مجلس في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أي لأنه ما نطق عن الهوى، فيرد إليه عند التنازع، فإن طاعته من طاعته، فإنه هادٍ بأحكامه وأوامره إلى الصراط الأقوم؛ صراط اللَّه، فليحذر المخالف، وليشكر الموالف.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ .
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية.
وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، أي إلى الكتاب والسنة.
وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ الآية.
وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ الآية. والآيات فيه كثيرة.
ولنذكر من الأحاديث اثنا عشر:
ومدارها على الإغرار والتحذير والإرشاد، فيرغب في المحافظة، ويحذر من الإضاعة.
فنذكر خواص المحافظة وتركها، وذكر عاقبتها، والتلويح إلى أساس السنة وأهلها، والرمز إلى أصل المتأهل للحفظ، والإضاعة حكمها أجلًا وحقًا، والإشارة إلى ما يستحقه الروافض، والحفاظ من هجره ووداده.
الحديث الأول: عن أبي هريرة مرفوعًا: «دعوني ما تركتكم؛ إنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» أخرجاه.
فالاختلاف على الأنبياء من المهلكات، والوفاق إذًا من المنجيات.
ثانيها: عن العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول اللَّه ﷺ موعظة وَجِلَتْ
منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا: يا رسول اللَّه كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلافاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
النواجذ: بالذال المعجمة الأنياب، وقيل: الأضراس، فلزوم السُّنَّة والعض عليها بالنواجذ مُخرِج من الفتنة والظلمة والضلالة، وغيرها من المحدثات والبدع تدخل في الظلمة والجهالة.
ثالثها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قيل: ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» أخرجه البخاري.
فعاقبة المحافظة على طاعة الرسول يورث الجنة، وعاقبة غيره حرمانها، نعوذ باللَّه من المحنة.
رابعها: حديث سلمة بن الأكوع: «أن رجلًا أكل عند رسول اللَّه ﷺ بشماله، فقال:»كل بيمينك«قال: لا أستطيع، قال:»لا استطعت«ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه» أخرجه مسلم.
فعاقبة الممتنع منها كبرًا ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ ذوق وبال أمره، وكان
عاقبة أمره خسرا.
خامسها: حديث النعمان بن بشير مرفوعًا:»لتُسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ اللَّه بين وجوهكم« أخرجاه.
وفيه عاقبة المتهاون بالسنَّة سوء ذات البين والمخالفة بين الوجوه، ففيه والحديثين قبله بيان العاقبة دنيا وأخرى.
سادسها: حديث أبي موسى قال:»احترق بيت على أهله من الليل، فلما حُدِّث رسول اللَّه ﷺ بشأنهم قال: «إن هذه النار عدوكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم» أخرجاه.
فأساس السنة وأصلها أعظم نصيحة وأشد رحمة، وأبلغ بيان لكل عدو مؤذ من نار الدنيا والأخرى فأنى يصرف عنها اللبيب.
سابعها: عنه مرفوعًا: «إن مثل ما بعثني اللَّه من الهدى كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فَقُه في دين اللَّه -تعالى- ونفعه ما بعثني اللَّه به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يدفه بذلك رأسًا ولم يقبل هُدَى اللَّه الذي أُرسلت به» أخرجاه.
فالسنة غيث والقلوب أراضيه، فالطيب الأصل يقبل ويثبت، والمقارب يحبط ويمسك، والخبيث الأصل ضد ذلك، فطوبى لمن جبل على الخير، ويسر له وحفظه من الغير.
ثامنها: حديث جابر مرفوعًا: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذُبُّهنَّ عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلَّتون من يدي» أخرجه مسلم.
والجنادب: نحو الجراد والفراش المعروف الذي يقع في النار، والحجز: جمع حجزة، وهى وقعد الإزار والسراويل، والسنَّة مانعة من مواقعة النار بالعقلاء، ومن هو كالفراش ينفلت من يدها، ويحرق نفسه.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ فهذا الحديث والذي قبله لبيان الأصل النفيس والخسيس قلبًا وعقلًا، والبعد حينئذ إلى كل أحد فطنة وغفلة على قدر محافظته وتهاونه.
تاسعها: حديثه أيضًا: «أمر رسول اللَّه ﷺ بلعق الأصابع والصحفة وقال:»إنكم لا تدرون في أيّه البركة« أخرجه مسلم.
وفي رواية: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، فليأكلها ولا يدعها للشيطان» فالخلق عقولهم قاصرة عن دراية ما فيه الخير والبركات، وما فيه حظ الشيطان والشر والهلكات، وإذا كانت المصالح والمفاسد بهذه الدقة والخفاء فلا أدري إلا الاعتصام بسنَّة السادة الأنبياء المأخوذة من رب العالمين والسماء ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
العاشرة: حديث ابن عباس: «قام فينا رسول اللَّه ﷺ بموعظة فقال:»أيها الناس تحشرون إلى اللَّه -تعالى- حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ، وأول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﷺ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم« أخرجاه.
غرلًا: غير مختونين، وفيه أن المسألة قد تخرج وصاحبها لا يدري له فيه حكمها وعدم عصمتها، فهذا الحديث والذي قبله يسوغ حكمها جلاء في الواضحات، وخفاء في كثرتها، فطوبى لمن حافظ على كلها.
الحديث الحادي عشر: حديث عبد اللَّه بن مغفل:»نهى رسول اللَّه ﷺ عن الحذف، وقال: «إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السِّنَّ» أخرجاه.
وفي رواية: «أن قريبًا لابن مغفل حذف، فنهاه وقال: إن رسول اللَّه ﷺ نهى عنه ثم عدت تحذف لا أكلمك».
وفيه: استحقاق المتهاون بعد العلم بالسنة وبحكمها لأن يهجر فلا يُكلَّم أبدًا.
الحديث الثاني عشر: حديث عابس بن ربيعة قال: «رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يقبل الحجر -يعني الأسود- ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ قبلك ما قبلتك» أخرجاه .
واعلم أن ما ذكرناه من الأحاديث مدارها على المُرضي للَّه، الموصل إلى اللَّه، المسؤول في أم القرى ضمن كل صلاة ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
على مهيمن: الإغراء والتحذير والبيان والإرشاد وفي المهم الأول: ست تنبيهات: ترغب في المحافظة على السنة، وترهب من إضاعتها، وذكر خواص المحافظة وعاقبتها، والتلويح إلى أساس السنة وأهلها، والرمز إلى أصل المتأهل للحفظ والإضاعة، وحكمتها جلاء وخفاء والإشارة إلى ما تستحقه الروافض، والحافظ من هجر ووداد.
وفي المهم الثاني: بيان جملة من السنن المباركة المهمة النافعة، فمنها: مجالسة الكبراء، كما في حديث البيهقي، وذلك بأمور: أحدها: ترك السؤال الصادر عما لعله أهم للسامع، وثانيها: حسن الموافقة في كل قول وفعل وإرادة، وثالثها: مقابلة الأوامر والأخبار بالسمع والطاعة، والإيمان والتصديق لا بالعلم والرأي، وهي واضحة من الحديث الأول.
ومنها إفادة الكبير للمريدين بالمواعظ المؤثرة، وبالوصايا النافعة لاسيما إذا طلبت بصدق وبالإشارات المهمة كما في الحديث الثاني.
وفيه أيضًا حسن الاستفادة بأربعة أمور: الإقبال بالفهم والقلب كله على الكثير، وسؤال الوصية والعض بالنواجذ على الطريق المرضية، وتجنب ما خالف ذلك، والحذر منه ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ ، ومنها ثلاثة أمور: التحذير الأبلغ مما يخالف بداية العقول على وجه من التغيير بدفع، والمراجعة فيما لا ينفهم حتى ينفهم، وأخذ الحذر مما حذَّر منه الناصح فلا يُعصى بشيء من أوامره البتة.
ومنها: الاحتفال بالأكل باليمين والأمر به لمن يتركه، وقبول النصح والبدار إليه، وترك الكبرياء فإنه مُهلك، وترك النفاق، فلا خير في شئ منه، وتحرِّي الصدق في الاعتذار وغيره ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وتغيير حذر سطوة
الأكابر، وتغيير قلوبهم ودعائهم كما في الحديث الرابع.
ومنها: الاهتمام بآداب ثمانية؛ تسوية الصفوف، ولاسيما للإمام، وأمر المتهاونين فيها به، وترك المواجهة بالموعظة، وتحسين القول كقوله: عباد اللَّه، ولم يقل أيُّها المسيئون.
والاحتفال بالإرشاد وتكريره حتى يرى أن قد عُقِلَ، وإنذار المتعرض للهلاك بجهله، وإيضاحه له، وأخذ الحذر من الشقاق، وتخالف الوجوه، وترك احتقار شيء من السببين فيجبه من الخير ما لا يوصف كما هو جلي من الحديث الخامس.
ومنها: إطفاء النار عند النوم وأن يُؤْخَذَ العبرة مما يتحدث به شأن الناس.
ومنها: التنبيه بضرب الأمثال، ولها فوائد جليلة، فليعنى به الألباء ويتيقن الهدى، والعلم غيب يحيي اللَّه به القلوب، فليحرص على التفقه فيه الناصح لنفسه معظمًا لنعمة اللَّه -تعالى- به، وأن التعليم بعد العلم مهم كالمراعي، وأن الرواية خير كثير فليحمل العلم من كل خلف عدوله كالاجادر .
وليبك على نفسه المحروم من كل دراية ورواية ورعاية فإنه قيعان، ومنها إرغام الشيطان بلعق الأصبع والقصعة وأكل المتناثر، وإطابة المطاعم حسًّا ومعنى.
ومنه إماطة الأذى عن المأكول والمشروب، والتبرك باستعمال أقوال الصالحين، وترك الحذف، وتقبيل الحجر الأسود، ولا يخفى الفهم بعد ذلك ما يستنبط منه أو يُستزاد، ويؤخذ منه، وباللَّه الإعانة والتسديد.
فصل في وجوب الانقياد لحكم اللَّه -تعالى- وما يقوله من دعي إلى ذلك وأمر بمعروف أو نهى عن منكر
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية.
ومعنى الحكم التدبير الشامل للكونيات والدينيات التكليفية والجزائية، حسية وخلقية، ولا شك أن الإنسان إن خاصم أولًا فله التحكيم، وإلا فالطواعية.
وفيه من الأحاديث حديث أبي هريرة المذكور في أول الفصل قبله، وغيره من الأحاديث.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال:»لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ، فأتوا رسول اللَّه ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا : أي رسول اللَّه، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» فلما فعلوا ذلك نسخها ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: «نعم» ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾
[البقرة: ٢٨٦] قال: «نعم» ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: «نعم» ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية، قال: «نعم» . ومدار الحديث على تعظيم أمر اللَّه بنحو ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] شق أو لم يشق، من وسط القلب، والرفق بالنفس بسؤال التخفيف بنحو ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] ، وأن تقرن عندها ما يهون عليه التحمل، لو لم يخفف عنها شيء بنحو ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فالآية الشريفة اشتدت على المؤمنين، فلولا يقينهم وإيمانهم باللَّه واليوم الآخر، لما ألقوا لذلك بالًا. ولولا مراقبتهم لأنفسهم وعلمهم حالها، وبضعفهم عن مثلها، لما ثبتوا لمشقتها عليهم، ولَمَّا شقت الآية عليهم أتوا رسول اللَّه ﷺ فتلا عليهم ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] ، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ لما سمعوا تيسير ذلك، ولولا حسن ظنهم باللَّه ورسوله لكتموا ما بهم عنها وبركوا على الركب استرحاما للَّه، وذكروا قصتهم، فلولا إخلاص قلوبهم لتظاهروا بغير ما فيها، ولولا مناصحتهم للَّه ولرسوله لَشَكَوْا همَّهم لغيرهما، ولولا إجلالهم للرب ﷻ لانطلقت ألسنتهم بأكثر من مجرد القصد، واستضعاف أهل الطريق منزلة الخوف والرجاء له موضع يخاض فيه، وكان الشارع أعلم بالمؤمنين لسعة ذلك عليهم، ولكن مهمته ببادئ الحال، ولمَّا تعلقوا أغاثهم بترك التوقف لهم، وذكر أنهم معذورون، أو أنه يسأل اللَّه لهم أو نحو ذلك ، وصرفه لهم عن كل وجهة مبينًا أن جميع ما
يحاول، فإنما هو حال أهل الغضب والضلال، ولما علموا أن لا ملجأ من اللَّه إلا إليه أرشدهم لما أرشدهم إليه، فأعظم به رسولًا وهاديًا، فأزال اللَّه -تعالى- انقباضهم ببسط موجه لهم حيث قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية، وسارع في رضاهم، فأزال ما شق عليهم بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فأبهجهم بإجابة أدعيتهم ناجزًا معقبًا كل واحد بنعم، فليبشر المنقاد لحكم اللَّه، لما يرغب عاجلًا أو آجلًا.
جزى اللَّه يوم الروع خيرًا فإنه … أرانا على علاته أم سالم
فصل في إجراء الناس على الظاهر وسرائرهم إلى اللَّه تعالى
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ .
يأمر بتخلية المعقود له على مرصد، إذا فعل ذلك.
وروينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه
تعالى» .
وروينا في صحيح مسلم من حديث طارق بن أشيم مرفوعًا: «من قال لا إله إلا اللَّه، وكفر بما يُعْبَدُ من دون اللَّه، حُزم ماله ودمه، وحسابه على اللَّه» .
وفيه وما قبله عصمة دم ومال من أسلم، وترك قتاله حكمنا ظاهر إيمانه، وما يفعله من مباني الإسلام .
وقوله: «وحسابهم على اللَّه» تصريح بأن الغيب للَّه، والظاهر هو الذي يعتمده البشر ليس إلا، ولإيراد هذا الحديث بعد الأول فوائد: أحدها: إيضاح أنه لا فرق بين مقاتل وسالم في ذلك.
ثانيها: بيان أن القول هو المراد بالشهادة المذكورة في الأول.
ثالثها: إن عصمة الدم والمال على سبيل التحريم المحتم.
رابعها: أنه عصمة منه عليه السلام ومن كل أحد.
وفي الحديثين بيان الأسباب، والمحل إما محل الحكم، والظاهر بالدنيا فقط، وأما الآخرة، فمدار الحقائق كما يشعر به قوله: «وحسابهم على اللَّه».
وأما الأسباب فمنها: الاستصحاب كما في قوله: «أُمرت أن أقاتل» أي لأن الأصل عدم إيمانهم.
ومنها: إخبار العالم كما في ضميره الذي لا يعلم ما فيه إلا من جهته كما في قوله: «حتى يقولوا أو يشهدوا».
ومنها: اعتناء من أُمر بأعمال هي زاده ليوم مَعَاده بحيث يشق تضييع مثلها، فالتهاون في شرط أو فرض منها، كما في قوله: «ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة».
وروينا في الصحيحين من حديث أبي معبد مقداد بن الأسود قال: قلت لرسول اللَّه ﷺ: أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت للَّه، أأقتله يا رسول اللَّه بعد أن قالها؟ فقال: «لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» .
معناه أنه معصوم الدم، محكوم بإسلامه، وأنت مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر.
وفيه ذكر بعض ما يصرف الناس عن الحكم بالظاهر وهو شهوة الانتقام المشعر به قوله: قطع إحدى يديه، ثم قال ذلك بعد ما قطعها.
وقوله: «وإنك بمنزلته قبل أن يقولها» أبلغ منقد وزاجر عن إلغاء قوله
الذي هو مظنة إيمانه.
وروينا فيهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى الحُرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لي:»يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه«قلت: يا رسول اللَّه إنما كان متعوذًا، قال:»أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه«فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» .
وفي رواية: فقال رسول اللَّه ﷺ: «أقال لا إله إلا اللَّه وقتلته؟» قلت: يا رسول اللَّه إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا» فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ ، ومعنى مُتعوِّذًا: معتصمًا بها من القتل، لا معتقدًا لها.
وفيه ذكر ما يصرف عنه وهي أنه قالها متعوذًا خوفًا من السلاح، وبيان حكمة الحكم بالظاهر، وهي سلامة مهجة الصادق كما يشير إليه قوله: «حتى تعلم أقالها خوفًا من السلاح أم لا».
وفيه أيضًا بيان سبب مشروعية الحكم بالظاهر، وهو قصور السر عن الاطلاع
على حقائق الأمور كما يشعر به قوله: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم».
وروينا في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد اللَّه رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته -قال: وكنا نحدِّث أنه أسامة بن زيد- فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا اللَّه، فقتله، فجاء البشير إلى النبي ﷺ فسأله، فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال: «لم قتلته؟» قال: يا رسول اللَّه أوجع في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا -وسمى له نفرًا- وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا اللَّه، قال رسول اللَّه ﷺ: «أقتلته؟» قال: نعم، قال: «فكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟» قال: يا رسول اللَّه استغفر لي ، قال: «وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟» قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: «كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة؟» .
وفيه ذكر ما يصرف عنه من غيره الإسلام، وحدَّة حميَّته لأهل دينه، كما يشعر قوله: «أوجع وقتل من المسلمين» كما يشعر به قوله: وإني حملت عليه، والتهمة المشعرة بها قوله: فلما رأى السيف قال: لا إله إلا اللَّه .
وفيه وجه بليغ من وجوه: أحدها: قوله:»كيف تصنع بها«، وثانيها: قوله:»إذا جاءت يوم القيامة، ثالثها: الإعراض عن الاستغفار له، ورابعها: تكرير ذلك والتأوه منه.
وروينا في صحيح البخاري من حديث عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول اللَّه ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم ، فمن أظهر لنا خيرًا أَمنَّاهُ وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، اللَّه يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة».
وفيه أن المانع من الحكم بالظاهر إنما هو يقين الوحي، ونحوه كلام عيسى وصاحب جريج وشاهد يوسف وأن مجرد الاحتمالات لا تصلح مانعًا، كما يشعر به قول الفاروق: «وليس لنا من سريرته شيء» وفيه أن الأعمال البشرية إذا تعارضت مع دعوى الخيرية قدمنا الأعمال كما هو جلي من قوله لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة.
وحاصل الأحاديث إيجاب الحكم بالظاهر مرتبًا على سببه وملازمه، وبيان الأسباب ومحل الحكم بالظاهر، وبيان ما يصرف الناس عن الحكم بالظاهر، وحكمة الحكم بالظاهر، وفائدته وما يزجر عن تركه، وسبب مشروعيته، وما يمنع منه، وما لا يصلح مانعًا، وترجح أحد المتعارضين وسنته ذلك قتال الناس حكمًا بان لا أمان لهم بأنه الظاهر على فترة من الرسل، ومثله الإغارة على من لا أذان فيهم حكمًا
بكفرهم لأنه ظاهر الإخلال بشعار الدين بعد أن ضرب الإيمان بجرابه، وفيها غير ذلك مما لا يخفى على متأمل ومستوضح ومتمهل.
فصل في النهي عن البدع ومحدثات الأمور
والمراد بها ما خالف الحق أو تردد في الصدر أو أنكره القلب أو ردَّته الشريعة.
وهي في اللغة ما ليس له مثال سابق، ومن هذا السنَّة الحسنة وغيرها.
واللغوية هي التي انقسمت إلى الأحكام الخمسة، وكل بدعة ليست شرعية فضلالة.
قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ فلا واسطة بينهما، فمن أخطأ الحق وقع في الضلال.
وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فكل شيء فيه خير ما، فالكتاب المجيد مشتمل عليه لم يفعل ولم يترك بناء على أن الكتاب القرآن، وهو مذهب الجمهور، لا الأجل ولا اللوح المحفوظ.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي الكتاب والسُّنَّة، فيجب الرد إليهما إذ ذلك.
وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية، فاتباع السبيل مفوق عن الإسلام الذي هو صراط أهل الأيمان الموصل إلى أعالي الجنان.
وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ، فمن أحب اللَّه اتبع رسوله، ومن اتبعه أحبه اللَّه، فأقبح بالبدعة الصادة عن الحق، ولا خير فيها ولا مرجع إلى اللَّه ورسوله، ولا اتباع بها لصراط اللَّه بل لسبيل يفرق عن سبيل اللَّه، ويبعد عن محبة اللَّه، أعاذنا اللَّه منها بمنه.
والآيات في الباب كثيرة معروفة.
وأما الأحاديث فكثيرة جدًا مشهورة منها:
حديث العرباض السالف في المحافظة على السنَّة، فهو خامة مرتعها قاتل لا يستردف سُم، ولا أرجى منه ولا أهلك.
ومنها حديث عائشة مرفوعًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أخرجاه.
ولمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» أي فهو زيف مردود لا يتوصل به إلى خير دنيا ولا أخرى.
ومنها حديث جابر رضي الله عنهما قال: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول:»بُعثت والساعة كهاتين«ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول:»أما بعد، فإن
خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» ثم يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا لأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ» أخرجه مسلم.
فالمحدث شرّ الأمور المؤذي للدين والقلب، إذ كله ظلم وغل.
فصل فيمن سنَّ سُنَّة حسنة أو سيئة
قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وهو ظاهر في مدح سؤالها في الدين، إذ هو المتبع المقتدى به، والمراد الحسن.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ فأكرم بهذا الإنعام، وبدأنا بالآية الأولى لاقتضائها الوقوع، وبه يتحقق الإمكان.
وروينا في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي رضي الله عنهما مرفوعًا : «من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص
من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» وإنما جعل الفعل سببًا من حيث إنه موقظ وموضح ومسهل.
وروينا في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما مرفوعًا: «ليس من نفس تُقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سنَّ القتل» .
مجلس في الدلالة على الخير والدعاء إلى الهدى أو الضلالة
قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ .
وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ فالآية الأولى آمرة بالدعاء، وهذه مما يدعى به.
وهذه باعتبار مراتب المدعو في النباهة التامة وسلامة الصدور.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ .
وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ فالآية الأولى معمِّمة لوجوه البِّر، والثانية مبينة بأنه فرض كفاية.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنهما مرفوعًا: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» أخرجه مسلم، وهو حاث على الترغيب بالدلالة.
وروينا فيه أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما مرفوعًا: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» .
وروينا في الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه:»أنه ﷺ قال لعلي رضي الله عنه يوم خيبر: «فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمُر النعم» .
وأي ترغيب أعظم من هذا في الهداية والتعليم، فإن حُمُر النعم فيها من النفع والجمال لأربابها أنفس شيء وأعزه، فكيف أجرها بالصدقة ونحوها وفي الذي قبله ترغيب في الدعاء إلى الهدى، والتحذير من الدعاء إلى الضلالة بمثل أجر فاعل ذلك.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنهما: «أن فتى من أسلم قال: يا رسول اللَّه إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به، فقال:»ائت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض«فأتاه فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يُقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة أعطيه الذي تجهزت به ولا تحبسي عنه شيئًا، فواللَّه لا تحبسي منه شيئًا فيبارك لك فيه» وهو ظاهر في الدلالة على الخيرات كالعالم والعابد والواعظ والمتصدق وغير ذلك من العقائد والنصائح.
ومدار هذه الأحاديث على الترغيب في الدلالة والدعاء والهداية بالقول البين بجزيل الأجر وبالفعل الجاذب إلى الاقتداء.
مجلس في التعاون على البر والتقوى
كل منهما يشمل الآخر إذ أفرد، ويتميزان عند الاجتماع، فإن الأول فعل الخيرات، والثاني ترك المنكرات.
وفي الكتاب العزيز كثير من ذلك، منه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ الى آخرها.
قال الشافعي: كلامًا معناه أن الناس أو أكثرهم في غفلة عن تدبر هذه السورة، وهو كما قال، فيحتمل أملًا، فأقسم اللَّه بالعصر، وهي الوسطى، والمراد بالإنسان جميعهم، والخسر: النقص، وذهاب رأس المال، فالكافر في ضلال حتى يموت ويدخل النار فيهلك نفسه وعمره أكثر رأس ماله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣] بالقرآن المجيد، ﴿بِالصَّبْرِ﴾ عن المعاصي.
وروى أبو أمامة عن أُبي بن كعب قال: قرأت على رسول اللَّه ﷺ
﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١] فقلت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه ما تفسيرها؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ ﴾ قسم من اللَّه، أقسم ربكم بآخر النهار، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أبو جهل بن هشام ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الصديق، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الفاروق، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣] عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عليّ.
وروينا في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا:»من جهز غازيًا في سبيل اللَّه فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا«.
وفيه المعاونة للغازي بالمال، والقيام على العيال بالخدمة البدنية ونحوها، والترغيب في كل منهما بأنه غزو .
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري:»أن رسول اللَّه ﷺ بعث بعثًا إلى بني لحيان من هذيل فقال: «لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما» .
وروينا فيه أيضًا من حديث ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ لقى ركبًا بالروحاء فقال: «من القوم؟» قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: «رسول اللَّه»، فرفعت
إليه امرأة صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر» فيه معاونة الحاج بالمال والبدن، ونية الإحرام.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «إن الخازن المسلم الأمين الذي يُنفِذُ»، وفي لفظ: «يعطي ما أُمِره به، فيعطيه كاملًا مُوَفَّرًا طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أُمِر له به أحد المتصدقين» فليحرص على الدفع كما أُمر له به من غير مطل بطيب نفس وبشاشة، ومدار هذه الأحاديث على الترغيب في المعاونة، وبيان مجاريها وصفتها، وقس بالأول والثاني إعانة كل دافع للشر، وبالثالث إعانة كل معظم لأمر اللَّه، (وبالرابع من) (*) مشفق على خلق اللَّه، وفي الرابع: الإعانة بمنفعة الوكالة، وفيما قبله بالمال والبدن (حرامته) (*) وخدمة وغير ذلك.
فصل فى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والمعروف كل مناسب أن يتقرب به شرعًا والمنكر غيره.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ .
وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية.
وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية.
وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الآية، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .
وروينا فيه أيضًا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «ما من نبي بعثه اللَّه في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهر مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» .
وروينا في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنهما قال: «بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللَّه -تعالى- فيه
برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في اللَّه لومة لائم» .
المَنْشَط والمَكْرَه بفتح ميميهما: أي السهل والصعب. والأثرة: الاختصاص بالمشترك، وبَوَاحًا: ظاهرًا لا يحتمل تأويلًا، فشرط الإنكار كون المنكر كُفرًا بواحًا أن يكون فيه برهان من اللَّه، أي دليل جلي لا يقبل الاجتهاد، وأن رعاية القلوب ليست عذرًا.
فالمؤمن لا يخاف في اللَّه لومة لائم، بل يقول الحق ولو كره المشركون.
وروينا في صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعًا: «مثل القائم في حدود اللَّه -تعالى- والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان الذين في إسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» .
معنى القائم في حدود اللَّه: المنكر لها في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود ما
نهى اللَّه عنه، واستهموا: اقترعوا، فالأخذ على يد العاصي أهم مهم؛ لأنه كمنع خارق السفينة من خرقها المهلك لجميع من فيها عن عال أو سافل.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أم سلمة مرفوعًا: «يستعمل عليكم أمراء فتعرفون منهم وتنكرون، فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم» ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول اللَّه ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا» وفي رواية: قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ».
ومعناه من كره بقلبه، ولم يستطع إنكارًا بيده ولا لسانه فقد برئ من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضى بفعلهم وتابعهم عليه فهو عاص، فالعجز مع الأمراء ونحوهم عذر سقط غير إنكار القلب، وأن العجز عبارة عن توقف التغير عليه مقابلة ونحوها لم يأذن فيها أرباب الشوكة المطاعة.
وروينا في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش أم المؤمنين: أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: «لا إله إلا اللَّه، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث».
قلت: وهو متأيد بمثال خرق السفينة السابق.
وروينا فيهما من حديث أبي سعيد الخدري السابق مرفوعًا : «إياكم والجلوس في الطرقات» فقالوا: يا رسول اللَّه ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول اللَّه ﷺ: «فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه» قالوا: وما حقه؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» .
والمراد بكف الأذى من منكرات العين واليد واللسان وظن السوء.
وروينا في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في أصبعه» فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول اللَّه ﷺ: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا واللَّه لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول اللَّه ﷺ .
قلت: وهذا بيان صفة تغيير اليد.
وروينا فيه أيضًا من حديث الحسن البصري: «أن عائذ بن عمرو دخل على عبيد اللَّه بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:»شرُّ الرِّعاء الحطمة«، فإياك أن تكون منهم، فقال له: اجلس فإنما أنت من نُخالة أصحاب محمد ﷺ، فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما النخالة بعدهم وفي غيرهم» .
ففيه بيان تغيير اللسان، ولم يقل فيه: أنت منهم، وإنما حذَّره، ثم أنكر بلسانه ثانيًا.
وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث حذيفة مرفوعًا: «والذي نفسي بيده لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» .
ففيه التهديد البليغ ليُسمع، وفي أدنى من ذلك ما يزجر اللبيب.
وروينا في سنن أبي داود، وجامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» .
ورواه النسائي بإسناد صحيح من حديث طارق بن شهاب البجلي مرفوعًا: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول ما هذا، اتق اللَّه ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله ولا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض» ثم قال: «﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ [المائدة: ٧٨] إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾» ثم قال: «كلا واللَّه، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو لتقصرنَّه على الحق قصرًا، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم بعضًا، ثم ليلعننكم كما لعنهم» رواه الترمذي وحسنه بلفظ: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون».
قال: فجلس رسول اللَّه ﷺ وكان متكئًا فقال: «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا» .
معنى تأطروهم تعطفونهم، ولتقصرنَّه: أي لتحبسنه.
ففيه وجوب تكرير الإنكار، ولا يسقط بمرة، وكيف يسقط وقد رأى المعصية تأتي كل يوم؟ ثم المواكلة والمجالسة تأنيس لا يناسب مُلابِسَ العصيان المصرّ عليه.
وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة من حديث أبي بكر الصديق قال:»يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهُم اللَّه بعقاب منه»«.
وفي موضع هذه الآية وجهان: أحدهما: وهو مذهب الصدّيق: أنها فيمن يخاف من كفر أو وقوع عصيان في الوجود، وثانيهما: وهو مذهب ابن مسعود: أنها فيمن سقط الإنكار عنهم، وفيه وجه ثالث: أنها لرفع فرض الإنكار في آخر الزمان، ولا شك أن الإنكار لا يسقط فرضه عند اجتماع شرائطه وإذا سقط لانتفاء شرطه لم يضُر الضار إلا نفسه.
فصل في تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف فعلُهُ قوله
قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ فنسيان النفس مع نصح الناس مخالفة لبداهة العقول.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ
اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ فلا مقت أكبر منه.
وقال تعالى إخبارًا عن شعيب عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
فالمخالفة إلى النهي لوم وسقوط مروءة، فالمخالف مخالف للعقل والشرع ولؤم الطبع.
وروينا في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا: «يؤتى بالرجل فيلقى في النار، فيندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؛ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» .
ويندلق بالدال المهملة معناه يخرج، والأقتاب الأمعاء، واحدها قتب، وشبهه بالحمار من حيث أنه حمل أسفار العلم ولم يعمل لها، واندلاق أقتابه إما لأن المخالفة كانت للشهوات، وإما لأن جنايته الحسية والمعنوية كانت مكتوبة، وظهر حسنها لما ظهر معناها، فافتضح حسًّا ومعنى.
فصل في الأمر بأداء الأمانة
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
وهو دال على تعظيم أمر الأمانة، وتفخيم شأنها. والمراد بالأمانة الطاعة والأحكام؛ لأنها لازمة كما أن الأمانة لازمة الأداء، ومنهم من فسّرها بالتوحيد أو أدلته، ومباني الإسلام، أو أن لا يغتاب مسلمًا، أو حفظ الفرج، أو غسل الجنابة، وكله واضح، وعرض ذلك على الجمادات إما لعقل خلق لها حينئذ، وإما على سبيل العرض والتمثيل، أو المراد أهلها، وإباؤها من حيث أنه عرض لا إلزام بدليل: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] في الإلزام. وحمل الإنسان لها إن كان منع أدائها فالظلم والجهل له لائح، وإن كان لحمله والتزامه فهو ظلوم لنفسه الضعيفة، جهول بما في الأمانة من الشدة، وما لها من خطر العاقبة.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا : «آية المنافق ثلاث» منها «وإذا ائتمن خان»، وقد سلف في الكلام على الوفاء بالعهد.
وروينا فيهما من حديث حذيفة وقد سلف هناك بطوله، وأن محل الأمانة جذر قلوب الرجال، وأنها ترفع، وتارة تبقى لها أثر، حينئذ (تأولو) كنت، وتارة لا تبقى بل كأثر المجل.
وقوله حتى يقال للرجل ما أجمله! ما أظرفه! وليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، إشعار بانتفاء الإيمان، إذ لا إيمان لمن لا أمانة له. وفيه أن رفع الأمانة وقع في زمن حذيفة، وسلف فيه حديث حذيفة وأبي هريرة، وأن الأمانة والرحمة يقومان مقام جنبتي الصراط، وليس إلا لإنجائهما من قام بحقها وإخلائهما من ضيعهما، وأي ترغيب وترهيب مثل هذا، وسلف في حديث عبد اللَّه بن الزبير الطويل، وفيه: أن الاستعانة بالمولى -سبحانه- تزيل كربة معسرها وأن حرص الزبير ووصيته المبادرة بقضاء دينه، وحرص وصيته على ذلك أعقب ما لم يكن يحتسب من بركة لا توصف، ثم حساب الدين وضبطه والنداء في الموسم سنين، وهذه أفعال المؤمن الناصح الصادق.
مجلس في تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة عليهم
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ والحُرُمات جمع حرمة، وهو ما يجب القيام به، ويحرم انتهاكه، والتفريط فيه من الأوامر والنواهي والحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن، وكل ما يجب احترامه.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ والشعائر جمع شعيرة، أي ما أشعِرَ وجعل شِعَارًا وعَلَمًا في دين اللَّه من أعمال البر ومواطنها وعلمائها والدعاة إليها والعمال بها، ونحو ذلك من المعالم الشاملة للحج وغيره، وتعظيم الحرمات والشعائر بأنها واجبة المراعاة والحفظ، ثم القيام بمن أعانه وتوفيته حقوقها.
وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي النزول بهم والتواضع لهم، ولين الجانب معهم، والجلوس بينهم، ونحو ذلك.
وقال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
ففيها تنزيل النفس الواحدة منزلة الناس جميعًا في إساءة أو إحسان؛ لأن كل إنسان يُدلي مما يدلي به الآخر من الكرامات على اللَّه وثبوت الحرمة، فإذا قتل بغير حق فقد أهان ما كرَّم اللَّه وهتك حرمته، فإذا قتل بحق فقد عكس فالواحد والجمع إذن واحد، فالآية الأولى مرغِّبة في التعظيم من حيث إنه حرَّمه من حيث إنه شعار، والثالثة تعظيم خفض الجناح، والرابعة: تفخيم ما نوى من إحسان أو إساءة، فخفض الجناح ذكر بين سبب ومرتبة، والسبب سابق وهي تابعة الموجود، وفي كل آية مُرغِّب يخصها.
ولنذكر أحاديث مدارها على بيان خاصة المؤمنين، وأصول معاملات الناس، وآثار الرحمة وأنواع الإثارة والتحذير من أذية أحد منهم، وأنواع من الأذى المجتنب والحقوق المؤداة ونوعهما اللذان هما نصرة تدفع المضرَّة، وكرامة تجلب بها المسرَّة.
فروينا في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» .
قلت: فذلك نعمة تُشكر، ومصلحة تُنشر وتُحمد، وبذلك تنشط النفوس لتعظيم حرماتهم إذ هم عين الإنسان وعضده وقوة ضعفه وأنصاره في مهماته، ونحو ذلك.
وروينا فيها من حديثه أيضًا مرفوعًا: «من مرَّ في شئ من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين منها شيء» .
ففيه الحذر البليغ من إيذاء أحد منهم ودفع ما يتوقع من أدنى أذية لهم، وقمع كل مؤذ عنهم، وقد نبه على ذلك بما ذكر من القبض.
وروينا فيهما من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» .
ففيه التوجع والتسلية والانقباض والقلق مما يقع بأحدهم مما الإنسان عاجز عن منعه ورفعه كما مثل بالجسد.
وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قبَّل النبي ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس ، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول اللَّه ﷺ وقال:»لا يُرحم من لا يَرحم«. وفيه التحنن والتلطف والتأنيث لأطفالهم بالقبلة وغيرها.
وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالت:»قَدِمَ ناس من الأعراب على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: تُقبلون صبيانكم؟ قال: «نعم» قالوا: كلنا واللَّه ما نُقَبِّل، فقال رسول اللَّه ﷺ: «وأملك إن كان اللَّه نزع منكم الرحمة»«.
وفيه رقَّة القلب ورحمته وتأثره لضعفهم بحيث يكون الباطن أشد من الظاهر.
وروينا فيهما من حديث جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا: «من لا يرحم الناس لا يرحمه اللَّه» ، وفيه الرحمة الباعثة على المصالح، ولا أبلغ من هذا الترغيب والتهديد، فمن علم أن من لا يرحم لا يُرحم، احتاج إلى أن يرحمهم لاضطراره إلى ربه في كل نَفَسٍ، وعلى كل حال.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا صلَّى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير» وفي لفظ «وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» .
وفيه نوع من آثار الرحمة وهو تخفيف ما كلفوه، وتسهيل ما تقيدوا به من اقتداء في حال صلاة أو غيرها، فإن فيهم المعذور كما ذكر.
وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالت «إن رسول اللَّه ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم» .
وفيه الانفكاك عما يتوقع منه مشقة على أحد، كترك فعل يخشى أن يفرض على الناس لو لم يترك.
وروينا فيهما أيضًا من حديث عائشة قالث: «نهاهم النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال:»إني لست كهيئتكم؛ إني يطعمني ربي ويسقيني«»
أي يجعل فيَّ قوة من غير أكل وشرب، وفيه إخراج من التزم ما يشق عليه التزامه كالوصال ونحوه.
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي قتادة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «إني لأقوم في الصلاة وأريد أن أُطول فيها، فأسمع بكاء الصبي أتجوِّزُ في صلاتي كراهية أن أشق على أمه» .
وفيه رعاية القلوب، وإن أدى إلى ترك مصالح جليلة، فَيُجَوِّز مريد التطويل كما ذكر.
وروينا في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد اللَّه مرفوعًا: «من صلَّى صلاة الصبح فهو في ذمة اللَّه، فلا يطلبنكم اللَّه من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يَكُبُّه على وجهه في نار جهنم».
وفيه التهديد الأبلغ والتحذير الأشد من الإقدام على ترك الذمة والجوار والإقدام على الجراءة على إخفار ذمة الجليل مالك الملك خطير لا يرجى معه حلم.
وروينا في الصحيحين من حديث ابن عمرو مرفوعًا: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فَرَّج عن
مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة».
وقد اشتمل على بيان أنواع من الأذى كالظلم والمسلم المتقاعد عن حاجة يسهل قضاؤها وتفريج كربة وستر مسلم.
وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه، التقوى ههنا، بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم». وهو مشتمل على بيان أنواع أُخر من الأذى.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا».
ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه». وفيه بيان أنوع أُخر كالتحاسد ونحوها.
والنجش: أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يغر غيره، وهذا حرام.
والتدابر: أن يعرض عن إنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء ظهره ودبره.
وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه».
وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قال رجل: يا رسول اللَّه أنصره إذا كان مظلومًا، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره» .
وفيه ذكر أحد نوعي المصالح المحبوبة، وهي النصرة وتقوية اليد والإعانة والإغاثة سواء كان ظالمًا أو مظلومًا.
وفي قوله: «انصر أخاك ظالمًا» إشعار بأن الأخذ على يده نصر له، وحينئذ سهل الأمر على الآخذ والظالم، وبسط الصدر لهم وأشباه هذا مما يندب لو عبر عنه بغير ذلك.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «حق المسلم على
المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس».
وفي رواية لمسلم: «حق المسلم على المسلم ست» قيل: ما هن يا رسول اللَّه؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد اللَّه فشمته ، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» ، وفيه بيان الحقوق الإلزامية السارة تعاطيها.
وروينا من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «أمرنا رسول اللَّه ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم الذهب وعن شرب بالفضة وعن المياثر الحُمُر وعن القسي وعن لبس الحرير والاستبرق والديباج» وفي رواية: «وإنشاد الضالة» في السبع الأول.
المياثر: جمع ميثرة، وهي شيء يتخذ من حرير ويحشى قطنًا أو غيره، ويجعل في السرج وكور البعير، يجلس عليه الراكب.
والقَسِّي: بفتح القاف وكسر السين المهملة المشدده، وهي ثياب تنسج من حرير وكتان مختلطين، وإنشاد الضالة: تعريفها.
[١ / ٢٨٠]
مجلس في ستر عورة المسلمين والنهي عن إشاعتها
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ .
وفيها تهديد بليغ للذين يحبون أن تظهر الفاحشة وتشيع، فما ظنك بمن يشيعها.
ومعنى العورة: العيب والتقص وكل ما يسوء ويستحيا منه، وكل ظل متخوف منه.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره اللَّه يوم القيامة» .
وفيه الترغيب في الستر والتنفير من أن يهتك أحد ستر أحد، وما أذن الشرع في هتكه فيستثنى بدليله.
وروينا في الصحيحين أيضًا عنه مرفوعًا: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره اللَّه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر اللَّه عليه»
وهو دال على التنفير من هتك الأستار.
وروينا في الصحيحين أيضًا من حديثه مرفوعًا:»إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر« ففيه النهي عن التثريب وهو التوبيخ والتقبح والتعيير البليغ، والاستقصاء في اللوم.
وروينا في صحيح البخاري عنه أيضًا قال:»أُتي النبي ﷺ برجل قد شرب قال: «اضربوه» قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه، قال: «لا تقولوا هكذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان» .
ففيه النهي عن شتم الآثم وإخزائه المعين للشيطان عليه، إذ يجد طريقًا إلى تبغيض المؤمنين له، وتبغيض مجالسهم ومجامعهم إليه، بل أن يروه أو يراهم، وربما جرَّه ذلك إلى صحبة الأشرار الفُجَّار، ويتعذر الفلاح حينئذ.
فمدار الأحاديث إذن على إمساك اللسان عن التلمظ بمضغة طال ما لفظها الكرام، وعن التعبير والإخزاء بها.
مجلس في قضاء حوائج المسلمين
قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
أمر اللَّه -تعالى- بذلك، والخير يُفسر بصلة الرحم ومكارم الأخلاق.
وقد روينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: «المسلم أخو المسلم» إلى آخره، سلف قريبًا في تعظيم حرمات المسلمين.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اللَّه له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده، ومن بطا به عمله لم يسرع به نسبه» .
ومدار الحديثين على مهمين: الترغيب بمضمون تحريهم وصفهم في دفع المكاره عن الإخوان، وجلب المسار إليهم، وذكر أنواع ذلك وأهله ومحله، ففي الحديث الأول التهييج وإثارة الرحمة، وبيان الأهل والمحل بقوله: «المسلم أخو المسلم» .
وفيه الترغيب بان يدان المسلم كما دان، وبيان أنواع من الخير كالسعي في حوائج الإخوان، وبعد تفريج الكرب وستر المسلم، ففي التدريج رفع الألام والستر، ودفع الفضائح وإبقاء الرجاء للممات.
وفي الثاني تقديم التنفيس لأنه أهم في بعض الأشخاص أو بعض الأحوال إذ ضيق الحال لا قرار معه، وأردفه بالتيسير على المعسر؛ لأن الإعسار كربة، ثم أردفه بالستر والمعاونة، وهي السعي في الحاجات، ثم ختم ذلك بطلب العلم والاجتماع على التلاوة والتدارس، وهو أهم الحاجات.
مجلس في الشفاعة
قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ .
وهي التي روعي فيها حق المسلم، ورفع عنه بها شر أو جلب إليه بها خيرًا، وابتغى بها وجه اللَّه، ولم يؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود اللَّه، ولا في حق من الحقوق، والسُّنَّة ما كان بخلاف ذلك.
وقيل الشفاعة الحسنة : الدعوة للمسلم، والنصيب قول الملك: ولك بمثل، والسيئة الدعاء عليه، واللبيب متيقظ لحكم القرآن فيقدم على ما يسوغ ويحجم عن ضره غير غرّ ولا متغافل، وذكر النصيب في الخير والكفل في الشر من باب اليقين في البلاغة، ولا يصح أن يقال إن الكفل في الشر، فقد قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ .
وروينا في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال: «كان رسول
اللَّه ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي اللَّه على لسان نبيه ما أحب» وفي لفظ «ما شاء».
وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها رسول اللَّه ﷺ: «لو راجعتيه» قالت: يا رسول اللَّه تأمرني؟ قال: «إنما أشفع» قالت: لا حاجة لي فيه. ومدار هذين الحديثين على الترغيب في الشفاعة بالقول والفعل، وعلى بيان أنواعها بطلب الشافع، وطلب كل أحد لها، وفي كل محل وعند كل أحد وإيضاح العذر عند المنع، ثم المطلوب منه شفاعة تقبل لا مطلق الشفاعة وعلى أن المشفوع عنده بالخيار إن شاء قبل، وإن شاء رد.
وعلى أن الرد لا ينقص من الشافع ولا من أجره، فعفى اللَّه عن بريرة كيف حمل قلبها رد شفاعة سيد الأولين والآخرين، لا (امترى) (*) لو قبلت ذلك لقلب اللَّه قلبها (راجسة) (*) وبورك لها فيه، واغتبطت به، لكن اللَّه جعل ذلك ليسهل بعده على كل شافع رد من رده، ففيمن شفع عندها أُسوة حسنة وعذرها متلمح من قولها: أتأمرني؟ فلم يقل: نعم.
مجلس في الإصلاح بين الناس
قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ .
ففيه أن الأمر بالإصلاح فيه خير، وإن من عمله ابتغاء مرضات اللَّه سوف يؤتيه أجرًا عظيمًا.
وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ .
ففيها الأمر بإصلاح الأحوال التي هي ذات البين حتى تكون أحوال أُلفة ومحبة واتفاق واتحاد وتواخ في اللَّه، وتواس فيما رزق اللَّه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ .
فالإيمان عقد بين أهله من النسب والسبب ما لا ينقص عن عقد الأخوة، ثم العادة السعي البليغ في الإصلاح بين أخوة الولادة، فالأخوة في الدين أولى بذلك، وأشد منه.
فالآية الأولى أمره بالصلاح، وفي الثانية وقوعه، والثالثة والرابعة الأمر بإصلاح ذات البين وبالإصلاح بين الأخوين.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كل سُلَامَي من الناس
عليهم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، وترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة حتى تعدل بينهما تصلح بينهما يصلح بينهما بالعدل» .
وروينا فيهما عن أم كثوم بنت عقبة بن أبي معيط مرفوعًا: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا أو يقول خيرًا» .
ولمسلم زيادة: «ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها».
وروينا فيهما من حديث عائشة قالت: «سمع رسول اللَّه ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول: واللَّه لا أفعل، فخرج رسول اللَّه ﷺ عليهما فقال:»أين المتألي على اللَّه لا يفعل المعروف؟ «قال: أنا يا رسول اللَّه، فله أيَّ ذلك أحب» .
معنى يستوضعه: يسأله أن يضع عنه بعض دينه. ويسترفقه: يسأله الرفق. والمتألي: الحالف.
وروينا فيهما من حديث سهل بن سعد الساعدي:»أن رسول اللَّه ﷺ بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج رسول اللَّه ﷺ يصلح بينهم في أناس معه، فجلس رسول اللَّه ﷺ وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، إن رسول اللَّه قد حبس وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال وتقدم أبو بكر فكبر وكبر الناس، وجاء رسول اللَّه ﷺ يمشي في الصفوف حتى وقف في الصلاة، وأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول اللَّه ﷺ، فأشار إليه رسول اللَّه، فرفع أبو بكر يده فحمد اللَّه ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف، فتقدم رسول اللَّه فصلى بالناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: «أيها الناس ما لكم حين نابكم في الصلاة أخذتم بالتصفيح إنما التصفيح للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللَّه» ثم التفت إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: «يا أبا بكر ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت عليك؟» قال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول اللَّه ﷺ .
ومعنى حُبِسَ: أمسكوه ليضيفوه، ومدار هذه الأحاديث على بيان أُجرة المُرغِّب فيه وأهله ومحله وشرطه وتوسع الطريق الموصل إليه، وأن الآلية لا تمنع منه، وأن المصالح عليه أنواع، وحسن الانقياد إليه وأنه من لسان الشارع حتى يمضي إليه وإن بَعُدَ عن أهله وجماعة مسجده.
وفي الحديث الأول أن أهله كل ذي سلامى ولا يعمهم مثله، وأن محله كل اثنين فأكثر، وإن شرطه أن يكون بالقول، فلا يحل حرامًا، ولا يُحَرِّم حلالًا، فإنه صدقة يرغب فيها طالب فكاكه من النار.
وفي الثاني أنها محبوبة للشرع حتى أباح من أهله ما هو حرام في غيره من أقوال خير لم تكن مطابقة ونفى شرعًا أن يكون قائلها كذابًا.
وفي الثالث قوله: «أين المتألي على اللَّه لا يفعل المعروف» وإن صاحب الحق قادر لإجابة خصمه، وأن المطلوب كان وضع بعض الدين إبراء، والإمهال والتيسير ترفقًا.
وفي الرابع خروجه ﷺ مع ناس للإصلاح، واحتباسه عندهم حتى حانت الصلاة ودخل فيها الناس.
مجلس في اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين
والإجابة إليهم والشفقة عليهم والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.
قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨] .
ففيها الأمر بخفض الجناح وصبر النفس معهم، ومثل ذلك كل وداد وتأنيس .
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ .
قلت: ويلتحق بهما كل إيذاء وتضييق.
وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ [الماعون: ١] إلى قوله: ﴿الْمِسْكِينِ﴾ .
قلت: ويلتحق بالحض على طعام المسكين كل إحسان ومعروف.
ولنذكر أحاديث مشتملة على حفظ قلوب الضعفة، والقيام بمصالحهم قدر الإمكان، وترك المشقة عليهم ورعاية فضلهم وبركتهم مع بيان مجاري ذلك، وما يغري به أو يحذر من تركه وما يترجح عند التعارض، وما يخشى أن يكون منافيًا، وما يستدرك به المنافي ونحو ذلك.
روينا في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: «كنا مع رسول اللَّه ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول اللَّه ﷺ ما شاء أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
ففيه حقظ قلوب الضعفة بترك طردهم، وروينا فيه أيضًا من حديث أبي هبيرة عائذ بن عمرو المزني، وهو من أهل بيعة الرضوان:»أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: واللَّه ما أخذت سيوف اللَّه من عنق عدو اللَّه مأخذها ، قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؛ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك» فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر اللَّه لك يا أخي.
معنى قوله مأخذها: أي لم تستوف حقها منه، وفيه حفظ قلوب الضعفة بترك إغضابهم.
وروينا في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى، فرج بينهما شيئًا .
وكافل اليتيم القائم بأموره، ففيه القيام بمصالح الأيتام وأمرهم.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار الراوي وهو مالك بن أنس بالسبابة والوسطى.
وقوله: «اليتيم له أو لغيره» معناه قريبه أو الأجنبي منه، فالقريب مثل أن يكون تكفُلُه أمه أو جده أو أخوه أو غيرهم من أقربائه.
وروينا في صحيح البخاري من حديثه مرفوعًا أيضًا: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف» ، وفي رواية لهما: «لكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطَنُ به فيُتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس» .
قلت: فمثل هذا يبادر إلى القيام بمصلحته.
وروينا فيهما عنه مرفوعًا: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللَّه» أحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر» .
قلت: فالقيام والسعي عليها أشرف العبادات وأدومها.
وروينا في صحيح مسلم عنه مرفوعًا: «شر الطعام طعام الوليمة؛ يُمْنَعُها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى اللَّه ورسوله» وفي رواية له وللبخاري من قوله: «بئس الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء» .
وفيه أن القيام في الضيافات بالفقراء أهم من الأغنياء أو مثله.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أنس مرفوعًا: «من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو» وضم أصابعه.
والمراد جاريتين أي بنتين، وفيه القيام بهما حتى يبلغا.
وروينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت: «دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ فحدثته فقال:»من ابتلي من هذه البنات بشيء
فأحسن إليهن كنَّ له سترًا من النار«».
وفيه الإحسان إلى البنات على الإطلاق، ولو بتمرة أو بشق تمرة.
وروينا في صحيح مسلم من حديثها أيضًا قالت: «جاءتني جارية تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول اللَّه ﷺ فقال:»إن اللَّه قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار« وفيه إيثار البنات على البنين.
وروينا فى النسائي بإسناد جيد من حديث أبي شريح خويلد بن عمر الخزاعي مرفوعًا:»اللهم إني أُحرِّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة«.
معنى أُحرِّج: الحرج وهو الإثم لمن ضيَّع حقهما وأحذر من ذلك تحذيرًا بالغًا، وأزجر عنه زجرًا أكيدًا، فإنه ليس من الشفقة والرحمة تضييع حق لأحد منهما، وخصم من يفعل ذلك هو اللَّه.
وروينا في صحيح اليخاري من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال:»رأى سعد أن له فضلًا على من دونه فقال النبي ﷺ: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟»« كذا رواه البخاري مرسلا، فإن مصعب بن سعد تابعي، ورواه
البرقاني متصلا عن مصعب عن أبيه.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد جيد عن حديث أبي الدوداء عويمر مرفوعًا: «ابغوني الضعفاء فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم» .
ففيه تعريف من يجهل أمر الضعفة بركتهم على الموجود وفضلهم على كل موجود بفضل وعاية اللَّه العظيم لهم، ونظره إليهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ وغير خاف من هذه الأحاديث من بيان مجاري اللطف والإحسان وصفته، وبيان المرغِّبات في ذلك، وأكد زجر من تركه، ودفع الصوارف عنه بسؤال الصناديد طرد الفقراء، وسهل مناولة ذلك، ومزيل نقيضه، والدوام عليه، وأرجحيته على نحو الصيام والقيام، وما يخشى أن يكون منافيًا، وما يستدرك به وأشباه ذلك.
مجلس في الوصية بالنساء
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فأمر بذلك.
وقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية .
ففيها أن ذلك على التشديد والمقاربة، والنهي عن كل ميل.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا» .
وفي رواية لهما: «المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» .
قوله: «على عوج» هو بفتح العين والواو فيه تكرار الوصية التي لا تُرَدّ، وإقامة العذر بأن الاعوجاج ضروري فيهن، وذاتي لهن، والإياس من واحدة منهن مستقيمة، وأن محاولة الإقامة مجرد عناء، ولا تفضي إلا إلى الكسر، وأن الاستمتاع بهنَّ متأت
مع ذلك أحسن التأتي، فليستسهل غيره.
وروينا في الصحيحين أيضًا من حديث عبد اللَّه بن زمعة رضي الله عنهما: أنه سمع النبي ﷺ يقول وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول اللَّه ﷺ: «﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ [الشمس: ١٢] انبعث لها عزيز رجل عارم منيع في رهطه» ، ثم ذكر النساء فوعظ فيهن فقال: «يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فعلها يضاجعها من آخر يومه» ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال: «إلام يضحك أحدكم مما يفعل».
ومعنى انبعث: قام بسرعة، والعارم: بالعين المهملة والراء: الشرير المفسد، وفيه التنبيه على منافاة مضاجعتهن وملاطفتهن لمجافاتهن وجلدهن والإغلاظ عليهن.
وفيه منع العرامة والجراءة على إماء اللَّه، والاستهانة بميثاقهنَّ الغليظ، وهو الموقع في الشقاء والتعب.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر» أو قال: «غيره» معنى يفرك: يبغض، يقال فرِكت المرأة زوجها وفرِكها زوجها بكسر الراء يفرَكها بفتحها: أبغضها، وفيه أن المؤمن لا بد وأن يجد في المؤمنة ما يرضيه، فيخبر به ما يكرهه ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وإذا المحب أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع
وروينا في جامع الترمذي من حديث عمرو بن الأحوص الجشمي: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد اللَّه وأثنى عليه، وذكر ووعظ ثم قال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهم سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم مَنْ تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن».
معنى عوان: أسيرات جمع عانية بالعين المهملة وهي الأسيرة، والعاني الأسير، شبه رسول اللَّه ﷺ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير، والضرب المبرح هو الشاق الشديد.
ومعنى فلا تبغوا عليهن سبيلًا: لا تطلبوا طريقًا تحتجون به عليهن، وتؤذوهنَّ به، فقد اشتمل على بيان أمور: أحدها: إن الذي يملكه الزوج حبسها على طاعته ويجب حكمه.
ثانيها: أنه يؤدب بقدر الحاجة من غير تبريح.
ثالثها: أن الإتيان بالفاحشة المبينة، أي التي لا يحتمل التأويل يؤدبن عليه.
رابعها: أن طاعتهن إذا وجدت انتفى السبيل عليهن.
خامسها: أن الحق المتوجه إليهن هو العفة والصيانة وحفظ الغيب.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث معاوية بن حيدة قال:»قلت: يا رسول اللَّه، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت»أو اكتسيت«ولا تضرب الوجه ولا تُقبِّح ولا تهجر إلا في البيت» .
ومعنى لا تقبح: لا تقول قَبَّحَكَ اللَّه، وفيه بيان ما يجب من حقوقهن، ومجامعه الكفاية وكف الأذى بيد أو لسان أو جفاء، فيواسيها بما يسوغ شرعًا ومروءة. وروينا في جامع الترمذي مصححًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم».
قلت: وهذا بيان منه عليه السلام على الدرجات.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث إياس بن عبد اللَّه بن أبي ذباب قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا تضربوا إماء اللَّه» فجاء عمر إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول اللَّه ﷺ نساء كثيرون يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم».
معنى ذئرن: اجترأن، وأطاف: أحاط، فالذائرات يحتملن ويسامحن، ولا يؤذيهن خيار الناس وأشرافهم، بل شرارهم وأطرافهم.
وروينا في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة».
قلت: وهذا حسن بالغ، أعنى الخيرية، وتعميم الدنيا بما فيها، ومدار هذه الأحاديث إلى بيان العناية الربانية بهن مع استحالة استقامتهن واستفتاح إهانتهن، وبيان الغرض المثالي والقدر المستفاد بالزواج وما تدعو الضرورة إليه من التأديب، وبيان العدل الواجب لهن، ومرتبة الفضل معهن وإن ذئرن، وبيان النعمة بهن وأشباه ذلك.
مجلس في حق الزوج على امرأته
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية ففضله عليهن بما قام به من الكمال، وبما يكون منه من النوال، وأنه بذلك يستحق القوامية بالأمر المطاع والتدبير المرجوع إليه، ونحو هذا، كما يقدم الولاة على الرعايا والقنوت ملازمة الطاعة والتذلل (والغيب) النفس والمنزل والعيال وذات اليد.
والأحاديث في الباب كثيرة منها: حديث عمرو بن الأحوص السالف المجلس قبله.
ومنها: حديث أبي هريرة المرفوع: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» أخرجاه.
وفي رواية لهما: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح» ، وفي رواية: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها» .
قلت: وأي منفِّر أو محذر مثل هذا.
ومنها حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» أخرجاه، واللفظ للبخاري، ووجهه أن الصوم يمنع الجماع شرعًا، وهذا في التطوعات.
ومنها: حديث ابن عمر مرفوعًا: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» أخرجاه أيضًا، فليحذر من أن يضيع شيئًا من حقه أو تنتهك شيئًا من حرمته.
ومنها حديث أبي علي طلق بن علي مرفوعًا: «إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور» أخرجه النسائي والترمذي وحَسَّنَهُ، وأي مبادرة وتأكيد طاعة كهذا.
ومنها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وفيه أن الزوج له
من المنزلة أن تسجد له المرأة ولولا أنه ممتنع شرعًا لأمرته، وأي تعظيم لأحد من الناس يداني هذا.
ومنها حديث أم سلمة مرفوعًا: «أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة» رواه الترمذي وحسنه.
وما أكرم هذا الوعد وأيسر هذا الوعد، وأيسر هذا العمل، وأشرف هذه المنزلة.
ومنها: حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك اللَّه، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا» رواه الترمذي وحسنه.
وفيه تحذير المرأة من أن تدعو عليها زوجة زوجها من الحور العين، ويغتم له إذا أوذي، وفي إثارة هذا من الغيرة وخوف استجابة اللَّه -تعالى- ذلك الدعاء أبلغ زجر عن إيذاء المرأة زوجها بأي أمر صغير أو كبير.
ومنها: حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «ما تركت بعدي فتنة أَضَرَّ على الرجال من النساء» أخرجاه.
ففتنة النساء أضرّ على الرجال من كل فتنة، فلتتق اللَّه امرأة كل زوج ولا تفتنه.
فمدار هذه الأحاديث على زجر المرأة أن لا تنتهك حرمة زوجها أو حقه بحسي أو شرعي، وحملها على المبادرة إلى طاعته، وعلى تعظيمه، والحرص على رضا قلبه وتحذيرها من إيذائه وفتنته.
[١ / ٣٠٥]
مجلس في النفقة على العيال
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ففيه توظيفهما به.
وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية، وهذا تفسير للمعروف.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ وفيها تسهيل ذلك على النفوس بوعد اللَّه لا غيره بأنه لا يخلفه ولا بد إما بثواب في الآخرة إما برزق غيره وإما بغير ذلك.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ دينار تنفقه في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في سبيل اللَّه، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك».
وروينا فيه من حديث ثوبان مرفوعًا: «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على
عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل اللَّه، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل اللَّه».
وروينا في الصحيحين من حديث أم سلمة قالت: «قلت: يا رسول اللَّه هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم؟ قال:»نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم«».
وفيه أن في الأولاد أجر النفقة إن كان الطبع يهوى ذلك.
وروينا فيهما من حديث سعد بن أبي وقاص في حديثه الطويل السالف في أوائل الكتاب في النية: «أن رسول اللَّه ﷺ قال له:»وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أُجِرْتَ بها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك«».
وروينا فيهما من حديث أبي مسعود البدري مرفوعًا: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة».
وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع مَن يقوت».
ولمسلم وغيره معناه: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته» ، قلت: ولا تهديد مثله.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم اعط منفقًا خلفًا، ولقول الآخر: اللهم اعط ممسكًا تلفًا».
فهذا دعاء للأول ودعاء على الثاني، فما أشرف السخاء دنيا وأخرى «ما نقص مال من صدقة».
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يُعفه اللَّه، ومن يستغن يغنه اللَّه».
ومرار هذه الأحاديث على بيان رتبة الإنفاق وأرجحيته عند التعارض، وحصول الأجر في الأولاد والزوجة، وأنه صدقة، وتحذير المرء أن يضيع من يقوت أو يحبس عنه قوته، والأمر بالبدأة بمن يعول، فليعتن به اللبيب جهده.
مجلس في الإنفاق مما يحب ومن الجيد
قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية.
وروينا في الصحيحين من حديث أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول اللَّه ﷺ يدخلها ويشرب من ما فيها طيب«قال أنس رضي الله عنهما:»فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إن اللَّه تبارك وتعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة للَّه أرجو برها وذُخرها عند اللَّه، فضعها يا رسول اللَّه حيث أراك اللَّه، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ: «بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت، وإني أرى أن تجعلهما في الأقربين» .
فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول اللَّه، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه».
روي: رايح، بالمثناة تحت، أي رايح عليك نفعه، وبالباء الموحدة أيضًا، وبيرحاء: حديقة نخل، بفتح الباء وكسرها.
وفيه المكافاة والاقتداء بالسادات وما يقابل والإشعار بمحبة الخير، والرغبة فيه والمبادرة إليه، واستشارة الأكابر، وقصد العمل بما فضل والتصدق بالمحبوب في الجهات المحبوبة، ومدح أهل الخير وتبشيرهم بعظيم الأجر ترغيبًا لهم ولأمثالهم، فينبغي مساعدتهم على مقاصدهم الصالحة، وأعمالهم الزاكية الرابحة.
مجلس في وجوب أمره أهله وأولاده الممترين وسائر من في رعيته بطاعة اللَّه تعالى ونهيهم عن المخالفة وتأديبهم ومنعهم من ارتكاب منهي عنه
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ قلت: ويلحق بها كل عبادة وخير.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قلت: فيلزموا بفعل الخيرات، وترك المنكرات، وتصحيح العقائد والنيات، وتحسين الأخلاق والمعاملات مع تسهيل التأديب وقبوله والترغيب فيه بذكر هول النار ووقودها وغلظة خزنتها، ورجوع أمرها إلى مالك الملك ذي البطش ﷻ.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما قال:»أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال ﷺ: «كخ كخ ارم بها، أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة» وفي رواية لهما: «لا تحل لنا الصدقة» .
وكخ كخ بإسكان الخاء وبكسرها من التنوين كلمة زجر للصبي من المستقذرات، وكان الحسن إذ ذاك صبيًا.
وفيه من أنواع التأديب خمسة: القبيح، ومخاطبة النصوح بما يفهم، كما يوضحها قوله: «كخ كخ» ، والأمر الموضح للمطلوب، كما في قوله: «ارم بها»، والتذكير والتعليل، كما في قوله: «أما علمت كذا. .» وهو من أخف المراتب وأولها وقوعًا، ثم اليد وفيه من مجاري التأديب بعظيم حرمات اللَّه في الأموال، وكونها مأكولة بلاغًا، وشدَّة الاعتاء لاسيما بالحرام منه، وبيان مستنده، وأن الإمام والعالم أو كبير المكان أو جد الصبي أو قريبه أهل للتأديب، وكيف باجتماعهما كما في النبي ﷺ مع الحسن.
وفيه من أسباب التأديب التساهل كما في أخذ التمرة وجعلها في الفم، ومثله كل تناول يتداعى إلى الفساد، ومن شرطه وضوح عدم الحل وعدم الإقدام بغير عذر وابداؤه للنواظر كما فعل الحسن.
وفيه من الحوادث علم حكم الشرع ورحمة القلب، وحفظ الأمانة كما يشعر قوله: «كخ كخ» أي إنه مستقذر شرعًا يصير نارًا في البطن كما يشعر بأنه تضييع لحق الفقراء، والمتصدق في قوله: «لا تحل لنا الصدقة».
وروينا في الصحيحين من حديث أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد ربيب رسول اللَّه ﷺ قال: «كنت غلامًا في حجر رسول اللَّه ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول اللَّه ﷺ:»يا غلام سم اللَّه وكل بيمينك وكل مما يليك« فما زالت تلك طِعْمَتِي بعدُ».
ومعنى تطيش تدور في نواحي الصحفة، وفيه من أنواع التأديب كنداء يا غلام، والأمر بضد المنكر، فمن أكل مما يليه لم تطش يده، وفي الطيشان إخجال يمنع المؤاكلة، وإنجاس له ولأمه من حيث أنه يتيم على مائدة متصدق مهان، فليراع المؤدب أمثال هذا، فعلى من هذه مكارمه أفضل صلاة وتسليم.
وفيه من مجازي التأديب ينال التناول، ويلحق به محاولة كل مفعول عادي بما بين الأكابر والعناية الشديدة.
وفيه بدئية التسمية والتيامن، وأن الأكل مما يليه أمر تأديب، وفي جميعها الإرشاد لحفظ العرض والوجاهة وتركه الطعام.
وفيه أن من أهل التأديب زوج الأم مع ما سلف ومن محله الربيب، ولاسيما كونه في الحجر، والصبي مع المخالط لقبول النصح، ولذلك قال: «لم تزل تلك طِعْمَتِي».
وفيه أن من أسباب التأديب الإساءة كما في الطيشان، ويلحق به كل عيب يعافه جليسه، ولا بد من كونه بغير عذر ليخرج الطيشان في الفاكهة.
وفيه من الحوادث الحاملة عليه الحنق والرحمة والنصيحة المفهومة من قوله: «يا غلام» فعليه من ربه المنان به على كل صغير وكبير أفضل صلاة وأزكى سلام.
وروينا في الصحيحين أيضًا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده
ومسئول عن رعيته» قال: وحسبت أن قد قال: «والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته».
وقد سلف قريبًا وهو مبين لأهله ومحله، وأشد مرغِّب في التأديب إذ السؤال من الديان لا بد له من جواب صواب، فليعين برعايته أُولوا الألباب ليحظوا بسعادة القيام به يوم المآب.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» ، وفيه من أنواع التأديب والتعليم والأمر به في حال، أو الضرب في آخر.
وفيه من مجاري التأديب الصلاة، ويلحق به ما يطيقه الصبي من صيام وتلاوة وأوراد وغير ذلك من العبادات والتعليم، وفيه صيانة الفروج بالتفريق في المضاجع، وفيه أن المؤدب الوالد، ويلحق به ذو الولاية كما في حديث سبرة بن معبد الجهني مرفوعًا: «علِّموا الصبي الصلاة لسبع، واضربوه عليها ابن عشر سنين». رواه أبو داود والترمذي وحسنه ، ولفظ أبي داود: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين».
وفيه الأمر بالضرب في سن التمييز وهو ابن سبع ونحوها، والضرب في سن إمكان البلوغ وهو عشر ونحوها، وفيه من أسباب التأديب الحاجة إلى تمرين النفس، واعتيادها الخير، وحفظ الفرج بعد التمييز عند مظنة البلوغ.
والحاصل من هذه الأحاديث بيان أنواع التأديب ومراتبه ومجاريه وأنواعه وأهله ومحله، وبيان سببه وشرطه، وبيان ما يحدث إليه ويعزي به.
مجلس في حق الجار والوصية به
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.
وروينا في الصحيحين من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: قال رسول اللَّه ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وهو دال على تأكد حقه وإظهار شدة الاعتناء بشأنه وتكرير الوصية به.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» وفي رواية له عن أبي ذر قال: إن خليلي ﷺ أوصاني: «إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف».
وفيه من أنواع حقه إسداء المعروف إليه وتسهيل فعله والدوام عليه.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «واللَّه لا يؤمن، واللَّه لا يؤمن» قيل: من يا رسول اللَّه؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» ، وفي لفظ: "لا
يدخل الجنة من لا يأمن جاره بواثقه» ، والبوائق: الغوائل والشرور، وفيه من أنواع حقه معاملات توجب أمن قلبه وطمأنينته بحيث لا يتوقع شيئًا من البوائق.
وروينا فيهما عنه مرفوعًا: «يا نساء المسلمات لا تحقرنَّ جارة جارتها، ولو فِرسِنَ شاة» .
وفيه من أنواع الحق أن هداياه وإن قلت حتى فرسنًا محقرًا لا يحتقر، وقد يلحق به كل إحسان كبشاشة ودعاء وتأنيس وتودد، ونحو ذلك.
وروينا فيهما عنه مرفوعًا: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، واللَّه لأرمينَّ بها بين أكتافكم» .
خشبة: ويروى بالإفراد والجمع، وبالتنوين على الإفراد، وقوله: مالي أراكم عنها معرضين، أي عن هذه السُّنَّة.
وفيه أن سؤاله لا يرد، وطلباته وحاجاته تُقضى له.
وروينا فيهما عنه مرفوعًا: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت» .
وفيه كف كل إيذاء عنه وعن أهله وعن أطفاله.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي شريح الخزاعي مرفوعًا: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت» ، وروى البخاري بعضه، وفيه الترغيب في الإحسان إليه.
وروينا في صحيح البخاري من حديث عائشة: «قلت: يا رسول اللَّه إن لي جارين فإلى أيهما أُهدي؟ قال:»إلى أقربهما منك بابًا« أي لأنه أقرب جوارًا كما جاء في رواية أخرى.
وروينا في جامع الترمذي مُحَسَّنًا من حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا:»خير الأصحاب عند اللَّه خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند اللَّه خيرهم لجاره" .
قلت: فاحرص أن تكون خيرهم عند اللَّه، واستعن باللَّه ولا تعجز.
والحاصل من هذه الأحاديث بيان تأكيد حق الجار، وأنواع ما ينبغي معه، وأولى الجيران عند التزاحم وتفاوت درجات الإحسان لتحرص، ويتنافس في أعلاها المتنافسون.
مجلس في تحريم العقوق وقطيعة الرحم
قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ فالقاطع لُعِنَ وصُمَّ وَعُمِيَ.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] ذكر ذلك بلام الاستحقاق.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] الآية، وأُف والنَّهْرُ نوعان نبه بهما على الأعلى بالأدنى.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «الإشراك باللَّه وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس وقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت« فقرن عقوق الوالدين بالشرك باللَّه، وحكم بأنه أكبر الكبائر،
ولا مرتبة أعلا من هذا.
وروينا في صحيح البخاري من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «الكبائر الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» .
واليمين الغموس التي يحلفها كاذبًا عامدًا، سميت غموسًا لأنها تغمس الحالف في الإثم، فجعل العقوق بين الشرك وقتل النفس، وهي مرتبة عظمى.
وروينا في الصحيحين عنه مرفوعًا: «من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه» قالوا: يا رسول اللَّه، وهل يشتم الرجل والديه؟!! قال: «نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» .
وفي رواية: «من الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول اللَّه كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسبُّ الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه» .
وهذا النوع من العقوق وهو السب بشتم الناس وبلعنهم إلى أن يسُبَّ الأب والأم .
وروينا فيهما من حديث أبي محمد جبير بن مطعم رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا يدخل الجنة قاطع» قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم، قلت: وهذا غاية في التنفير.
وروينا فيهما من حديث أبي عيسى المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما مرفوعًا: «إن اللَّه حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ومنع وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» .
قوله: منع معناه: منع ما وجب عليه، وهات: طلب ما ليس له، ووأد البنات: دفنهن في حال الحياة، وقيل وقال: معناه الحديث بكل ما سمعه، فيقول: قيل كذا، وقال فلان كذا مما لم يعلم صحته ولا يظنها «وكفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع» وإضاعة المال: تبذيره وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها من مقاصد الآخرة والدنيا، وترك حفظه مع إمكان الحفظ، وكثرة السؤال: الإلحاح فيما لا حاجة إليه.
وفي الباب أحاديث مذكورة في باب بر الوالدين كحديث: «واقطع من قطعك» ، وحديث: «من قطعني قطعه اللَّه» فخاصة القطيعة قطع اللَّه لصاحبها ونتائج ذلك من الشفا لا تنحصر.
وحاصل هذه الأحاديث بيان مرتبة العقوق، وأنواع منه ونتائجه وحكمه ومنفرداته وزواجره.
مجلس في فضل بر أصدقاء الأب والأم
والأقارب والزوجة وسائر من يندب إكرامه.
روينا في صحيح مسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا: «أبر البر أن يصل الرجل ودَّ أبيه» ، وفي رواية له: أن ابن عمر أعطى أعرابيًا دابة وعمامة لأنه كان ودَّ أبيه.
قلت: وهذا التعبير أعني أنه أبر البر، أعلا المراتب، ولقد كان ابن عمر شديد الاتباع، فبرَّ هذا الأعرابي صديق والده بما قدر عليه.
وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما نحن جلوس عند رسول اللَّه ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول اللَّه هل بقي من بر أبويّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم؛ الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» .
وروينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت: «ما غِرْتُ على أحد من نساء رسول اللَّه ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة؟ فيقول:»إنها كانت وكانت، وكان لي
منها ولد» ، وفي رواية: «إن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهنَّ» ، وفي رواية: «كان إذا ذبح الشاة يقول:»أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة«، وفي رواية قالت:»استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول اللَّه ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال: «اللهم هالة بنت خويلد» .
قولها: فارتاح هو بالحاء المهملة، وفي جمع الحميدي فارتاع بالعين ومعناه: اهتم به.
وروينا في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: «خرجت مع جرير بن عبد اللَّه البجلي في سفر فكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل، فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول اللَّه ﷺ شيئًا، آليت أن لا أصحب أحدًا منهم إلا خدمته» .
وحاصل هذه الأحاديث بيان مرتبة بر أصدقاء الأب، وأنه من حقوقه وبيان أنواع منه، ومحله وبيان أنه شأن الأكابر وأهل الوفاء، والترغيب فيه قولًا وفعلًا.
مجلس في إكرام بيت رسول اللَّه ﷺ وبيان فضلهم
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ .
وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وروينا في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنهما قال:»قام رسول اللَّه ﷺ فينا يومًا خطيبًا بماء يُدعى خُمًّا بين مكة والمدينة فحمد اللَّه وأثنى عليه ووعظ وذَكَّر، ثم قال: «أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسولُ ربي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به» فحث على كتاب اللَّه ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي» فقال له الحصين: ومَنْ أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي،
وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حُرِمَ الصدقة؟ قال: نعم.
وفي رواية له: «ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب اللَّه، وهو حبل اللَّه من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة» .
وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عمر عن أبي بكر الصديق موقوفًا عليه أنه قال: «اُرقبوا محمدًا ﷺ في أهل بيته».
ومعنى ارقبوا: راعوه واحترموه وأكرموه.
مجلس في فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر
وهو فيما قال الجنيد: استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب.
وقال أبو سليمان الداراني: ترك ما هو أشغل عن اللَّه.
وقال الشبلي: هو غروب النفس عما سوى اللَّه، وثمرته أن لا تفرح بموجود من ذلك، ولا تأسي على مفقود منه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
فأخبر اللَّه أن سرعة الدنيا وإقبالها وسرعة زوالها كالزرع، ثم ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ إلى قوله: ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠] إلى قوله: ﴿الْغُرُورِ﴾ .
فالدنيا ليست إلا من محقرات الأمور، فأي جدوى لها.
وقوله: كفيت، كناية عن سرعة زوالها، وفي الآخرة الأمور العظام الذي يعتنى بمثلها أُولوا النهى.
وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] إلى قوله: ﴿الْمَآبِ﴾، ففيها بيان الوسائل الموصلة إلى ذلك من نساء وحرث وغير ذلك.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ ، وفيها النهي عن الافترار والانخداع إما بالدنيا حتى يذهب التمتع بها، والتلذذ بمتاعها عن العمل للآخرة، وطلب ما عند اللَّه.
وإما ما يوسوس به الغَرور من أنه لا يغتر من يموت، ولئن بعثت ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ ، وأشباه ذلك ما قعد عن سبيل اللَّه، والتزود للقيامة.
وقال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ الآية، فعاقبة الإلهاء ومنشؤه الجهل المحض.
وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ الآية، وفيها ازدراء الدنيا وتصغير أمرها كما يفهمه قوله: هذه، وكيف لا وهي لا تزن عند اللَّه جناح بعوضة .
والمعنى وما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها غير منتفعين بها بطائل إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون، وأن الآخرة ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة.
والحيوان مصدر حي، وأصله حييان، وفي بناء حيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في فعلان من معنى الحركة والاضطراب.
والحياة حركة كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة مبالغة في معناه.
وحاصل هذه الآيات البدأة بذكر ما فيه الزائل الفاسد، ثم بما فيه الباقيات الصالحات ، ثم بما يوضح مقاصد الزائل ووسائله الحقيرة، ثم ما ينهي عن الاغترار به، ثم بيان وبال عاقبة ذلك وهو الاغترار.
والآيات في الباب كثيرة مشهورة، ولنختم بالأحاديث، ومدارها على التحذير من الدنيا، وذكر سبب الانحدار بها، وما يسلي عنها وما ينفر عنها، وتحقير أمرها
وتسهيل الغروب عنها، وكيف ينبغي أن يكون الإنسان فيها وخاصة الزهد.
ومن أهله وما حالهم ومرتبة الدنيا عند اللَّه، وما لولاه لم يخلق وما يسقط الاعتبار منها، وأن الكافي منها قليل، والزائد مذموم مناف لمحبة الشارع، وذم الحرص وطول الأمل، ودلائل منازل الزهد، وذكر فوائده وموجباته ومجاريه.
وجماع ذلك أربعة وثلاثون حديثًا، وإن كانت أكثر من أن تحصى، وهذا الطرف ينبه على ما سواه.
الحديث الأول: حديث عمرو بن عوف الثابت في الصحيحين : «أن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فَوَافَوْا صلاة الفجر مع رسول اللَّه ﷺ، فلما صلى انصرف، فتعرضوا له، فتبسم حين رآهم ثم قال:»أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ «فقالوا: أجل يا رسول اللَّه، قال:»فأبشروا وأملوا ما يسركم، فواللَّه ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم« وفيه أن شان الدنيا الإغراء بالتنافس والاتباع في الهلاك الديني والدنيوي بدليل من سلف».
الثاني: من حديث أبي سعيد الخدري الثابت في الصحيحين أيضًا قال: جلس رسول اللَّه ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إن مما أخاف عليكم بعدي ما يُفتَحُ عليكم من زهرة الدنيا وزينتها».
وفيه إرشاد إلى أن الدنيا جميع سرور العالم، إذ لا محذور ولا مخوف سواها.
الحديث الثالث: حديثه أيضًا الثابت في صحيح مسلم: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن اللَّه مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».
وفيه تصريح بمقتضى ما قررناه، وفيه وما قبله أبلغ تحذير، وفيه بيان ما ينخدع به أبناء الدنيا، وأن استخلافهم فيها كرامة فيما ظنوه وليس ابتلاء.
الحديث الرابع: حديث أنس الثابت في الصحيحين مرفوعًا: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» .
وفيه ما يسلي عن الدنيا، ورغد عيشها؛ فإنه ليس بعيش حقيقي، والحقيقي هو الأخروي، وهذه اللفظة قالها ﷺ في أشد حاليه وأشرها تزهيدًا وتصبيرًا.
الخامس: حديثه أيضًا في الصحيحين مرفوعًا: «يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد؛ يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» أخرجاه.
وهذا أول المنفرات، وهو أن الدنيا مودِّع مفارق لا صديق ملازم.
أحلام نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا ينخدع
كيف السرور بإقبال وآخره … إذا ما تأمله مقلوب إقبال
السادس: حديثه مرفوعًا: «يؤتى بانعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا واللَّه يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا واللَّه يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط». أخرجه مسلم .
وهو ثاني التنفيرات، أي أنها توقع في النار، وحينئذ فكأنها لم تكن ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ .
السابع: حديث المستورد بن شداد رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع» أخرجه مسلم.
وهو ثالث المنفرات، وهو أنها تُفوِّت الآخرة ونسبتها في القلة إليها كبلة إصبع بالنسبة إلى اليم، ليت شعري هل يفهم لها نسبة أو هل يعبر عن قلة وحقارة بأبلغ من ذلك، أو هل يصرف النفس عنها بأحسن من ذلك.
الثامن: حديث جابر رضي الله عنهما:»أن رسول اللَّه ﷺ مر بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟» فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: واللَّه لو كان حيًا كان عيبًا فيه، لأنه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: «فواللَّه للدنيا أهون على اللَّه من هذا عليكم»« أخرجه مسلم.
قوله: كنفته: أي عن جانبيه، والأسك الصغير الأذن.
وفي هذا البيان المنفر الرابع، وهو أنها أهون عند اللَّه من هوان جدي أسك ميت على من يُعرض عليه بدرهم أو بلا شيء.
التاسع: حديث أبي ذر رضي الله عنهما قال: كنت أمشي مع رسول اللَّه ﷺ في حرَّة المدينة فاستقبلنا أُحد، فقال:»يا أبا ذر «قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال:»ما
يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبًا تمضي عليَّ ثالثة وعندي منه دينارًا إلا شيئًا أرصده لِدَيْنٍ إلا أن أقول به في عباد اللَّه هكذا وهكذا وهكذا» عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال: «إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا -عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم» ثم قال لي: «مكانك لا تبرح حتى آتيك» ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتًا قد ارتفع، فتخوفت أن يكون قد عرض للنبي ﷺ فأردت أن آتيه، فذكرت قوله لي: «لا تبرح حتى آتيك» فلم أبرح حتى أتاني، قلت: يا رسول اللَّه لقد سمعت صوتًا تخوفت فذكرت له، فقال: «وهل سمعته؟» قلت: نعم، قال: «ذلك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» أخرجاه والسياق للبخاري.
وهو بيان للمنفر الخامس، وهو أكمل العقلاء عقلًا، ما يسره أن يكون عنده مثل أحد ذهبًا إلى آخر الحديث، ليس ذلك إلا لعلمه بحقائق الأشياء وما فيه منها خير وما لا، ويوضحه قوله: «إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة» وفي الرواية الأخرى: «ليسرني أن لا يمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء» .
وفرق بين قولك: ما يسرني أن يبقى، ويسرني أن لا يبقى.
العاشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لو كان لي مثل أحد ذهبًا لسرَّني أن لا تمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين» أخرجاه.
الحادي عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا
إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللَّه» أخرجاه والسياق لمسلم، وفي البخاري: «إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْق، فلينظر إلى من هو أسفل منه».
وهذا أول مسهل للزهد على أهله، وهو المنازلة لا العلو.
الثاني عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطي رضي وإن لم يُعط لم يرض» أخرجه البخاري.
وهو ثاني مسهل له، وهو دعاء بذلك والإخبار به لمن عبد غير خالقه.
الثالث عشر: عنه أيضًا قال: «لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّة ما منهم من رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوه في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته» أخرجه البخاري.
وهو ثالث مسهل، وهو حكاية حال الزاهدين وكثرتهم، وفي من ليس مثلهم أُسوة فكيف بهم، وإشارة شديدة لخُلُق المحاكاة.
الرابع عشر: عنه مرفوعًا: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» أخرجه مسلم.
وهو رابع مسهل، فما أفرح المؤمن بضيق دنياه، وما أحزنه باتساعها (لا لكاد) ذلك.
الخامس عشر: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال:»أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»«.
وكان ابن عمر يقول:»إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك« أخرجه البخاري.
أي لا تركن إليها ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله.
وهذا بيان حال العاقل في دنياه، ولا أجمع من قوله:»كن«إلى آخره، فإن الغريب والمسافر لا يركن إلى غير مستقره، ولا يُعْنَى به، ولا يتخذه وطنًا، ولا يعلق قلبه بشيء منه كما أوضحناه.
السادس عشر: حديث سهل بن ساعد الساعدي قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عمل إذا أنا عملته أحبني اللَّه وأحبني الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ:»ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس«». حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
وفيه ذكر خاصية الزهد ولازمه، وهو محبة اللَّه للزاهد، ومحبة الناس له، وكفى بذلك ترغيبًا فيه ومدحًا له.
السابع عشر: حديث النعمان رضي الله عنهما قال «ذكرت لعمر بن الخطاب ما أصاب الناس من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ
به بطنه» أخرجه مسلم.
والدقل بفتح الدال والقاف رديء التمر.
وفيه بيان أهله وحالهم، وأن من الزهاد سيد البرية، بل هو أجَلَّهم، وأنه وصل من زهده إلى هذه الحالة لاسيما في أرض التمر الكثير، فطوبى لمن به تأسى واقتدى واتبع واهتدى.
الثامن عشر: حديث عائشة قالت: «توفي رسول اللَّه ﷺ وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ، فكلته ففني» أخرجاه.
وشطر الشعير أي شيء منه، كذا فسره الترمذي.
وهذا دال على استمرار هذه ودوامه حتى الممات بعد أن فتحت البلاد، ودانت العباد.
التاسع عشر: حديث عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين قال: «ما ترك رسول اللَّه ﷺ عند موته درهما ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة» أخرجه البخاري.
وهو وما قبله دالان على أن اقتناء ما لا بد منه ونحو الأقوات والربط والزواج ونحوه لا ينافي الزهد.
العشرون: حديث خباب بن الأرت قال: «هاجرنا مع رسول اللَّه ﷺ نبتغي وجه
اللَّه، فوقع أجرنا على اللَّه -تعالى- فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير؛ قتل يوم أحد وترك نمرة، فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجله بدا رأسه، فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت ثمرته فهو يهدُبُها» أخرجاه.
والنمرة: كساء ملون من صوف، وأيعت: نضجت وأدركت، ويهدبها: بفتح الياء وضم الدال وكسرها لغتان: يقطعها ويجتنيها، وهذه استعارة لما فتح عليهم من الدنيا وتمكنوا فيها.
وفيه أن من أهل الزهد اتباعه من السادة المهاجرين قريب مما وصف بهم حالهم، وقوله: «ومنا من أينعت له ثمرته» كالمتحزِّن من خوف تعجيل الأجر ونحو ذلك.
الحديث الحادي بعد العشرين: حديث سهل بن سعد مرفوعًا: «لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
وفيه بيان مرتبة الدنيا عند اللَّه، ولا أبلغ من قوله ذلك، وهل مرتبة أحسن من ذلك.
الحديث الثاني بعد العشرين: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه وعالم أو متعلم» رواه الترمذي وحسنه، وقد
يبق في العلم.
وفيه تقرير الحديث الذي قبله، فلعن الدنيا وما فيها ليس مجرد تحقير واستصغار، بل استرذال واستقذار واستفتاح يوجب الطرد والإبعاد، والمشير يشير إلى أن ذلك هو حكمة اتخاذ الدنيا والتنافس في إبقائها ولذلك تخرب إذا رفع العلم والقرآن والخير، فإذا لم يبق ما يقول: اللَّه اللَّه قامت القيامة.
الحديث الثالث بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا:»لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا رواه الترمذي وحَسَّنه.
وفيه النهي عن أسباب ينشأ عنها الرغبة في الدنيا، منها اتخاذ الضيعة التي هي نوع وطن ويتشعب أسباب عمارتها إلى كل ديني ودنيوي.
الحديث الرابع بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مرَّ علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نعالج خُصًّا لنا، فقال: «ما هذا؟» فقلنا: قد وَهَى فنحن نُصْلحُه. قال: «ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك» رواه أبو داود والترمذي بإسناد الشيخين، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
الخامس بعد العشرين: حديث كعب بن عياض مرفوعًا: «إنَّ لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، فالمال فتنة هذه الأمة المحمدية، فأي لبيب يعتني بالفتنة والبلية؟
السادس بعد العشرين: حديث عثمان بن عفان رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: "ليس
لابن آدم حق فى سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء« رواه الترمذي وصححه.
الجلف: الخبز ليس معه إدام. قاله النضر. أو غليظ الخبز، أو وعاء الجوالق. والخارج عنه أقوال، فهذا هو الكافي وما سواه فضول لا ضرورة إليه.
السابع بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن الشخير رضي الله عنهما قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ [التكاثر: ١] قال: يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» أخرجه مسلم.
فالتكاثر المذموم ليس إلا لملك موهوم، موضحه قولهم: مال الفضول لحادث أو فارث.
والحديث السالف: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟. . . الحديث» وحديث: «وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت» الحديث. وهذا القدر لا يلهي، ولا تكاثر فيه.
الثامن بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن المغفل، قال: جاء رجل لرسول اللَّه
ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، واللَّه إني لأحبك. فقال: «انظر ما تقول» قال: واللَّه إني لأحبك. فقال: «انظر ما تقول» قال: واللَّه إني لأحبك، ثلاث مرات. فقال: «إن كنت تحبُّني فاعد للفقر تِجفافا، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه» رواه الترمذي وقال: حسن.
التِجفاف: بكسر التاء المثناة فوق، وإسكان الجيم وبالفاء المكررة هو الشيء يلبسه الفرس ليتقي به الأذى، وقد يلبسه الإنسان. وذلك مؤذن بالتنافس بين الدنيا ومحبة الشارع. فإن من خاص محبته زوال رأس كل خطيئة.
التاسع بعد العشرين: من حديث كعب بن مالك مرفوعًا: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه ذم الحرص على المال والشرف، وهما ركنا الدنيا، ومنافاتهما للدين وإفسادهما له لائح.
الثلاثون: حديث عبد اللَّه بن مسعود قال: «نام رسول اللَّه ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول اللَّه، لو اتخذنا لك وطاء، فقال:»ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها« رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وهو مشتمل على دلائل الزهد، وهو أن لا يخطر بالبال أدوات الدنيا كنومه على حصير ولم يطلب وطاء، وأن لا تميل النفس إلى قبولها إذا عرضت عليه كما قال:»ما لي وللدنيا«، وأن يكون أمل الزهد قصير كقوله:»إنما أنا في الدنيا«إلى آخره، فلا كان الحرص ولا طول الأمل، لقد أوقعاني في كل رداء وهلكة.
الحادي بعد الثلاثين: حديث أبي هريرة مرفوعًا:»يدخل الفقراء الجنة قبل
الأغنياء بخمسمائة عام» أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وفيه من فوائد الزهد، وأثره الذي هو الفقر، ودخولهم الجنة قبلهم بذلك المقدار، وكفى بذلك.
الثاني بعد الثلاثين: حديث ابن عباس، وعمران بن حصين مرفوعًا: «أطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء» أخرجاه من حديث ابن عباس، وللبخاري من حديث عمران.
وفيه من فوائده أن أكثر أهل الجنة الفقراء أو عامة من دخلها إذا قام ﷺ على بابها كما سيأتي، وأهل الجد محبوسون، وكفى بذلكم الحبس منفِّرًا.
الثالث بعد الثلاثين: حديث أسامة مرفوعًا: «قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجدِّ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أُمر بهم إلى النار» أخرجاه، والجد: الحظ والغنى.
الخاتمة: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل» أخرجاه.
وهو بيان مجاري الزهد ومحتمة، فتأمل ذلك، وكل باطل، فحتم على العاقل عزوب النفس عنه، تواصيًا بالحق، وحفظًا للتوحيد المحض ولا براعة ختم كهذا.
ولنذكر الحكايات المتعلقة بالزهد مع طرف منها:
الأولى: روي أن عيسى ﷺ صحبه رجل وقال: يا نبي اللَّه، أكون معك، فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغذَّيان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين، وبقى رغيف، فقام عيسى ﷺ إلى النهر فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري، فانطلق ومعه الرجل فرأى ظبية معها ولدان لها، فدعا واحدًا فأتاه فذبحه وشوى منه فأكل هو وذلك الرجل، ثم قال له بعد ما ذبحه وأكلا منه قم بإذن اللَّه عز وجل فقام، فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية، من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري، فانطلقا حتى انتهيا إلى مغارة، فجمع عيسى ﷺ ترابًا وكثيبًا ثم قال: كن ذهبًا بإذن اللَّه عز وجل فصار ذهبًا، فقسمه ثلاثة أقسام وقال: ثلث لك، وثلث لي، وثلث للذي أخذ الرغيف، فقال أنا الذي أخذت الرغيف، قال: فكله لك، وفارقه عيسى ﷺ فانتهيا إلى رجلان في المغارة ومعه الذهب، فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه، فقال: هو بيننا أثلاثًا، فقبلا ذلك، فقال: يذهب واحد إلى القرية حتى يشتري لنا طعامًا، فذهب واحد واشترى طعامًا وقال في نفسه: لأي شيء أقاسمهما هذا المال، أنا أجعل في الطعام سما فأقتلهما وآخذ المال جميعه، فجعل فيه السم، وقالا هما فيما بينهما: لأي شيء نجعل لنا ثالثًا، إذا رجع قتلناه، واقتسمنا المال نصفين، فلما رجع إليهما قتلاه، ثم أكلا من الطعام فماتا، فبقي ذلك المال في المغارة وأولئك الثلاثة قتلى عنده، فمر عليهم عيسى ﷺ فرآهم على تلك الحالة فقال لأصحابه: هذه الدنيا فاحذروها.
الحكاية الثانية: روي أن عيسى ﷺ كشفت له الدنيا في صورة عجوز شمطاء عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم، قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك، قالت: بل كلهم قتلت، فقال عيسى عليه السلام: بؤسًا
لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين كيف تهلكينهم واحدًا بعد واحد، فلا يكونون منك على حذر.
الحكاية الثالثة: قال الفضيل رحمه الله: بلغني أن رجلًا عرج بروحه في المنام، فرأى امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلي والثياب، وإذا بها لا يمر بها أحد إلا جرحته، فإذا أدبرت كانت أحسن الناس عجوزًا زرقاء شمطاء عمشاء، قال: فقلت لها: نعوذ باللَّه منك، فقالت: لا واللَّه لا يعيذك اللَّه حتى تبغض الدرهم قلت: من أنت؟ قالت: أنا الدنيا.
الحكاية الرابعة: روي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: أدّ أمانتك فيقول: من أين يا رب؟ قد ذهبت الدنيا، فتمثل له الدنيا على هيأتها يوم أخذها في قعر جهنم، فينزل فيأخذها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها، حتى إذا ظن أنه خرج بها هوت وهوى في أثرها أبد الآبدين.
الحكاية الخامسة : قال طلحة بن يحيى: حدثتني جدتي بنت عوف قالت: دخلت على طلحة فرأيته مغمومًا، فقلت: ما شأنك؟ قال: إن المال الذي عندي قد كثر وأكربني، فقلت: ما عليك؛ اقسمه، فقسّمته حتى ما بقي درهم، قال طلحة بن يحيى: فسألت خازن طلحة كم كان المال؟ قال: أربعمائة ألف.
الحكاية السادسة: قال أنس: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتًا رجَّت منه المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا جِمَال قدمت لعبد الرحمن بن عوف، وكانت سبعمائة راحلة فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «رأيت عبد الرحمن بن
عوف يدجل الجنة حبوًا» فبلغ ذلك عبد الرحمن فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته، قال: فإني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل اللَّه عز وجل.
الحكاية السابعة: عن المِسْوَر قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضًا من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسَّم المال في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة بمال من ذلك المال.
فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «لن يحنو عليكم بعدي إلا الصالحون» .
سقى اللَّه ابن عوف من سلسبيل الجنة.
الحكاية الثامنة: وهو حديث عن ابن عمر قال: «كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فدخلها في صدره بخلال فقال:»يا جبريل أنفق ماله قبل الفتح«قال: فإن اللَّه يقرأ عليه¬ السلام، ويقول لك: قل له: أراض أنت عني في فقرك أم ساخط، فقال أبو بكر: أسخط على ربي، أنا على ربي راض، قالها أربعًا.
الحكاية التاسعة: قال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر قوِّم بمائة ألف فقسمته بين أزواج النبي ﷺ.
الحكاية العاشرة: قالت أم ذرَّة: بعث الزبير إلى عائشة بغرارتي مال فيهما ثمانون ألفًا أو مائة ألف، فدعت بطبق. وهي يومئذ صائمة. فجلست تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم. فلما أمست قالت: يا جارية ائتيني بعشائي. فجاءتها بخبز وزيت. فقالت لها أم ذرة ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه؟ فقالت: لا تعتبيني، لو كنت ذكرتيني لفعلت (*).
الحكاية الحادية عشرة: قال عروة: لقد رأيت عائشة تقسم سبعين ألفًا وهي ترقع درعها (*).
الثانية عشرة: حكي أنه كان لهارون الرشيد ولد قد بلغ من العمر ست عشرة سنة، وكان قد رافق الزهاد والعباد، وكان يخرج إلى المقابر ويقول: قد كنتم قبلنا، وقد كنتم تملكون الدنيا، فما أراها تنجيكم، وقد صرتم إلى قبوركم، فيا ليت شعري: ما قلتم وما قيل لكم؟ ويبكي بكاء شديدًا، وكان ينشد:
ترف عني الجنائز كل يوم … ويحزنني بكاء النائحات
فلما كان في بعض الأيام مر على أبيه وحوله وزراؤه وكبار دولته وأهل مملكته، وعليه جبة صوت، وعلى رأسه مئزر صوت، فقال بعضهم لبعض: قد فضح هذا الولد أمير المؤمنين بين الملوك، فلو عاتبه لعله يرجع عما هو عليه؟ قال: فكلمه في ذلك، فقال: يا بني لقد فضحتني بما أنت عليه، فنظر إليه ولم يجبه، ثم نظر إلى طائر على شرفة من شراريف القصر، فقال: أيها الطائر بحق الذي خلقك إلا ما جئت على يديّ. فانقض الطائر على كف الغلام، ثم قال: ارجع إلى موضعك، فرجع على موضعه، فقال: بحق من خلقك إلا ما سقطت في كف أمير المؤمنين، فما نزل، فقال له الغلام: أنت الذي فضحتني بحبك الدنيا، وقد عزمت على مفارقتك، ففارقه ولم يتزود منه بشيء إلا مصحفًا، وانحدر إلى البصرة.
وكان قد وقع في جداري حائط، فخرجت أطلب من يعمله، فرأيت غلاما لم أر أحسن منه وجهًا، وبين يديه زنبيل، وهو يقرأ في مصحف، فقلت له: يا غلام أتعمل؟ قال: ولم لا أعمل وللعمل خلقت؟ ولكن أخبرني في أي الأعمال تستعملني؟ قلت: في الطين. قال: بدرهم ودانق، وأصلي صلاتي؟ قال: لك ذلك، ثم مضيت به إلى العمل وتركته يعمل، فلما كان آخر النهار وجدته عمل عمل عشرة رجال. فوزنت له درهمين فأباهما إلا درهمًا ودانقًا.
فلما كان من الغد خرجت إلى السوق فلم أجده، فسألت عنه فقيل لي: إنه لا يعمل إلا يوم السبت، ثم لا نراه إلا يوم السبت الثاني، فأخرت العمل إلى الثاني ثم أتيته، فوجدته، فقال لي مثل الأول، فمضيت به إلى العمل، فوقفت أنظر إليه من بعيد
وهو لا يراني، فأخذ كفا من طين وتركه على الحائط وإذا الحجارة تتركب بعضها على بعض، فقلت: هكذا أولياء اللَّه يعانون. فلما أراد أن ينصرف وزنت له ثلاثة دراهم فأبى أن يقبلها، ولم يقبل سوى درهمًا ودانقًا .
فلما كان السبت الثالث جئت على السوق فلم أره، فسألت عنه، فقيل لي: له ثلاثة أيام وجِعٌ يعالج سكرات الموت، فوهبت أجرة لمن يدلني عليه، ومشينا حتى وقفنا عليه في خراب بلا باب، وإذا هو مغشى عليه، فسلَّمت عليه، فإذا تحت رأسه نصف لبنة وهو في حال الموت، فسلمت عليه ثانية فعرفني، فأخذت رأسه فجعلته في حجري فمنعني من ذلك، وأنشأ يقول:
يا صاحبي لا تغترَّ بتنعم … فالعمر ينفد والنعيم يزول
وإذا علمت بحال قوم مرة … فاعلم بأنك عنهم مسئول
وإذا حملت إلى القبور جنازة … فاعلم بأنك بعدها محمول
فقلت: يا حبيبي، ولم لا أكفنك في ثياب جديدة؟ فقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت، الثياب تبلى والعمل يبقى، وخذ مئزري وسروالي فادفعهما للحفار، وخذ هذا المصحف والخاتم فادفعهما إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد، ولا تدفعهما إلا من يدك إلى يده، وقل له: يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب، وهو يقول لك: لا تموتنَّ على غرَّتك، أو قال على غفلتك، ثم خرجت روحه. رحمه الله. فعلمت أنه ولد الخليفة، وعملت كل ما أوصاني به، وأخذت المصحف والخاتم ودخلت بغداد، وقصدت هارون الرشيد ووقفت في موضع مشرف، فخرج موكب في تقدير ألف فارس، ثم تبعه عشرة مواكب، كل موكب ألف فارس، وخرج أمير المؤمنين في الموكب العاشر، فناديت: بقرابتك من رسول اللَّه ﷺ يا أمير المؤمنين إلا ما وقفت لي قليلًا، فلما رآني قلت: يا أمير المؤمنين معي وديعة من غلام غريب، ثم دفعت إليه المصحف والخاتم، وقلت له ما أوصاني به.
فنكَّس رأسه وأسال دمعته، وأوصى عليَّ بعض الحجَّاب وقال: ليكن هذا عندك إلى أن أسألك عنه. فلما رجع هو وأصحابه أمر بالستور فرفعت ثم قال للحاجب: هات الرجل، وإن كان يُجدِّد عليَّ أحزاني، فقال لي الحاجب: يا أبا عامر إن أمير المؤمنين مهموم، فإذا أردت أن تكلمه عشر كلمات فاجعلها خمسا، فقلت: نعم.
ودخلت عليه، فإذا مجلسه خالٍ، فلما رآني قال: ادن مني يا أبا عامر، فدنوت
منه، فقال: أتعرف ولدي؟ قلت: نعم، قال: في أي شيء كان يعمل؟ قلت: في الطين والحجارة، قال: استعملته أنت؟ قلت: نعم. قال: استعملته وله اتصال برسول اللَّه ﷺ؟ فقلت: المعذرة إلى اللَّه ثم إليك يا أمير المؤمنين؛ فإني ما علمت من هو إلا عند وفاته. قال: أنت غسَّلته بيدك؟ قلت: نعم. قال: هات يدك، فأخذها وتركها على صدره وهو يقول: بأبي كيف كفنت العزيز القريب؟ ثم أنشأ يقول:
يا غريبا عليه قلبي يذوب … ولعيني عليه دمع سَكُوب
يا بعيد المكان حزني قريب … كدَّر الموت كل عيش يطيب
كان نذرًا عليَّ قضيت لحين … فمضى النذر في الثدي (والقضيب)
قال: ثم تجهز وخرج إلى البصرة وأنا معه، حتى انتهى إلى القبر. فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق أنشد يقول:
يا غائبا لا يؤوب من سفره … عاجله موته على صغره
يا قرة العين كنت لي أنسا … في طول ليلي نعم وفي قصره
شربت كأسا أبوك شاربها … لا بد من شربها على كبره
اشربها والأنام كلهم … من كان من بدوه ومن حضره
فالحمد للَّه لا شريك له … قد كان هذا القضاء من قدره
قال أبو عامر: فلما كان تلك الليلة قضيت وردي واضجعت، فإذا (يفتة) من نور عليها صحاف من نور، وإذا قد كشف الصحاف، فإذا الغلام ينادي: يا أبا عامر جزاك اللَّه عني خيرا، فقلت: ولدي إلى ماذا صرت؟ قال: إلى رب راض غير غضبان؛ أعطاني ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر وآلى على نفسه أن لا يخرج عبد من الدنيا مثل خروجي إلا كرمه مثل كرامتي.
فاستيقظت فرحًا به وبما قال لي وبشرني به - رحمه اللَّه تعالى.
الثالثة عشرة: عن عبد الرحمن بن حفصة قال: إنه رأى عمر يبكي، فجلس يبكي لبكائه.
ثم جاء محمد فجلس يبكي لبكائهما، فاشتد بكاؤهم جميعًا، فبكى الرسول أيضًا لبكائهم، ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك، وأرسل إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن يستعلم عن ذلك البكاء، فجاء ربيعة وذكر ذلك لمحمد، فقال محمد سله؛ فهو أعلم ببكائه، فاستأذن عليه ربيعة فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير؟ فقال: إني واللَّه حسبت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة فيها نصيب، فذلك الذي أبكاني. وأمر بالمال فتصدق به على فقراء أهل المدينة.
قال: فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك، فبكى وقال: هكذا واللَّه يكون أهل الجنة.
الرابعة عشرة: عن ذي النون قال: بينما أنا أسير في بعض الطرق إذا أنا بفتى حسن الوجه، بين عينيه أثر التهجد، فقلت: حبيبي، من أين قدمت؟ فقال من عنده. فقلت: وإلى أين تريد؟ قال: إلى عنده. قال: فعرضت عليه النقود، فنظر إليَّ مغضبا ثم ولى، وأنشأ يقول:
وكافر باللَّه مولاه … يزداد ضعافا على كفره
ومؤمن ليس له درهم … يزداد إيمانًا على فقره
لا خير في من لم يكن عاقلًا … يمد رجليه على قدره
الخامسة عشرة: قال أبو علي بن جبران: مرَّ أبو تراب بمزيِّن فقال: أتحلق رأسي للَّه تعالى؟ فقال له: اجلس، فجلس، فبينما هو يحلق رأسه إذ مر به أمير من أهل بلده، فسأل حاشيته، فقال: أليس هذا أبو تراب؟ فقالوا نعم. فقال أي شيء معكم من الدنانير؟ فقال له رجل: معي خريطة فيها ألف دينار، قال: إذا قام فأعطه إياها واعتذر إليه، وقل له: لم يكن معنا غير هذه.
فجاء الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام، ويقول لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير. فقال: ادفعها إلى المزين، فقال المزين: أي شيء أعمل بها؟ فقال: خذها. فقال: واللَّه ولو أنها ألف دينار ما أخذتها، فقال الغلام: إنها ألف دينار. قال لا حاجة لي بها، إنما حلقت رأسه لوجه اللَّه. فقال له أبو تراب: ردها
عليه وقل له إن المزين ما رضي يأخذها، فخذها أنت واصرفها في مهماتك.
السادسة عشرة: قال الشبلي: قال لي خاطري يومًا: أنت بخيل، فقلت: ما أنا بخيل، فقال: بلى أنت بخيل ثلاثا. فنويت أن أول شيء يفتح به علي أعطيه لأول فقير ألقاه، فما تم الخاطر حتى دخل عليَّ إنسان. سماه بخمسمائة دينار، فأخذتها وخرجت فأول من لقيت فقيرًا ضريرًا أو قال: أكمه بين يدي مزين يحلق شعره، فناولته ذلك، قال: أعطها للمزين. فقلت: إنها دنانير، فرفع رأسه إليَّ وقال: أما قلنا لك إنك بخيل؟ فناولتها للمزيِّن فقال: عقدت مع اللَّه عقدًا أن لا آخذ من هذا الفقير شيئًا.
قال: فأخذتها وذهبت بها إلى البحر فرميتها فيه، وقلت: فعل اللَّه بك وفعل؛ ما أحبك أحد إلا أذله اللَّه.
فإن قلت: كيف رماها الشبلي وساغ له ذلك؟ قلت: يجوز أن يكون غائبا أو شهد فيها سما مهلكا، أو كان ذلك بإشارة مؤذية اضطر إلى ذلك.
السابعة عشرة: عن إبراهيم بن شبيب قال: كنا نتجالس في يوم الجمعة، فأتى رجل عليه ثوب واحد ملتحف به فجلس إلينا وألقى مسألة، فما زلنا نتكلم في الفقه حتى انصرفنا.
ثم جاءنا في الجمعة فأجبناه وسألناه عن منزله، فأخبرنا به، وسألناه عن كنيته فقال: أبو عبد اللَّه. فرغبنا في مجالسته، فمكثنا كذلك زمنًا، ثم انقطع عنا، واجتمعنا وأتيناه في بيته وسألنا عنه فقال: ذاك أبو عبد اللَّه الصياد ذهب يصطاد والآن يأتي، فقعدنا ننتظره، وإذا هو قد أقبل مؤتزرًا بخرقة، وعلى كتفه أخرى، ومعه أطيار مذبوحة، وأطيار أحياء. فلما رآنا تبسم إلينا، فقلنا: قد كنت عمَّرت مجلسنا فما غيَّبك عنا؟ قال: إذًا أصدقكم، كان لي جار أستعير منه ذلك الثوب الذي كنت آتيكم به، وقد سافر. ثم قال: هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا مما رزق اللَّه، فدخلنا وقعدنا، فدخل على امرأته وسلم إليها الأطيار المذبوحة، وأخذ الأطيار الأحياء فباعها بالسوق واشترى خبزًا وملحًا، وقد صنعت المرأة ذلك وهيأته، فقدم إلينا خبزًا وطيرًا وملحًا، فأكلنا وخرجنا.
فقال القوم بعضهم لبعض: ألا تنظرون إلى حال هذا الرجل وما هو فيه من الفقر مع فضله وصلاحه، وأنتم قادرون على أن تجمعوا له ما يقوم بحاله. فاتفقوا على أن
يجمعوا له ما يستغني به، وانصرفنا على عزم أن نأتي بما وعدوه به، وهو خمسة آلاف درهم.
فلما مررنا بالمربد إذا أمير البصرة محمد بن سليمان قاعد في منظرة له، وهو يقول: يا غلام ائتني بإبراهيم بن شبيب، قال: فأتيته، فسألنا عن قصتنا، ومن أين أقبلنا، فصدقته الحديث، فقال: أنا أحقكم، فأمر له بعشرة آلاف درهم. ففرحت بذلك وأسرعت، فلما رآها انقلب وتغير لونه وقال: ما لي ولك يا هذا؟ أتريد أن تفتنني؟ فأخبرته الخبر، وأن الأمير أخذ (. . . . .) فازداد غضبًا وأغلق الباب، فرجعت إلى الأمير فأخبرته، فقال: حروري، وأمر بضرب عنقه، فسكنته وقلت: أنا آتيك به، فسكن غضبه، ثم أتيته فإذا زوجته تبكي، وقالت: ما شأنكم بأبي عبد اللَّه؟ دخل فنزع ما كان عليه وتوضأ ثم صلى، فسمعته يقول: اللهم اقبضني إليك ولا تفتني، فقضى نحبه.
فأخبرت الأمير، فصلى عليه وعامة أهل البصرة.
الثامنة عشرة: عن عمر بن عبد العزيز أنه قيل له لما حضرته الوفاة: تركت أولادك فقراء لا شيء لهم . فقال: أولادي أحد رجلين: إما رجل يتقي اللَّه فسيجعل اللَّه له مخرجا وهو يتولى الصالحين، وإما رجل منكب على المعاصي، فلا أقويه على معاصي اللَّه.
وكان رضي الله عنهما يؤتى بالحلة قبل أن يتولى الخلافة بألف درهم فيقول: ما أحسنها لولا خشونة ما فيها. ويؤتى بالحلة وهو في الخلافة بأربعة دراهم أو ستة فيقول: ما أحسنها لولا نعومة فيها. فقيل له في ذلك، فقال: إن لي نفسا تواقة ذواقة؛ إذا تاقت إلى شيء وذاقت تاقت إلى ما فوقه، فلم تزل تتوق وتذوق إلى أن ذاقت الخلافة فتاقت إلى ما فوقها، فلم تجد شيئًا فوقها إلا ما عند اللَّه تعالى في الدار الآخرة
فتاقت إليه، ولا يمكن الوصول إليه إلا بترك الدنيا.
التاسعة عشرة: سئل حاتم الأصم فيما أفنيت عمرك؟ فقال: في أربعة أشياء: علمت أني لا أخلو من نظر اللَّه طرفة عين فاستحييت أن أعصيه. وعلمت أن لي رزقا لا يجاوزني، وقد ضمنه لي فوثقت به عن طلبه، وعلمت أن عليَّ فرضًا لا يؤديه غيري فاشتغلت به، وعلمت أن لي أجلا يبادرني فبادرته. وقد سلف في المراقبة.
العشرون: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه خرج حاجًا، ولما نظر إلى البيت بكى حتى علا صوته، فقيل له: إن الناس ينظرون إليك، فلو رفقت صوتك قليلًا. فقال: ولم لا أبكي؟ لعل اللَّه ينظر إليَّ برحمة منه فأفوز بها عنده غدًا. ثم طاف وركع خلف المقام ورفع رأسه من السجود فإذا موضع سجوده مبتل بدموع عينيه. فقال لبعض أصحابه: إني لمحزون، وإني مشتغل القلب. فقيل له: لِمَ؟ قال: إنه من دخل قلبه صافي خالص دين اللَّه شغله عما سواه، وما عسى أن تكون الدنيا؟ هل هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة استحسنتها، أو أكلة أكلتها؟ أو كما قال .
الحادية بعد العشرين: قال كعب: استخرجت من التوراة خمس عشرة كلمة فجعلتها في قصبة وربطتها في عنقي، فكنت أقرأها كل يوم خمس عشرة مرة.
أولها: يقول اللَّه: يا ابن آدم لا تخف فوت الرزق ما دامت خزائني مملوءة، وخزائني مملوءة لا ينفد ما فيها أبدًا.
ثانيها: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيًا، وسلطاني باق لا ينفد أبدا.
ثالثها: يا ابن آدم لو أنني أعطيتك الدنيا كلها ما كان لك منها إلا القوت، فإذا أعطيتكه منها وجعلت حسابها على غيرك فأنا محسن إليك.
رابعها: يا ابن آدم لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط .
خامسها: يا ابن آدم إني خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا يشغلك ما خلقته من أجلك عما خلقتك لأجله.
سادسها: يا ابن آدم ما أنصفتني في المعاملة؛ أنا لعنت إبليس وغضبت عليه وطردته من أجلك، فصالحته وقطعتني.
سابعها: يا ابن آدم كل أحد يريدك له، وأنا أريدك لي، وأنت تفرَّ مني.
ثامنها: يا ابن آدم أنا وحقي لك محب، فبحقي كن أنت لي محبًا.
تاسعها: يا ابن آدم إني خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه إليك من حيث لا تحتسب؟ .
عاشرها: يا ابن آدم تغضب علي من أجل نفسك؟!
الحادية عشرة: يا ابن آدم كما لا أطالبك بعمل غدٍ لا تطالبني برزق غدٍ.
الثانية عشرة: يا ابن آدم إن لي فرضا، ولك عليّ رزق فإن خالفتني في
فرضي فلا أخالفك في رزقك على ما كان منك.
الثالثة عشرة: يا ابن آدم إن قنعت بما رزقتك أرحت قلبك وبدنك وأنت عندي مشكور، وإلا أتعبت قلبك وبدنك وسلطت عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ولا ينالك منها إلا ما قسمت لك، وأنت عندي مذموم.
الرابعة عشرة: يا ابن آدم لا تأنس بغيري ما وجدتني فمتى طلبتني وجدتني.
الخامسة عشرة: يا ابن آدم ما خلقتك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح عليَّ.
خاتمة: قال أبو جعفر محمد بن علي السالف : إن أهل التقوى أكثر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك.
قوالين بالحق قوامين بأمره، وأنزل الدنيا منك بمنزله منزل نزلت به أو ارتحلت عنه أو كمال أصبته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شيء.
وأنشدوا في معناه:
ألا إنما الدنيا كأحلام نائم … وما خير عيش لا يكون بدائم
تأمل إذا ما نلت بالأمس لذَّة … فأفنيتها أنت إلا كحالم
مجلس في الدعاء
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . إضافة بكاف الخطاب، وكفى به مباهاة، ووعد بالإجابة مؤكد باستقراعه في قالب الاستقبال ليؤذن به في ثاني الحال.
وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ .
والتضرع هو حال الاضطرار، والخفية حال الحضور والإخلاص.
ثم أرشد إلى التحذير من الاعتذار فيه ولا يرتكب شيئًا من مخالفة إذنه لئلا يعتدي بسببه.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ .
ففيه إعلام تقرب الرب المدعو وإجابته دعوة كل داع، ولو من غير صالح.
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآية.
فالآية الأولى فيها أصل الدعاء والثانية: صفته. والثالثة: المدعو تعالى وقربه،
والداعي وما يتصف به من الاضطرار.
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .
ولنذكر تسعة وعشرين حديثا مشتملة على مهمات الترغيب في الدعاء وجوامعه، وبيان أدعية مخصوصة كلية وجزئية مقصورا، ووسيلة وألفاظ مأثورة في طلب المغفرة ونحوها، وفي التعوذ ونحو ذلك وبيان أدعية لزمها الأكابر، واعتنت بشأنها.
الحديث الأول: حديث النعمان بن بشير مرفوعا «الدعاء هو العبادة» .
رواه أبو داود والترمذي وقل: حسن صحيح أي مخها وكبدها على نحو «الحج عرفة» .
ثانيها: حديث عائشة قالت: «كان رسول اللَّه ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك» .
رواه أبو داود بإسناد جديد.
ووجه شمولها المهمات النافعات الجامعات.
ثالثها: حديث أنس، كان أكثر دعاء النبي ﷺ: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» أخرجاه.
زاد في روايته: «كان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو الدعاء دعا بها فيه» وسبب أكثريته ذلك عذوبة اللفظ وشموله خير الدنيا والآخرة وسيلة ومقصودا وجمعه لطلب الدفع والنفع، ونحو ذلك.
رابعها: حديث ابن مسعود: أنه ﷺ كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» أخرجه مسلم.
وهذا هو الحالة الحسنة في الدنيا، فأي نعمة توزاي الهدى والتقى وعفاف النفس وغناها فما مثل هذين في راحة البدن كما أن الأولين ما مثلهما في حياة القلب ونوره وانتعاشه.
الحديث الخامس: حديث طارق بن أشيم قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني» رواه مسلم.
وفي رواية له عن طارق أنه سمع رسول اللَّه ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول اللَّه كيف أقول حيث أسأل ربي؟.
قال: «اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإن هؤلاء يجمع لك دنياك وآخرتك» .
قلت: فهذا هو الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة وإنها جامعة للفوز والنجاة
والهداية والعافية الماحية للأمراض القلبية الشاملة للعقاب وغيره والرزق المزيل لكل خلة وفاقة.
الحديث السادس: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعا : «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك» أخرجه مسلم.
وهو منبه على اعتناء الداعي بمثله فيما يشعر بتمام الاقتدار وتعظيم الخوف وشدة الاضطرار.
ولعله ينظر على آخر دعاء الآية السالفة: «وقنا عذاب النار».
الحديث السابع: حديث أبي هريرة مرفوعا : «تعوذوا باللَّه من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» أخرجاه.
وفي رواية قال سفيان أشك أني زدت واحدة منها.
الحديث الثامن: حديثه أيضًا قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». أخرجه مسلم .
الحديث التاسع: حديث على قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «قل اللهم اهدني وسددني» . أخرجه مسلم.
وفي رواية له: «اللهم إني أسألك الهدى والسداد» قلت: فإذا حصلت الهداية والتسديد، فقد وصل كل مقصد، فإن من سدد سهمه أصاب غرضه وأدرك لحكمه، ومن يؤتها فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
الحديث العاشر: حديث أنس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» .
وفي رواية: «وضلع الدين وغلبة الرجال» . أخرجاه.
الحديث الحادي عشر: حديث أبي بكر الصديق أنه قال لرسول اللَّه ﷺ: علمني دعاء أدعوا به في صلاتي.
قال: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» .
أخرجاه. «كثيرًا»: يروي بالمثلثة وبالباء الموحدة فينبغي الجمع بينهما.
الحديث الثاني عشر: حديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه كان يدعوا بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وجهلي وكل ذلك عندي».
«اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير» . أخرجاه.
والعصمة من رذائل العامة لا ينافي الاستغفار من ذنوب الخاصة التى هي أشرف ممن دونهم.
الحديث الثالث عشر: حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل» . أخرجه مسلم.
الحديث الرابع عشر: حديث أبن عمر قال: كان من دعاء رسول اللَّه ﷺ: «اللهم اني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفُجَاءَة نقمتك، وجميع سخطك».
أخرجه مسلم.
الحديث الخامس عشر: حديث زيد بن أرقم قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعداب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» . أخرجه مسلم.
الحديث السادس عشر: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» .
السابع عشر: حديث عائشة أنه ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، ومن عذاب النار ومن شر الغنى والفقر» .
رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي وقال: حسن صحيح.
وهو متضمن تخوف شر ممن فيه خير من وجه، وشر من آخر.
الثامن عشر: حديث زياد بن علاقة عن عمه قطبه بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء» .
رواه الترمذي وحسنه.
فتعوذ من كسب النفوس خلقا، والجوارح عملا والعقول هوى، كل ذي منكر.
التاسع عشر: حديث شكل بن حميد قال: «قلت يا رسول اللَّه علمني دعاء؟».
قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي ومن شر منيي» . رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
الحديث العشرون: حديث أنس أنه ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيء الأسقام» رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وهذه عوارض الجوارح والعقول.
الحادي بعد العشرين: حديث أبي هريرة: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» .
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
الثاني بعد العشرين: حديث على في الترمذي، محسنا أن مكاتبا جاءه فقال: إني عجزت عن كتابتي، فأعني قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول اللَّه ﷺ: لو كان عليك مثل جبل دينا أداه عنك قال: «قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك» .
أي أغنى عن الحرام والسؤال.
الثالث بعد العشرين: حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ علم أباه حصينًا كلمتين يدعوا بهما: «اللهم ألهمتي رشدي وأعذني من شر نفسي» .
رواه الترمذي وحسنه.
الرابع بعد العشرين: حديث العباس قال: قلت يا رسول اللَّه علمني شيئا أسأله اللَّه عز وجل، قال: «سل اللَّه العافية» فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول اللَّه
علمني شيئًا أسأله اللَّه فقال لي: «يا عباس يا عم رسول اللَّه سلوا اللَّه العافية في الدنيا والآخرة» .
رواه الترمذي وصححه، والعفو: المحو، وهو صفة الصحة والقوة.
الخامس بعد العشرين: حديث شهر عن أم سلمة كان أكثر دعاء رسول اللَّه ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» .
رواه الترمذي وحسنه.
السادس بعد العشرين: حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «كان من دعاء داود: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من أهلي ونفسي، ومن الماء البارد» .
رواه الترمذي وحسنه.
وهو جامع لإعلاء الأحوال والأعمال، وكان داود أعبد البشر.
السابع بعد العشرين: حديث أنس مرفوعًا: «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» .
رواه الترمذي، ورواه الحاكم من حديث ربيعة بن عامر الصحابي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وألظوا: الزموا ذلك، وأكثروا، فهو أصل كل المعارف والأحوال.
الثامن بعد العشرين: حديث أبي أمامه أنه ﷺ علمهم هذا لأنهم شكوا أنه دعا
بدعاء كثير لم يحفظوا منه شيئًا: «اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ، ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ، وأنت المستعان، وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا باللَّه» .
رواه الترمذي وحسنه.
التاسع بعد العشرين: حديث ابن مسعود: كان من دعائه عليه السلام: «اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار» .
رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
فصل في الدعاء بظهر الغيب
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ .
وقال إخبارا عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ .
فالآية الأولى فيها مدح عموم المؤمنين بذلك. وفي الثانية: الأمر لنبيه وحبيبه به. وفي الثالثة: أنه كان شأن خليل الرحمن فطوبى لمن كان هجيراه ما أمر به الأنبياء والأولياء والأخلاء، فهؤلاء خاصة الخواص. وروينا في صحيح مسلم من
حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل» وروينا فيه أيضًا، من حديثه أيضا أنه ﷺ كان يقول: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة؛ عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الموكل به آمين ولك بمثل» .
فصل في مسائل من الدعاء
عن أسامة بن زيد مرفوعًا: «من صُنِعَ إليه معروف فقال لفاعله: جزاك اللَّه خيرا، فقد أبلغ في الثناء» .
رواه الترمذي وصححه.
وفيه أن الدعاء قد يكون ثناء.
وعن جابر مرفوعًا: «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من اللَّه ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم» .
أخرجه مسلم. فالإجابة متوقعة كل وقت. وعن أبي هريرة مرفوعًا: «أقرب ما
يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» .
أخرجه مسلم.
فأرجى الأحوال السجود.
وعنه مرفوعًا: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: قد دعوت ربي فلم يستجيب لي» . أخرجاه.
ولمسلم: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطعية رحم، ما لم يستعجل».
قيل: يا رسول اللَّه ما الاستعجال؟
قال: «يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء».
قلت: فالاستعجال آفة الدعاء، ورجاء الإجابة باق.
وعن أبي أمامة: قيل يا رسول اللَّه أي الدعاء أسمع؟
قال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات» .
رواه الترمذي وحسنه.
وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا: «ما على الأرض مسلم يدعو اللَّه بدعوة إلا آتاه اللَّه إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم»، فقال رجل من القوم: «إذًا نكثر» قال: «اللَّه أكثر» .
رواه الترمذي وصححه.
والحاكم من حديث أبي سعيد وزاد فيه: «أو يدخر له من الأجر مثلها»، قلت: فالإجابة محققة ما لم يدع بمفوِّت حق اللَّه أو حق آدمي.
وعن أبي عباس أنه ﷺ كان يقول عند الكرب : «لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم لا إله إلا اللَّه رب العرش العظيم لا إله إلا اللَّه رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم» أخرجاه .
فاللجأ في الكربات والشدائد على الذكر والتذلل والإستكانة والإستغراق في شهود الجلال والعظمة من المهمات.
وفي الحديث الأول: من هذه الأحاديث الدعاء للمحسن وأنه حسن.
وفي الثاني: الدعاء على السيء، وأنه محذور والدعاء لأجبني، وعلى غيره، أو بخير أو شر ونحوهما.
وفي الثالث: توطين الأمر بإكثار الدعاء.
وفي الرابع: الترغيب في إدامته والتحذير من الملل وسوء الظن ، وذكر شرط الإجابة.
وفي الخامس: تحري مواطن الإجابة، فإن له أثرًا.
وفي السادس: إكثار الطلب، فالكريم لا تنفد خزائنه.
وفي السابع: ما سلف.
وأما الخطايا: فالأولى: عن سلمان الفارسي قال: إن العبد إذا كان يدعو في السَّراء فنزلت به الضراء فدعا فقالت الملائكة: «صوت منكر من آدمي ضعيف ولا يشفعون له».
الثانية: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى اللَّه من أن يُسْأَل، وما يرفع القضاء إلا الدعاء .
فائدة: قال الغزالي رحمة اللَّه عليه في الإحياء فإن قلت ما فائدة الدعاء، والقضاء لا مرد له؛ فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء. والدعاء سبب الرد للبلاء، واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان .
فائدة أخرى: قال أبو سلمان: سمعت وهبًا يقول. وقد أقبل على عطاء الخرساني. ويحك يا عطاء أتأتي من يغلق بابه، ويظهر لك فقره، ويزوي عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه ويظهر لك غناه ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
وأنشدوا :
أيها السائل العباد ليُعطى … إن للَّه ما بأيدي العباد
فاسأل اللَّه ما طلبت إليهم … وارج فضل المقسِّم العوَّاد
الثالثة: قال يوسف بن أحمد البغدادي: حججت أنا وأبو سليمان، فبينا نحن نسير إذا سقطت السطحية منى، وكان برد عظيم.
فلما افتقدت السطحية قلت: يا أبا سليمان بقينا بلا ماء، فقال: سلِّم وصل على محمد وقل: يا رادَّ الضالة، ويا هاديا من الضلالة أردد الضالة وإذا بواحد ينادي: من ذهب له سطحية؟، فأخذتها منه.
فقال أبو سليمان: تراه يتركنا بغير ماء؟!
فبينا نحن نسير وإذا برجل عليه طمران رثان وقد تدرعنا بالفراء من شدة البرد وهو يرشح عرقا.
فقال أبو سليمان: «ألا نعطيك شيئا من ثيابنا» فقال: «يا داراني الحر والبرد خلقان للَّه أن يأمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني تركاني».
يا داراني تصف الزهد وتخاف من البرد، أنا في هذه البرية من ثلاثين سنة ما انتفضت ولا ارتعدت، يلبسني في البرد فيحا من محبته، ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته.
نادرة: قال جعفر الخلدي: ودعت المزين الصوفي فقلت له: زوِّدني شيئا، فقال: إن ضاع منك شيء أو أردت أن يجمع اللَّه بينك وبين إنسان فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين كذا، فإن اللَّه يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان، فما دعوت بها في شيء إلا استجيب.
الرابعة: قال الشيخ أبو بكر الفرغاني: كنت أدفع على شدة الفاقة أياما كثيرة، وربما كنت أسقط مغشيا عليَّ، وكنت حينئذ قليل الدراية.
فقلت ذات يوم لو علمتني اسمك الأعظم سألتك به إذا حلَّت بي فاقة متلفة.
فبينا أنا في بعض الأيام بدمشق على باب البريد جالس في المسجد إذ رأيت رجلين قد دخلا المسجد فوقع في نفسي أنهما ملكان فوقف أحدهما بحذائي فقال أحدهما للآخر تريد أعلمك اسم اللَّه الأعظم. فقال له: نعم.
فأصغيت لهما فقال: هو أن يقول يا اللَّه.
فقلت قد تعلمت، فقال أحدهما ليس كما تقول ولكن بصدق اللجأ.
قال الشيخ أبو بكر: صدق اللجأ أن يكون مثل الغريق في لُجَّةِ البحر، لم يبق له شيء يتعلق به ولا له ملجأ إلا اللَّه عز وجل.
الخامسة: عن ثابت البناني قال: ما دعا اللَّه المؤمن بدعوة إلا وكَّل بحاجته جبريل فيقول: لا تعجل بإجابته فإني أحب أن أسمع صوت عبدي، وإن الفاجر يدعو اللَّه فيوكل جبريل بحاجته ويقول: يا جبريل عجل إجابة دعوته فإني أحب أن لا أسمع صوت عبدي الفاجر.
السادسة: قال قدامه بن أيوب وكان من أصحاب عتبة الغلام: رأيت عتبة في المنام فقلت: ما صنع اللَّه بك؟
قال: يا قدامة دخلت الجنة بتلك الدعوات المكتوبة في بيتك، فلما أصبحت أتيت إلى بيتي، فإذا بخط عتبة مكتوب على الحائط: يا هادي المضلين وراحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين، ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا من الأخيار المبرورين، من الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يا رب العالمين، آمين.
السابعة: قال عمر بن ثابت دخلت في أُذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت على صماخه، فأسهرت ليله ونغصت عيشه.
فأتي رجل من أصحاب الحسن، فشكى ذلك إليه فقال: ويحك إن كان شيء
ينفعك اللَّه به فدعوة العلاء بن الحضرمي التي دعا بها في البحر وفي المغاوز. قال وما هي ؟
قال: يا عليُّ يا عظيم يا حكيم يا عليم.
فدعا بها، فواللَّه ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى صكت الحائط وبرأ ما كان به.
وأنشدوا:
وإني لأدعو اللَّه والأمر ضيق … عليَّ فما ينفك أن ينفرجا
ورُبَّ فتى سُدَّت عليه وجوهه … أصاب لها في دعوة اللَّه مخرجا
الثامنة: قال بعضهم: كنا مع إبراهيم بن أدهم، فأتاه الناس فقالوا: يا أبا إسحاق، الأسد وقف في طريقنا، فأتى إبراهيم إلى الأسد وقال له: يا أبا الحارث إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أُمِرت به، وإن لم تُؤمر بشيء فتنح عن طريقنا، فأدبر الأسد وهو يهمهم.
فقال إبراهيم وما على أحدكم إذا أصبح وأمسى أن يقول: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك وأنت ثقتنا ورجاؤنا.
أخرى: عن الخواص: قال إبراهيم الخواص: كتب في البادية مرة فسرت في وسط النهار، فوصلت إلى شجرة فنزلت، فإذا بسبع عظيم، فاستسلمت ودعوت، فلما قرب
مني إذا هو يعرج، فهمهم وبرك بين يدي ووضع يده في حجري، فنظرت فإذا يده منتفخة فيها قيح ودم.
فأخذت خشبة وشققت الموضع الذي فيه القيح وشددت على يده خرقة، ومضى، فإذا أنا به بعد ساعة ومعه شبلان يحملا إليَّ رغيفين.
التاسعة: قال الربيع: حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة فقال لي: ابعث إلى جعفر بن محمد، فتغافل عنه الربيع، فأرسل إليه برسالة قبيحة في جعفر وأمره أن يبعث إليه، ففعل.
فلما جيئ به وأحضر بين يديه قال له: «يا عدو اللَّه اتخذك أهل العراق إماما يجتبون إليك زكاة أموالهم، ونحلت من سلطاني، قتلني اللَّه إن لم أقتلك».
فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان. عليه السلام. أعطى فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر.
فقال له أبو جعفر: إليَّ يا أبا عبد اللَّه البرئ الساحة السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك اللَّه خيرًا.
ثم تناول يده وأجلسه معه على فراشه.
ثم قال: يا ربيع ألحق أبا عبد اللَّه جائزته وكسوته، ثم قال: انصرف في حفظ اللَّه وفي كنفه، فانصرف فلحقته فقلت له: إني قد رأيت قبل أن تأتي ما لم تره، ورأيت بعد أن أتيت ما قدر رأيت فما هذا؟ فقال: يا أبا عبد اللَّه حين دخلت قلت: «اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لا يُرام، واغفر لي بقدرتك عليَّ، لا أهلك وأنت رجائي. اللهم إنك أكبر وأجل مما أخاف وأحذر، اللهم بك أدفع في نحره، وبك استعيذ من شره».
العاشرة: عن سري السقطي قال: كان يسكن في جواري رجل صالح ورع من أهل القرآن. وكان فقيرا ذا عائلة فاشتدت به الفاقه والضيقة في يعض أيامه فوقع في
نفسه أن يكتب حاله في ورقة ويدفعها إلى اللَّه عز وجل فلما كتبها أدركه الليل، فانتصب في محرابه يصلي ويدعو ويشير بالورقة على السماء، فلم يزل كذلك أكثر ليلته فمسَّه السهر وأعياه القيام.
وجلس يصلي قاعدا إلى أن بقى من الليل قليل فغلب عليه النوم، فرأى في منامه رجلا حسن الوجه يقول له: ما هذه الغفلة التي لحقتك ترفع إلى اللَّه سوادا في بياض؟
قال: فكيف أصنع؟
قال: إذا أردت ذلك فاستمد بيد الشكر من بحر الذكر بقلم الصبر، واكتب على قلبك بياض الفكر على رهب الطلب.
قال: قلت: ماذا أكتب؟
قال: يا من أفضاله أفضل أفضال المتفضلين، وإنعامه أنعم إنعام المنعمين، وعجز عن شكره شكر الشاكرين.
قد جربت غيرك من المأمولين بغيري من السائلين، فإذا كل قاصد إلى غيرك مردود، وكل طريق إلى سواك مسدود، وكل خير عندك موجود وعند سواك معدوم مفقود.
قال: قلت: يا سيدي ما أحسن هذا؟
قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية. فاكتب: يا من إليه توسَّلت وعليه في السراء والضراء عوَّلت، حاجاتي مصروفة إليك، وآمالي موقوفة لديك، وكل ما وفقتني له من خير أعمله وأطيقه، فأنت دليل عليه بطريقه.
قال: فقلت: يا سيدي وهذا أحسن.
قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية، فاكتب: يا قادرا لا ترده المطالب، ويا مالكا يرغب إليه كل راغب، ما زلت مصحوبا منك بالنعم جاريا على عادات الإحسان والكرم، يا من بكرمه يبلغ الكرم، ومن حمده يزيد النعم.
قال: قلت: يا سيدي وهذا أحسن.
قال: فإن بقى في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية فاكتب: يا من جعل البصر عونا على بلائه، وجعل الشكر مادا لنعمائه أسألك صبرًا جميلًا على المحن وتوفيقا للشكر على المنن، فقد عظمت محنتك عن صبري، وجلت نعمتك عن شكري، فتفضل علي بإقراري بعفو أنت أوسع له وأقدر عليه، فإن لم يكن لذنبي عذر تقبله فاجعله ذنبا تغفره.
[١ / ٣٧٣]
ثم قال: يا أبا عبد البر قم في مقام التبتل ، وقف موقف التنصل متعرضا للفضل بخشوع التذلل للقبول بلسان التوسل على العزيز المتفضل.
قال: قلت: يا سيدي ما أحسن هذا.
قال: هو من دعاء خاصة لملك، أفهمت.
قلت: نعم إن شاء اللَّه تعالى، ثم مسح بيده على بطني وصدري، فانتبهت فإذا أنا ذاكر لما خاطبني به، وما ذهب عني حرف.
قال السري: حدثنا أبو عبد البر عند صلاة الفجر بهذا الحديث فاستحسناه وكتبناه - رحمة اللَّه تعالى.
الحادية عشر: قال بعض الصالحين: صعدت جبل لبنان مع نفر نلتمس رجلا من العباد الزهاد المقيمين فيه، فسرنا ثلاثة أيام، فضربت على رجلي، فجلست على جبل شامخ، ومضى أصحابي يدورون في الجبل على أن يرجعوا إلي، فلم يعودوا وبقيت وحدي على غد ذلك اليوم، وطلبت ماء لأتطهر به للصلاة، فوجدت أسفل الجبل عينا فتوضأت منها، وقمت أصلي فسمعت صوت قارئ فلما فرغت من الصلاة اتبعت الصوت، فوجدت كهفا فدخلته فإذا فيه رجل ضرير جالس فسلمت عليه، فرد علي السلام.
وقال لي: أجني أنت أم إنسي؟
فقلت: بل إنسي.
فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، ما رأيت ههنا إنسا منذ ثلاثين سنة غيرك ثم قال لي: لعلك تعبت، اطرح نفسك، فدخلت داخل الكهف فرأيت ثلاثة قبور صفا، فنمت عندها، فلما كان وقت صلاة الظهر صاح بي الصلاة يرحمك اللَّه، ولم أر رجلا أعرف بأوقات الصلاة منه.
فصليت معه، ثم قام يصلي، فلم يزل يصلي إلى العصر، قام قائمًا يدعو فسمعته يقول في دعائه: «اللهم أصلح أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، اللهم فرج عن أمة محمد ﷺ»
فلما صلينا المغرب قلت له: من أين لك هذا الدعاء؟
قال: من دعا به كل يوم ثلاثة مرات كتبه اللَّه من البدلاء.
فقلت له: من علمك هذا الدعاء؟
قال: لا يحتمل إيمانك ذلك.
فلما صلينا العشاء قال لي: تأكل؟
فقلت: نعم.
قال: ادخل داخل الكهف فكل ما تجد، فدخلت فوجدت صخرة عليها زبيب وجوز وخرنوب وتفاح وتين وحبة الخضراء، كل واحد من ذلك ناحية فأكلت منه ما أردت.
فلما كان وقت السحر أوتر، وذلك أنه لم ينم في ليلته، ثم أكل مما هناك وصليت حتى صلينا الفجر فنام وهو جالس إلى أن طلعت الشمس نحو رمحين.
ثم قام فتوضأ ودخل الكهف، فقلت له من أين هذه الفاكهة؟ فما رأيت أطيب منها.
فقال سترى ذلك معاينة.
فدخل طائر جناحاه أبيضان، وصدره أحمر ورقبته خضراء، وفي منقاره حبة زبيب، وبين رجليه جوزة، فوضع الزبيبة على الزبيب، والجوزة على الجوز.
فلما أحسن بجناحه قال لي: رأيته؟
قلت: نعم.
قال: هذا الطائر يأتيني بهذه الفاكهة منذ ثلاثين سنة.
فقلت: كم يتردد إليك في اليوم؟
قال: سبع مرات.
فعددت فإذا به تردد خمسة عشر مرة، فعرَّفته ذلك، فقال: قد زادك مرة، واجعلنا في حل. ورأيت عليه من اللباس من لحاء شجر يشبه الموز، فقلت له: من أين لك هذا؟
فقال: يأتيني هذا الطائر في كل يوم عاشوراء بقشر قطع من هذا اللحاء، فأسوِّي منه قميصًا ومئزرا وكانت عنده مسلَّة يخيط بهاء اللحاء.
ورأيت بجنبه مما قد خلق من ذلك معروشًا.
ورأيت عنده حجرا يصب عليه الماء، ثم يأخذ الماء الذي ينزل منه فيسمح به الشعر الذي ينبت عليه فيحلقه.
فكنت عنده جالسا فدخل عليه سبعة نفر أعينهم مشقوقة بالطول حمر، وكانت ثيابهم شعورهم فقال لي: بالفارسية لا تفزع منهم، فهم من مسلمي الجن.
فقرأ عليه أحدهم سورة طه والآخر سورة الفرقان وآخر يُلقَّن من سورة الرحمن آيات.
[١ / ٣٧٥]
ثم خرجوا وسمعته وهو ساجد يقول في سجوده: اللهم مُنَّ علىَّ بإقبالي عليك، والإصغاء إليك واتصالي بك والفهم عنك والبصيرة في أمرك والنفاذ في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك، ورفع صوته.
فقلت له: من أين هذا الدعاء؟
فقال: أُلْهمته، ولقد كنت أدعو به في بعض الليالي، فسمعت هاتفًا بي يقول: إذا دعوت بهذا الدعاء ففخم فإنه مستجاب.
فأقمت عنده أربعة وعشرين يوما ثم قال لي حدثني بقصتك كيف وصلت علي ههنا؟ فحدثته، وقال لي: لو علمت أن قصتك هذه ما تركتك عندي هذه المدة لأنك قد شغلت قلوب إخوانك، وقد ندموا على ما فرطوا في أمرك ورجوعك إليهم أفضل من مقامك عندي.
فقلت له: إني لا أعرف الطريق.
فسكت، فلما كان وقت الزوال قال لي: قم حتى تمضي.
فقلت له: أوصني وصية.
فقال: عليك بالجوع، وحسن الأدب، فإني أرجو لك أن تلحق بالقوم، وأهدي لك هدية أيضا.
اطلب يوم الزيادة بعد العصر بين زمزم والمقام رجلا وصفه لي.
ثم قال لي: إذا لقيته فاقرأ عليه¬ السلام واسأله أن يدعو لك.
ثم خرج من الكهف وأنا معه، فإذا بسبع قائم على باب الكهف، فتكلم معه بكلام لم أفهمه ثم قال لي: اتبعه فإذا وقف فانظر عن يمينك أو يسارك فإنك تجد الطريق.
فسار السبع أمامي ساعة.
ثم وقف فنظرت عن يميني، فإذا أنا على عتبة دمشق، فدخلت الجامع فلقيت بعض من كان معنا فحدثتهم الحديث، وخرجنا جميعا ومعنا خلق كثير حتى صرنا إلى ذلك الجبل وذلك الموضع بعينه، فطلبنا الكهف ثلاثة أيام فلم نجده.
فقالوا لي: هذا شيء كشف لك وغطى عنا، فكنت أحج كل سنة وألتمس الرجل الذي وصفه لي فما كنت أراه.
حتى كان بعد ذلك بثمان سنين رأيته على الصفة والمكان، فسلَّمت عليه فرد السلام، فسألته الدعاء، فدعا لي بدعوات.
فقلت له: إن إبراهيم الكرماني يقرئك السلام.
[١ / ٣٧٦]
فقال لي: وأين رأيته؟
فقلت: في جبل لبنان.
قال: رحمه الله.
قلت: أو قد مات؟
قال: نعم، الساعة دفنته عند إخوتي في الغار الذي كان فيه، وصلينا عليه. فبينا نحن نغسله إذا بالطائر الذي كان يأتيه بقوته قد سقط فلم يزل يضرب بجناحيه حتى مات.
فدفناه عند رجليه.
ثم قام الرجل فدخل في الطواف فلم أره بعد ذلك رحمه اللَّه تعالى.
الثانية عشرة: قال بعضهم أدركتني ضائقة وخوف شديد، فخرجت هائما، فسلكت طريق مكة بلا زاد ولا راحلة. فمشيت ثلاثة أيام، فلما كان في الرابع اشتد بي العطش والحر، وخفت على نفسي التلف ولم أجد في البرية شجرة استظل بها، فوكلت أمري إلى اللَّه، واستقبلت القبلة، فغلبتني عيناي وأنا جالس فرأيت شخصًا في المنام فصافحني وقال: أبشر أنت تسلِّم وتصل إلى بيته الحرام وتزور قبر نبيه ﷺ.
فقلت له: من أنت؟
فقال: أنا الخضر.
فقلت له: ادع لي.
فقال: يا لطيف بخلقه، يا خبير بخلقه، ألطف بي يا لطيف يا عليم يا خبير ثلاث مرات.
فقلت ذلك.
فقال: هذه تحفة بها غنى الأبد، فإذا لحقتك ضائقة أو نزل بك نازلة فقلها، تكفي وتشفى ثم غاب عني وأنا أسمع شخصا ينادي: يا شيخ يا شيخ، فانتبهت.
فإذا برجل راكب على راحلة فقال لي: يا هذا رأيت لي شابا صفته كذا وكذا؟
فقلت: لا.
فقال: خرج شاب من أهلنا منذ سبعة أيام، وأخبرنا أنه توجه إلى الحج.
ثم قال لي: إلى أين تقصد؟
فقلت: حيث ما شاء اللَّه، فأناخ راحلته ونزل عنها، ومد يده على جراب فأخرج منه قرصي سميد وبينهما حلوى، ونزل بسطحية مملوءة ماء.
[١ / ٣٧٧]
وقال: اشرب، فشربت وأكلت قرصًا واحدا فاكتفيت به.
ثم قال لي: اركب، وركب أمامى وسرنا ليلتين ويوما فالتحقنا بالقافلة، فسأل عن الشاب فأخبر أنه في القافلة.
فتركني ومضى، ثم أتاني بعد ساعة والشاب معه وقال: يا ولدي هوَّن اللَّه علي بالاجتماع بك اجتماعي بهذا الرجل.
ثم ودعتهما وانصرفت ولحقني الرجل بكاغدة وناولني إياها، وقبَّل يدي وانصرف.
فوجدت بها خمسة دنانير مصرية، اكتريت منها إلى مكة، وتزودت ببقيتها، وحججت تلك السنة، وزرت النبي ﷺ والخليل. عليه السلام.
وكلما أدركتني ضائقة أو نازلة أذكر تلك الكلمات التى علمنى الخضر وأعترف بفضله ومنه، وأشكره على نعمته.
تمن على ذي العرش ما شئت إنه … مجيد كريم لا يُخَيِّبُ سائلا
الثالثة عشرة: عن الليث رحمه الله قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، فأتيت مكة.
فلما صليت العصر رقيت أبا قبيس، فإذا رجل جالس وهو يدعو فقال: يا رب حتى انقطع نفسه ثم قال: يا اللَّه يا اللَّه حتى انقطع نفسه.
ثم قال: يا حي يا حي كذلك.
ثم قال: يا رحيم كذلك، ثم قال: يا أرحم الراحمين سبع مرات. ثم قال: اللهم إني اشتهيت هذا العنب فأطعمنيه.
اللهم إن بُرْدِي قد خلق.
قال الليث. فواللَّه ما استتم كلامه حتى أُتِيَ بسلة مملوءة عنبًا، وليس على الأرض يؤمئذ عنب. وبردين موضوعين، فأراد أن يأكل.
فقلت: أنا شريك.
فقال لي: ولم؟ قلت: لأنك كنت تدعو وأنا أؤمن.
فقال لي: تقدم فكل ولا تُخبأ منه شيئًا فتقدمت وأكلت شيئًا لم آكل مثله قط، وإذا عنب لا عجم فيه، فأكلت حتى شبعت، والسلة لم تنقضي شيئا.
ثم قال: خذ أيَّ البردين شئت.
فقلت: أنا أغنى عنهما.
قال: توار عني حتى ألبسهما، فتواريت عنه. فائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر،
[١ / ٣٧٨]
ثم أخذ البردين الذين كانا عليه فجعلهما على يديه، ونزل.
واتبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال: اكسنى كساك اللَّه يا ابن رسول اللَّه، فدفعهما إليه.
فلحقت الرجل فقلت: من هذا؟
فقال: هذا جعفر بن محمد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فطلبته فلم أجده.
الرابعة عشرة: عن بعض المشايخ قال: كان لي زوجة كنت مشغوفًا بها، فبينا أنا عندها في بعض الأيام في البيت نائم أدركتني حالة في المنام فسمعت ما نطقت به وعاينت حركتي، وكانت حالة عظيمة.
فلما أفقت قالت: ما شأنك يا سيدي؟
فقلت: ما رأيت؟
قالت: خيرًا.
فسكت عنها، ثم خرجت وخليتها.
فقالت لخادم لنا ناد لي أمي وأختي، فناداهما.
فاجتمعت بهما وقالت جرى لزوجي كذا وكذا. وأخبرتها بالصورة، وقالت واللَّه ما بقيت له بزوجة أبدًا، فإنه مجنون فعزلها أهلها عن ذلك وقصدوا ردها فأبت، فقالوا، تقيمين في الدار حتى نجتمع معه.
فلما علمت بذلك أتيت إليها وقلت: ما مقصودك قالت: الفراق وإلا قتلت نفسي، وأنت السبب في ذلك.
فقال: أمهليني سبعة أيام.
فقالت: نعم، ثم إني وجدت مشقة كبيرة في فراقها، فقصدت رضاها بشيء من الدنيا، فأبت فأرسلت إليها جماعة من أهلي فأبت، فلما تيقنت عزمها على ما ذكرت، لحقني وَلَه وتغيرت أحوالي وتشوش خاطري ولم أجد ما يحمل ذلك عني.
فلما بقى من الأجل ليلة واحدة، وقد اشتد بي الحال، وضاقت بي الأرض، رجعت إلى اللَّه وفوضت أمري إليه وعزمت على أن ما يفعله اللَّه أرضى به.
ثم دعوت بهذه الكلمات: اللهم يا عالم الخفيات ويا سامع الأصوات، ويا من بيده ملكوت الأرض والسموات، يا مجيب الدعوات استغثت بك واستجرت بك يا مجير أجرني ثلاث مرات.
ثم جلست حتى كان النصف الآخر من الليل، وأنا مستقبل القبلة وإذا بها قد
[١ / ٣٧٩]
دخلت فقبلت رجلي وقالت: سألتك باللَّه العظيم إلا رضيت عني، فقد تبت مما كنت أطلبه منك.
وقد رجعت إلى اللَّه فاسأله أن يقبل توبتي.
فقلت: لا أرضى عنك حتى تخبريني بسبب هذا.
فقالت: كنت البارحة مصرة على ذلك العزم فأتى رجل في المنام وبيده اليمنى سوط، وفي الأخرى سكين وقال لي: إن رجعت عن هذا الأمر وإلا قتلتك بهذا السكين، ثم جلدني ثلاث جلدات.
فانتبهت مرعوبة وحرارة ذلك الضرب في قلبي فقعدت ساعة ثم نمت فرأيت الرجل بعينه قد أتاني وبيده السوط والسكين، وقال لي أما حذرتك ووعظتك وأمرتك، ثم رفع يده على.
فانتبهت مرعوبة وأتيت إليك مسرعة لتقبل توبتي وترضي عني وتسأل اللَّه لي.
ثم كشفت عن جسدها فرأيت أثر ثلاث ضربات فقلت لها: يتوب اللَّه عليَّ وعليك، وقد رضيت عنك في الدنيا والآخرة.
فقالت: صداقي هبة لك، شكرا للَّه، وعندي عشرون دينارا من حليتي، وهي وثيابي للفقراء شكرا للَّه.
فلما أصبحت فعلت ذلك.
ثم نظرت لطف اللَّه بي، وعلمت أنه ثمرة الرضا علي ما فعل، وتيقنت أن الأمور كلها بيده ثم أقمت معها بعد ذلك سبع سنين وأنا في أكمل مسرة، ثم ماتت فرأيتها في المنام في أجمل صورة وعليها من الحلي والحلل ما لا أطيق وصفه. فقلت لها: ما لقيت من ربك؟
فقالت: كما ترى، وأنا منتظرة لقاك رضي اللَّه عنك، كما رضيت عني.
الخامسة عشرة: روى أنه كان على عهد رسول اللَّه ﷺ رجل يتجر من الشام إلى المدينة ومن المدينة إلى بلاد الشام.
ولا يصحب القوافل توكلا على اللَّه.
فقدم مرة من الشام يريد المدينة، إذ عرض له لص على فرس فصاح بالتاجر، فوقف وقال شأنك مالي وخلِّ سبيلي.
فقال له اللص: المال مالي، وإنما أريد نفسك.
فقال له: التاجر: انظرني حتى أتوضأ وأصلي وأدعو ربي قال: افعل ما بدا لك.
[١ / ٣٨٠]
فقام التاجر فتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم رفع يديه وكان من دعائه يا ودود ثلاثا يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما تريد أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وأسألك بقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيث أغثني ثلاثًا.
فلما فرغ إذا بفارس على فرس أشهب وعليه ثياب خضر وبيده حربة من نور، فلما نظر اللص قتله ثم رجع إلى التاجر وقال: اعلم أني ملك من ملائكه السماء الثالثة حين دعوت المرة الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا: أمر حدث، ثم دعوت الثانية ففتحت أبواب السماء ولها شرر كشرر النار.
ثم دعوت الثالثة فهبط جبريل وهو ينادي من لهذا المكروب، فدعوت ربي أن يوليني قتله، واعلم يا عبد اللَّه أن من دعا بدعائك هذا في كل كربة وشدة وكل نازلة، فرج اللَّه عنه وأعانه، وجاء التاجر سالما غانما حتى دخل المدينة، وجاء إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبره بالقصة وبالدعاء.
فقال ﷺ: «لقد لقنك أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب، وإذا سئل بها أعطى».
السادسة عشرة: روى أنه كان بالكوفة رجل يكاري ويثق به التجار ويأمنونه على أموالهم، فسار وحده في وقت.
فلما خرج من العمران لقيه في طريقه رجل فقال: أين تريد؟
فقال المكاري: أريد كذا وكذا.
فقال له الرجل: لولا قلة مقدرتي على المشي لكنت رفيقك إليها، لكن إن شئت أعطيتك دينارًا، وتحملني على دابتك.
فقال له: أفعل.
فأخذه وحمله على دابته، فلما صار في بعض الطريق ظهر لهما طريقان.
فقال الراكب لصاحب الدابة أيهما نأخذ؟
فقال: الزم الجادة.
فقال له الراكب: أليس هذا الطريق أقصر وأخصب لدابتك؟
فقال: ما سلكتها قط.
قال: أنا سلكتها مرارا كثيرة.
قال: فسر حيث شئت، فسار من النهار حتى رفَّت تلك الطريق، ورمتهم إلى وادٍ مُوحش فيه جيف القتلى كثيرة.
[١ / ٣٨١]
فقال المكاري: أرى هذه الطريق قد انقطع.
فنزل الرجل عن الدابة وأخرج سكينا وقصد قتل المكاري.
فقال له: لا تفعل ودونك البغل وما عليه.
قال: لا واللَّه لا آخذ البغل حتى أقتلك.
فقال له: سألتك باللَّه العظيم إلا ما تركتني وأخذت البغل بما عليه.
فقال: لا بد من قتلك إلا أن يسبقني ملك الموت.
قال: فدعني أختم عملي بركعتين ولا تعجل عليَّ فضحك من كلامه وقال: قم فافعل فإنه قد فعل مثل ذلك كل من ترى، فما نفعتهم صلاتهم ولا خلصهم مني، فعجِّل صلاتك.
فقام يصلي، فكبر، ثم قرأ بأم القرآن ثم تلجلج ولم يدر ما يقول، فنهره وقال: عجِّل: لا أم لك فألهمه اللَّه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ .
فرفع صوته وهو يبكي، فإذا بفارس قد خرج من بطن الوادي وبيده رمح، وفي رأسه سنان كأنه كوكب مضيء فأجاب، فقصد الرجل أسرع من اللحظة فطعنه طعنة من ورائه خرَّ بها على وجهه.
ثم التهب في المكان الذي وقع فيه النار.
فلما رأى ذلك صاحب الدابة خر ساجدا للَّه ما شاء اللَّه، ثم رفع رأسه إلى الفارس وقال: سألتك باللَّه الذي رحمني بك من هذا المكان من أنت؟
فقال: أنا عبد لمن يجيب المضطر إذا دعاه.
اذهب حيث شئت فلا بأس عليك.
وأنشدوا:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا … وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد
فقلت يا أملي في كل نائبة … ومن عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أمورا أنت تعلمها … ما لي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالصبر مبتهلًا … إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبة … فبحر جودك يروي كل من يرد
السابعة عشرة: حكى أن بعض الملوك غضب على بعض الفقراء، فبنى عليه قبة ولم يترك له منفذا ومنعه الطعام والشراب.
فلما كان بعد ثلاث وجد الفقير خارجا في عافية فأخبر الملك بذلك، فأحضره فقال له: ما الذي نجاك من هذه الشدة، وفرج عنك هذه الكربة وأنقذك مما كنت فيه.
ما سبب خلاصك؟
قال له: دعاء دعوت به.
قال: وما هو؟
قال: قلت: اللهم إني أسألك يا لطيف ثلاثا، يا من وسع لطفه أهل السموات والأرض، أسألك أن تلطف بي من خفي خفي خفيِّ لطفك الخفي الخفي الخفيّ الذي إذا لطف به لأحد من عبادك كفى.
فإنك قلت وقولك الحق: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] الآية.
الثامنة عشرة: حكى أن امرأة إسرائيلية كان لها دار بجوار قصر الملك، وكانت تشين القصر وكلما رام الملك منها بيع الدار تأبى، فخرجت في سفر، فأمر الملك بهدمها.
فلما جاءت قالت من هدم داري؟
قيل: الملك، فرفعت رأسها على السماء، وقالت إلهي وسيدي ومولاي غبت أنا وأنت حاضر، للضعيف معين، وللمظلوم ناصر، ثم جلست فخرج الملك في موكبه، فلما نظر إليها قال: ما تنتظرين قالت: انتظر جواب قصتك.
فهزئ بقولها وضحك، فلما جن عليه الليل خسف به وبقصره، ووجد على بعض حيطانه مكتوب:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه … وما يدريك ما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطئ ولكن … لها أمد وللأمد انقضاء
وقد شاء الإله بما تراه … فما للملك عندكم بقاء
مجلس في الصمت
قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» .
وروينا في جامع الترمذي مصححا من حديث معاذ قلت: يا رسول اللَّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار.
قال: لقد سألتني عن عظيم، وأنه ليسير على من يسره اللَّه عليه، تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل.
قال: ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾.
ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟»، قلت: بلى يا رسول اللَّه.
قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟»
قلت: بلى يا نبي اللَّه، فأخذ بلسانه.
قال: «كف عليك هذا»، فقلت: يا نبي اللَّه، وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به؟
فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» .
ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك:
فالأول عن ذي النون المصري -رحمة اللَّه عليه- قال: بينا أن أسير في نواحي الشام إذ وقعت في روضة خضراء، وفي وسطها شاب قائم يصلي تحت شجرة تفاح، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، فلم يرد علي السلام.
فسلمت عليه ثانيا فأوجز في صلاته، ثم كتب في الأرض بإصبعه:
منع اللسان من الكلام لأنه … كهف البلاء وجالب الآفات
فإذا نطقت فكن لربك ذاكرًا … لا تنسه واحمده في الحالات
قال ذو النون: فبكيت طويلًا وكتبت بإصبعي في الأرض:
وما من كاتب إلا سيبلى … ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء … يسرك في القيامة أن تراه
قال: فصاح الشاب صيحة فارق الدنيا.
فقمت لآخذ في غسله ودفنه، وإذا بقائل يقول: خل عنه فإن اللَّه عز وجل وعده أن لا يتولى أمره إلا الملائكة.
قال ذو النون: فقمت إلى شجرة فركعت عندها ركعتين، ثم أتيت الموضع
الذي مات فيه فلم أجد له أثرا ولا أعرف له خبرا - رحمه اللَّه تعالى.
فائدة: قال محمد بن حازم: قال وهب: وجدت العزلة كلها في كف اللسان.
وقال وهب: يقال الحكمة عشرة، فتسعة منها في الصمت، والعاشر في عزلة الناس.
قال: فعالجت نفسي على الصمت، فلم أجدني أضبط كل ما أريد منه.
فرأيت أن هذه الأجزاء العشرة عزلة الناس.
الثانية: عن ميمون بن مهران قال: جاء رجل إلى سلمان فقال: أوصني، قال: لا تتكلم، فإن تكلمت تكلم بحق أو اسكت.
قال: زدني، قال: لا تغضب.
قال: إنه ليغشاني ما لا أملكه.
قال: فإن غضبت أملك لسانك ويدك.
قال: زدني، قال لا تلابس الناس.
قال: لا يستطيع من عاش في الناس أن لا يلابسهم قال: فإن لابستهم فاصدق الحديث وأد الأمانة.
فائدة: قال عطاء بن رباح: "أن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، يعدون فضوله ما عدا كتاب اللَّه أن تقرأه وتأمر بمعروف وتنهى عن المنكر، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ الآية أما يستحي أحدكم لو نشرت عليه صحيفته التي (أخلا) صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه.
نادرة: قال صالح بن أبي الأخضر : قلت لأيوب أوصني قال: اقلل الكلام.
الثالثة: عن محمد بن رافع قال: أقبلت من بعض بلاد الشام، فبينا أنا في بعض الطريق رأيت رجلًا عليه جبة من الصوف وبيده ركوة.
فقلت: أين تريد؟
قال: لا أدري، فظننته موسوسًا.
فقلت: من خلقك؟ فاصفر لونه حتى خلته صبغ بزعفران، ثم قال: خلقني من لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
فقلت: رحمك اللَّه أنا من إخوانك، ومن يأنس إلى أمثالك فلا تنقبض عني، فقال: واللَّه لو جاز لي ترك الجماعات حتى أنفرد في شاهق منيف صعب المرتقى. أو في غار موحش لعلي أجد قلبي ساعة يسلو عن الدنيا وأهلها فعلت.
فقلت: وما جنت عليك الدنيا حتى استحقت عليك هذا البغض؟
فقال: (حنانا) بها.
فقلت: هل من دواء يعالج به هذا العمى الذي قد حجب مني ما يراد بي.
قال: ما أراك تقدر على العلاج فاستعمل من الدواء أيسره.
قلت: صف لي دواء لطيفًا.
قال: فما داؤك؟
قلت: حب الدنيا.
فتبسم وقال: أي فرحة أعظم من هذه، ولكن اشرب السموم الطريفة والمكارم الصعبة.
قلت: ثم ماذا؟
قال: الوحشة التي لا أنس فيها، والتفرقة التي لا اجتماع فيها.
قلت: ثم ماذا؟. قال: السلو عما تريد، والصبر على ما لا تحب، وإن أردت فاستعمل هذا وإلا فتأخر واحذر الفتن التي كأنها قطع الليل المظلم.
قلت: فدلني على عمل يقربني من اللَّه.
فقال: يا أخي قد نظرت في جميع العبادات.
فلم أر أنفع من الفرار من الناس وترك مخالطتهم، وقلة الكلام، يا أخي رأيت القلب عشرة أجزاء، فتسعة مع الناس وجزء مع الدنيا، فمن يقوى على الانفراد بتسعة أجزاء من القلب.
ثم غاب عني فلم أره.
الرابعة: عن أبي سلمان المغربي قال: كنت أحمل الحطب من الجبل وأتقوت من ثمنه، وكان طريقي فيه التوقي والتحري.
فرأيت في المنام جماعة من البصريين فيهم الحسن البصري وفرقد السبخي ومالك بن دينار، فسألتهم من علم حالي فقلت: أنتم أئمة المسلمين دلوني على الحالات التي ليس للَّه عز وجل فيها تبعة ولا للمخلوق فيه منة.
فمكثت آكل ثلاثة أشهر نيًّا ومطبوخًا في دار السبيل، فظهر لي حديث، فقلت: هذه فتنة.
فخرجت من دار السبيل، ومكثت آكل ثلاثة أشهر أخرى، فأوجدني اللَّه تعالى قلبا طيبا حتى قلت إن كان أهل الجنة بهذا القلب فهم واللَّه العظيم في شيء طيب، وما كنت آنس بكلام الخلق.
فخرجت يومًا إلى بعض الصهاريج، فجلست عنده وإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية يريد طرسوس. وقد بقى معي قطعيات من ثمن الحطب السالف فقلت: أنا قد قنعت بالحباري ، أعطى هذه هذا الفقير ليأكل به شيئًا.
فلما دنا مني أدخلت يدي إلى جيبي لأخرجها، وإذا أنا بالفقير قد حرَّك شفتيه،
وإذا كل ما حولي ذهب يتقد، كاد يخطف بصري، ولبستني منه هيبة، فجاء فلم أسلم عليه من هيبته.
ثم رأيته بعد ذلك خارج طرسوس جالسًا تحت برج بين يديه ركوة فيها ماء.
ثم استدعيت منه موعظة، فمد رجله وقلب الماء ثم قال: إن كثرة الكلام تنشف الحسنات كما نشفت الأرض هذا الماء، قم يكفيك.
شعر:
كن عن جميع الخلق مستوحشا … مستأنسًا بالواحد الحق
واصبر فبالصبر تنال المنى … وارض بما يجري من الرزق
واحذر من النطق وآفاته … فآفة المؤمن في النطق
وجدَّ في السير وشمر كما … شمر أهل السبق للسبق
أولئك الصفوة ممن سما … وخيرة اللَّه من الخلق
[١ / ٣٨٩]
مجلس من ترك الغيبة
قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية.
فنهى عنها، ونفر منها بما ذكر بعد، وحذر ورغب في التوبة.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ .
نهى عن اقتفاء ما لا علم له بإباحته، أو تشريعه ولو قيل: المعنى ما ليس لك به علم نافع، لساغ، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .
فينبغي للعاقل التحفظ من ذلك والإمساك عن الكلام، إلا ما ظهر فيه المصلحة، وقد ينجز المباح إلى غيره، فالإمساك أحوط.
فلا تكتب بكفك غير شيء … يسرك في القيامة أن تراه
وروينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: اللَّه ورسوله أعلم .
قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد أغتبته وإن لم يكن فيه، فقد بهته» رواه مسلم وعن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» رواه أبو داود.
وفيه والترمذي وقال حسن صحيح من حديث عائشة: قالت: «قلت لرسول اللَّه حسبك من صفية كذا وكذا».
-قال بعض الرواة يعني قصيرة- قال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» قالت: وحكيت له إنسانا.
فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانا وإن لي كذا وكذا» .
ومعنى مزجته: خالطته يتغير طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وإنه لزجر بليغ عنها فشيء يخالط البحر المحيط بالدنيا لا أقبح منه.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» .
هو ظاهر في السكوت عند عدم الخيرية.
وفيهما من حديث أبي موسى: قلت: يا رسول اللَّه أيُّ المسلمين أفضل؟
قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» .
وفيهما من حديث أبى هريرة مرفوعًا: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها ينزل بها الى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» .
ومعنى يتبين: يتفكر أنها حرام أو لا.
وفيهما من حديث سهل مرفوعًا: «من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة» .
ورواية الترمذي مصححًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من وقاه اللَّه تعالى شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة» .
وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه تعالى ما يلقى لها بالا يرفع اللَّه لها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه لا يلقى لها بالا يهوى بها في جهنم» .
قلت: فليحذر من المعرّات ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وروينا في موطأ مالك، وجامع الترمذي من حديث بلال بن الحارث المزني مرفوعًا: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه تعالى ما كان يظن أن يبلغ ما
بلغت يكتب اللَّه له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن الرجل ليتكلم من سخط اللَّه ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب اللَّه له بها سخطه إلى يوم القيامة» .
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وسخطه تعالى لا طاقة لنا به، فكيف مؤبده نعوذ باللَّه من ذلك.
وروينا من حديث سفيان بن عبد اللَّه قال: قلت يا رسول اللَّه حدثني بأمر أعتصم به. قال: «قل: ربي اللَّه ثم استقم».
قال: يا رسول اللَّه ما أخوف ما تخاف عليَّ، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: «هذا» .
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وأما الحكايات: فالأولى: عن الجنيد رحمه الله قال: كنت جالسًا في مسجد الشوينزيه انتظر جنازة للصلاة، وأهل بغداد على طبقاتهم ينتظرونها رأيت فقيرًا عليه أثر النسك يسأل الناس، فقلت في نفسي: لو عمل هذا عملا يصون به نفسه لكان أجمل به.
فلما انصرفت إلى منزلي وكان لي شيء من الوِرْدِ بالليل فثقل عليَّ وِرْدِي فسجدت وأنا قاعد وغلبتني عيني، فرأيت ذلك الفقير جاءوا به إليَّ على خوان ممدود وقالوا لي: كل لحمه فقد اغتبته، كشف لي عن الحال، فقلت ما اغتبته وإنما قلت في نفسي شيئًا.
فقيل لي: ما أنت ممن يُرْضَي منك بمثله، اذهب فاستحله.
فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء أوراقا مما يتساقط من غسل البقل فسلمت عليه فقال: لا تعود يا أبا القاسم.
قلت: لا، قال: غفر اللَّه لنا ولك.
الثانية: قال: ميمون بن سياه تذاكروا عندي رجلا من السلاطين فوقعوا فيه، فلما انقلبت إلى أهلي رقدت إذا بجيفة منتنة، وإذا رجل على رأسي يقول: كل.
فقلت: يا أبا عبد اللَّه لما آكل؟ قال: لما اغتيب عندك فلان، قلت: ما ذكرت منه خيرًا ولا شرًا.
قال: لكنك سمعت ورضيت.
الثالثة: قال خالد الربعي: كنت في مسجد فتناولوا رجلا، وأعنتهم عليه، فرأيت تلك الليلة في المنام كان رجلا أتاني بطبق عليه قطعة من لحم الخنزير، فقال: كل.
قلت: لا آكل، قال: أكلت شرًا منه. ففك لحيي وأدخل فمي منه، فاستيقظت وأنا أجد طعمه في فمي. فمكثت أربعين يوما، وما ذهب نتنه من فمي.
الرابعة: قيل: أوحى اللَّه إلى موسى ﷺ يا موسى من مات تائبًا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرًا على الغيبة فهو أول من يدخل النار.
الخامسة: قال مالك بن دينار رحمه الله إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك.
السادسة: قال الثوري رحمه الله إني لأرمي رجلا بسهم أحب إلي من أن أرميه بلساني؛ لأن رمي اللسان لا يخطئ، ورمي السهم ربما يخطيء.
السابعة: قال بكر بن عبد اللَّه: إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس ناسيا
لعيوب نفسه، فاعلموا أنه قد مكر به.
الثامنة: قال حاتم الأصم رحمه الله ثلاثة إذا كنَّ من مجلس فالرحمة عليهم مصدومة: ذكر الدنيا، والضحك، والوقعية في الناس.
التاسعة: قال مجاهد: إن لبني آدم جلساء من الملائكة، فإذا ذكره بسوء، قالت الملائكة: أيها المستور عورته ارفع على نفسك، وأحمد اللَّه الذي ستر عورتك.
العاشرة: قال بشر بن السري : ويحك لو قيل لك لم تغتاب فلانًا وتقع فيه.
قلت: لأنه عدوي، وظلمني، فإن كان كما زعمت فدعه وما جنى على نفسه، فإن اللَّه سينصرك ولا تخفف عنه وتحمل عنه من خطاياه بتوقير ظهرك، ويحك يسألك والدك حسنة فتمنعها وتعطيها أعداءك، ما يفعل هذا عاقل، بل كان حقا عليك لو أن إنسانا اغتابه أخذت على فيه.
وقلت: هذا عدوي فلا (تصبني) له خيرًا.
وأنشدوا:
قل للذي لست أدري من يلومه … أنا صح أم علي غل تداحيني
إني لا أعجب مما سمتني عجبًا … يد منك تسخوا وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحني … في آخرين وكل منك يأتيني
هذان أمِران (. . . . . .) بينهما … فاكفف لسانك في ذمي وتزييني
الحادية عشرة: عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنهما أنه قال: إن العبد ليعطى كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم يكن عملها.
فيقول: يا رب أني لي هذا؟
فيقول: هذا بما اغتابك الناس وأنت لا تشعر.
الثانية عشرة: قال أبو تراب مثل الذي يجلس في مجلس ويغتاب الناس بلسانه، مثل الذي نصب منجنيقًا لحسناته فيرميها شرقا وغربا. يذكر واحدا من الشام بسوء،
ويقع في الآخر بالعراق ويغتاب واحدًا من أهل خراسان، فيقوم حاليا من حسناته قد فرقها في بلاد شتى.
نوادر: الأولى: قال سعيد بن جبير يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع إليه كتاب فلا يرى فيه صلاته ولا صيامه ولا شيئًا من أعماله.
فيقول: يا رب هذا كتاب كانت لي فيه حسنات ليست فيه.
فيقال له: إن ربك لا يضل ولا ينسى، ذهب عملك كله بغيبتك للناس.
الثانية: قال وهب بن منبه: قال رجل من بني إسرائيل: اللهم ليس لي مال فأتصدق به، فأيما رجل أصاب عرضي فهو عليه صدقة.
قال: فأوحى اللَّه إلى نبي زمانه إني قد غفرت له.
الثالثة: قال عطاء الخرساني: من اغتيبت له غيبة غفر له نصف ذنوبه.
الرابعة قال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال حتى تكون من المحسنين: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تستره، فلا تغمه وإن لم تتكلم فيه بخير فاسكت عنه.
الحلم زين والسكوت سلامة … فإذا نطقت فلا تكن مهذارًا
ما إن ندمت على سكوت مرة … ولقد ندمت على الكلام مرارًا
غيره:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده … فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
فكم من محب ساكت لك معجب … زيارته أو نقصه في التكلم
فصل
ومن الأحاديث الواردة فيما نحن فيه حديث ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللَّه، فإن كثرة الكلام بغير ذكر اللَّه قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من اللَّه تعالى القلب القاسي» . أخرجه الترمذي.
وروينا في مصححًا من حديث عقبة بن عامر قلت: يا رسول اللَّه ما النجاة؟
قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» .
وفيه حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول: اتق اللَّه فينا، فإنما نحن بك؛ فإن استقمت استقمنا، وإن إعوججت إعوججنا» .
وروينا من حديث معاذ قلت: يا رسول اللَّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال: «لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره اللَّه عليه، تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت».
ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل».
قال: ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟» قلت: بلى يا رسول اللَّه.
قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبركم بملاك ذلك كله؟».
قلت: بلى يا نبي اللَّه، فأخذ بلسانه.
قال:»كف عليك هذا«.
فقلت:»يا نبي اللَّه، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟
فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجهوهم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وتقدم في الصمت.
وروينا في حديث أبي بكرة أن رسول اللَّه ﷺ قال في خطبته يوم النحر في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت» . أخرجاه.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» .
فصل في تحريم سماعها وأمر من سمعها بردها والإنكار على قائلها، فإن عجز ولم يقبل منه، فارق ذلك المجلس إن أمكنه
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ﴾ الآية.
وقال تعالى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية.
وروينا في جامع الترمذي مصححًا من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «من رد عن عرض أخيه، رد اللَّه عن وجهه النار يوم القيامة» .
وروينا من حديث عتبان بن مالك في حديثه الطويل المشهور في الصحيحين قال: قام رسول اللَّه ﷺ فقال: «أين مالك بن الدخشم» فقال رجل: ذلك منافق لا يحب اللَّه ورسوله فقال ﷺ: «لا تقل ذلك ألا تراه قال: لا إله إلا اللَّه يريد بذلك وجه اللَّه، وإن اللَّه قد حرم على النار من قال لا إله إلا اللَّه، يبتغي بذلك وجه اللَّه» .
وروينا فيهما من حديث كعب بن مالك الطويل في قصة توبته الذي ذكرناه في التوبة قال: قال النبي ﷺ وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟».
فقال رجل: يا رسول اللَّه حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت ، واللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت
رسول اللَّه ﷺ .
والعِطْفُ: الجانب، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه.
فصل
فيما يباح منها وضابطه إذا كان لغرض شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا به، وهو شبه أسباب مجموعة في بيت ذكرته في الشرح الصغير للمنهاج.
لقب ومستفت وفسق ظاهر … والظلم تحذير مزيل المنكر
وأكثرها مجمع عليه، ومن دلائل بعضها حديث عائشة أن رجلًا استأذن على رسول اللَّه ﷺ، فقال: «أئذنوا له بئس أخو العشيرة» .
أخرجاه، واحتج به البخاري.
وروينا في البخاري من حديثه أيضًا قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا».
قال الليث بن سعد «كانا من المنافقين» ففيه تقبيح من يقصد التعلم والاستفادة منهما والتحذير من مثل حالهما.
وروينا في الصحيحين من حديث فاطمة بنت قيس قالت: أتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبا الجهم ومعاوية خطباني.
فقال ﷺ: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصى عن عاتقة» وفي رواية لمسلم: «وأما أبو الجهم فضراب للنساء» وهو تفسير لعدم وضع العصى.
وقيل معناه كثير الأسفار، وأغرب منهما أنه كناية عن كثرة الوطء.
وروينا فيهما من حديث زيد بن أرقم قال: «خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد اللَّه بن أُبَيٍّ: لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه حتى ينفضوا وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت رسول اللَّه فأخبرته بذلك».
فأرسل إلى عبد اللَّه بن أبي، فاجتهد في يمينه ما فعل.
فقالوا: كذب زيد رسول اللَّه ﷺ فوقع في نفسي مما قالوه شدة ، حتى أنزل اللَّه عز وجل تصديقي في ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] ثم دعاهم رسول اللَّه ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم . أخرجاه.
وفيهما من حديث عائشة : قالت هند امرأة أبي سفيان للنبي ﷺ: إن أبا
سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم.
قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» .
وهذا استفتاء، وما قبله تحذير.
فصل في تحريم النميمة
وهي الكلام بين الناس على جهة الإفساد.
قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .
وروينا من حديث حذيفة مرفوعًا: «لا يدخل الجنة نمَّام» . أخرجاه
وفيهما من حديث ابن عباس أنه ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر يمشي بالنميمة» . أخرجاه. واللفظ للبخاري.
وقوله: «في كبير» أي في زعمهما أو كبير تركه عليهما.
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "ألا أنبئكم ما العضْة؟، هي النميمة
القالة بين الناس» .
أخرجه مسلم.
العضه على وزن الوجه، مصدر يقال: عَضَهَ عضْهَا أي رماه بالعضه.
وروى العِضَة كالعدة، وهي الكذب والبهتان فمن فعل ذلك كأنما شجر العضاة وهو ذو الشوك نظير «فإنما تسفهم المل».
فصل
في النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إلى ولاة الأمور إذا لم تَدْعُ الحاجة إليه كخوف مفسدة ونحوها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
وفيه الأحاديث السالفة.
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لا يُبَلِّغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» .
رواه أبو داود والترمذي.
فصل في ذم ذي الوجهين
قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية.
فمن أتى قوما بوجه فإنه يستخفي منهم بالوجه الآخر، وبالعكس.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعا : «تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه». أخرجاه
وروينا في صحيح البخاري من حديث محمد بن زيد أن أناسا قالوا لجده عبد اللَّه بن عمر إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم.
قال: «كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول اللَّه ﷺ» .
فصل في تحريم الكذب
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .
وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعا : «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللَّه صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا» أخرجاه.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا:»أربع من كن فيه كان منافقا خالصا« الحديث ذكرناه في الوفاء بالعهد.
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا:»من تَحَلَّم بحُلْم لم يره كُلِّفَ أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل ومن استمع على حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عُذِّب وكُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ« أخرجه البخاري.
تحلَّم: أي قال أنه حلم في نومه ورأى كذا وكذا، وهو كاذب.
والآنك: الرصاص المذاب، فاللَّه تعالى يكلفه ما لا يكون كما افترى ما لم يكن.
وروينا من حديث سمرة بن جندب قال:»كان رسول اللَّه ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا» ، فيقص عليه ما شاء اللَّه أن يقص، لإنه قال لنا ذات غداة «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما» فذكر الحديث، إلى أن قال: «فأما الذي أتيت عليه يشرشر شدقة على قفاه، ومنحره على قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق» الحديث بطوله رواه البخاري.
وأي منفر أبلغ من هذا فإنه تقشعر منه الجلود.
نعم يباح الكذب في بعض الأحوال وضابطه ما لا يمكن تحصيل المقصود المحمود إلا به.
وقد يجب إذا كان ذلك واجبا كما إذا طلب ظالم أو طلب ماله أو كان عنده وديعة.
والأحوط التورية.
ومما يستدل به على جواز الكذب في هذه الحالة حديث أم كلثوم المرفوع: «ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ويقول خيرا» . أخرجاه.
زاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم: «ولم أسمعه رخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث يعني الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل وامرأته وحديث المرأة زوجها».
فصل في الحث على التثبيت فيما يقوله ويحكيه
قال تعالى: ﴿لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .
وقال تعال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ .
وروينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما يسمع».
أخرجه مسلم.
وفيه من حديث سمرة مرفوعًا: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" .
وروينا من حديث أسماء أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إن لي ضرة فهل عليَّ جناح إن تشبعت من مال زوجي غير الذي يعطيني؟
فقال ﷺ: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» ، والمتشبع هو الذي يظهر الشبع. وليس بشبعان.
ومعناه هنا أنه يظهر أنه حصل له فضيلة وليست حاصلة، و«لابس ثوبي زور» أي ذي زور. وهو الذي يزور على الناس بأن يتزيى بزي قوم.
وليس منهم ليغتر به الناس.
فصل في غلظ تحريم شهادة الزور
قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ .
وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ .
وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ .
وروينا في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول اللَّه. قال: «الإشراك باللَّه، وعقوق
الوالدين» وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. .
مجلس في المناهي الواردة في الباب والأحاديث
وترتيبه على فصول، وقد سلف النهي عن الغيبة والنميمة والكذب، ونقل الحديث إذا لم تدع إليه حاجة. وذم ذي الوجهين، والنهي عن عدم التثبيت في الكلام وغلظ تحريم شهادة الزور.
فصل في تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة
روينا من حديث ثابت بن الضحاك العقبي مرفوعًا: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه، ولعن المؤمن كقتلة» .
أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا ينبغي لصدِّيق أن يكون لَعَّانًا» أخرجه مسلم.
أي رتبه الصديقية منافية له.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» .
أخرجه مسلم.
وروينا من حديث سمرة: «لا تلاعبون بلعنة اللَّه ولا بغضبه، ولا بالنار» .
رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» .
رواه الترمذي وحسنه.
وروينا من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لُعِنَ، فإن كان أهلا لذلك وإلا رجعت إلى قائلها» .
رواه أبو داود.
وروينا من حديث عمران بن حصين قال: بينما رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: «خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة».
قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد . أخرجه مسلم.
وروينا من حديث أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت برسول اللَّه ﷺ وتضايق بهم الجبل: حَلْ، اللهم العنها. فقال النبي ﷺ: «لا تصحبنا ناقة عليها لعنة» . أخرجه مسلم أيضا.
وحل: كلمة زجر للإبل، ومصاحبها الشارع فقط لا غيرها من التصرفات، كذا أوله النووي. لكن قد يقال: اطَّلع الشارع على إجابة تلك اللعنة فصارت مبعدة على مقدور على تسليمها.
وقد قال الشرع دعوها.
وأما في زمننا فالإجابة مغنية عنا.
فصل في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين
قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .
وقال: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
وثبت في الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة» .
وأنه قال: «لعن اللَّه آكل الربا» .
وأنه لعن المصورين.
وأنه قال: «لعن اللَّه من غير منار الأرض» .
أي حدودها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأنه قال: «لعن اللَّه السارق يسرق البيضة» ووجهه أنه محارب الرب ﷻ منتهك حرمة حماه غير راع لحقه.
وأنه قال: «لعن اللَّه من يلعن والديه» (*).
«ولعن اللَّه من ذبح لغير اللَّه» (*).
أي لأنه تأله لغيره ولم يرع حرمة الأبوة.
وأنه قال: «من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين» فلم يرع حق حرمة الذي دعاه لما يجيبه، وأنه قال: «اللهم العن رعلًا وذكوان وعصية عصوا اللَّه ورسوله» .
وهذه ثلاث قبائل من العرب قتلوا أصحابه، فلم يراعوا حرمته.
وأنه قال: «لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
فأذوا الأنبياء كلهم.
وأنه «لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» .
فلم يرع حق نفسه حتى نسبها إلى غير جنسها.
فصل في تحريم سب المؤمن بغير حق
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية.
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي ذر مرفوعًا: «لا يرمى رجل رجلا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه، وإن لم يكن صاحبه كذلك» .
أخرجه البخاري.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم».
رواه مسلم.
وروينا من حديثه أيضًا قال: أتى النبي ﷺ رجل شرب، قال: «اضربوه».
قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، ومنا الضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما
انصرف قال بعض القوم: أخزاك اللَّه.
قال: «لا تقولوا هذا لا تعينوا عليه الشيطان».
أخرجه البخاري.
وروينا من حديثه مرفوعًا: «من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال» .
أخرجاه.
فصل في تحريم سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية
وهي التحذير من الإقتداء به في بدعته وفسقه ونحو ذلك.
فيه الآية والأحاديث السالفة في الباب قبله.
وروينا في صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا».
فصل في النهي عن الإيذاء
فيه الآية السالفة.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه» أخرجاه.
فكف الأذى هو الدين الحق والكامل.
وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يُؤْتى إليه» . أخرجه مسلم.
وقد سلف في باب طاعة ولاة الأمور بطوله.
فصل في النهي عن التقاطع والتباغض والتدابر
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
والتباغض ينافيها.
وقال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ .
وروينا من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» . أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يفتح اللَّه أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك باللَّه شيئًا إلا رجل كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا» . أخرجه مسلم.
وله: «تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس» وذكر نحوه.
فصل في تحريم الحسد
وهو تمنى زوال النعمة عن صاحبها سواء كانت نعمة دين أو دنيا.
قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . وفيه حديث أنس السالف في الباب قبله.
وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» أو قال: «العشب» .
فصل في النهي عن التجسس والتسمع لكلام من يكره إسماعه
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللَّه إخوانا كما أمركم» وفي رواية: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا، التقوى ههنا» ويشير إلى صدره ، «بحسب كل امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه».
وفي رواية: «إن اللَّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم».
وفي رواية: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانا».
وفي رواية: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد اللَّه إخوانا».
وفي رواية: «لا تهاجروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض» رواه مسلم بكل هذه الروايات .
وروى البخاري أكثرها.
والتجسس اتباع العورات وهو مفسد للخلق.
وروينا من حديث معاوية: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول : «إنك إن اتبعت
عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم«(*) حديث صحيح رواه أبو داود، وهو صحيح.
وهو شامل للإمام وغيره فيما يوجب الحد وغيره.
وروينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه أتى فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا.
فقال له: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن أن يظهر لنا شيء نأخذ به». (*)
حديث صحيح. رواه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين.
فصل في النهي عن ظن السوء بالمسلمين من غير ضرورة
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية.
وهي صريحة في النهي عنه وأنه غير حق.
وقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ .
وهو تهديد بالويل الجامع لكل ألم وغم وسوء حال.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» . أخرجه مسلم. وقد سلف بطوله، وفاعل هذا لم يرع للإسلام حقه.
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا.
فقال: «إن اللَّه جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس» .
أخرجه مسلم، وبطر الحق: دفعه، وغمطهم: احتقارهم، وقد سلف بيانه أوضح من هذا في الكلام على الكبر.
وروينا من حديث جندب بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «قال رجل واللَّه لا يغفر اللَّه لفلان.
فقال اللَّه عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرت له وأحبطت عملك» .
أخرجه مسلم.
وهو دال على أن الاحتقار لشخص عن أن تناله المغفرة محبط للعمل معاذ اللَّه منه.
فصل في تحريم الطعن في الأنساب الثابتة ظاهرًا
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميت» .
فصل في النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية .
وهي شماتة، فإن الفاحشة كل ما يسوء من قذف وغيره.
وروينا من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «لا تُظْهر الشماتة بأخيك فيعافيه اللَّه ويبتليك» .
رواه الترمذي وحسنه.
ومسلم سلف: وفيه حديث أبي هريرة السالف قريبا: «كل المسلم على المسلم حرام» الحديث .
فصل في النهي عن الغش والخداع
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] الآية .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا» .
أخرجه مسلم.
وفي رواية له وهي مبينة سببه أنه ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول اللَّه.
قال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا» .
وروينا عنه مرفوعًا: «لا تناجشوا» .
وروينا عن ابن عمر: «أنه ﷺ نهى عن النجش» أخرجاهما.
فالنجش: غش وخديعة، والنهي عنه وإن لم يكن فاعلة.
وروينا من حديثه ذكر رجل لرسول اللَّه ﷺ أنه يُخْدَعُ من البيوع، فقال ﷺ: «من بايعت فقل لا خلابة» أخرجاه.
والخلابة: بخاء معجمة، ثم باء موحدة: الخديعة.
فهي إذن ليست من الدين الموسوس على النصيحة وفيه. وعظ زاجر، وموضح معنى «فليس منا» .
وروينا من حدبث أبي هريرة مرفوعًا: «من خَبَّب زوجة امرئ أو مملوكة فليس منا» .
رواه أبو داود، وخبَّب: بخاء معجمه، ثم باء موحدة مكررة: أفسده وخدعه،
وهو من أمثلة النجش، والخداع للزوج والزوجة.
وحاصل الأحاديث التنفير عنه وبيان أنواعه، فمن لم يوافق الشارع، ولم يفعل أفعال المسلمين فيا تعسه وكذا إذا أخفى الغش وأظهر موهم رغبة أو نفاسه أو ما ينفره.
فصل في تحريم الغدر
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أمر بالإيفاء المانع من الغر، وعم كل عقد من (حين) وضمان وغير ذلك.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] .
أي أهل وفائه أو نفس العهد هو المسئول كما في: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ أي غير متغافل عنه ولا مهمل يتهاون فيه.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» . أخرجاه.
وهو صحيح في التحذير من الغدر، وأن مبتغيه من المنافقين.
وروينا من حديث ابن مسعود وابن عمر وأنس مرفوعًا: «لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان» أخرجاه.
وما أشنعها هتكة على رؤوس الأشهاد.
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لكل غادر لواء عند استه، عند القيامة يرفع له بقدر غدره ولا كادو أعظم غدرًا من أمير عامة».
أخرجه مسلم . فهو خزي وعار.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: «قال اللَّه تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطي بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» .
رواه البخاري.
وما أعظم جناية هؤلاء، إذ الأول: ما وقَّر الرب ﷻ والثاني: جنى على رتبة الرب تعالى حيث رفض أحكامه واتبع هواه، والثالث: كذلك إذ جعل منافعه له.
فصل في النهي عن المن بالعطية ونحوها
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ .
وقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ .
وروينا من حديث أبي ذر مرفوعًا: «ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم».
قال: فقرأها رسول اللَّه ثلاث مرار.
قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول اللَّه؟
قال: «المسبل، والمنَّان، والمُنفِّق سلعته بالحلف الكاذب».
أخرجه مسلم. .
وفي رواية: المسبل إزاره . يعني خيلاء. أسفل من الكعبين.
وفيه آثار شديدة من الغضب الإلهي، معاذ اللَّه منها، وكأن المسبل ينازع الرب ﷻ في إزار عظمته وكبرياء ردائه.
ومن نازعه فيهما قصمة، والمنان منازع له في حوله وقوته ورزقه، حتى كأنه الرازق.
والمنفق سلعته بالحلف الكاذب متهاون بحرماته مؤثر لدنياه وهواه على مراضيه من غير مبالاة بغضبه.
فصل في النهي عن الافتخار والبغي
وهو التعدي والاستعالة.
قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية وروينا من حديث عياض رحمه الله مرفوعًا: «إن اللَّه أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم» أخرجه مسلم أيضًا، وأهلكهم بالرفع أعنى الكاف في الرواية المشهورة وروى بنصبها.
وقال هذا النبي لمن قال ذلك عُجْبًا بنفسه وتصاغرًا للناس، وارتفاعا عليهم، وهو حرام.
فأما من قاله لما يرى في الناس من نقص في أمر دينهم، وقاله تحزُّنًا عليهم وعلى الدين فلا بأس.
قاله مالك وغيره من الأعلام. .
فصل في تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام
إلا لبدعة في المهجور، أو تظاهر بفسق ونحو ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ .
والأخوة مقضية للألفة والمودة والمحبة، ومنافية للهجران والجفاء والقطع،
ومن الإصلاح وقوعه بين المتهاجرين، واتقوا اللَّه فيه.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
وروينا من حديث أنس مرفوعًا: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر لكل امرئ لا يشرك باللَّه شيئًا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال اتركوا هذين حتى يصطلحا» . أخرجه مسلم.
وأي مشمت أعظم من تأخير الغفران، وأي مسلم يسهل عليه إعراض الجليل عنه، أو شماتة عدوه به.
وروينا من حديث أبي أيوب مرفوعًا: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» أخرجاه.
وروينا من حديث جابر مرفوعًا: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» . أخرجه مسلم.
والتحريش الإفساد وتغيير قلوبهم وتقاطعهم وما أشد ذلك.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ .
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار» .
أخرجه أبو داود بإسناد على شرط الشيخين، وما أشدة من وعيد.
وروينا من حديث أبي خراش حدرد بن أبي حدرد الأسلمي مرفوعًا: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» .
رواه أبو داود بإسناد صحيح، وما اشده من تغليظ.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فلقيه فليسلم عليه، فإن رد عليه¬ السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة» .
رواه أبو داود بإسناد حسن.
وقال: إذا كانت الهجرة للَّه تعالى فليس من هذا في شيء.
والحاصل أن الحديث الأول: لبيان حكم الهجر.
والثاني: لصفته، والثالث: لما منع من الخير.
والرابع: لما يهضم من الدين، والخامس: لما يجلب من الشرِّ. والسادس: لما
يوجب غلظ أمره والسابع: لما يخرج من حرجه.
فصل في النهي عن تناجي اثنين دون الثالث
بغير إذنه إلا لحاجة، وهو أن يحدث سرًا بحيث لا يسمعهما وفي معناه ما إذا تحدثا بلسان لا يفهمه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ .
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث» .
أخرجاه، ورواه داود قال أبو صالح: قلت لابن عمر: فأربعة، قال: لا يضرك .
ورواه مالك في الموطأ.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن دينار قال: كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق فجاء رجل يريد أن يناجيه وليس مع ابن عمر أحد غيري، فدعى ابن عمر رجلا آخر حتى كنا أربعة فقال لي وللرجل الثالث الذي دعاه: استأخرا عني شيئا فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «لا يتناجى اثنان دون واحد» .
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه» . أخرجاه.
فصل في النهي عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد
لغير سبب شرعي، أو زاثد على قدر الأدب، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا : «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض». أخرجاه.
وخشاش الأرض بالخاء المعجمة المثلثة، وبالشين المعجمة المكررة: هوامُّها وحشراتها.
وفيه تنبيه على أن الخسيس في التعذيب كالجوع ونحوه كالنفيس، وما أشد الجزاء بالنار.
وروينا من حديثه أيضًا أنه مرَّ بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحب الطير لكل خاطئة من نبلهم. فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن اللَّه من فعل هذا، إن رسول اللَّه ﷺ قال: «لعن اللَّه من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا» أخرجاه.
والغرض بفتح الغين المعجمة، والراء: الهدف، والشيء الذي يرمي إليه الفتية.
ولا فرق بين الفتى والكهل (والجعل) ودونه، والرمي بالنبل ودونه، ورمي التمرن وغبره في اللعنة، وروينا من حديث أنس: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن تصبر البهائم» أخرجاه.
ومعناه تحبس للقتل، ويدخل فيه أي صابر كان وأي بهيمة كانت، وأي صبر وجد.
وروينا من حديث أبي على سويد بن مقرن قال: لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن ما لنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا.
«فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نعتقها» أخرجه مسلم.
وفي رواية: سابع أخوة لي.
وهو ظاهر في الأمر بالعتق، يعتق من لطمها أصغر السن، واستواء الصبي والسيد وابنه والخادم وغيره. واللطم وغيره في ذلك، وأن جزاء ذلك إزالة الملك ، كما قيل به في ناقة لعنت، ومعصفر لبسه رجل، وسواء ما يقوم غيره مقامه أم لا.
وروينا من حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: كنت اضرب غلاما لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي: «اعلم أبا مسعود» فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذ هو رسول اللَّه ﷺ فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود أن اللَّه أقدر عليك منك على هذا الغلام» فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا .
وفي رواية: «فسقط السوط من يدي من هيبته» .
وفي رواية: فقلت: يا رسول اللَّه هو حر لوجه اللَّه، فقال: «أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار» .
أخرجه مسلم بهذه الروايات كلها.
وافهم أنه لا فرق في المعذب بين بدري وغيره، ملكه وغيره، ولا في المعذب بين غلام وجارية، ولا في العذاب بين ضرب وغيره.
وأن جزاءه أن تلفح النار من لم يعتقه.
وفي قوله: «إن اللَّه أقدر عليك منك على هذا الغلام» .
تذكير بليغ وعبره وموعظة رادعة، وتهديد زاجر.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من ضرب غلاما له حدًّا لم يأته أو لطمه كان كفارته أن يعتقه» . أخرجه مسلم.
وروينا من حديث هشام بن حكيم بن حزام رضي الله عنهما أنه مرَّ بالشام على أناس من الأنباط، وقد أُقيموا في الشمس، وصب على رؤوسهم الزيت.
فقال: ما هذا؟
قيل: يعذبون في الخراج، وفي رواية: «حُبِسُوا في الجزية».
فقال هشام: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن اللَّه يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»، فدخل على الأمير فحدثه.
فأمرهم فخلُوا . أخرجه مسلم.
والأنباط: الفلاحون من العجم.
وفيه أنه لا فرق في المعذب بين الأمير وغيره ولا في المعذب بين المديون وغيره في الخراج وغيره، المسبي والذمي وغيرهما، والجزاء من جنس العمل سيجزيهم وصفهم.
وروينا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: رأى رسول اللَّه ﷺ حمارا موسوم الوجه، فأنكر ذلك، فقال: «فواللَّه لا أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه» فأمر بحمار له فكوي في جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين وهما حرفا الوركين حول الدبر.
وروينا من حديث جابر أنه عليه السلام مر عليه حمار قد وسم في وجهه، فقال: «لعن اللَّه الذي وسمه» أخرجه مسلم.
وفي رواية له: «نهى رسول اللَّه ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه» .
فصل في تحريم التعذيب بالنار في كل حيوان حي (العملة) ونحوها
وروينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : بعثنا رسول اللَّه ﷺ في بعث فقال: «إن وجدتم فلانا وفلانا لرجلين من قريش سماهما فاحرقوهما بالنار»، ثم قال رسول اللَّه ﷺ حين أردنا الخروج: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا اللَّه وإن وجدتموهما فاقتلوهما» أخرجه البخاري.
وروينا من حديث ابن مسعود قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة، فجعلت تغرُشُ، فجاء النبي ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها» ورأي قرية نمل قد حرقناها فقال: «من حرق هذه؟» قلنا: نحن، قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار».
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قوله: قرية نمل: معناه موضع النمل.
فصل في تحريم مطل الغنى بحق طلبه صاحبه
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "مطل الغنى ظلم، وإذا أتبع أحدكم
على ملئ فليتبع» .
معنى أتبع: أحيل، كما جاء في مسند أحمد في مسنده.
فصل في كراهية عود الإنسان في هبة لم يسلمها للموهوب له
وفي هبة وجهها لوالده ولو لم يسلمها.
وكراهة شراء شيء تصدق به من الذي تصدق عليه أو أخرجه عن زكاة أو كفارة أو نحرها، ولا بأس بشرائه من آخر قد انتقل إليه.
روينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» أخر جاه.
وفي لفظ: «مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيئ ثم يرجع في قيئه فيأكله» . وفي آخر: «العائد في هبته كالعائد فى قيئه» .
وروينا من حديث عمر بن الخطاب قال: حملت على فرس في سبيل اللَّه، لأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برُخص، فسألت رسول اللَّه ﷺ فقال: «لا تشتره ولا تعُد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، وإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه» . أخرجاه، ومعنى حملت: تصدقت على بعض
المجاهدين .
فصل في تأكيد تحريم مال اليتيم
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية.
وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الآية.
فالمخالطة ليست مذمومة إلا لذي إفساد أو شرٍّ.
وروينا من حديث أبي هريرة: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول اللَّه، وما هن؟ قال: «الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» أخرجاه.
الموبقات: المهلكات.
فصل في تغليظ تحريم الرِّبا
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ .
والأحاديث فيها كثيرة مشهورة في الصحيح، منها:
حديث أبي هريرة السالف في الباب قبله.
وحديث ابن مسعود: «لعن رسول اللَّه ﷺ آكل الربا وموكله» أخرجه مسلم، زاد الترمذي وغيره: «وشاهديه وكاتبه».
فصل في تحريم الرياء
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ الآية.
فالرياء يبطل العمل إبطالا يضرب به المثل، ونضرب بمثله الأمثال.
وقال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الآية. فهو شأن المنافقين، وكفى به مقتا.
وروينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول حكاية عن اللَّه تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» أخرجه مسلم. وما أشد الإعراض.
وروينا عنه مرفوعا : «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرَّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن . قال: كذبت؛ ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسَّع اللَّه عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق لك فيها إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار» أخرجه مسلم.
وفيه الاهتمام بهؤلاء الثلاثة؛ إذ هم أول من يقضى فيهم، وما أقبح التوبيخ
الفاضح المخزي، والسحب على الوجه، والإلقاء في النار، أعاذنا اللَّه منه.
وروينا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن ناسًا قالوا له: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم؟ قال ابن عمر: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول اللَّه ﷺ رواه البخاري.
فحقيقة الرياء إظهار خلاف ما يبطن كالنفاق.
وروينا من حديث جندب بن عبد اللَّه بن سفيان مرفوعًا: «من سمَّع سمَّع اللَّه به، ومن يرائي يرائي اللَّه به» أخرجاه.
ولمسلم من حديث ابن عباس. وسمَّع بتشديد الميم: أظهر عمله للناس رياء. ومعنى سمَّع اللَّه به: فضحه يوم القيامة.
ومعنى: من يرائي يرائي اللَّه به : أي من أظهر للناس العمل الصالح ليعظم عندهم، وليس كذلك راءى اللَّه به، أي أظهر سريرته على رؤوس الخلائق، وكفي بذلك شهرة وفضيحة.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه اللَّه لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعني ريحها.
رواه أبو داود بإسناد صحيح، فحقيقة الرياء التوسل بعمل الآخرة إلى إصابة عرض من الدنيا كما صرح به الغزالي في منهاجه.
ومن آثار الرياء البعد عن الرحمة، وعن شم عرف الجنة وعن الكرامات، وكفى به شقاء.
والأحاديث فيها كثيرة وهي مشهورة.
فصل فيما يتوهم أنه رياء وليس رياء
روينا من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قيل يا رسول اللَّه أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟
قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» رواه مسلم.
لكن يوهم المدح رياء (يعبد) ولعله لتوهم أنه جزاء.
فصل في تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية.
وقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ﴾ الآية.
فهو مسئول هل قام بالغرض الثابت فيه أو لا.
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ .
أي علما نجازي به، وفي ذلك زجر عما هو أبلغ منه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مُدْرِك ذلك لا محالة؛ فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطأ، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه» أخرجاه. والسياق لمسلم.
ورواية البخاري مختصرة.
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا : «إياكم والجلوس في الطرقات» قالوا: يا رسول اللَّه ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها.
فقال: «فإن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه».
قالوا: وما حق الطريق يا رسول اللَّه؟.
قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» أخرجاه .
وروينا من حديث أبي طلحة زيد بن سهل قال: كنا قعودا بالأفنية نتحدث، فجاء رسول اللَّه ﷺ فقام علينا فقال: «ما لكم ولمجالس الصعدات؟ اجتنبوا مجالس الصعدات»، فقلنا: إنما قعدنا نتذاكر ونتحدث.
قال: «إما لا، فأدوا حقها غض البصر، ورد السلام وحسن الكلام» .
وروينا من حديث جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن نظر الفجأة؟ فقال: «اصرف بصرك» .
أخرجهما مسلم، والإدامة كالابتداء.
وروينا من حديث أم سلمة قالت كنت عند رسول اللَّه ﷺ وعنده ميمونة.
فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال ﷺ: «احتجبا منه» فقلنا: يا رسول اللَّه أليس أعمى لا ينظرنا ولا يعرفنا؟ قال: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه» . رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.
فالرجل كما لا ينظر إلى المرأة كذلك عكسه.
وروينا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد» رواه مسلم.
فصل في تحريم الخلوة بالأجنبية
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية.
وهي شاملة لذلك.
وروينا من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا : «إياكم والدخول على النساء»، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو. قال: «الحمو الموت» أخرجاه.
الحمو: قريب الزوج كأخيه ونحوه.
ورويناه من حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا يَخْلُوَنَّ أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» أخرجاه.
وروينا من حديث بريدة مرفوعًا: «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين، كحرمة أمهاتهم، ما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى».
ثم التفت إلينا رسول اللَّه فقال: «ما ظنكم». أخرجه مسلم. .
وفيه تحذير من خطر الخيانة والخلوة، مؤدية إليه.
فصل في تحريم تشبيه الرجال بالنساء وعكسه
في لباس وحركة وغيرها.
روينا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «لعن رسول اللَّه ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء» .
وفي رواية: «لعن رسول اللَّه ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» . أخرجه البخاري.
وروينا من حديث أبي هريرة: «لعن رسول اللَّه ﷺ الرجل يلبس لبسه المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وروينا عنه أيضًا مرفوعًا: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، ورؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» .
أخرجه مسلم، كاسيات أي من نعمة اللَّه.
عاريات: من شكرها أو يستر بعض بدنها وتكشف البعض، إظهار لجمالها ونحوه، أو تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها.
ومائلات: أي عن طاعة اللَّه، وما يلزمهن حفظه، مميلات: يُعَلِّمن غيرهن فعلهنَّ المذموم.
أو مائلات: تمشين متبخرات.
مميلات لأكتافهن أو يتمشطن المشطة المائلة وهي مشطة البغايا، ومميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة.
رؤوسهن كأسنمة البخت يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوه.
فصل في النهي عن التشبه بالشيطان والكفار
روينا من حديث جابر مرفوعًا: «لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بشمال»
في رواية «ويشرب بشماله» . أخرجهما مسلم.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم».
أخرجاه ، والمراد خضاب شعر اللحية والرأس الأبيض بصفرة أو حمرة، وأما السواد فمنهي عنه كما (يستعمله) .
فصل في نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد
روينا من حديث جابر قال: «أُتِيَ بأبي قحافة والد أبي بكر يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال ﷺ:»غيروا هذا واجتنبوا السواد«. أخرجه مسلم .
كذا ترجم عليه النووي في رياضة، وذكر هذا الحديث فقط، وكأنه يقيس المرأة عليه.
فصل في النهي عن القزع
وهو حلق بعض الرأس دون بعض، وإباحة حلقة كله للرجال دون النساء.
وروينا من حديث ابن عمر:»نهى رسول اللَّه ﷺ عن القزع" أخرجاه.
ولأبي داود عنه على شرط الشيخين: رأى رسول اللَّه ﷺ صبيًا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: «احلقوه كله أو اتركوه كله» .
وله بإسناد على شر الشيخين عن عبد اللَّه بن جعفر أنه ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثة أيام، ثم آتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم» ثم قال: «ادعوا لي بني أخي» فجيء بنا كأنا أفراخ.
فقال: «ادعوا لي الحلاق» فأمر بحلق رؤوسنا .
وفي هذا إباحة حلق الكل .
وفي الذي قبله أن القزع حلق البعض وترك البعض.
وروينا من حديث علي: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن تحلق المرأة رأسها» .
فصل في تحريم وصل الشعر والوشم والوشر وهو تحديد الأسنان
قال تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ .
وروينا من حديث أسماء: أن امرأة سألت رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه إن ابنتي أصابتها الحصبة، فتمرَّق شعرها، وإني زوجتها أفأصل فيه. .
فقال: «لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة» أخرجاه.
وفي رواية: «الموصولة»، وعن عائشة نحوه.
أخرجاه أيضًا. تمرق: بالراء انتثر وسقط.
والموصولة: التي تصل شعرها أو شعر غيرها بآخر.
والواصلة: التي توصل شعرها.
والمستوصلة: السائلة فعل ذلك.
وروينا من حديث حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية عام حج على المنبر وتناول قصة من شعر كانت في يد حَرَسِيٍّ فقال: يا أهل المدينة: أين علماؤكم سمعت النبي ﷺ ينهي عن مثل هذا ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» أخرجاه.
وروينا من حديث ابن عمر: «أن رسول اللَّه ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة» . أخرجاه.
وروينا من حديث ابن مسعود أنه قال: «لعن اللَّه الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه». فقالت له امرأة في ذلك.
فقال: «ألا ألعن من لعنه رسول اللَّه، وهو في كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]» ، أخرجاه.
المتفلَّجة التي تبرد من أسنانها لتباعد بعضها عن بعض قليلا وتحسنها، وهو الوشر.
والنامصة: التي تأخذ من شعر حاجب غيرها وترققة ليصير حسنًا.
والمتنمصة التي تأمر من يفعل بها ذلك.
وفي هذا الحديث منشأ سبب النهي، والذي قبله بيان سببه.
فصل في النهي عن نتف الشيب من اللحية والرأس وغيرها
وعن نتف الأمرد شعر لحيته عند أول طلوعه.
وروينا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم يوم القيامة» .
حديث حسن، ورواه أبو داود والترمذي، والنسائي بأسانيد حسنه، قال الترمذي: حسن.
وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهم رد» أخرجه مسلم.
فصل في كراهية الاستنجاء باليمين ومس الفرج باليمين عند الإستنجاء من غير عذر
فيه أحاديث كثيرة صحيحة منها:
حديث أبي قتادة في الصحيحين مرفوعًا: «إذا بال أحدكم فلا يأخذنَّ ذكره بيمينه، ولا يستنج بيمينه، ولا يتنفس في الإناء» .
فصل في كراهية المشي في خف أو نعل واحد لغير عذر
وكراهة لبس النعل والخف قائمًا بغير عذر.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يمشِ أحدكم في نعل واحد، لينعلها جميعا أو ليخلعها جميعا» .
وفي رواية: «أو ليحفهما جميعًا» أخرجاه.
وعنه مرفوعًا: «إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمشِ في الأخرى حتى يصلحها» أخرجه مسلم.
وعن جابر أنه ﷺ «نهى أنه ينتعل الرجل قائمًا» .
رواه أبو داود بإسناد حسن.
فصل في النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه
سواء كانت في سراج أو غيره.
روينا من حديث ابن عمر مرفوعًا:»لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون« أخرجاه.
ومن حديث أبي موسى قال:»احترق بيت بالمدينة على أهله، فلما حُدِّث رسول اللَّه ﷺ بشأنهم قال: «إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها» أخرجاه.
ولمسلم من حديث جابر مرفوعًا: «غطوا الإناء وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا، ويذكر اسم اللَّه عليه، فليفعل، فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم» الفويسقة: الفأرة، وتضرم: تحرق.
فصل في النهي عن التكلف
وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه بمشقة.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ .
وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهينا عن التكلف».
وعن مسروق قال:»دخلنا على عبد اللَّه بن مسعود فقال: «يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: اللَّه أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم اللَّه أعلم».
قال اللَّه تعالى لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ [ص: ٨٦] رواهما البخاري. .
فصل في تحريم النياحة ولطم الخد وشق الجيب ونتف الشعر وحلقه والدعاء بالويل والثبور
روينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه».
وفي لفظ: «ما نيح عليه» أخرجاه.
وعن أبي بردة قال: وجع أبو موسى فغشى عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فأقبلت تصيح برنة، فلم يستطيع أن يَرُدَّ عليها شيئا، فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول اللَّه ﷺ برئ من الصالقة والحالقة التي تحلق رأسها عند المصيبة والشاقة التي تشق ثوبها .
وعن المغيرة بن شعبة مرفوعًا: «من ينح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة» أخرجاه.
وعن أم عطية نسيبة قالت: «أخذ عينا رسول اللَّه ﷺ عند البيعة أن لا ننوح» أخرجاه.
وفيه تأكيد تحريمها حتى جعل مما يبيعن عليه وعن النعمان بن بشير قال: «أغمى على عبد اللَّه بن رواحه، فجعلت أخته تبكي: واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أنت كذلك» رواه البخاري.
وهو بيان النوح المذموم، وهو تعداد الشمائل. وعن ابن عمر قال: اشتكى ابن عبادة شكوى فأتاه رسول اللَّه ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه بن مسعود.
فلما دخل عليه وجده في غشية فقال: «أقد قضى؟». فقالوا: لا يا رسول اللَّه فبكى رسول اللَّه، فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: «ألا تسمعون، إن اللَّه لا يُعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه ويرحم» . أخرجاه.
وفيه أن النوح أمر لساني، وكذلك الجزع ونحوه بخلاف دمع العين وحزن القلب.
وعن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب«. أخرجه مسلم.
وعن أسيد بن أبي أسيد التابعي: أن امرأة من المبايعات قالت: «كان فيما أخذ علينا رسول اللَّه ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن لا تخمش وجها، ولا ندعو ويلًا ولا نشق جيبًا ولا ننشر شعرًا».
رواه أبو داود بإسناد حسن.
وعن أبي موسى مرفوعًا: «ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: واجبلاه، واسيداه، أو نحو ذلك إلا وكِّل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت» .
رواه الترمذي وحسنه. اللهز: الدفع بجميع الصدر.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميت» ، أخرجاه.
فصل في النهي عن إتيان الكاهن والمنجم والعرَّاف وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى والشعير ونحو ذلك
روينا من حديث عائشة قالت : سأل رسول اللَّه ﷺ ناس عن الكهان فقال: «ليس بشيء» فقالوا: يا رسول اللَّه إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكون حقًا، فقال: «تلك الكلمة من الحق يخطفها من الجني فيُقِرُّها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة» أخرجاه.
وفي رواية للبخاري عنها مرفوعًا: «إن الملائكة تنزل في العنان. وهو السحاب. فتذكر الأمر الذي قضى في السماء فيستشرف الشيطان السمع فيسمعه، فيوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم» .
قوله: فيقرَّها: هو بفتح الياء وضم القاف والراء؛ أي يلقيها، والعنان: بفتح العين. وفيه تحقير أمر الكهان.
وروينا عن صفية بنت أبي عبيد ، عن بعض أزواج النبي ﷺ قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدفة لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» أخرجه مسلم.
وفي لفظ: «من أتى عرافًا فصدقه».
والعرَّاف من يخبر عن الجن ونحوهم بالغوائب.
وعن قبيصة بنت المخارق قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «العيافة والطيرة والطرق من الجبت» .
رواه أبو داود بإسناد حسن، وقال: الطرق: الزجر أي زجر الطير، وهو أن يتيمن أو يتشاءم بطيرانه، فإذا طار إلى جهة اليمين فيُمْنٌ وإلا فشؤم.
قال أبو داود والعيافة الخط.
قلت: والحصى والشعير منه.
قال الجوهري: والجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والتاجر، ونحو ذلك.
وروينا عن ابن عباس مرفوعًا: «من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» رواه أبو داود بإسناد صحيح.
والمراد بالنجوم الأحكام دون المنازل والتوقيت ونحوها.
وعن معاوية بن الحكم قال: قلت يا رسول اللَّه إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء اللَّه بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان.
قال:»فلا تأتهم«، قلت: ومِنَّا رجالًا يتطيرون.
قال:»ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصُدَّنَّهم«قلت: ومنا رجالا يخُطُّون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك» . أخرجه مسلم.
وهذا الشرط لا يتحقق.
وعن أبي مسعود البدري أن رسول اللَّه ﷺ «نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن» أخرجاه.
فصل في النهي عن التطير
فيه ما سلف في الباب قبله.
وعن أنس مرفوعًا: «لا عدوى ولا طِيَرَة، ويعجبني الفأل» قالوا: وما الفأل؟، قال: «كلمة طيبة» .
أخرجاه، وإنما أعجبه لأنه طيب وحسن ظن باللَّه، بخلاف الطيرة.
وعن ابن عمر مرفوعًا: "لا عدوى ولا طيرة، وإن كان الشؤم في شيء ففي
الدار والمرأة والفرس» . أخرجاه.
وفي رواية أخرى الجزم بذلك.
وعن بريدة أنه ﷺ «كان لا يتطير» .
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وروينا من حديث عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول اللَّه ﷺ فقال: «أحسنها الفأل، ولا تَرُدُّ مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا باللَّه» حديث صحيح: رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وفيه ما يدفع حزازات الصد مما يتطير به.
فصل في تحريم تصوير الحيوان في بساط أو حجر أو ثوب أو درهم أو دينار أو مخدة ووسادة وغير ذلك
وتحريم اتخاذ الصورة في حائط أو سقف وستر وعمامة وثوب ونحوها، والأمر بإتلاف الصور.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا : «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم» أخرجاه.
وعن عائشة قالت: قدم رسول اللَّه ﷺ من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام
فيه تماثيل، فلما رآه رسول اللَّه ﷺ هتكه وتلون وجهه وقال: «يا عائشة، أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق اللَّه».
قالت: فقطعناه منه وسادة أو وسادتين .
أخرجاه، القرام بكسر القاف: الستر.
والسهوة: بفتح السين المهملة، الصفة تكون ببن يدي البيت، وقيل: الطاق النافذ في الحائط.
وروينا من حديث ابن عباس سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صوَّرها نفس فتعذبه في جهنم» قال ابن عباس: «فإن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا روح فيه». أخرجاه.
وعنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من صوَّر صورة في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة، وليس بنافخ» .
أخرجاه، وفيه: أن من ادعى مرتبة كلف بتحقيقها فليحذر من الدعوى.
وعن ابن مسعود مرفوعًا: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة عند اللَّه المصورون» أخرجاه، وسببه المضاهاة.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: «يقول اللَّه تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» أخرجاه.
وهو بيان هذا الشر الموقع في أشد الضرر وقد عجز، وهذا خالع للقلوب مقطع للقلوب مقطع للأوصال، ومفتت للأكباد.
وعن أبي طلحة مرفوعًا: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة» أخرجاه.
وعن ابن عمر قال: وعد رسول اللَّه ﷺ جبريل أن يأتيه، فراث عليه حتى اشتد على رسول اللَّه ﷺ فخرج فلقيه جبريل ﷺ فشكى إليه فقال: «إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة» أخرجه البخاري.
فراث بالثاء المثلثة: أبطأ.
وما أشد هذا الحرمان، فَيُحْرَمُ البركة والإلهام والحماية وعن عائشة قالت: واعد رسول اللَّه ﷺ جبريل في ساعة أن يأته، فجاءت تلك الساعة ولم يأتيه. .
قالت: وكان بيده عصى فطرحها من يده وهو يقول: «ما يخلف اللَّه وعده ولا رسله»، ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره. فقال: «متى دخل هذا الكلب؟».
فقلت: واللَّه ما دريت به، فأمر به فأخرج فجاء جبريل فقال له رسول اللَّه ﷺ: «فجلست لك فلم تأتيني. فقال: منعنى الكلب الذي في بيتك، إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة» أخرجه مسلم.
وعن أبي هياج حيان بن حصين قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللَّه ﷺ: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» أخرجه مسلم.
فصل في تحريم اتخاذ الكلب إلا لصيد أو ماشية أو زرع
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان» أخرجاه.
وفي رواية: «قيراط».
وعن أبي هريرة مرفوعًا: «من أمسك كلبًا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو ماشية» أخرجاه.
ولمسلم: «من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم» .
فصل في كراهية تعليق الجرس في البعير وغيره من الدواب
وكراهية استصحاب الكلب والجرس في السفر.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس» .
وروينا عنه أيضا مرفوعًا: «الجرس مزامير الشيطان» .
رواها، والثاني بيان لحكم الأول.
فصل في كراهية ركوب الجلالة وهي البعير أو الناقة التي تأكل العذرة
فإن أكلت علفًا طاهرًا فطاب لحمها زالت الكراهة.
روينا من حديث ابن عمر قال: «نهى رسول اللَّه ﷺ عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها» .
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
فصل في النهي عن البصاق في المسجد والأمر بإزالته منه
إذا وجد فيه، والأمر بتنزيه المسجد عن الأقذار.
روينا من حديث أنس مرفوعًا: «البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» أخرجاه.
والمراد بدفنها إذا كان المسجد ترابًا أو نحوه.
فنواريها به، وقيل: تخرج منه.
حكاه في البحر، فإن كان مبلطًا أو مجصصًا فينزلها منه بغسل ونحوه، ولا يدلكها بمداسه كما يفعله الجهلة فإنه زيادة للخطيئة، وإكثار للقذر فيه. .
وروينا من حديث عائشة «أنه ﷺ رأى في جدار القبلة مخاطا أو بزاقا، أو نخامة فحكها» أخرجاه.
وعن أنس مرفوعًا: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه والصلاة، وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول اللَّه ﷺ .
فصل في كراهة الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشد الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من المعاملات
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها اللَّه عليك فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا» رواه مسلم.
وعنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح اللَّه تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها اللَّه عليك» .
رواه الترمذي وحسنه.
وعن بريده أن رجلًا نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر فقال ﷺ: «لا وجدت؛ إنما بُنيَت المساجد لما بُنِيَت له» أخرجه مسلم.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده «أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه ضالة، وأن يُنْشَد فيه شعر» .
رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
وعن السائب بن يزيد الصحابي قال: كنت في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما فقال: من أين أنتما؟ فقالا: من أهل الطائف.
فقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول اللَّه ﷺ رواه البخاري.
فصل في نهي كل من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو غيرهما مما له رائحة كريهة من دخول المسجد قبل زوال رائحته إلا لضرورة
روينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مسجدنا» أخرجاه.
وفي رواية مسلم «مساجدنا».
ومن حديث أنس مرفوعًا: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا» .
ومن حديث جابر مرفوعًا: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو فليعتزل مساجدنا» أخرجهما.
ولمسلم: «من أكل البصل أو الثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» .
ومن حديث عمر أنه خطب يوم الجمعة فقال في خطبته: «ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: البصل والثوم»لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ إذا وجد ريحها من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع«، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا» أخرجه مسلم .
فصل في كراهية الإحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب
لأنه يجلب النوم، فيفوت استماع الخطبة ويخاف انتقاض الوضوء.
روينا من حديث معاذ بن أنس الجهني «أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب» . رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
فصل
في نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحى عن شيء أن يأخذ من شعره ولا من ظفره حتى يضحى. رواه مسلم .
فصل النهي عن الحلف بمخلوق
كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والروح والرأس، وحياة السلطان ونعمته وتربة فلان والأمانة وهي من أشدها نهيًا.
روينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف باللَّه أو ليصمت» أخرجاه.
وفي رواية في الصحيح: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا باللَّه أو ليسكت» .
وعن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعًا: «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم» أخرجه مسلم.
الطواغي جمع طاغية، وهي الأصنام.
ومنه الحديث: «هذه طاغية دوس» أي صنمهم ومعبودهم. وروى مسلم «بالطواغيت» جمع طاغوت وهو الشيطان والصنم، فليحذر منه؛ فإنه تعظيم يشبه السجود.
وروينا من حديث بريدة مرفوعًا: «من حلف بالأمانة فليس منا» حديث صحيح. رواه أبو داود بإسناد صحيح وما أشده من تبرى؛ فإنها إن كانت ضد الخيانة فهو إشراك فيمن يستحق إفراده بالتعظيم، وإن كانت مما تسميه أهل الكتاب أمانة من عقائدهم فأشد.
وروينا من حديث بريدة أيضا مرفوعًا: «من حلف فقال إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبا، فهو كما قال: وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا» .
وروينا من حديث ابن عمر أنه سمع رجلا يقول: لا والكعبة فقال ابن عمر: لا تحلف بغير اللَّه فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «من حلف بغير اللَّه فقد كفر أو أشرك» .
رواه الترمذي، وقال حسن.
قال: وفسَّر بعض العلماء قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روى أنه ﷺ قال: «الرياء شرك» قلت: ومعنى التغليظ أن حقيقته ذلك وإنما لم يترتب عليه مقتضاه لغفلته عن فهمه وعدم القصد إليه لا ما يوهمه الأغبياء من عدم معنى له.
فصل في تغليظ تحريم اليمين الكاذبة عمدًا
روينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي اللَّه وهو عليه غضبان»، ثم قرأ علينا رسول اللَّه ﷺ مصداقه من كتاب اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية. أخرجاه. .
وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي مرفوعًا: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب اللَّه له النار وحرم عليه الجنة» فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول اللَّه؟، قال: «وإن قضيبًا من أراك» .
أخرجه مسلم.
وهو إلغاء لأمر المالية، لكن فيه انتهاك حرمة الجليل ﷻ.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: «الكبائر الإشراك باللَّه وعقوق الوالدين، وقتل النفس واليمين الغموس» رواه البخاري.
وفي رواية له: أن أعرابيا جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه ما الكبائر؟
قال: «الإشراك باللَّه»، قال: ثم ماذا؟
قال: «اليمين الغموس» قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: «الذي يقتطع مال امرئ مسلم» يعني بيمين هو فيها كاذب.
فصل في ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها
أن يفعل ذلك المخلوق عليه ثم يكفر عن يمينه.
وروينا من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: «وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فات الذي هو خير وكفر عن يمينك» أخرجاه.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير» أخرجه مسلم.
وعن أبي موسى رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إني واللَّه إن شاء اللَّه لا أحلف على يمين فأرى خيرا منها إلا كفَّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» أخرجاه.
وهو غاية في التأسي.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لأن يلّجَّ أحدكم بيمينه في أهله، آثَمُ عند اللَّه من أن يعطي كفارته التي فرض اللَّه عليه» أخرجاه.
ويلج: بفتح اللام وتشديد الجيم يتمارى فيها، ولا يكفر.
وآثم: بالثاء الثلثة أكبر إثما، وهو دافع لشبهة متوسوس من تحليل يمين عقدها، فإن الذي فرَّ منه توقعه في أشد منه، فإن التحلل فيه فعل الخير، وفعل الكفارة المحللة ليعطيه اليمين، والأخذ برخصة اللَّه المحبوبة لديه والقيام بفرض فرضه اللَّه عليه، مع فوائد التأسي النبوي.
فصل في العفو عن لغو اليمين وأنه لا كفارة فيه
وهو ما يجري على اللسان بغير قصد اليمين: كلا واللَّه، وبلى واللَّه ونحو ذلك.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ .
في قول الرجل: «لا واللَّه، بلى واللَّه. . .» رواه البخاري .
فصل في كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقا
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب» أخرجاه.
ومن حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق» أخرجه مسلم. فليحذر من ذلك.
فصل في كراهة أن يسأل بوجه اللَّه تعالى غير الجنة
وكراهة منع من سأل باللَّه تعالى أو يشفع به.
روينا في حديث جابر مرفوعًا: «لا يسأل بوجه اللَّه إلا الجنة» . رواه أبو داود.
وعن ابن عمر مرفوعًا: «من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سأل باللَّه فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» .
حديث حسن.
رواه أبو داود والنسائي بأسانيد الصحيحين.
فصل في تحريم قول شاهان شاه للسلطان وغيره
لأن معناه ملك الأملاك أخرجاه. قال سفيان بن عيينه: ملك الأملاك مثل شاهنشاه.
فصل في النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيد ونحوه
روينا من حديث بريدة مرفوعا : «لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم عز وجل». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
فصل في كراهية سب الحمى
وروينا من حديث جابر أنه ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: «ما لك يا أم السائب، أو يا أم المسيب تزفزفين؟» .
قالت: الحمى لا بارك اللَّه فيها.
فقال: «لا تسبى الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد» تزفزفين تتحركين حركة سريعة، ومعناه ترتعد، وهو بضم التاء وبالزاء المكررة، وبالفاء المكررة.
وروى أيضًا بالراء وروى بالزاي المكررة بالفائين.
فصل في النهي عن سب الريح
وبيان ما يقال عند هبوبها.
روينا من حديث أبي المنذر أُبَيِّ بن كعب مرفوعًا: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا:»اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت
به، ونعوذ بك من شر هذا الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «الريح من روح اللَّه تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، واسألوا اللَّه خيرها، واستعيذوا باللَّه من شرها» .
رواه أبو داود بإسناد حسن، رَوْحٌ، بفتح الراء أي رحمته بعباده.
وروينا من حديث عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» أخرجه مسلم. .
فصل في كراهية سب الديك
روينا من حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: «لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
فصل في النهي عن قول مطرنا بنوء كذا
ثبت ذلك في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعا، والسماء
المذكورة فيه: المطر.
فصل في تحريم قوله لمسلم: يا كافر
روينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» .
وعن أبي ذر مرفوعًا: «من دعا رجلًا بالكفر أو قال: يا عدو اللَّه وليس كذلك: إلا حار عليه» . أخرجاه.
حار: رجع عن الفحش وبذئ اللسان.
روينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» .
ومن حديث أنس مرفوعًا: «ما كان الفحش في شيء إلا شأنه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه» . رواهما الترمذي وحسنه.
فصل في كراهة التنفير بالكلام
بالتشديد وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم.
روينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا أخرجه مسلم.
وهو المبالغون في الأمور.
ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: «إن اللَّه يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه، كما تتخلل البقرة» .
رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
ومن حديث جابر: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» رواه الترمذي وحسنه.
وسلف شرحه في حسن الخلق، ولا منفر كهذه الثلاثة.
فصل في كراهة قول: خبثت نفسي
روينا من حديث عائشة مرفوعًا: «لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لَقِسَتْ نفسي» أخرجاه.
ومعنى خبثت: غثت، وهو بمعنى لقست ، ولكن كره لفظ الخبث.
فصل في كراهة تسمية العنب كرمًا
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم المسلم» أخرجاه، واللفظ لمسلم.
وفي رواية: «فإنما الكرم المسلم» أخرجاه واللفظ لمسلم.
وفي رواية: «فإنما الكرم قلب المؤمن» .
وفي رواية: «إنما تقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن».
وروينا من حديث وائل مرفوعًا: «لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة» .
رواه مسلم.
الحبلة: بفتح الحاء، وبفتح الباء وإسكانها.
فصل في النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل لا يحتاج إلى ذلك لغرض شرعي كنكاح ونحوه
روينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لا تباشر المرأة المرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها». أخرجاه.
فصل في كراهية قول الإنسان في الدعاء: اللهم اغفر لي إن شئت بل يعزم بالطلب
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة، فإنه لا مكره له» أخرجاه.
وفي رواية لمسلم: «ولكن ليعزم وليعظم لرغبة، فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء أعطاه» .
وعن أنس مرفوعًا: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له» أخرجاه.
وهو عام في كل دعاء، وطلب الغفران والرحمة في الحديث الأول من باب التمثيل.
فصل في كراهة قول ما شاء اللَّه ثم ما شاء فلان
رواه بإسناد صحيح.
فصل في كراهة الحديث المباح بعد العشاء الآخرة
إلا في خير، كمذاكرة علم وعذر.
والأحاديث الصحيحة مصرحة بذلك.
روينا من حديث أبي برزة «أن رسول اللَّه ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها» .
وحديث ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ صلى العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد» . أخرجاهما.
وعن أنس رضي الله عنهما أنهم انتظروا النبي ﷺ فجاءهم قريبًا من شطر الليل، فصلي بهم يعني العشاء، قال: ثم خطبنا فقال: «ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا، وإنكم لن
تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة» أخرجه البخاري.
فصل في تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها
إذا دعاها ولم يكن لها عذر شرعي.
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» أخرجاه.
وفي رواية: «حتى ترجع».
فصل في تحريم صوم المرأة تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» أخرجاه.
فصل في تحريم في رفع المأموم رأسه من الركوع والسجود قبل الإمام
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل اللَّه رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار» أخرجاه.
فصل في كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة
روينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما قال: «نهى عن الخصر في الصلاة». أخرجاه .
فصل في كراهة الصلاة بحضرة الطعام
ونفسه تتوق إليه، أو مع مدافعة الأخبثين.
روينا من حديث عائشة مرفوعًا: «لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان» . أخرجه مسلم.
فصل في النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة
روينا من حديث أنس مرفوعًا: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟» فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «ليَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لتُخْطَفَنَّ أبصارهم» .
رواه البخاري.
فصل في كراهة الإلتفات في الصلاة لغير عذر
روينا من حديث عائشة قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن الإلتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» رواه البخاري.
وعن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «إياك والإلتفات في الصلاة، فإن الإلتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فصل في النهي عن الصلاة إلى القبور
روينا من حديث أبي مرثد كناز بن الحصين مرفوعًا: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» رواه مسلم.
فصل في تحريم المرور بين يدي المصلي
روينا من حديث أبي الجهم عبد اللَّه بن الحارث بن الصمة الأنصاري مرفوعًا: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه» .
قال الراوي: «لا أدري أقال أربعين يومًا أو شهرًا أو سنةً» أخرجاه.
فصل في كراهة شروع المأموم في نافلة بعد شروع المؤذن في الإقامة
سواء كانت النافلة سنة تلك الصلاة أو غيرها.
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» أخرجه مسلم.
فصل في كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلة الجمعة بصلاة
روينا من حديث أبي هريرة: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» رواه مسلم.
وعنه مرفوعًا: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوم قبله أو يومًا بعده» أخرجاه وبه يخرج تخصيصه.
وعن محمد بن عباد قال: سألت جابرا: «أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة قال: نعم» أخرجاه.
وعن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث أنه ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمت أمس؟»، قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غدا؟»، قالت: لا، قال: «فأفطري» . رواه البخاري.
فصل في تحريم الوصال وهو أن يصوم يومين أو أكثر ولا يأكل ولا يشرب بينهما
روينا من حديث أبي هريرة وعائشة «أنه ﷺ: نهى عن الوصال».
أخرجاه. .
وعن ابن عمر قال: «نهى رسول اللَّه ﷺ عن الوصال»، قالوا: إنك تواصل. قال: «إني لست مثلكم إني أُطْعَمُ، وأُسْقَى» أخرجاه .
واللفظ للبخاري.
وهو قاطع في أن الإطعام والإسقاء غير حسي.
وإلا لقال: إنى لست أواصل.
فصل في تحريم الجلوس على قبر
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فيخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر» . أخرجه مسلم.
فصل النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه
روينا من حديث جابر قال: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» . رواه مسلم.
فصل في تغليظ تحريم إباق العبد من سيده
روينا من حديث جرير مرفوعًا: «أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة» رواه مسلم.
وعنه مرفوعًا: «إذ أبق العبد لم تقبل له صلاة» رواه مسلم أيضًا.
وفي رواية: «فقد كفر».
فصل في تحريم الشفاعة في الحدود
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الآية.
وروينا من حديث عائشة أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ، فكلمه أسامة فقال: «أتشفع في حد من حدود اللَّه تعالى».
ثم قام فاختطب فقال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» أخرجاه. وفي رواية: فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: «أشفع في حد من حدود اللَّه؟» فقال أسامة: ليستغفر لي رسول اللَّه، ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها .
فصل في النهي عن التغوط في طريق الناس وظلهم وموارد الماء ونحوها
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
وروينا من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «اتقوا اللعانين» قالوا وما اللاعنين؟، قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم» . رواه مسلم.
فصل في النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد
روينا من حديث جابر «أنه ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد» أخرجه مسلم.
فصل في كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة
روينا من حديث النعمان بن بشير أن أباه أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي.
فقال ﷺ: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟» فقال: لا، فقال ﷺ: «فارجعه» .
وفي رواية قال: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟».
قال: لا، قال: «اتقوا اللَّه واعدلوا في أولادكم».
فرجع أبي فرد تلك الصدقة .
وفي رواية: فقال ﷺ: «يا بشير ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم، قال: «أكلهم وهبت له مثل هذا؟» قال: لا، قال: «فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور» .
وفي رواية: «لا تشهدني على جور» .
وفي رواية: «أشهد على هذا غيري» .
ثم قال: «أيسرُّك أن يكونوا إليك في البر سواء» قال: بلى، قال: «فلا إذا» متفق عليه.
فصل في تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرة أيام
روينا من حديث زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مسَّت بعارضها ثم قالت: واللَّه ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمسَّت منه، ثم قالت: واللَّه ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» . أخرجاه.
فصل في تحريم بيع حاضر لباد وتلقى الركبان والبيع على بيع أخيه والخطبة أيضا إلا بإذن
رينا من حديث أن: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أخاه لأبيه أو أمه» . أخرجاه.
وعن ابن عمر مرفوعًا: «لا تلقوا السلع حتى تهبط بها الأسواق» .
وعن ابن عباس مرفوعًا: «لا تتلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد».
فقال له طاوس: ما بيع حاضر لباد؟ قال: «لا يكون له سمسار» أخرجهما.
وعن أبي هريرة قال: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها».
وفي لفظ: «نهى رسول اللَّه ﷺ عن التلقي وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشترط المرأة طلاق أختها، وأن يسام الرجل على سوم أخيه، ونهى عن النجش والتصرية» أخرجاه.
وعن ابن عمر: «لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له» أخرجاه. واللفظ لمسلم. .
وعن عقبة بن عامر مرفوعًا: «المؤمن أخو المؤمن لا يحل أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يرد» أخرجه مسلم .
فصل في النهي عن إضاعة المال في غير وجوهه التي أذن الشرع فيها
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن اللَّه يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل اللَّه جميعا، ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال» . أخرجه مسلم.
وعن المغيرة أنه كتب إلى معاوية: «كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال» الحديث، أخرجاه.
فصل في النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح ونحوه سواء كان جادًا أو مازحًا
والنهي عن تعاطي السيف مسلولًا.
روينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: قال: «قال لي أبو القاسم ﷺ من أشار إلى أخيه بحديدة فإن
الملائكة تلعنه حتى يردها» .
قوله ﷺ ينزع ضبط بالعين المهملة مع كسر الزاي وبالغين المعجمة مع فتحها: ومعناهما متفاوت، ومعناه بالمهملة يرمي، وبالمعجمة أيضًا يرمي ويفسد، وأصل النزع الطعن والفساد.
وعن جابر رضي الله عنهما «نهى رسول اللَّه ﷺ عن أن يتعاطى السيف مسلولًا» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
فصل في كراهة الخروج من المسجد بعد الآذان إلا لعذر حتى تصلي المكتوبة
روينا من حديث أبي الشعثاء قال: «كنا قعودًا مع أبي هريرة رضي الله عنه في المسجد فأذن مؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ» .
فصل في كراهة رد الريحان لغير عذر
روينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الريح» رواه مسلم.
عن أنس رضي الله عنه «أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب» رواه البخاري.
فصل في كراهة المدح في الوجه لمن خيف مفسده من إعجاب وغيره
وجوازه لمن أمن ذلك في حقه.
روينا من حديث أبي موسى رضي الله عنهما قال: سمع النبي ﷺ رجلا يثنى على رجل ويطريه في المدحة قال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» متفق عليه .
والإطراء المبالغة في المدح.
وعن أبي بكر رضي الله عنهما أن رجلًا ذكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيرًا فقال النبي ﷺ: «ويحك قطعت عنق صاحبك» يقوله مرارًا: «إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه اللَّه، ولا يزكى على اللَّه أحدًا» . متفق عليه.
وعن هشام بن الحارث عن المقداد رضي الله عنهما أن رجلا جعل يمدح عثمان، فعمد المقداد فجثى على ركبته فجعل يحثو في وجهه الحصباء.
فقال عثمان: ما شأنك؟.
قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» .
فهذه الأحاديث في النهي.
وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة.
قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن ولا يغتر بذلك ولا تلعب به نفسه، فليس بحرام أو مكروه وإن خيف عليه من هذه الأمور كره مدحه في وجهه كراهة شديدة، وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك.
ومما جاء في الإباحة قوله ﷺ لأبي بكر رضي الله عنه: «أرجو أن تكون منهم» أي من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها.
وفي الحديث الآخر: «لست منهم أي لست من الذين يسبلون إزارهم خيلاء» .
وقال ﷺ لعمر رضي الله عنه: «ما رأك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًا غير فجك» .
والأحاديث في الإباحة كثيرة.
فصل في كراهة الخروج من بلد وقع فيه الوباء فرارًا منه
وكراهة القدوم عليه.
قال اللَّه تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ .
وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام.
قال ابن عباس فقال لي عمر رضي الله عنه ادع المهاجرين الأولين ، فدعوتهم
فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا نرمي أن نُقْدِمَهُم على هذا الوباء.
فقال: ارتفعوا عني، ثم قال ادع لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني، ثم قال ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر رضي الله عنه إني مُصَبِّح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر اللَّه؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللَّه وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر اللَّه.
قال: فجاءه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان متغيبًا في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علمًا: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه» فحمد اللَّه تعالى عمر رضي الله عنه وانصرف. متفق عليه .
العدوة: جانب الوادي.
وعن أسامة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها» متفق عليه ، وفيه دفع شبهة أظلمت المسالك على كل سالك وأورثت من ترك بسببها الدعاء والعبادات ومصالح المعايش المهالك.
فصل في التغليظ في تحريم السحر
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية.
وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول اللَّه وما هن؟
قال: «الشرك باللَّه والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» متفق عليه .
فصل في النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خيف وقوعه بأيدي العدو
روينا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» متفق عليه.
فصل في تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة
وسائر وجوه الاستعمال.
روينا عن أم سلمة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليه.
وفي رواية لمسلم :»إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب، وهو تهديد بليغ.
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: «هن لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة» متفق عليه.
وفي رواية في الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب، ولا تأكلوا في صحافها» .
وفيه بيان علة التحريم وهي أن الكفار أوتوا كذلك ونحوه طيباتهم في حياتهم الدنيا، فيقال لهم يوم القيامة: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآية.
وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن من حديث أنس بن سيرين قال: كنت عند أنس بن مالك عند نفر من المجوس فجيء بفالوذج على إناء من فضة فلم يأكله، فقيل له حوله، فحوَّله على إناء (مدحلح) وجيء فأكله وهو حيلة في الاستعمال من الإناء المحرم.
فصل في تحريم لبس الرجل ثوبًا مزعفرًا
روينا من حديث أنس: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتزعفر الرجل» أخرجاه.
وهو ظاهر التحريم.
وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: رأى النبي ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: «أأمك أمرتك بهذا؟» قلت أغسلهما. قال: «بل أحرقهما» .
وفي رواية: «أن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» . رواه مسلم.
فصل في النهي عن صمت يوم إلى الليل
روينا من حديث علي قال: حفظت عن رسول اللَّه ﷺ: «لا يُتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل» . رواه أبو داود بإسناد حسن.
وفسره الخطابي بأن الصمات كان من نُسُك الجاهلية فنهوا في الإسلام عنه وأُمرُوا بالذكر والحديث بالخير.
وروينا من حديث قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال: ما لها لا تتكلم، فقالوا: حجت مصمته ، فقال لها: «تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية» فتكلمت رواه البخاري.
فصل في تحريم إنتساب الإنسان إلى غير أبيه وتوليه غير مواليه
روينا من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام» .
ومن حديث أبى هريرة مرفوعًا: «لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر» . أخرجاهما.
وروينا من حديث يزيد بن شريك بن طارق قال: رأيت عليا رضي الله عنه على المنبر يخطب وسمعته يقول: لا واللَّه ما عندنا من كتابٍ نقرؤه إلا كتاب اللَّه وما في هذه الصحيفة، فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات وفيها قال رسول اللَّه ﷺ: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين لا يقبل اللَّه منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا» أخرجاه.
ذمة المسلمين: عهدهم وأيمانهم.
وأخفره: نقض عهده.
والصرف: التوبة، وقيل الحيلة.
والعدل: الفداء.
وروينا من حديث أبي ذر مرفوعًا: «ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو اللَّه وليس كذلك إلا حار عليه» . أخرجاه.
واللفظ لمسلم.
فصل في التحذير من ارتكاب ما نهى اللَّه عز وجل أو رسوله
قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ .
وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن اللَّه تعالى يغار وغيرة اللَّه أن يأتي المرء ما حرم اللَّه عليه» أخرجاه
فصل ما يقوله وبفعله من ارتكاب ما نهي عنه
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ .
وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ الآية.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى قوله ﴿الْعَامِلِينَ﴾.
وقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا اللَّه، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك، فليتصدق» .
أخرجاه، آخر المناهي وللَّه الحمد، وعدة أحاديثه وجملتها نحو الثلاثمائة.
مجلس في الصدقة والإيثار والمواساة
قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وهو لائح من مدح الإيثارة وأهله.
وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ وهو محتمل لما ترجمنا به وللجود أيضًا وهذه صفة عباد اللَّه الذين يشربون من كافور، ومن توقى شر ذلك اليوم يلقى نضرة وسرورًا، وما أعظمه من وصف.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شرٌّ لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» .
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء.
فقال: «من يُضَيِّف هذا الليلة رحمه الله».
فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللَّه، فانطلق به إلى رحلة، فقال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. .
قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئ السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف.
فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: «لقد عجب اللَّه من صنيعكما بضيفكما الليلة» وهو أبلغ مدح مرغب في ذلك في الإثيار ومبين أنه من اللَّه تعالى بمكان، كما يشعر به قوله ﷺ: «لقد عجب اللَّه» إلى آخره.
وفيه من أسباب الإيثار تعظيم الحقوق المشعر به قول الأنصاري: أكرمي ضيف رسول اللَّه ﷺ.
وروينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» .
ولمسلم: «طعام الواحد يكفي الإثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية» .
فيه دفع خصاصة المواسي إذا واسا من كفايته.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول اللَّه ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» .
قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.
قلت: هو مشتمل على أنواع من البر.
وصرفه البصر إشارة إلى السؤال.
وفي الحديث السالف صدح بأنه مجهود فلا منجا بعد بؤس. .
وروينا في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد في قصة البردة وأنه ﷺ أخذها، وأن سائلا سألها فدفعها إليه رجاء أن تكون كفنه فكانت كفنه.
ولو ذكر في باب الجود كما فعل القشيري لكان أجود.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي موسى مرفوعًا: «إن الأشعرين إذا أرملوا في الغزو، وقل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان في ثوب واحد، ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسويَّة، فهم مني وأنا منهم» .
معنى أرملوا: فرغ زادهم أو قارب الفراغ.
وأما الحكايات: فالأولى عن الشبلي قال: خرجت ذات يوم أريد البادية فرأيت شابًا صغيرا نحيف الجسم أشعث أغبر عليه ثياب رثة، وهو جالس في الجبانة يمرغ خديه بين القبور وجعل يرمق السماء تارة بعد تارة، ويحرك شفتيه وتسيل الدموع من عينية وهو مستغرق في الذكر والاستغفار، فلا يشغله شاغل عن التسبيح والتقديس والتحميد والتعظيم، فلما رأيت الشاب على تلك الحال مالت نفسي إليه وطابت إلى لقائه فتركت الطريق التي أروح عليها وقصدت نحوه فلما رآني أقبلت إليه انتفض من مكانه وقام يمشي هاربًا فنهضت في إثره لعلى ألحقه فلم أقدر على إدراكه فقلت له: رفقًا يا ولي اللَّه، فقال: اللَّه.
فقلت: بحقه إلا ما صبرت، فأشار بأصبعه لا أفعل، وقال: اللَّه، فقلت له إن كان حقا ما تقول فأرني صدقك مع اللَّه، فنادي بصوت عال يا اللَّه، فوقع في الأرض مغشيا عليه، فدنوت منه فحركته فإذا هو ميت من ساعته، فتوهمت من ذلك وتعجبت من حالة صدقه مع اللَّه تعالى.
وقلت: يختص برحمته من يشاء، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه ثم تركته في موضعه وسرت إلى حي من الأحياء لآخذ في جهازه وإصلاح شأنه.
فلما رجعت إليه حجب عني، فطلبته في المكان فلم أجد له أثرًا ولا سمعت له خبرًا، فبقيت متحيرًا في أمر هذا الشاب وقلت: من سبقني إليه فسمعت قائلا يقول: يا شبلي قد كفيت أمر الفتى وما تولاه إلا الملائكة فعليك أنت بعبادة ربك، وأكثر الصدقة من مالك، فما بلغ الفتى ما بلغ إلا بصدقته يومًا في الدهر؟
فقلت: سألتك ياللَّه إلا ما أخبرتيني بصدقته يوما في الدهر ما هي؟.
فقال: يا شبلي إن هذا الفتى كان في أول عمره مذنبا عاصيا فاسقا زانيا فعرض اللَّه عليه رؤيا أفزعته وأتلفته وهي أنه رأى في المنام إحليله قد رجع ثعبانًا ودار بفيه ثم انطلق من فيه لهب النار فأحرقه حتى عاد كالفحمة السوداء فقام مسرعًا مرعوبًا وخرج فارًا بنفسه مشتغلًا بعبادة ربه، وله اليوم منذ رجع إلى الطاعة اثني عشرة سنة وهو على حالة التضرع والخشوع.
فلما كان أمس وقف له سائل سأله قوت يومه فخلع ثيابه وسلمها إليه، ففرح السائل بذلك وبسط كفيه ودعا له بالمغفرة، فأجاب اللَّه دعاءه فيه ببركة الصدقة التي فرَّحَهُ بها كما جاء في الحديث: «اغتنموا دعوة السائل عند فرحة قلبه بالصدقة».
الثانية: عن أبي جعفر بن خطاب ويقال إنه من الأبدال، قال: وقف على بأبي سائل، فقلت لزوجتي: هل معك شيء، قالت: أربع بيضات.
فقلت ادفعيهن للسائل، ففعلت.
فلما انصرف السائل أهدي إلي بعض إخواني مخلاة فيها بيض فقلت لزوجتي كم بيضة فيها؟
فقالت ثلاثون بيضة.
فقلت لها: ويحك أعطيت السائل أربع بيضات وجاءت ثلاثون أين حساب هذا؟
قالت: هن أربعون إلا عشرًا مكسورات.
وقيل: في هذه الحكاية كان ثلاث من البيض التي أعطت للسائل صحاح وواحدة مكسورة، فجاء بكل واحدة منهن عشرة على صفتها.
[١ / ٤٩٧]
الثالثة: عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يحب الصدقة ويجمع لها الذهب والدراهم والفلوس وكان لا يقف به سائل إلا أعطاه ما يتهيأ له حتى يضع في يد أحدهم البصلة.
قالت مولاته: فأصبحنا ذات يوم وليس في بيته من الطعام شيء، ولم يكن عنده غير ثلاثة دنانير، فوقف به سائل فأعطاه دينارًا، ثم وقف آخر فأعطاه الثاني، ثم وقف آخر فأعطاه الثالث.
قالت فغضبت وقلت: لم يبق لنا شيء، فاستلقى على فراشه وأغلقت عليه باب البيت حتى أذن المؤذن بالظهر فجئته وأيقظته فراح إلى مسجده صائمًا.
فرفقت عليه واستقرضت، ما اشتريت به عشاء وهيأت سراجًا وصنعت مائدة، ودنوت من فراشه لأمهده له، فرفعت الوسادة فإذا بذهب، فقلت في نفسي ما صنع الذي صنع إلا ثقته بما جاء به، فعددتها فإذا هي ثلاثمائة دينار فتركتها على حالها حتى انصرف من صلاة العشاء.
فلما دخل ورأى ما هيأت له حمد اللَّه وتبسم في وجهي فقال: هذا خير من غيره، فجلس يتعشى فقلت: يغفر اللَّه لك ورفعت الوسادة.
فلما رأى ما تحتها فزع وقال: ويحك ما هذا؟.
قالت: لا علم لي به إلا أني وجدته على ما ترى فكثر فزعه وعلم أن ذلك بسبب الصدقة بالثلاثة دنانير وأن اللَّه تعالى عوضه ذلك.
الرابعة: حكى أن امرأة تصدقت برغيف على سائل، ثم خرجت تحمل غداء زوجها، وكان يحصد زرعه، فمرت بروضة ومعها ابن لها، وإذا بسبع قد التقم ابنها وإذا يد قد لطمت السبع، فقذف الطفل من فيه.
وإذا بصوت يسمع منه خذي ولدك فقد جازيناك لقمة بلقمة.
الخامسة: عن عطاء قال: كان أبو عبد الرحمن بن حبيب يؤتي بالطعام إلى المسجد فربما استقبلوه في الطريق فيطعمه للمساكين فيدعون له بالبركة فيرد عليهم دعاءهم ويقول: قالت عائشة: «إذا تصدقتم فدعى لكم فردوا الدعاء حتى يبقى لكم أجر ما تصدقتم به».
السادسة: كان علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يحمل جراب الخبز على ظهره ويتصدق به ليلًا ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وكان إذا أتاه سائل رحب به وقال: مرحبًا بمن يحمل زادي إلى الآخرة.
السابعة: قال سفيان: جاء رجل من أهل الشام فقال: دلوني على صفوان بن
[١ / ٤٩٨]
سليم فإني رأيته دخل الجنة فقلت: بأي شيء؟ قال: بقميص كساه إنسانا قال بعض إخوان صفوان فسألته عن القميص فقال: خرجت ليلة على المسجد في ليلة باردة فإذا برجل عار، فنزعت قميصي فكسوته.
وقال أبو مروان: انصرفت مع صفوان إلى منزله فجاء بخبز يابس فوقف ببابه سائل، فأعطاه شيئًا فاتبعته لأنظر ما أعطاه فإذا هو يقول: أعطاه اللَّه أفضل ما أعطى أحدًا من خلقه.
فقلت له: ماذا أعطاك؟
قال: أعطاني دينارًا.
فائدة: قال بشر بن الحارث: الصدقة أفضل من الحج، قيل ولم ذاك؟
قال: لأن الحاج يركب ويرجع فيراه الناس، وذاك يعطي سرًا لا يراه إلا الرب تعالى.
الثامنة: حكى أنه كان قاضي الري غني، فجاءه فقير يوم عاشوراء فقال: أعز اللَّه القاضي أنا رجل فقير ذو عائلة وقد جئتك متشفعًا بحرمة هذا اليوم لتعطينني عشرة أمنان خبزًا، وخمسة أمنان لحمًا ودرهمين.
فوعده القاضي على وقت الظهر فدافعه إلى العصر، فلما جاءه العصر لم يعطه شيئًا.
فذهب الفقير منكسرًا، فمر بنصراني جالس بباب داره فقال له بحق هذا اليوم أعطني شيئًا.
فقال النصراني: وما هذا اليوم؟
فذكر له الفقير من صفاته شيئًا.
فقال لي النصراني اذكر حاجتك؟ فقد أقسمت على تعظيم الحرمة، فذكر له ما
سلف فأعطاه عن الخبز عشرة أقفز حنطة، وعن اللحم مائة، وعن الدرهمين عشرين درهما.
وقال هذا لك ولعيالك ما دمت حيا في كل شهر كرامة لهذا اليوم.
فذهب الفقير إلى منزله، فلما كان الليل ونام القاضي سمع هاتفًا: ارفع رأسك، فرفع رأسه فأبصر قصرًا مبنيا بلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وقصرًا من ياقوته يبين ظاهره من باطنه.
فقال: إلهي ما هذان؟ فقيل له: هذان كانا لك لو قضيت حاجة الفقير، فلما رددته صارا لفلان النصراني.
فانتبه مرعوبا ينادي بالويل فغدا على النصراني.
فقال له: ما الذي فعلت البارحة من الخير؟
قال: وكيف ذلك؟
فذكر له الرؤيا، ثم قال: بعني الجميل الذي فعلته مع الفقير بمائة ألف درهم.
فقال: لا أبيع ذلك بملئ الأرض ذهبًا.
ثم قال ما أحسن معاملة هذا الرب أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وإن دينه هو الحق.
لا يلحقنَّك ضجرة من سائل … فدوام عزك أن تُرَى مسئولًا
لا تصرفنَّ بالرد وجه مؤمل … فلخير يومك أن ترى مأمولًا
واعلم بأنك عن قليل صائر … خيرًا فكن خيرًا يروى جميلًا
يلقى الكريم فيستدل ببشره … وترى العبوس على اللئيم ذليلًا
وما أحسن قول ذلك السائل وقد وقف على جمع رحمه الله: من جاد من يسره، أو آثر من قلة أو واسا من كفاف؟ فقالوا: لم يترك لأحد منا عذرًا.
[١ / ٥٠٠]
مجلس في الجد في العمل وترك العجب به
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ الآية.
روينا في الصحيحين من حديث عائشة أن رسول اللَّه ﷺ: كان يقوم حتى تنفطر قدماه، فقيل له: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» .
وروينا في جامع الترمذي من حديث أنس مرفوعًا: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه العجب» .
ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك:
فالأولى: حكى أن عيسى ﷺ مر هو ورجل من الحواريين بلصٍّ في قلعة له، ألقى اللَّه في قلبه التوبة فقال لنفسه: هذا عيسى روح اللَّه، وهذا فلان حواريه وأنت يا شقي لص بني إسرائيل قطعت الطريق وأخذت الأموال وسفكت الدماء.
ثم هبط إليهما تائبًا على ما كان منه، فلما لحقهما قال لنفسه تريدين أن تمشي معهما، لست لذلك أهلًا، بل خلفهما كالخاطئ المذنب.
فالتفت إليه الحواري فعرفه فقال: انظر إلى هذا الخبيث ومشيه خلفنا.
فاطلع اللَّه على ما في قلبه من الندامة وتوبته، وازدراء الحواري به وتفضيله نفسه
عليه وعجبه بها.
فأوحى اللَّه إلى عيسى أن مُرْ الحواري واللص أن يستأنفا العمل جميعا، إن اللص قد غفرت له ما مضى لندامته.
وأما الحواري فقد حبط عمله لعجبه بنفسه وازدرائه.
الثانية: قال أبو حازم إن العبد ليعمل الحسنة تسره حتى يعملها، وما خلق اللَّه سيئة أضرَّ له، فإن العبد ليعمل السيئة تسوءه حتى يعملها، وما خلق اللَّه من حسنه أنفع له منها وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة يتحير فيها ويعجب نفسه ويرى أن له فضلًا على غيره، ولعل اللَّه يحبطها ويحبط معها عملًا كثيرا.
وإن العبد ليعمل السيئة تسوءه ولعل اللَّه يحدث له بها وجلا فيلقي اللَّه وإن خوفها لفي جوفه.
الثالثة: قال سلمان الفارسي رضي الله عنهما: إذا أسأت سيئة في سريرة، فأحسن حسنة في علانية ليكون هذه بهذه أخرى.
وقال علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: أوحى اللَّه تبارك وتعالى إلى نبي من الأنبياء أنه ليس أهل بيت ولا أهل دار ولا أهل قرية يكونون على ما أحب فيتحولون إلى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون، وليس من أهل بيت ولا أهل دار ولا أهل قرية يكونون لي على ما أكره فيتحولون من ذلك إلى ما أحب إلا تحولت لهم عما يكرهون إلى ما يحبون.
الرابعة: قال أبو حازم لا يحسن أحد فيما بينه وبين اللَّه إلا أحسن اللَّه ما بينه وبين العباد ولا يعوز ما بينه وبين اللَّه إلا أعوز اللَّه ما بينه وبين العباد.
ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها.
الخامسة: قال يحيى جاء سائل إلى ابن عمر فقال لإبنه أعطه دينارًا، فلما انصرف قال له ابنه تقبل اللَّه منك يا أبتاه.
فقال لو علمت أن اللَّه تقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت.
أتدري ممن يتقبل اللَّه؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
أخرى: وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: ليس الخير أن يكثر مالك وتعظم دارك، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك، فلا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين:
رجل أذنب ذنوبًا فهو يدارك ذلك بتوبة.
أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوى وكيف يقل ما يتقبل.
أخرى: وقال أبو حازم عجبًا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة، ويدعون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة.
أخرى: وقال محمد بن إسحاق: قال أبو حازم إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أول كسادها فإنه لو جاء يوم نَفَاقِها لم يصلوا منها لا إلى قليل ولا إلى كثير.
السادسة: حكى أن بعض المرابطين بعسقلان قام ذات ليلة يريد التهجد على السطح فإذا هو بهاتف يقول: يا معشر العباد قسمت العبادة ثلاثة أجزاء أولها قيام الليل وثانيها: صيام النهار، وثالثها: الدعاء والاستغفار والتسبيح، وهذا خير القسمة، فخذوا منه بالحظ الأوفر فسقط العابد على وجهه لما دخله من الصوت.
السابعة: قال شقيق البلخي : طلبنا خمسًا فوجدناها في خمس: طلبنا بركة القوت، فوجدناها في صلاة الضحى، وطلبنا ضياء القبور فوجدناه في صلاة الليل وطلبنا جواب منكر ونكير فوجدناه في قراءة القرآن وطلبنا عبور الصراط فوجدناه
في الصوم والصدقة.
الثامنة: روى عن بشر الحافي أنه قال: رأيت رجلا عشية عرفة عليه الوله وهو يبكي وينتحب انتحابًا شديدًا ويقول: سبحان من لو سجدنا بالعيون له على شباك الشوك، والمحمي من الإبر، لم نبلغ العُشر من مِعْشَار نعمته، ولا العُشَيْر ولا عُشْرًا من العُشر.
وقال أيضا:
كم قد زللت فلم أذكرك في زللي … وأنت يا مالكي بالغيب تدركني
كم أكشف الستر جهلًا عند معصيتي … وأنت تلطف بي حلما وتسترني.
ثم غاب عني وحجب فلم أره، فسألت عنه فقيل لي هو أبو عبيد الخوَّاص، أحد الخواص له سبعون سنة ما رفع وجهه إلى السماء، فقيل له في ذلك.
فقال: إني لأستحي أن أرفع إلى المحسن وجهًا مسيئًا فواعجباه من مطيع يستحي ويتذلل مع إحسانه، ومن عاص لا يتذلل ولا يستحي من عصيانه.
التاسعة: عن بعض السلف أنه نام في وقت متوسدا، فأتاه آت في منامه فقال له: قل.
فقال: ما أقول؟ قال: قل.
يا خل إنك إن توسدت لينًا … وسدت بعد الموت (صم) الجندل
فاعمل لنفسك في حياتك صالحًا … فلتندمنَّ من غد إذا لم تفعل
العاشرة: عن محمد بن السماك قال: كان لي جار بالكوفة له ولد وله من قيام الليل وصيام النهار، وكان إذا جنه الليل يبكي وينشد:
لما رأيت الليل أقبل خاشعا … بادرت نحو مؤانسي بنحيبي
أبكي فيقلقني إليه صبابتي … وأبيت مسرورًا بقرب حبيبي
فإذا كان آخر الليل يبكي ويقول عند السحر
ذكرت في الليل إذا لاحت معالمه … ما كان أنسى فيه لمولاي
ضمنت في القلب حبا قد كلفت به … واللَّه يعلم ما مكنون أحشائي.
قال ابن السماك: وكان أبوه شيخا كبيرًا فسألني يومًا أن أكلم ولده يرفق بنفسه.
فبينما أنا ذات يوم جالس على باب داري، ومعي جماعة من أصحابي إذ مر الغلام فناديته: يا فتى إلينا، فأقبل فتأملته، فإذا هو قد صار كالشنِّ البالي لو هبت الريح لرمت به من شدة الضعف، فسلم وجلس، فقلت حبيبي: إن اللَّه قد افترض عليك طاعة أبيك وطاعته، ونهاك عن معصيته كمعصيته.
وإن أباك قد أمرنا بأمر فتأذن لنا بالكلام فيه؟ فقال: يا عم لعلك تريد أن تأمرني بتقصير في العمل وترك المبادرة إلى اللَّه.
فقلت له: لا واللَّه بدون هذا، يردك هذا الشأن الذي تطلب إن شاء اللَّه.
فقال: هيهات إني بايعت على هذا الشأن فتية من الحي على السباق، فجروا واجتهدوا ودعوا فأجابوا ولم يبق غيري، وعملي يعرض عليهم كل يوم مرتين، فما يقولون إذا رأوا خللًا أو تقصيرا؟ ثم قال: يا عم إني بايعت على هذا الشأن فتية فجعلوا الليل لهم مطية.
فقطعوا بها عرض المفاوز وسموا بها ذري الشواهق وإذا أصبحوا نظرت إليهم قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصلت أعضاؤهم بخناجر التعب وخمص البطون من (السدا) .
لا يقر لهم قرار، ولا يجاورون الأشرار، دُعُوا فأجابوا الملك الجبار.
قال ابن السماك: فتركنا واللَّه في حيرة ومضى، وما كان إلا ثلاثة أيام حتى قيل: مات الفتى - رحمة اللَّه عليه.
الحادية عشر: عن بعضهم قال: سألت اللَّه تعالى أن يريني مقامات أهل المقابر، فرأيت في منامي في ليلة من الليالي كأن القيامة قد قامت والقبور قد انشقت، وإذا منهم النائم على السندس، ومنهم النائم على الحرير والديباج، ومنهم النائم على الريحان، ومنهم النائم على السرر، ومنهم الضاحك ومنهم الباكي.
فقلت: يا رب لو شئت ساويت بينهم في الكرامة قال: فنادى مناد من أهل القبور: يا فلان هذه منازل الأعمال، أما أصحاب السندس فهم أهل الخلق الحسن . وأما أصحاب الحرير والديباج فهم الشهداء، وأما أصحاب الريحان فهم
الصائمون وأما أصحاب الضحك فهم أهل التوبة، وأما أصحاب البكاء فهم المذنبون.
وأما أصحاب المراتب فهم المتحابون في اللَّه تعالى.
الثانية عشرة: قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله نمت ليلة في سياحتي على رابية من الأرض فجاءت السباع فطافت بي وأقامت حولي إلى الصباح، فما وجدت أنسا وجدته تلك الليلة فلما أصبحت خطر لي أنه قد حصل لي شيء من مقام الأنس باللَّه، فهبطت واديا هناك فيه طيور حجل لم أرها، فلما أحست بي طارت في دفعة واحدة كلها، فخفق قلبي رعبًا فسمعت قائلا يقول: يا من كان البارحة يأنس بالسباع، مالك تفزع لخفقات الحجل، ولكنك البارحة كنت بنا والآن أنت بنفسك.
وقال أيضًا: جعت مرة ثمانين يومًا، فخطر أنه قد حصل لي نصيب من هذا الأمر، وإذا بامرأة خارجة من مغارة كان وجهها ضياء الشمس حسناء وهي تقول: منحوس جاع ثمانين يوما فأخذ يُدِلُّ على اللَّه بعمله فأنا لي ستة أشهر لم أذق طعامًا.
وقال أيضا: قلت يوما وأنا في مفازة في سياحتي: إلهي متى أكون لك عبدًا شكورًا.
فسمعت قائلا يقول إذا لم ترى منعما عليه غيرك فقلت: إلهي كيف لا أرى مُنْعَمًا عليه غيري وقد أنعمت على الأنبياء والعلماء والملوك.
فإذا قائل يقول: لولا الأنبياء لما اهتديت، ولولا العلماء لما اقتديت، ولولا الملوك لما أمنت والكل نعمة مني عليك.
الثالثة عشرة: قال إبراهيم الخواص: دخلت البادية فأصابتني شدة فكابدتها وصابرتها.
فلما دخلت مكة داخلني شيء من الإعجاب.
فنادتني عجوز من الطواف يا إبراهيم كنت معك في البادية، فلم أكلمك لأني لم أرد أن أشغل سرك عنه، أخرج هذا الوسواس عنك.
الرابعة عشرة: قال أبو الحسن المزيِّن دخلت البادية على التجريد حافيًا حاسرًا، فخطر ببالي أنه ما دخل البادية في هذه السنة أحد أشد تجريدًا مني، فحدثني إنسان من ورائي وقال: يا حجام كم تمنيك نفسك بالأباطيل.
وأنشدوا:
نظرت في الراحة الكبرى فلم أرها … فقال إلا على حسن من التعب.
والجد منها بعيد في تطلبها … وقد تدرك بالتقصير واللعب.
الخامسة عشرة: قال أبو يزيد: جمعت فكري وأحضرت ضميري ومثلت نفسي واقفا بين يدي ربي فقال لي: يا أبا يزيد بأي شيء أحببتني؟.
قلت: يا رب بالزهد في الدنيا.
قال: إنما كان مقدار الدنيا عندي جناح بعوضه.
ففيما زهدت منها؟، قلت: إلهي وسيدي أستغفرك من هذه الحالة جئت بالتوكل.
قال: يا أبا يزيد ألم أكن ثقة فيما ضمنت لك حين توكلت علي، فقلت: إلهي وسيدي أستغفرك من هاتين الحالتين، جئتك بك أو قال بالإفتقار إليك، فقال: عند ذلك قبلناك. وأنشدوا:
دعوه لا تلوموه دعوه … فقد علم الذي لم تعلموه
علم الهدى فسما إليه … وطالب مطلبا لم تطلبوه
أجاب دعاءه لما دعاه … وقام بحقه وأضعتموه.
بنفسي ذاك من ممدوح قرب … وطاعم مطعم لم تطعموه.
[١ / ٥٠٧]
مجلس في السخاء
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما مرفوعًا قال: «قال اللَّه عز وجل: (ابن آدم أنفق أنفق عليك)، وقال: يد اللَّه ملأى سخاء لا يغيضها نفقة شيء الليل والنهار» وقد تصدق الصديق بكل ماله، وعمر بالنصف.
وروى أنه أصاب الناس مجاعة فاشترى حبيب العجمي طعاما وفرقه على الفقراء.
ثم أخاط أكياسًا وجعلها تحت رأسه، ثم دعا اللَّه فجاءه أصحاب الطعام يطلبون منه ثمنه، فأخرج حبيب تلك الأكياس فإذا هي مملوءة دراهم فوزنها فإذا هي قدر حقوقهم سواء فدفعها إليهم. وروى أنه أتاه سائل مرة، وقد عجنت امرأته عجينًا وذهبت تجيء بنار لتخبزه فقال للسائل: خذ العجين فأخذه فجاءت وقالت: أين هو؟، قال: ذهبوا به يخبزونه، فلما أكثرت عليه أخبرها بالقصة فقالت: سبحان اللَّه إنه لا بد لنا من شيء نأكله فإذا برجل قد جاء بجفنه عظيمه مملوءة خبزًا ولحمًا.
فقالت له: ما أسرع ما ردوه عليك، قد خبزوه وجعلوا معه لحمًا.
حكاية أخرى: حكى عن بعضهم أنه كان يتعبد في جبل ويؤتي برغيفين يأتيه بهما طائر أبيض، فجاءه مرة بهما فحضر سائل فأعطاه أحدهما، ثم جاءه آخر فأعطاه نصف الآخر.
ثم قال: واللَّه ما هذا النصف بالذي يغني عن هذا الفقير شيئًا ولا هذا النصف بالذي يكفيني ولشبع واحد خير من جوع اثنين، فدفع إليه النصف الآخر.
وبات طاويا، فأتي في منامه فقيل له: سل.
فقال: أسأل اللَّه المغفرة، فقيل له: إن هذا شيء قد أُعْطِيتَه، فسل غيره، فقال:
أسأل أن يغاث الناس وكان عام جدب، فأغيثوا ببركته وبركة دعائه.
حكاية ثالثة: قال ابن مسروق (اخترت) أنا وأبو نصر المحب بالكوخ وعليه إزار له قيمة، وإذا بسائل يقول: شفيعي إليكم رسول اللَّه، فشق أبو نصر إزاره ودفع له نصفه، ثم قال: هذا بخيل، فأعطاه الباقي.
حكاية رابعة: عن سلمة بن سلمان قال: جاء رجل إلى ابن المبارك وسأله أن يقضي عنه دينًا فكتب عبد اللَّه إلى وكيله فقال له الوكيل: كم عليك؟ قال سبعمائة درهم.
فكتبت له بسبعة آلاف، وكتب إلى عبد اللَّه بذلك وأخبره أن الغلال فنيت، فكتب إليه عبد اللَّه إن كانت فنيت فإن العمر أيضا قد فنى، فادفع له ما سبق قلمى به.
خامسا: قال الوليد بن يسار: جاءت امرأة إلى حسان بن أبي سنان فسألته شيئا فقال حسان لشريكه: زن لها درهمين، فوزن لها مائتين، فعتب في ذلك فقال: إني رأيتها شابة وخشيت أن تحملها الحاجة على ما لا ينبغي، فكرهت ذلك.
سادسة: عن حبيب العجمي أنه اشترى نفسه من اللَّه أربع مرات بأربعين ألف درهم، فأخرج عشرة آلاف وقال: يا رب اشتريت منك نفسي بهذه، ثم أخرج مثلها وقال: إلهي إن كنت قبلت الثالثة فهذه شكرها.
سابعة: عن مالك بن أنس قال: كتبت إلى الليث بن سعد أسأله في قليل عصفر نصبغ به ثياب صبياننا فأرسل إلينا ما صبغنا به ثيابنا وثياب صبياننا وثياب جيراننا، وبعنا الفضلة بألف دينار.
ثامنة: عن شقيق قال: بينا نحن ذات يوم عند إبراهيم بن أدهم إذ مر رجل فقال: إبراهيم أليس هذا فلان؟.
قيل له: نعم، فقال لرجل عنده أدركه وقل له: لم لا تُسلِّم؟. فقال له: قال إن امرأته وضعت وليس عنده شيء، فخرج شبه المجنون قال: فأخبرت إبراهيم فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، كيف غفلنا عن صاحبنا حتى نزل به هذا الأمر؟
ثم قال: يا فلان ائت صاحب البستان فاستلف منه دينارين واشترى ما يصلحه بدينار، وأعطه الآخر، فاشتريت بالدينار من كل شيء، وأوقفت البعير ودفعت ما فيه لأهله وكان غائبًا والدينار الآخر، فقالت: على يدي من بُعِثَ هذا؟
قلت: على يد أخيه إبراهيم بن أدهم، فرفعت طرفها إلى السماء، وقالت: اللهم لا تنساها له.
تاسعة: عن بعض الصالحين قال: دخلت مسجدا لأصلي فيه، فإذا فيه رجل عابد، ورجل من التجار جالس قال: فسمعت العابد يقول يا سيدي ومولاي اشتهى عليك اليوم من الطعام لون كذا وكذا، ولون كذا وكذا من الحلوى.
فقال التاجر: واللَّه لو سألني لأعطيته، ولكن هذا يحتال عليَّ ويُرائى حتى أُعطيه، واللَّه لا أعطيه شيئًا.
فلما فرغ من دعائه نام في ناحية من المسجد، وإذا برجل قد دخل ومعه قعبة مغطاة، فنظر يمينا وشمالا فرأى العابد نائما فأيقظه وترك القعبة بين يديه والتاجر ينظر إليه، فوجد اللون الذي اشتهاه من الطعام والحلوى، فأكل منه قدر شهوته، وغطى القعبة وردها.
فقال التاجر للذي جاء بها سألتك باللَّه هل تعرف هذا الرجل قبل اليوم؟ قال: لا واللَّه ما أعرفه، وإنما أنا رجل حمال، وكنت قد اشتهيت على زوجتي وابني هذا اللون منذ سنة، فما طالت يدي إليه، وكان اليوم حملت لرجل فأعطاني مثقالين من الذهب فاشتريت به لحما وغيره، وأتيت به إلى منزلي فصنعته زوجتي فغلبتني عيني فنمت، فرأيت رسول اللَّه ﷺ فقال: قدم اليوم عليكم ولي من أولياء اللَّه، وهو في المسجد، وقد اشتهى ما عملته زوجتك، فأحمله إليه يأكل منه شهوته، ويجعل اللَّه لك البركة فيما بقى وأنا الكفيل لك بالجنة.
فانتبهت وجئت به كما ترى.
فقال التاجر: قد سمعته يسأل اللَّه ذلك.
ثم قال له: كم أنفقت على هذا الطعام؟
قال: مثقالًا، فقال التاجر: خذ مني عشرة مثاقيل فاجعل لي في أجرك قيراطا.
قال: لا، قال خذ عشرين، قال: لا، قال: خذ خمسين، قال: لا، قال: خذ مائة، قال: لا واللَّه ما بعت شيئًا مما ضمنه لي رسول اللَّه وتكفله، ولو أُعْطِيتُ الدنيا جميعًا.
فلو كان لك نصيب من أجر شهوة هذا الولي لكنت سبقتني أنت إليه، ولكن يختص من يشاء قال: فندم التاجر حيث لا ينفعه الندم، وخرج من المسجد نادمًا على ما فاته.
[١ / ٥١٠]
عاشرة: قال بعض الصالحين: كان لي صديق ابتلى بالجذام حتى ذهبت يداه ورجلاه وعيناه، فأتيت به المجذومين وجعلته معهم، وكنت أتعاهده فغفلت عنه أيامًا ثم انتبهت وقلت: إني قد غفلت عنك.
فقال: إن لي من لا يغفل عني.
فقلت: واللَّه ما ذكرتك.
فقال: إن لي من يذكرني، ثم قال: إليك عني فقد شغلتني عن ذكر اللَّه، فلبثت أيامًا ثم جئت إليه فوجدته قد توفي، فأخرجت كفنًا فيه طول، فقطعت ما فضل عنه وكفنته ودفنته فرأيت في منامي رجلًا وقف عليَّ لم أر أحسن منه صورة.
ثم قال: بخلت علينا بكفن طويل، دونك وكفنك قد رددناه عليك.
وقد كفناه في السندس والإستبرق قال: فاستيقظت وإذا بالكفن عند رأسي، وأنشدوا:
لئن كانت الدنيا تعد نفيسة … فدار ثواب اللَّه أعلى وأنبل
وإن كانت الأقسام رزقا مقدرا … فقلة سعى المرء في الرزق أجمل
وإن كانت الأجساد للموت أنشئت … فقتل امرء بالسيف في اللَّه أفضل
وإن كان الأموال للترك جمعها … فما بال متروك به المرء يبخل
[١ / ٥١١]
مجلس في بر الوالدين وصلة الرحم
قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية.
فقضى اللَّه تعالى بالوالدين إحسانا في سلك توحيده مفصلًا ما ينبغي معاملتهما به، وأن يبلغا أو أحدهما عند ولدهما الكبر من الوظائف العشر التي هي كف الأذى بنحو قوله لهما أف، واحتماله ولا ينهرهما فليس إلا قولًا كريمًا، وخفض الجناح لهما تواضعًا وتذللًا ورحمة ورقة وحنانا، أو الدعاء لهما يدا بالعجز عن مكافأتهما، والاعتراف بمكافأتهما بنحو ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وإضمار حبهما وتعظيمهما والنصح لهما، ولعله المشار إليه بقوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ (*). وتدارك مما ربما وقع بغير اختيار من هفوة بالندم والاعتذار والاستغفار، وتلا في ذلك بالإحسان كما هو جلى من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾ (*).
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله : ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] فأمر اللَّه تعالى بالوالدين إحسانا، وبذي القربى إلى آخره.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي أن تقطع.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ .
قلت: ووعدهم بنحو ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ .
قلت: فأعظم به من موص لا ترد وصيته.
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ .
وفيه تكرير الوصية معقبًا بذكر ما يكلف الوالد للولد، وتحمل من أجله وبإيجاب الشكر للَّه تعالى لهما.
وروينا في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن مسعود سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: «الصلاة على وقتها».
قلت: ثم أي؟، قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل اللَّه».
ففيه أن بر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيله وفضل الجهاد لا ينحصر، فما أعلاها من رتبة. وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» .
ففيه أن الأبوة منزلة لا يجزيها الولد إلا أن يخرج الأب من رتبة الرق إلى كمال الحرية، الوجود بعد العدم، إذ منافعه لغيره وتصرفه مسلوب فوجوده لغيره.
وروينا في الصحيحين من حديثه أيضًا مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر،
فليقل خيرا أو ليصمت«. فأهل البر والصلة هم المؤمنون باللَّه واليوم الآخر.
وروينا فيهما من حديثه أيضًا مرفوعًا:»إن اللَّه تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟
قالت: بلى يا رب، قال: فذاك لك«، ثم قال رسول اللَّه ﷺ:»فاقرؤوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: ٢٢] الآية.
وفي رواية البخاري: «فقال اللَّه تعالى: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته» .
فبخاصة الصلة صلة الرب تعالى، فيا سعادة من حصلت له وأربح معاملته.
وروينا فيهما من حديثه أيضًا قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ قال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟، قال: «أمك»، قال ثم من؟، قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» .
وفي رواية: يا رسول اللَّه من أحق بحسن الصحبة قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك ثم أدناك أدناك» . والصحابة بمعنى الصحبة، وقوله ثم أباك هكذا
هو منصوب بفعل محذوف، أي ثم بر أباك.
وفي رواية: «ثم أبوك» وهذا أوضح.
وفيه أن الأحق بالبر أُمُّ الإنسان، ثم أبوه بعدها ثم الأدنى بعده.
وروينا في صحيح مسلم عنه أيضا: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف» قيل: من؟ يا رسول اللَّه.
قال: «من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» .
قلت: فما أشد حسرته وخسرانه، ولا له من أحد رحمة لعامة تفريطه وشدة مهانته وتهاونه.
وروينا عنه أن رجلا قال: يا رسول اللَّه إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي.
فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهُم المَلَّ ولا يزال معك من اللَّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك» .
وتسفهم: بضم التاء وكسر السين المهملة، وتشديد الفاء، والمَلّ: بفتح الميم، وتشديد اللام وهو الرماد الحار من الألم، فلا شيء على المحسن إليهم لكن ينالهما إثم عظيم بتقصيرهم في حقه، وإدخالهم الأذى عليه.
وفيه أن من وصلته رحمة فقطعها كأنما يسفُّ المَلَّ وهو أشد غبنًا وحرقة من الذي قبله.
وفيه بيان أنواع من العلة وهي الصلة والإحسان والحلم.
وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: «من أحب أن يُبسط في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» .
ومعنى: يُنسأ له في أثره: يؤخر له في أجله وعمره.
ففيه فوائد عاجلة وهو بسط الرزق وإطالة العمر.
وروينا فيهما عنه: كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالًا. . . الحديث بطوله كما سبق في باب الإنفاق مما يجب.
وفيه أن الذي يرجي بره وذخره عند اللَّه جدير أن يوضع في الآخريين، ويوضحه الحديث الذي بعده، فإن فيه الفائدة الآجلة.
وروينا في الصحيحين والسياق لمسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: أقبل رجل إلى نبي اللَّه ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللَّه، قال: «فهل من والديك أحد حيٌّ؟» قال: نعم، بل كلاهما. قال: «فتبتغي الأجر من اللَّه؟»، قال: نعم، قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما».
وفي رواية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد.
فقال: «أحيٌّ والداك؟»، قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» .
وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها». وقطعت: بفتح القاف والطاء، رحمه مرفوع، وفيه نفي من يقول: لو وصلوني وصلتهم إلى وصل القاطعين، وهو الصلة الحقيقية وغيره مكافأة.
وروينا في الصحيحين من حديث عائشة مرفوعًا: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله اللَّه، ومن قطعني قطعه اللَّه» .
وفيه ما يشعر بأن الصلة أرجح من صنائع المعروف؛ لأن الرحم معلقة بالعرش، وأي قرب هكذا، ثم هي على مرَّ الأنفاس بقول: «من وصلني وصله اللَّه» وأي دعاء أجمع من هذا أو يسمع له ويستجاب مثله وهل في معروف آخر هكذا.
وروينا في الصحيحين من حديث ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين أنها قالت: أعتقت وليدتي فقال: «أوفعلت؟». قالت: نعم. قال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» . وهو ظاهر في أن صلة الأخوال والأخوات أعظم أجرًا من العتق العظيم أجره.
وروينا فيهما من حديث أسماء بنت الصديق قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة، فاستفتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إن أمي قدمت علي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك» . معنى راغبة: طامعة فيما عندي تسألني شيئًا، وهي أمها من النسب على الأصح، وقيل: من الرضاعة. وفيه أن كفر الأرحام ليس بمانع من برِّهم وصلتهم. وفيهما من حديث الثقفية امرأة عبد اللَّه بن مسعود قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: «تصدقن يا معشر النساء ، ولو من حليكن». قالت: فرجعت إلى عبد اللَّه فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول اللَّه ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان كاف ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال لي
عبد اللَّه: بل ائتيه أنت . قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول اللَّه ﷺ حاجتي حاجتها، قالت: وكان رسول اللَّه ﷺ قد ألقيت عليه المهابة. قالت فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول اللَّه ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن . قالت: فدخل بلال على رسول اللَّه ﷺ فسأله، فقال له رسول اللَّه ﷺ: «من هما؟» فقال إمرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول اللَّه ﷺ: «أي الزيانب؟» قال: امرأة عبد اللَّه. فقال له رسول اللَّه ﷺ: «لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة» . وفيه أن أجر التصدق لبس بمانع من الصلة بالصدقة حتى يتوقف عنها في أولي الأرحام.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا: «إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما» وفي لفظ: ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها«أو قال:»ذمة وصهرا«. ومعنى الرحم الذي لهم كون هاجر أم إسماعيل ﷺ منهم. والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ منهم، ففيه أن محل الصلة كل رحم قرب أو بعد ،
فلا أبلغ من وصيته ﷺ بأهل إقليم كثير من أجل أن أم جده الأعلى إسماعيل الذبيح ﷺ منهم، وهو الرحم، والصهر سلف. وما أشد صلة من يصل هذه الأرحام البعيدة الكبيرة جدًا.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنهما حديثه الطويل في قصة هرقل أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم؟. يعني النبي ﷺ. قال: فقلت: يقول: اعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة قلت: لأنها كمال ومعروف في كل عقل وكل ملة.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال:»لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ دعا رسول اللَّه ﷺ قريشا فاجتمعوا فعم وخصّ، فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، غير أن لكم رحما سأبُلُّها ببلالها»« ومعناه سأصلها، شبَّه
قطعها بالحرارة تطفئ بالماء فتبرد بالصلة، وهذا بمباشرته عليه أفضل الصلاة والتسليم.
وروينا في الصحيحين -واللفظ للبخاري- من حديث عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ جهارا غير سر يقول: «إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما وَلِيِّي اللَّه وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحمًا أبلها ببلالها» وفيه نفى وَهْم من يرى صلة رحم فيعتقدها محبة وولاء فيتولاها ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩]، فالكافر والفاجر ونحوهم محل للصلة لا للتولي والمودة.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي أيوب خالد بن زيد أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ فقال ﷺ: «تعبُد اللَّه ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» ففيه أن صلة الرحم تُدخل الجنة.
وروينا في جامع الترمذي مصححًا من حديث سلمان بن عامر مرفوعًا: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء؛ فإنه طهور»، وقال: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» وفيه المضاعفة في ثواب الصدقة لأنها صدقة وصلة، وكما سلف في الحديث السالف لها
أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة.
وروينا في سنن أبي داود وجامع الترمذي . وقال: حسن صحيح. من حديث ابن عمر قال: «كان تحتي امرأة وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها. فأبيت، فأتى عمر النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ:»طلقها«». قلت: فقوله له في محبوبته: طلقها. لإرضاء أبيه.
وروينا في جامع الترمذي مصححًا من حديث أبي الدرداء أن رجلا آتاه فقال: إن لي امرأة، وإن أمي تأمرني بطلاقها. قال أبو الدرداء: «سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:»الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه«.
وروينا فيه مصححًا من حديث البراء بن عازب مرفوعًا:»الخالة بمنزلة الأم« وهو دال على تقارب مراتب الرحم. وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة، منها: حديث أصحاب الغار، وحديث جريج، وسيأتيان. وفي الأول استجابة دعاء من برَّ والديه حتى انفرجت بهم صخرة ، وفي الثاني أنطق اللَّه ابن الراعي ببراءته لبركة عمارة باطنه بالبرِّ. ومن أهمهما حديث عمرو بن عبسة الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه، وسيأتي في باب الرجاء، وفيه قال:»دخلت
على رسول اللَّه ﷺ بمكة. يعني في أول النبوة. فقلت له: ما أنت؟ قال: «نبي». قلت: وما نبي؟ قال: «أرسلني اللَّه». قلت: بأي شيء؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام وكسْر الأوثان، وأن يُوَحَّدَ اللَّه لا يُشرك به شيء»« وذكر تمام الحديث، وناهيك بهذا. وحاصل هذه الأحاديث بيان مرتبة البِرِّ ومنزلة الأبوة وبيان أهل البر والصلة وخاصتهما ونتائجهما وما يُرغِّب فيها ويغري بها وأحق الناس وشدَّة عين من قوَّمها، ولا سيما إن وصلته رحمه، وأنواع من الصلة وفائدتها ونفعها إن عاجلا وآجلا والتنبيه على ما يظن أنه صلة وليس كذلك، وأرجحية الصلة على كل صدقة ومعروف وما يظن مانعا منها ككفر أو قصد تصدق وليس مانعا، وعظيم موقعها عند العقلاء ومحلها، وما يظن أنه ليس بصلة، وأنها من أسباب دخول الجنة مضاعفة الصدقة، وتأكيد إيثار الرحم على حفظ النفس، وتفاوت مراتب الرحم، واستجابة دعاء الباب الوصول، وخرق العادة لمن يعرض على البر وهو من قصده، وأنه الرسالة الإلهية وناهيك بذلك.
وحكي أن اللَّه -سبحانه- أوحى إلى سليمان بن داود عليهما السلام أن اخرج إلى ساحل البحر تنظر عجبا، فخرج ومن معه من الجن والإنس، فلما وصل إلى الساحل التفت يمينا وشمالا فلم ير شيئًا، فقال لعفريت معه: غُص هذا البحر ثم ائتني بعلم ما تجده. فغاصه ثم رجع بعد ساعة فقال: يا نبي اللَّه، إني ذهبت في هذا البحر مسيرة كذا وكذا فلم أصل إلى قعره ولا نظرت فيه شيئًا. ثم أمر آخر بذلك فأخبره بمثل ما أخبر الأول وغاص مثل الأول مرتين، فقال لآصف بن برخياء. وهو وزيره، وهو المعني بقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ : ائتني بعلم هذا البحر.
فغاص وجاءه بقبة من الكافور الأبيض لها أربعة أبواب: باب من دُرٍّ وباب من ياقوت وباب من جوهر وباب من زبرجد، والأبواب كلها مفتَّحة ولا يدخل فيها قطرة من الماء، وهي في داخل البحر في مكان عميق مثل ما غاص فيه العفريت الأول ثلاث مرات، فوضعها بين يدي سليمان وإذا في وسطها شاب حسن الشباب نقي الثياب وهو قائم يصلي، فدخل سليمان القبة وسلَّم على الشاب وقال له: ما أنزلك في قعر هذا البحر؟!
قال: يا نبي اللَّه، أبي كان رجلا مقعدا، وكانت أمي عمياء فأقمت في خدمتهما سبعين سنة، فلما حضرت أمي الوفاة قالت: اللهم أطل عمر ابني في طاعتك. ولما حضرت وفاة أبي قال: اللهم استخدم ابني في مكان لا يكون للشيطان عليه سبيل فيه. فخرجت إلى هذا الساحل بعدما دفنتهما فنظرت هذه القبة موضوعة فدخلتها لأنظر حسنها، فجاء ملك من الملائكة فاحتملها وأنزلت في قعر هذا البحر. قال سليمان: ففي أي زمان كنت أتيت هذا الساحل؟ قال: في زمن إبراهيم الخليل. فنظر سليمان في التاريخ فإذا له ألفا سنة وأربعمائة سنة، وإذا هو شاب لا شيب في لحيته، فقال له سليمان: ما طعامك وما شرابك داخل هذا البحر؟ قال: يا نبي اللَّه، يأتيني كل يوم طائر أخضر في منقاره شيء أصفر مثل رأس الإنسان فآكله فأجد فيه طعم كل شيء من نعيم الدنيا، فيذهب عني الجوع والعطش والحر والبرد والنوم والنعاس والفترة والوحشة، فقال له سليمان: تحب أن تقف معنا أو نرُدَّك إلى موضعك؟ فقال: رُدَّني يا نبي اللَّه. فأمر بردِّه مكانه فرده آصف، ثم قال لمن حوله: انظروا كيف استجاب اللَّه دعاء الوالدين، فأحذركم العقوق. حكاية ثانية عن الأصمعي قال: مات ابن لأعرابية، فما زالت تبكي حتى خدت الدموع في خدها، ثم قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم إنك تعلم فرط حنو الوالدين على ولدهما فلذلك لم تأمرهما ببرهم، وعظمت وزْر عقوق الولد لوالديه، فمن أجل ذلك أمرته ببرِّهما وألزمته طاعتهما، وقد كان ولدي هذا بارا بوالديه فما يكون بر والدين بولدهما، فأخبره عني بذلك صلة ومغفرة ولذّة سرورا ونضرة. فغفر اللَّه له ورحمه بدعاء أمه.
ثالثة: قال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل، وإذا أنا برجل يماشيني فعجبت منه ثم ألهمت أنه الخضر ، فقلت له: بحق الحق من أنت؟ قال: أخوك
الخضر. قلت: أريد أسألك. فقال: سل. قلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: صديق. فقلت: بشر. قال: لم يخلق بعده مثله. فقلت له: بأي وسيلة رأيتك؟ قال ببرِّك لأُمك. شعر:
ببر الوالدين أصبت خيرًا … وصيرني الإله له وليّا
وبوأني به جنات عدن … وفي الفردوس مشترفا عليّا
وقربني إليه واصطفاني … وأهدى منه لي لُطفا خفيّا
فلازم برَّهم واحذر تُهنهم … فطاوع أمرهم ما دمت حيّا
آخره، وللَّه الحمد.
مجلس من إكرام الضيف
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ . ومنها: النوع النفعي، وقد اشتملت على وجوه من الإكرام. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ . ومنها: النوع الرفقي. فكرم الضيفان من السادات وعادات السادات.
وروينا في حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» . وفيه الحث على إكرامه والإلزام بحقوقه وإبراره.
وروينا من حديث أبي شريح خويلد بن عمرو مرفوعًا: «من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته». قالوا: وما جائزته يا رسول اللَّه؟ قال: «يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه» . أخرجاه. وفي رواية: «لا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه ». قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يؤثمه؟ قال: «يقيم عنده ولا شيء له يقريه به، فأقلها يوم وأكثرها ثلاث وما زاد صدقة» . فليحذر ذلك الضيف. وورد من حديث علي قال: «أضافنا رسول
اللَّه ﷺ على الأسودين؛ الماء والتمر، وقال: «من أضاف مؤمنا فكأنما أضاف آدم، ومن أضاف اثنين فكأنما أضاف آدم وحواء، ومن أضاف ثلاثة فكأنما أضاف جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن أضاف أربعة فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومن أضاف خمسة فكأنما صلى الخمس جماعة من أول يوم خلق اللَّه الخلق، ومن أضاف ستة فكأنما أعتق ستين رقبة من ولد إسماعيل، ومن أضاف سبعة أُغلقت عنه أبواب جهنم، ومن أضاف ثمانية فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن أضاف تسعة كُتبت له حسنات بعدد من عصا من أول يوم خلق اللَّه الخلق إلى يوم القيامة، ومن أضاف عشرة كتب له أجر من صلى وصام وحج واعتمر إلى يوم القيامة»" وحكي عن محمد بن سلمان قال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف على الطريق وهو يُمجِّد ربه بأبيات من الشعر، يقول:
مليك في السما فيه افتخاري … عزيز القدر ليس به خفاء
فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا برَادٍّ عليك السلام حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك. قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على مذهب الخليل عليه الصلاة والسلام لا أتغدى ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته إلى سؤاله فرحب بي وسرت معه حتى قرُبنا من خيمة شعر، فلما قربنا منها صاح: يا أختاه. فأجابته جارية من الخيمة: لبيك يا أخي. قال: قومي إلى ضيفنا. قالت: حتى أبدأ بشكر المولى الرب الذي سبب لنا هذا الضيف. فقامت وصلت ركعتين شكرًا للَّه، فأدخلني الغلام الخيمة ونامت الصبية داخل الخيمة، فكنت أسمع دوّي القرآن الليل كله بأحسن صوت وأرزنه، فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من كان البارحة؟ قال: تلك أختي تُحيي الليل كله إلى الصباح. فقلت له: يا غلام، أنت أحق بهذا العمل من أختك. فتبسم وقال: صدقت، ويحك يا فتى أما علمت أنه موفق ومخذول؟
حكاية ثانية: عن الشيخ أبي الربيع المالقي قال: سمعت بامرأة صالحة في بعض القرى قد اشتهر أمرها، وكان دأبنا أن لا نزور امرأة، فدعت الحاجة إلى زيارتها للاطلاع على كرامة اشتهرت عنها وكانت تدعى بالغضية، فنزلنا القرية التي هي بها فذكر لنا أن عندها شاة تحلب لبنا وعسلا، فاشترينا قدحًا جديدًا لم يوضع فيه شيء،
فمضينا إليها وسلمنا عليها ثم قلنا لها: نريد أن يظهر لنا ما في هذه الشاة. فأُعطيناها فحلبناها في القدح وشربنا، وإذا هو لبن وعسل، فسألناها عن قصة الشاة فقالت: كانت لنا شويهة ونحن قوم ضعفاء فقراء ولم يكن لنا شيء، فحضرنا العيد فقال لي زوجي. وكان صالحا: نذبح الشاة في هذا اليوم. فقلت له: لا تفعل؛ فإنه رخص لنا، واللَّه يعلم حاجتنا إليها. فاتفق أنه استضاف بنا في ذلك اليوم شخص وقد أُمرنا بإكرامه، فأخذ الشاة فذبحها وأراق دمها، وإذا بشاة نزلت إلى البيت فأخبرته وقال: لعل اللَّه أن يكون أبدلنا خيرًا منها. فكانت تلك تحلب اللبن وهذه تحلب اللبن والعسل ببركة إكرامنا الضيف.
ثالثة: عن الشيخ أبي محمد الجريري قال: حضرني باز أشهب فلم أصده، ولي أربعون سنة أنصب حبلي عليه لعلي أظفر به أو بمثله فما ظفرت، قيل لي: يا أبا محمد، وما هو؟ قال: دخل علينا الرباط بعد صلاة العصر شاب مصفر اللون أشعث الرأس حاسره حافي القدمين، فجدد الوضوء وصلى ركعتين ثم جلس ووضع رأسه في جيبه إلى المغرب، فلما صلى معنا المغرب جلس كذلك، وإذا رسول الخليفة يستدعينا في دعوة، فقمت إلى الشاب فقلت له: هل لك أن توافقنا إلى دار الخليفة؟ فقال: لا، ولكني أشتهي عصيدة حارة. فطرحت قوله حيث لم يوافقني والتمس شهوة، وقلت في نفسي: هذا قريب عهد بالطريقة لم يتأدب بعد. وتركته ومضيت إلى دار الخليفة فأكلنا ثم تفرقنا آخر الليل، فلما دخلت الرباط رأيته على تلك الحالة، فجلست على سجادتي ساعة فلهجت عيناي بالنوم، فرأيت كأن جماعة أقبلوا وإذا بقائل يقول: هذا رسول اللَّه والأنبياء كلهم عليهم السلام. فدنوت وسلمت فولى بوجهه عني معرضا، فكررت عليه وهو يعرض عني ولا يجيبني فخفت من ذلك، فقلت: يا رسول اللَّه، ما الذي أذنبت حتى تُعرِض عني بوجهك؟ قال: «فقير من أمتي اشتهى عليك شهوة فتهاونت فيها». فاستيقظت مرعبا وقمت نحو الفقير فلم أجده، وسمعت صوت الباب فخرجت في طلبه فإذا به قد خرج، فناديته: اصبر حتى نحضر شهوتك التي اشتهيت. فالتفت إليَّ وقال: إذا اشتهى فقير عليك شهوة فلا توصلها إليه حتى يشفع إليك مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي فلا حاجة لي بها. ثم تركني ومضى.
حكاية رابعة: قال الشيخ أبو عبد اللَّه الدينوري: دخل عليَّ يوما فقير عليه آثار الصبر، فطالبتني نفسي أن للَّه فيه شيء، فهممت أن أرهن نعلي فمنعتني نفسي من ذلك وقالت: كيف يتم لك طهارة مع الحفاء؟! فهممت أن أرهن ما على رأسي فمنعتني نفسي أيضًا وقالت: تبقى مكشوف الرأس. فجعلت أُراجعها في ذلك فقام الفقير وشدَّ وسطه وأخذ عصاة بيده، ثم التفت إليَّ وقال: يا خسيس الهمة، احفظ منديلك؛ فأنا خارج عنك. قال: فعقدت مع اللَّه أن لا آكل الخبز حتى ألقاه. فقيل: إنه قام بعد ذلك ثلاثين سنة لم يأكله.
ما يكرم الضيف إلا من له كرم … ومن على بابه الأرزاق تقتسم
كرامة الضيف لا تحصى فضائلها … طوبى لقوم على إكرامه عزموا
فإنها سنَّة في الناس ما برحت … فكن بإكرامك الأضياف تلتزم
إن الضيافة بين الناس قد حمدت … وإن فاعلها في قدره عِظَمُ
لا ينفع المال إلَّا من يجود به … وإن كل بخيل ما له قيم
فالمال ينفق إلَّا في مواضعه … ومكرم الضيف تزكوا عنده النعم
فليس أفخر من الطعام ذي سغب … ومن أضرَّ به الإفلاس والعدم
صانع الجود لا شيء يقاس بها … يثني عليك بها الأعراب والعجم
مجلس في فضل الجوع وخشونة العيش
والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرهما من حظوظ النفس وترك الشهوات.
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ؛ أي من بعد النبيين المذكورين في الآية قبلها، ﴿خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ ؛ أي بطنا وفرجا، وهذا عند اقتراب الساعة وذهاب صالحي هذه الأمة، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ؛ أي شرا أو ضلالا عن طريق الجنة، أو وادي بقعر جهنم. وأودية جهنم تستغيث من حرِّه. أُعد للزاني المُصرّ والشارب المُدمن وغيرهما. والخلْف: قوم سوء. وهو بفتح اللام: الصالح. وبالجزم: الطالح. والخلْف بسكون اللام: الرديء من كل شيء. وهم في هذه الآية اليهود ومن لحق بهم، أو في هذه الأمة، ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ تركوها عن مواقيتها. يعني المفروضة. أخَّروها عن مواقيتها وصلُّوها لغير وقتها. وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: ٧٩] إلى قوله: ﴿صَالِحًا﴾. وكانت زينته وجاهة وصورًا حسانًا
ومواكب وزخرفًا وأرجوان. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ . وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ﴾ الآية. فلم يظفر ببغيته كلها، بل بما شاء اللَّه منها أو من غيرها لا غير، أو لا يظفر بشيء أصلا إنما المرزوق من يؤيده اللَّه، أو يظفر بذلك كله ثم يكون عليهم حسرة. ومآل من يريد العاجلة ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] مطرودا من الرحمة، ومريدها من عقدها همته كأكثر الفسقة والغافلين، وقيل: هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة كالمنافق والمُرائي والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة والذكر ونحو ذلك. ولنذكر بعد ذلك أحاديث فيها بيان أهل التقلل من الحظوظ ومسهلات التحقيق، وبيان فوائده ومدح القوت وأن فقده شديد وبلوغه لا مشقة معه، وذم الزيادة عليه والتعريف بنعمة قوت يوم، وفضل الكفاف بأوجه ما يرغب أبناء الدنيا والأخرى. ومرتبة الخصاصة وشرف أهلها وذم الشبع وما ينفر منه ويزجر عنه وحد ما ينبغي أن ينتهي إليه إلَّا شدَّة. وأن البذاذة من الإيمان فالعدول عنه ضلال، وأن كل حال من سعة أو تقتير له حكمة مع القصد في السعة أيضًا وغير ذلك. وجماعها نيف وثلاثون حديثا.
أولها: حديث عائشة قالت: «ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض» . أخرجاه. وفي رواية: «ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بُرٍّ ثلاث ليال تباعا حتى قُبض» . ونفي الشبع لا يثبت الجوع، والوسط هو الاختيار.
ثانيها: حديث عروة عنها أنها كانت تقول : «واللَّه يا ابن أختي إن كُنَّا لننظر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهِلَّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول اللَّه ﷺ نار». قال: قلت: يا خالة، فما كان يُعِيشُكُم؟ قالت: «الأسودان؛ التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول اللَّه ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول اللَّه ﷺ من ألبانها فيسقيناها». أخرجاه. فنفي الشبع في الأول دال على تقلل المأكول، ونفي الاتقاد دال على خشونة العيش.
ثالثها: حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه مَرَّ بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل وقال: «خرج رسول اللَّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع» . الخبر أخرجه البخاري. ومصلية بفتح الميم: أي مشوية. وفيه من المسهلات الاتباع والاقتداء، وفيه روائح ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠].
رابعها: حديث أنس: «لم يأكل رسول اللَّه ﷺ على خوان حتى مات، وما أكل خبزا مرققا حتى مات» . أخرجه البخاري. وفي رواية له: «ولا رأى شاة سميطا بعينه قط» . وفيه مسهل واتباع.
خامسها: حديث النعمان بن بشير قال: «لقد رأيت النبي ﷺ وما يجد من الدَّقَل ما يملأ به بطنه» . أخرجه مسلم، والدقل: تمر رديء. وهو مسهل أيضًا فلا يبقى مالا لغيره ضرورة، فمن العصمة أن لا يجد ولا الدقل.
سادسها: حديث سهل بن سعد: «ما رأى رسول اللَّه ﷺ النقى من حين ابتعثه اللَّه حتى قبضه اللَّه. فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه» . أخرجه البخاري. النقى: الخبز الحواري
وهو الدرمك، وثريناه بالنار وعجناه. وفيه مسهل وهو التعمد عن مخالطة المسرفين مما لا شعور به من نقى وآلة له وأشباه ذلك ما أسهل اجتنابه، بل في كونه يسمى اجتنابا ما فيه.
سابعها: حديث أبي هريرة: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» قالا: الجوع يا رسول اللَّه. قال: «وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا». فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا فقال لها رسول اللَّه ﷺ: «أين فلان؟» قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه ثم قال: الحمد للَّه ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب. فقال: كلوا من هذه. وأخذ المُدْيَةَ، فقال له رسول اللَّه ﷺ: «إياك والحلوب». فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر وعمر: «والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم» أخرجه مسلم. ومعنى يستعذب: يطلب الماء العذب، وهو الطيب. والعَذق بفتح العين واسكان الذال المعجمة وهو الكباسة
وهو الغصن. والمُدْيَةُ. بضم الميم وكسرها: السكين. والحلوب: ذات اللبن. والسؤال عن النعيم سؤال تعديد لا سؤال توبيخ وتعذيب. وفيه من فوائد الجوع ثلاثة؛ معرفة قدر نعمة اللَّه في رزقه، وتعظيم شكره، وإدخال السرور على قلب المَزور وتكثير الأجر له، ووجدان حرقة الجوع وألم المخرج من البيت، فبئس الضجيع. وفي ذلك من انكسار النفس وخضوعها واستصغار الحاجة والفاقة ما يدفع طغيانها ويردها إلى العبودية التامة أعظم رد، ومحال عليها أن تنازع الربوبية في إزارها أو ردائها ونحو ذلك ما ينشبه من عرفان كماله. وهذا الأنصاري الذي لقوه هو الهيثم بن التيهان، كذا جاء في رواية الترمذي وغيره.
وثامنها: حديث خالد بن عمير العدوي قال: «خطبنا عتبة بن غزوان. وكان أميرا على البصرة. فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصُرم وولت حَذَّاء، ولم يبق منها إلَّا صُبَابَة كصُبَابَة الإناء يتصابُّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم؛ فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم فيهوى فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرًا، وواللَّه لتملأنَّ، أفعجبتم؟
ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول اللَّه ﷺ ما لنا طعام إلَّا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتَّزرت بنصفها واتَّزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منَّا أحد إلَّا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ باللَّه أن أكون في نفسي عظيما وعند اللَّه صغيرا، وإنها لم تكن نبوة قط إلَّا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكًا فستخبرون وتجربون
الأمراء بعدنا» . أخرجه مسلم. آذنت. بمد الألف: أعلمت. وقوله: بصُرم؛ هو بضم الصاد المهملة: المنقطعة السريعة. وقوله: يتصابُّها؛ هو بتشديد الباء قبل الهاء، أي يجمعها. والكظيظ: الكثير الممتليء. وقَرِحت: بفتح القاف وكسر الراء، أي صار فيها قروح. وفيه فائدة رابعة وهو ما يشعر به الجوع من معنى، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فلو لم تقرح أشداقهم ما صاروا أُمراء الأمصار، فيصير أهل الفاقة يملكون مفاتيح الخير؛ فالصبر مفتاح الفرج ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ الآية. وللَّه الحمد.
تاسعها: حديث أبي موسى الأشعري قال: «أخرجت لنا عائشة كساء وإزارًا غليظًا، قالت: قُبض رسول اللَّه ﷺ في هذين» أخرجاه. ففائدة تقلل السادات سلوة الضعيف وانجبار المكسور، وقد قال الأئمة: حُرِّمت أواني النقدين لكسر قلوب الفقراء.
عاشرها: حديث سعد بن أبي وقَّاص: «إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل اللَّه، ولقد كنا نغزو مع رسول اللَّه ﷺ ما لنا طعام نأكله إلَّا ورق الحُبْلة وهذا السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خِلْط» أخرجاه. والحُبْلة بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة، وهي والسمر نوعان معروفان من شجر البادية. وفيه أن اعتياد الخشونة تسهل العزبة في طلب محاب اللَّه ومراضيه، وأما الترفه
فاعتياده مضيع لكثرة الخيرات، ومتى تصل الفاقة إلى تقوُّت ورق الحُبْلة والسمر متى يعقد مثله.
الحادي عشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا:»اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا« أخرجاه. أي ما يسد الرمق، قاله أهل اللغة والغريب. أي لا ناقصا عنه ولا زائدا عليه، وهو ترغيب بديع ومدح مُطْر، لا سيما إذا بلغ معه وإذا سألت فأعظم الرغبة فإنه يظهر به البرهان.
الثاني عشر: حديث أبي هريرة قال:»واللَّه الذي لا إله إلَّا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدُّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب اللَّه ما سألته إلَّا ليُشْبعَني، فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب اللَّه ما سألته إلَّا ليُشْبِعَني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: «أبا هِرّ». قلت: لبيك يا رسول اللَّه. قال: «الحق». ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: «من أين هذا اللبن؟» قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة. قال: «أبا هِرّ». قلت: لبيك يا رسول اللَّه. قال: «الحق إلى أهل الصُّفَّة فادعهم لي».
قال: وأهل الصُّفَّة أضياف الإسلام لا يأوُون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصُّفَّة، كنت أحق أنا أن أُصيب من هذا اللبن شَربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن! ولم يكن من طاعة اللَّه وطاعة رسوله ﷺ
بُدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: «يا أبا هرّ». قلت: لبيك يا رسول اللَّه.
قال: «خُذْ فأعطهم». قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرُد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرُد عليَّ القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روى القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليَّ فتبسم فقال: «أبا هِرّ». قلت: لبيك يا رسول اللَّه. قال: «بقيت أنا وأنت». قلت: صدقت يا رسول اللَّه. قال: «اقعد فاشرب». فقعدت فشربت، فقال: «اشرب». فشربت، فما زال يقول: «اشرب» حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. قال: «فأرني». فأعطيته القدح فحمد اللَّه وسمَّى وشرب الفضلة«. أخرجه البخاري وفيه بيان ما يؤدي إليه نقص ذلك من الشدة والألم والذِّلَّة والتعوق عن الخير وأنواع الهلع والمنافسة ونحو ذلك، فأي شدَّة كموجب وضع الكبد على الأرض والاعتماد بها عليها؟! وأي ألم كموجب شدِّ الحجر على البطن؟! وأي ذِلَّة وتشاغل كالقعود على طرق المارة للاستعطاء؟! وأي هلع كقوله: فساءني ذلك؟! وأي منافسة كقوله: كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها؟! فلله دُرَّهُم بصائر مثل هذا من أجل صحبة نبي اللَّه واقتباس دين اللَّه والحرص على مراضي اللَّه. ولقد شكر العظيم له ذلك بجبر كسره ورفع قدره وإعلاء ذكره ورزقه الإمرة مع أنه رضي الله عنهما كان قادرا على الصفق في الأسواق كغيره، لكن آثر الصحبة ولو جرى ما جرى.
الثالث عشر: حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال:»لقد رأيتني وإني لأخرُّ فيما بين منبر رسول اللَّه ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيًّا عليَّ فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون، ما بي إلَّا الجوع«. أخرجه البخاري. وفيه بيان ما هو أشد من ذلك من زوال العقل وسقوط القوى رأسًا.
الرابع عشر: حديث عائشة قالت:»توفي رسول اللَّه ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير" . أخرجاه. وفيه بيان ما يؤدي إليه من الدين
والرهن، والدين عديل الكفر مع تشديدات فيه شهيرة.
الخامس عشر: حديث أنس قال: «رهن رسول اللَّه ﷺ درعه بشعير، ومشيت إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنِخة، ولقد سمعته يقول:»ما أصبح لآل محمد ﷺ إلَّا صاع ولا أمسى، وإنهم لتسعة أبيات«.» أخرجه البخاري. الإهالة. بكسر الهمزة: الشحم الذائب. والسنخة بالنون والخاء المعجمة، وهي المتغيرة. وفيه ما يؤدي إليه من رقة قلوب الأحباب المولهة بحيث يسهل في حبها مواجهة الكبير بخبز الشعير وإهالة سنخة، ولولا عاقبتها المحمودة. كما تقدم. لما حمدت مصابرتها ولا مصابرة واحد من ذلك.
السادس عشر: حديث أبي هريرة قال : «لقد رأيت سبعين من أصحاب الصُّفَّة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته». أخرجه البخاري. وفيه بيان سهولة الأمر مع القوت، فأي محذور نال أصحاب الصفة في فقدهم الأردية بعد أن وجدوا سدادًا من عيش؟
السابع عشر: حديث عائشة قالت: «كان فراش رسول اللَّه ﷺ من أدم وحشوُهُ من ليف» رواه البخاري.
الثامن عشر: حديث ابن عمر: «كنا جلوسا مع رسول اللَّه ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فسلم عليه ثم أدبر الأنصاري، ثم قال رسول اللَّه ﷺ:»يا أخا الأنصار، كيف أخي سعد بن عبادة؟ «فقال: صالح. فقال رسول اللَّه ﷺ:»من يعوده منكم؟ «فقام وقمنا معه ونحن بضعة عشر ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قُمُص ،
نمشي في تلك السِّباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول اللَّه ﷺ وأصحابه الذين معه» أخرجه مسلم. وأي مشقة في فقد النعال وما ذكر معه.
التاسع عشر: حديث عمران بن الحصين مرفوعًا: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». قال عمران: فلا أدري أقال رسول اللَّه ﷺ بعد قرنه مرتين أو ثلاثة. «ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن» أخرجاه. وفيه بيان ما يؤدي إليه الزائد عن القوت من السمن المذموم والمتعب المقرون بما واسطة عقده يخونون ولا يؤتمنون.
العشرون: حديث أبي أمامة مرفوعًا: «يا ابن آدم، إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسك شر لك، ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه بيان ما يؤدي إليه إمساك الفضل الذي هو شرٌّ لابن آدم دينا ودنيا، وما زاد على المهم ملوم عليه ما لم يتقرب به سواء تناولته حتى سمنت أو أمسكته وبخلت به على نفسك وغيرك، ولا تلام على كفاف فهو الحسنة بين السيئتين الغلو والتقصير.
الحادي بعد العشرين: حديث عبيد اللَّه بن محصن الأنصاري والخطمي مرفوعًا: "من أصبح منكم آمنا في سِرْبه معافى في جسده عنده قوت يومه، فكأنما
حيزت له الدنيا» أخرجه الترمذي وحسنه. وسربه. بكسر السين المهملة: نفسه. وقيل: قومه. ويروى بفتح السين؛ أي ملكه وطريقه. قال الجوهري: هو بالفتح: الإبل وما رعى من المال، والإنسان ابن وقته، وهَمّ الغد، عناء الأمن والعافية. وحصول القوت اليومي كحيازة الدنيا كلها؛ إذ مالك الدنيا كلها إنما ينال منها قوته.
الثاني بعد العشرين: حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: «قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافا وقَنَّعه اللَّه بما أعطاه» أخرجه مسلم. ففيه تعريف من حصل له ذلك، فما أعظم ذلك من نعمة، سعادة الدين بإسلامه، والدنيا بكفاية المؤمن وإراحة القناعة لنا له. وما أجمع قوله: «قد أفلح».
الثالث بعد العشرين: حديث فضالة بن عبيد اللَّه الأنصاري مرفوعًا: «طوبى لمن هُدِى للإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع» رواه الترمذي وصححه. فطوبى له: أي ما أطيب عيشه دنيا وأخرى، ولا ترغيب في الكفاف كهذا وإياك والفضول إياك، ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ الآية.
الرابع بعد العشرين: حديث ابن عباس: «كان رسول اللَّه ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير» أخرجه
الترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه أن تأخير الوقت كترك العشاء، ورداءة النوع لا ينافي الكفاف الممدوح.
الخامس بعد العشرين: حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنهما»أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا صلى بالناس تخرُّ رجال من قامتهم في الصلاة من الخصَاصَة وهم أصحاب الصُّفَّة حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين. فإذا صلى رسول اللَّه انصرف إليهم فقال: «لو علمتم ما لكم عند اللَّه لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة»«. رواه الترمذي وصححه. والخصَاصَة: الفاقة والجوع الشديد. وفيه بيان مرتبة الخصاصة المتحمَّلة من أجل اللَّه ومن أعظم شأنها وحب إبهامها فلم يعبر عنها إلَّا بقوله:»لو تعلمون«إلى آخره.
السادس بعد العشرين: من حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا:»ما ملأ آدميٌّ وعاء شرًّا من بطنٍ بحسب ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِهِ« رواه الترمذي وحسنه. وأكلات: أي لُقَم. وفيه ذم الشبع بأبلغ زاجر وأشد محذِّر، وأكثر ما ينبغي الشرّ له ما قسَّمه أثلاثا. وفيه من الإيضاح والحكم ما هو ظاهر عند الفطن.
السابع بعد العشرين: حديث أبي أمامة إياس بن ثعلبة الأنصاري الحارثي قال:»ذكر أصحاب رسول اللَّه ﷺ يوما عنده الدنيا فقال رسول اللَّه ﷺ: «ألا تسمعون ألا تسمعون، إن البَذَاذَةَ من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان» يعني
التقحُّل. أخرجه أبو داود. والبذاذة. بفتح الباء والذالين المعجمتين: رثاثة الهيئة وترك فاخر الثياب. والتقحُّل بالقاف والحاء، قال أهل اللغة: هو الرجل اليابس الجلد من خشونة العيش وترك الترفه. وفيه مدح البذاذة والتعويض بأن التَّرَفُّهَ مجانب للإيمان، وهو كذلك، فطوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد يوم لم يره.
الحديث الثامن بعد العشرين: حديث جابر بن عبد اللَّه قال: «بعثنا رسول اللَّه ﷺ وأمَّر علينا أبا عبيدة نتلقَّى عير قريش وزوَّدنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمَصُّها كما يَمَصُّ الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصيِّنا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله. قال: وانطلقنا إلى ساحل البحر. . . فذكر قصة العنبر الذي أكلوا منه وتزودوا» أخرجه مسلم. والجِراب بكسر الجيم أفصح من فتحها. ونمَصُّها بفتح الميم، والخَبَطُ: ورق معروف. وفيه معرفة قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآية. فأبو عبيدة لما قدِرَ عليه رزقه صرفه تمرة تمرة فمضت، ولما وُسِّعَ عليهم بالعنبر أكلوا منه حتى سمنوا وتزودوا، فالتقلل مراتب ولكل مرتبة أحوال تناسبها.
الحديث التاسع بعد العشرين: حديث أسماء بنت يزيد قالت: «كان كُمُّ رسول اللَّه ﷺ إلى الرُّصْغِ» رواه أبو داود والترمذي وحسنه. والرُّصغ بالصاد. وهو بالسين أيضا: المفصل بين الكف والساعد. فالقصد في الفقر والغنى مطلوب لا في
الفقر وحده كان له إلى رصغه اقتصاد لا عجز.
الحديث الثلاثون: حديث جابر في حفر الخندق قال: «إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدْيَةٌ شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال:»أنا نازل«ثم قام وبطنه معصوب، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا. ثم ذكر قصة طحن الشعير وذبح العناق وأكل الخندق وهي على حالها» أخرجاه بطوله. والكُدْيَةُ: صلبة لا يعمل فيها الناس. وفيه بيان بركة حرهم ثلاثا ولم يذوقوا ذواقا، فمنها الرزق الكافي من حيث لا يحتسب كما أجزأه على يد جابر وقلب قلبه إليه، ومنها خرق العادة وتكثير القليل وإظهار الكرامة الغريبة.
الحديث الحادي بعد الثلاثين: حديث أنس قال: «قال أبو طلحة لأم سليم: قد سمعت صوت رسول اللَّه ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع. وفي رواية: عصب بطنه بعصابة من الجوع. فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير ثم عصرت عليه عكة فآدمته، وقال فيه رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يقول، فأكل منه عشرة عشرة حتى أكلوا أجمع والقوم سبعون رجلا أو ثمانون ولم ينقص» أخرجاه بطوله. وفي رواية قالت: عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول اللَّه وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قَلَّ عنهم. . . وساق الحديث. وفيه من الأعلام ما لا يخفى.
مجلس في القناعة والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ فالرزق مضمون، والضامن مكَّن. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وفيها مقتضى الآية السالفة ولازمه، فإذا فقد فالإجمال في الطلب لا يسألون الناس إلحافا وإذا وجدوا الاقتصاد، إذ الإسراف مذموم ولعله يكون سببًا لقطع أو لا يخلفه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ والتنفير ذمَّه سبحانه وتعالى؛ فإنه الجواد الماجد ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ قلت: وذلك الحسنة بين السيئتين. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى النفس» أخرجاه. والعَرَضُ - بفتح العين والراء: المال.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه اللَّه بما آتاه» أخرجه مسلم، وقد سلف فيما مضى.
وروينا من حديث حكيم بن حِزام رضي الله عنهما قال: «سألت رسول اللَّه ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال:»يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى«. قال حكيم: فقلت: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك حتى أُفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين، أُشهدكم على حكيم أني أعرض عليه حقه الذي قسمه اللَّه له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول اللَّه ﷺ حتى توفي» أخرجاه. ويرزأ. براء ثم زاي ثم همزة: أي لم يأخذ من أحد شيئًا. وأصل الرزء النقصان، أي لم ينقص أحدا شيئًا بالأخذ منه. وإشراف النفس تطلُّعها وطمعها بالشيء، وسخاوة النفس هي عدم الإشراف إلى الشيء والطمع فيه والمبالاة فيه والشدة.
وروينا من حديث أبي يزيد عن أبي موسى الأشعري قال: «خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدمي وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخِرَق فسميت غزوة ذات الرِّقاع لما كنا نُعصِّب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره؟! قال: كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه» أخرجاه .
وروينا من حديث عمرو بن تغلب أن رسول اللَّه ﷺ أُتِيَ بمال أو شيء فقسمه فأعطى رجالا وترك رجالا، فبلغه أن الذي ترك عتبوا، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، فواللَّه إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطى، ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأَكِل أقواما إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب». فواللَّه ما أحب أن لي بكلمة رسول اللَّه حُمر النعم« أخرجه البخاري. والهلع: هو أشد الجزع، وقيل: هو الضجر.
وروينا من حديث حكيم بن حِزام مرفوعًا:»اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يُعفه اللَّه ومن يستغن يُغنه اللَّه« أخرجاه، والسياق للبخاري.
وروينا عن معاوية مرفوعًا: «لا تُلْحِفوا في المسألة؛ فواللَّه لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألتُهُ مني شيئًا وأنا له كاره فيبارك له فيه فيما أعطيته» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: «كنا عند رسول اللَّه تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال:»ألا تبايعون رسول اللَّه؟ «وكنا حديثي عهد ببيعته، فقلنا: قد بايعناك يا رسول اللَّه. ثم قال:»ألا تبايعون رسول اللَّه؟ «فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول اللَّه، فعلام نبايعك؟ قال:»على أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا. وأسرَّ كلمة خفية. ولا تسألوا الناس شيئًا«. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى اللَّه تعالى وليس في وجهه مُزْعَةُ لحم» أخرجاه. المُزْعَةُ - بضم الميم وإسكان الزاي ثم عين مهملة: القطعة.
وروينا عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة «واليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا، فليستقل وليستكثر» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث سمرة مرفوعًا: «إن المسألة كدٌّ يكُدُّ بها الرجل وجهه إلَّا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. والكدُّ: الخدش ونحوه.
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها باللَّه فيوشك اللَّه له برزق عاجل وآجل» رواه أبو داود والترمذي وحسنه. يوشِك. بكسر الشين: أي يُسرع.
وروينا من حديث ثوبان مرفوعًا: «من يكفُل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأتكفَّل له بالجنة؟» فقلت: أنا. فكان لا يسأل أحدا شيئًا رواه أبو داود بإسناد صحيح. وروينا من حديث قبيصة بن المخارق قال: «تحملت حمالة فأتيت رسول اللَّه أسأله فيها، فقال:»قُم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بهذا«. ثم قال:»يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلَّا لأحد ثلاثة؛ رجل تحمَّل حَمَالة فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يُصيب قواما من عيش -أو قال: سدادا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة. فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة سُحْتًا يأكلها صاحبها سحتا" أخرجه مسلم. الحَمَالة. بفتح الحاء: ما يتحمله ويلتزمه على نفسه.
والجائحة: الآفة تصيب مال الإنسان. والقوام: ما يقوم في أمر الإنسان من مال ونحوه. والسِّداد. بكسر السين: ما يسُدُّ حاجة المعوز ويكفيه. والفاقة: الفقر. والحجا: العقل .
وروينا عن أبي هريرة مرفوعًا: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يُغْنيه ولا يُفْطَنُ له فيُتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس» أخرجاه.
مجلس في جواز الأخذ من غير مسألة ولا تطلع إليه
روينا من حديث سالم عن أبيه عن جده قال : «كان رسول اللَّه ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر مني إليه. فقال:»خذه، إذا جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله، فإن شئت فكله وإن شئت تصدق به، وما لا فلا تُتْبعه نفسك«. قال سالم: فكان عبد اللَّه لا يسأل أحدًا شيئًا ولا رَدَّ شيئًا أُعْطيه» أخرجاه. مُشْرف. بالشين المعجمة: أي متطلع عليه.
مجلس في الحث على الأكل من عمل يده والتعفف به عن السؤال والتعرض للإعطاء
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ .
وروينا من حديث الزبير بن العوام مرفوعًا: «لأن يأخذ أحدكم حَبْلَه ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف اللَّه بها وجهه خير من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» أخرجه البخاري.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه» أخرجاه. وعنه مرفوعًا: «كان داود ﷺ لا يأكل إلَّا من عمل يده» أخرجه البخاري. وعنه مرفوعًا: «كان زكريا نجَّارًا» أخرجه
مسلم. وعن المقداد بن معدي كرب موفوعًا: «ما أكل أحد طعاما قَطُّ خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي اللَّه داود كان يأكل من عمل يده» أخرجه البخاري.
مجلس في التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به
قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي في نعيم الأبرار والنضرة والرحيق المختوم، فيتنافس فيه أولوا الجد.
وروينا من حديث سهل بن سعد: «أن رسول اللَّه ﷺ أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام:»أتأذن لي أن أُعطي هؤلاء؟ «فقال الغلام: واللَّه يا رسول اللَّه لا أُوثر بنصيبي منك أحدا. فتلَّهُ رسول اللَّه ﷺ في يده» أخرجاه. تلَّهُ. بالتاء المثناة فوق: وضعه. وهذا الغلام هو ابن عباس رضي الله عنهما وفيه المنافسة في السؤر النبوي، ولهذا بادر باليمين وبقوله: لا أوثر بنصيبي منك. وهو لائح في عظم الهبة والتوقير.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «بينما أيوب ﷺ يغتسل عُرْيانًا فخرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه. عز وجل: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غِنَا بي عن بركتك» أخرجه
البخاري. وهو لائح في الاستكثار مما يتبرك به، ووجه التبرك به أنه حديث عهد بربه، وكان ﷺ إذا رأى الباكورة من التمر قال: «اللهم بارك لنا في كذا وكذا». إلى قوله: «اللهم أريتنا أوله فأرنا آخره». (ذهب ترى ذهب الجنة) وصح أنه ﷺ قال في زمزم: «إنها بركة، إنها طعام طُعم وشفاء سُقم». والذهب كذلك فكان مباركا، وقد قال تعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ وهو من إتيانه كماله بركة، وكان ذلك في حق هذا النبي الكريم كرامة والكرامات يتبرك بها، وقد قيل: إن طلب نبينا. عليه أفضل الصلاة والسلام. من غنم الرقية ولحم العنبر كان للتبرك.
فصل في فضل الغني الشاكر
وهو من أخذ المال من وجهه وصدقه في وجوهه المأمور بها. قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ وهذا وعد إما بالخيرات وإما بالجنة. وقال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴾ الآية. فيتجنب النار ويُعطى حتى يرضى من خير الدين والدنيا والأخرى. وقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية. وفيها إرشاد إلى وجوه الإعطاء من الإبداء والإخفاء وإلى ما يسهل
وجه اللَّه من غير رياء ولا سمعة فلا أراد جزاءً ولا شكورًا، وهو الإخفاء والإبداء للفقراء، وخير الإخفاء جليا لا يخفى.
وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ والآيات في فضل الإنفاق في الطاعات كثيرة معلومة.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا حسد إلَّا في اثنتين رجل آتاه اللَّه مالًا فسلطه على هلكته في الحق؛ ورجل آتاه اللَّه حكمة فهو يقضي بها ويُعلِّمُها» أخرجاه. وسلف شرحه قريبا، فمن اتصف بذلك فهو محمود إن حصل على النعمة التامة الحقيقية، وكل ذي نعمة محسود عليها، فيا طرباه دنيا وأخرى.
وروينا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». أخرجاه والآناء: الساعات، فقضى بذلك على نفسه وغيره وعلَّمه لإخوانه.
وروينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:»أن فقراء المهاجرين أتوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العُلى والنعيم المقيم. فقال: «وما ذاك؟» فقالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق . فقال رسول اللَّه ﷺ: «أفلا أُعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلَّا من صنع مثل ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: «تسبحون وتكبرون وتحمدون دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة». فرجع المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول اللَّه ﷺ: «ذلك فضل اللَّه يُؤتيه من يشاء». أخرجاه والسياق لمسلم. والدُّثُور: الأموال الكثيرة. وإنما ذهبوا بذلك لقيامهم بالتعظيم لأمر اللَّه صلاة وصيامًا وتسبيحًا وحمدًا، وبالشفقة على خلق اللَّه تصدقًا وإعتاقًا. وقد أقر عليه الشارع أولًا وصرَّح به آخرًا؛ إذ قال: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء» وغير بعيد مع ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فإنه يؤتيكم ذلك. وحاصل الأحاديث بيان أن الغني الشاكر أهل فضل اللَّه العظيم، وأنه يرتفع فيه أبصار الخلائق حتى يحسد حقا فما أعم نفعه وأحمد جميعه.
مجلس في الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقة باللَّه
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
وروينا في الصحيحين من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل آتاه اللَّه مالًا فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلَّمُها» فالمراد بالحسد هنا: الغبطة؛ أي لا يغبط أحد إلَّا على إحدى هاتين الخَصلتين.
وروينا في صحيح البخاري من حديثه أيضًا مرفوعًا: «أيُّكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول اللَّه، ما منا أحد إلَّا ماله أحب إليه. قال: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخَّر»
وروينا فيهما أيضًا من حديث جابر قال: «ما سئل رسول اللَّه ﷺ شيئًا قط فقال: لا» .
وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلَّا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط
ممسكًا تلفًا«.
وروينا فيهما أيضًا من حديث ابن عمرو:»أن رجلًا سأل رسول اللَّه ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: «تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» .
وروينا في صحيح البخاري عنه مرفوعًا: «أربعون خصلة -أعلاهن منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعدها إلَّا أدخله اللَّه تعالى بها الجنة» وقد سلف بيانه في كثرة طرق الخير.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شرٌّ لك، ولا تُلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» .
وروينا فيهما من حديث أنس قال: «ما سُئل رسول اللَّه على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه، وقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلَّا الدنيا فما يلبث إلَّا يسيرًا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» .
وروينا فيه أيضًا من حديث عمر قال: «قسم رسول اللَّه ﷺ قسما، فقلنا: يا رسول اللَّه، لَغير هؤلاء كانوا أحق به منهم. قال:»إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يُبَخِّلُوني ولست بباخل«» .
وروينا في صحيح البخاري من حديث جبير بن مطعم: «بينما أنا أسير مع رسول اللَّه ﷺ مُقْفلَة من حنين فعلقوه الأعراب حتى اضطروا إلى سمرة فخَطفت رداءه، فوقف رسول اللَّه ﷺ فقال:»اعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاة غنما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذَّابًا ولا جبانًا«» . مقفلة: أي حال رجوعه. والسمرة: شجرة العضاة، شجر له شوك.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما نقصت صدقة من مال ولا زاد اللَّه عبدًا بعفو إلَّا عِزًّا، وما تواضع أحد للَّه إلَّا رفعه اللَّه» .
وروينا في جامع الترمذي. وقال: حسن صحيح. من حديث أبي كبشة عمر بن سعد الأنماري مرفوعًا: «ثلاثة أقسم اللَّه عليهم وأُحدِّثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلم عبد مظلمة إلَّا صبر عليها إلَّا زاده اللَّه عِزًّا، ولا فتح عبد باب مسألة إلَّا فتح اللَّه عليه باب فقر - أو كلمة نحوها». «وأحدثكم حديثا فاحفظوه»، قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر؛ عبد رزقه اللَّه مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم للَّه فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه اللَّه علمًا ولم يرزقه مالًا وهو
صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان. وهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه اللَّه مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم للَّه فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان. فهو بنيته فوزرهما سواء«.
وروينا فيه أيضًا مصححًا من حديث عائشة أنهم ذبحوا شاة فقال ﷺ:»ما بقي منها؟ «قالت:»ما بقي إلَّا كتفها«. قال:»بقي كلها غير كتفها« أي بقيت لنا في الآخرة إلَّا كتفها، فالمعنى: تصدقوا بها إلَّا كتفها.
وروينا في الصحيحين من حديث أسماء بنت الصديق:»قال لي رسول اللَّه ﷺ: «لا توكي فيوكى عليك» . وفي رواية لهما: «أنفقي وانفحي وانضحي، ولا تحصي فيُحص اللَّه عليك، ولا توعي فيوعي اللَّه عليك» . وانفحي بالحاء المهملة بمعنى: أنفقي. وكذا انضحي.
وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا : «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلَّا سبغت. أو وفرت. على جلده حتى تخفى بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلَّا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع». الجبة: الدرع. ومعناه: أن المنفق كلما أنفق سبغت وطالت حتى تجر وراءه وتخفي رجليه وأثر مشيه وخطواته.
وروينا فيهما أيضًا من حديثه مرفوعًا: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب.
ولا يقبل اللَّه إلَّا الطيب. فإن اللَّه يتقبلها بيمينه ثم يُربِّيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فلُوُّه حتى يكون مثل الجبل» . والفَلُوُّ بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو، ويقال أيضًا بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو، وهو المُهْرُ.
وروينا في صحيح مسلم عنه مرفوعًا: «بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحَّى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرَّة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يُحَوِّل الماء بمِسْحاتِهِ فقال له: يا عبد اللَّه، ما اسمك؟ قال: فلان. للإسم الذي سمع في السحاب، فقال له: يا عبد اللَّه، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثًا وأردُّ فيه ثُلُثه» . الحرَّة: أرض بها حجارة سود. والشرجة. بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء وبالجيم: مسيل الماء .
فصل في النهي عن البخل والشُّحِّ
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴾ الآية. وقال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الآية. وتقدمت جملة من الأحاديث في الباب السابق.
وروينا في صحيح مسلم من حديث جابر : «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم». قلت: ولا أفحش منهما .
فصل في الورع وترك الشبهات
قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ وفيهما (استفاف) والمتساهل عن تساهله قرب موبقات تُرى أدق من الشعر ورُبَّ شرارة أضرمت نارًا على بلد كبير، إن الأمور صغيرها مما يهيج به العظيم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ فإن كان بذلك فقد ينزل به سخطه بأمر لا يلقى له بالا ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ .
وروينا من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن الحلال بيِّن والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحِمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى اللَّه محارمه، ألا وإن في الجسد مُضْغَة إذا صلُحَت صلُحَ الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» أخرجاه من طرق بألفاظ متقاربة، وهو من أعظم المرغبات في الورع وذكر فوائده العظيمة الشأن، وهو الاستبراء للدين والعرض. وناهيك بأمر يحصل
الوجاهة عند اللَّه وعند الناس، وإن شئت قلت تطييب السريرة وتحسين السيرة، أو يحيي القلب وينوِّره ويصرف العرض ويطهره، وفيه بيان حقيقة الورع وأنه ليس إلَّا اتقاء الشبهات . وتسمية اتقاء المحارم ورعاء حق، ولكن العرف خصَّ اسم المحارم باسم التقى وترك الشبهات باسم الورع وترك ما لا بأس به أو ما لا يعني، إنما سمِّي ورعا لاشتباهه بمخوف العاقبة. وفيه أيضا: التحذير من تركه بذكر آفة التساهل، وهو الوقوع في الحرام إما لتمرينه على التساهل وإما لمصادفة للحرام. فمن الشبهات كما في تمثيله بالرَّاعي يرعى حول الحمى على أنه يحتمل الأول أيضا.
وروينا من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ وجد تمرة في الطريق فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» أخرجاه. وفيه مرغب أخر وهو فعل الشارع له فيتجنب ما جهل إباحته.
وروينا من حديث النَّوَّاس بن سمعان رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «البرُّ حسن الخُلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» أخرجه مسلم. حَاكَ بالحاء المهملة والكاف: أي تردد فيه.
وروينا من حديث وابصة بن معبد رضي الله عنهما قال: «أتيت رسول اللَّه ﷺ فقال:»جئتَ تسأل عن البرّ؟ «قلت: نعم. قال:»استفت قلبك، البرُّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك«» رواه أحمد والدارمي في مسنديهما. وهو من مجاري الورع كالذي
قبله، وهو ما لم تطمئن إليه النفس ولا يخرجه عن ذلك الإفتاء بالحل، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾.
وروينا من حديث أبي سِروعة. بكسر السين المهملة. عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني أرضعت عقبة والتي تزوج بها. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رسول اللَّه بالمدينة فسأله فقال رسول اللَّه: «كيف وقد قيل؟» ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره أخرجه البخاري.
وفيه نوع آخر من مجاريه، وهو ما أخبر بتحريمه من لم يكف قوله في التحريم.
وروينا من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول اللَّه ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يُريبك» أخرجه الترمذي وحسَّنه. أي اترك ما تشك فيه وخذ ما لا تشك فيه، وهذا نوع آخر منه وهو ما يريب الإنسان ويشك فيه، والريب أشد من مجرد التردد.
وروينا من حديث عائشة قالت: «كان لأبي بكر الصديق غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أُحسن الكهانة إلَّا أني خدعته، فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه» أخرجه البخاري.
والخراج: شيء يجعله السيد على عبده يؤديه إلى السيد كل يوم، وباقي كسبه يكون للعبد. وهذا نوع آخر وهو ما به استدراك السُّحت المتناول من غير علم، وهو من المطعوم ونحوه.
وروينا من حديث نافع عن عمر بن الخطاب: «أنه فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته؟ فقال: إنما هاجر به أبوه. يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه» أخرجه البخاري. وفيه تنبيه على أن المتورع عنه أنواع، منها: تفاوت العطاء بحسب تفاوت الاستحقاق تورعًا من التسوية.
وروينا من حديث عطية بن عروة السعدي الصحابي مرفوعًا: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس» أخرجه الترمذي وحسنه. وفيه بيان تفاوت درجات الورع، وأشد من اتقاء الشبهات اتقاء ما لا بأس به حذرًا مما به بأس.
مجلس في استحباب العزلة عند فساد الزمان أو الخوف من فتنة في الدين ووقوع في حرام وشبهات ونحوها
قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ أي: فِرُّوا من المعاصي إلى محبته ومراضيه، أو مما سواه إليه، أو مما لم يكن إلى من لم يزل.
وروينا من حديث سعد بن أبي وقَّاص مرفوعًا:»إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي« أخرجه مسلم.
والمراد بالغنى غنى النفس كما سبق في الحديث الصحيح.
وفيه من خواص العزلة والاختفاء وعموم الذكر محبة اللَّه لمن اتصف بذلك، وناهيك بذلك.
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري قال:»قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول اللَّه؟ قال: «رجل يُجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه». قال: ثم من؟ قال: «رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه». وفي رواية: «يتقي اللَّه ويدع الناس من شره»« أخرجاه.
وفيه: أن المعتزل في شعب أفضل الناس. وفيه ثلاث فوائد للعزلة: عبادة الرب
تعالى، ولا شك أن الفراغ من كل شاغل عن الخير مُيَسِّر للخير وأن التفرد عن الخلق أبعد عن الرياء وأعون على الإخلاص. والفائدة الثانية: تقوى اللَّه، ولا شك أن كثيرًا من المعاصي تتعذر في العزلة فكانت مَطِيَّة التقى. وثالثها: ويدع الناس من شره، وإنها لفائدة جليلة وصدقة جزيلة. وفيه أحد مواطن العزلة وهو شعب من الشعاب، ولزوم البيت قريب منه.
وروينا عنه مرفوعًا: «يُوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» أخرجه البخاري. وشعف الجبال أعلاها. وفيه فائدة أخرى للعزلة وهو الفرار بدينه من الفتن، وكان الغنم خير المال لإعانتها على أشرف الخلال، وقد اعتزل أبو ذر السَّادات ونزل الربذة، فما ظنك بزماننا الخلف وكثرة الأراذل والسفلة.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما بعث اللَّه نبيا إلَّا رعى الغنم». فقال أصحابه: وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» أخرجه البخاري. قلت: فليُقتُدَ بهم. وكان أويس يرعى إبل قومه نحليًا وتكسُّبًا.
وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: «من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل اللَّه يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانَّهُ ، أو رجل في غُنيمة في رأس شَعَفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلَّا
في خير» أخرجه مسلم. يطير: أي يسرع. ومتنه: ظهره. والهيعة: الصوت للحرب. والفزعة نحوه، ومَظَانُّ الشيء: المواضع التي يظن وجوده فيها. والغُنيمة بضم الغين: تصغير الغنم. والشَعَفة بفتح الشين والعين: أعلى الجبل. وفيه مدح العزلة مطلقًا، وفيه أنه ليس من الناس إلَّا في خير كما جمعه هذا الحديث، وهو من جوامع كلمه.
فصل في الاختلاط بالناس وحضور جُمَعِهم وجماعاتهم ومشاهد الخير ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم وغير ذلك من مصالحهم، لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء والصبر على الأذى
هذا الذي كان عليه الشارع والأنبياء والخلفاء ومن بعدهم من العلماء وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ والآيات في معنى ذلك كثيرة معلومة.
مجلس في تحريم الكبر والإعجاب
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي يميله ويعرض عن الناس تكبرًا عليهم، والمرح: التبختر. وقال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١].
وروينا من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبُه حسنًا ونعله حسنةً. قال: «إن اللَّه جميل يحب الجمال ، الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس» أخرجه مسلم .
بَطَرُ الحق: دفعه ورده على قائله. وغَمْطُ الناس: احتقارهم.
وأول من تكبر ذلك اللعين.
وروينا من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنهما: «أن رجلًا أكل عند رسول اللَّه ﷺ بشماله فقال:»كُلْ بيمينك«قال: لا أستطيع. قال:»لا استطعت«ما منعه إلَّا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه» أخرجه مسلم. ومن جملة قبائحه إيقاعه في الكذب بنحو لا أستطيع (لا جد) ما عقبه دعاء من لا يُرَدُّ بقوله: «لا استطعت».
وروينا من حديث حارثة بن وهب مرفوعًا: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عُتُلٍّ جوَّاظ مستكبر» وستعلم شرحه في باب ضعفة المسلمين. وما أعظم هذا النداء، وفيه شمول لنار الدنيا والأخرى الروحانية والجثمانية.
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «احتجَّت الجنة والنار، قالت النار: فِيَّ الجبَّارون والمتكبرون. وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس وسقطُهُم فقضى اللَّه بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أُعذِّب بك ما أشاء، ولكليهما عليَّ مِلؤُها» أخرجه مسلم، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا ينظر اللَّه يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بَطَرًا» أخرجاه. وما أشد هذا الحرمان وإنه لنقيض قصده.
وروينا من حديثه مرفوعًا: «ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم؛ شيخ زَانٍ وملك كذَّاب وعائل مستكبر» أخرجه مسلم. والعائل: الفقير. وما أشد من اجتمع عليه هؤلاء الثلاثة لا سيما كلام محبوبه. وفيه أن الكبر قد يفحش ببعض (محاله) فإنه لأشد قبحا بالعائل المتكبر.
وروينا عنه مرفوعًا: «العزُّ إزاره والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذَّبته» أخرجه مسلم. وأي مصيبة أعظم ممن ينازع رب الأرباب في ذلك وهو من طين وماء مهين، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، وإن تعذيبه لأقل جزائه.
وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: «بينما رجل يمشي في حُلَّة يعجب نفسه مُرجِّل رأسه يختال في مشيته إذ خسف اللَّه به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» أخرجاه. مُرجِّل: ممشِّط. ويتجلجل تحتهن: يغوص وينزل. وفيه أبلغ الحذر من الإعجاب بالنفس وإن لم يكن كالكبر.
وروينا من حديث سلمة بن الأكوع مرفوعًا: «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتب في الجبَّارين فيصيبه ما أصابهم» رواه الترمذي وحسَّنه. ويذهب: يرتفع ويتكبر، وفيه التحذير من البوادي المؤدية إلى الإعجاب.
مجلس في حُسن الخُلق
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ وفيها استعظام خلقه ومدحه. وقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ الآية. وفيها تفاصيل حرمات الأخلاق وإطلاق الإحسان واستدراك الهفوات.
وروينا عن ابن المبارك فيما حكاه عنه الترمذي أن حُسن الخُلق طلاقة الوجه وبذل المعروف وكف الأذى.
وروينا من حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس خُلُقًا» أخرجاه. فحسن الخلق من سمته، فقصبات السبق حازها، وأي مُرغِّب للألبَّاء في رفقة من هذا صفته.
وروينا من حديثه أيضا: «ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول اللَّه ﷺ ولا شممت رائحة أطيب من رائحة رسول اللَّه، ولقد خدمت رسول اللَّه ﷺ عشر سنين فما قال قط: أُفٍّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا». أخرجاه وما أحسن هذا الخَلق والخُلق.
وروينا من حديث الصعب بن جَثَّامة قال:»أهديت إلى رسول اللَّه ﷺ حمارا وحشيًّا فردَّه عليَّ، فلما رأى ما في وجهي قال: «إنَّا لم نَرُدَّهُ عليك إلَّا أنا حُرُم»« أخرجاه. وما أحسن هذا الاعتذار وألطفه.
وروينا من حديث النواس بن سمعان قال:»سألت رسول اللَّه ﷺ عن البر والإثم فقال: «البرُّ حُسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس» أخرجه مسلم. فبذل المعروف بطلاقة الوجه لا أهم منه بعد كفِّ الأذى وتلافيه.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: «لم يكن رسول اللَّه ﷺ فاحشًا ولا مُتَفحِّشًا، وكان يقول:»إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا« أخرجاه. وإنما لم يكن كذلك لأن اللَّه تعالى يبغض الفاحش البذيء كما سيأتي.
وروينا من حديث أبي الدرداء مرفوعًا:»ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن اللَّه يبغض الفاحش البذيء« أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. والبذيء هو الذي يتكلم بالفحش ورديء الكلام، وفيه بيان رتبة الخُلق الحَسن وأنه أرجح من كل محبوب.
وروينا من حديث أبي هريرة:»سُئل رسول اللَّه ﷺ عن أكثر ما يُدخل الجنة، قال: «تقوى اللَّه وحُسن الخلق» وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: "الفم
والفرج» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا عنه مرفوعًا: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقًا، وخياركم خياركم لنسائهم» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. فيه قوة الإيمان ودرجاته متفاوتة كدرجات الإيمان، وفرق بين قولنا الأكمل إيمانا أحسن خُلقا وعكسه كما هو ظاهر من قولنا: أشد الناس شبعا أكثرهم أكلا وعكسه.
وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» رواه أبو داود. وفيه من الجواذب إليه تعريف الحريص على الخير.
وروينا من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة لمن ترك المِراء وإن كان مُحقًّا وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلا الجنة لمن حسُن خلقه» رواه أبو داود بإسناد صحيح. والزعيم: الضامن.
وروينا من حديث جابر مرفوعًا: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم منِّي مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثَّرْثَارون والمتشدِّقون والمُتَفَيْهِقُون» قالوا: يا رسول اللَّه، قد علمنا الثَّرثارون والمتشدِّقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون» رواه الترمذي وحسنه. والثرثار هو كثير الكلام تَكَلُّفًا، والمتشدق: المتطاول على الناس بكلام، ويتكلم بملئ فيه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه. والمتفيهقون: أصله من الفهق وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فاه بالكلام ويتوسع فيه ويُغرِب به تكبرًا وارتفاعًا وإظهارًا للفضيلة على غيره وبالمحبة السابقة والقرب من فوز وقرة عين.
مجلس في الحلم والأناة والرفق
قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهذا من صفات أهل الجنة. وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ . وإذا طُلب هذا من سيد الكاملين فكيف من أحاد الناقصين. وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. والدفع بذلك بحسم مادة العداوة يُريح من عمومها عاجلًا وآجلًا. وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ فهما من عزم الأمور فلا مندوحة عنه لذي عقل، فأعظم بأمر لأهل الجنة والكمال المقرب من اللَّه تعالى فالراحة العاجلة والرأي السديد.
وروينا من حديث ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه: الحلم والأناة» أخرجه مسلم. وكفى بذلك شرفًا له.
وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: «إن اللَّه رفيق يحب الرفق في الأمر كله»
أخرجاه. فهو من صفاته وما أجلَّها.
وروينا من حديثهما أيضًا مرفوعًا:»إن اللَّه رفيق يحب الرِّفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العُنف وما لا يعطي على ما سواه« أخرجه مسلم. فكل أمر لا يوصل إليه العنف أو يوصل إليه بشدة فاللَّه تعالى يجعل الرفق موصلًا إليه، أتم إيصال وأجمله.
وروينا عنها أيضًا مرفوعًا:»إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزَع من شيء إلا شانه« أخرجه مسلم أيضا. وأين الزين من الشين.
وروينا من حديث أبي هريرة قال:»بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ: «دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلًا من ماء أو ذَنُوبا من ماء، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا مُعسِّرين» أخرجه البخاري. السَّجْل بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: الدَّلو الممتلئة ماء، كذلك الذنوب. وفيه بيان محل الرفق وصفته، فمحله أولا المنكرات وتغييرها، وصفته نحو «دعوه»، وتلافي ما وقع نحو «أريقوا»، وإسماعه نحو «فإنما بُعثتم ميسرين» فإنه آنس له ما زجر.
وروينا من حديث أنس مرفوعًا: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا» أخرجاه، وهو بيان لصفة الرفق.
وروينا من حديث جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا: «من يُحرم الرفق يُحرم الخير كله» أخرجه مسلم. وهو منفر لتركه، وأكده بقوله: كله.
وروينا من حديث أبي هريرة أن رجلا قال للنبي ﷺ: أوصني. قال: "لا
تغضب». فردَّدَ مرارا، قال: «لا تغضب» أخرجه البخاري. والغضب مانع من الحلم والرفق.
وروينا من حديث أبي يعلى شداد بن أوس مرفوعًا: «إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته» أخرجه مسلم. وفيه ما يسهل التخلق بالحلم والأناة فيحصل المقصود من غير كلفة.
وروينا من حديث عائشة: «ما خُيِّر رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلَّا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللَّه ﷺ لنفسه في شيء قط إلَّا أن تُنتهك حُرمة اللَّه فينتقم للَّه تعالى» أخرجاه. فينبغي الاقتداء به في ذلك فنعم الأسوة.
وروينا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «ألا أُخبرُكُم بمن يحرم على النار أو بمن تَحْرُمُ عليه النار؟ تَحرُمُ على كل قريب لين سهل» رواه الترمذي وحسَّنه. وفيه ما يصرف مقتضى الحلم والرفق، وأمر بما يحرم صاحبه على النار ليصابر ويستديم.
مجلس في العفو والإعراض عن الجاهلين
قال اللَّه تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ وإذا كان هذا الأمر لأقرب الخلق لديه وأكرمهم عليه وأحبهم إليه فما ظنُّك بغيره؟ وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ وهو كالتفسير للإعراض، والمراد بالجميل الذي لا جزع فيه ولا عتب ولا كظم بل بحلم وسماح. وقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فمن عفا وصفح غُفر له وجزاه وِفاقًا.
وقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: ٤٣]. أي فذلك شأن أهل العزم والكمال. والآيات في الباب كثيرة معلومة.
وروينا من حديث عائشة أنها قالت للنبي ﷺ: «هل أتى عليك يوم أشد من يوم أُحد؟ قال:»لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم
على وجهي فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﷺ فناداني فقال: إن اللَّه قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ ثم قال: يا محمد، إن اللَّه قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشَبين. فقال ﷺ: «بل أرجو أن يُخْرِج اللَّه من أصلابهم من يعبد اللَّه وحده لا يشرك به شيئًا» أخرجاه.
الأخشبان: الجبلان المحيطان بمكة، والأخشب هو الجبل الغليظ. وفيه: أن أهل العفو والمتصف به سادة الأنبياء وهم أرفع الناس قدرًا وأعلاهم همة وأوفرهم كمالًا وأكرمهم طبعًا وأعزهم نفسا وأشرفهم رتبة، فطوبى لمن سلك سبيلهم واقتفى مآثرهم، والإعراض عن الكف في ذلك العظيم.
وروينا من حديثها أيضا: «ما ضرب رسول اللَّه ﷺ شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلَّا أن يجاهد في سبيل اللَّه، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلَّا أن يُنتهك شيء من محارم اللَّه تعالى فينتقم للَّه تعالى» أخرجه مسلم. وما أحسن هذا الخلق العظيم.
وروينا من حديث أنس رضي الله عنه قال: «كنت أمشى مع رسول اللَّه ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق رسول اللَّه ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرِّداء من شدة جذبته ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال اللَّه الذي عندك. فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء» أخرجاه. فانظر ما قابل الإساءة بها وهو الإحسان.
وروينا من حديث ابن مسعود: «كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح عن وجهه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» أخرجاه.
وروينا فيهما عن أبي هريرة مرفوعًا: «ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» .
والمراد إنما الشديد الشدة الكمالية النافعة دنيا وأُخرى، وليعتريه اللبيب وإنه لإغراء بليغ عجيب.
مجلس في احتمال الأذى
قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ . وقد سلف في المجلس قبله. وحاصله الترغيب على الاحتمال؛ فإن كظم الغيظ من صفات أهل الجنة، وأهله من المحسنين والباري يحبهم وهو من عزم الأمور ، وكظم الغيظ أن يتجرعه فيمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثر، من قولهم: كَظَمَ القربة إذا ملأها وشدَّها، وكَظَمَ البعير إذا لم يجتر.
وروينا من حديث أبي هريرة: «أن رجلا قال يا رسول اللَّه، إن لي قرابة أصِلَهُم ويقطعوني. . .» الحديث، وقد سلف بطوله وشرحه في صلة الأرحام، وقد أخبر فيه أنه يناله من الاحتمال والحلم عنهم ألم عظيم وهو شاق من الغيظ كاف؛ فإنه لن يزال معه من اللَّه ظهير عليهم وكفى به وناهيك.
مجلس في الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين اللَّه تعالى
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ . رغب في تعظيمها، ومنه الغضب إذا انتُهكت. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ أي في كل موطن دنيا وأخرى. وفي الباب حديث عائشة السالف في العفو.
وروينا من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري قال : جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. فما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ غضب في موعظة قط أشد ما غضب يومئذ فقال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة» أخرجاه.
وروينا من حديث عائشة قالت: قدم رسول اللَّه ﷺ من سفر وقد سترت سهوة له بقرام فيه تماثيل، فلما رآها رسول اللَّه هتكه وتلوَّن وجهه وقال: «يا عائشة، أشد الناس عذابا عند اللَّه يوم القيامة الذين يضاهون بخلق اللَّه» أخرجاه. والسهوة
كالصفة تكون بين يدي البيت، والقِرام بكسر القاف: ستر رقيق. وهتكه : أفسد الصورة التي فيه. وفيه وما بعده وما قبله غضبه للَّه تعالى حتى يُرَى ذلك في وجهه، وكفى بذلك مرغبًا، فالخير كله في اتباعه لأنه أكمل الخلق وأعلمهم باللَّه وبمراضيه، حشرنا اللَّه في زمرته وتحت لوائه. وفيه الغضب عند التنفير من العبادة وبغض دينه وتحمل المشقة الشديدة وتضييع المصالح المهمة والوعظ بأن «منكم منفرين»، والتعليم بـ «أيكم أمَّ الناس فليوجز»، وتعريف الضرورة بنحو: «فإن من ورائه» إلى آخره. وفي الثاني بيان صفة الإزالة باليد.
وروينا من حديث عائشة أيضًا أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ. فكلمه أسامة فقال رسول اللَّه ﷺ: «أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه؟». ثم قام واختطب ثم قال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» أخرجاه. وفيه عدم السعي في تعطيل الحدود رعاية لأهل الوجاهة والشرف، وصفة ما يفعل عند ذلك حتى على الحثِّ بنحو: «أتشفع في كذا»، ثم الإسهاب بنحو القيام والاختطاب البيِّن وقال ذلك
وأنه أهلك الأوائل، ثم إظهار التصميم حتى في الأعز الأحب مؤكدا بالقسم، ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ .
وأمَّنْتَني وأهنت نفسي راضيًا … ما من يهون عليك ممن أكرم
وروينا من حديث أنس أن النبي ﷺ رأى نُخامة في القبلة فشقَّ ذلك عليه حتى رُئي في وجهه، فقام فحكَّه بيده فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه وإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قِبَل القبلة ولكن عن يساره أو تحت قدمه» ، ثم أخذ طرف رداءه فبصق فيه ثم ردَّ بعضه على بعض فقال: «أو يفعل هكذا» أخرجاه. والأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما فية فلا يبصقنَّ إلَّا في ثوبه، وفيه الغضب عند انتهاك حرمات اللَّه والاستهانة بشعائره، وحالة رؤية آثار ذلك كالنخامة والمبادرة إلى حكِّها، والتمثيل بما يخجل من (. . . . . .) .
مجلس في أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصحهم والشفقة عليهم والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم والغفلة عنهم وعن حوائجهم
قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أمر بتواضعه ولينه لهم فكيف بغيره. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. وفيها تفصيل ما يفعل وما يترك. والتفصيل بعد الإجمال وبيان الجزئيات الناشئة عن أمر بعد التأسيس حُسْن بالغ.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته» شامل لما فصل قبل ذلك.
وروينا من حديث معقل بن يسار مرفوعًا: «ما من عبد يسترعيه اللَّه رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلَّا حرم اللَّه عليه الجنة» أخرجاه. ولمسلم: "ما من
أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلَّا لم يدخل معهم الجنة» . وفيه تحذير كل راع من الغِشِّ وعدم النصيحة والجهد له وما أبلغه من تهديد.
وروينا من حديث عائشة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في بيتي: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» أخرجه مسلم. وفيه الدعاء على من شَقَّ عليهم بتشديد أو غيره والدعاء لمن رفق بهم، فليختر لنفسه ولي الأمر، واللَّه المستعان.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كانت بنو إسرائيل تسُوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون». قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «أوفوا ببيعة الأول ثم أعطوهم حقهم وسلوا اللَّه الذي لكم؛ فإن اللَّه سائلهم عما استرعاهم» أخرجاه. وفيه الحث على الشفقة والقيام بالحقوق كلها، إذ من سائله اللَّه لا بُدَّ وأن يجيب فإن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرٌّ.
وروينا من حديث عائذ بن عمرو أنه دخل على عبيد اللَّه بن زياد فقال: أي بني، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن شرَّ الرّعاء الحُطمة، فإياك أن تكون منهم» أخرجاه. وفيه التحذير من الإغلاظ والتشديد والغش والإيذاء وكل فساد ، وفي تسميته بالحُطمة وأنه شرّ الرّعاء ما فيه كفاية.
وروينا من حديث أبي مريم الأزدي أنه قال لمعاوية: «سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:»من ولَّاه اللَّه شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلَّتهم وفقرهم احتجب اللَّه دون
حاجته وخلَّته وفقره يوم القيامة«. فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس» رواه أبو داود والترمذي. وفيه تهديد من أهمل مصالح المسلمين وتغافل عنهم وعن حوائجهم واحتجب دونهم بما لا طاقة لأحد به.
مجلس في الوالي العادل
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. وقال: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . وفي الآية الأولى إشعار بأن العادل امتثل أمر اللَّه، وكفى بذلك جمالًا وعبودية. وفي الثانية أثر ذلك وثمرته وفائدته العُظْمى وهي بشارة أن اللَّه يحب المقسطين.
وروينا من حديث أبي هرير مرفوعًا : «سبعة يُظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه معلَّق بالمساجد، ورجلان تحابا في اللَّه اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليا ففاضت عيناه» أخرجاه. وإذا أظل اللَّه تعالى الإمام العادل في ظله فأيُّ مضرَّة أو مذلَّة تناله.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «إن المقسطين عند اللَّه
على منابر من نور؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا» أخرجه مسلم. وناهيك بذلك وجاهة ورفعة.
وروينا من حديث عوف بن مالك مرفوعًا: «خيار أئمتكم الذين تحبُّونهم ويحبونكم وتُصلُّون عليهم ويُصَلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم». قال: قلنا: يا رسول اللَّه، أفلا نُنَابذهم؟ قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة» أخرجه مسلم. تُصلُّون عليهم: تدعون لهم، فهؤلاء الخيار ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ .
وروينا من حديث عياض بن حمار مرفوعًا: «أهل الجنة ثلاثة؛ ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف مُتَعفِّف ذو عيال» أخرجه مسلم. وفيه أنهم من أهل الجنة وليس وراعيًا ذات قربة.
مجلس في وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم فيها
قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فأمر تعالى بذلك. فأولوا الأمر: قيل العلماء الدينيون الذين يُعلِّمون الناس الدين ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وقيل: أُمراء السرايا. والأشهر أنهم الحُكَّام وولاة الأحكام، فلما
أمر تعالى الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل أمر الناس أن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد أُمراء الحق لا الجور.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا :»على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلَّا أن يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة«أخرجاه. فسبب الوجوب صفة الإسلام بشرط كونه طاعة.
وروينا من حديثه أيضًا قال:»كنا إذا بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة يقول لنا: «فيما استطعتم» أخرجاه. وما لا يُستطاع ليس في الوسع: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: «من خلع يدا من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» أخرجه مسلم. وله: «ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت مِيتة جاهلية» . المِيتة: بكسر الميم. وفيه التحذير البليغ من المخالفة مع الشرطين.
وروينا من حديث أنس مرفوعًا: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدا حبشيًّا كأن رأسه زبيبة» أخرجه البخاري. وليس ذلك بمانع من طاعته، فذو الشَّوكة
يُطاع ولو كان ناقصا.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «عليك السمع والطاعة في عُسرك ويُسْرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك» أخرجه مسلم. فليس شيء من هذه الأمور بمانع من وجوب الطاعة.
وروينا من حديث ابن عمرو قال: «كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنَّا من يُصلح خِبَاءَه، ومنَّا من ينتضل، ومنَّا من هو في جَشَرِه إذ نادى منادي رسول اللَّه: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال:»إنه لم يكن نبي إلَّا كان عليه حقا أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم، وإن أُمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيُرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح من النار ويدخل الجنة فلتأته منيَّته وهو يؤمن باللَّه واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليُطعه إن استطاع، فإن جاء آخر يُنازعه فاضربوا عُنُقَ الآخر« أخرجه مسلم.
وينتضل: يسابق بالرمي بالنبل والنشاب. والجَشَرُ بفتح الجيم والشين المعجمة
وبالراء: الدواب التي ترعى وتبيت في مكانها. وترقق بعضها إلى بعض: أي تصير بعضها بعضًا رقيقًا أي خفيفا لعظم ما بعده، فالثاني يرقق الأول. وقيل: تسوق بعضها بعضا بتحسينها وتسويلها. وقيل: تشدّ بعضها بعضا. وفيه أن من بويع أولا فهو أحق بالطاعة ، فتضرب رقبة الأخير إن أضرَّ وضال.
وروينا من حديث وائل بن حجر قال: «سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول اللَّه ﷺ فقال: يا نبي اللَّه، أرأيت إن قامت علينا أُمراء يسألون حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: «سيكون بعدي أُمراء وأمور تُنكرونها». قالوا: يا رسول اللَّه، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: «تُؤدُّون الحق الذي عليكم وتسألون اللَّه الذي لكم» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن يُطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» أخرجاه. وفيه بيان رتبة الإمارة وكبر شأنها، ولا أبلغ في التعبير عن ذلك بذلك، وهو من الشكل الرابع.
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من كره من أميره شيئًا فليصبر فإنه من خرج من السَّلطان شبرا فمات عليه إلَّا مات ميتة جاهلية» أخرجاه. ولا شك أن الخروج شؤم.
وروينا من حديث أبي بكر مرفوعًا: «من أهان السلطان أهانه اللَّه» رواه الترمذي وحسنه. وفيه حسن الأدب والمبادرة للإكرام وكفِّ اللسان ونحو ذلك، فإن السلطان ظل اللَّه في أرضه. وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح سلف بعضها في مواضع.
مجلس في النهي عن سؤال الإمارة واختيار ترك الولايات إذا لم تتعين عليه أو تدع حاجة إليه
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وروينا من حديث عبد الرحمن بن سمرة مرفوعًا: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتها من غير مسألة أُعنت عليها، وإذا أُعطيتها عن مسألة وُكِّلْت إليها. . .» الحديث. أخرجاه.
وروينا من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أُحب لك ما أُحب لنفسي، لا تأمرنَّ على اثنين ولا تولَّينَّ مال يتيم» أخرجه مسلم. ولا أبلغ في النهي عن الولاية من ذلك وذمها. وعنه قلت: يا رسول اللَّه، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلَّا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» أخرجه مسلم
أيضا. وليس المراد ضعيف البدن إذ لا مدخل له في الإمارة ولا ضعف العلم فإنه حفظ علمًا جمًّا كما قال عمر رضي الله عنه، ولا ضعف الهمة والتصميم على الحق، وإنما المراد الضعف عن احتمال لجاج الخصوم ولددهم وكان خلقه لا يحتمل ذلك، أو عن شدّ أيد أهوالها وحزبها ونكالها فيما يظهر. وقوله: «فإنها أمانة» أي من التي أمنت السماوات والأرض عليها ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وقوله: «فإنها يوم القيامة خزي وندامة» فشهوده عياني لكل موفق. وقوله: «إلَّا من أخذها بحقها» أشد مستوقف عنها لمن فهم قوله: «وأدَّى الذي عليه»، فيها أبلغ مانع وأكف منفر .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة» أخرجه البخاري. فالحرص عليها إذن لشهود أنها «نعم المرضعة وبئست الفاطمة».
مجلس في حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح وتحذيرهم من قُرَناء السوء والقبول منهم
قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ . وفيها الإغراء بخلة المتقين والتحذير من خلة غيرهم وأنها عداوة في الحقيقة.
وروينا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ما بعث اللَّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلَّا كان له بطانتان؛ بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم اللَّه» أخرجه البخاري. وفيه تعريف سنة اللَّه في خليقته والمعصوم من عصم اللَّه.
وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: «إذا أراد اللَّه بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكَّره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعينه» . رواه أبو داود بإسناد جيد على شرط مسلم. وفيه تعريف فيمن يريد به خيرًا ومن يريد به غير ذلك، ولا تعارض عند التأمُّل.
مجلس في النهي عن تولية الإمارة والقضاء وغيرهما من الولايات لمن سألها
أو حرص عليها فعرَّض بهما. روينا في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنهما قال: «دخلت على رسول اللَّه أنا ورجلان من بني عمير فقال أحدهما: يا رسول اللَّه، أَمِّرْنا على بعض ما ولَّاك اللَّه. عز وجل. وقال الآخر مثل ذلك فقال:»إنَّا واللَّه لا نولي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه«.
مجلس في الحياء وفضله والحث على التخلق به
روينا من حديث ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول اللَّه ﷺ:»دعه؛ فإن الحياء من الإيمان" أخرجاه .
فالحياء منشأه من الإيمان، وكذا كل حالة قلبية فإنها تنشأ من الاعتقاد المناسب لها.
وروينا من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: «الحياء لا يأتي إلَّا بخير» أخرجاه. ولمسلم: «الحياء خير كله»، أو قال: «الحياء كله خير» . فالحياء ثمرته كلها جميلة وأنواعه كلها خير.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلَّا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» أخرجاه. والبِضع. بكسر الباء ويجوز فتحها: هو من الثلاثة إلى العشرة. والشعبة: القطعة والخصلة. والإماطة: الإزالة. والأذى: ما يؤذي، كحجر وشوك وطين ورماد وقذر ونحو ذلك. فمرتبة الحياء فوق أدنى الخصال التي هي شعب الإيمان ودون أعلاها، وإماطة الأذى فرعه، وأصل الشيء أعلا من فرعه.
وروينا من حديث أبي سعيد قال: "كان رسول اللَّه ﷺ أشد حياء من العذراء
في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه» أخرجاه. وفيه بيان أن أهله أكابر الكرام، ورأسهم فيه سيد الأنام عليه أزكى تحية وأفضل سلام، وأنه تتفاوت درجاته بالقوة والضعف. وحاصل هذه الأحاديث بيان سبب الحياء وثمرته وتنوعه ومرتبته وبيان أهله وتفاوت درجته، وكل منها مرغِّب وجاذب ومناد يمدحه وناطق. فائدة: حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
وروينا عن أبي القاسم الجنيد . رحمه الله. قال: الحياء رؤية الآلاء. أي النعم. ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء.
مجلس في حفظ السِّر
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ فأمر تعالى بإيفائه، وهو شامل لكل عهد واستئمان على سرّ وتعاهده على حفظه وعدم إذاعته، وإنه ﴿كَانَ مَسْئُولًا﴾: إما مطلوبا من العباد وإما مسئولا عنه وكله لتأكيد الإيفاء به. ولنذكر أحاديث دالة على التحذير من إفشاء السرّ ونشره وبيان تفاوت درجات نشره، وبيان أهل حفظ السر وأنهم أُولوا الأدب والكمال من الرجال والنساء والصبيان وأنه ينبغي قبول عذرهم في الكتمان من غير تكلُّف الإفشاء، وبيان مجاريه المتأكدة وبيان وقت الحفظ والنشر وما ليس بعذر يُستباح. فروينا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "إن من أشرِّ الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر
سرَّها» أخرجه مسلم. وفيه أحد مجاري حفظ السرّ وهو ما يكون بين الزوجين. سُئل عروس عن أمره فقال: لو كان الإخبار من قصدي لم أُغلق الباب ولم أرخ الستر. وفيه من بيان مرتبته أن كل مُفْش لسر شرير، ولكن من أشرِّ الأشرار هاتك ستر امرأته. وفيه أن السر قد يعرف بلسان الحال واحتقان الدائن به، والمرأة حريصة على ستر عورتها وأشباه ذلك، ولولا ضرورة الإفضاء ما أفشت من ذلك شيئًا وكذلك الرجل. وفيه أبلغ تحذير ممن هو أشرّ الناس منزلة يوم القيامة عند اللَّه العظيم، وفيه أن ذلك مما يكتم ولا يُفشى أبدًا.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمر أن عمر حين تأيَّمت بنته حفصة قال: «أتيت عثمان بن عفان وعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. فقال: سأنظر في أمري. فلبث ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي. فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. فصمت أبو بكر فلم يرجع إليَّ شيئا، فكنت عليه أوجد منِّي على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول اللَّه ﷺ فأنكحتها إيَّاه فلقيه أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرد إليك بشيئًا قلت: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما
عرضت عليَّ إلَّا أني كنت علمت أن رسول اللَّه ﷺ ذكرها، فلم أكن أفشي سرَّ رسول اللَّه ﷺ، ولو تركها لقبلتها« أخرجه البخاري. وتأيَّمت: صارت بلا زوج، وكان زوجها توفي. ووَجَدت: غضبت. وفيه مجرى ثان: وهو ما يكون في مجالس الكبراء. وثالث: وهو ما يقع من نحو الشيخ والأستاذ. ورابع: وهو ما يُحدِّث به الصاحب عن شأنه وعزائمه ونحو ذلك، فالصِّدِّيق اعتذر بأنه لم يكن يفشي سرَّ رسول اللَّه ﷺ . وفيه أن حافظ الأسرار وكاتمها خير الأمة وصديقها فليقتد به المستأذنون. وفيه أن الصديق عرف أن سر نفريته مجرد الذكر من غير يقين وقوع ذلك، ولو تركها الشارع قبلها. وفيه أن وقت الحفظ ما لم يقع، فالسر بعد وقوعه إذ لا أذى يتوهم حينئذ، فلذلك ذكره الصديق. وفيه أن حفظ قلوب الأحباب الأكابر ليس عذرا في إفشاء السر، فالصديق عرف غضب الفاروق في سكوته كما يصرح به قوله:»لعلك وجدت عليَّ. . . «إلى آخره. ومع هذا كتم السر ولم يفشه وكانت موجدة عمر عليه أسهل من إفشاء سرِّه ﷺ.
وروينا من حديث عائشة قالت :»كُنَّ أزواج رسول اللَّه ﷺ عنده، فأقبلت فاطمة تمشي مشيتها من مشية رسول اللَّه ﷺ، فلما رآها رحَّب بها وقال: «مرحبا بابنتي»، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارَّها فبكت بكاءً شديدا، فلما رأى جزعها سارَّها ثانية فضحكت ، فقلت لها: خصَّك رسول اللَّه ﷺ من بين نسائه بالسِّرار ثم أنت تبكين، فلما قام رسول اللَّه ﷺ سألتها: ما قال لك رسول اللَّه؟
قالت: ما كنت لأفشي على رسول اللَّه ﷺ سرَّه. فلما توفي رسول اللَّه قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتيني ما قال لك رسول اللَّه ﷺ فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل ﷺ كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، «وأنه عارضني الآن مرتين، وإني لا أُرى الأجل إلَّا قد اقترب فاتقي اللَّه واصبري فإنه نعم السلف أنا لك». فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية فقال: «يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟» فضحكت ضحكي الذي رأيت« أخرجاه، والسياق لمسلم. وفيه مجرى خامس وهو ما يكون بين الوالد وولده، وفيه أن من أهل حفظ السر سيدة نساء المؤمنين فليُتأسَّى بها. وفيه أن تعريض أم المؤمنين لها بقولها: خصك بكذا وأنت تبكين، ليس عذرا يُستباح بمثله الأشياء، بل بتصريحها المحكي بقولها: فلما مات رسول اللَّه سألتها: ما قال لك؟ وفيه أن المعتذر لا يُكلَّف، والصِّديقة لم تُلح على الزهراء فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول اللَّه. وفيه أن الزهراء فهمت كونه سرًّا باختصاصها به دون نسائه. وفيه أن وقت الحفظ مدة الحياة النبوية لقرينة أن اقتراب الأجل سبق الإخبار قبل الموت أما بعده فأي مشقَّة فيه، فمن السر ما يُفشَى لكن وقت الإفشاء كما سلف في قصة الصِّديق.
وروينا من حديث ثابت عن أنس قال:»أتى عليَّ رسول اللَّه ﷺ وأنا ألعب
مع الغلمان فسلَّم علينا، فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حَبَسَك؟ قلت: بعثني رسول اللَّه ﷺ لحاجته. قالت: وما حاجته؟ قلت لها: سرّ. قالت: لا تُخبرنَّ بسر رسول اللَّه أحدًا. قال أنس: واللَّه لو حدثت أحدا لحدَّثتك به يا ثابت» أخرجه مسلم، وللبخاري بعضه مختصرًا. وفيه مجرى سادس وهو ما يكون بين الرجل وخادمه. وفيه أن من أهل الحفظ أنس، وحُقَّ له إذ تربَّى في بيت النبوة. وفيه قبول أُمِّه عُذره، بل أكدته بقولها: لا تخبرنَّ بسرِّه أحدا. وعرف أنس أنه (. . . . .) عليه أو لقرينه، وفيه أن من السرّ ما لا يُفشَى. وفيه أن سؤال الوالدة مع عظم حقوقها ليس عذرًا يبلغ الإفشاء به.
مجلس في الأمر بالمحافظة على ما اعتاده من الخير
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . وفيه تحذير التارك لخير اعتاده من تغيير اللَّه تعالى نعمه عليه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ . والأنكاث: جمع نكث، وهو الغزل المنقوض. وفيه التنفير من ذلك أيضًا بتشبيهه بامرأة حمقاء نقضت غزلها كما ذكر، فالخير مُقَوٍّ للإيمان والترك له نقيضه، ولا أبلغ من ذلك منفِّرا. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . وفيها النهي
عن مشابهة الغضب والضلال في قسوة ببعد عن الرحمة وتوقع في الفسق والخروج عن الدين فقال تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ وفيها العتب والتوبيخ على من لم يرع ما التزمه من الخير حق رعايته.
وروينا في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: «يا عبد اللَّه، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل» . وفيه النهي عن التأسِّي بالمتخلِّفين. والحاصل من ذلك كله التنفير من التهاون في ذلك والنهي عن اتخاذ أهل المهانة قدوة ومؤتسى.
مجلس في استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء
قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. أمر بخفض الجناح، ومن لوازمه الطلاقة المخالفة لمصاعرة الخد. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. حذَّر من العبوسة وبيان ثمرتها وهي المعاداة والنفرة والمباعدة؛ إذ منشأها الفظاظة وغلظ القلب.
وروينا من حديث عدي بن حاتم مرفوعًا: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم
يجد فبكلمة طيبة» أخرجاه. فالكلمة الطيبة سِتر من النار.
وروينا من حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» أخرجه مسلم . فطلاقة الوجه لا ينبغي أن يُحتقر أمره.
مجلس في استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلَّا بذلك
روينا من حديث أنس «أنه ﷺ كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثا» أخرجه البخاري .
وروينا من حديث عائشة قالت: «كان كلام رسول اللَّه كلاما فصْلا يفهمُهُ كلُّ من سمعه» رواه أبو داود. ففي الاقتداء بسيد المرسلين الكاملين أُسوة حسنة وليس (. . .) .
ووقارًا وتواضعًا لا يضربون أقدامهم ولا يخفقون بنعالهم مراءً وبَطَرًا، وأهل هذا عباد الرحمن وكفى به ترغيبا.
وروينا من حديث عائشة قالت: «ما رأيت رسول اللَّه ﷺ مستجمعا قطُّ ضاحكا
حتى ترى منه لهواته، إنما كان يتبسم» أخرجاه. اللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة التي في أقصى سقف الفم. وفيه الانبساط وصفته، وفيه التبسم دون الاستجماع، وهذه صفة أكرم الخلق على اللَّه وخيرهم سمتًا وهديًا. وقد تضمنت الآية والحديث بيان مجاري الوقار وصفته والترغيب فيه وبيان أهله.
مجلس في الندب إلى إتيان الصلاة والعلم ونحوهما من العبادات بالسكينة والوقار
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتمُّوا» أخرجاه. زاد مسلم: «فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» وفيه الأمر بالسكينة والنهي عن السعي المخالف لها، أما الاهتمام والبدار وحسن الإقبال ونحوها فذلك هو المراد بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ . وفيه أن إتمام ما تفوته السكينة خير من فضل ما يدركه بالعجلة، وأن الحكمة التي توقع في العجلة ليس إلَّا التلبس بالصلاة وشغل الزمان به دون المشي، وبيان أن ذلك وهْمٌ فاسد.
وروينا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه دفع مع رسول اللَّه ﷺ يوم عرفة فسمع
رسول اللَّه ﷺ زجرًا شديدًا وضربًا للإبل وصوتًا، فأشار بسوطه إليهم وقال: «أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البرَّ ليس بالإيضاع» أخرجه البخاري. ولمسلم بعضه، البر طاعة، والإيضاع بضاد معجمة وقبلها همزة مكسورة: الإسراع. وفيه نفي وهم أن العجلة مما يتقرب به إلى اللَّه تعالى، فإن البر ليس بالإيضاع الذي تتهالكون عليه، وأما نحو: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ فذلك هو البرّ والقربة. وقد تضمنت الآية والأحاديث المذكورة الترغيب في السكينة والأمر بها والنهي عن ضدَّها ونفي توهم التقرب بها.
﷽
مجلس في استحباب البشير والتهنئة بالخير
قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وهذا وصف جليل، وهو الحرص على الخير استفادة وإجابة. وقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴾ . وفيها الترغيب بأنه مرتضى الرب تعالى، فليأنس به المتأدِّبون بالآداب والرحمة الدافعة للمضارّ، الجالبة للمسار والرضوان، الرَّافع للقدر المحصل لكل كرامة، والجنات الجامعة لكل خير ونعيم. وقال تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وفيها نجاز الموعود. وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ أي تقرُّ به العيون، وهذا من المسارّ العاجلة في الدنيا. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ وفيه البشارة بالوسائط والرُّسل. وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ أي: فيكبر ويولد له، كما
يشعر به: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود: ٧١]. وقال تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ أي من بلغه الكبر، والبشارة الخير الصدق الأول. وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية. والآيات في ذلك كثيرة. وأما الأحاديث فكثيرة أيضًا جدًّا مشهورة في الصحيح وغيره، نذكر منها أربعة:
أولها: حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ: «بشَّر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب» أخرجاه. والقَصَب هنا اللؤلؤ المجوف. والصَّخب: الصياح واللغط. والنَّصب: التعب. وما أعظم هذه البشارة، فقد حازت قصب السَّبق بسيد المرسلين.
ثانيها: حديث أبي موسى الأشعري أنه: «توضأ في بيته ثم خرج فقال: لألزمنَّ رسول اللَّه ﷺ ولأكوننَّ معه يومي هذا، فجاء إليه فوجده ببئر أريس وقد توسَّط قُفَّها وكَشَف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلَّمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت: لأكونَنَّ بوَّابه. . .» فذكر الحديث. وفيه أن الصَّديق جاء فأذِنَ له وبشَّره بالجنة، ثم جاء عمر كذلك وفعلا كفعل رسول اللَّه ﷺ ، ثم جاء عثمان وأَذِنَ له
وبشَّره بالجنة على بلوى تُصيبه«أخرجاه .
الثالث: حديث أبي هريرة قال:»كنَّا قعودًا حول رسول اللَّه ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر فى نفر. . . «فذكر قصة الحائط. وفيه:»فقال رسول اللَّه ﷺ: «اذهب بنعلي هاتين فما لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلَّا اللَّه مستيقنًا بها قلبُه فبشِّره بالجنة»«أخرجه مسلم بطوله. وفيه إعطاء النعلين لتصديقه فيما يقله.
الرابع: حديث ابن شماسة قال:»حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلا وحوَّل وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشَّرك رسول اللَّه ﷺ بكذا؟ أما بشرك بكذا؟ فأقبل بوجهه وقال: إن أفضل ما نُعِدُّ شهادة أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمد رسول اللَّه، وذكر الحديث بطوله «أخرجه مسلم .
مجلس في وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدُّعاء له وطلب الدُّعاء منه
قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ الآية. أي لا تفارقوا الإسلام طَرْفَة عين. وسلف من الأحاديث حديث زيد بن أرقم في باب إكرام بيت رسول اللَّه ﷺ قال:»قام رسول اللَّه ﷺ فينا خطيبًا فحمد اللَّه وأثنى عليه ووعظ وذكَّر ثم قال: «أما بعد؛ أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأُجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولها: كتاب اللَّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به»، فحثَّ على كتاب اللَّه ورغَّب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أُذكِّركم اللَّه في أهل بيتي»«أخرجه مسلم بطوله. فروَّع بقوله:»يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب«، ووصى بكتاب اللَّه فإنه الأصل، وبأهل بيته.
وروينا من حديث أبي سليمان مالك بن الحويرث رضي الله عنهما قال:»أتينا رسول اللَّه ﷺ ونحن شَبَبَة مُتقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول اللَّه ﷺ رحيمًا رفيقًا فظن أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم ومُروهم وصلُّوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليُؤذِّن أحدكم وليؤمَّكم أكبركم»« أخرجاه. وللبخاري:»وصلُّوا كما رأيتموني أُصلي«. قوله رفيقا: روي بفاء وقاف، وروي بقافين.
وروينا من حديث عمر بن الخطاب قال:»استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذِنَ
وقال: «لا تنْسنا يا أخي من دُعائك»، فقال كلمة ما يسُرّني أن لي بها الدنيا«. وفي لفظ:»أشركنا يا أخي في دعائك« رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث سالم عن أبيه أنه:»كان يقول للرجل إذا أراد سفرًا: ادنُ منِّي أُودعك كما كان رسول اللَّه يودِّعنا فيقول: أستودع اللَّه دينك وأمانتك وخواتيم عملك«. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن يزيد الخطمي الصحابي قال:»كان رسول اللَّه إذا أراد أن يودِّع الجيش قال: «أستودع اللَّه دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم» رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وروينا من حديث أنس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه فقال: يا رسول اللَّه، إني أُريد سفرًا فزوِّدني. قال: «زوَّدك اللَّه التقوى» قال: زدني. قال: «وغفر ذنبك» قال: زدني. قعال: «ويسَّر لك الخير حيث ما كنت»" رواه الترمذي وحسَّنه.
مجلس في الاستخارة والمشاورة
قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ . أمر تعالى به أعلم الخلق وأعقلهم وأسدَّهم رأيا، فما الظن بغيره؟! وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي يتشاورون فيه.
وروينا من حديث جابر قال: «كان رسول اللَّه ﷺ يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول :»إذا همَّ أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشيب وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدُرْهُ لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني وأصرفني عنه، واقدُر ليَ الخير حيث كان ثم رضِّني به«ويسمي حاجته» أخرجه البخاري . والاستخارة إنما هو في الإتيان بذلك الفعل في ذلك الوقت والحال لا في استبانة كونه خيرًا.
مجلس في استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو ونحوها من طريق والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة
روينا من حديث جابر رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق» أخرجه البخاري. يعني ذهب في طريق ورجع في آخر.
وروينا من حديث ابن عمر: «أن رسول اللَّه ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المُعرَّس، وإذا دخل مكة دخل من الثَّنيَّة العليا وخرج من الثَّنيَّة السفلى» أخرجاه.
مجلس في استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم
كالوضوء والغسل والتَّيمم ولبس الثوب والنعل والحق والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وقمى الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسَّلام في الصلاة والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والخروج من الخلاء والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه. ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط والبصاق عن اليسار ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخُفِّ والنعل والسراويل والثوب والاستنجاء وفعل المستقذرات وشبه ذلك. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾ فالمفلح يؤتى كتابه بيمينه لأنه كتاب كريم، وضدُّه بخلافه. وقال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴾ . أخبر تعالى أن أصحاب الميمنة لهم شأن لأنهم
كرام على اللَّه تعالى فحازهم إلى الميمنة. أما الجنة العالية أو كل يمن وبركة مما لا يوصف. وأصحاب المشأمة بخلاف ذلك.
وروينا من حديث عائشة قالت: «كان رسول اللَّه ﷺ يُعجبه التيمُّن في شأنه كله؛ في طهوره وترجُّله وتنعُّله» أخرجاه.
وروينا من حديثها أيضًا قالت: «كانت يد رسول اللَّه ﷺ اليُمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخَلائه، وما كان من أذى» أخرجه أبو داود وغيره بإسناد صحيح.
وروينا من حديث أم عطية أن رسول اللَّه ﷺ قال لهنَّ في غُسل ابنته: «ابدأْن بميامنها ومواضع الوضوء منها» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمين أولهما تنعل وآخرهما تنزع» أخرجاه.
وروينا من حديث حفصة: «أن رسول اللَّه ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل يساره لما سوى ذلك» رواه أبو داود وغيره.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا لبستم وإذا توضأتم فابدأوا بمَيامِنكم» حديث صحيح، أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
وروينا من حديث أنس: «أنه ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق:»خذ«وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس» أخرجاه . وفي رواية أنه: «حلق شِقَّه الأيمن ثم الأيسر وقال لأبي طلحة:»اقسمه بين الناس«» .
مجلس في آداب الطعام
وفيه فصول
الأول: في التسمية في أوله والحمد في آخره
روينا من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: «سَمِّ اللَّه وكُلْ بيمينك وكل مما يليك» أخرجاه.
وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم اللَّه تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم اللَّه -تعالى- في أوله فليقل: بسم اللَّه أوله وآخره» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث جابر مرفوعًا: «إذا دخل الرجل بيته فذكر اللَّه تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، فإذا دخل فلم يذكر اللَّه تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر اللَّه تعالى عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء» أخرجه مسلم.
وسبب إدراكهم العشاء استحلالهم ما لم يذكر اسم اللَّه عليه كما سيأتي، والموجب لذلك الغفلةُ عن التسمية.
وروينا من حديث حذيفة رضي الله عنهما قال:»كنَّا إذا حضرنا مع رسول اللَّه ﷺ طعامًا لم نضع أيدينا فيه حتى يبدأ رسول اللَّه ﷺ فيضع يده، وإنَّا حضرنا معه مرَّة طعامًا فجاءت جارية كأنها تُدفع، فذهبت لتضع يدها فأخذ رسول اللَّه بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يُدفع فأخذ بيده، فقال رسول اللَّه ﷺ: «إن الشيطان يستحلُّ الطعام أن لا يُذكر اسم اللَّه عليه ، وانه جاء بهذه الجارية ليستحلَّ بها فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحلَّ به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما»، ثم ذكر اللَّه تعالى وأكل« أخرجه مسلم.
وروينا من حديث أمية بن مخشى الصحابي رضي الله عنهما قال:»كان رسول اللَّه ﷺ جالسًا ورجل يأكل فلم يُسمّ حتى لم يبق من طعامه إلَّا لقمة، فلما رفعها قال: بسم اللَّه أوله وآخره، فضحك النبي ﷺ ثم قال: «ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم اللَّه استَقَاء ما في بطنه».« رواه أبو داود والنسائي.
وروينا من حديث عائشة قالت:»كان رسول اللَّه ﷺ يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فاكله بلقمتين، فقال رسول اللَّه ﷺ: «أما إنه لو سمَّى لكفاكم». أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث أبي أمامة قال: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا رفع مائدته قال:»الحمد للَّه كثيرًا طيِّبًا مُباركًا فيه غير مكفي ولا مُودَّع ولا مُستغنى عنه ربَّنا«.» أخرجه البخاري.
وروينا من حديث معاذ بن أنس مرفوعًا: «من أكل طعاما فقال: الحمد للَّه الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول منِّي ولا قوة، غُفر له ما تقدم من ذنبه» رواه الترمذي وحسَّنه.
الفصل الثاني: في عدم إعابة الطعام واستحباب مدحه
روينا من حديث أبي هريرة قال: «ما عاب رسول اللَّه ﷺ طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه» أخرجاه.
وروينا في مسلم من حديث جابر أنه ﷺ سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلَّا خَلّ، فدعا به فجعل يأكل ويقول: «نِعم الإدام الخل، نِعم الإدام الخل» .
الفصل الثالث: فيما يقوله من حضره طعام وهو صائم إذ لم يُفطر
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا دُعيَ أحدكم فليجب، فإن كان صائما
فليُصلّ وإن كان مُفْطِرا فليَطْعم» رواه مسلم. معنى فليُصل: فليدع، ومعنى فليَطعَم: فليأكل.
الفصل الرابع: فيما يقوله من دُعيَ إلى طعام وتبعه غيره
روينا من حديث أبي مسعود البدري قال: «دعا رجل النبي ﷺ لطعام صنعه له خامس خمسة فتبعهم رجل، فلمَّا بلغ الباب قال رسول اللَّه:»إن هذا تبِعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع«. قال: بل آذن له يا رسول اللَّه» أخرجاه.
الفصل الخامس: في الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يُسيء أكله
روينا من حديث عمر بن أبي سلمة قال: «كنت غلامًا في حجر رسول اللَّه ﷺ وكانت يدي تطيش في الصَّحْفَةِ، فقال لي رسول اللَّه ﷺ:»يا غلام سَمِّ اللَّه، وكُل بيمينك وكُل مما يليك« أخرجاه. ومعنى تطيش: تتحرَّك وتمتد إلى نوَاحي الصحفة.
وروينا من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنهما:»أن رجلا أكل عند رسول اللَّه ﷺ بشماله فقال: «كُل بيمينك» قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت، ما منعه إلَّا الكبر». قال: فما رفعها إلى فِيه« أخرجه مسلم.
فصل في النهي عن القِرَانِ بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلَّا بإذن رفيقه
روينا في الصحيحين من حديث جَبَلَة بن سُحيم قال:»أصابنا عام سنة ابن
الزبير فرُزقنا تمرًا فكان عبد اللَّه بن عمر يمرُّ بنا ونحن نأكل فيقول: لا تقارنوا؛ فإن النبي ﷺ نهى عن القِران، ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه» أخرجاه.
فصل فيما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع
روينا في سنن أبي داود من حديث وحْشِيِّ بن حرب رضي الله عنهما أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه، إنَّا نأكل ولا نشبع. قال: «فلعلَّكم تفترقون». قالوا: نعم. قال: «فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم اللَّه عليه يُبارك لكم فيه» .
فصل في الأمر بالأكل من جانب القَصْعَة والنهي عن الأكل من وسطها
فيه حديث الأمر بالأكل من جانب الصفحة والنهي عن الأكل من وسطها إلى آخره وقد سلف .
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا : «البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه». رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن بُسر رضي الله عنهما قال : "كان للنبي ﷺ قَصْعَة يقال لها
الغرَّاء يحملها أربعة رجال، فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتى بتلك القصعة. يعني وقد ثُرِدَ فيها. فالتفُّوا عليها، فلما كثروا جثى رسول اللَّه ﷺ فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ قال النبي ﷺ: «إن اللَّه جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبَّارًا عنيدا»، ثم قال رسول اللَّه ﷺ: «كُلوا من حَوَاليها ودعوا ذُروتها يُبارك فيها» رواه أبو داود بإسناد جيد. ذُروتها: أعلاها، بكسر الذال وضمِّها.
فصل في كراهة الأكل مُتَّكئًا
روينا من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا آكل متَّكئا» أخرجه البخاري. قال الخطَّابي: الاتكاء هنا هو الجالس معتمدا على وطاء تحته، قال: وأراد أنه لا يقعد على الوطاء والوثائر كفعل من يريد الإكثار من الطعام، بل يقعد مستوفرا لا مستوطئا ويأكل (بلغة) هذا كلامه. وأشار غيره إلى أن المتَّكئ هو المائل على جنب.
وروينا من حديث أنس قال: «رأيت رسول اللَّه ﷺ جالسًا مُقْعيا يأكل تمرا» رواه مسلم. المقعي هو الذي يلصق أليته بالأرض وينصب ساقيه.
فصل في استحباب الأكل بثلاثة أصابع واستحباب لَعْقها وكراهة مسحها قبل لعقها
واستحباب لعق القصعة وأخذ اللقمة التي سقط منها وأكلها، وجواز مسحها بغير اللعق بالساعد والقدم وغيرهما .
روينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح أصابعه حتى يلعقها» أخرجاه.
وروينا من حديث كعب بن مالك قال: «رأيت رسول اللَّه ﷺ يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها» رواه مسلم .
وروينا من حديث جابر أنه ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: «إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» . وعنه أيضًا أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليُمِط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدَعْها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة» أخرجهما. ولمسلم أيضًا أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليُمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة» .
وروينا عن أنس قال:»كان رسول اللَّه ﷺ إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان». وأمرنا أن نَسْلُت القصعة، قال: «فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» أخرجهما مسلم.
وروينا من حديث سعيد بن الحارث أنه: «سأل جابرًا عن الوضوء مما مسَّت النار فقال: لا، وقد كنَّا زمن رسول اللَّه ﷺ لا نجد مثل ذلك الطعام إلَّا قليلا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلَّا أكُفَّنا وسواعدنا وأقدامنا ثم نُصَلِّي ولا نتوضأ» أخرجه البخاري .
فصل في تكثير الأيدي على الطعام
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» . ولمسلم عن جابر مرفوعًا: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية» .
آخر المجلس وللَّه الحمد.
مجلس في أدب الشرب واستحباب التنفس ثلاثا خارج الإناء وكراهية التنفس في الإناء
واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدي.
روينا من حديث أنس رضي الله عنهما: «أن رسول اللَّه ﷺ كان يتنفس في الشرب ثلاثا» أخرجاه، يعني يتنفس خارج الإناء.
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمُّوا إذا أنتم شربتم واحمدوا اللَّه إذا أنتم رفعتم» رواه الترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث أبي قتادة: «أن النبي ﷺ نهى أن يُتَنَفَّسَ في الإناء».
وروينا من حديث أن: «أنه ﷺ أتى بلبن قد شِيبَ بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال:»الأيمن فالأيمن«» أخرجاه. وشِيبَ: خُلِطَ.
وروينا من حديث سهل بن سعد أنه ﷺ: «أتى بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام:»أتأذن لي أن أُعطي هؤلاء؟ «فقال الغلام: لا واللَّه لا أوثرُ بنصيبي منك أحدًا. قال: فتلَّه رسول اللَّه ﷺ في يده» أخرجاه. تلَّه : أي وضعه، وهذا الغلام هو ابن عباس.
فصل في كراهية الشرب من فم القربة ونحوها على وجه التنزيه لا التحريم
روينا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: «نهى رسول اللَّه ﷺ أن نشرب من فيّ السِّقاء والقربة» أخرجاه.
وروينا من حديث أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت. رضي الله عنه وعنها. قالت: «دخل علي رسول اللَّه ﷺ فشرب من قربة مُعَلَّقة قائما، فقمت إلى فيها فقطعته». رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وإنما قطعتها لتحفظ موضع فمه ﷺ وتتبرك به وتصونه عن الابتذال. وهذا الحديث محمول على بيان الجواز ، وما قبله لبيان الأفضل والأكمل.
فصل في كراهية النفخ في الشراب
روينا من حديث أبي سعيد الخدري أنه ﷺ نهى عن النفخ في الشراب فقال: القَذَاةَ أراها في الإناء؟ فقال: «اهرقها». قال: فإني لا أروى من نفس واحد. قال: «فأَبِنِ القدح إذن عن فيك» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي ﷺ نهى أن يُتَنَفَّس في الإناء أو يُنفخ فيه» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فصل في بيان جواز الشرب قائمًا وبيان أن الأفضل والأكمل الشرب قاعدا
فيه حديث كبشة السابق.
وروينا من حديث ابن عباس قال: «سَقَيْتُ النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم» أخرجاه. ولعلَّه لغلبة الزِّحام أو فقد المجلس ولعله من حديث كبشة لعُذر التعليق.
وروينا في صحيح البخاري من حديث النزال بن سبرة قال: "أتى على باب
الرَّحبة فشرب قائمًا وقال: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت«.
وروينا من حديث ابن عمر قال:»كُنَّا نأكل على عهد رسول اللَّه ﷺ ونحن نمشي ونشرب عن قيام« رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:»رأيت رسول اللَّه ﷺ يشرب قائمًا وقاعدا« رواه الترمذي أيضًا وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث أنس:»نهى رسول اللَّه ﷺ أن يشرب الرجل قائما، قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: «ذاك أشرُّ وأخبث»« رواه مسلم. وفي رواية له:»أنه ﷺ زجر عن الشرب قائمًا«.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا:»لا يشربنَّ أحدكم قائما، فمن نسي فليستقيء« رواه مسلم .
فصل في استحباب كون ساقي القوم آخرهم شُربًا
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا:»ساقي القوم آخرهم. يعني شربًا« رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فصل في جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة
غير الذهب والفضة وجواز الكرع. وهو الشرب بالفم. من النهر وغيره بغير إناء
ولا يد، وتحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمالات. روينا من حديث أنس قال: «حضرت الصلاة فقام من كان قريبًا من الدار إلى أهله وبقي قوم، فأُتِيَ رسول اللَّه ﷺ بمخضب من الحجارة، فصغُر المخضب أن يَبسُط فيه كفَّه، فتوضأ القوم كلهم، قالوا: كم كنتم؟ قالوا: ثمانين وزيادة» أخرجاه، والسياق للبخاري. وفي رواية لهما أنه ﷺ: «دعا بإناء من ماء فأتى بقدح رَحْرَاح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس: فحَزرْتُ من توضَّأ منه ما بين السبعين وإلى الثمانين» .
وروينا من حديث عبد اللَّه بن زيد قال: «أتانا النبي ﷺ وأخرجنا له ماء في تَورٍ من صُفْرِ فتوضأ» رواه البخاري. الصُّفْرُ: النحاس، والتور كالقدح وهو بالمثنَّاة فوق.
وروينا من حديث جابر أن رسول اللَّه ﷺ: «دخل على رجل من الأنصار ومعه صاحب له، فقال رسول اللَّه ﷺ:»إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنَّةٍ وإلَّا كَرَعْنا«» رواه البخاري . والشنُّ: القربة.
وروينا من حديث حذيفة أن النبي ﷺ: "نهانا عن الحرير والدِّيباج والشرب في
آنية الذهب والفضة، وقال: «هُنَّ لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة» .
وروينا من حديث أم سلمة مرفوعًا : «الذي يشرب في آنية الذهب إنما يُجَرْجِر في بطنه نار جهنم» أخرجاهما. ولمسلم: أن «الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب فإنما يُجرجر في بطنه نارًا من جهنم» . وسلف في المناهي.
مجلس في اللباس
فصل في استحباب الثوب الأبيض
وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتَّان وشعر وصوف وغيرها إلَّا الحرير.
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ . وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ .
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث سمرة مرفوعًا: «البسوا البياض فإنها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم» رواه النسائي والحاكم وقال: حديث صحيح.
وروينا من حديث البراء بن عازب قال: «كان رسول اللَّه ﷺ مربوعا، وقد رأيته في حُلَّة حمراء ما رأيت شيئًا قطُّ أحسن منه» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي جحيفة قال: «رأيت رسول اللَّه ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قُبَّة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حُلَّة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ وأذَّن بلال» الحديث، وفي آخره: «فصلى» أخرجاه. وهو ظاهر في أنه لم يكره أن يصلي فيها.
وروينا من حديث أبي رَمْثَة رفاعة التيمي رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول اللَّه ﷺ وعليه ثوبان أخضران» رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
وروينا من حديث جابر أنه ﷺ: «دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء» أخرجه مسلم.
وروينا فيه من حديث أبي سعيد عمرو بن حريث قال: «كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه» . وفي رواية له أنه ﷺ: «خطب الناس وعليه عمامة سوداء» .
وروينا من حديث عائشة قالت: «كُفِّن رسول اللَّه ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سُحوليَّة من كُرْسُفِ ليس فيها قميص ولا عمامة» أخرجاه.
وروينا في صحيح مسلم عنها قالت: «خرج رسول اللَّه ﷺ ذات غداة وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل» . المِرْطُ: الكساء، والمُرَحَّل بالحاء المهملة: الذي فيه صورة رحال الإبل وهي الأكوار.
وروينا من حديث المغيرة بن شعبة قال: «كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير. . .» الحديث. وفيه: «ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوَة فغسل وجهه وعليه جُبَّة من صوف، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجُبَّة، فغسل ذراعيه ثم ذكر الحديث في مسح الخفين». أخرجاه . وفي رواية: «وعليه جُبَّة شاميَّة ضيِّقة الكمَّين» . وفي أخرى: أن هذه القصة كانت في غزوة تبوك.
فصل في استحباب القميص
روينا من حديث أم سلمة قالت: «كان أحب الثياب إلى رسول اللَّه ﷺ القميص» رواه الترمذي وحسَّنه.
فصل في صفة القميص والكُمِّ والإزار وطرف العمامة
وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخُيلاء وكراهته من غير خُيلاء. روينا من حديث أسماء بنت يزيد الأنصاريَّة قالت: «كان كُمُّ رسول اللَّه ﷺ إلى الرُّسْغ» رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من جرَّ ثوبه خُيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة» فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، إن أحد شِقَّي إزاري يسترخي إلَّا أن أتعاهد ذلك منه. فقال النبي ﷺ: «لست ممن يصنعه خيلاء» .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا ينظر اللَّه يوم القيامة إلى من جرَّ إزارهُ بطرًا» أخرجاه.
وروينا عنه مرفوعًا: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار» رواه البخاري.
وروينا من حديث أبي ذر مرفوعًا: «ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» فقرأها رسول اللَّه ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابُوا وخسروا، من هم يا رسول اللَّه؟ قال: «المُسبل، والمنَّان، والمنفق سِلعته بالحلِفِ الكاذب» . وعدم تكليمه له للتحقير، والنظر للغضب، والنافي لرفضه مراضي مولاه سبحانه، وإنه لأبلغ تهديد.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جرَّ شيئًا خُيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة» رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
وروينا من حديث أبي جُريّ جابر بن سليم قال: «رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئًا إلَّا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: رسول اللَّه. قلت:
عليك السلام يا رسول اللَّه، مرتين، قال: «لا تقل عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى، قل: السلام عليك» قال: قلت: أنت رسول اللَّه؟ قال: «أنا رسول اللَّه الذي إذا أصابك ضُرٌّ فدعوته كشفه، وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة فضلَّت راحلتك فدعوته ردَّها عليك»، قال: قلت: اعهد إليَّ. قال: «لا تسُبَّنَّ أحدًا». قال: فما سببت بعده حُرًّا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة. قال: «ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، وأن تكلِّم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق وإن أبيت فإلى الكعبين، وإيَّاك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن اللَّه لا يحب المخيَّلة، وإن امرؤ شتمك وعيَّرك بما يعلم فيك فلا تعير بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه» . رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما رجل يصلي مُسبِلًا إزاره فقال له رسول اللَّه ﷺ:»اذهب فتوضأ«فذهب فتوضأ ثم جاء، ثم قال:»اذهب فتوضأ«. فقال له رجل: يا رسول اللَّه، ما لك أمرتَهُ أن يتوضا ثم سكتَ عنه؟ قال:»إنه كان يُصلِّي وهو مُسبلٌ إزاره، وإن اللَّه لا يقبل صلاة رجل مُسبِلٍ«» . رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم. والأمر بالوضوء فيه إشعار بأن الحَدَثَ في الدين يحتاج إلى الطهارة، وهو تنفير بليغ.
وروينا من حديث ابن الحنظلية أن رسول اللَّه ﷺ قال: «نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جُمَّته وإسبال إزاره». فبلغ ذلك خريما فعجل وأخذ شفرة فقطع بها جُمَّته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه رواه أبو داود مطوَّلا بإسناد على شرط مسلم.
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «إِزْرَةُ المسلم إلى نصف الساق ولا حرج. أو لا جناح. فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جرَّ إزاره بطرا لم ينظر اللَّه إليه» رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وروينا من حديث ابن عمر قال: «مررت على رسول اللَّه ﷺ وفي إزاري استرخاء، فقال:»يا عبد اللَّه، ارفع إزارك«، فرفعته ثم قال:»زِدْ«فزدت، فما زلت أتحرَّاها بعد، فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: أنصاف الساقين» رواه مسلم. وعنه مرفوعًا: «من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة»، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيُولهنَّ؟ قال: «يُرْخين شبرًا»، فقالت: إذًا تنكشف أقدامهنَّ. قال: «فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
فصل في فضل الجوع وخشونة العيش جملا تتعلق بذلك.
وروينا في جامع الترمذي محسَّنا من حديث معاذ بن أنس مرفوعًا: «من ترك اللباس تواضعا للَّه وهو يقدر عليه دعاه اللَّه يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يُخيِّره من أي حُلل الإيمان شاء يَلبَسُها» .
فصل في استحباب التوسط في اللباس ولا يقتصر على ما يزرى به لغير حاجة ولا مقصود شرعي.
روينا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» . رواه الترمذي وقال: حسن.
فصل في تحريم لباس الحرير على الرجال وتحريم جلوسهم عليه واستنادهم إليه وجواز لباسه للنساء
روينا من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: «لا تلبسوا الحرير فإنه من لبس الحرير لم يلبسه في الآخرة» . وعنه مرفوعًا: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له» أخرجاهما. وفي رواية للبخاري: «من لا خلاق له في الآخرة». معنى لا خلاق له: لا نصيب. وأي حسرة تداني ذلك.
وروينا من حديث أنس مرفوعًا: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» أخرجاه. وأي تهديد أبلغ من هذا، ولباس أهل الجنة الحرير.
وروينا من حديث عليٍّ قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه
وذهبا فجعله في شماله ثم قال: «إن هذين محرَّمان على ذكور أمَّتي» رواه أبو داود بإسناد حسن.
وروينا من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأُحلَّ لإناثهم» . رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث حذيفة قال: «نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها، وعن لباس الحرير والديباج وأن نجلس عليه» رواه البخاري.
فصل في جواز لبس الحرير للحكة
روينا في الصحيحين من حديث أنس قال: «رخَّص رسول اللَّه ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكَّة بهما» .
فصل في النهي عن افتراش جلود النمور والركوب عليها
روينا من حديث معاوية مرفوعًا: «لا تركبوا الخُزَّ والنِّمار» رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن. وعن أبي المليح عن أبيه أنه ﷺ: «نهى عن جلود السِّباع»
رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحاح. وفي رواية للترمذي: «نهى عن جلود السباع أن تُفترش» .
فصل فيما يقوله إذا لبس ثوبا جديدا أو نعلا ونحوه
روينا من حديث أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول اللَّه إذا استجد ثوبا سمَّاه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء، ثم يقول:»اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صنع له". رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
فصل في استحباب الابتداء باليمين في اللباس
قد أسلفنا مقصوده وسُقنا الأحاديث الصحيحة فيه .
آخر المجلس وللَّه الحمد
مجلس في آداب النوم والاضطجاع
روينا من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شِقِّه الأيمن ثم قال:»أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك وألجات ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت«.» . رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه بهذا اللفظ، وفيه آداب اتخاذ فراش يأوي إليه والاضطجاع دون القعود ونحوه، وأن يكون على الجنب، وأن يكون الأيمن، والذكر المأثور.
وروينا عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شِقِّك الأيمن وقل. . .» وذكر نحوه، وفيه: «واجعله من آخر ما تقول» أخرجاه . وفيه النوم على طهارة وترك الكلام بعد الذكر.
وروينا من حديث عائشة قالت: "كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشر ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقِّه الأيمن حتى يجيء المؤذن
فيؤذنه» أخرجاه. وفيه أن الاضطجاع الفاصل منه الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.
وروينا من حديث حذيفة رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خدِّه ثم يقول: «اللهم باسمك أموت وأحيا»، وإذا استيقظ قال: «الحمد للَّه الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور»« أخرجه البخاري. ووضع اليد تحت الخد للتخشُّع.
وروينا من حديث يعيش بن طخفة الغفاري رضي الله عنهما قال:»بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني إذا رجل يحركني برجله، فقال: «إن هذه ضجعة يبغضها اللَّه»، قال: فنظرت فإذا رسول اللَّه« رواه أبو داود بإسناد صحيح. وفيه تجنب الاضطجاع على البطن والنفرة من ذلك.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا:»من قعد مقعدا لم يذكر اللَّه تعالى فيه كانت عليه من اللَّه تِرَة، ومن اضطجع مضجعا لم يذكر اللَّه فيه كانت عليه من اللَّه تِرَة« رواه أبو داود بإسناد حسن. التِرَةُ بكسر التاء المُثثاة فوق: النقص أو الحسرة أو الندامة. وهو بليغ في تهديد من ترك الذكر.
فصل في جواز الاستلقاء على القفا
ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة، وجواز القعود متربِّعا ومحتبيا. روينا من حديث عبد اللَّه بن زيد رضي الله عنهما قال:»رأيت رسول
اللَّه ﷺ مُستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى» أخرجاه.
وروينا من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربَّع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناء» . حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة.
وروينا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «رأيت رسول اللَّه ﷺ بفناء الكعبة مُحتبيا بيديه هكذا، ووصف بيديه الاحتباء وهو القُرفصاء» رواه البخاري.
وروينا من حديث قيلة بنت مخرمة قالت: رأيت النبي ﷺ وهو قاعد القُرفصاء، فلما رأيت رسول اللَّه ﷺ المُتخشِّع أُرعدت من الفرق« رواه أبو داود والترمذي. وهو دال على أن القُرفصاء قعود التخشُّع وأن تواضع الكبير يزيده مهابة.
وروينا من حديث الشريد بن سويد قال:»مرَّ بي رسول اللَّه ﷺ وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي فقال: «أتقعُد قعدة المغضوب عليهم؟»" . رواه أبو داود بإسناد صحيح، وفيه كراهية هذه القعدة.
مجلس في آداب المجلس والجليس
روينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا يُقيمن أحدكم رجلا من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن توسَّعوا وتفسَّحوا». وكان ابن عمر إذا قام له رَجُلٌ من مجلسه لم يجلس فيه. أخرجاه . وفيه النهي عن ذلك والأمر بالتوسُّع.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: «كنَّا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي» رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث سلمان مرفوعًا: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهَّر ما استطاع من طُهر ويدَّهن من دهنه أو يمسّ من طيب بيته ثم يخرُجُ فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كُتب له ثم يُنصت إذا تكلم الإمام إلَّا غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» .
وروينا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «لا يحل لرجل أن يُفرِّق بين اثنين إلَّا بإذنهما» .
وروينا من حديث حذيفة رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ: «لَعَنَ من جلس وسط الحلقة» . رواه أبو داود بإسناد حسن. وروى الترمذي عن أبي مجلز أن رجلا قعد وسط حلقة فقال حذيفة: «ملعون على لسان محمد ﷺ. أو لَعَنَ اللَّه على لسان محمد. من جلس وسط الحلقة» ثم قال: حسن صحيح.
وروينا من حيث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «خير المجالس أوسعها» رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من جلس في مجلس فكثُر فيه لَغَطُه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. إلَّا غُفِرَ له ما كان في مجلسه ذلك» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث أبي برزة رضي الله عنهما قال: «كان رسول اللَّه ﷺ يقول بأخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس:»سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك«فقال رجل: يا رسول اللَّه، إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى. قال:»كفَّارة لما يكون في المجلس" رواه أبو داود، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث
عائشة وقال: صحيح الإسناد.
وروينا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال:»قلَّما كان رسول اللَّه ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعوا بهؤلاء الدعوات: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلِّغُنا به جنَّتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مُصيبات الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منَّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا، ولا تُسلِّط علينا من لا يرحمنا»« رواه الترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا:»ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون اللَّه تعالى فيه إلَّا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة« رواه أبو داود بإسناد صحيح. وعنه مرفوعًا:»ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا اللَّه فيه ولم يصلُّوا على نبيهم إلَّا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" . رواه الترمذي وحسَّنه.
مجلس في الرؤيا وما يتعلق بها
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لم يبق من النبوَّة إلَّا المبشِّرات». قالوا: وما المبشِّرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة» رواه البخاري.
وروينا عنه مرفوعًا: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء في ستة وأربعين جزءًا من النبوَّة» أخرجاه.
وفي رواية: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» . فأصدقها باعتبار الوقت اقتراب الزمان، وباعتبار الرأي صدق الحديث.
وروينا عنه مرفوعًا: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي» . أخرجاه، وهذا أصدقها باعتبار المرئي.
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من اللَّه، فليحمد اللَّه عليها وليُحدِّث بها» . وفي رواية: «فلا يحدِّث بها إلَّا من
يحب، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرِّها ولا يذكرها لأحد؛ فإنها لا تضره» أخرجاه. وفيه بيان نوعي الرؤيا؛ المحبوب والمذموم، وبيان ما يقابل عليه كل واحد منهما.
وروينا من حديث أبي قتادة مرفوعًا: «الرؤيا الصالحة -وفي رواية: الحسنة- من اللَّه، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا وليتعوَّذ من الشيطان فإنها لا تضره» أخرجاه. النفث: نفخ لطيف لا ريق معه.
وروينا من حديث جابر مرفوعًا: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق على يساره ثلاثا، وليستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث أبي الأسقع واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يُرِي عينه ما لم تر، أو يقول على رسول اللَّه ﷺ ما لم يقل» أخرجه البخاري .
آخره وللَّه الحمد
مجلس في السلام وأحكامه
فصل في فضله والأمر بإفشائه
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ . وقال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ وقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ . وقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ . ففي الآية الأولى: السلام قبل دخول دار الغير. وفي الثانية: السَّلام بعد الدخول. وفي الثالثة: الأمر بالرَّدِّ. وفي الرابعة: بيان صفة السلام ابتداء وردًّا.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رجلا سأل رسول اللَّه ﷺ: أي الإسلام خير؟ قال: «تُطعم الطعام، وتقرأ السَّلام على من عرفت ومن لم تعرف» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "لما خلق اللَّه آدم قال: اذهب فسلِّم على أولئك النَّفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيَّتك وتحيَّة ذريَّتك. قال: فذهب فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة اللَّه، قال: فزادوه
ورحمة اللَّه» أخرجاه.
وروينا من حديث البراء بن عازب: «أمرنا رسول اللَّه ﷺ بسبع وعدَّ منها: إفشاء السلام» أخرجاه أيضا.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أَوَلَا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم» . وأي فائدة أجلُّ من هذه وهي التحابب.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن سلام مرفوعًا: «يا أيها الناس، أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلُّوا بالليل والناس نيام تدخلُون الجنة بسلام» رواه الترمذي وصححه.
وروينا من حديث الطفيل بن أبي بن كعب أنه: "كان يأتي عبد اللَّه بن عمر فيغدوا معه إلى السوق، قال: فإذا كدونا إلى السوق لم يمرَّ عبد اللَّه على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلَّا سلَّم علبه، قال الطُفيل : فجئت عبد اللَّه بن عمر يوما
فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما تصنع بالسوق؟ وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق، وأقول: اجلس بنا ههنا نتحدَّث. فقال: يا أبا بطن. وكان الطُفيل ذا بطن. إنما نغدوا من أجل السلام، نسلِّم على من لقينا«. رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح.
فصل في كيفيته
يستحب أن يقول المبتديء به: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدا، ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته، فيأتي بواو العطف في قوله: وعليكم.
وروينا من حديث عمران بن الحصين قال:»جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السَّلام عليكم. فردَّ عليه ثم جلس، فقال النبي ﷺ: «عشر». ثم جاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمة اللَّه. فردَّ عليه فجلس، فقال: «عشرون». ثم جاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. فردَّ عليه، فجلس، فقال: «ثلاثون» رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث أنس: كان النبي ﷺ إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثا حتى نفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثًا« رواه البخاري. وهو
محمول على ما إذا كان الجمع كثيرًا.
وروينا من حديث المقداد في حديثه الطويل، قال: «كنَّا نرفع للنبي ﷺ نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلِّم تسليما لا يُوقظ نائما ويُسمع اليقظان، فجاء النبي ﷺ فسلَّم كما كان يُسلَّم» أخرجه مسلم. وهو تسليم بين سلامين بحسب الحاجة.
وروينا من حديث أسماء بنت يزيد أن رسول اللَّه ﷺ «مرَّ في المسجد يوما وعُصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتَّسْليم» رواه الترمذي وحسَّنه. وهو محمول على أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإشارة تأكيدا، ويؤيده أن في رواية أبي داود: «فسلَّم علينا» .
وروينا من حديث أبي جُرَى الهجيمي رضي الله عنهما قال: «أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول اللَّه. قال:»لا تقل عليك السَّلام، فإن عليك السلام تحية الموتى«» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. وهو يعني: عليك السَّلام يا فلان، مشهور عند العرب في المراثي، فلذلك نهى عنه.
فصل في آداب السَّلام
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يُسلَّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» أخرجاه. وللبخاري: «والصغير على الكبير».
وروينا من حديث أبي أمامة رضي الله عنهما مرفوعًا: «إن أولى الناس باللَّه من بدأهم بالسلام» رواه أبو داود بإسناد جيِّد. ورواه الترمذي عن أبي أُمامة، قيل: يا رسول اللَّه، الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال: «أولاهُما باللَّه» . قال الترمذي: حديث حسن. وفي الحديث الأول بيان من الحق عليه أن يبدأ، وفي الثاني من الفضل له أن يبدأ.
فصل في استحباب إعادة السَّلام
على من تكرَّر لقاؤه على قرب، بأن دخل ثم خرج ثم دخل في الحال أو حال بينهما شجرة ونحوها.
روينا من حديث أبي هريرة في حديث صلاة الرجل أنه «جاء فصلَّى ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ فردَّ عليه¬ السَّلام فقال:»ارجع فصل إنك لم تُصلّ«، ثم رجع فصلى ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ، حتى فعل ذلك ثلاثا» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: "إذا لقي أحدكم أخاه فليسلِّم عليه،
فإن حال بينهما شجر أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلِّم عليه» رواه أبو داود.
فصل في استحبابه إذا دخل بيته
قد سلف فيه الآية.
وروينا من حديث أنس قال : قال لي رسول اللَّه ﷺ: «يا بُني، إذا دخلت على أهل بيتك على أهلك فسلِّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك». رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فصل في السلام على الصِّبيان
روينا من حديث أنس أنه «مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم وقال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يفعله» أخرجاه.
فصل في سلام الرجل على زوجته
والمرأة من محارمه، وعلى أجنبية وأجنبيات لا يخاف الفتنة بهنَّ وسلامهنَّ بهذا الشرط.
روينا من حديث سهل بن سعد قال: «كانت فينا امرأة. وفي لفظ: كانت لنا عجوز. تأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتُكَرْكِرُ حبَّات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا ونُسلِّم عليها فتقدمه إلينا». رواه البخاري . تُكَرْكِرُ: تطحن.
وروينا من حديث أم هانيء فاختة بنت أبي طالب قالت: «أتيت النبي ﷺ يوم الفتح وهو يغتسل وفاطمة تستره، فسلَّمت. . .» وذكر الحديث. أخرجه مسلم .
وروينا عن أسماء بنت يزيد قالت: «مرَّ علينا النبي ﷺ في نسوة فسلَّم علينا» . رواه أبو داود والترمذي وحسنَّه، واللفظ لأبي داود. ولفظ الترمذي أنه ﷺ «مرَّ في المسجد يوما وعُصبة من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم».
فصل في تحريم ابتداء الكافر بالسَّلام وكيفية الرد عليهم واستحباب السلام على أهل مجلس فيهم مسلمون وكُفار
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسَّلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطَّروهم إلى أضيقهِ» رواه مسلم.
وروينا من حديث أنس مرفوعًا: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» أخرجاه.
وروينا من حديث أسامة أن النبي ﷺ «مرَّ على ملأ فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فسلَّم عليهم النبي ﷺ» أخرجاه.
فصل في استحباب السَّلام إذا قام من المجلس وفارق جُلساءه ومجلسه.
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلِّم، فإذا أراد أن يقوم فليسلِّم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
فصل في الاستئذان وآدابه قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا : «الاستئذان ثلاث، فإن أُذن وإلَّا فارجع». ومن حديث سهل بن سعد مرفوعًا: «إنما جُعِلَ الاستئذان من أجل البصر» أخرجاهما.
وروينا من حديث ربعي بن حراش قال: «حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: أألِج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه:»اخرج إلى هذا فعلِّمه الاستئذان فقل له: قُل السَّلام عليكم، أأدخل؟ «فسمعه الرجل فقال: السَّلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل» رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وروينا من حديث كلدة بن حنبل رضي الله عنهما قال: «أتيت النبي ﷺ فدخلت عليه فلم أُسلِّم، فقال ﷺ:»ارجع فقل: السَّلام عليكم، أأدخل؟ «». رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
فصل في بيان أن السُّنة إذا قيل للمستأذن من أنت؟ أن يقول فلان، فيُسمِّي نفسه بما يُعرف به من اسم أو كنية، وكراهة قوله أنا ونحوها.
روينا من حديث أنس المشهور في الإسراء قال: قال رسول اللَّه ﷺ «ثم صَعَدَ بي جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. ثم صعد بي إلى السماء الثانية والثالثة وسائرهُنَّ، ويقال في كل سماء: من هذا؟ فيقول: جبريل» .
وروينا من حديث أبي ذر قال: «خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده، فجعلت أمشي في ظلِّ القمر، فالتفت فرآني فقال:»من هذا؟ «فقلت: أبو ذر» .
وروينا من حديث أم هانيء قالت: «أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو يغتسل وفاطمة تستره، فقال»من هذه؟ «فقلت: أنا أم هانيء» .
وروينا من حديث جابر قال: «أتيت النبي ﷺ فدققت الباب فقال:»من ذا؟ «فقلت: أنا. فقال:»أنا أنا«كأنه كرهها» متفق عليهن. وفي الأول إجابة من هذا باسمه، وفي الثاني والثالث الإجابة بالكنية بأب أو أم، وفي الرابع كراهة الإجابة بأنا.
مجلس في استحباب تشميت العاطس إذا حمد اللَّه تعالى وكراهة التشميت والعطاس والتثاوب
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن اللَّه يحب العطاس ويكره التثاؤُب، فإذا عطس أحدكم وحمد اللَّه كان حقًا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك اللَّه، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاوب أحدكم فليردَّه ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان» أخرجه البخاري. وفيه عنه مرفوعًا: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد للَّه، وليقل له أخوه. أو صاحبه: يرحمك اللَّه، فإذا قال له: يرحمك اللَّه، فليقل: يهديكم اللَّه ويصلح بالكم» .
وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: «إذا عطس أحدكم فحمد اللَّه فشمِّتوه، فإن لم يحمد اللَّه فلا تُشمِّتوه». أخرجه مسلم .
وروينا من حديث أنس قال: «عطس رجلان عند رسول اللَّه ﷺ فشمَّت أحدهما ولم يُشمِّت الآخر، فقال الرجل: يا رسول اللَّه، شمَّت هذا ولم تُشمِّتني. قال:»إن هذا حمد اللَّه وانك لم تحمد اللَّه«» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة قال: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا عَطَسَ وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غَضَّ بها صوته -شك الراوي-» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. وفيه استحباب ذلك.
وروينا من حديث أبي موسى قال: «كان اليهود يتعاطسون عند رسول اللَّه ﷺ يرجون أن يقول لهم: يرحمك اللَّه، فيقول:»يهديكم ويصلح بالكم«.» رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وروينا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فِيهِ، فإن الشيطان يدخل» أخرجه مسلم .
مجلس في استحباب المصافحة عند اللقاء وبشاشة الوجه وتقبيل يد الرجل الصالح وتقبيل ولده شفقة ومعانقة القادم من سفر وكراهة الانحناء
روينا من حديث قتادة قال:»قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ؟ قال: نعم« رواه البخاري. وفيه أن المصافحة من شأن خير أمة في خير القرون، وإنها كانت شائعة في أصحاب النبي ﷺ على عهده وبعده.
وروينا من حديث أنس رضي الله عنه قال:»لما جاء أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة« رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وروينا من حديث البراء بن عازب مرفوعًا :»ما من مسلمَيْن يلتقيان فيتصافحان إلَّا غفر لهما قبل أن يفترقا«. رواه أبو داود.
وروينا من حديث أنس رضي الله عنهما قال:»قال رجل: يا رسول اللَّه، الرجل منَّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا»، قال: أفيلتزمه ويُقبلُهُ؟ قال: «لا» قال: أفيأخذه ويصافحه؟ قال: «نعم»« رواه الترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث صفوان بن عسَّال قال:»قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي. فقال صاحبه: لا تقل نبي، إنه لو سمعك كان له أربعة أعين. فأتيا رسول اللَّه ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات«. فذكر الحديث إلى قوله:»فقبّلوا يده ورجله
وقالوا: نشهد إنك نبي» . رواه الترمذي بأسانيد صحيحة.
وروينا من حديث عائشة قالت: «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول اللَّه ﷺ في بيتي، فآتاه فقرع الباب فقام إليه رسول اللَّه ﷺ عُريانا يجُرُّ ثوبه، واللَّه ما رأيته عُريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبَّله» رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث أبي ذر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» رواه مسلم.
وروينا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قبَّل النبي ﷺ الحسن بن علي والأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدا. فنظر إليه رسول اللَّه ﷺ ثم قال:»من لا يرحم لا يُرحم" أخرجاه. آخر المجلس وللَّه الحمد.
مجلس في عيادة المريض وتشييع الميت والصلاة عليه وحضور دفنه والمكث عند قبره بعد دفنه
روينا من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول اللَّه ﷺ بسبع، فعدَّ منها عيادة المريض واتباع الجنائز» .
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «حقُّ المسلم على المسلم خمس: ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» متفق عليهما.
وروينا من حديث أبي هريرة أيضًا موفوعًا: «إن اللَّه عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعُدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مَرِضَ فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عُدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتُك فلم تُطعمني. قال: يا رب وكيف أُطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تُطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقيتُك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي» أخرجه مسلم. وفيه رتبة العيادة المتوجهة إلى الرب تعالى ووجد أنه عنده، وأي لسان يقدر على أن يُعبِّر عن هذه الرتبة؟! وفي ضِمْنه تخجيل عظيم لمن ترك ذلك وتحذير من خَسِره خسران فوائده العلمية.
وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: «عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكُّوا العاني» رواه البخاري. والعاني: الأسير، وأمر بفكه ليتبدل من ذِلَّة الرِّقِّ وضيق الحبس، وأمر بإطعام الجائع ليُزيل الألم ليقوم المهجة وتعود القوى.
وروينا من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفة الجنة». قيل: يا رسول اللَّه، وما خُرفة الجنة؟ قال: «جَنَاها» أخرجه مسلم. وفيه ذكر فوائد العيادة عاجلًا وآجلًا، وما أطيب وأكثر خرفة الجنة.
وروينا من حديث علي مرفوعًا: «ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلَّا صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يُمسي، وإن عاده عشيَّة إلَّا صلَّى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح وكان له خريف في الجنة» رواه الترمذي وحسَّنه. الخريف: التمر المخزون؛ أي المجتنى، وما أبهج هذا وأعلاه وأعظم اعتناه. وفيه تنبيه على المباردة إلى العيادة أوَّل النهار وأول الليل، فكلما كانت صلاة الملائكة أكثر كانت أبهج وأكسب.
وروينا من حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فآتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له:»أسلِم«، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول:»الحمد للَّه الذي أنقذه
من النار» أخرجه البخاري. وفيه أن من له حق خدمة وجوار ونحو ذلك ولو كان ذمِّيًّا فإنه يحل أن يُعاد كالمسلم، وفيه الإشارة على من يعوده بما هو من مصالحه كتوبة ونحوها.
فصل فيما يدعى به للمريض
روينا من حديث عائشة أن النبي ﷺ «كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قُرحة أو جُرح قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا، ووضع سفيان بن عيينة الراوي سبابته بالأرض ثم رفعها وقال:»بسم اللَّه تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا«.» أخرجاه. وفيه استعمال دواء من ريق ينفخ ويخلل وتراب يُجفَّف.
وروينا من حديث عائشة أيضًا أن النبي ﷺ «كان يعود بعض أهله، يمسح بيده اليُمنى ويقول:»اللهم رب الناس أذهب الباس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلَّا شفاؤك شفاء لا يُغادر سقما«.» أخرجاه.
وروينا من حديث أنس رضي الله عنه أنه «قال لثابت: ألا أُرقيك برقية رسول اللَّه ﷺ؟ قال: بلى. قال: اللهم رب الناس مذهب الباس، اشف أنت الشافي لا شافي إلَّا أنت شفاء لا يُغادر سَقَمًا» أخرجه البخاري.
وروينا من حديث سعد بن أبي وقَّاص قال: «عادني رسول اللَّه ﷺ فبكى، قال:»ما يُبكيك؟ «فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة. فقال النبي ﷺ:»اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف
سعدًا«.» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث عثمان بن أبي العاص أنه «شكى إلى رسول اللَّه ﷺ وجعا يجده في جسده، فقال له رسول اللَّه ﷺ:»ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: باسم اللَّه ثلاثا، وقل سبع مرَّات: أعوذ باللَّه وقدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر«.» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرار: أسأل اللَّه العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلَّا عافاه اللَّه من ذلك المرض» رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري.
وروينا من حديثه أيضًا أن النبي ﷺ «دخل على أعرابي يعوده، وكان إذا دخل على من يعوده قال:»لا بأس، طهور إن شاء اللَّه«. رواه البخاري .
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه»أن جبريل ﷺ أتى النبي ﷺ فقال:
اشتكيتَ يا محمد؟ قال:»نعم«. قال: باسم اللَّه أُرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد اللَّه يشفيك، باسم اللَّه أرقيك» رواه مسلم.
وروينا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أنهما شَهِدا على رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «من قال: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر صدَّقه ربه فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا هو وحده، قال: يقول: لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، قال: يقول: صَدَقَ عبدي، لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، قال: يقول: لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، قال: لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي، وكان يقول: من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار» رواه الترمذي وقال: حسن.
فصل في استحباب سؤال أهل المريض عن حاله
روينا من حديث ابن عباس: «أن علي بن أبى طالب خرج من عند رسول اللَّه ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول اللَّه؟ قال: أصبح بحمد اللَّه بارئا» رواه البخاري.
فصل ما يقول من أُويس من حياته
روينا من حديث عائشة قالت: «سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو مستند إليَّ يقول:»اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى«. أخرجاه. وفيه اهتمام بالمآل.
وروينا من حديثها أيضًا قالت:»رأيت رسول اللَّه ﷺ وهو في الموت وعنده قدح فيه ماء وهو يُدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: «اللهم أعني على غمرات الموت» أو: «سكرات الموت»«رواه الترمذي ، وفيه اهتمام بالحال لنزول الأوجاع.
فصل في استحباب وصية أهل المريض ومن يخدمه بالإحسان إليه واحتماله والصبر على ما يشق من أمره
وكذا الوصية عن قرب سبب موته بحد أو قصاص ونحوهما.
روينا من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه:»أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهي حُبْلى من الزنا، فقالت: يا رسول اللَّه، أصبت حدَّا فأقمه عليَّ، فدعا نبي اللَّه ﷺ وليَّها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها»، ففعل، فأمر بها نبي اللَّه ﷺ فشُكَّت عليها ثيابها ثم أمر بها فرُجِمت ثم صلى عليها« أخرجه مسلم.
فصل في جواز قول المريض: أنا وجِع أو شديد الوجع أو مَوْعُوك أو وارأساه ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن على السخط وإظهار الجذع
روينا عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال :»دخلت على النبي ﷺ وهو يُوعك، فمسسته
فقلت: إنك لتُوعك وعكًا شديدًا، فقال: «فإني أجد كما يُوعك رجلان منكم»«أخرجاه.
وروينا من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قال:»جاءني رسول اللَّه ﷺ يعودني من وجع اشتدَّ بي، فقلت: بَلَغَ بي ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلَّا ابنتي. . . «وذكر الحديث أخرجاه .
وروينا من حديث القاسم بن محمد قال:»قالت عائشة: وارأساه. فقال النبي ﷺ: «بل أنا وارأساه. . .».«وذكر الحديث. رواه البخاري .
فصل في تلقين المحتضر لا إله إلَّا اللَّه
روينا من حديث معاذ مرفوعًا:»من كان آخر كلامه لا إله إلَّا اللَّه دخل الجنة« رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا:»لقِّنوا موتاكم لا إله إلَّا اللَّه" أخرجه مسلم. أي من قارب الموت، وما أعظمه من ترغيب وأجزله من ثواب، وإنما يُلقَّن بها إذا تكلَّم من غيرها.
فصل فيما يقوله بعد تغميض الموت
وروينا من حديث أم سلمة قالت:»دخل رسول اللَّه ﷺ على أبي سلمة وقد شقَّ بصره، فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر»، فضجَّ ناس من أهله فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلَّا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقِبِه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه»«.
فصل فيما يقال عند الميت وما يقوله من مات له ميت
روينا من حديث أم سلمة مرفوعًا:»إذا حضر المريض أو الميت فقولوا خيرا؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون«قالت:»فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، إن أبا سلمة قد مات، قال: «قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عُقبى حسنة». قالت: فقلت، فأعقبني اللَّه من هو خير لي منه؛ محمد ﷺ«. رواه مسلم كذلك. ورواه أبو داود وغيره: الميت من غير شك.
وروينا عنها أيضًا مرفوعًا:»ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم أجُرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلا أجره في مصيبته وأخلف له خيرًا منها«. قالت:»فلما تُوفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول اللَّه ﷺ، فأخلف اللَّه لي خيرًا منه، رسول اللَّه ﷺ« رواه مسلم.
وروينا من حديث أبي موسى أن رسول اللَّه ﷺ قال:»إذا مات ولد العبد قال اللَّه تعالى للملائكة: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول اللَّه: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسمُّوه بيت الحمد" رواه الترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يقول اللَّه تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلَّا الجنة» رواه البخاري. والاحتساب يستلزم الكفَّ عن كلمات السخط والتكلم بما يرضي الرب تعالى.
وروينا من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: «أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت، فقال للرسول:»ارجع إليها فأخبرها أن للَّه ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمّى، فمُرها فلتصبر ولتحتسب«» وذكر تمام الحديث أخرجاه .
فصل في جواز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة
والنياحة حرام كما سيأتي في النهي إن شاء اللَّه تعالى والبكاء جائز بدونهما، والأحاديث الواردة بالنهي عنه، وأن الميت يُعذب ببكاء أهله، أوَّلَهُ على من أوصى به وعلى الذي فيه ندب ونياحة.
وروينا في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه ﷺ «عاد سعد بن عُبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص وعبد اللَّه بن مسعود، فلما دخل عليه فوجده في عاشية أهله فقال:»قد قضي؟ «قالوا: لا يا رسول اللَّه. فبكى النبي ﷺ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا، فقال:»ألا تسمعون؟ إن اللَّه لا يُعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذِّب بهذا. وأشار إلى لسانه«» .
وروينا فيهما من حديث أسماء بنت يزيد أن رسول اللَّه ﷺ رُفع إليه ابن بنته وهو في الموت ففاضت عينا رسول اللَّه ﷺ فقال له سعد: ما هذا يا رسول اللَّه؟! قال: «هذه رحمة جعلها اللَّه تعالى في قلوب عباده، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء» .
وروينا من حديث أنس أن رسول اللَّه ﷺ دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول اللَّه ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول اللَّه؟! فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلَّا ما يُرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» أخرجه البخاري، ولمسلم بعضه. والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة في الصحيح.
فصل في الكفِّ عما يرى في الميت من مكروه
روينا من حديث أبي رافع أسلم مولى رسول اللَّه ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «من غسَّل ميتا فكتم عليه غفر اللَّه له أربعين مرة» رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
فصل في الصلاة عليه وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع النساء الجنائز
قد سبق فصل التشييع.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تًدفن فله قيراطان»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين» أخرجاه.
وروينا من حديثه أيضًا مرفوعًا: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» رواه البخاري.
وروينا من حديث أم عطية قالت: «نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» أخرجاه. ومعناه: لم يشدد في النهي كما يشدد في سائر المحرَّمات.
فصل في استحباب تكثير المصلين على الجنازة وجعلهم صفوفهم ثلاثة فأكثر
وروينا في صحيح مسلم من حديث عائشة مرفوعًا: «ما من ميت يُصلُّون عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلَّا شفعوا فيه» .
وروينا فيه أيضًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم
على جنازته أربعون رجلا لا يشركون باللَّه شيئًا إلَّا شفَّعهم اللَّه فيه«.
وروينا من حديث مرثد بن عبد اللَّه اليزني قال:»كان مالك بن هبيرة إذا صلَّى على الجنازة فتقالَّ الناس عليهم جزأهم ثلاثة أجزاء ثم قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «من صلى عليه ثلاثة صفوت فقد أوجب»« رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
فصل فيما يفعل في صلاة الجنازة
يكبر أربعا؛ ثم يقرأ الفاتحة في الأولى، ثم يصلي على النبي ﷺ في الثانية ولا يفعل كما يفعله كثير من العوام قراءتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية؛ فإنه لا تصح صلاته إذا اقتصر عليه، ويدعوا للميت وللمسلمين في الثالثة، ويدعوا في الرابعة ومن أحسنه:»اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله«. والمختار أن يُطوِّل في الدعاء في الرابعة خلاف ما يعتاده أكثر الناس. وفيه حديث ابن أبي أوفى صححه الحاكم، ومما صح في الدعاء في الثالثة: حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم، وحديث أبي هريرة وأبي قتادة، قال الحاكم: حديث أبي هريرة صحيح على شرط الشيخين. قال الترمذي عن البخاري: أصح روايات هذا
الحديث رواية الأشهلي، قال البخاري: وأصح شيء في الباب حديث عوف بن مالك وحديث واثلة وأبي هريرة أيضًا في سنن أبي داود، والكل موضَّح في كتب الفروع. وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» .
فصل في الإسراع بالجنازة
روينا من حديث أبي هريرة مرفوع: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن تك سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» أخرجاه، ولمسلم: «يقدمونها عليه».
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري قال: «كان النبي ﷺ يقول:»إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني. وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلَّا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصُعِق«» أخرجه البخاري.
فصل في تعجيل قضاء الدين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلَّا أن يموت فجأة فيُترك حتى يُتيقن من موته
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «نفس المؤمن مُعلَّقة بدينه حتى يُقضى عنه» رواه الترمذي وحسَّنه.
وروينا من حديث حصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض، فآتاه رسول اللَّه ﷺ يعوده فقال: «إني لا أرى طلحة إلَّا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجِّلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تُحبس بين ظهراني أهله» رواه أبو داود.
فصل في الوعظ على القبر
روينا من حديث علي رضي الله عنه قال: كنَّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول اللَّه ﷺ فقال: «ما منكم من أحد إلَّا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة»، قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نتَّكل؟ فقال: «اعملوا، فكلٌّ مُيسَّر لما خُلِق له» وذكر تمام الحديث، أخرجاه.
فصل في الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة للدعاء له والاستغفار والقراءة
روينا من حديث عثمان بن عفان قال: «كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال:»استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل«» أخرجاه.
وروينا عن عمرو بن العاص قال:»إذا دفنتموني فأقيموا حول قبري قدر ما يُنحر جزور ويقسَّم لحمها، حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أُراجع به رُسل ربي«أخرجه مسلم . قال الشافعي: ويستحب أن يُقرأ عنده شيء من القرآن، فإن ختموا القرآن كله كان حسنا.
فصل في الصدقة على الميت والدعاء له
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ [الحشر: ١٠] الآية.
وروينا من حديث عائشة أن رجلا قال لرسول اللَّه ﷺ: إن أمي افتُلِتَت نفسها وأُراها لو تكلَّمت تصدَّقت، فهل لها أجر إن تصدَّقتُ عنها؟ قال:»نعم« أخرجاه.
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا:»إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة؛ صدقة جارية. . . « الحديث، أخرجه مسلم. ويدخل فيه ما وقفه أجنبي عليه أيضا.
فصل في ثناء الناس على الميت
روينا من حديث أنس قال:»مرُّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي ﷺ: «وجبت» ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجبت». فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيثم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض» أخرجاه. وللبخاري من
حديث عمر:»«أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله اللَّه الجنة» قلنا: وثلاثة؟ قال: «وثلاثة» قلنا: واثنان؟ قال: «واثنان» ثم لم نسأله عن الواحد«.
فصل في فضل من مات له أولاد صغار
روينا من حديث أنى مرفوعًا:»ما من مسلم يموت له ثلاثة ثم لم يبلغوا الحنث إلا أدخله اللَّه الجنة بفضل رحمته إيَّاهم«أخرجاه . ولهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا:»لا يموت لأحد من المسلميبن ثلاثة من الولد لا تمسَّه النار إلَّا تحلَّة القسم؛ أي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ « والورود هو العبور على الصراط وهو جسر منصوب على ظهر جهنم، عافانا اللَّه منها. ولهما من حديث أبي سعيد مرفوعًا:»ما منكن من امرأة تقدِّم ثلاثة من الولد إلَّا كانوا لها حجابا من النار«، فقالت امرأة: واثنين واثنين واثنين؟ فقال رسول اللَّه ﷺ:»واثنين واثنين واثنين«.
فصل في البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم وإظهار الافتقار إلى اللَّه تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك
روينا من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحجر ديار ثمود:»لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين حَذَرًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم"
أخرجاه. وفي رواية : لما مرَّ بالحجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم»، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي.
مجلس في آداب السفر
فصل في استحباب الخروج يوم الخميس واستحبابه أول النهار
روينا من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ خرج في غزوة تبوك يوم الخميس وكان يحب أن يخرج يوم الخميس» أخرجاه. وفي رواية لهما: «لقلَّما كان رسول اللَّه ﷺ يخرج إلا يوم الخميس» .
وروينا من حديث صخر بن وادعة الغامدي رضي الله عنهما أن رسول اللَّه ﷺ قال: «اللهم بارك لأُمتي في بكورها» وكان صخر تاجرًا فكان يبعث تجارته أول النهار، فأثرى وكثُر ماله« رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
فصل في استحباب طلب الرفقة وتأمرهُم على أنفسهم أحدا يطيعونه
روينا من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا:»لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده« أخرجه البخاري.
وروينا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا:»الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب". رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة وحسَّنه الترمذي.
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُغلب اثنا عشر ألفا من قلَّة» رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه.
فصل في آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر، واستحباب السرى والرفق في الدواب، ومراعاة مصلحتها وأمر من قصَّر في حقها، وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك
وروينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظَّها من الأرض، وإذا سافرتم في السَّنة فبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل» أخرجه مسلم. ومعنى «أعطوا الدواب حظَّها من الأرض»: ارفقوا بها في السير لترعى في حال سيرها، والنِّقى: المخ، أي أسرعوا حتى تصلوا المقصد قبل أن تذهب من ضنك السير، والتعريس: النزول في الليل .
وروينا من حديث أبي قتادة رضي الله عنهما قال: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا كان في سفر فعرَّس بليل اضطجع عن يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه» أخرجه مسلم. وإنما نصب ذراعه لئلا يستغرق في النوم فتفوت صلاة الصبح عن
وقتها أو عن أول وقتها.
وروينا من حديث أنس مرفوعًا: «عليكم بالدُّلجة فإن الأرض تطوى بالليل» رواه أبو داود بإسناد حسن. والدُّلجة: السير في الليل.
وروينا من حديث ثعلبة الخشني قال: «كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرَّقوا في الشعاب والأودية فقال رسول اللَّه ﷺ:»إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان«. فلم ينزل بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض» رواه أبو داود بإسناد حسن.
وروينا من حديث سهل بن عمرو الأنصاري المعروف بابن الحنظلية. وهو من أهل بيعة الرضوان. قال: «مرَّ رسول اللَّه ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال:»اتقوا اللَّه في حق هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة« رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وروينا من حديث أبي جعفر عبد اللَّه بن جعفر رضي الله عنهما قال:»أردفني رسول اللَّه ﷺ ذات يوم وأسر إليَّ حديثًا إلَّا أُحدِّث به أحدا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول اللَّه ﷺ هدف أو حائش نخل« رواه مسلم هكذا مختصرا. وزاد فيه البرقاني بإسناد مسلم هذا بعد قوله:»حائش نخل فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلمَّا رأى رسول اللَّه ﷺ حنَّ وذرفت عيناه، فآتاه رسول اللَّه ﷺ فمسح سِراته. أي سِنامه. وذفرته، فسكن فقال: «من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول اللَّه. قال: «أفلا تتقي اللَّه في هذه البهيمة التي ملَّكك اللَّه إيَّاها؟ فإنه يشكو إليَّ أنك تجيعه وتُدئبُهُ» أخرجه أبو داود كذلك.
وروينا من حديث أنس قال: «كنا إذا نزلنا منزلا لا نُسبِّح حتى نحُلَّ الرحال» رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم. معنى لا نُسبِّح: أي إنَّا مع حرصنا على الصلاة لا نُقدمها على حطِّ الرحال وراحة الدواب.
فصل في إعانة الرفيق
سلف منه حديث: «واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» .
وحديث: «كل معروف صدقة» وشبهها.
وروينا من حديث أبي سعيد الخدري قال: «بينما نحن في سفر إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ:»من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له«، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث جابر عنه ﷺ: أنه أراد أن يغزوا فقال: «يا معشر المهاجرين والأنصار، إن من إخوانكم قوما ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عقبة كعقبة»، -يعني أحدهم- فضممت إليَّ اثنين أو ثلاثة، قال: ما لي إلا عقبة كعُقبة أحدهم من جملي« رواه أبو داود. وعنه قال:»كان رسول اللَّه ﷺ يتخلَّف في المسير فيُزْجي الضعيف ويُرْدف ويدعوا لهم" رواه أبو داود بإسناد حسن.
فصل فيما يقوله إذا ركب دابة للسفر
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ الآية.
وروينا من حديث ابن عمر أنه ﷺ»كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبَّر ثلاثا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنَّا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثَاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل» وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون».«
يعني مقرنين: مطيعين، والوَعثاء بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالمثلَّثة وبالمد وهي الشِّدَّة. والكآبة بالمد وهي تغير النفس من حُزن ونحوه. والمنقلَب: المرجع.
وروينا من حديث عبد اللَّه بن سرجس قال:»كان رسول اللَّه ﷺ إذا سافر يتعوَّذ من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحَورِ بعد الكَون ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال رواه مسلم. هكذا بالنون، وكذا رواه الترمذي والنسائي. وروى بالراء كما ذكره الترمذي، ومعناهما جميعا الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص، فالنون من الكون مصدر «كان يكون كونا» إذا وُجدَ واستقر، والراء من تكوير العمامة وهو كفها وجمعها.
وروينا من حديث علي بن ربيعة قال: "شهدت عليًّا أُتِيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم اللَّه، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد للَّه، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم قال:
الحمد للَّه ثلاث مرَّات، ثم قال: اللَّه أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، ثم ضحك فقيل: يا أمير المؤمنين، من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت ثم ضحك، فقلت: يا رسول اللَّه، من أي شيء ضحكت؟ قال: «إن ربك يعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي وحسَّنه، وفي بعض النسخ تصحيحه.
فصل في تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه
روينا من حديث جابر قال: «كنا إذا صعدنا كبَّرنا، وإذا تصوَّبنا سبَّحنا» رواه البخاري.
وروينا من حديث ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبَّروا وإذا هبطوا سبَّحوا» رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وروينا من حديثه أيضًا قال: «كان النبي ﷺ إذا قفل من الحج أو العمرة كلما أوفى على ثنيَّة أو فدْفد كبَّر ثلاثا ثم قال:»لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده«أخرجاه. ولفظ مسلم:»إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة« معنى أوفى:
ارتفع، والفدفد: المرتفع من الأرض.
وروينا من حديث أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، إنى أريد أن أُسافر فأوصني. قال:»عليك بتقوى اللَّه والتكبير على كل شرف«، فلما ولَّى الرجل قال:»اللهم اطوِ له البعد، وهوِّن عليه السفر« رواه الترمذي وحسنه.
وروينا من حديث أبي موسى الأشعري قال:»كنا مع رسول اللَّه ﷺ، فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبَّرنا، ارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ: «يا أيها الناس، اربَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم إنه سميع قريب» أخرجاه. واربعوا بفتح الباء الموحدة: ارفقوا بأنفسكم.
فصل في استحباب الدعاء في السفر
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وليس في أبي داود «على ولده».
فصل فيما يدعو به إذا خاف ناسًا وغيرهم
روينا من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شروروهم» رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
فصل فيما يقوله إذا ترك منزلًا
روينا من حديث خولة بنت حكيم مرفوغًا: «من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» أخرجه مسلم.
وروينا من حديث عمر قال:»كان رسول اللَّه ﷺ إذا سافر فأقبل الليل قال: «يا أرض ربي وربك اللَّه أعوذ باللَّه من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، ومن شر ما يدب عليك، وأعوذ باللَّه من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد»« رواه أبو داود. الأسود: الشخص، وساكن البلد: الجن الذين هم سكان الأرض، والبلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل، ويحتمل كما قال الخطابي أن المراد بالوالد إبليس، وما ولد الشيطان.
فصل في استحباب تعجيل المسافر والرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا:»السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله«. نهمته: مقصوده.
فصل في استحباب القدوم على أهله نهارًا وكراهته ليلًا لغير حاجة
روينا من حديث جابر مرفوعًا:»إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلًا«وفي لفظة أنه ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا أخرجاه.
وروينا عن أنس قال:»كان رسول اللَّه ﷺ لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية" أخرجاه أيضًا.
فصل فيما يقوله إذا رجع وإذا رأى بلدته
فيه حديث ابن عمر السالف في تكبير المسافر إذا صعد الثنايا .
وروينا من حديث أنس رضي الله عنه قال: «أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كنا بظهر المدينة قال:»آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون«فلم يزل يفعل ذلك حتى قدمنا المدينة» أخرجه مسلم.
فصل في استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين
روينا من حديث كعب بن مالك: «أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين» أخرجاه. .
فصل في تحريم سفر المرأة وحدها
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها» أخرجاه.
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اُكتتِبتُ في غزوة كذا وكذا قال: «انطلق فحج مع امرأتك» أخرجاه .
مجلس في فضل قراءة القرآن
روينا من حديث أبي أمامة مرفوعًا: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» أخرجه مسلم.
وفيه إظهار العناية بحامله وتكريمه بنصبه شافعًا له بعد تحقق خوفه.
وروينا من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تَقدُمُهُ سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» .
أخرجه مسلم.
وفيه إكرامه بذلك.
وروينا من حديث عثمان مرفوعًا: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه» . أخرجه البخاري، وما أشرفه من منقبة، بها وراثة النبوة.
وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السَّفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» أخرجاه.
وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مُرٌ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مُرٌ» أخرجاه.
وفيه تحمل القارئ بروائح عطرة، وإن كان منافقًا.
وروينا من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: «إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» رواه مسلم.
فيبلغ به المولى والمملوك منازل الملوك.
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا حسد إلا في اثنين، رجل آتاه اللَّه القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه اللَّه مالا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» أخرجاه.
الآناء: الساعات.
وحق لمن نال من النفائس الغالية ما يحق لمثله أن يحسد ويغبط بمثله.
وروينا من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رجل يقرأ الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها فلما
أصبح آتي النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال «تلك السكينة، تنزلت للقرآن» .
والشَطن: بفتح الشين المعجمة، والطاء المهملة: الحبل.
وروينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: «من قرأ حرفًا من كتاب اللَّه فله به حسنه، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» رواه الترمذي وصححه.
وروينا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فما أعمر بيتًا حواه وكيف لا وقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه؟
وروينا من حديث ابن عمر ومرفوعًا: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت تُرتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها» أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح ويا لهذا من منزل عال.
فصل في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان
روينا من حديث أبي موسى مرفوعًا: «تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلها» .
وروينا من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل
المُعَقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» أخرجاهما.
فصل في استحسان تحسين الصوت بالقرآن وطلب القراءة من حسن الصوت والاستماع لها
روينا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما أذن اللَّه لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به» أخرجاه ومعنى أذن اللَّه أي استمع، وهو إشارة إلى الرضا والقبول.
وروينا من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال له: «أوتي مزمارًا من مزامير آل داود» أخرجاه.
ولمسلم: إنه قال: «لو رأيتني وإنا أستمع لقراءتك البارحة» وما أعظم هذه منقبة.
وروينا من حديث البراء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه . أخرجاه.
وروينا من حديث أبي لبابة بشير بن عبد المنذر مرفوعًا: «من لم يتغن بالقرآن
فليس منا» رواه أبو داود بإسناد جيد، ومعنى يتغنى يحسن صوته بالقرآن.
وروينا من حديث ابن مسعود قال: قال لي النبي ﷺ: «اقرأ عليَّ القرآن» فقلت: يا رسول اللَّه أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «فإني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة النساء حتي بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ قال: «أمسك» فإذا عيناه تذرفان أخرجاه.
فصل في الحث على سور وآيات مخصوصة
ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد رافع بن المعلي : «إن الفاتحة أعظم سورة في القرآن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت» أي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ معقبًا بوعظ لا تهدن أي مغْنمًا أتيناك أغنى منه.
وفيه من حديث أبي سعيد الخدري: «إن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن» وفي لفظ له: «أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟» فشق ذلك عليهم وقالوا: أيِّنا يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ ثلث القرآن" .
ولمسلم من حديث أبي هريرة: «إنها لتعدل ثلث القرآن» .
وللترمذي من حديث أنس، وقال: حسن.
وللبخاري تعليقًا أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه إني أُحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص] قال: «إن حُبها أدخلك الجنة» .
ولمسلم من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ [الفلق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ .
وللترمذي محسنًا من حديث أبي سعيد:»كان ﷺ يتعوذ باللَّه من الجان، وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلت أخذهما وترك ما سواهما«.
ولأبي داود والترمذي محسِنا من حديث أبي هريرة مرفوعًا»إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت«.
ولأبي داود:»تشفع لرجل حتى غفر له، وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] قلت: طوبي لمن قرأها كل ليلة.
وفي الصحيحين من حديث أبي مسعود مرفوعًا: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» قيل: كفتاه عن كل مكروه، وقيل: عن قيامها، ويجوز أن يكون عنهما.
ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا:»لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة«. وإذا كان هذا شأن البيت فما ظنك بالقارئ.
وله من حديث أُبي بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ :»يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟ «قال: قلت اللَّه ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟، قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، قال: فضرب في صدري وقال واللَّه ليهنك العلم أبا المنذر».
وفي البخاري من حديث أبي هريرة لمَّا وكله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، وأتاه آت. . وذكر الحديث، وفيه أنه قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من اللَّه حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال ﷺ: «أما إنه صَدَقك وهو كذُوب» .
ولمسلم من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من الدجال» .
وله أيضًا: «من آخر سورة الكهف».
وله من حديث ابن عباس أنه ﷺ نزل عليه ملك لم ينزل عليه قط إلا اليوم فسلَّم وقال: «أبشر بنورين أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيته» .
فصل في استحباب الاجتماع على القراءة
روينا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده» أخرجه مسلم.
مجلس في فضل يوم الجمعة ومتعلقاته
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وهو مؤذن بقبول الزيارة والدعاء والعبادة والربح في التجارة بعدها إذ الابتغاء يتناول الكل.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها» فهو خير أيام السنة، وخُصِ بعظائم الأمور التي منها مبدأ النوع الإنساني وتكريمه بالجنة وإخراجه إلى دار التشريف بخطاب التكليف.
وفيه من حديثه أيضًا مرفوعًا: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غُفرَ له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا» .
وفيه من حديثه أيضًا مرفوعًا: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .
وفيه من حديثه ابن عمر أيضًا:»لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمنَّ اللَّه على قلوبهم ثم ليكونَنَّ من الغافلين«.
وفي الصحيحين عن ابن عمر:»إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل«.
ومن حديث أبي سعيد الخدري: غسل الجمعة واجب على كل مُحتلِم» أي متأكد على كل بالغ.
وروينا في سنن أبي داود، وجامع الترمذي وحسَّنه من حديث سمرة مرفوعًا: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغُسل أفضل» .
وفي صحيح البخاري عن سلمان مرفوعًا: «لا يغتسل الرجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طُهر، ويدَّهِنُ من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يُفرِّق بين اثنين، ثم يُصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» .
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرَّب بدنة» الحديث.
أي غُسْلًا كغسل الجنابة في الصفة.
وفيهما عنه مرفوعًا: ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يُصلي يسأل اللَّه تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه» وأشار بيده يُقلُلها .
وفي مسلم من حديث أبي بردة عن أبيه مرفوعًا: «إنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة» .
وفي سنن أبى داود بإسناد صحيح من حديث أوس بن أوس مرفوعًا: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلائكم معروضة عليَّ» .
فصل في يوم الجمعة فضائل
أولها: أن من (حضر) فيه إملاك رجل مسلم كان كمق صام يومًا في سبيل
اللَّه، واليوم بسبعمائة.
ثانيها: أنه أفضل من يوم عرفة في وجه.
ثالثها: أن ليلته أفضل من ليلة القدر. في رواية عن أحمد.
رابعها: أن صلاته أحب إلى ابن عباس وسعيد بن جبير من حج التطوع، فيما رواه عنهما ابن عساكر بإسناده.
خامسًا: أن من مات فيه أو في ليلته وُقِيَ فتنة القبر وعذابه ولقى اللَّه لا حساب عليه وأعتق من النار.
سادسًا: أن من صلى فيه على رسول اللَّه ﷺ ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة.
سابعًا: أن فيه ساعة الإجابة.
وفيها سبعة وعشرون قولًا.
وروى فيه كعب الأحبار سبعة أشياء: خلق آدم وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، والتوبة عليه، وقيام الساعة، وبعث موسى، وإخراج يوسف من الجُب.
[٢ / ٩٤]
مجلس مهم في فضل الصلوات ومتعلقاتها
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ .
الفحشاء: ما وضح قبحه كأنواع الفسوق والعصيان.
والمنكر: ما لم يعرف شرعًا كالمحدثات.
فمن لم تنهه صلاته عن ذلك فليس بصلاة، لكن الراعي بصدد الزجر، ومن شأنها أن يوجد ذلك لاسيَّما إِذا كان متلبسًا بها.
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا : «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقي من درنه شيء؟».
قالوا: لا يبقى من درنه شيء.
قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو اللَّه بهن الخطايا».
وثبت في صحيح مسلم من حديث جابر: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غَمْرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات» .
والغَمْر: بالعين المعجمة الكثير أنها كأبلغ نهر مطهر.
وثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية. فقال
الرجل: إليَّ هذا؟ قال: «لجميع أمتي» .
فالتضاد مانع من الاجتماع والإحباط، «فرحمتي غلبت غضبي».
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إِلى رمضان مكفرات ما بينهن، إِذا اجتنبت الكبائر» ومن حديث عثمان بن عفان مرفوعًا: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إِلَّا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» .
لا لخصوصية مكان ولا زمان ولا شخص ولا حال فالإحسان زائد وتعميم التكفير متزايد.
وقال عبد اللَّه بن مسعود: «ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع بابه يفتح له».
مجلس في فضل صلاة الصبح والعصر
ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى مرفوعًا: «من صلى البردين دخل الجنة» .
(وهما هما) فحصلت له العيشة المرضية.
ومن حديث أبي هريرة: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهو يصلون وأتيناهم وهم يصلون» .
ومن حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبُوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا» .
لتروا ربكم أتم رؤية.
ولم يعبر بالصبح لِلَطائف نظرية للفطن العارف. ومن ألطفها تفهم العوام أن
وجود الشمس ليس مفضيًا للتعهد بدليل ما قبل طلوعها، وليس مانعًا منه، بدليل غروبها، أي وجهت وجهي. وأي مقام أعلى من هذا المقام، وكمال أسنى من هذا الاهتمام.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي زهير عمارة بن رؤيبة مرفوعًا: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني الفجر والعصر ولا راحة أعظم من السلامة منها، وقطع المفاز ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
ومن حديث جندب بن سفيان مرفوعًا: «من صلى الصبح فهو في ذمة اللَّه، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنَّك اللَّه من ذمته بشيء» وإذا صار إلى هذا المقام أعني في جوار الملك العلام زال الضرر وحصل له الفوز وكمال الظفر.
وثبت في صحيح البخاري من حديث بريدة مرفوعًا: «من ترك صلاة العصر حبط عمله» .
وما أشد هذا من اهتمام، اللهم ألهمنا المحافظة عليها يا علَّام.
مجلس في فضل الوضوء
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، إلى قوله ﴿تَشْكُرُونَ﴾ أي ليزيدهم من فضلة، وما أحسن هذا من مشافهة.
الهيئة، ناداهم بوصف الإيمان وطلب إقبالهم عليه واستجابتهم لما دعاهم لما يحييهم ويصيروا أعلام الأعلام.
وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم إن يطيل غرته فليفعل» .
أي ليحصل له كمال الحلل النورآنية.
وثبت في صحيح مسلم من حديثه: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» أي لينال الأساور العرفانية، لا جرم ذكر المؤمن من الحلية والأمة مع العزة.
ومن حديث ابن عفان مرفوعًا: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره» ومن حديثه أيضًا قال: «رأيت رسول اللَّه ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال:»من توضأ هكذا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة«» وغير هذا بالغفران، وفيما قبله بالخروج وهنا بالذنب، وهناك
بالخطيئة. ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا : «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيًا من الذنوب» وهذا تفصيل لما أُجمل أولًا. وفيه من المبالغة والتوكيد ما ليس بغيره من (الملأ) .
ومن حديثه أنه ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، وددت إنَّا قد رأينا إخواننا» قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول اللَّه؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول اللَّه؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلًا له خيل غير محجلة بين ظهري خيل دُهم بُهم، ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «فإنهم يأتون غُرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطُهُم على الحوض» .
قلت: أي الموصوف بكوثر الخير وكفى به فرطًا.
ومن حديثه أيضًا: «ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط» .
ففيه رفع الدرجات بين طوائف الأمم السالفات، ثم منازل الجنة تبع لذلك، والمنازل الرفيعات.
ومن حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا «الطهور شطر الإيمان» أي ينتهي تضعيف أجره إلى أن يكون في الميزان كنصف أجر الإيمان.
وحديث البطاقة كاشف عن درايته وعظيم قدرها وكرامة الجنة ونعيمها تبع لذلك.
وهو حديث عظيم مشتمل على أنواع من الخيرات وقد سلف في الصبر بطوله.
ومن حديث عمر مرفوعًا: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ. أو فيسبغ. الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبد اللَّه ورسوله إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» زاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين».
وفيه من العناية والإكرام ما لا يحصى من الإنعام ومناسبته لرفع الدرجات ومضاعفة الأجور الكثيرات وللَّه منح ومواهب وعطايا وسوالف.
وحاصل ما ذكرناه من الأحاديث ومهمها على ما يثمره الوضوء من النفع والكمال.
فالنفع راحة أو تمتع بلذة، والكمال ثلاثة أشعة أنوار الصفات الإلهية، والتزين بأنواع الحلي من الحقائق التوحيدية ومعاني التجليات الأحدية الذاتية، والواحدية الصفاتيه، وما يترتب على ذلك من الرهبة والربوبية والملكة فحلل أنوار الأحوال والمواهب والأخلاق والمكاسب وحلي الحقائق الكسبية والمعارف الذوقية نائلة لفاعل ذلك، فقدره حق اليقين بحد نفعه يوم الدين.
مجلس في فضل الأذان
ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهُما ولو حبوًا» .
الاستهام: الاقتراع.
والتهجير: التبكير إلى الصلاة وعدم علمهم يحتمل لعدم تعلُّمِهُم، والظاهر أنه لكلال كثير من الأفهام عما فيه من الفضل الخارج عن الطاقة البعيد عن الحصر والإحصاء. وثبت في صحيح مسلم من حديث معاوية مرفوعًا «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» .
أعناقًا: بفتح الهمزة على حقيقته.
ومن رواه بكسرها أراد إسراعًا، ويبعد قوله أطول.
ومن فسره بالأعمال والاتباع فأبعد.
والمراد بيان أنهم سادة، وأن لهم من الكرامة ما يباين حال الخاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي أو من أن يلجمهم العرق، فشأنهم رفيع رحمة لهم وكرمًا.
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال لعبد
الرحمن بن أبي صعصعة : «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك. أو باديتك. فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدي صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه ﷺ.
وخلق التمييز في هذه الأشياء ليس على اللَّه بعزيز، وإنطاق الكافر به حجة عليه وتشريفًا للمؤذن.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا نودى بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل حتى إذ ثُوب للصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكُر كذا، اذكُر كذا لما لم يكن حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى» .
والتثويب: الإقامة قبل إدباره حتى لا يسمع فيشهد والأظهر لِعِظَمِ أمره لاشتماله على قواعد التوحيد، وإعلان الدين وإظهار شعائر الإسلام.
ويؤيده حديث: «إذا تغولت الغيلان فأعلنوا الأذان» .
وروينا في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى اللَّه عليه بها عشرا، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة» .
وأخرجا صدره من حديث أبي سعيد بلفظ «فقولوا كما يقول» .
قلت: فيحصل له الراحة من كرب المؤجل وإغلاق الغضب وإحراز الخيرات.
وروينا في صحيح البخاري من حديث جابر رفعه: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتى يوم القيامة» وهذا ظاهر في إجابة الأذان والاعتناء بهذا الدعاء عقبه ليحصل الفوز والامتنان.
وروينا في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت باللَّه ربًا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غُفر له ذنبه» .
قلت: وأي راحة أعظم من ذلك وسعادة أبلغ مما هنالك، وقد زال الخوف، والقلق، ونامت العين، وزال الأرق.
وروينا في جامع الترمذي محسنًا وسنن أبي داود من حديث أنس مرفوعًا: «الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة» فليكثر المؤمن من ذكر حاجاته، فالكريم
معطاه، وبابه مفتوح.
وحاصل ما ذكرناه من الأحاديث أن الثلاثة الأول لها تُرغِّب في مباشرته، والباقي في فضائله ومتعلقاته ومدارها على مهمين: بيان ما يثمره الأذان من كمال ونفع، والبيان إجمالي كما في الحديث الأول، وتفصيلي كما في باقي الحاديث، وكما له رفعة شأن ولسان صدق، فالأول في الحديث الثاني، والثاني في الثالث، وكمال الأذان في نفسه في الرابع، ونفعه أمن وسرور، من الأمن والراحة إدبار الشيطان وتباعده من محل الأذان ستة وثلاثين ميلًا، وقد أُذِّن عند بعض المحتضرين وما أحسنه يسلم من الوسواس فيختم له (بالأساس) .
فصل في المشى إلى المساجد
روينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد اللَّه له في الجنة نُزلًا كلما غدا أو راح» .
وروينا في صحيح مسلم من حديثه أيضًا مرفوعًا: «من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت اللَّه ليقضي فريضة من فرائض اللَّه، كانت خطوتاه إحداهما تَحُطْ خطيئة، والأخرى ترفع درجة» .
وروينا فيه أيضًا من حديث كعب قال: كان رجل من الأنصار لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول اللَّه ﷺ: «قد جمع اللَّه لك ذلك كله» .
وروينا فيه من حديث جابر قال: «خَلَت البقاعُ حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لهم:»بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد«قالوا: نعم، يا رسول اللَّه، قد أردنا ذلك. فقال:»يا بني سلمة دياركم تُكتَب آثاركم، دياركم تُكتَب آثاركم«فقالوا: ما كان يسُرنا أنَّا كنا تَحولنا» .
وروى البخاري معناه من رواية أنس.
وروينا فيهما من حديث أبي موسى مرفوعًا: «إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر. . الحديث» .
وروينا من حديث بريدة مرفوعًا: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» .
وروينا في الترمذي محسنًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية .
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا «ألا أدُلكُم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» .
وهذه الأحاديث خلاصتها حُملت على جلب المنافع ورفع المضار فالأول إعداد المنزل وياله من لذَّة.
وفي الحديث الثاني رفع الدرجات وما أعظمه من ملذة، وفي الثالث تكثير الحسنات، وكذا الرابع وهو أعم من المشى والركوب، وفي الخامس أن بُعد المشى يحصل للفوز بالأجر ودفع المضار كما في الحديث السادس؛ لأن بالنون يحصل دفع حرف السقوط في المهاوي.
وكذا السابع، فيحصل دفع المضار بمحو الخطايا وهو كالأساس لشمول المحو، ما إذا كان لسبب البعد، وبسبب التكرير مرة بعد أخرى، وفي الأخير يحصل به لسان صدق، وفي ضمنه كف اللسان عما يجب كفه عن أهل الإيمان واللَّه الهادي لقوى الأركان.
فصل في انتظار الصلاة
قد أسلفنا حديث أبي هريرة فيه آنفًا.
وروينا في الصحيحين من حديثه أيضًا مرفوعًا: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» .
وروينا في صحيح البخاري من حديثه أيضًا مرفوعًا: «الملائكة تُصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» .
فالمنتظر يحصل له، كمالان: أجر المصلى وإن طال الزمن كشطر الليل كما سيأتي، وصلاة الملائكة عليه.
وروينا في جامع الترمذي من حديث أنس أنه ﷺ أخَّر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل، ثم أقبل بوجهه بعدما صلى فقال: «صلى الناس ورقدوا ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها» .
فصل في فضل صلاة الجماعة
روينا في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» .
وروينا فيهما من حديث أبي هريرة خمسًا وعشرين ضعفًا«.
وفرق بين الضَّعف والدرجة.
وروينا في صحيح مسلم من حديثه أيضًا: أتى رسول اللَّه ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول اللَّه إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه ﷺ أن يُرخص له فيصلي في بيته، فرخص له ، فلما وَلَّى دعاه فقال:»هل تسمع النداء بالصلاة؟ «فقال: نعم. قال:»فأجب«.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث عبد اللَّه ابن أم مكتوم، وقيل: عمرو أنه قال: يا رسول اللَّه إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال: «تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟» قال: نعم.
قال: «فحي هلا» أي تعال.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمُر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤُم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحرِّق عليهم بيوتهم» .
وروينا في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ علمنا سنن الهدى ومن سنن الهدى، الصلاة في المسجد الذي يُؤَذَّن فيه وله رواية أخري أطول من هذه.
وروينا في سنن أبي داود، وصحيح الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية» وحاصل هذه الأحاديث بيان عظم أجرها وتأكد أثرها، وما في تركها من الخطر وترك الترخيص مع كثرة الهوام والسباع،
والمهمة النبوية بتحريق بيت تاركها عليه، وإن تاركها تارك السُّنة المحمدية، واستحواذ الشيطان على من لم يقم بها، وأي مصيبة من استحقاق الحريق والضلال واستحواذ الشيطان نسأل اللَّه العصمة والغفران.
فصل في الحث على حضور الجماعة في الصبح والعشاء
روينا في صحيح مسلم من حديث عثمان مرفوعًا: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» ، رواه الترمذي وقال حسن صحيح بلفظ: «من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة» وهي توضحها.
وقد سلف حديث أبي هريرة: «ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» .
وروينا في الصحيحين من حديثه أيضًا مرفوعًا: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهُما ولو حبوًا» .
وهذه الأحاديث دالة على إحراز عظيم الأجر المفصل والمجمل والتمييز بمواظبتها على المنافق.
فصل في الآمر بالمحافظة على المكتوبات والنهى الأكيد والوعد الشديد في تركهن
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية.
وروينا في الصحيحين من حديث ابن مسعود: سألت رسول اللَّه ﷺ أي الأعمال
أفضل؟ قال:»الصلاة على وقتها« الحديث.
وفيهما من حديث ابن عمر مرفوعًا:»بنى الإسلام على خمس« وعدَّ منه إقام الصلاة، وفيهما من حديثه: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة» الحديث.
وفيهما من حديث معاذ بن جبل: فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات الحديث.
وفي صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» .
وفي جامع الترمذي قال: حسن صحيح عن بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» .
وفيه عن شقيق بن عبد اللَّه التابعي بإسناد صحيح قال: كان أصحاب محمد ﷺ
لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة«.
وفيه محسنًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامه من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب عز وجل: انظروا أهل لعبدى من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على ذلك» وحاصلها أن الصلاة أفضل الأعمال وأحد مباني الإسلام ودعائمه العظام، وعصم الدم والمال، وثانية التوحيد فيما يدعى إليه الأنام وتركها كُفر، وهو بين الكُفر والشرك ، وفسادها سبب الخيبة والخسران.
فصل في فضل الصف الأول
والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها.
روينا في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: «ألا تصفون كما تُصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول اللَّه، وكيف تُصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يُتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف» .
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يَجدُوا إلا أن يستهمُوا عليه لاستهمُوا» .
وفي صحيح مسلم من حديثه مرفوعًا: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرُها أولها» وفيه من حديث أبي سعيد أنه ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: «تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم اللَّه» ، وفيه من حديث أبي مسعود: كان رسول اللَّه ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونَهُم ثم الذين يَلونَهُم» .
وروينا في الصحيحين من حديث أنس مرفوعًا: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» .
وفي رواية للبخاري «من إقامة الصلاة» وفيهما واللفظ للبخاري من حديثه أيضا قال: أُقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول اللَّه ﷺ بوجهه فقال: "أقيموا صفُوفكُم
وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري» .
وفي رواية للبخاري: «وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه» .
وروينا فيهما أيضًا من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «لتسوُّن صفُوفكُم، أو ليخالفنَّ اللَّه بين وجُوهكُم» .
وروينا في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: كان رسول اللَّه ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» وكان يقول: «إن اللَّه وملائكته يصلون على الصفوف الأول» .
وفيهما أيضًا بإسناد صحيح من حديث ابن عمر: «أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسُدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم» لم يقل عيسى: «بأيدي إخوانكم ولا تذروا فُرُجات للشيطان، ومن وصل صفًا وصله اللَّه، ومن قطع صفًا قطعه اللَّه» .
وفيهما بإسناد على شرط مسلم من حديث أنس رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحَذَف" أي غنم صغار سود تكون باليمن.
وفيهما بإسناد حسن عنه «أتموا المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر».
وفيهما أيضًا بإسناد على شرط مسلم من حديث عائشة: «إن اللَّه وملائكته يصلون على ميامن الصفوف».
وفيهما من حديث أبي هريرة: «وسطوا الإمام وسدوا الخلل» .
وفي صحيح مسلم من حديث البراء كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: «رَبٌ قنى عذابك يوم تَبعثُ عبادك» . وحاصل هذه الأحاديث فضل إتمام الصفوف وفضل أولها وتسويتها وتراصِّها وميامنها وتوسط الإمام والترغيب في إتمامها والأمر والتحضيض وهما في الحديث الثالث عشر.
والأول والثاني مرغب في الصف الأول إجمالًا والثالث تفصيلًا: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ [الحجر: ٢٤]، والتهاون عن تخالف القلوب اعتقادًا وتباغضًا كما في الحديث الخامس.
وإحراز إتمام الصلاة وإقامتها المطلوبة كما في السادس، والحرص على تحسين ما يحب اللَّه ورسوله كما في السابع، والاحتراز عن المخالفة بين الوجوه، وسحائم
المخالفة بين القلوب كما في الثامن. والترغيب فيما كان الشارع يعتني به أشد الاعتناء كما في التاسع.
ومن اعتنائه تخللها من صف إلى صف كما في العاشر امتثالًا للأوامر الشريفة من إقامة الصفوف ومحاذاة المناكب، والحذر من ترك فرجات الشيطان كما في الثاني عشر.
والترغيب في ميامن الصفوف كما في الرابع عشر والتيمن بوجه الإمام أول إقباله عليهم كما في الأخير.
فصل في فضل السنن الراتبة مع الفرائض
وبيان أقلها وأكملها وما بينهما أي أوسطها وغير ذلك مما يتعلق به.
روينا في صحيح مسلم عن أم حبيبة رملة أم المؤمنين مرفوعًا: «ما من عبد مسلم يصلي للَّه تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى اللَّه له بيتًا في الجنة، أو إلا بُنِيَ له بيت في الجنة» .
ويا بشرى من وقع له ذلك، فإنه دال على حُسن الخاتمة.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: «صل ركعتين قبل الظهر ومثلهما بعدها، وركعتين بعد الجمعة وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء» .
وفيهما من حديث عبد اللَّه بن مغفل الأمر بركعتين قبل المغرب .
وفي البخاري من حديث عائشة كان لا يدع أربعًا قبل الظهر .
وفي مسلم فعلها أيضًا.
وفي أبي داود والترمذي وقال: حسن صحيح من حديث أم حبيبة: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه اللَّه على النار وفيه من حديث عائشة أنه لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر .
وفي البخاري عنها: كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة .
وفي مسلم عنها:»ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها وإنهما أحب إليَّ من الدنيا جميعها«.
وفي أبي داود بإسناد جيد من حديث بلال في ركعتي الفجر:»إنك أصبحت جدًا«، قال: لو أصبحت أكثر مما أصبحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما» .
وفي الصحيحين من حديث عائشة وغيرها تخفيفهما، وفي مسلم من حديث ابن عباس أنه كان يقرأ في الأولى منهما ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]
الآية التي في البقرة»وفي الثانية ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ وفي رواية له وفي الثانية التي في آل عمران ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية .
وفيه من حديث أبي هريرة: قراءة سورة الإخلاص فيهما .
وفي الترمذي محسْنًا من حديث ابن عباس: «رَمقت رسول اللَّه ﷺ شهرًا يقرأهما فيهما» والكل سُنة.
ويستحب الاضطجاع بعدهما على جنبه الأيمن فقد صحت الأحاديث فيه وسواء كان تهجد بالليل أم لا؛ ففي البخاري من حديث عائشة: «أنه كان إذا صلى الفجر اضطجع على شقه الأيمن» .
وفي مسلم عنها فعله لها وكان تهجد ليلًا، وفي أبي داود وللترمذي من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح : «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» قال الترمذي: حسن صحيح.
فرع: في جامع الترمذي محسَّنًا من حديث عبد اللَّه بن السائب أن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح» .
قلت: وهذه سُنة الزوال، ومتى أُخرَت عن أوائله فاتت. والنووي في رياضه جعلها مضافة إلى رابعة الظهر، لكن بوَّب باب سنة الظهر.
فرع: في جامع الترمذي من حديث عائشة وقال: حسن، أنه ﷺ كان إذا لم يصلي أربعًا قبل الظهر صلاهُن بعدها .
فرع: في جامع الترمذي من حديث علي أنه ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعًا بتسليم .
وفي أبي داود من حديث عمر: «رحم اللَّه امرءًا صلى قبل العصر أربعًا» وقال في كل منهما حديث حسن.
وفي أبي داود من حديث علي أنه ﷺ كان يصلي قبل العصر ركعتين .
فكلٌّ سنة، ويا سعادة من دخل في دعوته الجامعة.
فرع: في سُنَّة العشاء قبلها، فيه حديث: «بين كل أذانين صلاة» .
فرع: ثبت بعد الجمعة أربع وأنها في البيت وركعتان وكل النوافل كذلك إلا ما استثنى.
وقال الغزالى: ست ركعات بعدها.
فرع: يستحسن أن ينتقل للنفل من موضع فرضه، أو الفصل بينهما بكلام، كما أخرجه مسلم من حديث معاوية.
فرع: الوتر محثوث على فعله وهو سُنَّة ووقته ما بين فعل الفريضة والفجر.
ومحل الخوض في ذلك في كتب الفروع.
فصل
روينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «أوصاني خليلي بركعتى الضحى» .
فينبغي المداومة عليهما عملًا بالوصية النبوية.
وفي مسلم من حديث أبي ذر: أنها تجزئ عن جميع صدقات السلاميات .
وفيه من حديث زيد بن أرقم: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» .
فصل
روينا في الصحيحين من حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إذا دخل أحدكم المسجد يجلس حتى يصلي ركعتين» .
ومن حديث جابر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: «صلي ركعتين» .
فصل في استحباب ركعتين بعد الوضوء
فيه قصة بلال مع رسول اللَّه ﷺ أخرجاه.
فصل في سجود الشكر
فيه حديث سعد بن أبي وقاص في سنن أبي داود.
فصل في فضل قيام الليل ومتعلقات القيام
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ .
أمر اللَّه تعالى أحب الخلق إليه وأكرمهم لديه به وتقديم «من الليل» مُشعر بالاهتمام بشأنه وتفخيم قيامه ومادته مُشعرة برفض النوم وإن شقَّ على النفس. فالليل وقت المناجاة، واقتطاف ثمار وصال الأحبة وهو رأس مال المريد، وبه يحصل المزيد، ومعنى «نافلة لك» زيادة في الربح والفضل.
و﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] لا مرغب مثله، إذ أمر يرجى به ذلك يقبل علمه، ولا يُفرِّط ولهان لديه، ويهتم به أشد الاهتمام ويعول عليه.
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية وهذا مدح منه لهم تعالى.
ويتحيل بأن لا مؤمن بآياته سواهم، فالمهمة إليهم تتعالى، وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] بيان أن ذلك لاحق منهم ولا أهم وأعنى بالعبادة.
وقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ما أحسنه من أجر، وما ألطفه من وفاء، وما أدهشه وأطربه وأرقصه وأهيجه وأعجبه، وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ [الذاريات: ١٧].
وروينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول اللَّه وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» .
وعن المغيرة نحوه. أخرجاه.
وكان يقتضي المداومة أو الأكثرية.
والتَّفطُّر: التشقق وهو أبلغ من التورّم، لأن التورّم مبادئه.
وفي قوله: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».
الإشعار بمزية قيام الليل على غيره من العبادات.
وروينا فيهما من حديث على أنه ﷺ طرقهُ وفاطمة ليلًا وقال: «ألا تصليان» طرَقهُ: أتاه ليلًا.
وفيه اهتمام شديد بأمرهما وحثهما على الصلاة والاستنكار لتركه وتعجب من الإخلال به .
وروينا فيهما أيضًا من حديث سالم عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: «نعم الرجل عبد اللَّه، لو كان يصلي من الليل» .
قال سالم: فكان عبد اللَّه بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا.
فتمنى ذلك له، فدل على الاعتناء به وقد جَدَّ فيه، ومن حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا «يا عبد اللَّه لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل» .
يحتمل إنه كان يقومه كله، فمل فترك ما وظَّفه على نفسه أو تركه جملة من باب من طلبه كله فاته كله، ويحتمل أنه ترك القيام، فلا تك مثله في الترك.
وروينا فيهما من حديث ابن مسعود قال: ذُكِرَ عند رسول اللَّه ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه» أو قال: «في أذنه» .
يحتمل منعه ذلك عن القيام وذمَّه لتعاطي ما يُمكِّن به منه الشيطان حتى عطَّل عليه الخير العظيم.
ويحتمل أن نومه سبب بول الشيطان، وغير خاف أن بوله مفسد لقوة السمع النافع من قرآن وغيره، وإنها لمصيبة ما مثلها: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ [الشعراء: ٢١٢].
ورواية البخاري مؤذنة بأن الرجل لم يُصلِّ العشاء نفسها. وروينا فيهما أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عُقد إذا نام بكل عقدة يضرب: عليك ليل طويل، فإذا استيقظ فذكر اللَّه انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت العقد، فأصبح نشيطًا طيِّب النفس وإلَّا أصبح خبيث النفس كسلان» .
قافية الرأس آخره.
والنشاط ذكر للترغيب في القيام، كما أن ضده للتنفير من تركه المفسدة بالخبث للنفس الباطنة وبالكسل للأعضاء الظاهرة.
وروينا في جامع الترمذي وقال حسن صحيح من حديث عبد اللَّه بن سلام قال: «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام» .
وما أحسن هذا وأجمعه للسعادتين الشامل لهما قوله ﷻ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ناهيك به فوزًا.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل» .
وروينا في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: «صلاة الليل مثنى، فإذا خِفْتَ الصبح فأوتر بواحدة» .
المراد الركعات، ويبعد إرادة الذكر والدعاء بدليل باقى الحديث.
وروينا فيهما من حديثه أيضًا: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة .
وروينا في صحيح البخاري من حديث أنس قال: «كان رسول اللَّه ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاءُ أن تراه من الليل مصلِّيًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته» .
فيحتمل كان يكثر منهما، ويحتمل أنه كان يفعل نشاطه.
وروينا فيه من حديث عائشة أن رسول اللَّه ﷺ «كان يصلي إحدى عشرة ركعة يعني في الليل، يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة» .
وهذه الإحدى عشرة الظاهر أنها كانت صلاته كلها، ويحتمل أن يكون الوتر الذي خاتمه التهجد.
ويبعده حديث عائشة الآتي على الوتر.
وروينا في الصحيحين من حديثها أيضًا، قالت: «ما كان رسول اللَّه ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطُولهنَّ، ثم يصلي ثلاثًا»، قالت عائشة: «يا رسول اللَّه أتنام قبل أن توتر؟»، فقال: «يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي».
وروينا فيهما أيضًا من حديثها أنه ﷺ كان ينام أول الليل ويقوم آخره فيصلي .
وهو دال على أفضلية الأخير.
وفيهما أيضًا من حديث ابن مسعود قال: صلَّيت مع رسول اللَّه ﷺ، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت؟
قال: أن أجلس وأدَعَه أي من الزيادة في التطويل.
وروينا في صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنهما قال: صلَّيت مع رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم
ركع فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم» فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع اللَّه لمن حمده» ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: «سبحان ربي الأعلى» فكان سجوده قريبًا من قيامه.
وروينا فيه أيضًا من حديث جابر قال: سُئل رسول اللَّه ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» .
المراد بالقنوت القيام لأن ذكره القرآن هنا، وهى أفضل الأذكار، وأربية الساجد لا تُعارضه فالمزية لا توجد الأفضلية، ويزيل أثر السهر والسآمة ما سبق من التسبيح والسؤال والاستعاذة، وكفى بذلك (أفضلية) .
وروينا في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: «أحب الصلاة إلى اللَّه صلاة داود ﷺ وأحب الصيام إلى اللَّه صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سُدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا» .
ووجهه أن بنومه السدس يذهب أثر السهر رأسًا.
وروينا في صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: «إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللَّه خيرًا من أمر الدنيا والآخره إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة» .
ومن حديث أبي هريرة كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين .
قلت: يحتمل أن تكون سنة الوضوء أو نافلة مطلقة أو من جملة العدد السالف.
ومثله حديث عائشة قالت: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» .
أخرجه مسلم أيضًا.
وروينا فيه أيضًا من حديثها قالت: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة» .
وإنما زاد واحدة على الإحدى عشرة من أجل أن صلاة النهار لا وتر فيها مروى.
ومن حديث عمر مرفوعًا: «من نام عن حزبه أو شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل» .
قلت: ولا مانع من أن يراد بالقراءة الصلاة وبعد صلاة الفجر إنما تكره صلاة لا سبب لها.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «رحم اللَّه رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم اللَّه امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» لأنه مزيل للنوم، ولا شك في إجابة هذا الدعاء.
وروينا فيهما أيضًا بإسناد صحيح من حديثه، ومن حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعًا كُتب في الذاكرين والذاكرات» .
وروينا في الصحيحين من حديث عائشة مرفوعًا: «إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسُبَّ نفسه» .
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريوة مرفوعًا: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع» .
فصل في استحباب قيام رمضان ويحصل بالتراويح
روينا في الصحيحين من حديث أبي هريوة مرفوعًا: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» .
وروينا في صحيح مسلم من حديثه أيضًا: كان رسول اللَّه ﷺ يُرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه» .
فصل في فضيلة قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ إلى آخر السورة، وسميت ليلة القدر - أي ليلة الشرف أو التي فيها المقادير الجسام ، وهى خير من ألف شهر لا من ألف ليلة مثلها، بل من ثلاثين ألفًا، والإذن لشرف البشر المعظم شأنهم، وكلها سلام إما كثرته، وإما السلامة من كل آفة، فهى طالع مقبل ووقت سعيد.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآيات، وهى ليلة القدر على الأصح.
وقيل: ليلة نصف شعبان، وسياق الآية يرده.
وروينا في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه» ومن أرجى لياليها السبع الأواخر. أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ، بل والعشر كلها كما أخرجاه من حديث عائشة
وأرجاها أوتاره كما في حديثها في صحيح البخاري .
وقد قيل إنها في كل ليلة من ليالي العشر الأخير، لكن ليالي الوتر أرجاها.
فرع: ليلة القدر أفضل ليالي السنة، وهى مختصَّة بهذه الأمة ولم تكن لمن قبلنا.
وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر قال:»يا رسول اللَّه أخبرني عن ليلة القدر في زمن الأنبياء ينزل الوحي عليهم فاقبضوا رُفعت؟
قال: «بل هى إلى يوم القيامة» .
فرع: علامتها أنها ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، وأن الشمس تطلع في ذلك اليوم لا شعاع لها.
ثم قال: وقد روى في حديثين ضعيفين في صفة الهواء ليلة القدر فقال في أحدهما: «إنها ليلة سمحة لا حارة ولا باردة، تطلع شمس صبيحتها ضعيفة حمراء»، وفي الأخر معناه.
ثم روى من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة قال: ذُقت ماء البحر ليلة سبع وعشرين، فإذا هو عذب.
فرع: قال الشافعى في القديم، ويجتهد في يومها كليلتها.
فرع: الحكمة في إخفائها اجتهاد الناس في طلبها رجاء إصابتها.
فرع: يُسنّ لمن رآها كَتْمُها، قاله الماوردي.
فرع: لا عبرة بمن شكَّ فادَّعى رفعها، ولا بمن قال لا يُمكنه رُؤيتها حقيقة.
والصواب بقاؤها إلى يوم القيامة، ورؤيتها حقيقة.
فرع: روينا في الصحيحين من حديث عائشة قالت:»كان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله«.
وظاهرة في نفي الهجوع أصلًا والنهي عن ذلك مخصوص يخرج عنه الليالي المنصوص عليها. وروينا في صحيح مسلم عنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره» .
فرع: روينا في الترمذي عنها -أعني عائشة- وقال حسن صحيح: قلت: يا رسول اللَّه أرأيت إن علمت أي ليلة، ليلة القدر ما أقول فيها؟
قال: قولي: «اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني» .
فصل في حكايات مناسبة لما نحن فيه
الأولى: كان علي بن الحسين رحمه الله إذا مشى لا تجاوز يده فخذه ولا يخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة.
فقيل له: مَا لَكَ؟ فقال: ما ترون، بين يدي من أقوم ومن أناجي. ووقع حريق في بيت هو فيه، وهو ساجد فجعلوا يقولون له: النار، فما رفع رأسه حتى طُفِئَت.
فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ قال النار الكبرى.
وقع ببعضهما الأكلة في رجله فوُصِفَ قطعها، وقيل: إن لم تُقطَعْ مات، فقيل: اتركوه حتى يدخل في الصلاة فإنه لا يحس بشيء، إذا دخل فيها.
فلما دخل قُطِعَت رجله، فلم يحس بها.
الثانية: سئل أبو حازم كيف تصلي؟
فقال: إذا قرب وقت الصلاة، أكملت الوضوء، واستقبلت القبلة، وأُمثّل الكعبة بين حاجبي والجنة عن يمينى، والنار عن شمالي والصراط تحت قدمي، واللَّه مطلع علي، وأظُنُّ أن صلاتي تلك لا أُصلي بعدها، وأُكبِّر بتعظيم، وأقرأ بتفكُّر، وأركع بتذلل، وأسجد بتواضع، وأُسلِم على التمام وأقوم على الوجل ، ثم لا أدري أتُقْبل مني أم يُضرَب بها وجهي.
قال له السائل: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين سنة.
قال: وددت لو صليت في عمري صلاة واحدة مثل هذه وأكون من الفائزين.
الثالثة: عن العباس بن حمزة قال: صليت عند أبي يزيد صلاة الظهر، فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر، لم يقدر إجلالًا لاسم اللَّه، فارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه، فهالني ذلك.
الرابعة: عن بعضهم قال: صلَّيت خلف ذي النون العصر، فقال: اللَّه، ثم بُهِتَ كأنه جسد ليس فيه روح من إجلاله تعالى، ثم قال: أكبر فظننت أن قلبي قد انخلع من هيبة تكبيره.
الخامسة: عن سماك بن حرب قال: لما نزل في عين ابن عباس الماء، فقيل له: نُعَاِلجك بشرط أن تترك الصلاة خمسة أيام.
فقال: لا واللَّه ولا ركعة واحدة، إني حُدِّثت أنه: «من ترك صلاة واحدة متعمدًا لقى اللَّه وهو عليه غضبان» .
السادسة: عن عبد الواحد بن زيد رحمه الله قال: نمت عن وردي ليلة،
فإذا أنا بجارية لم أر أحسن منها وجهًا عليها ثياب حرير خُضر، وفي رجليها نعلان يُسبحان، والزمامان يُقدِّسان وهي تقول: يا ابن زيد، جِدَّ في طلبي فإني طلبتك.
ثم جعلت تقول:
من يشترينى ومن يكن سكنى … يا من في ريحه من الغبن
قلت: ما ثمنك؟ فأنشأت تقول:
محبة اللَّه ثم طاعته … وطول فكر يُشَاب بالحزن
فقلت: لمن أنت؟ فقالت:
لمالك لا يرد لي ثمنًا … من خاطب قد أتاه بالثمن
قال الراوي: فانتبه عبد الواحد وآلى على نفسه أن لا ينام الليل، وكان من الجماعة الذين يصلون الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة من السلف الصالح رحمهم الله ونفعنا بهم.
السابعة: عن الشيخ أبي بكر الضرير رحمه الله قال: كان في جواري شاب حسن الوجه يصوم النهار ولا يُفطر، ويقوم الليل ولا ينام، فجاء يومًا وقال: يا أستاذ إني نمت عن وردي الليلة فرأيت كأن محرابي قد انشق، وكأني، بجواري قد خرجن من المحراب لم أر أحسن وجهًا منهُنّ، وإذا فيهنَّ واحدة سوها لم أر أقبح منها منظرًا.
فقلت: لمن أنتنَّ ولمن هذه؟
فقُلنّ: نحن لياليك التي مضين، وهذه ليلة يومك فلو مِت في ليلتك هذه لكانت هذه حظُك.
ثم أنشأت تقول:
اسأل لمولاك وأرددنى إلى حالى … فأنت قبحتنى من بين أشكالى
لا ترقُدنَّ الليالي ما حييت فإن … نمت الليالي مَهَنَ الدهر أمثالى
نحن السرور لمن نار السرور بنا … جوف الظلام بسكنى المنزل العالى
وقد أُردْت بخير إذا وُعِظتَ بنا … فأبشر فأنت من الموالى على بالى
قال: فأجابتها جارية من الحسان تقول:
أبشر بخير فقد نلت الغنى أبدًا … في جنه الخلد في روضات جنات
نحن الليالي اللواتي كنت تخطُبنا … جوف الظلام بلوعات وزفرات
أبشر فقد نلت ما ترجو من مَلِكٍ … بَرٍّ يجود بأفضال وفرجات
غدًا تراه غير محتجب … تدنى إليه وتحظى بالتحيات
قال: ثم شهق شهقة خرَّ ميتًا رحمة اللَّه عليه ونفعنا به آمين.
الثامنة: عن بعض العارفين قال: نمت عن حزبي فرأيت في المنام جارية حسناء لم أر أحسن منها وجهًا ولا أطيب منها ريحًا، فناولتني رقعة في يدها فقالت: اقرأ ما فيها، فقرأته فإذا هو:
لذذت بنومه عن خير عيش … مع الوالدان في غرف الجنان
تعيش مُخلَّدًا لا موت فيها … وتبقى الجنان مع الحسان
تيقظ من منامك إن خيرًا … من النوم التهجد بالقرآن
قال: فاستيقظت مرعوبًا، فواللَّه ما ذكرتها قط إلا طار نومي.
التاسعة: قال مُضر القاري: كان رجل من العباد قلَّ ما ينام بالليل فغلبته عيناه ذات ليلة، فنام عن حزبه، فرأى فيما يرى النائم كأن جارية وقفت عليه كأن وجهها القمر المستنير ومعها رق فيه كتاب.
فقالت: أتقرأ أيها الشيخ؟ قال: نعم، قالت: فاقرأ هذا الكتاب.
قال: فأخذته من يدها ففتحته، فإذا فيه مكتوب:
آلمتك لذة نوم عن نعيم غدًا … مع الخيِّرات في غرف الجنان
تعيش مُخلَّدًا لا موت فيها … وتنعم في الجنان مع الحسان
قال فواللَّه ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم.
العاشرة: عن أحمد بن أبي الحوارى رحمه الله قال: قال لي أبو سليمان الداراني: يا أحمد إني مُحدثك بحديث فلا تُحدِّث به حتى أموت، نمت الليلة عن وردي فإذا أنا بحوراء نبَّهتنى وتقول: يا أبا سليمان أتنام وأنا أربي لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ وسمعته يقول: بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم، وإذا أنا بها يعنى الحوراء قد ركضتنى برجلها وقالت: حبيبي أترقُد عيناك، والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم بؤسًا لعين آثرت لذَّة نوم على مُناجاة العزيز. قُم فقد دنا الفراغ، ولقى المحبُّوبون بعضهم بعضًا، فما هذا الرقاد حبيبي وقُرَّة عيني، أترقد عيناك وأنا أُربي لك في الخدور منذ كذا وكذا، فوثبت فزعًا وقد عرقت استحياء
من توبيخها إياي. وأنشدوا:
يجوع للإله لكي يراه … نحيل الجسم من طول الصيام
وقام لربه في الليل حتى … أضْنَ بجسمه طول القيام
ستُجزى في جنان الخُلد حُورًا … نواعم قاصرات في الخيام
وتلقوا مع حسان ناعمات … جوار اللَّه في دار السلام
الحادية عشرة: عن عبد اللَّه بن نافع رحمه الله قال: حدثنى أبو أيوب المقدسي أن امرأة من أهله كانت تجتهد في العبادة وتُديم الصيام وتُطيل القيام فأتاها الملعون فقال: إلى كم تُعذبين هذا الجسد، وهذه الروح لو أفطرت وقصرت عن الصلاة كان أدوم لك وأقوى.
قالت: فلم يزل يوسوس لي حتى هممت بالتقصير. ثم دخلت إلى مسجد رسول اللَّه ﷺ مُعتصمة بقبره، وذلك بين المغرب والعشاء فذكرت اللَّه وصلَّيت على رسوله، ثم ذكرت ما نزل بي من وسواس الشيطان واستغفرت اللَّه عز وجل أن يصرف عني كيده.
قالت: فسمعت صوتًا من ناحية القبر يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ .
قالت: فرجعت مذعورة وجلة القلب، واللَّه ما عاودتني تلك الوسوسة بعد.
الثانية عشرة: عن بعض الملوك إنه كانت له جارية اسمها جوهرة فأعتقها، فمرت بأبي عبد اللَّه البراني وهو في كوخ له يتعبد، فتزوجت به وتعبَّدت معه فرأت في منامها خيامًا مضروبة فقالت: لمن ضُربت هذه الخيام؟
فقيل: للمجتهدين بالقرآن، فكانت بعد لا تنام، وكانت توقظ زوجها وتقول: يا أبا عبد اللَّه قد سارت القافلة.
وأنشدوا:
أراني بعيد الدار لا أقرب الحِمى … وقد نُصِبَت للسائرين خيام
علامة طردى طول ليلي نائم … وغيري يري أن المنام حرام
الثالثة عشرة: عن أحمد بن أبي الحوارى رحمه الله.
قال: دخلت على أبي سليمان الداراني رحمه الله فوجدته يبكي، فقلت: ما يُبكيك؟
فقال: يا أبا أحمد ولم لا أبكي وإذا جنَّ الليل ونامت العيون وخلا كل حبيب بحبيبة، وافترشت أهل المحبة أقدامهم، وجوت دموعهم على خُدودهم، وقطرت من محاربهم، أشرف الجليل سبحانه وتعالى فنادى جبريل لهم يناديهم ما هذا البكاء؟ هل رأيتم حبيبًا يُعذِّب أحباءه؟ أم كيف يجُمل أن أعذب أقوامًا إذا جنهم الليل تملقونى، فبي حلفت إذا وردوا على القيامة أكشف لهم عن وجهي حتى ينظروا إليَّ وأنظر إليهم.
الرابعة عشرة: عن ذي النون المصري : سمعت بعض المجتهدين بساحل الشام يقول: إن للَّه عبادًا عرفوه بيقين معرفته فشمَّروا قصدًا إليه احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب، صحبوا الدنيا بالأشجان وتنعَّموا فيها بطول الأحزان فما نظروا إليها بعين الرغائب وما تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، بذلوا مُهج أنفسهم في رضى سيدهم، نصبوا الآخرة نُصب أعينهم، لبسوا من اللباس أطمارًا بالية، وسكنوا من البلاد قفرًا خالية هربوا من الأوطان، واستبدلوا الوحدة من الأحزان فلو رأيتهم لرأيت قومًا قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر وفصل أعضاءهم بخناجر التعب خمِص لطول السُّرَى، شُعثُ لفقد الكَرى، قد وصلوا الكلال بالكلال وتأهبوا النقلة والارتحال وفي مثلهم قال القائل:
أنت بالصدق قد خَبَرتَ رجالا … قد أطالوا البكاء إذا الليل طالا
وملأت القلوب منهم بنوره … من يقين اليقين يا من تعالا
وتوليتهم وكنت دليلًا … وكسوت الجميل منهم جمالا
فإذا الظلام جنَّ عليهم … وصلوا بالكلال منهم كلالا
عفَّرُوا بالتراب منهم وجوهًا … ذاك للَّه خشية وابتهالا
بما جدت للمنام منهم عيون … فاستطار المنام عنهم وزالا
الخامسة عشر: خرج عابد من عباد البصرة يشتري حزمة حطب، فسمع الإقامة
في بعض المساجد فمال إليه وترك السوق.
فرأى صرة في طريقه مكتوب عليها فيها مائة دينار فتركها وأقبل على صلاته، ثم رجع إلى السوق فاشترى حزمة الحطب ودخل بها بيته.
فلما حلَّها وجد الصرة فيها، فرفع رأسة إلى السماء وقال: اللهم كما لم تنس عبدك من رزقك فلا تنساه في وقت طاعتك وخدمتك، وجعل يقول: لو أقبلت في خدمته ونهيت نفسك عن معصيته ولِّيت لطائف إحسانه ونعمته.
وأنشدوا:
قلوب العارفين تحنُّ حتى … تحل بقربه في كل راج
صفت في ورد مولاها فليست … لها من ورد مولاها من براح
السادسة عشر: عن الشيخ مطهر السعدى أنه بكى شوقًا إلى اللَّه ستين سنة فرأى في النوم كأنه بجنب نهر يجرى بالمسك الأذفر ، حافتاه شجر اللؤلؤ، وقضبان الذهب، وإذا بجواري مزَّينات يقُلن بصوت واحد: سبحان المُسبَّح بكل لسان سبحانه.
سبحانه الموجود بكل مكان سبحانه، سبحان الدائم في كل الأزمان سبحانه فقلت: من أنتنَّ؟ فقلن: من الرحمن سبحانه. فقلت: ما تصنعن؟ فقُلن:
برأنا إله الناس رب محمد … لقوم على الأقدام بالليل قُوَّمُ
يُناجون رب العالمين إلههم … فتسرى هموم القوم والناس نُوَّمُ
السابعة عشرة: عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قال: أصابتني علة في ساقي، فكنت أتحامل عليها في الصلاة فقمت عليها من الليل فأجهدت وجعًا، ثم لففت إزاري في محرابي ووضعت رأسي عليه ونمت فبينا أنا كذلك إذا أنا بجارية تفوق الدنيا حسنًا تخطر بين جوار مزيَّنات حتى وقفن عليَّ وهُنَّ خلفها فقالت لبعضهن: ارفعنه ولا توقظنه ففعلن فقالت لغيرهن: افرشن له، ومهدن ووطئن ووسدنه ففرشن تحتي سبع حشايا لم أر لهن في الدنيا مثيلًا ووضعن تحت رأسي مرافق خضرًا
حسانا، ثم قالت للاتي حملنني اجعلنه على الفراش رويدًا لأنهجنه، فجُعلت على تلك الفراش.
ثم قالت: احففنه بياسمين فحففن به الفراش، ثم قامت إليَّ فوضعت يدها على موضع العلة التي كنت أجد، فمسحت ذلك المكان بيدها ثم قالت: قم شفاك اللَّه إلى صلاتك غير مضرور فاستيقظت واللَّه كأني نشطت من عقال فما اشتكيت تلك العلة بعد ليلتي تلك ولا ذهب من فمي حلاوة منطقها السالف.
[٢ / ١٣٩]
مجلس في الحج
فيه آيات: الأولى: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ .
أي كفر بفريضته أو كفر بالآيات التي في المقام، واللام لام الاستحقاق، فهو تصريح بالوجوب والاستحقاق وذكر اسم الألوهية مع معنى وعموم وجوبه المتعلق بالناس كافة والاستطاعة معتبرة في وجوب مباشرته بالإجماع، لكنها مختلفة بين أهل الاتباع فعند الإمام مالك إنها حاصلة بقوة المشي عند الإطاقة، وعند الباقي الآية مظنة المشقة والطاقة. وقد روي عن سيد الأنام من طرق تفسيرها بالزاد والراحلة وفيه مقنع لمن اعتبر ووالي وابتصر، وفرق بين استطاعة واستطاعة فيه. وذلك يصل إلى الحقيقة، وإضافة سبيله إلى البيت المفخم لعظم شأنه ومكانته ومكانه.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ .
قال مجاهد: هى منافع الدنيا والآخرة.
وعن جماعات من السلف أنهم قالوا في تفسيرها: غُفر لهم ورب الكعبة، إذ المخاطب بهذه الآية إبراهيم، فقال: رب أين يبلغ نِداي؟ فقال تعالى: عليك النداء وعليَّ البلاغ.
فصعد إبراهيم على المقام وقال: عباد اللَّه أجيبوا داعي اللَّه. فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك داعي ربنا، لبيك.
فيقال: إنه لا يحج إلا من أجاب هذه الدعوة.
وروى إن أول من أجابه أهل اليمن.
وأول من حج آدم ﷺ، حج أربعين سنة من الهند ماشيًا ، وما من نبي إلا حجَّه.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ .
أي قوامًا لهم في أمر دينهم ودنياهم، فلا يزال في الأرض دين ما حجَّت، وعندها المعاش والمكاسب.
وقال الحسن وغيره في قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .
إنه طريق مكة.
والمعنى: أصدَّهم عن الحج.
ويؤيده ما روى عن أنس مرفوعًا: «إن لإبليس لعنه اللَّه شياطين ومردة يقول لهم: عليكم بالحجاج والمجاهدين، فأضلوهم عن السبيل» .
الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ يعنى مباركًا كثير الخير، وهذي متعبدهم وقبلتهم.
وقوله: ﴿فِيهِ﴾ أي في شأنه و﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] عطف بيان على آيات وقيل: إن الآيات: المقام والأمن، ومن آياته وقع هيبته في القلوب، وخشوع القلب عنده، وجريان الدموع لديه، وامتناع الطير من العلو والجلوس عليه، إلا أن يكون مريضًا فيجلس عليه مستشفيًا والحجر الأسود وحفظه وائتلاف الظباء والسباع فيه، وتتبعها في الحل، فإذا دخلت الحرم تركها.
والغيث إذا عم البيت كان عامًا، وإذا كان في جهة منه خصها، ولا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم، وإنما يخرج منه إلى الحل.
والجمار كل سنة على كثرتها تمتحق، ولا يؤذي في منى ذباب ولا حدأة.
واتساعها للخلق مع ضيقها، وتعجيل العقوبة لمن غشى كأصحاب الفيل .
وقوله ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] معناه من دخل على الصفا حصل على الوفا.
وقيل من دخله مع الشارع في عمرة القضاء.
قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ .
أي افعلوهما على التمام.
السادسة: قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ أي تحن، ولو حذف المضاف من لهجة (الملل) .
ويروى أن الجليل ﷻ يلحظ الكعبة في كل عام لحظة في نصف شعبان. فعند ذلك تحن إليه قلوب المؤمنين.
وقيل: سببها أن الرب تعالى أخذ الميثاق من بني آدم يعرفه فاستخرجهم هناك من صُلب أبيهم ونثرهم بين يديه كهيئة الذر، ثم كلمهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وكتب أقدارهم في رق وأشهد فيه بعضهم على بعض ثم ألقمه الحجر الأسود. ومن أجل ذلك استحب لموافيه أن يقول: «اللهم إيمانًا بك ووفاء بعهدك» وهذا ينزع إلى معنى حب الأوطان، فإنها دلت على أن ذلك أول الأوطان وقد قيل:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدًا لأول منزل
وقيل لذي النون المصرى: أين أنت من قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؟ قال كأنه بأذني.
ويروى أن اللَّه تعالى أوحى إلى الكعبة عند بنائها: «إني خالق بشرًا يحنون إليك حنين الحمام إلى بيضه، ويذفون إليك ذفيف النشور».
قالوا توق رجال الحي أن لهم … عينًا عليك إذا ما نمت لم تنم
إن كان سفك دمى (أغلي) مرادهم … فما غلت نظرة منهم بسفك دمى
واللَّه لو علمت نفسي بمن هويت … سارت على رأسها فضلًا عن القدم
غيره
ما بال قلبي لا يقر سببه … ذكر الحجاز أثم مغناطيسة
غيره
ما بال قلبي لا يقر قراره … حتى يقضى من منى أوطاره
ما ذاك إلا أنه من شوقه … يسبيه من وادي الحمى تذكاره
يا سائق الأضعان إن جزت الحمى … سلِّم على من بالمحصب داره
واشرح له ما يلتقي مشتاقة … من فرط شوق أحرقته ناره
يصبو إذا ذكر الحطيم وزمزم … والركن والبيت المكرم جاره
ويهيم من شوق يفتت كبده … إذ عز ملقاة وطال مزاره
وأما الأحاديث فكثيرة نذكر منها ثمانين حديثًا:
صح: «إن الإسلام بني على خمس» منها الحج.
وصح: «إن أفضل الأعمال حج مبرور» بعد الإيمان والجهاد والمبرور المتقبل.
إذا حججت بمال أصله سحت … فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل اللَّه إلا كل طيبة … ما كل من حج بيت اللَّه مبرور
وصح أيضًا: «من حج للَّه» وفي رواية «واعتمر فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» وصح أيضًا: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» .
وصح أيضًا: «الحج يهدم ما قبله» .
وصح أيضًا: «الحج المبرور يكفر خطايا سنة» .
وصح أيضًا: «أفضل الجهاد حج مبرور» .
وصح أيضا: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» . وفي لفظ: «متابعة ما بينهما يزيد في العمر والرزق» وصح: «أن اللَّه تعالى يقول: إن عبدًا أصححت له جسمه، ووسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يغد إلى الحرم لمحروم» .
وصح أيضا: «وفد اللَّه تعالى ثلاثة: الحاج والمعتمر والغازي» .
وصح: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي» .
وجاء: «إن النفقة في الحج كالنفقة في سبيل اللَّه، الدرهم بسبعمائة ضعف» .
وجاء: «ثلاثة أصوات يباهي اللَّه بهنَّ الملائكة الأذان، والتكبير في سبيل اللَّه، ورفع الصوت للتلبية، وما من رجل يضع ثوبه وهو محرم فتصيبه الشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه» .
وصح: «من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه كان كعتق رقبة لا يضع قدمًا ويرفع أخرى إلا حطَّ اللَّه بها عنه خطيئة وكتب له بها حسنة، ورفع له بها درجة وكان كعدل رقبة» .
وجاء: «من طاف بهذا البيت سبعًا وصلى خلف المقام ركعتين وشرب ماء زمزم غُفرت له ذنوبه بالغة ما بلغت» .
وصح: «إن الحجر الأسود نزل من الجنة أشد بياضًا من الثلح فسودته خطايا بني آدم، ويبعث يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق، وإن الرُّكن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، ولولا أن اللَّه طمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب» .
وجاء: «ما بين الركن اليماني والحجر الأسود روضة من رياض الجنة» .
و«الملتزم يُستجاب فيه الدعاء» .
و«النظر إلى البيت عبادة، ومن دخله دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورًا له» .
وصح: «ماء زمزم طعام طُعم وشفاء سُقم، وإنه لِمَ شُرب له» .
وجاء: «إن الطواف بين الصفا والمروة تعدل عتق سبعين رقبة».
وجاء: «من أحيا الليالي الأربع، وجبت له الجنة ليلة الرويَّة ، وليلة عرفة، وليلة الفطر، وليلة النحر» .
وصح: «ما من يوم أكثر أن يعتق اللَّه فيه عبدًا من النار من يوم عرفة. وإنه ليدنو ثم يباهى بهم ملائكته يقول: ما أراد هؤلاء» .
وجاء: «ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر، ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز اللَّه عن الذنوب العظام إلا ما رُئي يوم بدر فإنه رأى جبريل نزع الملائكة» أي يقودهم.
وصح أيضًا: «ما من يوم أفضل عند اللَّه من يوم عرفة ينزل اللَّه تعالى إلى سماء الدنيا فيُباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثًا ضاحين جاءوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم يُر يوم أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة» .
وصح أيضًا: «إن العبد إذا وقف بعرفة فإن اللَّه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثا غُبرًا، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم، وإن كانت عدد قطر الماء، ورمل عالج» .
وجاء: «أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة» .
وجاء: «إذا كان يوم عرفه يوم جمعة غَفَرَ اللَّه لجميع أهل الموقف».
وصح: «أفضل الأيام عند اللَّه يوم النحر ، ويوم النفر» .
وجاء: «إن رامى الجمار لا يدري ما له حتى يوفاه يوم القيامة».
وصح: «إن للحالق بكل شعرة سقطت من رأسه نورًا يوم القيامة».
وجاء: «أنه صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا منهم موسى، وإن به دُفِنَ آدم وقُبِرَ سبعين نبيًا» .
فصل
روينا من حديث ابن عباس أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إن فريضة اللَّه على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال:
«نعم» أخرجاه.
وروينا من حديث لقيط بن عامر أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعن، قال: «حج عن أبيك واعتمر» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فإن قلت هذا أمر استئذان فهو للإباحة.
قلت: إن سَلِم فهو لإباحة النيابة، ثم النيابة مُشعرة بالموجب.
وروينا عن السائب بن يزيد قال: «حج بي أبي مع رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين» رواه البخاري.
وروينا عن ابن عباس أن النبي ﷺ لقي ركبًا بالروحاء فقال: «مَنْ القوم» فقالوا: المسلمون فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: «رسول اللَّه».
فرفعت إليه امرأة صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» .
أخرجه مسلم.
وروينا من حديث أنس: «أنه ﷺ حجُّ على رحلٍ وكانت زامِلتَهُ» .
رواه البخاري.
وروينا فيه عن ابن عباس قال: كانت عكاظُ ومجنَّةُ وذُو المجاز أسواقًا في الجاهلية فتأثموا أن يتَّجروا في الموسم فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أي في مواسم الحج .
فصل ما بين المسجدين والمدينة ومسجدها وما يتعلق بذلك
ثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها» .
وجاء: «اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليَّ فأسكني في أحب البلاد إليك».
وصح: «إنما المدينة كالكير تنفي خبثًا ويَنْصعُ طيَّبُها» .
وصح أيضًا: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلُمّ إلى الرَّخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده، لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف اللَّه فيها خيرًا منه أي إن المدينة كالكير، تُخرج الخبيث، لا
تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد» .
وصح أيضًا: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدَّتها أحد من أمتي، إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا» .
وصح أيضًا: «من أراد أهلها -يعنى المدينة- بسوء أذابه اللَّه تعالى كما يذوب الملح في الماء» .
وصح أيضًا: «لا يكيد أهل المدينة أحدا إلا انماع كما ينماع الملح في الماء»
وصح أيضًا: «إن إبراهيم حرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يُقطع عضاهُها، ولا يُصاد صيدها ولا يحدث فيها حدث من أحدث حدثًا فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وأنا عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه» .
وصح أيضًا: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» .
وصح أيضًا: «اللهم بارك لنا في تمرنا ومُدَّنا وصاعنا ومدينتنا» .
وجاء أيضًا: «غبار المدينة شفاء من الجذام» .
والمدينة فيها قبري وبها بيتي وتربتي وحق على كل مسلم زيارتها .
وصح أيضًا: «إن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها» .
وصح أيضًا: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» .
وصح أيضًا: «لا يدخلها رُعبُ المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان وسماها اللَّه طابة» وفي لفظ «طيبة ومن سماها يثرب فليستغفر اللَّه».
وصح أيضًا: «من ظلم أهل المدينة أو أخافهم فأخفه وعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفًا ولا عدلا» .
وجاء: «أول من أشفع له من أمتى يوم القيامة أهل المدينة وأهل الطائف» .
وجاء: «رمضان في المدينة خير من ألف رمضان فيما سواه من البلدان» .
وصح: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى» .
وصح: «إن مسجد المدينة هو الذي أُسس على التقوى وإن صلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإنه بمائة ألف صلاة فإني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد» .
وجاء: «من صلى في مسجدي أربعين صلاة كتب له براءة من النار، وبراءة من العذاب، وبرئ من النفاق» .
وصح: «من أتى مسجدى هذا لم يأته إلا لخير يتعلَّمه أو تعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل اللَّه، وما جاء لغير ذلك لهو بمنزلة الراحل إلى متاع غيره».
وجاء: «من خرج على طُهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة» .
وصح: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» .
وجاء: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» ، "ومن جاءني زائرًا لا يعلم حاجة
إلا زيارتي كان حقًا عليَّ أن أكون شفيعًا له يوم القيامة» ، ولا عذر لمن كان له سعة من أمته ولم يزره.
«وما من أحد يسلم علي إلا رد اللَّه علي روحي حتى أرد عليه¬ السَّلام ومن صلى على عند قبرى سمعته، ومن صلى علي ثانيًا بلغته» .
«ومن حج وزار قبرى بعد موتى كان كمن زارني في حياتي ومن لم يزر قبرى فقد جفاني، ومن زارني أتى المدينة متعمدا كان في جواري إلى يوم القيامة» .
«ومن مات في أحد الحرمين بُعث من الأمنين يوم القيامة، واستوجب الشفاعة» .
«ومن زارني كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة» .
وصح: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإني أشفع لمن يموت بها» .
وجاء: «يبعث من مقبرة البقيع سبعون ألفًا على صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب» .
و«أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأكون أول من يبعث، فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى أهل البقيع فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة» و"إن مقبرة تُضئ لأهل السماء
كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا».
و«من دفناه في مقبرتنا هذه شفعنا له».
وصح: «إن الصلاة في مسجد قباء كعمرة» .
وجاء: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم ركع فيه أربع ركعات، كان ذلك عدل عتق رقبة» .
وصح في أُحد «إنه جبل يُحُبنا ونحبه» .
وورد: «من مات إثر حجة أو عمرة، أو عقب رمضان أو غزو، مات شهيدًا».
وصح: «اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج» .
كفى شرفًا أني مضاف إليكم … وأني بكم أدعى وأرعى وأعرف
وأما الحكايات: فخمسون حكاية بزيادة.
الأولى: حج رجل من أهل الصلاح فرأى في منامه كأن أعمال الحج تعرض على اللَّه تعالى، فقيل: فلان قال: يُكتب حاجًا، فقيل: وفلان.
قال: تاجر. أعنى بلغ إليه. فقال: يُكتب تاجرًا. فقمت من نومى فقلت: ولِمَ ولست بتاجر؟ فقال: بلى، حَملت كبَّة غزل تبيعها على أهل مكة.
الثانية: جاء بعض الناس إلى بعض السلف فقال: أريد الحج، فقال: كم معك؟ قال: ألفا درهم. قال: أما حججت؟ قال: بلى، قال: فأنا أدُلَّك على أفضل من الحج،
اقض دين مدين، فرِّج عن مكروب، فسكت. قال: مالك؟ قال: ما أريد إلا الحج. قال: إنما تريد أن تركب وتجئ ، ويقال: قد حج فلان.
ويروى مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان يحج أغنياء أمتي للنزهة، وأوساطهم للتجارة وفقراؤهم للمسألة وقُراؤهم للرياء والسمعة».
الثالثة: خرجت أم أيمن بنت عليٍّ امرأة الشيخ أبي علي الروذباري من مصر وقت خروج الحاج إلى الصحراء، والجمال تمر بها، وهى تبكي وتقول: واضعفاه وتنشد على إثر قولها:
فقلت دعوني واتباعى ركابكم … أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد
وما بال رغمى لا يهون عليهم … وقد علموا أن ليس لي منهم بُد
وتقول: هذه حسرة من انقطع عن البيت، فكيف تكون حسرة من انقطع عن رب البيت.
وللشريف الرضي رحمه الله:
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى … فلاقى به ليلًا نسيم رُبى
فإن بذاك الحي حيًّا عهدته … وبالرغم مني أن يطول به عهدي
ولولا تداوي القلب من ألم الهوى … بذكر تلاقينا قضيت من الوجد
شممت بنجد شيحه حاجريه … فأمطرتها دموعي وأرشتها خدي
ولي لمجلوب لي الشوق كلما … تنفس بالك أو تألم ذو وجد
تعرص رسل الشوق والركب فأجد … فيوقظهم من بين نوامهم وجدي
وما شرب العشاق إلا بقيتي … ولا وردوا في الحب إلا على وِرْدِي
الرابعة: حكي عن بعض السلف أنه قال: جاءني صاحب لي فقال: رافقني رجلًا ترضاه لمرافقتي فجئته برجل له صلاح ودين. فلما كان يوم الرحيل جعل
الرفيق يبكي فقال: ليس هذا برفيق قد ابتدأ بالبكاء فقال الباكي: إني ذكرت بها الرحلة إلى الآخرة.
فقال: هذا كان ينبغي له مرافقة داود الطائي وأشباهه.
فحجَّا ثم رجعا، فجئت أُسلم على صاحبي فقال: جزاك اللَّه يا أخي خيرًا، ما رأيت مثل هذا الرفيق؛ كان يتفضل عليَّ في النفقة وهو معدوم، وأنا موسر وفي الخدمة، وأنا شاب وهو شيخ ويطبخ لي وأنا مُفطر وهو صائم، ولقد أبكاني إذا بكى، وأبكى الرُّفقة.
ثم خرجت من عنده وأتيت الرجل فقلت: كيف رأيت صاحبك؟
قال: خير صاحب، كثير الذكر طويل التلاوة وسريع الدمعة، جزاك اللَّه عني خيرًا.
فائدة: قال علقمة لابنه أصحب من الرجال من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإن سألته أعطاك، وإن لم تسأله ابتداك، اصحب من لا يأتيك منه البوائق ولا يختلف منه عليك الخلائق، ولا يخذلك عند الحقائق.
نادرة: يقال: من أمَّ البيت ولم يكن فيه ثلاث خصال فلا حاجة للَّه في حجه: من لم يكن له حلم يغلب جهله، وورع يكفه عن الحرام، وحسن الصحبة لمن صحب.
قال مجاهد : صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمنى أكثر.
وقال ابن عون لشخص وقد أمره بالوصية: عليك بالكظم والبذل.
الخامسة: كان عبد اللَّه بن المبارك إذا جاء وقت الحج اجتمع إليه إخوانه
من أهل مرو فيقولون له: الصُّحبة.
فيقول: هاتوا نفقاتكم فيأخذها، فتُجعل في صندوق ثم يكترى لهم من مرو إلى بغداد، ثم إلى المدينة المنورة وينفق عليهم ويُطعمهم أطيب الطعام والحلوى ويخرجهم بأحسن زيّ، فإذا وصلوا اشترى لهم ما أمرهم عزالهم من طُرَف المدينة، ثم من مكة كذلك، ولا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو فإذا وصلوا كساهم، فإذا كان بعد ثلاث صنع لهم وليمة ودعاهم، فإذا فرغوا دعا بالصندوق، وأعطى كل واحد صرته بعد أن كتب عليها اسمه.
ويروى أنه عمل آخر سَفْرة سافرها دعوة، فقدم الناس إلى خمسة عشر خوانًا فالوذج .
السادسة: قال بعض السلف خرجت إلى مكة فمكثنا أيامًا لم نجد ما نأكُل فوقعنا إلى حي في البرية فإذا بأعرابية معها شاة، فقلنا لها: بكم هذه؟ فقالت: بخمسين درهمًا، فقلنا لها: أحسني، فقالت: بخمسة، فقلنا: تهزى. فقالت: لا واللَّه، ولكن سألتموني الإحسان، وبي جهد، ولو أمكننى لم آخذ شيئًا، فقلت: لأصحابي: ايش معكم؟ قالوا: ستمائة درهم.
فقلت: أعطوها واتركوا الشاة عليها فما سافرنا سَفْرَة أطيب منها.
السابعة: يروى أن هارون الرشيد حج في زينة عظيمة وموكب كثير، والناس يصرفون عن طريقه يمينًا وشمالًا، فمر في طريقه على بهلول وهو يعظ الناس، فتقدم الغلمان إليه وقالوا له: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين، فلما حاذاه الهودج قال: حدثني يا أمير المؤمنين أيمن بن نايل قال: حدثني قدامة بن عبد اللَّه قال:
رأيت رسول اللَّه ﷺ بمنى على جمل وتحته رحلٍ رثّ، فلم يكن ثم طرد ولا ضرب ولا إليك إليك فقيل: يا أمير المؤمنين إنه بهلول المجنون ، فقال هارون: قد عرفت، قل يا بهلول فقال:
هب أنك قد ملكت الأرض طرًا … وكان لك البلاد إذا فماذا
أليس غدًا مصيرك جوف قبر … ويحثوا التراب هذا ثم هذا
فقال الرشيد: أفغيره، فقال: يا أمير المؤمنين من رزقه اللَّه جمالا ومالا فعفَّ عن جَمَاله، وواسى في ماله، كُتِبَ في ديوان الأبرار.
فظن الرشيد إنه عرض بذلك يريد شيئًا. فقال قد امرنا بقضاء دينك يا بهلول، فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين لا تقض دينًا بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك من نفسك. قال: قد أمرنا أن نجري عليك.
فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يعطيك وينساني.
أجري على الذي أجرى عليك، لا حاجة لي في جرايتك.
الثامنة: يروى أن الرشيد حج ماشيًا من المدينة إلى مكة، ففرش له في الطريق اللَّبود المدغرى فاستند يومًا إلى ميل ليستريح وقد تعب فإذا هو بسعدون المجنون قد عارضه وهو يقول:
هب الدنيا تواتيك … أليس الموت يأتيك
فما تصنع بالدنيا … وظل الميل يكفيك
وأيا طالب الدنيا … دع الدنيا لشانيك
وكما أضحكك الدهر … كذاك الدهر يُبكيك
فشهق الرشيد شهقة خرّ مغشيًا عليه.
التاسعة: كان ابن عمر إذا رأى ما أحدث الناس من الزينة والمحامل يقول:
الحاج قليل والركب كثير ثم ينظر إلى رجل مسكين رثّ الهيئة، تحته حوالق فيقول: هذا نعم من الحاج.
وقال له مجاهد وقد دخلت القوافل ما أكثر الحاج، فقال: ما أقلهم، ولكن قل: ما أكثر الركب.
إلا إن ركاب الفيافي إلى الحمى … كثير وأما الواصلون قليل
وإن رجالا قد علاها جمالكم … وإن قطعت أكبادنا الخبائث
وإذا المطى متى بلغن محمدًا … فظهورهن على الرجال حرام
قريتنا من خير من وطئ الثرى … فلها علينا ذمة وذمام
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله … لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
تُريدن إدراك المعالى رخيصة … ولابد دون الشهد من إبر النحل
العاشرة: يروى أن رجلًا قال للفضيل بن عياض : إني أريد الخروج إلى مكة شرَّفها اللَّه تعالى فأوصني فقال له الفضيل: شمِّر إزارك، وانظر إلى أين تذهب وإلى من تذهب، فخرَّ الفضيل مغشيًا عليه وسقط الرجل من ساعته ميتًا.
سكنتم رُبا الداري فأضحت لأجلكم … زيارته فرضًا على كل مسلم
بكم أصبح الوادي معظمًا شأنه … ولولاكم قد كان غير معظم
أمُرُّ على الديار ديار ليلى … اقبِّل ذا الجدار وذا الجدار
وما حُب الديار شغفن قلبي … ولكن حب من سكن الديار
شاردة: قال بعض الأولياء: العجب ممن يقطع المفاوز ليصل إلى بيته، ويري آثار النبوة كيف لا يقطع نفسه وهواه ليصل إلى قلبه، فيرى آثار ربه.
الحادية عشرة: قال الإمام مالك: اختلفت إلى جعفر بن محمد زمانًا وما
كنت أراه إلا على ثلاث خصال، إما مُصل وإما صائم، وإما يقرأ القرآن وما رأيته يحدث إلا على طهارة.
كان من العلماء العباد الذين يخشون اللَّه.
ولقد حججت معه سنة فلمَّا أتى الشجرة وأراد أن يهل كاد يغشى عليه.
فكلمته في ذلك وكان يكرمني وينبسط إلي فقال: إني أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك فيقول: لا لبيك ولا سعديك.
قال مالك: ولقد أحرم جده علي بن الحسين ، فلما أراد أن يقول لبيك اللهم لبيك، أو قالها غشي عليه وسقط من ناقته فهشم وجهه.
قلت: ويشبه هذه حكايات ثلاث:
الأولى: مروية عن أحمد بن أبي الحواري قال: كنت مع أبي سليمان الداراني حين أراد أن يُحرم فلم يُلبي حتى سرنا ميلًا، ثم غُشى عليه فأفاق وقال: يا أحمد أوحى اللَّه تعالى إلى موسى - عليه أفضل الصلاة والسلام: مُرّ ظلمة بنى إسرائيل أن لا يذكروني فإني أذكر من ذكرني منهم باللعنة ويحك يا أحمد بلغني أن من حجَّ من غير حِلّ، ثم لبى قال اللَّه: «لا لبيك ولا سعديك»، فلا تأمن أن يقال لنا ذلك.
الثانية: رواية عن بعض السلف قال: كنت بذي الحليفة وشاب يريد أن يحرم فكان يقول: يا رب أريد أن أقول لبيك وأخشى أن يجيبني بلا لبيك ولا سعديك، وجعل يردد ذلك مرارًا ثم قال: لبيك اللهم لبيك مد بها صوته وخرجت روحه.
الثالثة: مروية عن مالك بن دينار قال: خرجت إلى مكة فبينما أنا سائر إذا بشاب وهو ساكت لا يذكر اللَّه فيما يرى حتى إذا جنَّه الليل رفع رأسه إلى السماء
وهو يقول: يا من تسرُّه الطاعة ولا تضره المعصية هب لي ما يَسرُّك واغفر لي ما لا يَضرُّك قال: ثم رأيته بذي الحليفة وقد لبس إحرامه والناس يلبون وهو لا يلبي، فقلت له في ذلك فقال: يا شيخ أخاف أن أجاب بلا لبيك ولا سعديك، ولا أسمع كلامك ولا أنظر إليك فقلت له: لا تفعل فإنه كريم إذا غضب رضي، وإذا رضي لم يغضب، وإذا وعد وفَّى، وإذا تَوَعَّد عفى .
فقال لي: يا شيخ: أتُشير عليَّ بالتلبية؟ فقلت: نعم.
فبادر إلى الأرض واضطجع وجعل خده على الأرض وأخذ حجزا فجعله على خده الأخر، وأسبل دموعه وأقبل يقول: لبيك اللهم لبيك، قد خضعت لك وهذا مصرعي بين يديك، فأقام كذلك ساعة ثم قام ومضى.
الثانية عشرة: يُحكى أنه عنَّ لبعض كبار الوزراء في أثناء وزارته فكرة وموعظة من نفسه فتاب.
فلما سمع شيوخ الحرم بقدومه خرجوا للسلام عليه فرأوا شعثه وما نزل به من تغير البهجة، ورثاثة الحال فقالوا له كالمتعجبين منه: نرى الشيخ بعد تلك النَّضرة والنعيم قطع هذه المفاوز حافيًا على قدميه فقال لهم: وكيف يأتي العبد إذا قاد نفسه إلى باب مولاه لو قدرت لجئت على رأسي.
فائدة: يروى عن ابن عباس أنه قال: حج الحواريون فلما دخلوا الحرم مشوا تعظيمًا له ، وكذلك الأنبياء كانوا يدخلونه مشاة حفاة، بل كبار الحيتان لم تأكل صغارها في الحرم زمن الطوفان تعظيمًا للحرم.
الثالثة عشرة: يروى أن امرأة عابدة حجت فلما دخلت مكة جعلت تقول: أين بيت ربي؟ أين بيت ربي؟ فقيل لها: هذا بيت ربك فاشتدت نحوه تسعى حتى ألصقت جنبيها بحائط البيت فما رفعت إلا ميتة.
الرابعة عشرة: قال سعيد بن جبير رأيت امرأة جاءت فقامت في الملتزم فجعلت تدعو وتبكي حتى ماتت.
الخامسة عشرة: حج الشبلي فلما وصل إلى مكة، وعظم عنده قدر ما ناله أنشد طربًا مستعظمًا حاله:
أبُطْحَانُ مكة هذا الذي … أراه عيانًا وهذا أنا
ثم لم يزل يكررها حتى غُشي عليه.
السادسة عشرة: دخل أبو الفضل الجوهري الحرم، ونظر إلى الكعبة وقال وقد داخله الطرب: هذه ديار المحبوب، فأين المحبون؟
هذه آثار أسرار القلوب فأين المشتاقون؟ هذه ساعة الاطلاع على الدموع فأين البكاؤون؟
ثم شهق شهقة وأنشد:
هذه دارهم وأنت محب … ما بقى الدموع في الآماق
وروى أن الشبلي لما حج على التجريد، ورأى مكة وقع مغشيًا عليه، فلما أفاق أنشد البيت المذكور وزاره:
وقديمًا عهدت أفنية الدار … وفيها مصارع العشاق
السابعة عشرة: طاف رجل بالبيت فبرق له ساعد امرأة موضع ساعده على ساعدها يتلذذ به فلُصِقَا، فقال له بعض الصالحين: ارجع إلى المكان الذي فعلته فيه فعاهد رب البيت أن لا تعود بصدق نية وإخلاص، ففعل فخلي عنه.
الثامنة عشرة: يُروى أن امرأة عاذت من ظالم فجاء فمد يده إليها، فيبست يده وصار أشل.
التاسعة عشرة: عن بعض السلف أنه دخل الحجر ليلًا، وصلى تحت الميزاب وأنه سَمِعَ وهو ساجد كلامًا بين أستار الكعبة والحجارة وهو: أشكو إلى اللَّه ما يفعل هؤلاء الطائفون حولي من إساءتهم فأوَّلت أن البيت شكى.
العشرون: يروى أن أُبي بن خلف ، وعبيد اللَّه بن عثمان أنهما كانا في الحجر في رجب، فلم يشعُرا إلا بحية قد أقبلت حتى مرت بهما فدخلت تحت أستار الكعبة، وسمعا كلامًا من حيث دخلت تقول: يا معشر قريش كُفُّوا عما تأتون من الظلم قبل أن تنزل بكم النقم، كُفُّوا سفهاءكم فإنكم في بلد عظيم حرمته.
الحادية بعد العشرين: يروى عن أبي يعقوب البهرجوري قال: رأيت في الطواف رجلًا له عين واحدة وهو يقول في طوافه: أعوذ بك منك، فقلت له: ما هذا الدعاء؟
فقال: إني مجاور منذ خمسين سنة، فنظرت إلى شخص يومًا فاستحسنته، فإذا بلطمة وقعت على عيني، فسالت عيني على خدي. فقلت: آه، فوقعت أخرى وقائل يقول: لو زدت لزدناك.
الثانية بعد العشرين: يروى عن إبراهيم الخواص قال: رأيت شابا في الطواف مئتزرًا بعباءة متوشحًا بأخرى كثير الطواف والصلاة، مشتغلًا باللَّه تعالى لا بغيره، فوقعت في قلبي محبته، ففتح علي بأربعمائة درهم.
فجئت بها إليه وهو جالس خلف المقام فوضعتها على طرف عباءته فقلت له: يا أخي اصرف هذه القطيعات في بعض حوائجك. فقام وبددها في الحصى وقال: يا إبراهيم اشتريت من اللَّه هذه الجلسة بسبعين ألف دينار، أتريد أن تخدعني عن اللَّه تعالى بهذا الوسخ.
قال إبراهيم: فما رأيت أذل من نفسي وأنا أجمعها من بين الحصى.
وما رأيت أعز منه وهو ينظر إليَّ، ثم ذهب.
الثالثة بعد العشرين: يروى أن الجنيد طاف بالبيت في جوف الليل، فسمع
جارية تطوف وهى تقول:
أبى الحب أن يخفيى وكم قد كتمته … فأصبح عندي قد أناخ وطنبا
إذا اشتدَّ شوقي هام قلبي بذكره … وإن مت قُربًا من حبيبي تقربًا
فقلت لها يا جارية ألا تتقين اللَّه، تتكلمين في مثل هذا البيت بمثل هذا الكلام، فالتفتت إلي وقالت:
يا جنيد:
لولا التقى لم ترني … أهجر طيب الوسن
إن التقى شردني … كما ترى عن وطني
أَخِرُ من وجدي به … فحُبُّه هَيَّمنِي
ثم قالت: يا جنيد تطوف بالبيت أو برب البيت؟ قلت: أطوف بالبيت، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار، ثم أنشأت تقول:
يطوفون بالأحجار يبغون قربة … إليك وهم أقسى قلوبًا من الصخر
في أبيات أنشدتها.
قال الجنيد: فغُشِيَ عليَّ من قولها، فلما أفقت لم أرها.
الرابعة بعد العشرين: قال أبو يزيد البسطامي حججت ثلاث حجج، في الحجة الأولى رأيت البيت ولم أر رب البيت. وفي الثانية: رأيت البيت ورب البيت. وفي الثالثة: رأيت رب البيت ولم أر البيت.
الخامسة بعد العشرين: عن مالك بن دينار قال: بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذا أنا بجويرية متعلقة بأستار الكعبة وهى تقول: يا رب ذهبت اللذات وبقيت التبعات، يا رب كم من شهوة ساعة قد أورثت صاحبها حزنًا طويلًا. يا رب أما لك
عقوبة ولا أدب إلا النار، فما زال ذلك قولها حتى طلع الفجر، فوضع مالك يده على رأسه صارخا يبكي يقول: ثكلت مالكًا أمه وعدمته جويرية منذ الليلة قد بطلته.
السادسة بعد العشرين: تعلق رجل بأستار الكعبة.
وأنشد:
ستور بيتك ذيل الأمن منك وقد … علقتها مستجير أيها الباري
وما أظنك لما أن علقت بها … خوفًا من النار تدنيني من المنال
وها أنا جار بيت أنت قلت لنا … حجوا إليه وقد أوصيت بالجار
السابعة بعد العشرين: عن صالح المري أنه كان يطوف بالبيت فسمع أعرابيًا يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: إلهي إن استغفاري إياك مع إصراري على كثرة ذنوبي للوم وإن ترك استغفاري على سعة رحمتك لعجز كم تتقرب إليَّ بالنعم على غناك عني، وكم أتباعد عنك بالمعاصي على فقري إليك، فيا من إذا وعد وفَّى وإذا تَوَعَّدَ عفى، أدخل عظيم جرمي في سعة رحمتك، إنك أنت الوهاب.
قال صالح: فواللَّه ما سمعت في حجتي تلك أبلغ من الأعرابي.
الثامنة بعد العشرين: قال علي بن الموفق: طفت بالبيت ليلة، وصليت ركعتين بالحجر واستندت إلى جدار الحجر أبكي وأقول: كم أحضر هذا البيت الشريف، ولا أزداد في نفسي خيرًا، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذا هتف بي هاتف: يا علي سمعنا مقالتك، أَوَ تدعو أنت إلى بيتك من لا تحبه.
ويروى عنه أنه قال: جلست يومًا في الحرم وقد حججت ستين حجة فقلت في نفسي: إلى كم أتردد في هذه المسالك والقفار، ثم غلبتني عيني فنمت، وإذا بقائل يقول: يا ابن الموفق هل تدعو إلى بيتك إلا من تحب، فطوبى لمن أحب المولى، وحمله إلى المقام الأعلى.
ثم أنشأ يقول:
دعوت إلى الزيارة أهل ودي … ولم أطلب بها أحدًا سواهم
فجاءوني إلى بيتي كراما … فأهلًا بالكرام ومن دعاهم
التاسعة بعد العشرين: قال الأوزاعي : رأيت رجلًا متعلقًا بأستار الكعبة وهو يقول:
يا رب إني فقير كما ترى … وصبيتي قد عروا كما ترى
وناقتي قد عجفت كما ترى … وبردتي قد بليت كما ترى
فما ترى فيما ترى … يا من يَرى ولا يُرى
فإذا بصوت من خلفه: يا عاصم يا عاصم الحق عمك قد هلك بالطائف وخلَّف ألف نعجة وثلاثمائة ناقة وأربعمائة دينار، وأربعة أعبد، وثلاثة أسياف يمانية، فامض فخذها فليس له وارث غيرك.
قال الأوزاعي: فقلت له يا عاصم إن الذي دعوته لقد كان منك قريبًا.
فقال يا هذا أما سمعت قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ .
الثلاثون: يروى عن فضيل بن عياض أنه وقف بعرفة والناس يدعون فبكى بكاء الثكلى المحترقة فلما كادت الشمس أن تسقط، قبض على لحيته ثم رفع رأسه إلى السماء ثم قال: واسوءتاه وإن عفوت.
وروي أنه قال والناس بالموقف: ما تقولون لو قصد هؤلاء الوفد بعض الكرماء يطلبون منه دانقا أكان يردهم؟ قالوا: لا واللَّه.
قال: واللَّه لمغفرته في جنب كرمه أهون على اللَّه من الدانق فى جنب ذلك الرجل.
الحادية بعد الثلاثين: يروى أنه قيل ليونس بن عبيد وقد انصرف من عرفات: كيف كان الناس، فقال: لم أشك في الرحمة لولا أني كنت معهم. يقول لعلهم لم يرحموا بسببي.
الثانية بعد الثلاثين: يروى عن شعيب بن حرب قال بينما أنا أطوف بالبيت إذ لكزني رجل بمرفقه فإذا أنا بالفضيل بن عياض، فقال لي: يا أبا صالح فقلت: لبيك يا أبا علي.
قال: إن كنت تظن أنه شهد الموسم شَرٌّ مني ومنك فبئس ما ظننت.
الثالثة بعد الثلاثين: قال بعض السلف رأيت شابا في الموقف مطرقًا رأسه إلى الأرض منذ وقف الناس إلى أن سقط القرص.
فقلت: يا هذا أبسط يدك للدعاء. فقال لي: ثمَّ وحشة. فقلت له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يده ففي بسط يده وقع ميتًا.
وحُكِيت عن الفضيل أيضا قال: رأيت شابًا ساكتًا وعليه أثر الذِّلة والخشوع والناس يسألون الحوائج. فقلت: يا فتى اخرج يدك واسأل حاجة، فقال: يا شيخ وقعت بيننا وحشة وليس ثمَّ وجه، قال: فإذا كان كذلك فإن الوقت يفوت، فقال لي: ولا بُدَّ، فلما أراد أن يرفع يده بالدعاء صاح صيحة وخرَّ ميتًا.
ويُروى أنه كان أكثر دعائه اللهم ارحمني فإنك بي عالم ولا تعذبني فأنت علي قادر.
الرابعة بعد الثلاثين: قيل لبعض السلف وقد ضحى للشمس بعرفة في يوم شديد الحر: لو أخذت بالتوسعة، فأنشد:
ضحيت له كي أستظل بظله … إذا الظل أضحى في القيامة قالصًا
فيا أسفى إن كان سعيي باطلًا … ويا حسرتى إن كان حظي ناقصًا
الخامسة بعد الثلاثين: قال بعض السلف: كنت بالمزدلفة وأنا أحيى الليل، فإذا بامرأة تصلي حتى الصباح ومعها شيخ.
فسمعته وهو يقول: اللهم إنا قد جئنا من حيث تعلم وحججنا كما أمرتنا، ووقفنا كما دللتنا، وقد رأينا أهل الدنيا إذا شابَ المملوك في خدمتهم تذمموا أن يبيعوه، وقد شبنا في ملكك فارحمنا .
السادسة بعد الثلاثين: عن علي بن الموفق قال: حججت نيفًا وخمسين حجة، وجعلت ثوابها لرسول اللَّه ﷺ وللخلفاء الأربعة ولأبويَّ، فبقيت حجة، فنظر إلى أهل الموقف بعرفات وضجيج أصواتهم فقلت: اللهم إن كان في هؤلاء أحد لم تقبل منه حجه فقد وهبت له هذه الحجة ليكون ثوابها له.
فبت تلك الليلة بالمزدلفة فرأيت ربي عز وجل في المنام فقال لي: يا ابن الموفق عليَّ تتسخَّى، قد غفرت لأهل الموقف ومثلهم وأضعاف ذلك وشفَّعت كل رجل منهم
في أهل بيته وخاصته وجيرانه وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة.
روى الترمذي في سننه في تفسير القرآن في سورة المدثر، عن أنس عن رسول اللَّه ﷺ إنه قال في هذه الآية ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] قال: قال اللَّه عز وجل أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهًا فأنا أهل أن أغفر له».
السابعة بعد الثلاثين: عن مالك بن دينار قال: رأيت في بعض الأيام شابا عليه آثار الدعاء ونور الإجابة، ودموعه تتساقط على وجهه فعرفته وكنت أعهده بالبصرة ذا نعمة فبكيت لما رأيت من حاله على تلك الصفة وبكى الآخر لما رآني، وبدأني بالسلام، وقال: يا مالك باللَّه عليك إلا ما ذكرتني في وقت خلواتك، وسألت لي التوبة والمغفرة لعله يرحمني ويغفر لي، ثم أنشأ يقول:
وعرض بذكري حين تسمع زينب … وقل ليس يخلو ساعة منك باله
عساها إذا ما مر ذكري بسمعها … تقول فلان عندكم كيف حاله
قال مالك: ثم ولى ودموعه تستبق، فلما دخلت أشهر الحج توجهت إلى مكة فبينما أنا في المسجد الحرام إذ رأيت حلقة يجتمع إليها الناس فإذا بفتى يتضرع وقد قطع على الناس طوافهم بكثرة بكائه.
فوقفت عليه أنظر مع الناس إليه، فإذا هو صاحبي فسررت به، فسلمت عليه وقلت: الحمد للَّه الذي أبدلك بخوفك أمنا وأعطاك ما تتمنى.
فأنشأ يقول:
ساروا بلا خوف إلى خيف أمنهم … فلما أناخوا في منى بلغوا المُنا
تمنوا فأعطاهم مناهم وصانهم … بتوبته الخلصاء عن الفحش (والخنا)
وسامح عن كل الذنوب التي جرت … وما اجترح العبد المسيء وما جنا
لدار عليهم ساقي القوم خمرة … فنادوا من الساقي فقال لهم أنا
أنا اللَّه ادعونى فإني ربكم … لي المجد والعلياء والملك والسنا
قال مالك: ثم قلت له: باللَّه عليك أطلعني على أمرك كيف كان؟
فقال: ما كان إلا حين دعاني بفضله فأجبته فأعطاني كل ما طلبته، ثم عاد إلى طوافه وتركني ومضى. فلم أراه بعد.
الثامنة بعد الثلاثين: عن أبي عبد اللَّه الجوهري، قال: كنت سنة بعرفات، فلما كان آخر الليل نمت، فرأيت ملكين نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه: كم وقف في هذه السنة؟
قال: ستمائة ألف، ولم يقبل إلا ستة أنفس قال: فهممت أن ألطم وجهي وأنوح على نفسي. قال: فما فعل اللَّه في الجميع؟ قال: نظر إليهم بعين الكرم فوهب لكل واحد منهم مائة ألف.
التاسعة بعد الثلاثين: ركب جماعة من التجار في البحر متوجهين إلى الحج، فانكسر المركب وضاق الوقت عن الحج، وفيهم إنسان كان معه بضاعة بخمسين ألف درهم، فتركها وتوجه إلى الحج.
فقيل له: لو أقمت لعله يخرج لك بعض بضاعتك. فقال: واللَّه لو حصلت لي الدنيا كلها ما اخترتها على الحج. ودعا من شهده من الأولياء بعد أن رأيت منهم ما رأيت، قالوا: وما رأيت؟
قال: كنا مرة متوجهين إلى الحج فأصابنا عطش في بعض الأيام، وبلغت الشربة كذا وكذا، ودرت في الركب من أوله إلى آخره فلم يحصل لي ما يبيع ولا غيره وبلغ العطش مني الجهد. فتقدمت قليلا، وإذا بفقير معه عكازه وركوة، وقد ركز العكاز في ساقية بركة، والماء ينبع من تحت العكاز، ويجري في الساقية إلى البركة فجئت إلى البركة فشربت وملأت قربتي، ثم أعلمت الركب فاستقوا كلهم منها وتركوها وهي تطفح.
الأربعون: عن سهل بن عبد اللَّه قال: مخالطة الولي للناس ذل وتعزيزه عز، قال: ما رأيت وليا للَّه إلا منفردا.
إن عبد اللَّه بن صالح كان رجلا له سابقة وموهبة جزيلة، وكان يفر من الناس من بلد إلى بلد، حتى أتى مكة فطال مقامه بها، فقلت له: لقد طال مقامك بها.
فقال: لِمَ لا أُقيم بها ولم أر بلدا تنزل فيه الرحمة والبركة أكثر منها، والملائكة تغدو وتروح، وإني أرى فيه أعاجيب كثيرة، وأرى الملائكة يطوفون بالبيت على صور شتى، لا يقطعون ذلك ولو قلت كلما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين.
فقلت: سألت باللَّه إلا ما أخبرتني بشيء من ذلك.
فقال: ما من ولي صحت ولايته إلا وهو يحضر هذا البيت في كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه، فمقامي لأجل رؤياهم.
[٢ / ١٧٠]
ولقد رأيت رجلا يقال له: مالك بن القاسم الجيلي وقد جاء وبيده غمر فقلت له إنك قريب عهد بالأكل. فقال لي: استغفر اللَّه، فإني منذ أسبوع لم آكل ولكن أطعمت والدي وسريت لألحق صلاة الفجر وبينه وبين الموضع الذي جاء منه تسعمائة فرسخ فهل أنت مؤمن بذلك؟ قلت: نعم.
قال: الحمد للَّه الذي أراني مؤمنا.
الحادية بعد الأربعين: قال بعضهم: كنت بالمدينة النبوية شرفها اللَّه فجئت عند القبر المشرف فإذا بعجمي كبير القامة يودع، فتبعته لما خرج، فلما بلغ مسجد ذي الحليفة صلى ولبى، فصليت ولبيت وخرجت خلفه، فالتفت فرآني فقال: ما تريد؟ فقلت: أريد أن أتبعك فأبى، فألححت عليه فقال: إن كان ولابد فلا تضع قدمك إلا على أثر قدمي. فقلت: نعم.
فمشى على غير الطريق، فلما مرَّ هويٌّ من الليل، إذا بضوء سراج فالتفت إليَّ وقال: هذا مسجد عائشة فتقدم أنت أو أتقدم أنا. فقلت ما تختار، فتقدم.
ونمت أنا حتى إذا كان وقت السحر، ودخلت مكة فطفت، وسعيت وجئت إلى عند الشيخ أبي بكر الكتاني وجماعة الشيوخ قعود، فسلمت عليهم فقال لي الكتاني: متى قدمت؟ قلت: الساعة، قال: من أين؟ قلت: من المدينة، قال: كم لك منها؟ قلت: البارحة.
فنظر بعضهم إلى بعض فقال الكتاني: مع من جئت؟ فقلت: مع رجل من حاله وقصته كذا وكذا، فقال: ذاك أبو جعفر الدامغاني، وهذا في حاله قليل.
ثم قال: قوموا فاطلبوه وقال لي: يا ولدي علمت أن هذا ليس حالك، كيف كنت تحس بالأرض تحت قدميك؟ قلت: مثل الموج إذا دخلت تحت السفينة.
الثانية بعد الأربعين: عن شقيق البلخي رحمه الله قال: خرجت حاجا سنة، فنزلت القادسية فبينما أنا أنظر إلى الناس وزينتهم وكثرتهم، نظرت فتى حسن الوجه فوق ثيابه ثوب صوف مشتملا بشملة، وفي رجليه نعلان وقد جلس منفردا.
فقلت في نفسي: هذا الفتى صوفي يريد أن يكون كلًّا على الناس في طريقهم، واللَّه لأمضين إليه ولأوبخنه.
فلما رآني مقبلا، قال: يا شقيق ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ فتعجبت منه، فأردت أن أجالسه، فغاب عني.
فلما نزلنا منزلة أخرى إذا به يصلي وأعضاؤه تظهر ودموعه تجرى، فأقبلت نحوه.
فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اقرأ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ ثم تركني ومضى.
فقلت: إن هذا لمن الأبدال، ثم رأيته ثالثة، وإذا هو على بئر وبيده ركوة للاستقاء، فسقطت منه في البئر، فرمق السماء وقال: أنت ربي إذا ظمئت من الماء، وقوتي إذا أردت الطعام اللهم سيدي ما لي سواها، فلا تعدمني إياها قال شقيق: فواللَّه لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤه، فمد يده وأخذ ركوته وملأها وتوضأ وصلى أربعا، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يفيض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب فأقبلت إليه وسلَّمت عليه فرد عليَّ السلام فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم اللَّه عليك. فقال: يا شقيق لم تزل نعمة اللَّه علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك.
ثم ناولني الركوة فشربت منها، فإذا هو سويق وسكر، فواللَّه ما شربت قط ألذ منه، ولا أطيب، فشربت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا. ثم رأيته بعد ذلك بمكة في جنب قبة الشراب نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما رأى الفجر، جلس في مصلاه يسبح، ثم قام يصلي، فلما سلم من صلاة الصبح طاف بالبيت أسبوعا وخرج فتبعته.
وإذا له حاشية ومال وأقبل الناس يسلمون عليه، وإذا هو موسى بن جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فعرفت إن هذا من ذاك الأصل.
الثالثة بعد الأربعين: عن الشيخ أبي سعيد الخزاز قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيرا عليه خرقتان يسأل فقلت في نفسي: مثل هذا يكدي.
فنظر إلي وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ .
فاستغفرت في سري، فناداني ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ .
الرابعة بعد الأربعين: قال بعضهم: بينما أنا أمشي في البرية إذا رأيت فقيرًا حافي القدمين حاسر الرأس عليه خرقتان مؤتزر بواحدة مرتد بالأخرى ليس معه زاد ولا ركوة. فقلت في نفسي: لو كان مع هذا ركوة وحبل، إذا رأى الماء توضأ وصلى، كان خيرًا له.
ثم لحقت وقد اشتدت الهاجرة فقلت له: يا فتى لو جعلت هذه الخرقة التي على كتفك على رأسك تتقي بها حر الشمس، كان خيرًا لك فسكت ومشى، فلما كان بعد ساعة قلت: أنت حاف إيش ترى في نعليَّ تلبسها ساعة، وأنا أخرى قال: أراك كثير الفضول، ألم تكتب الحديث؟
قلت: بلى.
قال: فلم تكتب حديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
فسكت ومشينا فعطشت ونحن على ساحل البحر فالتفت إليَّ وقال: أنت عطشان؟ فقلت: لا.
فمشينا ساعة وقد كظني العطش، ثم التفت إليَّ فقال: أنت عطشان؟
فقلت: نعم، وما معي في مثل هذا الموضوع ماء.
فأخذ الركوة مني ودخل البحر فغرف وجاءني وقال: اشرب، فشربت ماء أعذب من ماء النيل وأصفى لونًا، وفيه حشيش.
وما أحسن من قال:
إذا وردوا الأطلال تاهت بهم عجبًا … وإن لم عودا وهي غضة رطبًا
وإن وطئوا يومًا على ظهر صخرة … لأنبتت الصماء من وطئهم عشبًا
وإن وردوا البحر الأجاج لشربه … لأصبح ماء البحر من ريقهم عذبًا
قال: فقلت في نفسي هذا ولِيُّ اللَّه.
فلما وافينا المنزلة سألته الصحبة فأبى وتركني، ورششت من ذلك الماء على عليل فبرأ.
الخامسة بعد الأربعين: قال بعض الصالحين: بينما أنا جالس عند الكعبة إذ جاء شيخ قد شال ثوبه على وجهه، ودخل زمزم فاستقى بركوة وشرب فأخذت فضله. فإذا هو ماء مخلوط بعسل لم أذق شيئًا قط أطيب منه، فالتفت لأنظره، فإذا هو قد ذهب.
ثم عدت من الغد فجلست عند البئر وإذا به قد أقبل وثوبه مسدول على وجهه فدخل زمزم فاستقى دلوًا وشرب. فأخذت فضلته فشربت منها، فإذا هو لبن ممزوج بسكر لم أذق شيئًا أطيب منه.
السادسة بعد الأربعين: قال علي بن الموفق: حججت سنة من السنين في محمل، فرأيت رحالة فأحببت المشي معهم وأركبت واحدًا في محملي، ومشيت معهم، فتقدمنا إلى البرية، وعدلنا عن الطريق فنمت. فرأيت في منامي جوراي معهن طسوت من ذهب وأباريق فضة يغسلون أرجل المشاة، فبقيت أنا فقالت إحداهن لصواحبها: أليس هذا منهم؟ قلن: هذا له محمل.
قالت: بلى هو منهم لأنه لأحب المشي معهم.
فغسلن رجلي، فذهب عني كل وجع كنت أجده.
السابعة بعد الأربعين: قال بعضهم: كنت أسير في البادية مع القافلة فرأيت امرأة تمشي بين يديها فقلت: هذه ضعيفة سبقت القافلة لئلا تتقطع، وكان معي دُرَيْهمات فأخرجتها من جيبي وقلت لها خذيها، فإذا نزلت القافلة فاطلبيني لأجمع لك شيئًا تكترين به مركوبًا يحملك.
فمدت يدها وقبضت شيئًا من الهواء فإذا في يدها دراهم، فناولتني إياها وقالت: أنت أخذتها من الجيب، ونحن أخذناها من الغيب.
الثامنة بعد الأربعين: عن الشيخ فتح الموصلي قال: رأيت في البادية غلامًا لم يبلغ الحنث يمشي ويحرك شفتيه. فسلمت عليه، فرد الجواب فقلت له: إلى أين يا غلام؟ فقال إلى بيت اللَّه الحرام. قلت: فبماذا تحرك شفتيك؟ قال: بالقرآن. قلت:
فإنه لم يجر عليك قلم التكليف. قال: رأيت الموت يأخذ من هو أصغر مني سنًا. قلت: خطوك صغير، وطريقك بعيد.
فقال: إنما علي نقل الخطا، وعلى اللَّه الإبلاغ. قلت: فأين الزاد والراحلة؟ قال زادي يقيني وراحلتي رجلاي.
قلت: أسألك عن الخبز والماء. قال: يا عماه أرأيت لو أن مخلوقًا دعاك إلى منزله أكان يجمل بك أن تحمل معك زادك؟ فقلت: لا.
قال: سيدي دعا عباده إلى بيته، وأذن لهم في زيارته، فحملهم ضعف يقينهم على حمل أزوادهم وأنا استقبحت ذلك وحفظت الأدب معه، أفتراه يضيعني؟ فقلت: كلا وحاشا.
ثم غاب عن عيني، فلم أره إلا بمكة. فلما رآني قال: يا شيخ أنت بعد ذلك الضعف في اليقين، ثم أنشأ يقول:
مالك العالمين ضامن رزقي … فلماذا أكلف الخلق رزقي
قد قضى لي بما قضى لي ومالي … مالكي في قضائه قبل خلقي
صاحب البذل والنداء في يساري … ورفيقي في عسرتي حسن خلقي
فكما لا يرد عجزي رزقي … فكذا لا يجيء برزقي حذقي
التاسعة بعد الأربعين: عن ذي النون المصري قال: رأيت في البادية حدثًا كأنه سبيكة فضة قد ولع بجسمه الوله، يريد الحج. فصحبته وأوصيته وذكرت له بعض المشقة. فأنشأ يقول:
بعيد على الكسلان أو ذي ملالة … وأما على المشتاق غير بعيد
الخمسون: قال شقيق البلخي: رأيت في طريق مكة مُقْعَدًا يزحف على الأرض فقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من سمرقند.
قلت: وكم لك في الطريق؟
فذكر أعوامًا تزيد على العشرة، فرفعت طرفي أنظر إليه متعجًا فقال لي: ما لك
يا شقيق؟ أما بعد سفرتي فالشوق يقربها، وأما ضعف مهجتي فمولاها يحملها.
يا شقيق أتعجب من عبد ضعيف يحمله المولى اللطيف، ثم أنشأ يقول:
أزوركم والهوى صعب مسالكه … والشوق يحمل من لا مال يسعده
ليس المحب الذي يخشى مهالكه … كلا ولا شدة الأسفار تبعده
الحادية بعد الخمسين: عن بعضهم قال: رأيت كهلًا قد أجهدته العبادة وبيده عصا وهو يطوف معتمدًا عليها، فسألته عن بلده فقال: خراسان.
ثم قال: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: في شهرين أو ثلاثة. قال: أفلا تحجون كل عام؟ فقلت له: كم بينك وبين هذا البيت؟ قال: مسيرة خمس سنين. قلت: هذا واللَّه هي المحبة الصادقة.
فأنشأ يقول:
زر من هويت وإن شطت بك الدار … وحال من دونه حُجُبٌ وأسفار
لا يمنعك بعد من زيارته … إن المحب لمن يهواه زوار
الثانية بعد الخمسين: قال علي بن الموفق : سمعت امرأة متعلقة بأستار الكعبة تنشد وتقول:
يا حبيب القلوب مالي سواكا … فارحم اليوم زائرًا قد أتاكا
عيل صبري وزاد فيك اشتياقي … وأبي القلب أن يحب سواكا
أنت سؤلي وبغيتي ومرادي … ليت شعري متى يكون لقاكا
ليس قصدي من الجنان نعيمًا … غير إني أريدها لأراكا
ونختم المجلس بما وعدنا به في مجلس الصلاة على رسول اللَّه ﷺ وهو ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: كنت جالسًا عند قبر رسول اللَّه ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول اللَّه، السلام عليك يا صفوة اللَّه، سمعت اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي.
ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال: ثم انصرف فحملتني عيناي فرأيت رسول اللَّه ﷺ في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي فبشره بأن اللَّه تعالى غفر له .
وزاد بعضهم على بيتي العتبي ثالثًا:
أنت النبي الذي ترجى شفاعته … عند الصراط إذا زلت القدم
وزاد بعضهم على الأولين:
وفيه شمس التقى والدين قد غربت … من بعد ما أشرقت من نورها الظلم
حاشا لوجهك أن يبلى وقد هديت … في الشرق والغرب من أنواره الأمم
لئن رأيناه قبرًا إن باطنه … لروضة من رياض الخلد تبتسم
طافت به من حواليه ملائك … في كل يوم كالتي تسعى وهي تزدحم
لو كنت أبصرته حيًا لقلت له … لا تمشي إلا على خدي لك القدم
لقيت ربك والإسلام صارمه … ماض وقد كان جيش الكفر يصطدم
فقمت فيه مقام المرسلين إلي … إن عز فهو على الأديان يحتكم
ثم رأيت مؤلفًا ذكر فيه بعد البيتين الأولين:
أنت البشير النذير المستفاء به … وشافع الخلق إذا يغشاهم الندم
تخصهم بنعيم لا نفاد له … والحور في جنة المأوى لهم خدم
تسقى لمن شئت يا خير الأنام وكم … قوم لعظم الشقاء والبعد قد حرموا
صلى عليه إله العرض ما طلعت … شمس وحن إليه الضال والسلم
مجلس في تحريم الظلم والأمر برد المظالم
وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ممن أشبه أباه فما ظلم، من استرعى الذنب فقد ظلم.
ثم اشتهر في تعاطي ما لم يأذن به الرب ﷻ.
قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ وهو بيان للحميم السالف في الآية التي قبلها.
أي لا حبيب لهم، صديق ولا قريب ولا ودود ولا ناصر لهم، لا بشفاعة ولا بقهر.
وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.
وقد ذكرنا حديث أبي ذر الطويل: «يا عبادي »، وفيه وروينا في صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» .
فالظلم ظلمات يوم يسعى نور المؤمنين بأيديهم وبأيمانهم فأبان بهذا أن من خاصيته إطفاء نور الإيمان أو غلبة ظلمته عليه» كأنما ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧] .
ولا منفر مثل هذا، وسببه شح النفس، فليحذر فإنه الحامل على سفك الدماء واستحلال المحارم ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
وروينا فيه أيضًا: من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء» .
فاستيلاء الظالم مردود لأهله، وما قدر انتفاعه بالمظالم، فالدنيا كساعة من نهار أضغاث أحلام ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات: ٤٦] .
فلولا الوهم والخيال، ونسيان دار القرار ما ظلم ظالم، ولا استقر هائم.
وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عمر بعد أن ذكر الدجال: «ألا إن اللَّه حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد ثلاثًا.
ويلكم -أو ويحكم- لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
وروى مسلم بعضه.
فحرمة الظلم كحرمة يوم النحر في البلد الحرام، وإنه ننحر القلوب في بلد
التكاليف، إنما الجنة هي التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، فهو جناية على جناب الحق بانتهاك محارمه، فكأن الظالم لم يرض به ربًا ولا على دينه الذي ارتضاه في كتبه، وعلى ألسنة رسله.
إذ رماه الظالم بيده وراء ظهره، ولم يرض به دينا، وعلى مملكته.
إذ الظلم خراب للعالم لا جرم.
قال صاحب الشرع إثر ذلك: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» وعلى المظلوم إذا لم يرع الظالم له حرمة.
وروينا فيهما من حديث عائشة مرفوعًا: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين».
أي فكل درهم يؤخذ ظلمًا فعليه إثمه وإثم لوازمه كلها.
فهذا تعدد في ضرر الظلم، باعتبار لوازم المظلمة وإيجابها وجهاته.
والذي قبله تعدد فيه باعتبار من يتأذى به.
وروينا فيهما من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «إن اللَّه يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته»، ثم تلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾. الآية.
ولا شيء أسوأ من هذا الحال.
وروينا فيهما من حديث معاذ قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن فقال: «إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه» الحديث، وفي آخره: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب» .
وأي عناية كهذا، فلا يسرف في الأسف إنه كان منصورًا.
وروينا فيهما من حديث أبي حميد عبد الرحمن الساعدي قال: استعمل رسول اللَّه ﷺ رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدى إلي .
فقام رسول اللَّه ﷺ على المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني اللَّه، فيأتي ويقول: «هذا لكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا واللَّه لا يأخذ منكم شيئًا بغير حقه إلا لقى اللَّه يحمله يوم القيامة، فلا عرفت أحدًا منكم لقي اللَّه يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تبعر.
ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه فقال: اللهم قد بلغت» .
فهدايا العمال ظلم ورشوة وسحت وإن سميت بغير اسم الظلم والسحت.
تغير الاسم لا تغيير الحقيقة التي هي أخذ شيء بغير حقه ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
حتى يلقى اللَّه وهو يحمل وزره على ظهره ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ .
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا:
«من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه».
فالمخلص ليس إلا التحلل من المظلوم بأي طريق تيسر قبل يوم التغابن.
وروينا في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه».
فمن لا يسلم المسلمون من لسانه ويده فليس بمسلم ليأتي عكس، أو عكس نقيض، ومن ليس مسلمًا فهو أهل الظلم والعدوان وأما المسلم فحاشاه.
وفي ذكر اليد واللسان تنويع الظلم وتعميمه بغالب الآية.
وروينا في صحيح البخاري من حديثه قال: كان على ثقل رسول اللَّه ﷺ رجلٌ
يقال له كركرة، فمات فقال ﷺ «هو في النار» فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها .
فمآل الظالم النار، ولو كان هذا الخادم في حقير عباءة فالحذر الحذر.
وروينا في الصحيحين أيضًا من حديث أبي بكر مرفوعًا:
«إن الزمان قد استدار» الحديث وفيه «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» إلى آخره.
وصح من حديث أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي مرفوعًا: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب اللَّه له النار، وحرم عليه الجنة».
فقال: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول اللَّه؟ فقال: «وإن كان قضيبًا من أراك» .
ولا أوكد من هذا، فمنه اقتطاع حق امرئ مسلم بيمين فاجرة، ولا أعم من مغلول حق في كل عين ودين ومنفعة وانتفاع واختصاص واستحقاق وعرض ورجاء وإلزام وحسم وجد، وغير ذلك، ولا من تنكيره في الشرط.
وروينا في صحيح مسلم من حديث عدي بن عميرة مرفوعًا: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا، يأتي به يوم القيامة».
فقام إليه رجل أسود من الأنصار، كأني أنظر إليه فقال «يا رسول اللَّه اقبل عني عملي؟
قال: وما لك؟» قال: سمعتك تقول كذا وكذا قال: وأنا أقوله الآن، فما استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهى عنه
انتهى» .
وهو ما قبله بيان لأنواع الظلم، وإن منها الحجة والجناية المحوجين إلى اليمين الفاجرة، وإن منها الاختلاس فيما علم، والكتمان فيما لم يعلم.
وقوله: «مخيطًا فما فوقه» يحتمل ما فوقه من القلة.
ومنها السرقة والغلول المانع للشهادة، والموقع في النار، كما سيأتي.
ومنها الدين الذي صنع على صاحبه، بأنه لم يترك وفاءه أو لم يشهد به، أو نحو ذلك.
وروينا في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد.
فقال ﷺ: «كلا إني رأيته في بردة غلها أو عباءة» وروينا فيه أيضًا من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي إنه ﷺ قام فيهم فذكر لهم إن الجهاد في سبيل اللَّه، والإيمان باللَّه أفضل الأعمال. فقام رجل فقال: أرأيت يا رسول اللَّه أرأيت إن قتلت في سبيل اللَّه تكفر خطاياي؟
فقال: نعم، إن قتلت في سبيل اللَّه، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر.
قال: كيف قلت؟ فأعاده.
فقال ﷺ: إلا الدين، فإن جبريل ﷺ قال لي ذلك .
وكل ذلك مؤكد، للتنفير من الدين.
نعوذ باللَّه من غلبته، ومن قهر الرجال.
وفيه تنبيه من باب أولى على النهب والمحاربة، كل استيلاء باطل . وروينا أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: أتدرون من المفلس من أمتي قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار» .
وهذا هو المفلس الحق، يقي وغير خاف.
أن إذ تفرق غرماؤه حسناته التي كأمثال الجبال، ثم وضعت عليه سيئاتهم، وطرح في النار، لا حسرة كحسرته، وأي أمر حصل له من مظالمه يقابل هذا الإفلاس الشديد في أضيق الأوقات.
وروينا فيهما من حديث أم سلمة مرفوعًا: «وإنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار» .
فالحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا فليكن الإنسان على بصيرة ولو ألقى معاذيره.
واعلم أن أحكام الدنيا والآخرة لون، وأحكام الجزاء والحاقة لون، فلا يتوهم أن إذن الحاكم يحمي الحساب أو يمنع العذاب.
وروينا في صحيح البخاري من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصيب دمًا حرامًا» .
وما أخشى أن يكون هذا إنذارًا بسوء الخاتمة.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ .
وروينا فيه أيضًا من حديث خولة بنت عامر الأنصارية وهي امرأة حمزة رضي الله عنهما وعنها قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن رجالا يتخوضون في مال اللَّه بغير حق، فلهم النار يوم القيامة" أي لأن خصمه اللَّه، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ .
ومدار ما ذكرناه من الأحاديث على عشر مهمات.
بيان تحريم الظلم وخاصيته وسببه، وأن نفعه وهمي وقليل، وضرره متعدد كثير، وسوء حال الظالم والاعتبار بالمظلوم.
والتنبيه على ما لم يحسب ظلمًا أو يحسب أنه يخلص وما به التخلص، وبيان أهله وما يؤول إليه أمرهم أو بيان أنواعه وما فيه من الحسرة الناجمة عنه، وما لا يحله باطلًا، وإن سُلِّط عليه ظاهرًا، وظلم لا فسحة للدين معه، وحكم ما لا يطالب به.
إلا الرب ﷻ.
مجلس في النصيحة
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
فيجب صفاء السرائر، وبذل الجهد في دفع الضرائر.
وقال تعالى إخبارًا عن نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ .
وعن هود عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ فالنصح من شأن الكرام، وحقيقته الصدق، والنقاء من كل غش، وأثره بذل الجهد في الإصلاح، ولم كل شعث وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري مرفوعًا:»الدين النصيحة«. قلنا: لمن؟ قال للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» .
وروينا في الصحيحين من حديث جرير: «بايعت رسول اللَّه ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم» .
وروينا فيهما من حديث أنس مرفوعًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
ومدار هذه الأحاديث على بيان مزية النصح ومجاريه وصفته وموجبه، ودلائل التحقق بمنازلته.
ومن الحكايات اللائقة بذلك: ما روي عن علي بن أبي طالب الوراق إن يوسف بن الحسين رؤي في المنام فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟
فقال: غفر لي ورحمني.
فقيل: بماذا؟
فقال: بكلمة أو بكلمات قلتها عند الموت، قلت: اللهم إني نصحت الناس قولًا وخنت نفسي فعلًا فهو خيانة نفسي لنصح قولي.
الثانية: قال الأحنف قال عمر: يا حنيف من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه كانت النار أولى به.
الثالثة: قال وديعة سمعت عمر يقول وهو يعظ رجلًا: لا تتكلم فيما لا يعنيك، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا مات يخشى اللَّه، ولا تصح مع الفاجر فيعلمك من فجره، ولا تطلعه على سرك ولا تشاور في أمرك إلا الذين يخشون اللَّه بك.
الرابعة: قال محمد بن علي: أوصاني أبي فقال: لا تصحبنى خمسة، ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق. قلت: جعلت فداك يا أبت من هؤلاء الخمسة؟
قال: لا تصحبن فاسقًا، فإنه يُتْبِعُك بالكلمة فما دونها.
قال: تطمع فيها، ثم لا تنالها. قلت: يا أبت ومن الثاني؟
قال: لا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما تكون إليه.
فقلت: يا أبت ومن الثالث؟
قال: لا تصحبن كذابا فإنه بمنزلة السراب، يبعد عنك القريب، ويقرب منك البعيد.
قلت: يا أبت ومن الرابع؟ قال: لا تصحبن أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. قلت: قد قيل عدو عاقل خير من صديق أحمق.
قلت: يا أبت ومن الخامس؟
قال: لا تصحبن قاطع رحم، فإني وجدته ملعونًا في كتاب اللَّه عز وجل في ثلاثة مواضع.
الخامسة: عن ابن عباس أنه قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول اللَّه ﷺ كانتفاعي بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب، كتب إليَّ:
أما بعد، فإن المرء ليسوءه فوت ما لم يكن ليدركه ويسره درك ما لم يكن ليفوته.
فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فات منها.
وما نلت من دنياك فلا تكثرن به قدحًا، وما فاتك منها فلا تأس جزعًا.
السادسة: قال ثابت بن الحجاج : قال عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ .
السابعة: قال عبد الرحمن: أتى رجل الضحاك فقال: يا أبا عبد الرحمن علمني كلمات جوامع بدائع.
قال: لا تشرك باللَّه شيئًا، وزُلْ مع الحق حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبل منه، وإن كان بغيضًا.
ومن جاءك بالباطل فاردده عليه، وإن كان حبيبًا.
الثامنة: عن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر عند الكعبة فقال: أيها الناس أنا جندب الغفاري هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق.
فاكتنفه الناس فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرًا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلي.
قال: فسفر طريق الآخرة أبعد ما تريدون فخذوا ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يومًا شديدًا حره لطول النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة سواد الليل لوحشة القبور. كلمة خير تقولها، أو كلمة سوء فتسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرة. اجعل الدنيا مجلسين، مجلس في طلب الحلال، ومجلس في طلب الآخرة.
والمجلس الثالث يضرك ولا ينفعك، فلا ترده.
واجعل المال درهمين، درهمًا تنفقه على عيالك من حله، ودرهمًا تنفقه لآخرتك.
والمال يضرك ولا ينفعك، فلا ترده.
ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدًا.
التاسعة: كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي: يا أخي اغتنم صحتك وفراغك قبل أن ينزل بك من البلاء ما لا يستطيع العباد رده، واغتنم دعوة المبتلى ويا أخي ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن المسجد بيت كل تقي، وقد ضمن اللَّه تعالى لمن كانت المساجد بيوتهم الروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان اللَّه، ويا أخي ارحم اليتيم وأدنه، أطعمه من طعامك فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وأتاه رجل يشتكي قساوة قلبه فقال: «أتحب أن يلن قلبك» .
قال: نعم، قال: «أدنِ اليتيم منك وامسح رأسه وأطعمه من طعامك، فإن ذلك يلين قلبك، وتقدر على حاجتك».
يا أخي لا تجمع ما لا تستطيع شكره، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول
يجاء بصاحب الدنيا يوم القيامة الذي أطاع اللَّه فيها وهو بين يدي ماله، وماله خلفه، كلما تكفى به الصراط قال له ماله: امض فقد أديت الحق الذي عليك.
قال: ويجاء بالذي لم يطع اللَّه عز وجل وماله بين كتفيه فيعيره ماله ويقول له: ويلك هلا عملت بطاعة اللَّه في، فلا يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور».
ويا أخي حُدِثْتُ إنك اشتريت خادمًا، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «لا يزال العبد من اللَّه زهو منه ما لم يخدم، فإذا خدم وجب عليه الحساب» .
ويا أخي لا تغترن بصحبة رسول اللَّه ﷺ فإنا عشنا بعده دهرًا طويلًا، واللَّه أعلم بالذي أصابنا بعده.
العاشرة: عن بعض الشيوخ قال: دخلت أنا وعشرة نفر في جبل لكام، فسرنا فيه أيامًا، فانحدرنا إلى واد، فإذا فيه بحيرة ماء عذب، وإذا على شاطئ البحيرة مسجد مبني من حجر أبيض، وإذا بعين ماء تحت المسجد تجري إلى البحيرة، فجلسنا فيه، فلما كان وقت الظهر جاء رجل أذن وأقام، ثم دخل المسجد، فسلم علينا وصلى ركعتين، ثم أقام الصلاة فدخل شيخ ومعه ثلاثون رجلًا، فتقدم إلى المحراب وصلى بنا، ثم انصرفوا، ولم يكلمونا، ولم نكلمهم، فلما كان بعد ساعة جاء رجل منهم معه شيء فوضعه في زاوية المسجد، ثم قال لنا: هلموا رحمكم اللَّه.
فقمنا إليه فإذا نحن بمنديل أبيض لم نر مثله تحت مكبة من زمرد أخضر.
فكشفناها فإذا مائدة من ياقوت أحمر عليه طعام يشبه الثريد، فأكلنا منه.
فكنا نأكل ولا ينقص منه شيء.
فلما كان وقت السحر جاء ذلك الرجل فحمل المائدة ثم أذن وأقام الصلاة فتقدم الشيخ فصلى بنا وجلس في محرابه وختم القرآن وحمد اللَّه وأثنى عليه، ودعا بدعاء حسن.
ثم قال: إن اللَّه تعالى افترض على خلقه فريضتين في آية واحدة، والخلق عنها غافلون.
فقلت: ما هي يرحمك اللَّه؟
فقال لي: تقدم جبرك اللَّه، فقدمني على الجماعة وقال لي: يا بني جبرك اللَّه قال الجليل ﷻ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] ونتحصن منه قال: اعلم رحمك اللَّه إن اللَّه ﷻ جعل لكل مؤمن سبعة حصون.
فقلت وما هذه الحصون؟
قال: الحصن الأول: من ذهب: وهو معرفة اللَّه تعالى وحوله: حصن من فضة، وهو الإيمان باللَّه، وحوله حصن من حديد وهو التوكل على اللَّه وحوله حصن من حجارة وهو الشكر والرضا عن اللَّه وحوله حصن من فخار وهو الأمر والنهي والقيام بهما، وحوله حصن من زمرد وهو الصدق والإخلاص في جميع الأحوال.
وحوله حصن من لؤلؤ رطب وهو أدب النفس.
والمؤمن من داخل هذه الحصون، وإبليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب، والمؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون.
فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في أحواله ولا يتهاون به في كل ما يأتيه، فإنه من ترك أدب النفس وتهاون به يأتيه الخذلان من فوق لتركه الأدب، ولا يزال إبليس يعالجه ويطمع فيه حتى يأخذ منه الحصن الأول ثم لا يزال يأخذ منه حصنًا بعد حصن إذا ترك الأدب، ويطمع فيه، ويأتيه الخذلان من اللَّه لتركه حسن الأدب حتى يأخذ منه جميع الحصون، ويرده إلى الكفر فيخلد في النار، نعوذ باللَّه من جميع ذلك، ونسأله التوفيق وحسن الأدب.
قال: فقلت له: أوصني بوصية.
قال: نعم جبرك اللَّه، اجتهد في رضى خالقك بقدر ما تجتهد في رضى نفسك، واعمل في الدنيا بقدر مقامك فيها، واعمل لربك بقدر حاجتك إليه، وأطع إبليس لعنه اللَّه بقدر نصحه لك، وارتكب من المعاصي بقدر طاقتك على النار، واحفظ لسانك عما لا ترجو فيه ثوابا كما تحفظ نفسك من سلعة لا ترجو فيها ربحًا.
واترك أربعة لأربعة، ثم لا تبالي متى مت اترك الشهوات إلى الجنة والنوم إلى القبر، والراحة إلى الصراط والفخر إلى الميزان.
ثم قام فمشى، فأقمنا يومنا ذلك.
فلما كان اليوم الرابع ودعناهم فقال الشيخ في آخر كلامه لنا: يا فتيان استروا المكان يستركم اللَّه في الدنيا والآخرة.
الحادية عشرة: عن أبي عامر الواعظ قال: بينما أنا جالس في مسجد الرسول ﷺ إذ جاءني غلام أسود برقعة فإذا فيها مكتوب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم متعك اللَّه بمسامرة الفكرة ونعمك بمؤانسة العبرة، وأفردك بحب الخلق، يا أبا عامر أنا رجل من إخوانك بلغني قدومك المدينة، فسررت بذلك، وأحببت زيارتك.
وبي من الشوق إلى مجالستك والاستماع إلى مجالستك والاستماع إلى محادثتك ما لو كان فوقي لأظلني أو كان تحتي لأقلني فسألتك بالذي حباك بالبلاغة
[٢ / ١٩٢]
لما أتحفتني جناح التوصل بزيارتك. والسلام.
قال أبو عامر: فقمت مع الرسول أتى بي إلى فناء، فأدخلني منزلًا رحيبًا، فقال لي: قف هنا حتى أستأذن لك.
فوقفت، فخرج إليَّ وقال: لج، فدخلت فإذا ببيت مفرد في الخربة له باب من جريد النخل، وإذا بشيخ قاعد مستقبل القبلة بحالة من الوَلَه مكروبًا من الخشية محزونًا قد ظهرت في وجهه أحزانه.
وذهبت من البكاء عيناه، مرضت أجفانه.
فسلمت عليه، فرد علي السلام، فإذا به أعمى مقعد مقام.
فقال لي: يا أبا عامر غسل اللَّه من أوزار الذنوب قلبك، لم يزل قلبي إليك تواقًا، وإلى سماع الموعظة منك مشتاقًا، وبي جرح ثقل قد أعيا الواعظين دواءه، وعجز المطيبين شفاؤه.
وقد بلغني نفع مراهمك الجراح والآلام.
فلا بأس رحمك اللَّه، مر (وابقاع) الترياق، وإن كان مر المذاق، فإني ممن يصبر على ألم الدواء، رجاء الشفاء قال أبو عامر: فنظرت إلى منظر هولني، وسمعت كلامًا قطعني، وفكرت طويلًا.
ثم أتاني من كلامه ما أتاني من الكلام، وسهل عني صعوبته ما منه تابا، وبرق الأفهام.
فقلت: يا شيخ ارم ببصرك قلبك في ملكوت السموات فأجل فسقع معرفتك في سكان الأرجاء، وتمقل بحقيقة إيمانك إلى جنة المأوى، فترى ما أعد اللَّه فيها للأولياء.
ثم تُشرف على نار فنرى فيها ما أعد اللَّه للأشقياء فشتان ما بين الدارين، ليس الفريقان في الموت سواء.
قال: فأنَّ وأنه صاح صيحة، وزفر والتوى وبكى حتى أروى الثرى.
وقال: يا أبا عامر وقع دواؤك على دائي، وأرجو أن يكون عندك شفائي، زدني رحمك اللَّه.
قلت: يا شيخ إن اللَّه عالم سريرتك، مطلع على حقيقة ساهرتك في خلوتك، بعينه عند استتارك من خلقه ومبارزته.
فصاح صيحة كصيحته الأولى، ثم قال: من لفقري، من لفاقتي، من لذنبي، من لخطيئتي، أنت لي يا مولاي إليك منقلبي، ثم خر ميتًا.
فخرجت إليَّ جارية عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف قد ذهب السجود بجبهتها وأنفها، واصفر لطول القيام لونها، وتورمت قدماها فقالت: واللَّه يا حادي قلوب العارفين ومثير أشجان عليل المحزونين لا ينسى لك هذا المقام من رب العالمين.
هذا الشيخ والدي مبتلي بالسقم منذ عشرين سنة، صلى حتى أقعد، وبكى حتى عمي، وكان يتمناك على اللَّه ويقول: حضرت مجلس أبي عامر، فأحيى موات قلبي وطرد وسن نومي، وإن سمعته ثانيًا قتلني، فجزاك اللَّه من واعظ خيرًا، ومتعك من حكمتك بما أعطاك.
ثم أكبت على أبيها تقبل بين عينيه وتبكي وتقول: واأبتاه، يا من أعماه البكاء على ذنبه، يا من قتله وعيد ربه، ثم علا البكاء والاستغفار والدعاء والنحيب وجعلت تقول: يا حليف الحرقة والبكاء، يا جليس الابتهال والدعاء، يا صريع المذكرين والخطباء.
يا قتيل الوعاظ والحكماء.
قال أبو عامر: فأجبتها فقلت: أيتها الباكية الحيراء، والنادبة الثكلاء، إن أباك نحبه قضي، وورد دار الجزاء، وعاين كل ما عمل، وعليه يحصى في كتاب عند ربه ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] فمحسن فله الزلفى، ومسيء فوارد دار من أساء.
فصاحت الجارية وجعلت ترشح عرقًا، ثم ماتت.
فخرجت مبادرًا إلى مسجد المصطفى ﷺ وفزعت إلى الصلاة والدعاء والاستغفار حتى كان عند العصر، فجاءني غلام أسود يؤذنني بجنازتهما وقال: أحضر للصلاة عليهما ودفنهما.
فحضرت وسألت عنهما فقيل لي: هما من ولد الحسن والحسين بن علي بن أبي طالب ، فما زلت جزعًا مما جنيت عليهما حتى رأيتهما في المنام عليهما
حلتان خضراوتان، قلت: مرحبًا بكما وأهلًا، ما زلت حذرًا مما وعظتكما به فما صنع اللَّه بكما؟ فقال الشيخ:
أنت شريكي في الذي نلته … مستأهلًا ذاك أبا عامر
وكل من أيقظ ذا غفلة … فنصف ما يعطاه للآمر
من رد عبدًا مذنبًا … كان كمن راقب للقاهر
واجتمعا في دار عدن وفي … جوار رب سيد غافر
يا أبا عامر وردت على رب كريم راض غير غضبان، فاسكنني الجنان وزوجني من الحور الحسان، فاحرص يا أبا عامر أن تكثر من الاستغفار:
إذا أمسى فراشي من تراب … وبت مجاور الرب الرحيم
فهنوني يا أصحابي وقولوا … لك البشرى قدمت على كريم
[٢ / ١٩٥]
مجلس في التواضع وخفض الجناح للمؤمنين
قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] .
وهذا خطاب لسيد الأولين والآخرين، فما بالك بآحاد المخلوقين.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
وهذا شرح خفض الجناح، فوصف المحبوبين للَّه المحبين له بذلك.
ولنتمنَّ الذلة معنى التحصن عداد (بعلي) فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
فإذا كان الأمر كذلك فلم لا يتواضع، والناس في ذلك سواء، فلا وجه للترفع إذن.
وإن تفرعوا للشعوب والقبائل فهو للتعارف لا للتفاخر.
وقال اللَّه تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ فلا يتوهم فاعله ترفعه
ومكانه، فإنه تزكية منهي عنها بقوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ الآية، ولنذكر أحاديث في ذكر ما يرغب في التواضع ويجذب إليه، وما يحذر من عواقب الرفعة الدنيوية، والمراتب العلية.
وقد روينا في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار -بالراء- مرفوعًا:- «إن اللَّه أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» .
وروينا فيه أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما نقصت صدقة من مال، ولا زاد اللَّه عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد للَّه إلا رفعه اللَّه» .
وروينا في صحيح البخاري من حديث أنس: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول اللَّه ﷺ فتنطلق به حيث شاءت.
وروينا في الصحيحين من حديثه أيضًا أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: «كان رسول اللَّه ﷺ يفعله» .
وروينا في صحيح البخاري من حديث الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة ما كان رسول اللَّه ﷺ يصنع في بيته؟
قالت: كان يكون في مهنة أهله، -يعني في خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة .
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي رفاعة تميم بن أسد قال: انتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول اللَّه رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه؟
فأقبل عليَّ رسول اللَّه ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأُتِيَ بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني ما علمه اللَّه.
ثم أتى خطبته فأتم آخرها .
وروينا فيه من حديث أنس أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث قال: وقال:»إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان«، وأمر بسلت القصعة قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» .
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما بعث اللَّه نبيًا إلا رعى الغنم».
قال أصحابه: وأنت؟
قال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» .
وروينا فيه أيضًا عنه مرفوعًا: «لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلى ذراع أو كراع لقبلت» .
وروينا فيه أيضًا عن أنس قال: كانت ناقة رسول اللَّه ﷺ العضباء لا تُسبق، ولا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها.
فشق ذلك على المسلمين حتى عرف.
فقال: «حق على اللَّه إن لا يرفع شيء من الدنيا إلا وضعه» .
وروينا عن حماد بن زيد قال: قال لي أيوب السخستاني: إن قومًا يريدون أن يرفعوا فيأبي اللَّه إلا أن يضعهم، وآخرين يريدون أن يتواضعوا ويأبى اللَّه إلا أن يرفعهم.
وقال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يسمع الحديث فاجتهدت أن أرفعه، فأبى وقال: لا أجلس إلا بين يديك فقد أمرنا بالتواضع لمن نتعلم منه.
وقال علي بن أبي طالب فيما رواه الشعبي عنه: يا أيها الناس عُدُّوا عني هذه الكلمات، فلو ركبتم المطايا حتى تضنوها ما أصبتم منها: لا يرجَونَّ عبدًا إلا ربه، ولا يخافَنَّ إلا ذنبه، ولا يستحي إذا لم يتعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم.
واعلموا أن الصبر مع الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا خير في جسد لا رأس له.
وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب : ما دخل قلب رجل شيء من الكبر إلا نقص من عقله قدر ما دخله من ذلك، قل أو كثر.
وعنه: أن والده كان يحب أن لا يعينه على طهوره أحد، كان يستقي الماء لطهوره، ويحضره قبل أن ينام فإذا أقام من الليل بدأ بالسواك، ثم يتوضأ ويأخذ في صلاته، وكان يقول: عجبت للمتكبر الفجور الذي كان أمس نطفة ثم يكون غدًا جيفة وعجبت كل العجب من يرد دار البقاء، ويعمل لدار الفناء.
وقال الشبلي: إذا أردت أن تنظر إلى ما أنت، فانظر إلى ما يخرج منك في دخولك الخلاء، فمن كان هذا حاله فلا يجوز له أن يتطاول أو يتكبر على من هو مثله.
وللحسن البصري عجبت من معجب بصورته، وكان بالأمس نطفة مذرة، وهو على تيهه ورونقه ما بين جنبيه يحمل العذرة.
وروي أن إبراهيم بن أدهم كان يعمل في الحصاد ويحفظ السلتين. فجاءه يومًا جندي وطلب منه أن يعطيه شيئًا من الفاكهة فأبى.
فقلب الجندي سوطه وضرب رأسه، فطاطأ إبراهيم رأسه وقال: اضرب رأسًا طال ما عصى اللَّه، فلما عرفه الجندي اعتذر إليه فقال له إبراهيم: الرأس الذي يحتاج إلى الاعتذار تركته ببلخ.
وقال همام: قال لي عروة: كلمة احتملتها أورثتني عزًا طويلًا.
وقال إبراهيم بن أدهم: رأيت جبريل في المنام وفي يده قرطاس، فقلت له ما تصغ بهذا؟ قال: اكتب فيه أسماء المحبين.
فقلت: أكتب محبهم محب المحبين إبراهيم بن أدهم.
فنودي يا جبريل قال: اكتبه هو أولهم.
وروي أن الشيخ محمد بن الكيس كان يجتمع بالخضر في أكثر الأوقات،
وكان له صاحب موسر كثير المعروف فقال له: يا أخي مالي منك نصيب؟ قال: فبماذا؟ قال: تجمع بيني وبين الخضر وتسأله أن يظهر لي حتى أراه. قال: أنا أقول له.
فقال للخضر: صاحبي فلان قصد رؤيتك. فقال: صاحبك لما يريد أن يراني؟
قال: سبحان اللَّه هكذا قال لي.
فقال له الخضر قل له أنا يوم الجمعة أقصد في زويته.
فلما كان يوم الجمعة بادر الرجل فتطهر وجلس على سجادته يذكر اللَّه.
فدق الباب رجل، فقيل إنما عليه أطمار رثة ويريد الاجتماع بك.
فقال هذا مسكين، لا شك إنه يريد من القمح الذي سمع عنه، قولي له يرجع بعد الصلاة، وإذا هو الخضر.
فلما كان بعد الصلاة قال لابن الكيس: انتظرته فلم أره.
فقال: يا قليل التوفيق هو الذي جاءك ورددته تريد أن تجتمع بالخضر وعلى بابك الحجاب؟
فاعتق جواريه، وصار يخرج بنفسه إلى الباب إذا دق.
وحكي أن سليمان بن داود ﷺ مر في موكبه والطير تظله والدواب وسائر الحيوانات يمينه ويساره فمَر بعابد من عُبَّاد بني إسرائيل.
فقال: واللَّه يا ابن داود لقد أتاك اللَّه ملكًا عظيمًا فسمع ذلك سليمان فقال: لتسبيحه في صحيفة مؤمن خير مما أُعطى ابن داود.
فما أعطى ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى.
ولبعضهم:
إذا لم تكن مَلِكًا مطاعًا … فكن عبدًا لمالكه مطيعًا
وإن لم تملك الدنيا جميعًا … كما تختار فاتركها جميعًا
هما سببان من ملك ونسك … ينيلان الفتى شرفًا رفيعًا
ومن يقنع من الدنيا بشيء … سوى هذين يجئ به وضيعًا
وروينا عن الشيخ أبي يزيد البسطامي قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: كيف الطريق إليك؟
فقال: اترك نفسك وتعال.
وروي مرفوعًا: إن اللَّه يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الشَعِثةُ رؤوسهم المغبرة وجوههم، الخمصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطوا المُنَعَّمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يُشْهَدُوا.
قالوا: يا رسول اللَّه كيف لنا برجل منهم؟
قال: ذاك أويس القرني أشهل ذو صهوبة بعيد ما بين المنكبين، (ممتد) القامة، آدم شديد الأدمة، ضارب بذقنه إلى صدره رام بصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله لا يؤبه له، متزر بإزار من صوف، ورداء صوف مجهول في أهل الأرض معروف في أهل السماء، لو أقسم على اللَّه لأبرَّ قسمه، وإن تحت منكبه لمعة بيضاء.
ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة وقيل لأويس: قم فاشفع فيشفعه اللَّه في مثل ربيعة ومضر.
يا عمر ويا علي إذا أنتما لقيتماه، فاطلبا إليه أن يستغفر لكما، يغفر اللَّه لكما.
قال: فكانا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه.
فلما كان في آخر السنة التي مات فيها عمر، قام على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته، يا أهل البيداء أفيكم أويس؟
فقال شيخ كبير طويل اللحية فقال: إنا لا ندرى من أويس ولكن ابن أخ لي يقال له أويس، وهو أخمل ذكرًا وأقل مالا وأهون أمرًا من إن نرفعه إليك، وإنه ليرعي إبلًا حقير بين أظهرنا، فعمي عليه عمر كأنه لا يرقيه.
وقال: ابن أخيك هذا تحرمناه هو.
قال: نعم، قال: وأين يصاب؟
قال: بأراك عرفات، فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة والإبل حوله ترعى، فشدا حماريهما، ثم أقبلا عليه فقالا: السلام عليك ورحمة اللَّه.
فخفف أويس من الصلاة، ثم رد عليهما¬ السلام.
فقالا: من الرجل؟
قال: راعي إبل، وأجير قوم.
قلنا: لسنا نسألك عن الرعاية، ولا عن الإجارة.
ما اسمك؟ قال: عبد اللَّه.
قالا: قد علمنا أن أهل السموات والأرض كلهم عبيد اللَّه، فما اسمك الذي سمتك به أمك؟
قال: يا هذان أينما تريدان إليَّ؟
قالا: وصف لنا محمد ﷺ أويسًا القرني وقد عرفنا الصهوبة والشهولة.
وأخبرنا محمد ﷺ أن تحت منكبه الأيمن لمعة بيضاء، فأوضحها لنا، فإن كانت بك، فأنت هو، فأوضح لهما منكبه، فإذا اللمعة.
فابتدرا يقبلانه وقالا نشهد أنك أويس القرني فاستغفر لنا يغفر اللَّه لك.
قال أويس: ما أخص باستغفاري نفسي، ولا أحدًا من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر في المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.
يا هذان قد شهر اللَّه لكما حاشيها، وعرَّفكما أمري فمن أنتما؟
قال علي: أما هذا فعمر أمير المؤمنين، وأما أنا فعلي بن أبي طالب، فاستوى أويس قائمًا قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللَّه وبركاته.
وأنت يا ابن أبي طالب.
فجزاكما اللَّه عن هذه الأمة خيرًا.
قالا: وأنت جزاك اللَّه عن نفسك خيرًا. فقال عمر: مكانك رحمك اللَّه حتى
[٢ / ٢٠٣]
أدخل مكة، فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي.
هذا المكان ميعاد بيني وبينك.
قال: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك لا أراك بعد اليوم، فعرفني ما أصنع بالنفقة، ما أصنع بالكسوة، أما ترى علي إزار من صوف، ورداء من صوف.
متى تراني أخرقهما؟ أما ترى نعلي مخصوفتان متى تراني أبليهما؟.
أما ترى إني أخذت من رعايتي أربعة دراهم متى تراني آكلها؟.
يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويلك عقبة كؤودًا إلا ضامر مخف مهزول، فأخف رحمك اللَّه.
فلما سمع عمر ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته ألا ليت عمر لم تلده أمه، يا ليتها عقيمًا لم تعالج حملها ألا من يأخذها بما فيها يعني الخلافة ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت.
فهنا تولى عمر ناحية مكة، وساق أويس فوافى القوم فأعطاهم المير، وخلى الرعاية، وأقبل على العبادة حتى لحق باللَّه.
وروي عن عمار بن سيف الضبي أنه قال: قال رجل لأويس كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟
فقال له أويس: أصبحت أحب اللَّه، وأمسيت أحمده.
وما يسأل عن حال رجل إذا أصبح ظن إنه لا يمسي وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح.
إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحًا، وإن حق اللَّه في مال المسلم لم يدع له في ماله فضة ولا ذهبًا.
فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقًا.
وروي عنه إنه كان يقتات من المزابل، ويكتسي منها فنبحه كلب يومًا على مزبلة، فقال له أويس: «كل مما يليك، فأنا آكل مما يليني، ولا تنبحني، فإن جزت الصراط، فأنا خير منك، وإلا فأنت خير مني».
ولسيدي عبد اللَّه اليافعي:
سقى اللَّه قومًا من شراب وداده … فهانوا به ما بين باد وحاضر
يظنهم الجهال جُنًا وما بهم … جنون سوى حُبِّ على القوم ظاهر
سقوا بكؤوس الحب راحًا من الهوى … فراحوا سكارى بالحبيب المسامر
[٢ / ٢٠٤]
يناجونه في ظلمة الليل عندما … به قد خلوا أويس بن عامر
وحكي عن بعضهم أنه دعي إلى دار مرارًا كثيرة في ساعة واحدة كلما وصل باب الدار رده الداعي اختبارًا له وهو طيب بذلك لم يظهر منه انزعاج.
فتعجب الداعي من حلمه وصبره واستعظمه منه فقال: لا تستعظم ذلك مني، هذه صفة الكلب؛ كلما دعي أجاب وكلما طرد ذهب وحكي عن الحسن البصري أنه قال: في الكل عشر خصال ينبغي لكل مؤمن أن تكون فيه:
١ - أن يكون خائفًا فإنه من آداب الصالحين
٢ - لا مكان له يعرف، وذلك من آداب المتوكلين.
٣ - لا ينام من الليل إلا قليلا، وذلك من صفات المحبين.
٤ - لا ميراث له بعد موته، وذلك من صفات الزاهدين.
٥ - لا يترك صاحبه وإن جناه، وذلك من علامات المريدين الصادقين.
٦ - وإن يرضي من الأرض بأدنى المواضع، وذلك من علامات المتواضعين.
٧ - وإذا غلب على مكانه تركه وانصرف إلى غيره، وذلك من علامات الراضين.
٨ - وإذا ضرب وطرد وجفي ثم طرحت له كسرة أجاب ولم يحقد على ما مضى، وذلك من علامات الخاشعين.
٩ - وإذا حضر الآكل جلس بعيدا ينتظر، وهذا من علامات المساكين.
١٠ - وإذا رحل من مكانه لا يلتفت إليه، وهذا من علامات المحزونين.
وحكي عن بعضهم إنه رأى كلابا في كهف في جبل مقيمة به لا تخرج منه، ولا تدخل البلد إلا يومًا واحدًا في الأسبوع.
تدخل وتأكل من المزابل وتعود إلى مكانها.
هكذا دائما، فأقام معها مدة، يدخل معها يوم دخولها، ويخرج معها يوم خروجها، ويأكل معها من المزابل مما يحل له أكله فحصل له بتلك الكلاب رياضات وآداب.
وقال بعض الصالحين وقد جاز قوم معهم كلاب الصيد فنبحتها كلاب الدرب كأن هذه حدثت.
فقالت الأهلية لهن، رغبتن في نعم الملوك (فجنز) ردكن، ولو قنعتن بالمنبوذ مثلنا كلنتن مخليات فقال لها كلاب الصيد: خفي عليكُنَ حالنا، نحن وأوافينا آلة الخدمة، فحبسونا لها، وقاموا لنا بالكفاية.
قالت الأهلية: فالواحد منكنَّ إذا كبر خُلِّي وصار معنا.
قالت: لأنه قصد فيما يجب عليه وكل من قصر فيما يجب عليه طُرِد.
وعن بعض الصالحين قال: اشتريت عبدًا فقلت له ما اسمك؟
فقال: يا مولاي ما سميتني به. فقلت: ما الذي تعمل؟
قال: يا مولاي ما به أمرتني.
فقلت: ما الذي تأكل.
قال: يا مولاي ما أطعمتني.
فقلت: فما لك إرادة في شيء.
قال: وأي إرادة تكون للعبد مع مولاه؟
قال: فأبكاني وذكَّرني حالي مع مولاي.
فقلت: يا هذا لقد أدبتني مع سيدي.
فأنشأ يقول:
لو تم لي كوني لعبد خادمًا … ما كنت أطلب فوق ذاك نعيمًا
فارحم بفضلك زلتي وتحيري … فلذا عرفتك محسنًا ورحيمًا
آخره وللَّه الحمد.
مجلس في الخوف
ومعناه انخلاع القلب من طمأنينة الأمن للشعور بمحذور يتوقع.
ويترتب عليه الورع عن محارمه، والتوقف عن كارهه قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] .
أي خافون، وهو أشد من الوجل الذي هو خوف لا قرار معه.
وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ [البروج: ١٢] .
والبطش: الأخذ بالعنف، فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، وذلك على الرهبة واقتضاؤه وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٢] .
إلى قوله: ﴿وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦].
وهذه الآيات بيان لشدة البطش.
ومعنى شديد: وجيع صعب على المأخوذ.
وهو تحذير من عاقبة الظلم لكل من ظلم غيره، أو نفسه بذنب اكتسبه، فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر بالتوبة ولا يغتر بالإمهال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ﴾ [هود: ١٠٣] أي لعبرة له.
لأنه ينظر إلى ما أحل اللَّه بالمجرمين في الدنيا، وما هي إلا إنموذج مما أعد لهم في الآخرة، فيتعظ ويعتبر وتتمة الآية تصوير لعظائم مهولة تنخلع منها الأوصال وتتقطع من أسرها الكبود لعظم الانفصال.
وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ .
وهذا تصريح بمضمون ذلك كله.
وأي تخويف أبلغ من ذلك، وزجر أعظم مما هنالك، وقد كرر ذلك وأعقبه بأردع وعظ، وأزجره وأقوى عزيمة وأقصمه.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴾ الآية وفيها تنويه هذا التحذير بأنه ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ .
إذ يفر من أحبابه وأنصاره وهو مشتغل بما هو مدفوع إليه، ويعلم أن أحدًا منهم لا يغني عنه شيئًا ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ .
وفي ترتيب من يفر منهم بلاغة واضحة ونكتة لامعة.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدٌ﴾.
أي يذهل لسببه ما ذكر، وهو موضح للفرار السالف، وتقرير وقوعه في النفوس.
وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ الآيات.
قيل إحداهما لترك المنكرات والأخرى لفعل الخيرات الناشئ من الخوف.
وقيل: إحداهما جزاء، والأخرى زيادة من فضل اللَّه.
وقيل: إحداهما للإنسي، والأخرى للجني.
ومقام الرب ﷻ، إما قيام الناس لرب العالمين وإما قيامه على كل نفس بما كسبت.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ .
إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾.
وفيه ابتهاج أهل الجنة بإشفاقهم ذكر ما استفادوه به، والآيات في الباب كثيرة.
وأما الأحاديث فمنتشرة نذكر منها ستة عشر حديثًا:
أولها: حديث ابن مسعود رضي الله عنهما قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك».
ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد ، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق
عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» أخرجاه .
وفيه ذكر سبب الخوف الشامل لكل أحد ما لم يؤمن ببشارة الهيئة، أو دخول الجنة بسابقة القفاء بالشقاوة والسعادة، والموطن الدنيا دار العمل والعطاء.
فمن لا يدرى من أي الفريقين مآله كيف يطمئن ويأمن ويقر قراره.
ومن ظهرت عليه آثار السعادة وأمارات السيادة كيف لطمئن، وقد سبق الكتاب بضده، فيبذل المشهود الظاهر بخلافه، كما وقع لإبليس وحزبه وعند صفو الليالي يحدث الكدر.
وقد خاف قوم من السابقة كما خاف آخرون من الخاتمة.
وقد ظهر إن الخوف من متعلقة في المستقبل، وظهور السابقة وأثرها وهو الخاتمة، أو ما بعد الموت.
اللهم وصلنا ولا تهلكنا بالفوت.
الحديث الثاني: حديثه أيضًا مرفوعًا: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، ومع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» أخرجه مسلم.
وفيه خوف سوء الدار بالمعاصي، ويعاين ما يشيب النواصي ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ﴾ .
وفرق عظيم بين علم اليقين وعين اليقين.
الحديث الثالث: حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابا، فإنه لأهونهم عذابا».
أخرجاه.
وفيه تفاوت قوة عذاب أهلها، وأن أخفه ذلك وإن كان أشد عنده.
الحديث الرابع: حديث سمرة بن جندب مرفوعًا: «منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته» أخرجه مسلم.
وفيه التفاوت في ذلك.
الحديث الخامس: حديث ابن عمر مرفوعًا: «يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يوم يقوم أحدهم في رشحه إلى إنصاف أذنيه» أخرجاه.
وهو بيان الكبرياء والعظمة، وذوبان المهابة، ورشح الجبين يوم يقوم الناس لرب العالمين.
وقيل لبشر الحافي: تخاف الموت؟ فقال: القدوم على اللَّه أشد.
الحديث السادس: حديث أنس وسيأتي في فضل البكاء من خشية اللَّه.
الحديث السابع: حديث المقداد مرفوعًا: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل».
قال أحد رواته: ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم ميل العين، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق إلى كعبيه، إلى ركبتيه، إلى حقويه، من يلجمه
العرق إلجامًا«وأشار ﷺ إلى فيه» . أخرجه مسلم.
وهو نتائج سوء الأعمال.
الحديث الثامن: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يعرق الناس يوم القيامة، حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا يلجمهم حتى يبلغ آذانهم» . أخرجاه.
الحديث التاسع: عنه قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ إذا سمع وجبة فقال: «هل تدرون ما هذا؟». قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر رمي به في النار من سبعين خريفًا، فهوى في النار إلى الآن حتى انتهى إلى قعرها، فسمعتم وجبته» رواه مسلم.
وفيه بيان بعد قعرها، وأن عمقها هذه المسافة حتى سمعت وجبة الحجر من عظمه.
الحديث العاشر: حديث عدي بن حاتم مرفوعًا: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» . أخرجاه.
وفيه تفخيم شأن قوله «ليس بينه وبين الرب ترجمان» والحث على الصدقة بالقليل، وإنه يتقي به النيران.
الحديث الحادي عشر: حديث أبي ذر مرفوعًا: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا للَّه، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللَّه تعالى» .
أخرجه الترمذي وحسنه.
والأطيط: صوت الرحل والقتب وشبههما.
ومعناه أن كثرة من في السماء من الملائكة العباد قد أثقلتها حتى أطَّت.
فهم في مقام الخضوع والتذلل لعز جلال ذي العظمة والسلطان.
الحديث الثاني عشر: حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعًا:
«لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه».
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
فليحذر الفوات.
الحديث الثالث عشر: حديث أبي هريرة قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ [الزلزلة: ٤].
قال: «أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها» .
رواه الترمذي أيضًا وحسنه.
فليحذر المخالفة، فإنه يوم بروز المخبآت وبدو الممكنات بنميمة لا تزد، ولا تبقى، ولا تذر لا سيما والأعضاء أيضًا تشهد، وجل الأعمال وقلها بعد.
الحديث الرابع عشر: حديث أبي سعيد مرفوعًا .
«كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، واستمع الإذن متى يؤمر أن ينفخ ذلك»، فثقل ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: «قولوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل».
رواه الترمذي أيضًا وحسنه.
والقرن هو الصور المذكور في القرآن.
كذا فسره سيد الأنام وهو المفرق للجماعات، الهادم للذات، وتوقعه مع الأنفاس.
وفيه إن ما يثقل من ذلك خففه الحسبلة فليلذ به وبالبسملة.
الحديث الخامس عشر: حديث أبي هريرة مرفوعًا : «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة اللَّه غالية، إلا إن سلعة اللَّه الجنة».
رواه الترمذي وحسنه.
أدلج بإسكان الدال: سار في أول الليل.
والمراد التشمير في الطاعة.
وفيه: التنبيه على ذكر فوائد الخوف ونتائجه، وهي الإدلاج والدأب في طلب الفلاح والرضوان.
الحديث السادس عشر: حديث عائشة مرفوعًا "يحشر الناس حفاة عراة
غرلًا» قلت يا رسول اللَّه الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟!
فقال: «يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك»
وفي لفظ «من أن ينظر بعضهم إلى بعض».
أخرجاه.
غرلًا : بضم الغين المعجمة، أي غير مختونين.
ففيه خاصية الخوف، وأدلة التحقق به إذ فيه الاهتمام بالأهم النافع، وباشتغال النفس بعيوبها، وما بين يديها، واللهو عن اللهو.
وحاصل هذه الأحاديث ذكر سبب الخوف، ومواطنه ومخفف ما يثقل منها، وأنواع المحو.
وجماعها حلول مكروه أو فوات محبوب، وكل نوع يتفاوت درجاته، وذكر خاصيته ونتائجه، ودلائل منازلته.
أعاننا اللَّه عليه، وأذاقنا لذته، والركون إليه.
ولنذكر إذ ذاك من الحكايات مما يليق بذلك.
ونقتصر من ذلك على ست عشرة حكاية:
الأولى: عن بعض الصالحين قال: كان رجل بالبصرة يقال له ذكوان كان سيدًا في زمانه، فلما حضرته الوفاة لم يبق أحد بالبصرة إلا شهد جنازته.
فلما انصرف الناس من دفنه، نمت عند بعض القبور وإذا ملك قد نزل من السماء وهو يقول: يا أهل القبور قوموا لآخذ أجوركم، فانشقت القبور عن أهلها، وخرج كل من كان فيها، وغابوا ساعة، ثم جاءوا وذكوان في جملتهم وعليه حلتان من الذهب الأحمر مرصع بالدر والحرير، وبين يديه غلمان يسبقونه إلى قبره.
وإذا ملك ينادي: هذا عبد كان من أهل التقوى فبنظرة واحدة نصبت إليه المحن
والبلوى، فامتثلوا فيه أمر البلوى.
فقرب من جهنم، فخرج إليه لسان، أو قال ثعبان فلدع بعض وجهه فاسود ذلك الموضع.
ونودي يا ذكوان هذه النفخة بتلك النظرة، ولو زدت لزدنا.
فبينما هم كذلك وإذا برجل قد أطلع رأسه من قبر فقال: يا هولاء ما أردتم، فواللَّه لقد مت منذ تسعين سنة، فما ذهبت حرارة الموت مني حتى الآن، فادعوا اللَّه أن يعيدني كما كنت، وبين عينيه أثر السجود.
وأنشدوا:
فلست أدرى أن يومك قد دنا … أو لست تدرى إن عمرك ينفد
فعلام تضحك والمنية قد دنت … وعلام ترقد والثرى لك مرقد
الثانية: قال وهب .
أوحى اللَّه تعالى إلى داود ﷺ: يا داود هل تدرى من أغفر له ذنوبه من عبيدي؟ قال: من يا رب؟ قال: الذي إذا ذكر ذنوبه، ارتعدت منها فرائصه.
فذلك العبد الذي آمر ملائكتي أن تمحو عنه ذنوبه.
فقال: إلهي أين أجدك إذا طلبتك؟
قال: عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي.
الثالثة: عن بشر الحافي قال: كنت يومًا مارًا في جبال الشام، فأتيت على جبل يقال له الأفزع، فإذا بشاب قد نحل جسمه، ورق جلده، وعليه ثوب من صوف، فسلمت عليه، فرد علي السلام.
فقلت في نفسي: أقول له عظني وأبلغ.
فقال لي: قبل أن أكلمه، وأجاب عن سري: عظ نفسك بنفسك، وفك الحبس من حبسك، ولا تشتغل بموعظة غيرك من جنسك، واذكر اللَّه في اللهوات تقل
السيئات، وعليك بالجد والاجتهاد، ثم بكي وجعل يقول:-
شغلت النفوس بالقليل الفاني … وسحبت الأبدان بالتسويف والإماني
ثم قال: يا بشر وما رآني ولا عرفني قبل ذلك: إن للَّه عبادًا خالط قلوبهم الحزن، وأسهر ليلهم، وأظمأ نهارهم، وأبكى عيونهم، وكانوا كما وصفهم ربهم في كتابه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾.
الرابعة: عن محمد بن محبوب قال: كنت في شارع البيمارستان وإذا بغلام قد غل وقيد، فقال: يا ابن محبوب أتراه بعد الغل والقيد راضيًا عني في حبه؟
ثم بكى وأنشأ يقول:
من ذنوبي يحق لي أن أنوحا … لم تدع لي الذنوب قلبًا صحيحًا
أخلفت بهجتي إلف المعاصي … ونعاني المشيب نعيًا صريحًا
كلما قلت قد برئ جرح قلبي … عاد قلبي في الذنوب جريحًا
إنما الفوز والنعيم لعبد … جاء في الحشر آمنًا مستريحًا
الخامسة: عن ذي النون قال: بينما أنا سائر في جبل لكام مررت على دار كثير الأشجار والنبات.
فبينما أنا واقف أتعجب من حسن زهوته، ومن خضرة العشب في جنباته إذ سمعت صوتًا أهطل مدامعي وهيج بلابل حزني.
فاتبعت الصوت حتى أوقفني بباب مغارة في سفح ذلك الوادي، فإذا كلام يخرج منها، فاطلعت فيها، فإذا برجل من أهل التعبد والاجتهاد يقول: سبحان من نزه نفوس المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه.
سبحان من أوصل الفهم إلى عقول ذوي البصائر، فهي لا تعتمد إلا عليه.
سبحان من أورد حياض المودة نفوس أهل المحبة.
فهى لا تحن إلا إليه.
ثم أمسك فقلت: السلام عليك يا حليف الأحزان، وقريب الأشجان.
فقال: وعليك السلام، ما الذي أوصلك إلى من أفرده خوف المسألة عن الأنام، واشتغل بمحاسبة نفسه عن التقطع في الكلام.
فقلت: أوصلني إليه الرغبة في النصح والاعتبار والتماس المواهب من قلوب المقتربين والأبرار.
فقال: يا بني إن للَّه عبادًا قدح في قلوبهم زند الشغف نارا ترمق، فأرواحهم تسرح في رياض الملكلوت وتنظر إلى ما ادخر لها في حُجُب الجبروت.
[٢ / ٢١٧]
قلت: صفهم لي.
قال: أولئك قوم أووا إلى كهف رحمته، وشربوا كؤوس راح محبته.
ثم قال لي: يا سيدي بهم فألحقني، ولأعمالهم وفقني.
فقلت: ألا توصيني بوصية؟
فقال: أحب اللَّه شوقًا إلى لقائه، فإن له يومًا يتجلى فيه لأوليائه.
ثم أنشد يقول:
قد كان لي دمع فأفنيته … وكان لي جفن فأدميته
وكان لي جسم فأبليته … وكان لي قلب فأضنيته
وكان لي سيدي ناظر … أرى به الخلق فأعميته
عبدك أضحى سيدي موثقًا … لو شئت قبل اليوم آويته
السادسة: عن ذي النون المصري أيضًا قال: وصف لي رجل من البادية باليمن قد برز على الخافقين ، وسما على المجتهدين بسيما بين الناس معروف، وباللباد حكمه والتواضع والخشوع موصوف.
فخرجت حاجًا إلى بيته، فلما قضيت الحج، قصدت زيارته لأسمع كلامه، وانتفع بموعظته، أنا وأناس كانوا معي يطلبون كما أطلب من البركة. وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين ومنظر الخائفين.
وكان مصفر الوجه من غير سقم، أعمش العينين من غير رمد.
يحب الخلق ويأنس بالوحدة، تراه كأنه قريب بمصيبته.
وكنا نعذله على أن يرفق بنفسه.
فلا يجيب قولنا وعذلنا، ولا يزداد إلا مجاهدة.
أيها الغافلون في الحب مهلًا … حاش لي عن هواه أن أتسلى
كيف أسلوا وقد تزايد وجدي … وتبدلت بعد عزي ذلًا
قيل: تُبلى فقلت تبلى عظامي … وسط لحدي وحكيم ليس يبلا
حبكم قد شربته في فوادي … في قديم الزمان مذ كنت طفلًا
قال: ولم يزل ذلك الشاب في محلتنا حتى انتهى معنا إلى اليمن، فسألنا عن مجلس الشيخ فأرشدنا إليه فطرقنا الباب، فخرج إلينا، فكأنما يخبر عن أهل القبور فجلسنا إليه، فبدأه الشاب بالسلام والكلام.
فصافحه وأبدى له البشر والترحيب من دوننا، وسلمنا كلنا عليه.
ثم تقدم إليه الشاب وقال: يا سيدي إن اللَّه قد جعلك وأمثالك أطباء لأسقام القلوب، ومعالجين لأوجاع الذنوب، وبي جرح قد تعل، وداء قد استمكن وأعضل.
فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل، فأنشأ الشيخ يقول:-
إن داء القلوب داء عظيم … كيف لي بالخلاص من داء ذنبي
هل طبيب مناصح لي فإني … أعجز الخلق والأطباء طِبيِّ
آه مَا حُجلتي ويا طول حزني … من ذنوبي إذا وقفت لربي
وانقطاع الجواب مني ولم لا … وبلائي قد حل كل من خطبي
فقال الشاب للشيخ: إن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فأفعل.
فقال له الشيخ: أسأل عما بدا لك فقال له: ما علامة الخوف من اللَّه؟ قال: أن يؤمِّنك خوف اللَّه من كل خوف غير خوفه.
فانتفض الفتى جزعًا ثم خرّ مغشيًا عليه ساعة.
فلما أفاق قال: رحمك اللَّه متى يتيقن العبد خوفه من اللَّه؟ قال: إذا أنزل نفسه من الدنيا منزلة العليل السقيم فهو محمي من كل الطعام، مخافة طول السقام.
ويصبر على مضض الدوا، مخافة طول الضنا. فصاح الشاب صيحة ظننا إن روحه قد خرجت ثم قال: يرحمك اللَّه ما علامة المحبة للَّه؟ فقال: يا حبيبي إن درجة المحبة في اللَّه رفيعة فقال الشاب: أُحب أن تصفها لي فقال: يا حبيبي إن المحبين للَّه شق لهم عن قلوبهم فأبصروا بنور القلوب إلى جلال عظمة الإله المحبوب فصارت أرواحهم روحانية، وقلوبهم حجبية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صفوف الملائكة الكرام وتشاهد تلك الأمور اليقين والعيان.
فعبدوه بمبلغ استطاعتهم له لا طمعًا في جنته، ولا خوفًا من ناره.
فشهق الشاب شهقة فمات فجعل الشيخ يقلبه ويبكي ويقول: هذا مصرع الخائفين هذه درجة المحبين، هذه روح حنت فأَنَّتْ، فسمعت فاشتاقت، فشهقت فماتت.
على عظم قدر المرء يعظم خوفه … فلا عالم إلا من اللَّه خائف
فآمن مكر اللَّه باللَّه جاهل … وخائف مكر اللَّه باللَّه عارف
[٢ / ٢١٩]
السابعة: عن الفضل بن الربيع قال: حج الرشيد فأتاني، فخرجت إليه مسرعًا.
فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك فقال: ويحك قد حاك في صدري شيء، فانظر لي رجلًا أسأله فقلت: ها هنا سفيان بن عيينة فقال: امض بنا إليه فقرعت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك فقال له: خذ لما جئنا إليه يرحمك اللَّه فحادثه ساعة ثم قال: هل عليك دَينَ؟
قال: نعم، قال هارون: يا أبا العباس، اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى صاحبك شيئًا، انظر لي رجلًا أسأله فقال: ههنا الفضيل بن عياض قال: امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من كتاب اللَّه ويرددها فقال: اقرع الباب فقرعته فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين فقال: ما لي وله، فقلت: سبحان اللَّه، لنا عليك طاعة أليس روى عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال «ليس للمؤمن أن يذل نفسه» فنزل، ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ المصباح ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون إليه فقال: لا لها من كف ما ألينها إن نجت غدًا من عذاب اللَّه فقلت في نفسي لنكلمنَّه الليلة بكلام من قلب تقي فقال له: خذ لما جئنا يرحمك اللَّه قال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولِيَ الخلافة دعا سالم بن عبد اللَّه ، ومحمد بن كعب ، ورجاء بن حيوة وقال: إني ابتليت بهذا البلاء، وأشيروا عليّ.
فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة فقال سالم بن عبد اللَّه: إن أردت النجاة من عذاب الدنيا فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب اللَّه فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأواسطهم أخًا، وأصغرهم ولدًا فوقِّر أباك وارحم أخاك، وأكرم ابنك.
وقال له رجاء بن حيوة : إن أردت النجاة من عذاب اللَّه، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت متى شئت وإني أقول لك: إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك اللَّه من يشير عليك بمثل هذا فبكى الرشيد بكاءًا شديدًا حتى غشي عليه.
قال الفضل: فقلت له: يا أبا علي أرفق بأمير المؤمنين.
قال: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا.
ثم قال: فقال له: زدني رحمك اللَّه قال: يا أمير المؤمين بلغني أن غلامًا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه منه فكتب إليه عمر: يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، فإياك أن ينصرف بك من عند اللَّه فيكون آخر العهد بك، وانقطاع الرجاء منك، قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم عليه فقال له: ما أقدمك عليّ؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، فلا أعود إلى ولاية حتى ألقى اللَّه.
فبكى هارون الرشيد بكاءًا شديدًا.
ثم قال له: زودني يرحمك اللَّه. قال: يا أمير المؤمنين بلغني أن العباس جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أمرني على إمارة فقال: إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل فبكى الرشيد بكاءًا شديدًا، وقال: زدني فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك اللَّه عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل وإياك أن تُصبح وتُمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن رسول اللَّه ﷺ قال: «من أصبح وهو غاش لرعيته لم يرح رائحة الجنة» فبكى الرشيد ثم قال: عليك دين؟
قال: نعم، دين لربى يحاسبني عليه بعد، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لى إن لم أُلهم حجتي قال: إنما أعني دين العباد قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أُوحده، وأُطيع أمره، فقال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، إلى قوله: ﴿الْمَتِينُ﴾ فقال له الرشيد: هذه ألف دينار خذها فانفقها على عيالك قال: يا سبحان اللَّه، أنا أدلك على سبيل النجاة، وتكافئني أنت بمثل هذا سلمك اللَّه، ووفقك ثم صمت ولم يكلمنا.
فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال لي هارون: يا أبا العباس إذا دللتني على رجل فدُلَّني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.
شاردة: قال علي بن محمد: حضرت عند أسود بن سالم ليلة فقلت:
أمامي موقف قدَّام ربي … سينالني وينكشف الغطاء
وحسبي إذ أمرّ على صراط … كحد السيف أسفله لظى
الثامنة: عن بعض القضاة إنه مات، فلما حضروا قبره وجدوا فيه حيَّة عظيمة، فحفروا آخر، فوجدوها فيه، ثم كذلك إلى أن حفروا نحوًا من ثلاثين قبرًا في كل قبر يجدونها فيه.
فلما علموا إنه لا يقدر على الهرب منه هارب ولا يغلبه غالب دفنوه معها وهي عمله كما سلف في فصل اليقظة.
التاسعة: عن مالك بن دينار قال: دخلت الجبانة فإذا بسعدون قلت له: كيف
حالك؟ وكيف أنت؟.
قال: يا مالك كيف يكون حال من أمسى وأصبح يريد سفرًا بعيدًا بلا أُهبة ولا زاد، ويقدم على رب عدل حاكم بين العباد؟
ثم بكى بكاءًا شديدًا. فقلت: ما يُبكيك؟
فقال: واللَّه ما بكيت حرصًا على الدنيا ولا خوفًا من الموت والبلاء، ولكن بكيت ليوم مضى من عمري لم يحسن فيه عملي، أبكاني واللَّه قلة الزاد، وبعد المفازة، والعقبة الكؤود، ولا أدري بعد ذلك أصير إلى الجنة أم النار.
فسمعت منه كلام حكمة فقلت: إن الناس يزعمون أنك مجنون.
قال: وأنت واغتررت بما اغتر به بنو الدنيا.
ما بي من جنة ولكن حب مولاي خالط قلبي، وأحشائي، وهو بين لحمي ودمي وعظمي.
فأنا واللَّه من حبه هائم مشغوف، فقلت: يا سعدون لم لا تخالط الناس وتجالسهم.
فأنشأ يقول:
كن من الناس جانبا … وأرض باللَّه صاحبا
قلّب الناس كيف شئت … تجدهم عقاربا
ولبعضهم:
ومازلت مذ لاح المشيب بمفرقي … أفتش عن هذا الورى ثم أكشف
فما عرفت الناس إلا ذممتهم … جزى اللَّه خيرًا كل من لست أعرف
العاشرة: عن بعض أصحاب فتح الموصلي قال:
دخلت يومًا عليه فوجدته وقد خالطت دموعه صُفرة فقلت له: باللَّه عليك يا سيدي فتح هل بكيت الدم قط؟
فقال: واللَّه لولا قسمك ما أخبرتك، بكيت بالدمع وبكيت بالدم.
فقلت له: على من بكيت بالدمع؟. قال: على تخلفي عن اللَّه. فقلت: على من بكيت بالدم؟، قال: على الدموع أن لا تصلح لي.
فلما توفي رأيته في المنام فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي وقربني وقال: يا فتح بكيت هذا البكاء على ماذا؟، فقلت: يا رب على تخلفي من حقك.
قال: والدم لما بكيته؟
قلت: يا رب على الدموع أن لا تصلح لي.
قال: يا فتح فما أردت بهذا كله، وعزتي وجلالي صعد إلي حافظاك أربعين سنة بصحيفتك وما فيها خطيئة.
الحادية عشرة: حكي عن سالم الحداد، وكان من الأبدال، ويتردد إلى فتح الموصلي إنه كان إذا سمع الأذان تغير لونه وأصفر واضطرب، ثم يثب ويترك الحانوت مفتوحًا.
وينشد:
إذا ما دعا داعيكم قمت مسرعًا … مجيبًا لمولى جل ليس له مثل
أُجيب إذا نادى بسمع وطاعته … وبي قوة لبيك يا من له الفضل
يصفر لوني خيفة ومهابة … ويرجع لي عن كل شغل به شغل
وحقكم ما لذَّ لي غير ذكركم … وذكر سواكم في فمي قط ما يحلو
متى تجمع الأيام بيني وبينكم … ويفرح مشتاق إذا اجتمع الشمل
فمن شاهدت عيناه نور جمالكم … يموت اشتياقًا نحوكم قط لا يسلو
الثانية عشرة: عن ذي النون المصري قال: اجتمعت في جبل لكام بامرأة متعبدة كالشن الجابي كانها تخبر عن أهل المقابر، ذات اجتهاد وعبادة، لم أر مثلها فسألتها: أين وطنك؟. فقالت: مالي وطن إلا النار، أو يغفر الغفار. فقلت: يرحمك اللَّه، هل من وصية أو فائدة، قالت: أجعل كتاب اللَّه لك مائدة، وجالس وعده ووعيده، وشمِّر عن ساق الجد بالعزائم الحميدة.
ومع ما يتعلق به البطَّالون من الرجاء الكاذب الذي لا تحقيق لهم فيه، ولا يدرون كيف العواقب، فواللَّه لا يرد المنزل غدًا إلا المضمرون، ولا يفوز بالسبق إلا المشهرون، فخذ يا أخي لنفسك ما أمكن الأخذ بها فليس المطلوب غيرك، وكن من أهل النهى.
فقلت: ادعي لي بدعوة، فحمدت اللَّه بمحامد لم أسمع بمثلها قط، وصلّت على رسول اللَّه ﷺ بصلاة لم أسمع بمثلها قط، ودعت بدعاء حسن.
الثالثة عشر: عن سري السقطي: بلغني أن امرأة كانت إذا قامت من الليل قالت: اللهم إن إبليس عبد من عبيدك ناصيته بيدك، يراني من حيث لا أراه وأنت تراني من حيث لا يراك.
اللهم أنت تقدر على أمره كله، ولا يقدر على شيء من أمرك اللهم إن أرادني سوء فاردده، وإن كادني فكده، إدراء يكفي نحره، وأعوذ بك من شره، ثم بكت حتى ذهبت إحدى عينيها فقيل لها: اتقي اللَّه لا تذهب الأخرى.
فقالت: إن كانت عيني الأخرى من عيون أهل النار فأبعدها اللَّه مني.
الرابعة عشر: عن بعض الصالحين قال: كانت إلى جانبي عجوز قد أتعبتها العبادة، فسألتها أن ترفق بنفسها.
فقالت: يا شيخ أما علمت أن رفقي بنفسي غيَّبني عن باب المولى؟
ومن غاب عنه مشتغلًا، بالدنيا عرض مهجته للمحن والبلوى.
وما قدر علمي إذا اجتهدت، فكيف إذا قصَّرت، ثم قالت: واشوقاه من حسرة السباق، وفجعة الفراق.
فأما الأولي إذا قام القائمون من قبورهم، وركب الأبرار من نجائب الأنوار إلى قصر من العز والجلال.
ورفعت لهم من منازل المحبين، وقدمت بين أيديهم نجائب المقربين، وبقى المسبوق في حلة المحزونين، فعند ذلك ينقطع فؤاده حسرة وتأسفًا، ويذوب ندامة وتلهفًا.
وأما فجعة الفراق فعند تميز الناس والافتراق، وذلك أن اللَّه تعالى إذا جمع الخلق في صعيد واحد أمر ملكًا أن ينادي: أيها المجرمون امتازوا إن المتقين قد فازوا وهو قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ .
فيماز الرجل من زوجته، والولد من والديه، والحبيب من حبيبه.
هذا يُحمل مُبجَّلًا إلى رياض النعيم، وهذا يساق مسلسلًا مغلغلًا إلى دار الجحيم.
وقد طال منهم التلف والوداع، ودموعهم تجري كالأنهار ومنخعة الانقطاع وفي البين والفراق.
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا … ورأيت كيف يكون التوديعا
لعلمت أن من الدموع لأنهرا … تجري وعاينت الدما دموعا
الخامسة عشرة: عن إسماعيل بن أبي أمية إنه قال: قيل لمسروق: لو قصّرت عن بعض ما تصنع من العبادة.
قال: لا. قيل: وكيف؟. قال: حتى تعذرني. نفسي إن دخلت جهنم لا ألومها أما بلغك قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ .
إنما لاموا أنفسهم حتى صاروا إلى جهنم، فأعنفهم الزبانية ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ .
وانقطعت عنهم الأماني، وارتفعت عنهم الرحمة.
وأقبل كل إنسان منهم يلوم نفسه.
السادسة عشرة: قال بعضهم: وقد ذكر حال الصالحين وكثرة خوفهم مع كثرة اجتهادهم في الأعمال.
كانوا مع الاجتهاد يخافون، وأنتم مع التفريط تأمنون.
كانوا مع العمل يبكون، وأنتم مع البطالة تضحكون.
كانوا مع المرض يسهرون، وأنتم مع الصحة تنامون.
كانوا على صحة الطريق يمشون، وأنتم لمسالك الغضب تسلكون.
السابعة عشرة: قال بعضهم رأيت في تيه بني إسرائيل رجلًا قد أنحلته العبادة حتى صار كالشن البالي، فقلت له: ما الذي بلغ بك إلى هذه الحالة؟.
فنظر إليَّ متعجبًا من سؤالي وقال: يا هذا ثقل الأوزار وخوف النار، والحياء من الملك الجبار.
وأنشدوا:
لما ذكرت عذاب النار أزعجني … ذاك التذكر عن أهلي وأوطاني
وصرت في القفراء أرعى الوحش منفردًا … كما يُراعى على وجدي وأحزاني
وذا قليل لمثلي بعد جزائه … فما عصى اللَّه عبد مثل عصياني
نادوا عليّ وقولوا في مجالسكم … هذا المسيء وهذا المجرم الجاني
فما ارعويت ولا قصّرت عن زللي … ولا غسلت بماء الدمع أجفاني
مجلس في الرجاء
وهو استقرار القلب بنيل محبوب محقن الوجود لشهود الجود، وسعة الرحمة، وصدق الوعود يترتب عليه الاجتهاد في التحقق بالأسباب الناجحة المواصلة للصواب.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
فنهى من أسرف عن الفنوط، والنهي عن القنوط أمر بضده وهو إما الرجاء، وإما تحقق الرحمة.
والثاني ملموم بقوله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
فيتعين الأول فيه، ويتبين أن الرجاء ينافي اليقين من طرفي الوجود والقدم.
ثم باقي الآية فيه تقدير وتحقيق، وتوكيد لا يخفى.
وقال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ .
وفيها تبيين عباد اللَّه من هم، وإيضاح محل آيات الوعيد الواقعة في القنوط، بأن المجازاة إلا للكفور.
قيل: المؤمن يُكَفِّر عنه سيئاته بطاعته وحسناته، والكافر يُجازى بكل سوء يعمله.
وهو معنى قول الفراء: المؤمن يُجزَى ولا يُجَازَى أي يُجزَى بالثواب بعمله ولا يُكافأ بسيئاته، وتَمسُّك المرجئة بالآية الكريمة مردود بالبراهين القطعية.
وقيل: المعنى: وهل يُجازَى بالعقاب الآجل إلا الكفور .
قيل: كافر الدين، وقيل: كافر النعمة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ .
وهذا بيان للكفور، وإنه هذا ليس إلا.
وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ .
وهذا بيان للرحمة المنهي عن القنوط منها.
ووصفها أن من حالها، ومن شأنها إنها واسعة يبلغ كل شيء ما من مؤمن ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا هو يتقلب في النعمة والرحمة.
وكيف يقنط من شيء من هذا شأنه.
وأما الأحاديث فنذكر منها ثمانية وعشرين حديثًا ومدارها على ذكر موجبات الرجاء من أسباب رحمة اللَّه الكريم، وعظم شأن رحمته وكثرة خيره.
وتكثير أسباب جل ذلك، خصوصًا وعزه كسبيًّا ووهبيًّا وفعليًّا، ومع بيان ما يحتاج إليه من موطن وشرط وفعل ومسهل ونحو ذلك.
الحديث الأول: حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا : «من شهد أن لا إله إلا
اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة والنار حق أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل». أخرجاه.
ولمسلم: «من شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه حرم اللَّه عليه النار» .
وهو دال على إيجاب الجنة، وتحريم النار على من وحَّد، وهو سبب رجاء أصل النجاة.
الحديث الثاني: حديث أبي ذر مرفوعًا: يقول اللَّه ﷺ: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يُشرك بي شيئًا، لقيته بمثلها مغفرة«. أخرجه مسلم.
ومعناه من تقرب إلي بطاعتي، تقربت إليه برحمتي وإن زاد زدت، وإن أسرع في طاعتي صببت عليه رحمتي وسبغته بها، ولم أُحُوِجْه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود.
والقُراب: بضم القاف على الأشهر، وهو أفصح من الكسر، والمعنى ما يقارب ملئها.
وفي الحديث أربعة من أسباب رجاء الخيرات:
أولها: أن الحسنة سبب لرجاء كثرة الثواب.
ثانيها: أن السيئة إذا ساءت فاعلها، سبب لرجاء العدل بتقليل العقوبة، أو الجود بالمغفرة.
ثالثها: أن التقرب من الكريم سبب لرجاء العدل (الأقربيه) .
رابعها: أن توحيد الأفعال فما فوقه سبب الغفران والحرمان من النار، ولو كانت قراب الأرض خطايا.
فالأول: للعباد الناسكين.
والثاني: للمغلوبين العارفين.
والثالث: للصابرين.
والرابع: للموحدين الفاعلين.
الحديث الثالث: حديث جابر الثابت في صحيح مسلم قال:
جاء أعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال يا رسول اللَّه ما الموجبتان؟
قال: «من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك باللَّه دخل النار» .
وهذا بيان موطن ذلك، وهو الموت، والموجبة: المتحتمة.
الحديث الرابع: حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه ﷺ ومعاذ رديفه على الرَّحل قال: «يا معاذ».
قال: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك.
قال: «يا معاذ»، قلت مثله ثلاثًا.
قال: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله صِدقًا من قلبه إلا حرّمه اللَّه على النار».
قال: يا رسول اللَّه أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟
قال: «إذا يتكلوا».
أخبرها معاذ عند موته تأثمًا أي خوفًا من الإثم في كتم هذا العلم .
وهذا بيان محل الرجاء وصفته، وهو القلب وعلى وجه الصدق، فلا يكفي مجرد اللسان، وبيان متعلق نفي الشرك، وهو توحيد نفي الإلهية والإقرار بالرسالة المحمدية -أعني الجامعة الخاتمة-.
الحديث الخامس: عن أبي هريرة وأبي سعيد الثابت في صحيح مسلم قال: لمَّا كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول اللَّه لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادَّهنا فقال: افعلوا، فجاء عمر فقال: يا رسول اللَّه إن فعلت قلَّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع اللَّه لهم عليها بالبركة لعل اللَّه أن يجعل في ذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ: نعم.
قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم.
قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: ويجيء الآخر بكف تمرة، قال: ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك يسير، قال: فدعا رسول اللَّه ﷺ بالبركة، ثم قال: «خذوا في أوعيتكم».
قال: فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه.
قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول اللَّه ﷺ «أشهد أن لا إله إلا اللَّه وإني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» .
وفيه بيان الصدق وبأي قدر، وأن للموحد مع تحريم النار الجنة.
الحديث السادس: حديث عِتْبَان بن مالك البدري الثابت في الصحيحين فإنه دعا النبي ﷺ وحبسه على خزيرة وأنه ﷺ صلى في بيته ركعتين يتخذه مصلى.
وفيه ثابت رجال منهم أي جاءوا أو اجتمعوا حتى كثروا في البيت، وفي آخره: «إن اللَّه قد حرم النار على من قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه» .
والخريزة: بخاء معجمة، ثم زاي: دقيق يطبخ على شحم.
وفيه بيان ما هو شرط ذلك، وما ليس بشرط فيه فابتغاء وجه اللَّه تعالى هو المعتبر دون الانكفاف عن محادثة المنافقين، أو ملازمة كل مجلس تقوى.
الحديث السابع: حديث عمر الثابت في الصحيحين أيضًا قال: قُدِمَ على رسول اللَّه ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته.
فقال رسول اللَّه ﷺ: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟».
قلنا: لا واللَّه.
قال: «اللَّه أرحم بعباده من هذه بولدها» .
الحديث الثامن: من حديث أبي هريرة أيضًا الثابت فيهما مرفوعًا: «لما خلق اللَّه الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي».
وفي لفظ: «غلبت»، وفي آخر «سبقت» .
الحديث التاسع: حديثه أيضًا مرفوعًا: «جعل اللَّه الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» .
وفي لفظ : «إن للَّه تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر اللَّه تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة». أخرجاه.
ولمسلم من حديث سلمان مرفوعًا: «إن للَّه تعالى مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة».
ولمسلم: عنه أيضًا: «إن اللَّه خلق، يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» .
وفي هذه الأحاديث الثلاثة أسباب لرجاء الرحمة.
ففي أولها: قوتها واستدامتها.
وفي الثاني: سبقها وغلبتها للغضب .
وفي الثالث: كثرتها المستوفية أُصول مراتب العدد كلها.
وفي كل حديث من البلاغة التوكيدية ما لا يخفى.
الحديث العاشر: حديثه أيضًا: عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه تعالى قال : «أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك».
وفي رواية: «غفرت لعبدي ثلاثًا فليعمل ما شاء» أخرجاه.
وفيه بيان سبب آخر لرجاء التوبة والمغفرة وهو الاستغفار وتكريره لكل ذنب.
ومعنى «فليعمل ما شاء» أي ما دام يفعل هكذا: يذنب فيتوب فأغفر له، فإن التوبة تهدم ما كان قبلها.
الحديث الحادي عشر: حديثه أيضًا مرفوعًا: «والذي نفسي بيده لو لم تُذنبوا لذهب اللَّه بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللَّه، فيغفر لهم» .
أخرجه مسلم.
وفيه تأنيس يزيل التوقف عن الاستغفار.
الثاني عشر: حديث أبي أيوب مرفوعًا: «لولا أنكم تُذنبون لخلق اللَّه خلقًا يذنبون فيغفر لهم».
أخرجه مسلم أيضًا.
وفيه تأنيس يزيل وحشة الذنب والاسترسال في الجفاء والبعد.
الثالث عشر: حديث أبي هريرة قال: كنا قعودًا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول اللَّه ﷺ من بين أظهرنا، فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول اللَّه ﷺ حتى أتيت حائطًا» وذكر الحديث بطوله إلى قوله: فقال ﷺ: «اذهب بنعلي هاتين ، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا اللَّه مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة».
رواه مسلم .
وفيه تشجيع بالتوحيد وعظم الشهادة، ولو لم يحصل في الدنيا غيرها لكفت.
شعر:
فلو لم ألق غيرك في اغترابي … لكان لقاؤك الحسن الجميلا
وفيه تنفيس من ضيق الخناق عند الغضبان إذا قال: ليت أمي لم تلدني، يا ليتني مت قبل هذا، ليت الأرض تبتلعني.
الحديث الرابع عشر: حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا : تلي قول اللَّه عز وجل في إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾.
وقال عيسى ﷺ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» وبكى.
فقال اللَّه عز وجل: «يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله، فأخبره رسول اللَّه ﷺ بما قال، وهو أعلم. فقال اللَّه: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك». رواه مسلم .
وهو بيان سبب آخر لرجاء الرحمة وهو شفاعة أكرم الخلق على اللَّه، ووعد اللَّه له بإرضائه، وعدم إساءته في أُمته.
الحديث الخامس عشر: حديث معاذ بن جبل قال: كنت رِدفَ رسول اللَّه ﷺ على حمار فقال: «يا معاذ هل تدري ما حق اللَّه على العباد وما حق العباد على اللَّه؟».
قال: قلت: اللَّه ورسوله أعلم.
قال: «فإن حق اللَّه على العباد أن يعبدوا اللَّه ولا يشركون به شيئًا، وحق العباد على اللَّه عز وجل أن لا يعذب من لا يُشرك به شيئًا».
قال: قلت: يا رسول اللَّه، أفلا أُبشر الناس؟
قال: «لا تُبشرهم فيتكلوا». أخرجاه.
وهو ظاهر في أن السلامة من الشرك سبب لرجاء السلامة من العذاب لا من النار فقط.
وهذا أثر آخر للمغفرة والتوحيد، سبب للغفران المترتب عليه تحريم النار، بل وكل عذاب، وسبب لدخول الجنان.
الحديث السادس عشر: حديث البراء مرفوعًا: «المسلم إذا سُئل في القبر شهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فذلك قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. أخرجاه .
وهو ظاهر في كون الإسلام سببًا لرجاء تلقين الشهادة وهي مواضع الضرورة إليها كالقبر وسؤال الملكين.
الحديث السابع عشر: حديث أنس مرفوعًا:»إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا وأما المؤمن فإن اللَّه يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته«. أخرجه مسلم.
وفي رواية له: إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.
وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها اللَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها» .
وهو ظاهر في كون الإيمان سببًا لادخار الحسنات لدار القرار، ولإعقاب الرزق في الدنيا على الطاعات.
الحديث الثامن عشر: من حديث جابر مرفوعًا: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار فَمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات» . أخرجه مسلم.
وهو ظاهر في أن الخمس سبب لمحو الخطايا كمثل نهر غَمرٍ -أي كثير- يغتسل منه كل يوم.
الحديث التاسع عشر: حديث ابن عباس مرفوعًا: «ما من رجل يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون باللَّه شيئًا إلا شفَّعهُم اللَّه فيه» .
أخرجه مسلم.
فقيام العدد المذكور سبب للرحمة والنجاة.
الحديث العشرون: حديث ابن مسعود: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في قبة نحوًا من أربعين رجلًا، فقال: «أترضون أن تكونوا رُبع أهل الجنة؟» قال: قلنا: نعم.
فقال: «ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟»
فقلنا: نعم.
فقال: «والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر» . أخرجاه.
وفيه أن الانعداد من خير أمة سبب لرجاء دخول الجنة.
الحديث الحادي بعد العشرين: حديث أبي موسى مرفوعًا:»إذا كان يوم القيامة دفع اللَّه عز وجل«إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار» .
أخرجه مسلم.
وفي رواية له: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها اللَّه لهم» .
وهو سبب لإقامة الفكاك والنجاة من ربقة الهلاك.
ومعنى «دفع إلى كل مسلم» إلى آخره ما جاء من حديث أبي هريرة: لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار.
لأنه مستحق ذلك بكفره.
ومعنى فكاكك : إنك كنت معرضًا لدخولها، وهذا فكاكك لأن اللَّه تعالى قدر للنار عددًا لملؤها فإذا دخلها الكفار بذنوبهم وكفرهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين.
الحديث الثاني بعد العشرين: حديث ابن عمر مرفوعًا: «يُدْنَى المؤمن يوم القيامة من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟، فيقول: أي رب أعرف، قال: فإنى قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته» .
أخرجاه.
فالإيمان سبب لذلك، وحشرنا اللَّه عليه فيما هنالك. وكنفه: ستره ورحمته.
الحديث الثالث بعد العشرين: حديث ابن مسعود:»إن رجلًا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فقال الرجل: إلى هذا يا رسول اللَّه؟ قال: «لجميع أمتي كلهم» أخرجاه.
وفيه إن الحسنات سبب لإذهاب السيئات.
الحديث الرابع بعد العشرين: حديث أنس قال جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ قال: يا رسول اللَّه أصبت حدًا فأقمه عليَّ، قال: وحضرت الصلاة فصلي مع رسول اللَّه ﷺ، فلما قضى الصلاة قال: يا رسول اللَّه: إني أصبت حدًا فأقم فيّ كتاب اللَّه قال: «هل حضرت الصلاة معنا؟» قال: نعم قال: «قد غفر لك» . أخرجاه.
وهو ظاهر في كون الصلاة من الحسنات، وأنها تكفر أصاغر الحدود، فإن معنى أصبت حدًا: معصية توجب التعزير، وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي كحد الزنا ونحوه.
فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة، ولا يجوز للإمام تركها.
الحديث الخامس بعد العشرين: حديثه أيضًا مرفوعًا: «إن اللَّه ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» أخرجه مسلم.
والأكلة بفتح الهمزة: المرة الواحدة من الأكل كالغداء والعشاء، فحمد اللَّه على المرة من ذلك سبب للرضوان الموجب للحسنات.
الحديث السادس بعد العشرين: حديث أبي موسى مرفوعًا : «إن اللَّه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها».
فإقبالها سبب لبسط اللَّه الكريم يَدَ جودِهِ ورحمته لذلك .
الحديث السابع بعد العشرين: حديث عمرو بن عبسة الطويل الثابت في صحيح مسلم في خروج الخطايا من أعضاء الوضوء.
وهو دال على أن الوضوء سبب لخروج الخطايا مع الماء.
وأن تفريغ القلب للَّه تعالى في الصلاة سبب لحط ذنوب العبد كيوم ولدته أمه.
الحديث الثامن بعد العشرين: حديث أبي موسى مرفوعًا: «إذا أراد اللَّه رحمة أمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيُها حيّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذّبوه وعصوا أمره» .
أخرجه مسلم.
وهذا سبب آخر للرجاء إذ قبض نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام- قبلنا،
فكان فرطًا وسلفًا.
ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك.
الأولى: أنه لحق بني إسرائيل قحط في عهد موسى عليه الصلاة والسلام، فاجتمع إليه الناس فقالوا: يا نبي اللَّه ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث.
فقام معهم فخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى ﷺ : إلهي اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع، والبهائم الرُتع، والشيوخ الرُكع، فما زادت السماء إلا صحوًا، ولا الشمس إلا حرًا. فقال موسى: إلهي إن كان خَلِقَ جاهي عندك فبجاه النبي الأمي الذي تبعثه آخر الزمان. فأوحى اللَّه إليه ما خَلِقَ جاهك عندي، وإنك عندي وجيه. ولكن فيكم عبد يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة فنادى بالناس حتى يخرج من بين أظهرهم، فبه مُنِعْتُم.
فقال موسى: إلهي وسيدي أنا عبد ضعيف، وصوتي ضعيف، فأين يبلغ وهم سبعون ألفًا ويزيدون فأوحى اللَّه إليه: منك النداء وعلي البلاغ. فقام مناديًا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز اللَّه تعالى منذ أربعين سنة بالمعاصي، أخرج من بين أظهرنا. فبك منعنا المطر.
فقام العبد العاصي ونظر ذات اليمين، وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج، فعلم أنه المطلوب. فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هؤلاء افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن أنا قعدت معهم مُنعوا لأجلي.
فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله وقال: إلهي وسيدي عصيتك أربعين سنة، وأمهلتني. وقد أتيتك طائعًا، فاقبلني.
فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب.
فقال موسى عليه الصلاة والسلام: إلهي وسيدي بماذا سقيتنا، وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال اللَّه عز وجل: يا موسى سقيتكم بالذي منعتكم.
فقال موسى ﷺ: إلهي أرني هذا العبد الطائع.
فقال: يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني فأفضحه وهو يطيعني؟ يا موسى أنا أبغض النمامين أفأكون نمامًا؟
الثانية: عن جويريه بنت محمد قالت: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته بأربع ليال فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: تقبل مني الحسنات وتجاوز عن السيئات ووهب لي التبعات.
فقلت: وما كان بعد ذلك؟ فقال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة. قلت: بم نلت ذلك؟
قال: بمجالس الذكر، وقول الحق وصدقي الحديث وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الحق. قلت: منكر ونكير حق؟
قال: أي واللَّه الذي لا إله إلا هو أقعداني وسألاني من ربك وما دينك، ومن نبيك؟
فجعلت أنفض لحتي البيضاء من ذلك التراب وقلت: مثلي يُسأل عن هذا؟
أنا يزيد بن هارون الواسطي، مكثت في دار الدنيا سنين أُعَلِّم الناس.
فقال أحدهما: صدق، وهو يزيد بن هارون، نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم.
نادرة: قال حسان بن عطية فيما حكاه الأوزاعي:
من طال عليه قيام الليل هون اللَّه عليه طول القيام يوم القيامة.
وقال: إن العبد إذا عمل سيئة وقف الملك لم يكتبها ثلاث ساعات، فإن لم يستغفر كتب، وإن استغفر لم يكتب.
أخرى: قال مجاهد فيما حكاه أبو يحيى: يؤمر بالعبد إلى النار يوم القيامة فيقول: يا رب ما كان هذا ظني. فيقول اللَّه تعالى: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تغفر لي.
فيقول: خلُّوا سبيله. ويدخله الجنة .
الثالثة: حكي أنه كان رجل يشرب الخمر مع جمع من ندمائه، فدفع إلى غلامه أربعة دراهم وأمره أن يشتري بها شيئًا من الفواكه للمجلس فمرّ الغلام بباب منصور بن عمار، وهو يسأل لفقير شيئًا ويقول: من يدفع له أربعة دراهم أدعو له أربع دعوات. فدفع الغلام الدراهم إليه. فقال منصور: ما الذي تريد أن أدعو لك؟
فقال: يا سيدي إن لي سيدًا أريد أن أتخلص من مملكته.
فدعا له، وقال: الأخرى.
قال: أن يخلف اللَّه على دراهمي.
فدعا له، ثم وقال: الأخرى.
قال: أن يتوب اللَّه على سيدي.
فدعا له، ثم وقال: الأخرى.
قال: أن يغفر اللَّه لي ولسيدي ولك وللقوم.
فدعا منصور ورجع الغلام إلى سيده.
فقال: ما أبطأك؟ فقصّ عليه القصّة.
فقال له: وبما دعا؟
قال: إن تعتقني.
قال: اذهب فأنت حُرٌّ لوجه اللَّه.
وإيش الثانية؟، قال: أن يخلف اللَّه عليَّ دراهمي.
قال: لك أربعة آلاف درهم.
وإيش الثالثة؟ قال: أن يتوب اللَّه عليك.
قال: تبت إلى اللَّه. قال: وإيش الرابعة؟ قال: أن يغفر اللَّه لي ولك وللمذكور وللقوم.
قال: هذه ليست إليَّ.
فلما كان الليل رأى في المنام كأن قائلًا يقول له فعلت ما كان إليك افتراني لا أفعل ما كان إليّ؟ قد غفرت لك وللغلام ولمنصور بن عمار ، وللقوم الحاضرين.
الرابعة: قال مالك بن دينار: رأيت بالبصرة قومًا يحملون جنازة وليس معهم مشيع فسألت عنه، فقالوا: هذا رجل من كبار المذنبين العُصاة المسرفين.
قال: فصليت عليه وأنزلته في قبره، ثم انصرفت إلى الظل، فنمت. فرأيت ملكين قد نزلا من السماء فشقا القبر، ونزل أحدهما إليه وقال لصاحبه: اكتبه من أهل النار، فما فيه جارحة سَلِمَت من المعاصي والأوزار.
فقال له صاحبه: يا أخي لا تعجل، اختبر عينيه. فقال: قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بالنظر إلى محارم اللَّه.
قال: اختبر سمعه. قال: قد اختبرته فوجدته مملوءًا بسماع الفواحش والمنكرات.
قال: فاختبر لسانه.
قال: اختبرته فوجدته مملوءتين بالخوض في المحظورات وارتكاب المحرمات.
قال: فاختبر يديه. قال: قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بتناول الحرام وما لا يحل من اللذَّات والشهوات.
قال: فاختبر رجليه.
قال: قد اختبرتها فوجدتهما مملوءتين بالسعي في المذمومات.
قال يا أخي لا تعجل عليه، دعني أنزل إليه فنزل إليه الملك الثاني.
فأقام عنده ساعة وقال لصاحبه: يا أخي قد اختبرت قلبه فوجدته مملوءًا إيمانًا، فاكتبه مرحومًا سعيدًا ففضل المولى سبحانه يستغرق ما عليه من الذنوب والخطايا.
لما رأوه مبعدًا عن طاعتي … حكموا بأني لا أجود برحمتي
حكمي أجل وإن يضيق عن الورى … من ذا يجد أوامري ومشيئتي
الخامسة: عن بعض الصالحين قال: خطر لي أن أزور رابعة العدوية وأنظر صدقها في دعاويها.
فبينما أنا كذلك، وإذا بفقراء قد أقبلوا ووجوهم كالأقمار ورائحتهم كالمسك، فسلموا عليّ، وسلمت عليهم. وقلت: من أين أقبلتم؟. قالوا: يا سيدي حديثنا عجيب.
فقلت: وما هو. قالوا: نحن من أبناء التجار المتمولين، وكنا عند رابعة في مصر.
فقلت: وما ودَّاكم إليها؟ قالوا: كنا ملتهين بالأكل والشرب في بلدنا، فقيل لنا عن حُسن رابعة وحسن صوتها. فقلنا: لابد أن نروح إليها ونسمع غناها، وننظر إلى حسنها. فخرجنا من بلدنا إلى أن وصلنا إلى بلدها، ووصفوا لنا بيتها وذكروا لنا أنها قد تابت. فقال أحدنا: إن كان فاتنا حسن صوتها وغناها فإنا ننظرها وحُسنها.
فَغَيَّرنا حِلْيَتَنَا ولبسنا لبسة الفقراء، وانتهينا إلى بابها، وطرقنا الباب، فلم نشعر إلا وقد خرجت وتمرغت بين أقدامنا وقالت: لقد سعدت بزيارتكم.
فقلنا: وكيف ذلك؟
قالت: عندنا امرأة عمياء منذ أربعين سنة فلما طرقتم الباب قالت: إلهي وسيدي، بحُرمَة هؤلاء الأقوام الذين طرقوا الباب إلا مارددت عليّ بصري، فرد في الوقت.
قال: فعند ذلك نظر بعضنا إلى بعض. وقلنا: ترون لطف ربكم، ما فضح سريرتنا، فقال الذي أشار علينا بلباس الفقراء: واللَّه لا عدت أقلع هذا اللباس من على، وأنا تائب إلى اللَّه على يد رابعة. فقلنا: لكن نحن وافقناك على المعصية، فوافقنا على الطاعة والتوبة. فتبنا كُلنا على يديها، وخرجنا من أموالنا وصرنا كما ترى.
السادسة: حُكِي أن شابا كان يحضر مجلس بعض علماء السلف وكان الشاب إذا سمع الواعظ يقول: يا ستار يهتز كما تهتز السعفة. فقيل له في ذلك.
فقال: اعلموا أني كنت أُحب أن أخرج في زي النساء، وأحضر كل موضع فيه عرس أو عزاء يجتمع فيه النساء. فحضرت يومًا عرسًا لبنت بعض الملوك.
فسُرِقَ عقد بنت الملك، فصاحوا أن أغلقوا الباب وفتشوا النساء، ففتشوهن واحدة واحدة حتى لم يبق إلا واحدة، وأنا، فدعوت اللَّه وأخلصت التوبة، وقلت: إن نجوت من هذه الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا أبدًا، فوجدوا العقد مع المرأة التي بقيت قبلي، وقالوا: أطلقوا الأخرى، يَعنُوني فأطلقوني، وسرت.
فمن حينئذ إذا سمعت ذكر الستَّار، أَذكُر ستره على، ويأخذني ما رأيتم من الاهتزاز.
السابعة: حُكِي أن رجلًا من بني إسرائيل عبد اللَّه عشرين سنة، وعصى اللَّه عشرين سنة ما أطاعه فيها طرفة عين، فلما كان بعض الأيام نظر في المرآة، فنظر شيبًا في لحيته فقال: آه الشيب والعيب، وعزتك لا عدت إلى معصيتك، وقام من وقته وتطهر للتوبة.
فلما جنَّ الليل قال: إلهي أطعتك عشرين سنة وعصيتك عشرين سنة، فيا ليت شعري إن رجعت إليك تقبلني .
فسمع صوتًا لا يُرى قائله: أحببتنا فأحببناك وأطعتنا فأطعناك، وعصيتنا فأملهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك.
أخلقت وجهي المعاصي … عند علام الغيوب
سيدي شؤم المعاصي … أبعدت منك نصيبي
سيدي قسوة قلبي … حيرت كل طبيب
يا طيب الأطباء … أنت عوني وطبيبي
اشفني هب لي إلهي … توبة تمحو ذنوبي
فصل في فضل الرجاء
قال تعالى إخبارًا عن العبد الصالح: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ .
وروينا في الصحيحين، والسياق لمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «قال اللَّه عز وجل أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني؛ إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ هم خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا، تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة».
وفي رواية لهما: «وأنا معه حين يذكرني» بالنون.
وروينا في صحيح مسلم من حديث جابر أنه سمع رسول اللَّه ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه عز وجل» وروينا في جامع الترمذي حديث أنس في قراب الأرض خطايا.
وقد ذكرناه في الاستغفار.
مجلس في الجمع بين الخوف والرجاء
المختار للعبد في صحته أن يكون خائفًا راجيًا، ويكون خوفه ورجاؤه سواء.
وفي حال المرض يتمحض الرجاء؛ وقواعد الشرع ونصوصه من الكتاب والسنة وغيرهما دالة عليه ومتظاهرة لديه.
قال تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
وقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ .
وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
وقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ .
وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ الآية.
والآيات في هذا كثيرة، فاجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين، أو آيات أو آية.
وروينا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لو يعلم المؤمن ما عند اللَّه من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند اللَّه من الرحمة ما قنط من جنته أحدًا» .
وروينا في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها إنسان لصعق» .
وروينا فيه أيضًا من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» .
ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك فنقول:
الحكاية الأولى: عن سليم بن منصور قال: رأيت أبي في المنام، فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: إن الرب تبارك وتعالى قربني وأدناني، وقال يا شيخ السوء تدري لم غفرت لك؟ قلت: لا.
قال: إنك جلست يومًا مجلسًا فبكَّيتهم، فبكي فيهم عبد من عبادي لم يبك من خشيتي قط فغفرت له ووهبت أهل المجلس كلهم له، ووهبتك فيمن وهبت.
الثانية: قال منصور بن عمار - رحمه اللَّه تعالى: رأيت في بعض الأيام شابا يصلي صلاة الخائفين فقلت في نفسي: هذا الشاب لعله وليٌّ من أولياء اللَّه تعالى، فوقفت حتى فرغ من صلاته، ثم سلمت عليه فرد عليَّ السلام.
وقلت: ألم تعلم أن في جهنم واديًا يقال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴾ ؟
فشهق شهقة، فخر مغشيًا عليه.
فلما أفاق قال: زدني، قلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾.
قال: فخر ميتًا فكشفت عن ثيابه، فإذا على صدره مكتوب: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ قال: فلما كان الليلة الثالثة رأيته في المنام جالسًا على سرير وعلى رأسه تاج، فقلت له: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي وأعطاني ثواب أهل بدر، وزادني.
فقلت له: لم؟ قال: لأنهم قتلوا بسيف الكفار، وأنا قتلت بكلام الجبار.
الثالثة: قال المزني : دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها فقلت له: كيف أصبحت؟
قال: أصبحت من الدنيا راحلًا ولإخواني مفارقًا ولكأس المنية شاربًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا وإلى اللَّه الكريم واردًا، فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنئها أو إلى النار فأعزيها.
ثم بكى وأنشد:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي … جعلت الرجاء مني لعفوك سُلَّما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته … بعفوك كان عفوك أعظما
وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل … تجود وتعفو منة وتكرمًا
الرابعة: عن سعيد بن ثعلبة. رحمه اللَّه تعالى. قال: بتنا ليلة مع رجل من العباد على الساحل بسيراف فأخذ في البكاء، فلم يزل يبكي حتى خفنا طلوع الفجر ولم يتكلم بشيء، ثم قال: يا مولاي جرمي عظيم، وعفوك كثير، فاجمع بين جرمي
وعفوك يا كريم قال: فتصارخ الناس من كل ناحية.
الخامسة: روى أن سليمان بن عبد الملك رحمه الله قال لأبي حازم. رحمه اللَّه تعالى: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟
قال: لأنكم عمرتم الدنيا وخرَّبتم الآخرة، وإنكم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال: صدقت يا أبا حازم، ليت شعري ما لنا عند اللَّه غدًا؟
قال: أعرض عملك على كتاب اللَّه تعالى.
قال: وأين أجده من كتاب اللَّه تعالى؟ فقل: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾.
قال سليمان: وأين رحمة اللَّه؟ قال ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال سليمان: ليت شعري كيف العرض على اللَّه تعالى؟
قال أبو حازم: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله فرحًا مسرورًا، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه خائفًا محسورًا.
وأنشدوا:
عرضنا على المولى ونحن عبيده … فمنا شقي رده وسعيد
فمن كان منا ليس يصلح خادمًا … فعن بابه بالطرد ذاك بعيد
ومن كان يصلح فهو في قدس حضره … قريب ومغبوط هناك حميد
حبيب له جاه عظيم ورفعة … ومجد على من الجديد جديد
أولئك خُدَّام كرام وسادة … ونحن عبيد السوء بئس عبيد
فيا غبننا يوم التغابن عندما … يقابلهم وعد ونحن وعيد
ترى الناس إلَّا وهم سكارى وما هم … بسكارى ولكن العذاب شديد
وهم ركبوا نجائب من النور في الهوى … تطير بهم إلى الرب الكريم وُفُود
فلا فزع يحزنهم بل يقربه … لهم فرح يحلو هناك وعيد
السادسة: عن بعض السلف قال: رأيت في بعض الجبال شابا أصفر اللون غائر
العينين مرتعش الأعضاء لا يستقر في الأرض كائن به وخز الأشنة وجموعه تتحادر. فقلت له: من أنت؟ قال: آبق من مولاه. قلت: تعود وتعتذر.
قال: العذر يحتاج إلى إقامة حجة، وكيف يعتذر المقصر؟
قلت: يتعلق بمن يشفع فيه. قال: كل الشفعاء يخافون منه.
قلت: من هو؟
قال: هو مولى، رباني صغيرًا فعصيته كبيرًا شرط لي فوفاني، وضمن لي فأعطاني فخنته في ضماني وعصيته وهو يراني وأحياني من صنيعته، وقبح معاملتي، فقلت: أين هذا المولى؟
قال: أين توجهت لقيت عونه، وأين استقرت قدمك ففي داره.
فقلت: أرفق بنفسك، فربما أحرقَك الخوف، فقال: احترق بنار خوفه، لعله يرض أحق وأولى.
وأنشأ يقول:
لم يبق خوفك لي دمعًا ولا جلدًا … لا شك أني بهذا ميت كمدًا
عبد كئيب أتى بالعجز معترفًا … وناره تحرق الأحشاء والكبدا
ضاقت مسالكه في الأرض من وجل … فهب له منك لطفًا إن لقيتك غدًا
فقلت: يا غلام الأمر أسهل مما تظن فقال: هذا من فتن البطالين، إنه تجاوز عني إني أنا والإخلاص والصفا، ثم صاح صيحة خرجت منها روحه، فخرجت عجوز من كهف جبل عليها ثياب رثة، فقالت: من أعان على البائس الحيران؟ فقلت: يا أمة اللَّه دعوته إلى الرجاء.
فقالت: قد دعوته إلى ذلك، فقال لي: الرجاء بلا صفا شرك.
قلت: فمن أنت منه؟ قالت: والدته، فقلت: أقيم عندك أعينك عليه. قالت: خله بين يدي قاتله عسى يراه يغير معين فيرحمه.
فلم أدر مما أعجب من صدق الغلام في خوفه، أو من قول العجوز وحسن صدقها، رحمهم الله أجمعين.
السابعة: حُكِي أنه قيل للحسن البصري. رحمه الله: يا أبا سعيد هنا رجل لم نره قط إلا جالسًا وحده خلف سارية، فمضى إليه الحسن وقال: يا عبد اللَّه أراك قد أحببت العزلة، فما يمنعك من مجالسة الناس؟
قال: أمر شغلني عن الناس. قال: فما يمنعك تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن البصري تجلس إليه؟
[٢ / ٢٥٤]
قال: أمر شغلني عن الناس وعن الحسن البصري. فقال له الحسن: ما ذاك الشغل يرحمك اللَّه؟
قال: أتى الصبح بين نعمة وذنب، فرأيت أن أشغل نفسي بالشكر على النعمة والاستغفار من الذنب.
فقال له الحسن البصري: أنت يا عبد اللَّه أفقه من الحسن فالزم ما أنت عليه.
الثامنة: قال ذو النون المصري. رحمه اللَّه تعالى: كنت في جبال بيت المقدس، وإذا برجل قد اتزر بالخوف واتشح بالرجاء، فتقدمت إليه وسلمت عليه، فرد عليَّ السلام، فقلت له: من أين أقبلت يرحمك اللَّه؟
قال: من حضرة الأنس.
قلت: إلى أين تريد؟
قال: إلى راحة النفس، ثم ولي وهو يقول:
هجر الخلق كلهم فتولى … فهو باللَّه طيب الخلوات
قال للنفس ساعديني وجدي … ليس نقض العهود فعل الثقات
ليس من يطلب الحبيب فتورا … فأسبل الدمع واهجر الترَّهات
هل رأيتم مدللًا في عذاب … وعروسًا تواصل العبرات
ملك جائع غني فقير … مشرق وجهه من الحسنات
لم يدم عرسه الذي هو ماض … إنما رام عرسه الذي هو آت
فلعمري ليخلعن عليه … خلع العز مع جزيل الهبات
التاسعة: عن الشبلي رحمه اللَّه تعالى: إنه كان يقول: ليت شعري ما اسمي عندك يا علام الغيوب وما أنت صانع بي يا غفار الذنوب، وبم يختم عملي يا مقلب القلوب، ثم أنشد وجعل يقول:
ليت شعري كيف ذكري … عند من يعلم سري
أجميل أم قبيح … أم بخير أم بشري
ليت شعري كيف موتي … بيقين أم بكفر
أترى يقبل قولي … أم ترى يشرح صدري
ليت شعري كيف حالي … يوم إحضاري وحشري
ليت شعري أين أمضي … لنعيم أم لجمري؟
العاشرة: قال صالح المدي رحمه الله: رأيت في محراب داود ﷺ عجوزًا
[٢ / ٢٥٥]
عليها مدرعة شحر وقد كُفَّ بصرها وهي تصلي وتبكي قال: فتركت صلاتي، ووقفت أنظر إليها.
فلما فرغت من صلاتها رفعت وجهها إلى السماء وجعلت تنشد:
أين سؤلي وعصمتي في حياتي … أنت ذخري وعدتي في مماتي
يا عليما ما أكِنُّ وأُخْفِي … وبما في بواطن الخطرات
ليس لي مالك سواك فأرجوه … لدفع العظائم الموبقات
قال: فسلمت عليها وقلت لها: ما الذي أوجب ذهاب عينيك؟
قالت: بكائي على ما فرطت في مخالفته ومعصيته، وما كان من تقصيري في ذكره وخدمته، فإن عفي عني عوضني في الآخرة خيرًا منها، وإن لم يعف عني فما لي حاجة بعين تحرق في النار.
قال: فبكيت رحمة لها، فقالت: يا صالح أقسم عليك أن تقرأ شيئًا من كتاب اللَّه تعالى لي فقد طال وعزته شوقًا إليه.
قال: فقرأت: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
قالت: يا صالح من خدمه حق خدمته؟ ثم صرخت صرخة يتصدع قلب من يسمعها، وسقطت على وجهها، وإذا بها قد فارقت الدنيا.
قال: ثم إني رأيتها بعد ذلك في المنام وهي في حالة حسنة فسألتها عن أمرها كيف كان؟
قالت: لما قبضني أوقفني الحق بين يديه وقال: أهلًا بمن قتلها الأسف على تقصيرها في خدمتي، ثم ولت وهي تقول:
جاد لي بالذي أؤمل منه … وحباني بكل ما أرتجيه
في نعيم ولذة وسروره … أبدًا عنده أخلد فيه
مجلس في بيان كثرة طرق الخير
وطرقها العبادات لأن الخير سلكها ويتوصل بها إليها.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ .
وقال: «وما يفعلوا من خير فلن يكفروه» .
وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ .
وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النحل: ٩٧] إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ .
وقال: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ .
وقال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾ .
وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ .
وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ .
وقال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ .
وقال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ .
وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ .
وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ .
ومثقال الذرة يشمل الكيف والكم، والكم هو المتبادر.
وقال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ .
وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
وقال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ .
وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ .
وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ .
وأما الأحاديث فخمسة وعشرون حديثًا وهي مشتملة على بيان أصول الخير ومراتبه وأنواعه وغير ذلك:
الحديث الأول: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول اللَّه أي الأعمال أفضل؟
قال: «الإيمان باللَّه، والجهاد في سبيله» قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟
قال: «أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا» .
قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق».
قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك» .
أخرجاه.
الصانع: بالصاد المهملة -وروى بالمعجمة- أي ذا ضياع، فقرأ وعيال ونحوهما.
والأخرق: الذي لا يتقن ما يحاول فعله.
وهذا الحديث فيه بيان أفضل الأعمال، إما مطلقًا وإما لحال شخص.
فذكر للمطلق كل خير وهو الإيمان، وتممه بأمرين: الدعاء إليه والحجة والسيف، وفك رقبة مؤمنة وحال من لم يفعل شيئًا من ذلك إسداء المعروف إعانة واستقلالا، ولحال من ضعف عنه كف الشر.
الحديث الثاني عنه مرفوعًا : «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى».
أخرجه مسلم.
والسلامى: بضم السين المهملة وتخفيف اللام المفصل .
وفيه بيان أن كلًّا من الأذكار الأربعة صدقة على النفس وعلى العالم، والصلاة المذكورة تجزئ من ذلك كله.
الحديث الثالث: عنه مرفوعًا: «عرضت عليَّ أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، وجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن» .
أخرجه مسلم.
فإماطة الأذى من محاسن العادات، ومهم العبادات.
الحديث الرابع: عنه أيضًا أن ناسًا قالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: «أوليس قد جعل اللَّه لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة ، وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول اللَّه أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» .
رواه مسلم.
الدثور: بالثاء المثلثة، الأموال وأحدها دثر.
وفيه أن البضع صدقة، وهو عادي أيضًا، وهو صدقة على العالم كله، من نسل يكثر السواد ويجاهد في اللَّه حق الجهاد.
والحرام لا خير ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].
الخامس: عنه قال: قال النبي ﷺ: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». رواه مسلم.
وهو عادي أيضًا فالطلاقة في وجه الإخوان، وعدم الاحتقار بالمعروف من المهم المألوف.
الحديث السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «كل سلامى
من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس». قال: «تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليه متاعه، صدقة» قال: «والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» .
متفق عليه.
ورواه مسلم أيضًا من رواية عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: إنه خُلِقَ كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبّر اللَّه، وحمد اللَّه، وهلل اللَّه، وسبح اللَّه، واستغفر اللَّه، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظمًا عن طريق الناس، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السُلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار«. فهذه العادات صارت عبادات.
الحديث السابع: عنه عن النبي ﷺ قال:»من غدا إلى المسجد أو راح، أعد اللَّه له في الجنة نُزُلًا، كلما غدا أو راح«.
مقفق عليه، والنزل: القوت أو الرزق، وما يُهيأ للضيف، فتكرار الخيرات تزاد به الأجور والمسرات.
الحديث الثامن: عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ:»يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فِرْسنَ شاة". متفق عليه .
قال الجوهري: الفرسن من البعير كالحافر من الدابة.
قال: وربما أستعير للشاة، فترك الاحتقار من كرم النفس به يحصل كمال الأدب وطرح النفس.
الحديث التاسع: عنه عن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» متفق عليه .
البضع: من ثلاثة إلى تسعة، بكسر الباء، قد تفتح، والشعبة: القطعة، وهو بيان لأنواع الشعب منوعة إلى العقائد والأعمال والأحوال، وبها يخلص من النصب.
الحديث العاشر: عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش .
فقال الرجل: «لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي ، فسقي الكلب فشكر اللَّه له، فغفر له».
قالوا: يا رسول اللَّه، وإن لنا في هذه البهائم لأجرا؟
فقال: «في كل كبد رطبة أجرا» .
وفي البخاري: فشكر اللَّه له فأدخله الجنة.
وفي رواية لهما: «بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بنى إسرائيل، فنزعت مُوقها، فسقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به» .
المُؤق: الخُف.
يطيف: يدور حول ركيَّة: وهي البئر.
الحديث الحادي عشر: عنه عن النبي ﷺ قال: «لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس» رواه مسلم.
وفي رواية: «مرّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: واللَّه لأُنحِّينَّ هذا عن المسلمين لا يُؤذيهم، فأدخل الجنة» .
وفي رواية لهما: «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخرَّه، فشكر اللَّه له فغفر له» .
الحديث الثاني عشر: عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لَغَا». رواه مسلم.
الحديث الثالث عشر: عنه أن رسول اللَّه ﷺ. قال «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يَخْرُج نقيًا من الذنوب» . رواه مسلم.
الحديث الرابع عشر: عنه عن رسول اللَّه ﷺ: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر«. رواه مسلم.
الحديث الخامس عشر: عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «ألا أدُلُّكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟».
قالوا: بلى يا رسول اللَّه.
قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» رواه مسلم.
الحديث السادس عشر: عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «من صلى البردين دخل الجنة». متفق عليه.
البردان: الصبح والعصر.
الحديث السابع عشر: قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» رواه البخاري.
وفيه إشارة إلى ملازمة الأوراد وصدق العزم في إرادتها. فيبلغ غاية الأغراض وتزول عنه الأعراض.
الحديث الثامن عشر: عن جابر مرفوعًا: «كل معروف صدقة» .
رواه البخاري.
ورواه مسلم من رواية حذيفة رضي الله عنهما وهو أبلغ تعظيم وأشرف تكريم.
الحديث التاسع عشر: عنه مرفوعًا: «ما من مسلم يغرسُ غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سُرِقَ منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة» رواه مسلم.
وفي رواية له: «فلا يغرس المسلم غرسًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة» .
وفي رواية له: «لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء، إلا كانت له صدقة» .
وروياه جمعيا من رواية أنس رضي الله عنهما قوله.
قوله: يَرْزَؤُهُ: أي ينقصه.
العشرون: عنه قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لهم «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد».
قالوا: نعم يا رسول اللَّه قد أردنا ذلك فقال: «يا بني سلمة دياركم تكتب أثاركم، دياركم تكتب آثاركم» . رواه مسلم .
وفي رواية: «إن بكل خطوة درجة».
ورواه البخاري أيضا بمعناه من رواية أنس رضي الله عنهما.
وبنو سلمة: بكسر اللام، قبيلة معروفة من الأنصار.
وآثارهم: خطاهم.
الحادي والعشرون: عن أبي المنذر أبي بن كعب رضي الله عنهما قال : كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد، وكان لا تخطئه صلاة.
قال: فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء.
قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي.
فقال رسول اللَّه ﷺ: «قد جمع اللَّه لك ذلك كله» .
رواه مسلم.
وفي رواية: «إن لك ما احتسبت» الرمضاء: الأرض التي أصابها الحر الشديد.
الثانى والعشرون: عن أبي محمد عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها إلا أدخله اللَّه بها الجنة» . رواه البخاري.
المنيحة: أن يعطيه إياها ليأكل لبنها، ثم يردها إليه.
وهو دال على أن الأعمال التي لا يلقي لها بالا يدخل بها صاحبها الجنة في المآل.
الثالث والعشرون: عن عدي بن حاتم رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «اتقوا النار، ولو بشق تمرة» . متفق عليه.
وفي رواية لهما عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «ما منكم أحد إلا سيكلِّمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قَدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد، فبكلمة طيبة» .
وهو دال على أن اليسير لا يخفر.
الرابع والعشرون: عن أنس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن اللَّه ليرضى
عن العبد أن يَأكُل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها«. رواه مسلم.
والأكلة بفتح الهمزة وهى الغدوة أو العشوة وهو دال على أن الحمد يجلب الرضوان وأي شيء أسلم من هذا، فقد ظهر عظيم أجره وبان.
الخامس والعشرون: عن أبي موسى رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: »على كل مسلم صدقة«قيل أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق».
قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع؟
قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف»
قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟
قال: «يأمر بالمعروف أو الخير»
قال: أرأيت إن لم يفعل؟
قال: «يُمسك عن الشرِّ فإنها صدقة» . متفق عليه.
وهو دال على تنوع المراتب، ولا راتبه وراء الإمساك.
مجلس في الاشتغال باللَّه والإعراض عما سواه
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ .
وروينا في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رجل أي الناس أفضل يا رسول اللَّه؟
قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه قال: ثم من؟
قال: ثم رجل معتزل في شعب من الشِّعاب ، يعبد ربه».
وفي رواية: «يتقي اللَّه ويدع الناس من شرِّه» .
ولنذكر من الحكايات ما يليق بذلك: الأولى عن ذي النون المصري رحمه الله قال: أوحى اللَّه تبارك وتعالى إلى موسى: كن كالطير الوحداني يأكل من
رؤوس الأشجار، ويشرب من الماء القراح أو قال من الأنهار، إذا جنه الليل أوى إلى كهف من الكهوف، واستئناسا بي واستيحاشا ممن عصاني، يا موسى إني آليت على نفسي أني لا أتُم لمدَّع عملا، ولأقطعنَّ أمل من أمل غيري، ولأقصمنَّ ظهر من استند إلى سواي، ولأطيلنَّ وحشة من آنس بغيري، ولأعرضنَّ عمن أحب حبيبًا سواي.
يا موسى إن لي عبادا إن ناجوني أصغيت إليهم وإن نادوني أقبلت عليهم، وإن أقبلوا على دانيتهم، وإن دنوا مني قربتهم، وإن تقربوا أكنفتهم، وإن والوني واليتهم وإن صافوني صافيتهم، وإن عملوا لي جزيتهم، أنا مدبر أمورهم وسائس قلوبهم ومتولى أحوالهم لم أجعل لقلوبهم رأفة إلا في ذكرى، فهو لاشفائهم شفاء وعلى قلوبهم ضياء. لا يستأنسون إلا بي، ولا يحطون رحال قلوبهم إلا عندي، ولا يستقر قرار الإيواء إلا إلي.
الثانية: عن الواسطى رحمه الله قال: بينما أنا أسير في البادية إذا بأعرابي جالس منفرد، فدنوت منه وسلمت عليه، فرد علي السلام.
فأردت أن أكلمه فقال: اشتغل بذكر اللَّه، فإن ذكره شفاء القلوب.
ثم قال: كيف يفتر ابن آدم من ذكره وخدمته والموت في أثره واللَّه ناظر إليه. ثم بكي وبكيت معه.
فقلت له: ما لي أراك وحيدًا؟
قال: ما أنا بوحيد، واللَّه معي، وما أنا بفريد وهو أنيس.
ثم قام ومضى عني مسرعًا، وقال: سيدي أكثر خلقك مشغول عنك بغيرك، وأنت عوض عن جميع ما فات.
يا صاحب كل غريب ويا مؤنس كل وحيد، ويا مؤوى كل طريد.
وجعل يمشي وأنا أتبعه، ثم أقبل إلي وقال: ارجع عافاك اللَّه إلى من هو خير لك مني، ولا تشغلني عمن هو خير لى منك، ثم غاب عن بصري.
فائدة:- عن أبي تراب من شغل مشغولا باللَّه عن اللَّه أدركه المقت في الوقت أو كما قال.
الثالثة: عن عبد الواحد بن زيد قال: مررت براهب فسألته منذ كم أنت في هذا المكان؟
قال: منذ أربع وعشرين سنة.
قلت: من أنيسك؟
قال: الفرد الصمد.
قلت: ومن المخلوقين؟
قال: الوحش.
قلت: فما طعامك؟
قال: ذكر اللَّه.
قلت: ومن المأكولات؟
قال: ثمار هذه الأشجار، ونبات الأرض.
قلت: أفلا تشتاق إلى حبيب قلوب العارفين؟
قال: نعم.
قلت: ومن المخلوقين؟
قال: من كان شوقه إلى اللَّه، كيف يشتاق إلى غيره.
قلوب العارفين تحن شوقا … تحل بقربه في كل راح
صفت في ودِّ مولاها فليست … لها عن ودِّ مولاها براح
الرابعة: عن ذي النون قال: بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ سمعت صوتا وهو يقول: ذهبت الآلام عن أبدان الخدام، وولهت بالطاعة عن الشراب والطعام وألفت أبدانهم طول القيام بين يدي الملك العلام.
فتبعت الصوت.
فإذا شاب أمرد قد علا وجهه اصفرار يميل ميل الغصن إذا ميلته الريح.
عليه شملة قد اتزر بها، وأخرى قد اتشح بها فلما رآني توارى عني بالشجر.
فقلت له: أيُّها الغلام ليس الجفاء من أخلاق المؤمنين فكلمني وأوصني.
فخرَّ ساجدًا وجعل يقول: هذا مقام من لاذ بك، واستجار بمعرفتك، وألف محبتك.
يا إله القلوب وما تحويه من جلال عظمتك، احجبني عن القاطعين لي عنك.
ثم غاب عنِّي فلم أره.
الخامسة: عنه أيضًا قال: بينما أنا أسير بين جبال الشام إذا بشيخ على قلعة من الأرض قد سقط حاجباه على عينيه كِبرًا.
فسلمت عليه، فرد عليَّ السلام.
ثم جعل يقول: يا من دعاه المذنبون فوجدوه قريبًا ، ويا من قصده الزاهدون فوجدوه حبيبًا ويا من استأنس به المجتهدون فوجدوه مجيبا.
ثم أنشأ يقول:
وله خصائص مصطفون بحبه … اختارهم في سالف الأزمان
اختارهم من قبل فطرة خلقه … فهم ودائع حكمة وأمان
السادسة: عن ذي النون أيضًا قال: وُصِف لي رجل من أهل المعرفة في جبل لكام فقصدته فلحقني جماعة من المتعبدين فسألتهم عنه فقالوا: تسأل عن المجانين.
قلت: وما رأيتم من جنونه؟
قالوا: نراه في أكثر أوقاته هنا قائمًا ساهيًا يكلم فلا يجيب، فلا نفقه ما يقول، وينوح في أكثر أوقاته على نفسه.
فقلت في نفسي: ما أحسن أوصاف هو المجنون ثم قلت لهم: دلوني عليه.
فقالوا: إنه يأوي في الوادي الفلاني. فانطلقت إليه، فأشرفت على واد وَعِر.
فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا، فإذا أنا بصوت محزون شُجَّ من قلب وجل وهو يقول:
ياذا الذي أنِسَ الفؤاد بذكره … أنت الذي ما أن سواه أريد
تفنى الليالي والزمان بأسره … وهواك غض في الفؤاد جديد
إني أرى غيري إليك مقربا … وأنا بسهم الهجر منك بعيد
قال: فاتبعت الصوت، فإذا أنا بفتى حسن الصورة، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رُسُومها، نحيل قد اصفر واحترق، وهو شبيه بالوَاله الحيران.
فسلمت عليه فرد السلام، وبقى شاخصًا يقول:
أعُمِيت عيني عن الدنيا وزينتها … فأنت والروح شيء ليس يفترق
إذا ذكرتك وافي مقلتي أرق … من أول الليل حتى يطلع الفلق
وما تطابقت الأجفان عن سِنَةٍ … إلا رأيتك بين الجفن والحدق
ثم قال: يا ذا النون مالك تطلب المجانين؟
قلت: أو مجنون أنت؟
قال: سُمِّيت به.
قلت: لي مسألة.
قال: سَلْ.
قلت: أخبرني ما الذي حبَّب إليك الانفراد وقطعك عن المؤنسين، وهيَّمك في الأودية؟
قال: حبي له هيمني، وشوقي، إليه هيجني، ووجدي به أفردني.
ثم قال: ياليت شعري إلى متى تتركني (مغلغلا) عن محبتى؟
فقلت له: أخبرني عن محل الحب عندك وأين مسكن الشوق منك؟
قال: مسكنه مني سواد الفؤاد.
قلت: فما الذي تجد في خُلوتك؟
قال: الحق سبحانه.
قلت: كيف تجده؟.
قال: بحيث لا حيث.
ثم قال: يا ذا النون أعجبك كلام المجانين؟
قلت: أي واللَّه وأشجاني.
ثم قلت له: ما صِدق وجدانك للحق تعالى.
فصرخ صرخه ارتج لها الجبل، ثم قال: يا ذا النون هذا موت الصادقين، ثم سقط على الأرض ميتًا فحرت في أمري ولا أدرى ما أصنع به.
وإذا هو قد غاب عني، فلم أر أين ذُهب به.
السابعة: عن الفضيل بن عياض قال: مكثت في جامع الكوفة ثلاثة أيام لم أطعم ولم أشرب فلما كان في الرابع، هذبني الجوع.
فبينما أنا جالس إذ دخل من باب المسجد مجنون وبيده حجر كبير، وفى عنقه غُل ثقيل.
والصبيان من ورائه.
فجعل يجول في المسجد حتى إذا حاذاني جعل يتفرس فيَّ، فجزعت على نفسي منه.
فقلت: إلهي وسيدي أجعتنى، وسلطت عليَّ من يقتلني.
فالتفت إليَّ فقال:
محل بيان الصبر فيك عزيزة … فياليت شعري هل لصبرك آخر
قال الفضيل: فزال عنى جزعي وطار عني هلعي.
وقلت: يا سيدي لولا الرجاء لم أصبر.
قال: فأين مستقر الرجاء منك؟
قلت: بحيث مستقر هموم العارفين.
فقال: أحسنت واللَّه يا فضيل، إنها لقلوب الهموم عمارتها، والأحزان أوطانها، عرفته فاستأنست به، وارتحلت إليه.
فعقولهم صحيحة، وقلوبهم غارقة، بالأنوار مشرقة وأرواحهم بالملكوت الأعلى مُعلقة.
ثم ولى وأنشأ يقول:
فهام ولي اللَّه في القفر سائحًا … وحطت على سيد القدوم رواحله
فعاد سجين قد جرى في ضميره … تذوب به أحشاؤه ومفاصله
قال الفضيل: فواللَّه لقد بقيت عشرة أيام لم أطعم طعاما، ولم أشرب شرابا وجدا بكلامه.
فطوبى لمن استوحش من الخلق واستأنس بالحق.
آنست بوحدتي ولزمت بيتي … فطاب الأنس لي وصفا السرور
وأدبني الزمان فلا أبالي … هجرت فلا أزَار ولا أزور
ولست بسائل ما عشت يومًا … أسار الجندُ أم رَكِبَ الأمير
الثامنة: عن أبي يزيد البسطامي قال: طلقت الدنيا ثلاثًا لا رجعت لشيء فيها.
وسرت إلى ربي وحدي، فناديته بالاستغاثة:
إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك.
فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، واليأس من نفسي كان أول ما ورد عليَّ من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكليَّة، وبعض الخلائق من يُرى مع إعراضي عنهم.
التاسعة: قال محمد بن أحمد: سمعت علي بن الموفق ما لا أحصيه يقول: اللهم إن كنت تعلم أني عبدتك خوفا من نارك فعذبني بها، وإن كنت تعلم أني عبدتك حبًا مني، وشوقًا لجنتك، وشوقا مني إليها فاحرمنيها.
وإن كنت تعلم أني إنما عبدتك حبًا مني لك، وشوقًا مني إلى وجهك الكريم فأبحنيه واصنع بي ما شئت.
العاشرة: قال بعض الصالحين: عُرضَت عليَّ الدنيا بزينتها وزخارفها وشهواتها، وأعرضت عنها ثم أعرضت علي الأخرى بجواريها وقصورها، وزينتها فأعرضت عنها.
فقيل لي: لو أقبلت على الأولى حجبناك عن الأخرى، ولو أقبلت على الأخرى حجبناك عنها (فها خن) وقسمتك من الدارين تأتيك.
الحادية عشرة: عن بعض الصالحين قال: إن اللَّه تعالى لما أظهر الخلق في القدم ، أظهر لهم الصنائع، ثم خيرهم فيها.
فاختار كل إنسان صنعته.
فلما أبداهم إلى الوجود أجرى على لسان كل واحد ما اختار لنفسه.
وانفردت طائفة لم تخير شيئا.
فقال لها: اختاري.
فقالت ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره.
فأظهر لهم مقامات العبادة.
فقالت: قد اخترنا خدمتك يا مولانا.
فقال: وعزتي وجلالي لأشفعنكم غدًا فيمن عرفكم وخَدَمكُم.
وفيهم يقال:
تشاغل قوم بدنياهم … وقوم تخلوا لمولاهم
فالذمَهُم باب مرضاته … وعن سائر الخلق أغناهم
الثانية عشرة: عن أبي الحسن الشاذلي قال: وقع لي تردد في بدايتي بين الانقطاع في البراري والرجوع إلى العمران، وصحبة العلماء والأخيار.
فوصف لي وليٌّ في رأس الجبل فقصدته، فوصلت إليه بعد ما أمسيت.
فقلت: ما أدخل عليه في هذا الليل إلى الصبح فبت على باب المغارة، فسمعته يقول من داخل المغارة: اللهم إن ناسا من عبادك سألوك أن تسخر لهم خلقك فسخرتهم لهم فرضوا عنك بذلك.
وإني أسألك أن تعرج على خلقك حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك.
فقلت: اسمعي يا نفس من أي بحر يغترف هذا الشيخ.
فلما أصبحت دخلت فسلمت عليه، ومُلئت منه رعبا، وقلت له: يا سيدى كيف حالك؟. أما أمر التدبير والاختيار فأنا أعرفه وأنا فيه الآن، فلم ترد الرضا والتسليم، ولم تشكو ذلك فقال: أخاف أن يشغلني حلاوتهما عنه.
فقلت يا سيدي: سمعتك تقول: اللهم إن أناسا من عبادك سألوك، وذكر ما سلف.
فتبسم وقال: يابني عوض ما تقول: سخر لي، قل كن لي، من كان له يحتاج إلى شيء آخر، فما هذه الجناية.
قلت لفظة: كان اللَّه لك، واللهم كُن لي.
كلمة جامعة لكل مرغوب ومرهوب فلتلازم.
الثالثة عشر: عن سري السقطي قال: كنت يومًا أتكلم بجامع المدينة،
فوقف علي شاب حسن الشباب، فاخر الثياب ومعه أصحابه.
فسمعني أقول في وعظي: عجبا لضعيف كيف يعصي قويا، فتغير لونه وانصرف.
فلما كان من الغد جلست في مجلس، وإذا به قد أقبل فسلم وصلى ركعتين وقال: يا سري سمعتك بالأمس تقول: عجبا لضعيف كيف يعصي قويا، فما معناه.
فقلت: لا أقوى من اللَّه، ولا أضعف من العبد وهو يعصيه، فنهض فخرج.
ثم أقبل من الغد وعليه ثوبان أبيضان، وليس معه أحد فقال: يا سري كيف الطريق إلى اللَّه؟
فقلت له: إن أردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل.
وإن أردت اللَّه، فاترك كل شيء سواه تصل إليه وليس إلا المساجد والخراب والمقابر.
فقام وهو يقول: واللَّه لا سلكت إلا أصعب الطريق، وولى خارجا.
فلما كان بعد أيام أتى إلى غلمان كثيرة فقالوا: ما فعل أحمد بن يزيد الكاتب؟
فقلت: لا أعرف إلا رجلا جاءني من صفته كذا وكذا، ولا أعلم حاله.
فقالوا: باللَّه عليك متى عرفت حاله أخبرنا ودلنا على داره.
فبقيت سنه لا أعرف له خبرًا.
فبينما أنا ذات ليلة بعد العشاء الآخرة جالس في بيتي، وإذا بطارق يطرق الباب، فأذنت له بالدخول، فإذا أنا بالفتى عليه قطعة من كساء في وسطه، وأخرى على عاتقه، ومعه زنبيل فيه نوى.
فقبل بين عيني وقال: يا سري أعتقك اللَّه من النار كما أعتقتني من رق الدنيا.
فأومأت إلى صاحبي أن امض إلى أهله فأخبرهم فمضى فإذا زوجته جاءت ومعها ولده وغلمانه فدخلت، وألقت الولد في حجره، وعليه حُلي وحلل وقالت له.: يا سيدي أرملتني وأنت حي وأيتمت ولدك وأنت حي.
قال سري: فنظر إلي، وقال: يا سري: ما هذا وفاء، ثم أقبل عليها وقال: واللَّه إنَّك لثمرة فؤادي وحبيبة قلبي، وأن هذا ولدي لأعز الخلق عليَّ، غير أن هذا سري أخبرني أن من أراد اللَّه قطع كل ما سواه.
ثم نزع ما على الصبي وقال ضعي هذا في الأكباد الجائعة والأجساد العارية وقطع قطعة من كسائه، فلف بها الصبي.
فقالت المرأة: لا أرى ولدى في هذه الحالة وانتزعته منه.
فحين رآها قد اشتغلت به نهض وقال: واللَّه ضيعتم ليلتي، بيني وبينكم اللَّه، وولى خارجًا وضجت الدار بالبكاء.
فقالت: إن عدت يا سرى سمعت له خبرًا فأعلمني.
فقلت: إن شاء اللَّه.
فلما كان بعد أيام أتتني عجوز فقالت: يا سري بالشونيزية غلام يسألك الحضور.
فمضيت فإذا به مطروح تحت رأسه لبنة.
فسلمت عليه ففتح عينيه وقال: يا سري أترى تلك الجنايات غفرت؟
فقلت: نعم.
قال: يغفر لمثلي ؟
قلت: نعم
قال: أنا غريق.
قلت: هو منجي الغرقاء.
فقال: على مظالم.
فقلت: في الخبر أنه يؤتى بالتائب يوم القيامة ومعه خصومه، فيقال لهم خلوا عنه فإن اللَّه تعالى يُعوضكم.
فقال: يا سري معي دراهم من لقط النوى، إذا أنا مت فاشتري ما أحتاج إليه وكفني، ولا تُعلم أهلي لئلا يكفنوني بحرام.
فجلست عنده قليلا، ففتح عينيه وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾ .
ثم مات، فأخذت الدراهم فاشثريت ما يحتاج إليه وسرت نحوه.
فإذا الناس يهرعون.
فقلت: ما الخبر؟
فقيل: مات وليٌّ من أولياء اللَّه نريد أن نصلي عليه.
فجئت فغسلناه ودفناه.
فلما كان بعد مدة قدم أهله يسألون خبره، فأخبرتهم بموته.
فأقبلت امرأته باكية، فأخبرتها بحاله.
فسألتني أن أريها قبره.
فقلت: أخاف أن تُغيروا أكفانه.
فقالت: لا واللَّه.
فأريتها قبره، فبكت، وأمرت بإحضار شاهدين فأحضرا، فاعتقت جواريها، ووقفت عقارها وتصدقت بمالها، ولزمت قبره حتى ماتت.
بانوا الذين تجنبوا الأشغالا … بذلوا النفوس وأنفقوا الأموالا
تركوا النساء كأنهن أرامل … قبل الممات وأيتموا الأطفالا
وتجرعوا وتعطشوا وتضمروا … طلبوا السباق وخففوا الأثقالا
وتعذبوا وتغربوا عن أهلهم … حذر الفوات وفككوا الأغلالا
فطموا عن الدنيا نفوسا طال ما … كانت تتيه على النعيم دلالا
خافوا البيات فشمَّروا بعزيمة … طلب النجاة وكابدا الأهوالا
حتى إذا بليت فنى أجسادهم … ولقوا شجونا في السرى وكلالا
وردوا جنان مليكهم فحباهم … رتبا تفوق الفرقدين مثالا
الرابعة عشر: عن أحمد بن أبي الحواري قال:- سمعت أبا سليمان يقول: خطب رجل امرأة من أهل الموصل يقال لها: (المُوق) .
فقالت للرسول قل له: ما يسرني أنك لي عبد وجميع ما تملكه لي، وإنك شغلتني عن اللَّه عز وجل طرفة عين.
الخامسة عشر: قال الربيع: بتُّ أنا ومحمد بن المنكدر، ، وثابت البناني عند ريحانة المجنونة فقامت أول الليل وهى تقول:-
قام المحب إلى المؤمل قومة … كاد الفؤاد من السرور يطير
فلما كان جوف الليل سمعتها وهى تقول:-
لا تأنس بمن توحشك نظرته … فتمنعت من التذكار في الظلم
واجهد وكد وكن في الليل ذا شجن … يسقيك كأس وداد العز والكرم
فلما ذهب الليل نادت: واحزناه واسلباه.
فقلت: بماذا؟
فقالت:
ذهب الظلام بأنسه وبألفه … ليت الظلام بأنسه يتجدد
السادسة عشر: عن بعض الصالحين قال: كنت متوجهًا من منى إلى عرفات، فلقيتني جارية عليها مسح من شعر، وقناع من صوف، وبيدها سبحة وعكاز.
وعلى وجهها نور الطاعة والعبادة، وهى مهرولة في مشيتها تقول: اللَّه اللَّه.
فقلت في نفسي: هذه جارية مدَّعية.
فقالت: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ .
فعلمت أنها ولية للَّه تعالى ققلت لها: يا جارية كُلِّي بكلَّكِ مشغول.
فقالت: يا مسكين وكُلِّي بكلك مبذول، ولكن ورائي من هو أصبى مني.
فالتفت فلم أر أحدًا، فقالت بعلو صوتها يا مادي يا كذاب، ما هكذا فعل الأحباب بالأحباب.
أما الأولى: فإنك أسأت الظن بكلام رب الأرباب.
أما لو جئت إليه وعرفته صدقا لأوقفك على بابه لما رأيناك من بعيد حسبناك عابدا.
فلما رأيناك من قريب حسبناك عارفًا، فلما كلمتنا حسبناك عاشقا.
ولو كنت عابدا له لما اشتغلت بغيره.
ولو كنت عارفا به ما رجعت منه إلينا.
ولو كنت عاشقا لنا ما رجعت منا إلى سوانا.
ثم هربت عني مسرعة وهي تقول: ما مع اللَّه سوى اللَّه، حتى غابت عني .
السابعة عشر: قال أبو سعيد الخراز نمت في البادية فكنت أقول:
أتيهُ فلا أدري من التيه من أنا … سوى ما يقول الناس في وفي جنسي
أتيهُ على جن البلاد وإنسها … فإن لم أجد شخصًا أتيه على نفسي
فسمعت هاتفا يهتف بي يقول:-
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده … ويفرح بالتيه الدنيء وبالإنس
فلو كنت من أهل الوجود وحقيقته … لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مع اللَّه واقفًا … تصان عن التذكار للجن والإنس
مجلس في الفرج بعد الشدة
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ .
وحديث ابن عمر في كشف الصخرة عن الثلاثة بصالح أعمالهم، مشهور وهو ثابت في الصحيح كما مر.
وروينا عن علي بن حرب قال: خرجت أنا وبعض شباب الموصل إلى الشط، فركبنا في زورق.
فلما بعدنا من البلد وتوسطنا الشط إذا سمكة كبيرة طفرت من الشط إلى وسط الزورق، فقام الشباب وتزلوا إلى حافة الشط ليجمعوا حطبا برسم السمكة، فنزلت معهم.
فبينما نحن نمشي على جانب الشط، وإذا بالقرب منا خرابة.
فذهبنا إليها نبصر آثارها، وإذا فيها شاب مكتوف وآخر مذبوح إلى جانبه، وبغل واقف عليه قماش فقلنا للشاب: ما قصتك؟ وما هذا المذبوح؟
فقال: إنني مكتر مع هذا المكاري، صاحب هذا البغل فعدل بي إلى هذا المكان وكتفنى كما ترون.
وقال: لابد من قتلك فعاهدته اللَّه لا يظلمني ولا يربح إثمي، ولا يعد مني روحي، بل يأخذ القماش، وهو في حِل منه.
وحلفت له باللَّه تعالى لا أغمز عليه أبدًا.
ومازلت أناشده اللَّه تعالى، وهو ما يفعل.
فمدَّ يده إلى سكين كانت في وسطه فجذبها، فتعسرت عليه أن تخرج من غلافها.
فما زال يجذبها إلى أن خرجت بصعوبة، فما أخطأت حلقه، فذبحته.
فهو كما ترون، وأنا على حالتي هذه.
قال: فحللنا كتافه وأعطيناه البغل والقماش.
وراح، وعدنا إلى الذورق.
فلما صعدنا طفرت السمكة إلى الشط.
وهذا أعجب ما رأيت وسمعت.
فسبحان اللطيف الخبير.
ويحكى أن بعض الأخيار الأمناء استودعه بعض الملوك جوهرة نفيسة فوضعها ذلك الأمين في موضع في بيته.
فظفر بها ابن له صغير، فضربها بحجر فانكسرت أربع فلق.
فدخل على ذلك الرجل من الغم والخوف من الملك ما لا يطيق، وعزم على الهرب، فلقيه شخص فقال له أراك محزونًا.
فذكر له قصته وما أصابه من الضيق والخوف.
فعلمه هذه الأبيات الأربعة .
فكم للَّه من لطف خفي … يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عُسر … وفرج كربة القلب الشجي
وكم أمر تساء به صباحا … وتأتيك المسرة بالعشى
إذا ضاقت بك الأحوال يوما … فثق بالواحد الفرد العلى
توسل بالنبي وصاحبيه … فما خاب من توسل بالنبي
وقال: قلها وكررها، والفرج يأتيك من اللَّه تعالى ففعل ما أمره به.
فبينما هو كذلك إذا برسول الملك قد جاء وقال: إن سرية الملك قد حدث بها وجع وقال الحكماء تكسر جوهرة أربع فلق وتطرح في ماء وتشربه.
والملك يقول لك: انظر لنا صائغًا عارفًا يكسر الجوهرة التي عندك أربع فلق لا
تزيد ولا تنقص وأكد عليه في ذلك.
فقال: السمع والطاعة.
وانفرج عنه الكرب والغم، وذهب عنه الخوف والهم فحمد اللَّه وشكره على ما أولاه من النعم باللطف الخفي والكرم.
ثم حمل تلك الفلق الأربع إلى الملك.
فرأى الملك له صنيعًا في ذلك وإحسانًا، فأنعم عليه وأحسن إليه.
فعاد بالجائزة مسرورًا آمنًا ما كان محذورًا.
فسبحان اللطيف الرحمن الرحيم الذي يكشف الأحزان والثبور.
ويخلفها بالإحسان والسرور.
ما أقرب فرجه من المضطرين، ورحمته من المحسنين تبارك اللَّه رب العالمين.
وعن بعضهم قال: كنت بجبل النور بالمصيصة.
فدخل في رجلي عظم.
فاجتهدت في نفسي كل الجهد أن أخرجه، فلم أقدر على ذلك، وبقي في رجلي أيامًا كثيرة حتى ورمت وانتفخت واسودت، وصارت مثل الزِّقُّ .
فبقيت ملقى تحت شجرة، فغلبتني عيني.
فنمت فوجدت راحة، ففتحت عيني، فإذا بحية سوداء، قد وضعت فمها على الموضع الذي فيه العظم.
وجعلت تمُصُّه وترمي القيح والدم.
فغمضت عينى فلم تزل تمُص وترمي الدم حتى وصلت إلى العظم، فحركته وأخرجته.
ثم أحسست بشيء لين مسح على رجلي، فلا أدري ذلك لسانها أو ذَنَبُها.
فجلست، فإذا أنا بالدم والعظم مطروح، وأنا لا أدري أي الرجلين كانت تؤلمني.
والحمد للَّه على ذلك كثيرًا، فسبحان اللطيف الخبير الذي هو على كل شيء قدير.
وقال الشيخ أبو حمزة الخراساني رحمه اللَّه تعالى: حججت سنة من السنين.
فبينما أنا أمشي إذا وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث.
فقلت: لا واللَّه لا أستغيث، فما استتم هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعالى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيها أحد.
فأتوا بقصب وباريه ، وطمسوا رأس البئر.
فهممت أن أصيح، ثم قلت في نفسي: إلى من هو أقرب منهما، فسكت.
فبينما أن بعد ساعة إذا بشيء جاء وكشف عن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يقول تعلق في همهمة منه فتعلقت به، فأخرجني.
فإذا هو سبع عظيم، فمرَّ.
وهتف بي هاتف: يا أبا حمزة هذا أحسن، نجيناك من التلف بالتلف.
فمشيت وأنا أقول:
نهانى حيائي منك أن أكشف الهوى … وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف
تلطفت في أمري فأبديت شاهدي … إلى غايبى واللطف يدرك باللطف
تراءت لي بالغيب حتى كأنما … تبشرني بالغيب إنك بالكف
أراك وبي من هيبتي لك وحشة … فتؤنسني باللطف منك وباللطف
وتحيي محبًا أنت في الحب حتفه … وذا عجب كون الحياة مع الحتف
وقد أنكر بعض السلف رحمهم الله في هذه الحكاية ما فعله الشيخ أبو حمزة المذكور وقال: لا يجوز هذا الفعل.
وليس إنكاره بصحيح، لأن أبا حمزه المذكور صدر منه هذا، وقد منح يقينا كاملا وقلبًا شاهدا، وحالا غائبا.
فعليه حاجزان (. . .) إلى غير مولاه، أو يرى معه سواه كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه اللَّه تعالى: إنا لا نرى مع الحق من الخلق أحدًا، إن كان ولا بد فكالهباء في الهواء، يشتبه فلم نجده شيئًا.
وكيف ينكر مثل هذا الحكاية على من صار فانيا عما سوى الحق صاحب قلب مشاهد، لا يرى في الملك والملكوت إلا من هو أقرب إليه من نفسه، كاشف الضر الإله الواحد.
والعجب كل العجب أن هذا الذي أنكر له شاهد في الشرع الشريف.
وذلك ما جاء أن إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام لما ألقي
في النار عَرَض له جبريل ﷺ في الهواء بأمر اللَّه تعالى فقال له: ألك حاجة؟
فقال: أما إليك فلا.
فقال: سل ربك.
فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، وقال: «حسبي اللَّه ونعم الوكيل» .
فهل كان هذا من سيدنا إبراهيم ﷺ إلا كمال يقين، ومقام رفيع مكين صلى اللَّه على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
وعن بعض أهل العلم قال: كنت أقرأ عند أبي بكر بن مجاهد المقرئ رحمه اللَّه تعالى، فدخل عليه شيخ عليه ثياب رثة.
فسأله أبو بكر عن حال أولاده.
فقال: يا أبا بكر جاءتني البارحة ابنة ثالثة.
وطلب منى أهلي دانقا يشترون به سمنا وعسلا يحنكونها به، فلم أقدر عليه.
فبت مهموما مغمومًا محزونًا، فرأيت النبي ﷺ في المنام .
فقال: «يا فلان لا تغتم ولا تحزن، إذا كان غدا أُدخل على علي بن عيسى وزير الخليفة، فأقرأ عليه مني السلام وقل له بعلامة إنك صليت عليَّ عند قبري أربعة آلاف مرة، يدفع لك مائة دينار عينًا.
قال الداوودي: فقال أبو بكر: يا أبا عبد اللَّه في هذا فائدة، وقطع على القراءة، وأخذ بيد الشيخ ودخل على الوزير.
فرأى الوزير مع ابن مجاهد شيخا لم يعرفه.
فقال له: من أين هذا يا أبا بكر؟
فقال: يُدنيه الوزير منه ويسمع كلامه.
قال: فناداه وقال: ما خطبك أيها الشيخ؟
فقال: إن أبا بكر يعلم أن لي ابنتين وجاءتني البارحة ابنة ثالثة، فطلب منى أهلى دانقًا يشترون به سمنا وعسلا يحنكونها به، فلم أقدر عليه، فبت مهموما مغمومًا.
فرأيت النبي ﷺ في المنام وهو يقول لي كذا وكذا، وذكر ما تقدم.
قال: فاغرورقت عينا علي بن عيسى بالدموع وقال: صدق اللَّه ورسوله، وصدقت أنت يا رجل، هذا شيء ما كان علم به إلا اللَّه ورسوله يا غلام هات الكيس.
فأحضره بين يديه، فأخرج منه ثلاثمائة دينار.
وقال: هذه المائة التي قال لك عنها رسول اللَّه ﷺ.
وهذه مائة أخرى هدية، فخرج الرجل ومعه ثلاثمائة دينار، وقد زال عنه همه وغمه وحزنه.
وعن بعضهم قال: سافرت إلى العراق على قصد السياحة ورؤية المشايخ.
فرأيت مدينة، فمشيت نحوها، وقصدت مكانًا آوي إليه، فآويت إلى خربة طرف المدينة فيها أثمار دائرة.
فجلست قليلا، ثم نامت عيناى، فهتف بى هاتف في المنام.
وقال لي: قم إلى جانبك في الحائط خبيئة، فخذها فليس لها وارث، وهي ملكك.
فاستيقظت ونظرت إلى جانبي عصا، فحفرت بها في المكان قليلا، فوجدت خرقة ففتحتها، فوجدت فيها خمسمائة دينار فصررتها في طرف ثوبي.
وخرجت من ذلك المكان، ففكرت فيما أفعل فيها.
فقلت: أُنفق منها على الفقراء.
ثم قلت: اشترى بها حوانيت وأوقفها على الفقراء وخطر لي غير ذلك.
فنمت تلك الليلة، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فسلم علي وقال: يا فقير، إرادة وطلب زيادة من الدنيا، لا يكونان معًا.
ثم جمع السبابة والوسطى، ثم قال لي: امض بما معك إلى الشيخ أبي العباس من أهل الجزيرة الخضراء إلى بغداد في مسجد كذا وكذا وسلمها إليه.
[٢ / ٢٨٨]
قال: فانتبهت من منامي ووجدت وضوءا ثم صليت وخرجت من ساعتي إلى بغداد.
فوصلت إلى الشيخ في المكان الذي هو فيه فاجتمعت به وكتمتها وأخبرته بالقصة.
فقال: منذ كم قيل لك هذا؟
قال: منذ سبع ليال، وقال لي: إذا وصل إليك فقير ومعه رسالة فاقبلها منه وتصرف فيها.
ثم قال: يا بني إن لنا سبعة أيام لم يكن عندنا ما نقتات به، ولإنسان علينا دين قد ألح في طلبه، وقد سد اللَّه هذه الفاقة على يديك ثم قال لي: سألتك باللَّه أن تقيم عندنا، وإحدى بناتي هدية إليك.
فقلت يا شيخ وكيف لي بذلك، ولكني مشغول بما شغلني اللَّه به، وقد أخبرتك بما أخبرني النبي ﷺ، فقال لي: الضيافة ثلاثة أيام .
فقلت: نعم.
فأقمت عنده ثلاثة أيام لا يفارقني إلا في وقت يتصرف فيه، ثم ودعته وانصرفت رحمهما اللَّه تعالى.
وعن بعض الصالحين رحمه الله قال: بينما أنا أطوف بالكعبة إذا أنا بجارية على عنقها طفل، وهى تنادي: يا كريم عهدك القديم.
قال: فقلت لها: ما هذا العهد الذي بينك وبينه.
قالت: ركبت سفينة ومعنا قوم من التجار، فعصفت بنا ريح، فغرقت السفينة وجميع من فيها، ولم ينج منهم أحد غيري، وهذا الطفل في حجري على لوح ورجل أسود على لوح آخر.
فلما أضاء النهار، ونظر الأسود إلي وجعل يدفع الماء بيده حتى لصق بي
تعليقات