الاقتباس.
قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وقد ... أوروا بجنبي نارا باقتباسهم.
الاقتباس في اللغة: مصدر اقتبس إذا أخذ من معظم النار شيئا، وذلك المأخوذقبس بالتحريك، وفي الاصطلاح هو تضمين النظم أو النثر بعض القرآن لا على أنهمنه، بأن لا يقال فيه: قال الله أو نحوه، فإن ذلك حين إذا لا يكون اقتباسا.
قال الحافظ السيوطي: وقد اشتهر عن المالكية تحريمه وتشديد النكير على فاعله. وأما أهل مذهبنا- يعني الشافعية- فلم يتعرض له المتقدمون ولا أكثر المتأخرينمع شيوع الاقتباس في أعصارهم، واستعمال الشعراء له قديما وحديثا، وقدتعرض له جماعة من المتأخرين، فسئل عنه الشيخ عز الدين بن عبد السلامفأجازه، واستدل بما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم في قوله في الصلاةوغيرها: وجهت وجهي إلى آخره، وقوله: اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكناوالشمس والقمر حسبانا اقض عني ديني واغنني من الفقر. وفي سياق كلام أبيبكر: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وفي آخر حديث لابن عمر: قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. انتهى.
وهذا كله إنما يدل على جوازه في مقام المواعظ والثناء والدعاء وفي النثر، ولادلالة فيه على جوازه في الشعر وبينهما فرق.
[١٢٨]
فإن القاضي أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه في الشعرمكروه وفي النثر جائز،واستعمله أيضًا في النثر القاضي عياض في مواضع من خطبة الشفاء.
وقال الشرف إسماعيل المقري صاحب مختصر الروضة وغيره في شرح بديعيته:فما كان منه في الخطب والمواعظ ومدحه صلى الله عليه وآله وسلم فهو مقبولوغيره مردود.
وفي شرح بديعية الشيخ صفي الدين الحلي: الاقتباس ثلاثة أقسام محمود مقبول،ومباح مبذول، ومردود مرذول.
فالأول-ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبي وآله عليهم السلامونحو ذلك.
والثاني-ما كان في الغزل والصفات والقصص والرسائل ونحوها.
والثالث- على ضربين: أحدهما ما نسبه الله تعالى إلى نفسه، ونعوذ بالله ممنينقله إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقع على مطالعة فيها شكاية منعماله: «إن إلينا إيابهم ثن إن علينا حسابهم» والآخر تضمين آية كريمة في معرضهزل أو سخف، ونعوذ بالله من ذلك، كقول أحد العصرين:
قالت وقد أعرضت عن غشيانها ... يا جاهلا في حمقه يتناهى.
إن كان لا يرضيك قبلي قبلة ... لأولينك قبلة ترضاها.
انتهى. قال السيوطي: وهذا التقسيم حسن جدا وبه أقول.
وقال الشيخ بهاء الدين السبكي في عروس الأفراح: الورع اجتناب ذلك كله، وأنينزه عن مثله كلام الله ورسوله، لاسيما إذ أخذ شيء من القرآن وجعل بيتا مصرعا،فإن ذلك ما لا يناسب المتقين، كقوله:
كتب المحبوب سطرا ... في كتاب الله موزون.
لن تنالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبون.
وبقي هنا فوائد: الأولى- الصحيح أن المقتبس ليس بقرآن حقيقة بل كلام يماثله،بدليل جواز النقل عن معناه الأصلي، وتغيير يسير كما سيأتي. وذلك في القرآن كفر،وهذا سر قول أصحابنا: لو قرأ الجنب الفاتحة على قصد الثناء جاز، قاله السيرافي. وقال في العروس: المراد بتضمين شيء من القرآن في الاقتباس، أن يذكر كلاموجد نظمه في القرآن؛ أو السنة، مرادا به غير القرآن، فلو أخذ به القرآن كان ذلكمن أقبح القبائح، ومن عظائم المعاصي نعوذ بالله منه.
الثانية- الاقتباس على ضربين: ضرب لا ينقل المقتبس فيه عن معناه الأصلي،كقول بعض العصرين- وقد طلب من بعض أصحابه الذين بمكة حبا فاعتذر منه-:-
طلبنا منكم حبا ... أجبتم فيه بالمنع.
عذرناكم لأنكم ... بواد غير ذي زرع.
فإن المراد به مكة المشرفة، وكذلك هو في الآية الشريفة. وضرب ينقل عن معناهالأصلي بناء على أنه ليس بقرآن حقيقة كما مر.
وكقول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي.
لقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع.
فإنه كنى به عن الرجل الذي لا نفع لديه، والمراد به في الآية الشريفة مكة شرفهاالله تعالى كما تقدم.
الثالثة-جوزوا تغير لفظ المقتبس بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ أو إبدالالظاهر من المضمر، أو نحو ذلك بناء على ما هو الصحيح من أن المراد به غيرالقرآن كما تقدم.
ومثاله قول أبي تمام في مطلع قصيدة يرثي ابنا له، فيما رواه أبو بكر الصولي عنأبى سليمان النابلسي:
كان الذي خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا.
أمسى المرجى أبو علي ... موسدا في الثرى يمينا.
حين استوى وانتهى شبابا ... وحقق الرأي والظنونا.
كنت عزيزا به كثيرا ... وكنت صبا به ضنينا.
دافعت إلا المنون عنه ... والمرء لا يدفع المنونا.
وهي قصيدة طويلة، فقوله: إنا إلى الله راجعونا؛ اقتباس لكنه زاد الألف فيراجعون على جهة الإشباع، وأتى بالظاهر مكان المضمر في قوله: إنا لله وإن إليه؛ومراده آية الاسترجاع وهي قوله: «إنا لله وإن إليه راجعون».
قال في عروس الأفراح: وفي تسمية هذا البيت اقتباسا نظر، لأن في هذا اللفظليس في الأصل من القرآن. وتعقبه ابن جماعة بأنه اقتباس بالنظر إلى الأصل الذيهذا مغايره، فهو بالنظر إلى هذا، وما المانع من ملاحظة مثل هذا في التسمية. انتهى.
[١٢٩]
وهذا البيت لم يعرف أحد من أهل البديع الذين استشهدوا به قائله، فعزاهبعضهم إلى بعض الشعراء وعزاه الخطيب في الإيضاح، والتفتازاني في المطولإلى بعض المغاربة، وقال: إنه قاله عند وفاة بعض أصحابه، وليس كذلك. وإنماقال صاحب قلائد العقيان في ترجمة الرئيس أبي عبد الرحمن ابن طاهر: أنه شهدوفاته، وحين قضى دخل عليه الوزير أبو العلاء بن أزرق وهو يبكي ملء عينيه،ويقلب على ما فاته كفيه، وينادي بأعلى صوته أسفا على فوته:
كان الذي خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا.
انتهى. وهذا لا يدل على أن الوزير المذكور قائله، بل تمثل به، فاعلم. ومما وقعالتغير فيه بالزيادة والنقصان وإبدال الظاهر من المضمر والمضمر من الظاهر.
قول عمر الخيام:
سبقت العالمين إلى المعالي ... بصائب فكرة وعلو همة.
فلاح بحكمتي نور الهدى في ... ليال للضلالة مد لهمة.
يريد الجاهلون ليطفؤه ... ويأبى الله إلا أن يتمه.
والآية «يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله غلا أن يتم نوره».
الفائدة الرابعة- المشهور بتخصيص الاقتباس بكونه من القرآن. ومنهم من عدالمضمن في الكلام من الحديث اقتباسا أيضًا. وزاد الطيبي: من مسائل الفقه. قالبعضهم: إذا قلنا بذلك فلا معنى للاقتصار على مسائل الفقه، بل بكون من غيره منالعلوم. إذا عرفت ذلك فالخلاف المذكور في جوائز الاقتباس من القرآن وعدمه لايجري في الحديث، خصوصا وهو تجوز روايته بالمعنى وغير ذلك مما لا يجوز فيالقرآن، كذا قال بعضهم. وقد رأيت ما قاله الشيخ بهاء الدين السبكي في العرس:من أن الورع أن ينزه عن مثله كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وآلهوسلم.
وهذا محل إثبات شيء من أمثلة الاقتباس بأنواعه نثرا ونظما.
فمن الاقتباس من القرآن في النثر، قول ابن نباتة الخطيب، من خطبة له: فيا أيتهاالغفلة المطرقون؛ أما أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ مالكم لا تشفقون؟ «فوربالسماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون» وقوله من أخرى في ذكر يومالحساب: هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، وتقطع الأسباب؛ وتذهبالأحساب، ويمنع الأعتاب؛ ويجمع من حق عليه العقاب، وجب له الثواب، فيضرب«بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب» وقول الحريري فيمقاماته: فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادعى «ونهى النفس عن الهوى» وعلم أن الفائز من ارعوى «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى».
وممن تقدم في نحو هذا الكلام، فكان إمام هذا المقام: عبد المؤمن الأصبهاني،في رسالة أطباق الذهب؛ وهي مائة مقالة عارض بها أطواق الذهب للزمخشري. وقال في ديباجتها: وهي مائة مقالة صيغت دمالج للعضد ومخانق للجيد،وخلخلت كل واحدة بكلمة من كتاب الله المجيد، وجعلتها كوكبة ثابتة لمغربها،وكلمة باقية في عقبها. فهي لا قدامها عقب، ولختامها مسك عبق؛ ولا أبتغي إلاوجه الله فيما فصلت وقطعت، وما أريد «إلا الإصلاح ما استطعت».
فمما استحسنه منها- وما محاسن شيء كله حسن- قوله وهي المقالة الخامسة:
خليلي هبا طالما قد رقدتما ... إلا تنشدان العهد ما قد فقدتما.
أين إخوان عاشرناهم وخلان؟ أين زيد وعمر وفلان وفلان؟ وأين رشفاء الكؤوس،وقدما بقي نسيم رياهم في النفوس؟ أما يزعنا موت الآباء والأمهات عن أباطيلالترهات؟ ألا إن المرء غافل مطرق، والموت واعظ مفلق، ينادي أقواما تظنهمقياما وهم قعود «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود» تكرهون جرع الحمام فإنهساقيكم «قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم».
وقوله، وهي المقالة السادسة والثمانون: ذكر الله أشرف الأذكار، فاذكروه بالعشيوالإبكار، ذكره مقدحة الأرواح الصدية، كالصبا من وجه الأقاحي الندية، فاذكر اللهذكرا كثيرا، وكبره تكبيرا. فإذا أخلصت الذكر فاترك الصوت والحرف؛ وإذا شربتوسكرت فاكسر الطرف. السجود ما جل عن نقرات الجباه؛ والذكر ما خفي عنحركات الشفاه؛ فجهز لطيمة الأثنية إلى حظائر قدسة؛ واذكر ربك في نفسكيذكرك في نفسه، وقل لمن يذكر الله في لسانه تورعا «اذكر ربك في نفسكتضرعا».
[١٣٠]
وقوله وهي الرابعة والثمانون: رب جائع مطعام، ورب أعزل مقدام ورب حسناءمردودة؛ ورب خرقاء محسودة. أخلاق متعاكسة، وشركاء متشاكسة؛ وأقساممتباعدة «وما أمرنا ألا واحدة» سبب واحد، وأحكام متعددات؛ وقضاء فرد،وأحوال متجددات؛ وقدرة غلباء؛ وأقدار متغايرات؛ وبيضة مكنونة؛ وأفراخمتطايرات، كلمة قدسية تنشيء الإيمان والكفر، كخابية المسيح تخرج الحمروالصفر، وكالشمس بنورها تلون الحبر والياقوت؛ أو كالنجار بقدومه ينحت المهدوالتابوت. الدعوة واحدة وإن تباينت كلمات الرسل، والمقصد واحد وإن تقاذفتجهات السبل. ثمار تسقى بماء واحد «ونفضل بعضها على بعض في الأكل».
وقوله وهي المقالة السابعة: طوبى للتقي الخامل، الذي سلم من إشارة الأنامل،وتبا لمن قعد في الصوامع، ليعرف بالأصابع. خزائن الأمناء مكتومة؛ وكنوز الأولياءمختومة. والكامل كامن يتضاءل؛ والناقص قصير يتطاول، والعاقل قبعة، والجاهلطلعة فاقبع قبوع الحيات، وكن في الظلمات كماء الحياة؛ كنزك في التراب،وسيفك في القراب، عف آثارك بالذيل المسحوب، واستر رؤاك بسفعة الشحوب،فالنباهة فتنة؛ والوجاهة محنة؛ كن كنزا مستورا؛ ولا تكن سيفا مشهورا، إ ن الظالملجدير أن يقبر ولا يحشر، والبالي خليق أن يطوى ولا ينشر. ولو علم الجزل صولةالنجار؛ وعضة المنشار؛ لما تطاول شبرا، ولا تخايل كبرا، وسيقول البلبل المعتقلليتني كنت غرابا «ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا».
وقوله وهي المقالة التاسعة والثلاثين: داهية وما داهية، وما أدراك ما هية: قاضخبيث المأكل، ثقيل الهيكل؛ يملأ الحشا بالرشا؛ ويؤذي جليسه بالجشا؛ ولان يطاععشوة خير له من أن يأكل رشوة، قبلته عتبة السلطان، وسبلته مدبة الشيطان. قلمه وقود النيران، وخدمه لصوص الجيران يعرف الحق ولا ينفذه، ويرى الغريقولا ينقذه، ينزع قميص اليتيم في مأتمه وينازع الطفل الصغير في مطعمه. يغمسيده في الميراث؛ وينفعه في المبال والمراث. إذا قسم جعل نفسه أكبر البنين،ويلحق اليتيم بالجنين. فما البغاث في منسر البزاة، ولا الحربي في أسر الغزاة،بأعجز من اليتيم في مخالب القضاة. يحسبهم الجهال صلحاء وهم مراق،ويظنونهم أمناء وهم سراق، يثنون على ذي العثنون؛ ويدعون لذلك المطعون؛وهم إن عرفتهم حق العرفان، سراحين تعبث بالخرفان. يكتبون الزور وبه تجريأقلامهم، ويكتمون الحق وبه تأمرهم أحلامهم «وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم» يلبسون الحق بالباطل، ويلبسون عارا وشنارا؛ و؛ «يأكلون أموال اليتامى ظلما إنمايأكلون في بطونهم نارا».
وقوله وهي المقالة الرابعة والتسعون، وفيها اقتباس من الحديث النبوي أيضًا:عواتق الحجال، شقائق الرجال، الرجال قوامون والنساء قواعد، هم أعضاء الدينوهن سواعد؛ ما هن إلا مكاريب زروعهم، وشراسيف ضلوعهم، إلا فارفقوا بهنفإنهن لحم على خوان، واستوصوا بهن خيرا فإنهن عوان. ورجل بلا بعل، كرجل بلانعل، والعزوبة مفتاح الزنا، والنكاح ملواح الغنى، ومن نكح فقد صفد بعضشياطينه، ومن تزوج فقد حصن نصف دينه ألا فاتقوا الله في النصف الثاني، فإنخراب الدين بشهوتين: شهوة الفرج وهي الكبرى، وشهوة البطن وهي الصغرى،فاعمر الركنين، واحكم الحصنين؛ فإذا فرغت من الرواق والصفة، فلا تهملالسقيفة والأسكفة. واعلم أن الدنيا والآخرة ضرتان، لك إليهما كرتان، إحداهماحرة خريدة، والأخرى أمة مريدة، فاجعل للحرة يومين؛ فإن لها قسمين، وللأمةقسما، فإن لها في كتابك اسما، وأضعف نصيب العقبى، ولا تنسى نصيبك منالدنيا، واحفظ القسمة العادلة، ولاتكن ممن يحبون العاجلة، فالويل كل الويل إنتميلوا كل الميل. واتق الميل بالقلب «فكل أولئك كان عنه مسؤولا» وإن كان ولابد«فللآخرة خير لك من الأولى» فإن اتقيت الزيغ فطلق الدنيا فإنها زائدة «وإنخفتم أن لا تعدلوا فواحدة». انتهى.
[١٣١]
وقلت أنا على هذا الأسلوب الحكيم، سالكا هذا النهج القويم- وأنا استغفر الله منقول بلا عمل، وأسأله من فضله بلوغ الأمل- مقالة في الإيقاض من سنة الغفلةلسنة الإتعاض: انتبه يا نائم، فقد هبي النسائم، ودع المنام، فقد انقشع الظلام،هذا الصبح قد لاحت تباشيره وهذا النجح فد وافاك بشيره، فحتى متى هذهالغفلة والغرة؟ وإلى متى هذه الفضيحة والمعرة؟ أركونا إلى الدنيا الدنية؟واشتغالا عن المنية بالأمنية؟ ما أراك إلا قد تورطت، فاعمل لنفسك قبل أن تقول«يا حسرتا على ما فرطت» وذر الكبر والزهو «فما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو» فتبا لمن نسي وفاته، حتى ذهب أمره وفاته، وطوبى لمن عمل لغده؛ ولم يغتر منالعيش برغده؛ فكم هذا التسويف يا ماطل؟ والحق لا يدرك بالباطل؛ فلا يغرنكقوم أعرضوا عن العلم والعمل «ذرهم يأكلون ويتمتعوا ويلههم الأمل» إن الذينأمنوا لا يسوفون من يوم إلى يوم ومن عام إلى عام «والذين كفروا يتمتعونويأكلون كما تأكل الأنعام».
مقالة أخرى في الحث على الأعمال؛ وبيان أن رضى الله سبحانه وتعالى لا ينالبالآمال: من عجيب أمر الإنسان وكل أمره عجيب أن يدعو فيرجو الإجابة، ويدعىفلا يجيب، أليس كما يدين يدان؟ وهل يجزى المرء إلا بما دان؟ عقل في فقارالجهالة هائم، وقلب في تيار الضلالة عائم، يرجو ولا يخاف، إيمان ظاهر؛ وكفرخاف؛ والخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطير، إن قص أحدهما سقط في هوةالضير. فيا أيها المغرور بأمله، المسرور بعمله، إنك في حبائل الشيطان واقع، ألماتصح والشيب وازع؟ فانظر لحالك قبل ترحالك، واعمل في يومك لغدك، قبلفوات الأمر من يدك، ولا تكن عن الآخرة باللاه «وإما ينزغنك من الشيطان نزغفاستعذ بالله» ولا يعجبنك أمر قوم رضوا من الدنيا الدنية بالدون «إنهم اتخذواالشياطين من أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون».
مقالة أخرى- في وصف عباد الله الصالحين وأولياؤه الفالحين.
لله در عصابة هم أهل الإصابة، ذاقوا شهد الدهر وصابه، وقاسوا محنة وأوصابه؛فنبذوا الدنيا وراءهم ظهريا، وامتطوا من عزمهم جملا مهريا يرون ببصائرهم ما لايرون بأبصارهم، وينتصرون بالله سبحانه لا بأنصارهم هم أعلام الهدى ومعالمه،وأركان التوحيد ودعائمه، أنفسهم في عالم الملكوت سائحة، وقلوبهم في غمارالرهبوت سابحة، نطقهم حكمة وذكر وصمتهم عبرة وفكر، إذا خوطبوا أحسنواالسمع «وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع» أكفهمبالبذل مبسوطة، وأوصافهم بالفضل منوطة، يبذلون من المال خلاصه «يرجونتجارة لن تبور» ويخشون يوما يدعى فيه الخاسر بالويل والثبور «يهدون بالحقوبه يعدلون» يأمرون بالصلاح وهم المصلحون «أولئك على هدى من ربهموأولئك هم المفلحون».
ولنكتف من محاسن الاقتباس الواقعة في المواعظ بهذه اللمعة المضيئةالنبراس، ففيها قناع للمتعظ والواعظ.
ولا بأس بإظهار نور الاقتباس من مشكاة أهل الترسل، ليستضيء الأديب بأنواراقتباسهم عند التوصل إليه والتوسل. فمن ذلك قول القاضي الفاضل- وهو رئيسهذه الصناعة من غير مناضل- من رسالة يصف، قلعة نجم، وهي من عيونالرسائل: هي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة،وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة. فاقدة حياة صالحها الدهر إن لايحلها بقرعة، نادبة عصمة صافحها الزمن على أن لا يروعها بخلعه، فاكتنفت بهاعقارب منجنيقات لم تطبع بطبع حمص في العقارب، وضربتها بحجارة أظهرتفيها العداوة المعلومة في الأقارب.
إلى أن قال: فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد منهواليها طالع؛ وفتحت الأبراج فكانت أبوابا «وسيرت الجبال فكانت سرابا».
وقوله: ولنا من الجيران من يجور، ويظن أنه إلى الله لن يحور ويصدق وعدالشيطان وما يعده الشيطان إلا الغرور، وتصدر عنه كل عظيمة، ويجهل أن اللهعليم بذات الصدور ويظن أنه يرث الأرض وينسى ما كتب الله في الزبور.
وقوله: وينهى وصول كتاب كريم، تفجرت منه ينابيع البراعة، وتبرعت فيه بالحكمأيدي اليراعة، وجاد منه بسماء مزينة بزينة الكواكب وهطل منه لأوليائه كل صوبولأعدائه كل شهاب أصيب.
[١٣٢]
وقوله: كتاب اشتمل على بدائع المعاني وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أنني ماتعبت في استخراج جواهرها، بل سبحت حتى تناولتها وجنحت إلى ما حاولتها، فيالله من بدائع وروائع، ولطلائف وطرائف؛ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ومايقرط الأسماع ويقرط الألسن.
وقوله: فلو رأيت أطناب الخيم في أعناق الأسارى يساقون بها مقرنين، لحمدتالذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، ولقد شابت بخضاب العجاج ما أرسلتهرايات الأبرجة من ذوائب مفرقها، وأسلمت وجهها لله وقطعت زنار خندقها.
وقوله: وما عهدته أدام الله سعادته إلا وقد استراحت عواذله، وعرى به أفراسالصبا ورواحله، إلا أن يكون قد عاد إلى ذلك الجج، ومرض قلبه وما على المريضمن حرج. وأيما كان، ففي فؤادي إليه سريرة شوق لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسيأسيرة غلة لا أطيقها بل أطيعها، وإني لمشتاق إليك؛ وعاتب عليك، ولكن عتبة لاأذيعها.
وقوله: ورد كتاب لا يجد الشكر عنه محيدا، وآنست القلب الذي كان به وحيدا،وعددت يوم وصوله السعيد عيدا، ووردت منه بئرا غير معطلة وقصرا مشيدا (ولايكلف الله نفسا إلا وسعها) وتلك الغاية ليست في وسعي ولا تعلم نفس إلا ماطرق سمعها؛ وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعي، وهذه الأوابد إلا باعد ما طاللها ذراعي ولا استقل بها ذرعي.
وقوله: (لا يجليها لوقتها إلا هو) فسبحانه جلت قدرته جلاها وقد بلغت القلوبالحناجر، وفرجها وقد بلغت الدموع المحاجر ومن بالسلطان على الخلق، وإقامةليتم به إنشاء الله دين الحق.
وقوله: - في جواب كتاب بعثه العماد إليه في ورق أحمر، فقطعت العرب الطريقعلى حامله، وأخذوه ثم أعادوه-: ووصل منها كتاب تأخر جوابه لأن العرب قطعواطريقه، وعقوا عقيقه، ثم أعادوه وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره؛ ولاألبابهم أن تسيغ خمره، فقطف ورده من شوك أيديهم وحيا حياه الذي جل عنواديهم، وحضر منهم حاضر الفضل الذي ما كان الله ليعذبه بالغربة وأنت فيبواديهم، وتشرف منه بعقلية الإنس التي ما كان الله ليمتحنها بقتل واديهمومسألته بأي ذنب قتلت، وأي شفاعة فيك قبلت، فقال: عرفت الأعراب بضاعتهامن الفصاحة، وتناجدت أهل نجد فكل صاح وإصباحه، وقالوا: هذه حقائقناالسحرية، وهذه حقائبنا السحرية؛ وهذه عتائدنا السرية محمولة؛ وهذه مواريثقيثنا وقسنا المأمولة، فقيل لهم: إن الفصاحة تنتقل عن الأنساب، وإن العلم ينالهفرسان من فارس ولو كان في السحاب، فدعوا عنكم ثمرا علق بشجراته؛ واتركوانهبا صيح في حجراته (وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضلالعظيم) ثم لمته على الشعث؛ وأحللت به بعد الإحرام؛ فاستباح الطيب؛ وحاشاهمن الرفث.
ومن ذلك قول العماد الأصبهاني: صدرت هذه البشرى ودماء الفرنج على الأرضوقيل لها: ابلعي، وعجاجها في السماء وقيل لها: أقلعي، وفاض ماء النصال،وغاض ماء الضلال، وهي بشارة اشترك فيها أولياء النعمة؛ ونبئهم أن الماء بينهمقسمة.
وقول الشيخ جمال الدين بن نباتة- في حضيرة القدس-: وكان معنا شخص يلقببالخلد سكن بيتا حسنا، وغمض عن الرفاق تغميضا في الخلد بينا، فقال مولاناالصاحب: ما تقول في جنة الخلد، وشكا قوم عشرة هذا الرجل؛ فكتبت علىورقتهم: اصبروا على ما تثقلون (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعلمون) .
وقوله في منقل نحاس وهو من غريب الاقتباس: طالما حمدت معاشرته وطابتفي الليالي مسامرته؛ واطلع من أفقه نجوما سعيدة القران؛ وتلا على الثلج والريح(يرسل عليكما شواظا من نار ونحاس فلا تنتصران) .
وقول القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير: ولم يزل القتال ينوبهم وسهام المنونتصيبهم، وسحابها يصيبهم، والسيوف تغمد في الطلى؛ والرماح تركز في الكلى؛والمجانيق تذلل سورتتهم؛ وتسكن فورتهم، وتقذفهم من كل جانب دحورا، وتعيدكلا منهم مذموما مدحورا، وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالتسليم، وتنتابهمفما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.
وقول كمال الدين بن العطار في منازلة قلعة: ونقبت النقوب نظام أساساتهافانحلت، وألقيت النار في أحشائها فألقت ما فيها وتخلت. هذا والمناجيق مناومنهم تارة وتارة، وكفها يرمي من النفط أصابعها بشرر كالقصر وقودها الناسوالحجارة.
[١٣٣]
وقول الشهاب محمود: - في فتح حصن المرقب-: وتخلخلت قواعد ما شيد منأركانه فانحلت، وانشقت سماؤه من الجزع فألقت ما فيها من الأرض وتخلت،ومشت النار من تحتهم وهم لا يشعرون، ونفخ في الصور بل في السور فإذا همقيام ينظرون. ومنه: فلجأوا إلى الأمان، وتمسك ذل كفرهم بعز الإيمان، وتشبثوابساحل العفو حين ظنوا أنهم قد أحيط بهم وجاءهم الموج من كل مكان.
وما ألطف اقتباس أبي طاهر الأصفهاني- في رسالة القوس- إذ قال: وهو صورةمركبة ليس لها من تركيب النظم؛ إلا ما حملت ظهورها والحوايا أو ما اختلطبعظم.
ومن إنشاء الشيخ عبد الرحمن المرشدي؛ من كتب كتبه غلى الأفندي محمد درازالمكي: على رسلك يا رسول البلاغة؛ ماذا التحدي بهذا المعجز الموجز؛ وعلىمهلك يا نبي البراعة فما منا إلا مذعن معجز (والقلم وما يسطرون)، (وإن هذا إلاسحر يؤثر) ما هذا قول البشر، (حم والكتاب المبين) ما هذا في زبر الأولين.
ومنه: يا أعد قاض أقيم به عماد الدين (آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول فاكتبنا معالشاهدين) .
قلت: هذا وإن عدهم بعضهم من حسن الاقتباس، إلا أني أراه من القسمالمردود، لتجاوزه الحدود.
ومن كتاب له إلى بعض كبراء مصر: فياذا القلم السحار، والكلمة الفائقة لطفا علىنسائم الأسحار، أعيذ سطرك وطرسك، بالليل إذا تجلى و(أعوذ برب الفلق)؛ والليلإذا غسق؛ إذ تقوسم بالإزلام أن يكون غيرك ذا القدح المعلى.
وقوله من كتاب آخر: وأما أحوال العسكر الواردة إلى اليمن، المثيرين بمصر تلكالشرور والفتن، فقد جاؤوا إلى بندرة جدة (وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة)ونزل ميدهم وهو في الغاية من السكينة المتمكنة؛ وأما المتجهز منهم فيالمركب (المجاهد) فقد ندخ بهم المركب إلى القنفذة، وكادت أن تقع بينهم فتنةوعربذة، وذلك عند وصول الماء إليهم فكادوا أن يقتتلوا، فوصل الخبر إلىالموكول إليه، فقال للرسول: أقر بالري عينهم (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم)فأطفأ الله النار بذلك الماء وسافروا بعد ذلك غلى حيثما.
ومن ذلك قول الأفندي محمد بن حسن دراز المكي- في جواب كتاب إلى الشيخعبد الرحمن المرشدي- (والنجم إذا هوى) ما ضل يرعاك وما غوى (علمه شديدالقوى ذو مرة فاستوى) جل فضلك عن التشبيه، وتعالت نباهتك عن الإيماءوالتنبيه، ولقبت بالشرف وأنت الشرف النبيه؛ اقتربت ساعة حسادك يا رب البلاغةووجهك القمر، وأن يروا آية من فضلك يعرضوا، وقد جاء (جاءهم من الأنباء مافيه مزدجر) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموا قلمك فيما شجر، ويقولوا لجواهرألفاظك الرطبة إذا نطق ذو اللفظ اليابس: بفيك الحجر، ويوقنوا بحسن تصرفكفي التصنيف الذي فيه أنصفت إذ صنفت، وإذا جمع غمام جموعه لمساجلتكقيل له (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت) انتهى.
هذا غيض من فيض، ولم من يم، والقول في هذا الباب لا ينتهي حتى ينتهي عنه،ولا يقف حتى يوقف عليه، فيا أربا الإنشاء والقريض، ويا أصحاب التصريحوالتعريض، اقتبسوا مثل هذه الأنوار المشرقة في أشعاركم وخطبكم (وانبعواأحسن ما أنزل إليكم من ربكم) .
لطيفة- كان القاضي الشهير الشهيد أبو علي الصيرفي المغربي رجلا ذا وقار، يرجعمن التقى بأوقار، وعلى وقاره الذي كان يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستظرف،وهو: إن فتى يسمى يوسف لازم معطرا رائحته، ومنظفا ملبسه، ثم غاب لمرضقطعه؛ أو أشغل منعه؛ ولما فرغ؛ أو أبل؛ عاود ذلك النادي والمحل؛ وقبل إفضائهإليه؛ دل طيبه عليه. فقال الشيخ- على سلامته من المجون- (إني لجد ريح يوسفلولا أن تفندون) وهي من طرف نوادره.
ومن لطيف ما يحكى هنا: أن المنصور ولى سليمان بن أميل الموصل وضم إليهألفا من العجم، وقال له: قد ضممت إليك أف شيطان، تذل بهم الخلق. فعتوا فينواحي الموصل، فكتب إليه المنصور: كفرت النعمة يا سليمان، فأجابه (وما فرسليمان ولكن الشياطين كفروا) فضحك منه وأمده بغيرهم.
ولنصرف الآن عنان اليراعة إلى ما وقع من الاقتباس في أشعار أولي البراعة.
فمن الاقتباس من القرآن قول الأحوص:
إذا رمى عنها سلوة قال شافع ... من الحب ميعاد السرور المقابر.
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سرائر ود يوم تبلى السرائر.
وقول أبي القاسم الرافعي:
[١٣٤]
الملك لله الذي عنت الوجو ... هـ له وذلت عنده الأرقاب.
متفرد بالملك والسلطان وقد ... خسر الذين يحاربون وخابوا.
دعهم وزعم الملك يوم غرورهم ... فسيعلمون غدا من الكذاب.
وقول أبي عبد الرحمن السلمي:
سل الله من فضله واتقه ... فإن التقى خير ما تكتسب.
ومن يتقي الله يصنع له ... ويرزقه من حيث لا يحتسب.
وقول بديع الزمان الهمذاني:
لآل فريغون في المكربات ... يد أولا واعتذار أخيرا.
إذا ما حللت بمغناهم ... رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا.
وقول ابن نباتة:
وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى.
أجل نظر في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى.
وما ألطف قول ابن عبد الظاهر في معشوقه نسيم:
إن كانت العشاق من أشواقه ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا.
فأنا الذي أتلوا لهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا.
وقول ابن سناء الملك في مطلع قصيدة:
رحلوا فلست بسائل عن دارهم ... أنا باخع نفسي على آثارهم.
وقول الخباز البلدي:
سار الحبيب وخلف القبا ... يبدي العزاء ويضمر الكربا.
قد قلت إذا سار السفين بهم ... والشوق ينهب مهجتي نهبا.
لو أن لي عزا أصول به ... لأخذت كل سفينة غضبا.
وقل الأبيوردي:
وقصائد مثل الرياض أضعتها ... في باخل ضاعت به الأحساب.
فإذا تناشدها الرواة وأبصروا ال ... ممدوح قالوا ساحر كذاب.
وقول محمد الشجاعي:
لا تعاشر معشرا ضلوا الهدى ... فسواء اقبلوا أو أدبوا.
بدت البغضاء من أفواههم ... والذي يخفون منها أكبر.
وقول القاضي منصور الهروي:
ومنتقب بالورد قبلت خده ... وما لفؤادي من هواه خلاص.
فاعرض عني مغضبا قلت لا تجر ... وقبل فمي إن الجروح قصاص.
وقول بعضهم في رجل كان يشرب الخمر، فبكر فذات يوم فسقط على زجاجتهفجرحته، وسال دمه:
أجريح كاسات أرقت نجيعها ... طلب الترات يعز منه خلاص.
لا تسفكن دم الزجاجة بعده ... إن الجروح كما علمت قصاص.
وقال شيخ الشيوخ بحماة:
يا نظرة ما جلت لي حسن طلعته ... حتى انقضت وأباتتني على وجل.
عاتبت إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي خلق الإنسان من عجل.
وقول الحافظ بن حجر العسقلاني:
خاض العواذل في حديث مدامعي ... لما رأوا كالبحر سرعة سيره.
فحسبته لا صون سر هواكم ... حتى يخوضوا في حديث غيره.
وقد سبقه إلى هذا الاقتباس من قال:
أما السماح فقد مضى وقد انقضى ... فتسل عنه ولا تسل عن خيره.
واسكت إذا خاض الورى في ذكره ... حتى يخوضوا في حديث غيره.
وقول محي الدين بن قرناص:
إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ناظره.
أسكنتهم في مهجتي ... فإذا هم بالساهرة.
وقول بعضهم:
تجرد للحمام عن قشر لؤلؤ ... وألبس من ثوب الملاحة ملبوسا.
وقد جرد الموسى لتزيين رأسه ... فقلت لقد أوتيت سؤالك يا موسى.
قال أبو الحسن البلنسي الصوفي: كان لي صديق أمي لا يقرأ ولا يكتب فعلق فتى،وكان خرج لنزهة، فأثرت الشمس في وجهه، فأعجبه ذلك فأنشأ يقول:
رأيت أحمد لما جاء من سفر ... والشمس قد أثرت في وجهه.
فانظر لما أثرته الشمس في قمر ... والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا.
وما أحسن قول القاضي تاج الدين بن احمد المالكي من فضلاء العصر:
مذ واصل الخل شمس الراح قلت له ... الشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا.
فقال معتذرا لوحيل بينهما ... وافى الخسوف لبدر التم مبتدرا.
يشير إلى ما يزعمه المنجون من أنسب خسوف القمر حيلولة الأرض بينه وبينالشمس.
وقال الأبيوردي:
أردت زيارة الملك المفدى ... لأمدحه وأخذ منه رفدا.
فعبس حاجب فقرأت أما ... من استغنى فأنت له تصدا.
وأحسن من هذا قول الأديب المعروف بالمهتار من شعراء العصر أيضًا مقتبسًالهذه الآية في مليح فقير الحال:
تصد وكم تصدى منك كف ... لمن لم يدر قدرك يا مفدى.
[١٣٥]
فصدك عن أولي أدب فأما ... من استغنى فأنت له تصدى.
ويعجبني قول بعضهم مواليا:
ليل المعنى قد طال بكم لما جن ... والقلب نحو المنازل والحبائب جن.
وقال لما سكر من غير خمر الدن ... يا من يظنوا سلوي أن بعض الظن.
أفقد جفني لذيذ الوسن ... من لم أزل فيه خليع الرسن.
عذاره المسكي في خده ... أنبته الله نباتا حسن.
وقال أيضًا:
قال جوادي عندما ... همزت همزا أعجزه.
إلى متى تهمزني ... ويل لكل همزة.
وقال أخر:
بدر ظننا وجهه جنة ... فمسنا منه عذاب أليم.
وقد قدر الخال على خده ... ذلك تقدير العزيز العليم.
وقول أبي القاسم بن الحسن الكابني:
إن كنت أزمعت على هجرنا ... من غير ما ذنب فصبر جميل.
وإن تبدلت بنا غيرنا ... فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وما أحسن قول مجير الدين بن تميم في وكيل بدار القضاء يدعى بالعز:
لا تقرب الشرع إذا لم تكن ... تخبره فهو دقيق جليل.
ووكل العز الذي وجهه ... على نجاح الأمر أقوى دليل.
ولا تمل عنه إلى غيره ... فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وهذا اقتباس بالتورية.
ومثله ما حكي: أن النصير المحامي قال للسراج الوراق: قد امتدحت الصاحببهاء الدين بقصيدة؛ وهي الليلة تقرأ بين يديه؛ وأشتهي منك أن تزهره لها.
فلما أنشدت قال السراج الوراق بعد الفراغ:
شاقني للنصير شعر بديع ... ولمثلي في الشعر نقد بصير.
ثم لما سمعت باسمك فيه ... قلت نعم المولى ونعم المصير.
ومن بديع الاقتباس بالتورية أيضًا قول القاضي محي الدين بن عبد الظاهر:
بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين.
كم قد دفعت عواذلي عن وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن.
وأخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة بقافيته، ولكن زاده إيضاحا بقوله:
يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال فاتتني ألذ وأجمل.
فانظر إلى حسنيهما متأملا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن.
وألم به الشيخ عز الدين الموصلي وما خرج أيضًا عن إيضاحه فقال:
قد سلونا عن المليح بخودٍ ... ذات وجه به الجمال تفنن.
ورجعنا عن التهتك فيه ... ودفعناه بالتي هي أحسن.
ومنه قول ابن نباتة في خادم اسمه كافور:
يا لائمي في خادم لي سيد ... قسما لقد زدت السلو نفورا.
ولقد أدرت على المسامع شربة ... في الحب كان مزاجها كافورا.
ولأبي الفضائل أحمد بن يوسف بن يعقوب قصيدة حسنة اقتبس فيها أكثر سورةمريم عليها السلام، أولها:
لست أنسى الأحباب ما دمت حيا ... إذ نووا للنوى مكانا قصيا.
وتلوا آية الدموع فخروا ... خيفة البين سجدا وبكيا.
وبذكراهم يسبح دمعي ... كلما اشتقت بكرة وعشيا.
وأناجي الإله من فرط حزني ... كمناجاة عبده زكريا.
واختفى نورهم فناديت ربي ... في ظلام الدجى نداء خفيا.
وهن العظم بالبعاد فهب لي ... رب بالقرب من لدنك وليا.
واستجب في الهوى دعائي فإني ... لم أكن بالدعاء منك شقيا.
قد فرى قلبي الفراق وحقا ... كان يوم الفراق شيئا فريا.
ليتني مت قبل هذا وغني ... كنت نسيا يوم النوى منسيا،
وهي نحو من ثلاثين بيتا على هذا النمط.
وما أبدع قول الصاحب عطا ملك في دوبيت:
يا طاقة شعرة براسي انتشبت ... بيضاء تصارفي بها قد ذهبت.
يا واحدة سواد قوم نهبت ... كم من فئة قليلة قد غلبت.
وقال أبو الحسن الباخرزي:
يزني دهري اللئيم كريما ... كان لي والدا وكنت أنا ابنا.
كل شيء يبيد والله باق ... ربنا إننا إليك أنبنا.
وما أصدق قول صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:
يا عترة المختار يا من بهم ... أرجو نجاتي من عذاب أليم.
حديث حبي لكم سائر ... وسر ودي في هواكم قديم.
قد فزت كل الفوز غذ لم يزل ... سراط ديني بكم مستقيم.
ومن أتى الله بعرفانكم=فقد أتى الله بقلب سليم.
ومن الاقتباس الذي هو غير مقبول، بل هو من المردود المرذول قول ابن النبيهيمدح القاضي الفاضل:
[١٣٦]
قمت ليل الصدود إلا قليلا ... ثم رتلت ذكركم ترتيلا.
ووصلت السهاد أقبح وصل ... وهجرت الرقاد هجرا جميلا.
مسمعي كل عن سماع عذولي ... حين ألقى عليه قولا ثقيلا.
وفؤادي قد كان بين ضلوعي ... آخذته الأحباب أخذا وبيلا.
قل لرامي الجفون أن لجفني ... في بحار الدموع سبحا طويلا.
ماس عجبا كأنه ما رأى غص ... نا طليحا ولا كثيبا مهيلا.
وحمى عن محبه كأس ثغر ... حين أضحى مزاجها زنجبيلا.
بأن عني فصحت في أثر العي ... س أرحموني وأمهلوني قليلا.
أنا عبد للفاضل بن عي ... قد تبتلت بالثنا تبتيلا.
لا تسمه وعدا بغير نوال ... أنه كان وعده مفعولا.
نعوذ بالله من هذا الكلام. وبعده:
وإذا كان خصمك الدهر وال ... حكم إلى الله فاتخذه وكيلا.
إن مدحي له أشد وطاء ... وقريضي أقوى وأقوم قيلا.
جل عن سائر الخلائق قدرا ... فاخترعنا في مدحه التنزيلا.
هذا من المغالاة والإغراق الذي يجر إلى الإخلال بالدين والعياذ بالله تعالى،ومذهب ابن النبيه في ذلك مشهور.
ومن ذلك قول البهاء بن زهير:
وسقاني من ريقه البارد العذ ... ب كؤوسا حوت شرابا طهورا.
بقوارير فضة من ثنايا ... قدروها بلؤلؤ تقديرا.
وغيوم مثل الجنان فما تن ... ظر شمسا فيها ولا زمهريرا.
نصب روض مشى النسيم عليه ... فانبرى سعيه به مشكورا.
أيها الحاسد المنفد إما ... أن تكن شاكرا وإما كفورا.
كيف تجفوا التي يطير بها ... الهم وإن كان شره مستطيرا.
وقول الحاجري:
قالت وقد حاولت منها نظرة ... والقلب في ألم من الخفقان.
انظر إلى القلب الذي تهوي به ... فإن استقر مكانه فستراني.
وقول الأخر:
أوحى إلى عشاقه طرف ... هيهات هيهات لما توعدون.
وردفه ينطق من خلفه ... لمثل ذا فليعمل العاملون.
ومن الاقتباس من الحديث قول الصاحب بن عباد رحمه الله:
قال لي إن رقيبي ... سيء الخلق فداره.
قلت دعني وجهك الجن ... ة خفت بالمكاره.
ولفظ الحديث (خفت الجن بالمكاره وخفت النار بالسهوات) .
وثل ذلك قول ابن قلاقس:
ووالله لولا أنه جنى المنى ... لما كان محفوفا لنا بالمكاره.
وقول ابن نباتة:
عن خده منع الرقي ... ب وبعده داجي عذاره.
واهًا لها من جنة=حفت بأنواع المكاره.
وقول ابن مماتي في جارية صورت في وجهها حية وعقربا بالغالية:
قتيلك ما أذكى الهوى جل ناره ... إلى أن تبدى الخد في جلناره.
رأى حية في وجنتيك وعقربا ... نعم جنة حفت كذا بالمكاره.
واقتبست أنا أخر الحديث فقلت:
لقد ذهبت أنفس العاشقين ... على نار وجنته حسرات.
ولا غور أن أصبحت تشتهي ... فقد حفت النار بالشهوات.
ومنه قول الصاحب بن عباد أيضًا:
أقول وقد رأيت له سحابا ... من الهجرات مقبلة إلينا.
وقد سحت غواديها بهطل ... حوالينا الصدود ولا علينا.
اقتبسه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم استسقى وحصل مطر عظيم (اللهمحوالينا ولا علينا) .
وقول منصور الهروي الأزدي:
فلو كانت الأخلاق تحوى وراثة ... ولو كانت الآراء لا تتشعب.
لأصبح كل الناس قد ضمهم هوى ... وأصبح كل الناس قد ضمهم أب.
ولكنها الأقدار كل ميسر ... لما هو مخلوق وله مقرب.
وقوله الأبله الشاعر البغدادي، وكان يهوى بعض أولاد البغاددة، فعبر على بابهفوجد خلوة فكتب على الباب:
دارك يا بدر الدجى جنة ... بغيرها نفسي ما تلهو.
وقد روي في خبر أنه ... أكثر أهل الجنة البله.
وفي كون هذا اقتباسا نظر لما في حده.
وقول أبي الحسن الباخرزي:
يا حادي العيس رفقا بالقوارير ... وقف فليس بعار وقفة العير.
قف واحتلب ماء عين طالما قطرت=حمر الدموع على البيض المقاصير.
[١٣٧]
اقتبسه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأنجشة- وكان يحدو بالإبل التي عليهانساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع- ياأنجشة رويدك رفقابالقوارير. قيل: شبه النساء بهن لضعف عزائمهن، وقلة دوامهن على العهد، لأنالقوارير يسرع إليها الإنكسار، ولا يقبل الجبر. انتهى.
وليس بشيء، والأولى ما قاله في النهاية: شبههن بالقوارير من الزجاج لأنه يسرعغليها الكسر، وكان أنجشة يحدو وينشد القريض والرجز فلم يأمن أن يصيبهن أويقع في قلبهن حداؤه فأمر بالكف عنه، وفي المثل: الغنا رقية الزنا. وقيل: إن الإبلإذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت وأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاهعن ذلك لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة. انتهى.
وهذا أولى من الأول لدلالة المقام عليه.
ومنه قول أبي الحسن علي بن مفرج المنجم لما احترقت دار ابن صورة بمصر:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم.
كذا كل مال أصله من نهاوش ... فعما قليل في نهابر يعدم.
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم.
اقتبسه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أصاب مالا من نهوش أهلكه اللهفي نهابر، والنهاوش بالنون في أوله والشين المعجمة في آخره: المظالموالإجحافات بالناس. والنهابر: المهالك؛ واحدها نهبرة ونهبورة بضم أولها.
ومن قول أبي جعفر الأندلسي:
لا تعاد الناس في أوطانهم ... قلما يرعى غريب في الوطن.
وإذا ما شئت عيش بينهم ... خالط الناس بخلق ذي حسن.
اقتبسه من قله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: اتق الله حيثكنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالط الناس بخلق حسن.
وقول شمس الدين محمد بن عبد الكريم الموصلي:
ومنكر قتل شهيد الهوى ... ووجه ينبئ عن حاله.
اللون لون الدم من خده=والريح ريح المسك من خاله.
اقتبسه من قوله عليه السلام في وصف دم الشهيد: اللون لون الدم والريح ريحالمسك.
وقول القاضي أحمد بن خلكان: انظر إلى عارضه فوقه=ألحاظه يرسل منهاالحتوف.
وشاهد الجنة في خده ... لكنها تحت ظلال السيوف.
اقتبسه من قوله عليه السلام: الجنة تحت ظلا ل السيوف. قال في النهاية: هوكناية عن الدنو من الضراب في الجهاد حتى يعلوه السيف ويصير ظله عليه.
واقتبس ذلك أيضًا لسان الدين بن الخطيب فقال:
أصبح الخد منك جن عدن ... مجتلى أعين وشم أنوف.
ظللته من الجفون سيوف ... جنة الخلد تحت ظل السيوف.
وقول الشيخ جعفر الخطي البحراني:
إني أعجب من هواي وجعلكم ... هجري على عكس القضية دابة.
فكأنكم قلتم ألا من حبنا ... فليستعد لهجرنا جلبابا.
اقتبسه من قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: ألا من أحبنا أهل البيت فليستعدللفقر جلبابا.
ومن الاقتباس من دراية الحديث- قول الشهاب أحمد بن يوسف الرعينيالغرناطي:
نسختي اليوم في المحبة أصل ... فعليها اعتماد كل عميد.
نقلوا مرسل المدامع منها ... وصحيح الهوى بغير مزيد.
قد رواها قبلي جميل وقيس ... حين هاما بكل لحظ وجيد.
وقول شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن صارو البعلي:
ومحدث حسن الحديث غدا به ... وجدي صحيحا والتسلي معضلا.
لو لم يكن صبري ضعيفًا عنه ما ... أجرى الأسى دمعي عليه مسلسلا.
وقول ابن جابر الأندلسي:
أرادت فؤادي للمحبة شاهدا ... فقلت لها هذي دموعي فاسألي.
فقالت لها جرح بخدك بين ... فتلك شهود عندنا لم تعدل.
وغن حديث الدمع عندي مرسل ... وليس على ما أرسلوا من معول.
فيا عجبا من حسنها وهو مالك ... ومرسل دمعي عنده غير معمل.
وقوله أيضًا:
نقل المسواك لي فيما روى ... أن ذاك الريق مسك وعسل.
قلت عمن قال عن ريقته ... قلت هذا خبر صح وجل.
من تبدى جوهريا ثغره ... صح في الحسن لدينا ما نقل.
وقول أبي إسحاق بن الحاج الغرناطي مع التورية:
رعى الله معطار النسيم فإنه ... رأى من غصون البان ما شاء من عطف.
وأبدى حديث الغيث وهو مسلسل ... لذلك لعمري ليس يخلو من الضعف.
وقوله أيضًا:
[١٣٨]
نظرت إلى روض الجمال بخده ... وسقيت دمعا به العين تكلف.
فصح حديث الحسن عن ورد خده ... وإن كان أضحى وهو راو مضعف.
وللشيخ الحافظ شهاب الدين ابن عباس أحمد بن فرج الإشبيلي قصيدة غريبةاقتبس فيها جميع مصطلحات علم الدراية في ألقاب الحديث وهي من غريبالنظم رقة وانسجاما، وضمن أخرها لغزا، وقد شرحها جماعة من أهل المشرقوالمغرب، ولا بأس بإيرادها هنا لغرابة أسلوبها وعذوبة ألفاظها وهي:
غرامي صحيح والرجا فيك معضل ... وحزني ودمعي مرسل ومسلسل.
وصبري عنكم يشهد العقل أنه ... ضعيف ومتروك وذلي أجمل.
ولا حسن إلا سماع حديثكم ... مشافهة يملى علي فأنقل.
وأمري وقوف عليك وليس لي ... على أحد إلا عليك المعول.
ولو كان مرفوعا إليك لكنت لي ... على رغم عذالي ترق وتعدل.
وعذل عذولي منكر لا أسيغه ... وزور وتدليس يرد ويهمل.
أقضي زماني فيك متصل الأسى ... ومنقطعا عما به أتوصل.
وها أنا في أكفان هجرك مدرج ... تكلفني ما لا أطيق فأحمل.
وأجريت دمعي بالدماء مذبحا ... وما هي إلا مهجتي تتحلل.
فمتفق جفني وسهدي وعبرتي ... ومفترق صدري وقلبي المبلبل.
ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي ... ومختلف حظي وما منك آمل.
خذ الوجد عني مسندا ومعنعنا ... فغيري بموضوع الهوى يتحيل.
وذي نبذ من مبهم فاعتبر به ... وغامضه إن رمت شرحا فأطول.
عزيز بكم صب ذليل بعزكم ... ومشهور أوصاف المحب التذلل.
غريب يقاسي الذل منه وماله ... وحقك عن دار الهوى متحول.
فرفقا بمقطوع المسالك ماله ... إليك سبيل لا ولا عنك معدل.
ولا زلت في عز منيع ورفعة ... ولا زلت تعلو بالتجني فأنزل.
أورى بسعدي والرباب وزينب ... وأنت الذي تعنى وأنت المؤمل.
فخذ أولا من آخر ثم أولا ... من النصف منه فهو فيه المكمل.
أبر إذا أقسمت أني بحبه ... أهيم وقلبي بالصبابة يشعل.
وهذه القصيدة دالة على تمكن ناظمها ورسوخ قدمه في الفضل والأدب. وفرحبفتح الراء المهملة وبعدها حاء مهملة، وهكذا يقتضي كلام الصفدي في ضبطه،حيث قال في آخر ترجمته: ولم يزل على حاله حتى أحزن الناس ابن فرح، وتقدمغلى الله وسرح. قال بعض المتأخرين: والذي تلقيناه عن شيوخنا أنه بسكون الراء،وكان مولد الشيخ المذكور صاحب القصيدة سنة خمس وعشرون وستمائة،وتوفي تاسع جمادى الآخرة تسع وتسعين وستماية والله أعلم.
وما أحسن قول الخطيب جند بن الحسن:
روت لي أحاديث الغرام صبابتي ... بإسنادها عن بانة العلم الفرد.
وحدثني مر النسيم عن الحمى ... عن الدوح عن وادي الغضا عن ربى نجد.
بان غرامي والأسى قد تلازما ... فلن يبرحا حتى أوسد في لحدي.
ومن الاقتباس من علم الفقه: قول المتنبي:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه.
قفي تغرمي الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه.
المعنى أن النظرة الأولى أتلفت مهجتي فلزم أن تغرميها بنظرة ثانية لأن من أتلفشيئا لزم أن يغرمه، ولكن التركيب فيه عقادة وقلق.
وقول الأمير أبي فضل الميكالي:
أقول لشاد في الحسن فرد ... يصيد بلحظة قلب الكمي.
ملكت الحسن أجمع في نصاب ... فأد زكاة منظرك البهي.
وذاك بأن تجود لمستهام ... برجف من مقبلك الشهي.
فقال أبو حنيف لي أمام ... وعندي لا زكاة علي الصبي.
وقد رواها بعضهم على غير هذه القافية فقال:
أقول لشاد في الحسن فرد ... يصيد بلحظة قلب الجليد.
ملكت الحسن أجمع في قوام ... فلا تمنع وجوبا عن وجود.
وذلك أن تجود لمستهام ... برشف من مقبلك البرود.
فقال أبو حنيفة لي أمام ... وعندي لا زكاة على الوليد.
وروى بعضهم فيها زيادة على هذه الصورة:
أقول لشادن في الحسن فرد ... يصيد بلحظة قلب الكمي.
ملكت الحسن أجمع في نصاب ... فأد زكاة منظرك البهي.
فقال أبو حنيفة لي أمام ... يرى أن لا زكاة علي الصبي.
[١٣٩]
وإن تك مالكي الرأي أو من ... يرى رأي الإمام الشافعي.
فلا تك طالبا من زكاة ... فإخراج الزكاة على الولي.
وما أعذب قول أبي العلاء المعري:
أيا جارة البيت الممنع جاره ... غدوت ومن لي عندكم بمقيل.
لغيري زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكري ابن السبيل.
ومثله قول الأخر:
يا قاتلي بالجفا بحقك لا ... تأخذ على العبد في تهجمه.
عسى زكاة الجمال تخرجها ... على فقير الوصال معدمه.
ومنه قول القاضي عبد الوهاب المالكي:
ونائمة قبلتها فتنبهت ... وقالت تعالوا واطلبوا اللعن بالحد.
فقلت لها إني فديتك غاضب ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد.
خذيها وكفي عن أثيم ظلامة ... فإن أنت لم ترضي فألف على العد.
فقالت قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد.
فباتت يميني وهي هميان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد.
فقالت ألم أخبر بأنك زاهد ... فقلت لها ما زلت أزهد في الزهد.
وقول بدر الدين بن العز الحنفي:
يا رب إن العيون السود قد فتكت ... فينا وصالت بأسياف من الدعج.
وهذه قصة الشكوى إليك فخذ ... منها القصاص وحننها على المهج.
وقال عثمان بن عبد الرحمن الحنفي:
خذوا بدمي من رام قتلي بلحظه ... ولم يخش حكم الله في قاتل العمد.
وقودا به جهرا وإن كنت عبده ... ليعلم أن الحر يقتل بالعبد.
لما وقف التاج السبكي على هذين البيتين قال: لم أسمع في عمري بأسمج من هذاالمقطوع، ولا رأيت قط متغزلًا يصف محبوبته، ثم يقول خذوه بدمي واقتلوه عمدابمذهبي في المسألة الفلانية، وهذا غلبة التعصب المذهبي على الحب الطبيعي،وليس هذا مذهب ابن حنيفة، لأنه لا يقتل الحر بعبد نفسه، وإنما يقتل العبد بعبدغيره. ولما انتهيت إلى هذا خطر لي هذان البيتان:
لا يأخذ القاضي الحبيب إذا رمى ... قلبي بسهم اللحظ عند شهوده.
فالحر لا قود عليه بقتله ... عبدا وإني لم أقل عبيده.
انتهى كلام السبكي.
وقال عماد الدين الحنفي معارضا للقاضي عثمان:
أحكامنا إن قال حبي قتلته ... بأسياف الحاظي وقتلتم بعمده.
فلا تقتلوه إنني أنا عبده ... ولا حر في رأي يقاد بعبده.
ولأبي الفتح البستي في هذا المعنى وهو أقدمهم عصرا ومن ديوانه نقلت:
خذوا بدمي هذا الغلام فإنه ... رماني بسهم مقلتيه على عمد.
ولا تقتلوه إنني أنا عبده ... ولم أر حرا قط يقتل بالعبد.
ومنه قول أبي الفاضل الدرامي، وقيل: القاضي عبد الوهاب المالكي:
يزرع وردا ناضرا ناظري ... في وجنة كالقمر الطالع.
أمنع أن أقطف أزهاره ... في سنة المتبوع والتابع.
فلم منعتم شفتي قطفها ... والحكم أن الزرع للزارع.
وقد أجال عن ذلك جماعة من الأدباء، فقال بعض المغاربة:
سلمت أن الحكم ما قلتم ... وهو الذي نص على الشارع.
فكيف تبغي شفتي قطفه ... وغيرها المدعو بالزارع.
وقال الحافظ أبو عبد الله التنسي ثم التلمساني:
في ذي الذي قد قلتم مبحث ... إذ فيه إيهام على السامع.
سلمتم الحكم له مطلقا ... وغير ذا نص عن الشارع.
يعني أنه يلزم على قول المجيب أن يباح له النظر مطلقا والشرع خلافه.
وقال شيخنا حسين بن عبد الصمد العاملي رحمه الله:
لأن أهل الحب في حكمنا ... عبيدنا في شرعنا الواسع.
والعبد لا أملك له عندنا ... فحقه للسيد المانع.
وقال بعض المغاربة على غير رويه:
قل لأبي الفضل الوزير الذي ... باهى به مغربنا والشرق.
غرست ظلما وأردت الجنى ... وما لعرق ظالم حق.
وهذا مما يعين أن الأبيات لأبي الفضل الدرامي وهو:
[١٤٠]
الوزير أبو الفضل محمد بن عبد الواحد التميمي الدرامي البغدادي. سمع منجماعة من العلماء ببغداد، وخرج منها رسولا من القائم بأمر الله العباسي إلىصاحب إفريقية المعز بن باديس، واجتمع بأبي العلاء المعري بالمعرة، وأنشدهقصيدة لامية يمدح بها صاحب حلب فقبل عينيه وقال: لله أنت من ناظم، وخرجمن إفريقية من أجل فتنة العرب، وخيم عند المأمون بن ذي النون بطليطلة؛ ولهفيه مدائح كثيرة، ولم يزل في كنفه إلى أن مات ليلة الجمعة لأربع عشرة خلت منشوال خمس وخمسين وأربعمائة.
ومن فريد شعره قوله:
يا ليل ألا انجليت عن فلق ... طلت ولا صبر لي على الأرق.
جفت لحاظي التغميض فيك فما ... تطبق أجفانها على الحدق.
كأنني صورة ممثلة ... ناظرها الدهر غير منطبق.
رجع- ومنه قول أبي عبد الله محمد بن الفراء الأندلسي:
شكوت إليه بفرط الدنف ... فأنكر من قصتي ما عرف.
وقال الشهود على المدعي ... وأما أنا فعلي الحلف.
فجئنا غلى الحاكم الألمعي ... قاضي المجون وشيخ الظرف.
وكان بصيرا بشرع الهوى ... ويعلم من أين أكل الكتف.
فقلت له اقض ما بيننا ... فقال الشهود على ما تصف.
فقلت له شهدت ادمعي ... فقال إذا شهدت تنتصف.
ففاضت دموعي من حينها ... كفيض السحاب إذا ما يكف.
فحرك رأسا إلينا وقال ... دعوا يا مهاتيك هذا الصلف.
كذا تقتلون مشاهيرنا ... إذا مات هذا فأين الخلف.
وأومى إلى الورد أن يجتنى ... وأومى إلى الريق أن يرتشف.
فلما رآه حبيبي معي ... ولم يختلف بيننا مختلف.
أزال العناد فعانقته ... كأني لام وحبي ألف.
وظلت أعاتبه حتى الجفا ... فقال عفا الله عما سلف.
وقول الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
يا سيدي إن جرى من مدمعي ودمي ... للعين والقلب مسفوح ومسفوك.
لا تخش من قود يقتص منك به ... فالعين جارية القلب مملوك.
وقوله:
ما الكاس عندي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب.
شججت بالماء منها الرأس موضحة ... فحين أعقلها بالخمس لا عجب.
وقوله:
لم يصب الراووق إلا عندما ... قطع الطريق على الهموم وعاقها.
وقوله:
أرقت دم الراووق حلا لأنني ... رأيت صليبا فوقه فهو مشرك.
وزوجت بنت الكرام بابن غمامة ... فصح على التعليق والشرط أملك.
وقول أبي العلاء المعري:
أن يكرهوا طعم القريض فعذرهم ... باد كحاشية الرداء المعلم.
هم محرمون عن المناقب والعلى ... والشعر طيب لا يحل لمحرم.
وقول علي بن همام:
سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعة يضمخ أو فما.
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة ... ذكراك أخرج فدية من احرما.
وقول الشهاب أحمد بن يوسف الغرناطي:
حضر العيد يا غزال وقد غب ... ت وذاك المغيب منك حرام.
كيف صومتنا عن الوصل في العي ... د وما حل يوم عيد وصيام.
وفي معناه لابن الدهان البغدادي:
نذر الناس يوم برئك صوما ... غير أنني نذرت وحدي فطرا.
عالما أن يوم برئك عيدا ... لا أرى صومه ولو كان نذرا.
وقول محمد بن جابر الأندلسي صاحب البديعية:
طلبت زكاة الحسن منها فجاوبت ... إليك فهذا ليس تدركه مني.
على ديون للعيون فلا ترم ... زكاة فإن الدين يسقطه عني.
وقول جعفر بن شمس الخرفة:
بنت كرم تجلى لنا وعليها ... تاج در من الحباب وعقد.
حد سكري منها ثمانون كأسا ... والثمانون هن للسكر حد.
وقول ولادة بنت المستكفي:
لحاظنا تجرحكم في الحشى ... ولحظكم يجرحنا في الخدود.
جريح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود.
ومن الاقتباس من أصول الفقه قول شمس الدين محمد التلمساني:
قضاة الحسن ما صنع بطرف ... تمنا مثله الرشأ الربيب.
رمى فأصاب قلبي باجتهاد ... صدقتم كل مجتهد مصيب.
وقل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثلما يرتضي.
فقلت أما لم يكن ذا تقى ... تعارض المانع والمقتضي.
[١٤١]
يشير إلى المسألة الأصولية وهي أنه إذا تعارض المانع والمقتضى يقدم المانع.
وقول ابن جابر:
جئتها طالبا لسالف وعد ... فأجابت لقد جهلت الطريقة.
إنما موعدي مجاز فقلت الأصل في سائر الكلام الحقيقة.
وقول الشيخ عبد علي بن ناصر الشهير بابن رحمة الحويزي:
وجهك لما قد غدا ظاهرا ... مخبرا عن أصلك الطاهر.
حققت من هذا الذي بان لي ... تطابق الأصل مع الظاهر.
وقوله:
يا هاجري وأنا المحقق حبه ... لحديث حب عن هواه بمعزل.
لو كنت من أهل الأصول وعلمها ... لعلمت باستصحاب حكم الأول.
ومن الاقتباس من علم المنطق قول الشيخ شمس الدين محمد بن العفيفالتلمساني:
للمنطقيين أشتكي أبدا ... عين رقيب فليته هجعا.
حاذرها من أحبه فأبى ... أن نختلي ساعة ونجتمعا.
كيف غدت دائما وما انفصلت ... ما نعمة الجمع والخلو معا.
وقد تعقب الشيخ صلاح الدين الصفدي هذه الأبيات في شرح اللامية: بأن المرادفي مثل هذا أن يتعجب مما خرج عن القواعد، وهذه القضية موجودة مستعملة،وذلك قولهم: العدد إما زوج أو فرد، فهذه القضية مانعة الجمع، فإن الفرديةوالزوجية لا يجتمعان، ومانعة الخلو من أحدهما، فلا معنى للتعجب. انتهى.
وقلده في مثل هذا التعجب جماعة كابن حجة وغيره ممن لا يعرف هذا العلم.
وأنا أقول: إن تعجبه ليس من وجود هذه القضية فقط، بل من وجودها مع عدمانفصالها، ومانعة الجمع والخلو لا تكون إلا منفصلة البتة، للحكم بانفصال أحدالنسبتين فيها عن الأخرى؛ كما هو صريح قوله (كيف غدت دائما وما انفصلت)؛فالتعجب في محله فاعلم.
ومنه قول المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله تعالى:
مقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصلة.
تمنعنا الجمع والخلو معا ... وإنما ذاك حكم منفصلة.
وقوله وأجاد ما شاء رحمه الله:
ما لمثال الذي ما زال مشتهرا ... للمنطقيين في الشرط تسديد.
أما رأوا وجه من أهوى وطرته ... الشمس طالعة والليل موجود.
وقلت أنا في ذلك:
تجن واعتب تجد مني بذاك رضا ... والعذر إن شئت مسموع ومقبول.
ولم أواخذك في ذنب ولا عتب ... فالذنب والعتب موضوع ومحمول.
وقلت أيضًا:
والله لو رمت في غرامي ... إلزام من عنه قد نهاني.
أقمت من حاجبي حبيبي ... عليه برهانًا اقتراني.
وقال آخر:
تالله ما لمعذبي في حسنه ... شبه فأي حشا عليه لم يهم.
لام العذار وميم مبسمة على ... ما أدعي من حسنه برهان لم.
وأما الاقتباس من علم النحو فكثير جدا؛ حتى غلب على غالبهم فيه التوجيه.
ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
وإنما نحن في جيل سواسية ... شر على الحر من سقم على البدن.
حولي بكل مكان منهم حلق ... تخطي إذا جئت في استفهامه بمن.
(من) إنما يستفهم بها عمن يعقل؛ يقول: هؤلاء كالبهائم التي لا تعقل؛ فالاستفهامعنهم (بمن) بأن يقال لهم: من أنتم؛ أو من هم خطأ إنما ينبغي أن يستفهم عنهم(بما) لأن موضوعها لما لا يعقل، فيقال لهم: ما أنتم؛ أو ما هم.
ويحكى أن جريرا لما قال:
يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا.
قال له الفرزدق: ولو كان ساكنة قرودا؟ فقال: لو أردت هذا لقلت: ما كانا؛ ولم أقلمن كانا.
وروي أن ابن الزبعرى لما سمع قوله تعالى «إنكم وما تعبدون من دون الله حصبجهنم» قال: لأخصمن محمدًا؛ فجاء إلى النبي ﷺ فقال أليس قد عبدت الملائكة؟أليس قد عبد المسيح؟ فيكون هؤلاء حصب جهنم؛ فقال له ﷺ: ما أجهلك بلغةقومك؛ (ما) لما لا يعقل.
ومنه قول المتنبي:
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم.
وقوله:
إذا كان ما ينويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقي عليه الجوازم.
يقول: إذا نويت فعلا أوقعته قبل فوته؛ وقبل أن يقال: لم يفعل=عل؛ وإن يفعل.
وقول أبي العلاء المعري:
فدونكم خفض الحياة فإننا ... نصبنا المطايا بالفلاة على القطع.
وقول نجم الدين الحنفي:
أضمرت في الحب هوى شاد ... مشتغل بالنحو لا ينصف.
[١٤٢]
وصفت ما أضمرت من حبه ... فقال لي المضمر لا يوصف.
وما أحسن قول أبي المحاسن يوسف بن إسماعيل الشواء:
هاتيك يا صاح ربى لعلع ... ناشدتك الله فعرج معي.
وانزل بنا بين بيوت النقا ... فقد غدت آهلة المربع.
حتى نطيل اليوم وقفا على ال ... ساكن أو عطفا على الموضع.
وقوله وكان كثيرا ما يستعمل هذا النوع في شعره:
وكنا خمسة عشر في التئام ... على رغم الحسود بغير آفة.
فقد أصبحت تنوينا وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافة.
وقوله في غلام عقد أحد صدغيه وأرسل الآخر:
أرسل صدغا ولوى قاتلي ... صدغا فأعيا بهما واصفه.
فخلت ذا في خده حية ... تسعى وهذا عقربا واقفة.
ذا ألف ليست لوصل وذا ... واو ولكن ليست العاطفة.
وقوله أيضًا:
هواك يا من له اختيال ... مالي على مثله احتيال.
قسمة أفعاله لحيني ... ثلاثة مالها انتقال.
وعدك مستقبل وصبري ... ماض وشوقي إليك حال.
وقوله أيضًا:
أرى الصفع أورد منه القذالا ... وأوسع من أخدعيه المجالا.
وأسلاه عن حب ذات اللمى ... وإن هي راقت وفاقت جمالا.
لئن كان قد حال ما بينه ... وبين الحبيبة صفع توالى.
فقد يحدث الظرف بين المضاف ... وبين المضاف إليه انفصالا.
وقوله أيضًا:
وجارة قلت لها ألا ... رعيت في الحب لنا إلا.
وطرفك الأزرق ما باله ... يحث فينا لحظة القتلا.
قالت ألا تقبل طرفا حكى ... لون سنان الرمح والشكلا.
قد عملت إن على أنها ... حرف وقد أشبهت الفعلا.
ومن لطيف ما يحكى هنا، إن شرف الدين بن عنين الشاعر مرض فكتب إلى الملكالمعظم صاحب دمشق هذين البيتين:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي.
أنا كالذي احتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي.
فعاده الملك المعظم ومعه خمسمائة دينار، وقال له: أنت (الذي) وأنا (العائد)وهذه (الصلة) .
ونظم هذا المعنى الصفي الحلي يشكر رئيسا عاده في مرضه فقال:
لما رأت علياك أني كالذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد.
وافيتني ووفيت لي بمكارم ... فنداك صلة وأنت العائد.
وقال أيضًا: وعلمت أني في محبتك الذي=فنداك لي صلة وبرك عائد.
وما ألطف قول البهاء زهير المصري في ذلك من قصيدة:
يقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليك ووارد.
هبوني كما تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي.
وما أحسن قوله منها:
فعلتم وقلتم واستطلتم وجرتم ... ولست عليكم في الجميع بواحد.
إذا كان هذا بالأقارب فعلكم ... فما الذي أبقيتم للأباعد.
وله في المعنى الأول:
فديت حبيبا زارني متفضلا ... وليس ذاك على التفضل زائدا.
وما كثرت مني إليه رسائل ... ولا مطلت بالوصل منه مواعد.
رآني عليلا في هواه فعاداني ... حبيب له بالمكرمات عوائد.
فمت كمدا يا حاسدي فأنا الذي ... له صلة ممن يحب وعائد.
وقال آخر:
لا تهجروا من لا تعود هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذي.
ورفعت مقداره بالإبتدا ... حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي.
وقال الشيخ شرف الدين العصامي من فضلاء العصر:
قد ذبت من ألم البعا ... د وسقمي المتزايد.
وأنا الذي موصول حبكم فهل من عائد.
وقال الأمير أمين الدين علي بن عثمان السليماني في المعنى:
وأنا الذي أضنيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي.
وقال ابن أبي حجلة:
قطع الأحبة عادتي من وصلهم ... فكأن قلبي بالتواصل ما غذي.
فإذا سمعتم في النحاة بعاشق ... منعوه من صلة له فأنا الذي.
وما أحلى قول ابن الوردي:
وشادن يقول لي ... ما المبتدأ وما الخبر.
مثلهما لي مسرعا ... فقلت أنا القمر.
وقوله أيضًا:
وأغيد يسألني ... أيبتدى بالمضمر.
قلت نعم كقولهم ... أنت شبيه القمر.
وقول بعضهم:
يا مانعي القلب إلا عن مودتهم ... وصار في الطرف إلا عنهم نظرة.
[١٤٣]
صيرتموا خبري في الحب مبتدأً ... وكل معرفة لي في الهوى نكرة.
ومنه أخذ ابن الوردي حيث قال:
أنتم أحباي وقد ... فعلتم فعل العدى.
حتى تركتم خبري ... للعاشقين مبتدا.
وقال آخر: قالوا أحب مليحا ما تأمله=فكيف حل به للسقم تأثير.
فقلت قد يعمل المعنى لقوته ... في ظاهر الاسم رفعا وهو مستور.
وقال القاضي ابن الخطير:
وأهيف أحدث لي نحوه ... تعجبا يعرب عن ظرفه.
علامة التأنيث في لفظه ... وأحرف العلة في طرفه.
وقال آخر:
والله ما من خبر سرني ... إلا وذكراك له مبتدا.
وطالما باسمك في خلوتي ... ناديت واستخدمت حرف الندا.
وقال القاضي الفاضل:
لي عنده دين هل له ... من طالب وفؤادي المرهون.
فكأنني ألف ولام في الهوى ... وكأن موعد وصله التنوين.
وقال أبو الفتح البستي:
عزلت ولم أذنب ولم أك خائنا ... وهذا لإنصاف الوزير خلاف.
حذفت وغير ي مثبت في مكانه ... كأني نون الجمع حين يضاف.
وقال الصفي الحلي:
في روضة نصبت أغصانها فغدا ... ذيل الصبا بين مرفوع ومجرور.
والماء ما بين مصروف وممتنع ... والظل ما بين ممدود ومقصور.
والريح تجري رخاء فوق بحرتها ... ومطلق ماؤها في زي مأسور.
قد جمعت جمع تصحيح جوانبها ... والماء يجمع فيها جمع تكسير.
وقوله:
فلو استطعت رفعت حالي نحوكم ... لكن رفع الحال ليس يجوز.
وقول الفقيه أبي الحسين بن جبير الشاطبي الغرناطي:
تغير إخوان هذا الزمان ... وكل صديق عراه الخلل.
وكانوا قديما على صحة ... فقد داخلتهم حروف التعليل.
قضيت التعجب من أمرهم ... فصرت أطالع باب البدل.
وقول ابن العفيف:
يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواه ثاني.
لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان.
وقد أورد الصلاح الصفدي على هذين البيتين نقدا حسنا فقال: إن الساكنين إذااجتمعا كسر أحدهما وهو الأول، وكلامه يؤدي إلى أن المكسور غيرهما. انتهى.
وتكلف بعضهم في الجواب عنه بأنه يمكن توجيه ذلك، بجعل في للسببية، أي لأيسبب كسرت قلبي، والحال انه ما التقى فيه ساكنان، بسبب سكونه وإخلاده إلىحضيض الاطمئنان وعدم تحركه واضطرابه خوفا من طروق نار الهجر، فيكون إذاأحد الساكنين، ويحسن توجيه السؤال عن كسره بلامين. انتهى.
ونظم بعضهم جوابا للبيتين فقال:
سكنته وهو ذو سكون ... لم يثنه عن هواي ثان.
فكان كسري له قياسا ... لما التقى فيه ساكنان.
وقال مجيبا عنهما أيضًا بعض فضلاء المغرب:
نحلتني طائعا فؤادا ... فصار إذا حزته مكاني.
لا غرور إذا كان لي مضافا ... إني على الكسر فيه باني.
ولأبي الحسن الباخرزي يهجو:
سئلت عن نائك الوزير أبي ... سعد وقد مزقت أسافله.
فقلت دعني فإنه رجل ... مفعول ما لم يسم فاعله.
ومن الاقتباس في علم الصرف قول الباخرزي:
أجدك لا ينفك قلب محبس ... عليك وإبصار إليك شواخص.
فطرفك معتل وجسمك سالم ... وصدغك مهموز وخصرك ناقص.
ومن الاقتباس في علم البيان قول الشيخ عبد علي بن رحمة:
قد قلت للبدر التمام منزلها ... عنه معذب مهجتي تنزيها
أشبهته لما استعرت جماله ... والاستعارة تقتضي التشبيها
وقوله أيضًا:
ولا تعجب لهجر من حبيب ... قريب الدار مرجو الوصال
فحكم الجملتين الفصل حتما ... وبينهما كمال الاتصال
ومن الاقتباس من علم البديع قوله ابن رحمة المذكور أيضًا:
وحوراء العيون إذا تجلت ... لجيش الهم آذن بالشتات
إذا التفت أفادتني نشاطاُ ... وذلك وجه حسن الالتفات
ومن الاقتباس من علم العروض قول أبي نصر الله المصري
وبقلبي من الجفاء مديد ... وبسيط ووافر وطويل
لم أكن عالما بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل
وقول الشيخ شهاب الدين بن صارو:
وبي عروضي سريع الجفا ... وجدي به مثل جفاء طويل
قلت له قطعت أسى ... فقال لي التقطيع دأب الخليل
وقال سراج الدين الوراق:
[١٤٤]
قلت صلني فقد تقيدت في الحب به والإسار في الحب ذل
قال يا من يريد علم القوافي ... لا تغالط ما للمقيد وصل
وقول برهان الدين القيراطي:
ومليح علم الخليل يعاني ... ليته لو غدا خليل خليع
رمت وصلا منه فقال لحاظي ... ناطقات بأحرف التقطيع
أحرف التقطيع التي تتألف منها الأجزاء الموزون بها عشرة يجمعها قولك (لمعتسيوفنا) هذا الذي أشار إليه.
وقول ابن جابر الأندلسي:
سبب خفيف خصرها ووراءه ... من ردفها سبب ثقيل ظاهر
لم يجمع النوعان في تركيبها ... إلا لأن الحسن فيها وافر
وقول ابن العدوي:
بي عروضي مليح ... موتتي فيه حياة
عاذلاتي في هواه ... فاعلاتن فاعلات
وقول بعضهم يهجو:
وجهك يا عمرو فيه طول ... وفي وجوه الكلاب طول
والكلب يحمي عن الموالي ... ولست تحمي ولا تصول
مستفعلن فاعلن فعول ... مستفعلن فأعلن فعول
بيت كما أنت ليس فيه ... شيء سوى أنه فصول
وقول أبي جعفر الألبري رقيق لبن جابر وشارح بديعيته:
دائرة الحب قد تناهت ... فما لها في الهوى مزيد
فبحر شوقي بها طويل ... وبحر دمعي بها مديد
وإن وجدي بها بسيط ... فليفعل الحب ما يريد
وقول بعضهم:
يا كاملا شوقي إليه وافر ... وبسيط وجدي في هواه عزيز
عاملت أسبابي لديك بقطعها ... والقطع في الأسباب ليس يجوز
وقول يحيى الأصيلي:
وبي عروضي إذا ... أبصره لبدر احتجب
أعطافه لصبه ... فاصلة بلا سبب
ومن الاقتباس من علم النجوم قول ابن الساعاتي:
تعجبت من نحولي وهي واصلة ... توهما أنني بالوصل انتفع
وما درت أن خديها ومصطبري ... كجذوة النار منها قرب الشمع
والبدر يكمل حيث الشمس نائية ... عنه ويمحق إذ بالشمس يجتمع
وقول ابن قلاقس يشير إلى أن نور البدر عرضي:
ما أنت والقمر المنير وإن غدا ... ملء العيون وراقهن سواء
للبدر بالعرض الضياء وأنت قد ... جمعت بجوهر ذاتك الأضواء
وقول أبي إسحاق الغزي:
لست أنسى قول سلمى ذات يوم ... ما لهذا المنحني الظهر ومالي
أنا شمس في الضحى وهو هلال ... وكسوف الشمس من قرب الهلال
وفي معناه قول ابن التلميذ:
أشكو إلى الله صاحبا شكا ... تسعفه النفس وهو يعسفها
فنحن كالشمس والهلال معا ... تكسبه النور وهو يكسفها
وقول الطغرائي:
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
وما أحسن ما ضمنه الشيخ صلاح الدين الصفدي فقال:
أفدي حبيبا له في كل جارحة ... مني جراح بسيف اللحظ والمقل
تقول وجنته من تحت شامته ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
ومنه قول الأخر وأجاد:
وصل الحبيب جنان الخلد اسكنها ... وهجره النار يصليني به النارا
والشمس في القوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وفي الجوزاء إن زارا
ولهذين البيتين حكاية حكاها الخطيب في تاريخه أبي محمد إسماعيل ابن أبيمنصور موهوب الجواليقي قال: كنت في حلقة والدي والناس يقرؤن عليه فوقفعليه شاب وقال: يا سيدي بيتان من الشعر لم أفهم معناهما، وانشد البيتين،فقال له والدي: يا بني هذا من علم النجوم، لا من علم الأدب، ثم قام من الحلقةوآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم، ويعرف تسييرالشمس، فنظر في ذلك وعرف ثم جلس في الحلقة. ومعنى البيتين: أن محبوبتهإذا لم تزره فليله في غاية طوله، وإذا زارته فليله في غاية قصره، كنى بكونالشمس في القوس عن غاية طول الليل لأن ذلك لا يكون إلا والشمس بهذا البرج،وبكونها في الجوزاء عن غاية قصره، لأن ذلك لا يكون إلا والشمس فيها.
وقول ابن جابر:
يا حسن ليلتنا التي قد زارني ... فيها فأنجز ما مضى من وعده
قومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خده
وقول أبي الحسن الباخرزي:
أطلعت يا قمري على بصري ... وجها شغلت بحسنه نظري
ونزلت في قلبي ولا عجب ... فالقلب بعض منازل القمر
ومن الاقتباس من علم الهندسة، قول ابن جابر:
[١٤٥]
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأن به إقليدسا يتحدث
فعارضه خط استواء وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث
وقول ابن التلميذ أو غيره:
تقسم قلبي في محبة معشر ... بكل فتى منهم هواي منوط
كأن فؤادي مركز وهم له ... محيط وأهوائي إليه خطوط
وقول الشيخ عبد علي بن رحمة رحمه الله:
وفتاة قد أقبلت تتهادى ... بين حور كواعب كالشموس
قلت للهندسي لما تبدت ... مثل هذا يكون شكل العروس
ومن الاقتباس من علم الحساب، قول ابن جابر الأندلسي:
قسم العلم في الغرام بلحظ ... يضرب القلب حين يرسل سهمه
هذه في هواه يا قوم حالي ... ضاع قلبي ما بين ضرب وقسمة
وقول كمال الدين بن النبيه:
خدمت بديوان المحبة ناظرا ... على غرة يا ليتني كنت عاملا
وحاسبت فرط السقم وحدي فلم يكن ... بواقيه إلا أعظما ومفاصلا
وقول بعضهم:
ولقد علمت حساب صبري بعدكم ... ونظمته في هذه الأوراق
وأقمت صبري حاصلا وأصبت ما ... وجبت أضافته إلى العشاق
وخصمت بالمضروب حتى وفره ... فوحقكم ما انساق عندي باق
وقول ابن رحمة:
وإذا جالس الكريم لئيما ... لم يفد غير نقصه من أفاده
مثل ضرب الصحيح بالكسر لا يث ... مر إلا نقصا بغير زيادة
وقوله:
قلت له كسرت قلبي ويدي ... عندك ما قابلتها بنافله
فاجبر وقابل منعما فقال ما ... قرأت علم الجبر والمقابلة
وهذا المقدار كاف في الاقتباس من القرآن والحديث وعلم الفقه وغيره منالعلوم، وأكثر الاقتباس من الشواهد المذكورة، ما عدا شواهد القرآن والحديثيدخل في نوع التوجيه، وهو الذي جرى عليه أرباب البديعيات كما سيأتي بيانه فينوع التوجيه إن شاء الله تعالى وأصحاب البديعيات لم يقتبسوا من غير القرآن.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
هذي عصاي التي فيها مآرب لي ... وقد أهش بها طورا على غنمي
اقتبسه من قوله تعالى حكاية عن موسى (هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها علىغنمي ولي فيها مآرب أخرى) .
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ... ولا اقتباس يرى من هذه الأطم
الأطم بضمتين: القصر، وكل حصن مبني بحجارة، وهو صريح في أن الأطم مفرد،فالإشارة إليه (بهذه) غير صحيح، وكأنه توهم أنه جمع فأشار إليه بذلك.
وأحسن اقتباس هذه الآية الشيخ أبو إسحاق الباعوني حيث قال:
إذا رأيت ذوي ظلم فقل لهم ... ستندمون وحاذر أن تساكنهم
كم مثلهم في الورى كانوا جبابرة ... فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وقلت يا ليت قومي يعلمون بما ... قد نلت كي يلحظوني باقتباسهم
قافية هذا البيت متداعية، وما أحوجه إليها إلا اسم النوع.
وبيت بديعتي قولي:
قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وقد ... أوروا بجنبي نارا باقتباسهم
تمكين القافية في هذا البيت، واشرق نور الاقتباس فيه مع التورية، لا يخفى علىمن له أدنى ذوق في الأدب والاقتباس من قوله تعالى في سورة الأنفال (ولا تكونواكالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) ولم يذكر ابن حجة بيت بديعية العميان فيهذا النوع.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
هم أشدا على الكفار والرحما ... ما بينهم اقتباس الود والسلم
هذا البيت أضعف البيوت، وأوهن من بيت العنكبوت، وابن فصاحة الآية الشريفةمن هذا الاقتباس، فأنه اقتبسه من قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معهأشداء على الكفار رحماء بينهم) فانظر إلى هذه البلاغة الشريفة، واقتباس الشيخمنها.
المواربة
هديت يا لائمي فاترك مواربتي ... فليس يحسن إلا ترك ودهم
المواربة - براء مهملة فباء موحدة - في اللغة المداهاة المخاتلة، كذا فيالقاموس، وفي الحديث: وإن بايعتهم واربوك، أي خادعوك، من الورب وهوالفساد، وقد ورب يرب، ويجوز أن يكون من الإرب وهو الدهاء، وقلبت الهمزة واوا-قاله في النهاية- وقال ابن أبي الإصبع: هي مشتقة من ورب العرق -بفتح الواووالراء- إذا فسد فهو ورب بكسر الراء، كأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر كلامه بماأبداه من تأويل باطنه.
[١٤٦]
العنوان
وآدم إذ بدا عنوان زلته ... به توسل عند الله في القدم
العنوان بضم وقد يكسر، والأول أفصح. قال أبو الهيثم: أصله عنان كرمان، فلما كثرت النونات قلبت إحداهما واوا. ومن قال: علوان، جعل النون لاما، لأنها أخف وأظهر من النون. قال: وكلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له. قال: وعننت الكتاب، وعنيته، وعنونته، وعلونته بمعنى واحد. قال: وسمي عنوان الكتاب عنوانا لأنه يعزله نم ناحيته.
وقال الجوهري: ويقال: عينان. وقال الليث: العلوان لغة في العنوان غير جيدة.
قال في المصباح: وعنوان كل شيء ما يستدل به عليه، ويظهره.
وفي اصطلاح البديعيين قال ابن أبي الإصبع: هو أن يأخذ المتكلم في غرض فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة في ألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدمة وقصص سالفة. ومنه نوع عظيم جدا، وهو عنوان العلوم، بأن يذكر في الكلام ألفاظ تكون مفاتيح لعلوم ومداخل لها.
فمن الأول قوله تعالى (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) الآية، فإنه عنوان قصة بلعام.
ومن الثاني قوله تعالى (انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب) الآية فيها عنوان علم الهندسة، فإن الشكل المثلث أول الأشكال، وإذا نصب في الشمس على أي ضلع من أضلاعه لا يكون له ظل، لتحديد رؤوس زواياه. فأمر الله تعالى أهل جهنم بالانطلاق إلى ظل هذا الشكل تهكما بهم. وقوله (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) الآيات، فيها عنوان علم الكلام، وعلم الجدل، وعلم الهيئة. انتهى.
وكثيرا ما يقع هذا النوع في أشعار المتقدمين بخلاف أقوال المتأخرين.
فمن ذلك قول أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان وقد كتب إليه بعض إخوانه يوصيه بالصبر، وأجابه بقوله:
ندبت لحسن الصبر قلب نجيب ... وناديت للتسليم خير مجيب
ولم يبق مني غير قلب مشيع ... وعود على ناب الزمان صليب
وقد علمت أمي بأن منيتي ... بحد سنان أو بحد قضيب
كما علمت من قبل أن يهلك ابنها ... بمهلكه في الماء أم شبيب
فهذا عنوان لخبر أم شيب الخارجي. فإنها كانت قد رأت أنها ولدت نارا، فلم تزل النار تشتعل حتى بلغت السماء وعمت بضيائها أقطار الأرض ثم وقعت في ماء فطفئت. وكان إذا قيل لها: أن ابنك قتل لم تصدق، وإذا قيل لها: إنه مات قالت: لا، فلما قيل لها: أنه غرق، ناحت عليه. وكان وثب به فرسه في دجلة من أعلى الجسر فوقع في الماء، وأثقله الحديد الذي عليه فغرق. وحكي أن أصحاب الحجاج غاصوا عليه فأخرجوه من الماء، وشقوا بطنه، واستخرجوا قلبه فوزنوه فكان سبعة أرطال، ويقال: أنهم كانوا يضربون فيه الأرض فيطفر، وإن أحدهم كان يغمزه بأصبعه فيجده كالحجر صلابة، وحديثه معروف.
ومن هذه القصيدة أيضا:
تحملت خوف العار أعظم خطة ... وأملت نصرا كان غير قريب
وللعار خلى رب غسان ملكه ... وفارق دين الله غير مصيب
هذا أيضًا من نوع العنوان، فإنه يشير إلى قصة جبلة بن الأيهم، وهو آخر ملوك غسان، وهو بن الأيهم بن الحارث الغساني، وهو أول من ملك الشام من آل غسان، وكان طوالا، يقال: أن طوله كان اثني عشر ذراعا. وكان من خبره أنه قدم إلى عمر ليسلم، فخرج في خمسمائة فارس من عكل وجفنة. فلما قربوا من المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوجة بالذهب، والخز الأصفر، وحملهم على الخيل، وقلدها قلائد الفضة والذهب، ولبس تاجه، وفيه قرطا مارية، فلم يبق في المدينة إلا من خرج إليه. وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه. ثم حضر الموسم مع عمر، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ أزاره رجل من فزارة فحله، فالتفت إليه مغضبا فلطمه فهشم أنفه، فاستعدى عليه الفزاري عمر، فقال له: ما دعاك إلى لطم أخيك؟ قال: إنه وطئ أزاري، ولولا حرمة البيت لأزلت الذي فيه عيناه. فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت، فأما أن ترضيه، وأما أن أقيده منك. قال: أتقيده مني وهو سوقه؟ قال: قد شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعافية، قال: قد رجون أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية، قال: وهو ذاك، قال: إذن أتنصر، قال: إذا تنصرت ضربت عنقك. واجتمع وفد فزاره، ووفد جبلة حتى كادت تكون فتنة. فقال جبلة: أنظرني إلى غد أنظر في أمري، قال: ذلك إليك. فلما جنح الليل خرج في قومه من عكل وجفنة، فتنصر وقدم على هرقل، فأعظم هرقل قدومه وسر به، وأقطعه الأموال والرباع.
فلما بعث عمر رسوله إلى هرقل يدعوه للإسلام، وأجابه إلى المصالحة، قال للرسول: ألقيت ابن عمك الذي أتانا في ديننا؟ قال: لا، قال: ألقه ثم ائتني وخذ الجواب مني. قال: فذهبت إليه فوجدت على بابه هيبة وجمعا ما رأيت مثله على باب هرقل، فلما أذن لي دخلت عليه فإذا هو على سرير من ذهب، أربع قوائمه أسد من ذهب، وعليه ثياب صفر، وعلى رأسه تاج فيه قرطا مارية. فلما رآني رحب بي وأكرمني وقال: أجلس على ذلك الكرسي، فاستعفي لمكان الذهب، فضحك وقال: إذا طهر قلبك فلا تبالي ما لبست، وعلى ما جلست، فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك. ثم أشار إلى خادم، فما كان أسرع من أن جاء ومعه وصائف يحملن صناديق الأطعمة، فوضعت، ثم أتي بمائدة من ذهب عليها صحائف الفضة، وأتيت بطبق من خيزران، وبآنية من الخلنج والزجاج. فلما رفعنا أيدينا، أتي بطست وكوز من ذهب فشرب به خمسة. ثم وضعت بين يديه كراسي عشرة فجلست عليها جوار مثل الدمى، وجاءت جارية في يمينها جام ذهبي، وفي شمالها جام فضي، وعلى رأسها حمام أبيض مزخرف، فوضعت الجامين، فإذا في الذهبي ماء ورد، وفي الفضي سحيق المسك. ثم نفرت الحمام، فوقع في ذلك مرة، وفي هذا أخرى. ثم طار بما لزق بجناحيه من ماء الورد والمسك حتى وقع على تاجه فانتفض.
ثم أقبل جبلة على الجواري فقال: أطربنني، فتغنين بقولهم:
لله در عصابة نادمتهم ... يوما بجلق في الزمان الأول
يسقون من ورد البريص عليهم ... راح تصفق بالرحيق السلسل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الجواد المفضل
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
فضحك ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا، قال: حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأول الأبيات المذكورة (أسألت رب الدار أم لم تسأل): ثم ألتفت إلى الجواري وقال: ابكينني، فتغنين بقولهم:
تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو تجافيت من ضرر
تداخلني فيها لجاج ونخوة ... فكنت كمن باع السلامة بالغرر
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قاله عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي في الشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
فبكى حتى بل لحيته. ثم سألني عن حسان، قلت: عمي وقلت ذات يده، فدعى بخمسمائة دينار هرقلية وخمسة أثواب، ونزع جبة كانت عليه، وقال: أدفعها إليه.
فلما وفدت على عمر وقصصت عليه القصص، وأنه بعث معي إلى حسان كذا وكذا قال: أدع حسانا ولا تعلمه، فلما دخل حسان قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، إني لأجد روائح آل جفنة، قال له: نعم قد آتاك على رغم أنفه معونة.
فأخذها وخرج وهو يقول:
أن ابن جفنة من بقية معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللوم
لم ينسني بالشام إذ هو ربها ... كلا ولا متنصرا بالروم
يعطي الجزيل ولا يراه عطية ... إلا كبعض عطية المحروم
وحكي أن حسان دخل يوما على جبلة فقال له: قد دخلت علي ورأيتني ورأيت النعمان فكيف وجدتنا؟ فقال: والله لشمالك أندى من يمينه، ولقفاك أحسن من وجهه، وأمك خير من أبيه.
وفي خبر رسول عمر المذكور، إنه لما سمع جبلة يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، طمع في إسلامه فقال له (ويحك يا جبلة الإسلام فقد عرفته وفضله) فقال: أبعد ما كان مني؟ قلت: نعم قد فعل رجل من فزارة أكثر مما فعلت، أرتد وضرب وجه المسلمين، ثم أسلم وقبل منه، فقال: زدني من هذا، إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته، ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام. فضمنت له التزويج، ولم أضمن له الخلافة.
قال: فرجعت إلى عمر فأخبرته، فقال: هلا ضمنت له الأمر، فإذا أسلم قضى الله علينا بحكمه. ثم جهزني عمر إلى قيصر وأمرني أن أضمن لجبلة الشرط، فقدمت القسطنطينية فوجدت الناس منصرفين من جنازته، فعملت أن الشقاء قد سبق عليه.
ومن قصيدة أبي فراس المذكورة:
ولم يرتغب في العيش عيسى بن مصعب ... ولا خف خوف بالحرون حبيب
وهذا عنوان لخبر عيسى بن مصعب بن الزبير، فإنه كان في حرب عبد الملك بن مروان مع أبيه وهو غلام حدث فقال له أبوه: انج بنفسك، فقال: ما كنت لأفارقك. فتقدم فقاتل حتى قتل بين يديه.
والحرون، هو حبيب بن المهلب بن أبي صفرة، وسمي الحرون لثباته في الحرب.
ومنه قوله أيضًا وقد أسرته الروم وساموا فداءه، فكتب إلى سيف الدولة (يسأله أن يفديه) قصيدة أولها:
دعوتك للجفن القريح المسهد ... لدي وللنوم الطريد المشرد
أناديك لا أني أخاف من الردى ... ولا أرتجي تأخير يوم إلى غد
وما ذاك بخلا بالحياة وإنها ... لأول مبذول لأول مجتدي
وما الأسر مما ضقت ذرعا بحمله ... وما الخطب مما أن أقول له قدى
وما زال عني أن شخصي معرض ... لنبل العدى إن لم يصب فكأن قد
ولكنني أختار موت بني أبي ... على صهوات الخيل غير موسد
إلى أن قال:
دعوتك والأبواب ترتج دوننا ... فكن خير مدعو وأكرم منجد
فمثلك من يدعى لكل عظيمة ... ومثلي من يفدى بكل مسود
ولا تقعدن عني وقد سيم فديتي ... فلست عن الفعل الكريم بمقعد
فإن مت بعد اليوم عابك مهلكي ... معاب الزرازيين مهلك معبد
هم عضلوا عنه الفداء فأصبحوا ... يهذون أطراف القصيد المقصد
ولم يك بدعا هلكه غير أنهم ... يعابون إذ سيم الفداء مما فدي
هذا عنوان لواقعة معبد بن زرارة التميمي أخي حاجب بن زرارة، وذلك أن بني عامر بن صعصعة كانوا قد أسروه فأشترى نفسه بأربعمائة بعير، فأبى أخوه لقيط أن يبذلها فيه، واعتذر بأن أباه أوصاه أن لا تطعموا العرب أثمان بني زرارة، فحبسه بنو عامر بن صعصعة حتى مات في الأسر، فندم أخوه لقيط، وانشأ فيه المراثي.
وما أحسن قول أبي فراس بعد هذا:
فإن تفتدوني تفتدوا لعلاكم ... فتى غير مردود اللسان ولا اليد
وأن تفتدوني شرق العدى ... أسرع عواد إليها معود
يدافع عن أحبابكم بلسانه ... ويضرب عنكم بالحسام المهند
متى تخلف الأيام مثلي لكم فتى ... طويل نجاد السيف رحب المقلد
وقال فيها يخاطب سيف الدولة:
فيا ملبسي النعمى التي جل قدرها ... لقد أخلقت تلك الثياب فجدد
ألم تر أني فيك صافحت حدها ... وفيك شربت الموت غير مصرد
وفيك لقيت الألف زرقا عيونها ... بسبعين فيهم كل أشأم أنكد
يقولون جنب عادة ما عرفتها ... عسير على الإنسان ما لم يعود
فقلت أما والله لا قال قائل ... شهدت له في الرب ألأم مشهد
وبكر سألقاها فإما منية ... هي الظن أو بنيان عز موطد
وهذا النوع في شعر أبي فراس كثير، ومنه قوله أيضا:
جمعت سيوف الهند من كل بلدة ... وأعددت للهجاء كل مجاهد
وأكثرت للغارات بيني وبينهم ... بنات البكيريات حول المذاود
إذا كان غير الله للمرء عدة ... أتته الزرايا من وجوه الفوائد
فقد جرت الحنفاء حتف حذيفة ... وكان يراها عدة للشدائد
الحنفاء: فرس حذيفة بن بدر الفزاري، وهذا عنوان لخبره معها. فإن الحنفاء كان حافرها كبيرا جدا ولم ير حافر مثله، فلما كان يوم الهباءة انهزم حذيفة عليها، فلم يدر أين توجه. فقال قيس بن زهير: اتبعوا أثر الحنفاء، فتبعوه حتى لحقوه بماء الهباءة، فقتل هو وجماعة من أهله، وكانت الحفناء سبب قتله.
وقال بعده:
وجرت منايا مالك بن نويرة ... عقيلته الحسناء أيام خالد
يشير إلى حكاية مالك بن نويرة مع خالد بن الوليد. فإن مالكا لما أمتنع أن يؤدي الصدقات إلى أبي بكر أنفذ إليه خالد بن الوليد. فيذكر أن خالدا أعطاه الأمان، فلما رأى امرأة مالك أعجبته وكانت ذات جمال، فقتل مالكا وتزوج بها وبنى عليها من ليلته، والقضية في ذلك مشهورة.
وقال بعده:
وأردى ذؤابا في بيوت عتيبة ... أبوه وأهله بشدو القصائد
يشيير إلى خبر ذؤاب بن ربيعة قاتل عتيبة بن الحارث اليربوعي، وذلك أن بني يربوع أسروا ذؤابا ولم يعلموا أنه قاتل عتيبة، وباعوه من أبيه إلى وقت، فجاء أبوه، وتخلف اليربوعيون لمانع منعهم، فظن أبو ذؤاب أنهم قتلوه بعتيبة.
فقال أشعارا منها قوله:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
فبلغ اليربوعيين الشعر فقالوا: إنك لقاتل عتيبة؟ فقتلوه.
ومنه قول الفرزدق يخاطب جريرا من قصيدة هجاه بها:
وإني لأخشى لو خطبت إليهم ... عليك الذي لاقى يسار الكواعب
وهذا عنوان لخبر يسار المضروب به المثل. قال أبو عبيدة: إنه عبد لبني غدانة بن يربوع، أراد مولاته على نفسها، فنهته مرة بعد مرة، فلما أبى إلا طلبها أطعمته في نفسها، وأوعدته أن يأتيها ليلا. فأخبر بذلك عبدا كان معه فقال: يا يسار كل من لحم الحوار، واشرب من لبن الغزار، وإياك وبنات الأحرار. فلم يستمع منه، وأتى مولاته بموعدها، وقد أعدت له موسى فلما دخل عليها قالت: إني أريد أن أدخنك فإنك منتن الريح، قال: افعلي ما بدا لك، ثم أدخلت تحته مجمرة وقبضت على مذاكيره فبترتها، فلما وجد حر الحديد قال صبرًا على مجامر الكرام، فذهبت مثلا.
وزعم ابن الكلبي: أن يسار الكواعب، كان عبدا للجبابن حنظلة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة - وليس في العرب أسلم إلا هذا، وأسلم بن القيانة بن عك، وكل شيء في العرب أسلم - وإن يسارا تعشق الرائقة بنت الجبا، بنت مولاه، فخضع لها بالقول فزبرته، فشكا عشقها إلى رفيقه وكان يرعى معه فقال: يا يسار كل لحم الحوار، أشرب لبن العشار، وإياك وبنات الأحرار. فعصاه، وخضع لها ثانية فضحكت إليه، فرجع فقال لصاحبه فأعاد عليه القول الأول ونهاه، ثم عاد إليها وخضع لها فقالت له: ائت مرقدي الليلة، فصار إليها وقد أحدت له موسى، فلما جاء قالت: إن للحرائر طبيبا فإن صبرت عليه أمكنتك من نفسي، فقال: شأنك، فجبته وجدعت أذنيه وشفتيه، فوقع مغشيا عليه، فلم تزل تضربه بالعصي حتى أفاق. فرجع إلى صاحبه مجدوعا، فضرب به العرب المثل.
ومنه قوله أيضًا يجيب جريرا عن قصيدته التي هجا بها عياش بن الزبرقان بن بدر:
وأن تهج آل الزبرقان فإنما ... هجوت الطوال الشم من هضب يذبل
وقد نبح الكلب النجوم دونه ... فراسخ تنضي الطرف للمتأمل
لهم وهب الجبار بردي محرق ... لعز معد والعديد المحصل
يريد بالجبار المنذر بن ماء السماء، وهي أمهن وأبوه امرؤ القيس، وابنه محرق وهو عمرو بن المنذر. ذكروا أن المنذر أبرز سريره وقد اجتمعت عنده وفود العرب، فدعا ببردي ابنه المحرق فقال: ليقم أعز العرب قبيلة، وأكثرهم عددا فليأخذ هذين البردين. فقام عامر بن أحيمر بن بهدلة فأخذهما فأتزر بواحد وارتدى الآخر. فقال له المنذر: ما أنت أعز العرب قبيلة، وأكثرهم عدد. قال: العز والعدد من العرب في معد، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في سعد، ثم في كعب؛ ثم في عوف؛ ثم بهدلة؛ فمن أنكر هذا في العرب فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر عند ذلك لعامر: هذي عشيرتك ما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك وفي بدنك؟ قال: أنا أبو عشرة، وعم عشرة، وخال عشرة، وأخو عشرة، يعينني الأكابر على الأصاغر، والأصاغر على الآكابر. فأما قولك: كيف أنت في بدنك، فشاهد العز شاهدي، ثم وضع قدمه على الأرض وقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل، فلم يقم إليه أحد من الناس. فذهب بالبردين، فسمي ذو البردين.
فقال الزبرقان بن بدر:
وبردا ابن ماء المزن عمي اكتساهما ... لعز معد حين عدت محاصله
رآه كرام الناس أولاهم به ... ولم يجدوا في غيرهم من يعادله
ومما وقع من نوع العنوان في الغزل قول الأرجاني:
ما في جفائكم إذا أنا لم أخن ... سبب يعاف حديثه ويعاب
سخط النبي على البريء وما درى ... مما جناه الآفك الكذاب
حتى استبان له بوحني نازل ... أن الذي قال الوشاة كذاب
يشير إلى واقعة الإفك على عائشة. وكان من أمرها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أقبل من غزوة بني المصطلق، حتى إذا كان قريبا من المدينة قال أهل الإفك في عائشة أم المؤمنين ما قالوا. وحدثت، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزوة بني المصطلق خرج سهمي عليهن، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان الناس إذ ذاك خفافا، إنما يأكلن العلق لم يهجهن اللحم فيثقلن. وكنت إذا رحل بي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم ويحملونني، ويأخذون بأسفل الهودج ويرفعونه ويضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير وينطلقون به.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سفره ذلك، ونزل منزلا قريبا من المدينة فبات به بعض الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لحاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار، فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري. فلما رجعت إلى الرحل ذهبت التمسه في عنقي فلم أجده - وقد أخذ الناس في الرحيل - فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته. وجاء القوم الذين كانوا يرحلون لي البعير - وقد فرغوا من رحلته - فأخذوا الهودج وهم يظنون أنني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه وشدوه على البعير، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به.
ورجعت إلى المعسكر وما فيه من داع ولا مجيب، فتلففت بجلبابي، واضطجعت في مكاني، وعرفت أن لو افتقدت لرجع إلي. فو الله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي - وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس - فرآى سوادي فأقبل حتى وقف علي - وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب - فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وأنا متلففة في ثيابي - قال: ما خلفك رحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير فقال: أركبي - واستأخر عني - فركبت، وأخذ برأس البعير وأنطلق حتى أصبحت، ونزل الناس، فلما أطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقالوا أهل الإفك ما قالوا، فارتج العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك.
ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أبوي، لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا. إلا أنني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض لطفه بي، فكنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل بي ذلك في شكواي، فأنكرت ذلك منه. وكان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال: كيف تيكم؟ ولا يزيد على ذلك، حتى وجدت في نفسي حين رأيت ما رأيت من جفائه، فقلت: يا رسول الله لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني؟ قال: لا عليك، فانتقلت إلى أمي، ولا أعلم بشيء مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة. وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها إنما كنا نذهب في فيح المدينة. وإنما كان النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة في بعض حاجتي، ومعي أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت: بئس ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا، قالت: أو ما بلغت الخبر يا بنت أبي بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك، قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان.
قالت: فو الله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت. فو الله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع في كبدي، وقلت لأمي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: أي بنية خفضي عليك الشأن، فو الله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا كثرن وكثر الناس عليها.
قالت: وقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الناس وخطبهم - ولا أعلم بذلك - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرا ويقولون ذاك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي.
قالت: وكان قد كثر ذلك عند عبد الله بن أبي، في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش، ولم يكن من نسائه امرأة تناصيني في المنزلة غيرها. فأما زينب فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضار بي لأختها فشقيت بذلك. فلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك المقامة قام أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله أن يكونوا من الأوس نكفيكهم، وأن يكونوا من أخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك، فو الله أنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد ابن عبادة فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أم والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذه المقالة، فقال أسيد: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: وتساور الناس حتى كاد يكون بين هذيين الحيين من الأوس والخزرج شر. ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعا علي بن أبي طالب عليه السلام وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا ثم قال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما علي فإنه قال: يا رسول الله أن النساء لكثير، وإنك لمقتدر أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة ليسألها فقام لها علي وهو يقول: أصدقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا، إلا إني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام فتأتي الشاة فتأكله.
قلت وورد عن علي عليه السلام أنه قال: طلقها يا رسول الله. قال الشيخ محمد القابلي: وما أراد بذلك تنقيص قدرها، وإنما تعارض في حقه أمران مشكلان: إضرار عائشة بالطلاق، وإضرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما نزل به من الأمر العظيم في شأن الإفك، والقاعدة فيما إذا تعارض إضراران، أن يرتكب أخفهما، ولاشك أن إضرار عائشة هو الأخف، فأراد راحته صلى الله عليه وآله وسلم مما حصل عنده، وعلم أنه ولابد أن ينزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شيء، لأنه يعتقد نزاهتها وعظيم قدرها، وإن له صلى الله عليه وآله وسلم سبيلا إلى مراجعتها.
قالت عائشة: ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار، وأنا أبكي وهي تبكي معي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله، فإن كنت قارفت سوء مما يقول الناس فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة من عباده. قالت: فو الله ما هو إلا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا، وانتظرت أبوي أن يجيبا عني فلم يتكلما.
قالت: وأيم الله لأنا كنت أحقر نفسي وأصغر شأنا أن ينزل الله فيّ قرآنا يتلى في المسجد ويصلى به، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نومه شيئًا يكذب الله به عني لما يعلم من برائتي، أو يخبر خبرا. فأما قرآن ينزل فيّ فو الله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك.
قالت: فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه. قالت: ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام. فلما استجمعا عليّ استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله، لا أتوب إلى الله عما ذكرت أبدا، والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس - والله يعلم أني منه بريئة - لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقول الناس لا يصدقونني. ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت: ولكني أقول كما قال أبو يوسف (فصبر جميل ولله المستعان على ما تصفون) .
قالت: فو الله ما برح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فتسجى بثوبه، ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه. فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة، وإن الله غير ظالمي. وأما أبواي، فو الذي نفس عائشة بيده، ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس. ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجلس وأنه لينحدر منه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: ابشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك. فقلت: بحمد الله.
ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت - وكانوا ممن أفصح بالفاحشة - فضربوا حدهم.
قالت: ولما نزل في القرآن ذكر من قال من أهل الإفك فقال (إن الذين جاؤا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما أكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) قيل: إنه حسان وأصحابه، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه. ثم قال (لولا إذ سمعتوه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين) أي هلا قلتم إذ سمعتوه كما قال أبو أيوب الأنصاري وصاحبته أم أيوب، وذلك أنها قالت لزوجها: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ فقال بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلته؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك. ثم قال تعالى (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) . فلما نزل هذا في عائشة قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته -: والله لا أنفق على مسطح أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة. قالت: فأنزل الله في ذلك (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسمعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) . قالت: فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفقها وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
وكان حسان قد عرض بصفوان بن المعطل بقوله:
أمس الخلابيس قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
فلما بلغ ذلك صفوان اعترض حسان فضربه بالسيف ثم قال:
تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذ هوجيت لست بشاعر
ولما سري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا عائشة أما والله لقد برأك الله. فقالت أمي: قومي إليه، قالت عائشة: فقلت: والله لا أقوم إليه ولم أحمد إلا الله.
وبيت بديعية الصفي الحلي رحمه الله قوله:
والعاقب الحبر في نجران لاح له ... يوم التباهل عقبى زلة القدم
العنوان في هذا البيت هو الإشارة إلى قصة المباهلة التي ذكرها الله سبحانه في القرآن المجيد فقال (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساؤكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنه الله على الكاذبين) .
قال الإمام في تفسيره: روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم أنهم أصروا على جهلهم قال عليه السلام: إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم. فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع في أمرنا ثم نأتيك. فلما رجعوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستيصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج وعليه مرط من شعر أسود، وكان احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي عليه السلام خلفها، وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثم قال: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وإن نقرك على دينك. فقال صلوات الله عليه: فإذا أبيتم المباهلة فاسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين. فأبوا، فقال: إني أناجزكم الحرب، فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة، نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة: ألف في صفر، وألف في رجب وثلاثين درعا عادية من حديد. فصالحهم على ذلك وقال: والذي نفسي بيده أن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا.
وروي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة، ثم علي رضي الله عنهما، ثم قال (إنما يرد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) .
قال: وأعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث.
وابن جابر لم ينظم هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
بشرى المسيح أتت عنوان دعوته ... وقبله كل هاد صادق القدم
يريد بعنوانه قوله تعالى (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) . وعن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال نعم أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
به العصا أثمرت عزا لصاحبها ... موسى وكم قد محت عنوان سحرهم
هذا البيت عنوانه ظاهر لم يحتج إلى شرح.
وبيت بديعية الطبري قوله:
رجم الشياطين من عنوان بعثته ... وحين أرسل دين الكفر لم يقم
والعنوان في هذا البيت ظاهر أيضًا.
وبيت بديعيتي هو قولي:
وآدم إذ بدا عنوان زلته ... به توسل عند الله في القدم
العنوان في هذا البيت هو الإشارة إلى ما ذكره الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام في تفسيره قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) قال: لما ذلت من آدم الخطيئة وأعتذر إلى ربه عز وجل وقال: يا رب تب علي وأقبل معذرتي، وأعدني إلى مرتبتي، وأرفع لديك درجتي، فلقد تبين بعض الخطيئة وذلها بأعضائي، وسائر بدني. قال الله تعالى (يا آدم أما تذكر أمر إياك بأن تدعوني بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ودواهيك، وفي النوازل التي تبهظك؟ قال آدم: يا رب بلى. قال الله عز وجل: فبهم، وبمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم خصوصًا فادعني، أجبك إلى ملتمسك، وأزدك فوق مرادك. فقال آدم: يا رب وإلهي قد بلغ عندك من محلهم أنك بالتوسل إليهم وبهم تقبل توبتي، وتغفر خطيئتي؟ وأنا الذي أسجدت له ملائكتك، وأبحته جنتك، وزوجته حواء أمتك، وأخدمته كرائم ملائكتك. قال الله: يا آدم إنما أمرت الملائكة بتعظيمك في السجود إذ كنت وعاء لهذه الأنوار، ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها، وأن أفطنك لدواعي عدوك أبليس حتى تحترز منها، لكنت قد جعلت ذلك، ولكن المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي. فالآن فبهم فادعني لأجيبك. فعند ذلك قال آدم: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين، بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم لما تفضلت بقبول توبتي، وغفران زلتي، وإعادتي من كرامتك إلى مرتبتي.
فقال الله عز وجل: قد قبلت توبتك، وأقبلت برضواني عليك، وصرفت الآئي ونعمائي إليك، وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي، ووفرت نصيبك من رحماتي. فذلك قوله عز وجل (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) .
وبيت بديعية الشيخ إسماعي المقري قوله:
وحاز حدا وجاز الحد حيث دنا ... كقاب قوسين أو أدنى ولم يرم
والعنوان فيه ظاهر والله أعلم.
التسهيم
به دعا إذ دعا فرعون شيعته ... موسى فأفلت من تسهيم سحرهم
التسهم مأخوذ من البرد المسهم أي المخطط، وهو الذي يدل أحد سهامه على الذي يليه لكون لونه يقتضي أن يليه لون مخصوص بمجاورة اللون الذي قبله أو بعده منه. والمراد به في الاصطلاح، أن يؤسس الكلام على وجه يدل على بناء ما بعده، ومناسبته للمعنى اللغوي ظاهرة.
وقيل: سمي تسهيما لأن المتكلم يصوب ما قبل عجز الكلام إلى عجزه. والتسهيم: تصويب إلى الغرض. ومنهم من سماه (الأرصاد) من أرصد له، بمعنى أعد أول الكلام لآخره، أو لأن السامع يرصد ذهنه لعجز الكلام بما دل عليه مما قبله.
قال الشيخ صفي الدين: ومن المؤمنين من سماه (التوشيح) والتوشيح غيره، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدها، أن التسهيم يعرف به من أول الكلام آخره، ويعلم مقطعه من حشوه، من غير أن تتقدم سجعة النثر أو قافية الشعر، والتوشيح لا يعلم السجعة والقافية منه إلا بعد تقدم معرفتها.
والآخر، أن التوشيح لا يدلك أوله إلا على القافية فحسب، والتسهيم يدلك تارة على عجز البيت، وطورا على مادون العجز، بشرط الزيادة على القافية.
والثالث، أن التسهيم يدل تارة أوله على آخره، وطورا آخره على أوله، بخلاف التوشيح. فهذه الفروق ظاهرة. انتهى.
إذا عرفت ذلك فأعلم، أن التسهيم ضربان: أحدهما ما دلالته لفظية كقوله تعالى (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) فلو وقف على (أوهن البيوت) علم أن بعده (بيت العنكبوت) .
ومنه قول البحتري:
أحت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام
وقوله أيضا:
فإذا حاربوا أذلوا عزيزا ... وإذا سالموا أعزوا ذليلا
وقول القائل - وينسب إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام:
ولي فرس بالجهل للجهل ملجم ... ولي فرس بالحلم للحلم مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وقول ابن هاني الأندلسي:
وإذا حللت فكل واد ممرع ... وإذا ظعنت فكل شعب ما حل
وإذا بعدت فكل شيء ناقص ... وإذا قربت فكل شيء كامل
الثاني، ما دلالته معنوية، وأحسن شواهدها، ما روي أنه حين بلغت قراءته صلى الله عليه وآله وسلم في سورة المؤمنين إلى قوله تعالى (ثم أنشأناه خلقا آخر) قال عبد الله بن أبي سرح: (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: أكتب هكذا نزل، فقال: إن كان محمد نبيا يوحى إليه، فأنا نبي يوحى إلي، ولحق مرتدا بمكة. فلما كان يوم الفتح أهدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم دمه، فأستأمن له عثمان (وكان أخاه من الرضاعة) فأمنه وأسلم يومئذ.
ومن غريب أمثلة هذا النوع - لأنوع التوشيح كما زعم ابن حجة وغيره لما عرفته في وجوه الفرق بينهما - ما حكى جعفر بن سعيد بن عبيدة العماري قال: أتى عمر بن أبي ربيعة عبد الله بن العباس رضي الله عنهما وهو في حلقة في المسجد الحرام قال: أمتعني الله بك، إن نفسي قد تاقت إلى قول الشعر وقد أكثر الناس في الشعر، فجئت حتى أنشدك. فأقبل عليه عبد الله بن عباس فقال: هات، فأنشده: - (تشط غد دار جيراننا) فقال ابن عباس: - (وللدار بعد غد أبعد) فقال عمر: والله ما قلت إلا كذا، فقال ابن عباس: وهكذا يكون.
وقريب من ذلك ما يحكى أن عدي بن الرقاع أنشد الوليد بن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدته التي مطلعها: (عرف الديار توهما فأعتادها) حتى انتهى إلى قوله فيها: - (تزجي أغن كأن إبرة روقه) ثم شغل الوليد عن الاستماع بأمر عرض له فقطع عدي الإنشاد، فقال الفرزدق لجرير - في خلال ذلك -: ما تراه قائلا؟ فقال جرير: أراه يستلهب بها مثلا، فقال الفرزدق: إنه سيقول: - (قلم أصاب من الدواة مدادها) . فلما عاد الوليد إلى الاستماع، وعاد إلى الإنشاد قال كما قال الفرزدق. فقال الفرزدق: فو الله لقد سمعت صدر البيت فرحمته، فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدا.
قال زكي الدين بن أبي الأصبع: الذي أقول: أن بين ابن العباس وبين الفرزدق في استخراجهما العجزين كما بينهما في مطلق الفضل، وفضل ابن العباس معلوم، وأنا أذكر الفرق. فإن بيت عدي بن الرقاع من جملة قصيدة تقدم سماع مطلعها مع معظمها، وعلم أنها دالية مردفة بألف، وهي من وزن قد عرف، ثم تقدم في صدر البيت ذكر ظبية تسوق خشفا لها قد أخذ الشاعر في تشبيه طرف قرنه، مع العلم بسواده، وهذه القرائن لا تخفى على أهل الذوق الصحيح، أن فيها ما يدل على عجز البيت، بحيث يسبق إليه من هو دون الفرزدق من حذاق الشعراء. وبيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته من أي ضرب هي القوافي، ولا رويه من أي الحروف، ولا حركة رويه من أي ضرب هي من القوافي، ولا رويه من أي الحروف، ولا حركة رويه من أي الحركات، فاستخرج عجزه ارتجالا في غاية العسر، ونهاية الصعوبة، لولا ما أمد الله به هؤلاء الأقوام من المواد التي فضلوا بها غيرهم. انتهى كلام ابن أبي الإصبع. وإنما قال: إن بيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته ولا رويه، لأنه هو مطلع القصيدة ولم يتقدمه شيء يعلم به ذلك.
ومثل ذلك ما روي عن أبي عبيدة قال: أقبل راكب من اليمامة فمر بالفرزدق، فقال له: هل رأيت ابن المراغة؟ قال: نعم، قال: فأي شيء أحدث بعدي؟ فأنشده:
هاج الهوى بفؤادك المهتاج ... فقال الفرزدق
فانظر بتوضح باكر الأحداج ... فأنشد الرجل
هذا هوى شغف الفؤاد مبرح ... فقال الفرزدق
ونوى تقاذف غير ذات خداج ... فأنشد الرجل
إن الغراب بما كرهت لمولع ... فقال الفرزدق
بنوى الأحبة دائم التشحاج ... فقال الرجل: هكذا والله قال أفسمعتها من غيري؟ قال: لا ولكن هكذا ينبغي أن يقال.
وحكي أن جريرا لما أنشد الراعي النميري قصيدته التي هجاه بها كان الفرزدق حاضرا، فلما وصل إلى قوله: (ترى برصا بمجمع إسكتيها) غطى الفرزدق عنفقته فقال جرير: (كعنفقة الفرزدق حين شابا) فقال له الفرزدق: أخزاك الله، والله لقد علمت أنك لا تقول غيرها.
ومدح أبو الرخاء الأهوازي الصاحب بن عباد لما ورد الأهواز بقصيدة منها:
إلى ابن عباد أبي القاسم ال ... صاحب إسماعيل كفاي الكفاة
فاستحسن جمعه بين اسمه وكنيته لقبه واسم أبيه في بيت واحد. ثم ذكر وصوله إلى بغداد، وملكه إياها إلى أن قال: (ويشرب الخيل هنيئا بها) فقال له: أمسك، ثم قال: تريد أن تقول:
(من بعد ماء الري ماء الفرات) فقال: هو كذا والله، فضحك.
وبيت بديعية الصفي المحلي قوله:
كذاك يونس ناجى ربه فنجا ... من بطن حوت له في اليم ملتقم
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
تسهيمه في الوغى حسم لمتصل ... تسليمه في الرضا وصل لمنحس
قال ابن حجة: بيت عز الدين رماه بالتسهيم في العكس فتشوش، إذ صار كل من النوعين يجاذبه. انتهى.
والذي أعتقده أنا أن الشيخ عز الدين أخطأ سهم تسهيمه الغرض في هذا البيت.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
كذا الخليل بتسهيم الدعاء به ... أصابهم ونجا من حر نارهم
وبيت بديعية الطبري قوله:
وكل مقتحم في الحرب مبتدر ... لم يثنه ذاك عن تسهيم لحمهم
ما أحق الطبري أن ينشد في هذا المقام:
على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهم
وبيت بديعيتي هو قولي:
به دعا إذ دعا فرعون شيعته ... موسى فأخطأه تسهيم سحرهم
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
ساقي البرايا غدا ماء على قدم ... صدق فبورك من ساق على قدم
التلميح
تلميحه كم شفى في الخلق من علل ... وما لعيسى يد فيها فلا تهم
التلميح - قال العلامة التفتازاني في شرح التلخيص: صح بتقديم اللام على الميم،من لمحه، إذا أبصره ونظر إليه. وكثيرا ما تسمعهم يقولون في تفسير الأبيات: فيهذا البيت تلميح إلى قول فلان، وقد لمح هذا البيت فلان إلى غير ذلك منالعبارات.
وأما التلميح - بتقديم الميم - فهو مصدر ملح الشاعر: إذا أتى بشيء مليح، وهوههنا خطأ محض، نشأ من قبل الشارح العلامة، حيث سوى بين التمليح والتلميح،وفسرهما: بأن يشار إلى قصة أو شعر. ثم صار الغلط مستمرا، وأخذ مذهبا لعدمالتمييز. انتهى.
فلا عبرة بقول ابن حجة: وسماه قوم التمليح - بتقديم الميم - كأن الناظم أتى فيبيته بنكتة زادته ملاحة.
وهو في الاصطلاح، أن يشار في الكلام إلى آي من القرآن، أو حديث مشهور، أو شعرمشهور أو مثل سائر، أو قصة، من ذكر شيء من ذلك صريحا. وأحسنه وأبلغه، ماحصل به زيادة في المعنى المقصود. قال الطيبي في التبيان: ومنه قوله تعالى(ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا) . وقال جار الله: قوله:وآتينا داود زبورا، دلالة على تفضيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خاتمالأنبياء وأن أمته خير الأمم، لأن ذلك مكتوب في الزبور. قال تعالى (ولقد كتبنا فيالزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، وقال: وهو محمد صلىالله عليه وآله وأمته.
ولنرتب شواهد هذا النوع على فصول.
الفصل الأول فيما وقع التلميح فيه إلى آية من القرآن فمنه قول نصر بن أحمدالخبز أرزي رحمه الله:
أستودع الله أحبابا فجعت بهم ... بانوا وما زودني غير تعذيب
بانوا ولم يقض زيد منهم وطرا ... ولا انقضت حاجة في نفس يعقوب
لمح في المصراع الأول إلى قوله تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها)، وفيالثاني قوله تعالى (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) .
ولمح إلى الآية الأولى البهاء زهير في مطلع قصيدة له فقال:
لم يقض زيدكم من حبكم وطره ... ولا قضى ليله من حبكم سمره
يا صارفي القلب إلا عن مودتهم ... وسالبي الطرف إلا عنهم نظره
ولمح في الثانية أيضًا الشريف الرضي رضي الله عنه في قوله:
وحاجة أتقاضاه وتمطلني ... كأنها حاجة في نفس يعقوب
ومنه قول بعضهم:
ما في الصحاب وقد سارت حمولهم ... إلا محب له في الركب محبوب
كأنما يوسف في كل راحلة ... والحي في كل بيت منه يعقوب
يشير إلى ما قصه سبحانه في القرآن العظيم من أمر يوسف. وحرض يعقوبعليهما السلام.
ولهذين البيتين حكاية لطيفة، وهي ما حكي أن الشيخ شهاب الدين السهرورديصاحب عوارف المعارف لما رجع من الشام إلى بغداد، وجلس على عادته للوعظ،أخذ يقلل أحوال الناس، ويهضم جانب الرجال ويقول: أنه ما بقي من يلقى وقدخلت الدنيا.
وأنشد:
ما في الصحاب أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا خل نجاريه
وجعل يكرره ويتواجد، فصاح عليه من أطراف المجلس شاب عليه قبا وكلونة: ياشيخ كم تشطح وتتنقص بالقوم، والله إن فيهم من لا يرضى أن يجاريك، وقصاراكأن تفهم ما يقول، هلا أنشدت؟ (ما في الصحاب وقد سارت حمولهم) وأنشدالبيتين. فصاح السهروردي ونزل عن كرسيه وقصد الشاب ليعتذر إليه فلم يجده،ووجدت مكانه حفرة فيها دم كثير لشدة ما كان يفحص برجليه عند إنشاد الشيخالبيت. وهو من قصيدة لابن المعلم الوسطى تقدم إنشاد بعضها في نوعالانسجام.
وقلت ملمحا التلميح المذكور لغرض سنح:
لله من واله عان بأسرته ... ومن محب غدا يبكيه محبوب
كأنه يوسف في السجن مضطهدا ... وكل ذي خلة في الحي يعقوب
ومن بديع هذا النوع قول أبي نصر محمد الأصبهاني في ذم مملوك له:
بليت بمملوك إذا ما بعثته ... لأمر أعيرت رجله مشية النمل
بليد كأن الله خالقنا عنى ... به المثل المضروب في سورة النحل
يشير إلى قوله تعالى (وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم ولا يقدر على شيءوهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير) الآية.
ومنه قول الباخرزي يمدح جعفر بن داود:
والله لولا حسن نيته لما ... لقي الشقاء ببأسه مسعود
كان الحديد فلان يوم لقائه ... حتى تحقق أنه دواد
يشير إلى قوله تعالى في داود (وألنا له الحديد) ومنه ما ذكره ابن الأبار في تحفةالقادم: أن أبا بكر الشبلي جلس يوما على الجسر، فتعرض له بعض الجواريللجواز، فلما أبصرته رجعت بوجهها، وسترت ما ظهر له من محاسنها، فقال أبو بكرالمذكور:
وعقيلة لاحت بشاطئ نهرها ... كالشمس طالعة لدى آفاقها
فكأنما بلقيس وافت صرحها ... لو أنها كشفت لنا عن ساقها
حورية قمرية بدوية ... ليس الجفا والصد من أخلاقها
قال بعضهم: ويمكن تغيير البيتين الأولين بأن يقال:
وعقيلة لاحت بشاطئ نهرها ... كالشمس تتلو في المشارق صبحها
لو أنها كشفت لنا عن ساقها ... لحسبتها بلقيس وافت صرحها
الإشارة في ذلك إلى قوله تعالى في قصة بلقيس مع سليمان عليه السلام (قيل لهاأدخلي في الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها) الآية.
وجمع النفيس القطرسي بين التلميح إلى القرآن والشعر في قوله:
يسر بالعيد أقوام لهم سعة ... من الثراء وأما المقترون فلا
هل سرني وثيابي فيه قوم سبا ... أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا
يشير إلى قوله تعالى عن قوم سبا (ومزقناهم كل ممزق) .
وإلى قول الشاعر:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ومنه ما حكاه صاحب كتاب التبر المسبوك: أن السلطان محمودا كتب إلىالخليفة القادر بالله كتابا يتهدده فيه بالفيل، وخراب بغداد، وأن يحمل تراب دارالخلافة على ظهور الفيلة إلى غزنة. فكتب إليه القادر بالله كتابا صغيرا فيه بعدالبسملة (ألم) لا غير، فلم يدر السلطان ما معناه، وتحيرت علماء حضرته في حلهذا الرمز، وجمعوا كل سورة من القرآن، أولها (ألم) فلم يكن فيها ما يناسبالجواب. وكان في الجماعة شاب فقال: إن أذن لي الملك أعزه الله حللت الرمز،فقال له الملك: قل، فقال: ألست كتب إليه تهدده بالفيلة وأنك تنقل تراب دارالخلافة على ظهورها إلى غزنة؟ قال: بلى، قال: فإنه كتب إليك (ألم تر كيف فعلربك بأصحاب الفيل)، فاستحسن الحاضرون منه ذلك، ثم اصطلح السلطانوالخليفة.
ومن خفيه ما حكاه صاحب نزهة العشاق: أن الملك محمود بن صالح ظفر بعدوله فأعتقله، وكان لذلك العدو أخ، فأراد الملك أن يقبض على الأخ كما قبض علىأخيه، فأمره أن يكتب إلى أخيه كتابا يدعوه إلى خدمة الملك، ويذكر في الكتاب أنالملك أكرمه وأحسن إليه. فأمتثل ما أمره، وكتب في آخر الكتاب: فعجل القدومتنل الخير إن شاء الله تعالى، وجعل على رأسه النون تشديدة. فلما وصل الكتابإلى أخيه فرح وطابت نفسه، فلما انتهى إلى التشديد على رأس النون أنكر ذلكواستراب، وقال: ما شددت هذه النون إلا لخطب شديد. فلم يزل يعمل فكره حتىفطن أن أخاه قصد قوله تعالى (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) . ثم كتب إلى أخيهكتابا، وذكر في آخره: أنا آت عقب كتابي إلى الملك أعزه الله، وشدد النون من (أناآت) فلما وصل الكتاب إلى أخيه، ورأى ذلك طابت نفسه وفهم أن أخاه أشار إلىقوله تعالى (إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها) .
ومنه قول علاء الدين الوداعي فيمن وعده بسمك:
يا مالكا صدق مواعيده ... خلي لنا في جوده مطعما
لم نعد في السبت فما بالنا ... لم تأتنا حيتاننا شرعا
يشير إلى قوله تعالى (وأسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون فيالسبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا) . وكان بنو إسرائيل في زمن داود عليهالسلام في قرية بأيلة على ساحل البحر، بين المدينة والشام، وحرم الله عليهمصيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت اجتمعت الحيتان من كل مكانحتى لم يبق حوت إلا اجتمع هناك، يخرجن خراطيمهن من الماء، حتى لا يرى الماءلكثرتها. فإذا مضى السبت تفرقن فلا يرى منها شيء. ثم أن الشيطان وسوس لهموقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد رجال فحفروا حياضا نحو البحر،وشرعوا منه إليها الأنهار، فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموجبالحيتان إلى الحياض فلا تقدر على الخروج لبعد عمقها، وقلة مائها، فيأخذونهايوم الأحد، أو كانوا ينصبون آلات الصيد يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد. وفعلواذلك مدة، فلما لم ينزل بهم عقوبة قالوا: ما نرى إلا أنه أحل لنا السبت، فأخذواوأكلوا وملحوا وباعوا وكثر مالهم. فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية - وكانوا نحوسبعين ألفا - ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنفانتهك الحرمة. فكان الناهون أثني عشر ألفا. ولما أبى المجرمون قبول نصحهمقالوا: والله لا نساكنكم. فقسموا القرية بجدار وتجبروا كذلك سنتين، فلعنهمداود، وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية. فخرج الناهون ذات يوم منديارهم، ولم يخرج من المجرمين أحد، ولم يفتحوا لهم بابا، فلما أبطأوا تسورواعليهم الحائط فإذا هم قردة لها أذناب يتعاوون، صار الشباب قردة، والمشايخخنازير. فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يبق مسخ فوق ثلاثة أيام، ولم يتوالدوا. وقال مجاهد: مسخت قلوبهم دون صورهم، وهذا خلاف الإجماع وما نطق بهالقرآن العظيم.
وفي الأمثال المولدة: عليه ما على أصحاب السبت. يعنون بذلك اللعنة.
قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: فان قيل: لما كان الله تعالى نهاهم عنالاصطياد يوم السبت، فما الحكمة في أن نثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام،كما قال (تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم) وهل هذا إلاإثارة الفتنة واردة الإضلال؟.
قلنا: أما على مذهب أهل السنة، فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى، وأما علىمذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب.
الفصل الثاني فيما وقع التلميح فيه إلى حديث مشهور فمن ذلك قول بعضهم معالتورية:
يا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التجري
وقبحوا لك وصلي ... وحسنوا لك هجري
فيفعلوا ما أرادوا ... لأنهم أهل بدر
يشير إلى قوله عليه السلام لعمر حين سأله قتل حاطب: لعل الله قد أطلع علىأهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وما أحسن ما لمح إلى هذا الحديث أيضًا الشيخ عمر بن الفارض بقوله معالتورية:
ليهن ركب سروا ليلا وأنت بهم ... مسيرهم في صباح منك منبلج
فليصنع الركب ما شاؤا بأنفسهم ... هم أهل بدر فلا يخشون من حرج
ونظم ذلك بعضهم في مواليا فقال وأجاد:
يا بدر أهلك يقولوا لك علي جور ... وعلموك التجافي يا بهي النور
فليصنعوا ما أرادوا يا شقيق الحور ... لأنهم أهل بدر ذنبهم مغفور
ومنه ما حكي أن ابن الصابوني حضر مجلس أحد الفضلاء فقدم للحاضرين خيارا،فجعل أحد الأدباء يقشره بسكين، فخطف ابن الصابوني السكين من يده، فألحعليه في استرجاعها، فقال له ابن الصابوني: كف عني وإلا جرحتك بها، فقالصاحب المنزل لذلك الأديب: كف عنه لئلا يجرحك، فيكون جرحا جبارا، يلمح إلىقوله عليه السلام: جرح العجماء جبار. فأغتاض ابن الصابوني وخرج من عقله،وهجر بلسانه، وما كف إلا بعد الرغبة والتضرع إليه، وخرج عن ذلك المجلسمغضبا.
ومنه قول الحريري في المقامة السابعة والثلاثين: فلم أزل أتقرب إليه بالإلمام،وأتنفق عليه بالاجمام، حتى صرت صدى صوته، وسلمان بيته. يشير إلى قول النبيصلى الله عليه وآله وسلم في سلمان الفارسي: سلمان منا أهل البيت.
الفصل الثالث في ما وقع فيه التلميح إلى شعر مشهور.
فمنه ما حكاه ابن قتيبة قال: تمازح معاوية والأحنف - فما رئي مازحان أوقر منهما- قال معاوية: يا أبا بحر ما الشيء الملفف في البجاد؟ فقال: السخينة يا أميرالمؤمنين.
وإنما أشار معاوية إلى ما رمي به بنو تميم من النهم وحب الأكل في قول القائل:
إذا ما مات ميت من تميم ... وسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف بالآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وأراد الشاعر بالشيء الملفف في البجاد: وطب اللبن، والبجاد ككتاب: كساءمخطط. وأشار الأحنف إلى ما كانت تعير به قريش من أكل السخينة قبل الإسلام،لأن أكثر زمانها كان زمان قحط ومحل، والسخينة: ماء يسخن بالنار ويذر عليهدقيق، وغلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة.
قال حسان:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغلب الغلاب
ومثل ذلك ما روي أن عبد الله بن ثعلبة المحاربي دخل على عبد الملك أبن يزيدالهلالي - وهو يومئذ والي أرمينية - فقال له: ماذا لقينا البارحة من شيوخ محارب؟منعونا النوم بضوضاتهم ولغطهم. فقال عبد الله بن ثعلبة: أنهم - أصلح الله الأمير- أضلوا البارحة برقعا فكانوا يطلبونه.
أراد عبد الملك قول الشاعر:
تكش بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
وأراد عبد الله قول القائل:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن يزيد برقع وجلال
وكان سنان بن أحمر النميري يساير الأمير عمر بن هبيرة الفزاري وهو على بغلة له،فتقدمت البغلة على فرس الأمير فقال: أغضض بغلتك يا سنان، فقال: إنها مكتوبةأصلح الله الأمير، فضحك الأمير وقال: قاتلك الله، ما أردت ذلك، قال: ولا أنا.
وإنما أراد ابن هبيرة قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وأراد سنان قول الأخطل:
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وكانت فزارة تعير بإتيان الإبل، ولذلك قال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة هذاويخاطب يزيد بن عبد الملك حين ولاه العراق:
أمير المؤمنين وأنت بر ... تقي لست بالجشع الحريص
أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص
ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص
الرافدان: دجلة والفرات. وأخذ يد القميص: كناية عن السرقة والخيانة. وتفنق:تنعم وسمن، يقال: جارية فنق، أي سمينة. والبيت الآخر تلميح إلى إتيان الإبلالذي كانوا يعيرون به.
وعلى هذه الأبيات روى أبو عبيدة عن عبد الله بن عبد الأعلى قال: كنا نتغدى معالأمير عمر بن هبيرة فاحضر طباخه جام خبيص، فكرهه للبيت السابق في هذهالأبيات، إلا أن جلده أدكه فقال: ضعه يا غلام، قاتل الله الفرزدق، لقد جعلني أرىالخبيص فاستحي منه.
قال المبرد: وقد يسير البيت في الواحد فيرى أثره عليه أبدا، كقول أبي العتاهيةفي عبد الله بن معن بن زائدة:
فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا
فكسر حلية السيف ... وصغها لك خلخالا
فكان عبد الله إذا تقلد السيف فرأى من يرمقه بأن أثره عليه وظهر الخجل منه.
ومثل ذلك ما يحكى أن جريرا قال: والله لقد قلت في بني تغلب بيتا لو طعنوا بعدهالرماح في أستأهم ما حكوها وهو:
والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا
وحكى أبو عبيدة عن يونس قال: قال عبد الملك بن مروان يوما وعنده رجال: هلتعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودوا أنهم افتدوا منه بأموالهم؟ فقال أسماء بنخارجة الفزاري: نحن يا أمير المؤمنين، قال: وما هو؟ قال: قول الحارث بن ظالمالمري:
وما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا
فو الله أني لا لبس العمامة الصيفية فيخيل لي أن شعر فقاي قد بدا منها.
وقال هاني بن قبيصة النميري: نحن يا أمير المؤمنين، قال: وما هو؟ قال: قولجرير:
فعض الطرف أنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
كان النميري إذا قيل ممن أنت، يقول: من نمير، فصار يقول بعد هذا البيت منعامر بن صعصعة.
وكان عبد الملك بن عمير القاضي يقول: والله أن التنحنح والسعال ليأخذاني وأنافي الخلا فأردهما حياء من قول القائل:
إذا ذات دل كلمته لحاجة ... وهم بأن يقضي تنحنح أو سعل
رجع إلى أمثلة التلميح إلى الشعر.
ومنه ما حكي أن تميميا قال لشريك النميري: ما أحب إلي من البازي، فقال شريك:خاصة إذا كان يصيد القطا.
أشار التميمي إلى قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء له أنصبابا
وأشار شريك إلى قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... لو سلكت طرق المكارم ضلت
ومثله ما حكي أن تميميا نزل بفزاري فقال له: قلوصك يا أخا تميم لا تنفر القطا،فقال: أنها مكتوبة، أشار الفزاري إلى بيت الطرماح المذكور، وأشار التميمي إلىقول الأخطل المقدم ذكره.
(ومثله) ما يحكى أن محمد بن عقال المجاشعي دخل على يزيد بن مزيد الشيبانيوعنده سيوف تعرض عليه، فرفع سيفا منها إلى يد محمد فقال: كيف ترى هذاالسيف؟ فقال: نحن أبصر بالتمر منا بالسيوف.
أراد يزيد قول جرير في الفرزدق:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم
وأراد محمد قول مروان بن أبي حفصة:
لقد أفسدت شيبان بكر بن وائل ... من التمر ما لو أصلحته لمارها
ولبيتي جرير المذكورين قصة يأتي ذكرها في نوع المواردة إنشاء الله تعالى.
وقد غلط السكاكس على جلالة قدره في تفسير قوله (ولم تضرب بسيف ابنظالم) فقال: أن الفرزدق كان عرض عليه سيف غير صالح للضرب فقال: بل أضرببسيف أبي رغوان مجاشع، يعني سيفه، وكأنه قال: لا يستعمل ذلك السيف إلا ظالموابن ظالم، فلما نبا سيفه وبلغ جرير ذلك قال البيتين، وأشار بقوله: ابن ظالم إلىذلك.
وتبعه على هذا جماعة من أهل الفضل. ولم يرد جرير ذلك قط، مع أن معنى البيتلا يستقيم على هذا التفسير كما لا يخفى. وإنما أراد جرير بابن ظالم، الحارث بنظالم المري وكان فاتكًا، فتك بخالد بن جعفر بن كلاب وهو إذ ذاك نازل علىالنعمان بن المنذر، وإنما قال جرير ذلك لان ابن ظالم المذكور من قومه، وهومشهور بالفتك فيهم، فقال: ضربت بسيف جدك فينا ولم يقطع، ولو ضربتبسيف ابن ظالم الذي هو من قومي لم ينب، ولكنك لم تضرب به. هذا معنىالبيت المقصود لا ما ذكره السكاكي وغيره فأعلم.
ومن لطيف التلميح أيضًا ما روي، أن الفضل بن محمد الضبي بعث بأضحية هزيلإلى شاعر، فلما لقيه سأله عنها فقال: كانت قليلة الدم، فضحك الفضل وقال: مهلايا أبا فلان.
أراد الشاعر قول القائل:
إذا ذبح الضبي بالسيف لم تجد ... من اللؤم للضبي لحما ولا دما
وروى ابن الأعرابي في الآمالي قال: رأى عقال بن شبة بن عقال المجاشعي علىأصبع بن عياش وضحا فقال: ما هذا البياض على إصبعك يا أبا الجراح؟ قال سلحالنعامة يابن أخي.
أراد قول جرير:
فضح العشيرة يوم يسلح إنما ... سلح النعامة شبه بن عقال
وكان شبة قد برز يوم الطوانة مع العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى رجل منالروم، فحمل عليه الرومي فنكص وأحدث. فبلغ ذلك جريرا باليمامة فقال فيهذلك.
ورأى الفرزدق مخنثا يحمل قماشة كأنه متحول من دار إلى دار فقال: إلى أينراحت عمتنا؟ فقال: قد نفاها الأغر يا أبا فراس.
يريد قول جرير في الفرزدق:
نفاك الأغر ابن عبد العزيز ... بحقك تنفى عن المسجد
وإنما قال جرير ذلك لأن الفرزدق ورد المدينة والأمير عليها عمر بن عبد العزيز،فأكرمه حمزة بن عبد الله بن الزبير وأعطاه، وقعد عنه عبد الله بن عمرو بن عثمانوقصر به، فمدح الفرزدق حمزة.
وهجا عبد الله فقال:
ما أنتم من هاشم في سرها ... فأذهب إليك ولا بني العوام
قوم لهم شرف البطاح وأنتم ... وضر البلاط وموطئ الأقدام
فلما تناشد الناس ذلك بعث إليه عمر بن عبد العزيز فأمره أن يخرج من المدينة،وقال له: إن وجدتك بها بعد ثلاث عاقبتك. فقال الفرزدق: ما أراني إلا كثمود حينقيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام.
وأنشد:
توعدني وأمهلني ثلاثًا ... كما وعدت لمهلكها ثمود
فبلغ ذلك جريرا فقال يهجوه:
نفاك الأغر ابن عبد العزيز ... بحقك تنفى عن المسجد
وسميت نفسك أشقى ثمود ... فقالوا ضللت ولم تهتد
وقد أجلوا حين حل العذاب ... ثلاث ليال إلى الموعد
وجدنا الفرزدق بالموسمين ... خبيث المداخل والمشهد
وروى أبو بكر بن دريد في كتاب الأمالي عن أبي حاتم عن العيبي عن أبيه: أنه عرضعلى معاوية فرس وعنده عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص فقال: كيف ترىهذا الفرس يا أبا مطرف؟ فقال: أراه أجش هزيما، قال معاوية: أجل، لكنه لا يطلععلى الكنائن. فقال: يا أمير المؤمنين ما استوجبت منك هذا الكلام كله، قال: لقدعوضك عنه عشرين ألفا.
قال ابن دريد: أراد عبد الرحمن التعريض لمعاوية بما قاله النجاشي في أيامصفين:
ونجى ابن حرب سابح ذو غلالة ... أجش هزيم والرماح دواني
إذا قلت أطراف الرماح تنوشه ... مرته به الساقان والقدمان
فلم يحتمل معاوية منه هذا المزاح وقال: لكنه لا يطلع على الكنائن، لأن عبدالرحمن كان يتهم بنساء أخوته.
قال: وروى صاحب الأغاني هذا الخبر على وجه آخر فقال: عرض معاوية على عبدالرحمن بن الحكم خيله، فمر به فرس فقال له: كيف تراه؟ فقال: هذا سابح، ثمعرض عليه آخر فقال: هذا ذو غلالة، ثم مر به آخر فقال: وهذا أجش هزيم، فقالله معاوية: أبي تعرض؟ قد علمت ما أردت.
إنما أردت قول النجاشي في:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني
سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... كسيد الغضا ماض على النسلان
أخرج عني فلا تساكنني في بلد. فذهب إلى أخيه مروان وشكى إليه معاوية فقال لهمروان: هذا عملك لنفسك؟ فانشأ يقول:
أتقطر آفاق السماء لها دما ... إذا قلت هذا الطرف أجرد سابح
فحتى متى لا نرفع الطرف ذلة ... وحتى متى تعيا علينا المنادح
فدخل مروان على معاوية فقال: حتى متى هذا الاستخفاف بآل أبي العاص؟ أماوالله لتعلم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فينا. ولقلَّ ما بقي من الأمد،فضحك معاوية وقال: قد عفوت لك عنه يا أبا عبد الملك.
ورواه أيضًا على وجه غير هذا فقال: قدم عبد الرحمن بن الحكم (على معاوية)وكان قد عزل أخاه مروان وجهه قبله وقال له: ألق معاوية وعاتبه لي واستصلحه.
فلما دخل عليه وهو يعشي الناس فأنشأ يقول:
أتتك العيس تنفخ في براها ... تكشف عن مناكبها القطوع
بأبيض من أمية مضر حي ... كأن جبينه سيف صنيع
فقال له معاوية: أزائرا جئت أم مفاخرا أم مكاثرًا؟ فقال: أي ذلك شئت، فقال: ماأشاء من ذلك شيئا. وأراد معاوية أن يقطعه من كلامه الذي عن له فقال: أي الظهرأتيتنا عليه؟ قال له على فرس، قال: وما صفته؟ قال: أجش هزيم.
يعرض له بقول النجاشي له:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني
فغضب معاوية وقال: أما أنه لم يركبه صاحبه في الظلم إلى الريب، ولا هو ممنيتسور على جاراته، ولا يتوثب على كنائنه بعد هجعة الناس - وكان عبد الرحمنيتهم في امرأة أخيه - فخجل عبد الرحمن وقال: يا أمير المؤمنين ما حملك علىعزلك ابن عمك؟ ألجناية أوجبت سخطا أم لرأي رأيته وتدبير استصلحته؟ فقال:بل لرأي رأيته وتدبير استصوبته، قال: فلا بأس بذلك، وخرج من عنده فلقي أخاهمروان فأخبره بما جرى بينه وبين معاوية فاستشاط غيظا وقال لعبد الرحمن:قبحك الله ما أضعفك عرضت للرجل بما أغضبته، حتى إذا انتصر منك أحجمتعنه. ثم لبس حلته وركب فرسه وتقلد سيفه ودخل على معاوية، فقال له معاويةحين رآه والغضب يتبين في وجهه: مرحبا بأبي عبد الملك، لقد زرتنا عند اشتياقإليك منا، قال: لا والله ما زرتك لذلك، ولا قدمت عليك فألفيتك إلا عاقا قاطعا واللهما أنصفتنا ولا جزيتنا جزاء، لقد كانت السابقة من بني عبد شمس لآل أبي العاص،والصهر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم، والخلافة فيهم، فوصلوكم يابني حرب، وشرفوكم، وولوكم فما عزلوكم، حتى إذا وليتم أبيتم إلا سوء صنيعة،وقبح قطيعة، فرويدا رويدا، قد بلغ بنو الحكم وبنو أبيه نيفا وعشرين، وإنما هيأيام قلائل حتى يكملوا أربعين ويعلم امرؤ أين يكون حينئذ منهم، ثم هم للجزاءبالحسنى والسوأى بالمرصاد. فقال له معاوية: عزلتك لثلاث، لو لم يكن إلا واحدةمنهن لأوجبت عزلك: إحداهن أني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكمافلم تستطع أن تشتفي منه.
والثانية، كراهيتك لأمر زياد.
والثالثة، أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها. فقالمروان: أما ابن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني، ولكن إذا تساوت الأقدام علمأين موقعه.
وأما كراهتي لأمر زياد، فإن سائر بني أمية كرهوه، وجعل الله لنا في ذلك الكره خيرا.
وأما استعداء رملة على عمرو، فو الله أنه ليأتي علي سنة أو أكثر وعندي بنت عثمانفما أكشف لها ثوبا - يعرض له بأن رملة إنما تستعدي عليه بطلب النكاح - فقال لهمعاوية: يا بن الوزغ، لست هناك، فقال مروان: هو ذاك. ألآن والله إني أبو عشرة،وأخو عشرة، وعم عشرة، وقد كاد ولدي يكملون العدة، ولو قد بلغوها لعلمت أينتقع مني.
فانخزل معاوية ثم قال:
فإن أك في شراركم قليلا ... فإني في خياركم كثير.
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلاة نزور
فلما فرغ مروان من كلامه خضع له معاوية وقال: لك العتبى وأنا رادك إلى عملك،فوثب مروان وقال له: كلا وعيشك، لا رأيتني عائدا إليه أبدا، وخرج.
فقال الأحنف بن قيس لمعاوية - وكان حاضرا -: ما رأيت قد لك سقطة مثلها، ماهذا الخضوع لمروان؟ وأي شيء يكون منه ومن بني أبيه إذا بلغوا أربعين؟ وأيشيء تخشاه منهم؟. فقال أدن مني حتى أخبرك بذلك. فدنا منه فقال له: أنالحكم بن أبي العاص كان أحد من قدم مع أختي أم حبيبة لما زفت إلى النبي صلىالله عليه وآله وسلم، وهو تولى نقلها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلميحد النظر إليه، فلما خرج من عنده قيل له: يا رسول الله لقد أحددت النظر إلىالحكم؟ فقال: ابن المخزومية ذلك الرجل إذا بلغ ولده ثلاثين، أو قال: أربعين،ملكوا الأمر بعدي، فوالله لقد تلقاها مروان من عين صافية. فقال له الأحنف: لايسمعن هذا منك أحد، فإنك تضع من قدرك وقدر ولدك، وأن يقض الله أمرا يكن،فقال معاوية: فاكتمها علي يا أبا عمرو إذن، فقد لعمري صدقت ونصحت.
ومن لطيف التلميح المذكور أيضًا، ما حكي أنه دخل عبد الحميد بن سعيد بنمسلم الباهلي ومعه ابنه الأفوه - وكان مبغما - فتخلى الناس حتى بلغ إلى عمر بنفرح المذحجي، فلما قرب منه قال له: من هذا؟ قال: ابني أصلحك الله، وهليخفى القمر؟ فقال: إن كان كذلك فرفع عنه حاشية الأزرار.
أراد قول بشار بن برد:
إذا أعيتك نسبة باهلي ... فرفع عنه حاشية الأزرار
على أستاه سادتهم كتاب ... موالي عامر وسما بنار
ومنه حمزة بن بيض الحنفي الشاعر قدم على بلال بن بردة، وكان كثير المزاح معه،فقال لحاجبه: استأذن لحمزة بن بيض الحنفي، فدخل الحاجب فأخبره به، فقال:أخرج فقل له: حمزة بن بيض ابن من؟ فقال له: أدخل فقل له: الذي جئت إليهوأنت أمرد، فسألته أن يهب لك طائرا، فأدخلك وناكك ووهب لك الطائر، فشتمهالحاجب، فقال له: ما أنت ذا؟ بعثتك برسالة فأخبره الجواب، فدخل الحاجب وهومغضب، فلما رأه بلال ضحك وقال: ما قال لك قبحه الله؟ فقال: ما كنت لأخبرالأمير بما قال. فضحك حتى فحص برجله الأرض وقال له: قد عرفنا العلامةفأدخله، فدخل وأكرمه، وسمع مديحه، وأحسن وصلته.
وأراد بلال: ابن بيض ابن من؟ قول القائل فيه:
أنت ابن أبيض لعمري لست أنكره ... فقد صدقت ولكن من أبو بيض
ومن التلميح الدقيق ما حكي أن قتيبة بن مسلم دخل على الحجاج وبين يديهكتاب قد ورد إليه من عبد الملك وهو يقرأه ولا يعلم معناه وهو مفكر، فقال: ماالذي أحزن الأمير؟ قال كتاب ورد من أمير المؤمنين لا أعلم معناه، فقال: إن رأىالأمير أعلامي به، فناوله إياه وفيه: أما بعد فأنك سالم والسلام. فقال قتيبة: ماليأن استخرجت لك ما أراد؟ قال: ولاية خرسان، قال: إنه ما يسرك أيها الأمير ويقرعينك.
إنما أراد قول الشاعر:
يديرونني عم سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر. فولاه خرسان.
ويشبه هذه الحكاية: أن الحجاج كتب إلى عبد الملك كتابا يغلظ فيه أمر الخوارج،ويذكر فيه حال قطري وغيره وشدة شوكتهم، فكتب إليه عبد الملك: أوصيك بماأوصى به البكري زيدا والسلام.
فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك، فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبارالعرب فلم يعلم أحد منهم ما أراد. فقال: من جاءني بتفسيره فله عشرة آلافدرهم. وورد رجل من أهل الحجاز متظلم من بعض العمال، فقال له قائل: أتعلمما أوصى به البكري زيدا؟ قال: نعم أعلمه، فقيل له: فأت باب الأمير فأخبره ولكعشرة آلاف درهم.
فدخل عليه وسأله فقال: نعم أيها الأمير أنه يعني قوله:
أقول لزيد لا تترتز فإنهم ... يون المنايا دون قتلك أن قتلي
فإن وضعوا حربا فضعها وان أبوا ... فعرضه نار الحرب مثلك أو مثلي
وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فشب وقود النار بالحطب الجزل
فقال الحجاج: أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني، وأصاب البكري فيما أوصى بهزيدا، وأصبت أيها الأعرابي، ودفع إليه الدراهم.
وكتب الحجاج إلى المهلب، إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا،وأنا أوصيك بذلك، وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه. فنظر وصية الحارث بنكعب فإذا فيها: يا بني كونوا جميعا ولا تكونوا شيعا فتفرقوا، وترووا قبل أن تنزوا،فموت في قوة وعز، خير من حياة في ذل وعجز. فقال المهلب: صدق البكري،وصدق الحارث وأصاب.
ومن لطائف التلميح قصة المنصور مع الهذلي. فقد روي أنه وعده بجائزة ثمنسي، فحجا معا ثم مرا في المدينة الشريفة ببيت عاتكة، فقال الهذلي: يا أميرالمؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:
يا دار عاتكة التي أتغزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
فأنكر عليه المنصور ابتداءه بالخبر من غير سؤال، ثم أمر المنصور القصيدة علىخاطره ليعلم ما أراد، فإذا فيها:
أراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فعلم أنه أراد هذا البيت، فتذكر ما وعده به فأنجزه.
ومثله ما حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب للمتنبي، وشرح ديوانه وسماهمعجز أحمد، وكان يقول: إن المتنبي نظر إلي بلحظ الغيب حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
فاتفق أنه حضر يوما مجلس الشريف المرتضى فجرى فيه ذكر أبي الطيب المتنبي،فأخذ المرتضى في هضم جانبه، فقال المعري: يا مولانا لو لم يكن للمتنبي منشعر إلا قوله (لك يا منازل في القلوب منازل) لكفاه. فغضب الشريف وأمرالغلمان بسحبه وإخراجه، فأخرج مسحوبا. فلامه الحاضرون على ذلك، فقال لهم:أنكم لا تدرون ما عنى بذكر هذا البيت.
إنما عنى به قوله في هذه القصيدة:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
فعجبوا من ذكاء الشريف فهمه لما عناه.
ومن لطيف التلميح بهذا البيت أيضًا ما حكاه صاحب الحدائق: أن الفتح بن خاقانذكر ابن الصائغ في كتابه - قلائد العقيان - فقال فيه: رمد عين الدين، وكمد نفوسالمهتدين، أشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا، ناهيك من رجل ما تطهرمن جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة، ولا استنجى من حدث، ولا شجى فؤاده مواراة فيحدث، ولا قر بباريه ومصوره، ولا فر عن تباريه في ميدان تهوره. الإساءة إليه أجدىمن الإحسان، والبهيمة لديه أهدى من الإنسان، إلى غير ذلك. فبلغ ابن الصائغانتقاصه له، فمر يوما على الفتح وهو جالس في جماعة فسلم على القوم، وضربعلى كتف الفتح وقال له: شهادة يا فتح، ومضى، فلم يدر أحد من القوم ما أرادبذلك إلا الفتح، فأنه تغير لونه، فقيل له: ما قال لك؟ فقال: إني وصفته بكتابي بماتعملون، فما بلغت بذلك عشر ما بلغ هو مني بهذه الكلمة.
فإنه يشير إلى قول المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
ويقرب من هذا التلميح الدقيق ما حكاه أبو الوليد إسماعيل الشقندي - نسبة إلىشقندة، بالشين المعجمة، قرية مطلة على نهر قرطبة، مجاورة لها من جهةالجنوب - قال: كنت يوما بين يدي الفقيه الرئيس أبي بكر بن زهر، فدخل علينارجل عجمي من فضلاء خرسان - وكان ابن زهر يكرمه - فقلت له: ما تقول فيعلماء الأندلس وكتابهم وشعرائهم؟ فقال: كبرت، فلم أفهم مقصده، واستبردتما أتى به، وفهم عني أبو بكر بن زهر أني نظرته نظرة المستبرد المنكر فقال لي:أقرأت شعر المتنبي؟ قلت: نعم وحفظت جميعه، قال: فعلى نفسك إذن فلتنكر،وخاطرك بقلة الفهم فلتتهم.
فذكرني بقول المتنبي:
كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق
فاعتذرت إلى الخرساني وقلت له: والله قد كبرت في عيني بعدما صغرت نفسيعندي حين لم أفهم نيل مقصدك.
ومن ذلك أيضًا قصة السري الرفاء مع سيف الدولة بن حمدان بسبب المتنبي،فإنهما كانا من شعرائه ومداحه فجرى ذكر المتنبي يوما بحضرة سيف الدولة،فبالغ سيف الدولة في الثناء عليه وعلى شعره، فقال له السري: أشتهي أن الأميرينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لا عارضها، ويتحقق بذلك أنه أركب في غيرسرجه. فقال له سيف الدولة على الفور عارض لنا قصيدة القافية التي مطلعها:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق منه وما بقي
قال السري: فكتبت القصيدة واعتبرتها فلم أجدها من مختارات أبي الطيب،ولكني رأيته يقول فيها:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحق
فعلمت أن سيف الدولة إنما أشار إلى هذا البيت فأعرضت عن معارضته.
ومن ذلك أيضًا ما حكاه الشيخ الفاضل الأديب عبد علي بن ناصر الشهير بابنرحمة الحويزي في كتابه - المعول في شرح شواهد المطول -: أنه جرى بين السيّدعلي بن بركات الحسني والشريف زيد بن محسن أمير مكة المشرفة عتاب طال بهالخطاب، وكان السيّد علي بن بركات شيخا عالي السن، والشريف زيد شابا.
فأنشد السيّد علي قول الطفرائي:
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل
فغضب الشريف زيد وقال: لم ترد هذا، وإنما أردت ما قبله وهو:
ما كنت أحسب أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد السفل
انتهى بالمعنى.
ومن الطريف التلميح أيضًا ما يحكى أن رجلا قعد على جسر بغداد، فأقبلت امرأةبارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى جانب الغربي، فاستقبلها شاب فقال لها:رحم الله علي بن الجهم، فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري، وما وقفا بلسارا مشرقا ومغربا. قال الرجل: فتبعت المرأة وقلت لها: لئن لم تخبريني بما أرادبابن الجهم، وما أردت بأبي العلاء المعري فضحكت.
فقالت: أراد بابن الجهم قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وأردت أنا بأبي العلاء قوله:
فيا دارها بالخيف أن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
ومثل ذلك بعينه ما حكاه الشيخ فتح الدين بن السيّد الياس: أن الشيخ بهاء الدينالنحاس دخل إلى الجامع الأزهر يوما، فوجد أبا الحسين الجزار جالسا إلى جانبهوإلى جانبه مليح، ففرق بينهما وصلى ركعتين، ولما فرغ قال لأبي الحسين الجزار:ما أردت إلا قول ابن سناء الملك، فقال أبو الحسين: وأنا تفاءلت بقول صاحبناالسراج الوراق.
أراد ابن النحاس قول ابن سناء الملك:
أنا في مقعد صدق ... بين قواد وعلق
وأراد الجزار قول السراج الوراق:
ومهفهف راض الأبي فقاده سلس القياد
لما توسط بيننا ... جرت الأمور على السداد
ومن لطيفه أيضًا ما روي: أن أحمد بن يوسف الوزير دخل على المأمون، وعريبجاريته تغمز رجله، فخالسها النظر وأومى إليها بقبلة فقالت: كحاشية البرد، فلميدر ما أرادت، فحدث بذلك محمد بن بشير فقال له: أنت تدعي الفطنة ويذهبعليك مثل هذا؟ أرادت طعنة وعنت قول الشاعر:
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم
ومنه قول الحريري: وإني والله لطالما تلقيت الشتاء بكافاته، وأعددت له الأهبقبل موافاته.
يريد قول ابن سكرة:
جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا الغيث عن حاجاتنا حبسا
كن وكيس وكانون وكأس طلا ... مع الكباب وكس ناعم وكسا
وقال الآخر وفيه تلميحان:
يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هن إلا واحد غير مفترى
إذا صح كاف الكيس فالكل حاصل ... لديك وكل الصيد في باطن الفرى
لمح بكافات الشتاء إلى بيتي ابن سكرة، ولمح بقوله (وكل الصيد في باطن الفرى)إلى المثل المشهور (كل الصيد في جوف الفرى) وأصله: أن قوما خرجوا للصيد،فصاد أحدهم ظبيا، والآخر أرنبا، وأخر فرى، أي حمارا وحشيا، فقال لأصحابه فيجوف القرى، يعني أن ما صاده كلكم يسير بالنسبة إلى ما صدته. ومن أظرف ماوقع من التلميح إلى بيتي ابن سكرة ما حكي: أن امرأة بارعة الجمال والأدب مرتبقوم وهي ملتفة بكساء، فقال لها بعضهم: من أنت؟ فقالت: أنا السادس فيالسابع. تشير إلى قوله (وكس ناعم وكسا) فكأنها قالت: أنا الكس الناعم فيالكساء ونظم بعضهم هذا المعنى فقال:
رأيتها ملفوفة في كسا ... خوفا من الكاشح والطامع
قلت لها من أنت يا هذه ... قالت أنا السادس في السابع
وما ألطف قول أبي الحسين الجزار ملمحا إلى بيتي ابن سكرة أيضا:
وكافات الشتاء تعد سبعا ... ومالي طاقة بلقاء سبع
إذا ظفرت بكاف الكيس كفي ... ظفرت بمفرد يأتي بجمع
فائدة - قال في القاموس: الكس بالضم للحر ليس من كلامهم وإنما هو مولد. وقال الأنباري في شرح المقامات الكس والسرم لغتان مولدتان وليستا بعربيتين،وإنما يقال: دبر وفرج. وقال الحافظ السيوطي في المزهر: في لفظة الكس ثلاثةمذاهب لأئمة العربية، أحدها هذا، والثاني أنه عربي ورجحه أبو حيان في تذكرته،ونقله عنه الأسنوي في المهمات، وكذا الصغاني في كتاب خلق الإنسان ونقله عنهالزركشي في تتمات المهمات.
قلت: وحكى أبو حيان عن النحاس أنه سمع من كلام العرب:
وا عجبا للساحقات الورس ... الواضعات الكس فوق الكس
الثالث أنه فارسي معرب، وهو رأي الجمهور ومنهم المطرزي في شرح المقامات.
ومنه أيضًا قول بعضهم:
لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحنى منك في ساعة الهجر
ولمح فيه إلى قول الشاعر:
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقول ابن حجاج وفيه تلميحان:
نبهت منه لحاجتي عمرا ... ولم أعول فيها على عمرو
لمح في الصراع الأول إلى قول القائل:
إذا أيقضتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم
وفي المصراع الثاني إلى البيت المذكور.
الفصل الرابع فيما وقع فيه التلميح إلى مثل. فمنه قول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
يشير إلى المثل المشهور (أخلف من عرقوب) وهو رجل من العمالقة، وهوعرقوب بن زهي، أحد بني شمس بن ثعلبة، أو عرقوب بن صخر، على خلاف فيذلك. وكان من خبره أنه وعد أخا له ثمرة نخلة، وقال له: ائتني إذا طلع النخل، فلماأطلع قال: إذا أبلح قال: إذا أزهى (فلما أزهى) قال: إذا رطب قال: إذا أتمر، فلماأتمر جذه ليلا ولم يعطه شيئا.
وقال (...) أو علقمة الأشجعي:
وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
قال التبريزي: والناس يروون (يثرب) في هذا البيت، بالثاء المثلثة والراءالمكسورة، وإنما هو بالمثناة وبالراء المفتوحة: موضع بقرب مدينة الرسول صلىالله عليه وآله وسلم، قال ابن الكلبي. قال ابن هشام: وقاله أبو عبيدة، وقد خولفافي ذلك.
قال ابن دريد: اختلفوا في عرقوب فقيل: هو من الأوس فيصح على هذا أن يكونبالمثلثة المكسورة. وقيل: من العماليق فيكون بالمثناة وبالمفتوحة، لأن العماليقكانت من اليمامة إلى وبار، ويترب هناك. قال: وكانت العماليق أيضًا في المدينة،انتهى.
قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: سميت المدينة يثرب باسم الذي نزلها منالعماليق، وهو يثرب بن عبيد، وبنو عبيدهم الذين سكنوا الحجفة، فأحجفت بهمالسيول فسميت الحجفة.
ولا يجوز الآن أن تسمى المدينة يثرب لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:يقولون: يثرب هي المدينة. وكأنه كره هذا الاسم، لأنه من مادة التثريب، وأما قولهتعالى (يا أهل يثرب) فحكاية عمن قاله من المنافقين.
ومنه قول المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
يشير إلى المثل (إن العصا قرعت لذي الحلم) يضرب لمن إذا تنبه انتبه.
وذو الحلم هو عامر بن الظرب العدواني كان من حكماء العرب لا تعدل بفهمهفهما، ولا بحكمه حكما. فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئًا فقال لبنيه: أنه قدكبرت سني، وعرض لي سهو فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت في غيرهفاقرعوا لي المحجن بالعصا. يقال: أنه عاش ثلاثمائة سنة.
وهو الذي يقول:
تقول ابنتي لما رأتني كأنني ... سليم أفاع ليله غير مودع
وما الموت أغناني ولكن تتابعت ... علي سنون من مصيف مربع
ثلاث مئين قد مررن كواملا ... ها أنا هذا ارتجي مر أربع
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطيارا يقال له قع
أخبر أخبار القرون التي مضت ... ولابد يوما أن يطار بمصرعي
قال ابن الإعرابي: أول من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدواني، وربيعةتقول: بل هو قيس بن خالد بن ذي الجدين، وتميم تقول: بل هو ربيعة بن مخاشنأحد بني أسيد بن عمرو بن تميم، واليمن تقول: بل هو عمرو بن حممه الدوسي.
قال: وكانت حكام تميم في الجاهلية: أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، والأقرعبن حابس، وربيعة بن مخاشن، وضمرة بن ضمرة. غير أن ضمرة حكم فأخذ رشوةفعذر.
وحكام قيس: عامر بن الظرب، وغيلان بن سلمة الثقفي. وكانت له ثلاثة أيام: يوميحكم بين الناس، ويوم ينشد فيه شعره، ويوم ينظر فيه إلى جماله. وجاء الإسلاموعنده عشر نسوة، فخيره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأختار أربعا فصار سنة.
وحكام قريش: عبد المطلب، وأبو طالب، والعاص بن وائل.
وحكيمات العرب: صخر بنت لقمان، وهند بنت الحسن، وجمعة بنت حابس، وابنةعامر بن الظرب الذي يقال له: ذو الحلم.
ومنه قول أبي العلاء المعري:
إذا وصف الطائي بالبخل مادرٌ ... وعير قسا بالفهاهة باقل
وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر أن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي أن دهرك هازل
فلمح في البيت الأول إلى أربعة أمثال. فإن الطائي وهو حاتم ويضرب به المثل فيالجود، فيقال: أجود من حاتم. وقسا يضرب به المثل في البلاغة فيقال: أبلغ منقس. ومادرا يضرب به المثل في البخل، فيقال: أبخل من مادر. وباقلا يضرب بهالمثل في العي، فيقال: أعيا من باقل.
فأما حاتم، فهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج. كان جوادا شجاعا شاعرامظفرا، إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق؛وإذا أسر أطلق، وإذا أثرى أنفق. وكان أقسم بالله لا يقتل واحد أمه.
ومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداهأسير لهم، يا أبا سفانة، أكلني الأسار والقمل، فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي، ومامعي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك. ثم ساوم به العنزيينواشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قده حتى أتي بفدائه فأداه إليهم.
ومن حديثه. أن ماوية امرأة حاتم حدثت: أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخفوالظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع، فأخذ حاتم عديا، وأخذت سفانة، فعللناهماحتى ناما. ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرفقت به لما به من الجهد فأمسكت عنكلامه لينام ويظن أني نائمة. فقال لي: أنت؟ مرارا فلم أجبه، فسكت: ونظر منوراء الخباء فإذا شيء قد أقبل، فرفع رأسه فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة أتيتك منعند صبية جياع، فقال: أحضريني صبيانك. فو الله لأشبعنهم. قالت: قمت سريعافقلت: بماذا يا حاتم؟ فو الله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل. فقام إلىفرسه فذبحه ثم أجج نارا. ودفع إليها شفرة وقال: أشوي وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي: أيقظي صبييك، فأيقضتهما. ثم قال: والله (أن) هذا للؤم أن تأكلوا وأهلالصرم حالهم كحالكم، فجعل يأتي الصرم بيتا بيتا ويقول: عليكم بالنار، فاجتمعواوأكلوا. وتقنع بكسائه، وقعد ناحية، حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولاكثير، ولم يذق منه شيئا.
وزعم الطائيون أن حاتما أخذ الجود عن أمه غنية بنت عفيف الطائية، وكانت لاتليق شيئًا سخاء وجودا.
وأما مادر، فهو رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة، وبلغ من بخله أنه سقىأبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلخ فيه ومد الحوض به فسمي مادرالذلك، واسمه مخارق.
وفي بني هلال يقول الشاعر:
لقد جللت خزيا هلال بن عامر ... بني طرأ بسلحة مادر
فأف لكم لا تذكروا الفخر بعدها ... بني عامر أنتم شرار المعاشر
قال حمزة: وحدثني أبو بكر بن دريد قال: حدثني أبو حاتم، عن أبى عبيدة، أنه قرأعليه حديث مادر فضحك. قال: فقلت له: ما الذي أضحك؟ فقال: تعجبي منتسيير العرب من أمثال لها، ولو سيروا ما هو أهم منها لكان أبلغ لها، قلت: مثلماذا؟ قال: مثل مادر هذا جعلوه في البخل مثلا بفعلة صدرت منه تحتمل التأويل. وتركوا مثل ابن الزبير مع ما يؤثر على لفظه وفعله من دقائق البخل فتركوهكالغفل.
فمن ذلك أنه نظر إلى رجل من أصحابه - وهو يومئذ خليفة يقاتل الحجاج بنيوسف على دولته، وقد دق الرجل في صدور أهل الشام ثلاثة أرماح - فقال له: ياهذا اعتزل حربنا، فإن بيت المال لا يقوى على هذا. وقال في تلك الحرب لجماعةمن جنده: أكلتم تمري وعصيتم أمري.
وسمع أن مالك بن أشعر الرزامي من بني مازن أكل من بعير وحده وحمل ما بقيعلى ظهره. فقال: دلوني على قبره أنبشه.
وقال لرجل أتاه مجتديًا - وقد أبدع به فشكى إليه حفى ناقته -: أخصفها بهلب،وأرقعها بسبت وأنجد بها يبرد خفها. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين جئتكمستوصلا لا مستوصفا، فلا بقيت ناقة حملتني إليك. فقال: إن وصاحبها.
قال أبو عبيدة: فلو تكلف الحارث بن كلدة طبيب العرب، أو مالك بن زيد مناة،وحنفيف الحاتم أطباء العرب من وصف علاج ناقة الإعرابي ما تكلفه هذا الخليفةلما كانوا يعشرونه، وكان مع هذا يأكل في كل أسبوع أكلة ويقول في خطبته: إنمابطني شبر في شبر، وعندي ما عسى يكفيني.
فقال فيه الشاعر:
لو كان بطنك شبرا وقد شبعت وقد ... أفضلت فضلا كثيرا للمساكين
فإن تصبك من الأيام جانحة ... لا نبك منك على دنيا ولا دين
وأما قس، فهو قس بن ساعدة بن حذاقة بن زهير بن أياد بن نزار الإيادي وكان منحكماء العرب، وأعقل من سمع به منهم، وهو أول من كتب من فلان إلى فلان،وأول من أقر بالبعث من غير علم، وأول من قال: أما بعد وأول من قال: البينة علىمن أدعى واليمين على من أنكر. وقد عمر مائة وثمانين سنة.
قال الأعشى:
وأبلغ من قس وأجرى من الذي ... بذي الغسيل من خفان أصبح خادرا
وأخبر عامر بن شراحيل الشعبي عن عبد الله بن عباس: أن وفد بكر بن وائل قدمواعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما فرغ من حوائجهم قال: هل فيكمأحد يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا كلنا نعرفه، قال: فما فعل؟ قالوا: هلك،فقال صلى الله عليه وآله وسلم: كأني به على جبل أحمر بعكاظ قائما يقول: أيهاالناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هوآت آت. أن في السماء لخبرا، وأن في الأرض لعبرا. مهاد موضوع، وسقف مرفوع،وبحار تموج، وتجارة لن تبور. ليل داج، وسماء ذات أبراج. أقسم قس حقا لئن كانفي الأمر رضى ليكونن بعده سخط. مالي أرى الناس يموتون فلا يرجعون؟ أرضوا؟أم تركوا فناموا؟..
ثم أنشد أبو بكر رضي الله تعالى عنه شعرا حفظه له وهو قوله:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يسعى الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي ... ولا نم الباقي غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
وأما باقل، فهو رجل من ربيع، وقيل من أياد. يقال: أنه أشترى ظبيا بأحد عشردرهما، فمر بقوم فقالوا له: بكم اشتريت الظبي. فلم يقدر على الكلام، فمد يديهونشر أصابعهما، ودلع لسانه مشيرا يردي أحد عشر، وخلى الظبي فشرد.
ومنه قول بعضهم:
عشن بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود
عش بجد وكن هبنقة القي ... سي نوكا أو شيبة بن الوليد
يشير إلى حمق هبنقة المضرب به المثل واسمه يزيد بن ثروان، ويلقب بذيالودعات، أحد بني قيس بني ثعلبة، وبلغ من حمقه أنه ضل له بعير فجعل ينادي:من وجد بعيري فهو له، فقيل له: فلم تنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان؟.
ومن حمقه أنه اختصمت الطفاوة وبنو راسب إلى عرباض في رجل ادعاه هؤلاءوهؤلاء، فقال الطفاوة: هذا من عرافتنا، وقال بنو راسب: بل هو من عرافتنا، ثمقالوا: رضينا بأول من يطلع علينا؟ فلما دنا قصوا عليه قصتهم فقال هبنقة:الحكم عندي، أن يذهب به إلى نهر البصرة فيلقى فيه، فإن كان راسبيا رسب فيه،وإن كان طفاويًا طفا. فقال الرجل: لا أريد أن أكون واحد من هذين الحيين، ولاحاجة لي بالديوان.
ومن حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودعة وعظام وخزف، وهو ذو لحيةطويلة، فسئل عن ذلك فقال: لا عرف بها نفسي، ولئلا أضل. فبات ذات ليلة وأخذأخوه قلادته فتقلدها، فلما أصبح ورأى القلادة في عنق أخيه قال: يا أخي أنت أنافمن أنا؟.
ومن حمقه أنه كان يرعى غنم أهله، فيرعى السمان في العشب، وينحي المهازيل،فقيل له: ويحك ما تصنع؟ قال: لا أفسد ما أصلح الله، ولا أصلح ما أفسده.
ولنكتف من شواهد التلميح بهذا المقدار فإنه باب لا ينتهي حتى ينتهي عنه، ونوردالآن أبيات البديعيات.
فبيت بديعية الصفي الحلي قوله:
إن ألقها تتلقف كلما صنعوا ... إذا أتيت بسحر من كلامهم
التلميح فيه هو الإشارة إلى قصة موسى عليه السلام مع السحرة لما ألقى العصا.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
وتقرع السمع عن حق زواجره ... قرع الرماح ببدر ظهر منهزم
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
وبان في كتب التاريخ من قدم ... تلميح قصة موسى مع معدهم
قال ابن حجة: لم ألمح من خلال بيت الشيخ عز الدين غفر الله له لمحة تلدنيعلى نور التلميح، لكنه ساق حكاية مضمونها: أن كتب التاريخ القديمة بان فيهاتلميح قصة موسى عليه السلام مع معد، والله أعلم. انتهى، وهو في محلة.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ورد شمس الضحى للقوم خاضعة ... وما ليوشع تلميح بركبهم
قد تقدم أن هذا التلميح استعملته الشعراء كثيرا في أقوالهم، أعني التلميح بردالشمس ليوشع، فما زاد ابن حجة عليهم بشيء يعلم، إلا بإعجابه بنظمه له،وتزكيته لنفسه بما تمجه الأسماع، وتنفر عنه الطباع.
وبيت بديعة الطبري قوله:
بمعجزات أتت كم أبهرت خصما ... كشاة خيبر تلميحا بعجزهم
التلميح فيه إلى قصة الشاة التي أهدتها اليهودية إليه صلى الله عليه وآله وسلمبخيبر، وكانت قد صلتها وسمتها، فأكل منها وأكل القوم، فقال: أرفعوا أيديكمفأنها أخبرتني أنها مسمومة، والقصة مشهورة.
وبيت بديعيتي هو قولي:
تلميحه كم شفى في الخلق من علل ... وما لعيسى يد فيها فلا تهم
التلميح فيه هو الإشارة إلى إبراء عيسى عليه السلام للمرضى. قال البغوي فيتفسيره: قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى في اليومالواحد خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق مشى إليهعيسى. وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان.
وأما إبراء نبينا صلى الله عليه وآله وسلم للمرضى فقد وردت به روايات كثيرة.
روي أن عين قتادة بن النعمان أصيبت يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردهاصلى الله عليه وآله، فكانت أحسن من عينه. وبصق على أثر سهم في وجه أبيقتادة في يوم ذي قرد، قال: فما ضرب علي ولا قاح.
وروى النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا رسول الله، أدع الله أن يكشفلي عن بصري، قال: فانطلق فتوضأ، ثم ﷺ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألكوأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة. يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشفعن بصري. اللهم شفعه في. قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره.
وروي أن ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء، فبعث إلى النبي صلى الله عليه وآلهوسلم، فأخذ بيده جثوة من الأرض، فتفل عليها ثم أعطاها رسوله. فأخذهامتعجبا يرى أن قد هزئ به، فأتاه بها - وهو على شفا - فشربها فشفاه الله.
وذكر العقيلي عن حبيب بن فديك - يقال: فويك - أن أباه ابيضت عيناه، فكان لايبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عينه فأبصر، فرأيتهيدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين.
ورمي كلثوم بن الحصين يوم أحد في نحره، فبصق رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم فيه فبرأ. وتفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تمد. وتفل في عيني علييوم خيبر وكان رمدا فأصبح بارئا. ونفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع يوم خيبرفبرئت. وفي رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب (حين قتل ابنالأشرف) فبرئت. وعلى ساق علي بن الحكم يوم الخندق إذ انكسرت فبرأ مكانه ومانزل عن فرسه.
واشتكى عليه بن أبي طالب عليه السلام فجعل يدعو، فقال رسول الله صلى اللهعليه وآله وسلم: اللهم اشفه (أو عافه)، ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك الوجعبعد.
وقطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء. فجاء يحمل يده، فبصق عليها رسولالله صلى الله عليه وآله، وألصقها فلصقت. رواه ابن وهب. ومن روايته أيضًا، أنحبيب بن يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضربةعلى عاتقه، حتى مال شقه، فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفث عليهحتى صح.
وأتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم، فأتي بما فمضمض فاه، وغسليديهن ثم أعطاها إياه وأمره بسقيه، ومسه به، فبريء الغلام وعقل عقلا يفضلعقول الناس.
وعن ابن عباس، جاءت امرأة بابن لها به جنون، فسمح صدره فثع ثعة فخرج منجوفه مثل الجرو الأسود وشفي.
وانكفأ القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل، فسمح عليه ودعا له، وتفلفيه فبريء لحينه.
وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة تمنعه من القبض على السيف وعنانالدابة، فشكاها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فما زال يطحنها بكفه حتى رفعهاولم يبق لها أثر.
وسألته جارية طعاما وهو يأكل، فناولها من بين يديه - وكانت قليلة الحياء - فقالت: إنما أريد من الذي في فيك، فناولها ما في فيه - ولم يكن يسأل شيئًافيمنعه - فلما استقر في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم يكن امرأة بالمدينةأشد حياء منها.
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري قوله:
أهل الفضائل سيماهم تبين ولا ... سيماهم وهي نور في وجوههم
وقال ناظمة في شرحه: معناه هم أهل الفضائل (سيماهم تبين) أي تظهر. ولاسيماهم: الأصل، ولاسيما، بياء متحركة، وهي مركبة من سي، وما؛ يستثنى بها؛فسكنت الياء بضرورة الشعر وهو جائز؛ والضمير المتصل يعود إلى الصحابة. وقوله: وهي نور في وجوههم، يعين أثر السجود. وفي البيت التجنيس الملفق. انتهى كلامه، وكأنه يريد التلميح إلى قوله تعالى (سيماهم في وجوههم من أثرالسجود) .
نصرت بالرعب من شهر على بعد ... وعقد نصرك لم يحلله ذو أضم
هذا النوع عبارة عن أن يعمد الشاعر إلى من كلام الله، أو كلام رسوله، أو السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، أو كلام الحكماء المشهورين، فينظمه بلفظه ومعناه، أو معظم اللفظ فيزيد فيه، وينقص منه ليدخل في وزن الشعر، فأن نظم المعنى دون اللفظ لم يكن عقدا، بل نوعا من السرقة، خلافا لمن أدخله في العقد.
أما العقد من القرآن فكقول أبي نواس:
بنفسي غزال صار للناس قبلة ... وقد زرت في بعض الليالي مصلاه
ويقرأ في المحراب والناس خلفه ... ولا تقتلوا النفس التي حرم الله
فقلت تأمل ما تقول فأنها ... لحاظك يا من تقتل الناس عيناه
وقول الآخر:
أنلني بالذي اسقرضت خطًا ... وأشهد معشرًا قد شاهدوه
فإن الله خلاق البرايا ... عنت لجلال هيبته الوجوه
يقول إذا تدانيتم بدين ... إلى أجل مسمى فاكتبوه
وقول الإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي:
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف ... ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف
أبشر بقول الله في آياته ... أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
وقول أبي نصر سهل بن المرزبان:
لا تجزعن من كل خطب عرى ... ولا تر الأعداء ما يشمت
أما سمعت الله في قوله ... إذا لقيتم فئة فاثبتوا
وقول أبي محمد العبد لكاني:
لا تكرهن خلقًا على مذهب ... لست من الإرشاد في شي
أما ترى الرحمن سبحانه ... المخرج الميت من الحي
يقول لا أكره في الدين قد ... تبين الرشد من الغي
وقول أبي جعفر الأندلسي:
إذا ظلم المرأ فامهل له ... فبالقرب يقطع منه الوتين
فقد قال ربك وهو القوي ... وأملي لهم أن كيدي متين
وأما العقد من الحديث فكقول الإمام الشافعي
عمدة الخير عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البرية
اتق المشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه
عقد قول النبي صلى الله عليه وآله: الحلال بين الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات.
وقوله: أزهد في الدنيا يحبك الله.
وقوله: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
وقوله: إنما الأعمال بالنيات.
وقول عبد المحسن بن محمد الصوري:
وأخ مسه نزولي بقرح ... مثلما مسني من الجوع قرح
بت ضيقًا له كما حكم الده ... ر وفي حكمه على لحر قبح
قال لي مذ نزلت وهو من السكرة بالهم طافح ليس يصحو لم تغربت قلت قال رسول الله والقول منه نصح ونجح
سافروا تغنموا فقال وقد قا ... ل تمام الحديث صوموا تصحوا
قلت فالصوم لا يصح بليل ... قال إن الوصال فيه يصح
أما العقد من كلام الصحابة فكقول أبي تمام:
وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآتم
أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم
عقد فيه قول علي عليه السلام الذي عزى به الأشعث بن قيس في ولده وهو: إن صبرت صبر الأحرار، وإلا سلوت سلو البهائم.
وقول أبي جعفر الباقر عليه السلام:
عجبت من معجب بصورته ... وكان من قبل نطفة مذره
وفي غد بعد حسن صورته ... يصير في القبر جيفة قذره
وهو على عجبه ونخوته ... ما بين جنبيه يحمل العذره
عقد فيه قول علي عليه السلام: مالا بن آدم والفخر، وإنما أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة.
وقول الخليل بن أحمد رحمه الله:
لا يكون العلي مثل الدني ... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي
قيمة المرء قدر ما يحسن المر ... ء قضاء من الأمام علي
عقد فيه قول رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسنه.
وقول أبي الفضل الميكالي:
تقصيرك الثوب حقًا ... أبقى وأنقى واتقى
عقد فيه قول علي عليه السلام: قصر ثوبك فأنه أبقى وأنقى وأتقى قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: روي أن الأشعث ابن قيس قال لغلي عليه السلام _وهو يخطب ويلوم الناس على تثبطهم وتقاعدهم -: هلا فعلت فعل ابن عفان؟ فقال له (إن فعل ابن عفان لمخزاة على من لا دين له، ولا وثيقة معه، إن امرءًا أمكن عدوه من نفسه يهشم عظمه، ويفري جلده، لضعيف رأيه، مأفون عقله. أنت فكن ذاك أن أحببت، فأما أنا فدون أن أعطي ذاك ضرب بالمشرفية.. الفصل) .
ثم قال ابن أبي الحديد: وقد نظمت أنا هذه الألفاظ في أبيات كتبتها إلى صاحب لي في ضمن مكتوب اقتضاها:
إن امرءًا أمكن من نفسه ... عدوه يجدع آرابه
لا يدفع الضيم ولا ينكر ال ... ذل ولا يحصن جلبابه
لآفن الرأي ضعيف القوى ... قد صرم الخذلان أسبابه
أنت فكن ذاك فإني امرؤ ... لا يرهب الخطب إذا نابه
إن قال دهر لم يطع أوشحا ... له فمًا أدرد أنيابه
أو سامه الخسف أبى وانتضى ... دون مرام الخسف قرضابه
ومنه قول الآخر:
يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فأربع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يومًا على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله
عقد فيه قول ابن عباس رضي الله عنه: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي.
وأما العقد من كلام الحكماء فكقول أبي الطيب:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم
عقد فيه قول بعض الحكماء: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين، أما علة دينية كخوف المعاد، أو علة سياسية كخوف القتل.
وقول الآخر:
أصلي وفرعي فارقاني معًا ... واجتث من حبلهما حبلي
فما بقاء الغصن في ساقه ... بعد ذهاب الفرع والأصل
عقد فيه قول بعض الحكماء أيضًا: لقد مات أبوك وهو أصلك، وابنك وهو فرعك، فما بقاء شجرة ذهب أصلها وفرعها
مراعاة النظير
وقد قصدت مراعاة النظير لهم ... من جلنار ومن ورد ومن عنم
هذا النوع أعني مراعاة النظير، سماه قوم بالتوفيق، وآخرون بالتناسب وجماعةبالائتلاف، وبعضهم بالمواخاة.
قالوا: وهو عبارة عن أن يجمع المتكلم بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد سواء كانتالمناسبة لفظا لمعنى، أو لفظا للفظ، أو معنى لمعنى، إذ القصد جمع شيء ومايناسبه من نوعه، أو ملائمة من إحدى الوجوه. انتهى.
ولا يخفى أن هذا التفسير يدخل فيه ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ معاللفظ، وائتلاف المعنى مع المعنى، وكل من هذه الأقسام عده أرباب البديعياتنوعا برأسه، ونظموا له شاهدا مستقلا، وجعلوه مغايرا لهذا النوع، مع أنهم مثلوالائتلاف اللفظ بما مثلوا به لمراعاة النظير بعينه ولا وجه لذلك، بل كان الصوابتنويع هذا النوع إلى هذه الأنواع الثلاثة كما فعل صاحب التبيان، حيث قال:مراعاة النظير هو أن يجمع بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد، وهو أصناف: الأول - ائتلاف اللفظ والمعنى. والثاني - ائتلاف اللفظ مع اللفظ. والثالث - ائتلاف المعنىمع المعنى. وهذا كتنويعهم اللف والنشر إلى أنواعه المذكورة، والالتفات إلىأنواعه الستة، وغير ذلك من أنواع البديع التي هي تتنوع إلى أنواع. وإذ قد اصطلحأرباب البديعيات على جعل مراعاة النظير نوعا برأسه، وكل من ائتلاف اللفظوالمعنى، وائتلاف اللفظ مع اللفظ، وائتلاف المعنى مع المعنى، نوعا برأسه، فينبغيأن يحد كل منها بحد لا يشمل الآخر.
فيحد مراعاة النظير: بأنه عبارة عن أن يجمع المتكلم بين لفظين أو ألفاظ متناسبةالمعاني، أما حقيقة أو ظاهرا. فالأول كقوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) . فالشمس والقمر متناسبا المعنى حقيقة، من حيث اشتراكهما في وصف مشهور،وهو الإضاءة.
والثاني كقول مهيار الديلمي:
ومدير سيان عنياه والإبريق فتكا ولحظه والمدام
فمعنى الإبريق مناسب لمعنى المدام، إذ الإبريق يطلق على إناء الخمر، لكن هذهالمناسبة ظاهرية، إذ ليس مقصوده بالإبريق هذا المعنى، بل مقصوده به السيف،سمي بذلك لبريقه، فخرج عن هذا الحد لمراعاة النظير؛ ائتلاف اللفظ مع المعنى،وائتلاف المعنى مع المعنى، وسيأتي كل منهما في محله إن شاء الله تعالى.
[١٩٤]
وأما ائتلاف اللفظ مع اللفظ فيحد بما ذكره العلامة السيوطي في الإتقان، وهوكون الألفاظ تلائم بعضها بعضا، بأن يقرن الغريب بمثله والمتداول بمثله، رعايةلحسن الجوار والمناسبة، وهذه المناسبة غير المناسبة التي في مراعاة النظير - كما هو ظاهر - فاستقل كل نوع من هذه الأنواع برأسه، وكان كل منها مغايراللآخر.
وتكلف الشيخ صفي الدين للفرق بين مراعاة النظير وائتلاف اللفظ مع اللفظ بمايأتي ذكره هناك، ولم يذكر بين النوعين الآخرين وبين مراعاة النظير فرقا، معشمول حده مراعاة النظير لهما، وعده كلا منهما قسما برأسه.
ومن بديع أمثلة هذا النوع - أعني مراعاة النظير - قول البحتري يصف إبلا أنحلهاالسري:
يترقرقن كالسراب وقد خض ... ن غمارا من السراب الجاري
كالسقي المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار
فإنه شبه الإبل بالقسي، وأراد أن يكرر التشبيه فكان يمكنه أن يشبهها بالمعراجينوالأهلة والأطناب ونحو ذلك، لكنه اختار الأسهم، والأوتار، لمناسبتها للقسي. وترقى في التشبيه، فكأنه قال: إن تلك الإبل المهازيل في شكلها، ودقة أعضائها،شابهت القسي، بل أدق مها وهي الأسهم المنحوتة بل أدق منها وهي الأوتار.
وقد تداول الشعراء هذا المعنى، وتجاذبوا أطرافه، ومن ذلك قول الشريف الرضيرضي الله عنه:
هن القسي من النحول فإن سما ... طلب فهن من النجاء الأسهم
أخذه بان قلاقس بأكثر ألفاظه فقال:
خوص كأمثال القسي نواحلا ... فإذا سما طلب فهن سهام
وقال أيضًا:
طرحن العجز عن أعجاز عيس ... توشحها على الحزم الحزاما
وتدفع بالسرى منها قسيا ... فتقذف بلانوى منها سهاما
وقال ابن النبيه:
إن خوص الظلماء أطيب عندي ... بمطايا أمست تشكى كلاله
هن مثل القسي شكلا ولكن ... هن في السبق أسهم لا محاله
ومن أحسن ما ورد من مراعاة النظير أيضًا قول ابن خفاجة يصف فرسا:
وأشقر تضرم منه الوغى ... بشعلة من شعل الباس
من جلنار ناضر جلده ... وأذنه من ورق الآس
فناسب بين الجلنار والآس والنضارة ومثله قول أبي نواس:
يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب
يبكي فيذري الدمع من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
وقول ابن المعتز:
ومهفهف ألحاظه وعذاره ... يتعاضدان على قتال الناس
سفك الدماء بصارم من نرجس ... كانت حمائل غمده من آس
وقول أبي الحسن السلامي:
أو ما ترى طرز البروق توسطت ... أفقا كأن المزن فيه شفوف
واليوم من خجل الشقيق مضرج ... خجل ومن مرض النسيم ضعيف
والأرض طرس والرياض سطوره ... والزهر شكل بينها وحروف
فناسب بين الطرس والسطور، والشكل والحروف.
ومثل قوله أيضًا من قصيدة أخرى:
أشربا واسقيا فتى يصحب الأي ... أم نفسا كثيرة الأوطار
والنفوس الكبار تأنف للسا ... دة أن يشربوا بغير الكبار
في جوار الصبا نحل بيوتا ... عمرت بالغصون والأقمار
ونصلي على أذان الطنابي ... ر ونصغي لنغمة الأوتار
بين قوم إمامهم ساجد لل ... كاس أوراكع على المزمار
فناسب بين الصلاة والآذان، والسجود والركوع.
وقوله أيضًا:
والنقع ثوب بالسيوف مطرز ... والأرض فرش بالجياد مخمل
وسطور خيلك إنما ألفاتها ... سمر تنقط بالدماء وتشكل
فناسب بين الثوب والتطريز، والفرش والتخميل، وبين السطور والألفات والنقطوالشكل.
ومثل هذه المناسبة قول الوزير الطغرائي:
لبس شفوف النقع تخمل بالقنا ... عليهن إضريج من الدم مخضوب
عليها سطور الضرب يعجمها القنا ... صحائف يغشاها من النقع تثريب
فناسب في البيت الأول: بين اللبس والشفوف والخمل، والإضريج - بالضادالمعجمة والراء المهملة والياء المثناة من تحت والجيم - وهو الخز الأحمر. وفيالثاني: بين السطور والإعجام، والصحائف والتثريب.
ومن جيد هذا النوع قول السلامي أيضًا:
الحب كالدهر يعطينا ويرتجع ... لا اليأس يصرفنا عنه ولا الطمع
صحبته والصبا يغري الصبابة بي ... والوصل طفل غرير والهوى يفع
[١٩٥]
أيام لا النوم في أجفاننا خلس ... ولا الزيارة من أحبابنا لمع
إذ الشبيبة سيفي والهوى فرسي ... ورايتي اللهو واللذات لي شيع
وما ألطف قول ابن الساعاتي في مثل هذه المناسبة:
السحب رايات ولمع بروقها ... بيض الظبا والأرض طرف أشهب
والند قسطلة وزهر شموعنا ... صم القنا والفحم نبل مذهب
وما أبدع قول بعضهم في آل بيت النبي صلوات الله عليهم:
أتنم بنو طه ونون والضحى ... وبنو تبارك والكتاب المحكم
وبنو الأباطح والمشاعر والصفا ... والركن والبيت العتيق وزمزم
فإنه أحسن في المناسبة في الأول: بين أسماء السور، وفي الثاني: بين الجهاتالحجازية.
ومثله قول الآخر في بني هاشم:
بني هاشم عفو عفا الله عنكم ... وإن كان ثوبي حشوه اليوم مجرم
لكم حرم الرحمن والبيت والصفا ... وجمع وما ضم الحطيم ومزم
فإن قلتموا باديتنا بعظيمة ... فأحلامكم فيها أجل وأعظم
وقول ابن رشيق:
أصح وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
فأجاد ما شاء في المناسبة بين الصحة والقوة، والرواية والخبر المأثور، ثم بينالسيل والحياء، والبحر وكف تميم، لما شاع بين الشعراء من جعل كف الممدوحسحابا وبحرا ونحوهما، مع ما فيه من حسن الترتيب في الرتقي، إذ جعل الروايةلصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث. فإن السيول أصلها المطر، والمطرأصله البحر (على ما يقال) والبحر أصله كف الممدوح على ادعاء الشاعر، مع رعايةالعنعنة المستعملة في الأسانيد.
قال ابن حجة في باب المناسبة - بعد ذكره هذين البيتين - أقول: إنني زاحمت ابنرشيق هنا بالمناكب، وأبطلت موانع التعقيد لما دخلت معه إلى هذه المطالب،وما ذاك إلا أنني امتدحت شيخي علاء الدين القضامي بموشح ببيت مخلصه تحفةفي هذا الباب، لأن مناسبته المعنوية رفعت عن وجه محاسنها الحجاب، وهو:
رقم السوالف يروي لي بمسنده ... عن رقمتي حيهم يا طيب مورده
وثغرها قد روى لي قبل ما احتجبت ... عن برق ذاك النقا أيام معهده
والريق أمسى عن المرد ... يروي حديث العذيب مسند
عن الصفا عن مذاق الشهد والعسل ... عن ذوق سيدنا قاضي القضاة علي
قال: وقد حبست عنان القلم عن الاستطراد إلى وصف محاسن هذا البيت،ومناسبته المعوية، فإن برهانه غير محتاج إلى إقامة دليل. انتهى كلامه.
قلت: هيهات، أين الثريا من الثرى، وأين مطلع سهيل من موقع السيل، على أنهذه الرواية المعنعنة التي ذكرها في مخلصه هذا إنما كانت تحسن عن ذوقالمحبوب، لا ذوق الممدوح، وهذا من الغلط بوضع الكلام في غير موضعه.
كما قالوا في قول المتنبي:
أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين
قالوا: إن هذه الغيرة إنما تكون بين المحب والمحبوب، كما قال كشاجم:
أغار إذا دنت من فيه كأس ... على رد يقبله زجاج
فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاهها، اللهم إلا أن يكون بين ابنحجة وبين شيخه الممدوح أمر يقتضي هذه الرواية المعنعة عن ذوقه، فهو أدرىبه.
ومن محاسن هذا النوع أيضًا قول ابن الخشاب في المستضيئ:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت دون الورد وقفة حائم
ظمآن أطلب خفة من زحمة ... والورد لا يزداد غير تزاحم
قال صاحب التبيان: انظر إلى هذين البيتين فإنهما كادا يجريان مع الماء فيالسلاسة، مع أن قائلهما لم يتجانف فيهما عن حكاية الماء، وما يناسبه، حتى عدفيهما ائتلاف عشر. انتهى. أي ائتلافا بين عشرة أشياء، هي: الورد، والسلسال،والارتواء، والورد، والحائم، والظمأ، والخفة؛ والزحمة، ثم الورد مرة أخرىوالتزاحم.
وقال أبو العلاء المعري:
دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطوال الردينيات فافتخر
فهن أقلامك اللاتي إذا كتبت ... مجدا أتت بمداد من دم هدر
فناسب بين الأقلام والكتابة والمداد.
ومثله قول أبي العشائر:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط
لرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط
[١٩٦]
ألفاظ المناسبة في هذا أكثر كما لا يخفى، فإنها هناك ثلاثة، وهنا خمسة.
ومن أعجب ما وقع في هذا النوع قول الشريف الرضي رضي الله عنه:
حيرني روض على خده ... ويلي من ذاك وويلي عليه
أي جنى يقطف من حسنه ... وكل ما فيه حبيب إليه
نرجستي عينيه أم وردتي ... خديه أم ريحانتي عارضيه
هذا هو الشعر الذي قيل فيه: إنه أرق أنفاسا من نسيم السحر، وأدق اختلاسا منالنفاث إذا سحر.
وقول ابن زيلاق في مليح محروس بخادم:
ومن عجب أن يحرسوك بخادم ... وخدام هذا الحسن من ذاك أكثر
عذارك ريحان وثغرك جوهر ... وخالك ياقوت وخدك عنبر
فناسب بين العذار والثغر، والخال والخد، وبين ريحان وجوهر، وياقوت وعنبر،لوضعها غالبا أسماء للخدام.
وما أحسن قول الزغاري في هذا النوع:
كأن السحاب العز لما تجمعت ... وقد فرقت عنا الهموم بجمعها
نياق ووجه الأرض قعب وثلجها ... حليب وكف الريح حالب ضرعها
فإنه أتى بالتشبيه الغريب، وحسن المناسبة العديمة النظير في مراعاته مع حلاوةالانسجام، ولطف المعنى.
ومن بديعه قول الشيخ عمر بن الفارض:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
فأبدع في المناسبة بين البدر والشمس والهلال والنجم، وبين الكأس والإدارةوالمزج.
ومن الغايات التي حسرت دونها سوابق الأفكار في هذا النوع البديع، قول البديعالهمداني من قصيدة يمدح بها خلف بن أحمد وإلى سجستان مطلعها:
سماء الدجى ما هذه الحدق النجل ... أصدر الدجى حال وجيد الضحى عطل
وبعده يصف طول السرى وهو المقصود بالإثبات هنا:
لك الله من عزم أجوب جيوبه ... كأني في أجفان عين الردى كحل
كأن الدجى نقع وفي الجو حومة ... كواكبه جند طوائرها الرسل
كأن مطايانا سماء كأننا ... نجوم على أقتابها برجنا الرحل
كأن السرى ساق كأن الكرى طلا ... كأنا له شرب كأن المنى نقل
كأن الفلا ناد به الجن فتية ... عليه الثرى فرش حشيته رمل
كأنا جياع والمطي لنا فم ... كأن الفلا زاد كأن السرى أكل
كأن ينابيع الثرى ثدي مرضع ... وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل
كأنا على أرجوحة في مسيرنا ... بغور بنا يهوي ونجد بنا يعلو
ومنها في وصف براعته، ودواته ويراعته، ولم يخرج عما نحن فيه:
كأن غمي قوس لساني له يد ... مديحي له نزع به أملي نبل
كأن دواتي مطفل حبشية ... كأني لها بعل ونقشي لها نسل
كأن يدي في الطرس غواص لجة ... له كلمي در به قيمي تغلو
تأمل أيها الناظر في هذه العارضة القوية، والملكة التي لا يستطيعها ذو بديهة ولاروية، فإنه ما شاد بيتا إلا وعمره بمحاسن مراعاة النظير، وأسكن فيه ما يلائمه منالمناسبات التي يحسدها الروض النضير. وأنا ما زلت معجبا بهذه القصيدة أشدالإعجاب، مشغوفا بمحاسنها التي ما خرق مثلها للسمع حجاب.
وقد عن لي أن أثبت بقية ما حضرني منها هنا، لينتظم شملها بما قبلها ويتملى بهامن أراد أن يتأملها - وإن كان بعضها قد سبق ذكره في نوع التفويف - فما أحسنقوله بعد ما تقدم من التشبيه يذكر أباه بهمدان، واستقباله الحجيج للسؤال عنخبره، والبحث عن وطنه ووطره.
ثم تخلص إلى المديح أحسن تخلص، وجاء من المديح بما بهر الألباب، واستفزأولي الآداب، وهو:
يذكرني قرب العراق وديعة ... لدى الله لا يسليه مال ولا أهل
حنته النوى بعدي وأضنته غيبتي ... وعهدي به كالليث جؤجؤه عبل
إذا ورد الحجاج لاقى رفاقهم ... بفوارتي دمع هما النجل والسجل
يسائلهم أين ابنه كيف داره ... إلى م انتهى لم لم يعد هل له شغل
أضاقت به حال أطالت له يد ... أأخره نقص أقدمه فضل؟
يقولون وافى حضرة الملك الذي ... له الكنف المألوف والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبي ... وخير له قصر ودر له نزل
يذكرهم بالله ألا صدقتم ... لدي أجد ما تقولون أم هزل؟
كأن أبانا أودع الملك الذي ... قصدناه كنزا لم يسع رده مطل
[١٩٧]
ولما بلوناكم تلونا مديحكم ... فيا طيب ما نبلو ويا صدق ما نتلو
طوينا لرؤياك الملوك وإنما ... بمثلك عن أمثالهم مثلنا يسلو
فدى لك من أبناء دهرك من غدا ... ولا قوله علم ولا فعله عدل
فيا ملكا أدنى مناقبه العلى ... وأيسر ما فيه السماحة والبذل
هو البدر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
محاسن يبديها العيان كما ترى ... فإن نحن حدثنا بها دفع العقل
فقولا لو سام المكارم باسمه ... ليهنك إذ لم تبق مكرمة غفل
وجاراك أفراد الملوك إلى مدى ... وحقا لقد أعجزتهم ولك الخصل
سما بك من عمرو بن يعقوب محتد ... كذا الأصل مفخورًا به وكذا النسل
هذا هو الشعر الذي يخجل الدرر في الأسلاك، بل الدراري في الأفلاك. ولا غرو فهذاالبديع هو إمام المقامات الذي صلى الحريري خلفه، وأشار إليه في ديباجةمقاماته بقوله: إن التصدي بعده لإنشاء مقامة، ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف إلامن فضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته ولله القائل:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدي شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
فإن البديع هو الذي أبدع المقامات، فأملى أربعين مقامة، عزا إلى أبي الفتحالإسكندري نشأتها، وإلى عيسى بن هشام روايتها، وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذالأعين، من لفظ أنيق قريب المأخذ بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع والمقطعكسجع الحمام، وجد يروق فيملك القلوب، وهزل يشوق فيسحر العقول. فقفىالحريري إثر عيسى بن هشام بالحرث ابن همام، وأثر الإسكندري بأبي زيدالسروجي.
وسئل بعض علماء الأدب عن الحريري والبديع في مقاماتهما فقال: لم يبلغالحريري أن يسمى بديع يوم، فكيف يقارب بديع الزمان.
رجع إلى ما نحن بصدده من حسن المناسبة في مراعاة النظير.
فمن المستحسن منه قول بديع الزمان أيضًا في الاعتذار من النحافة:
هلم إلى نحيف الجسم مني ... لتنظر كيف آثار النحاف
ولي جسد كواحدة المثاني ... له كبد كثالثة الأثافي
وما أحسن ما ناسب بين ألفاظ الأعداد وترقى فيها من الواحد إلى الثلاثة علىترتيبها، بمعنى يجمعها ويضم أطرافها. قال الباخرزي في الدمية: ولا يكاد ينقضيإعجابي بهذا البيت.
ومنه قول أبي منصور الثعالبي:
طالع يومي غير منحوس ... فسقني يا طارد البوس
خمرا كعين الديك في روضة ... كأنها حلة طاووس
وما ألطف وأبدع قول ابن مطروح:
لبسنا ثياب العناق ... مزررة بالقبل
ومثله قول العماد التلمساني:
شقت عليك يد الأسى ... ثوب الدموع إلى الذيول
وأبدع القاضي الفاضل في قوله:
في خده فخ لعطفة صدغه ... والخال حبته وقليب الطائر
ومنه قول الأديب أبي القاسم بن العطار:
وسنان ما أن يزال عارضه ... يعطف قلبي كعطفة اللام
لحاظه أسهم وحاجبه ... قوس وإنسان عينه رام
وقول التهامي:
وعصابة مال الكرى برؤوسهم ... ميل الصبا بذوائب الأغصان
ما أحلى ما ناسب بين العصابة والرؤوس والذوائب. قال الصفدي: وهذا المعنىوالألفاظ تكاد ترقص لها السطور، وتحلى بدرره الترائب من الغواني والنحور.
وما أعلم مثله في بديع صناعته غير قول أبي الطيب المتنبي:
على سابح موج المنايا ببحره ... غداة كأن النبل في صدره وبل
فإنه ناسب فيه بين السابح والموج، والبحر والوبل.
ومنه قول الأديب الفاضل شرف الدين يحيى العصامي من فضلاء العصر:
سفينة أشعار هي البحر درها ... نتائج أفكار وشتى معارف
بها اللفظ كأس والمعاني مدامة ... وما ذاق منها نشوة غير عارف
وعلى ذلك فما ألطف قوله أيضًا:
رأى سقم الكتاب فمال عنه ... سقيم الجفن ذو حسن بديع
فقلت له فدتك النفس هلا ... مراعاة النظير من البديع
ومما وقع لي من هذا النوع قولي من قصيدة طويلة مدحت بها الوالد:
كأن المذاكي المقربات يقودها ... عرائس تجلى إذ يراد لها زف
وقد أسدلت من ثائر النقع دونها ... ستور ولم يرفع لمسد لها سجف
فناسب بين العرائس والزف، والستور والأسدال والسجف.
[١٩٨]
وقولي في مطلع قصيدة أخرى خمرية:
طاف بدر الدجى بشمس الكؤوس ... في نجوم من الندامى جلوس
وقلت بعده:
فكأن المدام في الكأس إذ تج ... لى سراج يضيء في فانوس
قهوة عسجدية من كناها ... بنت رأس مقرها في الرؤوس
هي لهو لنا إذا حلت الكا ... سولاه في دنها للمجوس
لقبت بالعجوز وهي عروس ... فاعجب اليوم للعجوز العروس
هذا المعنى ما أظن أني سبقت إليه، ولا زاحمني أحد عليه، وكررته في قصيدةخمرية أخرى.
فقلت:
جليت كالعروس وهي عجوز ... من عذيري من العروس العجوز
وقلت بعد البيت السابق وفيه شاهد لما نحن فيه أيضًا:
قام يسعى بها كعين الديك ساق في حلة الطاووس
ذو دالالة يبدي نفيس جمال ... فيفدى بغاليات النفوس
راضه السكر فاقتنى الرشأ الوحشي أنسا من خلقه المأنوس
بين حور من الحسان بدور ... وحوال من الغواني شموس
ورياض بها الأقاح ثغور ... يتبسمن في الزمان العبوس
يا ليالي الهنا إلينا فأنا ... في زمان المدام من كل بوس
قد حسونا من السلاف رضابا ... ورشفنا الثغور رشف الكؤوس
وجمحنا عن الهموم شماسا ... مذ غدونا على الكميت الشموس
هذا أيضًا فيه حسن المناسبة بين الجموح والشماس، والكميت والشموس.
وأما النوع الثاني من مراعاة النظير، وهو ما كانت المناسبة فيه ظاهرية فأعظمشواهده قول أبي العلاء المعري:
وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غيره النقط
فإنه ناسب بين حروف الهجاء والرسم والنقط، ومقصوده غيرها، لأنه أراد(بالحرف) الناقة و(بالراء) الراكب الذي يضرب رئتها، و(بالدال) الرافق بها،و(بالرسم) رسم المنزل، و(بالنقط) المطر.
ومثله قوله أيضًا:
إذا صدق الجد افترى العم للفتى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال
فناسب في الظاهر بين الجد الذي هو أب الأب، والعم الذي هو أخوه، والخالالذي هو أخو الأم، وليس ذلك مقصوده، بل أراد (بالجد) الحظ و(بالعم) الجماعةمن الناس، و(بالخال) الظن. ولا يخفى أن هذا النوع من التورية، وسيأتي الكلامعليه في محله إنشاء الله تعالى.
واعلم أن الشاعر متى أدخل بين الألفاظ المناسبة لفظا غير مناسب عد نقصا وعيباكما عيب على أبي نواس قوله:
قد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب
برب زمزم والحو ... ض والصفا والمحصب
فإن ذكر الحوض هنا غير مناسب للمذكورات، وإنما يناسب الحشر والميزانوالسراط.
وكذا يعاب على الشاعر إذا قرن بين لفظين غير متناسبين. كما حكى ابن جني أنهاجتمع الكميت مع نصيب، فأنشد الكميت (هل أنت عن طلب الإيفاع منقلب) .
حتى إذا بلغ إلى قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الدل والشنب
عقد نصيب بيده واحدا، فقال الكميت: ما هذا؟ فقال: أحصي خطأك تباعدت فيقولك: الدل والشنب.
ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
وهذا مما يدلك على أن المحسنات البديعية كانت معتبرة عند العرب وأنهميهتمون بها ويعدون خلافها خطأ وعيبا في الكلام.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
تجار لفظ إلى سوق القبول بها ... من لجة الفكر تهدي جوهر الكلم
المناسبة فيه بين التجار والسوق، واللجة والجوهر.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
يروي حديث الندى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهل ومبتسم
قال رفيق الناظم - أبو جعفر - شارح هذه البديعية: العنعنة في البيت ب (عن)تناسب الرواية في الحديث، والندى والبشر فيهما مناسبة الكرم. انتهى.
قال ابن حجة: هذا لعمري جهد من لا جهد له، وإلا فهذا البيت ما رأيت له وجهاتظهر به مراعاة النظير، ولا بينه وبين النسبة البديعية نسب ثابت. انتهى.
وأنا أقول: إن المناسبة في البيت أظهر من أن تخفى، ولا أعلم كيف لم يبينهاالشارح بأكثر مما ذكر. فإن بين الرواية والحديث وعن مناسبة - كما قال - وبينالبشر والوجه والابتسام مناسبة أخرى ظاهرة لم ينبه عليها الشارح، ولم يرها ابنحجة، مع أن الأعمى إنما هو الناظم.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
[١٩٩]
وارع النظير من القوم الآلي سلفوا ... من الشباب ومن طفل ومن هرم
المناسبة فيه ظاهرة وهي بين الشباب والطفل والهرم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ذكرت نظم اللآلي والحباب له ... راعى النظير بثغر منه منتظم
المناسبة بين نظم الآلي والحباب والثغر المنتظم، ومعنى البيت أنه ذكر الآليوالحباب لمحبوبه، فراعى النظير بثغر منه منتظم، كأنه تبسم عند ذكر ذلك له.
فكان يجب عطف قوله: راعى النظير (بالفاء) على قوله (ذكرت) كما قدرناه ليفهمالمعنى ويصح التركيب، والوصل بين الجملتين بالعطف متعين في مثل هذاالتركيب عند أرباب المعاني، وبسبب هذا الفصل خفي معنى البيت على بعضالأدباء، فأعرب الحباب مبتدأ، وجعل قوله: راعى النظير خبره وأعاد الضميرالمستتر (في راعى) على الحباب، واستعار له الثغر، وهذا خبط منه سببه هذاالفصل القبيح والصواب ما ذكرناه أولا.
ولا أعجب إلا من إعجاب ابن حجة بهذا البيت حتى قال: إن مهجته ذابت لعدمالإطناب في مدحه، مع أن ما ذكره فيه فوق الإطناب والله أعلم.
والشيخ عبد القادر الطبري جمع بين هذا النوع والتخلص في بيت واحد فقال:
راعي النظير طوى نشر العلى عملا ... رام التخلص للمختار في الأمم
ليس في هذا البيت من مراعاة النظير شيء أصلا غير الاسم، وأما قوله: طوى نشرالعلى فهو مطابقة لا مناسبة، وقد تقدم تقييدهم المناسبة في هذا النوع بكونها لابالتضاد، احترازا من المطابة. وأما معنى البيت فعلمه عند ربه. وما أقبح هذاالتخلص الذي أتى به، فإن الاقتضاب أحسن منه بكثير.
وبيت بديعيتي هو قولي:
وقد قصدت مراعاة النظير لهم ... من جلنار ومن ورد ومن عنم
المناسبة بين الجلنار والورد والعنم ظاهرة، لكن في تناسب هذه الثلاثة في اللونوهو الحمرة مناسبة معنوية أخرى، والعنم قال في القاموس: شجرة حجازية لهاثمرة حمراء يشبه بها البنان المخضوب.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
قلبي الكليم بموسى اليأس من خضر ... هود بإسحاقه عيسا خليلهم
مراعاة المناسبة في هذا البيت من النوع الثاني من مراعاة النظير، فإنه ناسب فيالظاهر بين أسماء الأنبياء عليهم السلام، ومقصوده غيرها.
قال ناظمه في شرحه: معناه، قلبي الكليم، أي الجريح، بموسى اليأس هنا ضدالرجاء واستعار له موسى يجرح بها، وقوله: من خضر، صفة محبوبه. ثم قال: (هودبإسحاقه عيسا خليلهم) فعيسا: تثنية عيس وهي الإبل، والإسحاق: الإبعاد، وهاد:إذا رجع.
يقول: إن الإبل هود بإبعاده، أي راجعة بإبعاده. يقال: هادت الإبل تهود هودا، فهيهود، إذا رجعت. انتهى بنصه.
ولعمري لقد تكلف الشيخ في هذا البيت ما شاء، والسهولة والانسجام غير هذا.
التوجيه
رفعت حالي إليهم إذ خفضت وقد ... نصبت طرفي إلى توجيه رسلهم
التوجيه، قال ابن حجة: مصدر توجه إلى ناحية كذا، إذا استقبلها وسعى نحوها. انتهى.
وهو غلط واضح دل على عدم معرفته باللغة والصرف، وإنه كان فيهما راجلا جدا،إذ لا يخفى على أصغر الطلاب أن التوجيه مصدر وجهه إلى كذا توجيها، كما يقال:وجهت وجهي لله سبحانه. وقد يقال: وجهت إليك، بمعنى توجهت، لازما. وأماتوجه، فمصدره التوجه، وهذا أمر قياسي ولا يحتاج فيه إلى سماع.
قال ابن مالك في الخلاصة:
وغير ذي ثلاثة مقيس ... مصدره كقدس التقديس
وزكه تزكية وأجملا ... إجمال من تجملا تجملا
قال ابنه في شرحها: إن كان الفعل على فعل فمصدره من الصحيح اللام، علىتفعيل نحو قدس تقديسا، وعلم تعليما. ومن المعتل على تفعلة، نحو زكى تزكية،وغطى تغطية. وإن كان على تفعل فمصدره على تفعل، نحو تجمل تجملا، وتعلمتعلما، وتفهم تفهما. انتهى.
وابن حجة لم يتعلم ولم يتفهم، فجعل التوجيه مصدر توجه، قولا بغير علم.
وأما التوجيه في اصطلاح البديعيين فهو عند جماعة كالسكاكي، والخطيبوالطيبي اسم لمسمى الإبهام المتقدم ذكره، وهو إيراد الكلام محتملا لمعنيينمتضادين لا يتميز حدهما عن الآخر، كالمديح والهجاء وغيرهما، والإبهام عندهؤلاء: اسم مرادف للتورية لا لهذا المعنى.
[٢٠٠]
وجاء جماعة من المتأخرين فجعلوا الإبهام اسما لإيراد الكلام محتملا لمعنيينمتضادين، لأنهم رأوا أن هذا الاسم أليق بهذا المسمى من التوجيه وقد مر الكلامعلى الإبهام بهذا المعنى مستوفى في محله مع ذكر شواهده. وجعلوا التوجيهعبارة عن أن يؤلف المتكلم مفردات بعض كلامه أو جمله، ويوجهها إلى أسماءمتلائمة من أسماء الأعلام، أو قواعد العلوم، أو غيرها توجيها مطابقا لمعنى اللفظالثاني من غير اشتراك حقيقي بخلاف التورية. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين التوريةخلافا لمن أدخله فيها. وسيأتي مزيد بيان للفرق بينهما في أواخر هذا الباب إنشاء الله تعالى.
وهذا الحد للتوجيه هو مذهب الشيخ صفي الدين الحلي، وعليه نشج بيتبديعيته، وهي نتيجة سبعين كتابا في هذا الفن، وعلى منواله نسج ابن حجةبديعيته، وكذا الشيخ عبد القادر الطبري، والعلوي، وهو الطريق الذي سلكته أناأيضًا في بيت بديعيتي كما سيأتي فمن التوجيه بأسماء الأعلام قول الشيخ علاءالدين الوداعي وأجاد ما شاء:
من أم بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن
الشيخ علاء الدين أحرز قصبات السبق في مضمار هذا النوع بهذين البيتين،وأبدى بهذا التوجيه وجوها أسفرت عن محاسن هي شنوف للسمع وقرة للعين،وبمثل طيب هذه الآثار فليتمسك الأديب، وبنحو هذه الرواية فليتوثق الأريب، ولاغرو أن صدرناهما على سائر الشواهد في هذا الباب، فاستحقاقهما للتصديرمعترف به عند أولي الألباب.
وما أحسن مناسبته بين القرة والعين، والصلة والكف، والجبر والقلب والسمعوالحسن.
أما قرة فقال ابن حجة: هو قرة بن خالد السدوسي. وليس بمتعين لأنه اسملجماعة من الرواة منهم قرة بن أياس أبو معاوية المزني، له صحبة عنه ابنه،ومنهم قرة بن موسى الهجيمي، وعنه قرة بن خالد، ومنهم قرة بن بشر الكلبي، عنأبي برده، وعنه أخوه إسماعيل بن أبي خالد.
وأما صلة، فقال بن حجة: هو صلة بن أشيم العدوي، كان من كبار التابعين،والأولى أن يكون صلة بن زفر العبسي لأنه أشهر من ذاك وقد روى عن علي عليهالسلام وعبد الله وعمار.
وأما جابر فهو اسم لجماعة كثيرين من الرواة أعظمهم جابر بن عبد الله صاحبرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما الحسن فقال ابن حجة: هو الحسن البصري، وليس بمتعين أيضًا لكثرة الرواةالمسمين بهذا الاسم، ومنهم صحابيون، فتخصيصه بالحسن البصري لا وجه له.
والوادعي المذكور صاحب البيتين هو الشيخ علي بن المظفر بن إبراهيم الكنديالإسكندراني.
وعلى ذكره، فقد اتفقت لي نكتة لطيفة لا بأس بذكرها هنا استطرادا وهي: أنيكنت في بعض الأيام في مجلس مع بعض الأصحاب، فتجاذبنا أهداب الصحبةوالحديث من قديم وحديث، فكان في جملة ما حدثني به أن قال: أني دخلتشيراز في أيام الشبيبة مع رفقة لي فرأينا في بعض مساجدها أيام مولد النبي صلىالله عليه وآله وسلم شيخا كبيرا من أهل العجم أناف سنه على التسعين، وجفمن ماء عمره العذب المعين، وهو يقرأ في المولد، فبينا نحن جلوس إذ وضععمامته عن رأسه فبدت له ذؤابة بيضاء تنوس عذبتها. قال: فاستغربنا في الضحكمن ذلك، إذ لم نعهد الذؤابة في بلادنا إلا للصبيان، فضحكت أنا من هذه الحكاية،واستطرفت هذه الرواية.
فلم يمض على ذلك يوم أو يومان حتى وقفت في الدرر الكامنة - تاريخ أهل المائةالثامنة - للحافظ بن حجر العسقلاني، على ترجمة الشيخ علاء الدين الوداعيالمذكور، وقال فيها: وكانت له ذؤابة بيضاء إلى أن مات، وفيها يقول:
يا عائبا مني بقاء ذؤابتي ... مهلا فقد أفرطت في تعييبها
قد واصلتني في زمان شبيبتي ... فعلام أقطعها أوان مشيبها
فتعجبت في نفسي من هذا الاتفاق، وقلت: إن هذين البيتين قاما لذلك الرجلالعجمي مقام العذر، وكان له أسوة في إبقاء ذؤابته بالشيخ علاء الدين رحمه اللهتعالى.
قال ابن حجة: كانت وفاة الشيخ علاء الدين المذكور في رجب سنة ست عشرةوسبعمائة.
قال: وكان شديدا في مذهب التشيع رحمه الله تعالى. انتهى.
رجع. ومن التوجيه بأسماء الأعلام أيضًا قول ابن النقيب يهجو:
أرح ناظري من عابس الوجه يابس ... له خلق صعب ووجه مقطب
[٢٠١]
أقول له إذ آيستني صفاته ... وإن قيل أني في المطابع أشعب
متى يظفر الآتي إليك بسؤله ... وينجح من مسعاه قصد ومطلب
ولومك سيارٌ وشرك ياسر ... ووجهك عباس وخلقك مصعب
وقول محي الدين بن عبد الظاهر يصف نهرا:
إذا فاخرته الريح ولت عليلة ... بأذيال كثبان الربى تتعثر
به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به الروض يحيى وهو لا شك جعفر
ومثله قول بعضهم:
بخالد الأشواق يحيى الدجى ... يعرف هذا العاشق الوامق
خذوا حديث الوجد عن جعفر ... من دمع عيني إنه الصادق
وقلت أنا في التوجيه بأسماء الرواة:
صح عن جوده حديث العطايا ... مستفيضا ما بين باد وقار
كم رجاء فيه روى عن وفاء ... عن عطاء عن واصل عن يسار
فرجاء اسم لعدة من الرواة. ووفاء، هو وفاء بن شريح المصري، رو عن رويفع بنثابت وغيره، وعنه بكر بن سوادة، وزياد بن نعيم. وعطاء اسم لاثنين وعشرين راويا،منهم جلة أعلام كعطاء بن أبي رباح، وابن السائب الثقفي الكوفي، وعطاء بن يسار،كان من كبار التابعين. وواصل، اسم جماعة من الرواة أيضًا، منهم واصل بن حيانالأسدي، وابن السائب الرقاشي وابن عبد الأعلى. ويسار جماعة، منهم يسار بن زيدمولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، روى عن أبيه وعنه ابنه بلال، ويسار أبو نجيحروى عن ابن عباس وابن عمر.
فهذه خمسة من أسماء الرواة وقع بها التوجيه مع تمام المناسبة بينها وبينالمعنى المقصود.
ومنه قول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي من قصيدة يمدح بها الوالد:
كم للزمان ولا أخشى بوائقه ... من ضنةٍ ولعين الملك من جود
عف الشبيبة ميمون النقية منصور الكتيبة مأمون المواعيد
ومما علق بخاطري من هذه القصيدة قوله:
أخلاق أحمد في تقوى أبي حسن ... وحسن يوسف في ملك ابن داود
لا يحسن الشعر غلا في مدائحه ... كالدر أحسن ما يبدو على الجيد
ومن التوجيه بأسماء القبائل قول زين الدين بن الوردي وأجاد:
هويت أعرابية ريقها ... عذب ولي فيه عذاب مذاب
رأسي بنو شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب
ومن التوجيه بأسماء الرجال أيضًا قول بعضهم في الخمر:
تخبر عن نافع فإن قرأت ... لابن كثير روت لعباس
فهي لنا شمسة الزمان فما ... تكسف إلا بعقدة الرأس
وقول بعضهم:
سهري من المحبوب أصبح مرسلا ... وأراه متصلا بفيض مدامعي
قال الحبيب بأن ريقي نافع ... فاسمع رواية مالك عن نافع
وقول الوزير مؤيد الدين العلقمي رحمه الله تعالى:
ثراؤك موهوب وبرك كامل ... وحظك مسعود وفضلك منجح
وفعلك محمود ورأيك صالح ... ووجهك وضاح وسعيك مصلح
وطبعك مشكور وعرضك سالم ... وجدك منصور وراجيك مفلح
ومن التوجيه بأسماء الكتب أيضًا قول بعضهم:
وظبي معانيه معان بديعة ... له حار فكري إذ حوى كل معجز
قرأت مقامات الحريري كلها ... بعارضه مشروحة للمطرزي
وقول تقي الدين السروجي:
تفقهت في عشقي لمن قد هويته ... ولي فيه بالتحرير قول ومذهب
وللعين تنبيه به طال شرحه ... وللقلب منه صدق ود مهذب
وقول أمين الدين السليماني:
لو أنه الكشاف من لمع الهوى ... لرأى مفصل ذا الغرام ومجمله
أو لو رأى إيضاح نور جبينه ... جعل الوصال لعاشقيه تكمله
وقول بعضهم دوبيت:
الصب بحبكم عراه الوله ... في طوع هواكم عصى عذله
إيضاح غرامه غدا تكملة ... إذا صار مفصل الهوى مجمله
ومن التوجيه بأسماء سور القرآن قول السراج الوراق:
كل قلب علي كالصخر ملآ ... ن وهيهات أن تلين الصخور
مغلق الباب ما تلا سورة الفت ... ح وقاف من دونها والطور
وقول الشيخ علي بن ملك: ت
ألا يا بني الروم القتال فدونكم ... فأنا تدرعنا الحديد إلى الحشر
ولا زال آي الفتح تتلو رماحنا ... وأسيافنا تتلو بها سورة النصر
وقول الشيخ عبد الرحمن العباسي:
وزلزلة كادت تهد بعزمها ... أقاليم لا يبقى لها أبدا أثر
وواقعة قد صار منها تغابن ... على الروم لا تنفك أو يحصل الحشر
[٢٠٢]
لقد سئموا وقع الحديد فلا يرى ... لهم همة نحو القتال ولا كر
فائدة - قال الحافظ السيوطي في الإتقان: التوجيه بالألفاظ القرآنية في الشعروغيره جائز بلا شك.
وروينا عن الشريف تقي الدين الحسيني أنه لما نظم قوله:
مجاز حقيقتها فاعبروا ... ولا تعمروا هونوها تهن
وما حسن بيت له زخرف ... تراه إذا زلزلت لم يكن
خشي أن يكون ارتكب حراما باستعماله هذه الألفاظ القرآنية في الشعر فجاء إلىشيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد ليسأله عن ذلك، فأنشده إياهما فقال له:قل (فما حسن كهف له زخرف)، فقال له: يا سيدي أفدتني وأفتيتني. انتهى.
ولابن جابر قصيدة في التوجيه بجميع أسماء السور مدح بها النبي صلى الله عليهوآله وسلم وأولها:
في كل فاتحة للقول معتبره ... حق الثناء على المبعوث بالبقرة
وهي قصيدة طويلة ذكرها رفيقه في شرح بديعيته فلا حاجة بذكرها هنا، وعارضهاجماعة فما شقوا لها غبارا.
وما أحسن قول الآخر:
لي عبرة في المرسلات ومهجة ... في النازعات ومقلة في هل أتى
ومثله قول محمد بن عيسى الخالدي:
في النازعات غدا من باب يعشقكم ... والعاديات عليه منكم الحدق
وبالحديد تلاقوه إذا انفطرت ... أكباده وهو بالإخلاص يحترق
والذاريات جفوني حشوها أرق ... والمرسلات على الخدين تستبق
وقول الآخر:
إذا ما غدا مثل الحديد فؤاده ... فو العصر إن العاشقين لفي خسر
ومن التوجيه بأسماء المذاهب قول بعضهم:
قلت وقد لج في معاتبتي ... وظن أن الملال من قبلي
خدك ذا الأشعري حنفني ... وكان من أحمد المذاهب لي
حسنك ما زال شافعي أبدا ... يا مالكي كيف صرت معتزلي
ذكرت ما وقفت عليه في بعض الكتب الأدبية: إن بعض المغفلين سأل بعضالعلماء: إن الناس قد اختلفت مذاهبهم، فما مذهب الله تعالى؟ وما مذهبرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وما مذهب علي بن أبي طالب أمير المؤمنينعليه السلام؟ فقال له: الله مالكي، والنبي شافعي، وعلي إمامي، فاستحسن منههذا الجواب.
ومن التوجيه بقواعد العلوم قول القاضي شرف الدين المقدسي موجها بألفاظ منقواعد الفقه:
احجج إلى الزهر لتحظى به ... وارم جمار الهم مستنفرا
من لم يطف بالزهر في وقفة ... من قبل أن يحلق قد قصرا
وقول ابن جابر موجها بألقاب الحديث:
قالت أعندك من أهل الهوى خبر ... فقلت أني بذاك العلم معروف
مسلسل الدمع من عيني مرسله ... على مدبج ذاك الخد موقوف
وقلت أنا في ذلك وفيه نكتة لطيفة:
روى لنا المشط حديثا عجبا ... من فرعها الداجي كليل اليل
إذ أرسلته واردا مسلسلا ... فاعجب له من مرسل مسلسل
ومن التوجيه في علم النحو قول البوصيري في البردة:
خفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم
وقول أمين الدين علي السليماني:
أضيف الدجى معنى إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خص بالجر
وحاجبه نون الوقاية ما وفت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر
وقوله أيضًا:
نصبت على التمييز إنسان مقلتي ... أشاهد قدا منه نصبا على الظرف
أأخشى فراقا بعدها أو قساوة ... وقد جاء واو الصدغ للجمع والعطف
وقول ابن العفيف التلمساني:
ومستتر من سنا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في
كوى القلب مني بلام العذار ... فعرفني أنها لام كي
وما ألطف قول ابن الحنبلي:
ضممت إلى صدري فتاة صغيرة ... لها سحر أجفان خلون عن الذم
فمذ كسرت أجفانها قلت أنها ... على الفتح لم تقدر فمالي سوى الضم
ومن لطيف ما يحكى هنا: أنه كان بالعراق عاملان أحدهما اسمه عمر والآخر اسمهأحمد، وكان عمر عادلا في حكومته، لكنه فقير، وكان لأحمد مال ينفقه على منيسعى له في الولاية. فعزل عمر عن ولايته، واستقر أحمد مكانه بسبب المال.
فقال بعض الشعراء في ذلك:
أيا عمر استعد لغير هذا ... فأحمد بالولاية مطمئن
فإن تك فيك معرفة وعدل ... فأحمد فيه معرفة ووزن
ونحو ذلك قول كمال الدين الشرفي في قاض عزل اسمه أحمد الرازي:
[٢٠٣]
يا أحمد الرازي قم صاغرا ... عزلت عن أحكامك المسرفه
ما فيك إلا الوزن والوزن لا ... يمنعك الصرف بلا معرفه
ومثله قول ابن عنين فيمن عزل عن وظيفته وكانت سيرته غير مشكورة:
شكى ابن المؤيد من عزله ... وذم الزمان وأبدى السفه
فقلت له لا تذم الزمان ... فتظلم أيامه المنصفه
ولا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفة
وقال الغزي:
غيري له المجد والأيام تقسم بي ... وهي الجديرة بالضيزى من القسم
أظنها أقسمت باسمي لتخفضني ... ولم يكن غير فضلي أحرف القسم
ومن أحسن ما يقع في هذا الباب ما وافقت ألفاظه صفاتها، كأن يكون الموصوفبأسماء أدوات الإعراب لفظة معربة بها.
قال الصلاح الصفدي: لم أر من استعمل هذا المعنى وأتى به كاملا غير الشهابالتلعفري في قوله:
وإذا الثنية أشرقت وشممت من ... أرجائها أرجا كنشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حد ... يثها المرفوع عن ذيل الصبا المجرور
فانظر كيف نصب الهضب، ورفع الحديث، وجر ذيل الصبا. وهذا في غاية الحسنمع كمال الانسجام وعدم التكلف في التركيب.
وقد نظم هذا المعنى التلعفري أيضًا فقصر عن هذه الغاية في قوله:
قل للصبا سرا فإن لها شذى ... يضحى لما يفضي إليه مذيعا
يا ذيلها المجرور عن هضب الحمى ال ... منصوب هات حديثها المرفوعا
قلت: وقد شن الغارة الشيخ صفي الدين الحلي على الشهاب التلعفري حيث قالفي رياض الميطور بدمشق:
إن جزت بالميطور مبتهجا به ... ونظرت ناضر دوحه الممطور
وأراك بالآصال خفق هوائه ال ... ممدود تحريك الهوى المقصور
سل بأنه المنصوب أين حديثه ال ... مرفوع عن ذيل الصبا المجرور
والشهاب التلعفري أقدم أم الصفي الحلي، لأن التلعفري توفي قبل أن يولدالصفي بسنتين.
وممن نظم هذا المعنى وقصر فيه ابن حجة حيث يقول:
رفعتم قبابا نصب عيني ونحوها ... تجر ذيول الشوق والقلب يجزم
فيا عرب الوادي المنيع جنابه ... وأعني به قليب الذي فيه خيموا
فائدة: - التلعفري نسبة إلى تلعفر - بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد اللام،وسكون العين المهملة، وبعدها راء مهملة - قرية من أعمال الشام، ويعرف بهذهالنسبة شاعران.
أحدهما أبو الحسن علي بن أحمد التلعفري، كان شاعرا مطبوعا مقتدرا، من أقرانأبي الفرج الببغاء وأبي عثمان الخالدي، ونحوهما من مذكوري الشعراء.
ومن شعره ما أنشده له الثعالبي في يتيمة الدهر:
يا راكب العيس قف وعرج ... واقرأ سلامي على بني طي
وقل لهم ظبيكم جفاني ... لما رآني وما معي شي
وأنشد له من قصيدة:
من ذا يدل على الرقاد جفوني ... قد ضاع بين صبابتي وشجوني
أما النجوم فقد ألفن رعايتي ... والعائدات فقد مللن أنيني
وللسلامي فيه هجاء كثير، وسبب ذلك: أن السلامي لما خرج من مدينة السلام وردالموصل وهو صبي حين راهق. فوجد بها أبا عثمان الخالدي، وأبا الحسينالتلعفري المذكور، وأبا الفرج الببغاء، وغيرهم من شيوخ الشعر فلما رأوه عجبوامنه واتهموه بأن الشعر ليس له.
فقال الخالدي: أنا أكفيكم أمره، فاتخذ دعوة جمع الشعراء فيها، وحصل السلاميمعهم، فلما توسطوا الشراب، أخذوا في ملاحاته والتفتيش عن قدر بضاعته، فلميلبثوا أن جاء مطر شديد، وبرد ستر الأرض كثرة، فألقى أبو عثمان نارنجا كان بينأيديهم على ذلك البرد وقال: ي أصحابنا هل لكم في أن نصف هذا؟ فقالالسلامي ارتجالا:
لله در الخالدي الأوحد الندب الخطير
أهدى لماء المزن عن ... د جموده نار السعير
حتى إذا صدر العتا ... ب إليه عن حنق الصدور
بعثت إليه بعذره ... مع خاطري أيدي السرور
لا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثعور
فلما رأوا ذلك أمسكوا عنه وأخذوا يصفونه بالفضل، ويعترفون له بالحذق إلاالتلعفري فإنه أقام على قوله الأول، حتى قال فيه السلامي:
يا شاعرا بسقوطه لم يشعر ... ما كنت أول طامع لم يظفر
لو كنت تعرف والدا تسمو به ... لم تنتسب ضعة إلى تلعفر
تاه ابن نابغة الفوق على الورى ... بقذال صفعان ونكهة أبخر
[٢٠٤]
وبلادة في الشعر تشهد أنه ... تيس ولو نصرت بطبع البحتري
يحلو بأفواه الأنامل صفعه ... حتى كأن قذاله من سكر
وقال فيه أيضًا:
سما التلعفري إلى وصالي ... ونفس الكلب تكبر عن وصاله
ينافي خلقه خلقي فتأبى ... فعالي أن تضاف إلى فعاله
فصنعتي النفيسة في لساني ... وصنعته الخسيسة في قذاله
فإن أشعر فما هو من رجالي ... وإن يصفع فما أنا من رجاله
ولم أقف على تاريخ ولادة التلعفري المذكور ولا وفاته، إلا أنه من أهل المائةالرابعة.
والشاعر الثاني، هو شهاب الدين محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة الشيبانيالتلعفري، الأديب البارع المشهور ولد بالموصل سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة،واشتغل بالأدب، ومدح الملوك والأعيان، وكان خليعا ممتحنا بالقمار، وكلما أعطاهالملك الأشرف شيئا قامر به، فطرده إلى حلب فمدح العزيز فأحسن إليه، وقرر لهرسوما، فسلك ذلك المسلك في القمار، فنودي في حلب من قامر الشهابالتلعفري قطعت يده، فضاقت عليه الأرض، فارتحل من حلب إلى دمشق، ولميزل يستجدي ويقامر حتى بقي في أتون حمام، وفي الآخر نادم صاحب حماة، ولهديوان شعر مشهور.
ومن شعره قوله:
أقلعت إلا عن العقار ... وتبت إلا عن القمار
فالكأس والزهر ليس يخلو ... منه يميني ولا يساري
ومن رقيق شعره قوله أيضًا:
ألا يا صاحبي هذا المصلى ... وتلك ملاعب الظبي الرخيم
فحي وقل سلاما من سليم ... بذي سلم على الرشأ السليم
وسل غزلان وادي بان سلع ... إذا سنحت عن العهد القديم
وعرض بي فما لي من جنان ... يلاقي بي ظبا ذاك الصريم
وفي تلك الخيام هلال خدر ... غرامي في محبته غريمي
روى عن خصره جسمي وأدى ... صحيحا مسند الخبر السقيم
يخاف قضيب قامته انهصارا ... فلم يبرح يميل مع النسيم
وقوله أيضًا:
يا خليلي وللخليل حقوق ... واجبات الأداء في كل حاله
سل عقيق الحمى وقل إذ تراه ... خاليا من ظبائه المختاله
أين تلك المراشف العسليا ... ت وتلك المعاطف العسالة
وليال قضيتها كلآل ... مع غزال تغار منه الغزاله
بابلي اللحاظ والريق والأل ... فاظ كل مدامة سلساله
وسقيم الجفون والخصر والعه ... د فكل تراه يشكو اعتلاله
ونقي الجبين والخد والثغ ... ر فطوبى لمن حسا جرياله
طويل الصدود والشعر والمط ... ل ومن لي بأن يديم مطاله
وقوله أيضًا:
لم أزل مكثرا عليه السؤالا ... وجوابي ما عنده لي سوى لا
كلما رمت رشف معسول فيه ... هز لي من قوامه عسالا
وتثنى عجبا وماس دلالا ... وانثنى معرضا وصال وقالا
كان عهدي بالخمر وهي حرام ... فبماذا صارت لديك حلالا
ما كأني في الحب إلا فقيه ... جئته ابتغي لديه الجدالا
أنا قصدي تقبيله أرشادا ... كان رشفي رضابه أم ضلالا
هازئا بالغصون عطفا وبالكث ... بان ردفا وبالرماح اعتدالا
وبضوء الصباح ثغرا وبالظل ... ماء شعرا وبالبدور جمالا
ما شجاني فقدي لحبة قلبي ... عندما صاغها لخديه خالا
ما ألطف هذا المعنى وأحلاه، وله كل مقطوع لطيف، ومعنى طريف.
وكانت وفاته سنة خمس وسبعين وستمائة. وإنما آثرت إيراد هذه الفائدة هنا لأنهكان وقع في بعض المجالس ذكر الشهاب التلعفري المذكور، فلم يعرف له أحدمن الحاضرين ترجمة، ولا فرقوا بينه وبين أبي الحسين التلعفري المقدم ذكره،فأحببت التنبيه على ذلك هنا عندما عن ذكر الشهاب التلعفري، والاستشهاد بشيءمن شعره في التوجيه. ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أمثلة التوجيه بقواعد النحو.
فمنه قول ابن أبي الإصبع:
أيا قمرا من حسن وجنته لنا ... وظل عذاريه الضحى والأصائل
جعلتك للتمييز نصبا لناظري ... فهلا رفعت الهجر والهجر فاعل
ويحكى أنه دخل رجل مجلس كافور الأخشيدي، ودعا له وقال في دعائه: أدام اللهأيام مولانا - بكسر الميم - فتحدث جماعة من الحاضرين في ذلك وعابوا عليه.
فقام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي اللغوي كاتب كافور وأنشد مرتجلا:
[٢٠٥]
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... أو غص من دهش بالريق أو بهر
فتلك هيبته حالت جلالته ... بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من غلط ... في موضع النصب لا عن قلة النظر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... فالفال مأثورة عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن دولته صفو بلا كدر
وما أحسن قول الآخر:
كأن النوى إذا نادت الدمع رخمت ... ولا أثر فيها أجاب على العين
جعل استلزام النوى للبكاء نداء منها للدمع، ولما كان يبكي دما قال: كأن النوىقالت للدمع - على ترخيم المنادي - يا دم.
وقال ابن عنين في الهجاء:
مال ابن ماذة دونه لعفاته ... خرط القتاد أو مناط الفرقد
مال لزوم الجمع منع صرفه ... في راحة مثل المنادى المفرد
وقد تقدم في نوع الاقتباس جملة مقنعة من هذا النوع، فلنكتف منه هنا بهذاالمقدار.
ومن التوجيه في النحو والعروض قول بعضهم يهجو:
لا تنكروا ما ادعى الأديب فلا ... ن من الشعر أنه قادر
يقصر ممدوده ويرفعه ... في الجر نصب الغرمول في الآخر
يريك وهو البسيط دائرة ... تجمع بين الطويل والوافر
ومن التوجيه في العروض قول الشيخ جلال الدين بن الصفار:
لتعليق قلبي في رسوم خيالكم ... مثال له نثر الدموع رسائل
بكائي سريع والجوى متواتر ... وحزني طويل والأسى منه كامل
وبحر دموعي وافر في مد يده ... سفائنه الأجفان والخد ساحل
وقول الشاعر عبد علي بن رحمة الحويزي رحمه الله:
قلت لمن قد جفا فأضحى ... جسمي من هجره عليلا
قصرت مني طويل حب ... والقصر لا يلحق الطويلا
وقوله:
يقول لي الألى جهلوا مكاني ... ببحر وافر ماذا تقول
فقلت لهم كشأنكم وشأني ... مفاعيلن مفاعيلن فعول
ومن التوجيه في علم المعاني قول ابن رحمة المذكور أيضًا:
إن كان قاطعني الحبيب مواصلا ... لطريق زناء مباح الأسفل
فصناعة الفصحاء قادته إلى ... ترك الحقيقة للمجاز المرسل
وقوله:
أتظن تنكير اللئيم محقرا ... لك إن كساك الفضل ثوب عظيم
لا تخش من تنكيره فبمثل ذا ... يتعين التنكير للتعظيم
ومن التوجيه في علم البديع قول الشيخ شرف الدين العصامي:
رأى سقم الكتاب فمال عنه ... سقيم الجفن ذو حسن بديع
فقلت له فدتك النفس هلا ... مراعاة النظير من البديع
وقول الشيخ عبد علي بن رحمة:
أبدى ضروب بديع طرفه فله ... في فتية العشق تصريع وتشطير
وقلت أنا في ذلك وفيه من الرشاقة ما لا يخفى:
ليس احمرار لحاظه من علة ... لكن دم القتلى على الأسياف
قالوا تشابه طرفه وبنانه ... ومن البديع تشابه الأطراف
ومن التوجيه في علم المنطق قول ابن رحمة رحمه الله تعالى:
أوجبت للقلب الجوى وسلبته ... صبرا يدافع سورة الإلهاب
فنتجن أشكال السرور سوالبا ... لقضيتين السلب وافيجاب
وقوله:
وممتنع على المعروف أضحى ... من الإمكان حيرة كل عارف
يفيد ضرورة الطرف الموالي ... ويسلبها عن الطرف المخالف
وقوله:
تجيء بزور القول ثم تلومني ... عليه وهذا مطلب غير معقول
وترجوا احتمالي ما وضعت علي من ... حديثك والموضوع ليس بمحمول
وقوله:
لم تصلني تصورات زماني ... لي بإيصال قدري الذاتي
ليتها حين لم تصب لي حدا ... عرفتني باللازم الرسمي
ومن التوجيه في علم النجوم قول الشهاب محمود في حراث:
عشقت حراثا مليحا غدا ... في يده المساس ما أجمله
كأنه الزهرة قدامه ال ... ثور يراعي مطلع السنبله
وقول ابن عروة الحلي:
وحاجب ليس فيه ... من المروة شعره
بصرفة يلتقيني ... وجبهة ثم زبره
وقول زكي الدين بن أبي الإصبع:
تنقلت من طرف لقلب مع النوى ... وهاتيك للبدر التمام منازل
[٢٠٦]
ومنه ما يحكى أن شهاب الدين القوصي حضر عند الملك الأشرف وقد دخل إليهسعد الدين الحكيم، فقال الملك الأشرف: ما تقول في سعد الدين الحكيم؟ فقال:يا مولانا السلطان، إذا كان بين يديك فهو سعد الدين، على السماط: سعد بلع، وفيالخبا عن الضيوف: سعد الأخبية، وعند مرضى المسلمين: سعد الذابح. فضحكالملك الأشرف، واستحسن اتفاقه البديع.
ومنه قول بعضهم:
قد ذهب الناس فلا ناس ... وصار بعد الطمع الياس
وساس أمر الناس أدناهم ... وصار تحت الذنب الراس
وقد أورد بعض شراح البديعيات أمثلة في هذا النوع ليست منه قطعا، كقول أبيالفتح البستي:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
ألم تر الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا برج نجم اللهو والطرب
فإن هذا ونحوه ليس من التوجيه في شيء، بل هو بنوع (_) أشبه، وفي بابه أدخلكما سنذكره هناك عند إفضاء النوبة إليه، مع مشيئة الله سبحانه.
ومن التوجيه في علم الهندسة قول ابن النبيه في صبي يشتغل بالهندسة:
وبي هندسي الشكل يسبيك لحظه ... وخال وخد بالعذار مطرز
ومذ خط بركار الجمال عذاره ... كقوس علمنا إنما الخال مركز
وقول بعضهم:
قد بينت فيه الطبيعة آية ... ببديع أعمال المهندس باهرة
عبثت بمبسمه فخطت فوقه ... بالمسك قوسا من محيط دائرة
ومن التوجيه في علم الكلام قول هبة الله بن سناء الملك:
ومن قال إن الخيزرانة قدها ... فقولوا له إياك أن يسمع القد
ولو أبصر النظام جوهر ثغرها ... لما شك فيه أنه الجوهر الفرد
وقول الشيخ عبد علي بن رحمة:
قلت هل تقسم لي ... جوهر ثغر أشتهيه
قال ثغري الجوهر الفر ... د ولا قسمة فيه
ومن التوجيه في علم الرمل قول البهاء زهير:
تعلمت علم الرمل لما هجرتم ... لعلي أرى شكلا يدل على الوصل
فقالوا طريق قلت يا رب للقا ... وقالوا اجتماع قلت يا رب للشمل
وقول ابن مطروح:
حلا ريقه والدر فيه منضد ... ومن ذا رأى في العذب درا منضدا
رأيت بخديه بياضا وحمرة ... فقلت له البشرى اجتماع تولدا
ومن التوجيه في الكتابة قول بعضهم:
غبار ذنوبي في الرقاع محقق ... بنسخ الكرام الكاتبين ذوي العدل
وتوقيع ريحاني رجائي لعفو من ... ينادي بثلث الليل يا واسع الفضل
وقول ابن عبد الظاهر وأجاد:
مفرد في جماله أن تبدى ... خجلت منه جملة الأقمار
كيف أرجو الوفاء منه وعامل ... ت غريما من لحظه ذا انكسار
ذو حواش تلوح من قلم الريحان في خده فجل الباري
فيه وجدي محقق وسلوي ... وكلام العذول مثل الغبار
فلساني في وصفه قلم الشع ... ر ورقي المكتوب بالطومار
وقول ابن جابر وقد ذكر الأقلام السبعة: ت
تعليق ردفك بالخصر الخفيف له ... ثلث الجمال وقد وفته أجفان
خد عليه رقاع الروض قد جعلت ... وفي حواشيه للصدغين ريحان
خط الشباب بطومار العذار له ... سطرا ففضاحه للناس فتان
محقق نسخ صبري عن هواه ومن ... توقيع مدمعي المنثور برهان
يا حسن ما قلم الأشعار خط على ... ذاك الجبين فلا يسلوه إنسان
أقسمت بالمصحف السامي وأحرفه ... ما مر بالبال يوما عنك سلوان
وقول ابن الوردي:
فديت فقيرا في المرقعة التي ... على حسنه دلت وحسن طباعه
بخديه ريحان الحواشي محقق ... إلى الثلث والفضاح تحت رقاعه
وقول ابن مليك:
وورد خد قد زكا نثره ... عليه لما ضاع دار العذار
أقسم بالفضاح من عبرتي ... ريحانه ليس عليه غبار
وقوله:
والخد بان الورد فيه محققا ... والصدغ فيه مسلسلا ريحانه
وقول ابن القيسراني:
بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا تحاشي
فنسخة حسنه قرئت وصحت ... وها خط الكمال على الحواشي
[٢٠٧]
ومنه قول القرشي الكاتب، وقد اختفى في بيته ثلث سنة - لما طلبه السلطانبسبب لوح البريد الذي نقشه لعز الدولة - فكتب إلى القاضي علاء الدين بن عبدالظاهر - يسأله القيام ي أمره - رقعة أولها: يقبل الأرض وينهي أنه له ثلث سنةمحقق مختف في حواشي البيت يخشى توقيعات الرقاع من صاحب الطومار،وسؤال الملوك نسخ هذا الأمر الفضاح بحيث لا يبقى عليه غبار، فإن المملوكوحق المصحف ما يحمل عود ريحان.
فأعجبه ذلك فلم يزل يتلطف له عند أكابر الدولة حتى خمدت قضيته وسكنت.
ونحو ذلك وهو من التوجيه في علم الطب، ما حكي أن بعض الأطباء كان فيخدمة بعض الملوك في غزو، ولم يكن معه وقت النصرة كاتب ترسل فتقدمللطبيب أن يكتب إلى الوزير يعلمه بذلك فكتب: - أما بعد، فأنا كنا مع العدو فيحلقه كدائرة البيمارستان، حتى لو رميت مبضعا لما وقع إلا على قيفال. فلم يكنإلا كنبضة أو نبضتين حتى لحق العدو بحران عظيم، فهلك الجميع بسعادتك يامعتدل المزاج.
ومثله وهو من التوجيه في علم الرياضي قول بعضهم حين احتضر: اللهم يا منيعلم قطر الدائرة ونهاية العدد والجذر الأصم، اقبضني إليك على زاوية قائمةواحشرني على خط مستقيم.
ومن التوجيه في علم الموسيقى قول ابن جابر الأندلسي:
يا أيها الحادي اسقني كأس السرى ... نحو الحبيب ومهجتي للساقي
حي العراق على النوى واحمل إلى ... أهل الحجاز رسائل العشاق
وقول البدر لؤلؤ الذهبي:
وبمهجتي المتحملون عشية ... والركب بين تلازم وعناق
وحداتهم أخذت حجازا بعدما ... غنت وراء الركب في عشاق
وما أحسن ما قال بعده:
وتنبهت ذات الجناح بسحرة ... في الواديين فنبهت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحاق
قامت على ساق تطارحني الهوى ... من دون صحبي في الهوى ورفاقي
أنى تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض مآقي
وأنا الذي أملي الهوى من خاطري ... وهي التي تملي من الأوراق
ومنه قول الشيخ عبد النافع بن عراق:
يا غائبين وقولي حين أذكرهم ... كم هكذا اغتدي في غربة وفراق
لو سار ركب بعشاق اللوى رملا ... نحو الحجاز لما ذاق النوى ابن عراق
وقال الشيخ العلامة جمال الدين العصامي من أبيات مادحا بها الشيخ عبد النافعالمذكور وقد وصل إلى مكة المشرفة من الروم بمنصب خطابة الشافعية بمكة.
قال الشيخ جمال الدين: واتفق أن تلك السنة كانت مجدبة، فدعا واستسقى فيأول خطبة خطبها، فغيمت السماء وأمطرت وهو يخطب، وحصل خصب عظيم،فكان يقال: الشيخ عبد النافع، عبد نافع، وهو:
ظرف الحجاز بمقدم ابن عراق ... من بعد ما قاسى نوى العشاق
فاليوم نيروز الحجاز وعيده ... إذ صام فيه وعيد ابن عراق
قال الشيخ جمال الدين: واتفق أن جاء القاضي حسين في موكبه إلى بيت الشيخعبد النافع زائرا، فذيل الشيخ عبد النافع بيتي المذكورين بقوله - موجها أيضًا:
وله أتى الركب الحسيني زائرا ... سعيا على الآماق والأحداق
ومنه قول الشيخ شرف الدين يحيى بن الشيخ عبد الملك بن الشيخ جمال الدينالعصامي المذكور، فيمن اسمه حسين - وقد قدم من مكة المشرفة إلى المدينةوبها الشيخ شرف الدين المذكور:
أقول لمعشر العشاق لما ... بدا ركب الحجاز وقر عيني
أمنتم من نوى المحبوب فاسمعوا ... له رملا وغنوا في حسيني
ولنكتف من أمثلة التوجيه بهذا المقدار، فقد طال الشرح حتى كاد يفضي إلىالإملال والإكثار.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
خلت الفضائل بين الناس ترفعني ... بالابتداء فكانت أحرف القسم
التوجيه في هذا البيت بألفاظ القواعد النحوية، ومقاصد المحاسن فيه محوية.
والشيخ شمس الدين بن جابر نظم هذا النوع على تفسير السكاكي والخطيب ومنوافقهما، وهم الأكثر، وهو إيراد الكلام محتملا لمعنيين متضادين لا يتميز أحدهماعن الآخر، وهذا معنى الإبهام عند أكثر أرباب البديعيات.
وبيت بديعيته قوله:
ترى الغني لديهم والفقير وقد ... عادا سواء فلازم باب قصدهم
[٢٠٨]
هذا البيت يحتمل المدح وهو الظاهر، فيكون المراد: أنهم يجودون على الفقيرحتى يعود مساويا للغني، ويحتمل الذم، فيكون المراد: أنهم ينهبون الغنيويسلبونه غناه حتى يعود مساويا للفقير، غير أن قوله: فلازم باب قصدهم، يعينالمعنى الأول، وهو إرادة المدح فيخرج عن نوع التوجيه الذي قصده. وابن حجةفاته إدراك المعنى الثاني، وهو إرادة الذم حتى قال: (وأما المعنى الآخر فما وجدتله قرينة صالحة تدلني عليه، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه) .
وبيت بديعية الشيخ عز الدين قوله يخاطب العذول:
نزهت طرفي وسمعي في محاسنه ... وعنك أن تقصد التوجيه في الكلم
هذا البيت لا أرى فيه للتوجيه وجها، لا على تفسير الشيخ صفي الدين ولا علىتفسير السكاكي والخطيب. أما الأول - فظاهر إذ ليس في مفرداته ولا جمله توجيهإلى أسماء متلائمة من أسماء الأعلام، ولا قواعد العلوم ونحوها. وأما على الثاني - فلعدم احتماله معنيين متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر. وقول ابن حجة: أنالكلمة التي اقتضت اشتراك المعنيين قوله: نزهت، فإنه قال: أنه نزه طرفه فيمحاسن محبوبه، وكأنه التفت إلى العذول وقال له: وعنك. إن أراد به بيان التوجيه،فليس بشيء، لأن هذا ليس بتوجيه قطعا، وإن أراد به بيان استعمال قوله (نزهت)في معنييه، فمسلم على أن قوله: (نزهت طرفي وسمعي في محاسنه) مأخوذ مناستعمالهم التنزه في الخروج إلى البساتين والخضر والرياض، وقد نص صاحبالقاموس على أن هذا الاستعمال غلط قبيح، وقال في الصحاح: قال ابن السكيت:ومما يضعه الناس في قولهم: خرجنا نتنزه، إذا خرجوا إلى البساتين، قال: وإنماالتنزه: التباعد عن المياه والأرياف، ومنه قيل: فلان يتنزه عن الأقذار، وينزه نفسهعنها، أي يباعدها عنها. انتهى.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وأسود الخال في نعمان وجنته ... لي منذر منه بالتوجيه للعدم
التوجيه فيه بأسماء الأعلام هي: الأسود والنعمان والمنذر، والأسود أخو النعمانبن المنذر وكان من ملوك العرب.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
قاد الجنائب أغراء موجهة ... لا صرف فيها ولا نصب لمنجزم
التوجيه في هذا البيت بقواعد النحو وهي: الإغراء والصرف والنصب والجزم،ولكن انظر، ما معنى قوله: ولا نصب لمنجزم؟.
وبيت بديعيتي هو قولي:
رفعت حالي إليهم إذ خفضت وقد ... نصبت طرفي إلى توجيه رسلهم
التوجيه في هذا البيت بقواعد النحو أيضًا وهي: الرفع والحال والخفض والنصب.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
لا تطعني هند فالأنساب واحدة ... ونحن إن نفترق نرجع إلى حكم
الشيخ شرف الدين فارق الجماعة في هذا النوع فقال في شرح بديعيته (التوجيهكالتورية، وأكثر البديعيين يجعلها شيئا واحدا، وفرق الصفي الحلي وغيره بينهمابفروق لا تكاد تظهر، والظاهر أن التورية منها ما يحتاج إلى توجيه ألفاظ قبلهاترشح الكلام للتورية، ومنها ما لا يحتاج، فيكون هذا الاسم خاصا لما يحتاج كالنوعمنها واسم التورية كالجنس لها. والترشيح ومعنى البيت على هذا: أن هندا طعنتفي نسبه، وفخرت بقومها عليه (فأخبرها) أن نسبه ونسبها واحد وأنهما إن افترقافي الآباء القريبة فكلهم يرجعون إلى حكم من سعد العشيرة، ولكن لفظة حكممشتركة، فذكر الطعن والنسب فيه يوجهها إلى اسم القبيلة، وذكر الافتراقيوجهها إلى الحكم الفاصل بين الخصومة) . هذا نصه، وعليه مؤاخذات منوجوه: أحدها - أن قوله: أكثر البديعيين يجعلهما شيئا واحدا ليس بصحيح، بلالأكثر على أن كلا منهما غير الآخر كما يشهد به استقراء كتبهم.
[٢٠٩]
الثاني - أن قوله: فرق بينهما الصفي وغيره بفروق لا تكاد تظهر، غير مسلم، بلالفرق مثل الصبح ظاهر. أما على مذهب السكاكي ومن وافقه، من أن التوجيه هوإيراد الكلام محتملا لمعنيين مختلفين، فالفرق بينه وبين التورية: أن التوجيه يلتزمفيه أن يكون المعنيان متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر، بخلاف التورية فإنهيلتزم فيها تضاد المعنيين، ولا عدم تمييز أحدهما عن الآخر كما سيأتي في بابها. وأما على مذهب الشيخ صفي الدين من أنه - أعني التوجيه - تأليف المتكلممفردات بعض كلامه وجمله وتوجيهها إلى أسماء متلائمة من أسماء الأعلام، أوقواعد علوم، أو غيرها، فالفرق بينه وبين التورية من وجهين: أحدهما أن التوريةتكون باللفظ المشترك، والتوجيه باللفظ المصطلح. والثاني أن التورية تكونباللفظ الواحد، والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ متلائمة. فظهر الفرق بينهما،ودعوى عدم ظهوره تعنت.
الثالث - أن تخصيصه التوجيه بما يحتاج إلى ألفاظ قبلها ترشح الكلام للتورية هوبعينه التورية المرشحة، ولا يؤثر عن أحد تسميتها بالتوجيه فهو اصطلاح جديد،إذا اختاره لنفسه فلا مشاحة في الإصلاح.
التمثيل
طربت في البعد من تمثيل قربهم والمرء قد تزدهيه لذة الحلم
التمثيل - قالوا هو تشبيه حال بحال على سبيل الكناية، وذلك أن تقصد الإشارة إلىمعنى فتوضع ألفاظ على معنى آخر، ويكون ذلك المعنى لا تكون لو ذكر بلفظالخاص، وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصور. لأنه إذا صور في نفسه مثالما خوطب به كان أسرع إلى الرغبة عنه، والرغبة فيه.
ومثاله قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) فإنه مثل الاغتياببأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم الأخ،ثم لم يقتصر عليه حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في غاية الكراهية موصولابأخيه، ففيه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردتلأجله.
أما تمثيل الاغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا، لأنالاغتياب إنما هو ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم. وأما قوله (لحم أخيه) فلمافي الاغتياب من الكراهية لأن العقل والشرع قد أجمعا على استكراهه، وأمرابتركه، والبعد عنه. وأما قوله (ميتا) فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحسبها.
ومن أمثلته في السنة الشريفة قوله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل رآه ينهكنفسه في العبادة (إن هذا الدين لمتين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطعولا ظهرا أبقى) .
فمثل عليه السلام حال من يعسف نفسه فينهك جسمه في العبادة بحال المنبت،وهو الرجل المنقطع عن أصحابه، فيعسف راحلته في السير في لحاقهم فتعياراحلته ولا يبلغ رفقته. وأخرج التمثيل مخرج المثل السائر، وهو من أحسن أنواعه.
ومنها أيضًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أم زرع حكاية عن المرأةالرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا برد ولا وخامة ولا سآمة. فإنها أرادت وصفهبحسن العشرة مع نسائه، فعدلت عن لفظ المعنى الموضوع له إلى لفظ التمثيللما فيه من الزيادة، وذلك تمثيلها الممدوح بليل تهامة (الذي) وصفته بأنهمعتدل، فتضمن ذلك وصف الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن الخلقوكمال العقل، اللذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة. وخصت الليل بالذكرلما فيه من راحة الحيوان - وخصوصا الإنسان - لأنه يستريح من الكد والتعباللذين يحصلان بالتردد في النهار لكون الليل جعل سكنا، والسكن: ما يسكن إليه،لاسيما وقد جعلته ليلا معتدلا بين الحر والبرد، والطول والقصر. فهذه صفة ليلتهامة، لأن الليل يبرد بالنسبة إلى النهار مطلقا، لغيبوبة الشمس وخلوص الهواءمن اكتساب الحر، فيكون في البلاد الباردة شديد البرد وفي البلاد الحارة معتدلالبرد مستطابه، فلهذا قالت: زوجي مثل ليل تهامة، وحذفت أداة التمثيل لتقربالمشبه به، وهذا مما يبين لك لفظ التمثيل في كونه لا يجيء إلا مقدرا بمثل غالبا
القول بالموجب.
قالوا وقد زخرفوا قولا بموجبه ... فهمت قلت هيام الصب ذي اللمم.
هذا نوع من البيع غريب المعنى؛ لطيف المبنى؛ راجح الوزن في معيار البلاغة،مفرغ الحسن في قالب الصياغة، وهو الأسلوب الحكيم رضيعا لبان، فرسا رهان؛حتى زعم بعضهم أن أحدهما عين الأخر، وليس كذلك، بل بينهما فرق كما سنبينهفيما بعد، مع مشيئة الله تعالى.
ولهم في تعريف هذا النوع عبارات مختلفة، فقال ابن أبي الأصبع: انه عبارة أنيخاطب المتكلم مخاطبا بكلام أخر، فيعمد المخاطب إلى كلمة من كلام المتكلمفيبني عليها من لفظها ما يوجب عكس معنى المتكلم، وذلك عين القول بالموجب،لأن حقيقته، رد الخصم كلام خصمه من فحوى كلامه. وقال بعضهم: هو أنتخصص الصفة بعد أن كان ظاهرها العموم، أ، تقول بالصفة الموجبة للحكم،ولكت تثبتها لغير من أثبتها المتكلم. انتهى.
قال في عروس الأفراح: وهو قريب من القول بالموجب المذكور في الأصولوالجدل، وهو تسليم الليل مع بقاء النزاع. انتهى.
وقسمه الخطيب في التلخيص؛ والإيضاح؛ إلى ضربين؛ أحدهما- أن تقع صفة فيكلام الغير؛ كناية عن شيء أثبت له الحكم؛ فتثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلكالشيء؛ من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم له وانتفائه عنه، كقوله: (لئن رجعنا إلىالمدينة ليخرجن إلا عز منها إلا ذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) . فأنهم كنوابالأعز عن فريقهم، وبالإذل عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعز الإخراج، فأثبت اللهسبحانه وتعالى في الرد عليهم صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ من غير تعرضلثبوت الإخراج للموصوفين بصفة العزة؛ ولا لنفيه عنهم.
والثاني- حمل كلام وقع في كلام الغير على خلاف مراده؛ مما يتحمله بذكر متعلقه.
كقوله:
قد ثقلت إذا أتيت مرارا ... قال ثقلت كاهلي بالأيادي.
قلت طولت قال لا بل تطول ... ت وأبرمت قلت حبل ودادي.
والاستشهاد بقوله: (ثقلت) و(أبرمت) دون قوله: (طولت) .
ومنه قول القاضي الأرجاني:
غالطتني إذا كست جسمي الضنا ... كسوة أعرت من اللحم العظاما.
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما.
انتهى كلام الخطيب في الإيضاح.
قال الحافظ السيوطي: ولم أرى من أورد لهذا الضرب مثالا من القرآن وقد ظفرتبآية منه، وهي قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل إذنخير لكم) . انتهى.
وسبقه إلى ذلك الطيبي في التبيان، فقال بعد تلاوة الآية: كأنه قيل نعم، هو أذنولكن نعم الأذن، أي هو أذن ما قلتم، إلا أنه أذن خير لا أذن سوء؛ فسلم لهمقولهم فيهم؛ إلا أنه فسره بما هو مدح له، وإن كان قصدوا به المذمة، ولا شيءأبلغ في الرد من هذا الأسلوب، لأن فيه إطماعا في الموافقة، وكرا إلى إجابتهم فيالإبطال، وهو كالقول في بالموجب في الأصول. انتهى.
والأذن: الرجل الذي يصدق كل ما سمع، ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التيهي آلة السماع، كأن جملته أذن سامعة.
قلت: وهذا الضرب الثاني من هذا النوع، هو الذي نظمه أرباب البديعيات وتداولهأهل الأدب؛ وحذاق البديع أخلوا هذا النوع من لفظه (لكن) وخصوا بها نوعالاستدراك، ليحصل الفرق بينهما.
ومن عجيب هذا النوع؛ ما حكاه الشريف المرتضى علم الهدى في الغرر والدرر،قال: روي أنه لما نزل خالد بن الوليد على الحيرة، وتحن منه أهلها، أرسل إليهم أنبعثوا إلي رجلا من عقلائهم، وذوي أنسابكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن بقيلة،فأقبل يمشي حتى دنا من خالد بن الوليد، فقال: أنعم صباحا أيها الملك، قال: قدأغنانا الله عن تحيتك هذه، فمن أين أقصي أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي،فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيمأنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت، قال: أي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، إني أسأله عن الشيء وينحوفي غيره، قال: ما أنبائك إلا عما سألت فسل عما بدا لك.
هذا موضع الشاهد من الخبر، إن خالد بن الوليد قال له: أرب أنتم أم نبيط؟ قال:عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا، قال: فحرب أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فماهذه الحصون؟ قال: بنيناها لسفيه نحذر منه، حتى يجيء الحليم ينهاه، قال: كمأتى لك؟ قال: خمسون وثلثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحرترفأ إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرآة من أهل الحيرى تضع مكلتها على رأسها،ولا تزود إلا رغيفا واحدا حتى تأتي الشام، ثم قال أصبحت اليوم خرابا، وذلك دأبالله في العباد والبلاد. قال: ومعه سم ساعة يقلبه في كفه، قال له خالد: ما هذا فيكفك؟ قال: هذا السم، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قوميوأهل بلدي حمدت الله وقبلته، وإن كانت الأخرى، لم أكن أول من ساق إليهم ذلا،أشربه وأستريح من الحياة، فإن ما بقي من عمري إلا اليسير، قال خالد: هاته،فأخذه وقال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء، ثمأكله، فتجللته غشية، ثم ضرب بذقنه في صدره طويلا، ثم عرق وأفاق كأنما نشطمن عقال. فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعةفلم يضره، صانعوا القوم، وأخرجوهم عنكم، فإن هذا أمر مصنوع لهم. فصالحوهم على مائة ألف درهم. انتهى.
ونحو ذلك ما حكي أن رجلا قال لهشام القرطبي: كم تعد؟ قال: من واحد إلى ألفألف وأكثر، لم أرد هذا، كم تعد من السن؟ قال: اثنين وثلاثين، ستة عشر من أعلى،وستة عشر من أسفل، قال: لم أرد هذا كم لك من السنين؟ قال: عظم، قال: أبنلي ابن كم أنت؟ قال: قال: ابن اثنين رجل وامرأة، قال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتىعلي شيء قتلني، قال: فكيف أقول؟ قال: تقول: كم مضى من عمرك.
ومن هذا النمط، ما حكي: أن المتوكل كان مشرفا من قصره الجعفري فتعرض لهأبو العبر؛ وقميصه سراويل، فقال المتوكل: علي بهذا المثلة، فلما مثل بين يديه،قال له أنت شارب؟ قال: لا، بل عنفقة يا أمير المؤمنين، قال: إني واضع في رجلكالأدهم، ونافيك إلى فارس، قال: اجعل في رجلي الأشهب، وانفني إلى راجل؛ قال:أتراني قي قتلك مأثوم؟ قال: لا، بل ماء بصل يا أمير المؤمنين، فضحك منهووصله.
ولأبي العبر هذا ترجمة في الأغاني، واسمه محمد، من ولد عبد الصمد بن علي بنعبد الله بن عباس، كان شاعرا متوسطا، يميل إلى الهزل والحماقة، وكان يتبالهويتحامق عمدا، فنفق على الناس، وحصل مالًا عظيمًا.
ومن شعره في الجد:
لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم.
وإذا ما الدهر ضعضعني ... لم يجدني كافر النعم.
قنعت نفسي بما رزقت ... وتناهت في العلى هممي.
ليس لي مال سوى كرمي ... فيه لي أمن من العدم.
قال أبو العيناء: أنشدت أبا العبر قول المأمون:
ما الحب إلا قبلة ... وغمز كف وعضد.
أو كتب فيها رقى ... أنفذ من نفث العقد.
ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد.
فقال لي كذب المأمون، وأكل من الخرا رطلين بالميزان، ألا قال كما قلت:
وباض الحب في قلبي ... فيا ويلي إذا فرخ.
وما ينفعني حبي ... إذا لم أكنس البربخ.
وإن لم يطرح الأصل ... ع خرجيه على المطبخ.
ثم قال لي: كيف رأيت؟ قلت عجبا من العجب، فقال: ظننت أنك تقول: غير هذا؛فأبل يدي ثم ارفعها. ثم سكت؛ فبادرت وانصرفت.
وكان يجلس في بيته وتجتمع عنده المجان؛ فيملي عليهم أشعاره ويحدثهم؛ فمنضحك أمر أن يحبس في الكنيف؛ ولا يخرج حتى يغرم درهمين، ونوادره كثيرة.
رجع- ومن شواهد هذا النوع في النظم قول ابن نباتة:
وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بعظمي المنهاض.
قالت تغيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالأعراض.
ولعله من قول الوراق:
قال صديقي ولم يعدني ... وعامل السقم في أثر.
لقد تغيرت يا صديقي ... ويعلم الله من تغير.
وبديع قول أبي المحاسن الشواء في هذا النوع:
ولما أتاني العاذلون ... عدمتهم
وما فيهم إلا للحمي قارض.
قد بهتوا لما رأوني شاحبا ... قالوا به عين فقلت وعارض.
ومنه أخذ ابن النقيب قوله:
وما بي سوى عين نظرت لحسنه ... وذاك لجهلي بالعيون وغرتي.
وقالوا به في الحب عين ونظرة ... لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي.
وأصله من قول الأول:
وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقى ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس.
وقالوا به من أعين الجن نظرة ... ولو صدقوا قالوا به نظرة الإنس.
ولمؤلفه عفا الله عنه:
وقالوا به صفراء يرجى زوالها ... لقد صدقوا صفراء من خرد الحبش.
تفوق ضياء البدران في الدجى ... وتزري بضوء الصبح أن تبد في الغش.
وما أبدع قول ابن نباتة:
وتاركة بالحزن قلبي مقيدا ... ودمعي على الخدين وهو طليق.
يقولون قد أخلقت جفنك بالبكا ... نعم إن جفني بالبكاء خليق.
وقول السيد عز الدين المرتضى:
وقالوا سقيم أي ورب محمد ... ورب علي إنني لسقيم.
سقيم جفاه الأقربون فقلبه ... به من ندوب الحادثات كلوم.
وقالوا لها هلا ... وأنت كريمة
وصلت الفتى العذري وهو كريم.
ومالك قد أصبحت لا ترحمينه ... وقلبك فيما يزعمون رحيم.
فقالت لهم حي سليم من الهوى ... بلى إنني من حية لسليم.
وقول الشهاب محمود:
رأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا.
فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضًا.
ولأبي عامر الجرجاني:
عذيري من شاطر أغضبوه ... فجرد لي مرهفا فاتكا.
فقال أنا لك يا ابن الحسين ... وهل لي رجاء سوى ذلكا.
ولبعضهم:
قلت للأهيف الذي فضح الغص ... ن كلام الوشاة ما ينبغي لك.
قال قول الوشاة عندي ريح ... قلت أخشى يا غصن أن يستميلك.
وللسراج الوراق:
متمارض جعل التغاشي ... من جنايته سبب.
ويقول ما أنا طيب ... صدق الخبيث وما كذب.
وله:
لقنته العذر عن تر ... ك حاجتي لو تصور.
فقلت أنسيتها والن ... سيان أمر مقدر.
فقال لست بناسٍ ... فقلت مولاي أخبر.
وله:
وقائل قال لي لما رأى تلفني ... لطول وعد وآمال تمنيا.
عواقب الصبر فيما قال أكثرهم ... محمودة قلت أخشى أن تحزينا.
ولشمس الدين محمد التلمساني في شاب اسمه علي يعمل الكوافي:
اسم حبيبي وما يعاني ... قد شغلا خاطري ولبي.
قالوا علي فقلت قدرا ... قالوا كوافي فقلت قلبي.
وللشيخ صلاح الدين الصفدي:
لقد أتيت لصاحبي وسألته ... في قرض دينار لأمر كان.
فأجابني والله داري ما حوت ... عينا فقلت له ولا إنسانا.
وله أيضًا:
وصاحب لما أتاه الغنى ... تاه ونفس المرء طماحه.
وقل هل أبصرت منه يدا ... تشكرها قلت ولا راحه.
وله أيضًا:
صدق قلبي نسمات الصبا ... فيما روت عنكم وما شكا.
وقال لا أخبر منها بما ... جاءت به قلت ولا أذكى.
وله أيضًا:
بدا في الخد عارضه فأضحى ... عليه معنفي باللوم يغري.
وحاول أن يرى مني سلوى ... فقال لقد تعذر قلت صبري.
وللسراج الوراق:
شكا رمدا فقيل الآن كلت ... لواحظه من الفتكات فيينا.
وقالوا سيف مقلته تصدى ... فقلت نعم لقتل العاشقينا.
ولنكتف منه بهذا القدر ففيه للطالب كفاية.
تنبيه: هذا النوع أعني القول بالموجب يشترك هو والأسلوب الحكيم في كون كلمنهما من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، ويفترقان باعتبار الغاية، فإن القولبالموجب غايته رد كلام المتكلم وعكس معناه، والأسلوب الحكيم هو تلقيالمخاطب بغير ما يترقب، بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنه الأولىبالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولىبحاله أو المهم له.
أما الأول فكقول القبعثري الخارجي للحجاج لما قال له متوعدا بالقيد: لأحملنكعلى الأدهم، فقال: مثل الأمير من حمل على الأدهم والأشهب. فإنه أبرز وعيده فيمعرض الوعد، وأراه بألطف وجه أن امرأ مثله في مسند الإمرة المطاعة وبسطةاليد خليق بأن يصفد لا أن يصفد، وأن يعد لا أن يوعد، وكذا قوله ثانيا: ويلك إنهحديد: لن يكون حديديا خير من أن يكون بليدا. وعن سلوك هذه الطريقة فيجواب المخاطب عبر من قال مفتخرا:
أتت تشتكي عند مزاولة القرى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي.
فقلت كأني ما سمعت كلامها ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي.
وسماه الشيخ عبد القاهر مغالطة.
وأما الثاني فكقوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)لما قالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يستويويمتلي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا؟ فأجيبوا بما ترى تنبيها على أن الذيينفعكم وه أهم بحالكم أن تعلموا منها أوقات الطاعات. وكقوله تعالى: (يسألونكماذا تنفقون قل أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابنالسبيل) سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصارف، تنبيها على أن المهمالسؤال عنها، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، وكل ما فيه خير فهو صالحللإنفاق، فذكر هذا على سبيل التضمن دون القصد. ومثال ذلك أيضًا قول الطبيبالرفيق لمن غلب عليه السوداء إذا طلب الجبن: عليك بمائه، وعليه سؤال الأهلة،ولمن قهرنه الصفراء إذا اشتهى العسل: كله مع الخل، وإليه ينظر سؤال النفقة. وإذا أنت تأملت مواقع هذا النوع أعني الأسلوب الحكيم ظهر لك كمال الفرق بينهوبين القول بالموجب أتم ظهور، وجزمت بخطأ من جعلهما واحدا كابن حجة،فاعلم ذلك والله أعلم.
وبيت بديعية الصفي في نوع القول بالموجب قوله:
قالوا سلوت لبعد الإلف قلت لهم ... سلوت عن صحتي والبرء من سقمي.
قال في شرحه: الشاهد فيه عكس معنى المتكلم من فحوى لفظة سلوت.
ووجدت له أبياتا في ديوانه من هذا النوع وهي:
قالت كحلت الجفون بالوسن ... قلت ارتقابا لطيفك الحسن.
قالت تسليت بعد فرقتنا ... فقلت عن مسكني وعن سكني.
قالت تشاغلت عن محبتنا ... قلت بفرط البكاء والحزن.
قالت تخليت قلت عن جلدي ... قالت تغيرت قلت في بدني.
قالت تخصصت دون صحبتنا ... فقلت بالغبن منك والغبن.
وبيت بديعية ابن جابر أورده بحرف الاستدراك فقال:
كانوا غيوثا لكن للعفات كما ... كانوا ليوثا ولكن في عداتهم.
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
قالوا مدام الهوى قولا بموجبه ... تسل قلت شبابي من يد الهرم.
أراد المتكلم بقوله: تسل، إنها تحدث داء السل، فعاكسه المخاطب بسل الشبابمن يد الهرم. وهي أحسن من (سلوت) في بيت الحلي غير أن قوله (مدام الهوىقولا بموجبه) فيه من العقادة ملا لا يخفى.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
قولي له موجب إذا قال أشفقتهم ... تسل قلت بناري يوم فقدهم.
مراد المتكلم من قوله (تسل) أمر بالسلو، فعاكسه بحمله على أنه من الإسلاءبالنار، غير أن الإسلاء بالنار مهموز؛ يقال: سلأ السمن إذا طبخه؛ والسلو واوي؛ لكنمثل هذا يغتفر.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
قالوا سلو الهوى قولا بموجبه ... يبري فقلت عظامي يوم بينهم.
مراد التكلم بقوله (يبري) من البرء وهو الشفاء من المرض؛ فعاكسه بحمله علىالبري؛ من برى السهم إذا نحته؛ هذا مراده؛ ولكنه غلط واضح فإن يبري من البرءبمعنى الشفاء مضموم الأول؛ لأنه مضارع أبرأه؛ يقال: برء المريض يبرأ، من بابنفع وتعب، وبرؤ؛ من باب قرب لغة هو في كل ذلك لازم؛ فإذا أريد تعديته قيل:وأبرأه الله ببرئه إبراء؛ بهمزة التعدية مثل أكرمه يكرمه، ولم يسمع براه الله إلابمعنى خلقه، ويبري من برى السهم مفتوح الأول؛ لأنه متعد بنفسه، يقال: برىالسهم والقلم بريا، من باب رمى، فلا يصح فيه القول بالموجب ما لا يخفى. (علىأنه) عصب سقف بيت العز الموصلي في مصراعه الأول.
وبيت بديعيتي هو:
قالوا وقد زخرفوا قولا بموجبه ... فهمت قلت هيام الصب ذي اللمم.
زخرف كلامه: حسنه بترقيش الكذب، والهيام بضم أوله: كالجنون من العشق،واللمم: الجنون؛ والشاهد في قوله (فهمت قلت هيام الصب ذي اللمم) فإنالمتكلم أراد به الفهم، فعاكسه المخاطب بحمل قوله (فهمت) بالتورية على أنالفاء ليست من سنخ الكلمة، بل عاطفة على مقدر و(همت) على أنه فعل ماضمن الهيام، ولا خفاء فيما ذلك من الدقة واللطافة.
وبيت بديعية الشيخ إسماعيل المقري:
قالوا الأحبة شكوا في هواك نعم ... شكوا بلا شك أحشائي بلحظهم.
لفظة شكوا مشتركة، فهم أرادوا ضد اليقين، وهو حملها على أنهم أرادوا بهاطعنوا.
المراجعة
قالوا تراجعهم من بعد قلت نعم ... قالوا أتصدق قلت الصدق من شيمي
المراجعة- وسماها جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي السؤال والجواب- عبارةعن أن تحكي المتكلم ما جرى بينه وبين غيره من سؤال وجواب، بعبارة رشيقةوسبك لطيف، يستحلي ذوقه السمع، أما في بيت واحد أو في أبيات.
قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعته: وذكر ابن أبي الإصبع: أن هذاالنوع من مخترعاته، وقد وجدناه في كتب غيره بالاسم الثاني. انتهى.
ومن لطيف شواهد هذا النوع قول عمر بن أبي ربيعة:
بينما ينعتنني أبصرنني مثل قيد الرمح يعدو بي الأغر
قالت الكبرى ترى من ذا الفتى ... قالت الوسطى لها هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر
هكذا أنشد هذه الأبيات ابن أبي الإصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير، ثم قالبعد إنشادها: إن هذا الشاعر عالم بمعرفة وضع الكلام في مواضعه، وما ذاك إلاأن قوافي البيت لو أطلقت لكانت مرفوعة كما قالوا في قول رؤبة (قد جبر الدينالإله فجبر) فأنها تزيد على سبعين شطرا ولو أطلقت قوافيها لكانت كلها مفتوحة.
وأما بلاغته في الأبيات، فأنه جعل التي عرفته وعرفت به وشبهته تشبيها يدل علىشغفها به، هي الصغرى، ليظهر بدليل الالتزام أنه فتى السن بما أخرجه مخرجالمثل السائر موزونا ولا يقال: إنما مالت الصغرى إليه دون أختيها لضعف عقلهاوقلة تجربتها، فإني أقول: أنه تخلص من هذا الدخل بكونه أخبر: إن الكبرى التيهي أعقلهن ما كانت رأته قبل ذلك، وإنما كانت تهواه على السماع، فلما رأتهوعلمت أنه ذلك الموصوف، أظهرت من وجدها على مقدار عقلها ما أظهرت منسؤالها عنه ولم تتجاوز ذلك، وقنعت بالسؤال عنه، وقد علمته بلذة السؤالوبسماع اسمه، وأظهرت تجاهل العارف الذي موجبه شدة الوله، والعقل يمنعهامن التصريح.
وأما الوسطى فسارعت إلى تعريفه باسمه العلم، فكانت دون الكبرى في الثبات؛والصغرى منزلتها في الثبات دون الوسطى؛ لأنها أظهرت في معرفة وصفه ما دلعلى شدة شغفها به؛ وكل ذلك وان لم يكن كذلك؛ فألفاظ الشاعر تدل عليه. انتهى.
قلت: رأيت هذه الأبيات في ديوان عمر بن أبي ربيعة من جملة قصيدة لكنها علىغير هذه الصورة؛ وسياق النظم يدل على أن رواية ما في الديوان هي الصحيحة؛وأول القصيدة قوله:
هيج القلب معان وصير ... دراسات قد كساهن الشجر
ورياح الصيف قد أزرت به ... تنسج الريح فنونا والمطر
وظلت فيها ذات يوم واقفا ... أسأل المنزل هل فيه خبر
للتي قالت لا تراب لها ... قطف فيهن انس وخفر
إذ تمشين بجثل ناعم ... ناضر النبت تغشاه الزهر
برمال سهلة زينها ... يوم غيم لم يخالطه قتر
قد خلونا فتمنين بنا ... في خلاء اليوم نبدي ما نسر
قلن يسترضينها منيتنا ... لو أتانا اليوم في سر عمر
بينما يذكرنني أبصرنني ... دون قيد الرمح يعدو بي الأغر
قلن تعرفن الفتى قلن نعم ... قد عرفناه وهل يخفى القمر
قد أتانا ما تمنينا وقد ... غيب الأبرام عنا والكدر
من حبيب لم يعرج دوننا ... ساقه الشوق إلينا والقدر
وكثير ما يشتمل شعر عمر بن أبي ربيعة على نوع المراجعة، وذلك لحكايته فيهمغازلته وحديثه للنساء، فقد كان رجلا غزلا، ومن جيد شعره قصيدته اللامية التياعترف له جميل بالقصور عنها، وقد تضمنت هذا النوع من البديع، فلا بأسبإثباتها هنا لحسنها ورقتها، وهي:
جرى ناصح بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحساب إلى قتلي
فطارت بوجد من فؤادي وقربت ... قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي
فما أنس مل أشياء لم أنس موقفي ... وموقفها وهنا بقارعة النخل
فلما توافقنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
وقالت لا تراب لها شبه الدمى ... أطلن مليا والوقوف على شغل
فقلن لها هذا عشاء وأهلنا ... قريب ألما تسامي موقف البغل
فقالت بما شئتن قلن لها انزلي ... فللأرض خير من وقوف على رحل
فأنزلن أمثال المها فاكتنفها ... وكل يفدي بالعشيرة والأهل
فسلمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدو مقامي أو يرى كاشح فعلي
فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقب ... ولكن سري ليس يحمله مثلي
فلما اقتصرنا دونهن حديثنا ... وهن طبيبات بحاجة ذي التبل
عرفن الذي نهوى فقلن لها ائذني ... نطف ساعة في طيب أرض وفي سهل
فقالت ولا تلبثن قلن تحدثي ... أتيناك وانسبن انسياب مها الرمل
وقمن وقد افهمن ذا اللب إنما ... فعلن الذي قد كان منهن من أجلي
فباتت تمج المسك في فيّ غادة ... بعيدة مهوى القرط صامتة الحجل
تقلب عيني ظبية ترتعي الخلا ... وتحنو على رخص الشوى رشأ طفل
وتفتر عن كالأقحوان بروضة ... جلتها الصبا والمستهل من الوبل
أهيم بها في كل ممسى ومصبح ... وأكثر ذكراها إذا خدرت رجلي
قال أبو الحارث مولى بني مخزوم: اجتمع جميل وعمر بن أبي ربيعة بالأبطح،فأنشده جميل قوله:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلًا يا جميل وإنني ... لأقسم ما لي عن بثينة من مهل
حتى أتى على آخر القصيدة، ثم قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الرويشيئا؟ قال: نعم، وأنشده قوله (جرى ناصح بالود بيني وبينها) حتى أتى علىآخرها، فقال له جميل: ما خاطب النساء مخاطبتك أحد لا والله، لا أقول أنا مثلهذا أبدا، ثم نهض.
وقال أبو الحسن المدائني: سمع الفرزدق عمرو بن ربيعة ينشد قصيدته:
جرى ناصح بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحساب إلى قتلي
فلما بلغ إلى قوله:
وقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي
حتى أنشد بعد هذا أربعة أبيات، فلما بلغ قوله (وانسبن انسياب مها الرمل) صاحالفرزدق وقال: هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته، وبكت على الديار والدمن.
ومن محاسن أمثلة نوع المراجعة قول وضاح اليمن في معشوقته روضة:
يا روض جيرانكم الباكر ... فالقلب لا لاه ولا صابر
قالت ألا لا تلجن دارنا ... أن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غرة ... منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن القصر من دوننا ... قلت فإني فوقه طافر
قالت فإن البحر من بيننا ... قلت فإني سابح ماهر
قالت فحولي أخوة سبعة ... قلت فإني غالب ظافر
قالت فليث رابض بيننا ... قلت فإني أسد عاقر
قالت فإن الله من فوقنا ... قلت فربي راحم غافر
قالت لقد أعييتنا حجة ... فأت إذا ما هجع السامر
واسقط علينا كسقيط الندى ... ليلة لا ناه ولا زاجر
قال هشام: كان وضاح اليمن، والمقنع الكندي، وأبو زبيد الطائي يردون مواسمالعرب مقنعين، يسترون وجوههم خوفا من العين، وحذرا من النساء لجمالهم،واسم وضاح اليمن عبد الرحمن بن إسماعيل، ولقب الوضاح لحسنه وجماله.
ومن مليح هذا النوع أيضًا قول بشار بن برد:
قد لامني في خليلتي عمر ... واللوم في غير كنهه ضجر
قال أفق قلت لا فقال بلى ... قد شاع في الناس منكما الخبر
قلت وأن شاع ما اعتذاري ... مما ليس لي فيه عندهم عذر
ماذا عليهم وما لهم ... خرسوا
لو أنهم في عيوبهم نظروا
أعشق وحدي ويؤخذون به ... كالترك تغزوا فيقتل الخزر
يا عجبا للخلاف يا عجبا ... في فم من لام في الهوى الحجر
حسبي وحسب التي كلفت بها ... مني ومنها الحديث والنظر
أو قبلة في خلال ذاك وما ... بأس إذا لم تحل لي الأزر
أو عضة في ذراعها ولها ... فوق ذراعي من عضها أثر
أو لمسة دون مرطها بيدي ... والباب قد حال دونه الستر
والساق براقة مخلخلها ... أو مص ريق وقد علا البهر
واسترخت الكف للعراك وقا ... لت إيه عني والدمع منحدر
انهض فما أنت كالذي زعموا ... أنت وربي مغازل أشر
قد غابت اليوم عنك حاضنتي ... فالله لي منك فيك ينتصر
يا رب خذلي ... فقد ترى ضرعي
من فاسق جاء ما به سكر
أهوى إلى معضدي فرضرضه ... ذو قوة ما يطاق مقتدر
الصق بي لحية له خشنت ... ذات سواد كأنها الإبر
حتى علاني وأسرتي غيب ... ويلي عليهم لو أنهم حضروا
أقسم بالله لا نجوت بها فأذهب فأنت المغادر الظفر
كيف بأمي إذا رأت شفتي أم كيف إن شاع منك ذا الأثر
قد كنت أخشى الذي ابتليت به ... منك فماذا أقول يا غدر
قلت لها عند ذاك يا سكني ... لا بأس أني مجرب خبر
قولي لها بقة لها ظفر ... إن كان في البق ما له ظفر
وقول أبي نواس يهجو سليمان:
قال لي يوما سليما ... ن وبعض القول أشنع
قال صفني وعليا ... أينا أبقى وأنفع
قلت إني أن أقل ما ... فيكما بالحق تجزع
قال كلا قلت مهلًا ... قال قل لي قلت فاسمع
قال صفه قلت يعطي ... قال صفني قلت تمنع
وقوله في النسيب:
وفاتر بالنظر الرطب ... يضحك عن ذي أشر عذب
خاليته في مجلس لم يكن ... ثالثنا فيه سوى الرب
فقال لي والكف في كفه ... بعد التجني منه والعتب
تحبني قلت مجيبا له ... أوفر أو خير من الحب
قال فتصبو قلت يا سيدي ... وأي شيء فيك لا يصبي
قال اتق الله ودع ذا الهوى ... فقلت إن طاوعني قلبي
وقوله:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر
وخمارة نبهتها بعد هجعة ... وقد غابت الجوزاء وانحدر النسر
فقالت من الطراق قلت عصابة ... خفاف الاداوى يبتغى لهم خمر
ولا بد أن يزنوا فقالت أو الفدا ... بأجور كالدينار في طرفه فتر
فقلنا لها هاتيه ما إن لمثلنا ... فدنياك بالأهلين عن مثله صبر
فجاءت به كالبدر ليلة تمه ... تخال به سحرا وليس به سحر
فبتنا يرانا الله شر عصابة=نجرر أذيال الفسوق ولا فخر وقوله يهجو جعفر بن يحيىالبرمكي:
قالوا امتدحت فما أعطيت قلت لهم ... خرق النعال وأخلاق السراويل
قالوا فسم لنا هذا فقلت لهم ... أو وصفه يعدل التفسير في القيل
ذاك الأمير الذي طالت علاوته ... كأنه ناظر في السيف بالطول
قاتله الله في هذا التشبيه، فأن جعفر بن يحيى كان طويل الوجه جدا طويل العنق،طويل القامة.
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: كان الرشيد أيام حسن رأيه في جعفر بنيحيى، يحلف الله أفصح من قس بن ساعدة، وأشجع من عامر بن الطفيل، واكتبمن عبد الحميد بن يحيى، وأسوس من عمر ابن الخطاب، وأنصح له من الحجاجلعبد الملك، وأسمح من عبد الله بن جعفر، وأعف من يوسف بن يعقوب، وأحسنمن مصعب بن الزبير؛ وكان جعفر ليس بحسن الصورة، كان طويل الوجه جدا،فلما تغير رأيه فيه أنكر محاسنه الحقيقة التي لا يختلف اثنان أنها فيه، نحو كتابتهوسماحته. انتهى.
ومن بديع هذا النوع قول أبي عبادة البحتري:
بت أسقيه صفوة الراح حتى ... وضع الرأس مائلا يتكفا
قلت عبد العزيز تفديك نفسي ... قال لبيك قلت لبيك ألفا
هاكها قال هاتها خذها ... قال لا أستطيعها ثم أغفى
وظريف قول ابن حجاج هنا:
قالت لقد أشمت بي حسدي ... إذ بحت بالسر لهم معلنا
قلت أنا؟ قالت نعم أنت هو ... قلت أنا قالت وإلا أنا
قلت نعم أنت التي صيرت ... أجفانك قلبي حليف الضنى
قالت فلم طرفك فهو الذي ... جنى على قلبك ما قد جنى
قلت فقد كان الذي كان من ... طرفي فكوني مثل من أحسنا
قالت فما الإحسان قلت اللقا ... قالت لقانا عز ما أمكنا
قلت فمنيني بتقبيلة ... قالت أمنيك بطول العنا
قلت فما بحت بسر الهوى ... قالت ولو بحت فما ضرنا
قلت فإني ميت هالك ... قالت فمت فهو لقلبي منى
قلت حرام قتل نفس بلا ... ذنب فقالت ذاك حل لناد
من يعشق العينين مكحولة ... بالسحر لا يأمن أن يفتنا
ومنه قول الصفي الحلي يمدح الملك الصالح
وقفت وأهل العصر تنشر فضله ... وتسألني عن فضله فأعيد
فقالوا له حكم فقلت وحكمة ... فقالوا له جد فقلت وجود
فقالوا له قدر فقلت وقدرة ... فقالوا له عزم فقلت شديد
فقالوا له عفو فقلت وعفة ... فقالوا له رأي فقلت سديد
فقالوا له أهل فقلت أهلة ... فقالوا له بيت فقلت قصيد
وقوله من أخرى يمدحه أيضًا:
وقائلة ما لي أراه كدمعه ... يظل ويمسي وهو من الأرض سائح
أطالب معنى قلت كلا ولا غنى ... ولست على كسب الذوات أكافح
ولكن لي في كل يوم إلى العلى ... حوائج لكن دونهن جوائح
فقالت ألا أن المعالي عزيزة ... فكيف وقد قلت لديك المنائح
فهل لك وفر قلت أي وهو ناقص ... فقالت وقدر قلت أي وهو راجح
فقالت وجد قلت أي وهو أعزل ... فقالت وضد قلت أي وهو رامح
فقالت ومجد قلت أي وهو متعب ... فقالت وسعد قلت أي وهو ذابح
فقالت وملك قلت أي وهو فاسد ... فقالت وملك قلت أي وهو صالح
ومن لطائف ابن الوردي قوله في هذا النوع:
نمت وإبليس أتى ... بحياة منتدبة
فقال ما قولك في ... حشيشة منتخبه
فقلت لا قال ولا ... خمرة كرم مذهبه
فقلت لا قال ولا ... مليحة مطيبة
فقلت لا قال ولا ... أغيد بالبدر اشتبه
فقلت لا قال ولا ... آلة لهو مطربة
فقلت لا قال فنم ... ما أنت إلا خشبه
وقال الشيخ صفي الدين الحلي معارضا له:
وليلة طال سهادي بها ... فزارني إبليس عند الرقاد
فقال لي هل في شمعة ... كيسة تطرد عنك السهاد
قلت نعم قال وفي قهوة ... عتقها العاصر من عهد عاد
قلت نعم قال وفي مطرب ... إذا شدا يرقص منه الجماد
قلت نعم قال وفي طفلة ... في وجنتيها للحياء اتقاد
قلت نعم قال وفي شادن ... قد كحلت أجفانه بالسواد
قلت نعم قال فنم آمنا ... يا كعبة الفسق وركن الفساد
ويعجبني هنا قول علم الدين علي بن محمد السخاوي المقري وانشدها لنفسهعند وفاته:
قالوا غدا نأتي ديار الحمى وينزل الركب بمغناهم
وكل من كان مطيعا لهم ... أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلي ذنب فما حيلتي ... بأي وجه أتلقاهم
قالوا أليس العفو من شأنهم ... لاسيما عمن ترجاهم
ولنقتصر من أمثلة هذا النوع على هذا المقدار.
وبيت بديعية الشيخ الدين الحلي قوله:
قالوا اصطبر قلت صبري غير متسع ... قالوا اسلهم قلت ودي غير منصرم
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
راجعت في القول إذ طلقت سلوتهم ... قال اسلهم قلت سمعي عنك في صمم
انتقده ابن حجة، بأن المراجعة أن لم تتكرر لم يبق لها في القلوب حلاوة ولايطابق اسمها مسماها، وعز الدين لم يكرر مراجعته، ولم يأت بها إلا في مكانواحد. والذي أقوله إنما صده عن ذلك الاشتغال بتسمية النوع ولكن ليته لو دخلسوق الرقيق. انتهى. وهو في محله.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
قالوا اصطبر قلت صبري ما يراجعني ... قالوا احتمل قلت من يقوى لصدهم
لا يخفى أن صدر البيت للصفي الحلي أخذه قسرا.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
قالوا مراجعة تهوى فقلت نعم ... قالوا اصطبر قلت صبري خان من قدم
صدر هذا البيت منحل جدا، وعجزة بيت الصفي الحلي.
وبيت بديعيتي قولي:
قالوا تراجعهم من بعد قلت نعم ... قالوا أتصدق قلت الصدق من شيمي
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
واستخبرا هل سلا قلبي فقلت سلا ... غيري وهل ثم صبر قلت وسط فمي
أمثلت عودهم بعد العتاب وقد ... عادوا ولكن إلى استدراك صدهمِ
الاستدراك - هو رفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعًا شبيهًا بالاستثناء، وهومعنى لكن.
ويشترط فيه هنا زيادة نكتة طريفة على معنى الاستدراك، لتحسنه وتدخله فيالبديع، وإلا فلا يعد منه؛ وهو قسمان. قسم يتقدم الاستدراك تقرير وتوكيد؛ أمالظفًا أو معنى لما أخبر به المتكلم، وهذا هو الأكثر الذي بنى عليه فحول أربابالبديعيات أبياتهم، وقسم لا يتقدمه ذلك.
فالأول كقول أبي الحسن بن فضال النحوي على ما في ربيع الأبرار للزمخشري،وقيل لابن الرومي:
وإخوان تخذتهم دروعًا ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهامًا صائباتٍ ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن عن ودادي
وقالوا قد سعينا كل سعي ... لقد صدقوا ولكن في فساد
ونسب بعضهم هذه الأبيات إلى علي) عليه السلام (، وزعم أنه قالها في شأنطلحة والزبير. قال الشيخ حسين الطبيب في شرح شواهد المطول: وليس عليهاطلاوة كلامه) عليه السلام (.
وقال صاحب القاموس: قال المازني: لم يصح أن عليًا) عليه السلام (تكلم بشيءمن الشعر غير هذين البيتين، وصوبه الزمخشري وهما:
تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك ما بروا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر
وذات ودقين: الداهية كأنها ذات وجهين:
وقول القاضي الأرجاني:
غالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما
أخذه آخر فقال:
شكوت صبابتي يومًا إليها ... وما قاسيت من ألم الغرامِ
فقالت أنت عندي مثل عيني ... لقد صدقت ولكن في السقام
واختصر الشيخ عبد الرحيم العباس بيتي الأرجاني فقال:
غالطتني حين قالت ... والدوى يبرى العظاما
أنت عندي مثل عيني ... صدقت لكن سقاما
وله أيضًا في هذا النوع:
طلبت خصمًا فلاذ مني ... بظلمة سفلة مغابِ
وقال ذا في حمى كليب=يصدق لكن من الكلاب ومنه قول ابن أبي حجلة:
شكوت إلى الحبيبة سوء حظي ... وما ألقه من ألم البعادِ
فقالت أنت حظك مثل عيني ... فقلت نعم ولكن في السواد
وقول صدر الدين بن الوكيل:
وبي من قسا قلبًا ولان معاطفا ... إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقر برق إذ أقول أنا له ... وكم قالها يومًا ولكن لتهديدي
وقول هبة الله بن سناء الملك:
أسر لطول أسري في يديه ... فيغضب إذ أسر لطول أسري
سألت الله أن يبلى بعشقٍ ... فأصبح عاشقًا لكن لهجري
وقال نور الدين الأسعردي عندما عمي آخر عمره:
سألت الله يختم لي بخير ... فعجله ولكن في عيوني
قال ابن أبي الإصبع: ولم أسمع في هذا الباب أحسن من قول أبي دويدة المغربييخاطب رجلًا أودع بعض القضاة ما لا فادعى القاضي ضياعه:
إن قال ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو نعي
أو قال وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع
وقال ابن أبي حجلة وأجاد:
رؤساء ما من جاءهم بقصيدة ... كانت جوائزهم عليها شكرهُ
وإذا طلبت وظيفة من قائم ... فأبشر فقد ولاك ولكن ظهرهُ
وقول بعض الحنابلة:
يحجون بالمال الذي يجمعونه ... حرامًا إلى البيت العتيق الحرامِ
ويزعم كل أن تحط ذنوبهم ... تحط ولكن فوقهم في جهنم
والقسم الثاني - وهو الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقدير ولا توكيد كقول زهير:
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
والزيادة فيه أنه لو اقتصر على صدر البيت، لكان مدحًا أيضًا، لكن ربما توهممتوهم أن ماله موفور وهي صفة ذم، فاستدرك بما يزيل هذا الاحتمال وتخلصالكلام إلى المدح الذي لا يشوبه به شائبة ذم.
ومنه قول المعري:
فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوالُ
ولا يخفى ما في هذا الاستدراك من الحسن والنكتة الزائدة على الاستدراك، إلا علىمن حجب عن ذوق البديع.
ومثله قول شيخنا العلامة محمد الشامي:
قسمت صفايا الود بيني وبينه ... سواء ولكني حفظت وضيعا
وقد تقدم أن أصحاب البديعيات إنما بنوا أبياتهم على القسم الأول، لأنه أعلىطبقة وأحلى مذاقًا، وأرشق عبارة من قسيمه.
والشيخ صفي الدين الحلي حاز قصبات السبق في هذه الحلبة، وجاء بما حسدتالسمع على حسن نظمه اللبة وبيته:
رجوت أن يرجعوا يومًا وقد رجعوا ... عند العتاب ولكن من وفا ذممي
فإنه قرر ما أخبر به قبل الاستدراك، وأكده بقوله: وقد رجعوا؛ والتنكيت الرائع فيقوله: عن وفا ذممي، المتعلق برجعوا، وقوله: عند العتاب تكميل بديعي.
وابن جابر الأندلسي لم ينظم هذا النوع في بديعيته.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
فكم حميت بالاستدراك ذا أسف ... لكن على المشتهى والبرء من سقمي
قال ابن حجة: أما هذا البيت فإنه متعلق البناء مع عقادة التركيب. انتهى. وقالغيره: بل لا مفهوم له.
وبيت ابن حجة قوله:
قالوا نرى لك لحمًا بعد فرقتنا ... فقلت مستدركًا لكن على وضمِ
هذا البيت معمور بالبرودة لفظًا ومعنى؛ على أن قوله: مستدركًا؛ لا يفيد معنىزائدًا غير تسمية النوع.
وبيت بديعية الطبري قوله:
واستدركوا الود منهم مخلصين به ... لكن لغير وما راعوا جزا خدمي
وبيت بديعيتي هو قولي:
أملت عودهم بعد العتاب وقد ... عادوا ولكن إلى استدراك صدهمِ
كل ما تقدم من الكلام على بيت الشيخ صفي الدين من التقرير والتنكيت والتكميلفهو جار في هذا البيت.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله:
قالوا مرضت فهل عادوا فقلت نعم ... لكن من العهد والإيفاء بالذممِ
١ @أنوار الربيع في أنواع البديع
تعليقات