزقته ، فقلت : فهلمّ إلى البيت نصيب غداء ، أو إلى السوق نشتري شواء ، والسوق أقرب ، وطعامه أطيب ، فاستفزته حُمَةَ القرمِ وعطفته عطفة النّهم وطمع ، ولم يدرِ أنَّه وقع . ثم أتينا شوَّاء يتقاطر شواؤه عرقاً ، وتتسايل جوانبه مرقاً . فقلت له : زن لأبي زيد من هذا الشواء ، ثم زن له من تلك الحلواء . واختر له من تلك الأَطباق ، وأنضد عليه ورقاً من الرقاق ، وشيئاً من ماء السُّمَّاق ليأكله أَبو زيد هنيئاً . فانحنى الشوَّاء بساطوره ، على زبدة تنوره ، فجعلها كالكحل سحقاً وكالطحن دقًّا . ثم جلس وجلست ، وما نبس وما نبست ، حتَّى استوفيناه . فقلت لصاحب الحلوى : زن لأبي زيد من هذا اللَّوزنيج رطلين فهو أجرى في الحلوق ، وأَسرى في العروق وليكن ليلي العُمر يومي النَّشر رقيق الجلد كثيف الحشو ، لؤلؤي الدُّهن ، كوكبي اللَّون ، يذوب كالصمغ ، قبل المضغ . فوزنه وقعد وقعدت ، وجرد وجردت ، حتَّى استوفيناه ، ثم قلت : يا أبا زيد ، ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بثلج ليقصع هذه الصارة ، ويفثأ هذه اللُّقم الحارَّة ، اجلس يا أبا زيد حتَّى آتيك بسقاء ، يحيينا بشربة ماء ، وخرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني ، أَنظر ما يصنع به ، فلمَّا أبطأت عليه قام السواديّ إلى حماره ، فاعتلق الشّواء بإزاره . وقال : أَين ثمن ما أكلت ؟ فقال : أكلته ضيفاً ، فقال : هات وهات ، متى دعوناك ؟ زن يا أخا القحبة عشرين وإلاَّ أَكلت ثلاثاً وتسعين فجعل السواديّ يبكي ويمسح دموعه بأردانه ويحل عَقْدَه بأسنانه . ويقول : كم قلت لذلك القُرَيْدُ ، أنا أَبو عبيد وهو يقول أَنت أبو زيد . وأنشأ يقول :


اعْمِلْ لرِزْقِكَ كلّ آله ........ لا تَقعدَنَّ بذلِّ حالهْ وانْهَضْ لكلِّ عظيمةٍ ........ فالمَرْءُ يعجزُ لا محالهْ


ثم شجر بينه وبين أبي بكر الخوارزمي ما كان سبباً لهبوب ريح الهمذاني ، وعلو أَمره ، وقرب نجحه ، وبعد صيته ، إذْ لم يكن في الحسبان والحساب أَنَّ أَحداً من الأدباء والكتاب والشُّعراء ينبري لمباراته ، ويجترئ على مجاراته ، فلمَّا تصدَّى الهمذاني لمساجلته ، وتعرض للتحكك به ، وجرت بينهما مكاتبات ومبادهات ومناظرات ومناضلات ، وأَفضى العنان إلى العنان وقرع النبع بالنبع ، وغلب هذا قومٌ وذاك آخرون ، وجرى بينهما من الترجيح ما يجري بين الخصمين المتحاكمين والقرنين المتصاولين ، طار ذكر الهمذاني في الآفاق ، وارتفع مقداره عند الملوك والرؤساء ، وظهرت أَمارات القبول الإقبال على أموره ، وأَدَرَّ الله تعالى له أَخلاف الرزق ، وأركبه أَكتاف العزّ ، وأجاب الخوارزمي رحمه الله تعالى داعي ربّه عزَّ وجلَّ ، فخلا الجو للهمذاني ، وتصرفت به أحوالٌ جميلة ، وأسفارٌ كثيرة ، ولم يبقَ من بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلاَّ دخلها وجنى ثمرها ، واستفاد خيرها وميرها ، ولا بقي ملك ولا أَمير ، ولا رئيس ولا وزير ، إلاَّ استمطر منه بنوء . وسرى معه في ضوء ، ففاز برغائب النعم ، وحصل على غرائب القسم ، وألقى عصاه بهراة ، واتَّخذها دار قراره ، ومجمع أسبابه ، وما زال يرتاد للوصلة بيتاً يجمع الأَصل والفصل ، والطَّهارة والفضل ، والقديم والحديث ، حتَّى وفق للتوفيق كلّه ، وخار الله عزَّ وجلّ في مصاهرة أبي علي الحسين بن محمد الخشنامي وهو الفاضل الكريم الأَصيل الذي لا يزداد اختباراً ، إلاَّ زيد اختياراً ، فانتظمت أحوال أبي الفضل بصهره ، وتعرف القرَّ في عينه والقوَّة في ظهره ، واقتنى بمعونته ومشورته ضياعاً فاخرة ، وأثَّل معيشة صالحة ومروءة ظاهرة ، وعاش عيشة راضية ، وحين بلغ أشدَّه وأربى على أربعين سنة ناداه الله تعالى فلبَّاه ، وفارق دنياه ، في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة في حادي عشرة جمادى الأخيرة ، وقيل : مات مسموماً ، وقيل : عرض له داء السكتة فعجل دفنه وإنَّه أفاق في قبره وسمع صوته في الليل ، وإنَّه نبش فوجد وقد قبض على لحيته من هول القبر وقد مات فقامت عليه نوادب الأدب ، وانثلم حدّ القلم . وفقدت عين الفضل قرّتها ، وجبهة الدهر غرّتها ورثته الأَفاضل مع الفضائل ، وبكته المكارم مع الأَكارم ، على أنَّه ما مات من لم يمت ذكره ، ولقد خلَّد من بقي على جبهة الأَيَّام نظمه ونثره . والله تعالى يتولاَّه بعفوه وغفرانه ، ويحييه بروحه وريحانه .


وأنا أَذكر من طرف ملحه ولقط غرره ما هو غذاء القلب ، ونسيم العيش ، وقوت النفس ، ومادَّة الأُنس ، فأَقول :


فصل - من رقعة للخوارزمي وهو أول ما كاتبه به : أنا لقرب دار الأُستاذ كما طرب النشوان مالت به الخمر ، ومن الارتياح للقائه ، كما انتفض العصفور بلَّله القطر ، ومن الامتزاج بولائه ، كما التقت الصهباء والبارد العذب ، ومن الابتهاج لمزاره ، كما اهتزَّ تحت البارح الغصن الرطب .


فصل - ورد للخوارزمي كتاب يتقلَّب فيه على جنب الحرد ويتقلَّى على جمر الضجر ، ويتأوَّه من خمار الخجل ، ويذكر أن الخاصَّة قد علمت الفلج لأينا كان ، فقلت : استُ البائن أعلم ، والأَخبار المتظاهرة أعدل ، والآثار الظاهرة أَصدق ، وحلبة السباق أَشهد ، والعود إن نشط أَحمد ، ومتى استزاد زدنا ، وإن عادت العقرب عدنا ، وله عندي إِذا شَاءَ كلّ ما ساء ، ولن يعدم إِذا أَراد نقداً يطير فراخه ، ونقفاً يصمِ صماخه ، وما كنت أظنُّه يرتقي بنفسه إلى طلب مساماتي بعد ما سقيته نقيع الحنظل ، وأَطعمته الخراء بالخردل ، فإن كان الشَّقاء قد استهواه ، والحين قد استغواه ، فالنفس منتظرة ، والعين ناظرة ، والنعل حاضرة ، وهو منِّي على ميعاد ، وأنا له بمرصاد .


فصل - حَضْرَتُهُ التي هي كعبة المحتاج ، لا كعبة الحجَّاج ، ومشعر الكرم ، لا مشعر الحرم ، ومُنَى الضيف ، لا مِنَى الخيف ، وقبلة الصلات ، لا قبلة الصلاة .


فصل - من كتاب إلى أبيه : للشيخ لذّة في العتب والسَّب ، وطبيعة في العنف والأسف ، فإذا أعوذه من يغضب عليه ، فأنا بين يديه ، وإذا لم يجد من يصونه ، فأنا زبونه ، والولد عبد ليس له قيمة ، والظفر به عزيمة ، والوالد مولى أحسن أم أساء ، فليفعل ما شَاءَ .


فصل - من رقعة إلى خلف : سمعت منشداً ينشد :


لحَى اللهُ صُعْلوكاً مناه وهمُّهُ ........ من العَيْشِ أن يلقَى لبوساً ومطعمَا


فقلت : أنا معنيٌّ بهذا البيت ، لأني قاعد في البيت ، آكل طيب الطعام ، والبس لين الثياب ، ويفاض عليَّ نزل ، ولا يفوض إليَّ شغل ، ويملأ لي وَطْب ، ولا يدفع بي خطب ، هذا والله عيش العجائز ، والزمن العاجز ، وماء الرأس - أيَّدك الله ! - كثير الخيوط ، والضيف كثير التخليط ، وصبُّ هذا الماء خيرٌ من شربه ، وبعد هذا الضيف أَولَى من قربه ، وكأنِّي بالأَمير يقول ، إِذا قرئت عليه الفصول : الهمذاني رَأَى بهذه الحضرة من الإنعام ، ما لم يره في المنام ، فكفَّ عن الآثام ، ولعلَّه أَنشأ هذا الكتاب سكران ، فعدل به عادل السكر ، عن طريق الشكر ، وكأنَّه نسي مورده ، الذي أشبه مولده ، وإنَّما رفع لحنه ، حين أشبع بطنه ، واللَّئيم إِذا جاع ابتغى ، وإذا شبع طغى ، والهمذاني لو تُرك بجلدته ، يرقص تحت رعدته ، ما تربَّع في قعدته ، ولا تجشَّأَ من معدته ، ولكنَّه حين لبس الحلة ، وركب البغلة ، وملك الخيل والخَوَل تمنَّى الدول . ورَأس اليتيم يحتمل الوهن ، ولا يحتمل الدهن . وظهر الشَّقي يحتمل عدلين من الفحم ، ولا يحتمل رطلين من الشحم ، ولولا الشَّعير ما نهق الحمير ، ولو لم تقسع حاله لم يتَّسع مجاله ، وكذا الكلب يزمن حين يسمن ، ولا يتبع حين يشبع ، وعند الجوع يهمُّ بالرجوع .


رقعة إلى مستميح عاوده مراراً وقال له : لم لا تديم الجود بالذهب ، كما تديمه بالأَدب ؟ عافاك الله ! مثل الإنسان في الإحسان كمثل الأَشجار في الأَثمار ، سبيله إِذا أتى بالحسنة أن يرقعه إلى سنه ، وأنا كما ذكرت لا أملك عضوين من جسدي ، وهما فؤادي ويدي . أَمَّا الفؤاد فيعلق بالوفود ، وأمَّا اليد فتولع بالجود ، لكن هذا الخلق النفيس ، لا يساعده الكيس ، وهذا الطَّبع الكريم ، ليس يحتمله الغريم ، ولا قربة بين الذهب والأَدب فلم جمعت بينهما ؟ والأَدب لا يمكن ثَرْده في قصعة ، ولا صرفه في ثمن سلعة . ولي مع الأَدب نادرة ، جهدت هذه الأَيَّام بالطباخ ، أَن يطبخ من جِيمِية الشمَّاخ لوناً فلم يفعل ، وبالقصَّاب أَن يسمع أَدب الكتاب فلم يقبل . وأنشدت في الحمام ديوان أبي تمَّام فلم ينفذ ودفعت إلى الحجام مقطعات اللَّحام فلم يأخذ ، واحتيج في البيت إلى شيءٍ من الزيت ، فأنشدت من شعر الكميت ألفاً ومائتي بيت فلم يغن ، ولو وقعت أُرجوزة العجَّاج في توابل السكباج ما عدمتها عندي ، ولكن ليست تقع ؟ فما أَصنع ؟ فإن كنت تحسب اختلافك إليَّ إفضالاً عليَّ ، فراحتي أَن لا تطرق ساحتي ، وفرجي ، أن لا تجي ، والسَّلام .


فصل - إنَّ هذا الدِّين لذو تبعات : الصَّوم والفطام شديد ، والحجّ والمرام بعيد ، والصَّلاة والمنام لذيذ ، والزَّكاة والمال عزيز ، وصدق الجهاد ، والرأس لا ينبت بعدَ الحصاد ، والصبر الحامض ، والعفاف اليابس ، والجدّ الخشن ، والصدق المرّ ، والحقُّ الثَّقيل ، والكظم وفي اللقمة العظم .


رقعة - يا شبر ، ما هذا الكبر ؟ ويا فتر ما هذا الستر ؟ ويا قرد ما هذا البرد ، ويا يأجوج ، ما هذا الخروج ويا فقاع بكم تباع ؟ ويا فراني متى تراني ، ويا لقمة الخجل ، نحن ببابك ، ويا بيضة البقيلة من لنا بك ! ويا دبه ، ويا حبه ، ويا من فوق المكبه ، ويا من قرنه المذبه ، ويا من خلفه المسبه ، ويا دمل ما أوجعك ، ويا قمل لنا حديث معك ، إن رؤيت أُوذيت ، السَّلام .


فصل - أُعجوبه ، ولكنَّها محبوبه حين تصلِّي على النَّبيّ تنشاط وتنزل عن قيراط ، يا هي صبراً يا خبيث - إليك يساق الحديث ، إن عشنا وعشت رأينا الأتان تركب الطَّحَّان ، رُوح ولا جسد ، وصوت ولا أحد . والعود أحمق ، ومتى فَرْزَنْتَ يا بيدق بأَسخف من ناقد على راقد . وشرّ دهركَ آخره . أَيا عجباً أَيلد الأغرُّ البهيم ، وولد آزر إبراهيم :


يا أَيُّها العامُ الَّذي قَدْ رَابَنِي ........ أَنتَ الفداءُ لذكر عام أَوَّلاً


وما أُفدِّي العام ، ولكن الأنعام ، ولا أَشكو الأَيَّام ولكن اللِّئام ، علم أوَّل عدنان . والعَام هذا العريان لنا في كلِّ أوان أَمير يملأ بطنه والجار جائع ، ويحفظ ماله والعرض ضائع .


تَبَدَّلت الأَشياءُ حتَّى لخلْتها ........ سَتبدِي غُروب الشَّمْسِ من حيثُ تطلعُ


كانت السيادة في المطابخ ، فصارت في المباطخ . أشهد لئن كثرت مزارعكم لقد قلَّت مشارعكم ، ولئن سمنت أقفيتكم ، لقد أمحلت أَفنيتكم :


رَأَيْتكمْ لا يَصونُ العرْض جارُكُمُ ........ ولا يَدِرُّ على مَرْعاكُمُ اللَّبَنُ


فصل - من كتاب إلى ابن فارس : نعم أيَّد الله تعالى الشيخ ، إنَّه الحمأ المسنون ، وإن ظنّت الظُّنون ، والنَّاس ينسبون لآدم ، وإن كان العهد قد تقادم ، وتركبَّت الأَضداد واختلط الميلاد . والشيخ يقول : قد فسد الزَّمان . أَفلا يقول : متى كان صالحاً ؟ أَفي الدولة العبَّاسيَّة ؟ فقد رأَينا آخرها وسمعنا بأَوَّلها ! أَم في المدَّة المروانيَّة وفي أَخبارها :


لا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بأَغْبارِهَا


أَم السنين الحَرْبيَّة :


والسَّيْفُ يُغمدُ في الطُّلى ........ والرُّمْحُ يركزُ في الكلَى ومَبِيتُ حَجرٍ في الفَلاَ ........ والحرَّتانِ وكَرْبَلاَ


أَم البيعة الهاشميَّة وعليّ يقول : ليت العشرة منكم برأس من بني فراس ، أَم الأيَّام الأمويَّة والنفير إلى الحجاز ، والعيون إلى الأعجاز ، أَم الإمارة العَدويَّة ، وصاحبها يقول : وهل بعد البزول إلاَّ النزول ؟ أَم الخلافة التَّيْمِيَّة ، وصاحبها يقول : طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام . أَم على عهد الرِّسالة ويوم الفتح قيل : اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأَمانة ؟ أَم في الجاهليَّة ولَبيد يقول :


ذَهَبَ الَّذينَ يُعاشُ في أَكنافهمْ ........ وبَقيتُ في خلف كجلدِ الأَجْرَبِ


أَم قبل ذلك وأَخو عاد يقول :


بِلادٌ بها كنَّا وكنَّا نحبِّها ........ إذْ النَّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زمانُ


أَم قبل ذلك ويرْوى عن آدم عليه السَّلام :


تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عليها


أَم قبل ذلك وقد قالت الملائكة : "أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فِها ويَسْفِكُ الدِّماءَ" ما فسد النَّاس ، إنَّما اطَّرد القياس ، ولا أَظلمت الأَيَّام ، إنَّما امتدَّ الظَّلام ، وهل يفسدُ الشيء إلاَّ عن صلاح ، ويمسي المرءُ إلاَّ عن صباح .


ومنه - اثنان قلَّما يجتمعان : الخراسانيَّة والإنسانيَّة وأنا وإن لم أَكن خراساني الطِّينة ، فإنِّي خراساني المدينة ، والمرءُ من حيث يوجد ، لا من حيثُ يولد ، والإنسان من حيث يثبُت ، لا من حيثُ ينبُت ، فإذا انضافت إلى خُراسان ولادة همذان ارتفع القلم وسقط التكليف ، فالجُرْحُ جُبَار والجاني حِمَار ، لا جنَّة ولا نار ، فلتحملني على هناتي ، أَليس صاحبنا يقول :


لا تَلُمْنِي على رَكاكَةِ عَقْلِي ........ إذْ تَيَقَّنْتَ إنَّني هَمَذَانِي


فصل - مثل الشيخ في التماس الخِل ، كمثل المكدي في التماس الخَل ، تقدَّم إلى الخلاَّل فقال : يا منكوح العيال ، صبّ قليلاً من هذا الخل في هذا الإناء ، فقال الخلاَّل : قبَّح الله الكسل ، هلا التمست بها اللفظ العسل .


فصل - حج البيت مخنث فسئل عمَّا رأى فقال : رأَيت الصَّفا والحَجُون ، وقوماً يموجون ، وكعبة تزف عليها الستور ، وترفرف حولها الطيور ، وبيتاً كبيتي ، ولكن سل عن البخت ، لا عن البيت .


فصل - جرجان ، وما أدراك ما جرجان ؟ أَكلة من التين ، وموتة في الحين ، ونظرة إلى الثمار ، وأُخرى إلى الحفَّار ، ونجَّار إِذا رأى الخراساني نجر التابوت على قده ، وأسلف الحفَّار على لحده ، وعطَّار يُعِدُّ الحنوط برسمه ، وبها للغريب ثلاث فتحات : أَوَّلها لكراء البيوت ، والثانية لابتياع القوت ، والثالثة لثمن التابوت .


فصل - من رقعة إلى وارث مال : العزاء عند الأَعزَّة رشد كأنَّه الغيّ ، وقد مات الميت فليحي الحي ، فاشدد على مالك بالخمس ، فأنت اليوم غيرك بالأَمس ، كان ذلك الشيخ وكيلك ، تضحك ويبكي لك ، وسِيَعْجِم الشيطان عودك ، فإن استلانه رماك بقومٍ يقولون : خير المال متلفه بين الشَّراب والشَّباب ومنفقه بين الحَبَاب والأَحباب ، والعيش بين القداح والأَقداح ، ولولا الاستعمال ما أُريد المال ، فإن أطعتهم فاليوم في الشَّراب ، وغداً في الخراب ، واليوم واطرباً للكاس ، وغداً واحربا من الإفلاس . يا مولاي هذا المسموع من العود يسمِّيه الجاهل نقراً ، ويسمِّيه العاقل فقراً ، وذلك الخارج من الناي هو اليوم في الآذان زمر ، وهو غداً في الأَثواب جمر ، والعمر مع هذه الآلات ساعة ، والقنطار في هذا العمل بضاعة .


فصول قصار وألفاظ وأَمثال - المرء لا يعرف ببرده كالسيف لا يعرف بغمده . الحذق لا يزيد الرزق . والدعة لا تحجب السعة . إن للمتعة حدًّا وللعارية ردًّا . ما كل مائع ماء ، ولا كل سقف سماء ، ولا كل بيت ببيت الله ، ولا كل محمد رسول الله . الخبر إِذا تواتر به النقل قبله العقل . إنما يجذب السيف على الكلب لا على القلب ، والراجع في شيئه كالراجع في قيئه .


وهذه ملح وغرر من شعره في كل فن : فمن ذلك قوله من قصيدة في أبي القاسم ابن ناصر الدولة :


غُضِّي جُفُونَكِ يا رِيا _ ضُ فقدْ فَتنت الحورَ غَمْزا واقني حَيَاءَكِ يا رِيا _ حُ فقدْ كَدَدْتِ الغُصْنَ هَزَّا وارْفق بجَفْنكَ يا غما _ م فقدْ خَدَشْتَ الوَرْدَ وَخْزا خَلَعَ الرَّبيعُ على الرُّبا ........ ورُبُوعها خزًّا وبَزَّا ومَطَارِفاً قدْ نَقَّشَتْ ........ فيها يدُ الأَمطارِ طَرْزا أَسْرِ المطيّ إلى المدا _ م على جنيِّ الوَرْدِ جَمْزا أَوَمَا تَرَى الأَقْطارَ قدْ ........ أَخَذَتْ من الأَمطارِ عزَّا أَوَلَيسَ عجزاً أَن يفُو _ تكَ حُسْنُها أَوَلَيسَ عَجْزا حَلَّتْ عَزاليها السَّما _ ءُ فعادت البيداءُ نَزَّا وكأَنَّ أَمْطارَ الرَّبي _ عِ إلى نَدَى كَفَّيْكَ تعْزَى


وله من أُخرى :


خَرَجَ الأَميرُ ومن وراءِ ركابِهِ ........ غيري ، وعزَّ عليَّ أَن لم أَخْرُجِ أَصبحتُ لا أَدْرِي أَأَدعو طغمشي ........ أَم يكتكيني أَم أَصيح بترعجي وبَقيتُ لا أَدري أَأَرْكَبُ أَبرَشي ........ أَم أَدهمي أَم أَشهَبي أَم دبرجي يا سيِّد الأُمراءِ ما لي خَيْمَةٌ ........ إلاَّ السَّماءُ إلى ذرَاهَا أَلْتَجي كَتِفي بعيري إن ظَعَنت ومَفْرَشي ........ كمِّي وجنْحُ اللَّيلِ مَطْرَحُ هَوْدَجي


وله من قصيدة في أبي عامر بن عدنان :


ليلُ الصّبا ونهارُهُ سكْرَاناً ........ حَدَثان لم يعركهما حَدَثانُ يا زَفْرَةً ليَ لا يكادُ أَزيزُها ........ يَسَعُ الضُّلوعَ إليكَ يا هَمَذانُ قسماً لقد فَقَدَ العراقُ بي امرأً ........ ليست تجودُ بردّه البُلدَانُ يا دهرُ إن تَكُ لا محالَةَ مُزْعِجي ........ عن خصْلَتي ولكلِّ دَهْرٍ شانُ فاعْمَدْ براحِلَتي هَرَاةَ فإنَّها ........ عَدْنٌ وإنَّ رَئيسها عَدْنانُ


وله من قصيدة في الأَمير أبي عليّ وهو بمرو :


عليَّ أَن لا أُريحَ العِيسَ والقَتَبا ........ وأَلبسُ البِيضَ والظّلْماء واليَلَبَا وأَتْرُكُ الخودَ مَعْسولاً مُقَبَّلها ........ وأَهْجُرُ الكأسَ تَغْذو شَرْبها طَرَبَا حسْبِي الفَلا مَجْلِساً والبومُ مطربةً ........ والسَّيرُ يسْكِرني من مَسَّةِ تَعَبَا


ومنها :


وطفلةٌ كقَضيبِ البانِ مُنْعَطَفاً ........ إِذا مَشَتْ وهلالِ الشَّهرِ مُنْتَقَبَا تظلُّ تنثرُ من أَجْفانِها حَبَباً ........ دُوني ، وتَنظمُ من أسنانِها حَبَبَا قالتْ وقدْ عَلقتْ ذَيْلي تُوَدِّعني ........ والوَجْدُ يخْنقها بالدَّمعِ منْسَكبَا لا درَّ درُّ المعالي لا يزالُ بها ........ برْقٌ يسوقُكَ لا هَوْناً ولا كَثَبَا يا مشرعاً للمنى عَذْباً مَوَاردهُ ........ بيناهُ مبتسمُ الأَرْجاءِ إذْ نَضَبَا أَطلَعَتْ لي قَمَراً سعداً مَنَازلُهُ ........ حتَّى إِذا قلتُ يَجْلو ظُلْمَتي غَرَبَا كنتَ الشَّبيبة أَبهَى ما دَجَتْ دَرَجَتْ ........ وكنتَ كالوَرْدِ أذكَى ما أَتى ذَهَبَا أَسْتودِعُ الله عَيْناً تنتحي دفْعاً ........ حتَّى تؤوبَ وقلباً يرْتَمي لَهَبَا وظاعِناً أَخَذَتْ منهُ النَّوى وطراً ........ من قبلِ يقضي الهَوَى من حكمهِ أَرَبَا غُضِّي عليكِ قناعَ الصَّبْرِ إنَّ لنا ........ إليكِ أَوْبَةَ مشتاقٍ ومُنْقَلَبَا


ومنها :


أَبَى المقامَ بدارِ الذُّلِّ لي كرمٌ ........ وهمَّةٌ تصلُ التخويدَ والخَبَبَا وعزمة لا تزالُ الدَّهْرَ ضارِبةً ........ دون الأَميرِ وفوقَ المشتري طُنُبَا


ومنها :


يا سيِّدَ الأُمراءِ افْخَرْ فما ملكٌ ........ إلاَّ تمنَّاكَ مولاً واشْتَهاكَ أَبَا يا منْ تراهُ ملوكُ الأَرْضِ فوقهُمُ ........ كما يَرَوْنَ على أَبْراجِها الشُّهُبا لا تكذبَنَّ فخَيْرُ القَوْلِ أَصدَقهُ ........ ولا تهابَنَّ في أَمْثالِها العَرَبَا فما السَّمَوْأَلُ عهداً والخَليلُ قِرًى ........ ولا ابنُ سُعْدَى ندًى والشَّنْفَرَى غَلَبَا مِنَ الأَمير بمعشارٍ إِذا اقْتَسموا ........ مآثِرَ المَجْدِ فيما أَسلَفوا نَهَبَا ولا ابنُ حجرٍ ولا ذبيان يعشرني ........ والمازنيُّ ولا القيسيُّ منتدَبَا هذا لركبتهِ أَو ذا لرهبتِهِ ........ أَو ذا لرغبتهِ ، أَو ذا إِذا طَربَا


والقصيدة كلها غرر ، وتقدَّم شيء منها في شواهد التفريق . وله من قصيدة أُخرى ميكالية :


اذهب الكأس فعرفَ ال _ فَجْر قدْ كادَ يَلوحُ وهو للنَّاسِ صَباحٌ ........ ولذي الرَّأْيِ صبوحُ لا يَغُرَّنْكَ جسمٌ ........ صادِقُ الحُسْنِ ورُوحُ إنَّما نحنُ إلى الآ _ جالِ نَغْدُو ونَرُوحُ بينما أَنتَ صَحيحُ الجس _ مِ إذْ أَنتَ طَريحُ فاسْقِنِيها مثلَ ما يَلْفظ _ هُ الدِّيكُ الذَّبيحُ


وله من أُخرى ، في الملك المعظم ، يمين الدولة محمود بن سبكتكين :


تَعَالى الله ما شاءَ ........ وزادَ اللهُ إيماني أَإِفريدونَ في التَّاجِ ........ أَم الإسكندر الثاني أَم الرَّجعَةُ قدْ عادَتْ ........ إلينا بسليمانِ أَظَلَّتْ شمسُ محمودٍ ........ على أَنجمِ سامانِ وأمْسَى آلَ بهْرامٍ ........ عَبيداً لابنِ خاقانِ إِذا ما رَكِبَ الفيلَ ........ لحربٍ أَو لميدانِ رَأَتْ عَيْناكَ سلطاناً ........ على منكبِ شَيْطانِ


وله من قصيدة في جماعة من العمال حبسوا :


مالي أَرَى الحرّ ذاهباً دَمُهُ ........ ولا أَرَى النَذْلَ ذاهباً ذهبهْ أَراحَنَا اللهُ منكَ يا زَمان ........ أَرْعَنَ يصطادُ صقرَهُ خَرَبُهْ يا ساغِباً جائع الجوارحِ لا ........ يسكنُ إلاَّ بفاضلِ سَغَبهْ يا ضَرماً في الأَنامِ متَّقِداً ........ والجودُ والمجدُ والنُّهى حَطَبُهْ يا خاطِباً ساكِتاً وليسَ سِوى ........ نعي فتًى أَوْ فتوَّةٍ خُطَبُهْ يا صائِداً والعُلى فَريستهُ ........ وناهِباً والجمالُ مُنْتهبهْ يا سادَتي لا تَلِنْ عظامكُمُ ........ لعضَّةِ الدَّهْرِ إنْ يَهِجْ كَلَبُهْ فالدَّهْرُ لونانِ لا يدومُ على ........ حالٍ ، سريعٌ بالنَّاسِ مُنْقَلَبُهْ أَتَى بشَرٍّ لم نَرْتَقبهُ كذا ........ يأْتي بخيرٍ وليسَ نَرْتَقِبُهْ


ومحاسنه كثيرة ، وقد أوردنا منها ما فيه مقنع ، رحمه الله ! .


نَهَبَتْ من الأَعْمارِ ما لَوْ حَوَيْتَهُ ........ لَهُنِّئَتِ الدُّنْيا بأَنَّكَ خَالِدُ


البيت لأبي الطيب المتنبي ، من قصيدة من الطويل ، تقدَّم ذكر مطلعها ، وطرف منها في شواهد المقدمة ، ومنها قبل البيت :


أَخُو غَزَواتٍ لا تغبُّ سيوفُهُ ........ رقابهُمُ إلاَّ وسيحانُ جامِدُ فلمْ يبقَ إلاَّ من حَماهَا من الظبا ........ لَمَى شفتيها والثديُّ النواهِدُ تبكي عليهنَّ البطاريقُ في الدُّجَى ........ وهنَّ لدينا مُلْقَيَاتٌ كواسِدُ بذا قَضَت الأَيَّامُ ما بين أهلها ........ مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائِدُ ومن شرف الأَقدامِ أَنَّكَ فيهُمُ ........ على القتلِ موموقٌ كأَنَّكَ شاكِدُ وإنَّ دماً أَجريتهُ بك فاخِرٌ ........ وأَنَّ فؤاداً رُعْتَهُ لكَ حامِدُ وكلٌّ يرَى طُرقَ الشجاعَةِ والندَى ........ ولكنَّ طبع النَّفْس للنفس قائِدُ


وبعده البيت ، وبعده :


فأَنتَ حسامُ الملكِ واللهُ ضارِبٌ ........ وأَنتَ لواءُ الدِّينِ والله عاقِدُ


والشاهد فيه الاستتباع ، وهو : المدح بشيء يستتبع المدح بشيء على وجه آخر ، فإنَّ وصفه بالشجاعة على وجه استتبع مدحه بكونه سبباً لصلاح الدُّنيا ، حيث جعلها مهنأة بخلوده ، وفيه وجهان آخران : أَحدهما : أنَّه نهب الأَعمار دون الأَموال ، وهذا ينبئ بعلو الهمَّة ، كما قال الشاعر :


إِنَّ الأُسودَ أُسودَ الغَابِ همتها ........ يومَ الكَريهَةِ في المَسْلوبِ لا السلبِ


والثاني : أَنَّه لم يكن ظالماً في قتلهم ، إذْ لو كان كذلك لما كان لأهل الدنيا سرور بخلوده ، ومثله قول المتنبي في سيف الدولة :


إلى كمْ تَرُدّ الرسلَ عمَّا أُتَوْا بهِ ........ كأَنَّهم فيما وهبتَ مَلاَمُ


فإنَّه مدحه بالشجاعة والعز في رد الرسل عمَّا أَتوا به ، وصدِّهم عن مطلوبهم ، والتهاون بمرسلهم ، واستتبع في باقي البيت مدحه بالكرم ، لعصيان الملام في الهبات . وعجيب هنا قول أبي بكر الخوارزمي ، المستشهد به في التفريع ، وهو :


سمحُ البديهَةِ ليسَ يملكُ لفظَهُ ........ فكأنَّما ألفاظهُ من مَالهِ


فإنَّه مدحه بذلاقة اللسان على وجه استتبع الكرم . ومن شواهده قول بعض العراقيين يهجو بعض القضاة ، وقد شهد عنه برؤية هلال الفطر فلم يقبل شهادته :


إنَّ قاضِينا لأَعْمَى ........ أَمْ تراهُ يَتَعَامَى سرَقَ العِيدَ كأَنَّ ال _ عيدَ أَموالُ اليَتَامَى


ورأيت في اليتيمة هذين البيتين منسوبين للصاحب بن عباد ، وذكر معهما بيتين آخرين في معناهما ، وإن لم يكونا ممَّا نحن فيه ، وهما :


يا قاضِياً باتَ أَعْمَى ........ عندَ الهلالِ السَّعِيدِ أَفْطَرْتَ في رمضان ........ وصُمْتَ في يومِ عيدِ


ومن الاستتباع قول زكي الدين بن أبي الأصبع :


تَخَيَّلَ أَنَّ القِرْن وافاهُ سائِلاً ........ فَقابَلَهُ طَلقَ الأَسرَّةِ ذا بِشْرِ ونَادَى فرِنْدَ السَّيْفِ دُونكَ نحره ........ فأحسنُ ما تُهْدَى اللآلي إلى النحرِ


وقد أخذ ابن نباتة المصري نكتة النحر فقال :


تَهَنَّأ بعيدِ النَّحْرِ وابْقَ مُمَتَّعاً ........ بأَمثالهِ سَامِي العُلا نافِذ الأَمْرِ تُقلِّدنا فيهِ قلائِدَ أَنعمٍ ........ وأَحسنُ ما تبْدو القلائِدُ في النَّحْرِ أُقَلِّبُ فيهِ أَجْفَانِي كأَنِّي ........ أَعدُّ على الدَّهْرِ الذُّنُوبَا


البيت لأبي الطيب المتنبي من قصيدة من الوافر يمدح بها علي بن محمد بن سيار بن مكرم التميمي ، أَوَّلها :


ضُروبُ النَّاسِ عُشَّاقٌ ضُرُوباً ........ فأَعذرُهُمْ أَشفُّهمْ حَبيبَا وما سَكني سِوَى قَتْلِ الأَعادِي ........ فهلْ من زَوْرَةٍ تَشْفي القُلُوبَا تظلُّ الطَّيْرُ منها في حَديثٍ ........ تردُّ به الصَّرَاصِرَ والنعيبَا وقد لبسَتْ دِماؤُهُمُ عليهمْ ........ حِداداً لم تشقُّ لها جُيوبَا أَدَمْنا طَعْنَهُمْ والقَتْلَ حتَّى ........ جَلَطْنا في عِظامِهمُ الكُعوبَا كأَنَّ خُيولَنا كانتْ قَديماً ........ تُسَقَّى في قُحوفهمُ الحَليبَا فمَرَّتْ غيرَ نافِرَةٍ عليهمْ ........ تَدوسُ بِنا الجَماجِمَ والتّريبَا


إلى أن قال في وصف اللَّيل :


أَعَزْمي طالَ هذا اللَّيل فانْظُرْ ........ أَمِنْكَ الصُّبْح يَفرَق أَن يَؤوبَا كأَنَّ الفَجْر حِبٌّ مستزارٌ ........ يراعي من دُجُنَّته رَقيبَا كأَنَّ نُجومَهُ حَلْيٌ عليهِ ........ وقدْ حذيتْ قوائمه الجَبوبَا كأَنَّ الجوَّ قاسَى ما أُقاسي ........ فصارَ سَوَاده فيهِ شُحوبَا كأَنَّ دجَاه يجذبها سهادِي ........ فليسَ تَغيبُ إلاَّ أَنْ يَغِيبَا


وبعده البيت ، وبعده :


وما ليلٌ بأَطوَلِ مِنْ نَهَار ........ يظلُّ بلَحْظِ حسَّادِي مريبَا وما موتٌ بأَبْغَضَ من حياةٍ ........ أَرَى لَهُمُ مَعي فيها نَصيبَا عرفت نَوائِبُ الحَدَثانِ حتَّى ........ لو انْتَسَبَتْ كنتُ لَها نَقيبَا


وهي طويلة . وقريب من معنى البيت قول القاضي الفاضل :


وقدْ خَفَقَتْ رَاياته فكأَنَّها ........ أَنامِلُ في عُمْرِ العَدُوِّ تحاسِبُهْ


ويضارعه أيضاً قول ابن سناء الملك يرثي :


أَوسَعت فيه الدَّهْرَ عتباً مُؤْلماً ........ فأَجابَنِي بالبهْتِ والبُهْتانِ قلبي يُحاسبهُ على إجْرامِهِ ........ ويَعُدُّها بأناملِ الخَفَقانِ


وقول عكاشة بن عبد الصمد القمي في وصف عوَّادة :


وكأَنَّ يُمْناها إِذا نَطَقَتْ بهِ ........ تَلْقَى على يدها الشّمال حِسَابَا


وقوله أيضاً :


إِذا ما حَكَت بالعُود رَجْعَ لِسانها ........ رأَيْتَ لِسانَ العودِ عن كفِّها يُمْلِي


وقول ابن قلاقس :


كأَنَّ دُموعي إذْ تكاثَرَ وَقْعها ........ تعدُّ على الدُّنْيا بهنَّ المَساوِيَا


ولطيفٌ قول ابن الخيمي في سبحة :


وسُبْحَةٍ مسوّدةٍ لونها ........ يحكي سواد القَلْبِ والناظِرِ كأَنَّني وقتَ اشْتِغالِي بها ........ أَعدُّ أَيَّامَكَ يا هَاجِرِي


والشاهد فيه : الإدماج ، وهو : أَن يضمِّن كلاماً سيق لمعنى - مدحاً كان أَو غيره - معنى آخر ، فهنا ضمّن وصف الليل بطول الشكاية من الدهر . ومنه قول عبد الله بن طاهر لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد وكان عبد الله قد اختلَّت حاله فكتب إلى ابن سليمان يقول :


أَبى دَهْرُنا إِسعافَنَا في نُفُوسنَا ........ وأَسْعَفَنا فِيمنْ نُحِبُّ ونكرمُ فقلتُ لهُ نُعماكَ فيهمْ أَتمَّها ........ ودَعْ أَمْرنَا إنَّ المهمّ المُقدَّمُ


ففطن ابن سليمان لمراده ووصله واستعمله ، وقول الصاحب بن عبَّاد يمدح الوزير أَبا الفضل بن العميد :


إنَّ خَيْرَ المدَّاح من مَدَحَتْهُ ........ شُعراءُ البِلادِ في كلِّ نادِي


فأَدمج الافتخار في أَثناء المدح ، وإنَّما أَلمَّ به من قول يزيد بن محمد المهلبي لابن مدبر حيث قال :


إِنْ أَكُنْ مهدياً لكَ الشِّعْرَ إنِّي ........ لابْنُ بيتٍ تُهدَى له الأَشعارُ


ومثله قول مؤلّفه رحمه الله تعالى :


ففخْراً بشعرٍ من فتًى كان أَهلهُ ........ يُهاديهمُ بالشِّعْرِ من كان يَشْعرُ


وقوله أيضاً :


ولا زالَ كل رفيع الذّرى ........ يَصوغُ الجواهر في المدْحِ لك


ومنه قول ابن المعتز في وصف الخيري :


قدْ نَفَضَ العاشِقونَ ما صنعَ ........ الهَجْرُ بألوانهمْ على وَرَقِهْ


وقول ابن نباتة السعدي :


ولا بُدّ لي من جَهْلةٍ في وصاله ........ فَهلْ مِنْ حليم أُودِعُ الحلْم عِنْدَه


وقول وجيه الدولة فيه :


أفْدي الذي زارَني بالسَّيْفِ مُشْتَمِلاً ........ ولَحظُ عَينَيهِ أمْضى من مَضاربهِ فما خلَعْتُ نجاداً في العِناق له ........ حتى لَبِستُ وشاحاً من ذَوائبهِ وباتَ أسْعَدُنا حظًّا بِصاحبِه ........ مَنْ كان في الحُبِّ أشقانا بِصاحبِه


وقول العفيف التلمساني :


وأعِدْ لي حديثَهُ فلسَمْعي ........ فرْطُ وجْدٍ باللؤلُؤ المنثور ثمَّ صِفْ لي ذؤابة منه طالت ........ ودجَتْ فهيَ ليلة المَهْجور


وقول بعض الأندلسيين :


وحقك لا رضيتَ بذا ، لأني ........ جعلت وحقك القسم الجليلا


قيل : إن قائله بشار بن برد ، وهو من الرمل ، وقبله :


خاطَ لي عَمرٌو قَباء


وبعده :


قلتُ شعراً لَيْسَ يُدْرى ........ أمَديح أم هجاءْ


يروى أنه فصل قباء عند خياط أعور اسمه عمرو أو زيد كما في تحرير التحبير فقال له الخياط على سبيل العبث به : سآتيك به لا تدري أهو قباء أو دواج ، فقال له : إن فعلت ذلك لأنظمن فيك بيتاً لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك أم عليك ، ففعل الخياط ، فقال هذا البيت .


ومثله ما حكاه ميمون بن هارون قال : تقدم جعيفران الموسوس إلى يوسف الأعور القاضي بسر من رأى في حكومة في شيء كان في يده من وقف له ، فدفعه عنه وقضى عليه ، فقال له : أراني الله أيها القاضي عينيك سواء ، فأمسك عنه ، وأمر برده إلى داره ، فلما رجع أطعمه ووهب له دراهم ، ثمَّ دعا به فقال له : ماذا أردت بدعائك أردت أن يرد الله عليّ من بصري ما ذهب ؟ فقال له : والله لئن كنت وهبت لي هذه الدراهم لأستحي منك إنك لأنت المجنون ، لا أنا ، أخبرني كم من أعور رأيته عمي ؟ قال : كثير ، قال : فهل رأيت أعور صح قط ؟ قال : لا ، قال : فكيف توهمت على الغلط ؟ فضحك منه وصرفه .


والشاهد في البيت التوجيه : وهو إيراد الكلام محتملاً لوجهين مختلفين ، فهنا يحتمل تمني العوراء صحيحة وعكسه .


ومن شواهد قولُ الشاعر في الحسن بن سهل حين تزوج المأمون بابنته بوران :


بارَكَ الله للحسن ........ ولبوران في الختن يا ابن هارون قد ظفر _ تَ ولكن ببنت مَنْ


فلم يعلم ما أراد بقوله ببنت من في الرفعة أو في الحقارة . ومنه أيضاً قول ابن هانئ الأندلسي :


لا يأكُل السِّرحان شِلْوَ طعينِهمْ ........ ممَّا عليهِ من القَنا المتكسِّرِ


فإنه يحتمل المدح ويكون المقتول منهم والرماح المتكسرة رماح أعدائهم ، ويحتمل الذم ويكون المقتول من أعدائهم والرماح لهم .


ومنه أيضاً قول المتنبي في كافور الأخشيدي :


ولله سِرٌّ في عُلاك وإنما ........ كلامُ العِدا ضربٌ من الهَذيان


ومن محاسن التوجيه قول الوداعي :


مَنْ أمّ بابكَ لم تبرحْ جَوارحهُ ........ تَرْوي أحاديث ما أوليتَ من منَن فالعينُ عَنْ قُرّةٍ والكَفُّ عن صِلةٍ ........ والقلبُ عن جابر والسَّمْع عن حسَن


فإن هذا البيت يصدق على المعنى الواحد ، وهو أسماء الأعلام من رواة الحديث ، وعلى المعنى الآخر ، وهو المناسبة بين العين والقرة ، والكف والصلة ، والقلب والجبر ، والسمع والحسن .


وقول السراج الوراق :


يخَافُ التبرُ سَطوَة راحتيهِ ........ ولوْنُ الخائفِ المُرْتاع أصفَرْ يُقصِّر آل بَرْمك عن نداهُ ........ فنُعماهم لدَى نُعماهُ تُكْفَرْ له فضلٌ لنا منه رَبيعٌ ........ وبحر نَدًى ولا أرضي بجعفر


وقول ابن نباتة المصري :


خليليَ كم رَوض نزلت فناءه ........ وفيه ربيعٌ للنزيل وجعفر وفارقته والطير صافرة به ........ وكم مثلها فارقتها وهي تصفر


ومثله قول محيي الدين بن عبد الظاهر يصف نهراً صافياً ، في روض نزيه :


إِذا فاخرته الريح ولت عليلةً ........ بأذيال كُثْبان الرُّبا تتعثر به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ........ به الروض يحيي وهو لا شك جعفر


ومثله قول مؤلفه ، وهو مما كتب به على تربة بجوار قبر الإمام الشافعي ، رضي الله عنه وأرضاه ! وهو :


بأبوابِ الكرام وضعت رحلي ........ لكي يَرْوَى بفيض الجود مَحْلي ومن أضحى نزيل المجد يحيى ........ بجعفر فضله السامي المحَلِّ


وقوله من قصيدة :


أتى وهو بحرٌ لا يقاس بفضله ........ ربيع ، وَكم يحيى إِذا جاء جعفر


وقول عمر بن الوردي رحمه الله تعالى :


هويت أعرابية رِقُها ........ عذب ، ولي فيه عذاب مذاب رأسي بها شيبان ، والطَّرْف من ........ نَبْهان ، والعذال فيها كلاب


ومنه قول ابن النقيب أيضاً يهجو :


أرى ناظري من عابس الوجه يابس ........ له خُلُقٌ صعب ووجه مُقَطّب أقول له إذْ أيأستني صفاته ........ وإن قيل إني في المطامع أشعب متى يظفر الآتي إليك بسؤله ........ وينجح من مسعاه قصد ومطلب ولؤمك سيار وشرُّك ياسر ........ ووجهك عباس وخلقك مصعب


ومما جاء في التوجيه في قواعد العلوم قول القاضي شرف الدين المقدسي ، في شيء من قواعد الفقه وتلطف ما شَاءَ :


احجج إلى الزهر لتحظى به ........ وارم جمار الهم مستنفرا من لم يطف بالزهر في وقفة ........ من قبل أن يحلق قد قصرا


ومنه في الحديث قول ابن جابر الأندلسي :


قالت أعندك من أهل الهوى حبر ........ فقلت إني بذاك العلم معروف مسلسل الدمع من عَيْنَيَّ مرسله ........ على مُدَبَّجِ ذاك الخد موقوف


وقوله أيضاً :


عارضوا مرسل الظلام بنقل ........ مُسْنَدٍ عن حِسان تلك الفروع عذلوا في رواية الحبِّ جفني ........ معَ جرح الدموع عند الهموع عنعنوا نقلَ لوعتي عنْ دُموعي ........ عن جُفوني عن قلبيَ الموجوعِ


ومن التوجيه في أسماء السور قول السراج الوراق :


كلُّ قلبٍ عليّ كالصخر ما لا _ نَ وهيهاتَ أن تلينَ الصخورُ مُغلق الباب ما تلا سورة الفتح ........ وقافٌ من دونهِ والطورُ


وقول أبي الحسين الجزار :


أشكو لعدلك جور دهر جائرٍ ........ فضلتْ بهِ فُضَلاءهُ الجهالُ مُنِعت به عقلاؤه إذْ قُسِّمَتْ ........ بالجور في أنعامهِ الأنفالُ


وقول المولى الفاضل علي بن مليك :


ألا يا بني الروم القتال فدونكمْ ........ فأنا تدرّعنا الحديد إلى الحشرِ ولا زالَ آيَ الفتح تَتْلو رماحنا ........ وأسيافنا نتلو بها سورة النصر


ومثله قول مؤلفه رحمه الله تعالى من أبيات :


وزلزلةٍ كادت تهدُّ بعزمها ........ أقاليم لا يبقى لها أبداً أثرُ وَواقعةٍ قد صارَ منها تغابنٌ ........ على الروم لا تنفك أو يحصل الحشرُ لقدْ سمعوا وقع الحديد فلا ترى ........ لهم همة نحو القتال ولا كرُّ


وله أيضاً في وقعة مصر :


فدموعهم في الذاريات وروحهمْ ........ في النازعات وكربهم لا يُقْدَرُ لا معقلا يلقونه كلا ، ولا ........ كهفاً ولو لجأ لقاف لأحصروا شَمْسُ السعادة عنهمْ قد كوِّرتْ ........ وعليُّ قدْرهمُ غدا يتقهقرُ والملك طلقهم طلاقاً بائناً ........ ما دامَ عصرٌ في الوَرى يتكرر لما أبَوْا تحريمَ ما قدْ سَنَّه ........ وأتى بهِ المزَّمّل المدَّثر


ومنه في أسماء القراء قول السراج الوراق :


يا جواداً له القرَى والقرَاءا _ ت وفيهِ منْ كلّ نفعٍ وخيرِ إن مددتَ العطاء مدة وَرْشٍ ........ ليسَ هذا عليّ بالمقصور دمت لي نافعاً كما أنا راجٍ ........ عاصماً لي من فجأة المحذور


ومن التوجيه في النحو قول أمين الدين عليّ السليماني :


أضيفَ الدُّجى معنًى إلى لون شعرهِ ........ فطالَ ، ولولا ذاك ما خص بالجر وحاجبُهُ نون الوِقاية ما وقتْ ........ على شرطها فعل الجفون من الكسر


وكان بالعراق عاملان : أحدهما : اسمه عمر ، والآخر اسمه أحمد ، فعزل عمر عن ولايته ، واستقر مكانه أحمد بمال وَزَنه ، فقال فيه بعض الشعراء :


أيا عمرُ استعدّ لغير هذا ........ فأحمد في الولاية مطمئنُّ فتصدق فيك معرفة وعَدْلٌ ........ وأحمد فيه معرفة ووَزْنُ


ومثله قول كمال الدين الشريشي في قاض عزل اسمه أحمد :


يا أحمد الرازيّ قمْ صاغراً ........ عزلت عن أحكامكَ المسرفهْ ما فيكَ إلاَّ الوزنُ ، والوزْن لا ........ يمنعكَ الصَّرْف بلا معرفهْ


ومثله قول ابن عنين ، فيمن عزل عن وظيفته وكانت سيرته غير مشكورة :


شكا ابن المؤيد من عزله ........ وذمَّ الزمان وأبدى السفهْ فقلت له لا تذمَّ الزما _ نَ فتظلم أيامه المنصفهْ ولا تغضبنّ إِذا ما صُرِفْتَ ........ فلا عَدْلَ فيك ولا معرفهْ


وقول بدر الدين الأسعردي في بعض مدرسي العجم :


يقولونَ إنَّ المَجْد بالقصفِ مولعٌ ........ فقلتُ لهمْ ما اعْتادَ شيئاً سوى القصفِ فقالوا أَساء علماً ولفظاً بمجلسٍ ........ فلِمْ مَنَعُوا عن صرفِهِ راغم الأَنفِ فقلت لتأنيثٍ به ولعجمةٍ ........ فقالوا لقد تُلْجِي الضرورات للصرفِ ولا بدَّ من تقطيعه عندَ قبضهِ ........ فقدْ زادَ بسط الكَفِّ في جهةِ الوقفِ


ورشيق قول شرف الدين بن ريان :


أتيتُ حانَةَ خمَّارٍ وصاحبها ........ محارف متقن للنحوِ ذو لَسَنِ وحوله كلّ هيفاء منعمة ........ وكلّ علق رشيق أَهيف حَسَنِ فقالَ لي إذْ رأَى عيني قد انصرَفَتْ ........ إلى البِناءِ كلام الحاذقِ الفَطِنِ أَنّث وركب وَصف واعدل بمعرفةٍ ........ واجمع وزد واسترح من عجمة وزنِ


وما أحسن قول بعضهم :


خط وحظ ، وشعر ماله ........ سعر ، أَأَنثر فيهما أَم أَنظم كم جهداً أَرفَعُ قصّتي ويحطّها ........ حطِّي وأنصب والحوادث تجرم وبديعٌ قول الشهاب التلعفري : وإذا الثَّنيَّةُ أَشرَقَتْ وشممْتَ من ........ أَرْجائِها أَرَجاً كنَشْرِ عَبيرِ سَلْ هضبهَا المنصوبَ أَينَ حديثه ال _ مَرْفوعُ من ذَيْلِ الصبا المجرُورِ


وله في معناه أيضاً :


قُلْ للصّبا سرًّا فإنَّ لها شذاً ........ يُضْحي بما يُفْضَى إليه مُذيعَا يا ذَيلها المجرُور عن هضبِ الحمى ال _ منصوبِ هاتِ حَديثها المَرْفوعَا


وقول الصفي الحلي يصف رياض الميطور :


إنْ جزتَ بالمَيْطورِ مبتهجاً به ........ ونظرتَ باطنَ دَوحهِ المَمْطورِ وأَراكَ بالآصالِ خفقَ هَوائهِ ال _ مَمْدودِ تحريكُ الهَوَى المقصورِ سَلْ بانهُ المنصوبَ أَينَ حَديثهُ ال _ مَرْفوعُ من ذَيْلِ الصَّبَا المَجْرورِ


وذكرت بالمقصور والممدود هنا بيتين قلتهما ، وهما من هذا الباب الذي نحن بصدده :


رَبِّ من جاءَ نحوَنا بالفُجُورِ ........ لا تُجِزْهُ من شرِّ صَرْفِ الدُّهورِ وأَضِفْهُ إلى المَنايا سَريعاً ........ لنراهُ الممدودَ في المقصورِ


وظريف قول بعضهم أيضاً :


عَرِّجْ بِنا نحوَ طُلولِ الحِمَى ........ فلم تزَلْ آهلَةَ الأَربُعِ حتَّى نُطيلَ اليومَ وَقْفاً على السا _ كِنِ أَو عَطْفاً على الموضِعِ


وقول أبي الفتح البستي أيضاً :


عُزِلْتُ ولم أُذنبْ ولم أَكُ جانِياً ........ وهذا لإنصافِ الوزيرِ خِلافُ حُذِفْتُ وغيري مُثْبَتٌ في مكانِهِ ........ كأَنِّيَ نونُ الجمعِ حينَ يُضافُ


وقوله أيضاً :


وبَصيرٍ بمعاني ال _ شِّعْرِ والإعرابِ جدَّا قالَ لي لمَّا رآني ........ طالباً مالاً ورِفْدَا إنَّ مالي يا حَبيبي _ لازمٌ لا يتعدَّى


وقوله :


أُدْرِجْتُ في أَثناء نسيانكمْ ........ حتَّى كأَنِّي أَلِفُ الوصلِ


وقوله أيضاً :


أَفدي الغَزالَ الذي في النَّحوِ كلَّمني ........ مُناظِراً فاجْتَنَيْتُ الشَّهْدَ من شفتهْ وأَورَدَ الحججَ المقبول شاهدُها ........ محقّقاً ليُريني فَضْلَ معرفتهْ ثمَّ افتَرَقْنا على رأْيٍ رَضيتُ به ........ الرفعُ من صفَتي والنَّصْبُ من صفتهْ


وما ألطف قول السرَّاج الورَّاق :


كمْ أُناديكَ مفرداً علماً أُرْ _ فَعُهُ عالماً بشرطِ المنادَى وجَوابي مُلْغًى يُحاكي للولاَ ........ خبراً لو أَتَى بهِ ما أَفَادَا


وظريف قول الشاب الظريف محمد بن العفيف :


يا ساكِناً قَلْبي المُعَنَّى ........ وليسَ فيهِ سواهُ ثانِي لأيِّ معنى كَسَرْتَ قَلْبي ........ وما الْتَقَى فيهِ ساكِنانِ


قال الصلاح الصفدي : وهذا المعنى فيه نقص ، لأنَّ القلب ظرف لاجتماع الساكنين ، وحينئذ يكون الساكنان غير القلب ، والكسر إنَّما وقع على القلب ، لا على أَحد الساكنين ، ومن تأمله حق التأمل ظهر له هذا الإيراد موجَّهاً ، وقد ذكرت ذلك لجماعة من كبار المتأدِّبين ، وما رأيت فيهم من تَنَبَّه له . وقد نظم الفقر مؤلف الكتاب بيتين ، راجياً سلامتهما من هذا الإيراد ، وهما :


قَلْبي من الهَجْرِ في اضطرابِ ........ يا ساكِناً فيهِ دونَ ثانِي فكيفَ عامَلْتهُ بكسرٍ ........ وما الْتَقَى فيهِ ساكِنانِ


وفي معناه قول شرف الدين القيرواني ، في رجل عجز عن افتضاض عِرْسِهِ ليلة البناء ، وهو :


كمْ ذَكَرٍ في الوَرَى وأُنْثَى ........ أولى منَ اثنين باثنتينِ إنَّ اللَّيالي أَتَتْ بلَحْنٍ ........ لجمعها بين ساكِنينِ


وقول السراج الورَّاق :


يا ساكِناً قَلْبي ذكرتك قبله ........ أَرأَيتَ قبلي من بدَا بالساكِنِ وجعلتُهُ وَقْفاً عليكَ وقد غدَا ........ متحرِّكاً بخلافِ قلبِ الآمِنِ وبذَا جرَى الأَعرابُ في نحوِ الهَوَى ........ فإليكَ مَعذِرَتي فلستُ بلاحِنِ


وما أحسن قول ابن نباتة المصري :


بكيتُ وما يُجدي البكاء عن العانِي ........ ولكنَّ تَشْتيت الأَحبَّةِ أَشْجانِي كأَنَّ زماني ضاقَ لحناً فلم يكنْ ........ ليَجْمَعَ بين السَّاكنينِ بأَوْطانِي


ولمحاسن الشواء أيضاً :


أَرسَلَ فَرْعاً ولَوَى هاجِري ........ صدْغاً فأَعْيا بهما واصفهْ فخلْتُ هذا حيَّةً خلفهُ ........ تسعَى وهذا عقرَبا واقفهْ ذا ألفٌ ليست لوصلٍ ، وذا ........ واوٌ ولكن ليستِ العاطفهْ


وللسليماني أيضاً :


نصبتُ على التَّمييزِ إنسانَ مقلتي ........ أُشاهدُ قدًّا منه نَصْباً على الظَّرْفِ أَأَخشَى فراقاً بعدها أَو قساوةً ........ وقد جاء واوُ الصدْغِ للجمعِ والعطفِ


ومثله لمؤلفه :


تُطعمني في الوصلِ أَصداغهُ ........ حينَ تُريني أَحرفَ العَطْفِ


ومن لطائف البهاء زهير قوله من هذا الباب :


يقولونَ لي أَنتَ الذي سارَ ذكرهُ ........ فمنْ صادرٍ يُثْني عليهِ ووارِدِ هَبُوني كما قد تزعمونَ أَنا الذي ........ فأَينَ صِلاتِي منكُمُ وعَوائِدِي


ونظير ذلك ما اتفق لابن عنين ، وهو أنَّه مرض ، فكتب إلى الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ، صاحب دمشق :


انظُرْ إليَّ بعينِ مولًى لم يزلْ ........ يُولِي النَّدَى وتلافَ قبلَ تلافِي أَنا كالَّذي أَحتاجُ ما يحتاجهُ ........ فاغنم دُعائِي والثناءَ الوافِي


فعاده الملك المعظم ، ومعه خمسمائة دينار ، وقال : أَنت الَّذي ، وأَنا العائد ، وهذه الصلة . ومثله قول جعفر الأديب المصري :


وافيتُ نحوكُمُ لأرفعَ مبتداً ........ شعري وأنصبَ خَفْضَ عَيشٍ أَغبَرَا حاشاكُمُ أَن تقطعوا صلة الَّذي ........ أَو تصرفُوا منْ غيرِ شيءٍ جَعْفَرَا


وقول الأَمير أَمين الدين السليماني :


وإنِّي الَّذي أَضْنَيْتَهُ وهَجَرْتَهُ ........ فهل صلةٌ أَو عائدٌ منكَ للَّذي


ولابن حجلة :


قَطَعَ الأَحبَّةُ عادَتي منْ وصلهمْ ........ فكأَنَّ قلبي بالتواصلِ ما غُذِي فإذا سمعتمْ في النحاةِ بعاشقٍ ........ منعوهُ منْ صلةٍ لهُ فأَنا الَّذي


وقول الآخر :


لا تهجرُوا من لا تَعَوَّدَ هَجركمْ ........ فهو الَّذي بلبانِ وصلكم غُذِي ورَفَعْتُمُ مقدارهُ بالابتدا ........ حاشاكُمُ أَن تقطعُوا صلةَ الَّذي


وقول الآخر :


لمَّا رَأَتْ عيناكَ أنِّي كالَّذي ........ أَبدُو فينقصني السّقامُ الزَّائدُ وافَيْتَني ووَفَيْتَ لي بمكارِمٍ ........ فَنَدَاكَ لي صِلةٌ وأَنتَ العائِدُ


ولابن حجلة أيضاً :


ومُسْتترٍ من سَنا وجهه ........ بشمسٍ لها ذلك الصدغ فَيْ كَوَى القَلْبَ منِّي بلامِ العِذارِ ........ فَعَرَّفَني أَنَّها لامُ كَيْ


وما أَلطف قول محاسن الشواء :


وكنَّا خمسَ عشرةَ في الْتِئامٍ ........ على رغْمِ الحَسودِ بغيرِ آفَهْ فقدْ أَصبحتُ تنويناً وأَضْحَى ........ حَبيبي لا تفارِقُهُ الإضافهْ


وقوله أيضاً :


لنَا صَديقٌ له خِلالٌ ........ تُعْرِبُ عن أَصلهِ الأَخَسِّ أَضحتْ لهُ مثلَ كَفٌّ ........ ودِدْتُ لو أنَّها كأَمْسِ


ومثله قول أبي محمد الواسطي :


لنا صديقٌ فيه انْقِباضٌ ........ ونحنُ بالبَسْطِ نَستلِذُّ لا يَعْرف الفَتْحَ في يديهِ ........ إلاَّ إِذا ما أَتاهُ أَخْذُ فكفُّهُ أَينَ حينَ يُعْطَى ........ شيئاً وبعدَ العَطاءِ مُنْذُ


وقول عمر بن الوردي رحمه الله :


قلتُ لنَحْوِيٍّ إِذا عُرِّضا ........ لهُ بأَوقاتِ الرِّضَى أَعْرَضا يا حِبُّ لو أَصْبَحَ بابُ الرِّضَى ........ كيفَ لما كنت كأَمس مَضَى


وقول ابن يعمور في المجون :


ومَليحٍ يعلِّمُ النَّحِوَ يحكي ........ مشكلاتٍ له بلفظٍ وَجيزِ ما تميَّزْتُ حسنهُ قط إلاَّ ........ قامَ إيري نَصْباً على التَّمييزِ


وقول ابن الأَردخل ومعناه المجيد في البناء :


أَيرٌ أَنامُ الليلَ وهو يَقومُ ........ حامِي الإهابِ كأَنَّهُ محمومُ مُغْرًى بطولِ الجرِّ إلاَّ أَنَّهُ ........ مازالَ مَفْتوحاً على المضمُومُ


وقول السراج الوراق :


ومُبَخَّلٍ بالمالِ قلْتُ لعلَّهُ ........ يَنْدَى وظنِّي فيهِ ظَنٌّ مخلَفُ جَمْعُ الدراهمِ ليسَ جمْعَ سَلامَةٍ ........ فأَجابَني أَنَّهُ لا يُصْرَفُ


وقوله أيضاً :


كمْ يريدُ الخبَّازُ يرفَعُ رطلي ........ وأُرجَّى بالنصبِ مشيَ أُمُوري وإلى كمْ شِرَايَ بالجرِّ منهُ ........ وانْصِرافي بخاطِرٍ مَكْسورِ


ومن التوجيه في العروض والنحو قول السباسكوني يهجو عروضيًّا نحويًّا :


لا تنكروا ما ادَّعَى فلانٌ من ........ الشِّعْرِ إِذا قالَ إنَّهُ شاعِرْ فالنَّحْو والعَروض قد شَهدا ........ لهُ على الشعر أَنَّهُ قادِرْ يقصرُ مَمْدودَهُ وينْصبُهُ ........ في الجرِّ نَصْبَ الغُرْمول في الآخِرْ يُريكَ وهو البسيطُ دائرةً ........ تجمعُ بين الطَّويلِ والوافِرْ


ومن التوجيه في علم العروض قول نصر الله بن الفقيه المصري :


وبقلبي من الفرَاقِ مَديدٌ ........ وبَسيطٌ ووافرٌ وطويل لم أَمنْ عالِماً بذاكَ إلى أنْ ........ قَطَّعَ القلبَ بالفِراق الخليل


ولابن سارة فيه أيضاً :


وبي عروضيٌّ سريعُ الجَفَا ........ وجْدِي بهِ مثل جَفَاه طَويلْ قلتُ لهُ قَطَّعْتَ قلبي أَسًى ........ فقالَ لي التَّقْطيعُ دأب الخليلْ


وللسليماني فيه أيضاً :


لا تعذُلَنِّي في العَرُو _ ضِ وإنْ رَأَيْتَ القَصْدَ جائِرْ جارَتْ عليَّ دوائرٌ ........ فجهَدْت في فكِّ الدَّوائِرْ


ومنه وقول الآخر :


تقاطَعَ صاحبَايَ على هناةٍ ........ جرَتْ بعدَ التَّصافنِ والتَّصافِي ودامَا لا يضمّهما مكانٌ ........ كأَنَّهما معاقبة الزحافِ


ومن التوجيه في صناعة الكتابة قول ابن الساعاتي :


لله يومٌ في سيوطَ وليلةٌ ........ حلفَ الزَّمانُ بمثلهَا لا يغْلطُ بتْنا وعمر اللَّيْلِ في غُلَوائهِ ........ وله بنورِ البَدْرِ فرعٌ أَشْمطُ والطَّلُّ في سلكِ الغُصونِ كلؤلؤٍ ........ رَطْبٍ يُصافحهُ النَّسيمُ فيسقطُ والطَّير يقرأُ والغَديرُ صحيفةٌ ........ والرِّيحُ تكتبُ والغمامُ ينقَّطُ


ومنه وقول ابن لنكك المصري :


قِفِ انْظر إلى السَّحَابِ كأَنَّهُ ........ نِثارٌ وأَحداقُ القراراتِ تلقطه إِذا كتبت أَيدي الرِّياح على الثَّرَى ........ بنَوْرٍ فأَيْدي الغَيْم بالقَطرِ تنقطه


وقول أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان :


أَأَخا الفَوارس لوْ رَأَيْتَ مَوَاقِفِي ........ والخَيْلُ من تَحْتِ الفَوَارس تنْحط لَقَرَأْتَ منها ما تخطُّ يَدُ الوَغَى ........ والبِيضُ تشكلُ والأَسنَّةُ تَنْقطُ


وقول الصاحب بن عبَّاد يصف الوحل :


إنِّي ركبْتُ وكفُّ الأَرضِ كاتِبَةٌ ........ على ثِيابي سُطُوراً ليسَ تنكتمُ والأَرضُ مِحْبرةٌ والحبْرُ من لثقٍ ........ والطّرْسُ ثوبي ويُمنى الأَشْهَب القلمُ


وقول حازم في مقصورته يصف ماء :


إِذا عَلا نَشيشهُ عود ما ........ جُزَّ منَ النَّبْتِ الجميمِ ودَحَا ونَفَثَ الفضَّةَ ذَوْباً وغَدَا ........ يَخُطُّ ما كانَ الزَّمانُ قد مَحَا


وهو مأخوذ من قول أبي إسحاق بن خفاجة :


وعَشيّ أُنْسٍ أَضجعَتْني نِسْوةٌ ........ فيهِ تُمهِّدُ مضْجَعي وتُدَمِّثُ خَلَعَتْ عليَّ بهِ الأراكَةُ ظِلَّها ........ والغُصْنُ يُصغي والحمَامُ يُحَدِّثُ والشَّمْسُ تَجْنَحُ للغروبِ مريضَةً ........ والرَّعْدُ يَرْقى والغَمامَةُ تنفثُ


ومثله قول ابن قاضي ميله :


وجَوْنِ مُرنُّ الرَّعد يَستنُّ ودقه ........ تَرَى بَرْقهُ كالحَيَّة الصِّلّ تطرفُ كأنِّي إِذا ما لاحَ والرَّعْدُ مُعْولٌ ........ وجَفْنُ السَّحَابِ الجَوْن بالماءِ يذرفُ سليمٌ وصَوْتُ الرَّعْدِ راقٍ وودقُهُ ........ كنفثِ الرُّقى من سُوء ما أَتكلَّفُ


وما أحسن قول ابن عبد الظاهر :


مُفردٌ في جَمالهِ إنْ تبدَّى ........ خجلَتْ منهُ جُمْلَةُ الأَقمارِ كيفَ أَرْجو الوَفاءَ منهُ وعاملتُ ........ غَريماً منْ لحظهِ ذا انْكِسارِ ذو حواشٍ تلُوحُ من قلم الرَّ _ يحانِ في خدِّهِ فجَلَّ البارِي فيهِ وجدِي مُحَقَّقٌ وسلوِّي ........ وكلامُ العذُول مثْلُ الغبارِ فلِسانِي في وصفهِ قلم الشِّعْ _ رِ ورقِّي المكتوبُ بالطُّومارِ


وبديع قول ابن جابر ، وذكر الأَقلام السبعة :


تَعليقُ رِدْفك بالخَصْرِ الخَفيفِ لهُ ........ ثُلثُ الجمالِ وقدْ وَفَّتْهُ أَجْفانُ خَدٌّ عليهِ رِقاعُ الرَّوْضِ قد خلعت ........ وفي حواشيهِ للصُّدْغينِ ريحَانُ خطّ الشَّبابُ بطومار العذَار بهِ ........ سطْراً ففَضَّاحهُ للنَّاسِ فتَّانُ مُحققٌ نسخ صبري في هوَاهُ ومن ........ توقيع مَدْمَعيَ المنثور بُرهانُ يا حُسْنَ ما قلم الأَشعار خَطَّ على ........ ذاكَ الجَبين فلا يَسلوهُ إنسانُ أَقْسَمْتُ بالمصحفِ السَّامي وأَحرفه ........ ما مرَّ بالبالِ يوماً عنكَ سُلوَانُ ولا غبارَ على حبِّي فعِندكَ لي ........ حسابُ شوقٍ لهُ في القَلْبِ دِيوانُ


ولمؤلفه رحمه الله تعالى من أبيات :


وبطومَارِ الوَفَا يَنْسخ ما ........ وقع القَلْبُ بهِ إذْ يَهْجُرُ ويشمُّ القَلْبُ ريحانُ الرّضَى ........ ليسَ فيهِ لغبار أَثَرُ فَرَجائي فيهِ قَدْ حقَّقه ........ من رقاع عدُّها لا يُحْصَرُ


وله رحمه الله تعالى من أبيات أُخرى :


يا صاحِبَ الإنشاءِ ما ........ سِوَاكَ عنهُ يخبرُ عسَى بطومَار الوفَا ........ توقيع سَعْدِي يُزْبَرُ وأَجْتَني ريحانَهُ ........ دونَ غبار يُضْجِرُ ومن حَوَاشي مجدِهِ ........ أَنْسخُ ما يكرّرُ ففي مُحَقَّقِ الرَّجا ........ منكَ الرِّقاع تُسطرُ


ولابن مليك فيه أيضاً :


فالخَدُّ بانَ الوَرْدُ فيهِ مُحقّقاً ........ والصُّدْغُ فيهِ مُسلسلٌ رَيحانُهُ


وما أَبدع قوله بعده ، وإن لم يكن ممَّا نحن فيه :


والخالُ حينَ بهِ تبدَّى أَسوَدَاً ........ أَيقنْتُ أَنَّ شقيقَهُ نَعمانُهُ


وقول أيضاً :


وَرْدِيُّ خدٍّ قَدْ ذكَا نَشْرُهُ ........ عليهِ لمَّا ضاعَ دارَ العِذَارْ أُقسِمُ بالفضَّاح من عَبْرتي ........ رَيحانُهُ ليسَ عليهِ غُبارْ


وما أَبدع قوله بعده أيضاً :


فاتِرُ جفنٍ باردٌ ريقُهُ ........ بينهُما القَلْبُ من الوَجْدِ حارْ


وهذه الأَبيات من قصيدة بديعة مطلعها :


ما كُنْتُ أَدْري قبلَ نبتِ العِذَارْ ........ أَن يطلعُ الرَّيحانُ في الجلنارْ


ومن التوجيه في علم الرمل قول البهاء زهير :


تعلَّمْتُ عِلْمَ الرَّملِ لما هَجَرْتَني ........ لعلِّي أَرى شكلاً يدُلُّ على الوصلِ فقالوا طريقٌ قلتُ يا ربِّ لَلِّقَا ........ وقالوا اجتماعٌ قُلتُ يا ربِّ للشَّمْلِ


وقول جمال الدين بن مطروح :


حلاَ ريقُهُ والدُّرّ فيه مُنَضَّدٌ ........ ومَنْ ذا رأَى في العذبِ دُرًّا مُنَضَّدَا رأَيتُ بخَدَّيهِ بياضاً وحُمْرَةً ........ فقلتُ ليَ البُشْرَى اجتماعٌ تَوَلَّدَا


ومن التوجيه في علم الهندسة قول ابن جابر أَو العلوي الأَديب المصري في مليح مهندس وأجاد :


يُحيطُ بأَشكالِ الملاحَةِ وجْهُهُ ........ كأَنَّ بهِ إقليدساً يتحدَّثُ فعارِضُهُ خطُّ استواءٍ وخالهُ ........ بهِ نُقْطَةٌ والصُّدْغُ شكلٌ مثلَّثُ


وقول ابن النبيه في صبي يشتغل بالهندسة :


وبي هندسيُّ الشَّكْلِ يَسبيكَ لَحْظهُ ........ وخالٌ وخدٌّ بالعذَارِ مطرَّزُ ومذْ خطَّ بيكار الجَمال عِذَارهُ ........ كقَوْسٍ علمنا إنَّما الخالُ مَرْكزُ


وقول ابن التلميذ أَو أبي علي المهندس المصري :


تقَسَّمَ قلبي في محبَّةِ مَعْشَرٍ ........ بكلِّ فتًى منهمْ هَوَايَ مَنُوطُ كأَنَّ فُؤادي مرْكزٌ وهمُ له ........ محيطٌ وأَهْوَائي إليه خطوطُ


وظريفٌ قول بعضهم :


لمَّا انثَنَى وهوَ البسيطُ تَبَيَّنت ........ لي منهُ دائرةٌ كحَلْقَةِ خاتمِ ورَأَيْتُ في الشَّكْلِ المدَوَّرِ نقطَةً ........ فحللت مَرْكزَها بخَطٍّ قائمِ


وقول ابن قلاقس النحوي :


إنَّ الرُّميلِيَّ فتى راويَهْ ........ للطِّبِّ والفَلسفَةِ العَالِيَهْ حازَ المساحات فأَضْحَى بها ........ يستَنْبِطُ الماءَ بلا ساقِيَهْ كأَنَّما ينزلُ مَخْروطهُ ........ على عمودٍ قائمِ الزَّاوِيَهْ


وقول هشام بن أحمد الرقشي :


قد بيَّنَتْ فيه الطَّبيعَةُ أَنَّها ........ ببديع أَعمَال المهَندِسِ باهرَهْ عبثتْ بمبسمهِ فخطَّتْ فوقهُ ........ بالمسكِ قوساً من محيط الدَّائرَهْ


ومنه في علم النجوم قولُ ابن جابر :


يا حسنَ ليلتنا التي قدْ زارَني ........ فيها فأَنجَزَ ما مضَى من وَعْدِهِ قَوَّمْتُ شمسَ جماله فوجدتها ........ في عقربِ الصُّدْغِ الذي في خدِّهِ


ومنه في علم الموسيقى قول البدر بن لؤلؤ الذهبي :


وبمهْجَتي المتحمِّلونَ عشيَّةً ........ والرَّكْبُ بينَ تلازمٍ وعناقِ وَحُداتهمْ أَخَذَتْ حجازاً بعدَ ما ........ غَنَّتْ وراءَ الرَّكْبِ في العشَّاقِ


ومن التوجيه النظيف ، قول ابن نباتة المصري ، في أسماء منتزهات دمشق :


يا حبَّذا يومي بوادِي جِلَّقٍ ........ ونُزْهَتي معَ الغَزالِ الحالِي من أَوَّلِ الجَّبْهَةِ قدْ قبلته ........ مرتشفاً لآخرِ الخلخالِ


ومحاسن التوجيه كثيرة ، فلنقتصر على هذه النبذة ، والله أَعلم .


إِذا ما تَميمِيٌّ أَتاكَ مُفاخِراً ........ فقلْ عدِّ عنْ ذَا كيفَ أَكْلُكَ للضبِّ


البيت لأبي نُواس من قصيدة من الطويل ، يهجو تميماً وأَسداً ، ويفتخر بقحطان ، أَوَّلها :


أَلا حَيِّ أَطْلالاً بسيحانَ فالعذبِ ........ إلى مُرَعٍ فالبئرِ بئرِ أبي رُغبِ تمَشَّى بها عُفْرُ الظِّباءِ كأَنَّها ........ أَخاريدُ من رُومٍ يُقَسَّمْنَ في نَهْبِ عليها من السَّرحاءِ ظلٌّ كأَنَّهُ ........ هذا ليلُ ليلٍ غير مُنْصَرمِ النحْبِ تلاعب أَبكارَ الغمامِ وتنتمي ........ إلى كلِّ زحلوق وخالفة صعبِ منازل كانت من حذامِ وفَرْتَنَا ........ وتربيهما هندٍ فناهيكَ من تربِ


وبعده البيت ، وبعده :


تُفاخِرُ أبناء الملوكِ سفاهَةً ........ وبولكَ يَجْرِي فوقَ ساقكَ والكَعْبِ إِذا ابتدَرَ النَّاسُ الفعال فخذْ عصًى ........ ودَعدعْ بمعزى يا ابن طالقَةِ الذَّرْبِ


وهي طويلة . والشاهد فيه : الهزل الذي يراد به الجد ، فإن سؤال التميمي عن أكله الضب في معنى الاستهزاء ، وإذا تأملته في الحقيقة فهو جدّ ، لأن تميماً يكثرون من أكل الضب ويُعَيِّرون به . وكان الحيصَ بيصَ الشاعرُ تميمياً ، فقال أبو القاسم بن الفضل ، أو الرئيس علي بن الأعرابي يهجوه :


كم تباري وكَمْ تُطَوِّلُ طرْطو _ رَكَ ما فيك شعرةٌ من تميمِ فكلِ الضبَّ واقرضِ الحنظل الأخ _ ضرَ واشرب ما شئت بَوْلَ الظليمِ ليسَ ذا وَجْهَ من يُضيف ولا يَقْ _ ري ولا يدفع الأذى عنْ حريمِ


ومن شواهد ما أنشده ابن المعتز لأبي العتاهية :


أرقيكَ أرقيكَ باسم الله أرْقيكا ........ من بُخْل نفسكَ علَّ الله يشفيكا ما سِلْمُ كفكَ إلاَّ مَنْ يناولها ........ ولا عدوَّكَ إلاَّ من يُرَجِّيكا


والفاتح لهذا الباب امرؤ القيس بقوله :


وقد عَلمتْ سلمى وإن كانَ بَعْلَها ........ بأنّ الفَتى يهذي وليسَ بفعَّالِ


قال ابن أبي الأصبع : ما رأيت أحسن من قوله ملتفتاً وإن كان بَعْلَها ، ومنه قول ابن جابر :


تزعمُ يا ظبيُ مساواتها ........ ولستُ أبدي لكَ تفنيدا إن كان ما تزعمُ عارِضْ لَنا ........ مقلتها واحْكِ لنا الجيدا


وقول ابن دانيال :


قلْ لغصن الأراك ويحكَ تحكي ........ قدَّ محبوبتي ولم تَخْشَ منِّي أنا لولا غَفَلْتُ عنها فماستْ ........ ما تعلمتَ أنتَ منها التثَنِّي


وقول ابن نباتة المصري :


سلبتْ محاسنُكَ الغزالَ صفاتِه ........ حتَّى تحير كلُّ ظبي فيكا لكَ جيدهُ ولحاظه ونفارهُ ........ وغدا نظيرُ قُرونه لأبيكا


وقول أبي جعفر الغرناطي :


عارَضَ البدرُ وجنتيها فقلنا ........ عدّ عن ذا وقل لنا عن محاقكْ أوثَقَتْني بِحبها ثمَّ قالتْ ........ ليَ بالله كيفَ حالُ وثاقكْ


ولابن حجة الحموي فيه أيضاً :


وصاحب تسمح لي نفسه ........ بغدوة لكنْ إِذا ما انتشى يضحك سنِّي للغَدا عندهُ ........ لكنني أقلع ضرسي العشا


وقريب من معناه قول الأديب الأسطر لأبي :


لنا صاحبٌ نهوى محل فنائهِ ........ ولا يهتدي ضيفٌ محل فنائهِ نزلتُ عليهِ مرَّةً فأضافني ........ ولكنْ إلى الأقصى أني بغدائهِ


وقريب من معناه قول بعضهم :


نزلتُ على أبي سعدٍ فَحيَّا ........ وهيأ عندهُ فُرُشَ المقيلِ وقال عليَّ بالطباخ حتَّى ........ يزيد من البواردِ والبقولِ فغدَّاني برائحة الأماني ........ وعَشَّاني بميعادٍ جميلِ


وقول القاضي كمال الدين بن النبيه :


ألا يا ربّ هبْ لي منك عمْراً ........ كليلةِ كل ضيفٍ بات عندهْ فكم أعطى كدُهْنِ اللوز لفظاً ........ وكم مخض الكلام بغير زُبْدَهْ وسَفَّفَني سفوفَ الريحِ منه ........ ولعقني لعوقَ الماءِ عِنْدَهْ أيا شجَرَ الخابور ما لكَ مورقاً ........ كأنَّكَ لم تجزع على ابن طريف


البيت لليلى بنت طريف الشيباني ، ترثي أخاها الوليد بن طريف ، من أبيات من الطويل :


بتلِّ نباتي رَسْمُ قبر كأنه ........ على عَلَم فوق الجبال منيفِ تَضَمَّنَ جوداً حاتمياً ونائلاً ........ وسوْرَة مقدام وقلب حصيفِ


ورأيت في تاريخ ابن خلكان هذا البيت على غير هذا الوضع ، وهو :


تضمَّنَ مجداً عاصمياً وسودداً ........ وهمَّة مقدام ، ورأي حصيف


وبعده البيت ، وبعده :


فتى لا يحبُّ الزَّادَ إلاَّ من التُّقى ........ ولا المال إلاَّ من قَناً وسيوفِ ولا الذّخرَ إلاَّ كلّ جرداء صلدم ........ معاودة للكرِّ بينَ الصُّفوفِ كأَنَّكَ لم تشهدْ هناكَ ولم تَقُمْ ........ مقاماً على الأَعداءِ غير خفيفِ ولم تستلم يوماً لوردِ كريهَةٍ ........ من السَّرْدِ في خضراء ذات لفيفِ ولم تسمع يوم الحرب والحرب واقعٌ ........ وسُمْرُ القَنا يَنهزْنها بأُنوفِ حليفِ النَّدى ما عاشَ يرْضَى بهِ النَّدَى ........ فإنْ ماتَ لم يَرْضَ النَّدَى بحليفِ فقدْناك فُقْدانَ الشَّبابِ وليتنا ........ فديناك منْ فتياتنا بأُلوفِ وما زالَ حتَّى أزهقَ الموت نفسه ........ شَجًى لعدوّ أَو نجا لضعيفِ أَلا يا لقومي للحمامِ وللبَلَى ........ وللأَرضِ هَمَّتْ بعده برَجيفِ وللبدر من بين الكواكبِ قد هَوَى ........ وللشَّمْسِ لمَّا أَزمعتْ لكسوفِ ولليثِ كلّ الليث إذْ يحملونهُ ........ إلى حفرةٍ ملحودةٍ وسقيفِ أَلا قاتَلَ اللهُ الرَّدَى حيثُ أضمرتْ ........ فتًى كانَ للمعروفِ غيرَ عيوفِ فإِنْ يَكُ أَرْداهُ يزيدُ بنُ مِزْيَدٍ ........ فرُبَّ زُحُوفٍ لفَّها بزُحُوفِ عليهِ سلامُ اللهِ وَقْفاً فإنَّني ........ أَرَى المَوْتَ وَقاعاً بكلِّ شَريفِ


وكان الوليد بن طريف هذا رأس الخوارج ، وأشدُّهم بأساً وصولةً ، وأشجعهم . وكان من بالشماشية لا يأمن طرُوقهُ ، واشتدَّت شوكته ، وطالت أيَّامه ، فوجه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني ، فجعل يخاتله ويماكره ، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد بن مزيد ، فأغرَوا به الرشيد ، وقالوا : إنَّه يتجافى عنه للرحم ، وإلاَّ فشوكة الوليد يسيرة ، وهو يواعده ، وينتظر ما يكون من أمره ، فوجَّه إليه الرشيد كتاب مُغْضَب يقول فيه : لو وجهت أقل الخدم لقام بأَكثر ما تقوم به أنت ، ولكنك مُداهن متعصب ، وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن أَخرت مناجزة الوليد ليوجهنّ إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين ، فلقي الوليد عشية خميس في شهر رمضان ، فيقال : إنَّ يزيد جهد عطشاً حتَّى رمى بخاتمه في فِيه ، وجعل يلوكه ويقول : اللهم إنها شدَّة شَديدة ، فسهلها ، وقال لأصحابه : فداكم أبي وأُمي ! إنَّما هي الخوارج ، فإنَّهم إِذا انهزموا لو يرجعوا ، وكان كما قال ، حملوا حمله فثبت يزيد ومن معه من عشيرته وأَصحابه ، ثمَّ حمل عليهم فانكشفوا ، واتبع يزيد الوليد بن طريف فلحقه بعد مسافة بعيدة ، فاحتزَّ رأسه ، وكان الوليد خرج إليهم حين خرج ، وهو يرتجز ويقول :


أَنا الوليدُ طريف الشَّارِي ........ قسوَرَة لا يُصْطَلى بنارِي جَوْرُكُمُ أَخْرَجَني من دارِي


فلما وقع فيهم السيف وأخذ رأس الوليد صحبتهم أَخته ليلى بنت طريف مستعدة على الدرع والجوشن ، فجعلت تحمل على الناس ، فعُرِفت ، فقال يزيد : دعوها ، ثمَّ خرج إليها فضربَ قَطَاة فرسها ، ثمَّ قال لها : اغْرُبِي ، غرَّب الله عليك ، فقد فضحتِ العشيرة ، فاستحيت وانصرفت ، وهي تقول الأبيات ، وكان ذلك في سنة تسع وسبعين ومائة .


ولمَّا انصرف يزيد بالظَّفر حُجب برأي البرامكة ، وأَظهر الرشيد السخط عليه ، فقال ، وحقّ أَمير المؤمنين لأصيفنَّ واشتونَّ على فرسي أَو أدخل ، فارتفع الخبر بذلك ، فأذن له ، فدخل ، فلما رآه أمير المؤمنين ضحك وسرَّ وأَقبل يصيح : مرحباً بالأَعرابي ، حتَّى دخل وأُجلس ، وأُكرم ، وعرف بلاؤه ونقاءُ صدره ، ومدحه الشعراء بذلك . وكان أَحسنهم مدحاً مسلم بن الوليد ، فقال فيه قصيدته التي أَوَّلها :


أَجْرَرْتُ حبلَ خليعٍ في الصّبا غزلِ ........ وقصرَتْ هممُ العذال عنْ عَذَلي هاج البكاء على العَيْنِ الطموح هَوًى ........ مُفَرَّقٌ بينَ توديعٍ ومرتحلِ كيفَ السلوُّ لقلبٍ باتَ مختبلاً ........ يَهْذي بصاحِبِ قلبٍ غيرِ مُخْتَبِلِ


إلى أن يقول فيها :


يفترُّ عندَ افترارِ الحَرْبِ مُبتسماً ........ إِذا تغيَّرَ وجهُ الفارسِ البَطَلِ مُوفٍ على مُهجٍ في يومِ ذي رَهجٍ ........ كأَنَّهُ أَجَلٌ يسعَى إلى أمَلِ ينالُ بالرّفقِ ما تعيَا الرِّجالُ بهِ ........ كالموتُ مستعجِلاً يأتي على مَهلِ


إلى أَن يقول :


والمارِقُ ابنُ طريفٍ قد دَلَفْتَ لهُ ........ بعارضٍ للمنايا مُسبلٍ هطلِ لو أنَّ غيرَ شَريكيٍّ أَطافَ بهِ ........ فازَ الوليدُ بقِدْحِ الناضلِ الخضِلِ ما كانَ جمعهمُ لما دَلَفْتَ لهمْ ........ إلاَّ كمثلِ جَرَادٍ رِيعَ مُنجفِلِ


ولليلى أُخت الوليد بن طريف فيه مراث كثيرة منها قولها :


ذكرتُ الوليدَ وأيَّامَهُ ........ إذْ الأَرضُ من شخصهِ بلقعُ فأَقبلتُ أَطلبهُ في السَّماءِ ........ كمَا يَبْتَغِي أَنفهُ الأَجْدَعُ أَضاعَكَ قومُكَ فليطلبُوا ........ إعارَةَ مثلِ الذي ضيعُوا لو أَنَّ السّيوفَ التي حَدَّها ........ يصيبكَ تعْلمُ ما تصنعُ نَبَتْ عنكَ أَو جفلَتْ هيبةً ........ وخوفاً لصولكَ لا تقطعُ


والخابور : رأس بين رأس العين والفرات يصب إليه .


والشاهد في البيت : تجاهل العارف ، وسماهُ السكاكيّ : سوق المعلوم مساق غيره ، وهي هنا توبيخ ، فإنها تعلم أَنَّ الشجر لا يجزع على ابن طريف ، لكنها تجاهلت واستعملت كأن الدالَّة على الشك ، والله أعلم .


أَلَمْعُ بَرْقٍ سَرَى أَمْ ضَوْءُ مصباحِ ........ أَمِ ابتسامتها بالمنظَرِ الضاحِي


البيت للبحتري ، وهو من أَول قصيدة من البسيط ، يمدح بها الفتح ابن خاقان ، وبعده :


يا بؤْسَ نفسٍ عليها جِدّ آسفةٍ ........ وشجوَ قلبٍ إليها جدّ مرتاحِ يهتزُّ مثل اهتزازِ الغصنِ أَتعبهُ ........ مرورُ غيثٍ منَ الوَسْمِيّ سَحَّاحِ ويرجعُ اللَّيلُ مبيَضًّا إِذا ابتسمَتْ ........ عنْ أبيضٍ حَصِرِ السمطين لماحِ وَجَدت نفسكَ من نفسي بمنزلةٍ ........ هي المُصافاةُ بين الماءِ والرَّاحِ أثْنِي عليكَ بأنِّي لم أجدْ أَحَداً ........ يلحي عليكَ ، وماذا يزعمُ اللاَّحي وليلَةِ القصرِ والصَّهباء قاصرَةً ........ للهوٍ بينَ أَباريقٍ وأَقْداحِ حييتُ خَدَّيكَ بلْ حييتُ من طَرَبٍ ........ وَرْداً بوَرْدٍ ، وتُفَّاحاً بتفَّاحِ


وهي طويلة ، ومنها في المَخْلَصِ :


كمْ نظرَةٍ في جبالِ الشَّامِ لو نظرَتْ ........ رَوَت غليلَ فؤادٍ منكَ مُلتاحِ والعِيسُ ترمي بأَيديها على عَجَلٍ ........ في مهمهٍ مثلَ ظَهْرِ الترسِ رَحْراحِ نُهْدي إلى الفتح ، والنُّعمى بذاكَ لهُ ........ مَدحاً يقصِّرُ عنهُ كلّ مَدَّاحِ


والضاحي : الظاهر . والشاهد في هذا البيت : تجاهل العارف للمبالغة في المدح ، فإنَّه بالغ في مدح ابتسامها ، بحيث لم يفرق بينه وبين لمع البرق وضوء الصباح كما هو ظاهر .


هو من الوافر ، وصدره :


وما أَدْري وسوفَ إِخَالُ أَدْرِي


وقائله زهير بن أبي سُلْمَى ، من قصيدة طويلة ، قالها في هجاء بيت من كلب من بني عليم ، وكان بلغه عنهم شيء ، وكان رجل من بني عبد الله لبن غطفان أَتي بني عليم ، فأَكرموه لمَّا نزل بهم ، وأحسنوا جواره وواسوه . وكانَ رجلاً مولعاً بالقمار ، فنهوه عنه ، فأَبى إلاَّ المقامرة ، فقمِرَ مرَّة فردُّوه عليه ، ثمَّ قمر أُخرى فردُّوه عليه ، ثمَّ قمر الثالثة ، فلم يردُّوه عليه ، فترحَّل عنهم وشكا ما صُنع به إلى زهير ، والعرب حينئذ يتَّقون الشعراء اتَّقاءً شديداً ، فقال القصيدة ، وأَوَّلها :


عَفا من آلِ فاطمَةَ الجِوَاءُ ........ فيُمْنٌ فالقوادمُ فالحساءُ فذوهاشٍ فَمِيثُ عريتناتٍ ........ عفتها الرِّيحُ بعدكَ والسَّماءُ فلمَّا أَن تَحَمَّلَ آلُ ليلَى ........ جَرَتْ بيني وبينهمُ ظباءُ جَرَتْ سُنُحاً فقلتُ لها أَجيزِي ........ نوًى مشمولةً فمتى اللِّقاءُ كأَنَّ أَوابِدَ الثِّيرانِ فيها ........ هَجائنُ في مَغابنها الطلاءُ لقدْ طالبْتها ولكلِّ شيءٍ ........ إِذا طالَتْ لجاجتهُ انتِهاءُ وقدْ أَغْدو على شَرْبٍ كرامٍ ........ نَشاوَى واجِدينَ لما نشاءُ لهمْ راحٌ وراووقٌ ومسكٌ ........ تعلُّ بهِ جُلودُهمُ وماءُ أمشِّي بينَ قتلَى قد أُصيبتْ ........ دِماؤُهمُ ولمْ تقطرْ دِماءُ يجُرُّونَ البرُودَ وقد تَمَشَّتْ ........ حُميَّا الكأسِ فيهمْ والغنَاءُ


وبعده البيت ، وبعده :


فإنْ تكنِ النِّساءُ مُخبآتٍ ........ فَحُقَّ لكلِّ محصنةٍ هِدَاءُ


وكان زهير يقول : ما خَرَجت قط في ليلةٍ ظلماء إلاَّ خفتُ أَن يصيبني الله عزَّ وجلّ بعقوبة لهجائي قوماً ظلمتهم .


والشاهد في البيت : تجاهل العارف للمبالغة في الذم ، وفيه دلالة على أنَّ لفظ القوم لا يطلق إلاَّ على الرِّجال خاصَّة .


بالله يا ظبياتِ القَاعِ قلنَ لنَا ........ لَيْلايَ منكنَّ أَمْ ليلى مِنَ البَشَرِ


البيت من قصيدة من الطويل ، واختلف في نسبته : فنسب للمجنون ، ولذي الرُّمَّة ، وللعَرجيّ ، وللحسين بن عبد الله الغزي ، ونسبه الباخرزي ، في دمية القصر ، لبدويّ اسمه : كامل الثقفي ، والأَكثرون على أنَّه للعَرجيّ ، وأَول قصيدة كامل الثقفي :


إنسانَةُ الحَيِّ أَم أدماءة السمُرِ ........ يا للنهى رقصها لحنٌ منَ الوترِ يا مَا أُميلح غزلاناً شدَنَّ لنَا ........ من هؤُليَّاء بينَ الضال والسمُرِ


وقال ابن داود في الزهرَة : قال بعض الأَعراب :


يا سَرحَةَ الحيِّ أينَ الرُّوحُ وا كبدِي ........ لهفاً تذوبُ وبيتِ الله من حسرِ ما أنتِ عجماء عمَّا قد سُئلتِ فمَا ........ بالُ المنازِلِ لم تنطق ولم تحِرِ يا قاتَلَ الله غاداتٍ قَرَعْنَ لها ........ حبَّ القُلوب بما استودعنَ من حوَرِ عنت لنا وعُيونٌ من براقعها ........ مكنونةٌ مُقَلُ الغزلانِ والبقَرِ


وبعده : يا أُميلح . . . . البيت . والقاع : أَرض سهلة قد انفرجت عنها الجبال والآكام ، وتجمع على قيع وقيعة ، وأَقواع ، وأَقْوُع . والبشر : الإنسان ، ذكراً كان أو أُنثى ، واحداً كان أَو جمعاً . وقد يثنَّى ، وقد يجمع .


والشاهد في هذا البيت : تجاهل العارف ، للتدلهْ في الحب ، وهو : التحير والدهش . ومنه قول ذي الرُّمَّة :


أَيا ظبيَةَ الوعساءِ بينَ جلاجلٍ ........ وبينَ النَّقا أَأَنتِ أَمْ أُمُّ سالمِ


وما أَلطف قول المتنبي :


أَتَراها لكثرَةِ العُشَّاقِ ........ يحسبُ الدَّمْعَ خِلْقَةً في المَآقي


وقول القاضي الفاضل ، يمدح الملك العادل ، أبا بكر بن أَيوب ، رحمه الله تعالى :


أَهذه سيرٌ في المجدِ أَمْ سورُ ........ وهذهِ أَنجمٌ في السَّعْدِ أَمْ غررُ وأَنملٌ أَمْ بحارٌ والسّيوفُ لها ........ موجٌ وإفرِنْدُها في لجّها دُرَرُ وأَنت في الأَرضِ أَمْ فوقَ السَّماءِ وفي ........ يمينكَ البحرُ أَمْ في وجهكَ القمرُ


وقوله فيه أيضاً وأَجاد :


أَهذه كفّهُ أمْ غوثُ غيثٍ ........ ولا بلغَ السَّحَابَ ولا كرامهْ وهذا بشرُهُ أَمْ لمعُ برْقٍ ........ ومنْ للبَرْقِ فينَا بالإقامَهْ وهذا الجيشُ أَمْ صَرْفُ اللَّيالي ........ ولا بلغَتْ حوَادثهَا زِحامَهْ وهذا الدَّهْرُ أَمْ عبدٌ لديهِ ........ يُصرِّفُ عنْ عَزيمتهِ زمامَهْ وهذا نَصْلُ غمدٍ أَمْ هِلالٌ ........ إِذا أَمْسى كَنُونٍ أَمْ قُلاَمَهْ وهذا التُّرْبُ أَمْ خَدٌّ لثمْنَا ........ وآثار الشفاهِ عليه شَامَهْ


وقوله أيضاً :


وإذا قلتُ أَينَ داري وقالوا ........ هيَ هذِي أَقولُ أَينَ زَمانِي


وقول مهيار الديلمي :


سلاَ ظبيَةَ الوادِي وما الظبيُ مثلها ........ وإن كانَ مصقولَ التَّرائِبِ أَكحَلا أَأَنتَ أَمَرْتَ البدْرَ أَنْ يَصْدَعَ الدُّجى ........ وعَلَّمْتَ غُصْنَ البانِ أَنْ يَتَمَيَّلا


وقول ابن نباتة السعدي :


فواللهِ ما أدْري أَكانتْ مُدَامَةً ........ من الكرْمِ تُجنى أَمْ من الشَّمسِ تُعصرُ


ومن البديع في هذا الباب قول ابن هانئ الأندلسي في المعز لدين الله باني القاهرة :


ابْني العَوالِي السَّمهريَّةِ والموا _ ضِي المشرفيَّةِ والعديدِ الأَكثرِ منْ منكُمُ الملكُ المطاعُ كأَنَّهُ ........ تحتَ السوائغِ تُبَّعٌ في حِمْيَرِ


يُحكى أَنَّه لمَّا أنشدها ترجَّلَ العسكر كلّه ، ولم يبقَ راكب سوى المعز ، فلا يعلم بيت شعر كان جوابه نزول عسكر جرار وغيره .


وما أَجود قول التهامي يشكو السهر :


قصُرَتْ جُفونِي أَمْ تباعدَ بينَها ........ أَمْ مُقلَتي خُلِقَتْ بلا أَشْفار


وما أَبدع قول الشيخ شرف الدين بن الفارض قدَّس الله سرّه :


أَوَمِيضُ بَرْقٍ بالأبيرق لاحا ........ أَمْ في رُبا نَجْدٍ أَرَى مِصباحَا أَمْ تلكَ ليلَى العامريَّة أَسفرَتْ ........ ليلاً فصيرتِ المساءَ صباحَا


وما أَحسن قول الباخرزي :


قالَتْ وقد فتَّشْتُ عنها كلّ منْ ........ لاقيتُهُ منْ حاضرٍ أَو بادِي أَنا في فُؤادِكَ فارْمِ لَحْظكَ نحوهُ ........ تَرَنِي فقلتُ لها وأَينَ فُؤادي


وفي معناه قول المولى الفاضل بن مليك يرثي ولده :


يا مكانَ الفُؤادِ أَينَ فُؤادِي ........ أَتراهُ منهمْ على مِيعادِ


وقول العميد أبي سهل محمد بن الحسن :


يا دَهرَنا أَيُّنا أَشْجى ببينهمْ ........ أَأَنتَ أَمْ أَنا أَمْ ريَّا أَمِ الدَّارُ يا ليتَ شِعْري ما أَلوَى بجدّتها ........ هوجُ الرِّياحِ وصوْبُ الغيثِ مِدْرارُ أَمْ صوْبُ دَمعي وأَنْفاسي فهنَّ لها ........ بعدَ الأَحبَّةِ أَرْواحٌ وأَمطارُ


وقول ابن المنير الطرابلسي :


منْ ركَّبَ البدْرَ في صدرِ الرُّدينيِّ ........ وموَّه السِّحرَ في حدِّ اليمانيِّ وأَنزَلَ النَّيِّرَ الأَعلى إلى فلكٍ ........ مدارهُ في القَبَاءِ الخُسرُوانيِّ طَرفٌ رنَا أَمْ قُرابٌ سُلَّ صارمُهُ ........ وأَغْيدٌ ماسَ أَمْ أَعطافُ خَطِّيِّ


وقول أبي نصر سعيد بن الشاه :


أظاعنٌ أم مقيمٌ أنتَ يا خَلَدي ........ فإنني أوّلُ الغادينَ بعدَ غدِ


وما أحسن ما قال بعده أيضاً :


غداً أودّعُ قوماً أوْدعوا كبدي ........ ناراً ، وعهدي بهمْ برداً على الكبدِ أُبْدي التجلُّدَ أحياناً فينْهزني ........ ريقٌ يجفُّ وخدّ بالدُّموعِ ندي لا أنسَ يومَ تنازَعنا حديثَ نَوًى ........ وقَوْلَها وهي تبكي : خانني جلدي فدمعُها بَرَدٌ فوقَ العقيقِ جَرى ........ وريقُها ضَرَبٌ قد شيبَ بالبرَدِ كُنَّا إلى الوَصلِ قد ملْنا فنغَّصهُ ........ هذا الرحيلُ الذي ما دارَ في خَلدي


وقول الوزير أبي سعد منصور بن الحسين الأبي :


أيا ربْعَ علوْةَ بالمنحنَى ........ أأنتَ بها مغرَمٌ أمْ أنا ويا طللَ الحيِّ ما بالُنا ........ لبستِ البلي ولبستُ الضنى


وما أحسن قوله بعدهما أيضاً :


أُناشدُك اللهَ في قُرْبنا ........ وأنّي ومنْ أينَ لي قرْبُنا بشرْقيِّ سَلْمى لنا منزِلٌ ........ رفيعُ القواعدِ عالي البنا أتتني فقالتْ لأتْرابها ........ لنعمَ الفتى إنْ ثَوى عِندنا فقلت لها أين مَغْناكمُ ........ ونحنُ بحزْوَى فقالت هنا ولكنّ من دُوننا باسلاً ........ يغارُ علينا إِذا زُرْتَنا فشاوِرْ إِذا جئتَ جُنحَ الظلامِ ........ فإما علينا وإما لنا فلما امتطيتُ إليها الدُّجَى ........ دُفِعَتْ إلى تِرْبِها مَوْهِنا فقامتْ تَجُرُّ فُضولَ الرِّداءِ ........ وتَسْفِرُ للوَصلِ ما بيننا تَبِعْتُ إلى خِدْرِها تِرْبها ........ فصدَّت وقدَ رابها أمرُنا وقالت أترْضى بغير الرضى ........ بِكوْنكَ يا ضيْفنا ضيْفنا


ومن المعجب هنا قول بعضهم :


أقولُ له عَلامَ تميلُ عُجْباً ........ على ضَعفي وقدُّك مستقيمُ فقالَ تقولُ عني فيَّ ميلٌ ........ فقلْتُ له كذا نقلَ النَّسيمُ


ومن ظريف ما سمع فيه قول الصوري :


بالذي ألْهَمَ تعذي _ بي ثناياكَ العذابا والذي صيَّر حظِّي ........ منكَ هَجراً واجتنابا والذي ألبسَ خدَّيْ _ كَ منَ الوَرْد نِقابا ما الذي قالتْهُ عيْنا _ كَ لقَلبي فأجابا


ولأحمد بن حمد يس :


أبروقٌ تلألأتْ أم ثغورُ ........ وليالٍ دَجَتْ لنا أمْ شعورُ وغصونٌ تأوّدتْ أم قُدودُ ........ حاملاتٌ رمانَهُنَّ الصُّدورُ


ولابن شمس الخلافة :


أشعرُكَ أم ليلٌ وَوجْهكَ أم قَمَرْ ........ ونَشْرُك أم مسكٌ وثغرُكَ أم دُرَرْ وخَدْك أم ورْدُ وريقكَ أم طلًى ........ وجِسْمُكَ أم ماءٌ وقلبكَ أم حَجَرْ شكَكْنا على عِلم ومن غلب الهوى ........ على قلبهِ غطّى على السمعِ والبصر


ولمؤلفه رحمه الله تعالى فيه :


ألؤلؤٌ نظمُ هذا الثَّغْر أم حَبَبُ ........ وقَرْقَفٌ طعمُ ذاكَ الرِّيق أم ضَرَبُ وما أراهُ برَوْضِ الخدِّ وَرْدُ رُباً ........ أم جنّةٌ بدَمِ العُشاق تختضبُ وفي لِحاظِكَ سحرٌ يُستطالُ بهِ ........ على القلوبِ أم المسنونةُ القُضُبُ


ومن مجونه فيه قول بعضهم :


ولم أدْر إذْ رَقَّ النسيمُ وعَيْشُنا ........ وصوتُ مغنِّينا وصَهْباءُ قَرْقَفُ أعيْشي أم صوتُ المغنى أم الصَّبا ........ أم الكأسُ أم ديني أرَقُ وأضعفُ


وهو من قول الآخر :


اسقني خمْرةً كَرقّة ديني ........ أو كعقلي ولا أقول كَحالي خِيفةً من توهُّم الناسِ أني ........ قلتُ هذا في مَعْرِضٍ لسؤالِ


ولطيف قول الشيخ صلاح الدين الصفدي


أقولُ لهمْ قد رَقَّ عيشيَ والصَّبا ........ وعقلي وكاساتي وصوتُ الذي غَنى فقالَ الذي أهوى : وخصري نسيتهُ ، ........ فقلت له : والله قد جئتَ في المعنى


والعرجي هو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس . وإنما لقب بالعرجي لأنه كان يسكن عَرْجَ الطائف ، وقيل : بل سمِّي بذلك لماء كان له ومال كان عليه بالعرج . وكان من شعراء قريش ، وممَّن شهر بالغزل منهم ، ونحى نحو عمر بن أبي ربيعة في ذلك ، وتشبه به ، وأَجاد ، وكان مشغوفاً باللهو والصيد حريصاً عليهما قليل المبالاة بأحد فيهما ، ولم تكن له نباهة في أَهله ، وكان أَشقر أَزرق جميل الوجه ، وكان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بن مروان بأرض الروم وكان له معه بلاء حسن ونفقة كثيرة ، وباع أموالاً عظيمة وأَطعم منها في سبيل الله تعالى حتَّى نفد كل ذلك ، وكان قد اتَّخذ غلامين فإذا جاء الليل نصب قدره وقام الغلامان يوقدان ، فإذا نام أَحدهما قام الآخر ، فلا يزالان كذلك حتَّى يصبحا يقول : لعل طارقاً يطرق .


وحدَّث مصعب قال : كانت حَبَشِيَّةٌ من مولَّدات مكة المشرفة ظريفة صارت إلى المدينة المنورة ، فلما بلغها موت عمر بن أبي ربيعة اشتد جزعها ، وجعلت تقول : من لمكة وشعابها وأباطحها ونُزَهها ووصف نسائها وحسنهن وجمالهن ؟ فقيل لها : خَفِّضِي عليك فقد نشأ فتًى من ولد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يأخذ مأخذه ويسلك مسلكه ، فقالت : أَنشدوني من شعره شيئاً ، فأنشدوها ، فقالت : الحمد لله الذي لم يُضَيِّع حرمه ، ومسحت عينيها . وقال سلمة بن إبراهيم بن هشام : كنت عند أيوب بن مسلمة ومعنا أشعب ، فذكرنا قول العرجي :


أَينَ ما قلتِ مُتُّ قبلكِ أينَا ........ أَينَ تَصديقُ ما عهدْتِ إلينا فلقدْ خِفْتُ منكِ أن تصرِمي الحَبْ _ لَ وأَن تجمعي مع الصُّرْمِ بيننا ما تَقولينَ في فتًى هامَ إذْ ها _ مَ بمنْ لا يُبالِ جَهْلاً ومِينا فاجْعَلي بيننا وبينك عَدْلاً ........ لا تَحيفي ولا يَحيفُ عَلينا واعْلَمي أنَّ في القَضاءِ شُهوداً ........ ويَميناً فأحْضِري شاهِدينا خُلْتِ لو قدرتُ منكِ على ما ........ قلت لي في الخَلاءِ حينَ الْتَقَيْنا ما تحرَّجْتُ من دَمي علمَ الله ........ ولو كنتُ قد شهدْتُ حُنينا


قال : فقال أَيوب لأشعب : ما تظن أنَّها وعدته ؟ قال : أَخبركَ يقيناً لا ظنًّا وعدته أن تأتيه في شعبٍ من شعاب العرج يوم الجمعة إِذا نزل الرجال إلى الطائف للصلاة ، فعرض لها عارض شُغْلٍ فقطعها عن موعده ، قال : فمن كان الشاهدان ؟ قال : كسير وعوير ، وكلٌّ غير خيرٍ : فِنْدٌ أَبو زيد مولى عائشة بنت سعد ، وزر العذق مولى الأَنصار ، قال : فمن الحكم العدل ؟ قال : حصين بن غرير الحميري ، قال : فما حكم به ؟ قال : أَدَّت إليه حقَّه فسقطت المؤنة عنه ، قال : يا أشعب ، لقد أَحكمت صناعتك ، قال : سل علامة عن علمه .


وحدَّث محمد بن مخارق قال : واعد العرجي ذات هوى له إلى شعب من شعاب عرج الطائف إِذا نزل رجالها يوم الجمعة إلى مسجد الطائف ، فجاءت على أتان لها معها جارية لها ، وجاء هو على حمار له ومعه غلام له ، فواقع هو المرأة ، وواقع الغلام الجارية ، ونزا الحمار على الأتان ، فقال العرجي : هذا يوم قد غاب عذَّاله ، وحدَّث الزهري وغيره أنَّ العرجي خرج إلى جنبات الطائف يوماً متنزهاً ، فمر ببطن النقيع فنظر إلى أم الأوقص - وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي - وكان يتعرض لها ، فإذا رآها زمت نفسها وتسترت منه ، وهي امرأة من بني تميم ، فبصر بها إلى نسوة جالسة وهن يتحدثن ، فعرفها وأحب أن يتأمَّلها عن قرب فعدل عنها ، ولقي أعرابيًّا من بني نصر على بكر له ومعه وطبان من لبن ، فدفع إليه دابّته وثيابه وأخذ قعوده ولبنه ولبس ثيابه ، ثمَّ أقبل فمر على النسوة ، فصحن به : يا أعرابي ، أَمعك لبن ؟ قال : نعم ، فمال إليهن ، وجعل يتأمل أَم الأوقص ، وتواثب من معها إلى اللَّبن ، وجعل العرجي يلحظها وينظر أحياناً إلى الأرض كأنَّه يطلب شيئاً وهن يشربن اللبن ، فقالت امرأة منهن : أي شيء تطلب يا أعرابي في الأرض ؟ أَضاع منك شيء ؟ قال : نعم ، قلبي ، فلمَّا سمعت التميمية كلامه نظرت إليه ، وكان أزرق فعرفته فقالت : العرجي وربّ الكعبة ، ووثبت وسترها نساؤها ، وقلن له : انصرف عنَّا لا حاجة بنا إلى لبنك ، فمضى منصرفاً ، وقال في ذلك :


أَقولُ لصاحبيّ ومثل ما بي ........ شَكاهُ المرءُ ذو الوجدِ الأليمِ إلى الأَخوينِ مثلهما إِذا ما ........ تأَوَّبهُ مُؤَرِّقَةُ الهُمومِ لحيني والبَلاء لقيتُ ظُهْراً ........ بأَعلى النَّقْعِ أُخْتَ بني تَميمِ فلمَّا أَنْ رأَت عينايَ منها ........ أسيلَ الخَدِّ في خلقٍ عَظيمِ وعينيّ جُؤذرٍ خشفٍ وثغراً ........ كلونِ الأقحوانِ وجِيدَ ريمِ حَنا أَترابها دُوني عليها ........ حُنُوَّ العائِداتِ على السَّقيمِ


وحدَّث مصعب بن عبد الله عن أبيه ، قال : أَتاني أَبو السائب المخزومي ليلةً بعد ما رقد النَّاس فأشرفت عليه ، فقال : سهرت وذكرت أخاً لي أَستمتع به فلم أجد سواك ، فلو مضينا إلى العقيق وتناشدنا وتحدثنا ، فمضينا فأنشدته في بعض ذلك بيتين للعرجي ، وهما :


باتَا بأنعمِ . ليلةٍ حتَّى بدَا ........ صبْحٌ تلوح كالأَغرّ الأَشقرِ فَتَلازَما عند الفراقِ صبابةً ........ أَخْذَ الغريم بفَضْلِ ثوبِ المُعْسرِ


فقال : أَعده علي ، فأَعدته ، فقال : أَحسن والله ، امرأته طالق إِذا نطق بحرف غيره حتَّى يرجع إلى بيته ، قال : فلقينا عبد الله بن حسن بن حسنٍ ، فلمَّا صرنا إليه وقف بنا وهو منصرف من ماله يريد المدينة المنورة ، فسلم ثمَّ قال : كيف أنت يا أبا السائب ؟ فقال :


فتلازَما عندَ الفراقِ صَبابةً ........ أَخْذَ الغريم بفَضْلِ ثوب المعسرِ


فالتفت إليَّ وقال : متى أَنكرتَ صاحبك ؟ فقلت : منذ الليلة ، فقال : إنا لله ، وأي كهلٍ أصيبت به قريش ؟ ثمَّ مضينا فلقيه محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة يريد مالاً على بغلة له ومعه غلامه على عنقه مخلاة فيها قيد البغلة ، فسلم عليه ثمَّ قال له : كيف أنت يا أبا السائب ؟ فقال : فتلازما عند الفراق صبابةً ، وذكر البيت ، فالتفت إليَّ وقال : متى أنكرت صاحبك ، فقلت كما قلت آنفاً ، فلما أراد المضي قلت : أَفتدعه هكذا ؟ والله لا آمن أن يتهور في بعض آبار العقيق ، قال : صدقت ، يا غلام قيده بقيد البغلة ، فوضعه في رجليه ، وهو ينشد البيت ويشير بيده إليه ، يرى أنَّه يفهم عنه قصته ، ثمَّ نزل الشيخ وقال لغلامه : احمله على بغلتي وألحقه بأَهله ، فلما كان بحيث علمت أَنه قد فاته أخبرته بخبره ، فقال : قبحك الله ماجناً ! فضحت شيخنا من شيوخ قريش وغَرَرْتَني .


وكان العرجي يشبب بجيداء - وهي أم محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي - ليفضح ابنها لا لمحبة كانت بينهما ، فكان محمد بن هشام يقول لأمه : أَنت غضضت مني لأنك أمي ، وأَهلكتني وقتلتني ، فتقول له : ويحك ! وكيف ذلك ؟ فيقول : لو كانت أمي من قريش ما ولي الخلافة غيري . وكان العرجي في خلال ذلك يهجو محمد بن هشام ، فلم يزل مضطغناً عليه متطلباً سبيلاً إليه حتَّى وجده فيه ، فأخذه وقيده وضربه وأَقامه للناس على البُلُسِ ثمَّ حبسه وأقسم أَن لا يخرج من السجن ما دام له سلطان ، فمكث في حبسه نحواً من تسع سنين حتَّى مات فيه .


وروي أن السبب في حبس محمد بن هشام العرجيّ أنَّه لاحَى مولًى لأميَّة فأَمضه العرجي ، فأَجابه المولى بمثل ما قاله له ، فأمهله حتَّى إِذا كان الليل أَتاه مع جماعة من مواليه وعبيده ، فهجم عليه في منزله فأخذه فأوثقه كتافاً ، ثمَّ أمر عبيده أَن ينكحوا امرأته بين يديه ففعلوا ، ثمَّ قتله وأحرقه بالنار ، فاستعدت امرأة المولى عليه محمد بن هشام فحبسه . وقيل : إنَّ العرجي كان قد وكل بحرمه مولًى له يقوم مقامه بأمورهن ، فبلغه أنَّه يختلف إليهم ، فلم يزل يرصده حتَّى وجده يحدث بعضهن ، فقتله وأَحرقه بالنار ، فاستعدت عليه امرأة المولى محمد بن هشام المخزومي ، وكان والياً على مكة المشرفة في خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان ، فضربه ، وأَقامه على البُلُسِ ، وسجنه . وروي أَن أَشعب كان حاضراً العرجي وهو يشتم مولاه هذا ، وأنَّه طال شتمه إيَّاه ، فلما أكثر ردَّ المولى عليه ، فاختلط العرجي من ذلك وقال لأشعب : اشهد على ما سمعت ، فقال أشعب : وعلى مَ أَشهد وقد شتمته ألفاً وشتمك واحدة ؟ والله لو أن أمك أم الكتاب وأمُّه حمَّالة الحطب ما زاد على هذا شيئاً . ولمَّا أخذ العرجي أَخذ معه الحصين بن غرير الحميري ، وكان صديقاً له ، وخليطاً ، فجلدا وصبَّ الزيت على رؤوسهما ، وأقيما على البُلُسِ بمكة ، فجعل العرجي ينشد :


سَينصُرنا الخليفَةُ بعدَ رَبِّي ........ ويَغضبُ حينَ يُخْبَرُ عن مَسَاقي عليَّ عباءةٌ بَلْقَاءَ ليستْ ........ مع البَلْوَى تغيِّبُ نصْفَ سَاقي وتغضَبُ لي بأَجمعها قُصَيٌّ ........ قطينُ البيت والدّمْثِ الرقاقِ


ثمَّ يصيح : يا غرير أَجياد يا غرير أجياد ، يعني به الحصين بن غرير المجلود معه ، فيقول له : أَلا تدعنا ، أَلا ترى ما نحن فيه من البلاء ؟ ومر رجل على العرجي وهو واقف على البُلُسِ هو ورفيقه ، والناس مجتمعون ينظرون إليهما ، وكان الرجل صديقاً للعرجي ، وكان فأفاء ، فوقف عليه وأراد أن يتوجع لما ناله ويدعو له ، فلجلج لما كان في لسانه كما يفعل الفأفاء ، فقال ابن غرير : لا فرجت من فيك أبداً ، فقال له الرجل : فمكانك إذاً لا برحت منه أبداً .


ومرَّ به صبيان يلتقطون النوى ، فوقفوا ينظرون إليه ، فالتفت ابن غرير إلى العرجي ، وقال له : ما أعرف في الدنيا شيخين أَشأم مني ومنك ، إن هؤلاء الصبيان لأهليهم عليهم في كل يوم على كل واحد منهم مُدُّ نَوًى ، فقد تركوا لقطهم للنوى ووقفوا ينظرون إليَّ وإليك ، وينصرفون بغير شيء فيضربون فيكون شؤمنا قد لحقهم .


ولما ولي الوليد بن يزيد الخلافة كان مضطغناً على محمد بن هشام المخزومي أَشياء كانت تبلغه عنه في حياة هشام ، فقبض عليه ، وعلى أخيه إبراهيم بن هشام ، وأُشْخِصا إليه إلى الشام ، ثمَّ دعا إليهما بالسياط ، فقال له محمد : أَسألك بالقرابة ، قال : وأيّ قرابة بيني وبينك ، وهل أنت إلاَّ من أَشجع ، قال : فأسألك بصهر عبد الملك ، قال : لم تحفظه ، قال : يا أمير المؤمنين قد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يُضرب قرشي بالسياط إلاَّ في حدٍّ ، قال : ففي حدٍّ أَضربك وقَوْدٍ ، أَنت أول من سنَّ ذلك على العرجي ، وهو ابن عمَّي وابن أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه ، فما رعيت حق جدّه ولا نسبه بهشام ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر ، وأَنا ولي ثأره ، اضرب يا غلام ، فضربهما ضرباً مبرحاً وأثقلا بالحديد ووجه بهما إلى يوسف بن عمر بالكوفة ، وأَمره باستصفائهما وتعذيبهما حتَّى يَتْلَفا ، وكتب إليه : احبسهما مع ابن النصرانية يعني خالداً القسري ، ونفسك نفسك إن عاش أَحد منهم ، فعذبهم عذاباً شديداً ، وأَخذ منهم مالاً عظيماً ، حتَّى لم يبقَ فيهم موضع للضرب ، وكان محمد بن هشام مطروحاً فإذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته وجذبوه منها ، ولمَّا اشتدَّت عليهما الحال تحامل إبراهيم لينظر وجه أخيه محمد فوقع عليه فماتا جميعاً ، ومات خالد القسري معهما في يوم واحد ، وقال الوليد بن يزيد لمَّا حملهما إلى يوسف بن عمر هذه الأَبيات :


قد راحَ نحوَ العراقِ مَشْخَلَبَهْ ........ قُصارهُ السِّجْنُ بهدهُ الخَشَبَهْ يركَبُها صاغِراً بلا قَتَبٍ ........ ولا خطامٍ وحوْلهُ جَلَبَهْ فقل لدعجاء إن مَرَرْتَ بها ........ لن يُعْجِزَ الله هاربٌ طَلَبَهْ قد جعَلَ الله بعدَ غَلْبَتِكم ........ لنا عليكم بأَمرهِ الغَلَبَهْ لستِ لهاشمٍ ولا إلى أَسدٍ ........ ولا إلى نوْفَلٍ ولا الحَجَبَهْ لكنَّما أَشجَعٌ أَبوك سَلِ ال _ كلبيّ لا ما تُزَوِّقُ الكَذَبَهْ


وحدَّث إسحاق قال : غنيت الرشيد يوماً في عُرْضِ الغناء : أَضاعوني وأيّ فتًى أَضاعوا ، فقال لي : ما كان سبب هذا الشعر حتَّى قاله العرجي ؟ فأخبرته بخبره من أوَّله إلى أن مات ، فرأيته يتغيظ كلَّما مرَّ منه شيء ، فأتبعته بحديث مقتل ابني هشام ، فجعل وجهه يُسْفِر وغيظه يَسْكن ، فلمَّا انقضى الحديث قال لي : يا إسحاق لولا ما حدَّثتني به من فعل الوليد لما تركتُ أَحداً من أماثل بني مخزوم إلاَّ قتلته بالعرجي ، وسيأتي خبر هذا الشعر في التضمين ، إن شَاءَ الله تعالى .


قُلْتُ ثَقَّلْتُ إذْ أَتَيْتُ مراراً ........ قالَ ثَقَّلْتَ كاهِلِي بالأَيادِي


البيت من الخفيف ، وبعده :


قلتُ طَوَّلْت قال لا بل تَطَوَّ _ لت وأَبرمتُ قالَ حَبْلَ ودادِي


والبيتان منسوبان لابن حجاج ، ولم أرهما في ديوانه ، ونسبهما سبط ابن الجوزي صاحب مرآة الزَّمان لمحمد بن إبراهيم الأسدي . والكاهل : الحارك ، أو مُقَدَّم أَعلى الظهر مما يلي العنق ، وهو الثلث الأعلى وفيه ست فقر ، أَو هو ما بين الكتفين وموصل العنق في الصلب ، والأيادي : جمع يد ، وهي النعمة . وفي معنى البيتين قول ابن الخازن :


لئن سَمّيت إبراماً وثقْلاً ........ زياراتٍ بهنَّ رَفعتَ قَدْري فما أَبْرَمْتَ إلاَّ حَبْلَ ودِّي ........ وما أَثْقَلْتَ إلاَّ ظَهْرَ شكري


وقول ابن البغدادي :


حَجَجتُ إليهِ والعَذُولَ يحجني ........ عليهِ فكانَ العَذْلُ رنةَ حادِي فأَحرمت لكن مُقْلَتي سِنَة الكَرَى ........ وطُفْتُ ولكن حولهُ بودادِي


والشاهد فيهما : القول بالموجب ، ويسمى أسلوب الحكيم ، وهو على ضربين : أَحدهما أَن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أُثْبِتَ له حكم فثبتت تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوته أو نفيه عنه ، والثاني : حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده ممَّا يحتمله بذكر متعلقه ، وهذا هو القسم المستعمل بين الناس ونظمه الشعراء ، وممَّا يستشهد به عليه قول الأَرجاني :


غالَطَتْني إذْ كست جسمِي ضنًى ........ كسوَةً أَعْرَتْ من اللَّحْمِ العِظاما ثمَّ قالتْ أَنتَ عِنْدي في الهَوَى ........ مثل عيني ، صَدَقَتْ لكن سقَاما


وقد أَخذه ابن نقادة أَخذاً قبيحاً فقال :


غالطتني حينَ حاكَى خَصْرُها ........ جسميَ الممْرضَ وَجْداً وغَرَاما ثمَّ قالتْ أَنتَ عِنْدي ناظِري ........ ولَعَمْري صَدَقَتْ لكن سقَاما


وقد أَخذه آخر أيضاً فقال :


شكَوْتُ صبابَتي يوماً إليها ........ وما قاسَيْتُ من أَلمِ الغرامِ فقالتْ أَنتَ عِنْدي مثْل عَيني ........ لقد صَدَقَتْ ولكن في السَّقَامِ


وقد وقع لمؤلفه رحمه الله هذا المعنى في عروض قصير فقال :


غالَطَتْني حينَ قالتْ ........ والجَوَى يبْدِي العِظَاما أَنتَ عندي مثلُ عَيني ........ صَدَقَتْ لكن سَقَاما


ووقع له في هذا النوع أيضاً وهي واقعة حال فقال :


طلبتْ خصماً فلاذَ منِّي ........ بظالم سِفْلَةٍ معابِ وقالَ ذا في حِمَى كُلَيْبٍ ........ يَصْدُقُ لكن من الكلابِ


وما أَصدق قول ابن حجلة :


رُؤساؤُنا منْ جاءهم بقَصيدةٍ ........ كانَتْ جوائزُهمْ عليها شكْرَهُ وإذا طَلَبت وظيفةَ من حاكمٍ ........ فابشر فقدْ ولاكَ لمن ظَهْرَهُ


وقول أيضاً :


شكَوْتُ إلى الحَبيبَةِ سوءَ حظِّي ........ وما أَلقاهُ من أَلمِ البعادِ فقالتْ أَنتَ حظّكَ مثلُ عَيني ........ فقلْتُ نعم ولكن في السَّوادِ


ولأبي عامر الجرجاني فيه :


عَذيريَ من شاطرٍ أَغْضَبُوهُ ........ فجرَّدَ لي مرْهفاً فاتكَا وقالَ أنا لكَ يا ابن الحسين ........ وهلْ لي رجاءٌ سِوى ذلكَا


ومثله قول صدر الدين بن الوكيل :


وبي مَنْ قَسا قلباً ولانَ مَعَاطِفاً ........ إِذا قلت أَدناني يُضاعفُ تبعيدي أُقِرُّ برقٍّ إذْ أَقولُ أَنالهُ ........ وكم قالها يوماً ولكن لتَهْديدي


وللسراج الوراق أيضاً :


قالوا وقد ضاعَتْ جميعُ مَصالِحي ........ لهمُومِ دَهري ليْتَ لا حُمِّلتُها قد كانَ عندكَ يا فلانُ صَريمَة ........ فأجبْتُهُم بعتُ الحمارَ وبعتُها


وله أيضاً رحمه الله :


مُتَمارِضٌ جَعَلَ التَّغَا _ شي من خَباثَتِهِ سبَبْ ويقولُ ما أَنا طيِّبٌ ........ صَدَقَ اللعينُ وما كَذَبْ


وله أيضاً :


وسائلٍ يَسأَلُ مِنِّي وقدْ ........ أَنْشَدْتُ شعراً يشبهُ الشعرى يقولُ إنْ كنت لدى مَعْشَرٍ ........ قد عَبَدوا البيضاءَ والصَّفْرَا ما حَصَلَتْ دائرةٌ بينهم ........ قلت نعم بطِّيخَةً خَضْرَا


وله أيضاً :


لقنتهُ العذْرَ عن ترْ _ كِ حاجَتي لو تصَوّرْ فقلتُ أُنسيتَهَا والنِّس _ يانُ أَمرٌ مُقَدَّرْ فقالَ لستُ بناسٍ ........ فقلتُ مولايَ أَخبرْ


وله أيضاً :


وقائلٍ قالَ لي لمَّا رأَى قَلَقي ........ لطولِ وعدٍ وآمالٍ تمنِّينا عَوَاقبُ الصَّبْرِ فيما قال أَكثرهم ........ محمودةٌ قلتُ أَخشى أَن تخرِّينا


وله أيضاً :


قالتَ جَمَعْتَ لفافَةٍ كَسَلاً ........ فانهض وقمْ وادأب لهمِّ العائلهْ فأَجبتُ هل تَدري لهم سَبَباً ........ قالت ولا وتداً وهذي الفاصلهْ


ولابن سناء الملك رحمه الله :


لهفي على عُشَّاقكِ الطُّرْشِ ........ العُمْيِ في عشْقِكِ العُمْشِ عاشقك القشّ ولا غَرْوَ أَنْ ........ تلتهب النِّيران في القشِّ قالوا لقدْ أَحدث من بعدنا ........ ما لا يُرى قلتُ على الفرشِ


ولشمس الدين محمد التلمساني :


اسمُ حبيبي وما يُعاني ........ قد شَغَلاَ خاطري ولُبِّي قالوا عليٌّ فقلت قدراً ........ قالوا كوافي فقلت قلبي


وما أحسن قول بعضهم :


قُلتُ للأهْيَفِ الذي فَضَحَ الغُصْ _ نَ كلامُ الوُشاةِ ما ينبَغي لك قالَ قَوْلُ الوُشاةِ عِنديَ ريحٌ ........ قلتُ أَخشَى يا غُصْنَ أَن يَستَميلك


ولبعضهم في معناه وإن لم يكن من هذا الباب :


تُثَنِّي عِطْفَهُ خَطَراتُ دَلٍّ ........ إِذا لمْ تَثْنِهِ رَاحِ يَميلُ معَ الوُشاةِ وأَيُّ غُصْنٍ ........ رَطيبٍ لا يَميلُ معَ الرِّياحِ


وقد ألم به ابن سناء الملك فقال :


يا عاطلَ الجِيدِ إلاَّ من مَحاسِنِهِ ........ عَطَّلْتُ فيكَ الحَشَى إلاَّ من الحَزَنِ في سِلْكِ جسميَ دُرُّ الدَّمْعِ مُنْتَظمٌ ........ فهلْ لجِيدِكَ في عِقْدٍ بلا ثَمَنِ لا تخشَ منِّي فإنِّي كالنَّسيمِ ضَنًى ........ وما النَّسيمُ بِمَخْشِيٍّ على الغُصُنِ


وقول ابن نباتة هنا غايةٌ ، وهو :


ومَلُولةٍ في الحبِّ لمَّا رأتْ ........ أَثَرَ السقَامِ بعَظْمِيَ المُنْهاضِ قالَتْ تغَيَّرنا فقلتُ نَعَمْ ........ أَنا بالسّقَامِ وأَنتَ بالإعْراضِ


ولعلَّه من قول السراج الوراق :


قالَ صَديقي ولمْ يَعُدْني ........ وعارِضُ السُّقْمِ فيَّ أَثَّرْ لقدْ تَغَيَّرْتَ يا صَديقي ........ ويَعْلمُ اللهُ مَنْ تغيَّرْ


وما أَبدع قول ابن نباتة أيضاً :


أَتاركَةٌ بالحُزْنِ قلبي مُقيَّداً ........ ودَمْعي على الخَدَّينِ وهو طَليقُ يَقولونَ قدْ أَخْلَقْتَ جَفْنَكَ بالبُكى ........ نَعَمْ إنَّ جفْني بالبكاءِ خَليقُ دَعوا الدَّمْعَ للجَفْنِ القَريحِ مؤاخياً ........ فإنِّي فَقَدْتُ الخدَّ وهو شَقيقُ


وقوله أيضاً :


مُقَبّلُ الوجهِ أَدارَ الطّلاَ ........ وقالَ لي في شُرْبِها عاتِبي عن أَحْمَرِ المَشْروبِ ما تنتهي ........ قلتُ ولا عن أَخضَرِ الشَّارِبِ


ولابن الصائغ أيضاً :


عارضني العُذَّالُ في عارضٍ ........ قالوا بلُطفٍ بعدَ ما أَطْنَبوا ما آنَ بالعَارضِ أن تنتَهي ........ قلتُ ولا بالشَّيْبِ لا تتعبُوا


وللشهاب محمود :


رأَتْني وقدْ نالَ منِّي النُّحولُ ........ وفاضَتْ دُمُوعي على الخَدِّ فيضَا فقالتْ بعَيني هذا السّقَامُ ........ فقلتُ صَدَقْتِ وبالخَصْرِ أَيضَا


ولمحاسن الشواء ، وهو أَحسن ما وقع في هذا النوع :


ولمَّا أَتاني العَاذِلونَ عَدِمْتُهُمْ ........ وما فيهمُ إلاَّ لِلَحْمِيَ قارضُ وقدْ بُهِتوا لمَّا رأونيَ شاحباً ........ وقالوا به عَيْنٌ فقلتُ وعارضُ


ومن هنا أَخذ ابن النقيب قوله :


وما بي سِوى عينٍ نَظَرْتُ لحُسنها ........ وذاكَ لجهلي بالعُيُونِ وغرَّتي وقالوا بهِ في الحُبِّ عينٌ ونظرةٌ ........ نعمْ صدَقُوا عينُ الحَبيب ونظرتي


وأَصله من قول الأوَّل :


وجاؤا إليهِ بالتَّعاويذِ والرُّقَى ........ وصَبُّوا عليهِ الماءَ من أَلم النكسِ وقالوا بهِ من أَعيُنِ الجنِّ نظرةٌ ........ ولو صدقُوا قالوا بهِ نظرَةُ الأنسِ


ولابن الدويدة المعري من أبيات يخاطب بها من أَودع قاضياً مالاً فادَّعى ضياعه فقال :


إن قالَ قدْ ضاعَتْ فيصدُقُ أَنَّها ........ ضاعَتْ ولكنْ منكَ يَعني لوْ تعي أَو قالَ قد وَقَعَتْ فيصدُقُ أَنَّها ........ وقَعَتْ ولكنْ منهُ أَحسَنَ موقعِ


ومثله قول علي بن فضالة ، أَو ابن الرُّومي :


وإخوَانٍ حسِبتهُمُ دُرُوعاً ........ فكانوها ولكنْ للأَعَادِي وخلتُهُمُ سِهاماً صائِباتٍ ........ فكانوها ولكنْ في فُؤادِي وقالوا قد صَفَتْ منَّا قُلوبٌ ........ لقدْ صَدَقوا ولكنْ من ودَادِي وقالوا قدْ سَعينَا كلّ سَعْيٍ ........ لقدْ صَدَقوا ولكنْ في فَسادِي


وما ألطف قول السراج الوراق :


شكَا رَمَداً فقلتُ عساهُ كلَّتْ ........ لواحِظُهُ منَ الفَتكاتِ فِينَا وقالوا سَيْفُ مُقلتِهِ تَصَدَّى ........ فقلتُ نعمْ لقَتْلِ العاشِقينَا


وللصلاح الصفدي في القول بالموجب :


ولقدْ أَتيتُ لصاحِبي وسأَلْتُهُ ........ في قَرْضِ دينارٍ لأمرٍ كانَا فأَجابَني واللهِ داري ما حَوَتْ ........ عيناً فقلتُ لهُ ولا إنسانا


وله أيضاً رحمه الله :


وصاحب لمَّا أَتاهُ الغِنى ........ تاهَ ونَفْسُ المرءِ طمَّاحهْ وقيلَ هل أَبصَرْتَ منهُ يداً ........ تشكرُها قلتُ ولا راحهْ


وللنور الأسعردي أيضاً :


سأَلْتُ الوَزيرَ أَتَهْوى النِّساءَ ........ أَمْ المُرْدُ جارُوا على مُهجتِكْ فقالَ وأَبْدَى الخَلاعات لي ........ كذا وكذا قلتُ من زَوْجتِكْ


وله عندما عمي في آخر عمره :


سأَلْتُ اللهَ يَختمُ لي بخيرٍ ........ فعجَّلَهُ ولكنْ في عُيوني


وعلى ذكر عَمَاه فما أَعذب قوله :


يا سائِلي لمَّا رأَى حالَتي ........ والطَّرْفُ منهُ ليسَ بالمُبْصِرِ لستُ أُحاشيكَ ولكنَّني ........ سَمَحْتُ بالعينَيْنِ للأَعْوَرِ


وهو يشبه قول الجمال بن نباتة :


يَقولونَ من وَطْءِ النِّساءِ خفِ العَمى ........ فقلتُ دعُوا قَصدِي فما فيهِ من شينِ إِذا كانَ شفرُ العينِ دون محَلِّها ........ فعندِي أَنا الأَشفارُ خيرٌ من العينِ


وقال الصلاح الصفدي :


صدَّقَ خِلِّي نَسَماتِ الصَّبا ........ فيما رَوَتْ عنكُمْ وما شَكَّا وقالَ لا أَخبرَ منها بما ........ جاءَت بهِ قلتُ ولا أَزْكَى


وله أيضاً رحمه الله :


بَدَا في الخَدِّ عارضُهُ فأَضْحَى ........ عليهِ مُعنِّفي باللَّوْمِ يُغْري وحاوَلَ أَن يَرَى منِّي سُلُوًّا ........ وقالَ لقدْ تَعَذَّرَ قلتُ صَبْري


وله أيضاً :


تقولُ صحبَتي إذْ أَتى منكم ........ مشرف بالَغْتُ في شكرهِ هلْ يلتَقي أَكرمُ من طيبهِ ........ قلتُ ولا أَطيبُ من نَشْرِهِ


وللنور الأسعردي مماجناً للزين الأسعردي :


قلتُ يوماً للزَّيْنِ هلْ تُثْبِتُ البع _ ثَ وتنفي إِنكارَهُمْ للحَشْرِ قالَ أَثْبت فقلتُ في استي ........ قال أَنْفي فقلتُ في وسطِ جُحْري


وهو مأخوذ من قول الآخر :


جاءَ فلانُ الدِّينِ في وجههِ ........ أَنفٌ لهُ كادَ يُواريهِ قلتُ لهُ : ماذا الفضا ؟ قال لي ........ ذا مَنْخِري ، قلتُ أَنا فيهِ


ومثله قول الوداعي :


وذي دَلالٍ أَحْوَرٍ أَغيدٍ ........ أَصبَحَ في عقدِ الهَوَى شَرْطي طافَ على القَوْمِ بكاساتِهِ ........ وقالَ سَاقِي قلتُ في وَسطي


وحذَّاق البديع أَخلوا هذا النوع من لفظة لكن ، وخصُّوا بها الاستدراك ليحصل الفرق بينهما . ولنذكر طرفاً من ترجمة من نُسب البيت إليه .


أَمَّا ابن الحجاج فهو أبو عبد الله الحسن بن أَحمد البغدادي . قال الثعالبي في حقه : هو من سحرة الشعراء وعجائب العصر ، وفرد الزمَّان في فنِّه الذي شهر به ، ولم يسبق إلى طريقته ، ولم يلحق شأوه في نمطه ، ولم يرَ كاقتداره على ما يريد من المعاني التي تقع في طرزه ، مع سلاسة الألفاظ وعذوبة المعاني ، وانتظامها في سلك الملاحة ، وإن كانت مفصحة عن السخافة ، مَشوبة بلغات المحدثين والمولدين وأَهل الشطارة ، ولكنَّه على علاَّته يتفكَّه الفضلاء بثمار شعره ، ويستلمح الكبراء ببنات فكره ، ويستخف الأُدباء أَرواح نظمه ، ويحتمل المحتشمون فرط رفثه وقذعه ومنهم من يغلو في الميل إلى ما يضحك ويمتع من نوادره ، ولقد مدح الملوك والأُمراء والوزراء والرؤساء فلم يخل قصيدة فيهم عن سفاتج هزله ، ونتائج فحشه ، وهو عندهم مقبول الجملة غالي مهر الكلام موفور الحظ من الإكرام والإنعام ، مجاب إلى مقترحه من الصِّلات الجسام ، والأعمال المجدية التي ينقلب منها إلى خير حال ، وكان طول عمره يعيش في أكنافهم عيشة راضية ، ويستثمر نعمة صافية ضافية .


فمن نظمه قوله يصف نفسه :


حَدَثُ السِّنِّ لم يزل يتَلَهَّى ........ علمُهُ بالمَشايخِ العُلماءِ خاطِرٌ يَصْفَهُ الفرزدقُ بالشِّعرِ ........ ونحوٌ ينيكُ أُمّ الكسائي


وقوله :


تَراني ساكِناً حانوتَ عِطْرٍ ........ فإن أَنشَدْتُ ثارَ لك الكنيف


وقوله :


شِعرِي الذي أَصْبَحْتُ في _ هِ فَضيحةً بينَ المَلاَ لا يَسْتَجيبُ لخَاطِري ........ إلاَّ إِذا دَخَلَ الخَلاَ


ومن ملحه أَنَّه دعا يوماً مغنية ، وكانت قبيحة المنظر ، فلمَّا دارت الكؤوس تساكرت عليه وتناومت وهو جالسٌ فقال :


خَطَتِ البَظْراءُ لمَّا ........ عايَنَتْ مِفتاحَ دبري ورَجَتْ منِّي خيراً ........ قلتُ لا تَرْجينَ خَيْري اقْعُدي عنِّي وهذا ........ فافْعَليهِ معَ غَيْري أَنتِ في دَعْوَةِ أُذني ........ لستِ في دعوَةِ أَيْري


وحضر يوماً مع صديقٍ له يكنى أبا الحسين في دار بخيل فالتمس أبو الحسين العشاء بعد الغداء ، فقال :


يا سيِّدي يا أَبا الحُسينِ ........ أَنتَ رَفيعٌ بنقطتينِ يا كَلَبَ الضَّرْسِ لنْ يُدَاوى ضرْسُكَ إلاَّ بِكلبتينِ ويحكَ قُلْ لي جننتَ حتَّى ........ تلتَمِسَ الخبزَ مَرَّتينِ في دارِ منْ خبزُهُ عليهِ ........ أَلفُ رقيب بأَلفِ عينِ


وحضر في دعوة رجل آخر فأخر الطعام إلى المساء فقال :


يا صاحبَ البيتِ الذي ........ ضيفانُهُ ماتوا جميعا حصَّلْتَنا حتَّى نَمو _ ت بدائِنا عطَشاً وجوعا ما لي أرى فلكَ الرغي _ ف لديكَ مشترفاً رفيعا كالبدْرِ لا نَرْجو إلى ........ وقتِ المَساء له طُلوعا


وصار صاحب الدعوة يجيء ويذهب في داره فقال :


يا ذاهباً في داره جائياً ........ لغير ما معنى ولا فائِدَهْ قد جُنَّ أضيافك من جوعهم ........ فاقرَأ علَيْهم سورَةَ المائِدَهْ


وكان بعض أصحاب الدواوين يطالبه بحساب ناحية قد كان وليها ، فكتب إليه :


أيا من وجهُهُ قمرٌ منيرٌ ........ يُضيءُ لنا وَراحتُهُ سحابُ إِذا حَضَرَ الحساب أعدت ذكري ........ وتنساني إِذا حَضَرَ الشَّرابُ أجبني بالقناني والمثاني ........ ووجْهِكَ إنهُ نِعْمَ الجوابُ وكِلْني في الحسابِ إلى إلهٍ ........ يسامحُني إِذا وُضعَ الحِسابُ


وكان له صديق له ابن يكنى أبا جعفر ، وكان مشتهراً بالقحاب ، فسأله أن يعاتبه ويشير عليه بالتزوج فكتب إليه :


إياكَ والعِفّة إياكا ........ إياكَ أن تفسد مَعناكا أنتَ بخيرٍ يا أبا جَعْفَر ........ ما دُمتَ صُلبَ الأير نَيَّاكا فنِكْ ولو أُمَّكَ واصْفَعْ ولو ........ أباكَ إن لامكَ في ذاكا


وكان الرئيس أبو الفضل والوزير أبو الفرج قد دخلا الديوان لعقوبة أصحاب الوزير المهلبي عقب موته ، وأمرا بأن تلوث ثياب الناس بالنفط إن قربوا من الباب ، وكان المهلبي قد فعل مثل هذا ، فحضر ابن الحجاج فحُجِب وخاف من النفط فانصرف وقال :


الصفْعُ بالنَّفط في الثياب ........ ما لم يكن قَطُّ في حسابي ليسَ يقومُ الوُصول عِندي ........ مَقام خيطين مِنْ ثيابي يا ربِّ مَنْ كان سَنّ هذا ........ فزده ضِعْفاً منَ العذابِ


وكان ابن شيراز قد صارع السبع فقتله ، ثمَّ عاد لمثله ، فكتب إليه ابن الحجاج يقول :


يا مَنْ إلى مَجْدِهِ انقطاعي ........ ومَنْ به أخصبَتْ رباعي قد زاد خوفي عليكَ جداً ........ وعظمَ الأمرُ في ارتياعي في كلّ يَوْم سبع جديدٍ ........ ينْفُرُ مِن ذكرِهِ استماعي تَغْدو إليهِ بلا احتشامٍ ........ ولا انقباضٍ ولا امتناع وليسَ قتلُ السِّباعِ ممَّا ........ يُدْرك بالخَتْلِ والخداعِ إنَّ صِراعَ السِّباع عندِي ........ حاشاكَ ضَرْبٌ مِنَ الصُّدَاعِ اعدلْ إلى الكأْسِ والنَّدَامَى ........ والأَكلِ والشُّربِ والسّماعِ وأَمرَدِ جامعٍ لشرطِ ال _ عناقِ والبوسِ والجِماعِ بلَى أَجِعْ لي السّباع واطْرَحْ ........ خَصْمِيَ في بركَةِ السّباعِ


وقلَّده الوزير ناحيةً ، فخرج إليها يوم الخميس ، وتبعه كتابُ الصَّرف يوم الأحد ، فكتب إليه :


يا مَنْ إِذا نَظَرَ الهِلا _ لُ إلى محاسنِهِ سجَدْ وإذا رأَتْهُ الشَّمسُ كا _ دَتْ أَن تموتَ من الحسَدْ يومَ الخميسِ بعثتني ........ وصرفتَني يومَ الأَحدْ فالنَّاسُ غَنَّوْا عليَّ ........ كما رَجعْتُ إلى البلَدْ ما قامَ عمرُو في الوِلا _ يَةِ ساعَةً حتَّى قعَدْ


ومن شعره في باب أَعور حجبه عن رئيس :


سمعْتَ من ماتَ أَو من بقي ........ بمقبلٍ بوَّابُهُ أَعوَرُ واللَّوْزَةُ المُرَّةُ يا سيِّدي ........ يفسدُ في الطّعمِ بها السّكّرُ


ومنه أيضاً :


إنِّي ابتَلَيْتُ بأَقوامٍ مَوَاعدُهمْ ........ تزيدُ فوقَ الذي أَلقاهُ من محَنِ ومنْ يذُقْ لسعَةَ الأَفعَى وإن سلمت ........ منها حَشاشتهُ يفزَعْ منَ الرَّسنِ


وقال :


فقرٌ وذلٌّ وخمولٌ معاً ........ أَحسنتَ يا جامعَ سفيانِ


وكتب إلى أبي أَحمد بن ثوابة ، وقد شرب دواءً مسهلاً :


يا أَبا أَحمدٍ بنَفسيَ أَفدي _ كَ وأَهلي من سائرِ الأَسْواءِ كيفَ كانَ انحِطاط جعسك في طا _ عَةِ شربِ الدَّواءِ يومَ الدَّواءِ كيفَ أَمسى مَسالُ مبعَرِكَ النَذْ _ لِ خَضيباً بالمرَّةِ الصَّفْراءِ يا أَبا أَحمدٍ ونصحُكَ عندي ........ واجبٌ للإخاء فاحفظْ إخائي رُبَّ ريحٍ يومَ الدَّواءِ دبورٍ ........ شَوَّشتْ في عصاعصِ الأَغنياءِ قدَّروها فساً وقد كمنَ الجع _ سُ لهُمْ في مهبِّ ذاكَ الفُساءِ فإذا الفرشُ في خليجِ سُلاَحٍ ........ ذائبٍ في قوامِ جسمِ الماءِ فاتَّقِ الله أَن تغرّكَ ريحٌ ........ عَصَفَتْ في جوانبِ الأَحشاءِ لا تنفس خناقَ سرمكَ عنها ........ أَوْ تخلي سبيله في الخلاءِ والغَداءَ الغداء فاحذرْ بأن تف _ سو فوقَ الفراشِ بعدَ الغدَاءِ احْتَرِسْ إنَّها نصيحة كهلٍ ........ حَنَّكتهُ تجارِبُ الآراءِ غيرَ أنِّي أَصبحتُ أَضْيَعُ في القَوْ _ مِ من البدرِ في ليالي الشَّتاءِ


وقال يعاتب أَبا الفضل أَحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن على قبوله دعوى من ادَّعى عنده أَنَّه هجاه ، وأبو الفضل يومئذ بشيراز ، وابن الحجاج ببغداد :


يا سامِعَ الزُّورِ وبهتانِهِ ........ ودافعَ الحَقِّ وبرهانِهِ عجبتُ من رَأْيكَ فيَّ الذي ........ أَنكرَني من بعدِ عِرْفانهِ فكيفَ تَخْشى ذمَّ من مَدْحهُ ........ فيكَ يُرَى أَوَّلَ ديوانهِ ومن لهُ في شعرِهِ مذهبٌ ........ ذكرُكَ منهُ نَوْرُ بستانِهِ تَمْضي لياليهِ وأَيَّامُهُ ........ وسرُّهُ فيكَ كإعلانِهِ ولستُ بالسَّاكِنِ في منزلٍ ........ ينْبو ولوْ يوماً بسكَّانِهِ ولا الذي يرهبُ في الحقِّ منْ ........ سلطانِ ذي عزٍّ لسلطانِهِ قلْ للَّذي جهزَ في السَّعي بي ........ تجارةً عادَتْ بخسْرانِهِ يا ذا الَّذي لا بدَّ من صفعِهِ ........ أَلفاً ومنْ تَعْرِيكِ آذانِهِ لا تغتررْ أنَّكَ من فارسٍ ........ في معدن الملكِ وأوطانِهِ لوْ حَدَّثَتْ كسرى بذا نفسُهُ ........ صفعتهُ في جوفِ إيوانِهِ


وقال يهجو بخيلاً :


وذي همَّةٍ في حَضيضِ الكَنيف ........ وقرنينِ في فلكِ المشتري دَخلتُ عليهِ انتصافَ النَّهارِ ........ على غفلَةٍ حينَ لم يشعرِ وبَيْنَ يديهِ رَغيفانِ معْ ........ سكرجةٍ كان فيها مري فلمَّا قَعَدْتُ فسَا فسوةً ........ فلم تَخْطُ عصفتها منخرِي وأَقبَلَ يضَرِّطُ في إثْرِها ........ فقلتُ أَقومُ ، وإلاَّ خِرِي


وقريبٌ منه قول الآخر :


تغيَّرَ إذْ جئتهُ للسَّلامِ ........ وأرْعِدَ لمَّا رآني دخلتُ فقلتُ لهُ لا يرعكَ الدُّخولُ ........ فما جئتُ والله حتَّى أَكلتُ


وقال في صديق عاتبه علة هفوةٍ فاستدركها بشرٍّ منها :


لي صديقٌ جَنَى عليَّ ........ مراراً فأَكْثَرَا ثمَّ لمَّا عتبتهُ ........ غَسَلَ البَوْلَ بالخَرَا


وقال في إنسان مات بالقولنج :


يا أَيُّها الثاوِي الَّذي ........ أَفلَحَ لو كانَ خَرَا لمثلِ ذَا اليَوْمِ يُقا _ لُ من خَرَى فقد بَرَا


ومن مجونه الحسن أيضاً قوله :


قالتْ وقدْ قلتُ اعْبَثي بهِ ........ يوماً وقد قامَتْ وقدْ نامَا لوْ كان إسرافيلُ في رَاحَتي ........ ينفخُ في أَيركَ ما قامَا


ومثله قوله أيضاً في المجون :


تَقولُ لي وهيَ غَضْبَى من تدلّلها ........ وقد دعتني لشيءٍ ربَّما كانَا إنْ لمْ تنكني نيكَ المرء زوجتهُ ........ فلا تلمْني إِذا أَصبحْتَ قَرنانَا كأَنَّ أَيركَ شمعٌ في رَخاوَتهِ ........ فكلَّما عَرَكَتْهُ رَاحتي لانَا


وقد تبعه السراج الوراق ، فقال :


طوَتِ الزِّيارَةَ إذْ رأَتْ ........ عصرَ المشيبِ طَوى الزِّيارهْ ثمَّ انثَنَتْ لمَّا انثنَى ........ بعدَ الصَّلابَةِ كالحِجارهْ وبَقيتُ أَهربُ وهيَ تَسْ _ أَلُ جارَةً من بعدِ جارَهْ وتقولُ يا ستِّي استرَحْ _ نَا لا سراجَ ولا مَنارَهْ


وقال أيضاً :


إِذا يئسَ المرءُ من أَيرِهِ ........ رأَت عِرْسُهُ اليأس من خيرهِ ومن كانَ في سنِّهِ طاعِناً ........ فقد عدمَ الطعنَ في غيرِهِ


وقال أيضاً :


يا قومِ عالَجْتُ أَيري ........ بالحشوِ لمَّا تكعَّكْ ولمْ يصحّ ودَادِي ........ من غادَةٍ مُذْ تَوَعَّكْ


وقال أيضاً :


قامَ ، فلمَّا دَنَوْتُ منها ........ نامَ وما مثلُ ذاكَ خجلهْ وكلَّ كفِّي لفرطِ جَذْبِي ........ لهُ وما للجبانِ حملهْ وأصبعي لا تزالُ جنباً ........ لهُ ولا همَّة لسِفْلهْ فزَحْزَحَتْ وانْثَنَتْ وقالتْ ........ قومُوا انظرُوا عاشِقاً بوصلهْ فقلتُ هذا لفرطِ حُبِّي ........ قالتْ دع الترَّهاتِ باللهْ قلتُ أُقيمُ اللَّيْلَ قالتْ ........ لو قامَ ما احتجتَ للأَدلَّهْ


وقال الشهاب ابن جلنك :


وعلقٍ من بني الأَتراكِ أَلْمَى ........ لهُ عينانِ وُكِّلَتَا بهَتْكِي ظَفِرْتُ بهِ على رَغْمِ اللَّيالي ........ فلمْ يَدْخُلْ وأَكثَرَ في التَّشَكِّي يقولُ عميرة ادفعْني عليهِ ........ ولا تجزَعْ وهانَ عليَّ صَكِّي فلمْ أَدفَعْ عليهِ فظَلَّ أَيري ........ يُقبِّلُ باب مفسَاهُ ويبكي


وقال آخر :


وَرُبَّ علقٍ قال لي مَرَّةً ........ يريدُ توبيخي على ظنّهِ أَيركَ هذا ماتَ قلتُ انْحَنى ........ كرامَةُ الميتِ في دفنِهِ


وعكس ذلك ملغزاً فيه :


وصاحبٍ ما زلتُ دهْري لهُ ........ كلّ مليحٍ أَتمنَّاهُ يعجبني الشيءُ فأَختارُهُ ........ لهُ بجهدٍ علمَ اللهُ إن ماتَ لا يمكنني دَفنهُ ........ وإنْ يعشْ يوماً دَفَنَّاهُ


وقال الصلاح الصفدي مضمناً :


ليَ أَيرٌ ينامُ لؤماً وشؤماً ........ إن أَنا نلتُ من حبيبٍ وِصالاَ وإذا ما غدوْتُ في البيتِ فرداً ........ طلَبَ الطَّعْنَ وحدهُ والنِّزالاَ


وللسراج الوراق مضمناً أيضاً :


عهدي بأَيري وهو فيهِ تيقُّظٌ ........ كم قام منتصباً إِذا نبَّهتهُ والآن كالطِّفلِ الصَّغيرِ بمهدهِ ........ يزدادُ نوماً كلَّما حرَّكتهُ


وقال غيره أيضاً :


تعقفَ فوقَ الخصيتينِ كأَنَّه ........ رشاءٌ على رأسِ الرَّكيَّةِ ملتفُّ كفرْخٍ لهُ يومانِ يرفعُ رأسهُ ........ إلى أبويهِ ثمَّ يسقطهُ الضّعْفُ


ولنرجع إلى شعر ابن الحجَّاج ، ومنه وهو من هذه المادَّة :


أَسفي عليهِ ممدَّداً فوقَ الخصي ........ شبهُ العليلِ فديتُهُ من نائِمِ طمعُ الغَوانِي في انْتِظارِ قيامِهِ ........ طمعُ الرَّوافضِ في انْتِظارِ القائمِ


وقال وهو في غاية الحكمة :


لمَّا رأَتهُ قائماً صفَّقَتْ ........ كذلكَ النَّاسُ معَ القائِمِ


وقال من قصيدة ، وقد راوده بعض الوزراء على الخروج للقتال :


أَهوَى انْحِداري والحزمُ يكرههُ ........ وتاركُ الحزم يركَبُ الغَرَرا لأنني عاقلٌ ويعجبني ........ لزومُ بيتي وأكرهُ السفرا الحَيْسُ نصفَ النهار يعجني ........ والماءُ في الكوز بارداً خصرا والشربُ في روشنى أقولُ بهِ ........ كما أرَى الشمس منهُ والقمرا ولا أقودُ الخيلَ العتاقَ ، بلَى ........ أسوقُ وسط الأزقة البقَرا منْ كلّ جاموسةٍ يقبلها ........ رأسٌ بقرْنيهِ يفلقُ الحجَرا قدْ نفخ الشحمُ بطنها فغَدا ........ كأنهُ بطنُ ناقةٍ عُشَرا أحسنُ في الحربِ من صفوفكُم ........ عندي قعودي أصَنِّفُ الطُّرَرا هيهاتَ أن أحضر القتال وأنْ ........ ترى بعينيك فيه لي أثرا بل الذي لا يزال يعجبني ال ........ دّبيبُ في الليل خائفاً حذَرا آتي إلى تلك وهي نائمةٌ ........ وذا إلى ذاك بعد ما سكَرا وضجةُ النيك كلما ضرطتْ ........ واحدةٌ تحت واحدٍ تَخَرا وقولُ بَعض المميزين وقدْ ........ شمّ فسانا بأنفهِ سَحرا في جعس هذا فطوره وَأرى ........ أنَّ خرا ذاك بعد ما اختمرا الدَّفُّ يوم الصبوحِ يعجبني ........ والنوقُ والنّايُ كلما زَمَرا وحَرْبتي كلما رَميتُ بِها ........ مقتلَ سُرْمٍ خَضبتها بخَرا هذا اعتقادي وهكذا أبداً ........ أرَى لنفسي فأنتَ كيفَ تَرى


ومن شعره أيضاً قوله :


قدْ وقع الصلحُ على غلتي ........ فاقتسموهُ كارةً كارَهْ لا يدبرُ البقالُ إلاَّ إِذا ........ تصافح السِّنَّوْرُ والفارهْ


وهذا مثل للعوام يقولون : في مصالحة السنور والفار خراب بيت العطار ، وقال من أخرى :


فُديتَ بي يا سيدي وَحْدي ........ وعشت ألفي سنةٍ بعدي قد رحل النرجس فاشرب على ........ محاسن المنثور والورد من لي بها عندك مشمولةً ........ قد أصبحَتْ معدومةً عندي يمزجها لي رشأ أعيدٌ ........ بريقهِ أحلى منَ الشهدِ نهاية الحرّ مجسُّ استهِ ........ وَريقهُ في غاية البرْدِ جنَى من البستان لي وَرْدَةً ........ أحسن من إنجازِه وَعدي فقال والوردة في كفهِ ........ مع قدحٍ أذكى من الندِّ اشْرَبْ هنيئاً لكَ يا عاشقي ........ ريقي من كفي على خدّي


وقال أيضاً :


فتاةٌ ما عرفنا قطّ منها ........ بحمد الله إلاَّ كلّ خير فما تهوى سوى أيار شهراً ........ وليس إمامها غير الزبير


وقال من أخرى :


صبيةٌ بَظْرُها بجنبي ........ يبيت مثل الصبي المخضَّبْ مفعول باب استها بأير الفا _ عل فوق الفراش يُنْصَبْ وسُرْمُها أمس كان غرًّا ........ لم يتفقهْ ولا تأدّبْ فاليوم قد صار منذ قاسى ........ أيورَ أهل الزنى وجرَّبْ إِذا رأى الأير من بعيدٍ ........ بوَّق في وجهه ودَبْدَبْ


وديوان شعره كبير جدًّا ، وفيما أوردناه منه مقنع ، وكانت وفاته يوم الثلاثاء السابع والعشرين من جمادى الأخيرة عام إحدى وتسعين وثلاثمائة ، بالنيل ، وهو نهر وبلد معروف بأَرض العراق مخرجه من الفرات وعليه قرى كثيرة حفره الحجاج بن يوسف وسمَّاه باسم نيل مصر ، ثمَّ حمل ابن الحجاج إلى بغداد ودفن عند مشهد موسى بن جعفر الصادق ، وأَوصى بأَن يدفن عند رجليه وأَن يكتب على قبره : وكلبٌ باسطٌ ذراعيه بالوصيد . وكان من كبار الشيعة المغالين في حبّ أَهل البيت .


قال أبو الفضل بن الخازن : رأيت أبا عبد الله بن حجاج في المنام بعد موته فسألته عن حاله فأنشدني :


أَفْسَدَ حُسْنُ مذهبي ........ في الشِّعرِ سوء مذهبي وحِمليَ الجِدِّ على ........ ظَهْرِ حِصانِ اللَّعِبِ لمْ يرضَ مولايَ على ........ سبِّي لأصحابِ النَّبي وقالَ لي ويْلَكَ يا ........ أَحمق لمَ لمْ تَتُبِ مِنْ سَبِّ قومٍ مَنْ رجا ........ ولاءهمْ لمْ يَخِبِ رُمْتَ الرِّضَا جهلاً بمَا ........ أَصلاكَ نارَ اللَّهَبِ


قال هبة الله بن الدباس : أَنشدنا ابن الخازن هذه الأبيات بمحضر جماعة من أَهل الأَدب ، فقالوا : والله إنَّها لنَفَس ابن حجَّاج ، وكتبوها عنه . ولمَّا مات رثاه الشريف الرَّضي الموسوي بقصيدةٍ منها :


نَعَوْهُ على حُسْنِ ظنِّي بهِ ........ فلله ماذا نَعَى النَّاعيانِ رضيعُ ولاءٍ له شُعْبَةٌ ........ من القَلْبِ مثلُ رضيعِ البانِ وما كنتُ أَحْسَبُ أنَّ الزَّمانَ ........ يَفلُّ مضَارِبَ ذاكَ اللِّسانِ بكيتُكَ للشُّرَّدِ السَّائرا _ تِ تعنق أَلفاظها بالمَعاني ليَبْكِ الزَّمانُ طويلاً عليكَ ........ فقد كنتَ خِفَّةَ روحِ الزَّمانِ


وأمَّا محمد بن إبراهيم الأَسدي فقد ذكره العماد الكاتب فقال : هو من أَهل مكة ، لقي أبا الحسن التهامي في صباه ، ومولده بمكة المشرفة ، ومنشأه بالحجاز وتوجه إلى العراق ، وخدم الوزير أبا القاسم المغربي ، ثمَّ بلغ خراسان وعُمِّر إلى أن بلغ حدّ المائة ، ولقي القرن بعد القرن والفئة بعد الفئة ، وتوفي بغزنة سنة خمسمائة ، ومن شعره :


كَفَى حَزَناً أنِّي خَدَمْتكَ برْهَةً ........ وأَنفقتُ من مَدْحِيكَ شَرْخَ شَبابِي فلمْ يُرَ لي شكْرٌ بغيرِ شِكايَةٍ ........ ولمْ يُرَ لي مدحٌ بغيرِ عِتابِ إنْ يَقْتُلوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهُمْ ........ بعُتَيْبَةَ بنِ الحارثِ بنِ شهَابِ


البيت من الكامل ، وهو لربيعة من بني نصر بن قُعَين يرثي ذؤاباً ابنه ، ويقال : قائله داود بن ربيعة الأَسدي ، وبعد البيت :


بأَحبِّهِمْ فقداً إلى أَعدائهِ ........ وأَشَدِّهمْ فقداً على الأَصْحَابِ


والثَّلُّ : الهدم ، يقال : ثلَّ الله عروشهم ، أَي هدم ملكهم ، ويقال للقوم إِذا ذهب عزُّهم وتضعضع حالهم : قد ثُلَّ عرشهم ، والمعنى : إن تبجَّحوا بقتلك وصاروا يفخرون به فقد أَثرت في عزِّهم وهدمت أساس مجدهم بقتلك رئيسهم عتيبة بن الحارث ، وكان من خبر قتله ما حكاه أبو عبيدة . والشاهد فيه : الاطراد : وهو أن يأتي الشاعر باسم الممدوح أو غيره وأسماء آبائه على ترتيب الولادة من غير تكلف ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام "الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" .


ومن شواهد الشعرية قول دُريد بن الصِّمَّة يرثي أخاه عبد الله :


قتلنا بعبد الله خيرَ لِداتِهِ ........ ذؤابَ بن أسماء بن زيْدِ بن قاربِ


يروى أَن سبرة بن عيَّاض الجُشَمي أَنشد عبد الملك بن مروان قصيدة دُريد التي منها هذا البيت ، فلما وصل إليه قال : كاد يبلغ به آدم ، ولمَّا وصل إلى قوله منها :


ولولا سَوَادُ اللَّيْلِ أَدرَكَ رَهْطُنا ........ بذي الرَّمثِ والأَرْطَى عياضَ بن ناشِبِ


قال عبد الملك : ليت الليل أَمهله ساعة ، أَو قال : وددت أنَّه كان بقي عليه فوَاق من النَّار . ومنه قول الأَعشى :


أَقَيْسُ بن مسعود بن قيس بن خالدٍ ........ وأنت امرؤٌ ترْجو بَقَاءَكَ وائلُ


وقول الحارث بن دوس الإيادي :


وشبابٍ حَسَنٍ أَوجهُهُم ........ من إيادٍ بن نزارِ بن مَعَدّ


وقول أبي تمام الطائي :


مناسِبُ تحسَبُ من سَرْدها ........ منازلاً للقمرِ الطَّالعِ كالدَّلو والحوتِ وأَشْراطِهِ ........ والبطنِ والنجمِ إلى التَّالعِ نوح بن عمرو بن حوي بن عم _ رو بن حوي بن الفتى المانِعِ .


فأتى بستة وقابلها بستة لولا أنَّه نغص بذكر الفتى في سادس جدّ ، ولم يرد فتى السن ، وإنَّما أَراد الفتوة ، ولكنَّه مولع . والتالع : الدبران ، كأنَّه تلع جيده : أَي مدّه ، وقوله أيضاً وهو ظاهر التكلف يأباه الاطّراد :


عمرو بن كلثوم بن مالك بن ........ عتاب بن سعد سمكهم لا يفهم


وقال الآخر :


من يكُنْ رامَ حاجَةً بَعُدَتْ عنْ _ هُ وأَعْيَتْ عليهِ كلّ العياءِ فلها أَحمد المرَجّى بن يحيى بن ........ معاذِ بن مسلم بن رجاءِ


وقال ابن دُريد وجمع ثمانية أسماء في بيت واحد :


فنِعْمَ أَخو الجلى ومستنبطُ النَّدَا ........ وملجأُ محزونٍ ومَفْزَعُ لاهِثِ عياذ بن عمرو بن الحُلَيْس بن عامر ........ بن زيد بن مذكور بن سعد بن حارث


وقول بعضهم في تهنئة الصاحب بن عبَّاد :


تهْنى ابنَ عبَّادِ بن عباس بن عب _ د الله نُعْمَى بالكرامَةِ ترْدفُ


وقول الأَديب يعقوب بن أحمد النيسابوري في السيد أبي القاسم علي بن موسى الموسوي :


يقولونَ لي هلْ للمكارِمِ والعُلاَ ........ قِوامٌ ففيهِ لو علمت دَوامُها فقلتُ لهمْ والصدق خُلْقٌ أَلِفْتُهُ ........ عليُّ بن موسى الموسَوِيُّ قوامُهَا


وقوله فيه أيضاً :


يقولُ صَديقي أَلا دُلَّني ........ على بَرْمَكِ الجودِ أَو حاتمِ فقلتُ وأَقسمتُ : ربُّ العلا ........ عليّ بن موسى أبو القاسمِ


وقول الباخرزي من قصيدة يمدح بها أبا الحسن محمد بن الحسين بن طلحة :


أَبا الحسَنِ الأَريحيِّ ........ محمد بن الحسين بن طلحهْ


وقول أُمية في القاضي منصور بن محمد الأَزدي :


قالت تُفَتِّشُ عن أُولي المجدِ ........ مَنْ في الأَنامِ لطالبِ الرِّفْدِ فأَجَبْتُ قاضينا وسيِّدُنا ........ مَنْصور بن محمد الأَزدي


وقول الأَديب أبي الحكم مالك بن المرحل يمدح الفقيه الفاضل أَبا عبد الله ابن يربوع :


صحبتُ في عمرنا ناساً أُولي حَسَبٍ ........ حازوا الثَّناءَ بموْروثٍ ومَطْبوعِ فلمْ أجد فاضلاً فيما صحبتُ سِوى ........ محمد بن أبي العيشِ بن يربوعِ


وقول ابن باتلين :


لاموا عليَّ ظَمئي إليكَ فما دَرَوْا ........ في ماءِ خدِّكَ ما حلاوَةُ مَوْرِدي طوراً أُحيي بالأَقاحِ وتارةً ........ في الخدِّ بالرَّيحانِ والوردِ النَّدِي وجهٌ كما سَفَر الصبَّاحِ وحولهُ ........ حسنى بقايا جِنْحِ ليلٍ أَسوَدِ وكأَنَّما خافَ العُيونَ فألبستْ ........ وجناتهُ زرداً مَخَافَةَ مُعْتَدِي أَنِّى يخافُ من اسْتجارَ محبَّةً ........ بمحمد بن عليّ بن محمدِ


وقول السراج الوراق في ولد هذا الممدوح ، وهو أَكمل ما قبله :


فلهُ الجَمالُ غدَا بغيرِ مُنازعٍ ........ وليَ الجَوَى فيه بغيرِ قَسيمِ وكذا العُلاَ لمحمد بن محمد ب _ ن عليّ بن محمد بن سليمِ


وقول ابن أبي الأصبع :


أجلُّ مَلْكٍ إلى العلياءِ مَنْسوب ........ محمد بن أبي بكر بن أَيوب


ولمؤلفه فيمن أَلف الكتاب باسمه الكريم :


فاقَ جَميعَ الأَقرانْ ........ وسادَ كلَّ الأَعْيانْ ولمْ يفتهُ فضلٌ ........ بل زادَ فوقَ الإحسانْ أَبو البقا يحيى ب _ ن شاكر بن الجيعانْ


ومنه ما كتبه مجد الدين بن الظهير الحنفي على إجازة :


أَجازَ ما قدْ سأَلوا ........ بشَرْطِ أَهلِ السَّنَدِ محمد بن أَحمد ب _ ن عمرو بن أَحمدِ


ولأبي جعفر الأندلسي في مثله أيضاً :


أَذنت أَنْ يَرْوُوا جميعَ ما بهِ ........ حدَّثني كلُّ إمامٍ سالِكِ يقولُ ذا متبعاً لشَرْطِهِ ........ أَحمد بن يوسف بن مالكِ


ومن البديع فيه قول ابن معايا الشاعر يمدح الخليفة بالأَندلس إدريس بن حمود :


وكأَنَّ الشَّمْسَ لمَّا أَشْرَقَتْ ........ فانْثَنَتْ عنها عيونُ النَّاظرين وجه إدريس بن يحيى بن ........ علي بن حمود أمير المؤمنين


وكان وهو في حالة الإنشاد وراء الحجاب على عادة خلفائهم في ذلك ، فلمَّا بلغ إلى قوله :


انظرونا نقتبس من نوركم ........ إنَّهُ من نورِ رَبِّ العالمين


أَمر برفع الحجاب حتَّى نظر إليه . ومن المجون فيه قول ابن مهدي الكسروي في ضرطة وهب بن سليمان :


إنَّ وهب بن سليما _ ن بن وهب بن سعيدِ حملَ الضَّرْطَةَ للرَّيِّ ........ على ظهْرِ البَريدِ في مهماتِ أُمورٍ ........ منهُ بالرَّكضِ الشَّديدِ استهُ تَنطقُ يوم الجحفل ........ بالأَمرِ الرَّشيدِ لم يُجِدْ في القولِ فاحتا _ جَ إلى دُبْرٍ مُجيدِ


وضرطة وهب هذا ذاع أمرها ، وشاع ذكرها ، وأكثر شعراء عصره من النظم فيها بما الإعراض عن ذكره أَليق ، والإضراب عن نشره أنسب ، ذكر علي ابن يحيى قال : ما رأيت أظرف من سليمان بن وهب ، ولا أحسن أدباً ، خرجنا نتلقاه عند قومه من الجبل مع موسى بن بغاء فقال : هات الآن حدِّثني يا أبا الحسن بعجائبكم ، وما أظنُّك تحدِّثني بأعجب من خبر ضرطة وهب بحضرة القاضي ، وما سير من خبرها ، وما قيل فيها ، ومن العجائب أنَّها بشهادة القاضي فليس يزيلها الإنكار ، وجعل يضحك ، وسليمان بن وهب هذا تنقلت به الأحوال إلى أن استوزره المهتدي ، ثمَّ قبض عيه الموفق أخو المعتمد ، وعلى ابنه عبيد الله بعد أن استكتبهما ، فنكبهما ، ومات سليمان في محبسه ، ورثاه الشعراء بمراثٍ كثيرة والله أعلم .


ما ماتَ من كَرَمِ الزَّمانِ فإنَّه ........ يحيا لدَى يحيى بن عبد اللهِ


البيت لأبي تمام من قصيدة من الكامل يمدح بها أَبا الغريب يحيى بن عبد الله أَوَّلها :


إحدَى بني عمرو بنِ عبد مَنَاهِ ........ بين الكَثيبِ الفَردِ فالأَمْواهِ أَلقى النَّصِيفَ فأَنت خاذلَةُ الهوى ........ أُمنيَةُ الخالي ولهوُ الَّلاهي رَيَّا يُعارضُ خَصْرُها أَرْدافَها ........ وتطيبُ نكهَتُها بلا استنكاهِ عَرَضَتْ لنا يومَ اللّوَى في خُرَّدِ ........ كالسَّرْبِ حُوِّ لِثًى ولُعْسِ شفاهِ بيضٌ يلوحُ الحسن في وجناتها ........ والملحُ بين نظائرٍ أَشباهِ لم تجتمع أَمثالها في موطنٍ ........ لولا صفاتٌ في كتابِ الباهِ ومفَنِّدٍ لوَّامةٍ نهنَهَتْهُ ........ عن مُغْلِظٍ لعدُوِّهِ نجَّاهِ ومؤنب لي كي أفيق وإنَّني ........ لأصمُّ عن ياه وعن يهياهِ دعني أقم أَوَدَ الشَّبابِ بوصلها ........ إنَّ السَّفاه بها لغير سَفاهِ فإذا انقضت أَيَّام تشييع الصّبا ........ أَظهرت توبة خاشعٍ أوَّاهِ ومعاودٍ للبيدِ لا يهفُو بهِ ........ هافٍ ولا يزهاهُ فيها زاهِ مُهْدٍ لألْطافِ الثَّناءِ إلى فتًى ........ كالبدرِ لا صَلِفٍ ولا تَيَّاهِ لأبي الغريب غرائباً من مدحتي ........ في غيرِ تعقيدٍ ولا استكراهِ


وبعده البيت ، وبعده :


كالسَّيفِ ليس بزُمَّلٍ شِهْدارَةٍ ........ يوماً ولا بغضُبَّةٍ جَبَّاهِ


وهي طويلة ، والزمل - بضم الزاي وتشديد الميم - الجبان الضعيف ، والشهدارة - بالكسر - الفاحش والنمَّام المفسد بين النَّاس والقصير والغليظ . والشاهد فيه : الجناس المستوفي ، وهو : أَن يكون اللفظان المتفقان من نوعين كاسم وفعل . ومن الشواهد الشعرية عليه قول محمد بن عبد الله بن كناسة الأَسدي الكوفي وهو ابن أُخت إبراهيم بن أَدهم رحمهما الله :


وسميتهُ يحيى ليحيا فلم يكن ........ إلى رَدِّ أَمرِ الله فيهِ سبيل تفاءلت لو يغني التفاؤل باسمه ........ وما خلت فألا قبل ذاك يفيل


ومن ملح هذا النوع قول ابن الرُّومي :


للسُّودِ في السوُّد آثار تركنَ بها ........ وَقعاً من البيضِ يثني أَعين البيضِ


وقول أبي الفتح البستي في السلطان عين الدولة :


بسيفِ الدَّولَةِ اتَّسقتْ أُمورٌ ........ رَأَيناها مبدَّدَةَ النِّظامِ سَمَا وحَمَى بني سامٍ وحامٍ ........ فليسَ كمثلهِ سامٍ وحامِ


وقوله أيضاً :


قلتُ لطَرْف الطَّبع لمَّا ونَى ........ ولم يطعْ أَمري ولا زَجرِي مالكَ لا تجري وأنتَ الذي ........ تجري مدى العلياء إذْ تَجرِي فقالَ لي دَعْني ولا تؤذني ........ إلى متَى أَجري بلاَ أَجْرِ


وقول علي بن أحمد الحليمي البديهي الملقب بنقيب الشعراء :


فعاطِني قهوةً صهْباءَ صافيةً ........ بها تطايرَ عن قلبي الجوَى شفقا من كفِّ ساقٍ إِذا ما جاءَنا فسَقَى ........ دَعا إلى حبِّهِ أَهواءَ مَنْ فَسَقَا


وقول الغزي أيضاً :


لمْ نلقَ غيركَ إنساناً نلوذُ بهِ ........ فلا برحْتَ لعينِ الدَّهرِ إنْسانا


وقول الصفي الحلي في مطلع قصيدة امتدح بها الملك الناصر حسناً :


أَسْبَلْنَ من فوقِ النُّهودِ ذوائِباً ........ فتركْنَ حبَّاتِ القُلوبِ ذوائِبَا


ومثله قول الإمام أبي الحسن نصر المرغيناني :


ذوائبُ سودٌ كالعناقيدِ أسبلتْ ........ فمنْ أَجلها مِنَّا النُّفوسُ ذوائِبُ


وقول ابن نباتة في مطلع قصيدة امتدح بها الملك الأفضل صاحب حماة :


ما بتُّ فيكِ إلاَّ بدمعِ عيني أشرقُ ........ إلاَّ وأنتِ من الغزَالَةِ أَشرَقُ


ولمؤلفه رحمه الله تعالى في مطلع قصيدة مهنئاً بالشِّفاء لمن ألَّف هذا الكتاب باسمه الكريم :


بدرُ الهَنا بشفاءِ ذاتكَ أَشرقا ........ وأغصَّ من يجفُو عُلاكَ وأَشرقَا


وما أَلطف قول بعضهم :


القَلْبُ منِّيَ صَبُّ ........ والدَّمْعُ مِنِّيَ صَبُّ


وقد أخذه ابن نباتة وحصر المعنيين في ركن واحد فقال :


دَمعي عليكَ مُجانسٌ قلبي ........ فانْظرْ على الحالينِ في الصَّبِّ


ومثله قول مجير الدولة بن عبد الظاهر ملغزافي كوز :


وذي أُذُنٍ بلا سمْعٍ ........ لهُ قلْبٌ بلا قلبِ إِذا اسْتولَى على صبٍّ ........ فقلْ ما شئْتَ في الصَّبِّ


وما أحسن قول ابن شرف :


يا ثاوِياً في معشرٍ ........ قد اصطلى بنارِهمْ إن تبْكِ من شِرارهمْ ........ على يَدَيْ شِرارهمْ أو تُرْمَ من أحجارهمْ ........ وأنت في أحجارهمْ فما بقيتَ جارَهمْ ........ ففي هواهُمْ جارِهمْ وأرْضهمْ في أرْضهمْ ........ ودارِهم في دارِهمْ


وقول ابن فضالة المجاشعي القيرواني ، وقيل : ابن شرف :


إنْ تُلقكَ الغُرْبةُ في معشرٍ ........ قدْ أجمعوا فيكَ على بغضهمْ فدارِهمْ ما دُمتَ في دارِهمْ ........ وأرْضِهمْ ما دُمتَ في أرضِهمْ إِذا ملكٌ لمْ يكُنْ ذاهِبهْ ........ فدَعْهُ فدَوْلتهُ ذاهِبهْ


البيت لأبي الفتح البستي ، من المتقارب . والشاهد فيه : جناس التركيب ، وهو : المتفق لفظاً وخطاً . وما أحسن قول الشاعر فيه :


عضَّنا الدهرُ بِنابهْ ........ ليْتَ ما حلَّ بِنابهْ


وقول شمسويه المصري في غلام يبيع الفراني :


قلتُ للقلبِ ما دَهاك أجِبني ........ قال لي بائعُ الفرَاني فَراني ناظراهُ فيما جنَى ناظراهُ ........ أو دَعاني أمُتْ بما أودَعاني


وقول أبي الحسن المرغيناني :


صارَ مَتْني مثلَ قَوْسٍ ........ نزعتْ مُذْ صارَمتني


وقول الحاكم أبي حفص عمر المطوعي :


ألا يا سيداً خُلقَتْ يداهُ ........ لثرْوَةِ مُعدمٍ أو يُسْرِ عاني مَضى العُسرُ الذي قاسيْت فاعدلْ ........ إلى يُسرَيْنِ نحوَكَ يُسرعان


وقول بعض المغاربة ، وأجاد :


لَبسَ البرْنسَ المليحُ فباهى ........ وَدَرَى أنني محبٌّ فَتاها لوْ رأتهُ زليخةٌ حينَ وافَى ........ لتمنتهُ أنْ يكونَ فَتاها


ومثله قول بعضهم :


رَبِّ سَهِّلْ على فَتاتي فتَاتي ........ لترَى هلْ سَلا فَتاها فَتاها علمتهُ جفونها آيَ سحْرٍ ........ ما تَلاهى عنْ حبها مُذْ تَلاها


وقول الباخرزي أيضاً :


قدْ مُلئَتْ زَوْزَنُ من سادةٍ ........ لهمْ نُفوسٌ بالعلى عارِفاتْ ما أغتدي إلاَّ ومن عندهمْ ........ عارفةٌ عنديَ أو عارِفاتْ قدْ بقيَ الفخرُ بهمْ والندى ........ والبأسُ والبخْلُ مع العارفاتْ


ومثله قول أبي بكر اليوسفي :


وَرَدتُ مالينَ فألفيتها ........ رُمانَةً حَباتها المكرُمات أصيحُ من ظرفِ سجاياهمُ ........ عاشَ الوفاءُ المحضُ والمكرُمات


وقول أبي الفضل الميكالي :


تفرق الناسُ في أرْزاقهمْ فِرَقاً ........ فلابسٌ من ثراء المالِ أو عاري كذا المعائشُ في الدّنيا وساكنها ........ مقسومة بينَ أدماثٍ وأوعارِ مَنْ ظنَّ بالله جوْراً في قضيتهِ ........ افترَّ عن مأثمٍ في الدين أو عارِ


وقوله يهجو :


لئنْ أنتَ ناصبتَ بدرَ الدُّجى ........ ونازعتَ شمسَ الضحى أوْجَها لما كنتَ أفضلَ في حالةٍ ........ منَ الكلبِ عندي ولا أوجَهَا


وقول شمس الدين محمد بن عبد الوهاب :


حارَ في سُقْمِيَ من بعدِهِمُ ........ كلُّ من في الحي داوى أو رَقى بعدَهم لا ظلُّ وادي المنحنَى ........ وكذا بانُ الحمَى لا أورَقا


وقول الشمس الخجندي إمام المسجد الشريف النبوي :


حَسبي جوارُ محمدٍ وكفى بهِ ........ دَفعاً لما ألقاهُ منْ أوصابي لمْ أخشَ ضَيماً في حماهُ ولا أذًى ........ أنَّى وجبرائيلُ قد أوصا بِي


وقول الصلاح الصفدي فيه :


يا منْ إِذا ما أتاهُ ........ أهلُ الموَدّة أم لمْ أنا محبُّكَ حَقًّا ........ إن كنتَ في القومِ أو لمْ


والبستي هو : أبو الفتح علي بن محمد ، الكاتب .


قال الثعالبي ، رحمه الله تعالى ! في حقه : هو صاحب الطريقة الأَنيقة ، في التجنيس الأَنيس ، البديع التأسيس ، وكان يسميه المتشابه ، ويأتي فيه بكل ظريفة ولطيفة . وقد كان يبلغني شعره العجيب الصنعة ، البديع الصبغة .


من كلِّ معنًى يكادُ الميتُ يَعْشقهُ ........ حُسناً ويعبدهُ القرطاسُ والقَلَمُ


مما أراه فأرويه ، وألحظه فأحفظه ، وأسأل الله تعالى بقاه ، حتَّى أرزق لقاه ، وأتمنى قربه كما تتمنى الجنة ، وإن لم تتقدم لها الرؤية ، حتَّى وافقت الأمنية حكم القدر ، وطلع على نيسابور طلوع القمر ، فزاد العين على الأثر ، والاختبار على الخبر ، ورأيته يغترف في الأَدب من البحر ، وكأنَّما يوحي إليه في النظم والنثر ، مع ضربه في سائر العلوم بالسهم العائر ، وأخذه منها بالحظ الوافر ، وجمعته وإياي لحمة الأَدب ، التي هي أقوى من قرابة النسب ، فما زلت في قدماته الثلاث نيسابور بين سرور وأنس مقيم ، ومن حسن معاشرته وطيب مذاكرته ومحاضرته في جنة ونعيم ، أجتني ثمر الغرائب من فوائده ، وأنظم العقود من فرائده ، ولم تكن تغبني كتبه في غيبته ، ولا أكاد أخلو من آثار وده ، وكرم عهده .


ومن خبره : أنَّه كان في عنفوان أمره كاتباً لبايتوز ، صاحب بست ، فلما فتحها الأَمير ناصر الدولة أبو منصور سبكتكين ، وأسفرت الواقعة بينه وبين بايتوز عن استمرار الكشفة به ، أعيت أبا الفتح صحبته فتخلف ودل الأَمير عليه فاستحضره ومناه ، واعتمده لما كان قبل معتمداً له ، إذْ كان محتاجاً إلى مثله في آلته وكفايته ومعرفته ، وهدايته وحنكته ودرايته .


قال : فحدثني أبو النصر العتبي قال : حدثني أبو الفتح قال : لما استخدمني الأَمير سبكتكين ، وأحلني محل الثقة الأَمين ، عنده في مهمات شانه ، وأسرار ديوانه . وكان بايتوز بعد حيًّا ، وحسادي يلوون ألسنتهم بالقدح فيَّ والجرح لموضع الثقة بي ليًّا ، أشفقت لقرب العهد بالاختبار من أن يعلق بقلبه شيء من تلك الأَقوال ، ويقرطس غرض القبول بعض تلك النبال ، فحضرته ذات يوم وقلت : إنَّ همَّة مثلي من أرباب هذه الصناعة لا ترتقي إلى أكثر ممَّا رآني الأَمير أهلاً له من اختصاصه واستخلاصه ، وتقريبه واختياره لمهمات أموره وأسراره ، غير أنَّ حداثة عهدي بخدمة من كنت به موسوماً ، واهتمام الأَمير بنقض ما بقي من شأنه ، يقتضيان أن أسأله الاعتزال في بعض أطراف مملكته ، ريثما يستقر هذا الأَمر في نصابه ، فيكون ما آليه من هذه الصناعة ، أسلم من التهمة ، وأقرب إلى السداد ، وأبعد من كيد الحساد ، فارتاح لما سمعه ، وأوقعه من الإحماد موقعه ، فأشار علي بناحية الرخج ، وحكمني في أرضها أتبوأ منها حيث أشاء ، إلى أن يأتيني الاستدعاء ، فتوجهت نحوها فارغ البال ، رافه العيش والحال ، سليم اللسان والقلم ، بعيد القدم من مخاضات التهم . وكنت أدلجت ذات ليلة - وذلك في فصل الربيع - أؤم منزلاً أمامي ، فلما أَصبحت نزلت فصليت وسبّحت ودعوت وقمت للركوب ، ففتح ضياء الشروق طرفي على قرية ذات يمنة محفوفة بالخضر ، معمومة بالنور والزهر ، وأمامها أرض كأنَّها بطون الحيّات في صفاء ماء الحياة ، وقد فغمني من نسيم هوائها عرف المسك السحيق ، بالعنبر الفتيق ، فاستطبت المكان ، وتصورت منه الجنان ، وفزعت إلى كتاب الأدب كنت استصحبه لأخذ الفال على المقام والارتجال ، فكشف أول سطر من الصفحة عن بيت شعر ، وهو :


وإذا انتهيت إلى السَلا _ مة في مداكَ فلا تجاوزْ


فقلت : والله هذا هو الوحي الناطق ، والفأل الصادق ، وتقدمت بعطف ضِبْنِي إليها ، وعشت ستة أشهر بها في أنعم عيش وأرخاه ، وأهنأ شرب وأمراه ، إلى أن أتاني كتاب الأَمير في استدعائي إلى حضرته بتبجيل وتأهيل ، وترتيب وترحيب ، فنهضت إليها ، وحظيت بما حظيت منها إلى يومي هذا .


قال : فكان اختباره ذلك أحد ما استدل به الأَمير على عقله وجودة رأيه ، وتدبيره ورزانته ، ودرج به إلى محله ومكانته ، وصار من بعده ينظم بأقلام منثور الآثار عن كتابه ، وينسج بعباراته وشي فتوحه ومقاماته . وهلم جرا إلى زمن السلطان المعظم يمين الدولة ، وأمين الملة محمود بن سبكتكين ، فقد كتب له عدة فتوح ، قال في أحد كتبه : كتبت وقد هبت ريح النصر من مهبّها ، والأَرض مشرقة بنور ربها . . إلخ . واستمر إلى أن زحزحه القضاء عن خدمته ، ونبذه إلى ديار الترك عن غير قصده وإرادته ، فانتقل بها إلى جوار ربه عز وجل في سنة أربعمائة من الهجرة النبوية .


ولنذكر من مليح نثره ونظمه ما رق له وراق ، وحلا في الأَذواق . فمن فصوله القصار ، وأمثاله التي انتشر فضلها وسار : من أصلح فاسده أرغم حاسده ، ومن أطاع غضبه أضاع أرَبَه . عادات السادات سادات العادات . من سعاد جدك وقوفك عند حدك . أفحش الإضاعة الإذاعة ، الرشوة رشاء الحاجة . اشتغل عن لذاتك بعمارة ذاتك . إِذا بقي ما قاتك فلا تأس على ما فاتك . ربما كانت الفطنة فتنة . والمحنة منحة . من حصن أطرافه حسن أوصافه . أحصن من الجنة لزوم السنّة . الرد الهائل خير من الوعد الحائل . طلوع العقوق أُفول الحقوق . الحدَّة والندامة فرسا رهان ، والجود والشجاعة شريكا عنانٍ . والتواني والخيبة رضيعا لبان . الفكر رائد العقل . نعْمَ الشفيع إلى عدوك عقله . مسلك الحزن حَزْن . الخلاف غلاف الشر . المراء يهدم المروءة . رضى المرء عن نفسه دليل تخلفه ونقصه . عسى تحظى في ثمدِك برغدك . ربما أغنت المداراة عن المباراة . لا ضمان على الزمان . من لزم السلم سلم . ليكن قرينك من يزينك . إفراط السخاوة رخاوة . ربما كانت العطية خطية . لا يعدم السرعة ذو السرعة . لكل حادث حديث . البشر نور الأصحاب . ما كل خاطر بعاطر . ما لخرق الرقيع مرقع . إن لم يكن لنا مطمع في دَرَك درّك ، فأعفنا عن شَرَك شرّك . الغيث لا يخلو من العيث .


ومن شعره في الغزل وغيره :


يا يوسفَ الحسنِ ليلي بعد فرقتكمْ ........ يحكي سِني يوسفٍ طولاً وتعذيبا والشأنُ في أنني أرمي لأجلكمُ ........ بمثلِ ما قد رَمى إخوانُكَ الذيبا


ومنه :


قالتْ وقد راودتها عن قبلةٍ ........ تشفي بها قلباً كئيباً مغرَما قَدّمْ يداً من قبل أن تدني يداً ........ ومبرةً من قبلِ أن تُدنى فما إنَّ الغَرام غَرامةٌ فمتَى تكنْ ........ بي مُغْرماً فلتَحملن لي مَغْرما


ومنه :


أرأيتَ ما قد قال لي بدر الدُّجى ........ لما رأى طرفي يُديمُ سُهودا حتَّى مَ ترمقني بطرفٍ ساهر ........ أقْصِرْ فلستُ حبيبكَ المفقودا


ومنه :


رُبَّ يومٍ للأنس فيه فراغٌ ........ ولكأسِ السرورِ فيهِ مساغُ بيننا للبخور غيمٌ ، وللما _ وَرْدِ طش ، وللغوالي رداغُ


ومنه :


يومٌ له فضلٌ على الأيامِ ........ مزَجَ السحابُ ضياءهُ بظلامِ فالبرْقُ يخفقُ مثلَ قلبٍ هائمٍ ........ والغيمُ يبكي مثلَ طرفٍ هامي وكأنَّ وجْهَ الأرضِ خَدُّ متيمٍ ........ وُصلتْ دموعُ سحابة بسجامِ فاطلب ليومك أربعاً هُنَّ المنى ........ وبهنَّ تصفو لذَّةُ الأيامِ وجهَ الحبيبِ ومَنظراً مُستشرفاً ........ ومُغَنِّياً غرداً وكأسَ مُدامِ


ومنه في وصف الكتب والخط والبلاغة :


كتابك سيدي جَلَّى همومي ........ وجَلّ به اغتباطي وابتهاجي كتابٌ في سرائرِه سرورٌ ........ مُناجيهِ منَ الأحزان ناجي فَكمْ معنى لطيفٍ درجَ لفظٍ ........ هُناكَ تزاوجا أيَّ ازدواجِ كراحٍ في زجاجٍ بل كروحٍ ........ سرى في جسمِ معتدلِ المزاجِ


ومنه أيضاً :


بنفسيَ من أهدَى إليَّ كتابهُ ........ فأهدى ليَ الدُّنيا مع الدين في درجِ كتابٌ مَعانيهِ خلالَ سطورهِ ........ لآلئُ في دَرْجِ كواكبُ في بُرْجِ


ومنه :


لما أتاني كتابٌ منك مبتسمٌ ........ عن كل برٍّ وفضلٍ غير محدودِ حكتْ معانيهِ في أثناء أسطرهِ ........ آثاركَ البيض في أحواليَ السودِ


ومنه :


ما إنْ سمعت بنَوّارٍ لهُ ثمرٌ ........ في الوقت يمتعُ سمعُ المرء والبصرا حتَّى أتاني كتابُ منكَ مبتسمٌ ........ عن كل لفظٍ ومعنى يشبهُ الدرَرا فكانَ لفظك من لألائهِ زَهراً ........ وكانَ معناهُ في أثنائه ثمرَا تسابقا فأصابا القصدَ في طَلَقٍ ........ لله من ثمرٍ قد سابقَ الزّهرا


ومنه :


إِذا أحببتَ أن تحظى بسحرٍ ........ فلا تَخْتَرْ على لفظي وشعري فأحسنُ من نظام الدرّ نظمي ........ وآنَقُ من نِثارِ الوردِ نثري


ومنه في الفقهيات :


عليكَ بمطبوخِ النبيذ فإنهُ ........ حلالٌ إِذا لم يخطف العقلَ والفهما ودَعْ قولَ من قد قالَ إنَّ قليلهُ ........ يُعينُ على الأسكار فاستوَيا حكما فليسَ لما دون النصاب قضية الن _ صاب وإن كان النصابُ بهِ تمَّا


ومنه في معناه :


معاشرَ الناس أصغوا قد نصحتُ لكمْ ........ في الراحِ حكمٌ مليحٌ غيرُ ممقوتِ قليلها مُستباحٌ والكَثيرُ عمًى ........ كغرفةٍ فردةٍ من نهرِ طالوتِ


ومنه في الطبيات والفلسفيات :


لا يَغرنَّك أنني ألينُ اللمس ........ فعزمي إِذا انتضيتُ حُسامُ أنا كالوَرْدِ فيهِ راحةُ قومٍ ........ ثمَّ فيهِ لآخرينَ زكامُ


ومنه :


خَفِ الله واطلبْ هُدَى دينهِ ........ وبعدَهما فاطلب الفلسفَهْ لئلاَّ يغرَّكَ قومٌ رَضوا ........ منَ الدين بالزورِ والسفسفَهْ ودعْ عنكَ قوماً يعيبونها ........ ففلسفة المرء كلُّ السفَهْ


ومنه في النجوميات :


قد غضَّ من أملى أنِّي أرَى عملي ........ أقوى من المشتري في أول الحَمَلِ وأنني راحلٌ عما أُحاوِلهُ ........ كأنني أستدرُّ الحظ من زُحَلِ


ومنه :


إِذا غدا ملكٌ باللهو مشتغلاً ........ فاحكم على ملكه بالويلِ والخربِ أما ترى الشمس في الميزان هابطةً ........ لما غدا برج نجم اللهو والطربِ


ومنه :


لا تعجبنَّ لدهرٍ ظَلَّ في صَبَبِ ........ أشرافهُ وعَلا في أوْجِهِ السَّفِلُ وانظرْ لأحْكامِهِ أنى تقادُ بها ........ فالمشتري السّعد عالٍ فوْقهُ زُحلُ


ومنه :


سلِ الله الغنى تسألْ جَوادا ........ أمِنتَ على خزائِنهِ النَّفادا وإنْ أدْناكَ سلطانٌ لفضْلٍ ........ فلا تغفلْ ترَقُّبَكَ البعادا فقدْ تُدني الملوكُ لَدَى رِضاها ........ وتُبعدُ حين تحقدُ احتقادا كما المرِّيخُ في التَّثْليثِ يُعطى ........ وفي الترْبيع يَسلبُ ما أفادا


ومنه :


شرفُ الوَغدِ بِوغدٍ مِثلهِ ........ مثلٌ ما فيه زَيغٌ وزَللْ ودليلُ الصدْق فيما قُلتهُ ........ شرَفُ المرّيخ في بيتِ زُحلْ


ومنه في الإخوانيات :


لِقاؤُكَ يُدْني مُنَى المُرْتجى ........ ويفتحُ بابَ الهوى المرْتَجِ فأسْرِعْ إلينا ولا تُبطئَنْ ........ فإنا صِيامٌ إلى أنْ تجي


ومنه :


عِندي فدْيتكَ سادةٌ أحرارُ ........ وقلوبهمْ شوقاً إليكَ حِرارُ وشَرابُنا شُرْبُ العلومِ ورَوْضُنا ........ نُزهُ الحديثِ ونَقْلنا الأشعارُ فامنُنْ علينا بالبدارِ فإنما ........ أعمارُ أوْقاتِ السُّرور قِصارُ


ومنه :


لا تظُننّ بي وبرُّكَ حيٌّ ........ أنّ شُكري كشكرِ غيري مَواتُ أنا أرضٌ وراحتاكَ سماءٌ ........ والأيادي وبْلٌ وشكري نَباتُ


ومنه :


منْ شَاءَ عيشاً رخِيًّا يستفيدُ بهِ ........ في دينهِ ثمَّ في دُنياه إقبالا فلينظُرنَّ إلى منْ فوقَهُ أدباً ........ ولينظرنّ إلى من دونه مالا


ومنه :


أفِدْ طبعكَ المكْدودَ بالجدّ راحةً ........ قليلاً وعللْهُ بشيءٍ من المزْحِ ولكنْ إِذا أعطيته ذاكَ فليكنْ ........ بمقدارِ ما يعطي الطعامُ منَ المِلحِ


ومنه :


إِذا ما اصطفيتَ امرَأً فليكنْ ........ شريفَ النِّجارِ زَكِيَّ الحسبْ فنذلُ الرِّجال كنذْلِ النَّباتِ ........ فلا للثِمارِ ولا لِلحطبْ


ومنه :


عفاء على هذا الزَّمانِ فإنهُ ........ زَمانُ عقوقٍ لا زَمانُ حقوقِ فكلُّ رفيقٍ فيهِ غيرُ موافقٍ ........ وكلُّ صديقٍ فيهِ غيرُ صدوقِ


ومنه :


كأنني فرَسُ الشطْرنج ليسَ لهُ ........ في ظلِّ رابطهِ ماءٌ ولا عَلَفُ


ومنه قوله في المشاورة :


خصائصُ منْ تشاوِره ثلاثٌ ........ فخذْ مِنها جَميعاً بالوَثيقهْ ودادٌ خالصٌ ووُفورُ عقْلٍ ........ ومعرفة بحالكَ في الحقيقهْ فمنْ حصلتْ لهُ هذي المعاني ........ فتابعْ رأيهُ والْزَمْ طريقهْ


وقوله أيضاً :


إنْ كنتَ تطلبُ رُتبةَ الأحرارِ ........ فاعمدْ لِحلمِ راجح ووَقارِ وحذارِ منْ سفهٍ يَشينُكَ وصفهُ ........ إنَّ السّفاهَ بذي المروءةِ زاري إنَّ السَّفيهَ إِذا تصدَّى لامرِئٍ ........ متحلم ونهاه بالأضرارِ فالماءُ يُطفي وهوَ لَيْنٌ مسُّهُ ........ عذْبٌ مذاقتُهُ لَهيبَ النّارِ


ومنه :


وما استوْفى شُروطَ الحزْم إلاَّ ........ فتى في خُلقهِ سهْلٌ وحزْنُ


ومثله قول ابن شمس الخلافة :


فليسَ كمالُ المرْءِ بالخيرِ وحدَهُ ........ إِذا لم يكن في المرءِ شيءٌ من الشَّرِّ


ومحاسن أبي الفتح البستي كثيرة ، رحمه الله تعالى ! وفيما أوردناه كفاية .


كلُّكمْ قدْ أخذَ الجا _ مَ ولا جامَ لَنا ما الذي ضرَّ مُديرَ ال _ جامِ لوْ جاملَنا


البيتان من مجزوء الرمل ، وهما لأبي الفتح البستي أيضاً . والشاهد فيهما : الجناس المفروق ، وهو : المتفق لفظاً لا خطاً ، كقول المعتمد ابن عباد يحكي قول جارية له في محنته :


قالتْ لقدْ هِنَّا هُنَا ........ موْلايَ أينَ جاهنا قلتُ لها إلهنا ........ صيَّرنا إلى هُنا


وقول المطوعي :


أميرٌ كلُّهُ كرمٌ سَعِدْنا ........ بأخذِ المجدِ عنهُ واقْتباسِهْ يُحاكي النِّيلَ حينَ يرومُ نَيْلاً ........ ويحكي باسلاً في وقتِ باسِه


وقوله أيضاً :


لا تعرِضنَّ على الرُّواةِ قصيدةً ........ ما لم تبالغْ قبلُ في تهذيبها فمتى عرضْتَ الشِّعْرَ غيرَ مهذبٍ ........ عدُّوهُ مِنكَ وساوِساً تَهْذي بِها


وقول ابن أسد الفارقي :


غدَوْنا بأموالٍ ورُحنا بِخيبةٍ ........ أماتتْ لنا أفهامَنا والقرائِحا فلا تلقَ منَّا غادِياً نحوَ حاجةٍ ........ لتسألهُ عن حالهِ والقَ رائِحا


وقول أبي الفتح البستي :


إنْ سلَّ أقْلامهُ يوماً ليُعْملها ........ أنساكَ كلَّ كميٍّ هزَّ عامِلهُ وإنْ أقرَّ على رقٍّ أناملهُ ........ أقرَّ بالرِّقِّ كتَّابُ الأنام لهُ


وقوله أيضاً :


إلى حتفي سعى قدَمي ........ أرَى قدَمي أراقَ دَمي فكم أنقدُّ منْ ندَمٍ ........ وليسَ بِنافعٍ ندَمي


وقوله :


كم من أخٍ قدْ هدَّمتْ أخلاقَهُ ........ في آخرِ ما قد بنى في الأوَّلِ نسيَ الوَفاء ولستُ أنسى عهدَ ما ........ شاهدْتُ منهُ في الزّمانِ الأطوَلِ يرمي سهاماً إنْ أسرَّ المقتَ لي ........ بالكيدِ لا يقصدْنَ غيرَ المقتلِ


وقوله :


جُعلنا أجنبيَّينِ ........ بِلا جُرْمٍ ولا تبلِ وأقصينا وما خُنَّا ........ وما زُغْنا عنِ العدْلِ فقلْ لي يا أخا السُّودَ ........ دِوَ الهمَّةِ والفضلِ إلى كم نحنُ في ضيقٍ ........ وفي عزلٍ وفي أزْلِ أما تَنْشَطُ أنْ تُملي ........ على الكُتَّاب أنتم لي


وقوله :


لا يسوُأنْكَ إنْ برّا _ نيَ دَهرٌ فَلَمْ يَرِشْ أنتَ عِشْ سالماً فإنَّ _ كَ إنْ عِشتَ أنتعشْ


وقول العميد بن سهل :


عجبْتُ منَ الأقلامِ لم تنْدَ خُضْرةً ........ وباشرْنَ منهُ كفَّهُ والأناملا لو أنَّ الوَرَى كانوا كلاماً وأحرُفاً ........ لكان نعم منها وكانَ الأنامُ لا


وقول أبي بشر المأموني بن علي الخوارزمي مهنئاً بعض أصحابه بزفاف :


بدْرُ دُجى أصحبوهُ شمسَ ضُحى ........ بارَك ربُّ السماء فيها لَهْ ضمَّتهما هالةُ الوِصال معا ........ من ذا رَأى النيِّرَيْنِ في هالَهْ


وقول أبي بكر اليوسفي يصف أقلاماً ، وهي :


قصباتُ فضلٍ قد جرَتْ قصباتُها ........ مجْرَى موافى كبوَةٍ وعِثارِ يكتُبنَ في القرْطاسِ أخبارَ النُّهى ........ بِلُعابِ مِنقارٍ لها من قارِ


وقول صدر الدين الخجندي :


أنفق حبوراً واسترقَّ العلا ........ ولا تخفْ خشيةَ إملاقِ الناسُ أكفاءٌ إِذا قوبِلوا ........ إن فاقَ شخصٌ فبالإنفاقِ


وما ألطف قول ابن نباتة :


قمراً نراهُ أمْ مليحاً أمردا ........ ولحاظهُ بينَ الجوانحِ أمْ ردَى


وسبقه إلى ذلك الأمير أبو الفضل الميكالي فقال :


يا منْ دَهاه شعرُهُ ........ وكان غضًّا أمرَدا سيَّان فاجأ أمرَداً ........ في الخدِّ شَعْرٌ أمْ ردَى


ولأبي الفضل في هذا أيضاً قوله :


لنا صديقٌ تجيدُ لقماً ........ راحَتُنا في أذَى قفاهُ ما ذاقَ من كسبِه ولكنْ ........ أذَى قفاهُ أذاق فاهُ


وله أيضاً :


لنا صديقٌ إنْ رأى ........ مُهفْهفاً لاطَفهُ وإنْ يكنْ في دَهرنا ........ ذو أبنةٍ لاطَ فَهُو


وله أيضاً :


لقدْ راعني بدْرُ الدُّجى بصدودِهِ ........ ووكَّل أجفاني برَعْيِ كَواكِبهْ فيا جزَعي مهلاً عساه يعودُ لي ........ ويا كبدي صبراً على ما كَواك بِهْ


وللشهاب محمود فيه :


ولم أرَ مثلَ نشرِ الرَّوْض لما ........ تلاقَيْنا وبنتَ العامريِّ جرَى دمعي وأوْمضَ برْقُ فيها ........ فقالَ الرّوْضُ في ذا العام ريِّي


ولابن جابر الأندلسي :


قدْ سبى قلبي غزالٌ فاتنٌ ........ سلْ بهِ كيفَ اعتدَى في سلبهِ أنا لا أعتبهُ فيما جرَى ........ صَفَحَ الله لهُ عَنْ ذَنْبِهِ


وقوله أيضاً :


أيها العاذلُ في حبِّي لها ........ خَلِّ نفسي في هواها تحترِقْ ما الذي ضرَّك منِّي بعدَ ما ........ صارَ قلبي من هواها تحتَ رقْ


وقول الشاب الظريف محمد بن العفيف :


أسرعْ وسرْ طالبَ المعالي ........ بكلِّ وادٍ وكلِّ مَهْمَهْ وإنْ لَحيَ عاذلٌ جهولٌ ........ فقلْ له : يا عَذولُ مَهْ مَهْ


وقوله رحمه الله تعالى :


إنَّ الذي منزلهُ ........ من سُحْبِ عيني أمرَعا لم أدرِ من بَعديَ هلْ ........ ضيّعَ عهدي أمْ رَعَى


وقول قاضي القضاة بهاء الدين السبكي :


كنْ كيفَ شئتَ ، عن الهوى لا أنْتَهي ........ حتَّى تعودَ لي الحياةُ وأنتَ هي


ومثله قول أبي نصر القشيري :


تقبيلَ خَدِّكَ أشتهي ........ أملٌ إليهِ أنتهي إن نلتُ ذلكَ لم أُبَلْ ........ بالرُّوح منِّي أن تهي دُنيايَ لذَّةُ ساعةٍ ........ وعلى الحقيقة أنتَ هي يَمُدّونَ منْ أيدٍ عَواصٍ عَواصِمِ


هو صدر بيت من الطويل ، وتمامه :


تصولُ بأسيافٍ قواضٍ قواضِبِ


وقائله أبو تمام ، من قصيدة يمدح بها أبا دلف العجلي ، أولها :


على مثلها منْ أرْبُعٍ ومَلاعبِ ........ أُهينتْ مصوناتُ الدموعِ السواكبِ


وهي طويلة ، وما أحسن قوله في مخلصها :


إِذا العيسُ قد لاقت أبا دلفٍ فقدْ ........ تَقَطَّعَ ما بيني وبين النوائب هنالك تلقى الجود في حيث قُطِّعَتْ ........ تمائمه والمجد وافي الذوائبِ تكادُ عطاياهُ تجنُّ جنونها ........ إِذا لم يُعَوِّذْها بنغمة طالبِ


وهذا البيت مما انتقد به على أبي تمام حتَّى قال بعضهم : وما باله ينسبها إلى الجنون ويلتمس لها العوذ والرقي ؟ هلا فك إسارها وعجل خلاصها ولم ينتظر بها نغمة الطالب ففعل كما قال أبو الطيب المتنبي :


وعطاءُ مالٍ لو عَداهُ طالبٌ ........ أنفقتهُ في أن تلاقي طالبا


وقد تداول الناس هذا المعنى ، فقال مسلم :


أخٌ ليَ يعطيني إِذا ما سألتُهُ ........ وإن لم أُعَرِّضْ بالسؤال ابتدانيا


وقال أبو العتاهية :


وإنا إِذا ما تركنا السؤالَ ........ فمعروفهُ أبداً يبتدينا وإن نحنُ لم نبغ معروفهُ ........ فمعروفهُ أبداً يبتغينا


وقال أبو تمام الطائي :


فأضحتْ عطاياهُ نوازعَ شُرّدا ........ تسائلُ في الآفاق عن كلِّ سائلِ


وقال أيضاً :


ورأيتني فسألت نفسكَ سَيْبَها ........ لي ثمَّ جُدْت وما انتظرتَ سؤالي


وقد زاد أبو الطيب عليهم بقوله المتقدم :


أنفقتهُ في أن تلاقي طالبا


ولنرجع إلى شعر أبي تمام ، ومن محاسن قصيدته هذه قوله :


يرى أقبح الأشياء أوْبَةَ آملٍ ........ كستهُ يدُ المأمول حُلَّةَ خائبِ وأحسن من نَوْرٍ يُفَتِّحُهُ النَدى ........ بياضُ العطايا في سواد المطالبِ


وهذا البيت من أحسن الشواهد على المقابلة ، وهو مأخوذ من قول الأخطل :


رأينا بياضاً في سواد كأنهُ ........ بياض العطايا في سواد المطالبِ


ويحكى أن أبا تمام لما أنشد أبا دلف قوله :


على مثلها من أرْبُعٍ وملاعبِ


قال : من أراد يُبَكِّتُه : لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .


وهذا نوع من البديع يسمى التوليد ، فإن هذا القائل وَلَّدَ من الكلامين كلاماً يناقض غرض أبي تمام من وجهين : أحدهما : خروج الكلام عن النسيب إلى الهجاء بسبب ما انضم إليه من الدعاء ، والثاني خروج الكلام من أن يكون بيتاً من الشعر إلى أن صار قطعة من النثر .


ومن لطيف التوليد قول بعض العجم ، وهو توليد المتكلم ما يريد من لفظ نفسه :


كأنَّ عِذارهُ في الخدّ لامٌ ........ ومبسمهُ الشهي العذب صادُ وطرَةُ شَعْره ليلٌ بَهيمٌ ........ فلا عجب إِذا سُرِقَ الرُّقادُ


فإنه ولد من تشبيه العذار باللام ، وتشبيه الفم بالصاد ، لفظه لص ؛ وولد من معناها ، ومعنى تشبيه الطرة بالليل ، ذكر سرقة النوم ؛ وهذا من أغرب توليد سمع . رجع إلى الكلام على البيت : عواص : جمع عاصية ، من عصاه : ضربَه بالسيف ، أو العصا ، وعواصم : من عصمه حفظه وحماه ، وقَواض : من قضى عليه حكم ، وقواضب : من قضبه قطعه .


والشاهد فيه : الجناس الناقص المطرف . ومن الشواهد عليه قول البحتري :


فإنْ صَدَفَتْ عنا فَرُبَّةَ أنفسٍ ........ صَوادٍ إلى تلك الوجوه الصوادفِ


وما أنشده الشيخ عبد القاهر ، وهو :


وكم سَبَقَتْ منهُ إليَّ عوارفٌ ........ ثنائي على تلك العوارف وارفُ وكم غررٍ من برِّهِ ولطائف ........ فشكري على تلك اللطائف طائفُ


وقول الآخر :


عَذيريَ من دهر مُوارٍ مواربٍ ........ لهُ حسناتٌ كلهنَّ ذنوبُ


وقول البهاء زهير :


أشْكو وأشْكرُ فعلهُ ........ فاعجبْ لشاكٍ منهُ شاكرْ


ومنها :


طَرْفي وطَرْفُ النجم في _ كَ كلاهما ساه وساهرْ يَهْنيكَ بَدْرُكَ حاضرٌ ........ يا ليت بدري كان حاضرْ حتَّى يَبينَ لناظري ........ مَنْ منهُما زاهٍ وزاهرْ


وقول المعتمد بن عباد ، وقد كتب به إلى صاحب له يدعوه إلى مجلس أُنس ، وهو :


أيها الصاحب الذي قارنت عي _ ني ونفسي منهُ السنا والسناء نحنُ في المجلس الذي يهبُ الرَّا _ حة والمسمع الغِنَى والغناء نتعاطى التي تُنَسِّي من اللذِّةِ ........ والرِّقةِ الهوى والهواء فاتهِ تلقَ راحَةً ومُحَيًّا ........ قد أعدّا لكَ الحيا والحياء


وقول ابن جابر الأندلسي :


منازلُ قلبي ليسَ فيهنَّ نازلُ ........ سواك ، ولي شوقٌ للقياك دائمُ فيا راكب الوَجْناءِ هل أنت عالمٌ ........ فِداؤكَ نفسي كيف تلك المعالمُ


وقول أبي جعفر الغرناطي :


أرى أُناساً مَنْ أراد الرِّضى ........ منهمْ رجا ما ليسَ بالممكنِ سيانِ أن يُعْطوا وأنْ يمنعوا ........ قد ضاعَ منهمْ كرمُ المحسنِ


وما أحسنَ قول ابن شرف المارديني من قصيدة :


هلالٌ في بروجِ السعدِ سارٍ ........ غزالٌ في مروج العزِّ سارحْ إنَّ البكاءَ هوَ الشِّفا _ ءُ منَ الجوَى بينَ الجَوانِحْ


البيت من مجزوء الكامل المرفل ، وقائلته الخنساء من قصيدة ترثي بها أخاها صخراً ، أولها :


يا عينُ جودي بالدُّمو _ عِ المستهلاَّتِ السوافحْ فَيْضاً كما فاضت غُرو _ بُ المُتْرَعاتِ منَ النواضحْ


وبعده البيت ، وبعده :


وابكي لصخرٍ إذْ ثوَى ........ بينَ الضريحة والصفائحْ أمسى لدَى جَدَثٍ تُذي _ عُ بترْبةِ هوجُ النوافحْ والسيدُ الجَحْجاحُ وابْ _ نُ السادةِ الشمِّ الجحاجحْ


والشاهد فيه : الجناس المذيل ، وهو : ما كان بأكثر من حرف .


ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه :


وكُنا متى يغزو النبيّ قبيلةً ........ نَصِلْ جانبيهِ بالقنا والقنابِلِ


وقول النابغة أيضاً :


لها نارُ جنّ بعدَ إنسٍ تحوَّلوا ........ وزال بهمْ صَرْفُ النوى والنوائبِ


وقول الآخر في رثاء :


فيا لكَ مِنْ حَزْم وعزمٍ طواهما ........ جديدُ الردَى تحت الصفا والصفائحِ


ولابن جابر الأندلسي فيه :


بين الجَوانحِ لو علمتَ منَ الجَوَى ........ نارٌ عليها سكبُ دَمعي يصنعُ فدَعِ المَدامعَ في مدَى جَريانها ........ فالدّمعُ بعدَ فراقهمْ لا يمنعُ


تتمة - قد ذكر المصنف رحمه الله تعالى بقية أقسام الجناس ، ولم يذكر لها شواهد شعرية ، فلنذكر منها شيئاً تتميماً للفائدة .


فمن شواهد الجناس المشتق قول أبي تمام :


وأنجدتُمُ من بعدَ إتهام داركمْ ........ فيا دمع أنجدني على ساكني نجدِ


وقول محمد بن وهيب :


قَسمتَ صُروفَ الدّهرِ بَأساً ونائلاً ........ فَمالُكَ مَوْتور وَسيفكَ واترُ


وقول الصاحب بن عباد :


وقائلةٍ لِمْ عَرَتكَ الهمومُ ........ وأمرُكَ ممتَثَلٌ في الأممْ فقلتُ ذَريني على غُصّتي ........ فإنّ الهمومَ بقَدْرِ الهِمَمْ


ولابن جابر الأندلسي فيه :


قد نعمنا بِسفحِ نعمانَ لكنْ ........ عقَّني البعدُ والعقوقُ قبيحُ قلْ لأهلِ الخِيامِ أما فؤادي ........ فَجريحٌ لكنَّ حبي صحيحُ


ولبعضهم وهو بالجناس المطلق أشبه :


إِذا أعْطشتْكَ أكفُّ اللِّئامِ ........ كفتْكَ القناعةُ شِبْعاً ورِيَّا فكنْ رجلاً رِجْلُهُ في الثَرى ........ وهامةُ همَّته في الثرَيَّا


وما أحسن قول كشاجم في خادم أسود مشهور بالظلم :


يا مشبهاً في لوْنهِ فعلهُ ........ لم تُخْطِ ما أوجبت القسمهْ فِعلُكَ من لوْنكَ مُستخرجٌ ........ والظلمُ مُشتقٌّ منَ الظلمهْ


ولطيف قول بعضهم أيضاً :


على بابكَ المعمورِ لا زالَ عالياً ........ مَطِيَّاتُ آمالِ البريةِ واقفهْ فجودُكَ موجودٌ وطَوْلُكَ طائلٌ ........ وعُرْفكَ معروفٌ وكفُّكَ واكفهْ


وما أحسن قول بعض المتأخرين في هذا النوع أيضاً :


عانيتُ طيفَ الذي أهوَى وقلتُ لهُ ........ كيفَ اهتدَيتَ وجنحُ الليلِ مسدولُ فقالَ آنستُ ناراً منْ جَوانِحكمْ ........ يُضيء منها لدَى السَّارين قنديلُ فقلتُ نارُ الجوَى معنى وليسَ لها ........ نور يُضيءُ فما ذا القوْلُ مَقبولُ فقالَ نِسبتُنا في الأمرِ واحدةٌ ........ أنا الخيالُ ونارُ الشوق تخييلُ


وقد نبه على الاشتقاق في قوله نسبتنا في الأمر واحدة . ومن الجناس المطلق ، ويفرق بينه وبين المشتق بأن معنى المشتق يرجع إلى أصل واحد ، والمطلق كل ركن منه يباين الآخر ، قول الشاعر :


عربٌ تراهمْ أعجمينَ عنِ القِرَى ........ متنزِّلينَ عنِ الضيوف النُّزِّلِ فأقمتُ بينَ الأزْدِ غيرَ مزَوَّدٍ ........ ورحلتُ عن خَوْلانَ غير مُخَوَّلِ


وقول الآخر أيضاً :


بجانبِ الكَرْخِ من بغدادَ عنّ لنا ........ ظبيٌ ينفِّرُهُ عن وصلنا نفرُ ظفيرتاه على قَتْلي تظافرَتا ........ يا من رأى شاعِراً أوْدى بهِ الشعَرُ


وقول أبو فراس الحمداني :


فما السُّلافُ ازدَهتني بلْ سوالِفهُ ........ ولا الشّمولُ دهتني بلْ شمائلهُ


ومثله قول البهاء زهير :


يا منْ لعبت به شمولٌ ........ ما ألطفَ هذه الشمائِل


وللبحتري فيه أيضاً :


وإذا ما رياحُ جودِكَ هَبَّتْ ........ صارَ قوْلُ الوُشاةِ فيها هباءَ


وظريف قول ابن العفيف :


أراكَ فيمتلي قلبي سروراً ........ وأخشى أنْ تشطَّ بكَ الدِّيارُ فجُرْ واهْجُرْ وصُدَّ ولا تَصِلْني ........ رَضيتُ بأنْ تجورَ وأنتَ جارُ


ولشيخ شيوخ حماة :


تولَّى شبابي فولَّى الغرامُ ........ ولازَم شيبي لزُومَ الغريمِ ولوْ لم يصدْنيَ بازيُّهُ ........ لما صارَمتني مهاةُ الصَّريمِ


ومن شواهد الجناس المحرف قول أبي تمام :


هنَّ الحمامُ فإن كسرْتَ عيافةً ........ من حائهنَّ فإنهنَّ حِمامُ


وقول أبي العلاء المعري :


لغيري زَكاة من جَمالٍ فإن تكنْ ........ زكاةَ جَمالٍ فاذكري ابنَ سبيلِ


وقولُ الحريري :


لله مَنْ ألبسنى فَرْوةً ........ أضحتْ منَ الرِّعدةِ لي جُنَّهْ ألبسنيها واقِياً مُهجتي ........ وُقِّيَ شرّ الأنسِ والجِنَّهْ سَيكتسي اليوم ثنائي وفي ........ غدٍ سيكسي سُندُسَ الجَنَّهْ


وقول الآخر :


قلبٌ وقلبٌ في يَدي _ كَ معذَّبٌ ومُنعمُ ظمآنُ يطلبُ قطرةً ........ تشفي صداهُ ويَنعمُ


وبديع قول سلطان بلنسية أبي عبد الملك بن مروان بن عبد الله بن عبد العزيز وهو يعالج سكرات الموت وقد أشرف على الفوت :


إلهَ الخلقِ هبْ لي منكَ عفواً ........ تحطّ به وتغفرُ منْ ذُنوبي وسعتَ الخلقَ إجمالاً ولطفاً ........ فهلْ لي في نوالك من ذَنوبِ


وما أبدع قول ابن الفارض :


هلاَّ نَهاكَ نُهاكَ عن لوْم امرئٍ ........ لم يُلْفَ غيرَ منعَّمٍ بِشقاءِ


وقول شيخ شيوخ حماة :


لِعيني كلَّ يومٍ فيكَ عَبْرَهْ ........ تُصَيِّرُني لأهل العشق عِبْرَهْ


وقول ابن النقيب :


لا أجازي حبيبَ قلبي بِظُلْمِهْ ........ أنا أحنى عليهِ من قلبِ أُمهْ جوْرُه مثلَ عدْلهِ عندَ منْ يَه _ واهُ مِثلي وظُلْمُهُ ظَلْمِهْ


وقول البهاء زهير :


زهى ورْدُ خدَّيكَ لكنَّهُ ........ بِغيرِ النَّواظرِ لم يُقطفِ وقد زعموا أنهُ مُضعف ........ وما عَلموا أنهُ مُضْعِفي


وقول ابن جابر الأندلسي :


حلَّ عقدَ الصبرِ مِنِّي عقدُها ........ إذْ سبَتْ قَلْبي بما في قلبِها تحسبُ الدُّرَّ على لبَّتها ........ أنجماً قد حُلى البدْرُ بها


ومن شواهد الجناس المضارع - وهو : ما أبدل من أحد ركنيه حرف من مخرجه أو قريب منه - قولُ الشريف الرضي :


لا يذكرُ الرمْلَ إلاَّ حنَّ مغتربٌ ........ لهُ إلى الرَّملِ أوطارٌ وأوْطانُ


وقول ابن نباتة :


رقَّ النسيمُ كرِقَّتي منْ بعدكمْ ........ فكأننا من حبكمْ نتغايرُ ووعدْتُ بالسلوان واشٍ عابكمْ ........ فكأننا في كذبنا نتخايرُ


وقول ابن جابر الأندلسي :


سلبَ القلبَ غزالٌ قدُّهُ ........ قدْ حكَى البانَ لنا والسَّلَما نونُ صُدْغيهِ إِذا أبصرَهُ ........ كاتبٌ ألْقى إليهِ القَلَما


وقوله أيضاً :


أمرَ الشبابُ قضيبَ مِعطفها ........ فَهفا فَنالتْ منْ دَمي أملا أسرَ الهوَى مُهَجَ الأنامِ لها ........ إذْ هزَّ منْ أعْطافِها أسَلا


ومن شواهد الجناس اللاحق - وهو عكس المضارع - قولُ البحتري في مطلع قصيدة :


هلْ لما فاتَ منْ تَلافٍ تلافي ........ أمْ لِشاكٍ منَ الصبابةِ شافي


يقول فيها ، وهو من المستشهد به على هذا النوع :


عجبَ الناسُ لاعتزالي وفي الأط _ رافِ تُلْفَى منازلُ الأشرافِ وقعودي عن التَّقَلُّبِ والأرْ _ ضُ لمثلي رحيبةُ الأكنافِ لستُ عن ثروةٍ بلغتُ مَداها ........ غيرَ أني امرؤ كفاني كفافي


وقول أبي هلال العسكري :


أُراعي تحتَ حاشيةِ الدَّياجي ........ شقائقَ وجنةٍ سُقيتْ مُداما وإنْ ذُكِرَتْ لواحظُ مقلتيهِ ........ حسبتُ قلوبنا مطرتْ سِهاما وإنْ مالتْ بِعِطْفَيْهِ شمولٌ ........ سقانا من شمائلهِ سَقاما


وقول الآخر :


نظرتُ الكثيبَ الأجرَعَ الفرْدَ مرَّةً ........ فرَدَّ إليَّ الطَّرْفَ يَدْمَى ويدْمعُ


وقول ابن جابر :


بادِر الحسنَ الذي منحتْ ........ فاسترِقْ من خدِّها نظرا قهرَ الأغصانَ مِعْطَفُها ........ حينَ وافى حاملاً قَمَرا


ومن شواهد الجناس اللفظي - وهو : ما تماثل ركناه وتجانسا خطاً ، وخالف أحدهما الآخر في حرف فيه مناسبة لفظية ، كما يكتب بالضاد والظاء ، ويلحق به ما يكتب بالتاء والهاء ، أو بالنون والتنوين ، وهذا نوع قليل جداً - قال الأرجاني :


وبيضُ الهندِ منْ وجدٍ هوازٍ ........ بإحْدى البيض منْ عُلْيا هوازِنْ


وقال ابن العفيف :


أحسنُ خلقِ الله وجهاً وفَماً ........ إنْ لم يكنْ أحقَّ بالحسنِ فَمَنْ


ومن شواهد الجناس المقلوب - ويسمى جناس العكس ، وهو : الذي يشتمل كل واحد من ركنيه على حروف الآخر من غير زيادة ولا نقص ، ويخالف أحدهما الآخر في الترتيب - قولُ العباس بن الأحنف :


حُسامكَ فيهِ للأحبابِ فتحٌ ........ ورمحكَ فيهِ للأعداء حتفُ


وقول القاضي أبي بكر البستي :


حكاني بَهارُ الرَّوْض لما ألِفتهُ ........ وكلُّ مشوقٍ للبهارِ مُصاحبُ فقلتُ لهُ ما بالُ لوْنكَ شاحباً ........ فقالَ لأني حينَ أقلبُ راهبُ


وزاد على هذا المعنى ابن عبد الله الغواص :


مَنْ عَذيري منْ عذُولي في قمرْ ........ قامر القلبَ هواهُ فقمرْ قمرٌ لم يُبقِ مني حبُّهُ ........ وهواهُ غيرَ مقلوبِ قمرْ


ومثله قول قمر الدولة بن دواس :


أجملي يا جُمْلُ إني ........ رجلٌ ما فيهِ قَلْبُهْ أو يكن ذاك فإني ........ قمرٌ ما فيه قلبهْ


وقول بعضهم :


وتحتَ البَراقعِ مَقلوبُها ........ تدِب على صحنِ خدٍّ ندي تُسالم مَنْ وطئتْ خدُّهُ ........ وتسلُبُ قلبَ الشجي الأبعدِ


وقول الآخر :


فقالتْ تُرى ماذا الذي أنتَ قانعٌ ........ بهِ منْ هوَ أنا قلتُ مقلوبُ قانعِ


وقول ابن العفيف مع زيادة التورية :


أسكرني باللَّحظِ والمقلةِ ال _ كحلاء والوَجنةِ والكاسِ ساقٍ يُريني قلبهُ قسوَةً ........ وكلُّ ساقٍ قلبهُ قاسِ


ومثله قول الصلاح الصفدي :


قلَبَ الدَّنَّ من أحبُّ فأضحتْ ........ نفحةُ النَّدّ من محيَّاه تُهْدى قالَ لي اعجبْ فقلتُ ماذا عجيبٌ ........ كلُّ دنٍّ قلبتهُ صارَ نَدَّا


وقول أبي نصر أحمد بن الحسين الباخرزي :


مَنْ عاذِري من عاذِل قالَ لي ........ ويْحكَ كم تعشقُ يا مُغْرَمُ وآلم القلبَ ولا غرْو إذْ ........ كلُّ ملومٍ قلبهُ مولمُ


وقول النيلي :


إِذا رأيتَ الوَداع فاصبرْ ........ ولا يهمنَّكَ البعادُ وانتظرِ العوْدَ عن قريبٍ ........ فإن قلبَ الوَداع عادو


وما أحسن قول الوداعي في مليح ينتف :


تعشقتُ ظبياً ناعسَ الطرف ناعماً ........ إلى أنْ تبدَّى الشعرُ والعشقُ ألوانُ وقالوا أفقْ من حبِّهِ فهوَ ناتفٌ ........ فقلتُ عكستمْ إنما هوَ فَتَّانُ


وما أبدع قول ابن نباتة في الأمير بهرام :


قيلَ كلُّ القلوبِ منْ ........ رَهب الحبِّ تضطربْ قلتُ هذا تخرُّصٌ ........ قلبُ بَهرام ما رَهبْ


ومن الغايات فيه قول عبد الله بن رواحة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنه أمدح بيت قالته العرب ، وهو :


تحملهُ الناقةُ الأدْماء معتجراً ........ بالبردِ كالبدر جَلَّى نورهُ الظلما


وقال ابن أبي الأصبع : رأيت في بعض الكتب : أن هذا البيت ، أحد بيتين مجرورين لكعب بن زهير ، وهما :


تحملهُ الناقةُ الأدماءُ معتجراً ........ بالبُرْدِ كالبدر جلَّى ليلةَ الظلمِ وفي عطافيهِ أوْ أثناء برْدتهِ ........ ما يعلمُ الله من دينٍ ومنْ كرَمِ


أقول : ورأيت في حماسة أبي تمام ، نسبة البيت الذي ذكره ابن أبي الأصبغ ، لأبي دهبل الجمحي ، في الأزرق المخزومي ، يرثيه في أبيات أخر .


وما ألطف قول القائل :


وألفيتهمْ يستعرضونَ حوائجاً ........ إليهم ولو كانتْ عليهمْ جوائحا


ومثله قول الآخر :


إن بين الضلوع مِنِّي ناراً ........ تتلظَّى فكيف لي أن أطيقا فبحقي عليكَ يا من سقاني ........ أرَحيقاً سقيتني أمْ حريقا


وقول الآخر :


قلتُ لما لاحَ لي من _ ها شعاعٌ وبريقُ أشقيقٌ أمْ عقيقٌ ........ أم حريقٌ أم رَحيقُ


وقول الآخر ، وهو من الغايات هنا :


لبقٌ أقبل فيهِ هَيَفٌ ........ كلُّ ما أملك إن غَنَّى هِبَهْ


وأحسن ما في هذا النوع : أن يكون أول البيت كلمة مقلوبها قافيته ، كقول الشاعر :


رقتْ شمائلُ قاتلي ........ فلذاك روحي لا تقرُّ ردَّ الحبيبُ جوابهُ ........ فكأنه في اللفظ دُر


ومثله قول الصلاح الصفدي :


رضَّتْ فؤادي غادةٌ ........ ما كنتُ أحْسبُها تَضُرّ ردَّتْ رَسولي خائباً ........ فمدامعي أبداً تَدِرّ


وما ألطف قول ابن جابر الأندلسي :


بين نَعْمانَ وسلعٍ ملأ ........ ليسَ منهم لمحبٍّ ألمُ كلَفي منهمْ ببَدْرٍ حَلَّ في ........ فَلَكِ العلياء فاعْرف مَنْ همُ


وقوله :


قد بانَ عُذْري في مليحٍ لهُ ........ لحظُ رشاً يلْحَظُ عن ذُعْرِ إني على الهجْرِ مطيعٌ له ........ ممتثلٌ في السِّرِّ والجهْرِ


وقوله :


أبداً أبْسُطُ خدِّي أدباً ........ لَكُمُ يا أهلَ ذاك العلَمِ أمَلي أنِّي أرَى رَبْعَكم ........ فبهِ يذهَبُ عَنِّي ألمي


ومن شواهد الجناس الملفق ، وهو : أن يكون كل من الركنين مركباً من كلمتين ، قول المطوعي :


وكم لجباهِ الرَّاغبينَ إليه منْ ........ مجالِ سُجودٍ في مَجالِسِ جودِ


ومثله قول الصلاح الصفدي :


وساقٍ غدا يَسْعَى بكأس وطَرْفُهُ ........ يجَرِّدُ أسيافاً لغيرِ كفاحِ إِذا جرَح العُشَّاق قالوا أقمتَ في ........ مَدارجِ راحٍ أم مَدارِ جِراحِ


ولطيف قول القاضي أبي علي عبد الباقي بن أبي حصين وقد ولى قضاء المعرة وهو ابن عشرين سنة ، وأقام في الحكم خمس سنين ، وهو :


ولِيتُ الحكمَ خمساً وهيَ خمْسٌ ........ لَعمْري والصبا في العُنْفُوانِ فلم تَضَعِ الأعادي قَدْرَ شاني ........ ولا قالوا فلان قَدْ رَشاني


وما أعذب قول ابن عنين هنا :


خبروها بأنهُ ما تَصَدَّى ........ لسلوٍّ عنها ولوْ ماتَ صَدَّا


ومن أنواع التجنيس جناس الإشارة ، وهو : أن لا يظهر التجنيس باللفظ بل بالإشارة ، كقول الشاعر :


حُلِقَتْ لحيةُ موسى باسمه ........ وبهرونَ إِذا ما قُلِبا


ومثله قول الأديب نصر بن أحمد الخبز أرزي :


لقد عمرت في وجه سَحْبانَ لحيةٌ ........ وما عمرت إلاَّ وفي العقلِ تخريبُ فَلَيْتَ اسم موسى فَوْقها متمكنٌ ........ وإن غاب موسى فاسم هارونَ مقلوبُ


ومثله قول أبي روح الهروي :


حقيقٌ لك أن تَطْعَمَ ........ عَفْصاً وهو معكوسُ وأن يلبس جنباك الذي ........ مقلوبه طوسُ


ثمَّ التجنيس إنما يستحسن إِذا كان سهلاً لا أثر للكلفة عليه ، وأما إن خرج عن هذا الحد فإنه معيب عند أهل النقد ، ويذهب بهجة الشعر وحسنه ، وهذا وقع في أكثر شعر المتأخرين ، وقد حكى صاحب الحديقة أن ابن حمديس أخبره أن عبد الله بن مالك القرطبي عمل قصيدة يقول فيها :


حَيَّيْتَ إذْ حييت حادي عيسِهِمْ ........ فكأن عيسى من حُداةِ العيسِ


فقال فيه بعض الشعراء :


ثَقَّلْتَ بالتجنيس خِفَّةً روحها ........ ما كانَ أَغناها عن التجنيسِ ولحبّكَ التجنيسَ جئْتَ ببدعَةٍ ........ فجعلتَ عيسى من حُداةِ العِيسِ سرِيعٌ إلى ابن العَمِّ يَلْطِمُ وجْهَهُ ........ وليسَ إلى داعِي النَّدَى بسَريعِ


البيت من الطويل وبعده :


حريصٌ على الدُّنيا مُضيعٌ لدينِهِ ........ وليسَ لما في بيْتِهِ بمُضِيعِ


وقائلهما الأقيشر الشاعر ، وكان شرّيباً للخمر ، متهتكاً به ، لا يدخل في يده شيء ، إلاَّ أنفقه فيه ، وكان له ابن عم موسر ، فكان يسأله فيعطيه ، حتَّى كثر ذلك ، فمنعه وقال له : إلى كم أُعطيك مالي وأنت تنفقه في شرب الخمر ؟ والله لا أُعطيك شيئاً أَبداً ، فتركه حتَّى اجتمع قومه في ناديهم ، وهو فيهم ، ثمَّ جاء فوقف عليهم ، فشكاه إليهم ، فوثب إليه ابن عمه فلطمه ، فقالهما . والشاهد فيه : رد العجز إلى الصدر ، وسماه المتأخرون التصدير ، وهو : أن يكون أَحد اللفظين المكررين أَو المتجانسين أَو الملحقين بهما في آخر البيت واللفظ الآخر في صدر المصراع الأول ، أَو حشوه ، أو آخره ، أو صدر المصراع الثاني . ومن شواهده قول بعضهم :


تَمَنَّتْ سُلَيْمَى أَن أَموتَ صَبابَةً ........ وأَهْوَنُ شيءٍ عندنا ما تمنَّتِ


ومثله قول الآخر :


سُكْرانِ سكرُ هوًى وسكرُ مُدامَةٍ ........ أَنَّى يُفيقُ فتًى به سُكْرانِ


وقول أبي نواس :


وحياةِ رأْسِكَ لا أَعو _ دُ لمثلها وحياةِ رأْسِكْ


وقول ابن جابر :


جَمالُ هذا الغَزالِ سِحْرٌ ........ يا حبَّذا ذلكَ الجَمالُ هلالُ خَدَّيهِ لم يُغَيِّبْ ........ عنِّي وإن غُيِّبَ الهلالُ غزالُ إنس يَصيدُ أُسْداً ........ فاعجب لما يصنعُ الغَزالُ دَلالهُ دلَّ على شَوْقٍ ........ عليه إذْ زانَهُ الدَّلالُ كمالهُ لا يخافُ نقصاً ........ دامَ لهُ الحسنُ والكمالُ نِبالهُ قد رَمتْ فؤادي ........ لا أَخطأَت تلكُمُ النِّبالُ حلالُ وَصْلي لهُ حرامٌ ........ وحكمُ قَتْلي لهُ حَلالُ زُلالُ ذاكَ اللَّمَى حياتي ........ وأينَ لي ذلكَ الزُّلالُ قِتالهُ لا يُطاقُ لكنْ ........ يعجبُنِي ذلكَ القِتالُ


وقول أبي جعفر الغرناطي :


منازِلُ ليلى إنْ خَلَتْ فلَطَالَمَا ........ بها عَمَرَتْ في القلبِ منِّي مَنازِلُ وَسائِلُ شَوْقي كلَّ يومٍ تزورُها ........ وما ضيعت عند الكرام الوسائِلُ


وقول أبي الفتح البستي :


سَحْبانُ من غيرِ مالٍ باقِلٌ حصِرٌ ........ وباقلٌ من ثراء المالِ سَحْبانُ


والأُقيشر اسمه المغيرة بن عبد الله ، ينتهي نسبه إلى مضر بن نزار ، ويكنى أَبا معرض ، وعمر طويلاً ، لقب بالأُقيشر لحمرة وجهه ، وكان يغضب من هذا اللقب . اجتاز يوماً على مجلس لبني عبس فناداه أَحدهم يا أقيشر ، فزجره الأشياخ ثمَّ عاد الأقيشر ومعه رجل وقال له : قف معي ، فإذا أنشدت بيتاً قل : ولم ذاك ؟ ثمَّ أتى مجلس القوم وقد عرف الشاب ، فأَقبل عليه وقال :


أَتَدْعوني الأقَيْشِرَ ذاكَ اسمي ........ وأَدعوكَ ابنَ مُطْفِئَةِ السِّراجِ


فقال له الرجل : ولم ذاك ؟ فقال :


تُناجي خِدْنها في اللَّيْلِ سِرًّا ........ وربُّ النَّاسِ يعلمُ ما تُناجي


وقال محمد بن سلام : كان الأقيشر كوفيًّا خليعاً ماجناً مدمناً للخمر ، وهو الذي يقول لنفسه :


فإنَّ أَبا مُعْرضٍ إذْ حسا ........ من الرَّاح كاساً على المنبرِ خطيبٌ لبيبٌ أبو معرض ........ إِذا ليمَ في الخمرِ لم يَصبرِ أَحلَّ الحرامَ أبو معرض ........ فصارَ خليعاً على المكبرِ يحبُّ اللِّئام ويلْحى الكرام ........ وإن أَقْصروا عنه لم يُقْصرِ


وكان الأقيشر عنيناً لا يأتي النِّساء ، وكان يصف ضد ذلك من نفسه ، فجلس يوماً رجل من قيس فأَنشده الأقيشر :


ولقد أَروحُ بمُشرفٍ ذي مَيْعَةٍ ........ عَسِرِ المكَرَّةِ ماؤهُ يَتَفَصَّدُ


ثمَّ قال للرجل : أَتبصر الشعر ؟ قال : فما وصفت ؟ قال : فرساً ، قال : أفكنت لو رأيته ركبته ؟ فقال : إي والله ، وأثنى عطفه ، فكشف الأقيشر عن أيره وقال : هذا وصفت ، فقم فاركبه ، فوثب الرجل عن مجلسه وهو يقول : قبحك الله من جليس ! . وشرب الأقيشر يوماً في بيت فيه خياط مقعد ورجل أعمى ، وعندهم مخنث يغنيهم ، فطرب الأقيشر فسقاهم من شرابه ، فلما انتشوا قام الأعمى يسعى في حوائجهم ، وقفز الخياط المقعد يرقص على ظلعه ويجهد في ذلك جهده ، فقال الأقيشر :


ومُقْعَدِ قومٍ قد مشى من شرابِنَا ........ وأَعمَى سَقَيناهُ ثلاثاً فأَبْصَرا شَراباً كريحِ العنبرِ الورد ريحهُ ........ ومسحوق هنديٍّ من المِسْكِ أَذْفَرا


وحدث رجل من بني أسد قال : سمعت عمَّة الأقيشر تقول له يوماً : اتَّق الله فقم فصل ، فقال : لا أُصلِّي ، فأَكثرت عليه ، فقال : أبرمتني فاختاري خصلة من خصلتين : إمَّا أن أُصلِّي وأن لا أتطهَّر ، وإمَّا أتطهَّر ولا أُصلِّي ، قالت : قبَّحك الله ! فإن لم يكن غير هذا فصلِّ بلا وضوء ، فقام فصلَّى بغير وضوء .


وقال أبو أَيوب المدائني : حدثت أنَّه شرب يوماً في بيت خمار بالحيرة فجاءه شرطي من شرط الأَمير ليدخل عليه ، فأغلق الباب ، فناداه الشرطي : اسقني نبيذاً وأنت آمن ، فقال : والله ما آمنك ، ولكن هذا ثقب في الباب فاجلس عنده وأنا أسقيك منه ، ثمَّ وضع له أنبوباً من قصب في الثقب وصبَّ فيه نبيذاً من داخل ، والشرطي يشرب من خارج حتَّى سكر فقال الأقيشر :


سأَلَ الشرطيُّ أَن نسقيهُ ........ فسَقَيْناهُ بأنبوبِ القَصَبْ إنَّما نشربُ من أَموالِنا ........ فاسأَل الشُّرطيّ ما هذا الغَضَبْ


وعن الهيثم بن عدي قال : كان قيس بن محمد بن الأشعث ضرير البصر ، وكان يتنسك فأتاه الأقيشر ، فسأله ، فأمر قهرمانه فأعطاه ثلاثمائة درهم ، فقال : لا أُريدها جملة ولكن مُر القهرمان أن يعطيني كلّ يوم ثلاثة دراهم حتَّى تنفد ، فأَمره بذلك ، فكان يأخذها فيجعل درهماً لطعامه ، ودرهماً لشرابه ، ودرهماً لدابَّة تحمله إلى بيوت الخمَّارين ، فلمَّا نفدت الدراهم أَتاه الثانية فسأَله ، فأَعطاه ، وفعل بها مثل ذلك ، ثمَّ أتاه الثالثة فأعطاه وفعل بها مثل ذلك ، ثمَّ أتاه الرابعة فسأله فقال له قيس : لا أبالك كأنَّك جعلت هذا خراجاً علينا ، فانصرف وهو يقول :


أَلمْ تَرَ قيْسَ الأَكمَهَ ابنَ محمدٍ ........ يقولُ ولا تلْقاهُ للخَيْرِ يفعَلُ رأَيْتُكَ أَعمَى العينِ والقَلْبِ مُمْسكاً ........ وما خيرُ أَعمَى القلبِ والعينِ يَبْخَلُ فلوْ صمّ تمَّت لَعنَةُ اللهِ كلُّها ........ عليهِ وما فيهِ من الشَّرِّ أَفضَلُ


فقال قيس : لو نجا أَحد من الأقيشر لنجوت منه . واختصم قوم بالكوفة في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، فقالوا : نجعل بيننا أوَّل من يطلع علينا ، فطلع الأقيشر عليهم وهو سكران ، فقال بعضهم لبعض : انظروا من حكمنا ، فقالوا : يا أبا معرض قد حكمناك ، قال : في ماذا ؟ فأخبروه ، فمكث ساعة ثمَّ أنشأ يقول :


إِذا صليْت خمساً كلَّ يومٍ ........ فإن الله يَغفرُ لي فُسوقي ولم أُشرك برَبِّ الناس شيئاً ........ فقد أمسكتُ بالحَبلِ الوثيقِ وهذا الحَقُّ لَيس به خفاءٌ ........ فَدَعني من بُنيَّات الطريقِ


وقال ابن الكلبي : كان الأقيشر يأتي الحيرة ليشرب الخمر ، فلما دخل شهر رمضان منعه بن عم له يقال له أسيد من الخروج إليها والشرب فيها ، فلقيه صاحب له وقد شحب لونه وهُزِل فقال له : مالي أراك متغير اللون يا أبا معرض ؟ فقال :


إما تراني قد هَلكْتُ فإنَّما ........ رمضانُ أهلكني ودينُ أسيدِ هذا يُصَرِّدُني فلستُ بشاربٍ ........ وأخٌ يُؤرِّقُني مع التّصريدِ


قال : وشرب الأقيشر من حانوت خمار حتَّى أنفد ما معه ، ثمَّ شرب بثيابه حتَّى غلقت فلم يبق عليه شيء ، وجلس في تبن في جانب البيت إلى حلقه مستدفئاً به ، فمر عليه رجل ينشد ضالة فقال : اللهم اردُد عليه واحفظ علينا ، فقال له الخمَّار : سَخِنَتْ عينيك ! أَي شيء يحفظ عليك ربّك ؟ فقال : هذا التبن لا آمن أن تأخذه فأموت من البرد ، فضحك الخمَّار ورد عليه ثيابه ، وقال له : اذهب فاطلب ما تشرب به ، ولا تجئني بثيابك فإنَّي لا أسترهنها أَبداً بعد هذا . وحكي عنه أنَّه أَتى يوماً من الأيام بيت الخمَّار الذي كان يأتيه فلم يجده ، وانتظره ، فدخلت امرأة عبادية فقال لها : ما فعل فلان ؟ قالت : مضى لحاجته وأنا امرأته ، وقيل : إنَّ الخمَّار كان اسمه حنيناً وإنَّ المرأة قالت له : أنا أُمُّ حنين فما تريد ؟ قال : نبيذاً ، قالت : بكم ؟ قال : بدرهمين ، فقالت له : هلم درهميك وانتظرني ، قال : لا ، بل أكون معك ، قالت : أنت وذاك ، فمضت وتبعها فدخلت داراً لها بابان فخرجت من أحدهما ، وجلس هو ينتظر ، فلما طال جلوسه خرج بعض أهل الدَّار فقال : ما يحبسك ؟ فأخبره القصة ، فقال : تلك امرأة محتالة من العباديين يقال لها أُم حنين ، فعلم أنَّه خدع فقال :


لا تغُرَّنَّ ذاتُ خُفٍّ سِوانا ........ بَعْدَ أختِ العبادِ أُم حُنينِ وعَدَتنا بِدِرهمين شِواءً ........ وطِلاءً مُعجلاً غيرَ دينِ ثمَّ ألوَتْ بالدِّرْهمينِ جميعاً ........ يا لقومي لضَيْعةِ الدِّرْهمينِ عاهَدَت زَوجَها وقد قال إني ........ سَوفَ أغدو لحاجتي ولديني فدَعت كالحصانِ أبيضَ جَلْداً ........ وافِرَ الأيرِ مُرْسل الخُصيتينِ قال ما أجرُ ذا هُديتِ فقالت ........ سَوْف أعطيكَ أجرَهُ مرتين فابدأ الآنَ بالسِّفاح فلما ........ سافَحتْهُ أرضتهُ بالأجرتينِ تَلَّها للجبين ثمَّ امتَطاها ........ عارَم الأير أفحجَ الحالبيْنِ بَينما ذاكَ مِنهُما وهيَ تحوي ........ ظَهرهُ بالبنان والمعصمينِ جاءها زَوجُها وقد شيمَ فيها ........ ذو انتِصاب موثق الأخدعينِ فتأسَّى وقالَ ويْلا طويلاً ........ لحُنيْن مِنْ عار أمّ حُنينِ


قال : فجاء حنين الخمار فقال : يا هذا ما أردت إلاَّ هجائي وهجاء أمي ! قال : أخذت مني درهمين ولم تعطني شراباً ، فقال : لا ، والله لا تعرفك أمي ولا أخذت منك شيئاً قط ، فانظر إلى أمي فإن كانت صاحبتك غرمت لك الدرهمين ، قال : لا والله لا أعرف غير أم حنين وما أهجو إلاَّ أم حنين وابنها ، فإن كانت أمك فأياها أعني ، وإن كانت أم حنين أخرى فأياها أعني ، قال : فإذاً لا يفرق الناس بينهما ، فقال : ما علي ؟ أترى أن درهميّ يضيعان علي ؟ فقال : هلم إذا أغرمهما لك ، لا بارك الله لك فيهما ! .


وحكي أنه تزوج بابنة عم له يقال لها الرباب على أربعة آلاف درهم ، فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئاً ، فأتى ابن رأس البغل وهو دهقان الصين ، وكان مجوسياً فسأله فأعطاه الصداق كاملاً فقال :


كفاني المجوسيُّ مَهرَ الرّبابِ ........ فداءُ المجوسيُّ خالٌ وعمّ شَهدتُ عليكَ بطيبِ الأرُومِ ........ وأنكَ بحرٌ جوادٌ خِضَمّ وأنكَ سَيِّدُ أهلِ الجحيمِ ........ إِذا ما تَردَّيْتَ فيمن ظَلم تجاوِر هامانَ في قعرها ........ وفرْعَوْنَ والمكتني بالحَكَمْ


فقال المجوسيّ : ويحكَ ! سألتَ قومَكَ فلم يعطوك شيئاً ، وجئتني : فأعطيتك فجزيتني هذا القول ، ولم أفلت من شرك ، فقال : أو ما ترضى أن جعلتك مع الملوك وفوق أبي جهل ؟ ثمَّ جاء إلى عكرمة بن ربعي التميمي فسأله ، فلم يعطه شيئاً ، فقال :


سَألتُ رَبيعةَ مَنْ شَرُّها ........ أباً ثمَّ أُمًّا ، فقالوا لِمَهْ فقلتُ لأعلمَ مَنْ شركمْ ........ وأجعلَ للسبِّ فيكمْ سِمَهْ فقالوا لِعكرمةَ المخزياتُ ........ وماذا يرى الناسُ في عكرمهْ فإنْ يكُ عبداً زكا مالهُ ........ فما غيرُ ذا فيهِ من مكرُمَهْ


ومن شعر الأقيشر قوله :


يا أيها السائلُ عما مضَى ........ من علم هذا الزمنِ الذَّاهبِ إن كنتَ تبغي العلمَ أو أهلهُ ........ أوْ شاهداً يخبرُ عن غائبِ فاختبرِ الأرضَ بأسمائها ........ واعتبرِ الصاحبَ بالصاحبِ


وكان الأقيشر مولعاً بهيجاء عبد الله بن إسحاق ، ومدح أخيه زكرياء ، فقال عبد الله لغلمانه : ألا تريحوني منه ، فجمعوا بعراً وقصباً ، بظهر الكوفة ، وجعلوه في وسط إرَةٍ ، وأقبل الأقيشر ، وهو سكران من الحيرة ، على بغل أبي المضاء رجل مُكارٍ ، فأنزلوه عن البغل ، فغاروا وأخذوا الأقيشر ، فشدُّوه رباطاً ، ثمَّ وضعوه في تلك الإرة ، وألهبوا النار في ذلك القصب والبعر وجعلت الريح تَسفع وجهه وجسمه بتلك النار ، فأصبح ميتاً ، ولم يُدْرَ من قتله ، وكان ذلك في حدود االثمانين من الهجرة المشَرّفة .


تَمَنَّعْ منْ شَميمِ عَرارِ نجدٍ ........ فَما بَعْدَ العشيةِ منْ عَرارِ


البيت للصمة القشيري ، من أبيات من الوافر ، وهي :


أقولُ لصاحبي والعيسُ تَهْوي ........ بِنا بينَ المنيفةِ ، فالضمارِ


وبعده البيت ، وبعده :


ألا يا حبذا نفحاتُ نجدٍ ........ ورَيَّا رَوْضِه بَعدَ القِطارِ وأهلكَ إذْ يَحُلّ الحيُّ نجداً ........ وأنتَ على زمانكَ غيرُ زارِ شهورٌ ينقضينَ وما شَعَرْنا ........ بأَنصافٍ لهنَّ ولا سرَارِ فأَمَّا ليلهنَّ فخيرُ ليلٍ ........ وأَقصَرُ ما يكونُ من النَّهارِ


وقيل : الأبيات لجعدة بن معاوية بن حزم العقيلي . ومن ظريف ما يحكى هنا أنَّ علي بن عيسى الرّبعي النحوي - وكان يرمى بالجنون - مرَّ يوماً بسكران ملقى على قارعة الطريق ، فحل الربعي سَرَاوِيله وجلس على أنف السكران ، وجعل يضرط ويشمه ، ويقول :


تمتَّعْ من شميمِ عَرَارِ نجدٍ ........ فما بعدَ العشيَّةِ مِنْ عَرارِ


وعلى ذكره فإنَّه كان مبتلى بالكلاب : سأل يوماً أولاد الأكابر ، الذين كانوا يحضرون عنده أَن يمضوا معه إلى كلواذا ، فظنُّوا ذلك لحاجة عرضت له ، فركبوا خيولاً ، وخرجوا ، وجعل هو يمشي بين أَيديهم ، فسألوه الركوب ، فأبى عليهم ، فلمَّا صارَ بخرابها أوقفهم على ثلم ، وأخذ كساء وعصا ، وما زال يعدو إلى كلب هناك ، والكلب يثب عليه تارةً ، ويهرب منه أُخرى ، حتَّى أعياه ، فعاونوه عليه ، حتَّى أَمسكوه له ، فأخذ يعضُّ على الكلب بأسنانه عضًّا شديداً والكلب يستغيث ويزعق ، فما تركه حتَّى استشفى ، وقال : هذا عضَّني منذ أيَّام ، وأردت أن أُخالف قول الأوَّل :


شاتمني كلْبُ بني مسمعٍ ........ فصنْتُ عنهُ النَّفْسَ والعرْضَا ولمْ أجبْهُ لاحْتِقاري لهُ ........ ومن يعضُّ الكلْبَ إن عضَّا


وهذان البيتان أنشدهما عمرو بن العلاء ، عن ثعلب في المبرد ، ومنه أخذ الناجم :


عَذيرِي من أَخي سفهٍ رَمانِي ........ بما فيهِ فقلتُ لهُ سَلامَا أَبى لي أنْ أُجيبكَ أَنَّ قَدْرِي ........ أَبى لي أن أُنازعكَ الكَلامَا


ومن عجيب ما يحكى في التطير أنَّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أَيوب لمَّا خرج من القاهرة إلى جهة البلاد الشامية ، أقام ظاهر البلد لتجتمع العساكر وعنده الأَعيان من رجال الدولة والعلماء والأدباء ، فأخذ كلُّ واحد يقول شيئاً في الوداع والفراق ، وكانَ في الحاضرين معلم أولاده ، فأخرج رأسه من بين الحاضرين ، وأشار إلى السلطان منشداً :


تمتَّعْ من شميم عَرَارِ نجدٍ ........ فما بعد العشيَّةِ منْ عَرَارِ


فانقبض السلطان والنَّاس ، وتطيروا من ذلك ، وكان الأَمر على ما قال ، فإنَّه لم يعد إلى مصر بعدها ، واشتغل بالبلاد الشرقية ، وفتوح القدس والسواحل ، إلى أن مات رحمه الله تعالى . وهذه الواقعة لا يستغرب مثلها من معلم أطفال ، فإنَّ لهم نوادر يعجز جحا عن حدها ، ويقصر هَبَنَّفَةُ عن شأوها .


فمن ذلك ما حكاه بعضهم ، قال : عَبَرْتُ على معلم ، وهو يملي على غلام بين يديه : فريقٌ في الحبة وفريقٌ في السَّعير . فقلت له : يا هذا : إنَّ الله لم يقل إلاَّ "فريقٌ في الجنَّة وفريقٌ في السَّعير" ، فقال : أَنت تقرأ على حرف أبي عاصم بن العلاء الكسائي ، وأنا أقرأ على حرف حمزة بن عاصم المدني ، فقلت له : معرفتك بالقراء أَعجب إليَّ من معرفتك بالقرآن ، وانصَرفت .


وقال آخر : مررت بخربة ، وإذا معلم واقف على أربع ينبح نبيح الكلاب فجعلت أَنظر إليه ، وذا صبي قد رفع ستراً وخرج ، فقبض المعلم عليه ، فقلت للمعلم : عرفني خبركَ ، قال : نعم هذا صبي أُؤدّبه وهو يبغض التأديب ويفر منه فيدخل إلى داخل ، فلا يخرج ، فإذا طلبته بكى ويؤذيهم ، وله كلب يلعب معه ، فأنبح فيظنُّ أَنَّه كلبه فيخرج إليَّ ، فآخذه .


وقال آخر لبعض المعلمين : ما لي لا أرى لك عصاً ، قال : لا أحتاج إليها . إنَّما أَقول : من لم يرفع صوته بالهجاء فأُمه زانية ، فيرفعون أصواتهم ، وهذا أبلغ من العصا وأسلم .


وآذى معلماً رائحة الفساء ، فصاح بالصبيان : ويلكم تخرجون الرِّيح . فجحدوا جميعاً ، فصاح واحد منهم : يا معلم فعله أخي ، فقال المعلم : أتراني لا أعلم أنَّها فسوته ، ولكنِّي أعلِّل نفسي بالأباطيل .


وقال صبي للصبيان : هل لكم في أن نغلب اليوم معلمنا ؟ قالوا : نعم ، قال : تعالوا حتَّى نشهد عليه أنَّه مريض ، فجاء واحد وقال : أَراك ضعيفاً ، وأظنُّك ستُحَمّ . فلو أتيت المنزل فاسترحت وقمت أَنا مقامك ، فقال : يا فلان ، زعم فلان أنِّي عليل ، فقال : صدق والله ، وهل يخفى هذا على جميع الصبيان ؟ إن سألتهم أخبروك ، فسألهم فشهدوا ، فقال : انصرفوا اليوم وتعالوا غداً .


وضرب معلم صبيًّا ، فقيل له : ما ذنبه ؟ قال : أنا أضربه قبل أن يذنب ، لئلا يذنب .


وقال بعضهم : رأيت صبيًّا تعلَّق بآخر ، وأحضره بين يدي معلم ، وقال : يا أُستاذي : هذا عضَّ أُذني ، فقال : والله ما عضضتها ، وإنَّما هو عضَّ أُذن نفسه ، فقال المعلم يا ابن الخبيثة ، هو صار جملاً حتَّى يعضّ أذن نفسه .


وقال الجاحظ : رأيتُ معلماً يبكي ، فقلت له : ما يبكيك ؟ قال : سَرَقَ الصبيان خبزي .


وقرأ صبيٌّ على معلم : همُ الذينَ يقولونَ لا تنفقوا إلاَّ من عند رسول الله . فقال المعلم : من عند أبيكْ القَرْنَان أولى ، فإنَّه كثير المال يا ابن الفاعلة ، أتلزم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نفقة لا تجبُ عليهِ ؟ أَعجبك كَثرة مالهِ ؟ .


وقال معلم لصبي : ما هِجاء حمَار ؟ فقال : حاء راء ميم كاف . فقال المعلم : يا ابن الفاعلة : أقول لك هجاءَ حِمَار وتقول هجاء حرأمك . ونوادرهم كثيرة فلا حاجة إلى الإطالة بها .


وما أحسن قول بعض المعلمين ببلخ - وقد جلس حديث عهدٍ بتعليم الصبيان -


ما طارَ بينَ الخافقينِ أُقَ _ لُّ عَقلاً من مُعلّمْ ولقد دَخَلنا في الصِّنا _ عَةِ منْ قَريبٍ ، رَبِّ سلّمْ


ولنرجع إلى الكلام على البيت المستشهد به على هذا النوع ، وقد ضمنه أبو جعفر الأندلسي فقال :


لقدْ كرَّ العِذَارُ بوجْنتيهِ ........ كما كَرَّ الظَّلامُ عَلى النَّهارِ فغابَتْ شمسُ وجْنَتِهِ وجاءَتْ ........ على مَهَلٍ عَشيَّاتُ العَرَارِ فقلتُ لناظِري لمَّا رآهَا ........ وقَدْ خَلَطَ السَّوادُ بالاحمِرارِ تمتَّعْ من شميمِ عَرَارِ نجدٍ ........ فما بَعْدَ العشيَّةِ من عَرَارِ


والشميم : مصدَر كالشم . والعرار - بفتح العين - بهار البر . واحدته بهاء . وهو ورد ناعمٌ أَصفر ، طيب الرائحة . والشاهد في البيت : مجيء اللفظ الآخر في حشو المصراع الأول ، ومنه قول جرير :


سَقَى الرَّمْلَ جَوْنٌ مُستهلُّ غمامةٍ ........ وما ذاكَ إلاَّ حُبَّ من حلَّ بالرَّمْلِ


وقول زهير :


كذلكَ خِيمُهُمْ ولكلِّ قومٍ ........ إِذا مسَّتهمُ الضرَّاءُ خيمُ


وقول أبي تمام :


ولمْ يحفَظْ مُضاعَ المجدِ شيءٌ ........ منَ الأَشياءِ كالمالِ المضاعِ وقول الخليع الشامي : خُذْ يا غلامُ عنانَ طَرْفكَ فاثْنِهِ ........ عنِّي فقدْ ملكَ الشّمول عناني


وقول أبي الفتح البستي :


أَشفقْ على الدرهمِ والعينِ ........ تسلمْ من الغيبَةِ والدَّيْنِ فقوَّةُ العينِ بإنسانها ........ وقوَّةُ الإنسانِ بالعَيْنِ


وقول أبي جعفر البحاث ، وقد حلم بخيال حبيبٍ له ، فنبَّهه ذلك الحبيب :


يا من ينبِّهني عن رَقدَةٍ جمعَتْ ........ بَيني وبينَ خيالٍ منهُ مأنوسِ دَعْني فإنَّكَ مَحْروسٌ ومرتقبٌ ........ وخَلِّني وخَيالاً غيرَ مَحْروسِ


وقول الغزي :


فلوْ سمَحَ الزَّمانُ بها لضنَّتْ ........ ولوْ سمحَتْ لضَّنَ بها الزَّمانُ


ولابن جابر فيه :


بينَ تلكَ الخِيامِ أكرَمُ قومٍ ........ ضُرِبَتْ للنَّدَى عليهمْ خِيامُ قدْ أَقاموا بينَ العَقيقِ وسلعٍ ........ فحياةُ النُّفوسِ حيثُ أَقامُوا


وله أيضاً :


خجلَتْ عندما نظرْتُ إليها ........ وانثنَتْ وهي بينَ تيهٍ ومَنْعِ إنَّما وَرْدُ خدِّها زَرْعُ طرفي ........ حينَ يرنو فكيفَ أُحرَمُ زَرْعِي


والصّمّة هو : ابن عبد الله بن الطفيل بن قُرَّة بن هبيرة القشيري ، شاعر إسلامي ، بَدوي ، مُقلّ من شعراء الدولة الأمويَّة ، ولجِّده قرة بن هبيرة صحبة مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . وهو : أَحد وفود العرب عليه . وكان الصّمّة يهوى ابنة عمٍّ له دَنيةً ، يقال لها : العامرية ، أَوثر عليه في تزويجها غيره ، لأنَّ عمّه لؤم في السماح بالمهر ، وكان قد اشتطَّ فيه ، ولؤم أبوه في إكماله ، فأنف الصّمّة من فعلهما وخرج إلى طبرستان فأقام بها إلى أن مات .


وحكى ابن دأب أن الصمة هوي امرأة من بني عمه ، يقال لها : العامرية بنت عطيف ، فخطبها إلى أبيها ، فأبى أن يزوجه بها ، وخطبها عامر بن بشر الجعفري ، فزوجه إيَّاها ، فلمَّا بنى بها زوجها وجد بها وجداً شديداً ، فزوجه أهله امرأة منهم يقال لها : جبرة ، فأقام معها يسيراً ، ثمَّ رحل إلى الشام غضباً على قومه ، وقال :


لعمري لئن كنتمْ على النَّأْيِ والقلَى ........ بكمْ مِثلُ ما بي إنَّكمْ لصَدِيقُ إِذا زَفَراتِ الحبِّ صَعدْنَ في الحَشَا ........ رُدِدْنَ ولم ينهجْ لهنَّ طريقُ


وقال أيضاً :


إِذا ما أتَتْنا الرِّيحُ من نحوِ أرضكمْ ........ أتَتْنا بِرَيَّاكمْ فطابَ هُبوبهَا أتَتْنا بريحِ المِسْكِ خالَطَ عَنْبَراً ........ وريحِ الخُزَامَى باكَرَتْها جَنُوبُها


قال : وخرج الصمة في غزو إلى الديلم ، فمات بطبرستان . وحكي عن رجل من أهل طبرستان ، قال : بينا أنا أمشي في ضيعة لي ، فيها ألوان من الفاكهة والزعفران ، إِذا بإنسان مطروح عليه أثواب خُلْقَان ، فدنوتُ منه ، فإذا هو يتحرَّك ، ويتكلَّم ، فأصغيت إليه ، فإذا هو يقول بصوت خفيّ :


تعز بصبرٍ لا ورَبّكَ لا ترَى ........ سنامُ الحمى أُخْرَى اللَّيالي الغَوابرِ كأنَّ فُؤادي من تذكره الحمَى ........ وأَهلِ الحمَى يهفو بهِ ريشُ طائرِ


فما زال يردد هذين البيتين حتَّى فاضت نفسه ، فسألت عنه ، فقيل لي : هذا الصمة بن عبد الله القشيري .


ومَنْ كانَ بالبِيضِ الكَواعِبِ مُغْرَماً ........ فما زلتَ بالبيضِ القَواضِبِ مُغْرَما


البيت لأبي تمام ، من قصيدة من الطويل ، يمدح بها محمد بن يوسف الطائي ، أَوَّلها :


عَسَى وطنٌ يَدْنو بهمْ ولعلَّمَا ........ وأَنْ تعتَبَ الأَيَّام فيهمْ فرُبَّما لهمْ منزل قدْ كانَ بالبِيضِ كالدُّمى ........ فصيحَ المَعاني ثمَّ أصْبَحَ أَعْجَما وَرَدَّ عُيونَ النَّاظرينَ مهانةً ........ وقدْ كانَ ممَّا يرجعُ الطَّرْفَ مكرمَا تَبدَّلَ غاشيهِ بريمٍ مسلمٍ ........ تَرَدَّى ردَاءَ الحسنِ طَيفاً مسلمَا ومنْ وَشْيِ خز لمْ ينمنم فرنده ........ معاً لم يذكرْن الكتابَ المنمنمَا وبالحلي إنْ قامَتْ ترنم فوقها ........ حمَامٌ إِذا لاقَى حَمَاماً تَرَنَّمَا وبالخدلَةِ السَّاقِ المخدّمَةِ الشّوى ........ قلائص يتلونَ القسي المخدّمَا لقدْ أَصبَحَ الثَّغْرانِ سَدَّينِ بعدما ........ رأَوْا سَرَعانَ الذُّلّ فَذًّا وتوأَمَا وكنتَ لناشيهمْ أَباً ولكهلهمْ ........ أَخاً ولذي التَّقويسِ والكبرة أَيْنمَا


وبعده البيت ، وبعده :


ومنْ تيّمتْ سمرُ الحسانِ وأَدمها ........ فما زلْتَ بالسّمرِ العَوالي متيَّمَا


وهي طويلة بديعة . والكواعب : جمع كاعب ، وهي : الناهدة الثدي . والبيض القواضب : السيوف القواطع . والشاهد في البيت : مجيء اللفظ الآخر في آخر المصراع الأول . ومنه قول أبي الأَسود الدؤلي :


وما كلُّ ذي لبٍّ بمُؤتيكَ نُصْحَهُ ........ وما كلُّ مُؤتٍ نصحهُ بلبيبِ


وقول أبي تمام :


وجُوهٌ لَوْانَّ الأَرض فيها كواكبٌ ........ تَوَقَّدُ للسارِي لكانتْ كواكِبَا


وقول ابن الرُّوميّ :


رَيْحانهمْ ذهبٌ على دُرَرٍ ........ وشَرَابهمْ دُرَرٌ على ذَهَبِ


وقول ابن جابر :


لكَ نَفْسي إِذا بَدَتْ لكَ نجدٌ ........ فلقدْ سرَّني الزَّمانُ بِنجدِ فلتلكَ الخِيامِ عندِيَ عهدٌ ........ وأبى اللهُ أَن أُضيِّعَ عهدِي


وما أبدع قول البديع الهمذاني في معنى بيت أبي تمام المستشهد به هنا ، وهو من شواهد البيت قبله :


وهَوَايَ للبِيضِ الصّبا _ حِ هَوَاكَ للبِيضِ الصّفَاحِ وإنْ لم يكنْ إلاَّ مُعرّجُ ساعَةٍ ........ قَليلاً فإنِّي نافِعٌ لي قَليلُهَا


البيت لذي الرُّمَّة ، من قصيدة من الطويل ، قالها في صاحبته مية ، أَوَّلها :


خَليليَّ عُدَّا حاجَتي من هَوَاكما ........ ومَنْ ذا يُواتي النَّفس إلاَّ خَليلُها أَلمَّا على الدَّارِ التي لوْ وَجَدْتما ........ بها أَهلها ما كان وَحْشاً مَقيلُهَا


وبعده البيت ، وبعده :


لقدْ أشرِبَتْ قلبي لمَيٍّ موَدَّةً ........ تَقَضَّى اللَّيالي وهوَ باقٍ وسيلهَا مُهَفْهَفَةُ الكشحينِ رُؤدٌ شَبابُها ........ مُبَتَّلةٌ خَوْدٌ نَبيلٌ حُجولُها وقدْ تَيَّمَتْ قلبي فليسَ بنازِعٍ ........ وقدْ شَفَّهُ هِجْرانها ومطولها


روي عن سليمان بن عباس ، قال : أَخبرني أبي ، قال : مررت في أرض بني عقيل ، فرأيت جارية بيضاء ، تَدَافَعُ في مشيها تدافع الفرس المختال ، تنظر عن عينين نجلاوين بأهداب كقوام النسور ، لم أرَ أَكمل منها جمالاً ، فوقفتُ لأُكلِّمها ، فقالت لي عجوزٌ بفناء منزلها : ما لك ولهذا الغزل النجدي ، الذي لا حظّ لك فيه سوى قول القائل :


وما لكَ منها غيرُ أَنَّكَ نائِكٌ ........ بعينيكَ عينيها وأَيركَ خائِبُ


فقالت لها الفتاة : دعيه يا أُمَّاه يكن كما قال ذو الرُّمَّة :


وإن يكنْ إلاَّ مُعَرّجُ ساعةٍ ........ قليلاً فإنِّي نافعٌ لي قَليلُها


ومنه قول يزيد بن الطثْرية :


ألَيسَ قليلٌ نظْرَةٌ إنْ نَظَرْتها ........ إليكِ ، ولكنْ ليسَ منكِ قليلُ


وقول أبي إسحاق الموصلي :


إنَّ ما قلَّ منكَ يكْثُرُ عندِي ........ وكثيرٌ ممَّن تحبُّ قَليلُ


وقول الخوارزمي :


إِذا ملكتم فلا تَتِيهُوا ........ وإنْ حكمتم فلا تَجُوروا تعطَّفوا وارْحموا محبًّا ........ قليلكم عندهُ كثيرُ


وقول المتنبي :


وجُودُكَ بالمقامِ ولوْ قَليلاً ........ فمَا فيمَا تجودُ بهِ قَليلُ


وقول أبي نصر أَحمد الميكالي :


قَليلٌ منكَ يَكْفيني ولكنْ ........ قليلكَ لا يُقالُ لهُ قَليلُ


وقد ألمَّ بهذا المعنى شرف السادة : محمد بن عبيد الله الحسيني البلخي بقوله من قصيدة طويلة :


ولرُبَّما سمحَ البَكِيُّ بدَرِّهِ ........ وشفَى الغليل تعلّلٌ بقَليلِ


والتعريج : الإقامة على الشيء . وحبس المطي على المنزل . والمعنى : إن لم يكن إلمامُكما - أَي نزولُكما القليل بالدار - إلاَّ تعريج ساعة فإنَّ قليلها ينفعني ويشفي غليل وجدي . والشاهد فيه : مجيء اللفظ الآخر في صدر المصراع الثاني ، وما أحسن قول ابن جابر :


صَفَحوا عنْ محبّهمْ وأَقالوا ........ مِنْ عِثارِ الدِّيارِ أَكرَمُ أَهْلِ


وذو الرُّمَّة هو : أبو الحارث غَيْلان بن عُقْبة ، ينتهي نسبه لنزار ، الشاعر المشهور ، أَحد فحول الشعراء . يقال : إنَّه كان ينشد شعره في سوق الإبل ، فجاء الفرزدق فوقف عليه ، فقال ذو الرُّمَّة : كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس ؟ قال : ما أحسن ما تقول ! قال : فما لي لا أُذكر مع الفحول ؟ قال : قَصَّر بك عن غايتهم بكاؤك في الدِّمَنِ ، ووصفكَ الأَبعار والعطَن .


قال أبو عمرو بن العلاء : ختم الشعر بذي الرُّمَّة ، والرجز برؤبة بن العجاج ، فقيل له : إنَّ رُؤبَة حيٌّ ، فقال : نعم ، ولكنه ذهب شعره كما ذهب مطعمُهُ وملبسُهُ ومنكهُهُ ، فقيل له : فهؤلاء الآخرون . فقال : مرقعونَ مهدَّمون ، إنَّما هم كَلٌّ على غيرهم .


وذو الرُّمَّة : أحد عشَّاق العرب المشهورين بذلك ، وصاحبتُهُ ميَّة ابنة مقاتل ابن طَلَبة بن قيس بن عاصم المنقري : هو الذي قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وفد بني تميم ، فأكرمه وقال له : أَنت سيد أهل الوبر . وكان ذو الرُّمَّة كثير التشبيب بها في شعره ، وإيَّاهما عَنَى أبو تمام الطائي في قصيدته البائية بقوله :


مَا رَبْعُ ميَّةَ مَعموراً يُطيفُ بهِ ........ غيلانُ أَبْهى رُباً منْ رَبْعها الخرِبِ


وقال ابن قتيبة : قال أبو ضرار الغنوي : رأيت ميَّة وإذا معها بَنُون لها ، فقلت : صفها لي ، فقال : مسنونة الوجه ، طويلة الخدِّ ، شمَّاء الأنْف ، عليها وسمُ جمال . قلت : أَكانت تنشدك شيئاً ممَّا قال ذو الرُّمَّة ؟ قال : نعم . ومكثت ميَّة زماناً تسمع شعْرَ ذي الرُّمَّة ولا تراه . فجعلت لله عليها أَن تنحر بدنةً إِذا رأته ، فلمَّا رأته رأت رجُلاً دميماً أَسود ، وكانت من أهل الجَمال ، فقالت : واسوْأتاه ! وابؤساه ! فقال ذو الرُّمَّة :


على وجْهِ مَيٍّ مِنْ ملاحةٍ ........ وتحتَ الثِّيابِ العار لوْ كانَ بادِيَا أَلمْ ترَ أنَّ الماءَ يخبُثُ طعْمُهُ ........ وإن كانَ لون الماء أَبيضَ صافِيَا فيا ضَيْعة الشّعر الذي لَجَّ فانقَضَى ........ بميٍّ فلم أَملك ضلالَ فُؤادِيَا


ومن شعره السائر فيها :


إِذا هَبَّتِ الأرواحُ من نحو جانبٍ ........ به أهلُ ميّ هاجَ قلبي هُبوبُها هوًى تذرف العينانِ منهُ ، وإنما ........ هوَى كلِّ نفس أين حَلَّ حبيبُها


وكان ذو الرُّمَّة يُشَبِّب بخرقاء أيضاً ، وهي من بني البكاء بن عامر بن صعصعة . وسبب تشبيبه بها أنه مر في سفر ببعض البوادي فإذا خرقاء خارجة من خباء ، فنظر إليها فوقعت في قلبه ، فخرق إداوته ودنا منها يستطعم كلامها ، فقال : إني رجل على ظهر سفر وقد تخرقت إداوتي فأصلحيها لي ، فقالت : والله ما أحسن العمل وإني لخرقاء - والخرقاء : التي لا تعمل شيئاً لكرامتها على أهلها - فشبب بها ذو الرمة ، وسماها خرقاء ، وإياها عني بقوله :


وما شَنَّتا خرقاء واهية الكُلَى ........ سقَى بهما ساقٍ فلم يتَبَلَّلا بأضْيَعَ من عينَيْكَ للدمعِ كلما ........ تذكَّرْتَ ربْعاً أو توهمت منزلا


وقال المفضل الضبي : كنت أنزل على بعض الأعراب إِذا حججت ، فقال لي : هل لك في أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة ؟ فقلت : إن فعلت فقد بررتني ، فتوجهنا جميعاً نريدها ، فعدل بنا الطريق بقدر ميل ، ثمَّ أتينا أبيات شَعَر ، فاستفتح بيتاً ففتح له ، وخرجت علينا امرأة طويلة حُسَّانة بها فوه . والحُسَّانة أشد حسناً من الحسناء ، فسلمت وجلست ، فتحدثنا ساعة ثمَّ قالت : هل حججت قد ؟ قلت : غير مرة ، قالت : فما منعك من زيارتي ؟ أما علمت أني مَسْنَك من مناسك الحج ؟ قلت : وكيف ذاك ؟ قالت : أما سمعت قول عمك ذي الرُّمَّة حيث يقول :


تمامُ الحجِّ أن تقف المطَايا ........ على خَرْقاءَ واضعَةَ اللثامِ


وكان ذو الرُّمَّة كثير المدح لبلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ! وفيه يقول مخاطباً ناقته صَيْدَحَ ، وكان هذا الاسم علماً عليها ، بقوله :


رأيتُ الناسَ يَنْتَجِعونَ غيثاً ........ فقلت لصَيْدَح انتجعي بلالا


وبقوله :


إِذا ابنَ أبي موسى بلالاً بلغتِهِ ........ فقامَ بفأس بين عَيْنَيْكِ جازرُ


وقد أخذه من قول الشماخ في عَرابة الأوسي يخاطب ناقته :


إِذا بَلغْتِني وحملتِ رحلي ........ عَرابَة فاشْرَقي بدمِ الوتينِ


وجاء بعدهما أبو نواس فكشف هذا المعنى وأوضحه بقوله في الأمين محمد بن الرشيد :


وإذا المطيُّ بنا بَلَغْنَ محمداً ........ فظُهورهُنَّ على الرجالِ حَرامُ


والأصل في هذا المعنى قول الأنصارية المأسورة بمكة - وقد كانت نَجَتْ على ناقة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم - فلما وصلت إليه قالت له : يا رسول الله ، إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها ، فقال صلّى الله عليه وسلّم : "بئس ما جزيتيها" .


ومعنى الأبيات الثلاثة أني لست أحتاج أن أرحل إلى غيرك فقد كفيتني ، وأغنيتني ، إلاَّ أن الشماخ وعد ناقته بالذبح ، وذو الرُّمَّة دعا أيضاً عليها بالذبح ، وأبو نواس حرم الركوب على ظهرها وأراحها من الكد في الأسفار ، فهو أتم في المقصود ، لكونه أحسن إليها في مقابلة إحسانها إليه حيث أوصلته إلى الممدوح . وقد نظم أبو نواس هذا المعنى أيضاً عائباً على الشماخ قوله :


أقولُ لناقتي إذْ بَلَّغَتْني ........ لقد أصْبَحْتِ مني باليمينِ فلم أجعلك للغِرْبان نحلاً ........ ولا قُلْتُ اشْرَقي بدَم الوتينِ


وكان لذي الرُّمَّة أخوة : هشام ، وأوفى ، ومسعود ، فماتَ أوفى ثمَّ مات ذو الرُّمَّة بعده ، فقال مسعود يرثيهما ، هكذا قال ابن قتيبة ، وقال في الحماسة في المراثي خلاف ذلك ، والأبيات التي قالها مسعود هي :


تَعَزيت عن أوفى بغَيْلانَ بعدَهُ ........ عزاءً وجَفْنُ العين ملآنُ مُتْرَعُ ولم يُنْسني أوفى المصيبات بعدهُ ........ ولكن رأيت القَرْحَ بالقرح أوجعُ


في جملة أبيات قالها . وأخبار ذي الرُّمَّة كثيرة والاختصار أولى . والرمة ، بالضم ، قطعة من حبل ، وتكسر ، ولقب بذلك لقوله في الوتد :


أشْعث باقي رُمَّةِ التقليدِ


ولما حضرته الوفاة قال : أنا ابن نصف الهرم ، أنا ابن أربعين سنة ، وأنشد :


يا قابض الروح عن نفسي إِذا احْتُضِرَتْ ........ وغافِر الذنبِ زحزحني عن النارِ


وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة ، رحمه الله تعالى ! .


دعاني من مَلامِكما سفاها ........ فَداعي الشوقِ قَلْبَكما دعاني


البيت للأرَّجاني ، من قصيدة من الوافر ، يمدح بها الوزير سعد الملك أولها :


إِذا لم تقدرا أن تُسعِداني ........ على شَجَني فَسيرا واتركاني


وبعده البيت ، وبعده :


وأينَ من المَلامِ لَقَى همومٍ ........ يبيتُ ونِضْوُهُ مُلْقى الجِرانِ أميلُ عن السُّلوِّ وفيه برء ........ وأعلَقُ بالغرام وقد بَلاني وأعجبُ من حنيني في التنائي ........ وأعجبُ من صُدودك في التَّداني ألا لله ما صَنَعَتْ بعقلي ........ عقائِلُ ذلك الحيِّ اليماني نواعم يَنْتَقبن على شقيقٍ ........ يرفُّ ويبتسمن بأقْحُوانِ دنَوْنَ عشيةَ التوديع مني ........ ولي عينانِ بالدم تجريانِ فلم يمْسَحْنَ إكراماً جفوني ........ ولكن رمْنَ تخضيبَ البنانِ


وهي طويلة . والسفاه والسفه والسفاهة : خفة الحلم ، وتثلث سينه ، وقيل : هو نقيضه ، أو الجهل .


والشاهد فيه : وقوع أحد اللفظين المتجانسين في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول ، وهما دعاني الأولى بمعنى اتركاني ودعاني الثانية من الدعاء ، ولمؤلفه فيه :


ناظراهُ إِذا تنكَّرَ تيهاً ........ في الذي أورث الحشى ناظراهُ وإذا البَلابِلُ أفْصَحَتْ بلغاتها ........ فانْفِ البلابل باحْتِساءٍ بلابِلِ


البيت للثعالبي ، من الكامل ، والبلابل الأولى : جمع بلبل ، وهو الطائر المعروف ، والثانية : جمع بلبال ، وهو البرحاء في الصدر ، والثالثة : جمع بلبلة ، وهي فتاة الكوز التي يصب منها الماء ، والاحتساء : الشرب .


والشاهد فيه : مجيء المتجانس الآخر في حشو المصراع الأول .


والثعالبي : هو أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري ، والثعالبي ، نسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها ، قيل له ذلك لأنه كان فراء . قال ابن بسام في حقه : كان في وقته راعي تَلَعَات العلم ، وجامع أشتات النثر والنظم ، رأس المؤلفين في زمانه ، والمصنفين بحكم قرانه ، سار ذكره سير المثل وضربت إليه آباط الإبل ، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب ، طلوع النجم في الغياهب . وتآليفه أشهر مواضع ، وأبهر مطالع ، وأكثر راو لها وجامع من أن يستوفيها حد أو وصف ، أو يوفي حقوقها نظم أو رصف .


وقال في حقه الباخرزيُّ صاحب دمية القصر : هو جاحظ نيسابور ، وزبدة الأحقاب والدهور ، لم تر العيون مثله ، ولا أنكرت الأعيان فضله ، وكيف ينكر وهو المزن يحمد بكل لسان ، أو كيف يستر وهو الشمس لا تخفى بكل مكان ، وكنت وأنا فرخ أزغب ، في الاستضاءة بنوره أرغب ، وكان هو ووالدي بنيسابور لصيقي دار ، وقريني جوار فكم حملتُ كتباً تدور بينهما في الإخوانيات ، وقصائد يتقارضان بها في المجاوبات ، وما زال بي رؤوفاً وعلي حانياً ، حتَّى ظننته أباً ثاتياً ، رحمة الله عليه كل صباح تخفق رايات أنواره ، ومساء تتلاطم أمواج تياره .


ومن شعره ما كتبه إلى الأمير أبي الفضل الميكالي يعاتبه :


يا سَيِّداً بالمكرماتِ ارتَدَى ........ وانْتَعل العيُّوقَ والفَرْقَدَا ما لكَ لا تجري على مُقْتَضى ........ مودةٍ طال عليها المَدَى إن غبتُ لم أطْلَبْ وهذا سلي _ مانُ بن داودَ نبيُّ الهُدى تفَقَّدَ الطيرَ على شُغْلِه ........ فقال : ما لي لا أرى الهدْهُدا


ومنه :


وسائلٍ عن دمْعِيَ السَّائلِ ........ وحال لوْني الكاسِفِ الحائلِ قلت له والأرضُ في ناظري ........ أوسَعُ منها كفة الحابلِ بليتُ والله بمملوكة ........ في مُقلتيها مَلَكا بابلِ فإن لحاني عاذلي في الهوى ........ يوماً فما العاذلُ بالعادلِ


ومنه :


لا كان في عيني مَجالٌ للسِّنَهْ ........ وجعلْتُ عِرْضي عُرْضَةً للألسنَهْ إن ذقْتُ طَعمَ العيشِ بعدَكَ ساعةً ........ ورأيت يومَ البين إلاَّ كالسَّنَهْ


ومنه :


هذه ليلةٌ لها بهجةُ الطا _ ووسِ حُسناً واللونُ لونُ الغُدافِ رقد الدَّهرُ فانتبهنا وسارق _ ناهُ حظاً من السرور الوافي بمُدامٍ صافٍ وخلٍ مُصافٍ ........ وحبيبٍ وافٍ وسعدٍ موافي


ومنه :


طالعُ سعدي غيرُ منْحوس ........ فأسقني يا طاردَ البوسِ كأساً كعين الديك في رَوضةٍ ........ كأنها حلَّةُ طاوسِ


ومنه :


ويوم سعْدٍ حسَنِ البشْرِ ........ عَذْب السجايا طيب النَّشْرِ لم تَقْذَ عيني بأذاهُ ولم ........ يطر فؤادي بيَدِ الذُّعْرِ ولم يرعني لا ولا ساءني ........ كعادة الأيامِ في الشَّرِّ شبهتهُ منتزعاً من يد الأح _ داثِ ذات الشرّ والضُّرِّ باللبن السَّائغِ ذاك الذي ........ من بين فَرْثٍ ودمٍ يجري


وكتب إلى أبي نصر سهل بن مرزُبان وقد لسعته عقرب على قدمه ، فلما وجدت وقتلت زال الوجع ، وحصل الشفاء المرتجع :


يا عمدة الأمراء والوزراء ........ يا عُدَّة الأدباء والشُّعراء يا غرَّةَ الزمن البهيم وناظِرِ ال _ كرم الصّميم وواحد الفضلاء أرأيت همة عقرب دبَّتْ إلى ........ قدمٍ بها تخطو إلى العلْياء لما ارتقتْ للسْعِ أعظمَ مرتقى ........ أخنت عليها رتبةُ العظماء إن ذقت ضرَّاء العقارب فاستعن ........ بعقارِبِ الأصْداغ في السَّراء يا طيب لسْعةِ عقربٍ درياقُها ........ ريقُ الحبيب بقهوةٍ عذراء


وقال الثعالبي : قال لي سهل بن مَرْزُبان : إن من الشعراء من شلشل ، ومنهم من سلسل ، ومنهم من قلقل ، ومنهم من بلبل ، فقال الثعالبي : إني أخاف أن أكون رابع الشعراء ، أراد قول الشاعر :


الشعَراء فاعْلَمَنَّ أربعهْ ........ فشاعرٌ يجري ولا يُجْرَى مَعَهْ وشاعرٌ من حَقّهِ أن ترْفعَهْ ........ وشاعرٌ من حقه أن تسْمعَهْ وشاعرٌ من حقهِ أن تصفعهْ


وأراد بقوله منهم من شلشل قول الأعشى :


وقد أروحُ إلى الحاناتِ يتبعني ........ شاوٍ مشَلٌّ شلولُ شلشلٌ شَولُ


وأراد بقوله منهم من سلسل قول مسلم بن الوليد :


سلت وسلت ثمَّ سل سليلها ........ فإني سليل سليلها مسلولا


وأراد بقوله منهم من قلقل قول المتنبي :


فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشى ........ قلاقل هم كلهن قلقل


قال الثعالبي : نم إني قلت بعد ذلك بحين :


فإذا البلابل أفصحت بلغاتها ........ فانفِ البلبلَ باحتساء بلابل


وللثعالبيّ ، يصف فرساً ، أهداه له ممدوحه :


يا واهبَ الطِّرْفِ الجوادِ كأنما ........ قد أنعلوهُ بالرّياحِ الأرْبعِ كالجاحمِ المشبوب أو كالهاطل ال _ مصبوبِ أو كالباشق المتسرّعِ لا شيءَ أسرَع منهُ إلاَّ خاطري ........ في شكر نائلكَ اللطيفِ الموقعِ ولو أنني أنصفتُ في إكرامهِ ........ لجلالِ مُهديه الكريم الألمعي أقضمتهُ حبّ الفُؤاد لحبه ........ وجعلتُ مربطهُ سوادَ الأدْمُعِ وخلعتُ ثمَّ قطعْتُ غيرَ مُضيقٍ ........ بُرْدَ الشباب لجله والبرْقعِ


وله :


سقياً لدَهر سُروري ........ والعيشِ بين السراري إذْ طير سعدي جَوارٍ ........ مع امتلاك الجواري وغيمُ لهوي مَطيرٌ ........ وزَنْدُ أُنسيَ واري أيام عيشي كعودي ........ وقد ملكتُ اختياري أجري بغير عذارٍ ........ أجني بغير اعتذارِ


وله في الشكوى :


ثلاثٌ قد رُميت بهنّ أضحتْ ........ لنار القلب مني كالأثافي دُيونٌ أنْقَضَتْ ظهري وَجورٌ ........ من الأيام شابَ لهُ غُدافي وفقدانُ الكَفاف وأيُّ عَيشٍ ........ لمن يمني بفقدان الكفافِ


وللثعالبي تآليف كثيرة : فقه اللغة ، وسحر البلاغة وسر البراعة ، ومن غاب عنه المطرب ، ومؤنس الوحيد ، وأجلها وأحسنها يتيمة الدهر ، في محاسن أهل العصر ، وفيها يقول ابن قلاقس :


أبيات أشعار اليتيمهْ ........ أبكار أفكار قديمهْ ماتوا وعاشتْ بعدهمْ ........ فلذاك سميتِ اليتيمهْ


وشعره مدون ، وكانت ولادته : سنة خمسين وثلثمائة . ووفاته : سنة تسع وعشين وأربعمائة ، رحمه الله تعالى ! !


فمشغوفٌ بآيات المثاني ........ ومفتونٌ برنات المثاني


هو من الوافر ، وقائله : أبو عبد الله وأبو محمد القاسم الحريري ، من أبيات أولها :


بها ما شئت من دينٍ ودُنْيا ........ وجيرانٍ تَنافَوْا في المعاني


وبعده البيت ، وبعده :


ومضطلعٌ بتلخيص المعاني ........ ومطلعٌ إلى تلخيص عاني وكم من قارئ فيها وقارٍ ........ أضرا بالجفون وبالجفانِ وكم من مَعْلم للعلم فيها ........ وناد للندى حلو المجاني ومَغْنًى ما تزال تُغَنّ فيهِ ........ أغاريدُ الغواني والأغاني فَصِلْ إن شئت فيها من يصلّي ........ وإما شئت فادنُ من الدنانِ ودونك صحبة الأكياس فيها ........ أو الكاسات منطلق العنان


والمثاني الأول : القرآن أو ما ثُنِّيَ منه مرة بعد مرة أو الحمد لله أو من البقرة إلى براءة أو كل سورة دون الطوال ودون المائتين وفوق المفصل ، والمثاني الثانية من أوتار العود التي بعد الأول واحدها مثنى .


والشاهد فيه : مجيء المتجانس الآخر في آخر المصراع الأول ، ومثله قول ابن جابر :


زرت الديار عن الأحبة سائلاً ........ ورجعت ذا أسف ودمع سائل ونزلتُ في ظل الأراكة قائلاً ........ والرّبعُ أخرسُ عن جواب القائل


والحريري هو أبو عبد الله وأبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الحراميّ ، صاحب المقامات . كان أحد أئمة عصره ، ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات . وفضلها أكثر من أن يحصر ، وأشهر من أن يذكر . ومن عرفها حق معرفتها ، استدل بها على فضل هذا الرجل ، وغزارة مادته ، وكثرة اطلاعه . وكان سبب وضعها ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله ، قال : كان أبي جالساً بمسجد بني حرام ، فدخل شيخ ذو طِمْرَينِ ، عليه أهبة السفر رث الحال ، فصيح الكلام ، حسن العبارة ، فسأله الحاضرون : من أين الشيخ ؟ فقال : من سروج ، فاستخبروه عن كنيته ، فقال : أبو زيد ، فعمل أبي المقام المعروف بالحرامية ، وهي الثامنة والأربعون ، وعزاها إلى أبي زيد المذكور واشتهرت ، مبلغ خبرها الوزير شرف الدين أبا نصر أنوشروان بن خالد بن محمد القاشاني ، وزير الإمام المسترشد بالله ، فلما وقف عليها أعجبته ، وأشار على والدي أن يضمّ إليها غيرها ، فأتمَّها خمسين مقامة . وقد وجدت نسخ كثيرة من المقامات بخط مصنّفها ، وفيها بخطه أيضاً أنَّه صنَّفها للوزير جلال الدين بن عميد الدولة أبي علي الحسن بن أبي العز علي بن صدقة ، وزير المسترشد أيضاً . قال ابن خلكان : ولا شكّ أنَّ هذا أصح من الرواية الأولى ، لكونه بخط المصنف وأمَّا تسميته الراوي لها بالحارث بن همام فإنَّما عنى به نفسه ، وهو مأخوذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم "كلكم حارث ، وكلكم همام" . فالحارث : الكاسب . والهمام : الكثير الاهتمام . وقد بسطت الكلام على ما يتعلق بذلك في شرحي على المقامات .


ويقال : إنَّ الحريري كان عملها أربعين مقامة ، وحملها من البصرة إلى بغداد ، وادَّعاها ، فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد ، وقالوا : إنَّها ليست من تصنيفه ، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ، ووقعت أوراقه إليه ، فادَّعاها ، فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته ، فقال : أنا رجل منشئ ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها ، فانفرد في ناحية من الديوان ، وأخذ الدواة والورقة ، ومكث زماناً كثيراً ، فلم يفتح الله سبحانه وتعالى عليه بشيء من ذلك ، فقام خجلاً . وكان في جملة من أنكر دعواه أبو القاسم علي بن أفلح ، الشاعر المشهور ، فلما لم يعمل الرسالة المقترحة عليه أنشد فيه بيتين ، وقيل : هما لابن جكينا البغدادي ، وهما :


شيخٌ لنا من ربيعةِ الفرسِ ........ ينتفُ عثنونهُ مِنَ الهَوَسِ أَنطقهُ اللهُ بالمشانِ كما ........ رَماهُ وَسْطَ الديوانِ بالخَرَسِ


وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس . وكان مولعاً بنتف لحيته عند الفكرة . وكان يسكن في مشان البصرة . وهو بفتح الميم وفتح الشين المعجمة وبعدها ألف ونون : بلدة فوق البصرة ، كثيرة النخيل ، موصوفة بشدة الوخم وكان أصله منها ، ويقال : إنَّه كان له بها ثمانية عشر ألف نخلة ، وإنَّه كان من ذوي اليسار ، ولما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات وسيرهنّ ، واعتذر من عيه وحصرهِ بالديوان بما لحقه من المهابة .


ويقال : إنه كان قذراً في نفسه وشكله ولبسه ، قصيراً دميماً بخيلاً مولعاً بنتف لحيته ، فنهاه أمير البصرة وتوعده على ذلك ، وكان كثير المجالسة له ، فبقي كالمقيد ، لا يتجاسر أن يعبث بلحيته ، فتكلم في بعض الأيام بكلام أعجب الأَمير فقال له : سلني شيئاً حتَّى أعطيك ، فقال : تقطعني لحيني . قال : قد فعلت .


وجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئاً ، فلما رآه استزرى شكله ، ففهم ذلك عنه ، فلما التمس منه أن يملي عليه قال له : اكتب :


ما أنْتَ أولُ سارٍ غرّهُ قمرٌ ........ ورائدٍ أعجبتهُ خُضرةُ الدّمَنِ فاختر لنفسكَ غيري ، إنني رجلٌ ........ مثلُ المعيديِّ فاسْمع بي ولا تراني


فخجل الرجل وانصرف عنه .


وقال القاضي جابر بن هبة الله : قرأت المقامات على الحريري ، في سنة أربع عشرة وخمسمائة ، فقرأت قوله :


يا أهل ذا المغنى وُقيتُمْ شراً ........ ولا لقيتمْ ما بَقيتمْ ضُرّا قد دفع الليلُ الذي اكفهرّا ........ إلى ذَراكمْ شعثاً مغبرّا


فقرأته سغباً معتراً ، وكنت أظنه كذاك ، ففكر ، ثمَّ قال : لقد أجدْتَ في التصحيف ، وإنه لأجود ، فرُبّ شعث مغبر غير محتاج . والسغب المعتر موضع الحاجة ، ولولا أني قد كتبت خطي إلى هذا اليوم على سبعمائة نسخة قرئت علي لغيرته كما قلت .


وللحريري تآليف حسان . منها : درة الغواص في أوهام الخواص . ومنها ملحة الإعراب في النحو وشَرْحها أيضاً . وله ديوان رسائل ، وشعر كثير غير شعره الذي في المقامات . فمن ذلك قوله :


قالَ العواذلُ ما هذا الغرامُ بهِ ........ أما ترى الشعر في خدّيه قد نبتا فقلتُ : والله لو أنَّ المفنِّدَ لي ........ تأملَ الرشدَ في عينيه ما ثبتا ومن أقامَ بأرض وهي مجدبةٌ ........ فكيفَ يرحل عنها والربيع أتى


وقوله :


كم ظباء بحاجرٍ ........ فَتَنَتْ بالمحاجرِ ونفوسٍ نفائسٍ ........ حذرتْ بالمحاذرِ وشجونٍ تظافرَتْ ........ عند كَشف الظفائرِ وتَئن لخاطرٍ ........ هاجَ وجداً بخاطري وعِذارٍ لأجلهِ ........ عاذلي عادَ عاذري


وله أيضاً :


لا تخطونَّ إلى خطء ولاء خطا ........ من بعد ما الشّيبُ في فوديك قد وَخَطا وأيّ عُذرٍ لمن شابت ذَوائبهُ ........ إِذا سعى في ميادينِ الصبا وخَطا


ومن ألغازه :


ميمُ موسى من نون نصرٍ ففتشْ ........ أيها ذا الأميرُ ماذا عنَيتُ


معنى ميم أصابه الموم ، وهو البرسام ، ويقال : هو أثر الجدري ، والنون : السَّمكة ، يعني أكل سمكة نصر فأصابه الموم . ومنها :


باء بكر بلام ليْلَى فما ين _ فكُّ منها إلاَّ بعين وهاءِ


البكر : الجمل ، وباء أقرَّ به . واللام : الزرع ، فلازمته ليلى فما ينفك منها مما تلطمه في وجهه إلاَّ بعين واهية من اللطم .


وله قصائد استعمل فيها التجنيس كثيراً ذكرت منها طرفاً في شَرحي على المقامات .


وكانت ولادته سنة ست وأربعين وأربعمائة . وتوفي في سنة عشر - وقيل : خمس عشر - وخمسمائة بالبصرة في سكة بني حَرام . نسبة إلى طائفة من العرب ، سكنوا في هذه السكة . وخلف ولدين ، هما : نجم الملك عبد الله ، وقاضي قضاة البصرة : ضياء الإسلام عبيد الله ، رحمهم الله تعالى .


أمَّلْتُهمْ ثمَّ تأملتهمْ ........ فَلاحَ لي أنْ ليسَ فيهمْ فلاحْ


البيت للأرّجانيّ ، من السريع ، من قصيدة يمدح بها شمس الملك بن نظام الملك ، أولها :


صوتَ حمام الأيكِ عندَ الصباحْ ........ جدَّدتَ تَذكاريَ عهدَ الصباحْ عَلمتنا الشجوَ فيا من رأى ........ عُجْماً يعلمنَ رِجالاً فِصاحْ ألحانُ ذاتِ الطوْقِ في غصنها ........ مُذْكرتي أيامَ ذات الوشاح لا أشكرُ الطائر إنْ شاقني ........ على نوًى من سَكني وانتزاح وإنما أشكر لوْ أنهُ ........ أعارَني أيضاً إليهِ جناحْ


إلى أن يقول في مديحها :


يا كعبة للجودِ مأهولةً ........ إِذا غدا الوفدُ إليها وَراحْ يفيدك قومٌ حاولوا ضلة ........ تناولَ المجدِ بأيدٍ شحاحْ معاشرٌ أموالهمْ في حمًى ........ وعرضُهُم من لؤمهم مُستباحْ


والقصيدة طويلة . وفلاح الثانية : الفوز ، والنجاة ، والبقاء في الخير .


والشاهد فيه : مجيء المتجانس الآخر ، في صدر المصراع الثاني ، ومثله قول الأمير أبي الفضل الميكالي :


إنّ لي في الهَوى لساناً كَتوماً ........ وفؤاداً يخفي حريقَ هواهُ غيرَ أني أخافُ دَمعي عليهِ ........ ستراهُ يبدي الذي ستَراهُ ضَرائبٌ أبْدَعْتَها في السماحْ ........ فلسنا نرى لكَ فيها ضَريبا


البيت نسبه للبحتري غالبُ شراح التلخيص ؛ وليس الأمر كذلك ، وإنما هو للسري الرفاء ، وقد سَرق معناه من بيت البحتري ، فلذا سبق الوهم إلى نسبته إليه ، وبيت البحتري لفظه :


بَلَوْنا ضَرائبَ من قد نرى ........ فما إن رأينا لفتح ضريبا


وهو من قصيدة من المتقارب يمدح بها الفتح بن خاقان ، أولها :


لوَتْ بالسلام بناناً خضيباً ........ ولحظاً يشوقُ الفؤادَ الطروبا وزارَتْ على عجلٍ فاكتسى ........ لزوْرَتها أبرَقُ الحَزْنِ طيبا فكانَ العبيرُ بها واشياً ........ وجَرْسُ الحليِّ عليها رَقيبا


وهي طويلة . وبيت السري الرفاء من قصيدة يمدح بها أبا الفوارس سلامة بن فهد . أولها :


تعنفني إن أطلتُ النحيبا ........ وأسلبتُ للعين دمعاً سكوبا وأوْفى المحبين في نحبهِ ........ محبٌّ بكى يومَ بينٍ حبيبا دَعا دَمعهُ ودعتْ دَمعها ........ فبَلَّلَ منها ومنهُ الجيوبا غداة رمتهُ بسهم الجفونِ ........ ومدّتْ إليهِ بناناً خضيبا وعَهْدي بها لا تديم الصدودَ ........ ولا تَتَجَنَّى عليّ الذنوبا لياليَ لا وصلُنا خلسةٌ ........ نراقب للخوف فيها الرَّقيبا ولا برق لذاتنا خُلَّبٌ ........ إِذا ما دعونا لوصْلٍ خَلوبا وكم لي وللبين من مَوْقفٍ ........ يميت بلحظ العيون القلوبا إِذا ما انتَضى اللَّحظ أسيافَهُ ........ تدرعتُ للصبرِ بُرْداً قشيبا


ومنها في المديح :


فكم لك من سُوددٍ كالعبيرِ ........ أصابَ من المدح ريحاً جنوبا ورأيٍ يكَشِّفُ ليلَ الخطوبِ ........ ضياء إِذا الخطبُ أعيا اللبيبا ومُشتملٍ بِنجاد الحسامِ ........ يحل شَبا الحرب بأساً مُهيبا ملأتَ جوانبَهُ رهبَةً ........ فأطرق والقلب يُبدي وجيبا كسَوْت المكارم ثوب الشباب ........ وقدكن أُلبسْنَ فينا المشيبا


وبعده البيت ، وبعده :


تخلَّصتْني من يَدِ النائباتِ ........ وأحللتني منكَ ربعاً خصيبا ومُلِّكتَ مدحي كما ملكت ........ بنو هاشمٍ بُرْدها والقَضيبا وإني لواردُ بحر القريضِ ........ إِذا ورد المادحونَ القَليبا ولستُ كمن يسترد المديح ........ إِذا ما كساه الكريمُ المشيبا يحلِّي بمدحته غيرَهُ ........ فيمسي محلى ويُضحي سليبا


وقد استعمل السري معنى البيت المستشهد به ، فقال يمدح ابن فهد أيضاً :


سمَتْ بأبي الفوارسِ في المعالي ........ ضَرائبُ مالَهُ فيها ضريبُ


والضرائب : جمع ضريبة ، وهي الطبيعة التي ضرب الرجل وطبع عليها ، والضريب : المَثيل .


والشاهد فيه : مجيء الملحق بالمتجانس الآخر في صدر المصراع الأول . ومثله قول عبد الرحيم بن محمد بن يوسف السنهوري الخطيب :


تُبْدي ضُروب محاسنٍ لسنا نرى ........ بين الورى يوماً لهن ضَريبا


ومنه قول بعضهم :


ثلْبُكَ أهْلَ الفضل قد دلني ........ أنك مَنْقوصٌ ومثلوبُ


والسري هو ابن أحمد الكندي المعروف بالرفاء ، قال الثعالبي في حقه : السري ، وما أدراك ما السري ، سري كاسمه ، صاحب سر الشعر ، الجامع بين نظم عقود الدر والنفث في عقد السحر ، ولله دره ما أعذب بحره ، وأصفى قطره ، وأعجب أمره ، وقد أخرجت من شعره ما يكتب على جبهة الدهر ، ويعلق في كعبة الظرف ، وكتبت من ذلك محاسن وملحاً ، وبدائع وطرفاً ، كأنها أطواق الحمام ، وصدور البزاة البيض ، وأجنحة الطواويس ، وسوالف الغزلان ، ونهود العذارى الحسان ، وغمزات الحدق الملاح .


بلغني أنه سلم صبياً في الرفائين بالموصل ، فكان يرفو ويطرز إلى أن قضى باكورة الشباب وتكسب بالشعر . ومما يدل على ذلك ما قرأته بخطه وذكر أن صديقاً كتب يسأله عن خبره وهو بالموصل في سوق البزازين يطرز فكتب إليه يقول :


يكفيك من جملة أخباري ........ يُسْري من الحُبِّ وإعْساري في سوقَةٍ أفضلهم مرتَدٍ ........ نقصاً ففضلي بينهم عاري وكانت الإبرةُ فيما مَضَى ........ صائنةً وجهي وأشعاري فأصْبَحَ الرزق بها ضيقاً ........ كأنه من ثُقْبها جاري


قال : ولم يزل السري في ضنك من العيش إلى أن خرج إلى حلب ، واتصل بسيف الدولة ، واستكثر من المدح له ، فطلع سعده بعد الأفوال ، وبعد صيته بعد الخمول ، وحسن موقع شعره عند الأمراء من بني حمدان ورؤساء الشام والعراق ولما توفي سيف الدولة ورد السري بغداد ، ومدح الوزير المهلبي وغيره من الصدور فارتفق بهم ، وارتزق منهم ، وسار شعره في الآفاق ، ونظم حاشيتي الشام والعراق ومن ملحه قوله من قصيدة :


عليلة أنفاس الرِّياحِ كأنما ........ يعل بماء الورد نرْجِسها الندي يشُقُّ جيوبَ الوردِ في شَجَراتها ........ نسيمٌ متى ينظر إلى الماء يبردِ ويا ديرها الشرقي لا زال رائحٌ ........ يحل عقود المزن فيك ويغتدي وقال : تلك المكارمُ لا أرى مُتأخّراً ........ أولى بها منهُ ولا مُتَقَدّما عفواً أظَلَّ ذوي الجرائم ظلُّهُ ........ حتَّى لقد حَسَدَ المطيعُ المجرما


وهو من قول أبي تمام :


وتكفَّلَ الأيتامَ عن آبائهم ........ حتَّى وددنا أننا أيتامُ


وقال من قصيدة أيضاً :


ليالينا بأحناء الغميم ........ سُقيتِ ذهاب مُذْهبه الهموم مضَتْ بك رأفة الأيام فينا ........ وغفلةُ ذلك الزَّمن الحليمِ وكنا منك في جنات عيشٍ ........ وَفَتْ حُسْناً بجنات النعيمِ رياضُ محاسنٍ وسنا شموسٍ ........ وظلُّ دساكرٍ وجنى كرومِ وأجْفانٌ إِذا لحظت جسوماً ........ خلَعْنَ سَقامهن على الجسومِ


وإنما أخذ هذا المثال من قول أبي تمام :


فيا حُسْنَ الرُّسوم وما تَمَشَّى ........ إليها الدّهرُ في صور البِعادِ وإذ طَيْرُ الحوادث في رُباها ........ سواكنُ وهي غَنَّاءُ المرادِ مذكي حَلبةٍ وشَروب دَجْنٍ ........ وسامر فتيةٍ وقدورُ صادِ وأعين ربْرَبٍ كحلت بسحرٍ ........ وأجسادٌ تَضَمَّخُ بالجسادِ


وممن أخذ هذا المثال مع ركوب هذه القافية القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني حيث قال :


وأجفانٍ تروي كلَّ شيء ........ سوَى قلبٍ إلى الأحباب صادِ بذاك جزيتُ إذْ فارقت قوماً ........ لبست لبينهم ثوبَيْ حِدادِ مَعادِنُ حكمةٍ وغيوثُ جَدْبٍ ........ وأنجُمُ حيرةٍ وصُدور نادِ


وقال السري الرفاء :


وفِتيةٍ زهَرُ الآداب بينَهُمُ ........ أبهى وأنضَرُ من زهر الرياحينِ مَشَوْا إلى الرّاح مشي الرخ وانْصرفوا ........ والراحُ تمشى بهم مشي الفرازينِ


وقال في معناه أيضاً :


راحوا عن الرَّاحِ وقد أبدلوا ........ مشَى الفرازين بمشي الرِّخاخْ


وقال في قلب معناه ، ووصف الشطرنج :


يُبْدي لعَيْنِكَ كلما عاينتهُ ........ قِرْنين جالا مُقْدِماً ومُخاتلا فكأن ذا صاح يسيرُ مقوماً ........ وكأن ذا نَشْوان يخطُر مائلا


ومحاسنه كثيرة ، وقد ضمنت هذا المؤلف منها ما فيه مستمتع ، إن شَاءَ الله تعالى ! ومن شعره :


رأيتُكَ تبني للصَّديق نوافذاً ........ عدوُّكَ من أوصا بها الدهْرَ آمِنُ وتكْشِفُ أسرار الأخلاء مازحاً ........ ويا رُبَّ مزحٍ عاد وهو ضَغائِنُ سأحْفَظُ ما بيني وبينَكَ صائناً ........ عُهودَكَ إن الحرِّ للعهد صائِنُ فألقاكَ بالبشْرِ الجميل مُداهماً ........ ولي منك خل ما علمتُ مُداهِنُ أنَمُّ بما استودعته من زجاجةٍ ........ ترى الشيء فيها ظاهراً وهو باطِنُ إِذا المرء لم يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسانَهُ ........ فلَيْسَ على شيء سِواهُ بخَزَّانِ


البيت لامرئ القيس ، من قصيدة من الطويل أولها :


قفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ وعِرفان ........ ورسْمٍ عَفَتْ آياتهُ منذ أزمانِ أتَتْ حجَحٌ بعدي عليها فأصْبَحَتْ ........ كخط زَبورٍ في مَصاحِفِ رُهْبانِ ذكَرْت بها الحيَّ الجميع فَهَيَّجَتْ ........ عقابيلَ سُقْمٍ من ضميرٍ وأشجانِ فَسَحَّتْ دموعي في الرداءِ كأنَّها ........ كلى من شَعيبٍ ذات سَحَّ وتَهْتانِ


وبعده البيت ، وبعده :


فأما تَريني في رحالةِ جابرٍ ........ على حَرَجٍ كالقرِّ تخْفقُ أكفاني فيا ربَّ مكْروبٍ كَرَرتُ وراءهُ ........ وعانٍ فككتُ القِدِّ عنه ففدَّاني وفتيان صِدْقٍ قد بعثتُ بسحْرَةٍ ........ فقاموا جميعاً بين عاثٍ ونَشْوانِ وخَرْقٍ بعيدٍ قد قطعتُ نياطَهُ ........ على ذات لوثٍ سهوة المشي مذعانِ


ومعنى البيت : إِذا لم يخزن المرء لسانه على نفسه ولم يحفظه مما يعود ضرره إليه فلا يخزنه على غيره ولا يحفظه مما لا ضرر له فيه .


والشاهد فيه : مجيء الملحق الآخر في حشو المصراع الأول .


لو اخْتَصَرْتُمْ مِنَ الإحْسانِ زرتكُمُ ........ والعَذْبُ يهجَرُ للإفراطِ في الخصَرِ


البيت لأبي العلاء المعري ، من قصيدة من البسيط ، يمدح بها أبا الرضاء المصيصي أولها :


يا ساهِرَ البرقِ أيقظ راقِدَ السَّمُرِ ........ لعل بالجزع أعواناً على السهرِ وإن بَخِلتَ على الأحياء كلهم ........ فاسْقِ المواطِرَ حيًّا من بني مَطَرِ ويا أسيرة حجْلَيها أرى سفهاً ........ حمل الحليَّ لمن أعيا عن النَّظَرِ ما سِرْتُ إلاَّ وطيفٌ منك يَصْحَبُني ........ سُرًى أمامي وتأويباً على أثري لو حطَّ رحليَ فوق النجم رافعهُ ........ ألفيت ثَمَّ خيالاً منك منتظري يود أن ظلامَ الليل دامَ لهُ ........ وزيدَ فيه سوادُ القلب والبَصَر


وبعده البيت ، وبعده :


أبَعْدَ حَوْلٍ تناجي الشوقَ ناجيةً ........ هلاَّ ونحنُ على عَشْرٍ من العُشَرِ كم بات حولك من ريمٍ وجؤذرةٍ ........ يستَجْدِيانك حُسْن الدَّلِّ والحورِ فما وهبت الذي يَعْرفن من خِلَقٍ ........ لكن سمحت بما ينكرنَ من دُرَرِ وما تركت بذات الضَّال عاطلةً ........ من الظباء ولا عارٍ من البَقَرِ قَلَّدتِ كلَّ مَهاة عقْدَ غانيةٍ ........ وفزتِ بالشكر في الآرام والعُفُرِ وربَّ ساحبِ وشيٍ من جآذرها ........ وكان يرفل في ثوبٍ منَ الوَبرِ حَسَّنْتِ نظم كلامٍ توصفين به ........ ومنزلاً بكِ معموراً من الخَفَرِ فالحسن يظهر في شيئين رونقهُ ........ بيتٍ من الشِّعْر أو بيت من الشَّعَرِ


وهي طويلة ، ومنها :


ماجَتْ نُمير فهاجتْ مِنكَ ذا لبَدٍ ........ واللّيثُ أفتَكُ أفعالاً من النَّمِرِ همُّوا فأمُّوا فلما شارفوا وقَفوا ........ كوَقفة العَير بينَ الوِردِ والصَّدَرِ وأضعَفَ الرعبُ أيديهِمْ فَطعنُهُمُ ........ بالسمْهَريَّة دونَ الوخز بالإبَرِ تُلقي الغواني حفيظ الدرّ من جَزَع ........ فيها وتُلقي الرِّجالُ السَّردَ من خَوَرِ فكم دِلاصٍ على البطحاء ساقطَةٍ ........ وكم جُمان مع الحصباءِ مُنتثرِ


الخصر محركة البرد والمعنى بعدي عنكم إنما هو لكثرة إنعامكم علي .


والشاهد فيه : مجيء أحد الملحقين في آخر البيت والآخر في حشو المصراع الأول . ومعنى البيت مأخوذ من قول البحتري السابق في ترجمته ، وهو هذا :


أخجَلْتَني بنَدَى يديكَ فَسَودت ........ ما بيننا تِلكَ اليَدُ البيضاءُ وقَطعتني بالوَصل حتَّى إنني ........ مُتخَوفٌ أن لا يكون لقاءُ


وفي معناه قول دعبل الخزاعي :


أصلَحْتَني بالبرِّ بل أفْسَدْتَني ........ وتركتني أتَسَخَّط الإحسانا


وقول عبد الجليل بن وهبون المرسي :


قل للرشيدِ وقد هَبَّتْ عوارفُهُ ........ أسرفْتَ يا ديمةَ المعْروف فاقتصِدِ أشكو إليكَ الندى من حيث أشكُرُهُ ........ لو فاضَ فيضاً على البَحْرَين لم يزدِ


وهو معنى مطروق تداوله الشعراء وأكثروا من استعماله ، فمنهم من يستوفيه ومنهم من يقتصر فيه . وقد ضمن السراج الوراق عجز بيت أبي العلاء المعري هذا فقال :


لكم أيادٍ عذابٌ لي مَواردُها ........ والوفدُ مِنهُنّ بين الورْدِ والصدر والبرْدُ يَمنعني منها على ظَمَئي ........ والعَذْبُ يهجَرُ للإفراطِ في الخصَرِ


ورأيت في بعض كتب الأدب أن ابن عمار اجتاز على أكرم أهل زمانه ، وأعلم وقته وأوانه ، الوزير أبي محمد بن القاسم الفهري ، فما عرَّج عليه ، فعتب عليه بسبب ذلك ، فكتب إليه :


لم يثْنِ عنكَ عِناني سلوة خَطَرت ........ على فُؤادي ولا سَمعي ولا بصري وقصْرُك البيتُ لو أني قَضَيْتُ به ........ حجِّي ، وكفُّكَ منه مَوضعُ الحجرِ لكن عدتني عنكم خَجْلة سَلفَتْ ........ كفانيَ القَوْلُ فيها قول معتذرِ لو اختصَرْتم من الإحسان زُرْتكم ........ والعَذْبُ يُهْجَرُ للإفراط في الخصر فَدَعِ الوَعيدَ فما وَعيدُكَ ضائري ........ أطَنينُ أجْنِحَةِ الذُّبابِ يَضيرُ


البيت من الكامل ، ولا أعرف قائله ، ونسبه صاحب الدر الفريد لعبد الله ابن محمد بن عيينة المهلبي ، قال : وكان علي بن محمد بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هذا إلى نصرته حين ظهرت المبيِّضَةُ فلم يجبه ، فتوعده علي ، فقال عبد الله :


أعليُّ إنكَ جاهِلٌ مغرورُ ........ لا ظُلمةٌ لكَ لا ولا لك نورُ أبعثتَ توعِدُني أن استبطأتني ........ إنِّي بحَرْبك ما حييتَ جديرُ


وبعده البيت ، وبعده :


وإذا ارتَحَلْتَ فإنَّ نصري للأولى ........ أبواهُمُ المَهْدِيُّ والمنصورُ بُنيتْ عليهِ لحومُنا ودماؤنا ........ وعليهِ قُدّرَ سَعيُنا المشكورُ


والضير : الضرر . والشاهد فيه : مجيء الملحق الآخر في آخر المصراع الأول .


وفي معنى البيت قول أبي فراس الحمداني :


ورُبّ كلام مَرَّ فوقَ مَسامعي ........ كما طَنّ في لوح الهجير ذُبابُ


ولبعض الأعراب :


أوَ كلما طَنّ الذُّبابُ زَجَرْتُهُ ........ إن الذُّبابَ إذَنْ عليَّ كريمُ


ولبعضهم أيضاً :


فما كل كلبٍ نابح يستَفزُّني ........ ولا كلما طَنَّ الذُّبابُ أُراعُ وقدْ كانت البيضُ القَواضب في الوغَى ........ بواتِرَ فَهْيَ الآن من بَعْدِه بُتْرُ


البيت لأبي تمام من قصيدة من الطويل يرثي بها محمد بن حميد ، وتقدم ذكر مطلعها في شواهد التدبيج ومنها قبل البيت :


فَتًى سلبَتْهُ الخيلُ وهو جمالُها ........ وبزته نارُ الحرب وهوَ لها جَمْرُ قضى طاهرَ الأثواب لم تَبْقَ بقعةٌ ........ غداة ثوى إلاَّ اشتَهَتْ أنها قبرُ


والبواتر : السيوف القواطع ، والبتر : جمع أبتر ، وهو المقطوع . والمعنى : لم يبق بعده من يستعملها استعماله .


والشاهد فيه : مجيء الملحق الآخر في صدر المصراع الثاني ، والله أعلم .


تَجَلَّى به رُشْدي ، وأثْرَتْ به يدي ........ وفاضَ بهِ ثَمْدي ، وأوْرَى به زَنْدي


البيت لأبي تمام أيضاً من قصيدة من الطويل يمدح بها نصر بن منصور ابن بسام الكاتب ، أولها :


أأطلالَ هندٍ طالَما اعتضْتَ من هندِ ........ أقايضتِ حور العين بالعور والرُّمد إِذا شِئنَ بالألوان كُنَّ عِصابةً ........ منَ الهندِ والآذان كُنّ من الصُّغْد أعجْنا عليكَ العيسَ بعدَ مَعاجها ........ على البيضِ أتراباً على النُّؤى والوتْدِ فلا دمعَ أو يقْفو على إثره دمٌ ........ ولا وجدَ ما لم تَعْيَ عن صفَة الوجد


ومنها في وصف الممدوح :


فتى جوده طَبعٌ ولَيسَ بِحافلٍ ........ أفي الجور كان الجود منهُ أو القَصْدِ إِذا طَرَقتْهُ الحادثات بِنكبةٍ ........ مَخَضْنَ سقاءً منهُ ليسَ بذي زُبدِ ونبهنَ مثلَ السَّيف لو لم تَسلّه ........ يَدان لسلَّته ظُباه من الغِمْدِ سأحمَدُ نَصراً ما حييتُ وإنَّني ........ لأعلم أن قد جلّ نصرٌ عن الحمدِ


وبعده البيت ، وبعده :


فإنْ يَكُ أربي عَفْوُ شكري على ندى ........ أُناسٍ فقد أربى نَداهُ على جَهْدي


والرشد : الهداية ، والثروة : كثرة العدد من الناس والمال ، والثمد - بسكون الميم وتحرك - الماء القليل لا مادة له ، أو ما يبقى في الجلد ، أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف ، والرواية في ديوانه بلفظ بحري بدل ثمدي ومعنى أورى به زندي صار ذا وَرْيٍ ، وهو عبارة عن الظفر بالمطلوب .


والشاهد فيه : مجيء السجع في النظم . ومن الشواهد عليه قول أبي الطيب المتنبي :


فنَحنُ في جَذَلٍ ، والرُّوم في وَجَلٍ ، ........ والبرُّ في شُغلٍ ، والبحرُ في خَجل تَدْبيرُ مُعْتَصم ، بالله مُنْتقِمٍ ، ........ لله مُرْتَقِب ، في الله مُرْتَغبِ


البيت لأبي تمام أيضاً ، من قصيدة من البسيط يمدح بها المعتصم بالله حين فتح عمورية ، أولها :


السَّيف أصدَق أنباءً من الكتُب ........ في حَدِّه الحدّ بينَ الجِدّ واللَّعِبِ بيضُ الصفائح لا سودُ الصّحائف في ........ متونهن جَلاءُ الشك والرِّيبِ والعِلم في شُهبِ الأرماح لامِعَةً ........ بينَ الخميسين لا في السبعة الشُّهب أينَ الرّوايةُ أو أين النجومُ وما ........ صاغوه من زُخْرُف فيها ومن كذب تَخَرُّصاً وأحاديثاً مُلَفَّقَةً ........ ليست بِنَبع إذْ عُدَّت ولا غَرَبِ عجائباً زَعموا الأيام مُجفلَة ........ عنهُنَّ في صفَرِ الأصفار أو رجبِ وخوَّفوا الناس من دهياء داهيةٍ ........ إِذا بدا الكَوْكب الغربي ذو الذنبِ وصيَّروا الأبرُج العُليا مُرَتبةً ........ ما كان مُنقلباً أو غير مُنقلبِ يقْضونَ بالأمر عَنها وهيَ غافلةٌ ........ ما دار في فَلَكٍ منها وفي قُطُبِ لو بَيَّنت قط أمراً قبل موقِعِه ........ لم يَخْفَ ما حلَّ بالأوثان والصُّلبِ فَتْحُ الفُتوح تعالى أن يُحيطَ بهِ ........ نَظْمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطب فتح تفَتَّحُ أبوابُ السَّماء له ........ وتبرز الأرض في أثوابها القُشُبِ


وهي طويلة بديعة ، وأشار بمطلعها إلى كذب المنجمين ، فإنهم كانوا أجمعوا على أنها لا تفتح في تلك الغزاة ، فيسر الله تعالى ذلك وأكذبهم .


والمرتغب في الله : الراغب فيما يقربه من رضوانه ، والمرتقب : المنتظر للثواب الخائف للعقاب .


والشاهد فيه : التشطير ، وهو : جعل كل من شطري البيت سجعة مخالفة لأختها ، وهو ظاهر فيه . ومنه قول مسلم بن الوليد في قصيدته السابقة في تجاهل العارف :


موفٍ على مُهجٍ ، في يومِ ذي رهجٍ ، ........ كأنهُ أجلُ ، يسعى إلى أملِ


وقول ذي الرُّمَّة :


كحْلاء في بَرَجٍ ، صفراء في نعج ........ كأنها فضةٌ قد مَسها ذَهَبُ


وقول كشاجم :


هلالٌ في إضاءتهَ حياءٌ ........ شهابٌ في سماحتهِ اتِّقادُ


وقول ديك الجن :


حرّ الإهابِ وسيمه ، برُّ الإيا _ بِ كريمه ، محْضُ النِّصابِ صميمهُ


وقول الصفي الحلي :


بكلِّ مُنتصرٍ ، للفتح مُنتظرٍ ، ........ وكلِّ مُعتزمٍ ، بالحقِّ مُلتزمِ


وقول ابن جابر :


يا أهلَ طيبةَ في مغناكُم قمرٌ ........ يهدي إلى كلِّ مَحمودٍ منَ الطرُقِ كالغيثِ في كرمِ ، والليثِ في حرم ، ........ والبدر في أفقٍ ، والزهرِ في خُلقِ مَها الوَحشِ إلاَّ أنَّ هاتا أوانسٌ ........ قنا الخَطِّ أنَّ تلكَ ذَوابِلٌ


البيت لأبي تمام ، من قصيدة من الطويل يمدح بها الوزير محمد بن عبد الملك الزيات أولها :


متى أنتَ عنْ ذُهليةِ الحيِّ ذاهلُ ........ وقلبكَ منها مدَّةَ الدَّهر آهِلُ تُطِلُّ الطلولُ الدَّمعَ في كلِّ موْقفٍ ........ وتمثلُ بالصبرِ الدِّيارُ المواثلُ دوارسُ لم يجْفُ الرَّبيعُ رُبوعها ........ ولا مرَّ في أغفالها وهوَ غافلُ فقدْ سحبت فيها السحائبُ ذَيلها ........ وقد أخملتْ بالنور منها الخمائلُ تعفينَ من زادِ العُفاةِ إِذا انتحى ........ على الحيِّ صَرْفُ الأزمةِ المتحاملُ لهمْ سلفٌ سُمرُ العوالي وسامرٌ ........ وفيهمْ جَمالٌ لا يغيضُ وجامِلُ لياليَ أضْلَلْتَ العزاءَ وخَذَّلت ........ بِعقلك آرامُ الظباءِ الخواذِلُ منَ الهيفِ لو أنَّ الخِلاخِلَ صُيرَتْ ........ لها وُشحاً جالت عليها الخلاخِلُ


وبعده البيت ، وبعده :


هَوًى كانَ خلساً ، إنَّ من أحسن الهوَى ........ هوًى جُلْتُ في أفنائه وهوَ خاملُ


وهي طويلة . ومها الوحش - بفتح الميم - بقره ، والخط هنا بفتح الخاء المعجمة وتكسر : مرفأ للسفن بالبحرين ، وإليه تنسب الرماح الخطية لأنها تباع به لا لأنه منبتها .


والشاهد فيه : المماثلة ، وهي : أن يكون ما في أحد الفقرتين أو شطري البيت مثل ما يقابله من الآخر في الوزن دون التقفية ، وقد تأتي ألفاظ المماثلة من غير قصد كقول امرئ القيس السابق في التشبيه :


كأنَّ المدامَ وصوْبَ الغمام ........ وريح الخُزامي ونشر العطر


ومن شواهد المماثلة على أصل الباب في التزام الوزن دون التقفية قول الشاعر :


صفوح كريمٌ رَصينٌ إذا ........ رأيتَ العُقول بدا طيشُها نداه سحوحٌ على أنفسٍ ........ بهِ اخضرَّ لما سقى عيشُها


والبيت الأول أردت ، ومن أمثلة المماثلة قول البحتري :


فأحجمَ لما لم يجدْ فيكَ مطمعا ........ وأقدَمَ لما لم يجد عنكَ مهرَبا


وقول ابن هانئ الأندلسي :


فإذا عفا لم يُلْفَ غير مُملكٍ ........ وإذا سطا لم يلق غيرَ مُعفَّر


وقول أحمد بن المغلس :


إن يواجهْ فطوْدُ حلمٍ ركينٌ ........ أو يُفاوضْ فبحرُ علمٍ غزيرُ أو يَجُدْ واهباً فغيث مطيرٌ ........ أو يصلْ واثباً فليث هصورُ


وقول العثماني أيضاً :


سلسلْ خُطوطكَ ما غدا مُتسلسلاً ........ شاطي الجمامِ الزُّرْق بالأغصانِ واسجع بِشعركَ ما غدا مُتصلصلاً ........ شادي الحمامِ الوُرْق بالألحانِ


وقول الباخرزي من قصيدة نظامية :


وافرحْ فما يلقي لسدِّكَ هادِمٌ ........ وامرحْ فما يلفي لحدِّك ثالمُ فإذا سخوْتَ فإنَّ سَيْبَكَ عارضٌ ........ وإذا سطوْتَ فإن سيفكَ عارمُ فلذاكَ تخشى من قناكَ مطاعنٌ ........ ولذاكَ تُغشى من قِراكَ مطاعمُ


وقول الوزير محمد بن علي بن حسول في شكاية الأيام :


أأسلمتْني وذنبي ........ للشيبِ فيهِ افتراقي منَ الظٍّباء العواطي ........ إلى الضباعِ العواقي


وقول ابن جابر الأندلسي :


جاءتْ تجرّ فروعاً خَلْفَ ذي هيَفٍ ........ وبلَّغتْ صَبَّها من لثمها الأملا فأرسَلتْ غَسَقاً وأطلعتْ قمراً ........ وألثمتْ برَداً وأرْشَفَتْ عسلا


وقوله أيضاً :


تبسَّمتْ فتباكَى الدُّرُّ من وجلٍ ........ وأَقبلتْ فتولَّى الغصنُ ذا عجبِ تفترُّ عن حَبَبٍ يبدُو على ذَهَبٍ ........ يُهديكَ مِنْ شَنَبٍ ضرباً من الضَّرَبِ مودَّتهُ تَدومُ لكلِّ هوْلٍ ........ وهلْ كلُّ مودَّتهُ تَدومُ


البيت للأرجاني من قصيدة من الوافر ، يمدح بها نجم الدين أبا عبد الله الفضل بن محمد بن الفضل بن محمود ، أَوَّلها :


لأيّ وميض بارقةٍ أَشيمُ ........ ومَرْعى الفضلِ في زَمني هَشِيمُ أسِيتُ وخدُّ ليل الشِّعر منِّي ........ بكفِّ الصّبحِ من شيبي لطيمُ وضمَّ إليَّ أَفْكاري جناحِي ........ فلي في عُشِّ مُطرَحي جُثومُ فعذْراً إنْ تغيَّرَ عهدُ شِعْري ........ وقد يُغضي على الزَّللِ الحليمُ وما قصَّرْتُ عن شأوٍ ولكنْ ........ سقيمٌ كلُّ ما نظم السَّقيمُ


إلى أن قال :


أُحِبُّ المرْء ظاهِرُهُ جميلٌ ........ لصاحبهِ وباطِنهُ سَليمُ يَؤوّل دَعوَتي ويجيبُ طوْعاً ........ إِذا ما عنَّ لي شرَفٌ مرُومُ وفي الفتيانِ كلّ ربيطِ جأشٍ ........ يرَى حرْبَ الزَّمانِ ولا يَخِيمُ


وبعده البيت . والشاهد فيه : القلب ، ويسمى المقلوب ، والمستوي ، وسماه الحريري بما لا يستحيل بالانعكاس ، وهو أن يكون عكس البيت شطره كطرده ، وغايته : أن يكون رقيق الألفاظ ، سهل التركيب ، منسجماً في حالتي النظم والنثر . وقد انعقد الإجماع على أن أبلغ الشواهد عليه هذا البيت لما حوى من رقة الألفاظ وانسجام المعاني .


قال أبو جعفر الأندلسي : وأسهل منه قول بعض المتأخرين :


نالَ سرَّ العلا بما قد حواهُ ........ أوحدٌ قامَ بالعلا رسلانُ


وفيه نظر لا يخفى . ومن الشواهد المقبولة عليه قول الشاعر أيضاً :


عُجْ تنم قُرْبكَ دعْدٌ آمناً ........ إنما دَعْدٌ كبرقٍ مُنتجعْ


وقول بعضهم أيضاً :


أَراهُنَّ نادمْنهُ ليلَ لهوٍ ........ وهلْ ليلهُنَّ مُدَانٍ نهارَا


وقول الحريري من أبيات المقامات :


أُسْ أرْملاً إِذا عَرَا ........ وارْعَ إِذا المرءُ أسَا أسنِدْ أَخا نباهةٍ ........ ابن إخاء دنسا أسل جناب غاشم ........ مشاغب إنْ جَلَسَا أسر إِذا هبَّ مرا ........ وارْمِ بهِ إِذا رسَا أسكن تقو فعَسَى ........ يُسعِفُ وقت نَكسا


ومن القلب قول سيف الدين المنشد :


ليلٌ أضاءَ هلالهُ ........ أَنَّى يُضيء بكوكبِ


وقول الآخر :


أَرَانَا الإِلهُ ........ هلاَلاً أَنَارَا


وقول الصيرفي المغربي :


قلِقَتْ فيكَ هذِهِ ........ هذِهِ كيْفَ تقلقُ قرفت يمن ميَّة ........ هي من مي تفرقُ فترَى لَحْنَ مُقْتَفٍ ........ فتْقَ منْ حلَّ يرْتُقُ


وقول الصفي الحلي أيضاً :


يَلذُّ ذُلِّي بنِضْوٍ ........ لَوْ ضَنَّ بي لذَّ ذُلِّي يلمُّ شمْلي لحُسْنٍ ........ إنْ سحَّ لي لمَّ شمْلي


وقول الحسن النظيري النحوي الملقب بذي اللسانين :


لسيِّدنا الإمامِ أبي المطَهَّرْ ........ فضائلُ أرْبعٌ كالزَّهْرِ تُزْهِرْ ضياء فائِض ، رأي عيار ، ........ عطاء ساطع ، رهطٌ مُطَهَّرْ


وقول ابن خروف النحوي :


واشرَبوا كلَّ صباحٍ لبناً ........ واشرَبوا كلَّ أَصيلٍ عسَلاَ واعكسوا ذاكَ إلى أعدائِكمْ ........ منْ قسيِّ النَّبْعِ أَوْ رُقْشِ الفَلاَ


وقول بعض المغاربة :


قدْ أَقبلَ الشَّهْرُ وإقبالُهُ ........ يأْتي بما أُجري ترْتيبهُ فوجهُ البرّ فمقلوبهُ ........ يجزيكَ عن برّكَ مقلوبهُ


وقول سيف الدين بن المشد ملغزاً في هاروت :


ما اسمٌ إِذا صحَّفْتهُ ........ فهو نبيٌّ مرْسَلُ وهو إِذا عكستهُ ........ كتابهُ المنزَّلُ


ومن القلب نوع آخر يقال له قلب الكلمات كقول الشاعر :


عدَلوا فما ظلمتْ لهمْ دُوَلٌ ........ سعدُوا فما زالتْ لهمْ نِعَمُ بذلُوا فما شحَّتْ لهمْ شيمٌ ........ رفعُوا فما زلَّتْ لهمْ قَدَمُ


فهو دعاء لهم ومدح ، فإذا انقلبت كلماته صار دعاء عليهم وهجواً بأن يقال :


نعمٌ لهم زالتْ فما سعدوا ........ دولٌ لهم ظلمتْ فما عدلوا قدمٌ لهمْ زلَّتْ فما رفعوا ........ شيمٌ لهمْ شحَّتْ فما بذلوا يا خاطِبَ الدُّنيا الدَّنيَّةَ إنَّها ........ شرَكُ الرَّدَى وقرارَهُ الأَكدارِ


البيت للحريري من الكامل ، وبعده :


دار متى ما أضحكت ........ في يومها ........ أبكت غداً ........ تبًّا لها من دارِ وإذا أَظلَّ سَحابُها ........ لم ينتفع ........ منهُ صدَى كجهامه الغرَّارِ غاراتها ما تنقضي ........ وأسيرها ........ لا يفتَدَى ........ بجلائِلِ الأَخطارِ كم مُزْدَهٍ بغُرورها ........ حتَّى بدَا ........ متمرداً ........ متجاوز المِقْدارِ قلبت لهُ ظَهر المجن ........ وأَولَغَتْ ........ فيهِ المُدَى ........ ونزَتْ لأخذِ الثارِ فارْبأ بعمرِكَ أنْ يمر ........ مُضيعاً ........ فيها سُداً ........ من غير ما استظهارِ واقْطعْ علائق حُبِّها ........ وطلابها ........ تلقَ الهدى ........ ورفاهَةَ الأَسرارِ وارقبْ إِذا ما سالمت ........ من كيدِها ........ حَرْبَ العدا ........ وتوثُّبَ الغدَّارِ واعْلمْ بأَنَّ خُطوبها ........ تَفْجَا لو ........ طالَ المدَى ........ ودنَتْ سرى الأَقدارِ


والدنية : الخسيسة ، وشرك الردى : حبالة الهلاك ، وقرارة الأكدار : مقر الهموم والأوصاب المدرة للعيش . والشاهد فيه : التشريع ، وسمَّاه ابن أبي الأصبع : التوأم ، وهو بناء البيت على قافيتين يصح المعنى عند الوقوف على كل منهما ، فهذا البيت وما بعده إِذا أُنشد على هيئته كان من ثاني الكامل ، وإذا أسقطت الجزءين الأخيرين منه كان من ثامنه فتبقى صورته :


يا خاطب الدُّنيا الدَّنيَّة ........ إنَّها شرك الرَّدَى


ومن الواقع في كلام العرب في هذا النوع قول بعضهم :


وإذا الرِّياحُ معَ العشيّ تناوَحتْ ........ هوج الرئَال ........ نكَبْنهُنَّ شمالاَ أَلفَيتنا نَقرى العبيطَ لضَيْفِنَا ........ قبلَ القتال ........ ونَقْتُلُ الأَبطالاَ


فهذان البيتان إِذا أنشدا تامين كانا من الضرب التام المقطوع من الكامل ، وإذا اقتصرت على الرئَال والقتال كانا من الضرب المجزوّ المرفل منه ، ولا شكَّ أن هذا النوع لا يتأتَّى إلاَّ بتكلُّف زائد وتعسّف ، فإنَّه راجع إلى الصناعة لا إلى البلاغة والبراعة ، وأوسع البحور في هذا النوع الرجز ، فإنَّه قد استعمل تامًّا ومجزوًّا ومشطوراً ومنهوكاً ومن أَمثلته قول الأرجاني :


صبٌّ مقيمٌ سائرٌ ........ فُؤَادُهُ ........ طوعُ الهَوَى ........ مَع الخَليطِ المنجدِ غائبُ قلبٍ حاضِرٌ ........ وِدادُهُ ........ لمنْ نأَى ........ في عهدِهم والمعْهَدِ له جَوًى مخامرُ ........ يعتادهُ ........ إِذا اشتكَى ........ طيفَ الكرَى في العوّد لصبرِهِ مكابرُ ........ إيقادُهُ ........ حشوُ الهوَى ........ بعدَ الحسانِ الخرَّدِ ودَمْعُهُ مُكاثرُ ........ اشتداده ........ خوْفَ النَّوَى ........ يقولُ للهَّمِّ ابعدِ


وقول الحريري أيضاً :


جُودِي على المتحسّرِ الصّبِّ الجوِي ........ وتعطَّفي بوصالِهِ ........ وَتَرَحَّمي ذا المبتلى المتفكّر القلب الشجي ثمَّ اكتفى ........ عنْ حالهِ ........ لا تظْلمِي


وقول ابن جابر الأندلسي :


يرْنُو بطَرفٍ فاترِ ........ مَهما رَنَا ........ فهوَ المنَى ........ لا أنتهي عن حبِّهِ يهْفو كغصنٍ ناضرِ ........ حلو الجنَى ........ يشفي الضنَى ........ لا صبرَ لي عن قرْبِهِ لوْ كانَ يوماً زائري ........ زالَ العنَا ........ يحلو لنَا ........ في الحبِّ أن نسمى بهِ أَنزلتهُ في ناظرِي ........ لمَّا دنَا ........ قدْ سرَّنا ........ إِذا لمْ يَحُلْ عن صَبِّهِ


وقوله أيضاً :


منْ لي بآنسةٍ تنا _ مُ لحاظها ........ من غيرِ نومٍ ........ بل تَتيهُ وتفتنُ قالتْ أَلستَ تخاف حي _ نَ تزورني ........ سطوات قومي ........ كم تبوحُ وتعلنُ فأجبتها في نيلِ وصْ _ لكِ لم أكنْ ........ لأخافَ لومي ........ فهو عندِي هيِّنُ


وقول أبي جعفر الغرناطي :


يا راحلاً يبغي زيارة ........ طيبةٍ ........ نلت المنَى ........ بزيارَةِ الأَخيارِ حيِّ العقيق إِذا وصل _ ت وصِفْ لنا ........ وادي المنَى ........ يا طَيِّبَ الأَخبارِ وإذا وقفت لدى المعَرَّ _ فِ داعياً ........ زالَ العنَا ........ وظفرت بالأَوطارِ


وقول الرشيد النابلسي :


لم الحشى معذب ........ مُوجَّعُ ........ على المدى ........ صبُّ الفؤاد مُغرمُ بنارهِ مُلتهبُ ........ مُلذَّعُ ........ ما خمدا ........ أوارُهُ والضَّرمُ حُكِّم فيه أشنبُ ........ ممنَّعُ ........ من الفدا ........ فهوَ الأسيرُ المسلمُ مبتعدٌ مجتنبُ ........ مُودَّعُ ........ تعمدا ........ وهو الغريب الأمَمُ زَمانهُ تعتبُ ........ وَوَلَعُ ........ قَدْ أكمدا ........ من عَزَّ فهو يحكمُ ما الحبُّ إلاَّ لَهَبٌ ........ ومَدْمعُ ........ تجَددا ........ ولوْعةٌ وسَقَمُ يا هلْ إليه سبب ........ مُمتعُ ........ يولي يَداً ........ من لُبُّهُ مُخترَمُ ما أَنا إلاَّ أَشعبُ ........ أَو أَطمَعُ ........ فيما عدَا ........ فما إليه سُلَّمُ


وقول ابن نقادة :


جَمْرُ غرامي واقِدُ ........ يحكى لظَى ........ شراره ........ في القلبِ ليسَ ينطَفي ودمعُ عيني شاهد ........ على الهوى ........ مِدْرارُهُ ........ والوَجْدُ ما لا يختفي والنَّومُ عنِّي شاردُ ........ لا يُرْتَجَى ........ مزارُهُ ........ فيا لصَبٍّ مُدْنَفِ هل في الهوى مساعدُ ........ لمَّا عنَى ........ إعْذارُهُ ........ في حبِّ ظبي أَهيَفِ مائلُ قدٍّ مائدُ ........ إِذا انثَنَى ........ خَطَّارهُ ........ كالغُصُنِ المهفهَفِ فلحظُهُ لي صائدُ ........ إذْ ينتضي ........ بَتَّارُهُ ........ هل في الجنونِ مشرفي قلبي عليهِ واجدُ ........ لمَّا نأَى ........ مزَارُهُ ........ بين الأسى والأسَفِ أَرغب وهو زاهدُ ........ وهوَ المنَى ........ أختارهُ ........ من لي به فأَشتفي أَسهرُ وهوَ راقد ........ لمَّا جفَا ........ نِفَارهُ ........ عرَّضني للتلفِ وجدِي عليهِ زائد ........ مِنَ الجوَى ........ إسعارهُ ........ بينَ الدُّموعِ الذُّرَّفِ


وقول صلاح الدين القواص ، ويقال : إنَّ هذه القصيدة تقراً على ثلاثمائة وستين وجهاً :


داءٌ ثَوَى ........ بفؤادٍ شَفَّهُ سقم ........ لمحنتي ........ من دواعي الهمِّ والكمدِ يا أَضلُعي ........ لهب تذكو شرارتهُ ........ من الضنَى ........ وفي محلِّ الرُّوح والجسدِ يومَ النَّوَى ........ طالَ في قلبي به ألم ........ وحرقتي ........ وبلائي فيه بالرصدِ توجُّعي ........ من جَوًى شبَّتْ حرارتهُ ........ مع العنَا ........ قد رثى لي فيه ذو الحسدِ أَصلُ الهوَى ........ مُلْبِسِي وجدَّ به عدم ........ لمهجتي ........ من رشا بالحسنِ منفردِ تتبُّعي ........ وَجْهَ من تزهو نضارتهُ ........ لما جنَى ........ مورثي وَجْداً إلى الأَبدِ


وهذا القدر من هذا النوع كاف .


سأَشكرُ عمْراً إن تراخَتْ منيتي ........ أَياديَ لم تُمْنَنْ وإن هي جَلَّتِ فتًى غيرَ محجوبِ الغِنى عنْ صديقهِ ........ ولا مظْهِرَ الشَّكْوَى إِذا النَّعْلُ زلَّتِ رَأَى خلَّتي من حيث يَخْفَى مكانها ........ فكانَتْ قَذَى عَيْنَيْهِ حتَّى تجلَّتِ


الأَبيات من الطويل ، وقائلها عبد الله بن الزّبير الأَسدي في عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما ، وكان سببها ما حكاه أبو غسانة قال : بلغني أنَّ أول من أخذ نسيئةً في الإسلام عمرو بن عثمان بن عفان ، أتى عبد الله بن الزّبير الأَسدي فرأَى عمرو تحت ثيابه ثوباً رثًّا ، فدعا وكيله وقال له : اقترض له مالاً ، فقال : هيهات ما يعطينا التجَّار شيئاً ، قال : فأربحهم ما شاءوا ، فاقترض له ثمانية آلاف درهم باثني عشر ألفاً ، فوجَّه بها إليه من تحت ثيابٍ ، فقال عبد الله بن الزَّبير الأَبيات .


ويحكى أن رسول سيف الدولة بن حمدان ورد على أبي الطيب المتنبي برقعة فيها البيت الأَخير من هذه الأَبيات وسأله إجازته ، فأثبت في الرقعة تحته :


لنا مَلكٌ ما يطعَمُ النَّوْمَ همُّهُ ........ مَمَاتٌ حَيٍّ أَو حياةٌ لميِّتِ ويكبرُ أن تَقْذَى بشيءٌ جُفونُهُ ........ إِذا ما رأَتهُ خَلَّةٌ بكَ قرَّتِ جزَى اللهُ عنِّي سيفَ دولة هاشمٍ ........ فإنَّ نَداهُ الغَمْر سَيْفي ودَوْلَتي


ومعنى لم تمنن لم تقطع ولم تخلط بمنّة وإن عظمت ، وقوله : إِذا النّعل زلَّت ، كناية عن نزول الشر وامتحان المرء ، يقال : ما زلَّت القدم ، وزلَّت النعل به ، والخلَّة - بالفتح - الحاجة والفقر والخَصَاصة ، وفي المثل : : الخَلَّةُ تدعو إلى السَّلَّةِ" أَي السرقة ، والقذى : ما يقع في الشراب . والشاهد فيهما : لزوم ما لا يلزم ، وهو هنا مجيء اللام المفتوحة المشددة قبل حرف الروي ، وهو التاء ، وذاك ليس بلازم في مذهب السجع لتحققه بدونه ، وفيها نوعان من لزوم ما لا يلزم : أحدهما : التزام الحرف ، والثاني : فتحه ، وقد يكون الأول بدون الثاني ، وبالعكس . ومن شواهده قول امرئ القيس :


فمِثلكِ حُبلى قد طَرَقْتُ ومُرْضعٍ ........ فألهيتُها عنْ ذي تمائم مُحْولِ إِذا ما بكَى مِنْ خلفِها انحرفَتْ لهُ ........ بشِقٍ وتحتي شِقُّها لم يُحَوَّلِ


وما يقه من هذا الباب لمتقدم فهو غير مقصود منه ، وأمَّا المتأخرون فقصدوا عمله ، وأكثروا منه ، حتَّى إنَّ أبا العلاء المعري عمل من ذلك ديواناً كاملاً منفرداً عن ديوان شعره المعروف بسقط الزند ، ومنه قوله :


لكَ الحَمْدُ أَمواهُ البلادِ بأَسرِها ........ عِذابٌ وخُصَّتْ بالمُلوحَةِ زَمزمُ هوَ الحَظُّ عَيْرُ الوَحشِ يَستافُ أَنفُهُ ........ خُزَامى وأَنفُ العَوْدِ بالعُودِ يُخْرَمُ


ومن هذا المعنى قول أبي تمام الطائي :


والحظُّ يُعطاهُ غيرُ طالبهِ ........ ويُحرِزُ الدُّرَّ غيرُ مُجْتلبِهْ تلكَ بناتُ المخاض راتِعةٌ ........ والعَوْدُ في كُورهِ وفي قَتَبِهْ


وقول الآخر :


أَيا دهرُ ويحَكَ ماذا الغَلَطْ ........ لئيمٌ علاَ وكريمٌ هَبَطْ حِمارٌ يُسيَّبُ في رَوْضَةٍ ........ وطِرْفٌ بلا علفٍ يُرْتَبَطْ


وقول الآخر :


رُبَّ عَيْرٍ يَرْعَى ويُعْلف في المِصرِ ........ وليثٍ يجُوعُ في صَحْراءِ وحشيش يَرْوى على ضِفَّةِ النَّهْرِ ........ ونَبْعٍ يظمأ على غيرِ ماءِ


وقول الهيثم النخعي :


قدْ يُرزقُ الأَحمقُ المأفونُ في دعةٍ ........ ويُحرمُ الأَحوَذيُّ الأَرحبُ الباعِ كذا السّوامُ تصيبُ الأَرضَ ممرعة ........ والأسدُ مَرْتَعُها في غيرِ إمراعِ


ولطيفٌ قولُ الشيخ بدر الدين بن الصاحب :


رزقُ الضعيفِ بعجزِهِ ........ فاقَ القويَّ الأَغلبَا فالنسرُ يأكلُ جيفةً ........ والنَّحْلُ يأكلُ طيبَا


رجع إلى شعر أبي العلاء المعري ، في لزوم ما لا يلزم . ومنه قوله :


أَنا صائمٌ طولَ الحياةِ ، وإنَّما ........ فِطري المماتُ فعندَ ذاكَ أُعيِّدُ لوْنانِ منْ صُبحٍ وليلٍ شَيَّبَا ........ رَأْسي وأضعَفَني الزَّمانُ الأَيِّدُ قالُوا فلانٌ جيدٌ لصديقهِ ........ لا تكذِبوا ما في البريَّةِ جيِّدُ فأَميرُنا نالَ الإمارَةَ بالخَنَا ........ وفقيهُنا بصلاتِهِ مُتَصَيِّدُ كنْ كيفَ شئتَ مُهجَّناً أَو خالِصاً ........ فإذا رُزِقْتَ غِنًى فأنتَ السَّيِّدُ واصْمتْ فما كثرَ الكلامُ منِ امرئٍ ........ إلاَّ وقالُوا : إنَّهُ مُتزيِّدُ


وقوله :


كلْ واشرب النَّاس على خِبْرَةٍ ........ فهُمْ يمرُّونَ ولا يَعْذُبُونْ ولا تُصَدِّقْهُمْ إِذا حدَّثوا ........ فإنَّني أَعهدُهُمْ يَكذبونْ فإنْ أَرَوْكَ الودّ عنْ حاجةٍ ........ ففي حِبالٍ لَهُمُ يجذبونْ


ومن مليح ما جاء فيه قول أبي نواس :


أَما وَزند أَبي عليَّ إنَّهُ ........ زند إِذا اسْتَوْرَيْتَ سَهَّلَ قَدْحكَا إنِّي ليأبى الصنعَ عالي همَّتي ........ منْ غيركم ويعافُ إلاَّ مدْحكَا


ولأبي الطاهر محمد بن يوسف التميمي السرقسطي فيه وهو مصنف المقامات اللزومية ، وهي خمسون مقامة بناها على لزوم ما لا يلزم :


يا هائماً بالدَّلالِ والخفرِ ........ أَلصقْتَ خدَّ العزيز بالعَفَرِ إيَّاكَ ذنب الهوَى وزلَّتَهُ ........ فليسَ ذنبُ الهوَى بمغتَفَرِ ما عَزَّ في الحبِّ منْ يُساجلهُ ........ لوْ كانَ ذا معشرٍ وذا نَفَرِ ومنْ غدَا واللُّجَيْنُ شافعهُ ........ أَخلقَ بهِ أَنْ يفوز بالظفرِ


وله أيضاً فيه :


كلُّ حبيبٍ لهُ دلالُ ........ وربَّما شابهُ ملالُ وأنت أنتَ الحبيبُ لكنْ ........ منْ دونِ إسعافكَ الهلالُ


ولأبي الفضل الميكالي فيه مع التعمية باسم :


غزالٌ ينثني ويريكَ غصناً ........ ويرنو تارةً ويريكَ رِيمَا كريمٌ كلّهُ ظرْفٌ ولكنْ ........ إِذا سمَّيتهُ فاقلبٍ كَريمَا


وله أيضاً فيه :


تعزّ عن الحرصِ تعزز بهِ ........ ففي الطمعِ الذلُّ والمنقصهْ ولا تُنْزِلَنْ أَبداً حاجةً ........ بمن كابدَ البؤسَ والمخمَصهْ ولو نالَ نجمُ الدُّجى ثروةً ........ وأَوطأَ شمس الضُّحى أَخمُصَهْ


ولابن جابر الأندلسي فيه :


ولمَّا وقفنا كي نودّعَ منْ نأَى ........ ولم يبقَ إلاَّ أنْ تُحَثَّ الرَّكائِبُ بكينا وحَقٌّ للمحبِّ إِذا بكَى ........ عشيَّة سارت عن حماهُ الحبائِبُ


ولأبي جعفر الغرناطي فيه :


ناولتهُ وَرْدَةً فاحْمَرَّ من خجلٍ ........ وقالَ وجهيَ يغنيني عن الزّهَرِ الخدُّ وَرْدٌ ، وعيني نرجسٌ ، وعلى ........ خَدِّي عِذارٌ كريحانٍ على نَهَرِ


وممَّا يلحق بهذا النوع : ما يختبر به الأدباء أَفكارهم ، ويشحذون به قرائحهم ، من التزام حروف جميعها مهملة ، أَو جميعها معجمة ، أَو لا تنطبق معها الشفتان ، إلى غير ذلك من التفنُّنات ، كقول الخطيري الوراق وجميع الحروف مهملة :


صدودُ سعادٍ أَحدرَ الدَّمع مُرْسلاً ........ وأَسأَر حَرًّا لم أُحاولهُ أَوَّل مُحلِّلة صدًّا أَراهُ محرَّماً ........ محرِّمَةُ وَصلاً أَراهُ محلَّلاَ أُواصلُ لا أَسْلو هواها ملالةً ........ وكم آملٍ للوصلِ هامَ وما سَلاَ لها طولُ صدّ للمسهد مؤلم ........ ووصلٌ لهُ طعمٌ أَراهُ مُعَسَّلاَ


وقول أَحمد بن الورد :


علم العدوُّ ملالة اللّوَّام ........ ودوامُ صدّك وهو صدُّ حمامِ لولاكَ ما حدرَ السّهادُ دموعَهُ ........ ولما أَطارَ كراهُ حرُّ أُوامِ ردَّ السَّلام وما عداكَ مسلما ........ وأَراكَ أَهل هواه سرّ كلامِ كم حاسدٍ لكَ أَو مصدّ ودادهُ ........ ومعلّل أَهداهُ طولَ ملامِ


وقول ابن سلام :


وصالُ دعْدٍ أَراهُ حالَ وما ........ أحالَ عهْداً لها مَدَى العُمُر وطالما راحَ وَرْدُهَا حَرَماً ........ مُصارماً للورودِ والصدر


وأبيات الحريري العاطلة حلية هذا النوع ، وهي :


أعدد لحسَّادكَ حدَّ السِّلاح ........ وأورد الآمال ورد السّماحْ وصارمِ اللَّهْوَ ووصل المهَا ........ وأَعمل الكُومَ وسُمْرَ الرِّماحْ واسع لإدراك محلٍّ سَمَا ........ عمادهُ ، لا لادِّرَاع المراحْ والله ما السوددُ حَسْوُ الطلا ........ ولا مراد الحمد ورد وراحْ واهاً لحرّ صدرهِ واسعٌ ........ وهمُّهُ ما سرَّ أَهل الصَّلاحْ مَوْرده حلو لسؤالهِ ........ ومالهُ ما سألوهُ مطاحْ ما أسمع الآمل ردًّا ولا ........ ماطله والمطل لؤم صُرَاحْ ولا أَطاع اللَّهْو لمَّا دعَا ........ ولا كَسَا راحاً لَهُ كأْسَ راحْ سوّده لإصلاحهُ سرَّهُ ........ وردْعهُ أَهواءهُ والطماحْ وحَصَّلَ المدحَ لهُ علمه ........ ما مُهِرَ العور مُهورَ الصحاحْ


وقول الخطيري ، وحروفه لا تنطبق فيها الشفتان :


ها أَنا ذي عاري الجلدْ ........ أَسهرَني الذي رقَدْ آهٍ لعينٍ نظرَتْ ........ إلى غزالٍ ذي غَيَدْ أَريتني يا ناظري ........ صَيْد الغزال للأسَدْ إنَّ الضَنَى لهجرهِ ........ يا عاذِلي هَدَّ الجَسَدْ حَشَا حشاي إذْ نأَى ........ نار الغَضَا حينَ شَرَدْ يا غادراً غادَرَني ........ على لظَى نارٍ تَقِدْ هلاَّ اصطنعت ناحلاً ........ لا يشتكي إلى أَحَدْ


وقوله وفي كلِّ كلمة همزة :


بأَبي أَغيداً أَذابَ فُؤادي ........ إذْ تناءى وأَظهرَ الإعراضا رَشَأٌ يألفُ الجفاء فإن أَقْبَ _ لَ أَبدَى لآمِليهِ انقباضَا


وقول الحريري ، وحروفه معجمة كلّها :


فَتَنَتْنِي فجنتني تَجنِّي ........ بتجنٍّ يفتنُّ غيَّ تجنِّي شَغَفَتْني بجفن ظبي غَضيض ........ غَنج يقتضي تَفَيُّضَ جفني


وقوله ، وهو كلمة مهملة ، وكلمة معجمة :


اسمحْ فبثُّ السَّماح زَيْنُ ........ ولا تُخِبْ آملاً تَضَيَّفْ ولا تُجِزْ ردَّ ذي سؤالٍ ........ فَنَّنَ أَم في السُّؤال خففْ ولا تظنَّ الدُّهورَ تُبْقي ........ مالَ ضَنِينٍ ولوْ تقشَّفْ واحلمْ فجفْن الكرام يُغْضي ........ وصدرُهُمْ في العطاءِ نَفْنَفْ ولا تخنْ عهدَ ذي وِدادٍ ........ ثَبْتٍ ولا تبغِ ما تزيفْ


وقول بعضهم ، وليس فيه حرف متصل بغيره :


زارَ داوُدَ دارَ أَرْوَى ، وأَرْوَى ........ ذاتُ دَلّ إِذا رَأَتْ داوُدَا


ومثله قول أبي الفضل الأَواني :


وَادِدْ أَودَّاءَ وارعَ ذا وَرَعٍ ........ ودَارِ داراً إنْ زاغَ أَوْ دَارَا وزُرْ وَدوداً ذا أَدبٍ ........ وَذَرْ ذرَاه إنْ زَارَ أَوْ زَارَا


ومنه قول بعضهم وهو يجمع حروف المعجم كلها :


صِفْ خَلْقَ خَوْدٍ كمثلِ الشَّمسِ إِذا بَزَغَتْ ........ يَحظَى الضجيعُ بها نجلاء مِعطارَا


وقول أبي جعفر اليزيدي :


ولقدْ شَجتني طَفْلَةٌ بَرَزَتْ ضُحًى ........ كالشَّمسِ خَثماء العظامِ بذِي الغَضَا


وأَحسن منه قول ابن حمديس الصقلي :


مُزَرْفَنُ الصُّدْغِ يسطو لحظهُ عبثاً ........ بالخلقِ جذلان إنْ أَشكُ الهَوَى ضحكَا


وهذا الباب واسع ، والاختصار به أَليق .


وعبد الله بن الزَّبِير - بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة - وهو ابن الأَشيم ابن الأَعشى بن بجرة بن قيس بن منقذ ، ينتهي نسبه إلى أسد بن خزيمة ، وهو شاعر كوفي المنشأ والمنزل ، من شعراء الدولة الأمويَّة ، وكان من شيعة بني أُميَّة ، وذوي الهوى فيهم ، والعصبية لهم ، والنصرة على عدوّهم ، فلمَّا غلب مُصْعًب ابن الزُّبَير رضي الله عنهما على الكوفة أَتى به أسيراً فمنَّ عليه ووَصلَه ، فمدحه وأَكثر ، وانقطع إليه ، فلم يزل معه حتَّى قتل مصعب بن الزُّبَير رضي الله عنه . ثمَّ عمي عبد الله بن الزَّبِير بعد ذلك ، ومات في خلافة عبد الملك بن مروان . وكان عبد الله هذا يكنى أَبا كثير ، وهو أَحد الهَجَّاءين للنَّاس المرهوب شرّهم .


وكان ناس من بني علقمة بن قيس قتلوا رجلاً من بني الأشيم ، من رهط عبد الله بن الزَّبِير دِنْيةً ، فخرج عبد الرحمن ابن أُمّ الحكم وافداً إلى معاوية رضي الله عنه ومعه ابن الزَّبِير ، ورفيقان له من بني أسد ، فقال عبد الرحمن لابن الزَّبِير : خذ من بني عمّك ديتين لقتيلك ، فأبى ابن الزَّبِير - وكان عبد الرحمن يميل إلى أهل القاتل - فغضب عليه عبد الرحمن ، وردَّه عن الوفد من منزل يقال له : فياض ، فخالفه ابن الزَّبِير الطريقَ إلى يزيد بن معاوية ، فعاذ به ، فأعاذه وقام ، وأمره بأن يهجو ابن أُمّ الحكم ، وكان يزيد يبغضه وينتقصه ويعيبه ، فقال فيه ابن الزَّبِير من قصيدة طويلة :


وأَنتم بنو حام بن نوح أَرَى لكمْ ........ شفاهاً كأَذنابِ المشاجرِ وُرَّمَا إن قلتَ خالي من قُرَيْش فلم أَجد ........ من النَّاسِ شرًّا من أَبيكَ وأَلأَما


ولمَّا بلغ عبد الرحمن بن أُم الحكم أنَّ عبد الله بن الزَّبِير هجاه غضب عليه وهدم داره وأحرقها ، فأتى معاوية رضي الله عنه فشكا إليه ، وتظلَّم لديه منه ، وقال : قد أحرق لي داراً قد قامت عليَّ بمائة ألف درهم ، فقال معاوية : ما أعلم داراً بالكوفة أُنفق عليها هذا القدر ، فمن يعرف صحة ما ادعيت ؟ فقال : هذا المنذر بن الجارود حاضر ويعلم ذلك ، فقال معاوية رضي الله عنه للمنذر : ما عندك في هذا ؟ قال : إنِّي لم أأبه لنفقته على داره ومبلغها ، ولكنِّي لمَّا دخلت الكوفة وأردت الخروج عنها أَعطاني عشرين ألف درهم وسألني أن أبتاع له ساجاً من البصرة ففعلت ، فقال معاوية : إنَّ داراً اشترى لها ساج بعشرين ألف درهم لحقيق أن يكون سائر نفقتها مائة ألف درهم ، وأمر له بها ، فلمَّا خرجا أقبل معاوية على جلسائه ثمَّ قال لهم : أيّ الشيخين عندكم أَكذب ؟ والله إنِّي لأعرف داره ، وما هي إلاَّ خصاص قصب ، ولمنَّهم يقولون فنسمع ، ويخادعوننا فنخدع ، فجعلوا يعجبون منه .


وكان عبد الرحمن ابن أُمّ الحكم لمَّا ولي الكوفة أَساءَ بها السِّيرة ، فقدم قادم من الكوفة إلى المدينة المنوَّرة ، فسألته امرأة عبد الرحمن عنه ، فقال لها : تركته يسأل إلحافاً ، وينفق إسرافاً ، وكان محمقاً ، ولاّه معاوية خالُه عدَّةَ أَعمال ، فذمَّه أَهلها وتظلَّموا منه ، فعزله واطرحه ، وقال له : يا بني ، قد جهدت أن أُنَفِّقَكَ وأنت تزداد كساداً ، وقالت له أُخته أُمّ الحكم بنت صخر : يا أَخي ، زوِّجِ ابني بعض بناتك ، فقال : ليس لهنَّ بكفء ، فقالت له : قد زوَّجني أبو سفيان أباه ، وأبو سفيان خير منك ، وأنا خير من بناتك ، فقال : يا أُخية ، إنَّما فعل ذلك أبو سفيان لأنَّه كان حينئذ يشتهي الربيب ، وقد كثر الآن الربيب عندنا فلا نزوِّج إلاَّ الأكفاء . وكان عبد الله بن الزَّبِير قد مدح أَسماء بن خارجة الفزاري بقصيدة طويلة منها :


تراهُ إِذا ما جئتَهُ متهلّلاً ........ كأَنَّكَ تُعطيهِ الذي أَنتَ نائلُهْ ولوْ لمْ يمنْ في كفِّهِ غيرُ روحه ........ لجادَ بها فليتَّقِ الله سائلُهْ


فأَثابه ثواباً لم يَرْضه فغضب وقال يهجوه :


بَنَتْ لكم هندٌ بتلذيعِ بَظْرها ........ دكاكينَ من جص عليها المجالسُ فوالله لولا رَهْزُ هندِ ببظرها ........ لعدّ أَبوها في اللِّئامِ العوابس


فبلغ ذلك أسماء ، فركب إليه واعتذر من فعله بضيقة شكاها ، وأَرضاه ، وجعل له على نفسه في كل سنة وظيفة ، واقتطعه إلى جانبه ، فكان بعد ذلك يمدحه ويفضله ، وكان أَسماء يقول لبنيه : والله ما رأيت جِصًّا في بناء إلاَّ ذكرت بظر أُمّكم هند فخجلت .


ولمَّا ولي مصعب بن الزُّبَير العراق دخل عليه عب بن الزَّبِير الأسدي ، فقال له : إيه يا ابن الزَّبِير أَأَنت القائل :


إلى رجب السَّبعين أَو ذاكَ قبلهُ ........ تصبحكم حمر المنايا وسودها ثمانونَ أَلفاً نصر مروان دينهم ........ كتائب فيها جبرئيل يقودها


فقال : أنا القائل لذلك ، فقال : إنَّ الحقين ليأبى العذرة ، ولو قدرت على جحده لجحدته ، قال : فاصنع ما أنت صانع ، فقال : أمَّا أنا فلا اصنع بك إلاَّ خيراً ، أَحسَنَ إليك قوم فاجتبيتهم وواليتهم ومدحتهم ، ثمَّ أمر له بجائزة وكسوة وردَّه إلى منزله مكرماً ، فكان ابن الزبير بعد ذلك يمدحه ويشيد بذكره ، فلمَّا قتل مصعب اجتمع عبد الله بن الزَّبِير وعبيد الله بن زياد بن ظبيان في مجلس ، فعرف ابن الزَّبِير خبره ، وكان عبيد الله هو الذي قتل مصعباً ، فاستقبله ابن الزَّبِير بوجهه وقال له :


أَبا مطرٍ شَلّتْ يمينٌ تفرعت ........ بسيفك رأسَ ابن الحَوَاريِّ مُصعَب


فقال له ابن ظبيان : فكيف النجاة من ذلك ؟ فقال : لا نجاة ، هيهات ، سَبَقَ السَّيفُ العذَلَ ، وكان ابن ظبيان بعد قتله مصعباً لا ينتفع بنفسه في نوم ولا يقظة ، كان يُهَوَّلُ عليه في منامه فلا ينام ، حتَّى نَحِلَ جسمه ونهك ، فلم يزل كذلك حتَّى مات .


وحدث خالد بن سعيد عن أبيه ، قال : كان عبد الله بن الزبير صديقاً لعمرو بن الزبير بن العوام ، فلما أقامه أَخوه عبد الله ليقتص منه بالغ كل ذي حقد عليه في ذلك وتدسس فيه من يتقرب إلى أخيه ، وكان أَخوه لا يسأل من ادعى عليه شيئاً بينة ، ولا يطالبه بحجة ، وإنما يقبل قوله ثمَّ يدخله إلى السجن ليقتص منه ، فكانوا يضربونه والقيح ينضح من ظهره وأكتافه على الأرض والحيطان مما يمر به ، ثمَّ أمر بأن ترسل عليه الجُعْلانُ فكانت تدب عليه فتثقب لحمه وهو مقيد مغلول يستغيث فلا يغاث حتَّى مات على تلك الحالة ، فدخل الموكل به وهو يبكي على أخيه عبد الله بن الزبير وفي يده قدح لبن يريد أن يتسحر به ، فقال له : ما لك ؟ أمات عمرو ؟ قال : نعم ، قال : أَبعده الله ! وشرب اللبن ، ثمَّ قال : لا تغسلوه ولا تكفّنوه وادفنوه في مقابر المشركين ، فدفن ، فقال ابن الزبير يرثيه ويؤنب أخاه بفعله ، وكان له صديقاً وخلاًّ ونديماً :


أَيا راكِباً إما عرضت فبلغن ........ كبيرَ بني العوَّام إن قلت من تَعْني ستعلم إنْ جالَتْ بكَ الحربُ جولةً ........ إِذا فَوَّقَ الرَّامونَ أَسهم من تغني فأصبَحَتِ الأرحام حينَ وليتها ........ بكفَّيكَ أَكْراشاً تجرّ على دِمْنِ عقدتم لعمرٍو عقدةً وغدرتُمُ ........ بأَبيضٍ كالمصباحِ في ليلَةِ الدَّجْنِ وكَبَّلْته حولاً يجودُ بنفسِهِ ........ تَنوءُ بهِ في ساقِهِ حلق اللَّبْنِ فما قالَ عمرٌو إذْ يجودُ بنفسِهِ ........ لضاربهِ حتَّى قضى نحبَهُ دعني


في أبيات أُخر أعرضت عن ذكرها حفظاً لمقام عبد الله بن الزبير وصحبته . وحدث العبسي قال : لما قتل عبد الله بن الزُّبير صلب الحجاج جسمه وبعث برأسه إلى عبد الملك فجلس على سريره وأذن للناس ، فدخلوا عليه ، وقام عبد الله بن الزَّبِير فاستأذنه في الكلام ، فقال له : تكلم ولا تقل إلاَّ خيراً ، وتوخ الحقّ فيما تقوله ، فأنشأ يقول :


مَشَى ابن الزبير القَهْقَرى فتقدمت ........ أُميَّةُ حتَّى أَحرزوا القَصَبَاتِ وجئت المَعالي يا ابن مروان سابقاً ........ أَمام قريشٍ تبغض الغَدراتِ فلا زلتَ سبَّاقاً إلى كلِّ غايةٍ ........ من المجدِ نجاء من الغَمَرَاتِ


فقال له : أَحسنت فسَلْ حاجتك ؟ فقال : أَنت أَعلى عيناً بها وأَرحب صدراً يا أمير المؤمنين ، فأَمر له بعشرين ألف درهم وكسوة ، ثمَّ قال له : كيف قلت ؟ فذهب يعيد الأَبيات ، فقال له : لا ، ولكن أبياتك في المحل فيَّ وفي الحجاج التي قلتها ، فأَنشده :


كأنِّي بعبد الله يركبُ ردْعَهُ ........ وفيه سنانٌ زاعبيٌّ مجرَّبُ وقد فرَّ عنهُ الملحدونَ وحَلَّقَتْ ........ به وبِمَنْ آساهُ عَنْقَاء مُغْربُ تَوَلَّوْا فخلَّوْهُ فشالَ بشلْوِهِ ........ طويلٌ من الأَجذاعِ عارٍ مشَذَّبِ بكفَّيْ غلامٍ من ثقيفٍ نمت به ........ قريش وذو المجد التَّليدِ مُعَقَّبُ


فقال له عبد الملك بن مروان : لا تقل غلام ، ولكن همام ، وكتب له الحجاج بعشرة آلاف درهم أُخرى . ودخل عبد الله بن الزَّبير على بشر بن مروان وعليه ثياب كان بشر خلعها عليه ، وكان بشر قد بلغه عنه شيء يكرهه فجفاه ، فلمَّا وصل إليه ووقف بين يديه وجعل يتأمَّل مَنْ حواليه من بني أُميَّة ويجيل نظره فيهم كالمتعجّب من جمالهم وهيئاتهم ، فقال له بشر : نظرك يا ابن الزبير يدلُّ على أنَّ وراءه قولاً ، فقال : نعم ، قال : قل ، فقال :


كأَنَّ بني أُميَّة حول بشر ........ نجومٌ وَسْطها قمر مُنيرُ هو الفرعُ المقدَّمُ من قريشٍ ........ إِذا أَخذَت مآخذها الأُمورُ لقدْ عمَّتْ نوافلهُ فأَضحَى ........ غنيًّا من نوافلهِ الفقيرُ جبرتَ مَهيضنَا وعَدَلتَ فينا ........ فعاشَ البائسُ الكلُّ الكبيرُ فأَنتَ الغيث قد علمت قريش ........ لنا والواكفُ الجَوْنُ المَطِيرُ


فأَمر له بخمسة آلاف درهم ورضي عنه .


وعن عبد الله بن عباس قال : أخبرني بعضُ مشْيخة بني أسد أنَّ ابن الزُّبير لمَّا قَفَلَ من قتال الأَزارقة بعث بعثاً إلى الري ، قال : فكنت فيه ، وخرج الحجاج إلى القنطرة - يعني قنطرة الكوفة التي بزيارة - ليعرض الجيش ، وجعل يسأل عن رجل رجل مَنْ هو ، فمرَّ به ابن الزَّبير فسأله من هو ، فأخبره ، فقال له : أنت الذي تقول :


تخيَّرْ فأمَّا أَن تزورَ ابن ضابئ ........ عُمَيْراً وإمَّا أَنْ تَزُور المهلَّبَا


فقال : بلى أَنا الذي أَقول :


أَلمْ تَرَ أَنِّي قدْ أَخَذْتُ جعيلة ........ وكنتُ كمنْ قادَ الحَبيب فأَسْمَحَا


فقال له الحجاج : ذلك خير لك ، فقال :


وأَوقدت للأَعْداء يا ميّ فاعْلَمِي ........ بكلِّ سُرًى فلمْ أَرَ مجْمحَا


فقال له الحجاج : قد كان بعض ذلك ، فقال :


ولا يعدمُ الدَّاعِي إلى الخَيْرِ تابِعاً ........ ولا يَعْدَمُ الدَّاعِي إلى الشَّرِّ مجدحاً


فقال له الحجاج : إنَّ ذلك كذلك ، فامض إلى بَعْثك ، فمضى إلى بعثه ، فمات بالري .


"بسم الله الرحمن الرحيم"


"وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم"


إِذا أنتَ لم تُنْصِفْ أَخاكَ وجدْتَهُ ........ على طَرَفِ الهِجْرانِ إِنْ كانَ يَعْقِلُ ويرْكبُ حَدَّ السَّيفِ منْ أن تَضيمَهُ ........ إِذا لم يكن عن شَفْرَةِ السَّيفِ مَزْحَلُ


البيتان لمعن بن أوس المزني ، من قصيدة من الطويل ، قالها في صديق يستعطفه ، وكان معن متزوّجاً بأخته فطلقها ، فأقسم أن لا يكلمه ، وأولها :


لَعمرُكَ ما أدْري وإنِّي لأوْجَلُ ........ على أيُّنا تعْدو المنيةُ أوَّلُ وإنِّي أخوك الدائم العهدِ لم أحُلْ ........ إنَ ابْزاكَ خصمٌ أو نَبا بك منزلُ أحاربُ من حاربْتَ من ذي عداوةٍ ........ وأحبسُ مالي إن غَرِمْتَ فأعقِلُ وإن سُؤْتَني يوماً صفحت إلى غدٍ ........ ليُعقب يوماً منك آخرُ مُقْبِلُ كأنك تَشْفي منك داءً مساءتي ........ وسُخطي وما في رَيْثَتي ما تَعَجَّلُ وإني على أشياء منك تَريبُني ........ قديماً لذو صَفْحٍ على ذاك مُجْمَلُ سَتقطعُ في الدُّنيا إِذا ما قَطَعْتَني ........ يمينَكَ فانظرْ أيَّ كفٍّ تبدّلُ وفي الناس إنْ رَثّتْ حبالُكَ واصِلٌ ........ وفي الأرض عن دارِ القِليَ مُتَحَوّلُ


وبعده البيتان ، وبعدهما :


وكنتُ إِذا ما صاحبٌ رام ظِنتي ........ وبدّل سوءاُ بالذي كنتُ أفعلُ قَلَبْتُ لهُ ظَهْرَ المِجَنِّ فلم أدُمْ ........ على ذاكَ إلاَّ رَيثما أتحوّلُ إِذا انْصَرفَتْ نفسي عن الشيءِ لم تكدْ ........ إليهِ بوجهٍ آخرَ الدهر تُقبلُ


وهذا البيت الأخير ، مثل قول حسان بن ثابت ، رضي الله عنه :


إِذا انصرَفتْ نفسي عن الشيءِ مرّةً ........ فلستُ عليهِ آخرَ الدَّهرِ مُقبلا


وشفرة السيف : حده ، والمَزْحل - بالزاي المعجمة والحاء المهملة - من زحل عن مكانه زحولاً إِذا تنحى وتباعد ، والمزحل : مصدر بمعنى الزحول ، ومعناه : أنه لا يبالي أن يركب من الأمور ما يؤثر فيه تأثير السيف مخافة أن يدخل عليه ضيم ، أو يلحقه هضم ، أو احتقار ، متى لم يجد عن ركوبه مبعداً ولا معدلاً .


والشاهد فيهما : سرقة الشعر المذمومة ، وهي : أن يؤخذ اللفظ كله من غير تغيير لفظه ، ويسمى نسخاً وانتحالاً .


حكي أن عبد الله بن الزَّبير دخل على معاوية ، فأنشده هذين البيتين ، فقال : لقد شَعرتَ بعدي يا أبا بكر ، ولم يفارق عبد الله المجلس حتَّى دخل معنُ ابن أوس ، فأنشد القصيدة ، وفيها البيتان المذكوران ، فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير ، وقال له : ألم تخبرني أنهما لك ؟ فقال : اللفظ له ، والمعنى لي ، وبعدُ فهو أخي من الرضاعة ، وأنا أحق بشعره .


ومن السرقة المذمومة أن يبَدّل بالكلمات كلها أو بعضها ما يرادفها ، كما يقال في قول الحطيئة :


دَعِ المكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيتها ........ واقْعُد فإنكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي ذَدِ المآثرَ لا تذْهَبْ لِمَطْلَبِها ........ واجلس فإنكَ أنتَ الآكل الكاسي


وكقول امرئ القيس :


وُقوفاً بها صحبي عَليَّ مَطِيَّهُمْ ........ يقولون لا تهلكْ أسًى وتجمَّلِ


وقد أورده طرفة في داليته ، إلاَّ أنه أقام تجلد مقام تحمل .


وكقول العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه :


وما الناسُ بالناسِ الذينَ عهدتَهُمْ ........ ولا الدَّارُ بالدَّارِ التي كنتَ تعلمُ


فأورده الفرزدق في شعره ، إلاَّ أنه أقام تعرف مقام تعلم


وقريب من هذا أن يبدل بالألفاظ ما يضادّها في المعنى ، مع رعاية النظم والترتيب ، كقول ابن أبي فنن :


ذَهَبَ الزمانُ برهط حسّان الأولى ........ كانَتْ مَناقبهم حديثَ الغابرِ وبقيتُ في خَلْفٍ تحلُّ ضيوفُهُمْ ........ فيهمْ بمنزلهِ اللئيم الغادِرِ سودُ الوُجوهِ لَئيمةٌ أحسابهمْ ........ فُطْسُ الأُنوفِ من الطرازِ الآخرِ


فإنه عكس قول حسان بن ثابت الأنصاري :


بيض الوُجوه كريمةٌ أحسابهم ........ شُمّ الأنوف من الطراز الأوّلِ


وهي من أبيات يمدح بها أولاد جَفْنَة ، وهو ملوك الشام :


أولادُ جفنةَ حوْلَ قبْرِ أبيهمُ ........ مثلُ النجومِ تُجاهَ بدرٍ أكمل يُغْشَوْنَ حتَّى ما تهرُّ كلابهم ........ لا يَسألونَ عن السَّوادِ المقبلِ يسقونَ مَن وَرَدَ البريصَ عَليهمُ ........ بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرّحيقِ السلسلِ


وأخذ قوله وبقيت في خلف من قول لبيد :


ذهَبَ الذين يُعاشُ في أكنافهمْ ........ وبقيتُ في خَلْفٍ كجلدِ الأجْرَبِ


وعلى ذكره فما أحسن قول السراج الوراق :


زعموا لبيداً قالَ في عصرٍ لهُ ........ وبقيتُ في خلفٍ كجلدِ الأجرَبِ وأراهُ أعدَى خلفهُ من خلفهِ ........ جَرَباً وأعيا الدّاء كلَّ مُجرِّبِ وتضاعفَ الجربُ الذي عدواهُ لا ........ تنفكُّ عن ماضٍ ولا متعقِّبِ وتفاقمَ الداءُ العُضالُ فخلفنا ........ بلغَ الجذامَ وعصرنا عصرٌ وَبي


وليت شعري ماذا يقول الناظم أو الناثر في عصرنا هذا والخلف الذي فيه ، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله .


وما أحلى قول بدر الدين يوسف مهمندار العرب :


كنا إِذا جئنا لمنْ قبلكم ........ أنصفَ في الترحيبِ بعدَ القيامْ والآنَ صِرْنا حينَ نأتيكمُ ........ نقنعُ منكم بلطيفِ الكلامْ لا غيَّرَ اللهُ بكمْ خشيةً ........ من أن يجي من لا يرُدّ السلامْ


وسرقة الشعر مذمومة ، حتَّى قال فيها الحريري ، في إحدى مقاماته : واستراق الشعر عند الشعراء ، أفظع من سرقة البيضاء والصفراء ، وغيرتهم على بنات الأفكار ، كغيرتهم على البنات الأبكار .


وأول من ذم ذلك طَرَفة بقوله :


ولا أُغيرُ على الأشعارِ أسْرِقها ........ عنها غَنيتُ ، وشرُّ الناسِ من سَرَقا


وأبو تمام الطائي ضجَّ من سرقة محمد بن يزيد الأموي شعره ، فقال :


مَنْ بنو بحدل من ابنُ الحبابِ ........ من بنو تغلب حُداةُ الكلابِ مَنْ طُفيل وعامرٌ ومَن الحا _ رِثُ أو مَنْ عُتَيبة بن شِهابِ إنما الضيغم الهصورُ أبو الأش _ بالِ جبَّارُ كل خيسٍ وغابِ من عَدَت خيلهُ على سَرْحِ شعري ........ وهوَ للحَيْن راتعٌ في كتابي غارَة أسخَنتْ عيونَ المعاني ........ واستباحت محارم الآدابِ لو تَرى منطقي أسيراً لأصبح _ تَ أسيراً لعبرةٍ وانتحابِ يا عَذارَى الأشعار صِرتنّ من بع _ دي سَبايا تُبعنَ في الأعرابِ طالَ رَغبي إليكَ يا ربِّ يا رَ _ بِّ ورَهبي لديكَ فاحفظ ثيابي


وكان البحتري قال قصيدةً ، في أبي العباس بن بسطام ، أولها :


مَن قائل للزمان ما أرَبُهْ ........ في خُلُقٍ منهُ قد بَدا عَجبهْ


فعارضهُ فيها أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بقصيدة ، يمدح بها الموفق أولها :


أجدّ هذا المقال أم لعبهْ ........ أم صدق ما قيل فيه أم كذبه


فاستعارَ من ألفاظها ومعانيها ما أوجبَ أن قال البحتري فيه :


ما الدهرُ مستنفد ولا عجبه ........ تسومنا الخسفَ كلهُ نوبهْ نالَ الرضى مادحٌ وممتدحٌ ........ فقل لهذا الأمير ما غضبُهْ أجلى لصوصَ البلاد يطردهمْ ........ وظلّ لِصَّ القريض ينتهبهْ أُردُد علينا الذي استعرت وقل ........ قولكَ يعرفْ لغالب غَلبُهْ


وقد ذم ابن الرومي البحتري بالسرقة ، فقال :


قبحاً لأشياء يأتي البحتريّ بها ........ من شعره الغثِّ بعد الكدِّ والتعب كأنها حينَ يُصْغي السامعون لها ........ ممن يُمَيزُ بين النَّبْع والغَرَب رُقى العقارب أو هذرُ البُناة إِذا ........ أضحوا على شُعَبِ الجدران في صَخَبِ سمينُ ما انتحلوهُ من هنا وهنا ........ والغثّ منه صريحٌ غيرُ مؤتشبِ يسيءُ عفاً فإن أكدت مسائلهُ ........ أجادَ لصًّا شديد البأس والكلبِ حيٌّ يغيرُ على الموتى فيسلبهمْ ........ حُرّ الكلام بجيشٍ غير ذي لَجَبِ ما إن تزال تراهُ لابساً حُللاً ........ أسلابَ قومٍ مضوا في سالف الحِقَبِ شِعرٌ يغير عليهِ باسلاً بَطَلاً ........ فينشدُ الناسَ إياه على رَقَبِ حتَّى إِذا كفّ عن غاراته فلهُ ........ شعر يئنُّ مُقاسيه من الوَصَبِ شعر كنافض حُمَّى الخيبري لهُ ........ بردٌ وكربٌ فمن يرويه في كَربِ قل للعلاء أبي عيسى الذي نصلت ........ به الدواهي نصول الأل في رجبِ أيسرِقُ البحتريُّ الناسَ شعرهمُ ........ جهراً وأنتَ نكالُ اللصّ ذي الرّيبِ وتارَةً يترز الأرواحَ مَنطقهُ ........ والخلقُ ما بين مقتولٍ ومغتصبِ نكلهُ إن أُناساً قبله رَكبوا ........ بدون ما قد أتاهُ باسقَ الخشبِ إِذا أجاد فأوْجِبْ قطعَ مِقْوَلِهِ ........ فقد رَمَى شعراء الناس بالحَرَب وإن أساء فأوجِبْ قَتْله قَوَداً ........ بمَنْ أماتَ إِذا أبقَى على السَّلَبِ


ولا يخفى على ذي لب ما في هذه الأبيات من التشنيع على البحتري والانتقاص من حقه ، وفيه يقول ابن الحاجب أيضاً :


والفتى البحتريُّ سارقُ ما قا _ لَ ابنُ أوسٍ في المدح والتَّشْبيبِ كلُّ بيتٍ له يجود مَعْنا _ هُ فمعناه لابن أوسٍ حبيبِ


وللسري الرفاء من قصيدة خاطب فيها أبا الخطاب المفضل بن ثابت الضبي ، وقد سمع أن الشاعرين الخالدين يريدان الرجوع إلى بغداد ، وذلك في أيام الوزير المهلبي :


بكَرتْ عليك مُغيرةُ الأعرابِ ........ فاحفظ ثيابَكَ يا أبا الخطابِ وردَ العراقَ ربيعةُ بن مُكَدِّمٍ ........ وعُتيبةُ بن الحارثِ بن شهابِ أفعندنا شك بأنهما هما ........ في الفتْكِ ، لا في صحة الأنسابِ جَلَبا إليك الشعر من أوطانه ........ جَلَب التجار طرائفَ الأجْلابِ فبدائعُ الشُّعراءِ فيما جَهَّزا ........ مَقْرونة بغرائب الكُتَّابِ شنَّا على الآداب أقبَحَ غارةٍ ........ جرحتْ قلوبَ محاسن الآداب فحذارِ من حركات صِلَّيْ قَفْرَةٍ ........ وحذارِ من وثبات ليْثَيْ غابِ لا يَسْلبان أخا الثراء ، وإنما ........ يتناهبانِ نتائج الألبابِ إنْ عزَّ موجود الكلامِ عليهما ........ فأنا الذي وقفَ الكلامُ ببابي أو يهْبِطا من ذِلَّةٍ فأنا الذي ........ ضُربتْ على الشرف المطلِّ قِبابي كم حاولا أمَدي فطال عليهما ........ أن يُدْركا إلاَّ مُثارَ تُرابي عَجَزا ولن تقفَ العبيدُ إِذا جرتْ ........ يومَ الرهانِ مواقفَ الأربابِ ولقد حميْتُ الشعرَ وهوَ لمعْشَرٍ ........ رمم سِوى الأسماء والألقابِ وضرَبْتُ عنهُ المدَّعينَ وإنما ........ عن حَوْزَةِ الآداب كان ضِرابي فغدَتْ نبيطُ الخالديةِ تدَّعي ........ شعري وترْفُل في حَبيرِ ثيابي قومٌ إِذا قصدوا الملوكَ لمطْلَبٍ ........ نُقضت عمائمهُم على الأبوابِ من كل كَهْل تستطيرُ سبالهُ ........ لوْنين بين أنامل البوابِ مُغْضٍ على ذلّ الحجاب يرُده ........ دامي الجبين تجهُّمُ الحجاب ومُفَوَّهين تعرَّضا لِحرابتي ........ فتعرضت لهما صدورُ حِرابي نظرا إلى شعري يروق فترَّبا ........ منهُ خدود كواعبٍ أترابِ شرباهُ فاعترَفا له بعذوبةٍ ........ ولرُبَّ عذْب عادَ سوطَ عذابِ في غارةٍ لم تنْثلم فيها الظُّبا ........ ضرْباً ولم تنْدَ القنا بخضاب تركَتْ غرائبَ منْطِقي في غُرْبة ........ مسْبِيَّةً لا تهتدي لإيابِ جَرْحى وما ضُربتْ بحدّ مُهنَّدٍ ........ أسْرى وما حُمِلَتْ على الأقتابِ لفظ صقلْتُ مُتونه فكأنه ........ في مُشْرِقات النَّظْمِ درُّ سحابِ وكأنما أجرَيْتُ في صفحاته ........ حُرّ اللُّجَيْنِ وخالص الزِّرْيابِ أغرَيت في تحْبيرهِ فرُواتُهُ ........ في نُزْهةٍ منهُ وفي استغْراب وقطعتُ فيه شبيبة لم تشتغل ........ عن حُسْنه بصباً ولا بتصابي وإذا ترَقْرَق في الصَّحيفة ماؤه ........ عبقَ النسيمُ فذاك ماء شبابي يُصغي اللَّبيبُ له فيقسمُ لبَّه ........ بين التعجُّب منه والإعجاب جِدّ يطير شَرارُهُ ، وفكاهة ........ تستعطفُ الأحبابَ للأحبابِ أعززْ علي بأن أرى أشْلاءهُ ........ تَدْمى بظُفْر للعدو وناب أفنٌ رَماه بغارةٍ مأفونةٍ ........ باعتْ ظِباء الروم في الأعرابِ إني أُحذِّر من يقول قصيدةً ........ غرَّاء خِدْنَيْ غارةٍ ونهابِ إني نَبَذْتُ على السَّواء إليكما ........ فتأهَّبا للقادح المنتابِ وإذا نبذْتُ إلى امرئٍ ميثاقهُ ........ فليستعدَّ لسطوَتي وعقابي


وهي طويلة متناسبة في الحسن والعذوبة .


وله من قصيدة يمدح بها أبا البركات لطف الله بن ناصر الدولة ويتظلم إليه من الخالديين وقد ادعيا شعره ومدحا به المهلبي وغيره :


يا أكرمَ الناسِ إلاَّ أن يعُدَّ أباً ........ فاتَ الكرامَ بآباءِ وآثارِ أشكو إليكَ حَليفَيْ غارةٍ شَهَرا ........ سيفَ الشِّقاق على إنتاج أفكاري ذئْبين لو ظفرا بالشِّعر في حرم ........ لمزَّقاه بأنياب وأظفار سلاَّ عليه سيوفَ البَغْي مُصْلَتَةً ........ في جحْفل من شنيع الظُّلم جَرَّارِ وأرْخصاه فقلْ في العطر مُمتهناً ........ لديهما يُشترَى من غير عطارِ لطائمُ المِسك والكافور فائحةٌ ........ منهُ ومُنْتَخب الهِنْدِيِّ والغار وكلّ مُسْفرة الألفاظ تحسبها ........ صحيفةً بين إشراق وإسفار أرقتُ ماءَ شبابي في محاسنها ........ حتَّى ترَقرق فيها ماؤها الجاري كأنها نفَسُ الريحانِ تمزجُه ........ صبا الأصائل من أنفاس نَوّارِ إن قَلَّداك بدُرٍّ فهو من لُجَجي ........ أو ختَّماك بياقوتٍ فأحجاري باعا عرائسَ شِعري بالعراق فلا ........ تبْعَد سباياه من عونٍ وأبكار مجهولةَ القدْرِ مظلوماً عَقائلُها ........ مقسومةً بين جُهَّال وأغمارِ ما كان ضَرَّهُما والدرُّ ذو خَطَرٍ ........ لو حلَّياه ملوكاً ذاتَ أخطارِ وما رأى الناسُ سبياً مثلَ سبيهما ........ بيعتْ نفيستهُ ظلماً بدينار والله ما مدَحا حيٍّا ولا رثيا ........ مَيْتاً ولا افْتَخَرا إلاَّ بأشعاري هذا وعنديَ من لفظٍ أُشَعْشِعُه ........ سُلافَةً ذاتَ أضواءٍ وأنوارِ كريمةً ليس من كَرْم ولا التثمت ........ عَروسُها بِخمارٍ عند خمَّارِ تنشا خلالَ شِغافِ القلب إن نشأت ........ ذاتُ الحَباب خِلال الطِّين والقار لم يبقَ لي من قريض كان لي وزَراً ........ على الشَّدائد إلاَّ ثقْلُ أوزاري أراهُ قد هُتكت أستارُ حُرْمتِهِ ........ وسائر الشعر مستوراً بأستار كأنه جَنَّةٌ راحت حدائِقُها ........ من الغبِيَّيْنِ في نارٍ وإعْصار عارٍ من النَّسب الوَضَّاح مُنْتَسب ........ في الخالديين بين العُرّ والعار


وله من قصيدة في أبي إسحاق الصابي ، وقد ورد عليه كتاب الخالديين بأنهما منحدران إلى بغداد في سرعة :


قد أظلَّتْك يا أبا إسحاق ........ غارةُ اللَّفظ والمعاني الرقاق فاتخذْ مَعْفِلاً لشعرك يَحمي _ هِ مُروقَ الخوارِج المرَّاق قبل رقْراقة الحديد تريق السُّ _ مَّ في صفْو مائه الرَّقْراق كانَ شنُّ الغارات في البلد القفْ _ ر فأضحى على سَرير العراق غارة لم تكن بسُمْر العوالي ........ حين شُنَّتْ ولا السيوف الرِّقاق جالَ فُرْسانُها عليَّ جُلوساً ........ لا أقلّتْهُمُ ظهورُ العتاق فجعتْ أنفُسُ الملوك أبا الهيْ _ جاء حرباً بأنْفُسِ الأعلاق بقوافٍ مثلِ الرياض تمشَّتْ ........ بين أنوارها جياد السَّواقي بدَع كالسيوف أُرْهِفْنَ حُسناً ........ وسقاهُنَّ روْنقَ الطبع ساقي مشرقات تُريك لفظاً ومعْنًى ........ حُمْرةَ الحلْي في بياض التّراقي يا لها غارةً تُفَرّقُ في الحوْ _ مةِ بين الحَمامِ والأطواقِ تَسِمُ الفارس المقدَّم بالغا _ رِ وبعضُ الأقدام عارٌ باقي لو رأيتَ القريض يُرْعَدُ منها ........ بين ذاك الإرعاد والإبراقِ وقلوب الكلام تخفق رُعْباً ........ عن تَثَنِّي لوائها الخفاق وسيوفَ الضلالِ تفْتِكُ فيها ........ بعذارى الطُّروس والأوراق والوجوهَ الرِّقاق داميةَ الأبْ _ شارِ في معرك الوُجوه الصِّفاق لتنفَّسْتَ رحمةً للخدود ال _ حُمْر منهُنّ والقدود الرِّشاق والرياض التي ألحَّ عليها ........ كاذِبُ الوَدْق صادقُ الإحراق والنجوم التي تظلُّ نجوم ال _ أرض حُسَّادَها على الإشراق بعد ما لُحْنَ في سماء المعالي ........ طُلّعاً وانْتَثَرْن في الآفاق وتخيَّرْتُ حلْيَهُنَّ فلم يع _ د خيار النحور والأعناق وقطعتُ الشبابَ فيه إلى أن ........ همَّ بُرْدُ الشباب بالأخلاق فهوَ مثلُ المدامِ بين صفاء ........ وبهاءٍ ونفحةٍ ومذاق منطق يُخْجِلُ الرّبيعَ إِذا حلَّ ........ عليه السحابُ عقْدَ نِطاق يا هلالَ الآداب يا ابن هلالٍ ........ صرَفَ الله عنك صَرْفَ المِحاق سوف أُهْدي إليك من خدَم المج _ د إماءً تعافُ قُبْحَ الأباق كلَّ مطبوعةٍ على اسمك بادٍ ........ وَسْمُها في الجِباه والآماق


وما اشتملت عليه القصيدة وما قبلها من الرقة والانسجام وحسن الأسلوب وجودة السبك يمهد العذر في الإطالة بهما ، مع ما فيهما من التزيد من السرى وكثرة التشنيع على الخالديين وسلبهما من التحلي بالآداب ، إذْ مقامهما فيه مشهور ، ومحلهما منه على الألسنة مشكور ومذكور ، وناهيك بأبي إسحاق الصابي نقداً للأدب ، وقد قال فيهما مادحاً :


أرى الشاعِرَيْن الخالديَّيْن سيَّرا ........ قصائد يَفنى الدهرُ وهيَ تخلُّدُ جواهر من أبكار لفظ وعونهِ ........ يُقصِّرُ عنها راجزٌ ومُقصِّدُ تنازَعَ قومٌ فيهما وتناقضوا ........ ومرَّ جِدالٌ بينهم يترَدَّدُ فطائفة قالت : سعيدٌ مقدّمٌ ........ وطائفة قالت لهم : بل محمدُ وصاروا إلى حُكمي فأصلحتُ بينهم ........ وما قلتُ إلاَّ بالتي هي أرشدُ هُما في اجتماع الفضلِ زوْجٌ مؤلف ........ ومعناهما من حيث يثبت مفردُ كذا فرْقدا الظلماء لما تشاكلا ........ عُلاً أشكلا هل ذاك أم ذاك أحمدُ فزوْجهما ما مثله في اتِّفاقِهِ ........ وفرْدُهما بين الكواكب أوْحدُ فقاموا على صلحٍ وقالوا جميعهم : ........ رَضينا ، وساوى فرْقدَ الأرض فرْقدُ


وما أحسن وأعدل هذه الحكومة من أبي إسحاق ، فما منهما إلاَّ محسن ينظم في سلك الإبداع ما فاق وراق ، ويكاثر ببدائعه ومحاسنه الأفراد من الشام والعراق وقد مر في أثناء هذا المؤلف من بديع عجائبهما ، ورفيع صنائعهما ، ما يحق له أن يكتب بالنضار واللجين ، على آماق العين .


ومعن هو ابن أوس بن نصر بن زيادة بن أسحم ، ينتهي نسبه إلى مزينة ، وهي امرأة ، وأبوها كلب بن وبرة ، وأبو بني مزينة عمرو بن أدبن طابخة ابن إلياس بن مضر بن نزار ، وهو شاعر مجيد فحل ، من مخضرمي الجاهلية والإسلام ، وله مدائح في جميع أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم ورضي عنهم ، وقد وفد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستعيناً به على بعض أمره ، وخاطبه بقصيدته التي أولها :


تأوَّبهُ طيفٌ بذات الجراثم ........ فنام رفيقاه وليس بِنائمِ


وعُمِّر بعد ذلك إلى أيام الفتنة بين عبد الله بن الزبير وبين مروان بن الحكم .


وحدث محجن الخزاعي قال : كان معاوية يُفَضِّل مزينة في الشعر ، ويقول : كان أشعر الجاهلية منهم وهو زهير وكان أشعر أهل الإسلام منهم وهو ابنه كعب ومعن بن أوس .


وحدث العتبي قال : كان معن بن أوس مئناثاً ، وكان يحسن صحبة بناته وتربيتهن ، فولد لبعض عشيرته بنت ، فكرهها ، وأظهر جزعاً من ذلك ، فقال معن :


رأيتُ رجالاً يَكرَهونَ بناتهم ........ وفيهنَّ لا تُكذَبْ نساءٌ صَوالحُ وفيهنَّ والأيام تعثرُ بالفَتى ........ نَوادِبُ لا يمللنهُ ونَوائحُ


وحدّث أبو سعيد عمرو والزبيدي ، قال : كانت لمعن بن أوس امرأة يقال لها ثور ، وكان لها محباً ، وكانت حضرية نشأت في الشام ، وكانت في معن أعرابية ولوثة ، فكانت تضحك من عَجْرَفته ، فسافر إلى الشام في بعض أعوامه فضلّتِ الرفقة عن الطريق ، وعدلوا عن الماء ، فطووا منزلهم ، وساروا يومهم وليلتهم ، فسقط فرس معن في وِجار ضبّ : سقطت يده فيه ، فلم يستطع الفرس أن يقوم من شدة العطش حتَّى حمله الرفقة حملاً فأنهضوه ، وجعل معن يقوده ، ويقول :


لو شهِدَتْني وَجوادي ثورُ ........ والرأسُ فيه مَيَلٌ ومورُ لضحكتْ حتَّى يميلَ الكورُ


وحدّث العتبيُّ قال : قدم معن بن أوس مكة على ابن الزبير ، فأنزله دار الضيفان ، وكان ينزلها الغرباء وأبناء السبيل والضيفان ، فأقام يومه لم يطعم شيئاً ، حتَّى إِذا كان الليل جاءهم ابن الزبير بتَيْس هرم هَزيل ، فقال : كلوا من هذا ، وهم نيف وسبعون رجلاً ، فغضب معن ، وخرج من عنده . فأتى عبد الله ابن عباس ، فقراه وحمله وكساه . ثمَّ أتى عبد الله بن جعفر وحدثه حديثه فأعطاه حتَّى أرضاه ، وأقام عنده ثلاثة أيام ثمَّ رحل ، وقال يهجو عبد الله بن الزبير ويمدح عبد الله بن جعفر وابن عباس ، رضي الله عنهم :


ظللنا بمستنّ الرياح غُدَيَّةً ........ إلى أن تعالى اليومُ في شرِّ محضرِ لدَى ابن الزبير جالسين بمنزلٍ ........ من الخير والمعروف والرّفدِ مُقْفِرِ رَمانا أبو بكرٍ وقد طالَ يومنا ........ بتيسٍ من الشاء الحجازيّ أعفَرِ وقالَ اطعموا منهُ ونحنُ ثلاثة ........ وسبعونَ إنساناً فيا لؤمَ مخبرِ فقلتُ لهُ : لا تقرَبَنْ فأمامنا ........ جفانُ ابن عباس العلا وابن جعفرِ وكن آمناً وارْفُقْ بتيسكَ إنه ........ له أعنز ينزو عليها وأبشرِ


وحدَّث محمد بن معاوية الأسدي ، قال : قدم معن بن أوس المزني البصرة ، فقعد ينشد في المربد ، فوقف عليه الفرزدق ، فقال : يا معن ، من الذي يقول :


لعمركَ ما مزينة رَهطُ معنٍ ........ بأخفافِ يَطأنَ ولا سنامِ


فقال معن : أتعرف يا فرزدق الذي يقول :


لَعمرُكَ ما تميمٌ أهلُ فلجٍ ........ بأرْداف الملوك ولا كِرامِ


فقال له الفرزدق : حسبك ، فإنما جَرّبتك . قال : جرّبت وأنت أعلم ، فانصرف وتركه .


وحدّث الأصمعي ، قال : دخلت خضراء روح ابن حاتم المهلبي ، فإذا أنا برجل من ولده على فاحشة يوماً ، فقلت : قبحك الله ! هذا موضع كان أبوك يضرب فيه الأعناق ويعطي اللُّها ، وأنت تفعل فيه ما أرى ، فالتفت إليَّ من غير أن يزول عنها ، وقال :


وَرِثنا المجدَ من آباء صدقِ ........ أسأنا في دِيارهمُ الصنيعا إِذا الحسبُ الرفيعُ تَواكلتهُ ........ بناةُ السوء أوشَكّ أن يضيعا


قال : والشعر لمعن بن أوس المزني .


وحدّث الحرمازي ، قال : سافر معن بن أوس إلى الشام ، وخلف ابنته ليلى في جوار عمرو بن أبي سلمة ، رضي الله عنهما ، وفي جوار عاصم ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، فقال به بعض عشيرته : من خلفت على ابنتك ليلى بالحجاز ، وهي صبية ، ليس لها من يكفلها ؟ فقال معن له :


لعمركَ ما ليلى بدار مضيعةٍ ........ وما شيخها إنْ غاب عنها بخائِفِ وإنَّ لها جارَين لنْ يغدرا بها ........ رَبيبَ النبيَّ وابنَ خير الخلائِفِ


وحدّث عبد الملك بن هشام ، قال : قال عبد الملك بن مروان يوماً وعنده عدّة من أهل بيته وولده : ليقل كل واحد منكم أحسن شعر سمع به ، فذكروا لامرئ القيس ، والأعشى ، وطرفة ، فأكثروا حتَّى أتوا على محاسن ما قالوا ، فقال عبد الملك : أشعرهم والله الذي يقول :


وَذي رَحم قَلَّمْتُ أظفار ضِغْنهِ ........ بحِلميَ عنه ، وهو ليسَ لهُ حلمُ إِذا سُمْتهُ وصل القرابة سامني ........ قطيعتها ، تلك السفاهةُ والظلمُ فأسْعى لكيْ أبني ويهدمَ صالحي ........ وليسَ الذي يبني كمن شأنهُ الهَدْمُ يحاولُ رَغمي لا يحاولُ غيرهُ ........ وكالموتِ عندي أن ينال لهُ رغمُ فما زِلتُ في لينٍ له وتعطفٍ ........ عليه كما تحنو على الولدِ الأمُّ لأستلّ منهُ الضغنَ حتَّى سللتهُ ........ وإن كان ذا ضِغْنٍ يضيقُ بهِ الحلمُ


قالوا : ومن قائلها يا أمير المؤمنين ؟ قال : معن بن أوس المزني .


وحدّث سليمان بن عياش السعدي عن أبيه ، قال : خرج معن بن أوس المزني إلى البصرة ليمتار منها ويبيع إبلاً له ، فلمَّا قدمها نزل بقومٍ من عشيرته ، فتولَّت ضيافته امرأة منهم يقال لها : ليلى ، وكانت ذات جمال ويَسار فخطبها فأجابته ، فتزوجها ، وأقام عندها حولاً في أنعم عيش ، فقال لها بعد حول : يا ابنة عم ، إنِّي قد تركت ضيعة لي ضائعة ، فلو أذنت لي فأتيت أهلي ورأبت مالي ، فقال : كم تقيم ؟ قال : سنة ، فأذنت له ، فأتى أهله ، فأقام عندهم وأزمن عنها - أي طال مقامه - فلمَّا أبطأ عليها رحلت إلى المدينة ، فسألت عنه ، فقيل لها : إنه بعمق ، وهو ماء لمزينة ، فخرجت حتَّى إِذا كانت قريباً من عمق ، نزلت منزلاً ، وأقبل معن في طلب ذَوْدٍ له قد أضلَّها ، وعليه مِدْرعة من صوف وبَتّ من صوف أخضر - قال : والبتّ الطيلسان - وعمامة غليظة . فلمَّا رُفع له القوم مال إليهم ليستسقي ، ومع ليلى ابن عم لها ، ومولى من مواليها جالس أمام خباء له ، فقال له معن : هل من ماء ؟ قال : نعم ، وإن شئت سويقاً ، وإن شئت لبناً ، فأناخ معن ، وصاح مولى ليلى : يا منهلة ، وكانت منهلة وصيفة تقوم على معن عندهم بالبصرة ، فلما أتته بالقدح وعرفها وحسرَ عن وجهه ليشرب عرفته وأَثبتته ، فتركت القدح في يده وأقبلت مسرعة إلى مولاتها . فقالت : يا مولاتي هذا والله معن ، إلاَّ أنَّه في جُبة صوف وبتّ صوف . فقالت : هو والله عيشهم الحقي مولاي ، فقولي له : هذا معن فاحبسه ، فخرجت الوصيفة مسرعة له ، فأخبرت المولى ، فوضع معن القدح من يده ، وقال : دعني حتَّى ألقاها في غير هذا الزيّ ، فقالت له : لست بارحاً حتَّى تدخل عليها . فلمَّا رأته قالت : أَهذا العيش الذي نزعت له يا معن ؟ قال : إي والله يا ابنة عم ، أما إنَّك لو أقمت إلى أيام الربيع حتَّى ينبت البلد الخُزَامى والرُّخَامى والسَّخْبَر والكمأة لأصبت عيشاً طيباً ، فغسلت رأسه وجسده وألبسته ثياباً لينة وطيبته وأقام معها ليلته أجمع يحدثها . ثمَّ غدا متقدماً بها إلى عمق ، حتَّى أعدَّ لها طعاماً ، ونحر ناقة وغنماً ، وقدمت على الحي ، فلم يبق فيهم امرأة إلاَّ أتتها وسلَّمت عليها ، فلم تدع منهنَّ امرأة إلاَّ وصلتها . وكانت لمعن امرأة بعمق يقال لها أُمّ حقّة ، فقالت لمعن : هذا والله خير لك منِّي فطلِّقني ، وكانت قد حملت ، فدخله من ذلك همٌّ وقام ، ثمَّ إنَّ ليلى رحلت إلى مكة المشرَّفة حاجَّةً ومعها معن ، فلمَّا فرغا من حجّهما انصرفا فلمَّا حاذيا منعرج الطريق قال معن : يا ليلى كأَنَّ فؤادي يعرّج إلى ما هنا ، فلو أقمت سنتنا هذه حتَّى نحج من قابل ثمَّ نرحل إلى البصرة ، فقالت : ما أنا ببارحة مكاني حتَّى ترحل معي إلى البصرة أو تطلقني ، فقال : أما إذْ ذكرت الطلاق فأنت طالق ، فمضت إلى البصرة ، ومضى إلى عمق ، فلمَّا فارقته ندم على ذلك وتبعتها نفسه ، فقال في ذلك :


توهَّمْتُ رَبْعاً بالمعبَّرِ واضحاً ........ أبَتْ قرّتاه اليوم إلاَّ تَراوحا أرَّبَتْ عليه رَأدة حضرَمية ........ ومرتجز قد كان فيه المضابحا إِذا هي حلت كرْبلاء فَلعلعاً ........ فجوزَ العذيب دونها فالنوائحا وبانتْ نواها من نواك وطاوعتْ ........ مع الشانئين الشامتات الكواشحا فقولا لليلى هل تعوِّضُ نادماً ........ لهُ رجعةً قال الطلاق ممازحا فإنْ هي قالت لا فقولا لها بلى ........ ألا تتقين الجارِيات الذوابحا


وهي طويلة . ولما انصرف وليست ليلى معه ، قالت له امرأته أم حقة : ما فعلت ليلى قال : طلقتها ، قالت : والله لو كان فيك خير ما فعلت ذلك ، فطلقني أنا أيضاً فقال لها معن :


أعاذلَ أقصري ودَعي بَتاتي ........ فإنكِ ذاتُ لومات حماتِ وإنَّ الصبحَ مُنتظرٌ قريب ........ وإنكَ بالملامة لنْ تُفاني نأت ليلى فليلى لن تُواتي ........ وضنتْ بالمودّةِ والثباتِ وحلّتْ دارُها سَفَوان بعدي ........ فذا قارٍ فمنحرفَ الفراتِ تُراعي الريف دائبةً عليها ........ ظلالُ اللف مختلط النباتِ فَدَعها أو تناولها بِعنْسٍ ........ من العيديّ في قُلُصِ شحاتِ


وقال أيضاً في مطالبة أم حقة له بالطلاق :


كأن لم يكن يا أمّ حقة قبل ذا ........ بميطان مصطافٌ لنا ومرابعُ وإذ نحن في عصر الشباب وقد عفا ........ بنا الآن إلاَّ أن يعوِّض جازِعُ فقد أنكرته أُمُّ حقةَ حادثاً ........ وأنكرها ما شئتَ والودُّ خادعُ ولو آذَنتنا أمُّ حقةٍ إذ نبا ........ شبابٌ وإذ لما تَرُعنا الرّوائعُ لقلنا لها بيني بليل حميدَةٍ ........ كذاكَ بلا ذمٍّ تؤدّى الودائعُ


ومر عبد الله بن عباس بمعن بن أوس وقد كف بصره ، فقال له : يا معن ، كيف حالك ؟ فقال له : ضعف بصري ، وكثر عيالي ، وغلبني الدين ، قال : وكم دينك ؟ قال : عشرة آلاف درهم ، فبعث بها إليه ، ثمَّ مر به من الغد ، فقال له : كيف أصبحت يا معن ؟ فقال :


أخذتُ بعين المال حتَّى نهكتُه ........ وبالدّين حتَّى ما أكاد أُدانُ وحتى سألتُ القرض عند ذوي الغنى ........ وردّ فلانٌ حاجتي وفلانُ


فقال له عبد الله : الله المستعان ، إنا بعثنا لك بالأمس لقمة فما لكتها حتَّى انتزعت من يدك ، قال : فأي شيء للأهل والقرابة والجيران ؟ فبعث إليه بعشرة آلاف درهم أخرى ، فقال معن يمدحه :


وإنك فرْعٌ من قُريش وإنما ........ تمجُّ النَّدى منها البحورُ الفوارعُ ثَوَوْا قادة الناس ، بطحاء مكة ........ لهم ، وسقاياتُ الحجيج الدوافعُ فلما دُعُوا للموت لم تبك منهم ........ على حادثِ الدَّهر العيون الدوامعُ


ومن شعره أيضاً قوله :


رُبما خُيِّر الفتى ........ وهوَ للخير كارهُ مَن راقَبَ الناسَ لم يَظْفَر بحاجته ........ وفاز بالطيباتِ الفاتك اللهج مَن راقب الناس ماتَ غماً ........ وفاز باللذة الجَسورُ


البيت الأول لبشار بن برد من أبيات من البسيط منها :


لو كنتِ تَلْقَيْنَ ما نلقى قسَمْتِ لنا ........ يوماً نعيشُ به فيكُمْ ونبتَهجُ لا خيرَ في العيش إن دُمنا كذا أبداً ........ لا نلتقي وسبيلُ الملتقى نَهَجُ قالوا حرام تلاقينا فقلتُ لهم ........ ما في التَّلاقي ولا في غيره حرجُ


وبعده البيت ، وبعده :


أشكو إلى الله هَمًّا لا يفارقني ........ وشُرّعا في فؤادي الدَّهْر تعتلجُ


والفاتك اللهج : الجريء الشجاع الذي له ولوع بالقتل .


والبيت الثاني لسَلْم الخاسر من أبيات من مخلع البسيط أولها :


بان شبابي فما يحورُ ........ وطالَ من ليليَ القصيرُ أهدى لي الشوقُ وهو خلوٌ ........ أغَنُّ في طرفهِ فُتورُ وقائل حين شَبَّ وَجْدي ........ واشتعلَ المضمرُ السَّتيرُ لو شئت أسلاكَ عن هواهُ ........ قلبٌ لأشجانه ذكورُ فقلتُ لا تَعجلَنْ بلومي ........ فإنما يُنبئ الخبيرُ عذّبني والهوى صغيرٌ ........ فكيفَ بي والهوى كبيرُ


وبعده البيت . ووقفت في الدر الفريد على بيتين من مديحها وهما :


كأنهُ والقنا دَوانٍ ........ يومٌ على ليلةِ مغيرُ يريك تحت العجاج وجهاً ........ يضلُّ في نوره البصيرُ


والجسور : الشديد الجرأة . والشاهد فيهما : حسن أخذ الثاني من الأول ، ويسمى حسن الإتباع ، فإن بيت سَلْم أجود سبكاً ، وأخصر لفظاً .


حدَّث أحمد بن صالح قال : لما بلغ بيتَ سلم الخاسر بشاراً غضب وأشط وحلف لا يدخل إليه ولا يفيده ولا ينفعه ما دام حيًّا ، فاستشفع سلم إليه بكل صديق له وكل من يثقل عليه رده ، فكلموه فيه ، فقال : أدخلوه ، فاستدناه ثمَّ قال : يا سلم من الذي يقول :


من راقب الناس مات غما


قال : تلميذك وخرِّيجك وعبدك يا أبا معاذ ، فاجتذبه إليه وقَبَّعه بمخصرة كانت في يده ثلاثاً ، وهو يقول : لا أعود يا أبا معاذ إلى ما تنكره ، ولا آتي شيئاً تذمه ، إنما أنا عبدك وصنيعك ، وهو يقول له : يا فاسق ، أتتجرأ على معنى سهرت له عيني وتعب فيه فكري وسبقتُ الناس إليه فتسرقه ثمَّ تختصر لفظاً تقربه به لتزري علي وتذهب بيتي ؟ وهو يحلف له أن لا يعود ، والجماعة يسألونه ، فبعد جهد ما شفعهم فيه وكف عن ضربه ، ثمَّ رجع له ورضي عنه .


وحدَّث أبو معاذ النميري ، قال : لما قال بشار بيته من راقب الناس إلخ ، قيل له : يا أبا معاذ ، قد قال سلم بيتاً هو أحسن وأخف على الألسن من بيتك هذا قال : وما هو ؟ فأنشد بيت سلم هذا ، فقال بشار : ذهب والله بيتنا ، أما والله وددت أنه ينتمي في غير ولاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وأني أغرم ألف دينار ، محبة مني لهتك عرضه وأعراض مواليه ، قال : فقيل له : ما أخرج هذا القول منك إلاَّ غم ، قال : أجل ، فوالله لا طعمت اليوم طعاماً ولا صمت .


ومن أحسن الإتباع قول ابن نباتة السعدي :


خلقْنا بأطراف القنا في ظهورهم ........ عيوناً لها وقعُ السيوف حواجبُ


فإنه أحسن لإتباع قول بعضهم :


خلقنا لهم في كلِّ عين وحاجب ........ بسمر القنا والبيض عَيْناً وحاجبا


فبيت ابن نباتة أبلغ لاختصاصه بزيادة معنى وهو الإشارة إلى انهزامهم ، حيث أوقع الطعن والضرب على ظهورهم .


ومن الشواهد الحسنة على حسن الإتباع قول منصور النميري في زينب أخت الحجاج وأترابها ، وهو :


وهُنَّ اللواتي إن برَزْنَ قتلنني ........ وإن غبن قَطعن الحشى حسراتِ


فأحسن إتباعه ابن الرومي بقوله :


ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ........ وقعُ السهام ونزعهن أليم


وقول البحتري :


أخجلتني بِنَدى يديك فسوّدت ........ ما بيننا تلك اليدُ البيضاءُ صِلة غدت في النَّاسِ وهي قطيعَةٌ ........ عجبٌ ، وبرٌّ راحَ وهو جفاءُ


فأحسن أبو العلاء المعري اتباعه فقال :


لو اخْتَصَرْتم من الإحسانِ زرتكُمُ ........ والعذبُ يُهجَر للإفراطِ في الخَصَرِ


لأنَّه استوعب معنى البيتين في صدر بيته ، وأخرج العجز مخرج المثل السائر مع الإيجاز والإيضاح وحسن البيان .


وقول عنترة العبسي :


إنِّي امرؤٌ من خيرِ عَبْسٍ منصباً ........ شَطْرِي ، وأحمي سائِرِي بالمُنْصُلِ


فأحسن اتباعه الفقيه منصور المصري في شريف سبه وكان شرفه من جهة أبيه دون أمه ، فقال :


من فاتَنِي بأَبيهِ ........ ولمْ يفُتْنِي بأُمّهْ ورامَ شَتْمِيَ جَهلاً ........ سكتُّ عن نصْفِ شتمِهِ


وحسن الأخذ فيهما ظاهر لا يخفى . ولمؤلفه في عكس هذا :


من فاتَنَا بأُمّهِ ........ ولم يَفُتْنا بأَبِهْ سكتُّ عن جليه ........ وقَولُنا في المُشْتبهْ


وفي معنى البيتين الأوَّلين قول بعضهم :


لقدْ نِلْتَ المَفاخرَ من قُريشٍ ........ كما نِلْتَ الرذلة من نمارِ فنصفُكَ كامِلٌ لا عَيْبَ فيهِ ........ ونصفُكَ كامِلٌ من كلِّ عارِ


وقول ابن الرُّومي :


تخذتكُمُ درعاً حَصيناً لتَدْفَعُوا ........ نِبالَ العدى عنِّي فكنتم نِصالَهَا وقدْ كنتُ أَرجو منكم خير ناصر ........ على حين خذلانِ اليمين شمالهَا فإنْ كنتُمُ لا تحْفَظُونَ مودَّتي ........ ذِماماً فكُونوا لا عليها ولا لهَا قِفُوا وَقْفَةَ المعذور عنِّي بمَعْزِلٍ ........ وخلُّوا نِبالِي للعِدَى ونِبالَها


فأحسن ابن المولى اتباعه بقوله :


أَعددتكم لدفاعِ كلّ مُلمّةٍ ........ عوناً فكنتم عون كلّ ملمّةِ وتخذتكم لي جُنَّةً فكأَنَّما ........ نظرَ العدوُّ مقاتلي من جُنَّتي فلأَنْفضَنَّ يَديَّ يأساً منكم ........ نَفْضَ الأَنامل من ترابِ الميتِ


وقال ابن الرُّومي :


سدّ السَّداد فما عماً يريبكُمُ ........ لكن فَمُ الحالِ منِّي غير مسدود


فأحسن ابن أبي الأصبع اتباعه فقال :


هَبني سكتُّ أَمَّا لسانُ ضرورتي ........ أَهْجى لكلِّ مقصِّر من منطقِي


وقول سُلَيك بن سُلَكة :


تبسّمُ عن أَلْمَى اللّثات مُفلّج ........ خَليقِ الثَّنايا بالعُذُوبَةِ والبردِ وما ذقتهُ إلاَّ بعَيْني تفرُّساً ........ كما شِيم ماء في السَّحابَةِ من بُعْدِ


وقال نُصَيب :


كأَنَّ على أَنيابها الخمر شجَّهَا ........ بماءِ النَّدى في آخرِ اللَّيلِ غابقُ ومَا ذُقْتُهُ إلاَّ بعيني تفرُّساً ........ كما شِيمَ في أعلى السَّحابَةِ بارقُ


وأحسن بشَّار اتباعهما بإيجازه فقال :


يا أَطيبَ النَّاسِ رِيقاً غير مُخْتبرٍ ........ إلاَّ شهادَةَ أَطراف المَساويكِ


وقد تلاعب الشعراء بهذا المعنى ، فمنه قول ابن الرومي :


وما سرُّ عيدان الأراكِ بريقُها ........ تناوحها في أَيكِها تتهصَّرُ لئن عدمت سقيا الثَّرى إنَّ ريقَهَا ........ لأَعذبُ من هاتيكَ سقياً وأَخصَرُ ومَا ذُقْتُهُ إلاَّ بشَيْمِ ابتِسامها ........ وكم مُخْبَر يبديه للعين مَنظرُ بدا لي وميضٌ شاهد أَنَّ صَوْبه ........ عريضٌ وما عندي سوى ذاكَ مُخْبِرُ


وقول أحمد بن إبراهيم الكاتب :


فمتَى تَرشفي سواكَ أَراكِ ........ يبطلُ المِسْك نشرُ ذاكَ السِّواكِ بأَبي ثغرُك النقيُّ الذي نمتْ ........ على طِيبهِ فروعُ الأَراكِ


وقول بعضهم :


وثغرٌ لها طيبٌ واضِحٌ ........ لذيذُ المقبَّلِ والمبتَسَمْ ومَا ذُقْتُهُ غير ظنِّي بهِ ........ وبالظَّنِّ يقضى على ما اكتتمْ


وقول المتوكّل اللّيثي :


كأَنَّ مُدَامة صَهْبَاءَ صِرْفاً ........ تُصفَّف بينَ راووق ودَنِّ تُعَلُّ بها ثَنايا أُمُّ سلمى ........ فراسة مُقلتي وصحيحُ ظنِّي


وما أَعذب قول الشهاب محمود من قصيدة :


يا ظبية تخشى إِذا نَظَرت ........ فتكاتِ سود لحاظها الأسدُ إنْ قلتُ ريقك خمرة شهدَتْ ........ قُضُبُ الأَراكِ بأَنَّهُ شهدُ


وقول البهاء زهير :


وتبْسِمُ عن ثغرٍ يقولونَ إنَّهُ ........ حَبَابٌ على صهباء كالمِسْكِ تنفحُ وقدْ شهدَ المسواكُ عندِي بطِيبهِ ........ ولمْ أَرَ عَدْلاً وهو سكْران يطفحُ


وقول السموأل بن عادياء اليهوديّ :


يُقربُ حبُّ الموت آجالَنَا لنَا ........ وتكرهه آجالُهم فتطولُ


وقال أبو الطيب :


أَفناهُمُ الصَّبْرُ إذَْ ........ أَبْقاهُمُ الجزعُ


وقال الأَسود بن يعفر :


يسعى بها ذو توأمين كأَنَّما ........ قتأت أناملهُ من الفِرْصَادِ


فأحسن أَبو نواس اتباعه بزيادة من المحاسن فقال :


تبكِي فتُذْري الدّرّ من نرجسٍ ........ وتلطمُ الوردَ بعُنَّابِ


وتقدم ذكره في شواهد التشبيه . وقال أبو تمام يصف قصائده :


يَراها عِياناً من يَراها بسَمْعِهِ ........ ويَدنو إليها ذو الحجى وهو شاسِعُ يودُّ وداداً أن أعضاء جسمِهِ ........ إذا أنشدَتْ شوْقاً إليها مسامِعُ


وقال الأخطل يصف بعض القيان :


جاءَتْ بوجهٍ كأَنَّهُ قمرٌ ........ على قَوامٍ كأَنَّهُ غُصنُ حتَّى إِذا ما استَوَتْ بمجلسها ........ وصارَ في حجرِها لها وَثَنُ غَنَّتْ فلمْ تبقَ فيَّ جارحةٌ ........ إلاَّ تمَنَّتْ أَنَّها أُذُنُ


والمرقص المطرب في هذا المعنى قول الشيخ شرف الدين بن الفارض :


إِذا ما بَدَتْ ليلى فكلّيَ أَعيُنٌ ........ وإنْ هيَ ناجَتْني فكلِّي مسامِعُ


وقال مسلم بن الوليد :


تَجْري محبَّتُها في قلبِ عاشقها ........ مجْرَى المُعافاةِ في أَعضاءِ مُنْتكِسِ


فأحسن أبو نواس اتباعه فقال :


فتمَشَّتْ في مَفَاصلهمْ ........ كتَمَشِّي البرْءِ في السَّقَمِ


وجميع ذلك مأخوذ من قول بعض ملوك اليمن :


منعَ البقاء تقلُّبُ الشَّمس ........ وطلوعهَا من حيثُ لا تُمْسي تَجْري على كبِدِ السَّماءِ كما ........ يَجْري حِمَامُ المَوْتِ في النَّفْسِ


وقد مرَّ طرف من هذا المعنى في ترجمة أبي نواس في أوائل الفن الأول .


وحدَّث أبو بكر ابن هارون بن عبد الله المهلبي ، قال : كنَّا في حلقة دعبل الشاعر ، فجرى ذكر أبي تمام ، فقال دعبل : كان يتبع معانيَّ فيأخذها ، فقال له رجل في مجلسه : ما من ذاك أَعزَّك الله ؟ فقال : قلت :


وإن امرأ أَسْدَى إليَّ بشافِعٍ ........ إليهِ ويَرْجو الشّكر منِّي لأَحْمَقُ


فأَخذه أبو تمام فقال :


وإذا امرؤ أَسْدَى إليكَ صنيعةً ........ مِنْ جاهِهِ فكأَنَّها من مالِهِ


فقال الرجل : أحسن والله ، فقال دعبل : كذبت والله ، قبَّحك الله ! فقال الرجل : إن كان سبقك بهذا المعنى وتبعته فما أحسنت ، وإن كان أخذه منك لقد أَجاد فصار أولى ببيتك في الحالتين ، فغضب دعبل وقام . وقد أخذ ابن قلاقس هذا المعنى فقال :


وإذا امرؤ أَسْدَى إليكَ بشافعٍ ........ خيراً فذاكَ الخيرُ خيرُ الشافعِ


ولا يعرف للمتقدمين معنى شريف إلاَّ نازعهم إيَّاه المتأخرون ، وطلبوا الشركة معهم فيه ، إلاَّ قول عنترة :


وخَلاَ الذُّبابُ بها فليسَ ببارِحٍ ........ غَرِداً كفِعْلِ الشَّاربِ المُتَرَنِّمِ هَزِجاً يحُكُّ ذراعهُ بذراعهِ ........ قَدْحَ المكِبِّ على الزنادِ الأَجْذَمِ


وقال الجاحظ : نظرنا في الشعر القديم والحديث فوجدنا المعاني تقلب ويؤخذ بعضها من بعض ، غير قول عنترة في الأوائل ، وأنشد البيتين ، وغير قول أبي نواس في المحدثين :


تُدارُ علينا الرَّاحُ في عَسْجَدِيَّةٍ ........ حَنَتْها بأَنواعِ التصاويرِ فارِسُ قَرَارَتُها كِسْرَى وفي جنباتها ........ مَهاً تَدَّريهَا بالقِسِيِّ الفوارِسُ فللرَّاحِ ما زرَّتْ عليه جُيُوبهَا ........ وللماءِ ما دارتْ عليه القَلانِسُ


فإنه أراد بالعسجدية كؤوساً مذهَّبة فيها صور منقوشة ، وهي صورة كسرى ، وصور المها والفوارس ، ومعنى البيت الأخير منها أَنَّ حَدَّ الخمر من هذه الصورة التي في الكؤوس إلى التراقي والنحور ، وإنَّها مزجت بالماء فانتهى المزاج فيها إلى ما فوق رؤوسها ، وقد يكون الحَبَابُ هو الذي انتهى إلى ذلك الموضع لمَّا مزجت فأزبدت ، والمعنى الأول أَبدع ، وفائدته معرفة حدها صرفاً من حدّها ممزوجة ، وزعم بعضهم أنَّ أبو نواس اهتدى إليه من قول امرئ القيس :


فلمَّا اسْتَطَابُوا صَبَّ في الصَّحنِ نصْفَهُ ........ ووافَوْا بماءٍ غير طرْقٍ ولا كَدِرْ


جعل الماء والشراب قسمين ، فتسلَّق أبو نواس عليه وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكر الصور . وذكرت بأبيات أبي نواس هذه تضمين أبي الحسن الجزار لها في يوم نوروز ، وكتب به إلى بعض أصحابه ناقلاً المعنى من وصف الكأس المصورة إلى وصف الصفاع يوم النوروز ناقلاً الراح من اسم الخمر إلى جمع راحة ، وهي اليد ، وهو :


كتبتُ بها في يوم لَهْوِ وهامَتي ........ تمارسُ من أبطاله ما تمارِسُ وعندي رجالٌ للمُجون ترَجَّلَتْ ........ عمائمُهُمْ عن هامهم والطَّيالِسُ فللراح ما زرت عليه جُيوبها ........ وللماء ما دارَت عليه القلانسُ مساحِبُ من جرِّ الزقاقِ على الصَّفا ........ وأضغاثُ أنطاعِ جَنيٌّ ويابِسُ


وما زال العلماء بالشعر وجهابذة المعاني يرون أن قول عنترة السابق أوحد فَرْدٌ ويتيمٌ فذٌّ ، وأنه من المعاني العُقْم التي لا تولد ، على أن ابن الرومي قد تعلق بذيله في معنى البيت الأول وزاد عليه بقوله :


إِذا ارتفعت شمسُ الأصيل وبَيَّضَتْ ........ على الأفُقِ الغربيِّ ورْساً مذعذعا وودَّعَتِ الدنيا لتقضي نَحْبَها ........ وسوَّل باقي عُمرِها فَتَشَعْشَعا ولاحظَتِ النَّوَّار وهي مريضةٌ ........ وقد وَضَعَتْ خَدا إلى الأرض أضْرَعا كما لاحظت عُوَّادها عين مُدنَفٍ ........ توجَّع من أوصابها ما توجعا وبين إغضاء الفراق عليهما ........ كأنهما خلاَّ صفاء تودَّعا وقد ضَرَبَتْ في خُضْرَةِ الروض صفْرةٌ ........ من الشمس فاخضَرَّ اخضراراً مُشَعْشعا وظلَّتْ عيونُ الروض تخضلُّ بالندى ........ كما اغْرَوْرَقتْ عينُ الشجيِّ لتدمعا وأذكى نسيمُ الرَّوض رَيْعان ظلهِ ........ وغَنَّى مُغَنِّي الطيرِ فيه فَرَجَّعا وغرَّدَ ربعيُّ الذباب خِلاله ........ كما حَثْحَثَ النشوان صيحاً مشرَّعا فكانت أرانينُ الذباب هبا لكم ........ على شَدَوات الطير ضَرْباً مُوَقَّعا


وقال أبو محمد عبد المجيد بن عبدون :


ساروا مِسْكُ الدياجي غيرَ منهوبِ ........ وطُرَّةُ الشرق غُفْلٌ غير تَذْهيبِ على رُباً لم يزل شادي الذباب بها ........ يلهى بآنق ملفوظ ومَضْروبِ كالغيد في قُبَبِ الأزهار أذرعه ........ قامَتْ له بالمثاني والمضاريبِ


وقال أبو بكر بن سعيد البطليوسي :


كأن أهازيجَ الذبابِ أساقِفٌ ........ لها من أزاهير الرِّياض مَحاريبُ


وقال السلامي في وصف زُنْبور :


إِذا حك أعلى رأسِهِ فكأنما ........ بسالِفَتيه من يديه جَوامِعُ


وتعرض حازم في مقصورته لتشبيه عنترة بقوله :


ألقى ذراعاً فوق أخرى وحَكَى ........ تكلف الأجْذَم في قَطْعِ السَّنَى كأنَّما النّورُ الذي يَفْرعُه ........ مُقْتَدحاً لزنده سَقْطُ وَرَى


فقصر عنه التقصير البين ، وأخل بذكر الأكباب والحك ، ولهما في هذا التشبيه ، موقع بديع ، مع التكلف البادي على قوله تكلف الأجذم في قطع السنى ، ثمَّ رام أن يزيد فيه فقال : كأنما النور - البيت ، وقوله يفرعه أي يعلوه عند إلقاء ذراعه على الأخرىَ والسقط ، مثلث السين - ما يسقط من النار عند القدح .


ولا خفاء في أن المعاني الشهيرة البارعة الحسن كتشبيه عنترة هذا لا ينبغي أن يتعرض لأخذها متعرض إلاَّ بالزيادة البينة البديعة الموقع ، والعبارة الناصعة السهلة ، حتَّى يتبين الفضل للثاني على الأول ، والشفوف للآخذ على المأخوذ منه ، وإلا كان فاضحاً لنفسه ، وماسخاً للمعنى الذي تعرض لأخذه .


وسَلْم الخاسر هو ابن عمرو مولى بني تَيْم بن مرَّة ثمَّ مولى آل أبي بكر الصديق رضوان الله عليه ، وهو شاعر بصري مطبوع متصرف في فنون الشعر ، من شعراء الدولة العباسية ، وهو راوية بشار بن برد وتلميذه ، وعنه أخذ ، ومن بحره اغترف ، وعلى مذهبه ونمطه قال الشعر ، ولقب بالخاسر - فيما يقال - لأنَّه ورث من أبيه مصحفاً فباعه واشترى بثمنه طنْبوراً ، وقيل : لأنَّه لمَّا مات أبوه واقتسم ورَّاثه ماله وقع في قسم سلم مصحف فردَّه وأخذ مكانه دفاتر شعر كانت عند أبيه فلقب الخاسر لذلك ، وقيل : لأنَّه ورث عن أبيه مائة ألف درهم فأنفقها على الأَدب وبقي لا شيء عنده ، فلقَّبه الجيران ومن يعرفه سلماً الخاسر ، وقالوا : لأنفق ماله على ما لا ينفعه ، ثمَّ مدح المهدي والرشيد وقد كان بلغه اللقب الذي لقب به ، فأمر له بمائة ألف درهم ، وقال له : أَكذِب بهذا المال جيرانك ، فجاءهم بها وقال لهم : هذه المائة ألف التي أنفقتها ، وربحت الأَدب ، فأنا سلم الرابح ، لا سلم الخاسر ، وقيل : إنَّه لمَّا باع المصحف واشترى بثمنه طنبوراً فكان يقال له : ويلك هل فعل أحد ما فعلت ؟ فيقول : لم أجد شيئاً أسرّ به إبليس وهو أقرّ لعينه من هذا .


وحدَّث محمد بن عمر الجرجاني قال : كان سلم تلميذ بشار إلاَّ أنَّه تباعد ما بينهما فكان سلم يقدم أبا العتاهية ويقول : هو أشعر الجن والإنس ، إلى أن قال أبو العتاهية يخاطب سلماً :


تعالى الله يا سلم بن عمرٍو ........ أذلَّ الحرصُ أَعناقَ الرِّجالِ هب الدُّنيا تصيرُ إليكَ عفواً ........ أليسَ مصيرُ ذاكَ إلى الزَّوالِ ؟


قال : وبلغ الرشيد هذا الشعر فاستحسنه ، وقال : لعمري لقد صدق ، إنَّ الحرص لمفسدة لأمر الدِّين والدُّنيا ، وما فتَّشت عن حريص قط بعيبة إلاَّ انكشف لي عمَّا أذمّه به ، وبلغ ذلك سلماً ، فغضب على أبي العتاهية وقال : ويلي على الجرار ابن الفاعلة الزنديق ، زعم أنِّي حريص وقد كنز البِدَرَة ، وهو يطلب ، وأنا في ثوبيّ هذين لا أملك غيرهما ، وانحرف عن أبي العتاهية . وحدَّث القضاعي أنَّ سلماً كتب إلى أبي العتاهية :


ما أقبحَ التَّزهيدِ من واعظٍ ........ يزَّهدُ النَّاسَ ولا يزهَدُ لوْ كانَ في تزهيدِهِ صادِقاً ........ أضحَى وأَمسَى بيتَهُ المسجدُ ورَفَضَ الدُّنيا فلم يلقَها ........ ولم يكنْ يَسْعَى ويَسْتَرْفِدُ يخافُ أن تنفَدَ أرزاقُهُ ........ والرِّزْقُ عندَ اللهِ لا ينفَدُ الرِّزْقُ مقسومٌ على منْ تَرَى ........ ينالهُ الأَبيضُ والأَسودُ كلّ يوفَّى رزقهُ كامِلاً ........ من كفِّ عن جهدٍ ومن يجهدُ


وحدث العباس بن عبد الله قال : كنَّا عند قُثَمَ بن جعفر بن سليمان ، وهو يومئذ أمير البصرة ، وعنده أبو العتاهية ينشد شعره في الزهد ، فقال لي قُثَمُ : يا عبَّاس ، اطلب لي الجماز الساعة حيث كان وجئني به ، ولك شيء ، فطلبته فوجدته جالساً ناحية عند ركن دار جعفر بن سليمان ، فقلت له : أجب الأَمير ، فقام حتَّى أتى قثمَ فجلس في ناحية مجلسه ، وأبو العتاهية ينشد ، ثمَّ قام إليه الجماز فواجهه ، وأنشده أبيات سلْمٍ هذه ، فقال أبو العتاهية : من هذا أعزَّ الله الأَمير ؟ قال : هذا الجماز ، وهو ابن أخت سلم الخاسر انتصر لخاله حيث تقول له ، وأنشد البيتين السابقين ، قال : فقال أبو العتاهية للجماز يا بن أخي ، إنِّي لم أذهب في شعري الأول حيث ذهب خالك ، ولا أردت أن أهتك به ، ولا أذهب في حضوري وإنشادي حيث ذهب من الحرص على الرزق ، والله يغفر لكما ، ثمَّ قام وانصرف .


وحدث أبو محمد اليزيدي أنَّه حضر مجلس عيسى بن عمرو ، وحضر سلم الخاسر ، فقال له : يا أبا محمد ، اهجني على روي قصيدة امرئ القيس :


ربَّ رامٍ من بني ثُعَلْ ........ مخرج كفَّيهِ من سِتَرِهْ


قال : فقلت له : ماذا دعاك إلى هذا ؟ قال : كذا أريد ، فقلت : أنا وأنت أغنى النَّاس عمَّا تستدعيه من الشّرّ ، فلْتَسَعْكَ العافية ، فقال : إنَّك لتحتجر غاية الاحتجار منِّي ، وأُريد أن توهم عيسى أنِّي مفحَم لا أقدر على ذلك ، فقال لي عيسى : أسألك يا أبا محمد بحقِّي عليك إلا فعلت ، فقلت :


ربَّ مغمورٍ بعافيَةٍ ........ غَمط النَّعْماء من أشَرِهْ وامرئٍ طالتْ سلامتهُ ........ فرماهُ الدَّهْرُ من غِيَرِهْ بسهامٍ منهُ مُقْوِيةٍ ........ نَقَضَتْ منهُ قُوَى مِرَرِهْ وكذاكَ الدَّهر مُنْقلِبٌ ........ بالفتى حاليْن من عُصُرِهْ يخلطُ العُسْرَى بمَيْسَرَةٍ ........ ويسارَ المرءِ في عُسُرِهْ عقَّ سَلم أُمَّهُ صِغَراً ........ وأبا سَلم على كِبرهْ كلَّ يوْمٍ خلْفهُ رجُلٌ ........ رامحٌ يسْعَى على أَثَرِهْ يُولج الغُرْمُولَ سبَّتَهُ ........ كولوج الضبِّ في جُحُرِهْ


قال : فاغتم سلم وندم ، وقال : هكذا تكون عاقبة البغي والتعرض للشر ، فضحك عيسى وقال : قد جهد الرجل أن تدعه وصيانته ودينه ، فأبيت إلاَّ أن يدخلك في حرأمك .


وحدث محمد النوفلي ، قال : كان المهدي يعطي مروان وسلماً الخاسر عطية واحدة ، فكان سلم يأتي باب المهدي على البرذَوْن الفاره قيمته عشرة آلاف درهم بسرج ولجام ، ولباسه الخز والوشي وما أشبه من ذلك الغالية الأَثمان ، ورائحة المسك الطيب والغالية تفوح منه ، ويجيء مروان بن أبي حفصة عليه فرو كبل وقميص وسراويل وعمامة من كرباس وخف كبل وكساء غليظ ، وهو منتن الرائحة وكان لا يأكل اللحم حتَّى يقرم إليه بخلاً ، فإذا قرم أرسل غلامه فاشترى له رأساً فأكله ، فقال له قائل : أَراك لا تأكل إلاَّ الرأس ، قال : نعم ، أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ، ولا أشتري لحماً فيأكله ويطبخ منه ، والرأس آكل منه ألواناً : آكل من عينيه لوناً ، ومن غَلْصَمَتِه لوناً ، ومن دماغه لوناً .


وحدث الحسن الربيعي ، قال : كان سلم الخاسر قد بلي بالكيمياء ، فكان يذهب بكل شيء له باطلاً ، فلمَّا أراد الله عز وجل أن يصنع له عرف أَن بباب الشام صاحب كيمياء عجيباً ، وأنَّه لا يصل له أحد إلاَّ ليلاً ، فسأل عنه ، فدلُّوه عليه ، قال : فدخلت إليه إلى موضع مغور ، فدققت الباب ، فخرج إليَّ ، فقال : من أنت عافاك الله ؟ فقلت له : رجل معجب بهذا العلم ، قال : لا تشهرني فإنِّي رجل مستور ، وإنَّما أعمل للقوت ، قال : فقلت : إنِّي لا أشهرك ، وإنَّما أقتبس منك ، قال : فاكتم ذلك ، قال : وبين يديه كوز شبهٍ صغير ، فقال لي : اقلع عروته ، فقلعتها ، فقال : اسبكها في البَوْتَقَةِ ، فسبكتها ، فأخرج شيئاً من تحت مُصَلاَّه ، فقال : ذُرَّه عليه ، ففعلت ، فقال : أفرغه ، فأفرغته ، فقال : دعه معك فإذا أَصبحت فاخرج به وبعه وعد إليّ ، فأخرجته إلى باب الشام فبعت المثقال بأحد وعشرين درهماً ، ورجعت إليه وأخبرته ، فقال : اطلب الآن ما شئت ، فقلت : تفيدني ، قال : بخمسمائة درهم على أن لا تعلمه أحد ، فأعطيته ، وكتب لي صفة ، فامتحنتها فإذا هي باطلة ، فعدت إليه ، فقال لي : قد تحوَّل ، فإذا عروة الكوز الشبه من ذهب مركبة عليه ، والكوز شبه ، ولذلك كان يدخل إليه من يطلبه ليلاً ليخفى عليه ، فانصرفت ، وعلمت أن الله تعالى أَراد بي خيراً وأنَّ هذا كلّه باطل .


وحدث أبو المستهل الأَسدي قال : كان سلم الخاسر يهاجي والبَةَ بن الحباب فأرسلني إليه سلم فقال : قل له :


والبَةَ بن الحُباب يا حَلَقِي ........ لستَ من أهلِ الزِّناءِ فانطلقِ تُدخِلُ فيك الغرمول تولِجهُ ........ مثلَ ولوج المفتاحِ في الغَلَقِ


فأتيت إليه فقلت له ذلك فقال : قل له : يا ابن الزانية سل عنك ريعان التميمي ، يعني أنَّه ناكه ، وكان ريعان لوطيًّا آفة من الآفات ، وكان غلامه ظريفاً ، وكان يقول : نكت الهيثم بن عدي ، فمن ترونه يفلت منِّي نعده .


وحدث أبو المستهل قال : دخلت يوماً على سلم الخاسر ، وإذا بين يديه قراطيس يرثي ببعضها أُمُّ جعفر وببعضها أقواماً لم يموتوا ، وأُم جعفر يومئذ باقية ، فقلت له : ويحك ! ما هذا ؟ فقال : تحدث الحوادث فيطالبوننا بأن نقول فيها ، ويستعجلوننا ، ولا يجمل بنا أن نقول غير الجيد ، فنعد لهم مثل هذا قبل كونه ، فمتى حدث حادث أظهرنا ما قلنا فيه على أنَّه قيل في الوقت . وحدث زكرياء بن مهران ، قال : طالب أبو الشمقمق سلماً الخاسر أن يهب له شيئاً ، وقد خرجت له جائزة ، فلم يفعل ، فقال أبو الشمقمق :


يا أُمّ سَلْمٍ هداكِ الله زَورينا ........ كيما ننيككِ فرداً أو تنيكينا ما إنْ ذكرتك إلاَّ هاجَ لي شَبَقٌ ........ ومثلُ ذكراك أُمُّ السَّلمِ يُشْجينا


قال : فجاء سلم ، فأعطاه خمسة دنانير ، وقال : أُحب أن تعفيني عن استزارتك أُمِّي وتأخذ هذه الدنانير فتنفقها .


وحدث محمد بن القاسم بن الرَّبيع عن أبيه ، قال : دخل الربيع على المهدي ، وأبو عبيد الله الوزير جالس يعرض كتباً ، فقال أبو عبيد الله : مر هذا أن يتنحى ، يعني الربيع ، فقال له المهدي : تَنَحَّ ، قال : لا أفعل ، فقال : كأنَّك تراني بالعين الأولى ، قال : لا ، بل أراك بالعين التي أنت بها ، قال : فلم لا تتنحَّى إذْ أمرتك ؟ فقال له : أنت ركن الإسلام ، ومذ قتلت ابن هذا فلا آمن أن تكون معه حديدة يغتالك بها ، فقام المهدي مذعوراً ، وأمر بتفتيشه ، فوجد بين جَوْرَبه وخُفِّه سكين فردت الأُمور كلّها إلى الربيع ، وعزل أبو عبيد الله ، وولى يعقوب بن داود ، فقال سلم الخاسر فيه :


يعقوبُ ينظرُ في الأُمو _ رِ وأَنتَ تنظرُ ناجيهْ أَدْخلتهُ فعَلا علي _ كَ كذاكَ شؤمُ الناصيَهْ


قال : وكان بلغ المهدي من جهة الربيع أن ابن أبي عبيد الله زنديق ، فقال له المهدي : هذا حسد منك ، فقال : افحص عن هذا ، فإن كنت مبطلاً بلغت في الذي يلزم من كذبك ، فأتى بابن أبي عبيد الله فقرَّره تقريراً خفيًّا ، فأقرّ ، فاستتابه فلم يتب ، فقال لأبيه : اقتله ، فقال : لا تطيب نفسي بذلك ، فقتله وصلبه على باب أبي عبيد الله .


وكان ابن أبي عبيد الله هذا المقتول من أحمق النَّاس ، وهب له المهدي جارية ثمَّ سأله المهدي عنها ، فقال : ما وضعت بيني وبين الأَرض خشبة أوطأ منها ، حاشا سامعي ، فقال المهدي لأبيه : أَتراه يعنيني أو يعنيك ؟ قال : لا ، بل يعني أُمُّه الزَّانية ، لا يكنى .


وحدث يحيى بن الحسن ، قال : حدثني أبي قال : كنت أنا والربيع نسير قريباً من محمل المنصور حين قال للربيع : رأيت كأنَّ الكعبة تصدَّعت ، وكأنَّ رجلاً جاء بحبل أسود فشدَّها ، فقال له الربيع : من الرجل ؟ فلم يجبه ، فأي شيء تعمل بعدي ؟ قال : ما كنت أعمل في حياتك ، وكان من أمره في أخذ البيعة للمهدي ما كان ، فقال سلم الخاسر في الفضل بن الربيع :


وابنُ الذي جبَرَ الإسلامَ يوْمَ وَهَى ........ واستنقَذَ النَّاسَ من عَمْياءَ صَيْخودِ قالت قريشٌ غداةَ انهاضَ مُلْكُهمُ ........ أين الربيع ؟ وأعطَوْا بالمقاليد فقام بالأمر مئناساً بوَحْدَتهِ ........ ماضي الضريبة ضرَّابُ القَماحيد إن الأمور إِذا ضاقت مَسالِكُها ........ حلّتْ يدُ الفضل منها كلَّ معقودِ إنّ الربيع وإنّ الفضل قد بَنَيا ........ رِوَق مجدٍ على العباس مَمدودِ


قال : فوهب له الفضل خمسة آلاف دينار .


وحدث أبو دعامة قال : قال سلم الخاسر في الرشيد حين عقد البيعة لابنه محمد الأمين :


قد بايع الثقلانِ مهديَّ الهُدَى ........ لمحمدِ ابنِ زُبَيْدة ابنةِ جعفرِ ولّيته عهدَ الأنامِ وأمرهمْ ........ فدَمَغْتَ بالمعروف رأسَ المنكر


فأعطته زبيدة مائة ألف درهم .


وحدث ميمون بن هارون قال : دخل سلم الخاسر على الفضل بن يحيى في يوم نوروز ، والهدايا بين يديه ، فأنشده :


أمِنْ رَبْع تسائلهُ ........ وقد أقْوَتْ منازلهُ بقلبي من هوَى الأطلا _ لِ حُبٌّ ما يُزايلهُ رويدكمُ عن المشغو _ فِ ، إنَّ الحب قاتله بلابلُ صدره تَسْري ........ وقد نامت عواذِلهُ أحقُّ الناسِ بالتفضي _ ل من تُرْجى فواضلهُ رأيتُ مكارمَ الأخلا _ قِ ما ضمتْ حمائلهُ ولستُ أرى فَتًى في النا _ سِ إلاَّ الفَضْل فاضِلهُ يقول لسانُه خيراً ........ فتفعلهُ أناملهُ ومهما تَرْجو من خيرٍ ........ فإنَّ الفضل فاعلهُ


وكان إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق حاضرين فقال لإبراهيم : ما تسمع ؟ قال : أحسن مسموع ، وفضل الأمير أكبر منه ، فقال : خذوا جميع ما أهدي إليَّ اليوم فاقتسموه بينكم أثلاثاً إلاَّ ذلك التمثال ، فإني أريد أن أهديه اليوم إلى دنانير ، ثمَّ قال : لا والله ، ما هكذا يفعل الأحرار ، يُقَوَّمُ ويدفع لهم ثمنه ، ثمَّ نهديه ، فقوم بألفي دينار ، فحملها إلى القوم من بيت ماله ، واقتسموا جميع الهدايا بينهم .


وحدث الجماز أن أبا الشمقمق جاء إلى سلم الخاسر يستميحه ، فمنعه ، فقال اسمع إذن ما قلته ، فأنشده :


حدثوني أن سَلْماً ........ يشتكي جارة أيره فهو لا يحْسُدْ شيئاً ........ غيرَ أيرٍ في است غيرهْ وإذا سرَّكَ يوماً ........ يا خليلي نَيْلُ خيره قُمْ فمُرْ راهبَكَ الأص _ لَعَ يقْرَعْ بابَ ديرهْ


فضحك منه سلم ، وأعطاه خمسة دنانير ، وقال : أحب جُعِلت فداك أن تصرف راهبك الأصلع عن باب ديرنا .


وحدث أبو دعامة قال : دخل سلم الخاسر على الرشيد فأنشده :


حَيِّ الأحبّةَ بالسَّلامْ


فقال الرشيد : حياهم الله ، فقال :


أعلى وَداعٍ أم مقام


فقال الرشيد : حياهم الله على أي ذلك كان ، فأنشده :


لم يبق منهك ومنهُمُ ........ غيرُ الجلود على العظام


فقال الرشيد : بل منك ، وأمر بإخراجه ، وتَطَيَّر منه ومن قوله ، فلم يسمع باقي شعره ، ولا أثابه بشيء .


وقال القاسم بن موسى بن مزيد بن يزيد بن مزيد : ما حسدت أحداً قط على شعر مدح به إلاَّ عاصم بن عتبة الغساني ، فإني حسدته على قول سلم الخاسر فيه :


لعاصم سماء ........ عارضُها هَتَّانُ أمطارُها الإبريز واللُّ _ جيْنُ والعقيانُ ونارُهُ تنادي ........ إذْ خبتِ النيرانُ الجودُ في قحطانِ ........ ما بقيتْ غسَّانُ اسْلَمْ ولا تُبالي ........ ما فعلَ الإخوانُ صَلَّتْ له المعالي ........ والسيفُ والسِّنانُ ما ضرَّ مُرْتجيهِ ........ ما فعل الزَّمانُ مَنْ غاله مَخوفٌ ........ فهوَ له أمانُ


وعاصم بن عتبة هذا هو جد أبي الشمر الغساني ، وكان صديقاً لسلم الخاسر كثير البر به والملاطفة له ، فأعطاه على هذه الأبيات سبعين ألف درهم ، وكان جملة ما وصل إلى سلم الخاسر منه خمسمائة ألف درهم ، فلما حضرته الوفاة دعا عاصماً فقال : إني ميت ، ولا وارث لي ، وإن مالي مأخوذ ، فأنت أحق به ، فدفع إليه خمسمائة ألف درهم .


وحدث حماد عن أبيه قال : استوهب أبي من الرشيد تركة سلم الخاسر وقد مات عن غير وارث ، فوهبها له قبل أن يستلمها صاحب المواريث ، فحصل منها خمسين ألف دينار .


وحدث أبو دعامة أنه رفع إلى الرشيد أن سلماً الخاسر قد توفي ، وخلف مما أخذه منه ألف ألف وخمسمائة ألف درهم ، سوى ما خلفه من عَقار وغيره مما اعتدَّه قديماً ، فقبضه الرشيد ، فتظلم إليه مواليه من آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال : هذا خادمي ونديمي والذي خلَّفه من مالي فأنا أحق به ، فلم يعطهم إلاَّ شيئاً يسيراً من قديم أملاكه .


ولما مات الخاسر قال أشْجَعُ السُّلمي يرثيه :


يا سَلْمُ إن أصْبَحْتَ في حُفْرَةٍ ........ موسداً ترباً وأحجارا فرُبَّ بيتٍ حَسَنٍ قُلتهُ ........ خَلَّفْتَهُ في الناس سيارا قلدته ترباً وسيرته ........ فان فخراً ذاك أو عارا لو نَطَقَ الشعر بكى عبرةً ........ عليه إعلاناً وإسرارا هَيْهاتَ أن يأتي الزَّمانُ بمثْلِهِ ........ إن الزَّمانَ بمثلهِ لَبَخيلُ أعْدى الزمان سَخاؤه فَسخا به ........ ولَقَدْ يكونُ به الزمانُ بخيلا


البيت الأول لأبي تمام ، من قصيدة من الكامل يرثي بها محمد بن حميد ، وكان قد استشهد في بعض غزواته ، وأولها :


بأبي وغير أبي ، وذاكَ قليلُ ........ ثاوٍ عليه ثَرَى السباخ مَهيلُ خذلَتهُ أسرَتُهُ كأنَّ سَراتهُ ........ جهلوا بأن الخاذل المخذولُ أكالُ أشْلاءِ الفَوارس بالقنا ........ أضْحَى بهنَّ وشِلْوُهُ مأكولُ كفى فَقَتْلُ محمدٍ ليَ شاهدٌ ........ إنَّ العزيزَ مع الفناء ذليلُ إن يستضم بعد الإباء فإنه ........ قد يُسْتَضام المُصْعَبُ المعقولُ مستحسَنٌ وجهُ الردى في معركٍ ........ قُبْحُ الحياة بحومتيه جميل أنْسى أبا نَصْرٍ ، ؟ نَسيتُ إذن يدي ........ في حيثُ ينتصر الفتى ويُنيلُ


وبعده البيت ، وما أحسن ما قال بعده :


ما أنتَ بالمقتول صبراً إنما ........ أملَى غَداة نعيكَ المَقتولُ


والبيت الثاني لأبي الطيب المتنبي ، من قصيدة من الكامل يمدح بها بدر ابن عمار صاحب طرابلس الشام ، وكان قد خرج إلى أسد فهاجه عن فريسته فوثب على كفل فرسه وأعجله عن استلال سيفه ، فضربه بسوطه وخرج إلى آخر فهرب منه ، وأولها :


في الخد إنْ عَزَمَ الخليطُ رَحيلاً ........ مَطَرٌ تزيدُ به الخدودُ مُحولاً يا نَظْرةً نفت الرقادَ فغادَرَت ........ في حَدِّ قلبي ما حييتُ فُلولا كانت من الكحلاء سؤلي إنما ........ أجلي تمثل في فؤادي سولا


يقول في مديحها :


محِك إِذا مَطَل الغريمُ بدَينهِ ........ جَعَلَ الحسامَ بما أرادَ كفيلا نَطِقٌ إِذا حط الكلام لثامهُ ........ أعطى بمنطقه القلوب عقولا


وبعده البيت ، وبعده :


فكأنَّ بَرْقاً في مُتون غمامةٍ ........ هنديهُ في كفَّهِ مسلولا ومحل قائمه يسيلُ مواهباً ........ لو كنّ سَيْلاً ما وَجَدْنَ سَبيلا رقَّتْ مضارِبه فهنّ كأنما ........ يُبدينَ من عشقِ الرقابِ نحولا أمعفرَ الليث الهزَبْرِ بسوطهِ ........ لمن ادَّخَرْت الصارمَ المصقولا


واستمر في وصف الليث إلى أن قال :


قبضتْ منيتهُ يديه وعُنقه ........ فكأنما صادَفْتهُ مغلولا سمعَ ابنُ عمتهِ به وبحالهِ ........ فغدا يهرولُ أمسِ منكَ مهولا وأمرُّ مما فرّ منه فِرارُه ........ وكقتلهِ أن لا يموتَ قتيلا تَلَفُ الذي اتخذَ الجراءة خلةً ........ وعظَ الذي اتخذ الفرار خليلا لو كان علمكَ في الإلهِ مُقَسَّماً ........ في الناس ما بعث الإلهُ رسولا لو كان لفظكَ فيهمُ ما أنزل ........ التوراة والفرقان والإنجيلا لو كان ما تعطيهمُ من قبل أن ........ تعطيهمُ لم يعرِفوا التأميلا فلقد عُرفت وما عُرفتَ حقيقةً ........ ولقد جُهلتَ وما جُهلت خُمولا نطقت بسودَدِكَ الحمامُ تعنيا ........ وبما تجشمها الجيادُ صهيلا ما كل مَنْ طَلَبَ المعالي نافذاً ........ فيها ولا كل الرجال فُحولا


ولقد جاوز المتنبي حد الغلو ، وأنا أستغفر الله تعالى لي وله . والشاهد في البيتين : كون المأخوذ دون المأخوذ منه في البلاغة . وهذا الأخذ مذموم مردود ، لفوات الفضيلة وعدم الفائدة ، فإن المصراع الثاني من بيت أبي الطيب مأخوذ من المصراع الثاني من بيت أبي تمام ، لكن مصراع أبي تمام أجود سَبْكاً ، لأن قول أبي الطيب ولقد يكون بلفظ المضارع لم يصب محَزَّه ، إذْ المعنى على الماضي ، والمراد لقد كان .


وينظر إلى بيت أبي تمام قول الشريف الموسوي في الصاحب بن عباد :


يا طالباً من ذا الزمان شبيهَهُ ........ هيهات كلَّفْتَ الزمانَ مُحالا


وينظر إلى صدر بيت المتنبي قول السلامي في الوزير سابور :


أعْدَى الزَّمانَ نَدَى أبي نصر فلو ........ سُمْناهُ أن يهَبَ الصبى لم يَبْخَلِ


وما أحسن قول القاضي الفاضل في هذا المعنى :


مَضَتِ الدهورُ وما أتينَ بمثلِهِ ........ ولقد أتى فَعَجَزْنَ عن نُظَرائِهِ


ومن الأخذ المذموم قول بعض الأعراب :


وريحها أطيبُ من طيبها ........ والطيبُ فيه المسك والعَنْبَرُ


وقول بشار بعده :


وإذا أدنَيْتَ منهُ بَصَلاً ........ غلبَ المسْكُ على ريح البَصَلْ


وقول أشجع السلمي :


وعلى عدوِّكَ يا ابن عَمِّ محمدٍ ........ رَصَدَانِ ضوءُ الصبح والإظلامُ فإذا تَنَبَّهَ رُعتَه وإذا غَفا ........ سَلَّتْ عليه سيوفَكَ الأحلامُ


وقول أبي الطيب بعده :


يرى في النَّوْمِ رُمْحَكَ في كُلاهُ ........ ويخشى أن يراهُ في السُّهادِ


وكذا قول السري الرفاء وإن كان فيه زيادة المعنى وحلاوة السبك ، وهو :


تروعُ أحشاءهُ بالكتب وهوَ لها ........ خَوْفَ الرّدى ورجاء السلم مُسْتَلِمُ لا يَشْرَبُ الماء إلاَّ غَصَّ من حَذَرٍ ........ ولا يهَوِّمُ إلاَّ راعَهُ الحُلمُ


وقد ألم به الشهاب محمود فقال من قصيدة :


كأن هاربُهمْ والخوف يَطْلُبُه ........ يبدو لديه مثالٌ منه أو مَثلُ فإن تنبّهَ يوماً راعَهُ ، وإذا ........ غَفا جَلَتْه عليه في الكَرى المقَلُ


وقول الخنساء :


وما بلغ المُهْدونَ للناس مدحَةً ........ وإن أطْنَبوا إلاَّ وما فيك أفْضَلُ


وقول أشجع :


وما ترك المداح فيكَ مقالةً ........ ولا قال إلاَّ دونَ ما فيكَ قائلُ


وهذا الباب واسع لا طاقة لأحد على حصره ، وهذه النبذة كافية فيه إن شَاءَ الله تعالى .


لَوْ حارَ مُرْتادُ المَنِيّةِ لم يجِدْ ........ إلاَّ الفِراقَ على النفوس دَليلا لولا مُفارَقَةُ الأحْبابِ ما وَجَدَتْ ........ لَها المنايا إلى أرْواحِنا سُبُلا


البيت الأول لأبي تمام ، من قصيدة من الكامل ، يمدح بها نوح بن عمرو السكسكي ، أولها :


يومَ الفراقِ لقد خُلِقْتَ طويلا ........ لم تُبْقِ لي صبراً ولا مَعْقولا وبعده البيت ، وبعده : قالوا الرحيل فما شَكَكْتُ بأنها ........ نَفْسٌ عن الدنيا تُريدُ رَحيلا الصبرُ أجملُ غيرَ أن تَذلُّلي ........ في الحب أحْرَى أن يكونَ جميلا أتَظُنني أجِدُ السَّبيلَ إلى العَزا ........ وَجَدَ الحِمامُ إذن إليَّ سبيلا ردُّ الجَموحِ الصعبِ أيْسَرُ مطلباً ........ من رد دمع قد أصاب مَسيلا


وهي طويلة . والارتياد : الطلب ، وإضافة المرتاد إلى المنية بيانية ، أَي المنية الطالبة للنفوس لو تحيرت في الطريق إلى إهلاكها ولم يمكنها التوصل إليها لم يكن لها دليل عليها إلاَّ الفراق .


ومثله قول الحمَّاني :


ولقَدْ نَظرْتُ إلى الفراق فلم أجد ........ للمَوْتِ لو فقِدَ الفراق سبيلا


والبيت الثاني لأبي الطيب المتنبي ، من قصيدة من البسيط ، يمدح بها سعيد ابن كلاب الطائي وأولها :


أحيا وأيْسَرُ ما لاقَيْتُ ما قتلا ........ والبينُ جارَ على ضعفي وما عَدَلا والوَجد يَقْوَى كما يَقْوى النوى أبداً ........ والصبرُ يَنْحَلُ في جسمي كما نَحَلا


وبعده البيت ، وبعده :


بما بجفْنَيْكِ من سحرٍ صلى دنِفاً ........ يهْوى الحياة ، وأما إن صَدَدت فَلا إن لا يَشِبْ فلقد شابَتْ له كبدٌ ........ شَيْباً إِذا خَضَبَتْهُ سلوة نَصَلا يجَنُّ شوقاً فلولا أن رائحةً ........ تزورُه في رياح الشرق ما عَقَلا ها فانظري أو فظُني بي تَرَيْ حُرَقاً ........ من لم يذق طَرَفاً منها فقد وألا عَلَّ الأميرَ يرى ذلي فَيَشْفَع لي ........ إلى التي تركتني في الهوى مَثَلا


وهذا البيت من المخالص القبيحة التي عيبتْ على المتنبي ، وسببُ القبح كونه جعل ممدوحه ساعياً بينه وبين محبوبته في الوصال ، وفي ذلك ما فيه ، وقد سبقه أبو نواس إليه بقوله :


سأشكو إلى الفَضْلِ بن يحيى بن خالد ........ هواكِ لعل الفَضل يجمَعُ بيننا


وقد سبقهما إلى ذلك قيس بن ذريح حين طلق لُبنى فتزوجت غيره فندم على ذلك وشَبَّبَ بها في كل مغنى ، فرحمه ابن أبي عتيق ، فسعى في طلاقها وأعادها إلى قيس ، في خبر طويل ، فقال يمدحه :


جَزَى الرحمن أفْضَلَ ما يجازي ........ على الإحسان خيراً من صديق وقد جَرَّبْتُ إخواني جميعاً ........ فما ألفيت كابْنِ أبي عتيق سَعَى في جمع شملي بعد صَدْعٍ ........ ورأى حِدْتُ فيه عن الطريق وأطفأ لوْعَةً كانت بقلبي ........ أغَصَّتني حَرارتها بريقي


فلما سمع ذلك ابن أبي عتيق قال لقيس : يا حبيبي ، أمسك عن هذا المدح فما سمعه أحد إلاَّ وظنني قواداً .


ولنرجع إلى الكلام عن البيتين . والشاهد فيهما : مماثلة المأخوذ للمأخوذ منه ، فيكون أبعد من الذم ، والفضل للأول إن لم يكن في الثاني دلالة على السرقة باتفاق الوزن والقافية ، وإلا فهو مذموم جداً ، فأبو الطيب أخذ معنى بيت أبي تمام كله مع بعض الألفاظ كالمنية والفراق والوجدان ، وبدَّلَ النفوس بالأرواح . ومنه قول أبي تمام :


مقيمُ الظن عِندك والأماني ........ وإن قَلِقَتْ ركابي في البلادِ ولا سافَرْتُ في الآفاق إلاَّ ........ ومنْ جَدْواكَ راحِلتي وزادي


وقول المتنبي :


محبك حيثما اتجَهَتْ رِكابي ........ وضَيْفُكَ حيث كنتُ من البلادِ


وقول القاضي الأرجاني :


لم يُبكني إلاَّ حديث فِراقِكم ........ لما أسرَّ به إلى مُوَدِّعي هو ذلك الدُّرُّ الذي أوْدعتُمُ ........ في مَسْمَعي ألقيته من مَدْمَعي


وقول الزمخشري في مرثية أستاذه :


وقائلة ما هذه الدرر التي ........ تُساقِطُها عيناك سِمْطَيْنِ سمطينِ فقلت هو الدرُّ الذي قد حَشا به ........ أبو مُضَرٍ أذني تَسَاقَطُ من عيني


وقول إبراهيم بن العباس في ابن الزيات الوزير :


نَجا بك لؤْمُك منجي الذبابِ ........ حَمَتْهُ مقاذيرُه أن يُنالا وقول ابن حجاج بعده : على أني أظنك كنتَ تنجو ........ بِعِرْضك من يدي مَنْجَى الذباب


وقول أبي نواس :


تستَّرْتُ من دهري بظلِّ جناحه ........ فعيني ترى دهري وليس يَراني


وقول ابن حجاج :


سترْتُ بظله من رَيب دهري ........ فطال على النَوائب أن تَراني


وقول ابن المعتز :


وخَمَّارةٍ من بنات اليهود ........ نرى الزق في بيتها شائِلا وزَنّا لها ذهَباً جامداً ........ فكالَتْ لنا ذهباً سائلا


وقول ابن الحجاج :


وخَمَّاراً أعدَّ الكأس ظِئراً ........ لطارِقَةٍ فلم ترْضِعْهُ غَيْلا أوفِّيهِ خلاص التبر وزناً ........ فيكسبه ويعطينيه كيلا


ولابن حمديس في مثله :


وضعتُ بميزانها درْهمي ........ فسَيَّلَ بالكأس دينارَها


وقول جَحْظَة البرمكي ، أو علي بن جبلة :


بأبي من زارني مكتتماً ........ خائفاً من كل شيء جَزِعا زائر نَمَّ عليه حسنه ........ كيف يخفي الليل بدراً طلعا راقَبَ الغفلة حتَّى أمكَنَتْ ........ ورعى السامِرَ حتَّى هَجَعا رَكبَ الأهْوالَ في زَوْرَتهِ ........ ثمَّ ما سَلمَ حتَّى وَدَّعا


وقول المتنبي :


بأبي مَنْ وَدِدْتُهُ فافترَقْنا ........ وقضَى الله بَعدَ ذاكَ اجتماعا وافترَقْنا حَوْلا فلمَّا التقَيْنا ........ كانَ تسليمهُ عليَّ وَداعا


وقول الحسين بن الضحاك :


بأبي زَوْرٌ تَلفّتَّ لهُ ........ فتنفَّسْتُ عليهِ الصُّعَدا بينما أضحكُ مَسروراً لهِ ........ إذْ تَقَطَّعْتُ عليهِ كَمَدا


وقول الآخر أنشده الصولي :


زائِرٌ زارَني يُشيِّعُهُ الشوْ _ قُ قَريبُ الهوى بَعيدُ المرامِ كانَ عَنِّي أوحَى انصرافاً منَ اللحْ _ ظِ وأخفى من طارقٍ في المنامِ


وقول العباس بن الأحنف :


سَألونا عنْ حالِنا كيفَ أنتمْ ........ فَقَرَنَّا وداعَنا بالسؤالِ ما حَللنا حتَّى افترقنا فما نَف _ رِقُ بينَ النزولِ والارْتحالِ


وقول كشاجم ، ويعزى لأبي الحسين بن طاهر بن محمد النجري الكاتب :


بأبي وأُمِّي زائرٌ مُتقنعٌ ........ لم يَخف ضوء البدر تحت قناعهِ لم أسْتتمَّ عِناقَهُ لِقدومهِ ........ حتَّى ابتدأتُ عناقهُ لوَداعِهِ ومَضى فأبْقى في فؤادي حسرَةً ........ تركتهُ مَوْقوفاً على أوجاعِهِ


ومنه قول الآخر :


زار يُهدي السلامَ لم أرَ فصْلاً ........ بينَ توْديعهِ وبينَ السلامِ


وقول الآخر :


زارَنا حتَّى إِذا ما ........ سَرَّنا بالقرْبِ زالا


ولأبي الشيص في معناه :


يا حَبذا الزوْرُ الذي زارا ........ كأنهُ مُقتبسٌ نارا نَفسي فِداءٌ لكَ من زائرٍ ........ ما حلَّ حتَّى قيلَ قد سارا


وقد عكس ابن أبي البشر الصقلي الكاتب جحظة الأخير ، فقال : يهجو ثقيلاً :


وثقيلٍ قد شَنِئْنا شخصهُ ........ مُذْ عرفناهُ مُلِحًّا مُبْرِما ثقّلَ الوطأة في زَوْرَتِه ........ ثمَّ ما وَدَّعَ حتَّى سَلما هوَ الصنع إنْ يَعْجَلْ فخيرٌ ، وإنْ يَرِثْ ........ فللرَّيثُ في بعضِ المواضِعِ أنفَعُ ومِنَ الخيرِ بُطءُ سَيبكَ عَنّي ........ أسرَعُ السحْب في المَسيرِ الجَهامُ


البيت الأول لأبي تمام ، من قصيدة من الطويل ، أولها :


أما إنهُ لولا الخليطُ المودّعُ ........ ورَبْعٌ عفا منهُ مصيفٌ ومرْبعُ لَرُدَّتْ على أعْقابها أريَحِية ........ منَ الشوْقِ واديها منَ الدَّمْعِ مُترَعُ


وهي طويلة ، وسيأتي طرف منها في التلميح ، إن شَاءَ الله تعالى .


والريث : الإبطاء . والبيت الثاني لأبي الطيب ، من قصيدة من الخفيف ، يمدح بها عليّ ابن أحمد الخراساني المريّ أولها :


لا افتخارٌ إلاَّ لمنْ لا يُضامُ ........ مُدْرِكٍ أو مُحارِبٍ لا ينامُ ليسَ عَزْماً ما مرَّضَ المرءُ فيهِ ........ ليسَ هما ما عاقَ عنهُ الظلامُ واحتمالُ الأذَى ورُؤيةُ جاني _ هِ عَناء تَضْوى به الأجسامُ ذَلَّ من يغبطُ الذليلَ بعيشٍ ........ رُبَّ عَيشٍ أخَفُّ منهُ الحِمامُ كلّ حِلمٍ أتى بغيرِ اقتدارٍ ........ حُجةٌ لاجئٌ إليها اللئامُ مَنْ يَهُنْ يَسهُلِ الهَوانُ عليهِ ........ ما لجرْحٍ بميتٍ إيلامُ


يقول في مديحها :


خيرُ أعضائنا الرُّؤوسُ ولكن ........ فضلتها بِقصدكَ الأقدامُ قَدْ لَعمري أقصرْت عنكَ وللوَفْ _ دِ ازدحامٌ وللعطايا ازدِحامُ خِفْتُ إن صِرْتُ في يمينكَ أن يأ _ خُذني في هِباتكَ الأقوامُ ومنَ الرُّشدِ لم أزُرْكَ على القُرْ _ بِ ، على البعدِ يُعْرَفُ الإلمامُ


وبعده البيت ، وبعده :


قُلْ فكم من جَواهرٍ بنظام ........ وَدُها أنها بِفيكَ كلامُ هابَكَ الليلُ والنهارُ فلو تنْ _ هاهُما لم تَجُزْ بكَ الأيامُ


والسَّيْب : العطاء ، والجهام : السحاب الذي لا ماء فيه ، أو الذي هراق ماءه .


والشاهد في البيتين : الإلمام ، ويسمى : السلخ ، وهو : أخذ المعنى وحده ثمَّ هو على ثلاثة أقسام : إما أبلغ من المأخوذ منه ، أو دونه ، أو مثله ، فبيت المتنبي أبلغ من بيت أبي تمام ، لاشتماله على زيادة بيان للمقصود ، حيث ضرب المثل بالسحاب .


وإذا تألَّقَ في النديّ كلامُهُ ال _ مَصْقولُ خلْتَ لسانَهُ من عَضِبِهِ كأنَّ ألسُنَهُمْ في النطق قد جعلتْ ........ على رِماحِهمُ في الطعْنِ خُرْصانا


البيت الأول للبحتري ، من الكامل ، من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ، أولها :


مَنْ سائلٌ لمعذبٍ عن خَطبهِ ........ أو صافحٌ لمقصرٍ عن ذَنبهِ


وهي طويلة يقول في مديحها :


وإذا استهَلَّ أبو عليّ بالندى ........ جاء الغمامُ المستهلّ بسكبهِ وإذا احْتَبى في عقدهِ من حِلمِهِ ........ يوماً رَأيتَ مَتالعاً في هَضْبِهِ


وبعده البيت ، وبعده :


وإذا دَجَتْ أقلامُهُ ثمَّ انتَحَتْ ........ بَرَقَتْ مَصابيحُ الدُّجى في كُتبِهِ فاللفظُ يقرُبُ فَهْمُهُ في بُعْدِه ........ مِنا ويَبعُدُ نَيْلُهُ في قُرْبهِ وكأنَّها والحسْنُ مَعْقودٌ بها ........ شَخْصُ الحبيب بَدا لِعَيْنِ مُحِبِّهِ


ومعنى تألق : لمع ، والندى : المجلس الغاص بأشراف الناس ، والمصقول : المنقح ، والعَضْب : السيف القاطع ، شبه لسانه بسيفه .


والبيت الثاني لأبي الطيب المتنبي ، من قصيدة من البسيط ، يمدح بها أبا سهل الأنطاكيّ ، أولها :


قد عَلمَ البينُ منا البينَ أجفانا ........ تَدْمى وألّفَ في ذا القلب أحزانا أمّلْتُ ساعةَ ساروا كشْفَ مِعْصمها ........ لِيَلْبثَ الحَيُّ دونَ السيرِ حيرانا ولو بَدَتْ لأتاهَتْهُمْ فحجَّبها ........ صَوْنٌ عقولَهُمُ من لحظها صانا


إلى أن قال في مديحها :


ما شَيّدَ الله من مجدٍ لسالفهمْ ........ إلاَّ ونحنُ نَراهُ فيهمُ الآنا إن كوتبوا أو لُقوا أو حوربوا وُجدوا ........ في الخطِّ واللفظِ والهَيجاء فُرْسانا


وبعده البيت ، وبعده :


كأنهمْ يَرِدونَ الموتَ من ظمإٍ ........ أم ينشقون من الخَطِّيِّ رَيْحانا


وخرصان الرمح : أسنتها أو الحلق تطيف بأسافل الأسنة ، وواحدها : خُرْص بالضم والكسر ، يريد وصف فصاحة ألسنة الممدوحين وطلاقتها .


والشاهد في البيتين : مجيء المأخوذ دون المأخوذ منه ، فبيت المتنبي دون بيت البحتري ، لأنه قد فاته ما أفاده البحتري بلفظي تألق ، والمصقول ، من الاستعارة التخييلية ، حيث أثبت التألق والصقالة للكلام ، كإثبات الأظافر للمنية ، ويلزم من هذا تشبيه كلامهُ بالسيف ، وهو استعارة بالكناية .


ولَمْ يكُ أكثرُ الفتيانِ مالاً ........ ولكنْ كانَ أرْحَبَهُمْ ذِراعا وليسَ بأوْسعهمْ في الغنى ........ ولكنّ معروفَهُ أوْسعُ


البيت الأول لأبي زياد الأعرابي ، من أبيات من الوافر ، وقبله :


لهُ نارٌ تُشَبُّ على يَفاعٍ ........ إِذا النيرانُ أُلبِسَتِ القِناعا


ورَحْب الذراع : كناية عن الوصف بالسخاء ، يقال : فلان رحب الذراع ، وواسع الذراع ، أي سخي .


والبيت الثاني لأشجع السلمي ، من قصيدة من المتقارب ، يمدح بها جعفر ابن يحيى البرمكي .


حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، قال : لما ولي الرشيد جعفر بن يحيى خراسان جلس للناس فدخلوا عليه يهنئونه ، ثمَّ دخل الشعراء ، فأنشدوه ، وقام أشجع في آخرهم ، فاستأذن في الإنشاد فأذن له ، فأنشده قوله :


أتَصبرُ للبينِ أم تجزَعُ ........ فإنَّ الدِّيار غداً بَلْقَعُ غداً يتفرَّقُ أهلُ الهوَى ........ ويكْثُر باكٍ ومُسترجعُ


حتَّى انتهى إلى قوله :


ودَوّية بينَ أقطارِها ........ مَقاطعُ أرْضينَ لا تُقْطَعُ تجاوَزْتُها فوقَ عيرانةٍ ........ من الرِّيحِ في سيرها أسرَعُ إلى جعفرٍ نَزَعَتْ رَغبةٌ ........ وأيُّ فتًى نحوَهُ يُنزَعُ فما دونهُ لامرئٍ مَطْمَعٌ ........ ولا لامرئٍ غيرهُ مقنَعُ ولا يرفعُ الناسُ من حَطهُ ........ ولا يَضعونَ الذي يَرْفعُ تُريدُ الملوكُ مدى جعفرٍ ........ ولا يصنَعونَ كما يصنعُ


وبعده البيت ، وبعده :


تلوذُ المُلوكُ بآرائهِ ........ إِذا نابها الحدثُ الأفظعُ بدَيهتهُ مثلُ تَدْبيرهِ ........ متى رُمْتهُ فهو مُستجمعُ وكم قائلٍ إذ رأى ثرْوَتي ........ وما في فُضول الغنى أصنعُ غَدا في ظلال نَدى جعفرٍ ........ يجرُّ ذُيولَ الغنى أشجعُ فقُلْ لخراسانَ تَحيا فَقَدْ ........ أتاها ابن يحيى الفَتى الأروَعُ


فأقبل عليه جعفر بن يحيى ضاحكاً ، واستحسن شعره ، وجعل يخاطبه مخاطبة الأخ أخاه ، ثمَّ أمر له بألف دينار ، قال : ثمَّ بدا للرشيد في ذلك التدبير فعزل جعفراً عن خراسان بعد أن أعطاه العهد والكتب ، وعقد له العقد ، وأمر ونهى ، فوجم لذلك جعفر ، فدخل عليه أشجع ، فأنشده :


أمْسَتْ خراسانُ تُعزَّى بما ........ أخطأها من جعفر المُرْتجى كانَ الرشيدُ المُعْتلى أمْرُهُ ........ ولَّى على مشْرِقها الأبلجا ثمَّ أراهُ رَأيهُ أنهُ ........ أمسى إليه منهمْ أحوَجا فكم بهِ الرحمنُ من كُربةٍ ........ في مُدَّةٍ تقصُرُ قد فَرَّجا


فضحك جعفر ، وقال : لقد هوَّنت عليَّ العزل ، وقمت لأمير المؤمنين بالعذر ، فسَلني حاجتك ، فقال : كفاني جودك ذل السؤال ، فأمر له بألف دينار أخرى .


والشاهد في البيتين مجيء المأخوذ مثل المأخوذ منه . وقد ألم أبو الطيب بهذا المعنى فقال :


بمصْرَ ملوك لهمْ ما لهُ ........ ولكنهمْ ما لهمْ هَمُّهْ


ومثله قول بعضهم في مرثية ابن له :


والصَّبْرُ يُحْمَدُ في المَواطِنِ كُلِّها ........ إلاَّ عَلَيكَ فإنَّه مَذْمومُ


وقول أبي تمام بعده :


وقد كان يُدْعى لابسُ الصَّبْرِ حازماً ........ فأصْبَحَ يُدْعى حازماً حينَ يَحْزَعُ


وقول بكر بن النطاح :


كأنك عند الكر في حَوْمةِ الوغى ........ تفر من الصف الذي من ورائكا


وقول أبي الطيب المتنبي :


وكأنَّهُ والطَّعْنُ من قُدَّامِهِ ........ مُتَخَوِّفٌ من خَلفِهِ أن يطعنا


وأبو زيد الأعرابي اسمه يزيد بن الحر الكلابي ، وقيل يزيد بن عبد الله بن الحر الكلابي ، قدم بغداد من البادية أيام المهدي ، لأمر أصاب قومه ، فأقام ببغداد أربعين سنة ، وكان العباس بن محمد يجري عليه في كل يوم رغيفاً ثمَّ قطعه فقال أبو زيد في ذلك :


فإن يَقطع العباس عني رغيفَهُ ........ فما قاتني من نعمة الله أكثر


ومن شعره أيضاً :


أراكَ إلى كُثبان يَبْرينَ شيقاً ........ وهذا لعمري لو قنعتَ كثيبُ فأينَ الأراكُ الآنَ والأيكُ والغضا ........ ومستخبرٌ عمَّنْ أُحبُّ قريبُ


وصنف أبو زياد هذا كتاب النوادر ، وهو كتاب كبير فيه فوائد كثيرة ، وقال الصاحب جمال الدين أبو الحسن علي بن القفطي : رأيت من بعض نسخة المجلد الثالث عشر ، وهو آخر الكتاب ، وكان بخط بانوسة معلم بني مقلة ، وورَّاقهم . وله كتاب الفرق ، وكتاب الإبل ، وكتاب خلق الإنسان .


وأشجع هو ابن عمرو السلمي ، ويكنى أبا الوليد ، وهو من ولد الشريد السلمي ، تزوج امرأة من أهل اليمامة ، فشخص معها إلى بلدها ، فولدت له هناك أشجع ، ونشأ باليمامة ، ثمَّ مات أبوه ، فقدمت به أُمّه البصرة ، فطلب ميراث أبيه وكان له هناك مال ، فماتت بها . ونشأ أشجع بالبصرة ، فكان من لا يعرفه يدفع نسبه . ثمَّ كبر وقال الشعر ، فأجاد وعدَّ في الفحول ، وكان الشعر يومئذ في ربيعة واليمن ، ولم يكن لقيس شاعر معدود . فلمَّا نجم أشجع وقال الشعر افتخرت به قيس وأثبتت نسبه ، وكان له أخوان : أحمد وحريث ابنا عمرو ، وكان أَحمد شاعراً ، ولم يكن يقارب أشجع ، ولم يكن لحريث شعر ، ثمَّ خرج أشجع إلى الرقَّة والرشيد بها ، فنزل على بني سليم ، فتلقَّوْه وأكرموه ، ومدح البرامكة ، وانقطع إلى جعفر خاصَّةً ، وأصفاه مدحه ، فوصله بالرَّشيد ومدحه فأُعجب به ، وأثرَى ، وحسنت حاله في أَيَّامه ، وتقدَّم عنده .


وحدث أسد بن جديلة ، قال : حدَّثني أشجع السلمي ، قال : شخصت من البصرة إلى الرقَّة ، فوجدت الرَّشيد غازياً ، ونالتني خلَّة ، فخرجت حتَّى لقيته منصرفاً من الغزو ، وكنت قد اتَّصلت ببعض أهل داره ، فصاح صائح ببابه ، من كان ههنا من الشعراء فليحضر يوم الخميس ، فحضرنا سبعة وأنا ثامنهم ، فأمرنا بالبكور في يوم الجمعة ، فبكرنا وأدخلنا ، فقدم واحد واحد منَّا ينشد على الأَسنان ، وكنت أحدث القوم سنًّا وأرقّهم حالاً ، فلمَّا بلغ إليَّ حتَّى كادت الصلاة أن تجب ، فقدمت والرَّشيد على كرسي وأصحاب الأَعمدة بين يديه سماطين ، فقال لي : أنشد ، فخفت أن أبتدئ في أوَّل قصيدته بالنسيب فتجب الصلاة ويفوتني ما أردت ، فتركت النسيب وأنشدته من موضع المديح في قصيدتي التي أوَّلها :


تذكر عهدَ البيض وهوَ تِرْبُ ........ وأيامَ تُصْبي الغانياتِ ولا يصبو


فابتدأت قولي في المديح :


إلى ملكٍ يَستغرقُ المالَ جودُهُ ........ مكارمهُ نهْبٌ ومعروفه سَكْبُ وما زال هارون الرضا بن محمد ........ لهُ من مياه النصر مَشْربُها العذبُ متى تبلغ العيسُ المراسيلُ بابهُ ........ بنا فهناك الرحْبُ والمنزل الرحْبُ لقدْ جمعتْ فيك الظنون ولم يكن ........ بغيركَ ظنٌّ يستريحُ له قلبُ جمعت ذوي الأهواء حتَّى كأنهم ........ على منهج بعدَ افتراقهمُ ركبُ بعَثتَ على الأبناء أبناء دُرْبة ........ فلم يُقيم منهم حصونٌ ولا دربُ وما زلتَ تَرميهمْ بها مُتفرِّداً ........ أنيساك حزمُ الرأي والصارمُ والعَضْبُ جهدتُ فلم أبلغ علاكَ بمدحة ........ وليس على من كان مجتهداً عَتْبُ


فضحك الرشيد : ثمَّ قال : خفتَ أن يفوت وقتُ الصلاة ، وينقطع المديح عليك ، فبدأت به وتركت النسيب ، وأمرني أن أنشده النسيب ، فأنشدته إياه فأمر لكل واحد من الشعراء بعشرة آلاف درهم ، وأمر لي بضعفها .


وحدَّث قدامة بن نوح قال : جلس جعفر بن يحيى بالصالحية يشرب على مستشرف له ، فجاءه أعرابي من بني هلال ، فشكا واستماح بلفظ فصيح ، وكلام مثله يعطف المسئول ، فقال له جعفر بن يحيى : أتقول الشعر يا هلالي ؟ قال كنت أقوله وأنا حَدَث أتملَّح به ، ثمَّ تركته لما صرت شيخاً ، قال : فأنشدني لشاعركم حميد بن ثور ، فأنشده قوله :


لمنِ الديارُ بجانب الحمس ........ كمخط ذي الحاجات بالنقسِ


حتَّى أتى على آخرها ، فاندفع أشجع ، فأنشده مديحاً ، قاله فيه على وزنها وقافيتها :


ذَهبَتْ مكارمُ جعفرٍ وفعالهُ ........ في الناس مثلَ مَذاهِبِ الشمسِ ملك تسوسُ له المعالي نفسُهُ ........ والعقلُ خيرُ سياسة النفسِ فإذا تَراءتهُ الملوك تَراجعوا ........ جهرَ الكلام بمنطقٍ همسِ ساد البرامكَ جعفرٌ وهمُ الأولى ........ بعدَ الخلائف سادةُ الأنسِ ما ضرّ مَنْ قصدَ ابن يحيى راغباً ........ بالسعدِ حلّ بهِ أم النحسِ


فقال له جعفر : صِفْ موضعنا هذا ، فقال :


قُصورُ الصالحية كالعذارى ........ لبسنَ ثيابهنَّ ليومِ عُرْسِ مُطِلاتٍ على قصرٍ كستهُ ........ أيادي الماء وشياً نسجَ غَرْسِ إِذا ما الطلُّ أثرَ في ثراهُ ........ تنفسَ نَوْرُهُ من غير نفسِ


فقال جعفر للأعرابي : كيف ترى يا هلالي صاحبنا ؟ قال : أرى خاطره طوع لسانه ، وبينَ الناس دون بيانه ، وقد جعلت له ما تصلني به ، قال : بل نفردك يا أعرابي ونرضيه ، فأمر للأعرابيّ بمائة دينار ، ولأشجع بمائتي دينار .


وحدَّث أشجع قال : كنت ذات يوم في مجلس بعض إخواني أتحدث وأنشد إذْ دخل عليهم أنس بن أبي شيخ البصري ، صاحب جعفر بن يحيى ، فقام له جميع القوم غيري ، ولم أعرفه فأقوم له ، فنظر إليَّ ، وقال : من هذا الرجل ؟ فقيل : أشجع السلمي الشاعر ، فقال : أنشدني بعض شعرك ، فأنشدته ، فقال : إنك لشاعر ، فما يمنعك من جعفر بن يحيى ؟ فقلت : ومن لي بجعفر بن يحيى ؟ فقال : أنا ، فقل أبياتاً ولا تطل فإنه يملّ الإطالة ، فقلت له : لست بصاحب إطالة ، وقلت أبياتاً على نحو ما رسم لي وصرت إليه ، فقال : تقدمني إلى الباب فلم يلبث أن جاء ، فدخل وخرج أبو رمح الهمداني ، صاحب جعفر بن يحيى ، فقال : أشجع ، فقمت إليه ، فقال : ادخل ، فدخلت ، فاستنشدني فأنشدته :


وترى الملوكَ إِذا رأيتهمُ ........ كلٌّ بعيدُ الصوت والجَرْسِ


الأبيات المارة قريباً ، فأمر لي بعشرة آلاف درهم ، وكان أشجع يحب الثياب ، فكان يكتري الخلعة في كل يوم بدرهمين ، فيلبسها أياماً ، ثمّ يكتري غيرها فيفعل بها مثل ذلك ، قال : فابتعت ثياباً كثيرة بباب الكرخ ، فكسوت عيالي وعيال إخوتي حتَّى أنفقتها ، ثمَّ أتيت المبارك مؤدب الفضل بن يحيى ، فقال : أنشدني ، فأنشدته ، فقال : ما يمنعك من الفضل بن يحيى ؟ فقلت : ومن لي بالفضل بن يحيى ؟ قال : أنا لك ، فأدخلني عليه فأنشدته :


وما قدَّمَ الفضلُ بن يحيى مكانهُ ........ على غيرهِ بلْ قدَّمتْهُ المكارمُ لقد أرْهبَ الأعداء حتَّى كأنهُ ........ على كلِّ ثغر بالمنية قائمُ


فقال : كم أعطاك جعفر ؟ قلت : عشرة آلاف درهم ، فقال : أعطوه عشرين ألفاً .


وحدث داود بن مهلهل ، قال : لما خرج جعفر بن يحيى ليُصلح أمر الشام نزل في مَضْربه ، وأمر بإطعام الناس ، فقام أشجع فأنشده :


فئتان طاغيةٌ وباغيةٌ ........ جَلَّتْ أمورهما عن الخطبِ قد جاءكم بالخيل شازبةً ........ ينقلنَ نحوكم رَحى الحربِ لم يبقَ إلاَّ أن تدورَ بكم ........ قد قام هاديها على القُطْبِ


قال : فأمر له بصلة ليست بالسنية ، وقال له : دائم القليل خير من منقطع الكثير ، فقال له : ونَزْرُ الوزير خير من جزيل غيره ، فأمر له بمثلها .


قال : وكان يُجزي عليه في كل جمعة مائة دينار مدة مقامه ببابه .


وحدَّث إسحاق الموصلي ، قال : دخلت على الرشيد يوماً وهو يخاطب جعفر ابن يحيى بشيء لم أسمع ابتداءه ، وقد علا صوته ، فلما رآني مقبلاً ، قال لجعفر : أترضى بإسحاق ؟ فقال جعفر : والله ما في علمه مطعن إن أُنصف ، فقال لي : أَي شيء تروى للشعراء المحدثين في الخمر ؟ أنشدني من أفضل ما عندك ، وأشده تقدماً ، فعلمت أنهما كانا يتماريان في تقديم أبو نواس ، فعدلت عنه إلى غيره ، لئلا أخالف أحدهما ، فقلت له : لقد أحسن أشجع السلمي في قوله :


ولقد طعنْتُ الليل في أعجازه ........ بالكأس بين غضارف كالأنجم يتمايلون على النعيم كأنهم ........ قُصُبٌ من الهنديِّ لم تتثَلَّمِ وسعى بها الظبيُ الغرارُ يزيدها ........ طيباً ويغشمها إِذا لم تغشم والليلُ مشتمل بفضل ردائهِ ........ قد كادَ يحسرُ عن أغرّ أرثمِ فإذا أدارتها الأكفُّ رأيتها ........ تثني الفصيحَ إلى اللسان الأعجمي وعلى بنان مُديرِها عقيانة ........ من مسكها وعلى فضول المعصم تَغلي إِذا ما الشعرَيان تَلظتا ........ صيفاً وتسكن في طلوع المرزم ولقد فضضناها بِخاتم رَبها ........ بِكراً وليس البكرُ مثلَ الأيِّم ولها سكون في الإناء وخلفها ........ شغب يطوِّح بالكميّ المعلم تعطي على الظلم الفتى بِقيادِها ........ قسْراً وتظلمه إِذا لم تُظلم


فقال له الرشيد : قد عرفت تعصبك إلى أبي نواس ، وأنك عدلت عنه ، متعمداً ، ولقد أحسن ، أشجع ولكنه لا يقول أبداً مثل قول أبي نواس :


يا شقيقَ النَّفْس من حكم ........ نمتَ عنْ ليلى ولم أنمِ


فقلت له : ما علمت ما كنتما فيه يا أمير المؤمنين ، وإنما أنشدت ما حضرني فقال : حسبك ، قد سمعت الجواب ، وكان في إسحاق تعصب على أبي نواس لشيء جرى بينهما .


وحدث إسحاق ، قال : اصطبح الواثق في يوم مَطيرٍ ، واتصل شربه ، وشربنا معه حتَّى سقطنا لجنوبنا صَرْعى وهو معنا على حالنا ، فما حول أحد منا من مضجعه ، وخدم الخاصَّة يطوفون علينا ويتفقدوننا ، وبذلك أمرهم ، وقال لهم : لا تحركوا أحداً منهم عن مضجعه ، فكان هو أول من أفاق منا ، فقام وأمر بإنباهنا ، فانتبهنا ، وقمنا وتوضأنا وأصلحنا من شأننا ، وجئنا إليه ، وهو جالس ، وفي يده كأس ، وهو يروم شربها والخُمار يمنعه ، فقال لي : يا إسحاق أنشدني في هذا المعنى شيئاً ، فأنشدته قول أشجع السلمي :


ولقد طعنتُ الليل في أعجازه


إلى آخر الأبيات ، فطرب ، وقال : أحسن والله أشجع ، وأحسنت يا أبا محمد ، أعد بحياتي ، فأعدتها وشرب كأسه عليها ، وأمر لي بألف دينار .


وحدث علي بن الجهم ، قال : دخل أشجع على الرشيد ، وقد مات ابن له ، والناس يعزونه ، فأنشده :


نقصٌ من الدين ومن أهلهِ ........ نقصُ المنايا من بني هاشمِ قدَّمتَهُ فاصبر على فقدِهِ ........ إلى أبيهِ وأبي القاسمِ


فقال الرشيد : ما عزاني أحدٌ اليوم أحسن من تعزية أشجع ، وأمر له بصلة .


وحدث عمر بن علي أن أشجع السلميّ كتب إلى الرشيد ، وقد أبطأ عنه شيء أمر له به :


ابلغ أميرَ المؤمنين رسالةً ........ لها عَنَقٌ بينَ الرُّواةِ فسيحُ بأنَّ لسانَ الشعر ينطقه الندى ........ ويخرسهُ الإبطاءُ وهو فصيحُ


وحدث أشجع ، قال : دخلت على الأمين ، حين أجلس مجلس الأدب للتعليم ، وهو ابن أربع سنين ، وكان يجلس فيه ساعة ، ثمَّ يقوم ، فأنشدت :


ملكٌ أبوهُ وأمهُ من نبعَةٍ ........ فيها سراجُ الأمةِ الوهاجُ شربَتْ بمكة في رُبَى بَطْحائها ........ ماء النبوة ليس فيه مزاجُ


قال : فأمرت له زبيدة بمائة ألف درهم .


وحَدث سعيد بن زهير وأبو دعامة ، قالا : كان انقطاع أشجع إلى العباس ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، فقال الرشيد للعباس يوماً : يا عم ، إن الشعراء قد أكثروا من مديح محمد بسببي وبسبب أم جعفر ، ولك يقل أحد منهم في المأمون شيئاً ، وأنا أحب أن أقع على شاعر فطن ذكي يقول فيه . فذكر العباس ذلك لأشجع ، وأمره أن يقول فيه ، فقال :


بيعةُ المأمون آخذَةٌ ........ بِعنانِ الحقّ في أُفقهْ أَحكمت مرآته عُقداً ........ تمنعُ المحتال في نفقهْ لنْ يفكَّ المرءُ رِبقتها ........ أَو يفكَّ الدين من عنقهْ ولهُ من وجهِ والدهِ ........ صورةٌ تمَّتْ ومن خلقهْ


قالا : فأتى العبَّاس الرشيد وأَنشده إيَّاها واستحسنها ، وسأله : لمن هي ؟ فقال : هي لي ، فقال : قد سررتني مرَّتين بإصابتك ما في نفسي ، وبأنَّها لك ، وما كان لك فهو لي ، وأمر له بثلاثين ألف درهم ، فدفع إلى أشجع منها خمسة آلاف درهم وأخذ باقيها لنفسه . وحدَّث علي بن الفضل السلمي قال : أَول ما نجم به أَشجع اتّصاله بجعفر ابن المنصور ، وهو حدث ، وصله به أحمد بن يزيد السلمي وابنه عوف ، فقال أشجع في جعفر بن المنصور :


اذكروا حُرْمَةَ العواتكِ منَّا ........ يا بني هاشم بن عبدِ مَنافِ قدْ وَلدْناكم ثلاثَ ولادَا _ تٍ خلطنَ الأَشرافَ بالأَشرافِ مهدَتْ هاشماً نجوم قصيٍّ ........ من بني فالج حجورُ عَفَافِ إنَّ أَرماحَ بهْثَةَ بنِ سليمٍ ........ لعجافُ الأَطرافِ غير عجافِ معشرٌ يطعَمُونَ من ذروةِ الشوْ _ ل ويُسْقَوْنَ خمرةَ الأَقحافِ يضربون الجبَّارَ في أَخْدعَيْهِ ........ ويُسَقُّونَهُ نقيعَ الذُّعافِ


فشاع شعره وبلغ المنصور ، ولم يزل أمره يترقى إلى أن وصلته زبيدة بعد وفاة أبيها بزوجها الرشيد فأسنى جوائزه ، وألحقه بالطبقة العليا من الشعراء . وحدث مهدي بن سابق قال : أعطى جعفرُ بن يحيى مروانَ بن أبي حفصة وقد مدحه ثلاثين ألف درهم ، وأعطى أبا البصير عشرين ألفاً ، وأعطى أشجع وقد أنشده معهم ثلاثة آلاف ، وكان ذلك في أوَّل اتِّصاله به ، فكتب إليه أشجع :


أَعطيتَ مروان الثَّلا _ ثينَ التي دلَّتْ رِعاثَهْ وأبا البصير ، وإنَّما ........ أَعطيتني مَعَهُمْ ثلاثَهْ ما خانني حَوْكُ القري _ ضِ ولا اتهمت سِوى الحداثَهْ


وحدث محمد بن الحارث الخرَّاز قال : كان لأشجع جارية يقال لها ريم ، وكان يَجِدُ بها وجداً شديداً ، فكانت تحلف له أنَّها إن بقيت بعده لم تتعرض لغيره ، وكان يذكرها في شعره ، فمن ذلك قوله من قصيدته التي يرثي بها الرشيد :


وليسَ لأحزانِ النِّساءِ تَطاوُلٌ ........ ولكنَّ أَحزان الرِّجالِ تَطُولُ فلا تبخَلي بالدّمع عنِّي فإنَّ مَنْ ........ يَضَنُّ بدمعٍ في الهَوَى لبخيلُ فلا كنت ممَّن يُتْبع الرِّيحَ طرفَهُ ........ دَبوراً إِذا هَبَّتْ صبا وقبُولُ إِذا دارَ فيء أتبعَ الفيء طرفهُ ........ يميلُ مع الأَيَّامِ حيث تميلُ


وقال فيها أيضاً :


إِذا غَمَضَتْ فوقي جفونُ حُفَيْرَةٍ ........ من الأَرضِ فابْكيني بما كنتُ أَصنَعُ تُعَزِّكِ عنِّي بعدَ ذلكَ سَلْوَةٌ ........ وإن ليس فيما وَارتِ الأَرضُ مَطْمَعُ إِذا لم تَرَيْ شخصي ، وتُغْنيكِ ثروتي ........ ولم تَسْمَعي منِّي ، ولا منكِ أَسمعُ فحينئذ تَسْلينَ عنِّي ، وإنْ يكنْ ........ بكاءٌ فأَقْصَى ما تُبَكِّينَ أَرْبَعُ قليلاً ورَبِّ البيتِ يا ريمُ ما أَرَى ........ فتاةً بمنْ ولي به الموت تَقْنَعُ بمَنْ تدفعينَ الحادثات إِذا رَمَى ........ عليك بها عامٌ من الجدبِ يَطْلَعُ فيومئذٍ تَدْرِينَ من قد رُزئتهِ ........ إِذا جعلت أَركانُ بيتكِ تُنْزَعُ


قال : فشكته إلى أَخيه أَحمد بن عمرو ، فأجابه عنها بشعر نسبه إليها ، ومدح فيه الفضل أيضاً ، فاختير شعره على شعر أخيه ، وهو :


ذكَرْتَ فراقاً والتفرُّقُ يَصْدَعُ ........ وأَيُّ حياةٍ بعد مَوْتِكَ تَنْفَعُ إِذا الزَّمنُ الغدَّارُ فَرَّقَ بيننا ........ فما ليَ في طيبٍ من العيشِ مَطْمَعُ ولا كانَ يوْمٌ يا ابن عمرو وليلةٌ ........ يبدّدُ فيها شملنا ويُصَدَّعُ فألطمُ وجهاً فيكَ كنتُ أَصونهُ ........ وأَخْشعُ ممَّا لم أَكنْ منه أَخشَعُ ولا كان يومٌ فيهِ تَثْوِي رَهينةً ........ فتروى بجِسمي الحادثاتُ وتَشْبَعُ ولو أنَّني غُيِّبْتُ في التربِ لم تُبَلْ ........ ولم يَرَكَ الرَّاؤونَ لي تَتَوَجَّعُ وهل رجُلٌ أَبصرْتَهُ متوجّعاً ........ على امرأةٍ أَو عينهُ الدَّهرَ تدمَعُ ولكنْ إِذا ولَّتْ يقولُ لها اذْهَبي ........ فمثلكِ أُخرى سوفَ أَهْوَى وأَتبَعُ ولو أبصرت عيناكَ ما بي لأبصَرت ........ صبابَةَ حزنٍ غيمها ليس يُقْشَعُ إلى الفَضْلِ فارْحَلْ بالمديح فإنَّهُ ........ مَنيعُ الحمَى معروفُهُ ليس يمنَعُ وزُرْهُ تزرْ حلماً وعلماً وسودَداً ........ وبأساً به أنف الحوادثِ يُجْدَعُ وأبْدِعْ إِذا ما قلت في الفضلِ مدحَةً ........ كما الفضل في بذلِ المواهبِ يُبْدِعُ


في أبيات أُخر ، قال : فأنشدها أَشجع الفضلَ وحدثه بالقصَّة ، فوصل أخاه وجاريته ، ووصله . وحدث الحسين الجعفي قال : كان أشجع إِذا قدم بغداد ينزل على صديقٍ له من أهلها ، فقدمها مرة فوجده قد مات والنوح والبكاء في داره ، فجزع لذلك وبكى ، وأنشأ يقول :


وَيْحَهَا هلْ دَرَتْ على من تنوحُ ........ أَسقيمٌ فؤادُها أَم صحيحُ ؟ قمرٌ أَطبقُوا عليهِ ببغْدَا _ دَ ضَريحاً ، ماذا أجَنَّ الضَّريحُ ؟ رحِمَ اللهُ صاحبي ونَديمي ........ رحمةً تغتدي ، وأخرى تَرُوحُ !


ودخل أشجع على الرشيد في عيد الفطر ، فأَنشده :


اسْتَقْبِلِ العيدَ بعمرٍ جديدْ ........ مَدَّتْ لكَ الأَيَّامُ حَبْلَ الخلودْ مُصَعّداً في درجاتِ العلا ........ نجمُكَ مَقْرونٌ بسَعْدِ السُّعودْ واطوِ رداءَ الشَّمسِ ما أَطْلَعَتْ ........ نوراً جديداً كلَّ يومٍ جديدْ تمضي لكَ الأَيَّام ذا غِبْطَةٍ ........ إِذا أَتَى عيدٌ طوى عُمْرَ عِيدْ


فأمر له بعشرة آلاف درهم ، وأمر أن يغنّى بهذه الأبيات .


وحدَّث محمد بن عبد الله بن مالك قال : كان حرب بن عمرو الثقفي نخَّاساً ، وكانت له جارية مغنّية ، وكان الشعراء والكتاب وأهل الأَدب ببغداد يختلفون إليها ويسمعونها ، وينفقون في منزله النفقات الواسعة ويبرونه ويهدون إليه ، فقال فيها أشجع :


جاريةٌ تهتزُّ أرْدافُها ........ مُشْبَعَةَ الخَلْخالِ والقُلْبِ أَشكو الَّذي لاقيتُ من حبِّها ........ وبُغْضَ موْلاها إلى رَبِّي مِنْ بُغْضِ مولاها ومن حُبٍّها ........ سَقِمْتُ بينَ البُغْضِ والحُبِّ فاعْتَلَجا في الصَّدرِ حتَّى اسْتَوى ........ أَمرُهُما فاقْتَسَمَا قلبي فعجَّل الله شفائِي بها ........ وعَجَّل السقمَ إلى حَرْبِ


وأخباره كثيرة ، وهذا القدر منها كاف . وحدَّث ابن أشجع السلمي قال : مرَّ أبي وعَمَّاي أَحمد ويزيد ، وقد شربوا حتَّى انتشوا ، بقبر الوليد بن عقبة ، وإلى جانبه قبر أبي زبيد الطائي ، وكان نصرانيًّا ، وكان أبو زبيد لما احتضر أوصى أن يدفن إلى جنب الوليد بالبليخ ، والقبران مختلفان كل منهما متوجه إلى قبلة أهل ملَّته ، قال : فوقفوا على القبرين ، وجعلوا يتحدَّثون بأَحاديثهما ، ويتذاكرون بأخبارهما ، فأنشأ أبي يقول :


مررتُ على عظامِ أبي زُبَيْدٍ ........ وقد لاحَتْ ببَلْقَعَةٍ صَلودِ وكانَ لهُ الوليدُ نديمَ صدقٍ ........ فنادم قبرُهُ قبرَ الوليدِ أَنيسَا أُلفةٍ ذَهَبا فأمسَتْ ........ عظامُهُما تأنس بالصَّعيدِ وما أَدري بمن تَبْدو المَنايا ........ بأحمد أَم بأَشجع أَم يزيدِ


قال : فماتوا والله كما رتَّبهم بالشعر ، فكان أَوَّلهم أحمد ، ثمَّ أشجع ، ثمَّ يزيد .


فلا يَمْنَعْكَ مِنْ أَرَبٍ لِحاهُمْ ........ سَوَاءَ ذو العِمَامَةِ والخِمارِ ومَنْ في كفِّهِ منهُمْ قَنَاةٌ ........ كمن في كفِّهِ منهُمْ خِضَابُ


البيت الأول لجرير ، من قصيدة من الوافر . والأرب : الحاجة ، واللحى - بالضم والكسر - جمع لحية ، وهي شعر الخدّين والذقن . والخمار - بالكسر - النَّصِيف ، وهو ما ستر الرأس ، وكلّ ما ستر شيئاً فهو خمار . والمعنى : لا يمنعك من الحاجة كونُ هؤلاء على صورة الرجال ، لأنَّ الرِّجال والنِّساء منهم سواء في الضعف . والبيت الثاني لأبي الطيب المتنبي ، من قصيدة من الوافر ، يمدح بها سيف الدولة ، ويذكر فيها خضوع بني كلاب وقبائل العرب له ، وأوَّلها :


بغيركَ راعياً عبثَ الذّئابُ ........ وغيركَ صارماً ثَلَمَ الضِّرابُ وتملك أنْفُسَ الثقلين طُراً ........ فكيفَ تحُوزُ أنفُسَهَا كلابُ وما تركوكَ معْصِيَةً ولكنْ ........ يُعَافُ الوِرْدُ الموْتُ الشّرابُ طلبتهُمُ على الأَمْوَاهِ حتَّى ........ تخوف أن تُفَتِّشَهُ السّحابُ


وهي طويلة يقول فيها :


ولكنْ رَبُّهُمْ أسْرَى إليهم ........ فما نَفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ ولا ليلٌ أجَنَّ ولا نهارٌ ........ ولا خَيْلٌ حَمَلْنَ ولا ركابُ رميتهُمُ ببحرٍ من حَديدٍ ........ له في البرّ خلفَهُمُ عُبابُ فمسَّاهُمْ وبُسْطُهُمُ حريرٌ ........ وصَبَّحهُمْ وبُسْطُهُمُ ترابُ


وبعده البيت ، وبعده :


بَنو قَتلى أَبيكَ بأَرضِ نجْدٍ ........ ومن أَبقى وأَبقَتْهُ الحرابُ عفَا عنهمْ وأَعتَقَهُمْ صغاراً ........ وفي أَعناقِ أَكثرهمْ سِخَابُ وكلُّكم أتى مأتى أَبيهِ ........ فكلُّ فعالكم عَجَبٌ عُجَابُ كذا فلْيَسْرِ من طَلَبَ الأَعادي ........ ومثل يُرَاكَ فليمن الطَّلاَبُ


والشاهد في البيتين : الأخذ الخفي مع تشابه المعنيين ، فتعبير جرير عن الرجل بذي العمامة كتعبير أبي الطيب عنه بمن كفه قناة ، وكذا تعبير جرير عن المرأة بذات الخمار كتعبير أبي الطيب عنها بمن في كفه خضاب . ومن الأَخذ الخفي قول الطرماح :


لقد زادَني حبًّا لنفسِيَ أنَّني ........ بَغيضٌ إلى كلِّ امرئٍ غيرِ طائِلِ وأنِّي شَقِيٌّ باللّئامِ ولا ترَى ........ شَقِيًّا بهم إلاَّ كريمَ الشمائِلِ


وقول أبي الطيب :


وإذا أَتتكَ مذمَّتي من ناقِصٍ ........ فهيَ الشَّهادَةُ لي بأنِّي كامِلُ سُلبُوا وأَشْرَقَتِ الدِّماءُ عليهمُ ........ محمرَّةً فكأَنَّهمْ لم يُسْلَبُوا يبسَ النَّجيعُ عليهِ وهوَ مجَرَّدٌ ........ من غمدِهِ فكأَنَّما هوَ مُغْمَدُ


البيت الأول للبحتري من قصيدة من الكامل يمدح بها إسحاق بن إبراهيم ، وأوَّلها :


عارَضْننا أُصُلاً فقلنا الرَّبرَبُ ........ حتَّى أَضاءَ الأُقحوانُ الأَشنَبُ واخْضَرَّ مَوْشِيّ البُرود وقد بَدَا ........ منهنَّ ديباجُ الخدودِ المذَهّبُ أَوْمَضْنَ من خَللِ السُّجوفِ فراعَنَا ........ بَرْقانِ خالٍ ما يَشام وخُلبُ ولوَ انَّي أنصفْتُ في حكم الهَوَى ........ ما شِمْتُ بارقَةً ورأسي أَشيَبُ


إلى أن قال فيها :


ما إن ترى إلاَّ تَوَقُّدَ كوكبٍ ........ من قومس قد غابَ فيه كوكبُ فمجدّلٌ وموسَّدٌ ومُرَمَّلُ ........ ومُضَرَّجٌ ومُضَمَّخٌ ومُخَضَّبُ


وبعده البيت ، وبعده :


ولوَ انَّهم ركبوا الكواكبَ لم يكن ........ لمجدِّهم من جدّ بأسكَ مَهْرَبُ


وهي طويلة . ومعنى البيت : أنَّ الدِّماء المشرقة صارت بمنزلة الثياب عليهم . وقد أخذ هذا المعنى السري الرفاء فقال من قصيدة في سيف الدولة :


لمَّا تراءى لكَ الجمعُ الذي نَزَحَتْ ........ أَقطارُهُ ونأتْ بُعْداً جوانبُهُ تركتَهُمْ بين مصْبوغ ترائبُهُ ........ من الدِّماءِ ومخضوب ذوائبُهُ فحائدٌ وشهاب الرُّمحِ لاحقُهُ ........ وهاربٌ وذبابُ السَّيف طالبُهُ يَهْوي إليه بمثل النَّجم طاعِنُهُ ........ ويَنْتَحيهِ بمثلِ البَرْقِ ضارِبُهُ يكسوهُ من دَمِهِ ثوباً ويسلبُهُ ........ ثيابَهُ فهوَ كاسيهِ وسالبُهُ


وأصل هذا المعنى من قول بعض العرب :


وفَرَّقْتُ بينَ ابْنَيْ هشيم بطعنةٍ ........ لها عاند يكسو السَّليب إزارا


والبيت الثاني لأبي الطيب المتنبي ، من قصيدة من الكامل أيضاً ، يمدح بها شجاع بن محمد الطائي ، أوَّلها :


اليومَ عهدكمُ فأينَ الموعِدُ ........ هيهاتَ ليسَ ليَوْمِ مَوْعِدِكم غَدُ الموتُ أقرب مخْلَباً من بيْنِكم ........ والعيشُ أَبْعَدُ منكم لا تَبْعَدُوا إنَّ التي سفكتْ دمي بجُفونها ........ لم تَدْرِ أنَّ دمي الذي تَتَقَلَّدُ قالت وقد رأت اصْفِراري مَنْ بهِ ........ وتنهَّدَتْ فأَجبْتُها المُتَنَهِّدُ فمضتْ وقد صَبَغَ الحياءُ بياضَهَا ........ لوني كما صَبَغَ اللّجينَ العَسْجَدُ فرأَيتُ قرنَ الشَّمس في قمرِ الدُّجى ........ متأَوّداً غصنٌ بهِ يتأَوَّدُ عدويَّةٌ بدويَّةٌ منْ دونها ........ سلبُ النُّفوسِ ونارُ حربٍ توقدُ وهوَاجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌ ........ وذوابلٌ وتوعُّدٌ وتهدُّدُ أَبلتْ مودَّتَها اللَّيالي بعدَنا ........ ومشَى عَليها الدَّهْرُ وهو مقيَّدُ أَبرَحْتَ يا مرضَ الجفونِ بممرضٍ ........ مَرِضَ الطَّبيبُ له وعِيدَ العوِّدُ


وهي طويلة ، يقول في مديحها :


كنْ حيثُ شئتَ تسرْ إليكَ ركابُنا ........ فالأَرضُ واحدةٌ وأَنتَ الأَوحدُ وصُنِ الحسامَ ولا تذلهُ فإنَّهُ ........ يشو يمينكَ والجماجمُ تشهدُ


وبعده البيت وبعده :


رَيان لو قَذَفَ الذي أَسْقَيْته ........ لجَرَى من المهجاتِ بحرٌ مزبدُ ما شاركتْهُ منيةٌ في مهجةٍ ........ إلاَّ وشَفْرَتهُ على يدها يدُ


والنجيع من الدم : ما كان إلى السواد ، وهو دم الجوف ، والغمد - بالكسر - جفن السيف . والشاهد في البيتين : نقل المعنى الآخر المأخوذ إلى محل آخر ، فمعنى بيت المتنبي أنَّ الدم اليابس صار بمنزلة غمد السيف ، فنقل المعنى من القتلى والجرحى إليه .


إِذا غَضِبَتْ عليكَ بنُو تميم ........ حَسِبْتَ النَّاسَ كلهمْ غضابَا وَليسَ لله بِمُستنكرٍ ........ أن يجمعَ العَالَمَ في واحِدِ


البيت الأول لجرير ، من قصيدة من الوافر تقدَّم ذكر أولها في شواهد الاستخدام ، ومنها قبل البيت :


لنَا حوضُ الحجيج وساقِياهُ ........ ومَنْ وَرِثَ النبوَّةَ والكتابَا أَلسنَا أَكثرَ الثقلين حيّا ........ ببطْنِ مِنًى وأَكثرَهُمْ قِبَابَا


وبعده البيت ، وبعده :


فلا وأَبيكَ ما لاقيتُ حيًّا ........ كيرْبُوعٍ إِذا رَفَعُوا النقَابَا فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُميرٍ ........ فلا كعباً بلغْتَ ولا كِلابَا


والمعنى : أنَّ بني تميم يقومون مقام الناس كلهم . والبيت الثاني لأبي نُوَاس ، من أَبيات السريع ، كتبها للرشيد مادحاً الفضل بن الربيع ، وهي :


قولا لهارُونَ إمامِ الهدَى ........ عندَ احتفالِ المجلس الحاشِدِ نصيحَةُ الفضلِ وإشفاقُهُ ........ أَخلى لهُ وجهكَ مِنْ حاسِدِ بِصادِقِ الطَّاعَةِ ديانها ........ وواحِدِ الغائِبِ والشاهِدِ أَنتَ على ما بِكَ منْ قدرَةٍ ........ فلسْتَ مثلَ الفضلِ بالواجِدِ أَوْحَدَهُ اللهُ فما مِثلهُ ........ لطالبٍ ذاكَ ولا ناشِدِ


وبعده البيت .


حدَّث سعيد بن حميد : أنَّ أبا تمام الطائي دخل على ابن أبي دُؤادٍ ، فقال له : أَحسبك عاتباً يا أبا تمام ، فقال له : إنَّما نعتب على واحد وأَنت الناس جميعاً ، فكيف نعتب عليكَ ؟ فقال له ابن أبي دُؤاد : من أين أخذت هذه اللفظة ؟ فقال : من قول الحاذق أبي نواس ، وأنشده البيت . والشاهد في البيتين : مجيء معنى المأخوذ أَشمل من معنى المأخوذ منه ، فإنَّ بيت جرير يخصُّ بعض العالم ، وبيت أبي نواس يشمله . وقد جاء في معنى البيتين قول المتنبي :


نُسِقُوا لنا نسَقَ الحسابِ مُقدَّماً ........ وأَتى فذلك إذْ أَتيتَ مؤخَّرا


وقوله أيضاً :


مَضَى وبَنُوهْ وانفَرَدْتَ بفعلِهِ ........ وأَلفٌ إِذا ما جُمِّعَتْ واحدٌ فرْدُ


وقوله :


هديَّة ما رأَيتُ مُهديها ........ إلاَّ رَأَيْتُ العباد في رَجلِ


وقول الوزير المغربي :


حتَّى إِذا ما أَرادَ اللهُ يُسعدُني ........ رَأَيتهُ فرأَيْت النَّاسَ في رَجلِ


وقول أبي الفرج الببغاء يميل إلى المبالغة :


وإذا ما حَلَلْتَ في بَلْدةٍ فهْ _ وَ جميع الدُّنيا وأَنتَ الأَنامُ


وقول ابن قلاقس من قصيدة :


دَعَوْتُكَ فاحضُرْ فلَيسَ الجميعُ ........ إِذا غِبْتَ - لا غِبْتَ - كالحضَّرِ وقدْ جمعَ اللهُ فيكَ الأَنام ........ وليسَ عَليهِ بمُستنكرِ


وقوله أيضاً :


على الشَّهادَةِ بالفضلِ المبينِ لهُ ........ كلُّ المذاهبِ والآراءِ والمللِ مدَحتُهُ فَمَدَحتُ النَّاسَ قاطبةً ........ لأنَّني منهُ أَلقى النَّاسَ في رجُلِ


وقد ضمن القيراطي بيت أبي نواس فقال يهجو :


تجمَّعَتْ من نُطَفٍ ذاتُهُ ........ حتَّى بدَا في قالبٍ فاسِدِ ليسَ على الله بمستنكرٍ ........ أن يجمع العالم في واحِدِ


ومثله ما أجاب به قابوس صاحب جرجان ، الصاحب بن عباد حين هجاه بقوله :


قدْ قَبَسَ القابساتِ قابُوسُ ........ ونجمهُ في السَّماءِ منحوسُ وكيفَ يُرْجَى الفلاح من رَجُلٍ ........ يكونُ في آخرِ اسمهِ بُوسُ


وجواب قابوس :


مَنْ رامَ أَنْ يهجو أبا القاسمِ ........ فقدْ هجا كلَّ بني آدمِ لأنَّهُ صُوِّرَ مِنْ مُضغةٍ ........ تجَمَّعَتْ منْ نُطَفِ العالمِ


ومثله لأبي أحمد العروضي :


لو كانُ يورَثُ بالتشابُهِ ميتٌ ........ لملكتَ بالأَعضاءِ مالاَ يُملكُ بغل مخائلهُ تخبِّرُ أنَّهُ ........ في النَّاسِ من نطفِ الجميع مُشبَكُ


ومنه قول ابن المسجف :


ابنُ العلائِيِّ لهُ فقحةٌ ........ شيعيَّةٌ تصبُو إلى القائمِ أَبخلُ من كلبٍ ولكنَّهُ ........ بسُرْمِهِ أَجودُ من حاتِمِ كفاهُ هَجْواً أنَّهُ واحدٌ ........ صُوِّرَ منْ كلِّ بني آدمِ


ولقد أجاد أبو نعيم البزار الشاعر الواسطي بقوله :


لقد كمل الرحمنُ شَخصكَ في الوَرَى ........ فلا شان شيئاً من كمالكَ بالنقصِ ومنْ جَمَعَ الآفاقَ في العينِ قادرٌ ........ على جمعِ أَشتاتِ الفضائل في شَخْصِ


فإنَّهُ زاد على أبي نواس بالمبالغة والتمثيل ، لأنَّ الإنسان إِذا فتح عينيه رأى نصف العالم . وكان الوزير مؤيد الدين بن العلقمي - أذاقه الله العلقم ، من زقوم جهنَّم ! - قد طالع المستعصم في شخص من أمراء الجبل ، يعرف بابن شرف شاه ، وقال في آخر كلامه : فهو المدبر . فوقع المستعصم له :


ولا تُساعدْ أبداً مدبراً ........ وكنْ معَ اللهِ على المدبِرِ


فكتب ابن العلقمي أبياتاً في الجواب ، منها :


يا مالكاً أَرجو بحبِّي لهُ ........ نيْلَ المنَى والفوْزَ في المحشَرِ أَرشدْتَني لا زلتَ لي مرشداً ........ وهادِياً من نوركَ الأَنورِ أَبنتَ في بيتِ هُدًى قلتهُ ........ عن شرفٍ في بَيتكَ الأَطهرِ فضلكَ فضلٌ مالهُ منكرٌ ........ لَيْسَ لضوءِ الشَّمسِ من مُنكِرِ أَن يجمعَ العالم في وَاحدٍ ........ فليسَ للهَ بمستنكرِ


فقلب بيت أبي نواس ، فجعل عجزه صدراً . والعلقمي هذا كان وزير المعتصم ، وكان هو الركن الأَكبر في مجيء التتار إلى بغداد ، وخراب ذلك الإقليم ، وهدم ذلك الجناب العظيم ، فعليه من الله ما يستحقّه ! .


أجِدُ الملامةَ في هواكَ لذيذةً ........ حُبًّا لِذكركَ فليلمني اللوَّمُ أأحِبُّهُ وأحبُّ فيه ملامة ........ إنَّ الملامة فيهِ من أعدائه


البيت الأول لأبي الشِّيص ، من أبيات من الكامل ، وقبل البيت :


وقف الهَوَى بي حيثُ أنتَ فليسَ لي ........ مُتأخَّرٌ عنهُ ولا مُتقدَّمُ


وبعده البيت ، وبعده :


أشبهتَ أعدائي فصرتُ أحبهمْ ........ إذْ كانَ حظي مِنكَ حظي منهُمُ وأهنتني وأهنتُ نفسي عامداً ........ ما مَنْ يهونُ عليكَ مِمَّنْ يُكرمُ


والبيت الثاني لأبي الطيب المتنبي ، من قصيدة من الكامل يمدح بها سيف الدولة ، أولها :


القلبُ أعلم يا عذولُ بدائهِ ........ وأحق منكَ بجفنهِ وبمائهِ فَوَمَن أحبُّ لأعْصِيَنَّكَ في الهَوَى ........ قسَماً بهِ وبحُسنهِ وبهائهِ


وبعده البت ، وبعده :


عجبَ الوُشاةُ من اللحاةِ وقولهمْ ........ دَعْ ما نراكَ ضعُفْتَ عن إخفائهِ ما الخلُّ إلاَّ مَنْ يودّ بقلبِه ........ ويَرى بطرفٍ لا يرى بسوائهِ إنَّ المعينَ على الصبابةِ بالأسى ........ أوْلى برحمةِ رَبها وإخائه مَهلاً فإنّ العذلَ من أسقامِهِ ........ وترفقاً فالسمعُ من أعضائهِ وهَبِ الملامةَ في اللذاذة كالكرَى ........ مطرودَة بسُهادهِ وبُكائهِ لا تعذلِ المشتاقَ في أشواقهِ ........ حتَّى يكونَ حَشاكَ في أحشائهِ إنَّ القتيلَ مُضَرَّجاً بدُموعهِ ........ مثلُ القتيل مُضَرَّجاً بِدمائهِ والعشق كالمَعْشوق يَعذبُ قُربه ........ للمبتلي وينال من حَوْبائهِ لو قلتَ للدنفِ الحزين فَدَيْتُه ........ ممَّا به لأغرته بفدائهِ


وقد أخذ المتنبي قوله لا تعذل المشتاق في أشواقه البيت من قول البحتري :


إِذا شئتَ أن تعذِلَ الدهر عاشقاً ........ على كمدٍ من لوعة البين فاعْشق


والشاهد في البيتين : كون معنى المأخوذ نقيض معنى المأخوذ منه ، فبيت أبي الطيب نقيض بيت أبي الشيص ، والأحسن في هذا النوع أن يبين السبب كما في هذين البيتين إلاَّ أن يكون ظاهراً كما في قول أبي تمام :


ونغْمة مُعْتَفٍ جَدْواه أحلى ........ على أذُنَيْهِ من نَغَم السَّماع


وقول المتنبي :


والجراحاتُ عنده نَغَماتٌ ........ سُبقت قَبْلَ سَيْبِه بسؤال


أراد أبو تمام أن صوت السائل لغطاء ممدوحه أحلى وألذ على سمعه من نغمات السماع وألحان الغناء ، وأراد أبو الطيب أن عادة ممدوحه الإعطاء بغير سؤال ، فإن سبقت نغمة من سائلي عطائه أثر ذلك تأثير الجرح في المجروح .


وفي معنى بيت أبي تمام قول البحتري :


نَشوان يَطْرب للسؤال كأنما ........ غناه مالك طيء أو مَعْبَدُ


وكذلك قول المتنبي :


كأن كلّ سؤالٍ في مَسامعِهِ ........ قميص يوسفَ في أجفان يَعقوبِ


وفي معناه قول أبي العلاء المعري :


فما ناح قُمْرِيٌّ ولا هَبَّ عاصفٌ ........ من الريح إلاَّ خاله صَوْتَ سائل


وقد أخذ بعض المغاربة بيت أبي الشيص فقال :


هُدِّدت بالسلطان فيكَ وإنما ........ أخشى صُدودكَ من السُّلطانِ أجدُ اللذاذة في الملام ، فلو ردَى ........ أخذَ الرُّشا منِّي الذي يَلْحاني


وأصل هذا المعنى لأبي نُواس فإنه قال :


إِذا غادَيْتَني بِصَبوح عَذْلٍ ........ فَممْزوجاً بِتَسميَةِ الحبيبِ فإني لا أعُدّ اللومَ فيه ........ عليكَ إِذا فَعَلْتَ من الذنوبِ


وفي معناه قول الآخر :


من ذَمَّ عاذلهُ فإني ........ شاكرٌ للعُذَّل سَمْعي لهم كالقلبِ من ........ ذِكْرِ الأحبّة ممتلي ما ضَرَّني إغراؤهم ........ بالعَذْلِ إِذا لم أقبلِ تَعَبُ الملامِ عليهمُ ........ وحَلاوة التذكار لي


ومنه قول ابن الرومي أيضاً :


تلذُّ ليَ الملامة في هَواه ........ كَمرْآه وأسْتَحْلي أذاها


وأبو الشِّيص اسمه محمد بن رزين بن سليمان بن تميم ، وهو عم دعبل الخُزاعيّ ، وأبو الشيص : لقب غلب عليه ، وكنيته أبو جعفر ، وكان من شعراء عصره ، متوسط المحل فيهم ، غير نبيه الذكر ، لوقوعه بين مسلم بن الوليد وأشجع السلمي وأبي نواس ، فخمل ، وانقطع إلى أمير الرقة عُقْبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي فمدحه بأكثر شعره ، وكان عقبة جواداً فأغناه عن غيره ، فقلّ ما يُرْوى له في غيره شعر .


وحكى عبد الله بن المعتز أن أبا خالد العامري قال له : مَن أخبرك أنه كان في الدنيا أشعر من أبي الشيص فكذبه ، والله لكان الشعر أهون عليه من شرب الماء على العطشان ، وكان من أوصف الناس للشراب ، وأمدحهم للملوك ، وكان سريع الهاجس جداً فيما ذكر عنه .


ومن شعره في مدح أمير الرقة قوله :


لا تُنكري صَدِّي ولا إعْراضي ........ ليس المقِلُّ عن الزمان بِراض شيئان لا تَصْبو النساء إليهما ........ حَلْيُ المَشيب وحُلّة الأنفاض حَسَرَ المشيب قناعَهُ عن رأسِهِ ........ فرمَيْتَهُ بالصَّدِّ والإعراض ولرُبما جعلَتْ محاسِنَ وجهه ........ لجفونِها غَرَضاً من الأغراض


يروى عن أبي الشيص أنه قال : لما أنشدت هذه القصيدة لعُقبة بن جعفر أمر بأن تُعدّ ، وأعطاني لكل بيت ألف درهم .


وحدث أحمد بن عبيد قال : اجتمع مسلم بن الوليد وأبو نواس وأبو الشيص ودِعبلٌ في مجلس ، فقالوا : لينشد كل واحد منكم أجود ما قاله من الشعر ، فاندفع رجل منهم فقال : اسمعوا مني أخبركم بما ينشد كل واحد منكم قبل أن ينشد ، فقال لمسلم : أما أنت يا أبا الوليد فكأني بك قد أنشدت :


إِذا ما علَتْ منَّا ذُؤابةَ واحدٍ ........ وإن كان ذا حلم دَعَتْهُ إلى الجَهْلِ هَلِ العيشُ إلاَّ أن تَروحَ مع الصبي ........ وتَغْدو صريع الكأس والأعين النُّجْلِ


قال : وبهذا البيت لقبه الرشيد صريع الغواني ، فقال له مسلم : صدقت ، ثمَّ أقبل على أبي نواس وقال له : وكأني بك يا أبا علي قد أنشدت :


لا تَبْكِ ليلى ولا تَطْرب إلى هندِ ........ واشْرَب على الوَرْدِ من حَمراء كالوَرْدِ تَسقيكَ من عَيْنها خَمْراً ومن يَدِها ........ خَمْراً فما لك عن سُكْرَين من بُدِّ


فقال له : صدقت ، ثمَّ أقبل على دِعبل فقال له : يا أبا علي ، وكأني بك تنشد قولك :


أين الشباب وأيةً سلكا


الأبيات المارة في إبهام التضاد ، فقال له : صدقت ، ثمَّ أقبل على أبي الشيص فقال له : وأما أنت يا أبا جعفر فكأني بك وقد أنشدت قولك :


لا تُنكِري صَدّي ولا إعراضي


الأبيات السابقة قريباً ، فقال له : لا ، ما هذا أردت أن أنشد ، ولا هذا بأجود شيء قلته ، قالوا : فأنشدنا ما بدا لك ، فأنشدهم الأبيات الميمية السابقة ، فقال أبو نواس : أحسنت والله وجوَّدت ، وحياتك لأسرقَنَّ هذا المعنى منك ، ثمَّ لأغلبنك عليه ، فيشهر ما أقول ويموت ما قلت ، قال : فسرق أبو نواس قوله وقف الهَوَى بي . . . البيت سرقاً خفياً فقال في الخصيب :


فما جازَهُ جودٌ ولا حلّ دونَهُ ........ ولكن يَسيرُ الجود حيث يسيرُ


فسار بيت أبي نواس وسقط بيت أبي الشيص .


وحدَّث رُزَين بن علي الخزاعي أخو دعبل ، قال : كنا يوماً عند أبي نواس أنا ودعبل وأبو الشيص ومسلم بن الوليد الأنصاري ، فقال أبو نواس لأبي الشيص : أنشدني قصيدتك المخزية ، قال : وما هي ؟ قال : الضادية ، فما خطر بخَلَدي قولك ليس المقل عن الزمان براض ، إلاَّ أخزيتك استحساناً لها ، فإن الأعشى كان إِذا قال قصيدة عرضها على ابنته ، وكان قد ثَقَّفَها وعلمها ما بلغت به استحقاقَ التحكيم والاختيار لجيد الكلام ، ثمَّ يقول لها : عدي المخزيات ، فتعد قوله :


أغر أرْوَعُ يُسْتَسقى الغمام بهِ ........ لو قارَعَ الناس عن أحسابهم قَرَعا


وما أشبه ذلك من شعره ، فقال أبو الشيص : لا أفعل ، إنها ليست عندي عقد در مفصل ، ولكني أكاثر بغيرها ، ثمَّ أنشده الأبيات الميمية المذكورة أيضاً فقال له أبو نواس : قد أردت صرفك عنها ، فأبيت أن تخلي عن سلبك ، أو تدرك في هربك ، قال : بل اترك طلبي فكيف ترى أنت هذا الطراز ؟ فقال : أرى نمَطاً خسروانياً مذهباً حسناً فكيف تركت قولك :


في رداءٍ من الصَّفيح صقيل ........ وقميصٍ من الحديدِ مُذال


قال : تركته كما ترك مختار الدرَّتين إحداهما بما سبق في خاطره وزين في ناظره قال ابن فضل الله : رأيت بخط الفاضل كمال الدين أبي العباس أحمد بن العطار الشيباني الكاتب رحمه الله تعالى ما صورته : ذكر أن أبا الشيص كان لو قيل له : ابنُ من أنت ؟ لقال : وقف الهَوَى بي . . . البيت ، ولو قيل لشهاب الدين التلعفري ابن من أنت ؟ لقال : هذا العذول عليكم مالي وله ، ثمَّ قال : وهذه القصيدة مشهورة سيارة دائرة محفوظة على ألسنة العالم ، وعارضها جماعة من معاصريه فلم يتفق لهم ما اتفق له فيها . انتهى .


أقول : ولا بأس بذكر طرف منها ليعلم صدق مقاله ، قال :


هذا العذول عليكم مالي ولَهْ ........ أنا قد رضيتُ بذا الغرام وذا الوَلَهْ


إلى أن يقول فيها :


أألومُكم في هَجركم وصُدودكم ........ ما هذه في الهجر منكم أوَّلهْ قسماً بكم قد صرتُ مما أشتكي ........ حيَّ الدُّجى وعَدِمتُهُ ما أطولَهُ يا سائلي عن شرح حالي في الهَوى ........ تركي الجَوابَ جوابُ هذي المسألهْ يا راحلين وفي أكلّة عِيسهِم ........ رَشَأ عليه حَشا المحبِّ مُقَلْقَلهْ أسَرَتْ له العُشاقَ نظرةُ وجنَةٍ ........ بسوى اللواحظِ لا تبيت مقَبَّلهْ لو لم يُصِبْ صُدْغيه عارض خدهِ ........ ما أصْبَحَتْ في سالِفَيْه مُسلسلهْ


وقد استعمل هذا المعنى أيضاً فقال :


هَبْ أن خدك قد أصيب بعارض ........ ما بال صدغك راح وهو مسَلسَلُ


رجع إلى أخبار أبي الشيص . وحدث موسى بن معروف الأصفهاني قال : دخل أبو الشيص على أبي دلف وهو يلاعب خادماً له بالشطرنج ، فقال له : يا أبا الشيص ، سل هذا الخادم أن يحل أزرار قميصه ، فقال : الأمير أعزه الله أحق بمسألته ، قال : قد سألته فزعم أنه يخاف العين على صدره ، فقل فيه شيئاً ، فقال :


وشادنٍ كالبدْر يجلو الدُّجى ........ في الفَرْق منه المسكُ مذْرورُ يحاذرُ العينَ على صَدْرِه ........ فالجَيْبُ منهُ الدَّهرَ مَزْرورُ


فقال أبو دلف : وحياتك لقد أحسنت ، وأمر له خمسة آلاف درهم ، فقال الخادم : قد أحسن والله كما قلت ، ولكنك أنت ما أحسنت ، فضحك وأمر له بخمسة آلاف درهم أخرى .


وحدث علي بن سعيد الشيباني ، قال : تعشق أبو الشيص قَيْنَةً لرجل من أهل بغداد ، فكان يختلف إليها وينفق عليها في منزل الرجل ، حتَّى أتلف مالاً كثيراً ، فلما كف بصره وأخفق ، جعل إِذا جاء إلى مولى الجارية حجبه ومنعه من الدخول ، فجاءني أبو الشيص وشكا إليَّ وجْدَهُ بالجارية واستخفاف مولاها به ، وسألني المضي معه إليه ، فمضيت معه إليه ، فاستؤذن لنا عليه ، فأذن لنا ، فدخلت أنا وأبو الشيص ، فعاتبته في أمره ، وعظَّمت عليه حقَّه ، وخوَّفته من لسانه ومن إخوانه ، فجعل له يوماً في الجمعة يزورها فيه : فكان يأكل في بيته ، ويحمل معه نبيذه ونَقْلَهُ ، فمضيت معه ذات يوم إليها ، فلما وقفنا على بابهم سمعنا صراخاً شديداً من الدار ، فقال لي : ما لها تصرخ ؟ أتراه قد مات لعنه الله ؟ فما زلنا ندق الباب حتَّى فتح لنا ، وإذا هو قد حَسَرَ كميه وبيده سوط ، وقال لنا ادخلا ، فدخلنا ، وإنما حمله على الأذن لنا الفرَق مني ، فدخلنا ، وعاد الرجل إلى داخل يضربها ، فاستمعنا إليه ، واطلعنا ، فإذا هي مشدودة على سُلَّم ، وهو يضربها أشد الضرب ، وهي تصرخ ، وهو يقول لها : أنت أيضاً فاسرقي الخبز فاندفع أبو الشيص في المكان على الحال يقول في ذلك :


يقولُ والسوطُ على كفهِ ........ قد حزَّ في جلدتها حَزَّا وهيَ على السلّم مشْدودةً ........ وأنتِ أيضاً فاسرقي الخبزا


قال : وجعل أبو الشيص يرددهما ، فسمعهما الرجل ، فخرج إلينا مبادراً ، وقال له : أنشدني البيتين اللذين قلتهما ، فدافعه ، فحلف أنه لا بد من إنشادهما ، فأنشده إياهما ، فقال لي : يا أبا الحسن ، أنت شفيع هذا ، وقد أسعفتك بما تحب ، فإن أشاع هذه البيتين فَضَحني ، فقل له يقطع هذا ولا يشيعهما ، وله عليَّ يومان في الجمعة ، ففعلت ذلك ، ووافقته عليه ، فلم يزل يتردد إليه يومين في الجمعة حتَّى مات .


وحدث علي بن محمد النوفلي عن عمه ، قال : كان أبو الشيص صديقاً لمحمد ابن إسحاق بن سليمان الهاشمي ، وهما حينئذ مملقان ، فنال محمد بن إسحاق مرتبة عند سلطانه ، فَجفا أبا الشيص وتغير معه ، فكتب إليه :


الحمدُ لله رب العالمين على ........ قُرْبي وبُعْدِكَ مني يا ابن إسحاق يا ليتَ شعري متى تُجْدي عليَّ وقد ........ أصبحْتَ ربَّ دنانير وأوراق تُجْدي عليَّ إِذا ما قيلَ مَنْ راقِ ........ والتفّتِ السَّاقُ عند الموتِ بالساق يومٌ لعمري تهمُّ الناسَ أنفُسهُم ........ وليس تنفعُ فيه رُقية الراقي


وحدث أحمد بن عبد الرحمن الكاتب عن أبيه قال : كانت لأبي الشيص جارية سوداء اسمها تبر ، وكان يتعشقها ، وفيها يقول :


لم تنصفي يا سمية الذهب ........ تتلف نفسي وأنتِ في لعب يا ابنةَ عمِّ المسك الزكي ومَن ........ لولاك لم يُتَّخذ ولم يطبِ ناسبك المسك في السواد وفي ال _ ريح فأكْرِمْ بذاكِ من نسب


ومن لطيف شعره قوله :


وقائلةٍ وقد بَصرتْ بدمعٍ ........ على الخدّين مُنحدرٍ سكوبِ أتكذبُ في البكاء وأنتَ خِلْوٌ ........ قديماً ما جسرتَ على الذنوبِ قميصكَ والدموعُ تجول فيه ........ وقلبكَ ليسَ بالقلب الكئيبِ نظيرُ قميص يوسف حين جاءوا ........ على ألبابه بدم كذوبِ فقلتُ لها فداك أبي وأمي ........ رَجمْتِ بسوء ظنك في الغيوبِ أما والله لو فتشتِ قلبي ........ لسرَّكِ بالعويلِ وبالنحيبِ دُموعُ العاشقينَ إِذا تَلاقوا ........ بظهْرِ الغيبِ ألسنةُ القلوبِ


وعمي أبو الشيص في آخر عمره . وله مراث في عينيه قبل ذهابهما وبعده فحدث محمد بن القاسم بن مهرويه . قال : أنشدت إبراهيم بن المدبر أبيات أبي يعقوب الخريمي التي يرثي بها عينيه يقول فيها :


إِذا ما ماتَ بعضك فابْكِ بعضاً ........ فإن البعضَ من بعضٍ قريبُ


فأنشدني لأبي الشيص يبكي عينيه :


يا نفس ابكي بأدمع هُتُنِ ........ وواكفٍ كالجمان في سَنَنِ على دَليلي وقائدي ويدي ........ وتورِ وجهي وسائس البدنِ أبكي عليها بها مخافةَ أن ........ تَقْرِنَني والظلامَ في قَرَنِ


وقال أبو هفان : حدثني دِعبل ، أن امرأة لقيتْ أبا الشيص ، فقالت : يا أبا الشيص ، عَميتَ بعدي ، فقال : قبحك الله ! دَعوتني باللقب ، وعيرتني بالضرر .


وحدَّث أبو العباس بن الفرات ، قال : كنت أسير مع عبيد الله بن سليمان ، فاستقبله جعفر بن حفص على دابة هزيلة ، وخلفه غلام له شيخ على بغل له هرم وما فيهم إلاَّ نضْوٌ ، فأقبل عليَّ عبيد الله بن سليمان ، فقال : كأنهم والله صفة أبي الشيص حيث يقول :


أكلُ الوجيفُ لحومها ولحومهُمْ ........ فأتَوْكَ أنقاضاً على أنقاضِ


وكانت وفاة أبي الشيص سنة ست وتسعين ومائة ، مقتولاً . حدث عبد الله بن الأعمش ، قال : كان أبو الشيص عند عقبة بن جعفر بن الأشعث الخزاعي يشرب مع خادم له . فلما ثمل نام عنده ، ثمَّ انتبه في بعض الليل ، فذهب يدب إلى خادم لعقبة ، فوجأه بسكين ، فقال له : وَيحكَ قتلتني والله ، وما أحب أن أفتضح ، وأني قتلت في مثل هذا ، ولا تفتضح أنت بي ، ولكن خذ دستيجة فاكسرها ولونها بدمي واجعل زجاجها في الجرح ، فإذا سئلت عني فقل : إني سقطت في سكري على الدستيجة فانكسرت فقتلتني . ومات من ساعته ، ففعل الخادم ما أمره به .


ودفن أبو الشيص ، وجزع عقبة عليه جزعاً شديداً ، فلما كان بعد أيام سكر الخادم وتحدث بما كان . فصدق عقبة الخبر ، وأنه هو الذي قتله ، فلم يلبث عقبة أن قام إليه بسيفه فلم يزل يضربه حتَّى قتله .


وترَى الطيرَ على آثارنا ........ رأى عيْنٍ ثِقَةٍ أن سَتُمارهْ وقدْ ظُللَتْ عقبانُ أعْلامِهِ ضحى ........ بعقبانِ طير في الدِّماء نَواهل أقامَتْ مَعَ الراياتِ حتَّى كأنها ........ من الجيشِ إلاَّ أنها لم تُقاتِل


البيت الأول للأفوه الأوديَّ ، من قصيدة من الرمل أولها :


إن ترى رأمِيَ فيه نزَعٌ ........ وشَواتي خلة فيها دوار


يقول فيها :


إنما نعْمَةُ قوم متعةٌ ........ وحياة المرء ثوبٌ مُسْعار حتم الدَّهر علينا أنهُ ........ ظَلَفٌ ما نالَ مِنَّا وجُبار


ظلف : باطل ، وجبار : هَدَر .


وهذه القصيدة من جيد شعر العرب ، وهي التي نهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن إنشادها لما فيها من ذكر إسماعيل عليه السلام ، وإياه عني بقوله فيها :


رَيَّشَتْ جُرْهمُ نبلاً فَرَمى ........ جُرْهُما منْهُنَّ فوقٌ وغرار


والبيتان الأخيران لأبي تمام من قصيدة من الطويل ، يمدح بها المعتصم والأفشين ، وأولها :


غدَا الملكُ مَعْمورَ الحرا والمنازل ........ مُنَوَّر وَحْفِ الروض عذبَ المناهلِ بمعتصم بالله أصبح مَلْجأ ........ ومُعتصماً حرزاً لكلّ مُوائِل لقد ألبَسَ الله الإمام فضائلاً ........ وقَى طَرَفيْها باللُّهى والفَواضل فأضْحَت عطاياه نَوازعَ شُرَّداً ........ تُسائل في الآفاق عن كل سائل مواهبُ جُزْنَ الأرضَ حتَّى كأنما ........ أخذنَ بأهْداب السَّحاب الهَواطل


ومنها في مديح الأفشين :


شهدت أميرَ المؤمنين شهادةً ........ كثيرٌ ذَوو تصديقها في المحافل لقد لَبَّسَ الأفشينُ قَسْطَلةَ الوغَى ........ مخشاً بنصل السيف غيرَ مُواكل وجَرَّد من آرائه حين أضْرِمَتْ ........ عزائمُ كانت كالقنا والقنابل رأى بابكُ منه التي لا شَوَى لها ........ سِوَى سِلم ضيْمٍ أو صفيحة فاتل تراه إلى الهيجاء أول راكبٍ ........ وتحت صبير الموت أولَ نازل تسَرْبَلَ سر بالأمن الصبر وارتدى ........ عليه بعضب في الكريهة فاصِل


وبعده البيتان . والنواهل : جمع ناهلة ، من نهل إِذا روى ، والرايات : الأعلام . ومعنى البيت الأول إنك ترى الطير كائنة على آثارنا ، لوثوقها واعتمادها أن سنطعمها من لحوم من نقتلهم من أعدائنا .


ومعنى البيتين الأخيرين أن رايات الممدوح التي هي كالعقبان قد صارت مظللة بالعقبان من الطيور النواهل في دماء القتلى ، لأنه إِذا خرج للغزو تسير العقبان فوق راياته لأكل لحوم القتلى ، فتلقى ظلالها عليها ، والعقاب يطلق على الراية الضخمة ، قال الشاعر :


وهوَ إِذا الحربُ هفا عُقابهُ ........ من جمر حَرْبٍ تلتظي حِرابهُ


وقال الآخر :


ورُبَّ ظلِّ عُقاب قد وقَيْتُ به ........ مُهري من الشمس والأبطال تجتَلدُ


والشاهد في الأبيات : أن يؤخذ بعضُ معنى المأخوذ منه ويضاف إليه ما يحسنه فإن أبا تمام لم يلم بشيء من معنى قول الأفوه رأى عين ولا قوله ثقة أن ستمار ، ولكنه زاد عليه زيادات محسنة لبعض المعنى الذي أخذه بقوله إلاَّ أنها لم تقاتل وبقوله في الدماء نواهل وبقوله أقامت مع الرايات حتَّى كأنها من الجيش ، وبهذه الزيادة يتم حسن قوله إلاَّ أنها لم تقاتل لأنه لو قيل ظللت عقبان الرايات بعقبان الطير إلاَّ أنها لم تقاتل لم يحسن هذا الاستثناء المنقطع ذلك الحسن ، لأن إقامتها مع الرايات حتَّى كأنها من الجيش مظنة أنها أيضاً تقاتل مثل الجيش ، فيحسن الاستدراك الذي هو رفع التوهم الناشئ من الكلام السابق ، بخلاف وقوع ظلها على الرايات . وما ذكر في الأبيات من أن الطير تتبع جيشه لتغتذي مما يقتل من أعدائه معنى متداول بين الشعراء ، وأول من نطق به الأفوه هذا ومنه قول النابغة في القصيدة السابقة في تأكيد المدح بما يشبه الذم :


إِذا ما غَزَوْا بالجيش حلَّقَ فوقهم ........ عَصائبُ طيري تهْتَدي بعَصائب يُصاحبْنهُم حتَّى يفُزْن مفازَهُمْ ........ من الضاريات بالدِّماء النوائب تَراهُنَّ خلفَ القوم خُزْراً عُيونها ........ جلوسَ الشيوخ في ثياب المرانب جوانح قد أيقنَّ أنَّ قبيلهُ ........ إِذا ما التقى الجمعانِ أولُ غالب لهنَّ عليهم عادة قد عَرَفنَها ........ إِذا عُرِّض الخطى فوقَ الكواثب


وقول أبي نواس :


وإذا مجَّ القنا عَلقاً ........ وتراءى الموتُ في صورَهْ راحَ في ثنيي مُفاضتِهِ ........ أسدٌ يَدمى شبا ظُفرهْ تَتأيَّا الطيرُ غُدْوَتَهُ ........ ثقة بالشِّبْعِ من جزَرهْ


ولما سمع محمود الورَّاق أبا نواس ينشد هذه الأبيات قال : ما تركت للنابغة شيئاً حيث يقول : إِذا ما غزوا ، وأنشد الأبيات ، فقال له أبو نواس : اسكت فإن كان أحسن الابتداع فما أسأت الإتباع . وتبع أبا نواس مسلم فقال :


قد عوَّد الطيرَ عاداتٍ وثِقن بها ........ فهُنَّ يَتبَعْنَهُ في كل مُرْتحل


ومن هذا المعنى قول حميد بن ثور الهلالي يصف ذئباً :


إِذا ما غَدَا يَوماً رأيت غمامَةً ........ من الطير يَنظرْنَ الذي هوَ صانع


ومنه قول مروان بن أبي الجنوب يمدح المعتصم :


لا تَشبعُ الطير إلاَّ في وقائعهِ ........ فأينما سارَ سارتْ خلْفَهُ زُمرا عوارفاً أنه في كل مُعتَركٍ ........ لا يَغْمِدُ السيفَ حتَّى يكثر الجزَرا


وأخذه بكر بن النطاح فقال :


وترَى السباعَ من الجَوا _ رح فَوقَ عَسكرنا جَوانح ثِقة بأنا لا نزا _ ل نَميرُ ساغِبَها الذبائح


وأخذه ابن جهور فقال :


ترَى جوارحَ طير الجو فوقَهُمُ ........ بينَ الأسنَّةِ والراياتُ تختفِقُ


وأخذه آخر فقال :


ولَسْتَ ترى الطيرَ الحوائمُ وُقَّعاً ........ من الأرض إلاَّ حيث كان مُواقعا


ومنه قول الكميت بن معروف :


وقد ستَرت أسنَّتهُ المواضي ........ حُدَيُّ الجو والرَّخَمُ السِّغابُ


ومنه قول بعضهم :


والطيرُ إن سارَ سارت فوق موكبِه ........ عوارفاً أنه يسطو فيَقريها


وقد أحسن المتنبي بقوله :


له عسكرا خيلٍ وطيرٍ إِذا رمى ........ بها عسكراً لن تبق إلاَّ جَماجِمُهْ


وله من قريب منه :


يُطمعُ الطيْرُ فيهم طولُ أكلهم ........ حتَّى تكاد على أحيائهم تَقَعُ


وقد أشار إلى هذا المعنى أبو فراس بقوله :


وأظمأ حتَّى ترتوي البيضُ والقنا ........ وأسغَبُ حتَّى يشبعُ الذِّئب والنِّسْرُ


ومنه قول ابن شهيد الأندلسي :


وتَدْري سباعُ الطير أن كماتَهُ ........ إِذا لَقيت صيدَ الكُماة سِباعُ تَطيرُ جياعاً فوقَهُ وتردُّها ........ ظُباه إلى الأوكار وهيَ شِباعُ


وقد يقع اتفاق الشاعرين في اللفظ والمعنى جميعاً أو في المعنى وحده ، ويكون ذلك من قبيل توارد الخاطر ، كما يحكى أن سليمان بن عبد الملك أتى بأساري من الروم وكان الفرزدق حاضراً ، فأمره سليمان أن يضرب عنق واحد منهم ، فاستعفى فما أعفى ، وقد أشير إلى سيف غير صالح للضرب ، فلم يستعمله ، وقال : إنما أضرب بسيف أبي رَغْوان سيف مشاجع ، يعني سيفه ، ثمَّ ضرب به الرومي ، فنبا السيف ، فضحك سليمان ومن حوله ، فقال الفرزدق :


أيَعْجَبُ الناسُ أن أضْحَكْتُ سَيِّدَهُم ........ خَليفةَ الله يُسْتَسْقى به المطَرُ لم يَنْبُ سَيْفي من رُعْبٍ ولا دَهَشٍ ........ عن الأسير ولكن أخَّرَ القَدَرُ ولن يُقَدِّم نفساً قبل ميتَتِها ........ جَمْعُ اليَدَيْنِ ولا الصَّمْصامَةُ الذكرُ


ثمَّ أغمد سيفه وهو يقول :


ما إن يُعابُ سيدٌ إِذا صَبا ........ ولا يُعابُ صارمٌ إِذا نَبا


ثمَّ جلس يقول : كأني بابن المراغة - يعني جريراً - وقد هجاني فقال :


بسَيْف أبي رَغْوانَ سيف مُشاجع ........ ضَرَبْتَ ولم تَضْرِب بسَيف ابن ظالِمِ


وقام فانصرف ، وحضر جرير ، فأخبر الخبر ، ولم ينشد الشعر ، فأنشأ يقول البيت بحروفه ، وزاد :


ضَرَبْتَ به عندَ الإمام فأرْعِشَتْ ........ يَداكَ وقالوا مُحْدَثٌ غَيرُ صارم


فأعجب سليمان ما شاهد ، ثمَّ قال جرير : يا أمير المؤمنين كأني بابن القَيْن - يعني الفرزدق - قد أجابني فقال :


ولا نَقْتُل الأسرى ولكن نَفُكُّهُمْ ........ إِذا أثْقَلَ الأعناقَ حملُ المَغارمِ


ثمَّ حضر الفرزدق فأخبر بالهجو دون ما عداه ، فقال مجيباً :


كَذاك سُيوفُ الهند تَنْبو ظُباتُها ........ وتقْطَع أحياناً مَناط التَّمائمِ ولا نقتل الأسرى ولكن نَفكُّهم ........ إِذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارمِ وهل ضَربةُ الرُّوميِّ جاعلةٌ لكم ........ أباً من كليبٍ أو أخاً مثل دارمِ


ويضارع هذا ما يحكى أن المهدي أتى بأسرى من الروم ، فأمر بقتلهم ، وكان عنده شبيب بن شبة ، فقال له : اضرب عنق هذا العِلْج ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد علمت ما ابتلى به الفرزدق ، فعير به قومه إلى اليوم ، فقال : إنما أردتُ تشريفك ، وقد أعفيتك ، وكان أبو الهول الشاعر حاضراً ، فأنشد :


جزَعتَ منَ الرُّومي وهو مقَيَّدٌ ........ فكيفَ إِذا لاقيته وهو مطلقُ دعاكَ أميرُ المؤمنين لقتلهِ ........ فكادَ شَبيبٌ عندَ ذلك يَفْرَقُ فنحِّ شبيباً عن قراع كتيبةٍ ........ وأدْنِ شبيباً من كلام يُلَفَّقُ


ومن نوادر الخواطر ما يحكى عن ابن مَيَّادة أنه أنشد يوماً لنفسه :


مُفيدٌ ومِتْلافٌ إِذا ما أتيتهُ ........ تهَللَ واهتز اهتزاز المهندِ


فقيل له : أين يذهب بك ؟ هذا للحطيئة ، فقال : الآن علمت أني شاعر إذْ وافقته على قوله ولم أسمعه .


ومنه ما حكي الصفي الحلي أنه نظم بيتاً من جملة أبيات ، وهو :


تَهْوَى مواضيكَ الرقابَ كأنما ........ من قبلُ كان حديدها أغلالا


ثمَّ ذكر أنه سمع بعد ذلك بيتاً لا يعلم قائله ، وهو :


تهوى الرقابَ مواضيها فتحسبها ........ تودُّ لو أصبحتْ أغلال من أسرا


فأسقط بيته الذي نظمه ، ثمَّ إنه نظمه بعد ذلك في بديعيته ، فقال :


تهوى الرقابَ مواضيهم فتحسبها ........ حديدَها كان أغلالاً من القِدَمِ


ولنذكر من أخذ المتأخرين بعضهم من بعضٍ ما يحلو في الأذواق ، وتتحلى به الأوراق .


فمن ذلك قول القاضي الفاضل في مليح مُعذر :


وكنتَ وكنَّا والزمانُ مُساعدٌ ........ فصرْتَ وصِرْنا وهو غير مُساعدُ وزاحمني في وِرْد ريقكَ شاربٌ ........ ونفسيَ تأبى شركها في المواردِ


أخذه العز الموصلي ، فقال :


لقد كنتَ لي وَحدي وَوجهكَ رَوْضَتي ........ وكنا وكانت للزمان مواهبُ فعارضني في ورد خَدِّكَ عارضٌ ........ وزاحمني في ورد ثغركَ شاربُ


وقول ابن سناء الملك :


وفي القلب تَصديعٌ ، وفي الوصل جَبْرُه ........ وفي الخدّ دينارٌ وفي الجفنِ كسرُهُ


أخذه ابن نباتة فقال :


في خده وجفونه ........ للحسن دينارٌ وكَسرُ


وقد تلاعب الشعراء بهذا المعنى إلى أن وصل للمعمار ، فقال :


كم حَوَى جَفْنيَ معنًى ........ قلتُ ألفاً وكسورا


وقول السراج الوراق :


يا ساكناً قلبي على أنه ........ بوجده في قلقٍ دائِبِ قلبي من خوف النوى واجبٌ ........ وأنتَ لم تخرج عن الواجبِ


أخذ ابن نباتة نكتة الواجب وسَبكها في قالب آخر ، فقال في رامي بندق :


أسعدْ بِها يا قمري برزَةَ ........ سعيدَةَ الطالعِ والغاربِ صرَعْتَ طيراً وسكنتَ الحشى ........ فما تعدَّيتَ عن الواجبِ


وقول أبي الحسين الجزار ، وكتب به إلى بعض الرؤساء ، يَسْتدْعي قطراً :


أيا عَلَم الدين الذي جود كَفِّهِ ........ براحتِهِ قد أخْجَلَ الغَيْثَ والبَحْرا لئن أمْحَلَتْ أرضُ الكُنافةِ إنَّني ........ لأرْجو لها من سُحب راحَتِكَ القَطْرا


فتحلَّى ابن نباتة بهذا القطر فقال :


لجود قاضي القُضاة أشكو ........ عَجْزِيَ عن الحُلوِ في صيامي والقَطْرُ أرجو ولا عَجيبٌ ........ للقطر يُرْجى من الغَمامِ


وقل محي الدين بن عبد الظاهر :


شكراً لنسمَةِ أرضكم ........ كم بلَّغتْ عن تحيَّهْ لا غَرْوَ أن حفِظت أَحا _ ديثَ الهَوَى فهي الذكيَّهْ


أخذه الصلاح الصفدي فقال :


يا طيبَ نَشْر هَبَّ من أرضكم ........ فأثارَ كامِنَ لوعَتي وتهتُّكي أَهدى تحيَّتكم وأشْبَهَ لطقكم ........ وروى شذاكم إنَّ ذا نشر ذكِي


وأشار إلى هذه السرقة ابن أبي حجلة فقال :


إنَّ ابنُ أَيْبَكَ لم تزل سرِقاتُهُ ........ تأتي بكلِّ قبيحةٍ وقَبيحِ نَسَبَ المَعاني في النَّسيمِ لنَفْسِهِ ........ جهلاً فراحَ كلامُهُ في الرِّيحِ


وقول ابن عبد الظاهر أيضاً مقتبساً :


بأَبي فتاةٌ من كمالِ صِفاتِها ........ وجمالَ بَهجتها تَحَارُ الأعينُ كم قد دفعتُ عواذلي عن وجهها ........ لمَّا تبدَّت بالتي هي أَحْسَنُ


أَخذه ابن نباتة بقافيته ولكن زاده إيضاحاً فقال :


يا عاذلي شمسُ النهارِ جميلةٌ ........ وجمالُ فاتنتي أَلذُّ وأَزْيَنُ فانظر إلى حسنَيْهِما متأمّلاً ........ وادْفَع مَلامَكَ بالتي هي أحْسَنُ


وألمَّ به العز الموصلي فقال :


قد سَلَوْنا عن المليحِ بخَوْدٍ ........ ذاتِ وجهٍ بهِ الجمالُ تَفَتَّنْ ورَجَعْنا عن التَّهتُّك فيهِ ........ ودَفعناه بالتي هي أحْسَنْ


وقول ابن عبد الظاهر أيضاً وكتب به من منهل بطريق الحجاز يسمى عيون القصب :


كتبتُ لكم من أعيُنِ القَصَب التي ........ لها من مَعَانيكم ومن نفسها طَرَبْ فإن أَطرَبَ التَّشبيبُ فيها بذكركم ........ فكم أَطرب التَّشبيب من أَعينِ القصبْ


أَخذه المعمار فقال في مشبب :


هويتُهُ مشبباً ........ بعادُهُ بَرَّحَ بي تَيَّمَ قلبي بالحجا _ زِ من عُيُون القَصَبِ


وقول شيخ شيوخ حماة مورياً بالورد المنسوب إلى نصيبين :


أَفْدِي حَبيباً رُزقتُ منهُ ........ عَطْفَ مُحِبٍّ على حبيبِ بوجنةٍ ما أَتَمَّ ربْحي ........ وقد غَدَا ورْدُها نصيبي


أخذه ابن نباتة فقال :


فَدَيْتُكَ غُصناً ليس يَبْرَحُ مُثْمراً ........ من الحسنِ في الدُّنيا بكلِّ غَريبِ تَفَتَّحَ في وَجْناتهِ الوردُ أحمراً ........ فيا لَيْتَ ذاكَ الوردَ كان نَصيبي


وقوله أيضاً في أسماء متنزهَّات وهي السهم وسطري :


قالوا أَما في جلَّقٍ نُزْهَة ........ تُنْسيكَ ما أَنتَ بهِ مُعْزَى يا عاذلي دونَكَ من لحظِهِ ........ سَهْماً ومن عارضهِ سَطْرا


أَخذه الجلال ابن خطيب داريا فقال وأبدل السهم بمقري وهو من متنزهاتها أيضاً :


سألتكما إن جئتما الشَّام بكْرَةً ........ وعاينتما الشَّقراءَ والغوطَةَ الخَضْرا قِفا واقرآ منِّي كتاباً كتبتُهُ ........ بدمعي لكم مقري ولا تَنْسَيا سَطْرا


وفي مثله للنور الأسعردي :


وريمٌ جلا لي خمرةً مُزَّةً جَلَتْ ........ همومي وقد عايَنْتُ في خدِّهِ سَطْرا ورَبْوَتهُ الشَّقراء ناعمةٌ غَدَتْ ........ فيا حُسْنها من بَرْزةٍ ليتها عَذْرَا


وقول مجير الدين بن تميم في سجَّادة :


أَيا حُسنها سجادة سندسيَّة ........ يُرى للتقى والزُّهد فيها تَوَسُّمُ إِذا ما رآها النَّاسِكونَ ذوُو الحِجى ........ أَمامَهمُ صَلُّوا عليها وسلَّموا


أخذه ابن نباتة فقال :


إنَّ سجَّادتي الحقيرَةَ قَدْراً ........ لم يَفتها في بابكَ التَّعظيمُ شرفَتْ إذْ سعَتْ إليكَ فأمْستْ ........ وعَليها الصَّلاةُ والتَّسليمُ


وتطَّفل عليها ابن الوردي فقال :


سَجَّادَتي أَذْكَرَتْني ........ منكَ الذي كنتُ أعلم أَهْدَيْتُها لمحبٍّ ........ صلَّى عليها وسَلَّم


وقوله أيضاً فيمن غضب عند عزله من منصب ولايته :


كم قلتُ لما فاضَ غيظاً وقدْ ........ أُزيحَ عن مَنْصبِهِ المُعْجبِ لا تعْجَبُوا أن فارَ من غَيْظِهِ ........ فالقَلْبُ مَطْبُوخٌ على المنْصِبِ


أَلمَّ به الشريف النصيبي فقال :


وَلَّوْكَ إذْ علموا بجَهْلِكَ منْصباً ........ علْماً بأنَّكَ عن قليلٍ تبْرَخُ طبَخوا بنارِ العزْل قلبَكَ بعد ذا ........ وكذا القُلوب على المناصِبِ تُطْبَخُ


وقوله أيضاً :


دعيتُ فكانَ أكلي فخذَ طيرٍ ........ ولم أَشْرَب من الصَّهباءِ نقْطَهْ وما يومي كأمس وذاك أنِّي ........ أَكلتُ أوزة وشَرِبْتُ بطَّهْ


أَخذه الصلاح الصفدي بقافيته فقال :


شَوَى الأورز فأضْحَتْ ........ في حُمْرَةِ الخدِّ بَسْطَهْ فقلتُ تَشْوي أوزًّا ........ أَم كنت تَشْرَبُ بطَّهْ


وقوله أيضاً وتقدَّم في حسن التعليل :


حَبيبي وَعَدْتَ الكأسَ منكَ بقبلةٍ ........ وأَعْقَبَ ذاكَ الوعدَ منكَ نفارُ وما كانَ هذا لوْنها غير أَنَّها ........ علاها لطول الانتظارِ صفارُ


أَخذه ابن الصاحب فقال :


يا حابس الكأس لا تزدها ........ من بعد حبسِ الدِّنانِ حَسْرَهْ واغنْم مزاجاً لها لطيفاً ........ أَورَته الانتظارُ صُفْرَهْ


وقول ابن العفيف :


كانَ ما كانَ وزَالا ........ فاطَّرِح قيلاً وقالا أَيُّها المعرِضُ عنِّي ........ حسبُكَ الله تعالى


أَخذ المجد بن مكانس بعضه فقال :


يا غُصُناً في الرِّياضِ مالا ........ حَمَّلْتني في هواكَ مالا يا رائحاً بعدَ ما سَبَاني ........ حسبُكَ رَبَّ السَّما تعالى


وقوله أيضاً :


إنِّي لأَشكو في الهَوَى ........ ما راحَ يَفْعَلُ خَدَّهُ ما كانَ يدري ما الجَفَا ........ لكن تفتَّحَ ورْدُهُ


أَخذه الصلاح الصفدي وزاد نكتة أُخرى فقال :


أَقولُ له ما كانَ خدُّكَ هكذا ........ ولا الصُّدْغ حتَّى سالَ في الشَّفقِ الدُّجَى فمِنْ أَينَ هذا الحسنُ والظّرف قال لي ........ تفتَّحَ ورْدي والعذارُ تخَرَّجَا


وقول الوداعي من قصيدة :


بخلتْ عليَّ بدُرِّ مَبْسمها ........ فغَدتْ مطوَّقةً بما بَخلتْ


أخذه ابن نباتة فقال :


بخلَتْ بلؤلؤِ ثغرها عن لاثمٍ ........ ففدَتْ مطوقة بما بخلَتْ بِهِ


ومحاسن المتأخرين كثيرة ، والاقتصار على هذه النبذة أولى .


والأَفْوَه الأوْدي اسمه صلاة بن عمرو بن مالك بن عوف بن الحارث بن عوف ابن منبه بن أود بن صعب بن سعد العشيرة ، وكان يقال لأبيه عمرو بن مالك فارس الشهباء وفي ذلك يقول الأَفْوه :


أَبي فارسُ الشَّهباء عمرو بن مالكٍ ........ غَدَاةَ الوغى إذْ مالَ بالجدّ عاثِرُ


ولقب بالأَفْوه لأنه كان غليظ الشفتين ، ظاهر الأسنان ، وقال الكلبي : وكان الأَفْوه من قدماء الشعراء في الجاهلية ، وكان سيد قومه وقائدهم في حروبهم ، وكانوا يصدرون عن رأيه ، والعرب تعدّه من حكمائها ، وتعدّ كلمته :


لنا معاشِرُ لم يَبْنُوا لقومِهُمُ ........ وإن بنى قَوْمُهمْ ما أَفْسَدُوا عادوا


من حكمة العرب وآدابها ، وكان بينه وبين قوم من بني عامر دماءٌ ، فأَدرك بثأره ، وزاد ، فأعطاهم ديات من قَتَلَ فضلاً عن قتلى قومه ، فقبلوه وصالحوه فقال يفتخر عليهم :


نقاتِلُ أَقواماً فنَسبي نساءهُمْ ........ ولم يَرَ ذو عِزٍّ لنسْوَتِنا حِجْلاَ نَقُودُ ونأبى أن نُقَادَ ولا نَرَى ........ لقوم علينا في مكارمهم فَضْلاَ وإمَّا بطاء المشي عند نسائنا ........ كما قُيِّدَتْ بالصَّيفِ نَجْدِيَّةً بزلاَ نظلُّ غَيَارى عند كلِّ ستيرةٍ ........ تقلب جيداً واضحاً وشوًى عَبْلاَ وإنَّا لنُعْطي المالَ دونَ دمائنا ........ ونأبى فما نستامُ دونَ دمٍ عَقْلاَ


وقال أبو عمرو : أَغار بنو أَوْدٍ وقد جَمَعها الأَفْوهُ على بني عامر ، فمرض الأَفْوه مرضاً شديداً ، فخرج بدله يزيد بن الحارث الأودي فلقي بني عامر وعليهم عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب ، فلمَّا التَقَوْا عرف بعضهم بعضاً ، فقالت لهم عامر : ساندونا فما أصابنا كان بيننا وبينكم ، فقالت أود وكانوا قد أصابوا منهم رجلين : لا والله حتَّى نأخذ طائلتنا ، فقام أخو المقتول وهو رجل من كعب بن أود فقال : يا بني أود والله لتأْخُذُنَّ بطائلتي أَو لأَنْتَحين على سيفي ، فاقتتلت أود وبنو عامر ، فظفرت أود وأصابوا مغنماً كثيراً ، فقال الأَفْوه في ذلك :


أَلا يا لَهْفَ لو شَهِدَتْ فناتي ........ قبائلُ عامرٍ يوْم الصَّليبِ غَداةَ تجمَّعت كعب إلينا ........ حلائف بين أفناء الحُرُوبِ فلمَّا أَن رأوْنا في وغاها ........ كآسادِ العرينَةِ والحجيبِ تداعَوْا ثمَّ مالوا عن ذراها ........ كفعل الجامِعاتِ من الوَجيبِ وطارُوا كالنَّعامِ ببطن قوِّ ........ مزايلةً على حذرِ الرَّقيبِ


وهو القائل :


لا يَصْلُحُ النَّاسُ فوضى لا سراة لهم ........ ولا سَرَاةَ إِذا جُهَّالُهمْ سادُوا تُهْدى الأُمور بأهلِ الرَّأي ما صَلحت ........ فإنْ تَوَلَّتْ فبالأَشرارِ تَنْقادُ


وهو القائل :


والمرُ ما يصْلحْ لهُ ليلةً ........ بالسَّعْدِ تُفْسِدهُ ليالي النُّحوسْ والخير لا يأتي ابتغاءً به ........ والشَّرّ لا يفنيه ضَرْحُ الشُّمُوسْ


وهو القائل :


بَلَوتُ النَّاسَ قرْناً بعدْ قرْنٍ ........ فلم أَرَ غيرَ ذي قيلٍ وقالِ ولمْ أَرَ في الخُطُوبِ أَشدَّ هَوْلاً ........ وأَصْعَب من مُعاداةِ الرِّجالِ وذُقْتُ مرارَةَ الأَشياءِ طرًّا ........ فما شيءٌ أَمَرُّ من السُّؤالِ


قال عبد الله بن الزبير : هذه الأَبيات الثلاثة جامعة لما قالت العرب .


إنْ كنتَ أَزْمَعْتَ على هَجْرِنا ........ من غيرِ ما جُرْمٍ فصَبْرٌ جَميلْ وإنْ تَبَدَّلْتَ بنا غيرَنا ........ فَحَسْبُنا الله ونِعْم الوَكيلْ


البيتان من السريع ، وقائلهما أبو القاسم بن الحسن الكاتبي . ومعنى أزمعت : أجمعت على الأمر وثبتَّ عليه ، والجرم - بالضم - الذنب ، والصبر الجميل : هو الذي لا شكوى فيه ، كما أنَّ الصفح الجميل هو الذي لا عتب فيه ، والهجر الجميل هو الذي لا غيبة فيه . والشاهد في البيت الثاني : الاقتباس من القرآن العظيم .


وما أحسن قول مجير الدين بن تميم في وكيل بدار القاضي يدعى بالعز :


لا تقرَبِ الشَّرعَ إِذا لم تكنْ ........ تَخْبرُهُ فهوَ دَقيقٌ جَليلْ ووكِّلِ العزَّ الذي وجههُ ........ على نجاحِ الأَمرِ أَقْوَى دَليلْ ولا تملْ عنهُ إلى غيرهِ ........ فحسبنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيلْ


وما احسن قول بعضهم في ذم وكيل اسمه كثير :


كثيرُ شأْنكَ عندي ........ وعندَ غيري قليلُ وحقّ مَنْ هو حسبي ........ ما أَنتَ نعمَ الوَكيلُ قالَ لي إنَّ رَقيبِي ........ سَيِّئُ الخُلق فَدَارِهْ قلتُ دَعني وَجهكَ الجنَّ _ ةُ حُفَّتْ بالمكارِهْ


البيتان للصاحب بن عباد ، من الرمل . والرقيب : الحافظ والحارس ، والمداراة : الملاطفة والمخاتلة . والشاهد في البيت الثاني : الاقتباس من الحديث ، ولفظه : "حُفَّت الجنَّة بالمكاره ، وحُفَّت النَّار بالشهوات" . والحفوف : الإحاطة بالشيء . والمعنى : أن وجهك لحسنه جنة ، فلا بدَّ لي من تحمُّل مكاره الرقيب ، كما أنَّه لا بد لطالب الجنَّة الحقيقية من تحمُّل مشاق التكاليف . وفي مثله قول بعضهم :


وللهِ في عَرْضِ السَّمواتِ جَنَّةٌ ........ ولكنَّها محفوفةٌ بالمكارِهِ


وقول ابن قلاقس :


ووالله لولا أَنَّهُ جنَّةُ المنَى ........ لما كانَ محفوفاً لنا بالمكارِهِ


وقول ابن نباتة السعدي :


عنْ خدِّهِ منعَ الرَّقي _ بُ وبعدَهُ دَاجِي عِذارِهْ وَاهاً لها منْ جنَّةٍ ........ حُفَّتْ بأنواعِ المكارِهْ


وقول الصفي الحلي :


يا جنَّة الحسن التي ........ حُفَّتْ لدينا بالمكارِهْ إنِّي لوَجهكَ عاشقٌ ........ ولِمنظرِ الرُّقباء كَارِهْ


وقول ابن نباتة في جارية صَوَّرت بوجهها وعقرباً بغالية :


قتيلُكِ ما أَذكى الهَوَى جُلَّ نارهِ ........ إلى أنْ تبدَّى الخدُّ في جُلَّنارهِ رأى حيَّةً في وجنتيك وعقرباً ........ نعمْ جَنَّة محفوفة بالمكارهِ


وقريب منه قول الأبله الشاعر البغدادي ، وكان له ميل إلى بعض أولاد البغاددة ، فعبر على باب داره فوجد خلوة ، فكتب على الباب :


دارُكَ يا بدرَ الدُّجى جنَّة ........ بغيرها نَفْسي لا تلهُو وقدْ رَوَى في خبرٍ أنَّهُ ........ أَكثر أهل الجنَّةِ البلهُ


ذكرت بهذا ما حكى ابن عساكر ، عن سلمة بن عاصم ، قال : ما لقيني الأصمعي قط إلاَّ قال : أرجو أن تكون من أهل الجنة ، قال : فقال لي جليس له : إنَّما أراد أنَّك أبله ، لأنَّ أكثر أهل الجنَّة البله ، قال : لا يبعد ، فقد كان ماجناً ، انتهى .


والصاحب ابن عبَّاد ، هو : إسماعيل بن عبَّاد بن العبَّاس بن عبَّاد ابن أحمد بن إدريس الطالقاني ، والطالقان : اسم لمدينتين : إحداهما بخراسان ، والأُخرى : من أعمال قزوين ، وهذه هي التي منها الصاحب ، ومولده منها ، أو باصطخر ، سنة ست وعشرين وثلثمائة ، وهو أمل من سمِّي بالصاحب من الوزراء لأنَّه صحب مؤيد الدولة من الصبَى ، فسمَّاه الصاحب فغلب عليه ، ثمَّ سمي به كل من ولي الوزارة بعده ، وقيل : سُمي به لأنَّه كان يصحَب الوزير ابن العميد ، فقيل له : صاحب ابن العميد ، ثمَّ خفّف فقيل : الصاحب .


وقال الثعالبي في حقّه : ليست تحضرني عبارة أَرضاها للإفصاح عن علوّ محلّه في العلم والأَدب ، وجلالة شأنه في الجود والكرم ، وتفرّده بغايات المحاسن ، وجمعه أشتات المفاخر ، إلى أن قال : ولكنِّي أقول : هو صدر المشرق ، وتاريخ المجد ، وغرة الزمان ، وينبوع الفضل والإحسان . وكانت حضرته محط رحال الأُدباء والشعراء ، وموسم فضائلهم ، ومترع آمالهم ، وأمواله مصروفة إليهم ، وصنائعه مقصورة عليهم . ولما كان نادرة عطارد في البلاغة ، وواسطة عقد الدهر في السماحة ، جلب إليه من الآفاق وأقاصي البلاد كل خطاب جزل ، وقول فصل ، وصارت حضرته مشرعاً لروائع الكلام ، وبدائع الإفهام ، ومجلسه مجمعاً لصوب العقول ، وذوب العلوم ، وثمار الخواطر ، ودرر القرائح ، فبلغ في البلاغة ما يعد في السحر ، ويدخل في باب الإعجاز ، وسار كلامه مسير الشمس ، ونظم ناحيتي الشرق والغرب ، واحتفت به من نجوم الأرض ، وأفراد العصر وأبناء الفضل ، وفرسان الشعر ، من يُربى عدد على شعراء الرشيد ، ولا يقصرون عنهم في الأخذ برقاب القوافي ، وملك رق المعاني ، فإنَّه لم يجتمع بباب ولك ولا خليفة ما اجتمع بباب الرشيد من فحول الشعراء : كأبي نواس وأبي العتاهية ، والعتابي ، والنميري ، ومسلم بن الوليد ، وأبي الشيص ، وأشجع السلمي ، ومروان بن أبي حفصة ، وغيرهم . وجمعت حضرة الصاحب بأصبهان ، والري ، وجرجان . مثل : السلامي ، والخوارزمي ، والمأموني ، والبديهي ، والرستمي ، والزعفراني ، والضبي ، والجرجاني ، وأبي قاسم بن أبي العلاء ، وابن بابك ، وابن القاشاني ، والبديع الهمذاني ، وأبي الفرج الساوي ، وغيرهم ، ومدحه مكاتبةً الشريف الرضي ، وابن حجاج ، والصابي ، وابن سكرة الهاشمي ، وما أحسن قول الصاحب المتقدم في شواهد الإدماج :


إنَّ خيرَ المداح مَنْ مدحته ........ شُعراء البلاد في كلِّ نادي


قال : وسمعت أبا بكر الخوارزمي يقول : إنَّ مولانا الصاحب نشأ من الوزارة في حِجْرِها ، ودرج في وِكْرِها ، ورضع أَفاويق دَرِّها ، وورثها عن أبيه ، كما قال الرستمي فيه :


وَرثَ الوزارة كابراً عن كابرٍ ........ مَوْصولَةَ الإسناد بالإسنادِ يروي عن العبَّاس عبَّادٌ وزَا _ رتَهُ وإسماعيلُ عَنْ عبَّادِ


قال : ولمَّا ملك فخر الدولة واستعفى الصاحب من الوزارة ، قال له : لك في هذه الدولة من إرث الوزارة ، ما لنا فيها من إرث الأمارة ، فسبيل كل منَّا أن يحتفظ بحقِّه .


قال : وحدَّثني عون بن الحسين الهمذاني ، قال : كنت يوماً في خزانة الخلع للصاحب بن عباد ، فرأيت في دستور كاتبها ، وكان صديقي ، مبلغ عمائم الخز التي صرفت في تلك الشتوية للعلويين والفقهاء والشعراء خاصة غير الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين ، قال : وكان يعجبه الخز ، ويأمر بالاستكثار منه في داره ، فنظر أبو القاسم الزعفراني يوماً إلى جميع من فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملونة ، فاعتزل ناحية ، وأخذ يكتب شيئاً ، فنظر إليه الصاحب ، وقال : عليَّ به ، فاستمهل الزعفراني ريثما يتم مكتوبه ، فأمر الصاحب بأخذ الدرج من يده ، فقام ، وقال : أيَّد الله مولانا الصاحب :


اسمعهُ ممَّنْ قالهُ تزدَدْ بهِ ........ عُجْباً فحسن الورد في أغصانهِ


فقال : هات يا أبا القاسم ، فأنشده أبياتاً ، منها :


سِواكَ يَعُدُّ الغنَى ما اقتنَى ........ ويأمرهُ الحرْصُ أَن يخزنَا وأَنتَ ابنَ عبَّادٍ المرْتَجَى ........ تعدّ نوالكَ نيلَ المُنَى وخيركَ من باسطٍ كَفَّهُ ........ وممَّنْ ثناهَا قريبُ الجنَى غمرتَ الوَرَى بصُنُوفِ النَّدَى ........ فأَصغرُ ما ملكُوهُ الغنَى وغادَرْتَ أَشعَرَهُمْ مُفْحَماً ........ وأَشكَرَهمْ عاجزاً أَلكَنَا أَيا مَنْ عَطاياهُ تُهْدي الغنَى ........ إلى راحَتَيْ من نأَى أَو دَنَا كَسَوْتَ المُقيمينَ والزَّائرينَ ........ كُساً لم يُخَلْ مثلها مَمكنَا وحاشيَةُ الدَّارِ يمْشونَ في ........ ضُرُوبٍ من الخزِّ إلاَّ أَنَا ولستُ أُذكِّرُ بي جارِياً ........ على العهدِ يحسن أنْ يُحسِنا


فقال له الصاحب : قرأت في أخبار معن بن زائدة أنَّ رجلاً قال له : احملني أَيُّها الأَمير ، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية ، ثمَّ قال له : لو علمت مركوباً غيرها لحملتك عليه ، وقد أمرنا لك من الخزّ بجبَّة ، ودُرَّاعة ، وقميص ، وسراويل ، وعمامة ، ومنديل ، ومُطْرَف ، ورداء ، وجورب ، ولو علمنا لباساً آخر يتَّخذ من الخزّ أعطيناكه .


قال : وحدثني أبو عبد الله محمد بن حامد الحامدي ، قال : شهدت أبا محمد الخازن بين يدي الصاحب ينشده :


هذا فؤادُكَ بينَ أَهواء ........ وذاكَ رأيكَ شُورَى بينَ آراءِ هَوَاكَ بين العيون النُّجْلِ مقتسم ........ داء لعمرُكَ ما أَبلاهُ من داءِ لا تستقرُّ بأَرْضٍ أَوْ تسيرَ إلى ........ أُخرَى بشخصٍ قريبٍ عزمهُ نائِي يوماً بحُزْوَى ويوماً بالعقيقِ وبالع _ ذَيب يوماً ويوماً بالخليصاءِ وتارةً ينتحي نجداً ، وآونةً ........ شعبَ الغُوَيْرِ ، ويوماً قَصْرَ تيماءِ


قال : فرأيت الصاحب مقبلاً عليه ، حسن الإصغاء إلى إنشاده ، حتَّى عجب الحاضرون ، فلمَّا بلغ إلى قوله :


أدْعى بأَسماء نبزا في قبائلها ........ كأَنَّ أَسماء أَضحتْ بعضَ أَسمائِي أَلقيتُ شعري وألقتْ شَعْرَها طَرَباً ........ فألَّفَا بينَ إصباحٍ وإِمساءِ


مال الصاحب عن دَسْته طرباً ، حتَّى بلغ قوله في المدح :


لوْ أَنَّ سحبان جاراه لأسحبهُ ........ على خَطَابته أَذيالَ فأفاءِ أَرى الأَقاليم قد أَلقَتْ مقالدَها ........ إليهِ مستلقيات أَيّ إلقاءِ فساسَ سبعنهَا منهُ بأَرْبَعةٍ ........ أَمرٍ ونهْيٍ وتثبيت وإمضاءِ كذاكَ توحيدهُ أَلوَى بأربعةٍ ........ كفرٍ وجَبْرٍ وتشبيهٍ وإرجاءِ نعم تجنبَ لا يومَ العطاء كما ........ تجنب ابنُ عطاءٍ لَثَغَةَ الرَّاءِ


فاستعاده وطرب للمعنى ، فلما ختمها بهذه الأَبيات :


أطرِي وأطرِب للأَشعار أنشدُها ........ أَحسن ببهجة إطرابي وإطرائي ومنْ منائح موْلانَا مدائحه ........ لأنَّ من زَنْدِهِ قدْحي وإبرائي فخُذْ إليكَ ابنَ عبَّادِ محبرَةً ........ لا البحتريُّ يدانيها ولا الطَّائي


قال له : أَحسنت ، أَحسنت ، ولله أَنت ، وتناول النسخة ، وتشاغل بإعادة النظر فيها ، ثمَّ أمر له بخلعة من ملابسه ، وفرس من مراكبه ، وصلة وافرة .


قال : وحدثني أبو الحسن محمد بن الحسن النحوي ، قال : سمعت الصاحب يقول : أَنفذ إليَّ أبو العباس تاش الحاجب رقعة في السر ، بخط مخدومه نوح بن منصور ملك خراسان وما وراء النهر ، يريدني فيها على الانحياز إلى حضرته ليلقي إليَّ مقاليد ملكه ويعتمدني لوزارته ، قال : وكان فيما اعتذرت به إليه من تركي امتثال أمره ذكر طول ذيلي بكثرة حاشيتي ، وحاجتي لنقل كتبي خاصة إلى أربعمائة جمل ، فما الظن بما يليق بها من تجمل مثلي .


وحدثني أيضاً قال : سمعت الصاحب يقول : حضرت مجلس ابن العميد عشيَّة من عشايا شهر رمضان ، وقد حضره الفقهاء والمتكلمون للمناظرة ، وأنا إذْ ذاك في ريعان شبابي ، فلما تقوَّض ذلك المجلس وانصرف القوم وقد حلَّ الإفطار أنكرت ذلك بيني وبين نفسي ، وعجبت من إغفاله الأمر بتفطير الحاضرين مع وفور رياسته ، وعاهدت الله أن لا أُخلّ بما أخلَّ به إِذا قمت يوماً مقامه ، قال : فكان الصاحبُ لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائناً من كان ، فيخرج من داره إلاَّ بعد الإفطار ، وكانت داره لا تخلو ليلة من ليالي الشَّهر من ألف نفس مفطرة . وكانت صلاته وصدقاته ونفقته في هذا الشَّهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع السنة ، قال : وحدثني أبو الفضل الهمذاني بديع الزمان ، قال : لما أدخلني أبي إلى الصاحب ووصلت إلى مجلسه واصلت الخدمة بتقبيل الأَرض ، فقال لي يا بني اقعد ، كم تسجد ؟ كأَنَّك هدهد ! .


وكان الصاحب في الصغر إِذا أراد المضي إلى المسجد ليقرأ تعطيه والدته ديناراً ودرهماً في كل يوم ، وتقول له : تصدَّق بهذا على أول فقير تلقاه ، فجعل هذا دأبه في شبابه إلى أن كبر وماتت والدته ، وهو على هذا يقول للفراش في كل ليلة : اطرح تحت المطرح ديناراً ودرهماً ، لئلا ينساه ، فبقي على هذا مدة ، ثمَّ إنَّ الفراش نسي ليلة من الليالي أن يطرح له الدرهم والدينار ، فانتبه وصلَّى وقلب المطرح ليأخذ الدينار والدرهم ، فما رآهما ، فتطير من ذلك ، وظنَّ أنَّه قرب أجله فقال للفراشين : شيلوا كل ما هنا من الفرش وأخرجوه وأعطوه لأول فقير تلقونه حتَّى يكون كفَّارة لتأخير هذا الخير . فلقوا فقيراً أعمى هاشميًّا على يد امرأة وهو يبكي ، فقالوا له : تقبل هذا ، فقال : ما هو ؟ فقالوا : مطرح ديباج ومخادُّ ديباج ، فأُغمي عليه فأعلموا الصاحب بأمره ، فأحضره وسقاه شراباً بعد ما رشَّ عليه الماء ، فلمَّا أفاق سأله قال : اسألوا هذه المرأة إن لم تصدقوني ، فقال له : اشرح ، فقال : أنا رجل شريف ، ولي ابنة من هذه المرأة خطبها رجل فزوجناه بها ، ولي سنتان آخذ القدر الذي يفضل من قوتنا أشتري لها به قطعة صفر أو صفرية ، وما أشبه ذلك ، فلما كان البارحة قالت أُمها : اشتهيت لها مطرح ديباج ومخادّ ديباج ، فقلت لها : من أين لي ذلك ؟ وجرى بيني وبينها خصومة إلى أن سألتها أن تأخذ بيدي وتخرجني حتَّى أمضي على وجهي ، فلما قال لي هؤلاء هذا الكلام حقَّ لي أن يغشى علي ، فقال الصاحب : لا يكون الديباج إلاَّ مع ما يليق به ، علي بالانماطيين ، فجيء بهم ، فاشترى منهم الجهاز الذي يليق بذلك المطرح ، وأحضر زوج الصبية ، ودفع إليه بضاعة سنية .


قال : وحدثني أبو منصور البيع قال : دخلت يوماً على الصاحب بن عباد فطاولته الحديث ، فلما أردت القيام قلت : لعلّي طوّلت ، فقال : لا ، بل تَطَوَّلْتَ .


يحكى أنَّ الصاحب استدعى في بعض الأَيام شراباً ، فأحضروا قدحاً ، فلمَّا أراد أن يشربه قال له بعض خواصه : لا تشربه فإنَّه مسموم ، وكان الغلام الذي ناوله واقفاً ، فقال للمحذر : وما الشاهد على صحة قولك ؟ قال : تجربه في الذي ناولك إياه ، قال : لا أستجيز ذلك ولا أستحله ، قال : فجربه في دجاجة ، قال : التمثيل بالحيوان لا يجوز ، ورد القدح وأمر بقلبه ، وقال للغلام : انصرف عنِّي ولا تدخل داري ، وأمر بإقرار جارية وجرايته عليه ، وقال : لا يدفع اليقين بالشك ، والعقوبة بقطع الرزق نذالة .


يقال : إن ابن الخطيري أَتى يوماً إليه ، فقام له ، فمر مسرعاً لأجله ، فضرط ، فقال : يا مولانا هذا صرير التَّخْت ، فقال : بل صفير التَّحْت ، فذهب واستحيا وانقطع ، فكتب إليه :


قل للخطيريِّ لا تَذْهَبْ على خجلٍ ........ بضَرْطَةٍ أَشبَهَتْ ناياً على عُودِ فإنَّها الرِّيحُ لا تستطيع تُمْسِكُها ........ إذْ أَنتَ لَسْتَ سليمان بن داودِ


وكان الصاحب قد ولَّى عبد الجبار الأستراباذي قاضي القضاة بهمذان والجبال فاستقبله يوماً ولم يترجل له ، وقال : أيُّها الصاحب ، أريد أن أترجل للخدمة ، ولكن العلم يأبى ذلك ، وكان يكتب في عنوان كتابه إلى الصاحب : داعيه عبد الجبار بن أحمد ، ثمَّ كتب : وليه عبد الجبار بن أحمد ، ثمَّ كتب : عبد الجبار بن أحمد ، فقال الصاحب : نظن القاضي يؤول أمره إلى أن يكتب : الجبار ! .


وقال الصاحب يوماً : ما أفظعني إلاَّ شاب بغدادي ورد علينا إلى أصبهان فقصدني ، فأذنت له ، وكان عليه مرقعة ، فنظرت إلى حاجبي فقال له وهو يصعد إليَّ : اخلع نعلك ، فقال : ولم ؟ لعلني أحتاج إليها بعد ساعة ، فغلبني الضحك وقلت : أتراه يريد أن يصفعني بها .


وقال بديع الزمان الهمذاني : كنت عند الصاحب ابن عبَّاد ، فأتاه رجل بقصيدة يفضل فيها العجم على العرب ، وهي :


غنينا بالطُّبُول عن الطلول ........ وعن عَنْس عُذافرة ذَمُولِ وأذهلني عُقَاري عن عَقَارى ........ ففي استِ أُمّ القضاة مع العُدُولِ فلست بتاركٍ إيوانَ كسرَى ........ لتوضِحَ أَو لحوْملَ فالدَّخُولِ وضبٍّ بالفلا ساع وذئبٍ ........ بها يَعْوي وليثٍ وَسْطَ غِيلِ يسُلُّونَ السّيوفَ برأس ضبٍّ ........ هرَاشا بالغداةِ وبالأَصيلِ بأَيّة رتبة قدَّمتمُوها ........ على ذي الأَصلِ والشرفِ الجليلِ أَلا لو لم يكن للفرسِ إلاَّ ........ نِجَار الصاحب العَدْلِ النَّبيلِ لكانَ لهمْ بذلكَ خيرُ عز ........ وجيلُهمُ بذلك خيرُ جِيلِ


فلما بلغ إلى هنا قال له الصاحب : قَدْك ، ثمَّ اشرأبَّ ينظر إلى الزوايا وأطراف القوم ، فلم يرني ، وكنت في زوايا من زوايا البيت ، فقال : أين أبو الفضل ؟ فوثبت وبُسْت الأَرض بين يديه ، فقال : أجبه عن ثلاثتك ، قلت ، وما هي ؟ قال : أدبك ونسبك ومذهبك ، فقلت : ولا مهلة للقول إلاَّ بما تسمع :


أَراكَ على شَفَا خطرٍ مَهُول ........ بما أَودَعْتَ نفسَك من فُضُولِ طلبت على مكارِمِنا دليلاً ........ متى احْتَاجَ النَّهارُ إلى دَليلِ أَلسْنا الضَّاربينَ جِزًى عليهم ........ فأيّ الخِزْي أَقعدُ بالذليلِ متى فرع المنابرَ فارسيّ ........ متى عرف الأَغرّ من الحجُولِ متى عَلِقَتْ وأَنتَ بهم زَعيمٌ ........ أَكفُّ الفُرْسِ أَعْرافَ الخيولِ فَخَرْتَ بملء ماضغتيك فخراً ........ على قَحْطانَ والبيتِ الأَصيلِ وحقّك أَن تُبارينا بكسرَى ........ فما ثور ككسرى في الرَّعيلِ فخرت بنحو مَلْبوس وأَكلٍ ........ وذلك فخر رَبَّاتِ الحجُولِ تفاخرهنّ في خد أسيل ........ وفَرْعٍ من مَفَارقها رَسيلِ فأَمْجَدُ من أبيك إِذا أَثَرْنَا ........ عراة كاللّيوث وكالنصُولِ


قال : فلما أجبته بهذه الأَبيات نظر الصاحب بن عبَّاد إلى الرجل فقال : كيف ترى ؟ فقال : لو سمعت به ما صدقت ، قال : فإذاً جائزتك إن وجدتك بعدها في مملكتي أمرت بضرب عنقك ، ثمَّ قال : لا ترون رجلاً يفضل العجم على العرب إلاَّ وفيه عرق من المجوسية يرجع إليها .


قال : وحدثني أبو منصور اللجينيّ ، قال : أَهدى العميري قاضي قزوين إلى الصاحب كتباً وكتب معها :


العميريّ عبدُ كافي الكُفاة ........ وإن اعتدّ من وجوه القُضاةِ خَدَمَ المجلس الرَّفيعَ بكتبٍ ........ مُفْعماتٍ من حُسنِها مُتْرعاتِ


فوقع تحتها :


قد قبلْنا من الجميعِ كِتاباً ........ ورَدَدْنا لوقْتها الباقياتِ لستُ أَستغْنم الكثيرَ فَطَبْعي ........ قولُ خُذْ ليسَ مذهَبي قولَ هاتِ


قال : وكتب إليه بعض العلويين يخبره بأنه قد رزق مولوداً ، ويسأله أن يسميه ويكنيه ، فوقع في رقعته : أسعدك الله بالفارس الجديد ، والطالع السعيد ، فقد والله ملأ العين قرّة والنَّفس مسرَّة مستقرّة ، فالاسم علي ليعلي الله أمره ، والكنية أبو الحسن ليحسن الله ذكره ، فإنِّي لأرجو له فضل جدّه ، وسعادة جدّه وقد بعثت ديناراً من مائة مثقال ، قاصداً فيه مقصد الفال ، رجاء أن يعيش مائة عام ، ويخلص خلوص الذهب الإبريز من نوب الأيام ، والسلام .


وكتب إليه أبو حفص الوراق رقعة نسختها : لولا أن الذكر - أطال الله بقاء مولانا الصاحب الجليل - تنفع المؤمنين ، وهز الصمصمام يعين المصلتين ، لما ذكرت ذكراً ولا هززت ماضياً ، ولكن ذا الحاجة لضرورته يستعجل النجح ويكد الجواد ، وحال عبد مولانا أدام الله تأييده في الحنطة مختلفة ، وجرذانُ داره عنها منصرفة ، فإن رأَى أن يخلط عبده ، بمن أخصب رحله عنده ، فعل إن شاء الله تعالى . فوقع عليها : أحسنت أبا حفص قولاً وسنحسن فعلاً ، فبشر جرذان دارك بالخصب ، وأمنها من الجدب ، فالحنطة تأتيك في الأُسبوع ، ولست على غيرها من النفقة بممنوع ، إن شاء الله تعالى .


قال : وسمعت أبا النصر بن عبد الجبار العتبي ، يقول : كتب بعض أتباع الصاحب إليه رقعة في حاجة ، فوقع فيها ، ولما وردت إليه لم يرَ فيها توقيعاً ، وقد تواترت الأَخبار بوقوع التوقيع فيها ، فعرضها على أبي العباس الضبي ، فما زال يتصفحها حتَّى عثر بالتوقيع ، وهو ألف واحدة ، وكان ختام الرقعة : فإن رأى مولانا أن ينعم بكذا فعل . وأثبت الصاحب أمام فعل ألفاً ، يعني أفعل . قال : وبلغ الصاحب أن بعض المتشاعرين انتحل شيئاً من شعره ، فكتب إليه :


سرقتَ شعري ، وغيري ........ يُضامُ فيه ويخدعْ فسوفَ أَجْزيكَ صَفْعاً ........ يكدّ رأساً وأخدَعْ فسارِقُ المالِ يُقطع ........ وسارِقُ الشِّعرِ يُصفَعْ


قال : فاتخذ الليل جملاً وهرب من الريّ .


وقال محمد بن المرزبان : كنَّا بين يدي الصاحب ليلة فنعس ، وأخذ إنسان يقرأ سورة الصَّافَّات ، فاتَّفق أن بعض الأَجلاف من أَهل ما وراء النهر نعس أيضاً وضرط ضرطة منكرة ، فانتبه الصاحب وقال : يا أصحابنا ، نمنا على الصَّافَّات وانتبهنا على المرسلات . وقال أيضاً : انفلتت ليلة ضرطةٌ من بعض الحاضرين ، والصاحب في الجدل فقال على حدَّته : كانت بيعة أبي بكر ، خذوا فيما أنتم فيه ، يعني أنَّه قيل في بيعة أبي بكر رضي الله عنه إنَّها كانت فلتة . ولمَّا كان الصاحب ببغداد قصد القاضي أبا السائب عتبة بن عبيد الله لقضاء حقّه ، فتثاقل في القيام له ، وتحفّز تحفُّزاً أراه به ضعف حركته وقصور نهضته فأخذ الصاحب بضبعه وأقامه ، وقال : نعين القاضي على قضاء حقوق أصحابه ، فخجل القاضي واعتذر إليه .


وحدثني غيره قال : كتب إنسان رقعة إلى الصاحب أغار فيها على رسائله ، وسرق فيها جملة من ألفاظه ، فوقع فيها : هذه بضاعتنا ردّت إلينا . ووقع في رقعة استحسنها : أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون . ووقع في كتاب لبعض مخالفيه : فويل لهم ممَّا كتبت أيديهم وويل لهم ممَّا يكسبون . ووقع في رقعة أبي محمد الخازن وكان قد ذهب غاضباً ثمَّ كتب إليه يستأذنه لمعاودة حضرته : ألم نربِّكَ فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين ، وفعلت فعلتك التي فعلت . ووقع في رقعة بعض خطاب الأعمال : التصرُّف لا يلتمس بالتكفّف ، إن احتجنا إليك صرَّفناك ، وإلاَّ صَرَفناك . وعزل الصاحب عاملاً بقُمَّة فكتب إليه : أيُّها العامل بقم ، قد عزلناك بقم . وسأل أبا الحسن الربعي عن مسألة ، فأجاب جواباً أخطأ فيه ، فقال له : أصبت فقبَّل الأَرض بين يديه شكراً ، فلما رفع رأسه ، قال : عين الخطأ ، ووقع إليه بعض منهي الأَخبار أن رجلاً ممَّن ينطوي له على غير الجميل يدخل داره في غمار الناس ثمَّ يتلوم على استراق السمع ، فوقع : دارنا هذه خان ، يدخلها من وفَى ومن خان .


قال : وبلغني عن القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أنَّه قال : انصرفت يوماً من دار الصاحب ، وذلك قبل العيد ، فجاءني رسوله بعطر الفطر ورقعة مكتوب فيها :


يا أَيُّها القاضي الذي نَفْسي لهُ ........ معَ قُرْب عهدِ لقائهِ مُشْتاقهْ أَهْدَيْتُ عِطْراً مثلَ طيب ثنائه ........ فكأَنَّما أَهدى له أَخلاقَهْ


قال : وسمعته يقول : إن الصاحي يَقْسِم لي من إقباله وإكرامه بجرجان ، أكثر ممَّا يتلقَّاني به في سائر البلدان ، وقد استعفيته يوماً من فَرْط تَحَفّيه بي وتواضعه لي ، فأنشدني لنفسه :


أَكرمْ أخاكَ بأَرض مَوْلِدِهِ ........ وأمدّه من فِعْلِكَ الحَسَنِ فالعِزُّ مطْلوبٌ ومُلْتَمَس ........ وأَعزُّهُ ما نيلَ في الوَطَنِ


ثمَّ قال لي : قد فرغت من هذا المعنى في قصيدتك العينية ، فقلت : لعلَّ مولاي يريد قولي :


وشَيدْتُ مجدي بين قومي فلم أقلْ ........ أَلا ليتَ قومي يعلمونَ صَنيعي


فقال : ما أردت غيره ، والأصل فيه قوله تعالى : "يا ليت قومي يعلمون ، بما غفر لي ربِّي وجعلني من المكرمين" . قال : وأنشدني أبو حنيفة الدهستاني للصاحب ما كتب به إلى أبي هاشم العلوي وقد أهدى إليه يوم أَضحى عطراً في طبق فضة :


اقبَلْ من الطيب الذي أهديتهُ ........ ما يسرقُ العطَّارُ من أَخْلاقِكْ والظرف يوجب أخذهُ معَ ظَرْفِهِ ........ فأَضِفْ به طبقاً إلى أَطْباقِكْ


قال : وبلغني عن الصاحب أنَّه قال : ما استأذنت قط على فخر الدولة وهو في مجلس الأنس إلاَّ انتقل إلى مجلس الحشمة ، فأذن لي فيه ، وما أذكر أنَّه تبذَّل بين يدي ومازحني إلاَّ مرة واحدة ، فإنَّه قال لي في شجون الحديث : بلغني أنَّك تقول : المذهب مذهب الاعتزال ، والنيك نيك الرجال ، فأظهرت الكراهة لانبساطه ، وقلت : بنا من الجد ما لا نفرغ معه إلى الغزل ، ونهضت كالمغاضب ، فما زال يعتذر إليَّ مراسلَةً حتَّى عاودت مجلسه ، ولم يعد بعدها لما يجري مجرى المزاح والهزل .


قال : وسمعت أبا الحسين العلويّ الهمذاني الوصيّ قال : لما توجهت تلقاء الريّ في سفارتي إليها من جهة السلطان ، فكَّرْتُ في كلام أَلقى به الصاحب ، فلم يحضرني ما أرضاه ، وحين استقبلني في العسكر وأفضى عناني إلى عنانه جرى على لساني : ما هذا بشراً إن هذا إلاَّ ملك كريم . فقال : إنِّي لأجد ريح يوسف لولا أن تفندونِ . ثمَّ قال : مرحباً بالرسول ابن الرسول ، والوصيّ ابن الوصيّ .


قال : وسمعت عوناً الهمذاني يقول : إنَّ الصاحب أتى بغلام مثاقف ، فلعب فاستحسن الصاحب صورته ، وأعجب بخفَّته ، فقال لأصحابه : قولوا فيه شيئاً ، فلم يرضه ما قالوا ، فقال :


مثاقف في غايَةِ الحِذْقِ ........ فاقَ حِسَان الغَرْبِ والشَّرْقِ شَبَّهْتُهُ والسَّيف في كفِّهِ ........ بالبَدْرِ إذْ يَلْعبُ بالبَرْقِ


قال : وسمعت سهل بن المرزبان يقول : كان الصاحب إِذا شرب الماء والثلج ، ينشد في أثره :


قَعْقَعَةُ الثَّلج بماء عذْبِ ........ تستخرج الحمدَ مِنَ اقصى القلبِ


ثمَّ يقول : اللهم جدِّدِ اللعنة على من منع الحسين الماء .


وقال غيره : كان ابن عبَّاد فصيحاً مُفَوَّهاً ، لكنه يتقعَّر في خطابه ، ويستعمل وحْشيَّ الكلام حتَّى في انبساطه ، وكان يعيب التيه ويتيه ، ولا ينصف من يناظره ، وقيل : كان مشوه الصورة ، وصنف كتاباً في اللغة سمَّاه : المحيط في سبع مجلدات وله كتاب الكافي في الترسل ، وكتاب الأَعياد ، وكتاب الإمامة ذكر فيه فضائل علي رضي الله عنه وأثبت إمامة من تقدمه ، وكان شيعيًّا جلداً كآل بُوَيْه معتزليًّا ، وكان يقول : شاركت الطبراني في إسناده ، ويقال : إنَّه نال من البخاري وقال : هو حَشْوِيّ لا يُعَوَّل عليه ، ولما عزم على الإملاء تاب إلى الله تعالى ، واتَّخذ لنفسه بيتاً سمَّاه بيت التوبة ولبث أسبوعاً على الخير ، ثمَّ أخذ خطوط الفقهاء بصحّة توبته ، ثمَّ جلس للإملاء ، وحضر خلق كثير ، يحكى أنَّه خرج متحنِّكاً متطلِّساً بزي العلماء ، وحضر خَلْقٌ ، فكان المستملي الواحد لا يقوم بالإملاء حتَّى انضاف إليه ستة كلٌّ يبلغ صاحبه ، وكان ينفذ إلى بغداد في السنة خمسة آلاف دينار تُفرَّقُ على الفقهاء والأدباء ، وكان يبغض من يميل إلى الفلسفة ، ومرض في الأهواز بالإسهال ، فكان إِذا قام على الطست ترك إلى جانبه عشرة دنانير حتَّى لا يتبرم به الخدم ، فكانوا يودون دوام علته ، فلما عوفي تصدق بنحو خمسين ألف دينار .


وهذه غرر من فقر الصاحب تجري مجرى الأمثال :


من استماح البحر العذب ، استخرج اللؤلؤ الرطب . من طالت يده بالمواهب ، امتدَّت إليه ألسنة المطالب . من كفر النعمة ، استوجب النقمة . من نبت لحمه من الحرام ، لم يحصده غيرُ الحسام . من يكن الحَذَّاء أباه ، جادت نعلاه . من لم تهزه يسير الإشارة ، لم ينفعه كثير العبارة . ربّ لطائف أقوال ، تنوب عن وظائف أموال . الشمس قد تغيب وتشرق ، والروض يذبل ثمَّ يورق . والبدر يأفَل ثمَّ يطلع ، والسيف ينبو ثمَّ يقطع . العلم بالتذاكر ، والجهل بالتناكر . الذكرى ناجعة ، وكما قال الله تعالى نافعة . بعض الحلم مذله ، وبعض الاستقامة مزله . كتاب المرء عنوان عقله بلْ عيار قدره ، ولسان فضله بل ميزان علمه . إنجاز الوعد ، من دلائل المجد . واعتراض المطل ، من إمارات البخل . وتأخير الإسعاف ، من قرائن الإخلاف . لكل أمر أجل ، ولكل وقت رجل . شجاع ولا كعمرو ، ومندوب ولا كصخر . كفران النعم ، عنوان النقم . للصدر نفثَة إذا أُحرج ، وللمرء بثة إذا أحوج . قد يصلى البريء بالسقيم ، ويؤخذ البر بالأثيم . ما كل طالب حق يُعطاه ، ولا كل شائم مزن يسقاه .


ملح وظرف من ألفاظه :


أَخبرني عن سَفْرَتك ، وما حصل بها في سُفْرَك ، وجدت حَرًّا يشبه قلب الصَّبِّ ، ويذيب دماغ الضّبِّ . لا اعتراض بين الشمس والقمر ، والروض والمطر . مرحباً بزائر لباسه حرير ، وأنفاسه عبير . زائر وَجهه وسيم ، وريحه نسيم ، وفضله جسيم . فِقَرٌ كما جيدت الرياض ، وفصول كما تغامزت المقل المراض . ألفاظ كما نورت الأشجار ، ومعان كما تنفست الأسحار . نثر كنَثر الورد ، ونظم كنَظم العقد ، كتابك رُقْية السليم ، وغُرَّة العيش البهيم . عشرته أَلطف من نسيم الشمال ، على أَديم الماء الزلال . وألصق بالقلب ، من علائق الحب . شكره شكر الأسير لمن أطلقه ، والمملوك لمن أعتقه . أَثنى عليه ثناء العطشان الوارد ، على الزلال البارد .


رقعة استزارة - هذا اليوم يا سيدي طاروني ، يعجبني جوه الفاختي ، وإذ قد غابت شمس السماء عنا ، فلا بد أن تدنو شمس الأرض منا ، فإن نشطت للحضور ، شاركتنا في السرور ، وإلا فلا إكراه ولاَ إجبار ، ولك متى شئت الخيار .


رقعة أخرى - غداً يا سيدي ينحسر الصيام ، وتَطيب المدام ، فلا بد أن تقيم أَسواق الأنس نافقة ، وتنشر أعلام السرور خافقة ، فبالفتوة فإنها قسم الظراف ، تفرض حسن الإسعاف ، ولو ران المروءة حاجة مجتاح ، بادرتها ولو على جناح الرياح .


أخرى - نحن يا سيدي في مجلس غَنِيٍّ إِلاَّ عنك ، شاكر إِلاَّ منك ، قد تفتحت فيه عيون النرجس ، وتوردت خدود البنفسج ، وفاحت مَجامِرُ الأترج ، وفتقت فارات النارنج ، ونطقت ألسنة العيدان ، وقام خطباء الأوتار ، وهبّت رياح الأقداح ، ونفقت سوق الأنس ، وقام مُنادي الطرب ، وطلعت كواكبُ الندماء ، وامتدَّت سَماء الند ، فبحياتي لما حضَرت لنحصل بك في جنة الخلد ، وتتصل الواسطة بالعِقْدِ .


أُخرى - نحن وحياتك في مجلس راحة ياقوت ونَوْرُه در ، ونارنجه ذهب ونرجسه دينار ودرهم يحملهما زَبرجد ، وألسنة العيدان تخاطبُ الظراف ، بهلم إلى الأقداح ، لكنَّا بغيبتك كعقد غيبت واسطته ، وعباب أخذت جدته ، فأحب أن تكون إلينا أسرع من الماء في انحداره ، والقمر في مَداره .


تهنئة بنت - أَهلاً وسهلاً بعَقيلة النساء ، وأم الأبْناء ، وجالبة الأصهار ، والأولاد الأطهار ، ومبشرة بأخوة يتناسَقون ، ونجباءَ يَتلاحَقون .


ولو كانَ النساء كمثلِ هذي ........ لفُضِّلت النساءُ على الرجالِ فما التأنيثُ لاسم الشمس عَيباً ........ ولا التذكيرُ فخراً للهلالِ


فادَّرع يا سيدي بها اغتباطاً ، واستأنف نشاطاً ، فالدنيا مؤنَّثة والرجال يخدمونها ، والذكور يعبدونها ، والأرض مؤنَّثة ومنها خلقت البرية ، وفيها كثرت الذرية ، والسماء مؤنَّثة ، وقد زينت بالكواكب ، وحليت بالنجم الثاقب ، والنفس مؤنَّثة ، وبها قوام الأبدان ، ومِلاك الحيوان ، والحياة مؤنَّثة ، ولولاها لم تتصرف الأجسام ، ولا عرف الأنام ، والجنة مؤنَّثة ، وبها وُعِد المتقون ، وفيها ينعم المرسلون ، فهنيئاً هنيئاً ما أوليت ، وأوزعك الله شكر ما أعطيتَ ، وأَطالَ بَقاءك مَا عرف النسْل والولد ، وما بقي الأبد ، وما عمّر لُبَدُ .


رقعة في مُداعبَة : خبر سيدي عندي وإن كتمه عنِّي ، واستأثر به دوني ، وقد خبرت خبره البارحة في شربه وأنْسه ، وغناء الضيف الطارق وعرسه ، وكان ما كان مما لست أذكره ، وجرى مما جرى مما لست أنشره ، وأقول : إن مولاي امتطى الأشهب ؟ فكيف وجد ظهره ، وركب الطيار ، فكيف شاهدَ جريه ، وهل سلم على حزونة الطريق ؟ وكيف تصرف في سعة أم مضيق ؟ وهل أفرد الحج أم تمتع بالعمْرة ؟ وقال في الحملة بالكرة ، فليتفضل بتعريفي الخبر ، فلا يسعه الإنكار ، ولا يغني عنه إِلاَّ الإقرار ، وأرجو أن يساعدنا الشيخ أبو مرة كما ساعَدَه ، فنصلي للقبلة التي صلى إليها ، ونتمكن من الدرجة التي خطب عليها هذا وله فضل السبق إلى ذلك الميدان ، الكثير الفرسان .


وله ديوان شعر ، ومن محاسنه قوله :


وشادنِ جماله ........ تقصُر عنه صفتي أَهوى لتقبيل يدي ........ فقلت لا بل شفتي


وقوله :


رشأٌ غدا وَجْدِي عليه كرِدفِهِ ........ وغَدَا اصْطباري في هواه كخصْرِهِ وكأَنَّ يومَ وصاله من وَجههِ ........ وكأَنَّ ليلةَ هَجْرِهِ من شَعْرِهِ إن ذقت خمراً خلتها من ريقِه ........ أَو رُمْتُ مسكاً نلته من ثغرِهِ


وقوله :


يا خاطراً يَخْطِرُ في تِيههِ ........ ذكْرُكَ مَوْقوفٌ على خاطِري إن لم تكن أشرف مِنْ ناظري ........ عِنْدِي فلا مُتِّعْتُ بالناظِرِ


وقوله :


قل لأبي القاسم الحسينِ ........ يا نورَ قلبي ونورَ عيني البدرُ زَيْنُ السماء حُسْناً ........ وأنت زين لكلّ زينِ


وقوله :


دب العَذارُ على ميدان وجنَتِه ........ حتَّى إذا كاد أن يَسْعَى به وَقَفَا كأَنَّه كاتبٌ عَزَّ المدادَ لهُ ........ أراد يكْتُبُ لاماً فابتدا أَلِفا


وقوله في مليح ألثغ :


وشادنٍ قلت له ما اسمُهُ ........ فقال لي بالغَنْجِ عبَّاثُ فصِرْتُ من لثغتِهِ أَلثَغاً ........ وقلت أين الكاثُ والطاثُ


وقوله في حبة عنب :


وحبةٍ من عِنَبٍ ........ من المُنَى مُتَّخَذَهْ كأَنَّها لؤلؤة ........ في وَسْطَها زُمُرُّدَهْ


وقوله :


بَعَثْنا من النارنج ما طاب عَرْفُهُ ........ فظل على الأغصان منه نَوافِجُ كُرَات من العِقْيانِ أَحكم خَرْطُها ........ وأيدي الندامى حَوْلَهُنَّ صَوَالِجُ


وقوله :


لو فَتَقُوا قلبي رأوْا وَسْطَهُ ........ سَطْراً قد امتد بلا كاتبِ حب علي بن أبي طالبٍ ........ وحبّ مولاي أبي طالبِ


وقوله للقاضي أبي بشر الجرجاني :


يَصُدُّ الفَضْلُ عنَّا أيّ صَدٍّ ........ وقال تأَخّري عن ضعف معده فقلت له جَعَلْتَ الواوَ عَيْناً ........ فإن الضعف أَجمع في المودّه


وقوله :


قولوا لإخواننا جميعاً ........ مَنْ كُلُّهم سيّد مُرَزَّا مَنْ لم يَعُدْنا إذا مَرِضْنا ........ أنْ مَاتَ لم نَشهدِ المعزَّى


أين هذه الحشمة من قول أبي الحسن اللحام الحراني :


إنِّي اعتللتُ علّةً ........ سقطتُ منها في يدي وكانَ في الإخوان مَنْ ........ لم أرَهمْ في العُوّدِ فقلتُ فيهمْ كلّهمْ ........ قَوْلَ امْرِئٍ مُقتصدِ أيْرُ الذي قد عادَنا ........ في اسْتِ الذي لم يعُدِ


ومثل قول الصاحب قول الآخر :


قُلْ للذي لم يَعُدْ سَقامي ........ وقَلبهُ مُشْرَبٌ حَزازَهْ من لم يعدْنا إذا مَرضنا ........ إنْ ماتَ لم نَشْهدِ الجَنازَهْ


ومن قول الصاحب في العيادة أيضاً :


حقُّ العيادَةِ يَوْمٌ بعدَ يَوْمينِ ........ وجَلسةٌ مثْلُ رَدِّ الطَّرْفِ في العينِ لا تبرمنَّ مريضاً في مُساءلةٍ ........ يكفيكَ من ذاكَ تَسْآل بحرفينِ


وقال الثعالبي : سمعت أبا الفتح البستني ، يقول : لم أسمع في إنفاذ الحلوى إلى الأَصدقاء أَحسن من قول الصاحب :


حَلاوَةُ حبّكَ يا سيِّدي ........ تُسَوِّغُ بعثي إليكَ الحَلاوَهْ


فقلت له : وأنا لم أسمع في النثار أَحسن من قولك :


ولو كنتُ أنثر ما تستحقُّ ........ نثرتُ عليكَ سُعُودَ الفلكْ


وللصاحب في الهجاء والمجون :


قالَ ابن مثويّ لغلمانهِ ........ وقَدْ حَشوهُ بأيور العبيدْ لئِنْ شكرتم لأزيدنَّكمْ ........ وإنْ كفرْتمْ فعَذابي شديدْ


وقال في الغويري :


إنَّ الغويريَّ لهُ نكهةٌ ........ بنَتْنِها أربتْ على الكُنْفِ يا ليتَهُ كانَ بلا نكهةٍ ........ أَوْ ليتني كنتُ بلا أَنفِ


وقال فيمن زوَّج أمه :


زَوَّجتَ أُمُّكَ يا فتى ........ وكسوْتني ثَوْبَ القلقْ والحرُّ لا يهدي اللّحو _ م إلى الرجالِ على الطبقْ


وقال :


أَبُو العبَّاس قدْ أَضْحى فقيهاً ........ يتيهُ بفقه في النَّاسِ تيهَا وذلك أنَّ لحيته أتتني ........ تناظر فقحتي فخريتُ فيها


وقال :


حُبُّ عليّ بن أبي طالبٍ ........ هوَ الذي يُهدي إلى الجنَّهْ إن كانَ تفضيلي لهُ بدعةً ........ فلعنَةُ اللهِ عَلى السنهْ


وقال في شهر رمضان :


قد تَعَدَّوْا على الصيامِ وقالُوا ........ حُرِمَ الصبُّ فيهِ حسْنَ العَوائدْ كذبُوا ، في الصِّيام للمرء مهما ........ كان مستيقظاً أَتمُّ الفوائدِ موْقِفٌ بالنهار غيرُ مُريبٍ ........ واجتماعٌ بالليل عندَ المساجدِ


وقال :


رَاسلتُ مَن أهْواهُ أَطلبُ زَوْرةً ........ فأَجابني أَو لَسْتَ في رَمضانِ فأَجبتُهُ والقلبُ يخفقُ صبْوَةً ........ أَتصُومُ عنْ برٍّ وعن إحسانِ صُمْ إنْ أَرَدْتَ تحرُّجاً وتعفُّفاً ........ عن أنْ تكدَّ الصبَّ بالهجرانِ أو لا فزرني والظلام مُجَلَّلٌ ........ واحْسبهُ يوماً مَرَّ من شعبانِ


وقال يرثي أبا منصور كثير بن أَحمد :


يقولون لي أَودَى كثيرُ بن أَحمدٍ ........ وذلك رزْءٌ في الأَنامِ جليلُ فقلتُ دَعوني والعلا نبْكِه معاً ........ فمثلُ كثيرٍ في الرجالِ قليلُ


وقال الثعالبي : سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول : أَنشدني الصاحب لنفسه من نُتَفه هذا البيت :


لئن هو لم يكففْ عقارِب صُدْغِهِ ........ فقولوا لهُ يسمحْ بدِرْياقِ ثغرِهِ


فاستحسنته جدًّا ، حتَّى حممتُ من حسدي له عليه ، وودتُ لو أنَّه بألف بيت من شعري . قال الثعالبي : فأنشدت الأَمير أبا الفضل عبيد الله هذا البيت ، وحكيت له هذه الحكاية في المذاكرة ، فقال : أتعرف من أين سَرَقَ الصاحبُ معنى البيت ؟ فقلت : لا والله ، فقال : إنَّما سرقه من قول القائل ، ونقل ذكر العين إلى ذكر الصدغ :


لدَغَتْ عينك قلبي ........ إنَّما عينكَ عقربْ لكن المصَّةُ من ريق _ كَ دِرْياقٌ مُجَرَّبْ


فقلت : لله درّ الأَمير ، لقد أُتي حظًّا كبيراً من التخصص ، بمعرفة التلصص . وممَّا هجى به الصاحب - وما زالت الأَملاك تهجى وتمدح - قول أبي العلاء الأسدي :


إذا ظفرت بحي في مُرقَعةٍ ........ يأوي المَساجد حرًّا ضرّه بادي فاعْلم بأنَّ الفتَى المسكينَ قدْ قذفَتْ ........ به الخُطوبُ إلى لؤمِ ابن عبَّادِ


وقول السلامي :


يا ابن عبَّاد بن عبَّا _ س بن عبد الله جرها تُنكرُ الجبر وأخرج _ ت إلى العالم كرها


وقول غيره :


صاحبنا أَحوَالهُ عالِيه ........ لكنَّما غرفتهُ خالِيهْ وإنْ عرفْتَ السّرَّ منْ دائِهِ ........ لم تَسأل الله سوَى العافِيهْ


والجروح قصاص ، فإنَّه قال يهجو قاضياً :


لنا قاضٍ له رأسٌ ........ من الخفَّةِ مملوءُ وفي أسفله داء ........ بعيدٌ منكمُ السُّوءُ


ذكر آخر أمره ، لمَّا بلغت سنوه الستين اعترته آفة الكمال ، وانتابته أَمراض الكبر ، وجعل ينشد قوله :


أَناخَ الشّيب ضيفاً لم أرِدْهُ ........ ولكن لا أُطيقُ لهُ مَرَدَّا رداء للرَّدى فيه دليلٌ ........ تردَّى مَنْ به يوماً تردَّى


ولمَّا كنى المنجِّمون عن عرضه في سنة موته بما يفيد ذلك قال :


يا مالِكَ الأَرواح والأَجْسام ........ وخَالِق النُّجوم والأَحكامِ مُدبِّرُ الضياء والظلام ........ لا المشتري أرجُوهُ للأنعامِ ولا أخافُ الضّرَّ من بَهْرامِ ........ وإنَّما النُّجومُ كالأَعلامِ والعلم عند الملك العلاَّم ........ يا ربّ فاحْفظني من الأَسقام ووَقِّني حوادثَ الأيَّامِ ........ وهجنَةَ الأَوْزارِ والآثامِ هبْني لحبِّ المصطفى المغنامِ ........ وصنوِهِ وآلهِ الكرام


وكتب بخطه على تحويل السنة التي دلَّت على انقضاء عمره هذه الأبيات :


أَرَى سنتي قدْ آذَنَتْ بعَجائبٍ ........ وربِّيَ يكفيني جميعَ النَّوائبِ ويدفعُ عنِّي ما أَخافهُ بمَنِّهِ ........ وآمَنُ ما قدْ خَوَّفُوا منْ عواقبِ إذا كانَ مَنْ أَجْرَى الكواكبَ أَمْرُهُ ........ مُعيني فما أَخْشى صُروفَ الكواكبِ عليك أَيا ربّ الأنام توكُّلي ........ فحطنيَ من شرِّ الخُطوب الحوازب فكم سنةٍ حذرتها فتزحزحتْ ........ بخيرٍ وإقبالٍ وجدّ مصاحب ومن أَضمرَ اللَّهُمَّ سوءاً لمهْجتي ........ فردّ عليه الكيدَ أَخيبَ خائب فلستُ أُريدُ السُّوء بالنَّاسِ إنَّما ........ أُريد بهم خيراً مَريعَ الجوانبِ وأدفعُ عن أموالهمْ ونفوسهمْ ........ بجدِّي وجهدي باذلاً للمواهبِ ومنْ لم يسعهُ ذاكَ منِّي فإنَّني ........ سأكفاه إنَّ الله أغلبُ غالبِ


وبلغه عن بعض أصحابه شماتة ، فقال :


وكم شامت بي بعدَ موتي جاهلٌ ........ بظلمٍ يسُلُّ السيفَ بعد وفاتي ولوْ علمَ المسكينُ ما ذا ينالهُ ........ من الظُّلمِ بعدي ماتَ قبلَ مماتي


ولم يسعد أحدٌ بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب ، فإنَّه لمَّا توفي أَغلقت مدينة الريّ ، واجتمع النَّاس على باب قصره ، وحضر مخدومه فخر الدولة وسائر الأمراء والقوَّاد ، وقد غيَّروا لباسهم ، فلمَّا خرج نعشه من الباب صاح الناس بأَجمعهم صيحة واحدة ، وقبَّلوا الأَرض ، ومشى فخر الدولة أَمام النعش ، وقعد للعزاء أَيَّاماً . ورثاه النَّاس بمراثٍ كثيرةٍ ، منها قول أبي القاسم بن أبي العلاء الأصفهاني من قصيدة :


هذي نَواعي العُلا مذْ متَّ نادبة ........ من بعدِ ما نَدَبتكَ الخُرَّدُ العينُ تبكي عليكَ العَطايا والصلاَتُ كما ........ تبكي عليكَ الرَّعايا والسَّلاطينُ قامَ السُّعاةُ وكانَ الخوفُ أقعدَهمْ ........ واستيقظوا بعد ما مُتَّ الملاعينُ لا يعْجب النَّاس منهم إن همُ انتشروا ........ مضى سليمان فانحلّ الشَّياطينُ


ومن قصيدة لأبي سعيد الرستمي :


أبعد ابن عبَّاد يهشّ إلى السَّرى ........ أَخو أمَلٍ أَو يُستماحُ جَوَادُ أبى الله إِلاَّ أَن يموتا بمَوْتهِ ........ فما لهما حتَّى المعادِ معادُ


ومن قصيدة لأبي الفيَّاض الطبري :


خليلي كيف يقبلك المقيلُ ........ ودهركَ لا يقيلُ ولا يقيلُ يُنادي كلّ يومٍ في بَنيهِ ........ ألا هُبُّوا فقدْ جدَّ الرَّحيلُ وهمْ رَجلان منتظر غفول ........ ومبتدر إذا يُدعى عَجولُ كأن مثال من يفنى ويبقى ........ رعيل سوف يتلوه رعيلُ فهم سفر وليس لهم ركاب ........ وهم ركب وليس لهم قُفُولُ تدورُ عليهمْ كأسُ المَنايا ........ كما دارَت على الشَّرب الشّمولُ ويحدوهم إلى الميعادِ حادٍ ........ ولكن ليس يَقْدَمهم دَليلُ أَلم ترَ من مضى من أولينا ........ وغالتهم من الأَيَّامِ غُولُ قد احْتالوا فما نفع الحويل ........ وأعْوَلْنا فما نفع العَويلُ كذاك الدَّهر أَحوالٌ تَزولُ ........ وأعمالٌ تحولُ ولا تؤولُ لنا منه وإن عفنا وخفنا ........ رسولٌ لا يُصابُ لديه سُولُ وقد وَضَحَ السَّبيلُ فما لخلقٍ ........ إلى تَبْديلِه أَبداً سبيلُ لعمرك إنَّه أَمد قَصيرٌ ........ ولكن دونه أملٌ طويلُ أَرى الإسلام أسلمهُ بَنُوهُ ........ وأسلمهم إلى وَلَهٍ يَهُولُ أَرى شمسَ النَّهر تكاد تخبو ........ كأنَّ شعاعها طَرْفٌ كَليلُ أَرى القمر المنير بدا ضَئيلاً ........ بلا نورٍ فأَضناهُ النُّحولُ أَرى زُهْرَ النُّجوم مُحَدِّقات ........ كأنَّ سراتها عور وحُولُ أَرى وجه الزَّمان وكل وجه ........ به ممَّا تكاءده فلولُ أَرى شمّ الجبال لها وَجيبٌ ........ تكادُ تَذوبُ منه أَو تَزولُ وهذا الجوّ أَكْلَفُ مقشعرّ ........ كأنَّ الجوّ من كمد عليلُ وهذي الرِّيح أَطيبها عَقيم ........ إذا هبَّت وأَعذبها بَليلُ وللسحبِ الغِزَارِ بكلّ فجّ ........ دموع لا يذاد بها المحولُ نعى النَّاعي إلى الدُّنيا فَتاها ........ أمين الله فالدُّنيا ثَكولُ نعى كافي الكُفاة فكلّ عين ........ بما تقذى العُيون به كَفيلُ


وهي طويلة يقول في آخرها :


أَأَحْيا بعده وأَقرّ عيناً ........ حياتي بعده هدر غلولُ حياتي بعده موت وَحِيٌّ ........ وعيشي بعده سمٌّ قَتُولُ


ومن قصيدة الشريف الرضي الموسويّ :


أَكذا المَنونُ تقطِّرُ الأَبطالا ........ أكذا الزَّمانُ يُضَعْضِعُ الأَجبالا أَكذا تُصابُ الأُسْدُ وهي مدلّة ........ تحمي الشُّبُولَ وتمنع الأَغْيالا أَكذا تُغاض الزَّاخرات وقد طَغَتْ ........ لُحَجاً وأوردت الظِّماء زُلاَلاَ يا طالب المعروف حَلق نجمه ........ حُطَّ الحمول وعطل الأَجْمالا وأَقم على يأْسٍ فقد ذهبَ الذي ........ كانَ الأنامُ على نَداهُ عِيَإِلاَّ


ولأَبي عيسى بن المنجّم لمَّا استوزر العبَّاس الضبي بعد موت الصاحب ، ولقّب بالرئيس الجليل :


والله والله لا أَفْلَحْتم أَبداً ........ بعد الوزيرِ ابن عبَّاد بن عبَّاس إنْ جاءَ منكم جَليلٌ فاجْلبوا جَلَبي ........ أَو جاءَ منكم رَئيسٌ فاقْطَعوا رأْسي


ومدائحه ومراثيه كثيرة يطول الشرح بذكرها . وقال ابن أبي العلاء الأَصفهانيّ : رأيتُ في المنام قائلاً يقولُ لي : لمَ لمْ ترثِ الصاحب مع فضلك وشعرك ؟ فقلت : أَلجمتني كثرة محاسنه فلم أدرِ بم أبدأ ، وخفت أن أقصر وقد ظنّ بي الاستيفاء لها ، فقال : أجز ما أقول :


ثوَى الجُودُ والكَافي معاً في حُفَيْرَةٍ


فقلت :


ليأْنَسَ كُلٌّ منهما بأَخِيهِ


فقال :


همَا اصْطَحَبَا حيَّيْنِ ثمَّ تَعَانَقَا


فقلت :


ضَجيعينِ في لَحْدٍ ببابِ دريه


فقال :


إذا ارْتَحَلَ الثاوُونَ عن مُسْتَقَرِّهِمْ


فقلت :


أَقَامَا إلى يومِ القِيامَةِ فيهِ


وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة بالريّ ، ثمَّ نقل إلى أصبهان ودفن فيها بباب دريه ، قال ابن خلكان : وهي عامرة الآن ، وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض ، رحمه الله وعفى عنه .


لئن أَخْطَأْتُ في مَدْحي _ كَ ما أخطأْتَ في مَنْعي لَقَدْ أنْزلتُ حاجاتي ........ بوادٍ غيرِ ذي زَرْعِ


البيتان من الهزج ، وينسبان لابن الرُّومي ، لكن رأيت في الأغاني نسبتهما إلى إسماعيل القراطيسيّ ، ولفظه : حدَّث أَحمد بن بشر المرثديّ قال : مدح إسماعيل القراطيسيّ الفضل بن الرَّبيع ، فحرمه ، فقال فيه ، وذكر البيتين ، وذكر قبلهما بيتاً آخر ، وهو :


أَلاَ قُلْ للَّذي لم يَهْ _ دِهِ الله إلى نَفْعِي


ورأيت في كتاب الدر الفريد بعد البيت الأوَّل بيتين ، وهما :


لِسانِي فيكَ مُحْتاجٌ ........ إلى التَّخْليعِ والقَطْعِ وأَنْيابِي وأَضْراسِي ........ إلى التَّكْسيرِ والقَلْعِ


والشاهد فيهما : الاقتباس من القرآن مع نقله عن معناه الأصلي ، فإنَّ معناه في القرآن وادٍ لا ماء فيه ، وهنا نقله إلى جَناب لا خَيْرَ فيه ولا نفع . ومثله قول الخبَّاز البلدي :


أَلا إنَّ إخواني الذين عَهِدْتهم ........ أفاعي رِمالٍ لا تُقَصِّرُ عن لَسْعي ظَنَنْتُ بهم خَيْراً فلمَّا رأيْتُهم ........ نَزَلْتُ بوادٍ منهُمُ غير ذي زَرْعِ


وقول الآخر :


جميعُ ما يفعلهُ كلفَةٌ ........ إِلاَّ أَذاهُ فهْوَ بالطَّبْعِ من حلَّ منَّا بفناءٍ له ........ خل بوادٍ غيرِ ذي زَرْعِ


ولمؤلفه وقد نقله إلى المدح :


عجبت لمطلبي أنَّى ........ يُقابَلُ منكَ بالمَنْعِ وما أنزلتُ حاجاتِي ........ بوادٍ غيرِ ذي زَرْعِ


والقراطيسيّ هو إسماعيل بن معمر ، الكوفي ، مولى الأَشاعثة ، وكان مألفاً للشعراء ، وكان أبو نواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد وطبقتهم يقصدون منزله ويجتمعون عنده ويقصفون ويدعو لهم القيان وغيرهن من الغلمان ، ويساعدهم ، وإيَّاهم يعني أبو العتاهية بقوله :


لقد أَمْسَى القراطيسيُّ ........ رأْساً في الكساجبة


يعني الكشاخنة . ومن شعره :


ويلي على ساكنِ شَطِّ الصَّرَاهْ ........ مرَّر حُبِّيه عليَّ الحياهْ ما تنقضي من عجب فكرتي ........ من خصلة فَرَّطَ فيها الولاهْ تَرْكُ المحبِّينَ بلا حاكمٍ ........ لم يقعدوا للعاشقين القضاهْ


يقول فيها :


وقد أتاني خَبَرٌ أَساءَني ........ مَقالُها في السِّرِّ واسَوْأَتاهْ أمثل هذا يبتغي وصْلَنَا ........ أَما يرَى ذا وجْهَهُ في المراهْ


قال القراطيسيّ : قلت للعبَّاس بن الأَحنف : هل قلت في معنى قولي هذا شيئاً ؟ فقال : نعم ، ثمَّ أَنشدني :


جاريةٌ أَعْجَنَها حُسْنُها ........ ومثلها في النَّاسِ لم يُخْلَقِ خبرْتُها أَنِّي مُحِبٌّ لها ........ فأَقْبَلَتْ تضحكُ من منطِقي والتفتتْ نحو فتاةٍ لها ........ كالرشا الوسنان في قَرْطَقِ قالتْ لها قُولي لهذا الفَتَى ........ انْظُرْ إلى وجهك ثمَّ اعْشَقِ


وحدَّث أبو هفان عن الجمَّاز قال : اجتمع يوماً أَبو نواس وحسين الخَليع وأَبو العتاهية في الحمام ، وهم مخمورون ، فقالوا : أين نجتمع اليوم ؟ فقال القراطيسيّ :


ألا قُومُوا بأَجْمَعِكُمْ ........ إلى بيتِ القراطيسي فقدْ هَيَّأَ لنا نُزُلاً ........ غلامٌ فارهٌ طُوسِي وقدْ هَيَّأَ زُجَاجَاتٍ ........ لنا من أَرْضِ بَلْقِيسِ وأَلواناً من الطَّيْرِ ........ وأَلواناً من العِيسِ وقِيناتٍ من الحُورِ ........ كأَمْثالِ الطَّوَاوِيسِ فنيكوهُنَّ في ذا كم ........ نَقُمْ في طاعَةِ ابْليسِ قد كانَ ما خِفْتُ أَنْ يَكونَا ........ إِنَّا إلى الله راجِعُونَا


البيت من مخلع البسيط ، وقائله بعض المغاربة عند وفاة بعض أَصحابه ، وذكر صاحب قلائد العقيان أَنَّه قيل في الرئيس أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر ، وقال : شهدت وفاته سنة سبع وخمسمائة ، وحين قضى دخل عليه الوزير أبو العلاء ابن أزرق وهو يبكي ملء عينيه ، ويقلب على ما فاته كَفَّيْه ، وينادي بأَعلى صوته ، أَسفاً موته :


كان الذي خِفْتُ أن يَكونَا ........ إنَّا إلى الله راجِعُونا


والشاهد فيه : الاقتباس مع تغيير يسير في التقفية . ومن الأَمثلة الشعرية في الاقتباس قول الأَحوص :


إذا رُمْتُ عنها سَلْوَةً قال شافعٌ ........ من الحبِّ : ميعادُ السُّلوّ المَقابِرُ سَتَبْقى لها في مُضْمَرِ القلبِ والحَشا ........ سَرَائرُ ودّ يومَ تُبْلَى السَّرائرُ


وقول البديع الهمذاني :


لآلِ فريغون في المكرماتِ ........ يَدٌ أوَّلاً واعتذارٌ أخيرَا إذا ما حَلَلْتَ بمغناهُمُ ........ رأَيتَ نَعيماً وملكاً كَبيرَا


وقول الأببوردي :


وقصائد مثل الرِّياض أضعتها ........ في باخلٍ ضاعَتْ به الأَحسابُ فإذا تناشَدَها الرُّواة وأبصروا الم _ دوح قالوا ساحرٌ كذَّابُ


وقول محمد الشجاعي :


لا تُعاشر معشَراً ضلُّوا الهُدَى ........ فسَواءٌ أَقبَلُوا أَم أَدْبَروا بدت البغضاء من أَفواههمُ ........ والذي يخْفُونَ منها أَكثَرُ


وقول القاضي منصور الهروي :


ومنتَقبٍ بالوردِ قبَّلْتُ خدَّهُ ........ وما لفؤادِي من هَوَاهُ خَلاصُ فأَعْرَضَ عنِّي مُغْضَباً قلت لا تَجُرْ ........ وقبِّل فَمِي إنَّ الجُروح قصاصُ


وقول أبي الفضل عبد الله بن محمد الحبري :


أَشكو الأَقارب لا يغبُّ جفاهم ........ يبغي أَذايَ صغيرُهم وكبيرُهُمْ هُمْ يُعلِنونَ لدَى اللِّقاءِ مودَّتي ........ والله يعلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ


وقول أبي منصور عبد الرحمن بن سعيد :


خلة الغانيات خلة سوء ........ فاتَّقوا الله يا أُولي الأَلبابِ وإذا ما سأَلتموهنَّ شيئاً ........ فاسْأَلوهنَّ من وراءِ حِجابِ


وقول الحكيم :


سَبَقْت العالمينَ إلى المَعالي ........ بصائبِ فكرة وعلوِّ همَّهْ ولاحَ بحكمتي نورُ الهُدى في ........ ليالٍ للضَّلالَةِ مُدْلَهِمَّهْ يُريد الجاهلون ليُطْفِئُوهُ ........ ويأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّهْ


وقول أبي عبد الله الأبيوردي :


أَردتُ زيارة الملكِ المُفَدَّى ........ لأَمْدَحَهُ وآخذ منه رفْدَا فعَبَّسَ حاجِباً فقرأْتُ : أَما ........ مَنِ اسْتَغْنى فأَنتَ له تَصَدَّى


وقول الخبَّاز البلدي :


كأَنَّ يَميني حين حاوَلْتُ بَسْطَها ........ لتَوْديعِ إِلفي والهَوَى يَذْرفُ الدَّمْعَا يمين ابن عمرانٍ وقد حاولَ العَصَى ........ وقد جُعلت تلك العَصَى حَيَّة تَسْعَى وقائلةٌ هل تملكُ الصَّبْرَ بعدهم ........ فقلتُ لها لا والذي أَخرجَ المَرْعَى


وقوله :


سارَ الحبيبُ وخلَّفَ القَلْبَا ........ يُبْدي الغرام ويُظهرُ الكَربا قد قلت إذْ سارَ السَّفينُ به ........ والشَّوقُ ينْهَبُ مُهْجَتي نَهْبَا لو أَنَّ لي عزًّا أَصول به ........ لأَخذتُ كلّ سفينةٍ غَصْبا


وقول الأُستاذ أبي محمد العبدلكاني :


إذا كنت متَّخذاً ضَيْعَةً ........ فإيَّاكَ والشُّركاء الوُجُوهَا ودار الملوك فإنَّ الملوكَ ........ إذا دَخَلوا قريةً أَفْسَدُوها


وقول الأَمير نصر الدين أَحمد الميكالي :


يا قوْمَنا لا تُضيعُوا ........ ذمامَ كلِّ حَميمِ ولا تخلُّوا جُحُوداً ........ بحقِّ خلٍّ قديمِ وذكِّروا النَّفْسَ حقًّا ........ بقولِ ربٍّ رَحيمِ إنِّي أَخافُ عليكم ........ عذاب يومٍ عَظيمِ


وقول بعضهم يهجو بخيلاً :


رَأَى ضَيْفُكَ في الدَّارِ ........ وكَرْبُ الجُّوعِ يَغْشَاهُ على خبزكَ مكتوباً ........ سَيَكفيهُمُ اللهُ


وقول محمد بن نصر الباخرزي :


وفَتاةٌ أَلْبَسْتُها من ثِيابِي ........ مَلْبَساً فيه نزْهةٌ ونَعيمُ غَدَرَتْ بي وغادَرَتْني وَحيداً ........ إنَّ رَبِّي بكيدهنَّ عَليمُ


وقول المطوعي :


انظُرْ إلى وجه صديقٍ لنا ........ كيفَ مَحَا الشَّوْكُ بهِ النَّقْشَا قد كَتَبَ الدَّهْرُ على خدِّهِ ........ بالشِّعْرِ واللَّيْلِ إذا يَغْشى


وقول الأَديب شهاب الدين أَحمد الأَمشاطي :


وفَتَّاكِ اللَّواحِظِ بَعْدَ هَجْرٍ ........ حَبَا كَرَماً وأَنْعَمَ بالمَزارِ وظلَّ نهارَهُ يَرْمي بقلبي ........ سِهاماً من جفونٍ كالشفارِ وعندَ النَّوْمِ قلتُ لمُقْلَتَيْهِ ........ وحكم النَّوْمِ في الأَجفانِ سارِي تَبارَكَ من تَوَفَّاكم بليلٍ ........ ويعلمُ ما جرحتمْ بالنَّهارِ


وقول شيخ شيوخ حماة :


يا نَظْرَةً ما جلتْ لي حُسْنَ طلعتِهِ ........ حتَّى انقَضَتْ وأَدامَتْني على وَجَلِ عاتَبْتُ إنسانَ عيني في تَسَرُّعهِ ........ فقالَ لي خلَقَ الإنسان من عَجَلِ


وقوله أيضاً :


أَدْمَعْتَ عيني فمن أَجْلِ ذا ........ بكَى على حاليَ من لا بَكَى أَوقَعَني إنسانها في الهَوَى ........ يا أَيُّها الإنسان ما غَرَّكا


وقول ابن نباتة المصري :


وأَغْيَدُ حارَتْ في القُلوبِ لِحاظهُ ........ وأَسهرَتِ الأَجفانَ أَجفانهُ الوَسْنَى أَجِلْ نظراً في حاجبيهِ وطَرْفِهِ ........ تَرَى السّحرَ منهُ قابَ قوسينِ أَو أَدْنَى


وقول ابن قرناص :


إنَّ الذينَ تَرَحَّلوا ........ نزلوا بهينٍ ساهِرَهْ أسكَنتهُمْ في مقلَتي ........ فإذا هُمُ بالساهِرَهْ


وقول ابن الوردي :


ربَّ فلاَّحٍ مليح ........ قالَ يا أَهل الفُتوَّهْ كفلي أَضعَفَ خَصْري ........ فأَعينُوني بقوَّهْ


وقول الحافظ العلامة ابن حجر العسقلاني :


خاضَ العَواذِلُ في حَديثِ مَدامِعِي ........ لما جَرَى كالبَحْرِ سرعَةَ سَيْرِهِ فَحَبستُهُ لأصونَ سِرّ هَواكُمَ ........ حتَّى يخُوضُوا في حَديثٍ غَيرِهِ


وقد سبق إلى هذا الاقتباس ، الفقيه الواعظ إبراهيم بن سعيد البردشيري بقوله :


خالِلْ إذا خالَلْتَ خلاًّ خَيِّراً ........ وبه تمسَّك تقتبس من خيرِهِ واهْجُرْ أُناساً مهْجرِين أُولي جَفَا ........ فالهجْرُ سامعه دريئة ضيرِهِ وإذا رَأَيتَهم فأَعرضْ عنهُمُ ........ حتَّى يَخوضوا في حديثٍ غيرِهِ


وما أَحسن قول بعضهم وأصدقه :


أَمَّا السَّماحُ فقد مَضى وانْقَضى ........ فتَسَلَّ عنه ولا تَسَلْ عن خيرِهِ واسْكت إذا خاضَ الوَرَى في ذكره ........ حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيرِهِ


وقول الآخر :


دَخلتُ على كافرٍ دارَهُ ........ وأَشجارُ بُسْتانِهِ زاهِرَهْ وقد وافَقَ الزهْرُ نَقْشَ البساط ........ فعيني لمَا أَبْصَرَتْ حائِرهْ جنانٌ تُزَخْرَفُ للكافِرينَ ........ ونحنُ نُحالُ على الآخِرهْ فإنْ يكُ في الحَشْرِ حالِي كذا ........ فتلكَ إذاً كَرَّة خاسِرَهْ


وأَحسن ابن سناء الملك في بعض مطالعه بقوله :


رَحَلوا فلستُ مسائلاً عن دارِهم ........ أَنا باخِعٌ نَفْسي على آثارهم


وما أَلطف قول ابن عبد الظاهر في معشوقه نسيم :


إِن كانت العُشَّاقُ في أَشواقِهم ........ جَعَلوا النَّسيمَ إلى الحَبيبِ رَسولاَ فأَنا الذي أَتْلو عليهم ليْتَني ........ كنتُ اتَّخذْتُ معَ الرَّسولِ سَبيلاَ


وقول المعمار :


ابنُ الجماليِّ ماتَ حقَّا ........ برّح بي موته وآذَى ورحْتُ أَقرأُ عليه جهراً ........ يا ليتَنِي مِتُّ قبلَ هذَا


ومن أَفحش السخف وأَقبحه إدْراج المفحشين من الشُّعراء الآيات الشَّريفة في أشعارهم على طريق المجون والسخف ، كقول القائل :


أَوحَى إلى عُشَّاقِهِ طَرْفُهُ ........ هيهاتَ هيهاتَ لما تُوعدونْ وردفهُ ينطقُ من خَلْفه ........ لمثل ذا فليعمل العاملونْ


وكقول أبي نواس :


خطَّ في الأَردافِ سَطْرٌ ........ في عُروضِ الشِّعر موزون لن تنالوا البرّ حتَّى ........ تنفقوا ممَّا تُحبُّون


وقول ابن العفيف التلمساني :


يا عَاشِقينَ حَاذِرُوا ........ مبْتَسِماً عن ثَغْرِهِ فطرْفُهُ السَّاحرُ مُذْ ........ شَككْتُم في أَمْرِهِ يُريدُ أَنْ يُخرجكم ........ من أَرْضِكمْ بسحْرِهِ


والتهاون في مثل ذلك يجرُّ إلى الانسلال من الدين ، والعياذ بالله تعالى . ومن الاقتباسات التي هي غير مقبولة قول ابن النبيه في مدح القاضي الفاضل :


قمتُ ليلَ الصُّدودِ إِلاَّ قَليلاَ ........ ثمَّ رتَّلْتُ ذكركم تَرْتيلاَ ووصلتُ السُّهادَ أَقبحَ وصلٍ ........ وهَجَرْتُ الرّقادَ هجراً جَميلاَ مَسمعٌ ملَّ من سَماعِ عَذُولٍ ........ حينَ أَلقَى عليهِ قولاً ثَقيلاَ وفُؤاد قد كانَ بينَ ضلوع ........ أَخَذَتْهُ الأَحبابُ أَخْذاً وَبيلاَ قُلْ لِراقِي الجفونِ إنَّ لعيني ........ في بِحارِ الدُّموعِ سَبْحاً طَويلاَ ماسَ عُجباً كأَنَّه ما رأَى غُصْ _ ناً طَليحاً ولا كثيباً مَهيلاَ وحَمَى عن محبِّهِ كأس ريقٍ ........ حينَ أَمسَى مزاجها زَنجبيلاَ بانَ عنِّي فصحتُ في أَثر العِي _ سِ ارْحموني وأَمْهلوني قَليلاَ أَنا عبدٌ للفاضلِ بن عليّ ........ قدْ تبَتَّلْتُ بالثنَا تَبْتيلاَ لا تَسُمْهُ وعداً بغيرِ نَوالٍ ........ إنَّه كانَ وَعدُهُ مفْعولاَ جلَّ عن سائِرِ الخَلائِقِ قدْراً ........ فاخْتَرَعنا في مدحه التَّنْزيلاَ


نعوذ بالله سبحانه من مغالاته وفرط إغراقه ، فإنَّ مذهبه في ذلك مشهور . ومنه قول البهاء زُهَير :


وسَقاني من رِيقهِ الباردِ العَذْ _ بِ كُؤوساً حَوَتْ شراباً طُورَا بقَوارير فضَّةٍ مِنْ ثَنايا ........ قَدَّروها بلؤلؤٍ تقديرَا وغُيومٍ مثل الجمانِ فما تنْ _ ظرُ فيها شمساً ولا زَمْهَريرَا نصب روض وشى النَّسيم عليه ........ فانْبَرى سعيُهُ بهِ مَشكورَا أَيُّها الحاسِدُ المُفَنِّدُ إمَّا ........ إن تكن شاكِراً وإمَّا كَفورَا كيفَ تَجفو التي يطيرُ بها الهَ _ مُّ وإنْ كان شَرُّهُ مُستطيرَا


وهذا النوع محظور ، وقد تجاوز فيه بعض العلماء ، وتجنُّبُه أَولى بالأَدب . ومن الاقتباس من الحديث قول الصاحب بن عبَّاد :


أَقولُ وقدْ رأَيْتُ لهُ سَجايَا ........ منَ الهجْرانِ مُقبلةً إلينَا وقدْ سَحَّتْ عَزَاليها بهَطْلٍ ........ حَوَالينَا الصُّدُودُ ولا علينَا


وقول شمس الدين محمد بن عبد الكريم الموصلي :


ومُنكرٍ قتلَ شهيدِ الهَوَى ........ ووجههُ يُنبئُ عنْ حالهِ اللَّوْنُ لونُ الدَّمِ من خدِّهِ ........ والرِّيحُ ريحُ المِسْكِ من خَالهِ


وقول أبي جعفر الأَندلسي الغرناطي :


لا تُعادِ النَّاسَ في أَوْطانِهمُ ........ قَلَّما يُرْعى غَريبُ الوَطَنِ وإذا ما شئتَ عَيْشاً بينهُمْ ........ خالِقِ النَّاسَ بخُلْقٍ حَسَنِ


وقول أبي الحسن الباخرزي صاحب دمية القصر :


يا حادِيَ العِيسِ رِفقاً بالقَواريرِ ........ وقِفْ فليسَ بعارٍ وقفَةُ العِيرِ واحْلُبْ مآقِيَ عينٍ طالَما قَطَرَتْ ........ حُمْرَ الدُّموعِ على البِيضِ المقاصيرِ


اقتبسه من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : "يا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ بسوْقكَ بالقَواريرِ" شبَّه النِّساء بها لضعف عزائمهنّ ، وقلَّة دوامهنَّ على العهد ، لأنَّ القوارير يسرع إليها الانكسار ولا تقبل الجبر . ومن الاقتباس في صناعة الحديث قول ابن جابر :


أَرادتْ على دَعْوَى المحبَّةِ شاهِداً ........ فقلتُ لها هذِي دُمُوعي فاسْأَلي فقالتْ لها جُرْحٌ بخدِّكَ بيِّنٌ ........ فتلكَ شُهودٌ عندنا لم تعدَّلِ وإنَّ حَديثَ الدَّمْعِ عندِي مُرْسَلٌ ........ وليسَ على ما أَرْسَلوا من مُعَوَّلِ فيا عَجباً من حُسْنِها وهو مالِكٌ ........ ومُرْسَلُ دَمعي عندَهُ غير مُعملِ


ومن الاقتباس في علم الخلاف ، قول ابن جابر أيضاً :


عَرَضُ الحبِّ دونَ جوهَرِ ذاكَ الثَّغْ _ رِ من أَعظمِ المحالِ فجُودِي أَجمعَ النَّاظرونَ في ذاكَ أَنْ لا ........ عَرَضٌ دونَ جَوْهَرٍ في الوُجودِ


وقوله أيضاً في الاقتباس من الأُصول :


جِئْتُها طالِباً لسالِفِ وَعْدٍ ........ فأَجابَتْ لَقَدْ جهلتَ الطريقهْ إنَّما مَوْعدي مجاز ! فقلت : ........ الأَصلُ في سائرِ الكلامِ الحَقيقهْ


ومن الاقتباس في الفقه قول المتنبِّي :


بَليتُ بِلى الأَطْلالِ إنْ لم أَقفْ بها ........ وُقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التربِ خاتمُهْ قفي تَغْرَمِ الأُولى من اللَّحظِ مُهْجَتي ........ بثانيَةٍ والمتلفُ الشيء غارِمُهْ


وقول بعضهم أيضاً :


أَقولُ لشادِنٍ في الحُسْنِ أَضحَى ........ يصيدُ بلحظِهِ قلبَ الكميِّ ملكتَ الحسْنَ أَجمَعَ في نِصابٍ ........ فأَدِّ زكاةَ منْظركَ البهيِّ فقالَ أبو حنيفَةَ لي إِمامٌ ........ يرَى أَنْ لا زَكاةَ على الصَّبيِّ فإنْ تَكُ مالِكيَّ الرَّأْيِ أَوْ مَنْ ........ يرَى رَأْيَ الإمامِ الشافعيِّ فلا تَكُ طالِباً منِّي زكاةً ........ فإخْراجُ الزَّكاةِ على الوَصِيِّ


وقول ابن جابر الأندلسي :


طلبتَ زَكاةَ الحُسْنِ منها فجاوَبَتْ ........ إليكَ فهذا ليسَ تُدْرِكْهُ مِنِّي عليَّ دُيونٌ للعُيونِ فلا تَرُمْ ........ زكاةً فإنَّ الدَّيْنَ يُسقِطها عَنِّي


وقول القاضي عبد الوهاب المالكي :


يَزْرَعُ وَرْداً نَاضِراً ناظِري ........ في وَجْنَةٍ كالقمَرِ الطَّالِعِ فلم حَرَمتمْ شفتي قطفَهُ ........ والحكمُ أَنَّ الزَّرْعَ للزَّارِعِ


وقول أيضاً :


ونائمةٍ قبَّلتها فتنبَّهَتْ ........ وقالَتْ تعالَوْا فاطلُبُوا اللِّصَّ بالحدِّ فقلتُ لها إنِّي فَدَيتكِ غاصبٌ ........ وما حكمُوا في غاصبٍ بسوَى الرَّدِّ خُذيها وكُفِّي عنْ أَثيمٍ ظلامة ........ وإن أَنتِ لم ترضَيْ فأَلف على عدِّ فقالتْ قصاصٌ يشهدُ العقلُ أَنَّه ........ على كبدِ الجاني أَلذُّ من الشَّهْدِ فباتَتْ يَميني وهي هميانُ خصرها ........ وباتَتْ يَساري وهي واسطَةُ العقدِ فقالتْ أَلم أخْبَرْ بأَنَّكَ زاهدٌ ........ فقلتُ بلَى ما زلتُ أَزهدُ في الزُّهْدِ


وقول صدر الدين ابن الوكيل :


يا سيِّدي إنْ جَرَى من مَدْمَعِي ودَمِي ........ للعينِ والقلبِ مسفوحٌ ومَسْفُوكُ لا تخْشَ من قَوَدٍ يُقْتَصُّ منكَ بهِ ........ فالعينُ جارِيَةٌ والقَلْبُ مملوكُ


وقول الصاحب بن عبَّاد :


ومُهَفْهَفٍ يُغني عن القمرِ ........ قَمَرَ الفُؤادِ بفاتِرِ النَّظَرِ خالستهُ تُفَّاح وَجنَتهِ ........ من غيرِ إبْقاءٍ ولا حَذَرِ فأَخافَني قومٌ فقلتُ لهمْ ........ لا قطعَ في ثمرٍ ولا كثرِ


وقول أبي الفتح البكتمري :


ردُّوا الهدُوَّ كما عهدْتُ إلى الحَشَا ........ والمُقلتينِ إلى الكَرَى ثمَّ اهْجُرُوا من بعدِ ملكي رُمْتُمُ أَن تغدِروا ........ ما بعدَ فرْقة بَيِّعَيْنِ تَخَيُّرُ


ومن الاقتباس في علم المنطق وقول ابن العفيف :


للمنطقيِّينَ أَشتَكي أَبداً ........ عَيْنَ رَقيبي فَليتهُ هجعَا حاذَرَها من أُحبُّهُ فأَبَى ........ أَنْ نخْتَلي ساعةً ونَجْتمعَا كيفَ غدَتْ دائماً وما اتَّصَلَتْ ........ مانعة الجمعِ والخلو معَا


وقول ابن جابر الأندلسي :


مُقدماتُ الرَّقيبِ كيفَ غَدَتْ ........ عندَ لقاءِ الحَبيبِ مُتَّصلهْ تمنعنا الجمعَ والخلُوَّ معاً ........ وإنَّما ذاكَ حكمُ مُنفصلَهْ


وقول أيضاً :


قياسُ غَرامي صادقٌ معَ أَنَّه ........ ترَكَّبَ من تلكَ العُيونِ السَّوالِبِ وقد حَكَموا أَنَّ السَّوالِبَ كلَّما ........ تركبَ منها لا يُرى غير كاذِبِ


وقول نجم الدين الدارميني :


لا تخطبَنَّ سِوى كَريمَةِ مَعشرٍ ........ فالعرْقُ دَسَّاسٌ من الطرفينِ أَوَلَسْتَ تنظرُ في النَّتيجَةِ أنَّها ........ تبعُ الأَخسِّ من المقدمتينِ


ومن الاقتباس في علم النحو قول المتنبِّي :


إذا كانَ ما تَنْويهِ فعلاً مُضَارِعاً ........ مضَى قبلَ أَنْ تلقي عليهِ الجَوازِمُ


وقول نجم الدين القحفاري الحنفي :


أَضمرتُ في القلبِ هوَى شادِنٍ ........ مشتغلٍ في النَّحوِ لا يُنْصِفُ وصفتُ ما أَضمرْتُ يوماً لهُ ........ فقالَ لي المضمرُ لا يُوصَفُ


وقول أبي إسحاق الأَندلسي الإشبيلي :


ليتَنِي نلتُ منه وَصْلاً وأَجلتْ ........ ليلَةُ الوصلِ عنْ صباحِ المَنُونِ وقَرَأْنا بابَ العناق مُضافاً ........ وحَذَفْنا الرَّقيبَ كالتنوينِ


وقول ابن مَمَّاتي :


وأَهيفٍ أَحدَثَ لي نحوُهُ ........ تعجباً يعربُ عن ظرْفهِ علامَةُ التَّأْنيثِ في لحظِهِ ........ وأحرُفُ العلَّةِ في طَرْفِهِ


وقول ابن جابر الأندلسي :


قالت وقد حاولتُ نيلَ وصالها ........ منْ غير شيءٍ لا تجوزُ المسأَلهْ باللهِ قلْ لي أَينَ نحوكَ يا فَتَى ........ أَرَأَيْتَ موْصولاً يجيءُ بلا صِلهْ


وقوله أيضاً :


ما للنَوى مُدَّتْ بغيرِ ضرورةٍ ........ ولقبل مَعرفَتي بها مقصورَهْ إنَّ الخَليلَ وإنْ دَعتهُ ضرورةٌ ........ لمْ يرضَ ذاكَ فكيفَ دُونَ ضرُورَهْ


وقول أبي جعفر الأندلسي :


قدْ كانَ لي أنسٌ بطِيبِ حديثكمْ ........ والآنَ صارَ حَديثكم برَسُولِ وقد مدَدتَ من النَّوَى مَقصورَهُ ........ إنَّ الخَليلَ يراهُ غيرَ جميلِ


وقول أيضاً :


ما للنوَى مُدَّتْ وأنتَ خَليلنا ........ ولقبل قد قَصُرَتْ برغمِ الكاشِحِ أَتْبعتَ في ذا مذْهَباً لا يُرْتَضى ........ نقْداً وليسَ الرَّأْيُ فيهِ بصالِحِ


وقال محاسن الشواء :


أَرى الصَّفعَ وَرَّدَ منهُ القذَالاَ ........ وأَوْسَعَ في أَخْدَعيهِ المجَالاَ وأَسلاهُ عن حبِّ ذاتِ اللَّمَى ........ وإنْ هيَ راقَتْ وفاقَتْ جَمَالاَ لئنْ كانَ قد حالَ ما بينهُ ........ وبينَ الحَبيبَةِ صفعٌ تَوَالَى فقد يحدثُ الظّرفُ بين المضافِ ........ وبينَ المضاف إليه انْفِصالاَ


وقول ابن الوردي :


وأَغْيَدٍ يسأَلنِي ........ ما المُبْتَدا والخَبَرُ مَثِّلْهما لي مُسْرِعاً ........ فقلت : أَنتَ القَمَرُ


وقول ابن أبي الأصبع :


أَيا قمَراً من حسنِ وجْنتهِ لنا ........ وظلّ عِذَارَيْهِ والضُّحَى والأَصائِلُ جَعَلْتُكَ بالتَّمْييزِ نصباً لناظِري ........ فهَلاَّ رَفَعْتَ الهَجْرَ والهجرُ فاعِلُ


ومن الاقتباس في علم العروض قول ابن جابر الأندلسي :


إنْ صدَّ عنِّي فإنِّي لا أُعاتِبُهُ ........ فما التنافُرُ في الغِزْلانِ تنقيصُ شوْقي مَديدٌ وحبِّي كامِلٌ أَبداً ........ لأجل ذلكَ قلبِي فيهِ مَوْقوصُ


وقول أيضاً :


سَبَبٌ خَفيفٌ خَصْرُها ووراءها ........ مِنْ رِدْفِها سَبَبٌ ثَقيلٌ ظاهرُ لم يجمَعِ النَّوعانِ في ترْكيبها ........ إِلاَّ لأنَّ الحسنَ فيها وافِرُ


ومن الاقتباس في علم الحساب قول ابن جابر أيضاً :


قُسِمَ القلب في الغَرامِ بلحظٍ ........ يَضْرِبُ القلبَ حينَ يُرسلُ سَهْمَهْ هذه في هَواهُ يا قوم حالِي ........ ضاعَ قلبِي ما بينَ ضَرْبٍ وقِسْمَهْ


ومن الاقتباس في علم الخط قول بعضهم :


بوَجْهِ مُعَذِّبي آياتُ حسنٍ ........ فقلْ ما شِئْتَ فيه ولا تُحَاشِي فنُسْخَةُ وجههِ قُرِئَتْ فصَحَّتْ ........ وها خطّ الكمالِ على الحَواشِي


وهذا القدر كافٍ في الاقتباس ، إن شاء الله تعالى .


على أَنِّي سَأُنْشِدُ عنْدَ بَيْعِي ........ أَضاعُونِي وأَيّ فَتًى أَضَاعُوا


البيت للحريري ، من قصيدة من الوافر ، أَوَّلها :


لَحاكَ اللهُ هلْ مِثْلي يُباعُ ........ لكَيْما تشْبَعَ الكرشُ الجِياعُ وهل في شِرْعَةِ الإنصافِ أنِّي ........ أُكلَّفُ خُطَّةً لا تُسْتَطاعُ وأنْ أُبْلى برَوْعٍ بعدَ رَوْعٍ ........ ومثْلي حينَ يُبْلَى لا يُرَاعُ أَمَا جرَّبْتَني فخَبِرْتَ منِّي ........ نصائِحَ لم يُمازِجْها خِدَاعُ وكمْ أَرْصَدْتَني شَرَكاً لصَيْدٍ ........ فَعُدْت وفي حَبائِلِيَ السَّبَاعُ ونُطْتَ بيَ المَصاعِبَ فاسْتَقادَتْ ........ مُطاوِعةً وكانَ بها امْتِناعُ وأَيُّ كَريهَةٍ لم أُبْلَ فيها ........ وغنم لم يكنْ لي فيهِ بَاعُ وما أَبْدَتْ ليَ الأَيَّامُ جُرْماً ........ فيكشِفُ عنْ مُصَارَمتي القِناعُ ولم تَعْثر بحمدِ اللهِ منِّي ........ على عيبٍ يكتَمُ أَو يُذَاعُ فأَنَّى ساغَ عندكَ نَبْذُ عَهْدِي ........ كما نُبذَت برايتها الصَّنَاعُ ولِمْ سَمَحَتْ قرونُكَ بامْتِهاني ........ وأن أُشْرَى كما يُشْرى المتَاعُ وهلاَّ صُنْتَ عِرْضِي عنه صَوني ........ حديثكَ حينَ جَدَّ بنا الوَداعُ وقلتَ لمنْ يُساومُ فيَّ : هذا ........ سكاب فلا يُعارُ ولا يُباعُ فَمَا أَنا دونَ ذَاكَ الطَّرْفِ لكنْ ........ طِباعُكَ فوقها تلْكَ الطَّبَاعُ


وبعده البيت .


والشاهد فيه : التضمين ، وهو أَن يُضَمِّن الشاعر شيئاً من شعر الغير ، مع التنبيه عليه ، إن لم يكن مشهوراً عند البلغاءِ ، وإن كان مشهوراً فلا حاجة إلى التنبيه ، فالمصراع الثاني من البيت للعَرْجيِّ من أَبيات قالها في حَبْسِه ، وهي :


أَضاعُوني وأيّ فتًى أَضَاعُوا ........ ليوم كَريهَةٍ وسِدادِ ثَغْرِ وصَبْر عندَ مُعْتَرَكِ المَنايا ........ وقد شَرَعَتْ أَسِنَّتُها بنَحْرِي أُجَرَّرُ في المجامِعِ كلّ يومٍ ........ فيا للهِ مظلَمَتي وصَبْرِي كأَنِّي لمْ أَكنْ فيهم وَسيطاً ........ ولم تَكُ نسبَتِي في آلِ عمرو


والكريهة : من أَسماء الحرب ، وسداد الثغر هو بكسر السين فقط . وقد ضمنه النميري الغرناطي فقال :


لهُ شَفَةٌ أَضَاعُوا النَّشْرَ منها ........ بلثمٍ حينَ سَدَّتْ ثَغْرَ بَدْرِي فما أَشْهَى لقلبي ما أَضَاعُوا ........ ليوْمِ كريهةٍ وسِدادِ ثَغْرِ


ومن لطيف ما يذكر هنا أَنَّ رجلاً قدم ابنه إلى القاضي ليحجر عليه ، وابن أبي الأصبع سمَّى هذا النوع إيداعاً ، وفرَّق بينه وبين التضمين فقال الابن : كيف تحجر عليَّ وأَنا أحفظ القرآن ؟ فقال الأب : أَصلحك الله ! إن كان يحفظ آية من كتاب الله فلا تحجر عليه ، فقال له القاضي : اقرأ ، فقال :


أَضاعُوني وأيّ فتًى أَضاعُوا ........ ليوم كريهةٍ وسِدادِ ثَغْرِ


فقال الأب : أَصلحك الله ! إن قرأ آية أُخرى فلا تحجر عليه ، فحجر عليهما معاً . وقد تقدَّمت ترجمة كل من الحريري والعرجي في هذا الفن الثالث ولله الحمد .


إذا الوَهْمُ أَبْدى لِي لَماها وثَغْرَهَا ........ تَذَكَّرْتُ ما بينَ العُذَيْبِ وبَارِقِ ويُذْكِرُني منْ قدِّها ومَدَامِعِي ........ مَجَرَّ عَوَالينا ومَجْرَى السَّوابِقِ


البيتان لابن أبي الأصبع ، من الطويل . والعذيب : ماء من مياه العرب ، وبارق : من دياراتها . والشاهد فيهما : التضمين ، فإنَّ المصراعين الأَخيرين منهما مطلع قصيدة ، لأبي الطيب المتنبِّي يمدح بها سيف الدولة ، ويذكر وقعته ببني عقيل ، فنقلهما ابن أبي الأصبع من الحماسة إلى الغَزَل ، والبيتان المذكوران من قصيدة مطلعها :


أَعِرْ مقلَتِي إنْ كنتَ خير مُوافِقِ ........ دُموعاً لتبْكي فَقْدَ حِبٍّ مُفَارِقِ فقدْ نَضَبَتْ يومَ الوَداعِ مَدَامِعي ........ وشابَتْ لتشتيتِ الفراقِ مَفَارِقِي


وقد ضمنه ابن مطروح بقوله :


إذا ما سَقاني ريقَهُ وهوَ باسِمٌ ........ تذكَّرْتُ ما بينَ العُذَيْبِ وبارِقِ


والاستعانة والعنوان بأنَّ التضمين يقع في النظم والنثر ، ولا يكون إِلاَّ بالنثر ، ويكون من المحاسن والعيوب ، لمنَّه لا يكون من العيوب إِلاَّ إذا وقع في النظم بالنظم ، وأمَّا الإيداع والاستعانة - وإن وقعا معاً في النظم والنثر - فلا يكونان إِلاَّ بالنظم ، دون النثر ، وأَمَّا العنوان فإنَّه يقع في النظم والنثر ، ولا يقع بالنثر ، ولا يكون إِلاَّ من المحسن دون العيوب ، فعلى هذا يكون ما ذكر من الشواهد هنا يسمَّى إيداعاً لا تضميناً . وحيث ذكرنا الاستعانة والعنوان فلا بأس بذكر شيءٍ من شواهدهما ، تتميماً للفائدة ، ثمَّ نرجع إلى ما نحن بصدده .


فالاستعانة : أن يستعين الشاعر ببيتٍ لغيره في شعره ، بعد أَن يوطئ له توطئة لائقة به ، بحيث لا يبعد ما بينه وبين أبياته ، وخصوصاً أبيات التوطئة ، وكذلك الناثر ، إِلاَّ أن يكون البيت لنفسه ، فيسمَّى تشهيراً . فمن أمثلة الاستعانة في الشعر قول الحارثي :


وقائِلَةٍ والدَّمْعُ سَكْبٌ مُبَادِرُ ........ وقد شَرِقَتْ بالماءِ منْها المَحَاجِرُ وقد أَبْصَرَتْ نعْمَان من بعدِ أُنْسِها ........ بِنا وهي منَّا مُوحِشات دَوَاثِرُ كأَنْ لمْ يكنْ بين الحَجُونِ إلى الصَّفَا ........ أنيسٌ ولمْ يَسْمُرْ بمكَّة سَامِرُ فقلتُ لها والقلب منِّي كأَنَّما ........ يُقَلِّبهُ بينَ الجوانِحِ طائِرُ بَلَى نحنُ كُنَّا أَهْلَهَا فأَبادَنا ........ صروفُ اللَّيالي والجدودُ العَواثِرُ


فاستعان ببيتي خرقة بنت تبع :


وقول ابن أبي الأصبع يهجو يهوديًّا طبيباً :


رأَيتُ أبا الخيرِ اليهوديِّ ماسِكاً ........ بقارُورةٍ كالوَرْسِ راقَ حَليبُها وقدْ رَشَّ منها فوقَ صَفْحَةِ خَدِّهِ ........ وقالَ لقدْ أَحْيا فُؤادي طِيبهَا فقلتُ له : ما هذه ؟ قال : بَوْلَةٌ ........ لأسْوَدَ يشفي الداء مني قَضيبُهَا قريبَةُ عهدٍ بالحبيبِ وإنَّما ........ هَوَى كلّ نفسٍ أَينَ حلَّ حبيبها


قال ابن أبي الأصبع : ولا يضر تصحيف الحرف وتحريفه من الكلام المتقدم ليدخل في معنى الكلام المتأخر عند الاستعانة ، كما فعلت ببيت من الحماسة حين قلت :


إذا ما خليلٌ صدَّ عنكَ مَلالَةً ........ وأَصْبَحَ من بعدِ الوَفَا وهو غادرُ فلا تَحْتَفِلْ واسْتَعِنْ بالله إنَّه ........ على أن تُرَى عنهُ غَنيًّا لقادِرُ وهَبْه كشيءٍ لم يكن أَو كنازِح ........ به الدَّارُ أَو مَنْ غَيَّبَتْهُ المَقابرُ


فإنَّ هذا كان نسيباً وكان أَوله فهبها فحرفت ضمير التأنيث لضمير التذكير حتَّى دخل في معناي . قلت : وقد تقدم هذا البيت في شواهد التقسيم ، وأنه لعمر بن أبي ربيعة المخزومي . وأمَّا العنوان فهو أن يأخذ المتكلم في غرض له أو وصف أو فخر أو هجاء أو مديح أم عتاب أو غير ذلك ، ثمَّ يأتي لقصد تكميله بألفاظ تكون عنواناً لأخيار متقدمة أَو قصص سالفة كقول أبي نواس :


يا هاشِمُ بنَ خديج ليسَ فخركُمُ ........ بقَتْلِ صهرِ رسولِ اللهِ بالسَّدَدِ أَدرجتم في إهاب العير جُثَّتَهُ ........ لبئس ما قدَّمت أَيديكمُ لِغَدِ إن تَقْتُلوا ابنَ أبي بكرٍ فقد قَتَلَتْ ........ حُجْراً بدارَةِ مَلْحوب بَنو أَسَدِ وقد أَصابَ شراحيلا أبو حَنَشٍ ........ يومَ الكُلابَ فما دافعْتُمُ بيَدِ ويومَ قلتم لعمْرٍو وهو يقْتُلكم ........ قَتْلَ الكلاب لقدْ أَبْرَحْتَ بالولدِ ويومَ كِنْديَّة قالت لجارَتِها ........ والدُّمع يَنْهَلُّ من مَثْنَى ومن وَحَدِ أَلْهَى امْرَأَ القَيْسِ تشبيبٌ بغانيةٍ ........ عن ثأرِهِ وصِفاتُ النّؤى والوَتَدِ


فاشتملت هذه الأَبيات على عدة عنوانات ، منها قصة قتل محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ! وقتل حجر أبي امرئ القيس ، وقتل عمرو بن هند كندة في ضمن هجاء من أراد هجاءه ومعيرة المهجو بما أشار إليه من الأَخبار الدالَّة على هجاء قبيلته وملوكهم . ومثل ذلك قول أبي تمام لأحمد بن أبي دؤاد :


تَثَبَّتْ ، إن قولاً كان زوراً ........ أتى النعمان قَبْلَكَ في زيادِ فأرَّث بين حي بني جلاح ........ لَظَى حَرْب وحيّ بني مصادِ وغادرَ في صُدُورِ الدَّهْرِ قتلى ........ بني بدر على ذاتِ الأصادِ


فأتى بعنوان يشير إلى قصة النابغة حين وشى به الواشون إلى النعمان ، وما جرى في ذلك من السعي للحروب التي انطوت عليها قطعة من أيام العرب . وهذا القدر كاف فلنرجع إلى ما كنَّا بصدده فنقول : ثمَّ التضمين تارةً يكون ببيت فما فوقه ، أَو بمصراع فما دونه ، فمن إنشادات ابن المعتز فيه :


عَوَّذَ لمَّا بتُّ ضيفاً لهُ ........ أقراصَهُ منِّي بياسينِ وعَوَّذَ الماءَ بسُمْرِ القَنَا ........ وبالأَفاعي والثعابينِ فبتُّ والأَرض فراشي وقد ........ غنت قفا نبك مَصَاريني


والأحسن في هذا النوع صرفه عن معناه الأول ، فمن ذلك قول أبي الحسن حازم في تضمين قصيدة امرئ القيس وقد صرف معانيها إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم :


لعينيك قُلْ إن زرْت أَفضلَ مرسل ........ قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ وفي طيْبَة فانزل ولا تغش منزلاً ........ بسقط اللّوى بينَ الدُّخُولِ فحوملِ


ومن أبدع ما له فيها :


نبيّ هُدًى قد قالَ للكُفْرِ نورُه ........ ألا أَيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ ألا انْجَلي تَلا سُوَراً ما قولها بمعارضٍ ........ إذا هي نَصَّته ولا بمُعَطَّلِ لقد نَزَلَتْ في الأَرضِ حلة هَدْيهِ ........ نزول اليمانيّ ذي العباب المخّولِ أَتَتْ مَغْرباً من مَشْرقٍ وتَعَرَّضَتْ ........ تعرّضَ أَثناءِ الوِشاحِ المفَضَّلِ ففازَتْ بلادُ الشَّرْقِ من زينة بها ........ بشقِّ وشقُّ عندنا لم يُحَوَّلِ


وقد تلاعب الشعراء بتضمين هذه القصيدة ، فمن ذلك قول أبي منصور العبدوني :


أَكتاب ديوانِ الرَّسائل مالكمْ ........ تحمَّلتُم بل مُتُّمُ بالتحمّلِ وأَرزاقكُمْ لا تَسْتبينُ رُسومها ........ لما نَسجَتها من جَنُوبِ وشمأَلِ إذا ما شكا الإفْلاسَ والضّرّ بعْضكم ........ تقولون لا تهْلِكْ أَسًى وتجمَّل خُلِقْتُمْ على بابِ الأَميرِ كأَنَّكُمْ ........ قفا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ


ومما كتب به الصلاح الصفدي إلى ابن نباتة :


أفي كلِّ يومٍ منكَ عتْبٌ يَسُوؤني ........ كجُلمود صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ من عَلِ وترْمي على طولِ المدى مُتَجَنِّباً ........ بسهميْك في أَعشارِ قلبٍ مُقَتَّلِ فأُمْسي بليلٍ طالَ جُنْحُ ظلامهِ ........ عليَّ بأَنواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلي وأَغدو كأَنَّ القلبَ من وقدَةِ الجوَى ........ إذا جاشَ فيه حَمْيُهُ غَلْيُ مرجَلِ تَطيرُ شَظاياهُ بقلبي كأَنَّها ........ بأرجائهِ القصوى أنابيشُ عُنْصُلِ وسالتْ دُموعي من هُمومي ولوْعَتي ........ على النَّحْرِ حتَّى بَلَّ دَمعي محملي تَرَفَّقْ ولا تجزَعْ على فائتِ الوَفَا ........ فما عندَ رسمٍ دارسٍ من مُعوَّلِ


في أبيات . . . فأجابه ابن نباتة متهكماً في المطلع بقوله :


فطمت ولائي ثمَّ أَقْبَلْتَ عاتباً ........ أفاطِمُ مَهْلاً بعض هذا التدلُّلِ برُوحيَ ألفاظ تعرض عَتْبُها ........ تعرُّض أَثناءَ الوشاح المفَصَّلِ فأَحْيَيْتَ ودًّا كانَ كالرَّسمِ عافياً ........ بسقطِ اللّوى بين الدُّخولِ فحوملِ تُعَفِّي رياحُ العذلِ منك رُقومَهُ ........ لما نسَجَتْها من جَنوب وشمألِ نعَمْ قوضَتْ منك المودَّة وانْقَضَتْ ........ فيا عَجَباً من رَحْلَها المتحمَّلِ أَمولايَ لا تسْلُكْ من الظلم والجفا ........ بنا بَطْنَ خَبْتٍ ذي قِفَاف عَقَنْقَلِ ولا تنسَ منِّي صُحْبةً تصدع الدُّجى ........ بصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأَمثلِ


وهي طويلة ، يقول في آخرها :


فدونكَ عَتْبي اللَّفْظُ ليسَ بفاحشٍ ........ إذا هي نَصَّتهُ ولا بمعَطَّلِ وعاداتُ حبّ هنَّ أَشهر فيك من ........ قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ


ومن التضمين الغريب ما اخترعه الصاحب فخر الدين بن مكانس في مداعبة رجل من أصحابه كان كبير الأنف :


تأنف عن وصفِ الغزالِ تَغَزُّلي ........ بلحية أَنف ذي عِقَاصٍ ومُرْسَلِ من البقِّ فيها جُمْلة قد تعرضت ........ تعرض أثناء الوشاح المفصَّلِ فيا قبْحَ شعر فوقَ أنْفٍ معَرْقَفٍ ........ أثيث كقِنْوِ النخلَةِ المتعثكلِ وقالوا اختبئ في شعره فكأَنَّه ........ كبير أناسٍ في بجادِ مزمّلِ ترى القمل والصئبان في عَرَصاتها ........ وقيعانها كأنَّه حبُّ فلفلِ


إلى أن قال :


وكم قلتُ إذ أرخى ذوائِبَ أنفِهِ ........ عليَّ بأَنواعِ الهُمومِ ليبتَلي أَلا أَيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ أَلا انجلي ........ بصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأَمثلِ كأنَّ الفُسا إن قِيسَ معْ ريح أنفِهِ ........ نسيم الصّبا جاءَت برَيَّا القرنفلِ ترى شعرات الأنفِ سدَّتْ خدودهُ ........ لما نسجتها من جنوب وشمأَلِ وقد دَرَست بالأَنفِ آثارُ وجهه ........ فهل عند رسمٍ دارسٍ من معوّلِ كأنِّي لموْلانا على وَصْفِ أَنفِهِ ........ توَلّى بأَعْجاز وناءَ بكلكلِ وَجرد شَعْرَ الأَنفِ منا وجاءَنَا ........ بمنجردٍ قيدِ الأَوَابدِ هيكلِ مكرٌّ مفرٍّ مقبلٍ مُدبر معاً ........ كجلمودِ صخرٍ حطَّهُ السَّيل من عَلِ


ومن ظريف التضمين قول أبي الحسين الجزَّار ، مضمناً قصيدة امرئ القيس المذكور :


قفا نيكَ من ذكرى قميص وسرْوالٍ ........ ودُرَّاعةٍ لي قدْ عفَا رَسْمها البالِي وما أَنا منْ يبكي لأسماءَ إنْ نأَتْ ........ ولكنَّني أَبكي على فقدِ أسمالِي لوَانَّ امرئ القيسِ بن حُجْرٍ رأَى الذي ........ أُكابدهُ من فرطِ همٍّ وبَلبالِ لما مالَ نحوَ الخدر خدر عنيزةٍ ........ ولا باتَ إِلاَّ وهوَ عنْ حبّها سالِي ولي من هوى سكنى القياس عن هوًى ........ بتوضّح فالمقراة أَعظم أَشغالِ ولا سيَّما والبرد وافى بَرِيدُهُ ........ وحالِي على ما اعتدت من عسرة حالِي ترى هل يراني النَّاس في فَرَجِيَّةٍ ........ أَجُرُّ بها تيهاً على الأَرضِ أَذيالِي ويُمْسي عَدُوِّي غير خال من الأَسى ........ إذا باتَ عن أمثالها بيْتهُ خالِي ولو أنَّني أَسعَى لتفضيل جبةٍ ........ كفاني ولم أَطلب قليلٌ من المالِ ولكنَّني أَسعَى لمجدٍ بجوخةٍ ........ وقد يُدْركُ المجد المؤثل أَمثالِي


ومنها :


وكم ليلةٍ أَستغفرُ الله بتُّها ........ بخدّ وريق بين وَرْدٍ وجِرْيالِ تَبَطَّنت فيها بَدْرَ تمٍّ مُشَنَّف ........ ولم أَتَبَطَّن كاعِباً ذات خلخالِ


وما أَحسن قول ابن نباتة :


أَقولُ لمعشرٍ جلدوا ولاطوا ........ وباتوا عاكِفينَ على الملاحِ ألستم خيرَ من ركبَ المَطايا ........ وأَندَى العالمينَ بطونُ راحِ


وقوله :


تَصَدَّى إلى إيري فقلتُ له اتَّثِدْ ........ وحقّكَ لو عايَنْتَهُ وهو ثائرُ رأَيتَ الذي لا كلُّهُ أَنتَ قادرٌ ........ عليهِ ، ولا عن بعضهِ أَنتَ صابِرُ


وما أَحسن قول البارزي في هذا المعنى :


أَقولُ وقد أبى عن أَخذِ إيري ........ وسالَتْ من محاجِرِهِ دُمُوعُ إذا لم تسْتَطعْ شيئاً فدَعْهُ ........ وجاوزه إلى ما تستطيعُ


وقول الأسعردي سامحه الله تعالى :


قالَ وقد قَصَّرْتُ في نَيْكِهِ ........ سُدَّ فَضَا مَبْعَريَ الواسِعِ فقلتُ يا مولايَ عُذْراً فقد ........ اتَّسَعَ الخرقُ على الراقِعِ


ذكرت بهذا التضمين ما حكي عن الوزير عون الدين بن هبيرة أَنَّه قال له بعض أصحابه في هربته التي قتل فيها : يا مولانا أين ذلك التدبير ، وتلك السياسات ، فأَنشد :


الثَّوْبُ إن أسرعَ فيه البلى ........ أَعيا على ذي الحيلَةِ الصانِعِ كنَّا نُدَاريها وقد مزقَتْ ........ واتَّسعَ الخرق على الراقِعِ


وقد أَبدع ابن نباتة بقوله :


لم أنسَ مَوْقفنا بكاظِمة ........ والعَيْشُ مثلُ الدَّار مُسْوَدُّ والدَّمْعُ ينْشِدُ في مسايله ........ هل بالطُّلولِ سائلٍ ردُّ


وما أحسن قول بعض المغاربة :


وفرع كان يوعدني بأسر ........ وكانَ القَلْبُ ليسَ لهُ قَرارُ فَنَادَى وجْههُ لا خوفَ فاسْكُنْ ........ كلامُ اللَّيلِ يمحوهُ النَّهارُ


ومن ظريف التضمين ما حكي أَنَّ الحَيْصَ بَيْصَ الشاعر قتل جرو كلب وهو سكران ، فأخذ أبو القاسم القطان الشاعر كلبة وعلق في رقبتها قصة وأَطلقها عند باب الوزير ، فأخذت القصة من عنقها وأدخلت على الوزير ، فإذا فيها مكتوب :


يا أَهلَ بغداد إنَّ الحَيْصَ بَيْصَ أَتى ........ بخَزْية أَوْرَثَتْهُ العار في البلدِ أَبدى شجاعتهُ باللَّيلِ مجترئاً ........ على جُرَيٍّ ضعيفِ البَطْشِ والجلدِ فأَنشدت أُمُّهُ من بعد ما احْتَسَبَتْ ........ دَمَ الأُبيلقِ عند الواحدِ الصَّمدِ أقولُ للنَّفسِ تأساءً وتعزيةً ........ إحدَى يَدَيَّ أَصابتني ولم تُرِدِ كلاهما خَلَفٌ من فَقْدِ صاحبِهِ ........ هذا أَخي حينَ أَدعوهُ وذا ولدِي


البيتان الأَخيران لامرأة من العرب قتل أَخوها ابناً لها ، فقالتهما تسليةً لنفسها . وما أَحسن قول إبراهيم بن العبَّاس الصولي :


أُولى البريَّةِ طرًّا أَن تواسيهُ ........ عند السُّرورِ الذي واساكَ في الحَزَنِ إنَّ الكرامَ إذا ما أَيسَروا ذكَرُوا ........ من كانَ يأْلَفُهُمْ في المنزلِ الخَشِنِ


البيت الأخير لأبي تمام ، وقد أحسن تضمينه الصاحب بن عباد بقوله :


أَشكو إليكَ زماناً ظلَّ يعركني ........ عَرْكَ الأديمِ من يَعْدو على الزَّمَنِ وصاحباً كنتُ مغبُوطاً بصُحبتهِ ........ دهراً فغادَرَني فَرْداً بلا سَكنِ هبَّتْ لهُ ريحُ إقبالٍ فطارَ بها ........ إلى السُّرورِ وأَلجاني إلى الحَزَنِ نأَى بجانبه عنِّي وصَيَّرَني ........ مع الأسى ودواعي الشَّوق في قَرَنِ وباعَ صَفْوَ ودادٍ كنتُ أَقصُرُهُ ........ عليه مجتهداً في السِّرِّ والعَلَنِ وكان غالى به حيناً فأرخَصَهُ ........ يا من رأَى صَفْوَ وُدٍّ بيعَ بالغَبَنِ كأَنَّه كانَ مطويًّا على إِحنٍ ........ ولم يكن في قديمِ الدَّهْرِ أَنشدَني إنَّ الكرام إذا ما أَيسروا ذكروا ........ من كان يألفهم في المنزلِ الخَشِنِ


وذكرت بهذه الأبيات واقعة الوزير المهلبي مع رفيقه ، وكانت حاله قبل الاتِّصال بالسلطان حال ضعف وقلَّة ، وكان يقاسي منها قَذَى عينيه وشَجَا صدره ، فبينا هو ذات يوم في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الجراب والمحراب ، إِلاَّ أنَّه من أهل الأَدب ، إذ لقي من سفره نصباً ، واشتهى اللحم فلم يقدر على ثمنه ، فقال ارتجالاً :


أَلا مَوْتٌ يبَاعُ فأشتريهِ ........ فهذا العيش ما لا خيرَ فيه إذا أَبْصَرْتَ قَبْراً من بعِيد ........ وددتُ لَوَ أنَّني فيما يليهِ أَلا رَحمَ المهيمِنُ روحَ عَبْدٍ ........ تَصَدَقَّ بالوفاةِ على أَخيهِ


فاشترى له رفيقه بدرهم واحد ما سكن قَرَمه ، وتحفظ الأبيات ، وتفارقا ، وضربَ الدهر ضرباته فترقَّتْ حالُ المهلبي إلى أَعظم درجة من الوزارة حتَّى قال :


رَقَّ الزَّمانُ لفاقَتي ........ ورثَى لطول تَحَرُّقي وأنالَني ما أَشتَهي ........ وأَقالَني ما أَتَّقي فلأغْفِرَنَّ له الكثي _ رَ من الذُّنوبِ السُّبَّقِ حتَّى جنايتَهُ لما ........ فَعَلَ المَشيبُ بمفرقي


وحصل الرفيق تحت كلكل الدهر ، وثقل عليه بَرْكُه ، وهاضه عَرْكُه ، فقصد حركته ، وتوصل إلى إيصال رقعة تتضمن أبياتاً منها :


أَلا قُلْ للوَزير فَدَتْهُ نَفسي ........ مقالَةَ مُذْكرٍ ما قد نسيهِ أَتذكُرُ إذ تقولُ لضَنْكِ عيشٍ ........ أَلا مَوْتٌ يباعُ فأَشتَريهِ


فلما نظر فيها تذكره وهزته أريحية الكرم للإحسان إليه ورعاية حق الصحبة فيه ، والجري على حكم من قال :


إنَّ الكرامَ إذا ما أَيسَروا ذكروا ........ من كانَ يأْلفهم في المنزلِ الخَشِنِ


فأمر له في عاجل الحال بسبعمائة درهم ، ووقع في رقعته : "مثل الذين ينفقون أَموالهم في سبيل الله كمثل حبَّة أنبتت سبع سنابل في كلِّ سنبلة مائة حبَّة ، والله يضاعف لمن يشاء" . ثمَّ دعا به ، وخلع عليه ، وقلده عملاً يرتزق به ، ويرتزق منه .


ونظير ذلك ما حكي أنَّ الأمير بدر الدين يلبك الخازندار أَحضره إلى القاهرة تاجر كان يحسن إليه وهو في رقه ، فلما باعه تنقلت به الأحوال إلى ما صار إليه ، وافتقر التاجر فيما بعد ، فحضر إليه إلى مصر ، وكتب إليه رقعة فيها :


كنَّا جميعَيْنِ في كدٍّ نكابدُهُ ........ والقلب والطَّرف منَّا في أَذًى وقَذَى والآنَ أَقبلَتِ الدُّنيا عليكَ بما ........ تهْوَى فلا تنْسَنِي إنَّ الكرامَ إذا


فأعطاه عشرة آلاف درهم . وما أحسن قول بعضهم :


قدْ قاتُ لمَّا أَطلعَتْ وَجناته ........ حولَ الشَّقيق الغضّ روضَةَ آسِ أَعِذارَهُ السَّاري العجول تَرَفُّقاً ........ ما في وقوفك ساعة من باسِ


وقد ضمنه أبو جعفر الأندلسي فقال :


ومُوَرَّدُ الوَجناتِ دبَّ عِذَارهُ ........ فكأَنَّه خطّ على قرطاسِ لمَّا رأيتُ عذاره مستعجلاً ........ قد رامَ يخْفي الوردَ منهُ بآسِ نادَيتهُ قفْ كي أَودّع ورْدهُ ........ ما في وقوفك ساعة من باسِ


ولأبي بكر الخوارزمي في ابن العميد :


لئن كنتُ أضْحِي من عَطَاياكَ شاعراً ........ لقد صِرْتُ أمسي من عطاياكَ مُفْحَمَا أبيتُ إذا أجريتُ ذكْراكَ مُنْشداً ........ وأن تعتب الأَيَّام فيها فرُبَّما وما لي من الأَصواتِ مقترحٌ سِوى ........ أعالج وجداً في الضَّميرِ مُكتمَا


وله في شمس المعالي قابوس :


شموس لهنَّ الخدر والبيت مَغْرِب ........ فطالعُها بالبينِ والهجرِ غارِبُ ولكنَّما شمسُ المعالي خلافها ........ مشارِقهُ لَيْسَتْ لهنَّ مَغَارِبُ فما لقَّبوهُ الشَّمس إِلاَّ وقد روَوْا ........ فإنَّك شمسٌ والمُلوكُ كواكِبُ


ومن ظرف التضمين قول القاضي أبي عمر القابسي وقد أهديت إليه جارية فوجدها ابنه سرية له ، كان قد تسرى بها ، فردَّها ، وكتب إلى مهديها :


يا مهديَ الرَّشأ الذي ألحاظُهُ ........ تركَتْ فُؤادي نُصْبَ تلكَ الأسهُمِ ريحانَةٌ كلّ المنى في شمِّها ........ لولا المهيمنُ واجتِناب المحرَمِ ما عَنْ قِلًى صُرِفَتْ إليكَ وإنَّما ........ صيدُ الغَزالَةِ لم يُبَحْ للمُحْرِمِ إنَّ الغَزالَةَ قدْ عرفنا قَبلها ........ سرَّ المهاةِ وليتنا لم نعلمِ يا وَيْحَ عنترَةَ الذي قدْ شَفَّهُ ........ ما شفَّني فشَدَا ولمْ يتكلَّمِ يا شاة ما قنصٍ لمنْ حلتْ لهُ ........ حَرُمَتْ عليَّ وليتَها لم تحرُمِ


فضمن بيت عنترة ، والعرب تطلق الشاة على البقرة الوحشية ، فكنى بها عن المرأة تشبيهاً لها بها ، ويقال : إنَّ التي عناها كانت زوجة أبيه ، فلذلك حرمت عليه . ومن بديع التضمين ، قول أبي فراس الحمداني يتغزل في غلام من الفرس :


قاتِلي شادِنٌ رَخيمُ الدَّلالِ ........ كِسْرَوِيُّ الأَعمامِ والأَخْوالِ كيفَ أَرجو ممَّن يرَى الثَّأْرَ عندي ........ فرَجاً من تعطفِ أَوْ وصالِ ما دَرَتْ أسرَني بذي قار أنِّي ........ بعضُ مَنْ جَنْدَلوا من الأَبطالِ أَيُّها الملزِمي جَرَائرَ قوْمِي ........ بعدَ ما قدْ مضَتْ عليْها اللَّيالِي لمْ أكنْ من جُناتها عَلِمَ اللهُ ........ وإنِّي بحَرِّها اليومَ صَالِي


والمعنى الذي أراد : أن بني شيبان ، وهم من ربيعة قوم أبي فراس ، كانوا قد هزموا الفرس ، يوم ذي قار ، وهو يوم مشهور ، فنزع أبو فراس في هذه الأبيات منزَعاً ظريفاً ، وذهب مذهباً غريباً . ذكر فيه أنَّ هذا الغلام على تأخر زمانه وزمان أبي فراس عن الذين شهدوا تلك الهزيمة ، ذهب إلى الأخذ بثأر قومه من أبي فراس ، وإن لم يكن أبو فراس من جُناةِ تلك الحرب . وأمَّا البيت المضمن فهو من شعر الحارث بن عباد البكري يقوله في حرب البسوس بعد أن كان اعتزل الحرب ، فلم يدخل فيها ، إلى أن قتل ابنه بجير ، فلمَّا بلغه قتله ظنَّ أنَّ مهلهلاً يقنع به في دم أخيه كليب ، وقال : نعم القتيل قتيلاً أصلح الله به بين ابني وائل ، يريد بكراً وتغلب ، وعزم أن لا يطلب بثأره ، إلى أن بلغه أن مهلهلاً ، قال له حين قتل : بُؤْ بشِسْع نعل كليب ، يريد أنَّه لا يفي دمه بشيء من دم كليب ، فعند ذلك حمي الحارث وغضب وعزم على الدخول في الحرب ، وقال في ذلك :


قَرّبا مَرْبطَ النَّعامَةِ مِنِّي ........ لقحتْ حربُ وائِلٍ عَنْ حيالِ


إلى أن قال :


لمْ أكُنْ من جُناتِهَا عَلمَ اللهُ ........ وإنِّي بِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالِي


وقد ضمنه شمس الدين التلمساني ، وأجاد بقوله :


وعُيونٍ أَمْرَضْنَ جسمِي وأَضْرَمْ _ نَ بقلبِي لواعِجَ البلبالِ وخُدودٍ مثل الرِّياضِ زَوَاهٍ ........ مَا لأَيَّامِ حُسْنِها مِنْ زَوَالِ لمْ أَكنْ من جُناتِها علمَ اللهُ ........ وإنِّي بِحرِّهَا اليومَ صَالِي


فصرف لفظ جُناتها عن معنى الجناية إلى معنى الجَنَى . ومن ذلك قول بعض المجان من أهل تونس في مُعَذَّر :


لا عذرَ لي إنْ لم أَهِمْ بمعذَّرٍ ........ في وَجنتيهِ فتنَةُ المتأمَّلِ خطٌّ على خدٍّ قويمٍ مثل ما ........ دَبَّتْ على الكافورِ أَرْجُلُ أَنمُلِ إنِّي منَ القومِ الذين إذا هوَوْا ........ لا يسألونَ عن السَّوَادِ المُقْبِلِ ولَدَيهمُ أنَّ العذارَ إذا بَدَا ........ ممَّا يُعَدُّ مِنَ الطّرازِ الأَوَّلِ


ضمن أعجاز بيتي حسان في آل جفنة :


يُغْشَوْنَ حتَّى ما تهرّ كلابهُمْ ........ لا يسألونَ عَنِ السَّوادِ المُقْبِلِ بِيضُ الوُجُوهِ كَريمَةٌ أحْسابهُمْ ........ شُمُّ الأُنوفِ مِنَ الطّرازِ الأَوَّلِ


فنقله من معنى المدح إلى ذكر العذار ، فأبدع ، ولا سيما البيت الثالث ، فهو نهاية في الإبداع . ومنه قول ابن الجفان الشاطبي :


للهِ قومٌ يعشَقونَ ذَوي اللّحَى ........ لا يسألُونَ عَنِ السُّوادِ المُقْبِلِ وبمُهْجَتي نَفرٌ وإنِّي منهُمُ ........ جُبِلوا على حُبِّ الطّرازِ الأوَّلِ


وقول الصلاح الصفدي :


دَبّ العذَارُ فظَنَّ فيهِ عواذلِي ........ أنِّي أكونُ عَنِ الغَرامِ بمعزِلِ لا كانَ ذاكَ فإنَّني من معشرٍ ........ لا يسألُونَ عَنِ السُّوادِ المُقْبِلِ


ومن التضمين البديع ما أنشده القاضي الخطيبُ أبو البركات لنفسه ، وكتبه على جزء فيه كلام لابن سبعين :


أَلا فَدَعوا ما قالَ عنكم فإنَّما ........ محَا السَّيْفُ ما قالَ ابنُ دَارَةَ أَجمعَا


أراد أنَّ أصحاب ابن سبعين كانوا يعبرون عنه بابن دارة ، لأنَّ شكل سبعين في رسوم الحساب الرومية هكذا 5 ، وكان ابن سبعين إذا كتب اسمه يكتب عبد الحق بن 5 ، ويرسم دائرة ، فغاص الخطيب ، وأتى بتضمين بديع لا نظير له ، وهو عجز بيت من قول الشاعر :


ولا تكثرُوا فيها اللجاجَ فإنَّهُ ........ محا السَّيفُ ما قال ابنُ دَارَةَ أَجمعَا


وهو مما جرى عندهم مثلاً ، وله قصة شهيرة . ومن التضمين البديع قول ابن الرُّومي في مأبون :


يا سائِلي عن خالدٍ ، عهدي به ........ رَطبَ العِجانِ وكفُّهُ كالجلمدِ كالأقحوان غداة غبّ سَمائه ........ جَفَّتْ أعاليهِ وأسفلهُ نَدِي


فصرف قول النابغة في وصف الثغر إلى المعنى الذي أراد . وما أحسن قول كشاجم :


يا خاضبَ الشَّيب والأَيَّامَ تظهرُهُ ........ هذا شَبابٌ لعمرُ اللهِ مَصنوعُ أَذكرْتني قَوْلَ ذي لبٍّ وتجْربةٍ ........ في مِثله لك تأديبٌ وتقريعُ إنَّ الجديد إذا ما زِيدَ في خَلَقٍ ........ تبيَّنَ النَّاسُ أَنَّ الثَّوبَ مَرْقوعُ


وقول ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب في الرشيد عمر الفوّي ، وكان به داء الثعالب وأسنانه بارزة :


أَقولُ لمعشرٍ جهلوا وغَضُّوا ........ منَ الشَّيخِ الرَّشيدِ وأَنكروهُ هُوَ ابنُ جَلاَ وطلاَّعُ الثَنَايا ........ متَى يَضَعِ العمامَةَ تَعْرِفوهُ


هو تضمين قول سحيم المار في شواهد الإيجاز :


أَنا ابنُ جَلاَ وطَلاَّع الثنَايا ........ متَى أَضعِ العمامَةَ تعرِفوني


وقد ضمنه صدر الدين بن غنوم ، فقال :


جلاَ مسوَاكُ ثغركَ خيرَ دُرٍّ ........ فجلَّ بذاكَ واكتسبَ المَزَايا وأَنشدَ صحبَهُ تيهاً وفخراً ........ أَنا ابنُ جَلاَ وطَلاَّع الثنَايا


وقال شمس الدين الحلبي فيه :


جلاَ ثغراً وأَطلعَ لي ثنايَا ........ يسُوقُ بها المحبّ إلى المَنايَا فأَنشدَ ثغرهُ يبغي افتخاراً ........ أَنا ابنُ جَلاَ وطَلاَّع الثنَايا


وضمنه الأرّجانيّ ، فقال :


تغنَّمْ صُحبتي يا صاحِ إنِّي ........ نزعتُ عن الصّبا إِلاَّ بقايا وخالِف من تنسّك من رجال ........ لَقُوكَ بأكبدِ الإبلِ الأَبايَا ولا تسلك سوى طرقي فإنِّي ........ أَنا ابنُ جَلاَ وطَلاَّع الثنَايا


وظريف قول المولى الفاضل علي بن مليك في تضمينه :


ومُذْ تاهَ الدَّليلُ وقدْ ضللنَا ........ بليلٍ ليسَ يُهْدَى سالِكوهُ فأَشرقَ وجهُ من أَهوَى ونادَى ........ أَنا ابنُ جلاَ أَلا لا تُنكِروهُ ووجهُ الصُّبحِ وافانا سريعاً ........ وقالَ وقدْ حكاهُ أَنا أَخُوهُ فقلتُ لصاحِبي أَنعمْ صبَاحاً ........ لعمركَ قدْ تَعارَفَتِ الوُجوهُ


ومن محاسن السراج الوراق في التضمين قوله :


توَارى منَ الواشي بليلٍ ذَوائبٍ ........ لهُ من جبين واضِحٍ تحتهُ فجرُ فدَلَّ عليهِ شَعرُهُ بِظلامِهِ ........ وفي اللَّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البدْرُ


نقله ابن الصائغ إلى المداعبة وزاده تورية بقوله :


تطلَّبت جحراً في الظَّلامِ فلم أَجد ........ ومن يكُ مثلي حَيَّةً دأبهُ الجحرُ فناداني البدرُ الأَديبُ إلى هنا ........ وفي اللَّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البدْرُ


ومن تضامين مجير الدين بن تميم البديعة قوله :


عاينتُ في الحمَّامِ أَسوَدَ واثِباً ........ منْ فَوْقِ أَبيضَ كالهلالِ المُسفِرِ فكأَنَّما هوَ زَوْرَقٌ من فِضَّةٍ ........ قد أثقلتهُ حُمولة من عَنبرِ


وقوله في الفانوس :


يقولُ ليَ الفانوسُ حينَ أَتَوْا بهِ ........ وفي قلبِهِ نارٌ من الوَجْدِ تُسْعَرُ خُذُوا بيدِي ثمَّ اكشفُوا الثَّوْبَ تَنظرُوا ........ ضَنَى جَسَدِي لكِنَّني أتَسَتَّرُ


وقوله أيضاً :


أَزَهْرَ اللّوزَ أنتَ لكلِّ زَهرٍ ........ منَ الأَزْهارِ يأتينا إمامُ لقدْ حَسُنَتْ بكَ الأَيامُ حتَّى ........ كأَنَّكَ في فَمِ الدَّهْرِ ابتِسامُ


وقوله أيضاً :


لو كنتَ إذْ أَبصرْتها فَوَّارَةً ........ للشَّمسِ في أَمْواجها لألاءُ لرَأَيتَ أَعجبَ ما يُرى منْ بِركةٍ ........ سالَ النضَارُ بها وقَامَ الماءُ


وقوله أيضاً :


لو كنتَ في الحمَّامِ والحِنَّا على ........ أَعطافِهِ وبجِسْمهِ لألاءُ لَرَأَيتَ ما يسبيكَ منهُ بقامةٍ ........ سالَ النضارُ بها وقامَ الماءُ


وقوله ، وهو من تضامينه البديعة :


أَفدِي الذي أَهوَى بفيهِ شارِباً ........ من بِركةٍ راقَتْ فطابَتْ مشرَعَا أَبدَتْ لعينِي وجههُ وخيالَهُ ........ فأَرَتْني القمرَينِ في وَقْتٍ معَا


وقوله وأَجاد :


وشبَّابةٍ قدْ كنتُ أَهوَى سماعهَا ........ وقد صرْتُ منها بعد ما تبتُ أَنفرُ وها أَنا قدْ فارَقْتها غيرَ نادمٍ ........ وكم مثلها فارَقتها وهيَ تصفِرُ


وقوله :


وناطقةٍ بالرّوحِ عنْ أَمرِ ربِّها ........ تعبر عمَّا عندها وتترجمُ سكتنا وقالتْ للقلوبِ فأَطرَبتْ ........ فنحنُ سكوتٌ والهوَى يتكلَّمُ


ومن تضامين الشهاب محمود البديعة قوله :


مَنْ حاتمٌ عدَّ عنهُ واطّرِحْ فَبِه ........ في الجودِ لا بِسواهُ يُضربُ المثلُ لوْ مُثّلَ الجودُ سَرْحاً قال حاتمهمْ ........ لا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جَمَلُ


وما أحسن قول ابن العفيف التلمساني :


قالوا غداً تندَمُ عن لثمهِ ........ في خدِّهِ إذْ يغلبُ السكرُ فقالَ لي مبسمهُ دَعهُمُ ........ اليوْمَ خَمْرٌ وغداً أَمرُ


وما أحسن قول العز الموصلي :


لحديثِ نبْتِ العارضين حلاوَةٌ ........ وطَلاوَةٌ هامتْ بها العُشَّاقُ فإذا نهاني المردُ قلتُ تمهَّلوا ........ فإليكمُ هذا الحديث يُساقُ


وقول ابن نباتة :


ومُذْ كلَّمَتْ قلبي سيوفُ لحاظها ........ شكوت إليها قصَّتي وهي تبْسمُ فلم أرَ بدْراً ضاحِكاً قبلَ وجهها ........ ولمْ ترَ قَبلي ميتاً يتكلَّمُ


وقول ابن تميم :


إنْ تاهَ ثغرُ الأَقاحي إذ نشبهه ........ بثغر حُبّكَ واستولى به الطَّرَبُ فقلْ لهُ عندَما يحْكيهِ مُبْتَسماً ........ لقَدْ حكيتَ ولكنْ فاتكَ الشَّنَبُ


وهذا المصراع الأخير لابن الخيمي ، من قصيدة طنَّانة ، مطلعها :


يا مطلباً ليْسَ لي في غيرِهِ أَرَبُ ........ إليكَ آلَ التقصِّي وانتهى الطَّلبُ وما طَمحْتُ لمرْأَى أَو لمستمعٍ ........ إِلاَّ لمعنًى إلى علياكَ ينْتسبُ وما أَرانيَ أَهلاً أَنْ تواصلني ........ حسبي علوًّا بأنِّي فيكَ مُكتئبُ لكنْ ينازِع شوْقي تارةً أَدبي ........ وأطلبُ الوصلَ لمَّا يضعفُ الأَدبُ ولستُ أَبرحُ في الحالين ذا قَلَقٍ ........ نامٍ وشوقٍ لهُ في أَضْلُعي لَهَبُ ومَدْمع كلَّما كفكفْتُ أَدْمعهُ ........ صَوْناً لذكركَ يعصيني ويَنسكبُ


إلى أن قال :


والَهْفَ نَفْسي لو يجدي تَلَهُّفُهَا ........ غوثاً ووَاحَرَبَا لو ينفعُ الحَرَبُ يمضي الزَّمانُ وأَشْواقي مُضاعَفَة - ........ يا للرجالِ ولا وصل ولا سَبَبُ يا بارقاً بأَعالي الرَّقمتين بدَا ........ لقد حكيْتَ ولكن فاتكَ الشَّنَبُ


وهي قصيدة بليغة بارعة متناسقة في الحسن والعذوبة ، وكان لمَّا فرغ منها كتبها في ورقة ، وأومأ بيده ليضعها في جيبه ، فسقطت ، فمرَّ ابن إسرائيل على أثره ، فرآها وقرأها فأعجبته وادَّعاها لنفسه ، وبلغ ابن الخيمي ذلك فالتهبت ناره ، وامتنع قراره ، وجدَّ في استرجاع ابن إسرائيل عن ادعائها ، وهو مُصِرٌّ على ذلك ، فتراضيا على تحكيم ابن الفارض ، والتسليم إليه من غير معارض فلمَّا عرضا عليه أمرهما أَمر كل واحد منهما أَن ينظم في وزنها ، فذهبا ثمَّ أتياه ، فأنشد ابن الخيمي أبياتاً منها :


مَنْ مُنْصفي من لطيف منهمُ غنِجٍ ........ لَدْنِ القوامِ لإسْرائيل يَنْتَسِبُ مُبَدِّل القول ظلماً لا يفي بمَوَا _ عيد الرِّجال ومنْهُ الذنب والغضبُ في لَثْغةِ الرَّاء منهُ صدقُ نسبتهِ ........ والمنُّ فيه بزورِ الوَعدِ ، والكذبُ فمنْ عجائبهِ حدِّثْ ولا حرَجٌ ........ ما ينتهي في المليحِ المنطِقِ العَجَبُ


وأَنشده ابن إسرائيل أبياتاً منها :


يا بارِقاً ببراقِ الحزنِ لاحَ لنا ........ أَأَنْتَ أَم أَرسَلَتْ أَقمارَها النقبُ ويا نَسيماً سَرَى والمِسك يَصْحبُهُ ........ أَجُزْتَ حيث مَشَينَ الخرّدُ العربُ أَقْسَمْتُ بالمقسمات الزهر تحجُبُها ........ زهرُ العَوَالي والخطِّيَّةُ القُضبُ لكدت تشبهُ برقاً من ثغورِهمُ ........ يا درَّ دَمعيَ لولا الظّلمُ والشَّنَبُ


فنظر ابن الفارض إلى ابن إسرائيل نظر الازدراء ، وقد كاد يرمي قصيدته بالعراء ، وقال له :


لقدْ حكيْتَ ولكنْ فاتكَ الشَّنَبُ


فقضى له ، وتركه نادماً يعض يديه . وقد ضمنه بعضهم أيضاً بقوله :


ويا غزالاً حكى معنى جَمَالهم ........ لقد حكيتَ ولكنْ فاتَكَ الشَّنَبُ


وألم به أبو الثناء محمود الحلبي فقال :


يا بارق الثَّغر لو لاحَتْ تغورُهُمُ ........ وشِمْتَ بارقها ما فاتَكَ الشَّنَبُ


وما أحسن قوله بعده :


ويا حياً جادَهُمْ إنْ لم تكن كلِفاً ........ ما بالُ عيْنَيْكَ منها الماء ينْسكبُ ويا قضيبَ النَّقا لو لم تجد خيراً ........ عند الصبا منهُم ما هزَّكَ الطَّرَبُ


والصلاح الصفدي بقوله :


يا برقُ لا تبتسم من ثغره عجباً ........ فقد فاتَ معناكَ منْهُ الظّلْمُ والشَّنَبُ


وابن فضل الله بقوله :


يا بَرْقَ واحْكِ وَميضاً من ثغورهم ........ وما عليك إذا ما فاتَكَ الشَّنَبُ


رجعنا إلى التضمين . ومنه قول إبراهيم الإشبيلي المهتدي :


تأمَّلْ لظى شَوْقي وموسى يَشُبُّهُ ........ تجدْ خير نارٍ عندها خير مُوقِدِ


ولطيف قول ابن عبد ربه :


إنَّ الغواني إنْ رَأَيْنَكَ طاوياً ........ بُرْد الشَّباب طَوَيْنَ عنكَ وصالاَ وإذا دعوْنكَ عمهنَّ فإنَّهُ ........ نسبٌ يزيدك عندهنَّ خَبالاَ


وقول بعضهم :


كانتْ بَلهنِيَةُ الشَّبيبَةِ سكرةً ........ فصحوْتُ واستبدلت سيرَةَ مُجْمِلِ وقعدت أنتظر الفناء كراكب ........ عَرف المحلَّ فباتَ دونَ المنزلِ


وقد ضمنهم بعضهم مجوناً :


قالوا وقد بصرُوا بأيري نائماً ........ عندَ الدبيبِ إليهِ رِخْوَ المفصلِ ماذا عراهُ فقلتُ سارِي ليلةٍ ........ عرف المحلَّ فباتَ دونَ المنزلِ


ولابن نباتة فيه :


يا ربّ ليلٍ بتُّ فيهِ منعَّماً ........ برشيقةٍ تَعْيا بردْفٍ مثقلِ أيري بجانب كسّها في حجرها ........ عرفَ المحلَّ فباتَ دونَ المنزلِ


وقول القاضي محي الدين بن عبد الظاهر :


لقدْ قالَ لي إذ رُحْتُ من خمرِ ريقهِ ........ أَحثُّ كؤوساً من أَلذ مُقَبَّلِ بِلثمِ شِفاهِي بعدَ تَقبيل مبسمي ........ تنقلْ فلَذَّاتُ الهوى في التّنقّلِ


وهذا المصراع الأخير لأبي عبد الله بن أبي الفضل السلمي المرسي من أبيات ، هي :


تَنَقَّلْ فلذَّاتُ الهوى في التَّنقُّلِ ........ ورِدْ كلّ صافٍ لا تقفْ عندَ مَنْهَلِ وإنْ سارَ من تهوى فسرْ عن جنابه ........ ولا تسكُبَنْ دمعاً على مُتَرَحِّلِ ولا تعتبرْ قولَ امرئ القيْس إنَّهُ ........ ضليلٌ ومَن ذَا يقتدِي بالمُضَلَّلِ ففي الأَرضِ أَحبابٌ وفيها منازِل ........ فلا تبكِ من ذكرى حَبيبٍ ومنزلِ


ومن ظريف التضمين قول البدري المنبجي :


ولمَّا خلوْنا والمسرَّة بيننا ........ وقد عزَّ شُرْبُ الرَّاح فينا على الشَّرْبِ تعوضَ كل بالحشيش عن الطلا ........ ومنْ لم يجد ماء تيممَ بالتربِ


وقول السراج الوراق يهجو بخيلاً :


وباخل يَشْنأُ الأَضيافَ حلَّ بهِ ........ ضيفٌ من الصَّفْعِ نَزَّال على القِمَمِ سألتهُ ما الَّذي تشكو فأَنشدَني ........ ضيفٌ ألمَّ برأْسي غيرَ محتشمِ


وقول الصلاح الصفدي :


قلْ للرَّقيبِ يَسترح من رَصَدي ........ ما أصبحَ المعْشُوقُ عندي مشتهَى وارتَدَّ عنْ سيوف لحظه ........ وكلُّ شيءٍ بلَغَ الحدَّ انتهَى


وقول ابن نباتة :


أَلا فاسْقِني من خمرة لذَّ طَعْمها ........ بفيكَ ولا تبخَلْ وقُلْ لي هي الخمرُ وحُطَّ لثاماً حجبَ اللَّثمَ عن فمي ........ فلا خير في اللَّذاتِ من دونها سترُ


وقد أخذ الصلاح الصفدي هذا التضمين من ابن نباتة وإن كان في معنى آخر ، فقال :


لقدْ كنتُ في لذَّاتِ ثغرك هائماً ........ ليالِيَ لمْ يُمْنَعْ على عاشق ثَغْرُ فأمَّا وسترٌ دُونها من شواربٍ ........ فلا خيرَ في اللَّذاتِ من دُونها سترُ


وما أحلى قول الصلاح الصفدي مضمناً ومكتفياً :


رَشفت ريقك حلواً ........ فلمْ يكنْ ليَ صبْرُ وسوفَ أَحْظَى بوَصْلٍ ........ وأَوَّل الغَيثِ قَطْرُ


ومن الغايات هنا ما كتب به شيخ شيوخ حماة إلى السيف الآمدي ، وهو :


لئنْ تقدَّكَ قومٌ عَصرَ سيِّدنا ........ فكمْ تقدَّمَ خيرَ المرسلينَ نبِي وإنْ يكنْ عِلمُهُ فَرْعاً لعلمهمُ ........ فإنَّ في الخمرِ معنًى ليسَ في العنبِ وإنْ أَتتْ قبلهُ كُتبٌ مؤلَّفة ........ فالسيفُ أَصدقُ أنباءً من الكتبِ


وقول البدر بن الصاحب :


للهِ يومُ الوَفَا والنَّاسُ قدْ جُمِعُوا ........ كالرَّوضِ تطفُو على نَهْرٍ أَزَاهرُهُ والوَفاءِ عَمُودٌ مِنْ أَصابعهِ ........ مخلَّقٌ تَملأُ الدُّنيا بَشَائِرُهُ


وقول البرهان القيراطي :


قلْ في اخضِرارِ عِذارِهِ وقَوَامهِ ........ خلعَ الرَّبيعُ على غُصُونِ البَانِ وانشُرْ مِنَ الأَغزال في أَرْدافهِ ........ حُللاً فَواصلها على الكُثْبانِ


وقوله في بادهنج :


بِروحِيَ أَفْدي بَادَهَنْجاً مُوكلاً ........ بإطْفاءِ ما نلقاهُ من حُرَقِ الجَوَى إذا فُتِحَتْ في الحرِّ منهُ طَرَائقُ ........ أَتانِي هَوَاها قبلَ أنْ أَعْرِفُ الهَوَى


وقوله فيه أيضاً :


أَيا بادَهَنْجاً صحَّ فيهِ لنا الهَوَى ........ صِفاتُكَ ما وَفَّى بِهنَّ خِطابُ وما شئتُ إِلاَّ أنْ أَدُلُّ عَواذِلي ........ على أَنَّ رأْيي في هَوَاكِ صَوَابُ


وقال ابن حجلة فيه ، وأجاد :


هَجَا الشُّعَراءُ جُهْلاً بادَهَنْجي ........ لأنَّ نسيمَهُ أبداً عليلُ فقالُ البادَهَنجُ وقدْ هَجَوْهُ ........ إذا صحَّ الهَوَى دَعهُم يَقُولوا


وما أحسن قول القيراطي في موسوس :


ومَوْسوسٍ عندَ الطَّهارَةِ لم يزلْ ........ أَبداً على الماءِ الكثير مُوَاظبَا يَستصغرُ البحْرَ الكبيرَ لذقنهِ ........ ويَظُنُّ دِجلةَ ليسَ تكفي شارِبَا


وقول ابن حجلة غاية هنا :


قلْ للهلال وسُحبُ الجو تسترُهُ ........ حكيتَ طلعَةَ من أَهْواهُ بالبَلَجِ لكَ البشارَةُ فاخلعْ ما عليكَ فقدْ ........ ذكرت ثمَّ على ما فِيكَ من عِوجِ


وقول العلاء بن أيبك الدمشقي :


أَقولُ وقدْ ظمئْتُ ووجهُ حبِّي ........ لهُ عَرَقٌ على وَرْدِ الخُدودِ أَرى ماءً وبي ظمأٌ شديدُ ........ ولكنْ لا سبيلَ إلى الوُرودِ


وما أحسن قول البدر الزغاري :


وبِي سَامريّ مَرَّ بي في عِمامَةٍ ........ قد اكتسبَتْ من وَجنتيهِ احْمِرارها مُورَّدَةٍ دارَتْ بوجهٍ كأَنَّما ........ تناوَلها مِنْ خَدِّهِ فأَدارَها


وما أَبدع قول ابن أبي حجلة :


ومتَى امْتطيْتَ منَ الكؤوسِ كميتهَا ........ أَمْسَيْتَ تمسِي في المسرَّةِ رَاكبَا ومتَى طَرَقْتَ عَشِيَّ أنس ديرَها ........ لمْ تلقَ إِلاَّ راغِباً أَوْ رَاهِبَا


وقوله في الفانوس غاية هنا :


أَنا في الدّجا أَلقى الهَوَى وبمهْجتي ........ حُرَقٌ يَذُوبُ لها الفؤادُ جميعهُ فكأَنَّني واللَّيل صَبٌّ مغرمُ ........ كتمَ الهَوَى فوَشَتْ عليهِ دُموعهُ


وقوله أيضاً فيه :


يحكي سَنَا الفانوسِ حينَ بدَا لنَا ........ برْقاً تأَلَّقَ موْهناً لمعانهُ فالنَّار ما اشتَمَلتْ عليهِ ضلوعهُ ........ والماءُ ما سحَّتْ به أَجفانهُ


وقوله أيضاً ، وهو بديع :


يا صاحِبِي حضَرَ الشَّرابُ ومنْيتي ........ وحظيتُ بعدَ الهَجْرِ بالإيناسِ وكسَا العذَارُ الخدَّ حُسْناً فاسْقِني ........ واجْعَلْ حديثكَ كلّهُ في الكاسِ


وظريف قول محي الدين بن قرناص الحموي :


أَفدِيهِ أَغيدَ زارَني تحْتَ الدُّجَا ........ وعليهِ منْ رعيهِ ليلٌ ساجِي والفَرْقُ بين الشعر فوق جبينهِ ........ عُرْيانُ يمشي في الدُّجَا بسرَاجِ


ومن غاياته هنا قوله في كاحل يسمَّى بالشمس :


دَعُوا الشَّمسَ من كَحْلِ العُيون فكفّهُ ........ يسوقُ إلى الطَّرْفِ الصَّحيح الدَّوَاهِيَا فكمْ أَذْهَبَتْ مِنْ ناظرٍ بسَوَادهِ ........ وخَلَّتْ بياضاً خلفَها ومآقِيا


وما أملح قول ابن الوردي :


لوَجْنةِ صَيَّادكم نُسْخَة ........ خريريَّةٌ ملحة في الملح تقولُ لنَبْتِ العذار اجْتهد ........ ومُدُّ الشّباكَ وصِدْ من سنح


ومثله لابن أبي حجلة ، ونقله إلى معنى آخر :


غَدَا طيرُ أَفْراخنا سانحاً ........ يَحومُ على عذبِ وردِ القدحْ فقلنا لدرّ الحَبَاب اجْتهدْ ........ ومدَّ الشّباكَ وصِدْ من سَنَحْ


وقد تضمن هذا الكتاب من فنّ التضمين ما هو ضامن لكل أديب الاستغناء به ، إن شاء الله تعالى .


وابن أبي الأصبع : هو زكي الدين عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن أبي الأصبع ، العدواني ، المصري ، الشاعر المشهور ، الإمام في الأَدب ، صاحب التصانيف الحسنة فيه ، منها : تحرير التحبير في البديع ، وكتاب : بديع القرآن وكتاب : الجواهر السوانح ، في سرائر القرائح ، وغير ذلك ، وله شعر رائق ، منه :


ولمَّا اعتَنَقْنا رَدَّ دَمعي لنحرها ........ وَدِيعتها فهيَ اللآلي التي تُرَى بكتْ ورنَتْ نحوي فجرَّدَ لحظها ........ مِنَ الجفْنِ سيفاً بالدُّموعِ مُجَوْهَرا


ومنه من قصيدة ، يمدح بها الملك الأشرف موسى :


فضحتَ الحيَا والبحرَ جُوداً فقدْ بكَى ال _ حَيَا منْ حياءٍ منكَ والتطَمَ البحرُ


ومنها :


عُيُون معانيها صحَاحٌ وأعينُ ال _ ملاحِ مراضٌ في لواحظها كسرُ هي السّحرُ فاعجبْ لامرئٍ جاءَ يبتغِي ........ عَوَاطِفَ مِنْ مُوسَى وصَنعتُهُ السّحرُ


ومنه :


انتخبْ للقريضِ لفظاً رَقيقاً ........ كنسيمِ الرِّياضِ في الأَسحَارِ فإذا اللفظُ رَقَّ شفّ عَنِ المَعْ _ نَى فأَبْداهُ مِثلَ ضَوْءِ النَّهارِ مثلَ ما شَفَّتِ الزجاجة جسماً ........ فاختفَى لوْنها بلوْنِ العُقَارِ


ومنه في ذمّ قيم حمام :


وقَيّم كلمَتْ جسمي أَنَامِلُهُ ........ بغيرِ أَلْسنةٍ تَكليمَ خرصَانِ إنْ أمسَكَ اليد منِّي كادَ يكسرُها ........ أَو سرَّحَ الشعرَ منْ فَوْدَيَّ أَدْمانِي فليسَ يُمْسكُ إمْساكاً بمعرفَةٍ ........ ولا يُسَرِّحُ تَسْريحاً بإِحْسانِ


ومنه في وصف فرس أدهم محجل :


وأَدهَمَ جارَى الشَّمْسَ في مِثْلِ لَوْنِهِ ........ مِنَ المغرِبِ الأَقصَى إلى جانِبِ الشَّرْقِ فوافَى إليهِ قبْلَهَا مُتَمَهِّلاً ........ فأَعطاهُ من أَنْوارِهِ قَصَبَ السَّبْقِ


ومنه :


رَأَيتُ بِفيهِ إذ تَبَسَّمَ أَدْمُعاً ........ فقلتُ رَثَى لِي إذ بَكَى فمُهُ حُزنَا أَجادَ لهُ في النَّظْمِ شاعِرُ ثغرهِ ........ ولكنَّهُ مِنْ مُقلتي سَرَقَ المَعْنَى


ومحاسنه كثيرة ، وعاش نيفاً وستين سنة ، وكانت وفاته بمصر ، في الثالث والعشرين من شوال ، سنة أربع وخمسين وستمائة ، وحضر السراج الوراق مع عفيف الدولة التلمساني بن عدلان وأبي الحسين الجزار قبر الزكيّ المذكور ، وكانا قد كتماه أَن ذلك اليوم مأتمه ، وكتماه قصيدتين في رثائه ، فقال السراج الورَّاق :


ماذا أَقولُ وقد أَتانا راثِياً ........ ملكُ النحاةِ وسيِّدُ الشّعراءِ رَثيَاكَ بالدُّرِّ النَّظيمِ فهذِهِ ........ للدَّالِ قافيةً وتلكَ لِرَاءِ وتوخَّيا نثرَ العقيقِ مَدَامِعاً ........ إذ كنتَ لم تنصفْ بنظمِ رِثَاءِ يا مَنْ طَوَى بفضائلٍ وفواضلٍ ........ ذِكرين للطائي بعدَ الطائِي غادَرْتني وأَنا الحَبيبُ مَودَّةً ........ صَبًّا قدِ استَعذَبتُ ماءَ بُكائِي ما بالُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ ........ وجِيفَةٌ آخِرُهْ يَفْخَرُ


البيت لأبي العتاهية ، من قصيدة أوَّلها :


وَاعَجباً للنَّاسِ لوْ فَكَّروا ........ وحَاسَبوا أَنفسهمْ أَبْصَروا وعَبَروا الدُّنيا إلى غيرِها ........ فإنَّما الدُّنيا لهم معبرُ الخيرُ ممَّا ليسَ يخفى هو ال _ معروف والشَّرُّ هو المنكرُ والموعد الموت وما بعده ال _ حشر فذاكَ الموعدُ الأَكبرُ لا فخر إِلاَّ فخر أهل التُّقى ........ غداً إذا ضَمَّهُمُ محشرُ ليعلمنَّ النَّاسُ أنَّ التّقى ........ والبرّ كانا خيرَ ما يُذْخَرُ عجبتُ للإنسان في فَخْرهِ ........ وهو غداً في قبرهِ يقبرُ


وبعده البيت ، وبعده :


أَصبحَ لا يملكُ تقديمَ ما ........ يرجُو ولا تأخيرَ ما يَحْذَرُ وأَصبحَ الأَمرُ إلى غيرهِ ........ في كلِّ ما يقضي وما يقدرُ


والشاهد فيه : العقد ، وهو : أن ينظم الشاعر نثراً ، قرآناً كان أو حديثاً أو مثلاً ، أو غير ذلك ، لا على طريق الاقتباس . فهذا البيت هو عَقْدُ قول عليّ كرَّم الله وجهه : "وما لابن آدم والفخر ؟ وإنَّما أوَّله نطفة وآخره جيفة" . ويروى أنَّ مطرّف بن عبد الله الشَّخِّير نظر إلى يزيد بن المهلَّب ، وهو يمشي في حُلَّة يَسحبها ، فقال له : ما هذه المِشْية التي يُبغضها الله تعالى ورسوله ؟ ! فقال يزيد : أَما تعرفني ؟ قال : بلى ، أَوَّلك نطفة مَذِرة ، وآخرك جيفة قذرة ، وأنت بين ذلك حامل العذرة .


وقد نظم هذا المعنى الشيخ أبو محمد الخوارزمي ، فقال :


عَجبتُ من مُعْجَبٍ بصورَتِهِ ........ وكانَ من قبلُ نطفةً مَذِرَهْ وفي غدٍ بعدَ حُسْنِ صورتهِ ........ يصيرُ في الأَرضِ جيفةً قَذِرَهْ وهو على عُجبهِ ونخْوَتِهِ ........ ما بينُ ثوْبيهِ يحملُ العَذِرَهْ


ومثله قول الفقيه منصور المصري :


تتيهُ وجسْمكَ من نطفَةٍ ........ وأَنتَ وعاء لما تعلَمُ


وقول المؤتمن الأدفوي :


هل النَّفْسُ إِلاَّ نطفة من مشيمة ........ نمت بدَمِ الأَحشاء شَرَّ نَماءِ وهل هوَ إِلاَّ ظرف بولٍ وغائط ........ ولوْ أنَّهُ يُطْلَى بكلِّ طلاءِ كنيفٌ ولكنْ سدّدت جدراته ........ بظلِّ قميصٍ واستتار رداءِ


وقول الآخر :


أَرَى أولادَ آدم أَبْطَرَتْهُمْ ........ حظوظُهُمُ مِنَ الدُّنيا الدَّنِيَّهْ فَلِمْ بطرُوا وأَوَّلهم مَنيّ ........ إذا افتَخَرُوا وآخرهم منيَّهْ


وقول الفقيه منصور المصري :


قلتُ للمعجب لما ........ قالَ : مثلي لا يُرَاجعْ يا قريبَ العهدِ بالمخ _ رجِ لم لاَ تتَواضَعْ


ومثله قول ذي النون المصري رضي الله عنه :


أَيُّها الشامخُ الذي لا يُرامُ ........ نحنُ من طينةٍ عليكَ السَّلامُ إنَّما هذه الحياة مَتَاعٌ ........ ومَعَ الموتِ تَسْتَوِي الأَقْدامُ


ومن أمثلة العقد من القرآن قول أبي نواس :


بروحي غَزَالٌ كان للنَّاسِ قِبْلَةً ........ وقد زُرْتُ في بعضِ اللَّيالي مُصَلاَّهُ ويقرأُ في المحرابِ والنَّاس خلفَهُ ........ ولا تَقْتُلوا النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ فقلتُ تأَمَّلْ ما تقولُ فإنَّها ........ فعالك يا مَنْ تقتلٍ النَّاسَ عَيْناهُ


وقول الآخر :


أَنِلْني بالذي استقرضت حَظًّا ........ وأَشهد مَعْشَراً قد شاهَدُوهُ فإنَّ الله خلاَّقُ البَرايا ........ عَنَتْ لجَلالِ هَيْبَتِهِ الوجوهُ يقولُ إذا تَدَايَنْتُمْ بدَيْنٍ ........ إلى أَجلٍ مسمّى فاكتبُوهُ


وقول أبي نصر سهل بن المرزبان :


لا تَجْزَعَنْ من كلِّ خَطْبٍ عَرَى ........ ولا تُرِ الأَعداء ما يُشْمِتُ أَمَا سمعتَ الله في قولهِ ........ إذا لقيتمْ فئةً فاثبُتُوا


وقول أبي محمد العبدلكاني :


لا تكرهن خَلْقاً على مَذْهَبٍ ........ لَسْتَ من الإرشادِ في شيِّ أَلم تَرَ الرحمنَ سُبْحانَهُ ........ المخْرِجَ للميتِ منَ الحيِّ يقولُ لا إكراهَ في الدِّينِ قَدْ ........ تبيَّنَ الرُّشْدُ من الغيِّ


وقول المطوعي :


غَدَا منذ التَحَى ليلاً بهيماً ........ وكانَ كأَنَّهُ البَدْرُ المنيرُ فقدْ كتبَ السَّواد بعارضيه ........ لمن يَقْرا وجاءكم النَّذيرُ


وقوله :


تكبَّرَ لمَّا رأَى نَفْسَهُ ........ على صُورَةِ الشَّمسِ صُوِّرَتْ سَيَنْدَمُ أَلفاً على كِبرِهِ ........ إذا الشمس في خدِّه كُوِّرَتْ


وقول ابن الصابوني الإشبيلي :


رأَيْتُ في خدِّهِ عِذاراً ........ خلَعْتُ في حبِّهِ عِذَاري قد كتبَ الحسنُ فيهِ سطْراً ........ ويُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ


وقول ابن يعمور :


خَطْبٌ أتى مسرعاً فآذى ........ أَصبحَ جِسمي به جُذَاذَا خَصَّصَ قلبي وعَمَّ غيري ........ يا لَيْتَني متُّ قبلَ هذَا


وقول أبي الحسين الجزَّار :


أَصبحتُ جزَّاراً وفي البيتِ لا ........ أَعْرِفُ ما رائحَةُ اللَّحْمِ جَهِلْتُهُ فقراً فكنتُ الَّذي ........ أَضلَّهُ الله على عِلْمِ


ولمؤلفه في غرض عرض :


أَرى الضَّحايا قُسِّمَتْ في الوَرَى ........ وضاعَ فيما بَيْنَهُم قِسْمي وكلُّ من يَعْلَمُ حالي فقدْ ........ أَضلَّهُ الله على عِلْمِ


وقول ابن جابر الأندلسي :


يا صاحبَ المالِ أَلمْ تَسْتَمعْ ........ لقولهِ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ فاعمل بهِ خيراً فوالله ما ........ يبقى ولا أَنتَ لهُ تخلُدُ


وقوله أيضاً :


إذا شئتَ رزقاً بلا حِسْبَةٍ ........ فلذْ بالتّقي واتَّبعْ سبلهُ وتصديقُ ذلك في قولهِ ........ ومَنْ يتقِّ الله يَجْعَلْ لهُ


وقول أبي جعفر الأندلسي :


إذا ظَلَمَ المرءُ فامهل لهُ ........ فبالقُرْب يُقْطَعُ منهُ الوتينُ فقد قالَ ربّكَ وهو القويّ ........ وأملى لهم إنَّ كَيْدِي مَتينُ


ومن العقد في الحديث قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه :


عُمْدَةُ الخيرِ عندنا كلماتٌ ........ أَرْبعٌ قالهنَّ خيرُ البريَّهْ اتَّقِ المشبهات وازهَدْ ودَعْ ما ........ لَيْسَ يَعنيكَ واعملنَّ بنيهْ


فهو عقد قول النبي صلى الله عليه وسلم "الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، وبينهما أُمور مشتبهات" وقوله "ازهد في الدُّنيا يحبّك الله" وقوله "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقوله "إنَّما الأَعمال بالنيَّات" .


ومنه قول بعضهم ، وهو عبد المحسن بن محمد الصوري :


وأَخٌ مَسَّهُ نزولي يقَرْحٍ ........ مثل ما مسَّني من الجوعِ قَرْحُ قيلَ لي إنَّهُ جَوَادٌ كريمٌ ........ والفتى يعتريه بخلٌ وشحُّ بِتُّ ضيفاً لهُ كما حكمَ الدَّهْ _ رُ وفي حكمه على الحرِّ قُبْحُ قال لي إذ نزلت وهو من الخم _ رة سكرانُ طافحٌ ليسَ يَصْحو لم تغربْتَ ؟ قلت : قال رس _ ول الله والقول منه نصحٌ ونُجْحُ سافروا تغتنموا فقال : وقد قا _ لَ تمام الحديث صوموا تصحُّوا قلت : فالصَّوْمُ لا يصحُّ بليلٍ ........ قال : إنَّ الوِصالَ فيهِ يَصِحُّ


وقول ابن خلكان :


انظُرْ إلى عارضِهِ فَوْقهُ ........ لحاظُهُ تُرْسل منها الحتوفْ تشاهِدِ الجنَّة في وجههِ ........ لكنَّها تحتَ ظلال السُّيوفْ


وقول ابن نباتة المصري :


أَقولُ يمن يَتَشَكَّى الخطوبَ ........ ويحذَرُ من مُوبقات الصُّرُوفْ عليكَ بأَبوابِ سَيْفِ العُلا ........ مَلاذِ الفقير وأَمْنِ المخوفْ تجدْ ظلّه جنَّةً والجنانُ ........ بلا شك تحت ظلال السُّيوفْ


وقول الحلي :


مُتْ شهيداً في غَزالٍ ألوفِ ........ ليِّنِ الأَعطافِ غيْر عَطُوفِ خَدُّهُ دون ظُبَا مُقْلَتَيْهِ ........ جنَّة تحت ظلال السيوفِ


وقول ابن جابر :


عمل إن لم يوافق نيَّةً ........ فهوَ غَرْسٌ لا يُرى منهُ ثمر إنَّما الأَعمالُ بالنيَّات قد ........ نصّه عن سيد الخلق عمر


وقول أبي جعفر


من سلم المسلمون كلهمُ ........ وأمنوا من لسانه ويدهْ فذلكَ المسلم الحقيقُ بذا ........ جاءَ حديث لا شكَّ في سَنَدِهْ


وقول ابن عبد القدوس :


إذا وَتَرْتَ أمراً فاحْذَرْ عَوَاقبهُ ........ من يَزْرَع الشَّوك لم يَحصدْ به عنبا


فهو عقد قول عيسى عليه السلام "تعملون السيئة وترجون أن تجازوا بما يجازى به أهل الحسنات ، أجل لا يجتنى من الشوك العنب" .


وقول أبي تمام :


وقال عليّ في التَّعازي لأشْعَثِ ........ وخافَ عليهِ بعضَ تلكَ المآثمِ أَتصبرُ للبلوى عزاءً وحِسبَةً ........ فتؤجَرَ أم تسلو سُلُوَّ البهائمِ


فهو عقد قول علي رضي الله عنه في كلام عزَّى به الأَشعث بن قيس في ولده وهو : "إن صبرت صبر الأحرار ، وإلاَّ سلوت سلوّ البهائم" .


ومن عقد الحكم قول أبي العتاهية :


كفى حَزَناً بدفنك ثمَّ أنِّي ........ نَفَضْتُ تراب قبركَ عن يدَيَّا وكانتْ في حياتكَ لي عِظات ........ وأنت اليومَ أَوعظُ منك حيَّا


وهذان البيتان من جملة أبيات قالها في مرثية علي بن ثابت الأَنصاري ، أولها :


أَلا مَنْ لي بأُنْسِكَ يا أخيَّا ........ ومَنْ لي أن أَبَثَّكَ ما لديَّا طَوَتْكَ خُطُوب دهرك بعد نَشْرٍ ........ كذاك خُطُوبه نشراً وطَيَّا فلو سَمَحَتْ بردِّكَ لي اللَّيالي ........ شكوت إليك ما اجْتَرَمَتْ إليَّا بكَيْتُكَ يا عليُّ بدرِّ عيني ........ فلم يُغْنِ البكاء عليكَ شيَّا


وبعده البيتان ، والأخير منهما عقد قول أرسطا طاليس يندب الاسكندر وقد أُتي به ميتاً في تابوت : قد كان هذا الشخص واعظاً بليغاً ، وما وعظ بكلامه موعظة قط أبلغ من موعظته بسكوته .


وقول أبي العتاهية أيضاً في المرثي أولاً :


يا عليُّ بنَ ثابتٍ بانَ منى ........ صاحبٌ جلّ فَقْدُهُ يوم بنْتَا قد لَعَمري جَلَبْتَ لي غصَصَ المو _ ت وحرَّكتني لها وسكَنْتَا


فهو عقد قول مؤدب الاسكندر ، فإنَّه لمَّا مات بكى مَنْ حضره فقال مؤدبه : حركتنا بسكونك . وقول بعضهم :


أَصْلي وفَرْعي فارَقاني معاً ........ واجْتُثَّ من حَبْلِهما حَبْلي فما بقاءُ الغُصْنِ في ساقِهِ ........ بعد ذهابِ الفَرْعِ والأَصلِ


فهو عقد قول حكيم : لقد مات أبوك وهو أصلك ، وابنك وهو فرعك ، فما بقاء شجرة ذهب أصلها وفرعها ؟ . ومثله قول عبد الله بن عبد الأعلى النحوي :


صَحِبْتُكَ قبلَ الرُّوح إذ أنا نُطْفَةٌ ........ مُصان فلا يبدو لخلق مَصُونُها فماذا بَقاء الفَرْع من بعدِ أصلِهِ ........ سَتَلْقى الذي لاقَى الأُصول غُصُونُها


وللمتنبي في عقد الحكم ساعد شديد ، فلنذكر من محاسنه طرفاً صالحاً من ذلك ، فمنه قوله :


وإذا كانت النفوسُ كباراً ........ تعبت في مُرادها الأَجسامُ


عقد قول أرسطا طاليس : إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان تلاف النفس دون بلوغها . وقوله :


بذا قَضَتِ الأَيَّام ما بين أهلها ........ مصائِبُ قومٍ عند قومٍ فوائِدُ


عقد قول أرسطا طاليس : الزمان ينشئ ويلاشي ، ففناء كل قوم سبب لكون قوم آخرين . وقوله :


والهَجْرُ أَقْتَلُ لي ممَّا أُحاذرُهُ ........ أَنا الغريقُ فما خوفي من البَلَلِ


عقد قول أرسطا طاليس : من علم أنَّ الفناء مستولٍ على كونه هانت عليه المصائب . وقوله :


وما الحسنُ في وجهِ الفتَى شرفاً لهُ ........ إذا لم يكن في لَفْظِهِ والخلائقِ


عقد قول أرسطا طاليس وقد نظر يوماً إلى غلام حسن فاستنطقه فلم يجد عنده علماً ، فقال : نعم البيت لو كان فيه ساكن . وقوله :


من يَهنْ يَسْهُلِ الهَوانُ بهِ ........ ما لجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ


عقد قول أرسطا طاليس : النفس الذليلة لا تجد ألم الهوان ، والنفس العزيزة يؤثر فيها يسير الكلام . وقوله :


وإذا لم يكنْ من الموتِ بُدٌّ ........ فمنَ العجزِ أن تمُوتَ جبانَا


عقد قول أرسطا طاليس : خوف وقوع المكروه قبل تناهي المدة خَوَرٌ في الطبيعة . وقوله :


ولم أَرَ في عُيوب النَّاس شيئاً ........ كنقصِ القادرينَ على التمامِ


عقد قول أرسطا طاليس : أعجز العجزة من قدر أن يزيل العجز عن نفسه فلم يفعل . وقوله :


ومن ينفق الساعات في جمعِ مالهِ ........ مخافَةَ فَقْرٍ فالذي فَعَلَ الفَقْرُ


عقد قول أرسطا طاليس : من أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد أسلم نفسه للعدم . وفي هذا القدر كفاية .


إذا ساءَ فِعْلُ المرءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ ........ وصَدَّقَ ما يَعْتادُهُ من تَوَهُّم


هو للمتنبي ، من قصيدة من الطويل ، قالها في كافور الإخشيدي ، وكان قد دخل عليه يوماً فلمَّا نظر إليه وإلى قلته في نفسه ، وخسة أصله ، ونقص عقله ، ولؤم كفه ، وقبح فعله ، ثار الدم في وجهه حتَّى ظهر ذلك فيه ، وبادر وخرج ، فأحس كافور بذلك ، فبعث إليه بعض قواده وهو يرى أن أبا الطيب لا يفطن فسايره وسأله عن حاله ، وقال له : يا أبا الطيب ، ما لي أراك متغير اللون ؟ فقال : أصاب فرسي جرح خفته عليه ، وما له خلف إن تلف ، فعاد إلى كافور فأخبره ، فحمل إليه مهراً أدهم ، فقال هذه القصيدة ، وذلك سنة سبع وأربعين وثلثمائة ، وأوَّلها :


فِراقٌ ومن فارقْتُ غيرُ مذمَّمِ ........ وأَمٌّ ومن يمَّمْتُ خيرُ مُيَمَّمِ وما منزلُ اللّذّاتِ عندي بمنزلٍ ........ إذا لم أُبَجَّلُ عندَهُ وأُكرَّمُ سجيَّةُ نفسٍ ما تزالُ مليحَةً ........ منَ الضيمِ مرميًّا بها كلُّ مخرمِ رحلتُ فكم باكٍ بأجفانِ شادنٍ ........ عليَّ وكم باكٍ بأَجفانِ ضيغمِ وما ربة القرط المليح مكانه ........ بأَجزعَ منْ ربّ الحسام المصممِ فلو كانَ ما بي مِن حبيب مقنع ........ عَذَرْتُ ولكنْ منْ حبيبٍ معمّمِ رمى واتَّقى رَميتي ومن دون ما اتقي ........ هَوًى كاسرٌ وقوسي وأسهمي


وبعده البيت ، وبعده :


وعادَى مُحبيهِ بقوْلِ عُداتهِ ........ وأصبحَ في ليلٍ من الشَّكِّ مُظلمِ


إلى أن يقول فيها :


وما كلُّ هاوٍ للجميلِ بفاعلٍ ........ ولا كلُّ فَعَّال له بمتممِ فِدًى لأبي المسك الكرامُ فإنَّها ........ سَوَابقَ خيل يهتدينَ بأدْهَمِ أَغرّ بمجدٍ قدْ شخصنَ وَرَاءهُ ........ إلى خُلُقٍ رَحْبٍ وخَلْقٍ مُطهمِ إِذا منَعتْ منكَ السياسَةُ نفسَها ........ فقفْ وَقفةً قُدَّامهُ تتعلمِ يضيق على من راءه العذر أن يرى ........ ضعيفَ المَساعِي أَو قليل التكرّمِ ومن مثل كافور إِذا الخيل أَحجمت ........ وكان قليلاً من يقول لها اقدمِي شديد ثبات الطرف والنقع واصل ........ إلى لَهَوَاتِ الفارس المتلثمِ أبا المسكِ أرجو منكَ نصراً على العدا ........ وآمل عزًّا يخضب البيض بالدمِ ويوماً يغيظ الحاسِدينَ وحالة ........ أُقيمَ الشقا فيها مقامَ التنعمِ ولم أَرْجُ إلاَّ أَهلَ ذاكَ ومن يُرِدْ ........ مَوَاطرَ من غرّ السَّحائب يظلمِ


قال أبو الفتح بن جني : أومأ إليَّ أبو الطيب وقت قراءة هذا البيت عليه أنه قد ظلم في قصده كافوراً .


فلوْ لمْ يكنْ في مصر ما سرْت نحوَها ........ بقلبِ المشُوقِ المستهامِ المتيمِ ولا نبحتْ خيلي كلابُ قبائلٍ ........ كأَنَّ بها في اللَّيل حَمْلات دَيلمِ ولا اتبعت آثارنا عينُ قائفٍ ........ فلم ترَ إلاَّ حافراً فوقَ منسِمِ وسمنا بها البيداءَ حينَ تَغَمَّرَتْ ........ منَ النيل واستذرت بظلِّ المقطَّمِ وأبلج يَعْصي باختصاصي مُشيرَهُ ........ عصيْتُ بقَصْديه مُشيري ولُوَّمي فساقَ إليَّ العرْفَ غير مكدَّر ........ وسُقتُ إليه الشّكر غير مجمجَمِ قد اخترتكَ الأملاكَ فاختر لهم بنا ........ حديثاً فقد حكمتُ رأيك فاحكمِ فأَحْسنُ وجهٍ في الوَرَى وجهُ محسنٍ ........ وأَيْمنُ كفٍّ فيهمُ كفّ مُنعمِ وأَشرَفهم مَنْ كانَ أشرف همَّةً ........ وأَكثرَ إقداماً على كلِّ مُعْظَمِ لمنْ تطلب الدُّنيا إِذا لم يرد بها ........ سرورَ محبٍّ أَوْ مساءة مجرمِ


ثمَّ لمَّا خرج من عنده بعد إنشاده القصيدة بكمالها ، قال يهجوه :


أَنوكُ من عبدٍ ومن عرسِهِ ........ منْ حكم العبدَ على نفسهِ وإنَّما يظهرُ تحكيمهُ ........ ليحكم الإفساد في حسّهِ ما مَنْ يَرَى أنك في وعدهِ ........ كمن يَرَى أَنَّكَ في حَبْسهِ العبدُ لا تفضل أَخلاقهُ ........ عَنْ فَرْجِهِ المنتنِ أَو ضرْسِهِ لا ينجز الميعادَ في يومهِ ........ ولا يفي ما قالَ في أَمسِهِ وإنَّما تحتال في جَذْبِهِ ........ كأَنَّكَ الملاحُ في قلسِهِ فلا ترجّ الخير عندَ امرئٍ ........ مرَّت يدُ النخَّاس في رأسِهِ وإن عَرَاكَ الشكُّ في نفسِهِ ........ بحالةٍ فانظر إلى جنسهِ فقلَّما يَلؤمُ في ثَوْبهِ ........ إلاَّ الذي يَلؤمُ في غَرْسِهِ مَنْ وجَدَ المذهَبَ عنْ قدرِهِ ........ لم يجدِ المذهَبَ عنْ قَنْسِهِ


ومعنى البيت : إِذا قبح فعل الإنسان قبحت ظنونه ، فيسيء ظنه بأوليائه ويصدق ما يخطر بقلبه من التوهُّم الرديء فيهم . والشاهد فيه : الحلّ ، وهو نثر النظم ، وقد استشهد به على ما حله بعض المغاربة بقوله : فإنه لما قبحت فعلاته ، وحنظلت نخلاته ، لم يزل سوء الظن يقتاده ، ويصدق توهمه الذي يعتاده . وذكرت بقوله : حنظلت نخلاته . قول الشريف أبي الحسن الموسويّ ، من قصيدة يفتخر فيها :


بنو هاشم عينٌ ونحنُ سَوَادها ........ على رغْم من يأبى وأنتم قَذَاتها وأعجبُ ما يأتي به الدَّهر أنَّكم ........ طلبتم عُلًى ما فيكُمُ أَدَوَاتها وأَمّلتمُ أن تدركوها طوالعاً ........ دَعُوها ستسعى للمعالي سُعَاتها غرسْتُ غروساً كنت أرجو لقَاحها ........ وآمُلُ يوماً أن تطيبَ جَنَاتها فإن أَثمرت لي نلت ما كنتُ آملاً ........ ولا ذنب لي إنْ حنْظَلَتْ نخَلاَتهَا


وروي عن إبراهيم بن عباس الصوليّ أنه قال : ما اتكلت قط في مكاتباتي إلاَّ على ما يجلبه خاطري ، أو يجيش به صدري ، إلاَّ قولي : فأبدلوه آجالاً من آمال . فإنِّي حللت فيه قول مسلم بن الوليد :


مُوفٍ على مُهَجٍ في يوم ذِي رَهج ........ كأَنَّهُ أَجلٌ يسعى إلى أملِ


وقولي : قد صار ما يحرزهم يبرزهم ، وما يعقلهم يعقلهم . فإني حللت فيه قول أبي تمام :


فإنْ باشَرَ الأَصْحارَ فالبيضُ والقَنَا ........ قرَاهُ وأَحواضُ المَنَايَا مَنَاهلُهْ وإنْ يَبْنِ حِيطاناً عليهِ فإنَّما ........ أُولئكَ عُقالاتُهُ لا مَعَاقلُهُ


قال ابن أبي الأصبع : ومن ذلك قوله تعالى في الكتاب العزيز "يَعملونَ لهُ ما يَشَاءُ مِنْ محَاريبَ وتَماثيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدورٍ رَاسِياتٍ" فإنَّ ذلك حلَّ قول امرئ القيس :


وقُدُورٍ راسِياتٍ ........ وجِفانٍ كالجَوَابِي


على أنَّ بعض الرواة قد ذكر أن بعض الزنادقة وضعه وتكلم على الآية الكريمة ، وأن امرئ القيس لم يصح أَنَّه تلفظ به . قلت : وقد تصفحت ديوانه على اختلاف رُواته ، فلم أجد فيه قصيدة على هذا الوزن والروي ، والله تعالى أعلم .


فَوَاللهِ ما أَدري أَأَحلامُ نائمٍ ........ أَلمَّتْ بنَا أَمْ كانَ في الركبِ يُوشَعُ


البيت لأبي تمام ، من قصيدة من الطويل ، يمدح بها أبا سعيد محمد ابن يوسف الثغري ، أَولها :


أَمَا إنَّهُ لولا الخليط المودّعُ ........ ورَبعٌ عفا منهُ مصيف ومَرْبَعُ لردَّتْ على أَعقابَها أريَحيَّة ........ منَ الشَّوقِ واديها من الدَّمعِ مُتْرَعِ لحقنا بأخراهُمْ وقد حَومَ الهَوَى ........ قلوباً عهدنا طيرَها وهيَ وُقَّعُ فرَدَّتْ علينا الشمسَ واللَّيلُ راغمٌ ........ بشَمسٍ بَدَتْ من جانبِ الخدر تطلُعُ نَضَا ضَوؤُها صبْغَ الدّجنةِ وانْطَوَى ........ لبَهجتها ثوْبُ السَّماءِ المجزَّعُ


وبعده البيت ، وبعده :


وعهدي بها تُحْيي الهَوَى وتميتُهُ ........ وتَشْعبُ أَعْشار القلوب وتصدَعُ وأَقرعُ بالعتبى حُمَيَّا عِتابِها ........ وقدْ تستَقيدُ الرَّاح حين تشعشعُ وتقفُو ليَ الجدْوَى بحَدْوَى وإنَّما ........ يَرُوقكَ بَيْتُ الشّعرِ حين يُصَرَّعُ


والشاهد فيه : التلميح ، وهو : أن يشير الشاعر في فحوى الكلام إلى قصة أو شعر ، أَو مثل سائر ، فههنا أشار إلى قصة يوشع بن نون ، فتى موسى - عليهما السلام ! - واستيقافه الشمس ، فإنَّه روى أنَّه قاتلَ الجبارين يوم الجمعة ، فلمَّا أدبرت الشمس للغروب خاف أن تغيب قبل فراغه منهم ، ويدخل السبت ، فلا يحل له قتالهم فيه ، فدعا الله تعالى ، فردَّ له الشمس حتَّى فرغ من قتالهم ، وخرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : "غزا نبيٌّ من الأنبياء ، فقال لقومه : لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبنِ بها ، ولا آخر قد بنى بنياناً ، ولم يرفع سقفه ، ولا آخر قد اشترى غنماً أَو خلفات وهو منتظر ولادتها ، قال : فغزا القرية حين صلاة العصر ، أو قريباً من ذلك ، فقال للشمس : أنت مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها عليّ ، فحبست عليه حتَّى فتح الله عليه" .


وقد تطرَّف الرصافيُّ البلنسي بتلميحه بهذه القصة ، فقال يخاطب بعض من اسمه موسى بأبيات أَوَّلها :


ما مثلُ موضعك ابنَ رِزْقٍ مَوْضِعُ ........ زَهْرٌ يَرِفُّ وجَدْولٌ يَتَدَفَّعُ


يقول فيها :


وعَشيَّةٍ لَبِسَتْ رِداءَ شُحُوبِها ........ والجوُّ بالغيمِ الرَّقيقِ مُقنعُ بلغَتْ بنا أمد السُّرور تألُّقاً ........ واللَّيلُ نحو فراقنا يَتَطَلَّعُ فابْللْ بها رمقَ الغبُوقِ فقد أتى ........ منْ دون قرص الشَّمس ما يتوقعُ سقطتْ ولم يملك نديمكَ رَدّها ........ فوددْتُ يا موسَى لوَ انَّكَ يُوشَعُ


وقد قال ابن مرج الكحل فيها ينحو هذا المنحى ، وأشار إلى قصة الرصافي هذه :


حفلَ المساءُ والنسيم تضوُّعُ ........ والأُنسُ ينظمُ شملنا ويُجمِّعُ والزهرُ يضحكُ عن بكاءِ غمامةٍ ........ ربعتْ بشيم سيوفِ برقٍ تلمعُ فانعمْ أبا عمرانَ والْهُ بروضةٍ ........ حَسُنَ المصيفُ بها وطابَ المرْبعُ يا شادِنَ البانِ الذي دونَ النقَا ........ حيثُ التقَى وادِي النقَا والأَجرَعُ الشَّمسُ يغربُ نورُها ولربَّما ........ كَسفت ونورُكَ كلّ حين يطلَعُ أَفَلَتْ فنابَ سنَاكَ عنْ إشْراقِها ........ وجلاَ منَ الظَّلماءِ ما يتوقعُ فأَمِنتُ يا موسَى الغُروبَ ولم أَقُلْ ........ فَوَدِدْتَ يا موسى لَوَ انَّكَ يُوشَعُ


وقد لمَّح بهذه القصة أيضاً أبو العلاء المعري حيث قال :


فلوْ صحَّ التناسخ كنتَ موسَى ........ وكان أبوكَ إسحاقَ الذبيحَا ويوشعُ ردَّ يوحاً يعضَ بومٍ ........ وأَنتَ متَى سَفَرْتَ رَدَدْتَ يُوحَا


ويوح ويوحى - بياءين مثناتين من أسفل - من أسماء الشمس . وقال كثير من اللغويين : إنهما بالباء الموحدة ، وكذا رواه أبو علي البغدادي ، والصحيح الأول . ويروى أنَّ المعَرِّي اعترض عليه في هذه اللفظة ببغداد في حلقة ابن المحسِّن فاحتج عليه بكتاب الألفاظ ليعقوب ، فقال : هذه نسخ مُحدَثة غيرها شيوخكم ولكن أخرجوا ما في دار العلم من النسخ القديمة فأخرجوها فوجدوها مقيدة كما قال . وقد لمَّح ابن قلاقس إلى هذه القصة أيضاً بقوله :


ومنتصر في منع مقلوب عقربٍ ........ بما تحته من لسع مقلوب برْقُعٍ أَبَتْ شمسهُ إلاَّ الغروبَ وقد سمَا ........ بها كَلَفِي منْ كلِّ عضوٍ بيوشعِ


وابن مطروح ، بقوله :


وما أنسَ لا أَنسَ المليحَةَ إذْ بدَتْ ........ دُجًى فأَضاءَ الأُفقُ من كلِّ موضعِ فحدَّثْتُ نفسي أنَّها الشَّمسُ أَشْرَقَتْ ........ وأَنِّيَ قدْ أُوتيتُ آيةَ يُوشَعِ


والملك الناصر داود بقوله ، يرثي الإمام المنتصر بالله ، ويمدح المعتصم ، من قصيدة طويلة :


أَقامَ مَنارَ الدين بعدَ اعوِجاجهِ ........ وشيَّدَ واهي الدين بعدَ التضعضعِ بإقدامِ منصور وعزمَةِ قادرٍ ........ وسيرَةِ مهديّ وإخباتِ طَيِّعِ بهِ رجعَتْ شمسُ المكارمِ والعُلا ........ كما رجعَتْ شمسُ النَّهار ليُوشَعُ


ونصر بن أحمد الخبزأرزي ، بقوله :


ولَّى فأقبلتِ الأَردافُ لاعبَةً ........ كما تلاعبتِ الأَمواجُ في اللّججِ ثمَّ انثنَى بانعطافٍ منهُ ملتفتاً ........ كما ثَنَى نَفساً خوف الرَّقيب شَجِي كأَنَّ يوشعَ رَدَّ الشَّمسَ ثانيةً ........ عندَ التفاتتِهِ نحوي بمنعرجِ


وابن اللبانة ، بقوله :


بكَتْ عندَ توديعي فما علم الركبُ ........ أَذاكَ سقيطُ الطلّ أَمْ لؤلؤ رطبُ أتابعها سرْبٌ وإنِّي لمخطئ ........ نجُومُ الدياجي لا يقالُ لها سرْبُ لئن وقفَتْ شمسُ النَّهار ليوشع ........ لقد وقفَتْ شمسُ الهَوَى لي والشُّهْبُ


وقد لمَّح إليها حازم في مقصورته ، فقال :


وكم رأتْ عيني نقيض ما رأتْ ........ من اطلاع نورها تحتَ الدُّجَى فيالَهَا من آيةٍ مبصرةٍ ........ أَبصرها طرفُ الرَّقيب فامترَى واعتَوَرَتهُ شبهة فضَلَّ عنْ ........ تحقيق ما أبصرهُ وما اهتدَى وظنَّ أنَّ الشَّمسَ قد عادَتْ لهُ ........ فانْجابَ جنحُ اللَّيل عنها وانْجلَى والشَّمسُ ما رُدَّتْ لغيرِ يوشع ........ لمَّا غَزَا ولعليّ إذْ غَفَا


فلمح إلى قصة يوشع بن نون عليه السلام ، ثمَّ زاد قصة رجوع الشمس لعلي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ، وخبر ذلك ما رواه الطحاوي عن أسماء بنت عُمَيْس من طريقين أنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يوحى إليه ، ورأسه في حجر عليّ ، رضي الله عنه ! فلم يصلِّ العصر حتَّى غربت الشمس ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "أَصلَّيت يا عليّ" قال : لا ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : "اللهم إنَّه كان في طاعتك وطاعة رسولك ، فاردد عليه الشَّمس" قالت أسماء : فرأيتها طلعت بعد ما غربت ، ووقعت على الجبال والأَرض .


ومن ظريف ما يحكى هنا ما روي أنَّ المظفر المَرْوَزِيّ الواعظ جلس يوماً ما بالناجية ببغداد بعد العصر ، وأورد حديث رد الشمس لعليّ رضي الله عنه ، وأخذ في ذكر فضائله ، فنشأت سحابة غطَّت الشمس وظن أنها غابت ، فأومأ إليها وارتجل :


لا تَغْرُبي يا شمس حتَّى ينتهي ........ مَدْحي لآل المصطفى ولنجلهِ واثني عنانك إن أردتِ ثناءهم ........ أنسيت إذْ كانَ الوُقوف لأجلهِ إن كانَ للمولى وقوفك فليكن ........ هذا الوُقوف لخيلهِ ولرجلهِ


فطلعت الشمس من تحت الغيم عند انتهاء الأَبيات ، فلا يدري ذلك اليوم ما رمي عليه من الأموال والثياب .


ومن التلميح بالقرآن قول ابن المعتز :


أَتَرَى الجيرَةَ الذين تَدَاعَوْا ........ عندَ سيرِ الحبيب وقتَ الزَّوالِ علموا أنَّني مُقيمٌ وقلبي ........ راحلٌ فيهمُ أمام الجِمالِ مثلُ صاع العزيز في أَرحُلِ القَوْ _ مِ ولا يعلمونَ ما في الرِّحالِ ما أعزَّ المعشُوقَ ما أَهونَ العا _ شِقَ ما أَقْتَلَ الهَوَى للرجالِ


أشار إلى قصة يوسف عليه السلام حين جعل الصاع في رحل أخيه ، وإخوتهُ لم يشعروا بذلك . وقول أبي نصر محمد الأصفهاني في ذمّ مملوك :


بُليتُ بمملوكٍ إِذا ما بَعَثْتُهُ ........ لأمْرٍ أعيرَتْ رجله مِشْيَةَ النملِ بليدٍ كأنَّ الله خالِقَنا عنى ........ بهِ المثلَ المضرُوب في سورةِ النَّحْلِ


يشير إلى قوله تعالى "وضرب الله مثلاً رجلين أَحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أَينما يوجه لا يأت بخير" .


ومنه ما ذكره أبو بكر بن الأَبَّار في تحفة القادم أنَّ أبا بكر الشبلي جلس يوماً على نهر شبل بالجسر ، فتعرضه بعض الجواري للجواز ، فلمَّا أَبصرته رجعت بوجهها وسترت ما قد ظهر له من محاسنها ، فقال أبو بكر المذكور :


وعقيلةٍ لاحتْ بشاطئ نهْرها ........ كالشَّمس طالِعَةً لدى آفاقِهَا فكأَنَّها بَلْقِيسُ وافَتْ صَرْحَهَا ........ لو أنَّها كشفَتْ لنا عن ساقِهَا حورية قمرية بدوية ........ ليسَ الجَفَا والدّ من أَخلاقِهَا


قال التيجاني في كتابه تحفة العروس : ويمكن تغيير البيتين الأولين بأن يقال :


وعثيلة لاحت بشاطئ نهرها ........ كالشمس تتلو في المشارق صُبْحَهَا لو أنَّها كشفت لنا عن ساقها ........ لحسبتها بلقيس وافَتْ صَرْحَهَا


يشير إلى قوله تعالى في قصة بلقيس مع سليمان عليه السلام "قيل لها ادخلي الصرح ، فلمَّا رأته حسبته لجّة وكشفت عن ساقيها" .


ومن التلميح بالقرآن والشعر قول النفيس القراطيسي :


يُسَرُّ بالعيدِ أَقوامٌ لهم سَعَةٌ ........ من الثراءِ وأمَّا المقترُون فلاَ هل سرّني وثيابي فيهِ قومُ سَبَا ........ أَو راقَني وعلى رأسي ابن جَلاَ


يشير إلى قوله تعالى عن قوم سبأ "ومزَّقناهم كلّ ممزَّق" وإلى قول الرياحي :


أَنا ابنُ جَلاَ وطلاَّع الثَّنايا ........ متى أَضع العمامة تعرِفُوني


ومن التلميح بالحديث على جهة التورية قول بعضهم :


يا بَدْرُ أهلكَ جارُوا ........ وعلَّموكَ التجَرِّي وقبَّحوا لكَ وَصْلي ........ وحَسَّنُوا لكَ هَجْري فلْيَفْعَلوا ما يشاءوا ........ فإنَّهمْ أَهلُ بدرِ


يشير إلى قوله صلّى الله عليه وسلّم لعمر حين سأله قتل حاطب "لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" . ومنه قول السراج الوراق :


ومن فَرْطِ فقري واحتِياجِي بَعدكم ........ وبذل مُحَيَّا بالحياءِ مُسَتَّرِ أَكلْتُ حِماراً طالَ ما قَدْ ركبتُهُ ........ كأنِّي لم أَسمع بأَخبار خَيْبَرِ


يشير إلى تحريم لحوم الحمر الأهلية في غزوة خيبر .


لعَمْرٌو مع الرَّمْضاءِ والنَّار تَلْتَظي ........ أَرَقُّ وأَحفَى منكَ في ساعَةِ الكَرْب


البيت لأبي تمام ، من قصيدة من الطويل . والرمضاء : الأَرض الشديدة الحرّ ، وأحفى : من حَفِيَ فلان ، إِذا بالغ في إكرامه ، وأظهر السرور والفرح ، وأكثر السؤال عن حاله . والشاهد فيه : التلميح إلى البيت المشهور ، وهو :


المُسْتَجيرُ بعَمْرٍو وعند كُرْبَتِهِ ........ كالمستجير من الرَّمْضاءِ بالنَّارِ


وهو من البسيط ، ولا أعرف قائله . وعمرو : هو ابن الحارث ، ولهذا البيت قصة ، وهي أنَّ البَسوس بنت يعد خالة جسَّاس بن مرَّة كان لها جار من جَرْم ، يقال له : سعد بن شمس ، وكانت له ناقة يقال لها سَرَاب ، وكان كليب بن وائل قد حمى أَرضاً من أرض العالية في مستقبل الربيع ، فلم يكن يرعاها أَحد إلاَّ جسَّاس لمصاهرة بينهما ، لأنَّ جليلة بنت مرَّة أُخت جسَّاس كانت تحت كليب ، فخرجت ناقة الجرمي ترعى في حمى كليب مع إبل جسَّاس ، فأَبصرها كليب ، فأنكرها ، فرماها بسهم فأصاب ضَرْعها ، فولَّت حتَّى بركت بفناء صاحبها وضرعها يشخب لبناً ودماً ، فلمَّا نظر إليها صاح : واذُلاّه وذلّ جاراه ، فخرجت جارته البَسوس ، فلمَّا رأت الناقة ضربت يدها على رأسها وصاحت : واذُلاّه ، وقالت :


لَعَمْريَ لو أصبَحْتُ في دارِ مُنْقِذٍ ........ لما ضيمَ سَعْدٌ وهو جارٌ لأبياتي ولكنَّني أَصبحتُ في دارِ غُرْبَةٍ ........ متى يعد فيها الذِّئب يَعْدُ على شاتي فيا سعد لا تُغْرَرْ بنفسكَ وارْتَحِلْ ........ فإنَّكَ في قَوْمٍ عن الجارِ أَمواتِ


فسمعها جسَّاس فقال : اسكتي أيَّتها المرأة فليقتلنّ جمل عظيم هو أعظم من ناقة جارك ، ولم يزل جسَّاس يتوقع غِرَّةَ كليب حتَّى خرج كليب لا يخاف شيئاً فتباعد عن الحي ، وتبعه جسَّاس ومعه عمرو بن الحارث ، فأدرك جسَّاس كليباً فطعنه بالرمح فدق صلبه فأنفذه ، ثمَّ أدركه عمرو بن الحارث ، فقال : يا عمرو أغثني بشربة ماء ، فقال : تجاوزتَ شُبَيْباً والأحصَّ ، يعني موضع الماء ، وأجهز عليه ، فقيل : المستجير بعمرو يُهمز ولا يُهمز البيت ، ونشبت الحرب بن بكر وتغلب أربعين سنة ، حتَّى قتل أكثر بكر ، وكانت الغلبة لتغلب عليهم ، قال ابن إسحاق : كان بين هذه ومبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم ستون سنة . ومن محاسن التلميح هنا قول ابن حجاج الشاعر :


ولي شفيعٌ إليكَ شَرَّفَني ........ إيجابه لي وزادَ في قَدْري نَبَّهْتُ منهُ لحاجتي عُمَراً ........ ولم أُعَوِّلْ فيهِ على عمْرِو


يريد بالشطر الأول قول بشار :


إِذا أَيْقَظَتْكَ حروب العِدَى ........ فنبِّهْ لها عمَراً ثمَّ نم


وبالثاني البيت المار . ومن لطيف ما يذكر هنا أنَّ قائداً من قوَّاد أحمد بن عبد العزيز بن دلف ابن أبي دلف هرب إلى عمرو بن اللّيث ، وهو يومئذ بخراسان ، فغمَّ ذلك أحمد وأقلقه ، فدخل عليه أبو نجدة ، وهو سحيم بن سعد شاعر عجلي ، فأنشده :


يا ابنَ الذي سبَى كسرى بجمعهم ........ فجللوا وَجْهَه قاراً بذي قارِ دَوِّخْ خراسان بالجرد العتاق وبالبي _ ضِ الرّقاق بأَيدي كلِّ مِسْعَارِ يا من تيَمَّمَ عمراً يَسْتَجيرُ بهِ ........ أَمَا سمعْتَ ببيت فيه سَيَّارِ المستجيرُ بعمرو عند كربته ........ كالمستجير من الرَّمْضاءِ بالنَّارِ


فسرّ أحمد بذلك وسُرِّيَ عنه ، وأمر لأبي نجدة بجائزة . وذكرت بهذا البيت ما حكي أن بعضهم كان إِذا فرغ من صلاته وضع خدّه على الأَرض وقال :


المستجير بعمرو عند كربته ........ كالمستجير من الرَّمْضاءِ بالنَّارِ


وهو يقدر أن يستجير بالله من النار . وأنشد المبرد لأبي كريمة البصري ، يقول لعمرو الجاحظ :


لم يظلم الله عمراً حين صَيَّرَهُ ........ من كلِّ شيءٍ سوى آدابه عارِ بَتَّتْ حبَال وصالي كفُّهُ قُطِعَتْ ........ لما اسْتَغنت به في بعضِ أَوطاري فكنتُ في طَلَبي من عنده فرجاً ........ كالمستجير من الرَّمْضاءِ بالنَّارِ إنِّي أُعيذك والمعتاذ محترس ........ مِنْ شُؤْم عمرو بعزِّ الخالق الباري فإنْ فَعَلْتَ فحظ قد ظَفِرْتَ بهِ ........ وإنْ أَبيتَ فقد أعلنتَ أَسْرارِي


وما أحسن قول السراج الوراق مشيراً إلى ذلك :


مالي أَرى عُمَراً أَنَّى اسْتَجَرتُ بهِ ........ قد صارَ عَمْراً بواوٍ فيه وانْصَرَفا ونامَ عن حاجةٍ نبَّهتهُ غلطاً ........ لها فأَلْفَيْتُ منه السّهد والأَسَفَا والمستجيرُ بعمرو قد سمعتَ به ........ فما أُزيدكَ تعريفاً بما عُرِفا


وقوله أيضاً :


أَقمتَ المطامِعَ من نَوْمها ........ ونمتَ فمن ذا بهذا حكمْ وحاشاكَ تَسْمَعُ في مِثْلها ........ فنبّه لها عُمَراً ثمَّ نمْ


وقوله أيضاً :


لا عَدِمْتَكَ حاجةٌ ........ حَمَلْتَ عنِّي كَلَّهَا قدْ نامَ عنها عُمَرٌ ........ وأَنتَ يَقْظَانُ لها


ومن لطيف مجونه في تضمين هذا المعنى قوله :


نشطت لسُرِّيَّتي فانثنى ........ متاعيَ من بعدِ ما قدْ عَزَمْ فقلتُ : تنامُ ولي مُقْلةٌ ........ مُسِهَّدَةٌ ؟ مَنْ بهذا حكمْ ؟ فقال : أَما قالَ بَشَّارُكم ........ فنبِّه لها عمراً ثمَّ نمْ


ومنه قول الصفي الحلي في رجل اسمه أَحمد كان برمي بأَبنة وهو يدعي غلام اسمه عمر :


توالت على أَحمد أَبْنَةٌ ........ فأَقْبَلَ يشكو إليَّ الألمْ فقلتُ لهُ إنَّها فِتْنَةٌ ........ فنبِّه لها عُمَراً ثمَّ نمْ


وقد عكس هذا المعنى بقوله :


أنا الذي خالَفْتُ كلّ الوَرَى ........ في خبرٍ أثْبَتَهُ الوقتُ لما أتاني عُمَرٌ زائراً ........ أنمْتُهُ ثمَّ تَنَبَّهْتُ


وظريف هنا قول الشهاب محمود من قصيدة :


بيني وبين الحظ داجيةٌ ........ عمياءُ لا نجْمٌ ولا شَجَرُ لا يُهْتَدَى فيها ولا طَلَعَتْ ........ في أفقها أخلاقُكَ الغرَرُ وأرى وحاشاكَ الكرامَ وما ........ لي عِنْدَهم ظل ولا ثَمرُ لو أنني نَبَّهْتُ في وطَرٍ ........ عمَراً لماتَ من الكَرَى عمَرُ


ومن التلميح قول بشار :


اليوم خمرٌ ويبدو في غد خبرٌ ........ والدهر ما بين إنعام وإيآس


يشير إلى قصة امرئ القيس ، وقد بلغه أن أباه قتل ، وكان يشرب فقال : اليوم خمر ، وغداً أمر .


ومن مجون التلميح قول ابن حجاج :


غضَبت صباح وقد رأتني قابضاً ........ أيري فقلت لها مقالة فاجر بالله إلاَّ ما لطَمْتِ جبينهُ ........ حتَّى يحقق فيك قول الشاعر


يريد به قول ابن نباتة السعدي في وصف فرس أغر محجل :


وكأنما لطمَ الصباحُ جبينَه ........ فاقْتَصَّ منهُ فخاض في أحشائه


وما أحسن قول بعض شعراء المغرب في التلميح :


وعندي من لواحظها حديث ........ يُخَبِّرُ أن ريقَتَها مدامُ وفي أعطافها النَّشْوى دليل ........ وما ذقنا ولا زعَمَ الهمامُ


يشير إلى قول النابغة :


زعَمَ الهمام بأن فاها باردٌ ........ عَذْبٌ مُقَبَّلُه شهيُّ الموْردِ زعمَ الهمام ولم أذقُه أنهُ ........ عذب إِذا ما ذقتُه قلت ازدد


وقد مر في السرقات الشعرية طرف مما قيل في هذا المعنى .


ومن لطائف التلميح قصة الهذلي مع المنصور ، فقد روى أنه وعده بجائزة ثمَّ نسي ، فحَجَّا معاً ، ثمَّ مرا في المدينة ببيت عاتكة ، فقال الهذلي : يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص :


يا بَيْتَ عاتكة الذي أتَعَزَّلُ ........ حَذَرَ العدى وبهِ الفؤاد موكلُ


فأنكر عليه المنصور ابتداءه من غير سؤال ، ثمَّ أمَرَّ القصيدة على باله ليعلم ما أراد ، فإذا فيها :


وأراك تَفْعَلُ ما تقولُ وبعضهم ........ مَذِقُ اللسانِ يقول مالا يفعلُ


فعلم أنه أشار إلى هذا البيت بتلمحية الغريب ، فتذكر ما وعده به ، فأنجزه له ومثله ما حكى أن أبا العلاء المعري كان يتعصب للمتنبي وشَرَح ديوانه وسماه معجز أحمد فحضر يوماً مجلس الشريف الرضي ، فجرى ذكر المتنبي فهَضَم المرتضى من جانبه ، فقال المعري : لو لم يكن له من الشعر إلاَّ قوله :


لكِ يا منازل في القلوب منازلُ


لكفاه ، فغضب المرتضى وأمر بسحبه وإخراجه ، وقال للحاضرين : أتدرون ما عنى هذا بذكر هذا البيت ؟ قالوا : لا ، قال : عني به قول المتنبي :


وإذا أتَتْك مَذمتي من ناقصٍ ........ فهيَ الشَّهادةُ لي بأني فاضلُ


ومن التلميح بهذا البيت بعينه ما حكاه صاحب الحدائق أن الفتح بن خاقان ذكر ابن الصائغ في كتابه المسمى بقلائد العقيان فقال فيه : رمد عيد الدين ، وكمد نفوس المهتدين ، اشتهر سخفاً وجنوناً ، وهجر مفروضاً ومسنوناً ، فما يتشرَّع ، ولا يأخذ في غير الأَضاليل ولا يشرع ، ناهيك من رجل لا يتطهر من جنابه ، ولا يظهر مخائل إنابه . فبلغ ابن الصائغ انتقاصه له ، فمر يوماً على الفتح وهو جالس في جماعة ، فسلم على القوم وضرب على كتف الفتح ، وقال له : شهادة يا فتح ، ومضى ، فلم يدرِ أحد ما قال إلاَّ الفتح ، فتغير لونه ، فقيل : ما قال لك ؟ فقال : إنِّي وصفته بما تعلمون في كتابي ، فما بلغت بذلك عشر ما بلغ هو مني بهذه الكلمة ، إنَّه يشير بها إلى قول المتنبي :


وإذا أتتكَ مذمَّتي من ناقصٍ ........ فهيَ الشَّهادة لي بأنِّي فاضلُ


ومن هذا القبيل قصة السري الرفاء مع سيف الدولة بن حمدان بسبب المتنبي أيضاً ، فإنَّهما كانا من مداحه ، فجرى ذكر المتنبي يوماً في مجلس سيف الدولة ، فبالغ في الثناء عليه ، فقال السري : أشتهي أن الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لأعارضها ، ويتحقق بذلك أنَّه أركبه في غير سَرْجَهَ ، فقال له سيف الدولة : عارض لنا قصيدته القافية التي مطلعها :


لِعيْنَيكِ ما يَلْقى الفؤادُ وما لقي ........ وللحُبِّ ما لم يبق مني وما بقي


قال السري : فكتبت القصيدة واعتبرتها فلم أجدها من مختاراته ، لكن رأيته يقول فيها :


إِذا شَاءَ أن يَلهو بِلحْيةِ أحْمَق ........ أراهُ غُباري ثمَّ قال لهُ ألحقِ


فعلمت أن سيف الدولة إنما أشار إلى هذا البيت ، فأحجمت عن معارضته ومن بديع التلميح قول الرئيس أبي العباس بن أبي طالب رحمه الله تعالى :


وكم ليلةٍ نلتُ فيها المُنى ........ وبات لي الحبُّ فيها نجيَّا إِذا ضلَّ لَحظيَ في جُنحها ........ هدَتْ وجنَتاه الصِّراط السويَّا أراع فأسأل عن صُبْحها ........ فيرجع لي جُنْحها ثمَّ هَنيَّا إلى أن بدا ليَ سِرْحانُها ........ يُحاول الجَدْي فيها رقيَّا فيا لك من ليلةٍ بتُّها ........ أنادمُ بدرَ دُجاها البهيَّا حكت ليلة السفح في حُسنها ........ فأصبَحتُ أحكي الشريف الرضيَّا


يشير إلى قول الشريف الرضي رحمه الله تعالى في قصيدته البديعة المشهورة وهو :


يا ليلة السَّفح هلاَّ عُدْتِ ثانيةً ........ سقى زمانكِ هطَّال من الدِّيم وأمستِ الريح كالغيْرى تجاذبنا ........ على الكثيب فضول الرَّيط واللمَم يَشي بنا الطيبُ أحياناً وآونة ........ يُضيئنا البرقُ مجتازاً على إضم وباتَ بارِقُ ذاك الثَّغْر يوضحُ لي ........ مواقع اللثم في داج من الظُّلم وبيننا عفّة بايعتها بيدي ........ على الوفاء لها والرَّعْيِ للذمم وبَلَّلَ الطَّلّ يُرْدَينا وقد نَسمَتْ ........ رويحة الفجر بين الضال والسَّلم وأكتمُ الصبْح عنها وهي غافلة ........ حتَّى ترنمَ عصفورٌ على عَلَم فقُمْتُ أنْفُضُ برداً ما تعلّقَهُ ........ غيرُ العفافِ وراء الغَيْبِ والكَرَم وألْمَسَتْني وقد جدَّ الوَداعُ بنا ........ كفًّا يشيرُ بقضْبان من العنم وألثمتني ثَغراً ما عدلْتُ به ........ أرْيَ الجني ببنات الوابِل الرذم ثمَّ انثنينا وقد رابَتْ ظواهرُنا ........ وفي بواطننا بُعْدٌ عن التهم


ومن لطائف التلميح قول أبي فراس من أبيات :


وقال أصَيْحابي الفِرارُ أو الردى ........ فقلتُ هما أمران أحلاهما مُرٌّ ولكنني أمضي لما لا يَعنيني ........ وحسْبُكَ من أمريْن خيرهما الأسْرُ ولا خير في دفع الردى بمذلةٍ ........ كما ردها يوماً بِسَوْأتِه عمرو


يريد عمرو بن العاص لما ضربه على رضي الله عنه يوم صفين ، فاتَّقاه بسوأته كاشفاً عنها ، فأعرض وقال : عورة المرء حمي ، وقد وقع ذلك لبشر بن أرظاة أيضاً مع عليّ رضي الله عنه كما وقع لعمرو ، وكان مع معاوية بصفين أيضاً ، فأمره أن يلقى علياً ، وقال له : سمعتك تتمنى لقاءه ، فلو ظفرك الله به حصلت على دنيا وأخرى ، ولم يزل يشجعه ويمنيه حتَّى رآه ، فقصده في الحرب ، والتقيا ، فصرعه علي ، فكشف عن سوأته ، فتركه ، وفي ذلك يقول الحارث بن النضر السهمي ، وكان عدواً لعمرو وبشر :


أفي كل يوم فارسٌ ينتهي ........ وعورَته وَسْطَ العَجاجةِ بادِيَهْ يكف بها عنهُ عليَّ سنانه ........ ويضحكُ منهُ في الخلاء مُعاويهْ بدَتْ أمس من عمرو فقَنَّعَ رأسه ........ وعَوْرة بشر مثلها حذو حاذيهْ فقولا لعمرو ثمَّ بشر : ألا انظرا ........ سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيَهْ ولا تحمدا إلاَّ الحيا وخُصاكما ........ هُما كانتا والله للنفس واقيَهْ فلولا هُما لم تنجَيا من سنانه ........ وتلك بما فيها عن العَوْد ناهيَهْ متى تَلْقَيا الخيلَ المشيخةَ صُبْحَةً ........ وفيها عليٌّ فاتركا الخيلَ ناحيَهْ وكونا بعيداً حيثُ لا تدرك القنا ........ نحورَكما إن التجارب كافيَهْ


ومن التلميح البديع قول أبي فراس أيضاً :


وقد علمت أمي بأن مَنِيَّتي ........ بحد سِنانٍ أو بحدّ قضيبِ كما علمت من قبلِ أن يغرق ابنُها ........ بمُهْلَكهِ في الماء أمُّ شبيبِ


يشير إلى ما رأته أم شبيب الخارجي في منامها وهي حامل به من أن ناراً خرجت من بطنها فاشتعلت الآفاق ، ثمَّ وقعت في ماء فانطفأت ، فلما كان من أمره ما كان ونعي إليها غير مرة لم تصدق ، حتَّى قيل لها : إنه قد غرق ، فصدّقت ، وأقامت المناحة عليه .


ومن بديع التلميح ما حكي أن عبد الرحمن بن الحكم قدم على معاوية رضي الله عنه الشام ، وكان قد عزل أخاه مروان عن المدينة وولى سعيد بن العاص ، فوجَّهه أخوه وقال له : القه أمامي ، فعاتِبْه لي واستصلحه ، فلما قدم دخل عليه وهو يعشي الناس ، فأنشأ يقول :


أتَتْكَ العيسُ تنفخ في براها ........ تكشف عن مناكِبها القُطوع بأبْيَضَ من أمية مضرحيٍّ ........ كأن جَبينَهُ سيف صنيعُ


فقال له معاوية : أزائراً جئت أم مفاخراً أم مكاثراً ؟ فقال : أيّ ذلك شئت ، فقال : ما أشاء من ذلك شيئاً ، وأراد معاوية رضي الله عنه أن يقطعه عن كلامه الذي عَنَّ له ، فقال : على أي الظهر أتيتنا ؟ قال : على فرس ، قال : ما صفته ؟ قال : أجش هزيم ، يعرض بقول النجاشي له :


ونَجَّى ابنَ حربٍ سابح ذو علالة ........ أجَشُّ هزيمٌ والرماح دَواني إِذا خِلْتَ أطرافَ الرماح تَناله ........ مَرَته به الساقانِ والقَدَمانِ


فغضب معاوية رضي الله عنه ، وقال : أما إنَّه لا يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب ، ولا هو ممَّن يتسوَّر على جاراته ، ولا يتوثَّب على كنائنه بعد هجعة النَّاس ، وكان عبد الرحمن يتّهم بذلك في امرأة أخيه ، فخجل عبد الرحمن وقال : يا أمير المؤمنين ، ما حملك على عزل ابن عمّك ؟ ألخيانة أوجبت سخطاً أم لرأي رأيته وتدبير استصلحته ؟ قال : لتدبير استصلحته ، قال : فلا بأس بذلك ، وخرج من عنده فلقي أخاه مروان ، فأخبره بما جرى بينه وبين معاوية فاستشاط غيظاً ، وقال لعبد الرحمن : قبَّحك الله ! ما أضعفك ! عرضت للرجل بما أغضبه حتَّى إِذا انتصر منك أحجمت عنه ، ثمَّ لبس حلَّته وركب فرسه وتقلَّد سيفه ودخل على معاوية رضي الله عنه فقال له حين رآه وتبيَّن الغضب في وجهه : مرحباً بأبي عبد الملك ، لقد زرتنا عند اشتياق منَّا إليك ، قال : لاها الله ما زرتك لذلك ، ولا قدمت عليك فألفيتك إلاَّ عاقاً قاطعاً ، والله ما أنصفتنا ولا جزيتنا جزاءنا ، لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص بصهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والخلافة فيهم ، فوصلوكم يا بني حرب وشرفوكم وولُّوكم فما عزلوكم ولا آثروا عليكم ، حتَّى إِذا وليتم وأفضي الأمر إليكم أبيتم إلاَّ أثَرَةً وسوء صنيعة وقبح قطيعة ، فرُوَيْداً رُوَيداً قد بلغ بنو الحكم وبنو بنيه نيفاً وعشرين ، وإنَّما هي أيام قلائل حتَّى يكملوا أربعين ويعلم أمروان يكون منهم حينئذ ، ثمَّ هم للجزاء بالحسنى وبالسوءى بالمرصاد ، فقال له معاوية رضي الله عنه : عزلتك لثلاث لو لم تكن منهم إلاَّ واحدة لأوجبت عزلك : إحداهما أنِّي أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه ، والثانية كراهتك لأمر زياد ، والثالثة أنَّ ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان رضي الله عنهما فلم تُعْدِها ، فقال له مروان : أمَّا ابن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني ، ولكن إِذا تساوت الأَقدام علم أين موقفه ، وأمَّا كراهتي أمر زياد فإنَّ سائر بني أُميَّة كرهوه ، وجعل الله لنا في ذلك الكره خيراً كثيراً ، وأمَّا استعداء رملة على عمرو فوالله إنَّه لتأتي علي سنة أو أكثر وعندي بنت عثمان رضي الله عنه فما أكشف لها ثوباً ، يعرض بأنَّ رملة إنَّما تستعدي عليه طلباً للنكاح ، فقال له معاوية رضي الله عنه : يا ابن الوزغ لست هناك ، قال له مروان : هو ذاك الآن ، والله إنِّي لأبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة ، وقد كاد ولدي أن يكملوا العدَّة ، يعني أربعين ، ولو قد بلغوها لعلمت أين تقع منِّي ، فانخزل معاوية رضي الله عنه ، ثمَّ قال مروان :


فإن أَكُ في شِراركم قليلاً ........ فإنِّي في خِياركُمُ كثيرُ بُغاثُ الطَّيرِ أكثرُها فِراخاً ........ وأُمُّ الصَّقر مقلاة نَزُورُ


فما فرغ من كلامه حتَّى استخزي معاوية في يده وخضع ، وقال : لك العتبى وأنا رادُّك إلى عملك ، فوثب مروان وقال : كلاّ وعيشك لا رأيتني عائداً إليه أبداً ، وخرج ، فقال الأحنف لمعاوية : ما رأيت قط لك سقطة مثلها ، ما هذا الخضوع لمروان ؟ وأي شيء يكون منه ومن بني أبيه إِذا بلغوا أربعين ؟ وأي شيء تخشاه منهم ؟ فقال له : ادنُ منِّي أُخبرك بذلك ، فدنا منه ، فقال له : إنَّ الحكم ابن أبي العاص كان أحد من قدم مع أُختي أُم حبيبة لما زفت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وهو تولَّى نقلها إليه ، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُحِدُّ النظر إليه فلما خرج من عنده قيل له : يا رسول الله ، لقد أحْدَدْتَ النظر إلى الحكم ، فقال : ابن المخزومية ، ذاك رجل إِذا بلغ ولده ثلاثين أو أربعين ملكوا الأمر بعدي ، فوالله لقد تلقَّاها مروان من عين صافية ، فقال له الأحنف : لا يسمعن هذا منك أحد ، فإنك تضع من قدرك وقد ولدك بعدك ، وإن يَقْضِ الله عزّ وعلا أمراً يكن ، فقال له معاوية رضي الله عنه : فاكتمها علي يا أبا بحر إذاً فقد لعمري صدقت ونصحت .


ومن ظريف التلميح أن حمزة بن بيض الحنفي الشاعر قدم على بلال بن أبي بُردة ، وكان كثير المزاح معه ، فقال لحاجبه : استأذن لحمزة بن بيض الحنفي ، فدخل الحاجب فأخبره به ، فقال : اخرج فقل له : حمزة بن بيض بن من ؟ فقال له : ادخل فقل له : الذي جئت إليه بنيار الحمام وأنت أَمْرَدُ تسأله أن يهب لك طائراً فأدخلك وناكك ووهب لك الطائر ، فشتمه الحاجب ، فقال له : ما أنت وذاك ؟ بعثك برسالة فأخبره بالجواب ، فدخل الحاجب وهو مُغضَبٌ فلمَّا رآه بلال ضحك وقال : ما قال لك قبَّحه الله ؟ فقال : ما كنت لأخبر الأَمير بما قال ، فقال : يا هذا أنت رسول فأَد الجواب ، فأبى ، فأَقسم عليه حتَّى أخبره ، فضحك حتَّى فحص برجليه ، وقال : قل له لقد عرفنا العلامة فادخل ، فأكرمه وسمع مديحه وأحسن صلته ، وأراد بلال بقوله بيض ابن مَنْ قول القائل :


أَنتَ ابنُ بيضٍ لَعَمْري لست أُنكره ........ فقدْ صدقتْ ولكن مَنْ أَبو بيض


وعلى ذكره فقد ذكرت له واقعة مع أحد بني مروان ، وكان يعبث به كثيراً فوجه إليه رسوله ليلة وقال : ائتني به على أي حالة وجدته ، فهجم الرَّسُول عليه فوجده داخلاً إلى الخلاء ، فقال : أَجب الأمير ، فقال : ويحك ! أكلت كثيراً ، وشربت نبيذاً حلواً وقد أخذني بطني ، فقال : لا سبيل إلى مفارقتك ، فأخذه وأتى به إليه ، فوجده قاعداً في طارمة وعنده جارية عجيبة يتحظاها وهي تسجر البخور ، فجلس يحادثه وهو يعالج ما هو فيه من ذات بطنه ، فعرضت له ريح فسيَّبها ظنًّا أن البخور يسترها ، قال حمزة : فوالله لقد غلب ريحها المنتن ذلك الند ، فقال : ما هذا يا حمزة ؟ فقلت : عليَّ عهد الله والمشي والهَدْي إن كنت فعلتها وما فعلها إلاَّ الجارية ، فغضب وخجلت الجارية ، وما قدرت على الكلام ، ثمَّ جاءتني أخرى فسرحتها ، وسطع والله ريحها ، فقال : ما هذا ويلك أنت والله الآفة ، فقلت : امرأتي طالق إن كنت فعلتها ، وهذه اليمين تلزمني إن كنت فعلتها ، ما هو إلاَّ عمل الجارية ، فقال : ويلكِ ! ما قصتكِ ؟ قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين شيئاً ، فأطرقت ، وطمعت فيها فسرحت الثالثة فسرح من ريحها ما لم يكن في الحسبان ، فغضب عند ذلك حتَّى كاد يخرج من جلده ، ثمَّ قال : يا حمزة خذ بيد هذه الزانية فقد وهبتها لك ، وامض فقد نغصت علي ليلتي ، فأَخذت بيدها ، وخرجت ، فلقيني خادم فقال لي : ما تريد أن تصنع ؟ فقلت : أمضي بها ، فقال : والله لئن فعلت ليبغضنك بُغضاً لا تنتفع به بعده ، وهذه ثلثمائة دينار فخذها ودع الجارية ، فقلت : والله لا نقصتك عن خمسمائة دينار ، فقال : ليس إلاَّ ما قلت لك ، قال : فأخذتها وأخذ الجارية ، فلما كان بعد ثلاث دعاني فلقيني الخادم وقال : هذه مائة دينار أُخرى وتقول ما لا يضرك ولعله ينفعك ، فقلت وما هو ؟ قال : تدَّعي أن تلك الفسوات الثلاث منك ، فقلت : هاتها ، ودخلت ، فلما وقفت بين يديه قلت : لي الأَمان أيُّها الأَمير ، فقال : قل ، فقلت : أَرأَيت تلك الليلة وما جرى من الفسوات ؟ قال : نعم ، قلت : عليَّ وعليَّ إن كان فَسَاهُنَّ غيري ، فضحك وسقط على قفاه ، قال : فلم ويلك ما أخبرتني ؟ فقلت : أردت خصالاً ، منها أن قمت وقضيت حاجتي ، ومنها أنِّي أخذت جاريتك ، ومنها أنِّي كافأتك على أذاك بمثله حيث منعني رسولك من دفع أذاي ، قال : وأين الجارية ؟ قلت : ما خرجت من دارك ، وأخبرته الخبر ، فسرَّ به ، وأمر لي بمائتي دينار أُخرى ، وقال : هذه لجميل فعلك وتركك أخذ الجارية . ومن جيد التلميح قول أبي تمام الطائي :


لئن فَخَرتْ يوماً تميمٌ بقوسها ........ وزادَتْ على ما وَطَّدَت من مَنَاقِبِ فأنتم بذي قار أَمالَتْ سيوفُكمْ ........ عروش الذين استرْهنُوا قوس حاجِبِ


يشير إلى قصة حاجب بن زُرارة حين أتى كسرى في جَدْب أَصابهم بدعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم يستأذنه لقومه أن يصيروا في ناحية من بلاده حتَّى يحيوا فقال : إنَّكم معاشر العرب ذوو غَدْر وحرص ، فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد ، وأغرتم على العباد ، فقال حاجب : إنِّي ضامن للملك أن لا يفعلوا ، فقال : ومن لي بأن تفي ؟ فقال : أرهنك قوسي ، فضحك مَنْ حوله ، فقال كسرى : ما كان ليسلمها أَبداً ، فقبل منه وأذن لهم ، ثمَّ أحيي الناس بدعوته صلّى الله عليه وسلّم ، وقد مات حاجب ، فارتحل ابن عطارد رضي الله عنه إلى كسرى يطلب قوس أبيه ، فردّها وكساه حلَّة ، فلمَّا رجع أهداها للنبي صلّى الله عليه وسلّم ، فلم يقبلها ، فباعها من يهودي بأربعة آلاف درهم .


ويشير فيه أيضاً إلى وقعة ذي قار المشهورة ، وكانت بين الفرس والعرب ، وكانت بعد وقعة بدر بأشهر ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة ، ولمَّا بلغه خبرها قال : هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا . وعن ابن عباس قال : ذكرت وقعة ذي قار عند النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال : "ذلك يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبي نصروا" . ويروى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم تمثلت له الواقعة وهو بالمدينة فرفع يديه ودعا لبني شيبان ولجماعة ربيعة بالنصر ، ولم يزل يدعو لهم حتَّى رأى هزيمة الفرس . ويروى أنَّه قال : "إيهاً بني ربيعة" فهم إلى الآن إِذا حاربوا دعوا بشعار النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعوته لهم ، وقال قائلهم : يا رسول الله وَعْدَكَ ، فإذا دعوا بذلك نصروا .


وقد لمح إلى ذلك المطراني بقوله :


تَزْهو علينا بقَوْس حاجبها ........ زَهْوَ تميم بقوس حاجبها


وقد لمح إلى ذلك الصفدي فقال مورياً في مليح قلندري حلق حاجبيه :


بَدا ليَ في حَلْقِ الحَواجِب فِتْنَةٌ ........ فقلْتُ بِعقْلٍ ذاهلٍ فيه ذاهبِ حَبيبي بحقِّ الله قل ليَ ما الذي ........ دَعاكَ إلى هذا ، فقال مُجاوبي : وعدْتُ بوَصْلِ العاشقينَ تَعطفاً ........ فلم يَثقوا واسترهنوا قَوْسَ حاجبي


ومن لطيف التلميح قول الحسن بن القوطية :


رأى صاحبي عَمْراً فكَلَّفَ وصْفَهُ ........ وحملني من ذاكَ ما ليسَ في الطَّوْقِ فقلت : له عمرٌو كعمرٍو ، فقالَ لي : ........ صَدَقْتَ ولكن شَبَّ عمرو عن الطوْقِ


يشير إلى قصة عمرو بن عدي بن أخت جذيمة الأبرش ، وكانت الجن قد استهوته صغيراً ، ثمَّ قدم وقد التحى ، في خبر طويل ، فأدخلته أمه رقاشِ إلى الحمام : وألبسته ثياب الملك ، ووضعت في عنقه طوقاً من ذهب كان له ، وأزارته خاله فلما رأى لحيته والطوق في عنقه قال شبَّ عمرٌو عن الطوق فذهب مثلاً .


وإلى ذلك لمح السراج الوراق بقوله من أبيات :


بطوق سمورةٍ كادت محاسنهُ ........ تكونُ للوُرْق في أفنانهنَّ سَمَرْ إن شبَّ عمرو عن الطوق الذي زعموا ........ فقل وقد شب في الطوق الوزير عُمَرْ


وأشار إلى ذلك بقوله أيضاً :


مثل ما قد شبَّ عمرٌو ........ هكذا شابَ عُمَرْ


ومن غريب التلميح ما حكى أن رجلاً قعد على جسر بغداد ، فأقبلت امرأة بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى الجانب الغربي ، فاستقبلها شابٌّ فقال لها : رحم الله علي بن الجَهْم ! فقالت له : رحم الله أبا العلاء المعري ! وما وَقَفا بل سارا مشرقاً ومغرباً ، قال : فتبعت المرأة وقلت لها : لئن لم تخبريني بما أراد بابن الجهم وما أردت بأبي العلاء فضحتك ، فقالت : أراد به قوله :


عُيون المها بينَ الرصافةِ والجسرِ ........ جَلبْنَ الهَوَى من حيثُ أدْري ولا أدري


وأردت أنا بأبي العلاء قوله :


فيا دارها بالخيفِ إنَّ مَزارَها ........ قريبٌ ولكن دون ذلك أهوالُ


ومن التلميح أيضاً قوله :


شقيت بكم وكنت لكم جليساً ........ فَلَسْتُ جلسَ قَعْقاعِ بن شورِ


أراد به قول الآخر :


وكنْتُ جليسَ قعقاع بن شورٍ ........ ولا يشقى لقعقاعٍ جليسُ


ومن ظريف التلميح قول ابن قلاقس :


عَسكر منْ جَمالِه ........ بَطلٌ ليسَ يُدفعُ قامَ عن قوْسِ حاجبَيْ _ هِ بعيْنَيْه يَنْزعُ أسهُم كيفَ ما انحرَفْ _ نَ إلى القلبِ تَتْبَعُ هكذا كنتُ عن أبي ........ حَيّةٍ قبلُ أسمعُ


يشير إلى ما حدث به أَبو حيَّة النميريّ عن نفسه قال : عنَّ لي ظبي يوماً فرميته فراغ من سهمي فعارضه السهم ثمَّ راغ فعارضه ، فما زال والله يروغ ويعارضه حتَّى صرعه ببعض الحارات . وأبو حيَّة هذا اسمه الهيثم بن الربيع شاعر مجيد من مخضرمي الدولتين : الأمويَّة والعبَّاسيَّة ، وكان أهوج جباناً بخيلاً كذَّاباً معروفاً بذلك أجمع ، وقيل : إنه كان يُصْرَع .


ومن أخباره أنه كان له سيف يسميه لعاب المنية ليس بينه وبين الخشبة فرق ، قال ابن قتيبة : فحدثني جار له قال : دخل ليلة إلى بيته كلب فظنَّه لصًّا فأشرفتُ عليه وقد انتضى سيفه لعاب المنية وهو واقف في وسط الدار وهو يقول : أَيُّها المغترّ بنا ، والمجترئ علينا ، بئس والله ما اخترت لنفسك ، خير قليل ، وسيف صقيل ، لعاب المنية الذي سمعت به ، مشهورة ضربته ، لا تخاف نَبْوته ، اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك ، إنَّني والله إن أدع قيساً عليك لا تقم لها ، قيس وما قيس تملأ والله الفضاء خيلاً ورجلاً . سبحان الله ! ما أكثرها وأطيبها ، فبينا هو كذلك إذْ خرج الكلب ، فقال : الحمد لله الذي مسخك كلباً ، وكفاني حرباً . وقال مسلمة بن عياش لأبي حيَّة : أَتدري ما يقول الناس ؟ قال : وما يقولون ؟ قال : يقولون : إنِّي أشعر منك ، قال : إنَّا لله ، ذهب والله الناس .


وحدث عبد الله بن مسلم قال : كان أبو حيَّة النميريّ من أكذب الناس ، فحدث يوماً أنَّه يخرج إلى الصحراء فيدعو الغربان فتقع حوله ، فيأخذ منها ما شاء ، فقيل له : يا أبا حيَّة ، أَفرأَيت إن أخرجناك إلى الصحراء فدعوتها فلم تأتك فماذا نصنع بك ؟ قال : أَبعدها الله إذاً . وقال يوماً : رميت والله ظبية فلما بعد سهمي عن القوس ذكرت بالظبية حبيبة لي فعَدَوت خلف السهم حتَّى قبضت على قُذَذِهِ قبل أن يدركها .


وقد لمح الصلاح الصفدي إلى قصة أبي حية أيضاً فقال :


وشادنٍ إنْ هَبَّ عَرْفُ الصَّبا ........ شمِمْتُ منهُ عَرْفه طَيّهْ أميلُ عنهُ خوفَ عشقي لهُ ........ وجفنه يتبعني غيهْ كأنني قدامه ظبيةٌ ........ وطرفهُ سهم أبي حيهْ


وقد تبع الصلاح الصفدي في ذلك ابن نباتة على عادته المشهورة حيث قال :


وبديع الجمال لم يَرَ طَرْفي ........ مثل أعطافهِ ولا طَرْفُ غيري كلما حدتُ عن هَواهُ أتاني ........ سهم ألحاظهِ كسَهْمِ النميري


ومما عد من هذا النوع ، وهو بالتعريض أشبه ، قول محمد بن مغيث وقد أتى عبد المجيد بن المهذب زائراً فحجبه ، وهو :


زُرْتُ عبد المجيد زَوْرَةَ مُشْتا _ قٍ إليه فصدَّ عني صُدودا فكأني أتيتُهُ أنزعُ العمَّ _ ةَ عن رأسهِ وأخصي سَعيدا


وكان برأس المذكور قروح وله عبد يؤثره . وهذا يشبه تعريض ولادة بنت المستكفي في قولها :


إنَّ ابن زَيْدونَ على فضله ........ يَغْتابُني ظلماً ولا ذَنْبَ لي يلْحَظُني شَزْراً إِذا جئْتُه ........ كأنّني جئتُ لأخْصي عَلي


ومثله قول أبي الحسن بن نفادة :


إن ابن زَيْنَبَ رامٍ ........ له مَرامٍ بَعيدهْ يَريشُني بسهامٍ ........ يجيء غيرَ سَديدَهْ والله إن لم يَدَعني ........ لأخصينَّ عبيدَهْ


وما أحسن قول أبي نواس :


فأعْرَضَ هيثمٌ لما رآني ........ كأني قد هجوتُ الأدعياء


فعرَّض بكونه دعياً ، ثمَّ تهكم به ، فقال :


فقد آليتُ لا أهْجو دَعِيًّا ........ ولو بَلَغَتْ مُروءَتُهُ السماءَ


ومن ظريف التلميح ما روي أن شريك بن عبد الله النميريّ ساير يزيد ابن عمرو بن هبيرة الفزاري يوماً ، فبَرَزَتْ له بغلة شريك ، فقال يزيد : غض من لجامها ، فقال شريك : إنَّها مكتوبة ، أصلح الله الأَمير ! فقال له يزيد : ما ذهبتُ حيث أردت . ويزيد أشار إلى قول جرير :


فغضَّ الطرفَ إنَّكَ من نُميرٍ ........ فلا كعباً بلغْتَ ولا كلاَبَا


فعرَّض له شريك بقول ابن دارة :


لا تأمننَّ فَزارِيًّا نزلْتَ بهِ ........ على قلوصكَ واكتبها بأَسيارِ


وكان بنو فزارة يُرْمَوْنَ بإتيان الإبل . ومثله ما حكي أن تميميًّا نزل بفزاري ، فقال له : قلوصَكَ يا أخا تميم لا تنفر القطا ، فقال : إنَّها مكتوبة . أَشار الفزاريّ إلى قول الطرماح :


تميمٌ بطُرْقِ اللؤم أَهدَى مِنَ القطَا ........ ولوْ سلَكَتْ سُبْلَ المكارم ضَلَّتِ


وأشار التميمي إلى بيت ابن دارة المار . وبيت الطرماح هذا يقول بعده :


ولو أنَّ بُرْغوثاً على ظهرِ قملةٍ ........ يكرّ على صَفَّيْ تميم لولَّتِ


وقد أخذ ابن لنكك صدر البيت الأول ، فقال :


تعستمْ جميعاً من وجوهٍ لبلدةٍ ........ تكنفكمْ لؤمٌ وجَهْلٌ فأفْرَطَا أَراكُمْ تعيبونَ اللئامَ وإنَّني ........ أَرَاكم بطرقِ اللؤمِ أَهدى من القطَا


ومثله ما حكي أن تميميًّا قال لشريك النميري : ما في الجوارح أحبُّ إليَّ من البازي ، فقال النميريّ : خاصةً إِذا كان يصيدُ القطا . أشار التميميّ إلى قول جرير :


أَنا البازِي المطلُّ على نميرٍ ........ أَتِيحَ من السَّماءِ لهُ انصبابَا


وأشار النميريّ إلى بيت الطرماح المار قبله . ومن ذلك ما روي أن رجلاً من بني مُحارب دخل على عبد الله بن يزيد الهلاليّ ، فقال عبد الله : ماذا لقينا البارحة من شيوخ بني مُحارب ، ما تركونا ننام ، فقال المحاربيّ : أَصلحك الله ! أَضلُّوا البارحة برقعاً فكانوا في طلبه . أَراد الهلالي قول الأخطل :


تَرِيشُ بلا شيء شيوخ مُحاربٍ ........ وما خِلْتُها كانتْ تَرِيشُ ولا تبرِي ضَفادعُ في ظلماءِ ليلٍ تجاوَبتْ ........ فدلَّ عليها صوتُها حيَّةَ البحرِ


وراد المحاربيّ قول الآخر :


لكل هلاليّ من اللؤمِ بُرْقعٌ ........ ولابن هلال بُرْقعٌ وجِلالُ


ومنه ما ذكره صاحب البيان ، قال : دخل عبد الحميد بن سعيد بن مسلم الباهلي ومعه ابن الأَفْوه ، وكان مبغضاً ، فتخطَّى الناس حتَّى بلغ إلى عمر بن فرج الرخجي ، فلما قرب منه قال له : من هذا ؟ فقال : ابني ، أَصلحك الله ! وهل يخفى القمر ، فقال : إن كان كذلك فرفع عنه حاشية الإزار . أراد قول بشار بن برد :


إِذا أَعيتكَ نسبةُ باهليّ ........ فرفع عنهُ حاشية الإزار على أستاهِ سادَتهمْ كتابٌ ........ مَوَالي عامرٍ وَسْماً بنَارِ


ومن ظريف التلميح أن الحَيْصَ بَيْصَ حضر ليلةً عند الوزير في شهر رمضان على السماط ، فأخذ أبو القاسم بن القطان قطاة مشويَّة ، وقدمها إلى الحَيْصَ بَيْصَ ، فقال الحَيْصَ بَيْصَ للوزير : يا مولانا هذا الرجل يؤذيني ، فقال الوزير : وكيف ذاك ؟ قال : لأنَّه يشير إلى قول الشاعر :


تميمٌ بطُرْقِ اللؤم أَهدَى مِنَ القطَا ........ ولوْ سلَكَتْ سُبْلَ المكارم ضَلَّتِ


وكان الحيص بيص تميميًّا ، وقد سبق له ذكر في شواهد الهزل الذي يراد به الجد ، وكان ابنه يلقب هَرْجَ مَرْجَ ، وابنته : دَخْلَ خَرْجَ . وممَّا يستظرف لأبي القاسم المذكور ، وهو ممَّا نحن فيه : أنَّه لما ولي الزينبي الوزارة دخل عليه والمجلس حافل بالرؤساء والأَعيان ، فوقف بين يديه ودعا له ، وأَظهر الفرح والسرور ، ورقصَ ، فقال الوزير لبعض من يفضي إليه بسرِّه : قبَّح الله هذا الشيخ ! فإنَّه يشير برقصه إلى قولهم : ارقص للقرد في دولته . وقد نظم أبو القاسم المذكور هذا المعنى ، وكتبه إلى بعض الرؤساء :


يا كمال الدِّين الذي ........ هوَ شَخصٌ مشخّصُ والرَّئيسُ الذي بهِ ........ ذنبُ دَهري يمحَّصُ كلَّما قلتُ قدْ تبغ _ دَدَ قومي تحمَّصُوا وغَواشٍ على الرُّؤو _ سِ عليها المقرنصُ وأَنا القردُ كلّ يَوْ _ مٍ لكلب أبصبصُ كلّ منْ صفَّقَ الزَّما _ نُ لهُ قُمتُ أرقصُ محنٌ لا يفيدُ ذا الن _ ون منها التبرصصُ فمتَى أسمعُ الندَا _ ءَ وقدْ جاءَ مخلصُ


وفي معناه قول ابن عتبة الإشبيلي ، وكان قد فارق الأندلس وهي مضطربة بدولة ابن هُودٍ ، وقدم مصر ، فلمَّا سئل عن حاله أنشد :


أَصبحْتُ في مصر مُستضاماً ........ أَرقصُ في دولَةِ القرودِ واضيعةَ العمرِ في أخيرٍ ........ من النَّصارى أَو اليهودِ بالجدّ رزقُ اللئام فيهمْ ........ لا بِذوَات ولا جدُودِ لا تبصرُ الدهر من يُراعي ........ معنى قصيد ولا قصُودِ أَودُّ من لؤمهم رُجُوعاً ........ للغربِ في دولةِ ابن هُودِ


وعلى ذكر الرقص للقرود فبديع قول أبي الحسن الأَهوازي :


قلت لمَنْ لامَ لا تلمني ........ كلّ امرئ عالم بشانه لا ذَنب لي فيما فعلتُ إنِّي ........ رقصتُ للقردِ في زمانه من كرم النَّفس أن تراها ........ تحتملُ الذلّ في أوانه


ومنه قول علي بن بسام :


لا بدَّ يا نفسُ من سجود ........ في ومنِ القرْد للقرودِ


وقوله أيضاً :


سَجدنا للقرودِ رَجاء دُنيا ........ حَوَتْها دوننا أَيدي القرودِ فما آلتْ أَنامِلنا بشيءٍ ........ علمناهُ سوَى ذلّ السُّجُودِ


وكان أبو القاسم بن القطان صاحب نوادر ، منها أنه دخل يوماً على الوزير ابن هُبَيْرَةَ وعنده نقيب الأشراف ، وكان ينسب إلى البخل ، وكان في شهر رمضان والحر شديد ، فقال له : أين كنت ؟ قال : في مطبخ سيدي النقيب ، فقال الوزير : ويلك في شهر رمضان في المطبخ ، قال : وحياة مولانا كسرت فيه الحر ، فتبسم الوزير ، وضحك الحاضرون ، وخجل النقيب . وهجا قاضي القضاة جلال الدين الزينبي بقصيدة أوَّلها :


يا أَخي ، الشّرْطُ أَملَكُ ........ لستُ للثلب أَتْرُكُ


وهي تزيد على مائة بيت ، فسير إليه أحد الغلمان ، فأحضره ، وصفعه ، وحبسه فكتب إلى مجد الدين استادار الخليفة :


إليكَ أَظلُّ مَجْدَ الدِّين أَشكو ........ بلاءً حلَّ لستُ لهُ مُطيقا وقوماً بلَّغوا عنِّي مُحالاً ........ إلى قاضي القُضاةِ الندب سيقا فأَحضَرَني ببابِ الحكم شخْصٌ ........ غَليظٌ جرَّني كما وزيقَا وأَخفقَ نعلهُ بالصَّفْعِ رأسي ........ إلى أن أوجسَ القلبُ الخفوقا على الخَصْمِ الأداء وقد صُفِعْنا ........ إلى أن ما تَهَدَّيْنا الطَّريقا فيا مولايَ هب ذا الأفك حقًّا ........ أَنُحْبَسُ بعد ما اسْتَوْفَى الحقوقا


فشفع فيه فأطلقه من الحبس ، فقال :


عند الذي طرق بي أنه ........ قد غضَّ من قَدْري وآذاني والحبس ما غيَّرَ لي خاطراً ........ والصَّفع ما لين آذاني


ويضارع هذا ما حكي أنه كان بمصر شاعر يقال له أبو المكارم بن وزير ، وكان قد بلغ سناء الملك أنَّه قد هجاه ، فأدَّبه بالصفع وشتمه ، فكتب إليه ابن المنجم الشاعر :


قل للسعيد أَدام الله دولته ........ صديقنا ابن وزيرٍ كيف تظلمه صفعته إذْ غدا يهجوك منتقماً ........ منه ، ومن بعد هذا ظَلَلْتَ تشتمه هجو بهجو ، وهذا الصَّفع فيه رِباً ........ والشَّرع ما يقتضيه بل يُحَرِّمه فإن تقل ما لهجو عنده أَثر ........ فالصَّفع والله أيضاً ليس يؤلمه


وما أظرف قول القائل :


حباها بإكرام وقام مبادراً ........ إلى وتد البيقار علق خفها وكان إِذا ما رابَهُ سوءُ فعلها ........ يبلّ قفاهُ ثمَّ يصفعُ كفّها


وقد كان أبو الفرج بن السوادي الشاعر الواسطي مدح قاضي القضاة الزينبي لمَّا قدم من واسط ، فتأخرت عنه جائزته فاجتمع بابن القطان وشرح له حاله ، فكتب إلى صديق لقاضي القضاة :


يا أبا الفضل الهجاء إِذا ........ ضاقَ صَدْرٌ منه يتّسعُ وقوافي الشعر واثبةٌ ........ ولها الشيطان متّبعُ فاحذرُوا كافات منحدر ........ ما لكم في صفعهِ طمعُ


ومن نوادر ابن القطان أنَّه قصد دار بعض الأكابر في بعض الأيام ، فلم يؤذن له ، فعزَّ عليه ، فأخرجوا من الدار طعاماً لكلاب الصيد ، وهو يبصره ، فقال : مولانا يعمل بقول الناس : لعن الله شجرة لا تظلّ أهلها .


ومن ظريف التلميح ما حكاه الشيخ فتح الدين بن سيد الناس أن الشيخ بهاء الدين بن النحاس دخل إلى الجامع الأزهر يوماً ، فوجد أبا الحسين الجزار جالساً وإلى جانبه مليح ، ففرَّق بينهما وصلى ركعتين ، فلمَّا فرغ قال لأبي الحسين : ما أردت إلاَّ قول ابن سناء الملك . وقال أبو الحسين : وأنا تفاءلت بقول صاحبنا السراج الوراق . أراد ابن النحاس بقول ابن سناء الملك :


أَنا في مقعد صدقٍ ........ بين قوَّاد وعلق


وأراد الجزار بقول السراج الوراق :


ومهفهفٍ رَاض الأبيّ ........ فقاده سلس القياد لمَّا توسَّط بيننا ........ جرت الأُمور على السداد


ومحاسن ما أتينا من التلميح تغتفر الإطالة . والله تعالى أعلم .


قِفَا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ ........ بسقطِ اللّوى بينَ الدُّخولِ فحوْملِ


البيت من الطويل ، وهو مطلع قصيدة امرئ القيس السابقة في شواهد المقدمة ، والسقط حيث انقطع معظم الرمل ودق ، واللوى : ما التوى من الرمل أو مُسْتَرَقُّه ، والدخول وحَوْمل : موضعان .


والشاهد فيه : حسن الابتداء ، ويسمى براعة المطلع ، وبراعة الاستهلال ، فبيت امرئ القيس هذا أبدع فيه ، لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت ، عذب اللفظ ، سهل السبك ، وانتقد عليه عدم المناسبة في الشطر الثاني .


وأحسن منه في التناسب - وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معان - قول النابغة :


كِليني لهمٍّ يا أمَيْمَةَ ناصِبِ ........ وليل أقاسيه بطيء الكواكبِ


فإن قسميه متناسبان وألفاظه متلائمة .


وما سمع أشد مباينة من قسمي بيت جميل في قوله :


ألا أيها النُّوَّم ويْحكُمُ هُبُّوا ........ أسائلكم هل يَقْتُلُ الرجلَ الحبُّ


وهذا البيت هو الذي قال فيه الرشيد إما للمفضل الضبي أو غيره : هل تعرف بيتاً نصفه بدوي في شملة وباقيه مخنث في بِذْلَةٍ ، فأنشده البيت ، فاستحسن فكره .


قَصْرٌ عَلَيْهِ تحيةٌ وسلامُ ........ خَلَعَتْ عليه جمالها الأيام


البيت لأشجع السلمي ، من قصيدة من الكامل يمدح بها الرشيد ، والرواية نثرت بدل خلعت ، وبعده :


فيه اجتلى الدنيا الخليفة والتَقَى ........ للمُلْكِ فيه سلامةٌ وسلامُ قصرٌ سُقوفُ المزن دون سقوفِهِ ........ فيه لأعلام الهدى أعلامُ نَشَرت عليه الأرض كسوتها التي ........ نسجَ الربيعُ وزخْرَفَ الإرهامُ أدنتكَ من ظل النبي وَصِيَّةٌ ........ وقرابة وشجَتْ بها الأرحامُ بَزَقَتْ سماؤك في العَدُوِّ فأمطَرَتْ ........ هاماً لها ظلُّ السيوف غمامُ وإذا سيوفكَ صافَحتْ هامَ العدا ........ طارَت لهن عن الرؤوس الهامُ يُثْنى على أيامك الإسلامُ ........ والشاهدان الحلُّ والإحرامُ وعلى عدوِّكَ يا ابنَ عمّ محمد ........ رَصَدَانِ ضوءُ الصبح والإظلامُ فإذا تنبه رُعْتَهُ وإذا غَفا ........ سَلَّتْ عليه سيوفكَ الأحلامُ


حدث عبد الله بن العباس الربيعي أن أول من أدخل أشجع إلى الرشيد الفضل بن الربيع ، فإنه مدحه ، فوصفه للرشيد ، وقال : هو أشعر شعراء هذا الزمان وقد اقتطعته عنك البرامكة ، فأمر بإحضاره وإيصاله مع الشعراء ، فلما وصل إليه أنشده القصيدة ، فاستحسنها ، وأمر له بعشرين ألف درهم ، فمدح الفضل ابن الربيع وشكر له إيصاله إلى الخليفة ، فقال فيه قصيدته التي أولها :


غَلبَ الرقادُ على جُفونِ المسعِدِ ........ وغرقْتُ في سَهَر وليلٍ سَرْمَدِ قد جدَّ بي سهرٌ فلم أرقُدْ له ........ والنوْمُ يلعبُ في جفون الرقَّدِ ولطالما سَهِرَتْ بحبي أعينٌ ........ أهدى السهاد لها ولما أسْهَدِ


ويقول فيها :


أأقيم مُحْتملاً لضَيْمِ حوادثٍ ........ مَعَ هِمَّةٍ مَوْصولة بالفَرْقَدِ وأرى مخايلَ ليسَ يخلف نوءها ........ للفضل إن رعدت وإن لم ترعَدِ للفضل أموال أطاف بها الندى ........ حتَّى جَهَدْن وجودُه لم يجهَدِ يا ابن الربيع حسرت شكري بالذي ........ أوليتني في عَوْدِ أمركَ والبَدِ أوْصَلْتَني ورَفَدتني وكلاهما ........ شَرَف فقأتُ به عيونَ الحسَّدِ وكفيتني منن الرجال بنائل ........ أغنى يدي عن أن تُمَدَّ إلى يَدِ


والشاهد في البيت : حسن الابتداء . وقد ضمنه الصلاح الصفدي في مرثية فقال :


صَلّى ورائك كل من عاصرته ........ علماً بأنك في البيان إمامُ وكأن قبرك للعيون إِذا بدا ........ قصرٌ عليه تحية وسلامُ


ومن محاسن الابتداء قول أبي نواس :


خليليّ هذا موقف من متيم ........ فعوجا قليلاً وانظراهُ يسلم


وقوله أيضاً :


لمن دمَنٌ تزداد حُسْنَ رسومِ ........ على طول ما أقْوَتْ وطيب نسيمِ


وقول البحتري :


بوُدِّيَ لو يَهْوى العذول ويَعْشَقُ ........ ليعلم أسباب الهَوَى كيف تَعْلَقُ


وقول أبي تمام :


لا أنتَ أنتَ ولا الديارُ ديارُ ........ خَفَّ الهَوَى وتقَضَّتِ الأوْطارُ


وقول المتنبي :


أتراها لكثرة العشاق ........ تحسبُ الدمْعَ خِلْقَةً في المآقي


وقوله :


حُشاشَة نفس وَدَّعتْ يوم ودعوا ........ فلم أدر أيَّ الظاعنين أشيِّعُ


وقول ابن المعتز مع تناسب القسمين :


أخذَتْ من شبابيَ الأيامُ ........ وتولَّى الصِّبا عليه السلامُ


وقول أبي العلاء المعري :


يا ساهرَ البرق أيْقِظْ راقِدَ السَّمُرِ ........ لعلَّ بالجِزْعِ أعواناً على السَّهَرِ


وقول ابن هاني ، مع بديع الاستعارة :


بَسَم الصَّباحُ لأعين النُّدَماءِ ........ وانْشقَّ جَيْبُ غُلالة الظَّلْماءِ


وقول الشريف أبي جعفر البياضي مشيراً إلى الرفق بالإبل عند السُّرى :


رفقاً بهنّ فما خُلقْنَ حديدا ........ أوَما تراها أعظُماً وجُلودا


وقول ابن قاضي ميلة :


يذيل الهَوَى دَمْعي وقلبي المعنّفُ ........ وتَجْني جُفوني الوجْدَ وهو المكَلَّفُ


وقول التهامي :


حازَكِ البينُ حين أصْبحتِ بَدْرا ........ إنَّ للبدر في التَّنقُّل عذْرا


وما أرشق قوله بعده :


فارْحلي إن أرَدت أو فأقيمي ........ أعْظَمَ الله للهوى فيَّ أجْرا لا تقولي لقاؤنا بعدَ عشْرٍ ........ لستُ ممن يعيشُ بعدك عشرا


وقول عليّ الشطرنجيّ الحلبيّ من قصيدة نظامية :


أمَّا عُلاك فدونها الجوزاء ........ قَدْراً فماذا يَنْظِمُ الشعراء


وما أبدع ما قال بعده :


يَرْتَدُّ عنك الفكرُ وهو مُهَنَّدٌ ........ ويضيق فيك القولُ وهو فضاءُ شرفٌ أناف على السِّماك وهمةٌ ........ ضاقَتْ بمسرح عزمها الدهناءُ وفضائلٌ جاءت أخيرَ زمانها ........ فحثت على ما سَطَّرَ القدماءُ


وقول سعيد بن علي من نظامية :


أبى الضيمَ قلبٌ بين جنبيَّ قُلَّبُ ........ وعزمٌ من الشهبِ الثواقب أثْقَبُ


وبديع قوله بعده :


وكلفني خَوْضَ الدجى طلبُ العلا ........ ولولا المعالي ما طَبانيَ مركبُ فما لي ولللاَّحي يُطيل ملامتي ........ كأني لغير المجد أسعى وأدأبُ


وقول ابن العواذلي من نظامية :


لو كان للدَّهْرِ حِسٌ أو له كلِمُ ........ أثنى عليكَ بنا يُثني به الخَدَمُ


قائله ابن مقاتل الضرير ، أحد شعراء الجبال ، في مطلع قصيدة من الرجز أنشدها للداعي إلى الحق العلوي الثائر بطبرستان ، فقال له : بل موعد أحبابك ولك المثل السوء . والشاهد فيه : قبح الابتداء . وروي أيضاً أنه دخل عليه في يوم مِهْرَجان وأنشده :


لا تَقُلْ بُشْرى ولكن بُشْرَيان ........ غُرّة الداعي ويومُ المِهْرَجان


فتطير منه الداعي ، وقال : يبتدئ بهذا يوم المهرجان ، وأمر ببَطْحه وضربه خمسين عَصاً ، وقال : إصلاح أدبه أبلغ في ثوابه . ومن الابتداآت القبيحة قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان :


أتَصْحو أم فؤادك غير صاح


فإنه لما أنشده قال له عبد الملك : بل فؤادك يا ابن الفاعلة . ومثله قول ذي الرُّمَّة لما دخل على عبد الملك وأنشده قصيدته التي أوّلها :


ما بالُ عينِكَ منها الماء ينسكبُ


وكانت عين عبد الملك تَدْمع دائماً ، فتوهم أنه خاطبه وعرض به ، فقال له : ما سؤالك عن هذا يا ابن الفاعلة ؟ ! ومقته وأمر بإخراجه . ومثله قول أبي النجم حين دخل على هشام بن عبد الملك وأنشده أرجوزته في وصف الشمس :


صَفْراء قد كادَتْ ولما تَفْعَلِ ........ كأنها في الأفق عينُ الأحْوَلِ


فأمر بوجء عنقه وإخراجه من الرصافة . ومن قبيح الابتداء قول البحتري ، وقود أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أوَّلها :


لكَ الوَيْلُ من لعلٍ تَقاصَرَ آخِرُهْ


فقال له : بل لك الويل والحَرَبُ . ومنه ما حكي أن أبا نواس مدح الفضل بن يحيى البرمكي بقصيدة أوَّلها :


أَرَبْعَ البِلَى إن الخشوعَ لبادٍ ........ عليكَ ، وإنِّي لم أَخُنْكَ ودادِي


فتطيَّر الفضل من هذا الابتداء ، فلمَّا انتهى إلى قوله فيها :


سلامٌ على الدُّنيا إِذا ما فُقدتُمُ ........ بني بَرْمَكٍ من رائحين وغادِ


استحكم تطيره ، فلم يمض أسبوع حتَّى نزلت بهم النازلة . ومنه قصة إسحاق بن إبراهيم الموصلي مع المعتصم ، فإنه دخل عليه وقد فرغ من بناء قصر بالميدان ، فشرع في إنشاد قصيدة أوَّلها :


يا دار غَيَّرَكِ البلَى ومَحَاكِ ........ يا لَيْتَ شِعْري ما الَّذي أَبْلاكِ


فتطير المعتصم من قبح هذا الابتداء ، وأمر بهدم القصر على الفَوْر ، وهذا مع يقظة إسحاق وشهرته بحسن المحاضرة وطول خدمته للخلفاء ، ولكن قد يخبو الزناد ، ويكبو الجواد ، مع أنَّه قيل : أحسن ابتداء ابتدأ به مولد قول إسحاق الموصلي :


هل إلى أن تَنَامَ عَيْني سبيلُ ........ إنَّ عَهدِي بالنَّومِ عهدٌ طويلُ


ولقد عيب على أبي الطيب المتنبي خطابه لممدوحه حيث قال :


كفى بك داءً أن تَرَى الموت شافيَا ........ وحسبُ المَنَايَا أن يكنَّ أَمانِيَا


وممَّا يتعجَّب منه في هذا الباب قول مهيار :


وإنَّكَ مذْخُورٌ لإحياءِ دولةٍ ........ إِذا هي ماتَتْ كانَ في يدكَ النَّشْرُ


كيف تفاءل لممدوحه بنشر يده ، وكذلك قوله يتغزل :


في صدرِها حجَر وتحتَ صدارها ........ ماء يشفّ وبانةٌ تَتَعَطَّفُ


فقوله في صدرها حجر أبشع لفظ ، لما من إيهام الدعاء . وكذلك ابن قلاقس في قوله :


بطلاقةٍ أبدتْ بصفحةِ وجههِ ........ وضَحَ الصَّباحُ لمنْ لهُ عَيْنانِ


حيث جعل الوضح بوجهه . ولا يخفى ما في كثير ممَّا ذكر من المشاحة والتعنّت . ومنه ما قاله الناصر بن عبد العزيز للحاجري حين أنشده :


وما اخضرَّ ذاكَ الخدُّ نَبْتاً وإنَّما ........ لكثرةِ ما شُقَّتْ عليهِ المَرائِرُ


عسى هذا الخد كان مسلخاً . وهذا أمر يطول استقصاؤه ، وفيما أوردناه مقنع ، إن شاء الله تعالى .


هو من البسيط ، وقائله أبو محمد الخازن ، من قصيدة يهنئ بها الصاحب ابن عبَّاد بسِبْطه الشريف أبي الحسن عباد بن علي الحسنيِّ ، وتمام المطلع :


وكَوْكبُ المَجْدِ في أُفقِ العُلاَ صَعَدا


وبعده :


وقدْ تَفَرَّعَ في رَوضِ الوزارَةِ عنْ ........ دَوْحِ الرّسالة غُصنٌ مورِقٌ رَشَدَا للهِ آية شمس للعلاَ ولدَتْ ........ نجماً وغابَةَ عزٍّ أطلعَتْ أَسدَا وعنصُر منْ رسول الله واشجة ........ كريم عنصر إسماعيل فاتَّحَدَا وبضعة من أمير المؤمنين زكَتْ ........ أَصلاً وفرعاً وصحت لحمة وسُدَى ومثل هذِي السَّعادات القوية لا ........ يحُوزُها غيرهُ دَامتْ له أَبَدَا يا دهرَهُ حُقَّ أن تزهى بمولدِهِ ........ فمثلُهُ منذ كانَ الدَّهر ما وُلِدا تعجبوا من هلالِ العيدِ يطلعُ في ........ شعبانَ ، أَمرٌ عَجيبٌ قطُّ ما عُهِدا فمن مُوال يوالي الحمدَ مُبتهلاً ........ ومخلصٌ يستديمُ الشُّكر مجتهدا وكادت الغادة الهيفاء من طَرَبٍ ........ تعطى مُبشرها الأهياف والغَيَدَا فَلا راعَى الله نفساً لا تسرُّ بهِ ........ ولا وقاها وغشَّاها ردَاء رَدَى وذي ضَغائن طارَتْ رُوحهُ شَفَقاً ........ منهُ وطاحَتْ شظايا نفسهِ قِدَدَا علماً بأنَّ الحسام الصاحبيَّ غَدَا ........ مُجَرَّداً والشّهابَ الفاطميّ بَدَا وأنَّه انسدّ شعبٌ كانَ منصدعاً ........ بهِ وأمرَعَ شعبٌ كان مختضدَا وأرفعُ المجدِ أعناناً وأسمتهُ ........ مجدٌ يناسب فيهِ الوالدُ الولدَا فليهنئ الصاحبَ المولودُ ولترد ال _ سعود تجلو عليه الفارسَ النجُدَا لم يتَّخذ وَلداً إلاَّ مبالغَة ........ في صدق توحيد مَنْ لم يتَّخذ وَلدَا


ما أشرف معنى هذا البيت ، وأبدعه وأبرعه ! ومنها :


وخُذْ إليكَ عَرُوساً بنْتَ ليلتها ........ منْ خادِمٍ مخلص وُدًّا ومعتقدَا أهديتها عَفْوَ طبعي وانتحيتُ لها ........ سحراً وإن كنتُ لم أنفث لها عُقَدَا وازنتُ ما قلته شكراً لربّكَ إذْ ........ جاءَ المبشِّرُ بَيْتاً سارَ واطَّردَا الحمدُ لله شكراً دائماً أبداً ........ إذْ صارَ سِبطُ رسول الله لي ولَدَا


وكان الصاحب بن عبَّاد قد قال هذا البيت حين جاءته البشارة ، وقال أيضاً :


أحمدُ الله لبشرَى ........ أَقبلتْ عندَ العشيِّ إذْ حباني الله سِبطاً ........ هوَ سِبطٌ للنبيِّ مرْحباً ثُمَّتَ أَهْلاً ........ بغلام هاشميِّ نبويّ علويّ ........ حَسَنِيّ صاحِبيّ


وكان ابن عبَّاد إِذا تذكر عباداً هذا يقول :


يا ربّ لا تُخْلِنِي من صنعكَ الحسَنِ ........ يا ربّ حُظْنِي في عباد الحسنى


ولمَّا فطم عباد قال فيه ابن عبَّاد :


فُطمْتَ أيا عبَّاد يا ابنَ الفواطمِ ........ فقالَ لكَ السَّاداتُ من آل هاشمِ لئنْ فَطموهُ عن رِضاعِ لَبَانهِ ........ لما فَطَموهُ عنْ رِضاع المكارمِ


وفيه يقول عبد الصمد بن بابك ، من قصيدة :


كساك الصَّوم أعمار اللَّيالي ........ وأعقَبَكَ الغنيمَةَ في المآبِ ولا زالتْ سعُودُكَ في خلودٍ ........ تُباري بالمَدَى يومَ الحسابِ أَتاكَ العز يسحَبُ بردتيه ........ على مَيْثَاء حالية الترابِ ببدرٍ من بني الزَّهراء سارٍ ........ تعرَّى عنهُ جلباب السَّحابِ تفرَّع في النُّبوَّة ثمَّ ألقى ........ بضَبْعَيْهِ إلى خيرٍ الصِّحابِ تلاقَتْ لابن عبَّاد فروع ال _ نبوَّة والوزارة في نصابِ فلا تُغْرَرْ برَقدَتهِ اللَّيالي ........ ولا تسمدْ لهُ الهمم النوَابي فمَنْ خضعَتْ لهُ الأسد الضَّواري ........ تَرَفَّعَ عن مغاوَرَةِ الذِّئابِ


ولمَّا أملك عباد هذا بكريمة بعض أَقرباء فخر الدولة ، قال إسماعيل الشاشي قصيدة ، أوَّلها :


المجدُ ما حرست أولاهُ أخراهُ ........ والفخرُ ما التفَّ أَقصاهُ بأَدناهُ والسعيُ أجلبهُ للحمد أَصعبهُ ........ والذكرُ أَعلاهُ في الأَسماعِ أَغلاهُ والفرْعُ أَنجزتِ الآمالُ ما وعدَتْ ........ وأَدرَكَ المجدَ أَقصى ما تمنَّاهُ


يقول فيها :


اليومَ أسفرَ وجهُ المُلْكِ مُبتسماً ........ وأَقبلتْ ببَريدِ السَّعدِ بشراهُ


يقول فيها أيضاً :


قدْ زُفَّ مَنْ جَدُّهُ كافي الكفاةِ إلى ........ مَنْ خالُهُ ملكُ الدُّنيا شهنشاهُ


والشاهد في البيت : براعة الاستهلال ، وهو : أن يكون في الابتداء إشارة إلى ما سيق الكلام لأجله . فمن ذلك ، وهو ممَّا يشعر بالتهنئة بزوال المرض ، قول أبي الطيب المتنبي :


المجدُ عُفيَ إذْ عُوفيتَ والكرَمُ ........ وزالَ منكَ إلى أَعدائكَ السَّقَمُ


وقول لسان الدين الخطيب ، المشعر بالتهنئة ، والنصر على الأَعداء :


الحقُّ يعلو والأَباطلُ تسفلُ ........ والله عن أحكامِهِ لا يُسْأَلُ


وقول مهيار الديلمي المشعر بالاعتذار :


أما وهَوَاهَا عِذرَةً وتَنَصُّلاً ........ لقدْ نقلَ الواشي إليها وأمحَلاَ سعَى جهدهُ لكنْ تجاوزَ حدّهُ ........ وكَثَّرَ فارتابَتْ ولوْ شاءَ قللاَ


وقول الباخرزي المشعر بالتهنئة :


وفَتِ السُّعودُ بوعدِها المضمونِ ........ وتَرَادَفَتْ بالطائرِ الميمونِ وعلاَ لواءُ المسلمين وشافَهُوا ........ تحقيقَ آمال لهم وظنُونُ


وقول أبي نصر أحمد بن إبراهيم الكاتب في التهنئة ببناء دار :


أَهلاً بدارٍ أَبانَ بانيها ........ دلائلَ المجد في مَغانيها دارٌ حكَتْ صَدْرَ رَبِّها سَعَةً ........ تُسافرُ العينُ في نواحيها


وقول محمد بن أبي العباس المسكاني في التهنئة بالوزارة :


يبشرني علوّك بالوزارهْ ........ وذاكَ الملك أَولى بالبشارهْ


وقول أبي محمد المطراني ، المشعر بذم المشيب ومدح الشباب :


أَلمَّ المشيبُ برأسي نذيرَا ........ ووَلَّى الشَّبابُ بعهدي نضيرَا وأَصبحَ ضوْءُ صباح المشيب ........ لغرْبان ليل شبابي مَطيرَا كذاكَ إِذا لاحَ نور البكورِ ........ لسود الطّيور هَجَرْنَ الوُكُورا


وأَبو محمد الخازن : هو عبد الله بن أحمد الخازن ، قال فيه صاحب اليتيمة : هو من حسنات أصبهان وأعيان أهلها في الفضل ، ونجوم أرضها وأفرادها في الشعر ومن خواص الصاحب ، ومشاهير صنائعه ، وذوي السبق في قديم خدمته .


وكان في اقتبال شبابه ورَيْعان عمره يتولى خزانة كتبه ، وينخرط في سلك ندمائه ، ويقتبس من نور آدابه ، ويستضيء بشعاع سعادته ، فتصرَّف من الخدمة فيما قصر أثره فيه ، عن الحد الذي يحمده الصاحب ويرتضيه ، كالعادات في هفوات الشبيبة ، وسقطات الحداثة ، فلما كان ذلك يعود بتأديبه إيَّاه وعزله ، ذهب مغاضباً أو هارباً ، وترامت به بلدان العراق ، والشام ، والحجاز ، في بضع سنين ، ثمَّ أفضت حاله في معاودة حضرة الصاحب بجرجان إلى ما يقصُّه ويحكيه في كتاب كتبه إلى صديقه أبي بكر الخوارزمي ، وذكر فيه عجره وبجره ، وقد ذكرته تنبيهاً على بلاغته وبراعته ، واختصاراً للطريق إلى معرفة قصته .


وهذه نسخته - كتابي ، أطال الله بقاء الأستاذ ، سيدي ومولاي ! من الحضرة التي نرحل عنها اختياراً ، ونرجع إليها اضطراراً ، ونسير عن فنائها إِذا أبطرتنا النعمة ، ثمَّ نعود إلى أرجائها إِذا أدبتنا الغربة . ومن لم تهذبه الإقالة هذبه العثار ، ومن لم يؤدبه والده أدبه الليل والنهار . وما الشأن في هذا ، ولكن الشأن في عشر سنين بين علم ينسى ، وغم لا يحصى . وإنفاق بلا ارتفاق ، وأسفار لم تسفر عن طائل ، ولم تغن عني بريش طائر ، وبعدٍ عن الوطن على غير بلوغ الوطر ، ورجعت - يشهد الله - صفر اليدين من البيض والصفر ، أتلو "والعصر إنَّ الإنسان لفي خسرٍ" وأنا بين الرجاء في أن أقال العثار ، والخوف من أن يقال : زأر اللَّيثُ فلا قرار ، ولكنَّني قد كنت قدمت تطهير نفسي ، فلجت حتَّى حجت ، وعدت بغبار الإحرام ، وبركة الشهر الحرام .


وحين خيمت بأصبهان أنهى سيدنا الأستاذ الفاضل أبو العباس - أدام الله تمكينه ! خبري إلى الحضرة ، حرس الله بهاها وثناها ، والناس ينظرون هل أقبل ، فيتلقوني بأكرم الرتب ، أم أسخط ، فيتحاموني كالبعير الأجرب ، وورد توقيع مولانا الصاحب كافي الكفاة - أطال الله مدته ، وكبت أعداءه ، وحسدته ! - بعالي خطه ، وقد نسخته على لفظه ، ليعلم مولانا الأستاذ - أدام الله عزّه ! - أن الكرم صاحبي لا برمكي ، وعبَّادي لا حاتمي ، وأنا نتجرم ، ثمَّ نتندم ، ونميل على جانب الإدلال ، ثمَّ لا نروى إلاَّ من الماء الزلال ، والتوقيع : ذكر مولاي ، أدام الله عزه عودَ أبي محمد عبد الله الخازن - أيَّده الله - للفناء الذي فيه درج ، والوكر الذي منه خرج ، وقد علم الله أن إشفاقي عليه في إيابه ، لم يكن بأقل منه عند اغترابه ، فإن أحبَّ أن يقيم مُدَيْدة ، يقضي فيها وطر الغائب ، ويضع معها أوزار الآئب ، فليكن في ظل من مولانا ظليل ، ورأي منه جميل ، وبرّ من ديواننا جزيل ، وإن حفزه الشوق فمرحباً بمن قربته التربية لدينا ، فأفسدته العزَّة علينا ، وردته التجربة إلينا ، وسبيله أن يرفد بما يزيل شغل قلبه بعياله ، ويعينه على كلّ قبيل ارتحاله ، إن شاء الله تعالى ، لا جرم أنِّي أخذت مالاً ، وأغنيت عيالاً ، وقلت : ليس إلاَّ الجمازة ، والمفازة ، وصبحت جرجان مسْيَ عاشرة أهدى من القطا الكدري ، كأنِّي دَعَيْميصُ الرمل ، أستاف أَخلاف الطرق ، وأنا مع ذلك أحسب العفو عنِّي حلماً ، لا أقدِّر ما جنيت يعقب حلماً ، وكأنِّي ما خطوت إلاَّ في التماس قربة ، ولا أخطأت إلاَّ لتأثيل حرمة ، وكأني لم أفارق الظل الظليل ، وأخذ فيَّ بقول الله تعالى : "فاصفح الصفح الجميل" ، وقد ورد في التفسير أنَّه عفو من غير عتب ، وعدنا للقرب في المجلس ، وكرم اللقاء والمشهد ، وراجعت أيدينا ثقل الصرر ، وجلودنا لين الحبر . وركبنا صهوات الخيل ، وسبحنا إلى دورنا بفضلات الخير ، وأقبلنا على العلم ، وصافحنا يد النثر والنظم ، وراجع الطبع شيء كان يدعى الشعر ، كذلك آدم عليه السلام : أُسكن الجنة بمنّ الله وفضله ، ثمَّ خرج منها بما كان من جرمه ، وهو عائد إليها بعفو الله وطَوْلَهَ ، وحسبي الله ونعم الوكيل .


قال الثعالبي : فهذا الكلام كما تراه يجمع بين السهولة والحلاوة ، وحسن التصرف في لطائف الصنعة ، ويملك رق الإتقان ، والإبداع والإحسان ، ويعبر عما وراءه من أدب كثير ، وحفظ غزير ، وطبع غير طبع ، وقريحة غير قريحة .


وأمَّا شعره فجار مجرى عقد السحر ، مرتفع الحسن عن الوصف ، وهو من نظراء الخوارزمي والرستمي ، وما أصدق قوله :


لا يحسن الشعْرُ ما لم يسترق لهُ ........ حُرُّ الكلام وتستخدم له الفِكَرُ انظرْ تَجد صور الأَشعار واحدةً ........ وإنَّما لمعانٍ تُعْشَقُ الصورُ والمعدمونَ من الإبداعِ قد كثروا ........ وهو قليلون إن عُدُّوا وإن حصرُوا قومٌ لَوَ انَّهمُ ارتاضوا لما قرَضوا ........ أَو أنَّهم شعروا بالنَّقصِ ما شعرَوا


قال : وكان أبو بكر الخوارزمي أنشدني لمعاً من شعره ، كقوله في وصف الغبار وذكر أنهه لم يسمع في معناه أملح منه :


إنَّ هذا الغبارَ أَلبسَ عِطْ _ فَيَّ سواداً ، ودينيَ التوحيدُ وكسَا عارضيَّ ثوب مشيبٍ ........ ورداءُ الشَّباب غضٌّ جديدُ


وقوله ، أو هو لأبيه أحمد :


منْ يستقمْ يحرمْ مناه ومن يزغْ ........ يختص بالإسعافِ والتَّمكينِ انظرْ إلى الألف استقامَ ففاتهُ ........ نقطٌ وفازَ بهِ اعوجاجُ النُّونِ


وعكس هذا المعنى أبو طالب يحيى بن زياد ، فقال :


إن كنتَ تَسْعَى للزيادَةِ فاستقمْ ........ تَنَلِ المُراد ولو سَمَوْتَ إلى السَّما أَلفُ الكتابَةِ وهو بعضُ حُروفها ........ لمَّا استقامَ على الجميع تَقَدَّمَا


رجع إلى شعر الخازن . وله أيضاً في الغزل :


حُثَّ المطيَّ فهذه نجْدُ ........ بَلَغَ المَدَى وتزايدَ الوَجْدُ يا حبَّذا نجد وساكنها ........ لو كان ينفع حبَّذا نجدُ وبِمُنْحَنَى الوادي لنا رشأٌ ........ قد ضلَّ حيث الضالّ والرنْدُ هند ترى بسيوف مقلتها ........ ما لا تَرى بسيوفها الهندُ


وله أيضاً من قصيدة يعتذر فيها إلى الصحب :


لنارِ الهمِّ في قلبي لهيبُ ........ فعفواً أَيُّها الملكُ المهيبُ فقد جازَ العقابُ عقاب ذَنبي ........ وضجَّ الشعر واستعدى النَّسيبُ وفاضت عبرةً مهجُ القوافي ........ وغصصها التذلُّل والنَّحيبُ وقد فصمت عراها واعتراها ........ لسخطك بعد نَضْرتها شحوبُ وقالتْ ما لعفوكَ ليس يندى ........ لنا وسماء مجدكَ لا تَصوبُ ومن يكُ شوط همَّته بعيداً ........ فمثنى عطفه سهل قريبُ تجاوزَتِ العقوبَةُ منهاها ........ فهَبْ ذنبي لعفوكَ يا وَهُوبُ وأحْسِنْ إنَّني أحسنتُ ظنِّي ........ وأرجو أَنَّ ظنِّي لا يخيبُ أَترضى أَن أَكون لقًى مقيماً ........ على خَسْفٍ أذوبُ ولا تثوبُ أَبيتُ ومُقلتي أبِقٌ كَرَاها ........ وفي أَلحاظها صَابٌ صَبيبُ وقيذاً لا يلائمني طعامي ........ ولا ينساغ لي الماء الشروبُ صببت عليَّ سوطاً من عذاب ........ يذلّ لبأسه الدهر الغلوبُ وأرهقني نكيرك لي صَعُوداً ........ من الأشجانِ ليس له صَبُوبُ وما عَونِي على بلوايَ إلاَّ ........ رجائي فيكَ والدمعُ السَّكوبُ فإن تعطف على رجل غريب ........ فإني ذلك الرجلُ الغريبُ عليك أنيخ آمالي فَرحِّبْ ........ بها ، وإليك من ذنبي أتوب وأخطو ما يريب إِذا دَهَتْني ........ غوامضه إلى ما لا يريب فأية طَرْبة للعفو إن ال _ كريم - وأنت معناه - طروب فإني نَشْءُ دارك والمغذَّى ........ بسيبك والصنيعةُ والرَّبيبُ وأُبْتُ إليك من عفْوٍ مدِلا ........ بما يقضي علاك لمن يؤب ولذت ببابك المعمور علماً ........ بأن ذراك لي مَرْعى خصيب وأن شعابه أندى شعاب ........ إليها يلجأ الرجل الأديب وسُقْتُ بناتِ آمالي إليها ........ وقد حفيت وأنضاها الدءوب فَبَوِّئْني اختصاصك حيثُ تجْنى ........ ثمار العز والعيشُ الرطيب ولكن كادني خب حقود ........ لعقرب كيده نحوي دبيب وما لجموح ألفته جنيب ........ ولا لَشَمال فرقته جَنوب ولا يشفيه مني لو رآني ........ وقد أخذت بحلقومي شَعوب بلوت الناس من ناء ودان ........ وخالطني القبائلُ والشُّعوب فكل عند مغمزه ركيك ........ وكل عند مشربه مَشوب فَجُدْ لي بالرضا واقبل متابي ........ وعذري ، إنني أسِفٌ كئيب


وله من قصيدة صاحبية طويلة :


ما زلت أعتسفُ المهامه والفَلا ........ وأواصل الإغوار بالإنجادِ حتَّى نأيت عن الحواضِرِ ملقيا ........ رَحْلي بواد في تخوم بوادي فإذا بسعدي وهي بدر طالع ........ من فوق غصن في نَقًى مُنْهادِ وطرقتها وعداؤها رقباؤها ........ في صورة المرتاب لا المرتادِ فحللت منها حيث كان وشاحها ........ درعي وساعدها الوثير وسادي وخمارها حصني وساحر طرفها ........ سيفي وفاحمها الأثيث نجادي وعقاصها الموصول زهرة روضتي ........ ورضابها المعسول صوب عهادي حيث الصبا عبق الحواشي مونق ........ يزهى بناعم غصنه المياد والروض أحوى والحمائم هتف ........ والظل ألمى والقيان شوادي


ومحاسنه كثيرة ، وفيما أوردناه كفاية .


هي الدُّنْيا تقولُ بملء فيها ........ حَذارِ حَذارِ من بَطشي وفَتكي


البيت لأبي الفرج الساوي ، من قصيدة من الوافر ، يرثي بها فخر الدولة ابن بُوَيْه .


وكان من خبر وفاته - كما حكاه العُتْبي - أنه لما فرغ من القلعة التي أستحدثها على جبل طبرك نزل بها مرتاحاً ، فاشتهى طرائح من لحم البقر ، فنُحرت بين يديه واحدة ، وطفق أصحابه يَطْهونَ له من أطايِبَها ، وهو ينال منها ، وأتبعها بعناقيد كرم ، ودارت عليه الكؤوس ملأى ولاء ، فلم يلبث أن لوى عليه جوفه ، واتصل على الألم صوته ، إلى أن جثم عليه موته ، فرثاه الساوي بهذه القصيدة ، وبعده البيت :


لا يغرركم حُسْنُ ابتسامي ........ فَقولي مُضْحك والفعلُ مُبكي بفخر الدولة اعْتبروا فإني ........ أخذْتُ الملك منه بسيف ملكي وقد كان استطال على البَرايا ........ ونظَّمَ جمعهم في سِلك ملكِ فلو شمس الضحى جاءته يوماً ........ لقال لها عُتُوًّا أُفِّ منكِ ولو زُهْرُ النجوم أتت رضاه ........ تأبَّى أن يقول رضيت عنكِ فأمسى بعد ما قَرَع البرايا ........ أسير القبر في ضيق وضَنْكِ أقدر أنه لو عاد يوماً ........ إلى الدنيا تَسَرْبل ثوب نُسكِ دعي يا نفس فكرك في ملوك ........ مضوا بك في انقراض وَيْكِ فابكي فلا يغني علاك الليث شيئاً ........ عن الظبي السليب قميص نسكِ هي الدُّنيا أشبهها بشَهْدٍ ........ يسم ، وجيفةٍ طُلِيَتْ بمِسْكِ هي الدُّنيا كمثل الطِّفلِ ، بينا ........ يقهقه إذْ بكى من بعد ضحكِ أَلا يا قومنا انتَبهوا فإنَّا ........ نحاسب في القيامَةِ دون شكِّ


والشاهد فيه : براعة الاستهلال أيضاً ، فإنَّه يشعر بابتدائه بأنَّه في الرثاء . ومن ذلك قول التهامي في مرثية ولديه ، وهي من غرر القصائد :


حُكْمُ المنيَّة في البريَّة جارِي ........ ما هذه الدُّنيا بدارِ قَرار طُبعت على كدر وأنت تريدُها ........ صفواً من الأَقذاء والأَكدار بينا يرى الإنسان فيها مخبِراً ........ حتَّى يرى خبراً من الأَخبار ومكلِّفُ الأَيام ضدَّ طباعها ........ متطلبٌ في الماءِ جذوة نار وإذا رجوت المستحيل فإنَّما ........ تبني الرجاء على شفير هار العيش نوم والمنيَّة يقظة ........ والمرء بينهما خيال ساري فاقضوا مآربكم عِجالاً إنَّما ........ أعماركم سَفَر من الأَسفار وتراكضوا خيل الشَّباب وحاذروا ........ أن تستردَّ فإنهنَّ عواري


ومنها :


ليسَ الزَّمانُ وإن حرصت مُسالماً ........ خُلُقُ الزَّمان عداوَةُ الأَحرار وَلَدُ المعزى بعضهُ ، فإذا مضى ........ بعضُ الفتى فالكلُّ في الآثار أبكيه ثمَّ أقولُ معتذراً لهُ ........ وفّقت حيت تركت ألأم دار جاورتُ أَعدائي وجاور ربَّهُ ........ شتَّان بين جواره وجواري أشكو بعادك لي وأنت بموضع ........ لولا الرَّدى لسمعتَ فيه سِراري والشَّرقُ نحو الغرب أَقرب شُقَّةً ........ من بُعْدِ تلك الخمسة الأَشبار


ومنها :


وطَرِي من الدُّنيا الشَّباب وروقه ........ فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري قصرت مسافته وما حسناته ........ عندي ولا آلاؤه بقصار تزداد هَمًّا كلَّما ازددنا غِنًى ........ فالفقر كلّ الفقر في الإكثار ما زاد فوق الزاد خلف ضائع ........ في حادث أو وارث أو عار إنِّي لأرحم حاسِدِيَّ لحرِّ ما ........ ضمنت صدورهُمُ من الأَوغار نظروا صنيع الله بي فعيونهم ........ في جنَّة وقلوبهم في نار لا ذنب لي ، قد رمْتُ كَتْمَ فضائلي ........ فكأَنَّما برقعت وجه نهار وسترتها بتواضعي فتطلعت ........ أعناقُها تعلو على الأَستار ومن الرِّجال مجاهل ومعالم ........ ومن النُّجوم غوامض ودراري والنَّاس مشتبِهون في إيرادهم ........ وتفاوت الأَقوام في الإصدار


وهي طويلة ، وإنَّما اثبت منها ما أثبت ليكون غرَّة لهذا الكتاب ، وتذكرة لأُولي الأَلباب . ومن القصائد المشعرة بالرثاء قول الشريف الموسوي يرثي أبا منصور الشيرازي الكاتب :


أَيّ دُمُوعٍ عليكَ لم تَصِبِ ........ وأَيّ قلب عليكَ لم يَجِبِ مالي وما للزَّمان يَسْلَبني ........ في كلِّ يومٍ غرائب السَّلبِ أما فتى ناضرُ الصّبا كأَخي ........ عنديَ أَو زائدُ المدَى كأَبي وإنَّني للشقاء أحْسبُني ........ أَلعب بالدَّهر وهو يلعب بي


وقول ابن نباتة يهنئ الملك الأَفضل صاحب حماة ويعزيه بوالده الملك المؤيد وهي من غرر القصائد :


هَنَاء مَحا ذاكَ العزاء المقدَّما ........ فما عَبَسَ المحزونُ حتَّى تَبَسَّما ثُغُورُ ابتسام في ثُغُور مدامع ........ شبيهان لا يمتاز ذو السَّبق منهما ترد مجاري الدَّمع والبشرُ واضحٌ ........ كوابلِ غيثٍ في ضحى الشَّمس قد همَى


والفاتح لهذا الباب أَبو نُوَاس ، وقيل : أبو الشيص ، حيث قال يهنِّئ الأَمين بالخلافة ويعزِّيه بالرَّشيد :


حرَتْ جوارٍ بالسَّعْدِ والنَّحس ........ فالنَّاسُ في وحشةٍ وفي أُنسِ والعينُ تبكي والسِّنُّ ضاحكةٌ ........ فنحنُ في مأتمٍ وفي عرسِ يضحكها القائم الأَمين ويب _ كيها وفاة الرَّشيد بالأَمسِ بدران بدرٌ أَضحى ببغداد في ال _ خلدِ وبدرٌ يطوس في الرَّمسِ


ومنه قول صالح بن عبد الله القدوس :


ربَّ مَغْروسٍ بلذَّته ........ فقدتهُ كفُّ مغترسِهْ وكذاكَ الدَّهر مأتمه ........ أَقربُ الأَشياء منْ عُرُسِهْ


وقول يعقوب بن الرَّبيع :


أتتِ البشارَةُ والنعيُّ معاً ........ يا قربَ مأتمها من العُرْسِ


ولأبي دُلامة يعزِّي بالمنصور ويهنئ بالمهدي :


عيناي واحدة ترى مسرورة ........ بأميرها جذلاً وأخرى تذرفُ تبكي وتضحك تارةً ويسوءها ........ ما أنكرت ويسرُّها ما تعرفُ فيسوءها موت الخليفة محرماً ........ ويسرُّها أن قامَ هذا الأرأفُ ما إن رأيتُ كما رأيتُ ولا أرى ........ شعراً أرجِّلُهُ وآخر ينتفُ هلكَ الخليفة يا لأمَّة أحمدٍ ........ وأتاكم منْ بعدهِ من يخلفُ أهدى لهذا الله فضل خلافةٍ ........ ولذاكَ جنَّات النعيم تزخرفُ


ولمروان بن أبي الجنوب يرثي المعتصم ويهنئ الواثق :


أَبو إسحاق مات ضُحى فَهُنَّا ........ وأمسينا بهارون حُبِينَا لئن جاء الخميس بما كرهنا ........ فقد جاء الخميس بما هَوينَا


وبديع قول ابن قلاقس :


خلف السَّعيد به الشَّهيد فأدمعٌ ........ مُنْهَلَّةٌ في أَوجُهٍ تتهلَّلُ ملكان هذا راحلٌ وثناؤه ........ باق ، وذا باقٍ ثَنَاهُ يَرْحَلُ


ولنذكر هنا من مطالع المتأخرين ما يُزْري بمطالع البدور ، ويبهر نظمه محاسن الدر المنثور . فمن ذلك قول القاضي الفاضل :


زارَ الصَّباح فكيفَ حالُكَ يا دُجى ........ قمْ فاستذم بفرعه أو فالنَّجَا


وقوله أيضاً يخاطب العاذل :


أَخرِج حدِيثكَ من سمعي فما دخَلاَ ........ لا تَرْمِ بالقولِ سَهْماً رُبَّما قتلا


وما ألطف ما قال بعده :


ولا يخفَّ على قلبي حديثُكَ لي ........ لا والذي خلقَ الإنسانَ والجبَلا


وقوله :


سمِعتُكَ والقلبُ لم يَسْمَعِ ........ فكم ذا تقولُ وكم لا يعي يقولُ وما عندَهُ أنَّني ........ بغيرِ فؤادٍ ولا أضلعِ أَمَا معَ هذا الفتى قلبُهُ ........ فقلتُ نعم يا فَتًى ما مَعِي


وقول ابن النبيه :


يا ساكِنِي السَّفح كم عَيْنٍ بكم سفحتْ ........ نزحتم فهيَ بعدَ البُعْدِ قد نزحت


وقوله :


رنا وانثنى كالسَّيفِ والصَّعْدَة السَّمْرا ........ فما أكثر القتلى وما أَرخصَ الأَسْرَى


وقول ابن قلاقس :


كم مُقلة للشَّقيقِ الغضِّ رمدَاءِ ........ إنسانها سابحٌ في دمعِ أنداءِ


وقوله :


قِفَا فالأَسى منِّي زفيراً وأدمعا ........ أَكانا لهُمْ إلاَّ مصيفاً ومربعَا


وقول الظهبر البارزي :


يذكِّرني وجدي الحَمَامُ إِذا غَنَّى ........ لأنَّا كلانا في الهَوَى نعشَقُ الغُصْنا


وقول ابن العفيف :


أَعزَّ الله أَنصار العيون ........ وخلَّدَ ملكَ هاتيكَ الجفُون


وما أظرف ما قال بعده :


وضاعَفَ بالفتورِ لها اقْتِداراً ........ وجدَّدَ نعمَةَ الحُسن المصُون وصانَ حجابَ هاتيكَ الثَّنايا ........ وإن ثنَتِ الفؤادَ إلى الشُّجون وأَسْبَغَ ظلّ ذاكَ الشعر يوماً ........ على قدٍّ به هَيَفُ الغُصون وخلَّدَ دولَةَ الأَعطافِ فينا ........ وإن جارتْ على القلبِ الطعين


وقوله أيضاً :


أَدام الله أَيَّام الوصال ........ وخلَّدَ عُمْرَ هاتيكَ اللَّيالي وأسبَغَ ظلّ أعْطاف التداني ........ وزادَ قُدُودها حسنَ اعْتِدال ولا زالت ثمارُ الوصلِ فيها ........ تزيدُ لطافَةً في كلِّ حال ولا بَرِحَتْ لنا فيها عُيُونٌ ........ تغازلُ مُقلتي خَشْفِ الغزال


وقول شيخ شيوخ حماة :


حُرُوفُ غرامِي كلّها حرفُ إغراءِ ........ على أنَّ سقمي بعضُ أفعال أَسماء


وقوله :


أهلاً بطيفكم وسَهْلاً ........ لو كنتُ للإغفاءِ أَهلاَ لكنَّهُ وافى وقدْ ........ حلَفَ السُّهادُ عليَّ أنْ لا


وقوله :


ويلاهُ من نَوْميَ المشَرَّدْ ........ وأه من شمليَ المُبَدَّدْ


وقول ابن عنين :


ماذا على طيفِ الأَحبَّةِ لو سَرَى ........ وعليهمُ لو سامحُوني بالكَرَى


وقول ابن نباتة المصري :


في الرِّيقِ سكر وفي الأَصداغِ تجعيدُ ........ هذِي المدام وهاتيكَ العَناقيدُ


وقوله :


بدَا ورَنَتْ لواحظُهُ دلالاً ........ فما أَبهى الغَزالَةَ والغَزَالا


وقوله أيضاً :


سلبَتْ عقلي بأَقداح وأَقداح ........ يا ساجيَ الطَّرفِ أو يا ساقيَ الرَّاحِ


وما أَلطف ما قال بعده :


سَكْرَانُ من مُقلَة السَّاقي وقهوتِهِ ........ فاترُك مَلاَمك في السُّكرين يا صاح


وقوله :


إنسانُ عيني بتَعجيلِ السُّهادِ ملى ........ عَمْرِي لقد خُلِقَ الإنسانُ من عجل


وقوله :


قامَ يرنو بِمقلة كحلاء ........ عَلَّمَتْني الجنونَ بالسَّوداءِ


وقوله :


نفسٌ عن الحبِّ ما حادت وما غفلت ........ بأيِّ ذنبٍ - وقَّاك الله - قد قتلت


وقوله :


لامُ العذار أَطالت فيكَ تسهيدي ........ كأنَّها لغَرامِي حرفُ توكيد


وقول الصفي الحلي :


قفي ودِّعينا قبلَ وشْكِ التفرُّقِ ........ فما أَنا مَن يحيا إلى حين نلتقي


وقول الوداعي :


بدر إِذا ما بَدَا مُحَيَّاهُ ........ أقولُ ربِّي وربُّكَ الله


وقول ابن نباتة معارضاً له :


لهُ إِذا غازَلتكَ عيناهُ ........ سَهْمُ لحاظٍ أَجاركَ الله


وقول الحاجريّ :


لك أن تشوقني إلى الأَوطان ........ وعلى أن أَبكي بدمع قاني


وقول ابن النقيب :


قلَّدْتُ يومَ البين جِيدَ مودِّعي ........ دُرَراً نظمْتُ عقودَها من أدمُعي


ولنحبس لسان القلم عن بث أسرار هذه المطالع ، وعنانَ البيان عن الرَّكض مع فرسان هذه المعامع .


يقول في قُومس قَوْمي وقدْ أَخَذَتْ ........ مِنَّا السَّرَى وخُطَا المَهْرِيَّةِ القُودِ أَمَطْلَع الشَّمسِ تبغي أن تَؤُمَّ بنا ........ فقلتُ كلاّ ولكن مطلعَ الجودِ


البيتان من البسيط ، وقائلهما أبو تمام ، في عبد الله بن طاهر ، ولهما خبر يذكر . حدث محمد بن العباس اليزيدي قال : حدثني عمي الفضل قال : لمَّا شخص أبو تمام إلى عبد الله بن طاهر وهو بخراسان أقبل الشتاء وهو هناك ، فاستثقل البلد ، وقد كان عبد الله وجد عليه وأبطأ بجائزته لأنَّه نثر عليه ألف دينار فلم تمسّها يده ترفُّعاً عنها ، فأغضبه ، وقال : يحتقر فعلي ، ويترفَّع عليَّ ، فكان يبعث إليه بالشيء بعد الشيء كالقوت ، فقال أبو تمام :


لم يَبْقَ للضَّيفِ لا رسمٌ ولا طللُ ........ ولا قشيبٌ فنَسْتَكْسِي ولا سَمَل عدلٌ مِنَ الدَّمعِ أَن يبكي المضيف كما ........ يُبْكَى الشَّبابُ ويبكى اللَّهوُ والغزل يمنى الزَّمان انقضَى معروفُها وغدَتْ ........ يُسْراهُ وهيَ لنا من بعْدِهِ بَدَل


فبلغت الأَبيات أبا العميئل شاعر آل عبد الله بن طاهر ، فأتى أبا تمام واعتذر إليه لعبد الله بن طاهر وعاتبه على ما عتب عليه من أجله ، وضمن له ما يحبه ، ثمَّ دخل إلى عبد الله بن طاهر فقال : أَيُّها الأمير ، أتتهاون بمثل أبي تمام ونجفوه ؟ فوالله لو لم يكن له من النباهة في قدره والإحسان في شعره والشائع من ذكره لكان الخوف من شره والتوقي من ذمه يجب به على مثلك رعايته ومراقبته ، فكيف له بنزوعه إليك عن الوطن ، وفراقه للسكن ، عاقداً بك أمله ، معملاً إليك ركابه ، متعباً فيك فكره وجسمه ، وفي ذلك ما يلزمك قضاء حقه حتَّى ينصرف راضياً ، ولو لم يأت بفائدة ولا سمع فيك منه ما سمع إلاَّ قوله وأنشد البيتين المستشهد بهما ، فقال له عبد الله : لقد نَبَّهْتَ فأحسنت ، وشفعت فلطفت ، وعاتبت فأوجعت ، ولك ولأبي تمام العُتبى ، ادعُه يا غلام ، فدعا به ، فنادمه يومه ، وأمر له بألفي دينار ، وما يحمله من الظهر ، وخلع عليه خلعة تامة من ثيابه ، وأمر ببذرقته إلى آخر عمره . وقد أخذ أبو تمام البيتين بلفظهما من مسلم بن الوليد حيث يقول :


يقولُ صحبي وقد جدُّوا على عجل ........ والخيل تَسْتَنُّ بالركبانِ في اللُّجمِ أمطلع الشمس تبغي أم تؤم بنا ........ فقلت كلاّ ولكن مطلع الكرمِ


وقد أخذ ذلك بعدهما أبو إسحاق الغزي فقال :


تقولُ إِذا حثثناها فظلَّتْ ........ تناجينا بألسنَةِ الكلال إلى أُفُقِ الهلالِ مَسيرُ رَكبِي ........ فقلنا بل إلى أُفق النوال


وقومس - بضم القاف وآخرها سين مهملة - صقع كبير بين خراسان وبلاد الجبل ، والمهرية - بفتح الميم - الإبل المنسوبة إلى مَهْرة بن حيدان ، والقود : الطوال الظهور والأعناق ، واحدها أَقود . والشاهد فيهما : حسن التخلص ، وهو الخروج ممَّا ابتدئ به الكلام من نسيب أو غيره إلى المقصود ، مع رعاية الملاءمة بينهما ، وهو قليل في كلام المتقدمين . وأبدع ما أوردوه لهم قول زهير بن أبي سلمى :


إنَّ البخيلَ مَلوم حيثَ كانَ ول _ كنَّ الجَوَاد على عِلاّتِهِ هَرِمُ


ومنه قول الفرزدق :


وركبٍ كأنَّ الرِّيح تطلب عندهم ........ لها تِرَةً من جذبها بالعصائب سَرَوْا يخبطون اللَّيل وهي تلفّهم ........ إلى شعب الأَكوار من كلِّ جانب إِذا آنسوا ناراً يقولون ليتها ........ وقد خَصِرَتْ أيهديهمُ نار غالب


وقول أبي نواس يمدح الخصيب صاحب مصر :


تقول التي من بيتها خف محملي ........ يعزُّ علينا أن نراكَ تسيرُ أَما دون مصر للغنى مُتَطَلَّبٌ ........ بلى إنَّ أسباب الغنى لكثيرُ فقلت لها واستعجلتها بوادر ........ جرت فجرَى في إثْرِهنَّ عَبيرُ دعيني أكثر حاسديك برحلةٍ ........ إلى بلدٍ فيه الخصيب أميرُ إِذا لم تطأ أرض الخصيب ركابنا ........ فأيّ فتى بعد الخصيب نزورُ فتى يشتري حسن الثناء بماله ........ ويعلم أن الدائرات تدورُ فما جازه جود ولا حلَّ دونه ........ ولكن يصير الجود حيث يصيرُ


وقوله :


وإذا جلست إلى المدام وشربها ........ فاجعل حديثك كلّه في الناس وإذا انتزعت عن الغوايَةِ فليكن ........ لله ذاكَ النَّزعُ لا للناس وإذا أردت مديحَ قومٍ لم تَمِنْ ........ في مدحهم فامدح بني العباس


وقول مسلم بن الوليد :


أجدك هل تدرين كم ربّ ليلة ........ كأن دُجاها في قُرونك تُنْشَرُ لهوتُ بها حتَّى تجَلَّتْ بغرَّة ........ كغُرَّة يحيى يمدح جعفرُ


وقول أبي تمام من قصيدة :


فالأَرض معروف السماء قرى لها ........ وبنو الرَّجاء لهم بنو عبَّاس


وقوله :


لا والَّذي هو عالم أنَّ النَّوى ........ صبر وأنَّ أبا الحسين كريم


وقد عيب عليه هذا التخلص كما عيب على المتنبي قوله :


غدَا بك كلُّ خلْوٍ مستهاما ........ وأصبح كلُّ مستورٍ خَليعَا أُحبُّك أو يقولوا جَرَّ نَمْلٌ ........ ثَبيراً وابن إبراهيم رِيعَا


وما أحسن قول البحتري :


رياض تردَّت بالنَّباتِ مَجُودَة ........ بكلِّ جَديدِ الماء عذب المواردِ إِذا راوحتها مُزْنَةٌ بكرت لها ........ شآبيب مجتاز عليها وقاصدِ كأنَّ يد الفتح بن خاقان أقبلت ........ عليها بتلك البارقات الرواعدِ


وقول المتنبي بمدح أحمد بن عمران :


ومَطَالِبٍ فيها الهلاكُ أتيتها ........ ثبْتَ الجنان كأنَّني لم آتها ومَقَانِبٍ بمقانب غادرتها ........ أَقواتَ وحشٍ كنَّ من أَقواتها أَقبلتها غرر الجياد كأنَّما ........ أَيدي بني عمران في جَبَهَاتِهَا


وقوله يمدح ابن عامر ، ويعرض بذكر أبيه بعد وفاته :


ويوم وصلناه بليل كأنَّما ........ على أُفقه من برقه حُلَلٌ حُمْرُ وليلٍ وصلناه بيوم كأنَّما ........ على متنِهِ من دَجْنِهِ حلل خضرُ وغيث ظننَّا تحته أن عامراً ........ علاَ لم يمت أو في السَّحاب لهُ قبرُ


وقوله يمدح سيف الدولة :


خليليّ ما لي لا أرى غير شاعر ........ فَلِمْ منهم الدعوى ومني القصائد فلا تعجباً إن السيوف كثيرة ........ ولكنَّ سيف الدولة اليوم واحد


وقول أبي العلاء من قصيدة :


ولو أن المطي لها عقول ........ وحقك لم نَشُدَّ لها عِقالا مواصلة بها رحلي كأني ........ من الدنيا أريد بها انفصالا سألن فقلن مقصدنا سعيد ........ فكان اسم الأمير لهنّ فالا


وقول النامي :


وليل له نجم كَليلٌ عن السُّرى ........ تحيَّر لا يَهْدي لقصد ولا يُهْدي كأنِّيَ وابن الغمد والطرف أنجم ........ على قصدها والنجم ليس على قصدِ إلى أن رأيت الفجر والنسر خاضب ........ جناحيه وَرْساً عُلّ بالعنبر الوردي وحلت يد الجوزاء عقد وشاحها ........ إزاء الثريا وهي مقطوعة العقدِ فقلت أخيل التغلبي مغيرة ........ أم الفجر يرمي الليل سدًّا على سدِ


ومما استحسن لابن حجاج من المخالص قوله من قصيدة :


ألا يا ماء دجلة لست تدري ........ بأني حاسد لك طول عمري ولو أني استطعت سكرت سكراً ........ عليك فلم تكن يا ماء تجري فقال الماء قل لي كل هذا ........ بِمَ استوجبته يا ليت شعري فقلت له لأنك كل يوم ........ تمر على أبي الفضل بن بشرِ تراه ولا أراه وذاك شيء ........ يضيق عن احتمالك فيه صدري


ومن مخالصه على طريقته المشهورة في السخف والمجون قوله :


وقد بادلتها فمبالها لي ........ بمشورة استها ولها قذالي كما لابن العميد جميع مدحي ........ ودنيا ابن العميد جميعها لي


ومن المخالص البديعة قول مهيار الديلمي يمدح سيف الدولة بن مزيد :


تسعى السقاة علينا بين منتظر ........ بلوغ كأس ووثاب فمستلب كأنما قولنا للبابليّ أدِرْ ........ سُلافةً قولُنا للمزيدي هَبِ


وقوله يمدح فخر الملك :


أرى كبدي وقد بردت قليلاً ........ أماتَ الهمُّ أم عاشَ السرور أم الأيامُ خافتني لأنِّي ........ بفخرِ الملك منها أستجير


وقوله من قصيدة عينية يمدح بها الوزير عميد الدولة مطلعها :


لو كانَ يرفق ظاعن بمشيع ........ ردّوا فؤادي يوم كاظمة معي إن شَاءَ بعدهم الحيا فَلْيَنْسَكِبْ ........ أو شَاءَ ظل غمامة فَلْيُقْلَعِ


يقول فيها :


فَمقيل جسمي في ظلال ربوعهم ........ كاف ، وشربي من فواضل أدمعي لزمت جفوني في الديار فأخصبت ........ ففنيت أن أرِدَ المياه وأرتعي فكأن دمعي مدَّ من أيدي بني ........ عبد الرحيم ومائها المتنبعِ وكأنَّ ليلي من تفاوت طولهِ ........ أسيافهم موصولة بالأذرعِ


وقول الأرجاني يمدح وليّ الدين الكاتب من قصيدة :


تركتني معانياً لمعانٍ ........ وأعادت أعادياً أصدقائي كدرت مشربي وقد كان عين ال _ شمس والماء دونه في الصفاءِ بعدَ عهدي بعيشتي وهي خضرا ........ تَتثَنَّى كالبانة الغنَّاء وأموري كأنها ألفاتٌ ........ خطهن الوليُّ في الاستواء


وقوله يمدح سديد الدولة الأنباري مترسل الخلافة من قصيدة :


أقسمت ما كل هذا الضيم محتمل ........ ولا فؤادي على ما سُمْتِ صَبَّارُ إلا لأنك مِنِّي اليومَ نازلةٌ ........ بالقلب حيث سديد الدولة الجارُ


وقوله يمدح شهاب الدين أحمد بن أسعد الطغرائي من قصيدة مطلعها :


إِذا لم يخن صب فَفيمَ عتابُ ........ وإن لم يكن ذنب فممَّ يُتابُ أجل ما لنا إلاَّ هواكم جناية ........ فهل عندكم غيرَ الصدود عقابُ


يقول في مخلصها :


فلا تكثرن شكوى الزمان فإنما ........ لكل ملم جيئة وذهاب وقد كان ليل الفضل في الدهر داجياً ........ إلى أن بدا للناظرينَ شهاب


وقول أبي نصر محمد الأصفهاني :


بتنا نظن الليل ما اكتسب الدُّجى ........ حتَّى نَعاهُ صباحه بظلامِ ودنا الثريا للمغيب كأنَّها ........ بدرُ الآلي نُضِّدَتْ لنِظامِ والصُّبح قد صَدَعَ الظلامَ كراية ........ بيضاء في سود من الأعلامِ أو رأى مولانا الوزير إِذا احتبى ........ يمحو ظلامَ الشك في الأحكام


وقال بعده مع الزيادة في الغلوّ :


ودَّ الهلال لو أنَّهُ لجوادِه ........ نعل وحافره أوان تمام تالله لو أصفى هواه مشرك ........ لأقيم عند الله خير مقام


أستغفر الله من ذلك ! ! .


ومن المخالص البديعة الفائقة قول أبي القاسم بن هانئ الأندلسي في قصيدته البديعة التي منها :


بعيشك نبه كأسه وجفونه ........ فقد نبه الإبريق من بعد ما أغفى وقد فكت الظلماء بعض قيودها ........ وقد قم جيشُ الليل للصبح واصطَفَّا وولَّتْ نجومٌ للثريا كأنها ........ خواتيم تبدو في بنان يدٍ تَخْفَى ومَرَّ على آثارها دبرانها ........ كصاحب ردء كمنت خيله خلفا وأقبلت الشعرى العبور ملية ........ بمرزمها اليعبوب تجنبه طرفا كأن بين نعش ونعشاً مطافل ........ بوَجْرَةَ قد أضللن في مهمه خشفا كأن سُهَيلاً في مَطالع أفقه ........ مُفارقُ إلفٍ لم يجد بعده إلفا كأن سُهاها عاشق بين عُوَّدٍ ........ فآونه يبدو وآونة يخفى كأن الهزيع الآبنوسي وَهْنَةً ........ سري بالنسيج الخسرواني ملتفا كأن ظلام الليل إذْ مال ميلة ........ صريعُ مدام بات يشربها صرفا كأن السماكين اللذين تظاهرا ........ على كتديه ضامنان له الحتفا كأن معلى قطبها فارس له ........ لواآن مركوزان قد كَرِهَ الزَّحفا كأن قُدامى النسرِ والنسرُ واقعٌ ........ ضعفن فلم تسم الخوافي به ضعفا كأن أخاه حين دَوَّمَ طائراً ........ أتى دونَ نصف البدر فاختطف النصفا كأن رقيب الصبح أجدَلُ مرقب ........ يفتش تحت الليل في ريشه طرفا كأن عمود الصبح خاقان عسكر ........ من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى كأن لواء الشمس غرّة جعفر ........ رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا


ومثلها في الحسن والوزن والقافية قول الخفاجي :


سلا ظبية الوعساء هل فقدت خَشْفا ........ فإنا لمحنا في مراتعها ظِلْفا وقولا لخوط البان فلتمسك الصبا ........ علينا فإنا قد عرفنا بها عَرْفا سرت من هضاب الشأم وهي مريضة ........ فما ظهرت إلاَّ وقد كاد أن يخفى عليلة أنفاس نداوي بها الجوى ........ وضعفا ولكنا نرجى بها ضعفا وهاتفة في البان تملي غرامها ........ علينا وتتلو من صبابتها صحفا عجبت لها تشكو الفراق جهالةً ........ وقد جاوبت من كل ناحية إلفا ويشجو قلوب العاشقين حنينها ........ وما فهموا مما تغنَّتْ به حرفا ولو صدقت فيما تقول من الأسى ........ لما لبست طوقاً ولا خَضَبَتْ كفا أجارتَنا أذكَرْتِ من كان ناسياً ........ وأضرمْتِ ناراً للصبابة لا تُطْفَى وفي جانب الماء الذي تردينَهُ ........ مواعيدُ ما يُنْكرنَ ليًّا ولا خُلْفا ومهزوزة للبان فيها شمائل ........ جعلن له في كل قافية وصفا لبتنا عليها بالثنية ليلة ........ من السود لم يطو الصباح لها سجفا لعمري إن طالت علينا فإننا ........ بكم الثريا قد قطعنا لها كَفَّا رمينا بها في الغرب وهي رميمة ........ ولم نبق للجوزاء عِقْداً ولا شنْفا كأنَّ الدُّجى لما تولَّتْ نجومه ........ مدبِّرُ حربٍ قد هزمنا له صفا كأن عليه للمجرة روضة ........ مفتحة الأنوار أو نثرة زغفا كأنا وقد ألقى إلينا هلاله ........ سلبناه جاماً أو قصمنا له وقفا كأن السها إنسان عين غريقة ........ من الدمع يبدو كلما ذرفت ذرفا كأن سهيلاً فارس عاين الوغى ........ ففرَّ ولم يشهد طراداً ولا زحفا كأن سنا المريخ شعلة قابس ........ تخطفها عجلان يقذفها قذفا كأن أفول النسر طرف تعلقت ........ به سِنَةٌ ما هبَّ منها ولا أغفى كأن نصير الملك سلَّ حُسامه ........ على الليل فانصاعت كواكبه كسفا


ولحازم صاحب المقصورة قصيدة طائية حذا فيها هذا الحذو ، وهي بديعة فأحببت أن أعزز هاتيت القصيدتين بها ، ومطلعها :


وكم ليلة قاسيتها نابِغِيَّةٍ ........ إلى أن بدت شيباً ذوائبها شُمْطا وبتُّ أظن الشهب مثلي لها هوى ........ وأغبطها في طول أُلفتها غبطا على أنها مثلي عزيزة مطلب ........ ومن ذا الذي ما شَاءَ من دهره يُعْطى كأن الثريا كاعب أزمَعَتْ نوى ........ وأمت بأقصى الغرب منزلة شحطا كأن نجوم الهقعة الزهر هَوْدَجٌ ........ لها هن ذرى الحرف المناخة قد حطا كأن رشاء الدلو رشوة خاطب ........ لها جعل الأشراط في مهرها شرطا كأنَّ السُّها قد دقَّ من فرط شوقه ........ إليها كما قد دقَّقَ الكاتب النقطا كأن سهيلاً إذْ تناءت وأنجدت ........ غدا يائساً منها فأتهم وانْحَطا كأن خفوق البرق قلبُ متيمٍ ........ تعدى عليه الدهر في البين واشتطا كأن كلا النسرين قد ريع إذْ رأى ........ هلال الدُّجى يهوي له مخلباً ملطا كأن الذي ضم القوادم منهما ........ هوى واقعاً للأرض أو قص أو قطا كأن أخاه رام فوتاً أمامه ........ فلم يَعْدُ أن مَدَّ الجناحين وارتطَّا


ومثلها في الحسن قول علي بن محمد الكوفي من قصيدة :


متى أرتجي يوماً شفاء من الضنا ........ إِذا كان جانيه عليَّ طبيبي ولي عائدات شُقْتهن فجئن في ........ لباسِ سوادٍ في الظلام قَشيبِ نجوم أراعي طولَ ليليَ برجها ........ وهن لبعد السير ذات لغوب خوافق في جنح الظلام كأنها ........ فؤاد مُعَنَّاة بطول وجيب ترى حوتَها في الشرق ذات سباحة ........ وعقربها في الغرب ذات دبيب إِذا ما هوى الإكليل منها حسبته ........ تَهَدل غصن في الرياض رطيب كأن التي حول المجرة أوردت ........ لتكرع في ماءٍ هناك صبيب كأن رسول الصبح يخلط في الدُّجى ........ شجاعة مقدام بجبن هَيوب كأن اخضرار الفجر صَرْحٌ ممرّد ........ وفيه لآلٍ لم تُشَنْ بثقوب كأن سواد الليل في ضوء صبحه ........ سواد شباب في بياض مشيب كأن نذير الشمس يحكي ببشره ........ عليَّ بن داود أخي ونسيبي ولولا اتقائي عَتْبَهُ قلت سيدي ........ ولكن يراها من أجلِّ ذنوبي نسيت إخاء وهو غير مناسب ........ قريب صفاء وهو غير قريب


ومن المخالص البديعة قول القاضي الفاضل ، من قصيدة يمدح بها خليفة الفاطميين في ذلك العصر مطلعها :


ترى لحنيني أو حنين الحمائم ........ جَرَتْ فحكت دمعي دموعُ الغمائم


وما أحلى قوله بعده :


وهل من ضلوع أو ربوع ترحلوا ........ فكل أراها دارساتِ المعالم دعوا نفس المقروح يحمله الصبا ........ وإن كان يَهْفو بالغصون النواعم تأخَّرْتُ في حمل السلام عليكم ........ لديها لما قد حملت من سمائم فلا تسمعوا إلاَّ حديثاً لناظري ........ يعاد بألفاظ الدموع السواجم فإن فؤادي بعدكم قد فطمته ........ عن الشعر إلاَّ مدحة لابن فاطم


ومنها قول شيخ شيوخ حماة من قصيدة دالية نبوية مطلعها :


وَيْلاهُ من نوميَ المشرد ........ وآه من شَمْلِيَ المبدد


ولم يزل يدير على خصور هذه الألفاظ الرقيقة وشاحات معانيه البديعة إلى أن قال :


أكسبني نشوةً بطَرْفٍ ........ سكرتُ من خمرهِ فعربد غصن نقا حلَّ عقْد صبري ........ بلين خصرٍ يكاد يُعْقَدْ فمن رأى ذلك الوشاح الصا _ ئم صلى على محمد


ومثله قوله يمدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف من قصيدة مطلعها :


لنا من رَبَّةِ الخالين جارَهْ ........ تُواصِلُ تارةً وتَصُدُّ تارَهْ تُعاملني بما يحلى سُلُوِّي ........ ولكن ليس في جَوْفي مَرارَهْ


ولم تزل أعين هذا الغزل الرقيق تغازل إلى أن قال :


وقالوا قد خسرت الروح فيها ........ فقلت الربح في تلك الخساره بأيسر نظرة أسرت فؤادي ........ كما نشأ اللهيب من الشراره ويفتك طرفها فيقول قلبي ........ أشَنَّ ترى صلاحُ الدين غاره


وقوله من قصيدة يمدح بها الملك الأمجد :


ظبية حكم ظُبا مقلتها ........ عزة الظبي وذل الأسد كنت في ذاك الهَوَى مجتهداً ........ وهي كانت زلة المجتهد كملت حسناً فلولا بخلها ........ خلتها بعض خلال الأمجد


ومنها قول ابن قلاقس من قصيدة يمدح بها أبا المنصور نور الدين محموداً عين الأمراء بالديار المصرية :


ماذا على العيس لو عادت بربتها ........ بقدر ما نتقاضاها المواعيدا ردَّ الركاب لأمرٍ عَنَّ في خَلَدي ........ وسَمِّه في بديع الحسن ترديدا وقف أبثك ما لان الحديد له ........ فإن صدقت فقل لي كنت داودا حلت عرى النوم من أجفان ساهرة ........ رد الهَوَى هدبها بالحسن معقودا تفجرت وعصا الجوزاء تضربها ........ فأذكرتْنِيَ موسى والجلاميدا يا ثعلب الهجر يا سِرْحان أوله ........ كُلِّ الثريا فقد صادفت عنقودا


ولم يزل ينثر درر هذا النظم إلى أن قال :


مالي وما للقوافي لا أسَيِّرَها ........ إلاَّ وأقعد محروماً ومحسودا أسكرتهم بكؤوس النظم مترعة ........ ولم أنل منهم إلاَّ العرابيدا سمعت بالجود مفقوداً ونائله ........ يقول لي قد وجدت الجود موجودا الحمد لله لا والله ما نظرت ........ عيناي بعد أبي المنصور محمودا


وقوله من قصيدة يمدح بها الشيخ سديد الدين المعروف بالحصري :


سقى مصراً وساكنها بوبل ........ صليل البرق صخاب الرعود موارد من له ظمأ شديد ........ ولكن لا سبيل إلى الورود هل الرأي السديد البعد عنها ........ نعم إن كان للشيخ السديد


وقول القاضي سعيد بن سناء الملك يمدح القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني :


ضنت بطرف ظل يعدى سقمه ........ أرأيتم من ضن حتَّى بالضنا يا عاذلين جهلتم قدر الهَوَى ........ فعذلتم فيه ولكني أنا إنِّي رأيتُ الشَّمس ثمَّ رأيتها ........ ماذا عليَّ إِذا هويتُ الأحسنَا وسألتُ من أيّ المعادن ثَغرها ........ فوجدتُ من عبد الرحيم المعدنَا أبصرتُ جوهر ثغرها وكلامه ........ فعلمت حقًّا أن هذا من هنا


وقوله من قصيدة يمدح بها الملك المعظم عيسى مطلعها :


تقنعت لكن بالحبيب المعمم ........ وفارقت لكن كلّ عيش مذممِ وباتت يدي في طاعةِ الحبّ والهَوَى ........ وشاحاً لخصرٍ أو سواراً لمعصمِ سعدت ببدر خَدُّه بُرْجُ عقرب ........ فكذب عندي قول كلّ منجِّمِ وأقسم ما وجه الصَّباح إِذا بدَا ........ بأوضح منه حجّة عند لوَّمي ولا سيَّما لمَّ مررت بمنزلٍ ........ كفضلة صبر في فؤاد متيمِ وما بان إلاَّ بعود أراكة ........ تعلق في أطرافه ضوء مبسمِ وقفت بها أعتاض عن لثم مبسم ........ شهيّ لقلبي لثم آثار منسمِ ولم يرَ طرفي قطُّ شملاً مبدَّداً ........ فقابله إلاَّ بدمعٍ منظَّمِ ولم يسل قلبي أو فمي عن غزالة ........ وعن غزل إلاَّ مديح المعظَّمِ


وقول البهاء زهير من قصيدة يمدح بها الأَمير ناصر الدين الملطي مطلعها :


لها خَفَرٌ يوم اللِّقاء خفيرُها ........ فما بالها ضنت بما لا يضيرها أعادتها أن لا يُعاد مريضها ........ وسيرتها أن لا يفكَّ أسيرها


يقول فيها :


وها أنا ذا كالطَّيف فيها صبابةً ........ لعلِّي إِذا نامت بليل أزورها من الغيدِ لم توقد مع اللَّيل نارها ........ ولكنَّها بين الضُّلوع تثيرها تقاضي غريم الشَّوق منِّي حشاشة ........ مُرَوَّعة لم يبقَ إلاَّ يسيرها وإن الذي أبقته منها يَدُ الهَوَى ........ فداء بشيرٍ يوم وافى نصيرها


وقوله يمدح الملك الناصر صلاح الدين بن العزيز من قصيدة مطلعها :


عرفَ الحبيبُ مكانهُ فتدلَّلا ........ وقنعت منه بزورةٍ فتعلَّلا وافى الرَّسول ولم أجد في وجههِ ........ بشراً كما قد كنتُ أعهدُ أوَّلا


ولم يزل هائماً في طريقته الغرامية إلى أن قال :


آهاً لقلبٍ ما خلا من لوعة ........ أبداً يحنُّ إلى زمانٍ قد خلا ورسوم جسم كاد يحرقهُ الهَوَى ........ لو لم تبادره الدُّموع لأشعلا ولقد كتمت حديثه وحفظته ........ فوجدت دمعي قد رواه مسلسلا أهوى التذلُّل في الغرام وإنَّما ........ يأبى صلاح الدِّين أن أتذلَّلا مهدت بالغزل الرَّقيق لمدحه ........ وأردت قبل الفرض أن أتنفَّلا


وقول ابن النبيه من قصيدة يمدح بها الخليفة الناصر لدين الله مطلعها :


باكر صَبُوحَك أهنى العيش باكرُهُ ........ فقد ترنَّم فوق الأيك طائِرُه واللَّيل تجري الدَّراري في مجرَّته ........ كالرَّوض تطفو على نهر أزاهره


يقول فيها :


وأجسر على فُرَصِ اللّذّات محتقراً ........ عظيم ذنبك إن الله غافره فليس يخذل في يوم الحساب فتًى ........ والناصر ابن رسول الله ناصره


ومن مخالصه الموسوية من قصيدة مطلعها :


يا نار أشواقيَ لا تخمدي ........ لعلَّ ضيف الطَّيف أَن يهتدي


إلى أن قال :


غازلنا من نرجس ذابل ........ وافترَّ عن نَوْرِ أقاح نَدِي وقامَ يلوي صُدْغه قائلاً ........ لا تغترر بي فكذا موعدي فقلت بالله أمات الوفا ........ فقال موسى لم يمت خذ يدي


وقوله فيه :


يا طالب الرِّزق قد سدت مذاهبه ........ قل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت


وقوله فيه :


بتنا وقد لفَّ العناق جسومنا ........ في بردتين تكرم وتعفف حتَّى بدَا فلق الصَّباح كجحفلٍ ........ راياته رنك الأَمير الأَشرف


وقوله فيه :


يذود شَبَا القنا عن وجنتيها ........ كمنع الشَّوك للورد الجني إِذا ما رمتُ أقطفه بعيني ........ يقول حذار من مرعى وَبيَّ لسان السَّيف من أدنى وُشَاتي ........ ومن رقباي طرف السمهريِّ كأنَّ بجفنها في كلِّ قلبٍ ........ فعال المشرفيّ الأَشرفيِّ


وقول الشاب الظريف محمد بن العفيف من قصيدة يمدح بها ابن عبد الظاهر مطلعها :


روح يمينك ممَّا أنت معتقل ........ أمضى الأَسنَّة ما فولاذه الكَحَلُ يا من يرينا المنايا واسمها نَظَر ........ من السّيوف المواضي واسمها مُقَلُ ما بال ألحاظك المرضى تحاربني ........ كأنَّما كلّ لحظ فارس بطلُ من دونها كثب من دونها حرس ........ من دونها قُضُبٌ من دونها أَسَلُ ومعشر لم تزل في الحربِ بيضهم ........ حمر الخدود وما من شأنها الخجلُ يثني حديث الوغى أعطافهم طرباً ........ كأنَّ ذكْرَ المنايا بينهم غَزَلُ من كلِّ ذي طُرَّةٍ سوداء يلبسها ........ وشَيْبُها من غبارِ الحربِ متَّصلُ ضاءتْ بحسنهم تلك الخيام كما ........ ضاءتْ بوجه ابن عبد الظاهر الدُّوَلُ


وقول أبي الحسين الجزار يمدح موسى بن يغمور من قصيدة :


وهيفاء تحكي الظبي جيداً ومقلةً ........ رَنَتْ وانثنت فارتَعْتُ بالبِيضِ والسُّمرِ جسرتُ على لثمِ الشَّقيقِ بخدِّها ........ ورشف رُضابٍ لم أزل منهُ في سكرِ ولستُ أخاف السّحر من لحظاتها ........ لأنِّي بموسى قد أمِنْتُ من السّحرِ فتى إن سطا فرعونُ فقرٍ وجدتَهُ ........ يغرقهُ من جودِ كفَّيه في بحرِ لهُ باليدِ البيضاء أعظم آية ........ إِذا اسودَّت الأيَّام من نُوَبِ الدَّهرِ


وقوله يمدح فخر القضاة نصر الله بن بصاقة :


وكم ليلة قد بتُّها مُعْسِراً ولي ........ بِزُخرف آمالي كنوز من اليسرِ أَقولُ لقلبي كلَّما اشتقت للغنى ........ إِذا جاءَ نصر الله تبَّتْ يد الفقرِ


وقول شيخ الإسلام ابن دقيق العيد وهو غاية هنا :


كم ليلة فيك وصلنا السرى ........ لا نعرفُ الغَمض ولا نستريح واختلف الأَصحاب ماذا الذي ........ يزيل من شكواهم أو يريح فقيل في تعريسهم ساعة ........ وقيل بل ذكراك وهو الصَّحيح


وهو مأخوذ من قول ذي الرُّمَّة :


ونشوان من طول النُّعاس كأنَّه ........ بجبلين من مشطونة يترجحُ إِذا ماتَ فوقَ الرَّحل أَحييت روحه ........ بذكرك والعِيس المراسيل جُنَّحُ


وقد أجاب ابن نباتة عن أبيات شيخ الإسلام بقوله :


في ذمَّةِ الله وفي حفظهِ ........ مسراكَ والعَوْدُ بعزم نجيح لو جازَ أن تسلك أجفاننا ........ إذن فَرَشْنَا كلّ جفن قريح لكنَّها بالبعدِ مُعتلة ........ وأنت لا تسلك إلاَّ الصَّحيح


وقول السراج الوراق :


صدقوا قد نظروا الورد مسبج ........ هل رأوه في عذار من بنفسج عشق النَّاس ولا مثل الَّذي ........ هِمْتُ وجداً فيه فانظر وتفرَّج من رأى بدراً وغصناً ونَقاً ........ قد تجلَّى وتثنَّى وترجرج وجهه نسخة حسنٍ حرِّرت ........ ولها من عارض سطر مخرج ذو وشاح مثل قلبي قلق ........ وإزار مثل صدري منه محرج وأصمّ فتحت أَسماعه ........ بقواف كم بها يُفْتَحُ مُرْتَج قال : شعر لك ، أم درّ ، على ........ أنَّه أبهى من الدرِّ وأبهج قلت : تاج الدِّين فيه وصفه ........ قال : هذا ملك الشعر المتوَّج


وقول ابن نباتة ، يمدح قاضي القضاة ، تاج الدين السبكي ، من قصيدة :


قد أسرج الحسن خدَّيه فدونك ذا ........ سراج خد على الأَكبادِ وَهَّاج وألجم العذل فاركب في محبَّته ........ طرْفَ الهَوَى بعدَ إلجام وإسراج وقسم الشعر فاجعلْ في محاسنهِ ........ شَذرَ القلائد واهْدِ الدّرّ للتاج


وقول القيراطي ، يمدح سيف الدين الكريمي من قصيدة :


فموعدهُ وناظرهُ وجسمي ........ سقيمٌ في سقيم في سقيم كَريمٍ مالَ بخلاً عن ودادي ........ فَمِلْتُ لنحو مخدوم كريم


وقول ابن حجّة في ممدوحه صدقة :


طرقت باب الحبيب والرّقبا ........ عليه من خيفة اللقا حنقَهْ قالوا فما تبتغي فقلتُ لهم ........ حتَّى تخلصت أبتغي صدقَهْ


وقول الفاضل علي بن مليك من قصيدة نبويَّة :


حاولتْ زورتي فنمَّ عليها ........ قُرْطها في الدجى ومسك الغُلالَهْ ثمَّ لمَّا أن سَلَّمَتْ أَذكرتني ........ مدح من سلمت عليه الغَزالَهْ


وقد آن أن نتخلص من سرد هذه المخالص البديعة إلى غيرها ، فالشرح قد طال ، وربَّما يحدث منه الملال .


لوْ رأى الله أنَّ في الشيب خيراً ........ جاوَرَتهُ الأَبرارُ في الخلدِ شيبَا كلّ يومٍ تُبدِي صروفُ اللَّيالي ........ خلقاً من أبي سعيد رَغِيبَا


البيتان لأبي تمام ، من قصيدة من الخفيف يمدح بها محمد بن يوسف أوَّلها :


من سجايا الطلول أن لا تجيبا ........ فصوابٌ من مُقلتي أن تَصُوبَا اسألنها واجعل بكاك جواباً ........ تخدم الشَّوق سائلاً ومجيبَا قد عهدنا الرُّسوم وهي عكاظ ........ للصبا تزدهيك حسناً وطيبَا أكثر الأَرض زائراً ومزوراً ........ وصعوداً من الهَوَى وصبوبَا وكعاباً كأنَّما ألبستها ........ غَفَلاتُ الشَّبابِ برداً قشيبَا بين البين فقدها قلَّما تع _ رف فقداً للشَّمس حتَّى تغيبَا لعبَ الشَّيبُ بالمفارقِ بل ج _ دّ فأبكى تماضراً ولعوبَا خضبت خدّها إلى لؤلؤ العق _ د دماً أن رأت شواتي خضيبَا كلّ داء يرجى الدَّواء له ........ إلاَّ الفظيعين ميتة ومشيبَا يا نسيم الثُّغام ذنبُكَ أبقى ........ حسناتي عند الحسان ذنوبَا ولئن عِبْنَا ما رَأَيْنا لقد أن _ كرنا مستنكراً وعِبْنَ مُعيبَا أو تصدٍّ عن قلى فكفى بال _ شيب بيني وبينهنَّ حسيبَا


وبعده البيتان ، والرواية في الديوان فضلاً بدل خيراً ، والقصيدة طويلة . والشيب - بكسر الشين المعجمة - جمع شائب ، والرغيب : الواسع ، والشاهد فيه : الاقتضاب ، ويسمى الاقتطاع ، والارتجال ، وهو أن ينتقل الشاعر ممَّا ابتدأ به الكلام إلى ما لا يلائمه ، وهذا مذهب العرب الجاهلية والمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ، مثل : لبيد ، وحسان ، والشعراء الإسلاميون قد يتبعونهم في ذلك ويجرون على مذهبهم ، كأبي تمام هنا ، والبحتري بقوله من غير ارتباط بما قبله :


وَرَدْنا إلى الفتح بن خاقان إنَّه ........ أعمُّ نَدًى منكم وأيسرُ مطلبَا


وهو كثير في شعره ، حتَّى إنَّ السليماني الشاعر عرّض به في قوله :


يغتابني فإذا التف _ تُّ أبان عن محض صحيح وَثْباً كوثب البحتر _ ي من النسيب إلى المديح


وكأبي نواس ، وهو الغالب على شعره ، كقوله يمدح الأَمين بن الرشيد :


يا كثير النوح في الدمن ........ لا عليها بل على السَّكَنِ سنة العشَّاق واحدة ........ فإذا أحببتَ فاستننِ ظنَّ بيمن قد كلِّفت به ........ فهو يجفوني على الظَّننِ قامَ لا يعنيه ما لقيت ........ عين ممنوع من الوسَنِ رشأٌ لولا ملاحتهُ ........ خَلَتِ الدُّنيا من الفتَنِ ما بدَا إلاَّ استرَق له ........ حسنُهُ عبداً بلا ثَمَنِ فاسقني كأساً على عَذَلٍ ........ كرهَتْ مسموعهُ أُذني من كميت اللَّون صافية ........ خير ما سلسلت في بدني ما استقرَّت في فؤاد فتى ........ فدَرَى ما لوعة الحزنِ مزجت من صوب غادية ........ حلبته الرِّيح من مزنِ تضحكُ الدُّنيا إلى ملكٍ ........ قامَ بالآثارِ والسننِ


فهو كما تراه انتقل من الغزل إلى المديح من غير تخلص .


وإنِّي جَديرٌ إذْ بلغتكَ بالمُنى ........ وأنتَ لما أَملتُ منكَ جَديرُ فإن توليني منكَ الجميلَ فأهلهُ ........ وإلاَّ فإنِّي عاذرٌ وشكُورُ


البيتان لأبي نواس ، من قصيدة من الطويل ، يمدح بها الخصيب صاحب مصر ، أوَّلها :


أَجارَةَ بَيتينا أَبوكِ غَيور ........ ومَيْسورُ ما يُرْجَى لديكِ عسير فإن كنتِ لا خلمَا ولا أنتَ زوجة ........ فلا بَرِحَتْ دوني عليك ستور وجاورت قوماً لا تجاور بينهم ........ ولا وصلَ إلاَّ أن يكون نشور فما أنا بالمشغوف ضربَةَ لازبٍ ........ ولا كلّ سلطان عليَّ قدير وإنِّي لطرف العين بالعين زاجر ........ فقد كدت لا يخفى عليَّ ضمير


وهي طويلة ، وتقدَّم ذكر شيء منها في حسن التخلص ، وقد عارضها أحمد ابن دَرَّاج القَسْطَليُّ بقصيدة طنَّانة ، منها :


ألم تعلمي أن الثوَاء هو الثَّوَى ........ وأنَّ بُيُوت العاجزين قُبُورُ تخوفني طولَ السفار وإنَّه ........ لتقبيل كفّ العامريّ سفيرُ دعيني أرد ماء المفاوز آجناً ........ إلى حيث ماء المكرمات نَميرُ فإن خطِيرات المهالك ضُمَّن ........ لراكبها أن الجزاء خطيرُ ولمَّا تدانت للوداع وقد هفا ........ بصبريَ منها أنَّة وزفيرُ تناشدني عهد المودَّة والهَوَى ........ وفي المهدِ مبغوم النداء صغيرُ عَيِيٌّ بمرجوع الخطاب ولحظُه ........ بموقع أهواء النُّفوس خبيرُ فكلّ مفَداة الترائب مرضِع ........ وكلّ مُحَيَّاة المحاسن ظِيرُ عصيت شفيع النَّفس فيه فقادني ........ رَواحٌ لتدآب السرى وبكورُ وطار جناح البين بي وهَفَتْ بها ........ جوانح من ذعر الفراق تطيرُ لئن ودعت منِّي غيوراً فإنَّني ........ على عزمتي من شجوها لغيورُ ولو شاهدتني والهواجر تلتظي ........ عليَّ ورقراق السَّراب يمورُ أسلط حَرَّ الهاجرات إِذا سطا ........ على حُرِّ وجهي والأَصيل هجيرُ وأستنشق النكباء وهي لواقح ........ وأستوطئ الرَّمضاء وهي تفورُ وللموت في عين الجبان تلون ........ وللذعر في سمع الجريء صفيرُ لبانَ لها أنِّي من الضَّيم جازع ........ وأنِّي على مضّ الخطوب صبورُ ولو أبصرت بي والسرى جلّ عزمتي ........ وجرسي لجنان الفلات سميرُ وأعتسف الموماة في غسق الدجى ........ وللأسد في غيل الغياض زئيرُ وقد حومت زهر النجوم كأنَّها ........ كواعب في خضر الحدائق حُورُ ودارت نُجومُ القَطْب حتَّى كأنَّها ........ كؤوس مَهاً والى بهنَّ مُدِيرُ وقد خَيَّلَتْ طرق المجرَّة أنَّها ........ على مفرق الليل البهيم قتيرُ وثاقب عزمي والظَّلام مروع ........ وقد غضَّ أجفان النجوم فتورُ لقد أيقنت أن المنى طوع همَّتي ........ وأنِّي بعَطْفِ العامريّ جديرُ


قال ابن فضل الله : ومن وقف على هذه القصيدة وقصيدة أبي نواس عرف فضل قائلها على من تقدم ، وشهد له بأنَّه سبق وإن تأخر ، وجزم بأنَّ الرِّجال معادن ، وأنَّ لكل زمان محاسن ، ولم يشك أن الخواطر موارد لا تنزح ، وأنَّ الأَفكار مصابيح لا تطفئ ، وأنَّ الأَفهام مراءٍ لا تتناهى صورها ، وأن العقول سحائب لا ينفد مطرها ، وعلم أن العاني غير متناهية ، والفضائل غبر متوارية ، وإن أُم اللَّيالي لولود ، وإن الفضل في كلّ حين لمشهود ، وإن هذا الشاعر في قصيدته هذه التي عارض بها أبا نواس لم يدع له عارضاً يستمطر ، ولا عارضة تذكر ، وإنَّه لحقيق أن ينشد :


وإنِّي وإن كنت الأخيرَ زمانُهُ ........ لآتٍ بما لم تستطعه الأَوائلُ


يروى أن أبا نواس لما قدم على الخصيب صادف في مجلسه جماعة من الشعراء ينشدون مدائح لهم فيه ، فلمَّا فرغوا قال الخصيب : ألا تنشدنا يا أبا علي ، فقال : أنشدك أيُّها الأَمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى تَلْقَفُ ما يأفكون ، فأنشد هذه القصيدة فاهتزَّ لها وأمر لها بجائزة سنية .


وفي كتاب آداب الغرباء أن أبا نواس كان عائداً من الشام إلى بغداد ، قال : فإنِّي على ظهر فرسي إذْ ترنَّمت بهذه الأبيات : تقول التي من بيتها خف محملي . الأبيات المارة في حسن التخلص ، قال : فسمعت ورائي شهقة ، فالتفت ، فإذا شيخ عليه أطمار رثَّة يقود فرساً أعجف ، وهو منتجد سيفه ، فقال لي : أعد يا أبا نواس هذه الأبيات ، فأعدتها ، فقال : لمن هذه ؟ قلت : لي ، امتدحت بها الخصيب أمير مصر ، قال : ما أردفك ؟ قلت : إنَّه ملأ فيَّ جوهراً بعته بمائة ألف درهم ، قال : أتعرفه ؟ قلت : نعم ، قال : أنا والله الخصيب ، فلمَّا عرفته نزلت عن دابتي وقبَّلت يده ورجله ، فقال : لا تفعل ، ثمَّ سألته عن حاله وسبب تغير أمره ، فقال لي : قولك الدائرات تدور ، قال : فدفعت إليه جميع ما كان معي من مركوب ونفقة وثياب ، وسألته قبول ذلك ، فأبى وقال : والله لا أخذت من يد أرفدتها ، ثمَّ ركب دابَّته وتركني ومضى .


وحدث معاوية بن صالح الطبراني قال : ماج النَّاس في مصر بسبب السعر ، فبلغ الخصيب وهو يشرب مع أبي نواس ، فقال : دعني أيُّها أسكِّنهم ، فقال : ذلك إليك ، فخرج أبو نواس حتَّى وافى المسجد الجامع فصعد على المنبر ، واعتمد على عضادتيه ، وحول وجهه للناس ، وعليه ثياب مشهرات ، فقال :


منَحْتُكُمْ يا أهل مصر نَصيحَتي ........ ألا فخُذُوا من ناصحٍ بنصيبِ ولا تثبوا وثب السّفاه فتركَبوا ........ على ظهر عاري الظهر غير ركوبي فإن يكُ باقي إفك فرعون فيكم ........ فإنَّ عصا موسى بكفِّ خصيب


قال : فتفرَّق الناس ولم يجتمعوا بعده .


وحدث مطيعٌ خادم البرامكة قال : كنت واقفاً على رأس الرشيد إذْ دخل أبو نواس ، فقال : أنشدني قولك في الخصيب :


فإن يكُ باقي إفك فرعون فيكم ........ إنَّ عصا موسى بكف خصيب


فأنشده ، فقال الرشيد : ألا قلت فباقي عصا موسى بكف خصيب ، فقال أبو نواس : هذا أحسن والله ، ولكنَّه لم يقع لي .


وحكى إسماعيل بن أسباط قال : لما قال أبو نواس : منحتكم يا أهل مصر نصيحتي . رأى الخصيب في المنام قائلاً يقول : يا خصيب ، ما فوق هذا المدح مدح ، قال : فما جزاؤه ؟ قال : نبحة كلب ، قال : وما نبحة كلب ؟ قال : ألف ، قال : من أي الحجرين ؟ قال : من الصفر ، فلما أصبح صبح أبا نواس بألف دينار ، فقال أبو نواس :


أنتَ الخصيبُ وهذه مصر ........ فتدفَّقا فكلاهما بحر


وقال ابن قتيبة : لمَّا قال أبو نواس لم يكُ باق إفك فرعون فيكم وبلغ الرشيد فقال : يا ابن اللخناء ، أنت المستخف بنبيّ الله موسى عليه السلام ، وقال لإبراهيم بن نهيك : لا يأوينا أبا نواس عسكري من ليلته ، فقال له : يا سيدي ، فأجل ثمود ، فضحك وقال : أجله ثلاثاً ، فبعث الأمين إلى إبراهيم فقال : والله لئن مسست منه شعرة لأقتلنَّك ، فأقام عند إبراهيم حتَّى مات الرشيد ، وأخرجه محمد الأمين سنة تسع وتسعين ومائة ، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة .


قال أبو عبد الله حمزة : قد غلط ابن قتيبة في التاريخ لأنَّ الأمين تولَّى الخلافة سنة ثلاث وتسعين ومائة في جمادى الآخرة . والجدير : الخلق بالشيء . والشاهد فيهما : الانتهاء ، ويسمى حسن المقطع ، وحسن الخاتمة ، وهو أن يختم الناظم أو الناثر كلامه بأحسن خاتمة ، لأنه آخر ما يعبه السامع ويرتسم في النَّفس . ومثل البيت الأول قول بعضهم :


وإنِّي خليق من نداكَ بمثلها ........ وأنتَ بما أَمَّلتُ منكَ خليقُ


وقل الآخر :


فجديرٌ أَنا بالشُّكرِ كما ........ أَنتَ بالطَّولِ وبالحُسنى جديرُ


وقول ابن شداد :


فجدير بالشُّكر أنت ، فشكري ........ لكَ ، والحمد دائماً والثَّناء بَقيتَ بَقاء الدَّهْرِ يا كهف أهله ........ وهذا دُعاء للبرية شامِلُ


البيت من الطويل ، ونسب لأبي العلاء المعري ، ونَسَبه ابن فضل الله لأبي الطيب المتنبي ، ولم أره في ديوان واحد منهما : والشاهد فيه : حسن الانتهاء .


ومنه قول أبي تمام معتذراً في آخر قصيدة :


فإن يكُ ذنبٌ عَنَّ أو تَكُ هفوة ........ على خطإٍ مني فعُذْري على عَمْدِ


وقول أبي الطيب في ختام قصيدة :


فلا حطَّت لك الهيجاء سرجاً ........ ولا ذاقت لك الدنيا فِراقا


وقول أبي العلاء المعري :


ولا تزال لك الأيام ممتعة ........ بالآل والحال والعلياء والعُمُر


وقول الأرجاني :


بقيت ولا أبقى لك الدهر كاشحاً ........ فإنكَ في هذا الزَّمان فَريدُ عُلاكَ سِوار والممالك مِعْصَم ........ وجودك طَوْقٌ والبرية جيدُ


وقول إبراهيم الغزي :


بقيت بقاء الدهر ما ذرَّ شارق ........ وغار جديد المكرمات وأنجدا


وقول الخوارزمي :


بقيت لنا تجود مَدى الليالي ........ فإنك ما بقيت لنا بقينا


وقول الرستمي :


بقيت مدى الدنيا وملكُكَ راسخٌ ........ وظلُّكَ ممدودٌ وبابكَ عامرُ يود سَناك البدرُ والبدرُ زاهرٌ ........ ويَقْفو نداك البحرُ والبحرُ زاجر وهنئت أياماً أتتك سعودُها ........ كما تَتَوالى في العقود الجواهر


وقول ابن النبيه :


دمتم بني أيوب في نعمة ........ تجوز في التخليد حَدَّ الزَّمانْ والله لا زلتم ملوكَ الوَرى ........ شَرْقاً وغرْباً وعليَّ الضَّمانْ


وقول شيخ شيوخ حماة :


فلا زلت في مُلكٍ جديد مؤيد ........ تدينُ لكَ الدُّنيا وتصفو لك الأخرى ولا زال للأيام طَوْلٌ على الوَرَى ........ وما الطول إلاَّ أن تطيل لك العمرا


وقول ابن سناء الملك :


بقيت حتَّى يقول الناس قاطبة ........ هذا أبو الياس أو هذا أبو الخضر


وقول ابن نباتة :


فابق عالي المقام داني العطايا ........ قاهِرَ البأس ظاهرَ الأنباء يتمنَّى عدوُّكَ العيشَ حتَّى ........ أتمنى له امتداد البقاء


وقول مؤلفه مترجِّياً حسن الختام لمن سطر باسمه بديع هذا النظام :


لا زال مَنْ سُطِّرَ ذا باسمه ........ يبقى بقاء الفَلَكِ الدائر ومَنْ يُناويه يَعِشْ بَائِساً ........ يسحب ذيل الخَاسئ الخَاسِر


1


327

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مطريات

قول