الأربعاء، 9 مارس 2022

ابن الفارض

 ديوان ابن الفارض - ابن الفارض المزيد...

 

الاعدادت

  

٢٢٧ /      

    

٣

مقدمة الشارح‏

١ بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏


و الصلاة و السلام على محمد بدر التمام و على آله خير الأنام و على أصحابه الكرام و رحمة اللََّه و بركاته.


-ابن الفارض-

هو عمر بن الحسين بن علي بن المرشد بن علي شرف الدين أبو حفص الحموي الأصل‏ (١) ولد بالقاهرة في الرابع من ذي القعدة سنة ٥٧٦ هـ-الموافق للعام ١١٨١ م قدم أبوه من حماة في بلاد الشام إلى مصر فأقام فيها، و كان يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام فلقب بالفارض‏ (٢) و هناك رزق بولده عمر لذلك سمي بابن الفارض. فهو بذلك شأمي الأصل حجازي الحنين، مصري المقام لذلك «فهو شاعر مصر و الشام و الحجاز و له في هذه الأقطار الثلاثة محبون يرونه مترجما لأدق ما يضمرون من نوازع القلب و الوجدان» (٣) .


كان ابن الفارض في شبابه مضرب الأمثال في وسامة الوجه و نضارة الجسم و حسن التقاسيم و إشراق الجبين و يقول ابن بنته علي في هذا الأمر «كان الشيخ، (٤) ، رضي اللََّه عنه، معتدل القامة، وجهه جميل حسن «مشرب» بحمرة ظاهرة. و إذا استمع و تواجد و غلب عليه الحال، يزداد وجهه جمالا و نورا، و يتحدر (٥)


العرق من سائر جسده حتى يسيل تحت قدميه على الأرض و لم أر في العرب و لا في


____________

(١) هدية العارفين اسماعيل باشا البغدادي-مكتبة المثنى-بغداد ص ٧٨٦

(٢) شرح ديوان ابن الفارض-الشيخ حسن البوريني-دار التراث-بيروت ص ٣

(٣) التصوف الإسلامي، د. زكي مبارك المكتبة العصرية صيدا-بيروت-ص ٢٤٦.

(٤) الشيخ: عمر ابن الفارض.

(٥) يتحدر: يتصبب.

٤

العجم مثل حسن شكله... و كان عليه نور و خفر (١) ، و جلالة و هيبة، و من فهم معاني كلامه، دلته معرفته على مقامه، و من اختصه اللََّه بمحبته و أنسه، يعرف المحب بين أهل المحبة من جنسه، و قد جعل اللََّه المحبين خزائن أسراره المصونة، و معادن قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ (٢) .


فشاعرنا و شيخنا يدين بالأصل إلى حماة في بلاد الشام و لهذا الأصل أهمية في طبائع الشاعر فأهل الشام لهم في الأدب صولات و جولات و طول باع. يشغلهم الجمال و يتفننون في إظهار روائع الحسن و صور الجمال و نزعتهم إلى الغزل لا مثيل لها بين شعراء العراق و مصر، و في ذلك يقول الثعالبي «أبو منصور عبد الملك» في يتيمة الدهر «السبب في تبريز القوم‏ (٣) قديما و حديثا على من سواهم في الشعر:


قربهم من خطط العرب و لا سيما أهل الحجاز و بعدهم عن بلاد العجم، و سلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق لمجاورة الفرس و النبط... و ما منهم إلا أديب جواد، يحب الشعر و ينتقده، و يثيب على الجيد فيجزل و يفصل. انبعثت قرائحهم في الإجادة، فقادوا محاسن الكلام بألين زمام، و أحسنوا و أبدعوا ما شاءوا» (٤) .


و كان أبو بكر الخوارزمي يقول: «ما فتق قلبي، و شحذ فهمي، و صقل ذهني، و أرهف حدّ لساني، و بلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، و اللطائف الحلبية التي علقت بحفظي، و امتزجت بأجزاء نفسي، و غصن الشباب رطيب، و رداء الحداثة قشيب» (٥) .


و أما حنينه إلى الحجاز فيعود لوجود المقامات و الحضرات


____________

(١) الخفر: الحياء و البهجة.

(٢) سورة المائدة الآية ٥٧.

(٣) القوم: شعراء الشام.

(٤) يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. ابو منصور الثعالبي-دار الكتب العلمية ص ٣٤ الجزء الأول.

(٥) المصدر نفسه ص ٣٥-٣٦.

٥

المحمدية في تلك الربوع و كيف لا يصبو إليها و قد تعلقت نفسه بهذه المقامات حتى كاد لسانه لا يتلفظ إلاّ بها.


و قد كان يشتاق دائما للوصول إلى مكة و شعابها. و إلى الحجاز و رحابها لكن اللََّه لم يفتح عليه إلا بعد وفاة والده في مصر. و حصل ذلك عند دخوله المدرسة السيوفية بالقاهرة. إذ وجد شيخا بقالا على باب المدرسة، يتوضأ بوضوء غير مرتب. فقال له: يا شيخ أنت في هذا السن، على باب المدرسة بين فقهاء المسلمين و تتوضأ وضوءا خارجا عن الترتيب الشرعي؟. فنظر إليه و قال: يا عمر (١) ، أنت ما يفتح عليك في مصر، إنّما يفتح عليك بالحجاز، في مكة، شرفها اللََّه تعالى، فاقصدها، فقد آن لك وقت الفتح. فعلم أن الرجل من أولياء اللََّه، و أنه يتستر بالمعيشة و إظهار الجهل بلا ترتيب الوضوء. فجلس بين يديه و قال له: يا سيدي و أين أنا و أين مكة؟لا أجد ركبا و لا رفقة في غير أشهر الحج فنظر الشيخ إليه و أشار بيده و قال: هذه مكة أمامك. يقول ابن الفارض: فنظرت معه فرأيت مكة شرفها اللََّه فتركته و طلبتها فلم تبرح أمامي إلى أن دخلتها في ذلك الوقت، و جاءني الفتح حين دخلتها فترادف‏ (٢)


و لم ينقطع و إلى ذلك يشير في شعره:


يا سميري روّح بمكة روحي # شاديا إن رغبت في إسعادي


كان فيها أنسي و معراج قدسي # و مقامي المقام، و الفتح بادي‏


ثم يتابع الشيخ عمر ابن الفارض فيقول:


ثم شرعت في السياحة في أودية مكة و جبالها و كنت أستأنس فيها بالوحوش ليلا و نهارا و إلى ذلك يقول في تائيته:


فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا (٣) # و بالوحش أنسي إذ من الأنس وحشتي‏


____________

(١) عمر: الاسم الأول لشيخنا ابن الفارض.

(٢) ترادف: جاء تكرارا.

(٣) الفلا: الفلاة اي الأرض الواسعة يشير بها إلى بلاد الحجاز.

٦

ثم يقول: و أقمت بواد كان بينه و بين مكة عشرة أيام للراكب المجد، و كنت آتي منه كل يوم و ليلة، و أصلي في الحرم الشريف الصلوات الخمس، و معي سبع عظيم الخلقة يتبعني في ذهابي و إيابي، و ينخ لي كما ينخ الجمل، و يقول: يا سيدي اركب فما ركبته قط (١) .


قضى شيخنا ابن الفارض في مكة و شعابها خمس عشرة سنة، سمع بعدها الشيخ البقال الذي لقيه على باب المدرسة السيوفية سمعه يقول: يا عمر تعالى إلى القاهرة احضر وفاتي و صلّ علي، فأتيته مسرعا، و الحديث ما زال لابن الفارض فوجدته قد احتضر فسلمت عليه، و سلم عليّ. و ناولني دنانير ذهب، و قال: «جهزني بهذه، و افعل كذا و كذا، و أعط حملة نعشي الى القرافة (٢) » . كل واحد منهم دينارا و اطرحني على الأرض في هذه البقعة، و أشار بيده إليها، فلم تبرح أمامي أنظر إليها و هي بالقرافة تحت الجبل المعروف بالعارض بالقرب من مراكع موسى بسفح الجبل المقطم عند مجرى السيل، تحت المسجد المبارك المعروف بالعارض قال: و انتظر قدوم رجل يهبط عليك من الجبل، فصلّ أنت و هو عليّ، و انتظر ما يفعل اللّه في أمري.


قال: أي الشيخ عمر... فهبط إليّ رجل من الجبل كما يهبط الطائر المسرع، و لم أره يمشي على رجليه، فعرفته بشخصه، كنت أراه يصفع قفاه في الأسواق، فقال يا عمر:


تقدم فصلّ بنا على الشيخ، فتقدمت و صليت إماما و رأيت طيورا بيضا و خضرا، صفوفا بين السماء و الأرض، يصلون معنا، و رأيت طائرا منهم أخضر عظيما قد هبط عند رجليه، و ابتلعه، و ارتفع إليهم، و طاروا جميعا و لهم زجل‏ (٣) فسألته عن ذلك فقال:


«يا عمر، أما سمعت أن أرواح الشهداء في أجواف طيور بيض تسرح في الجنة حيث شاءت، هم شهداء السيوف، أما شهداء المحبة فأجسادهم و أرواحهم في أجواف طيور خضر و هذا الشيخ منهم يا عمر» فأوصى ابن الفارض سبطه أن يدفنه في تلك البقعة المباركة و ضريحه معروف فيها.


____________

(١) شرح ديوان ابن الفارض. الشيخ حسن البوريني-دار التراث بيروت-ص ٦.

(٢) القرافة: تربة معروفة بمصر.

(٣) الزجل: الصوت الحسن، و التطريب و رفع الصوت، لسان العرب، ابن منظور.

٧

أما إقامته في مصر، فقد كانت بحكم إقامة والده، حيث كان في أول صباه يستأذن والده، و يطلع الى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطم و يأوي إليه، و يقيم في هذه السياحة ليلا و نهارا، ثم يعود إلى والده كي لا يخالف أوامره، فكان والده يجبره على الجلوس في مجالس أهل العلم يتزود منهم بلطائف المعارف و حقائق العلوم، و كانت نفسه رحمه اللََّه تشتاق دوما إلى العالم العلوي، و الحضرات و الأسماء الربانية، فنشأ متصوفا زاهدا عابدا، و قد ظهرت نزعة الصوفية في شعره و لو لا التصوف و المعاني الصوفية في شعره لما حفل بهذه القيمة العظيمة فلو جردنا شعره من المعنى الصوفي لأصبح من جملة الشعراء المغمورين حيث ينازعه في شعره في الخمريات منازع خطير هو أبو نواس، و له في الحنين إلى الحجاز إمام لا نظير له و لا مثيل: هو الشريف الرضي، و له في الصبابة سيد هو العباس بن الأحنف، و ما يكاد شعر ابن الفارض يخرج عن الصبابة و الحنين و الخمريات‏ (١) .


شغل ابن الفارض بالشعر نحو أربعين سنة. و ذلك أمد طويل، و لكن شعره بقيمة معانيه و ليس بقيمة ألفاظه فهو من حيث الديباجة و السبك شاعر ضعيف، و لكنه من حيث المعاني فحل من الفحول، لأنه استطاع الجمع بين الحقيقة و الخيال، فالحقيقة عند هذا الشاعر، هي الصورة الروحية و أما الخيال فهو الصورة الحسية التي رمز بها إلى المعنويات‏ (٢) .


و لا شك أن ابن الفارض كان يعيش حالات الوجد و الفناء باللّه كما عاشها كبار مشايخ الصوفية كابن عربي و الحلاج و غيرهم. فقد كانوا يعيشون في غيبوبة تطول لأيام.


حتى أثناء صحوه كان ابن الفارض أحيانا كثيرة لا يسمع كلام محدثه و لا يراه و قد أرقته كثيرا قصيدته التائية و في هذا المجال يقول ولده محمد: سمعت الشيخ‏ (٣) رضي اللّه عنه يقول: «رأيت رسول اللّه في المنام و قال لي: يا عمر ما سميت قصيدتك؟


____________

(١) التصوف الاسلامي في الأدب و الأخلاق. د. زكي مبارك. المكتبة العصرية-بيروت-ص ٢٤٦.

(٢) المصدر نفسه ص ٢٤٧.

(٣) الشيخ: المقصود ابن الفارض.

٨

فقلت: يا رسول اللّه، سميتها: لوائح الجنان و روائح الجنان فقال: لا. بل سمها: نظم السلوك، فسميتها بذلك.


و يضيف الشيخ محمد ابن الشيخ عمر ابن الفارض قائلا: كان الشيخ في غالب أوقاته لا يزال دهشا، و بصره شاخصا. لا يسمع من يكلمه و لا يراه، فتارة يكون واقفا، و تارة يكون قاعدا، و تارة يكون مضطجعا إلى جنبه، و تارة يكون مستلقيا على ظهره.


مسجى كالميت. و يمر عليه عشرة أيام متواصلة، و اقل من ذلك و أكثر، و هو على هذه الحالة لا يأكل و لا يشرب، و لا يتكلم و لا يتحرك، ثم يستفيق و ينبعث من هذه الغيبة، و يكون أول كلامه انه يملي من القصيدة (نظم السلوك) ما فتح اللََّه عليه منها.


و من الشطحات الصوفية المعروفة عن ابن الفارض انه كان جالسا على باب الجامع الأزهر أمام قاعة الخطابة بين جماعة من الفقراء و الأمراء و جماعة من المشايخ الأعاجم المجاورين في الجامع فكانوا كلما ذكروا حالا من أحوال الدنيا كالفرشخانة (١) و الطشتخانة (٢) كانوا يقولون هذا من زخم العجم و إذا المؤذنون يرفعون أصواتهم بالأذان دفعة واحدة فقال الشيخ: و هذا زخم العرب. و تواجد و صرخ كل من كان حاضرا حتى صار لهم ضجة عظيمة. و من شطحاته أيضا انه كان ماشيا في السوق بالقاهرة فرأى جماعة من الحرسية يضربون بالناقوس و يغنون بهذين البيتين:


مولاي سهرنا نبتغي منك وصال # مولاي لم تسمح فنمنا بخيال


مولاي فلم يطرق فلا شك بأن # ما نحن إذا عندك مولاي ببال‏


فلما سمعهم الشيخ ابن الفارض، صرخ صرخة عظيمة و رقص رقصا كثيرا في وسط السوق، و رقص جماعة كثيرة من المارين في الطريق، حتى صارت جولة و إسماع عظيم. و تواجد الناس إلى ان سقط أكثرهم الى الأرض و الحراس يكررون ذلك و خلع الشيخ كل ما كان عليه من الثياب. و رمى بها إليهم، و خلع الناس معه ثيابهم، و حمل


____________

(١) الفرشخانة: فرش البيت و أثاثه. خانه بالفارسية معناها بيت.

(٢) الطشتخانة: وعاء البيت الذي يستعمل في غسل الأيدي و الملابس و خلافه.

٩

بين الناس إلى الجامع الأزهر، و هو عريان مكشوف الرأس، و في واسطه لباسه، و أقام في هذه السكرة أياما، ملقى على ظهره، مسجى كالميت، فلما أفاق، جاء الحراس إليه و معهم ثيابه، فوضعوها بين يديه فلم يأخذها، و بذل الناس لهم فيها ثمنا كبيرا. فمنهم من باع، و منهم من امتنع عن بيع نصيبه، و خلاه عنده تبركا به‏ (١) .


و روي عنه أيضا انه كان ماشيا في الشارع الأعظم، و إذا بنائحة تنوح، و تندب على ميتة في طبقة و النساء يجاوبنها و هي تقول:


ستي متي متي حقا # أي و اللََّه، حقا حقا


فلما سمعها ابن الفارض، صرخ صرخة عظيمة، و خرّ مغشيا عليه، فلما أفاق صار يقول و يردد:


نفسي متي متي حقا # أي و اللّه حقا حقا


و في أخباره أيضا أنه كان يقيم في شهر رمضان بالحرم لا يخرج إلى السياحة، و يطوي و يحيي ليله و في ذلك يقول:


في هواكم رمضان عمره # ينقضي ما بين أحياء وطي‏


فشد وسط ولده محمد و كذلك فعل المجاورون بالحرم المكي، و هم في طلب ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك. فخرج الولد ليلا من الحرم لقضاء حاجة فرأى البيت و الحرم و دور مكة و جبالها ساجدين لله تعالى، و رأى أنوارا عظيمة بين السماء و الأرض، فجاء مهرولا إلى والده يخبره بذلك. فصرخ أبوه و قال للمجاورين الواقفين في طلب تلك الليلة: هذا ولدي قد رأى ليلة القدر. فصرخ الناس معه إلى أن علا ضجيجهم بالبكاء و الدعاء و الصلاة و الطواف الى الصباح و خرج ابن الفارض هائما في أودية مكة، و لم يدخل الحرم الى يوم العيد في تلك السنة (٢) .


و ما دمنا نعالج شطحات و صوفية ابن الفارض التي ظهرت في شعره و لا سيما


____________

(١) البحر الفائض في شرح شعر ابن الفارض. شرح حسن البوريني.

(٢) المصدر نفسه.

١٠

في قصائد الديوان فلا بد لنا من تسجيل بعض الأمور التي امتاز بها شعره خصوصا انه ذاع و انتشر على ألسنة الناس.


أ-ابن الفارض شاعر عاشق توزعت عواطفه بين عالمي المادة و الروح، و هو في أكثر أشعاره يعبر عن نفس أبية شريفة كان لها تأثير في نفوس الناس إلى زمن غير قليل.


ب-شعر ابن الفارض مزيج من الفطرة و التكلف، فهو شاعر بالأصل و لكنه حاول أن يجاري شعراء العصر في نماذج شعرهم فوقع في بعض التكلف أحيانا، و الصناعة أحيانا أخرى، و خصوصا في استعماله لفنون البديع من جناس و طباق و تورية.


و يكفي من تكلفه قصيدته الذالية فالمعروف ان الشعراء يبتعدون عن هذه القافية لصعوبتها و ندرة ألفاظها فكيف بنا إذا عرفنا أنه نظم فيها ما يزيد على الخمسين بيتا فاختياره لهذه القافية و إن دل على طول باع في ميادين العلم و الشعر إلا أن ذلك يشغله عن المعاني إلى البحث عن الكلمات و هنا لا بد من الإشارة إلى مطلع القصيدة:


صدّ حمى ظمأي لماك لما ذا # و هواك قلبي صار منه جذاذا


.


ج-اعتماده طريقة الألغاز مجاراة لأبناء عصره. لذلك وقع أيضا بالتكلف و جاءت اشعاره في الألغاز بعيدة عن مضامين شعره، في الوجد و التصوف.


د-اكثر ابن الفارض من استعمال التصغير في شعره و لا تكاد تخلو قصيدة واحدة من هذا الباب و ألفاظه في التصغير كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أهيل تصغير أهل. اميلح تصغير أملح. أحيلى تصغير أحلى. فتيّ تصغير فتى. ظبيّ تصغير ظبي.


هـ-تتعدد أسماء الحبيبة في شعره و إن كان المقصود فيها محبوبة واحدة هي الحضرة المحمدية فكان يكنيها بأسماء متعددة منها: نعم و اسماء و أمية مرخمة بأمي و رقية مرخمة برقي. و ليلى و جمل و ريا و عتبة و غيرها. ـ


١١

و-يكثر ابن الفارض في شعره من أوصاف الضعف و الضنى و النحول حتى أصبح هذا الأمر ميزة له تميزه عن غيره و صفة تغلب على شعره.


خفيت ضنى حتى خفيت عن الضنى # و عن برء أسقامي و يرد أوامي


و لم يبق منى الحب غير كآبة # و حزن و تبريح و فرط سقام‏


ز-يكثر ابن الفارض في شعره من ذكر طيف المحبوب و الخيال و ما مرد ذلك إلا إلى حالات الوجد التي كانت تصيبه فهو يستعذب ذلك الطيف لأنه خيال المحبوب الحقيقي. و صوره الشعرية في هذا الباب تمتاز بالألق النفساني و القلق الروحاني.


لم أخل من حسد عليك فلا تضع # سهري بتشنيع الخيال المرجف


و اسأل نجوم الليل هل زار الكرى # جفني، و كيف يزور من لم يعرف‏


و له في هذا المعنى أيضا:


يدني الحبيب و ان تناءت داره # طيف الملام لطرف سمعي الساهر


فكأن عذلك عيس من أحببته # قدمت عليّ و كان سمعي ناظري‏


ح-يكثر في شعر ابن الفارض تعداد اسماء الخمرة و أوصافها، و ما ذلك إلا تعبير عن حالات الغيبوبة و الفناء في اللََّه.


يقولون لي صفها فأنت بوصفها # خبير أجل عندي بأوصافها علم


صفاء و لا ماء، و لطف و لا هوى # و نور و لا نار، و روح و لا جسم‏


ي-تتعدد في شعره ألفاظ الحب، و تختلف أسماؤه حتى زادت على الخمسين و نذكر من الألفاظ التي دلت على الحب: المحبة و العلاقة و الهوى، و الصبوة و الصبابة و الشغف، و الوجد، و الكلف، و التتيم، و العشق، و الجوى، و الوله، و الدنف، و الشجو، و الشوق و التباريح، و الوهن، و الشجن، و الاكتئاب، و الوصب و الحزن و الكمد و اللوعة و الفتون و الجنون و الخبل، و الداء المخامر، و الغرام، و الهيام، و التعبد و غيرها (١) .


____________

(١) روضة المحبين و نزهة المشتاقين: ابن قيم الجوزية، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر بيروت ص ٢٥.

١٢

ك-أكثر أشعاره كانت في الحجاز و الحنين إليها، أما مصر فكانت لا تمر في شعره إلا لماما، و لعل أبرز موضع يذكر فيه مصر أثناء مناجاته لأهل نجد قائلا:


مذ غبتم عن ناظري لي أنة # ملأت نواحي أرض مصر نواحا


عدا عن الأبيات التي يذكر فيها جبل الطور في سيناء حيث كلم موسى ربه و هي كثيرة.


نشير أخيرا إلى مكانة الشيخ عمر ابن الفارض الأدبية و الفنية فهو بالرغم من اعتبار مؤرخي الأدب أنه ليس من فحول الشعراء، فقد ذاع صيته و انتشرت اشعاره على ألسنة الناس، بل أحيا كثير من مشايخ الصوفية حلقات الذكر على اسمه فكان الناس يجتمعون في بيت الصواف، في حي الحسين بمصر ليسمعوا مشايخ الذكر و هم يتغنون بأشعاره و لا سيما الشيخ الحويحي حيث ينشد من شعره:


ما بين معترك الأحداق و المهج # أنا القتيل بلا إثم و لا حرج..


عذب بما شئت غير البعد عنك تجد # أوفى محب بما يرضيك مبتهج


و خذ بقية ما أبقيت من رمق # لا خير في الحب أن أبقى على المهج‏


و مما يذكر عنه أيضا أن السلطان محمد الكامل كان يحب أهل العلم، و يحاضرهم في مجلس مختص بهم و كان يميل إلى فن الأدب فتذاكروا يوما في أصعب القوافي، فقال السلطان: من أصعبها الياء الساكنة، فمن كان منكم يحفظ شيئا منها فليذكره فتذاكروا في ذلك فلم يتجاوز أحد منهم عشرة أبيات. فقال السلطان أنا أحفظ منها خمسين بيتا قصيدة واحدة، و ذكرها. فاستحسن الجماعة ذلك منه فقال القاضي شرف الدين كاتب سر السلطان أنا أحفظ منها مائة و خمسين بيتا قصيدة واحدة، فقال السلطان: يا شرف الدين جمعت في خزائني دواوين الشعراء في الجاهلية و الإسلام و أنا أحب هذه القافية، فلم أجد فيها أكثر من الذي ذكرته لكم فأنشدني هذه الأبيات فأنشده القاضي شرف الدين قصيدة ابن الفارض اليائية، و التي مطلعها:


سائق الأظعان يطوي البيد طي # منعما عرج على كثبان طي‏


فقال يا شرف الدين لمن هذه القصيدة فلم اسمع بمثلها. و هذا نفس محب فقال‏


١٣

هذه من نظم الشيخ شرف الدين عمر ابن الفارض قال: و في أي مكان مقامه؟قال: كان مجاورا بالحجاز، و في هذا الزمان حضر إلى القاهرة، و هو مقيم بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر. فقال السلطان: يا شرف الدين خذ منا ألف دينار و توجه بها إليه و قل له عنا ولدك محمد يسلم عليك، و يسألك أن تقبل منه هذه برسم الفقراء الواردين عليك، فإذا قبلها اسأله الحضور لدينا لنأخذ حظنا من بركته. فقال: مولانا السلطان يعفيني من ذلك فإنه لا يأخذ الذهب و لا يحضر، و لا أقدر بعد ذلك أن أدخل عليه حياء منه، فقال السلطان لا بدّ من ذلك. فأخذها القاضي شرف الدين و قصد مكان ابن الفارض، فوجده واقفا على الباب ينتظره، فابتدأه بالكلام، و قال: يا شرف الدين ما لك و لذكري في مجلس السلطان؟!.. رد الذهب إليه و لا ترجع تجيئني إلى سنة فرجع، و قال للسلطان: وددت ان أفارق الدنيا و لا أفارق رؤية الشيخ سنة فقال السلطان: مثل هذا الشيخ يكون في زماني و لا أزوره!لا بدّ لي من زيارته و رؤيته. فنزل السلطان في الليل إلى المدينة متخفيا مع عدد من كبار حاشيته و دخل الجامع بعد صلاة العشاء، فلما أحس ابن الفارض بهم خرج من باب آخر بظاهر الجامع. و سافر إلى الاسكندرية، و أقام فيها مدة. فغضب السلطان منه ورد طلبه بعد مدة ببناء ضريح عند قبر امه بتربة الامام الشافعي ثم استأذنه ان يبني مزارا لنفسه فلم يأذن له‏ (١) .


و كأني بالشيخ قد استلهم قول القائل: «إذا رأيت العلماء على باب الزعماء فبئس العلماء و بئس الزعماء و إذا رأيت الزعماء على باب العلماء فنعم العلماء و نعم الزعماء» .


و عن منزلته في عصره يقول حفيده ابن بنته، الشيخ علي رحمهما اللََّه:


كان إذا مشى في المدينة، تزدحم الناس عليه يلتمسون منه البركة و الدعاء، و يقصدون تقبيل يده فلا يمكن أحدا من ذلك، بل يصافحه. و كانت ثيابه حسنة، و رائحته طيبة، و كان إذا حضر في مجلس، يظهر على ذلك المجلس سكون و هيبة.


و سكينة و وقار. و رأيت جماعة من مشايخ الفقهاء و الفقراء، و أكابر الدولة من الأمراء


____________

(١) شرح ديوان ابن الفارض، الشيخ حسن البوريني.

١٤

و الوزراء، و القضاة و رؤساء الناس يحضرون مجلسه، و هم في غاية ما يكون من الأدب معه، و الاتضاع‏ (١) له، و إذا خاطبوه فكأنما يخاطبون ملكا عظيما، و كان ينفق على من يرد عليه نفقة متسعة، و يعطي من يده عطاء جزيلا، و لم يكن يتسبب في تحصيل شي‏ء من الدنيا، و لا يقبل من أحد شيئا.


أما قصة وفاته، فقد ذكرها سبطه الشيخ علي على النحو التالي قال:


إن الشيخ كان يتردد الى المسجد المعروف بالمشتهى في أيام النيل، و يحب مشاهدة البحر و قال من الأبيات فيه:


وطني مصر و فيها وطري # و لعييّ مشتهاها مشتهاها


فتوجه إليه أي إلى المشتهى يوما فسمع قصارا (٢) يقصر و يضرب مقطعا على حجر و يقول:


قطع قلبي هذا المقطع، ما قال أي ما كان يصفو أو يتقطع.


فما زال الشيخ يصرخ و يكرر هذا السجع، ساعة بعد ساعة، و يضطرب اضطرابا شديدا، و ينقلب إلى الأرض ثم يسكن اضطرابه، حتى يظهر أنه مات، ثم يستفيق و يتكلم معنا بكلام صوفي ما سمعنا مثله قط، و لا نحسن أن نعبر عنه، ثم يضطرب على كلامه و يعود إلى حال وجده، و دخل إلينا رجل من أصحابه فلما رآه و شاهد حاله قال:


أموت إذا ذكرتك ثم أحيا # فكم أحيا عليك و كم أموت‏


فوثب الشيخ قائما و اعتنقه، و قال له: أعد ما قلت، فسكت الرجل شفقة منه عليه، و سأله أن يرفق بنفسه، و ذكر له شيئا من حاله عند غلبة الوجد عليه فقال:


إن ختم اللََّه بغفرانه # فكل ما لاقيته سهل‏


____________

(١) الاتضاع: التواضع.

(٢) القصار: الذي يصنع الحجارة للبيوت و غيرها.

١٥

و لم يزل على هذه الحال من حين سمع كلام القصار إلى أن توفي رحمة اللََّه عليه.


و كانت وفاة سلطان العاشقين شرف الدين عمر ابن الفارض في العام الثاني و الثلاثين بعد المائة السادسة للهجرة (٦٣٢ هـ) الموافق لعام ١٢٣٤ للميلاد و دفن في سفح جبل المقطم في مكان يدعى اليوم قرافة ابن الفارض و هو نفس المكان الذي سجي به الشيخ البقال. و ما زال قبره حتى الساعة مزارا يزدحم بأفواج المؤمنين. نفعنا اللََّه و إياهم من بركاته.


ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا فإنك أنت من وراء القصد بك نستعين و إليك العودة و المآل و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.


مهدي محمد ناصر الدين ماجستير في اللغة العربية و آدابها


١٦

-


١٧

تنبيه إلى القارئ الكريم.

اعتمدنا في شرحنا لديوان ابن الفارض تقسيم القصائد حسب قوافيها و رتبناها بالتسلسل على حروف الهجاء من الألف إلى الياء، و أفردنا قسما في نهاية القصائد لباب الألغاز دون أن تدخل ضمن القصائد الصوفية.


أما شرح الأبيات فكان يمر بمرحلتين الأولى شرح الكلمات لغويا و حل إشكالها، و إذا أشكل المعنى كنا نعمد إلى شرح البيت بكامله شرحا لغويا.


ثم وضعنا في آخر الشرح الرمز (م. ص. ) أي المعنى الصوفي للبيت و ذلك ليسهل على القارئ الكريم كنه و معرفة القصائد من حيث معانيها اللغوية و الصوفية.


و اللََّه الموفق و به نستعين ٢


١٨

-


١٩

قافية الهمزة

يا راكب الوجناء

[البحر الكامل‏]


أرج النّسيم سرى من الزّوراء، # سحرا، فأحيا ميّت الأحياء (١)


أهدى لنا أرواح نجد عرفه، # فالجوّ منه معنبر الأرجاء (٢)


و روى أحاديث الأحبّة، مسندا، # عن إذخر بأذاخر، و سحاء (٣)


____________

(١) الأرج: الرائحة الطيبة-سرى: أتى ليلا. الزوراء: موقع قرب مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة المنورة-أوائل الصباح.

المعنى الصوفي (م. ص) ان ارج النسيم و هو انتشار ما تحمله الروح من توجه أمر اللّه تعالى في المعارف الربانية.


و الزوراء هي الحضرة في المسجد الحرام و السحر هو بدايات الهدى للسائرين في طريق اللّه. و المقصود ان الرائحة الطيبة احيت من مات بعد ظهور الحياة الربانية.


(٢) الأرواح: مفردها الريح و تجمع على أرياح و رياح أيضا-العرف الرائحة الزكية. المعنبر الذي تفوح منه رائحة العنبر. الارجاء: النواحي.

م. ص: ان الجو الروحاني المنبعث من روح اللّه، اوحى بالاسرار الإلهية في نواحي قلوب المؤمنين.


(٣) روى: نقل الحديث عن السند-الإذخر: من النباتات الزكية الرائحة. الأذاخر: مكان قرب مكة. السحاء: مكان تؤمه جماعات النحل عسله غاية في الطيب.

م. ص: الاحبة: الأسماء الإلهية. و الإذخر: الأوصاف الجمالية، السحاء: المعرفة المكتسبة من العلم الإلهي.


٢٠

فسكرت من ريّا حواشي برده # و سرت حميّا البرء في أدوائي‏ (١)


يا راكب الوجناء، بلّغت المنى # عج بالحمى، إن جزت بالجرعاء (٢)


متيمّما تلعات وادي ضارج، # متيامنا عن قاعة الوعساء (٣)


و إذا أتيت أثيل سلع، فالنّقا # فالرّقمتين، فلعلع، فشظاء (٤)


و كذا عن العلمين من شرقيّة، # مل، عادلا، للحلّة الفيحاء (٥)


____________

(١) الريا: الريح الطيبة. الحواشي: مفردها الحاشية و هي طرف الشي‏ء. البرد: نوع من الثياب منها المخطط-الحميا: دوار الرأس من السكر-البرء: الشفاء. الأدواء واحدها الداء و هو المرض. تكثر المحسنات اللفظية في هذا البيت من استعارات و طباق و جناس حيث استعار للنسيم ثوبا و جانس بين البرد و البرء و سكرت و سرت و طابق بين الريا و الحميا و الداء و البرء.

(٢) الوجناء: الناقة الشديدة. عج من عاج أي مال و هنا أمل رأس بعيرك جزت: مررت- الجرعاء: الأرض الكثيرة الحصى.

المعنى الصوفي: الوجناء كناية عن النفس المطمئنة القوية بإيمانها و الحمى هي الحضرة الإلهية و الجرعاء مقام المجاهدات الإنسانيّة و النفسانية و الصعوبات في سبيل اللّه تعالى.


(٣) المتيمم: القاصد-التلعات: مفردها التلعة و هي الأرض المنخفضة. ضارج: واد بالحجاز. المتيامن: قاصد الجهة اليمنى، القاعة: الأرض السهلة المطمئنة.

الوعساء: اسم مكان.


المعنى الصوفي: أراد بالتلعات: الاطمئنان الذي يلقاه من يسلك طريق اللّه. و أراد بضارج القلب الإنساني وجهة اليمين موضع النفس باعتقاد أهل التصوف. و الوعاء:


النفس الحيوانية التي تعتبرها صبوات الجسد.


(٤) الأثيل: تصغير للأثل و هو شجر معروف. سلع و النقا: موضعان بالمدينة. الرقمتان:

واحدها الرقمة و هي مجتمع ماء الوادي عند سفحه. لعلع: ماء بالبادية. شظا: اسم جبل.


م. ص. سلع من المقامات النبوية و النقا: مقام محمدي تنكشف فيه الأمور لصاحبها و الرقمة مقام محمدي متصل بمكان آخر تظهر فيه الأمور واضحة كالتوشية في الثوب و لعلع: مكان الصفاء. و شظا مكان الارتقاء.


(٥) العلمان: جبلان بين عرفة و المزدلفة. من شرقية: من شرقي جبل شظا، الحلة:

مكان حلول المؤمنين-الفيحاء: الواسعة.


يقصد بالعلمين المأزمين بين المزدلفة و عرفة و يقول انهما مع ساكنيهما من صنف واحد ليس فيهم من أصحاب الشر. أقيمت فيهما منازل الكاملين و هي واسعة فيحاء تتجلى فيها صور الملك و الجبروت.


٢١

و اقر السلام عريب ذيّاك اللّوى # من مغرم، دنف، كئيب، نائي‏ (١)


صبّ، متى قفل الحجيج تصاعدت # زفراته بتنفّس الصّعداء (٢)


كلم السهّاد جفونه، فتبادرت # عبراته، ممزوجة بدماء (٣)


يا ساكني البطحاء، هل من عودة # أحيا بها، يا ساكني البطحاء؟ (٤)


إن ينقضي صبري، فليس بمنقض # وجدي القديم بكم، و لا برحائي‏ (٥)


و لئن جفا الوسميّ ماحل تربكم # فمدامعي تربي على الأنواء (٦)


وا حسرتا، ضاع الزّمان و لم أفز # منكم، أهيل مودّتي، بلقاء (٧)


و متى يؤمّل راحة من عمره # يومان: يوم قلى، و يوم تنائي‏ (٨)


____________

(١) اللوى: ما استرق من الرمل-المدنف: العاشق الذي اصابه المرض من شدة العشق.

النائي: البعيد.


م. ص: ساكنو اللوى هم أهل المعارف و الحقائق و اللوى هو المقام النبوي و المغرم هو المتيم بحب اللّه.


(٢) الصب: الشديد العشق. قفل الحجيج: عادوا بعد أداء الفريضة. الصعداء: النفس الطويل الذي يأتي من الاعماق.

م. ص. ان انفاس المؤمنين تصاعدت إلى الجهة العلوية دون حدود تقف دونها لأن أبواب السماء تكون مفتوحة لها.


(٣) الكلم: الجراح-السهاد: عدم النوم-العبرات: مفردها العبرة و هي الدمعة.

م. ص: أن نزول الدمع اتى من جراء الحزن لمفارقة الحضرة الإلهية و التجليات الربانية.


(٤) البطحاء: أرض واسعة تجتمع فيها الحصى.

م. ص: ساكنو البطحاء الأولياء و العارفون. و العودة هي الرجعة إلى ذلك المكان.


(٥) لم يجزم ابن الفارض فعل ينقضي بحذف الياء من آخره بعد اداة الشرط «إن» قياسا على ما ورد في الآية الكريمة: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ إلخ. الوجد: شدة العشق- البرحاء: الأمراض و الآلام.

(٦) الوسمي: أول مطر الربيع. تربي: تزيد: الأنواء: واحدها النوء و هو المطر.

الماحل: الذي انقطع عنه المطر.


(٧) اهيل: تصغير لكلمة أهل.

(٨) القلى: البغض و الكراهية. التنائي: البعاد و الفراق. و قوله متى يؤمل: استفهام انكاري معناه لا يؤمل.

٢٢

و حياتكم، يا أهل مكّة، و هي لي # قسم، لقد كلفت بكم أحشائي‏ (١)


حبيّكم، في الناس، أضحى مذهبي # و هواكم ديني و عقد ولائي‏ (٢)


يا لائمي في حبّ من من أجله # قد جدّ بي وجدي، و عزّ عزائي


هلاّ نهاك نهاك عن لوم امرئ # لم يلف غير منعّم بشقاء (٣)


لو تدر فيم عذلتني لعذرتني، # خفض عليك، و خلّني و بلائي‏ (٤)


فلنازلي سرح المربّع، فالشّبيكة # ، فالثّنيّة من شعاب كداء (٥)


و لحاضري البيت الحرام، و عامري # تلك الخيام، و زائري الحثماء (٦)


و لفتية الحرم المريع، و جيرة # الحيّ المنيع، تلفّتي و عنائي‏ (٧)


فهم هم صدّوا، دنوا، و صلوا، جفوا # غدروا، وفوا، هجروا، رثوا لضنائي‏ (٨)


و هم عياذي، حيث لم تغن الرّقى # و هم ملاذي، إن غدت أعدائي‏ (٩)


____________

(١) الواو واو القسم فهو يقسم بحياة أهل مكة بأن أحشاءه تحبهم و يضيف في البيت الثاني أن حبهم أضحى مذهبه المشهور و دينه المبرور حبهم و هواهم و ودهم و ولاهم. و حبه لأهل مكة كناية عن حبه للََّه الحق المتجلي بهم.

(٢) الوجد: الحزن و الحب. العزاء: الصبر.

(٣) نهاك: مفردها النهية و معناها العقل. يلفى: يوجد.

(٤) عذلتني: لمتني. خفض عليك: هون على نفسك-خلني: دعني و اتركني.

(٥) السرح: شجر عظيم لا شوك فيه-المربع: موضع بالحجاز-الشبيكة-موضع قرب مكة. الثنية-الطريق في الجبل و المقصود الطريق التي تصل إلى عرفة-كداء: جبل بأعلى مكة و منه دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) .

(٦) الحثماء: بقية الرمل في الوادي.

(٧) الفتية: مفردها الفتى و هو الشاب-المريع: الخصيب. الحي المنيع: الذي يمنع دخوله عنوة و في الأبيات سجع لطيف بين البيت الحرام و عامري تلك الخيام و بين الحرم المريع و الحي المنيع.

(٨) معنى البيت إنهم احباء كيفما كانوا. في القرب و البعد في الجفاء و الوصل في الوفاء و الغدر و يكثر الطباق في هذا البيت على نحو ما ذكرنا فلو أخذنا كل كلمتين بعد هم هم لرأيناهما تشكلان طباقا حيث نذكر الشي‏ء و ضدّه.

(٩) عياذي: مأواي و ملجئي. الرقى: التعاويذ و هي كلمات يتحصن بها الإنسان عند مداهمة الخطر. الملاذ: الملجأ و الحصن.

٢٣

و همّ بقلبي، إن تناءت دارهم # عني، و سخطي في الهوى و رضائي‏ (١)


و على محلّي، بين ظهرانيهم، # بالأخشبين، أطوف حول حمائي‏ (٢)


و على اعتناقي للرّفاق، مسلّما، # عند استلام الرّكن، بالإيماء (٣)


و تذكّري أجياد وردي في الضّحى # و تهجّدي في اللّيلة اللّيلاء (٤)


و على مقامي بالمقام، أقام في # جسمي السّقام، و لات حين شفاء (٥)


عمري، و لو قلبت بطاح مسيله # قلبا، لقلبي الرّيّ بالحصباء (٦)


أسعد أخيّ، و غنّني بحديث من # حلّ الأباطح، إن رعيت إخائي‏ (٧)


و أعده عند مسامعي، فالرّوح، إن # بعد المدى، ترتاح للأنباء


و إذا أذى ألم ألمّ بمهجتي، # فشذى أعيشاب الحجاز دوائي‏ (٨)


أ أذاذ عن عذب الورود بأرضه # و أحاد عنه، و في نقاه بقائي‏ (٩)


و ربوعه أربي، أجل، و ربيعه # طربي، و صارف أزمة اللأواء (١٠)


____________

(١) تناءت: ابتعدت. السخط: الغضب.

(٢) بين ظهرانيهم في وسطهم و في معظمهم. الاخشبان. جبلا مكة و جبلا منى.

(٣) الاعتناق: وضع العنق على العنق عند السلام-الإيماء: الإشارة.

(٤) أجياد: جبل بمكة-الورد: قراءة بعض سور القرآن التهجد: الصلاة و الدعاء في الليل-الليلة الليلاء: الشديدة السواد.

(٥) المقام: مقام إبراهيم عليه السلام. السقام: المرض.

(٦) البطاح: المقيل الواسع الذي تجتمع فيه الحصى الصغيرة و الهاء في مسيله عائدة للحرم المريع. القلب: مفردها القليب و هي البئر. الحصباء: الأرض الكثيرة الحصى.

(٧) اسعد: اسعف. الأباطح ورد ذكرها.

(٨) المّ: أصاب-الشذا: الرائحة الطيبة. اعيشاب: تصغير اعشاب.

(٩) أذاذ: أمنع و اطرد. الورود: طلب الماء العذب أحاد: أنحّي-النقا: أرض بالحجاز.

(١٠) الربوع: ربوع الحجاز-أدبي: حاجتي و طلبي الصارف: الدافع و الكاشف للحزن و الغم. اللأواء: الازمة و الشدة و سنة الجدب و القحط.

٢٤

و جباله لي مربع، و رماله # لي مرتع، و ظلاله أفيائي‏ (١)


و ترابه ندّي الذّكيّ، و ماؤه # وردي الرّويّ، و في ثراه ثرائي‏ (٢)


و شعابه لي جنّة، و قبابه # لي جنّة، و على صفاه صفائي‏ (٣)


حيّا الحيا تلك المنازل و الرّبى، # و سقى الولي مواطن الآلاء (٤)


و سقى المشاعر و المحصّب، من منى # سحّا، و جاد مواقف الأنضاء (٥)


و رعى الإله بها أصيحابي، الألى # سامرتهم بمجامع الأهواء (٦)


و رعى ليالي الخيف، ما كانت سوى # حلم مضى، مع يقظة الإغفاء (٧)


واها على ذاك الزّمان، و ما حوى # طيب المكان، بغفلة الرّقباء (٨)


أيّام أرتع في ميادين المنى، # جذلا، و أرفل في ذيول حباء (٩)


____________

(١) المربع: مكان الربوع أو الإقامة في أيام الربيع.

(٢) الند: من أنواع الطيب الزكي: الجميل الرائحة الورد: طلب الماء-الثرى: التراب- الثراء: كثرة المال و الثروة.

(٣) الشعاب: شعاب مكة و جبل الحجاز. القباب: مفردها القبة و هي بناء مجوف مرتفع على نمط التدوير. الجنة بضم الجيم: الترس الواقي. الصفا: من المشاعر المقدسة حيث يجري السعي ما بين مروة و الصفا.

(٤) حيّا الأولى: سلم الحيا: المطر الولي: المطر الذي يتأخر عن أول مطر الربيع الذي يدعى الوسمي. الآلاء: النعم و الواحد منها الألى أو الإلى.

(٥) المشاعر: الأماكن المقدسة. المحصب: موضع رمي الجمار السبع في منى.

السح: المطر الغزير الأنضاء: واحدها النضو و هو الهزيل من الإبل.


(٦) الألى: اسم موصول بمعنى الذين. سامرتهم: قضيت الليل في الحديث معهم و السمير هو رفيق الليل.

(٧) الخيف: موضع قرب منى. و اليقظة: نقيض النوم.

(٨) واها: لفظة تفيد معنى التلهف-الزمان: زمان السلوك و المجاهدات النفسانية.

(٩) الجذل: المسرور و الفرح-أرفل: أتبختر و أتخايل.

٢٥

ما أعجب الأيّام، توجب للفتى # منحا، و تمنحه بسلب عطاء (١)


يا هل لماضي عيشنا من عودة # يوما و أسمح بعده ببقائي‏ (٢)


هيهات، خاب السعي و انفصمت عرى # حبل المنى، و انحلّ عقد رجائي‏ (٣)


و كفى غراما أن أبيت متيّما، # شوقي أمامي، و القضاء ورائي‏ (٤)


لم أحسبه في الأحياء

[البحر المنسرح‏]


لم أخش و أنت ساكن أحشائي # إن أصبح عني كل خلّ نائي‏ (٥)


فالناس اثنان: واحد أعشقه # و الآخر لم أحسبه في الأحياء


____________

(١) قوله ما اعجب الأيام تفرض و تعطي و تمنح و تحجب كناية عن اهوال الدهر. و قد ورد في الحديث الشريف: «لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر» .

(٢) عبارة يا هل: اشتياق للماضي أيام العمل في طريق المعرفة الإلهية-حيث يكون المرء مريدا طالبا للََّه تعالى.

(٣) هذا البيت يؤكد أنه لم يصل إلى الطريق التي كان ينوي الوصول إليها.

(٤) الغرام: العذاب في سبيل اللّه بلغة الصوفيين. المتيم: المريض من الحب. الشوق هو الحق بالتعبير الصوفي.

(٥) لم اخش: لم أخف. الخل: الصاحب. نائي: بعيد.

٢٦

قافية التاء

التائية الكبرى‏

لوائح الجنان و روائح الجنان‏ (١)


[البحر الطويل‏] نظم السلوك‏


سقتني حميّا الحبّ راحة مقلتي، # و كأسي محيّا من عن الحسن جلّت‏ (٢)


فأوهمت صحبي أنّ شرب شرابهم # به سر سرّي، في انتشائي بنظرة (٣)


و بالحدق استغنيت عن قدحي و من‏ # شمائلها، لا من شمولي، نشوتي‏ (٤)


ففي حان سكري، حان شكري لفتية # بهم تمّ لي كتم الهوى مع شهرتي‏ (٥)


و لمّا انقضى صحوي تقاضيت وصلها # و لم يغشني في بسطها، قبض خشيتي‏ (٦)


____________

(١) لوائح الجنان و روائح الجنان هو الاسم الأول لهذه القصيدة. و لكن الشيخ ابن الفارض يروي انه خلال خلوته و اعتزاله في الجامع الأزهر بمصر بقصد الرياضة الروحية، ظهر له الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المنام و طلب إليه ان يغير اسمها. و يسميها نظم السلوك. فكان ذلك. كما و أن هذه القصيدة تدعى التائية الكبرى لانتهاء رويها بحرف التاء. و هناك قصيدة اخرى تدعى التائية الصغرى، عدد أبياتها أقل من عدد أبيات هذه القصيدة.

(٢) الحميا: الخمرة-الراحة: باطن الكف-مقلتي: عيني. المحيا: الوجه. جلت:

تنزهت و ترفعت.


(٣) سرّ: فرح-الانتشاء: اللذة و الدوار بفعل الشرب.

(٤) الحدق: مفردها الحدقة و هي سواد العين. الشمائل: مفردها الشميلة و هي العادة أو المزية. الشمول: من اسماء الخمرة.

(٥) الحان: مكان الشراب. حان: حل وقته.

(٦) يغشاني: يصيبني و حذفت الفها لوجوب الجزم. بسطها: انطلاقها.

٢٧

و أبثثتها ما بي، و لم يك حاضري # رقيب لها، حاظ بخلوة جلوتي‏ (١)


و قلت، و حالي بالصبّابة شاهد، # و وجدي بها ما حيّ، و الفقد مثبتي: (٢)


هبي، قبل يفني الحبّ منّي بقيّة # أراك بها، لي نظرة المتلفّت‏ (٣)


و منّي على سمعي بلن، إن منعت أن # أراك، فمن قبلي، لغيري، لذّت‏


فعندي، لسكري، فاقة لإفاقة، # لها كبدي، لو لا الهوى، لم تفتّت‏ (٤)


و لو أنّ ما بي بالجبال، و كان طور # سينا بها، قبل التجلّي، لدكّت‏ (٥)


هوى عبرة نمّت به و جوى نمت # به حرق، أدواؤها بي أودت‏ (٦)


فطوفان «نوح» عند نوحي كأدمعي # و إيقاد نيران «الخليل» كلوعتي‏ (٧)


و لو لا زفيري أغرقتني أدمعي، # و لو لا دموعي أحرقتني زفرتي‏


و حزني، ما يعقوب بثّ أقلّه، # و كلّ بلى أيّوب بعض بليّتي‏ (٨)


و آخر ما لاقى الألى عشقوا، إلى # الرّدى بعض ما لاقيت، أوّل محنتي‏ (٩)


فلو سمعت أذن الدّليل تأوّهي # لآلام أسقام، بجسمي، أضرّت‏ (١٠)


____________

(١) أبثثتها: ضمنتها أو أخبرتها. الحاظي: اسم فاعل من حظي بمعنى حصل أو كسب.

الجلوة: الظهور و البروز.


(٢) الصبابة: شدة العشق-الوجد: الوله و المرض من الحب.

(٣) هبي: افترضي. يفني: يبيد.

(٤) الفاقة: الحاجة. الافاقة: الصحو.

(٥) طور سيناء: جبل معروف كان يصعد إليه نبينا موسى (ع) . التجلي: إشارة إلى تجلي نور اللّه جل و علا على جبل سيناء. دكت: تهدمت.

(٦) العبرة: الدمعة. نمت من النميمة: وشت. الجوى: الحزن و هوى الباطن. نمت:

كبرت. الأدواء: الأمراض. اودت: أهلكت.


(٧) نوحي: بكائي. نيران الخليل: النيران التي القي بها سيدنا إبراهيم الخليل و كانت بردا و سلاما عليه بإذن اللّه. اللوعة: الحرقة.

(٨) بث: أذاع و أعلن و المقصود ان حزن يعقوب على سيدنا يوسف لم يعادل شيئا من حزنه. البلى: المصاب.

(٩) الألى: البشر-الردى: المنية و الهلاك. المحنة: المصيبة.

(١٠) التأوه: زفرات الحزن. الأسقام: واحدها السقم و هو المرض.

٢٨

لأذكره كربي أذى عيش أزمة # بمنقطعي ركب، إذا العيس زمّت‏ (١)


و قد برح التّبريح بي، و أبادني، # و أبدى الضّنى منّي خفيّ حقيقتي‏ (٢)


فنادمت في سكري، النحول مراقبي، # بجملة أسراري، و تفصيل سيرتي‏ (٣)


ظهرت له وصفا، و ذاتي، بحيث لا # يراها لبلوى من جوى الحبّ، أبلت‏ (٤)


فأبدت، و لم ينطق لساني لسمعه، # هواجس نفسي سرّ ما عنه أخفت‏


و ظلّت، لفكري، أذنه خلدا بها # يدور به، عن رؤية العين أغنت‏ (٥)


فأخبر من في الحيّ عنّي، ظاهرا، # بباطن أمري، و هو من أهل خبرتي‏


كأنّ الكرام الكاتبين تنزّلوا، # على قلبه وحيا، بما في صحيفتي‏


و ما كان يدري ما أجنّ، و ما الذي، # حشاي من السّرّ المصون، أكنّت‏ (٦)


و كشف حجاب الجسم أبرز سرّ ما # به كان مستورا له، من سريرتي‏ (٧)


فكنت بسرّي عنه في خفية، و قد # خفته، لوهن، من نحولي أنّتي‏ (٨)


فأظهرني سقم به، كنت خافيا # له، و الهوى يأتي بكلّ غريبة (٩)


و أفرط بي ضرّ، تلاشت لمسّه # أحاديث نفس، بالمدامع نمّت‏ (١٠)


____________

(١) الكرب: الحزن و الغم. منقطعو الركب: الذين يتخلفون عن القافلة. العيس:

الإبل-زفت. جهزت للركوب.


(٢) برح: بالغ. التبريح: الأذى. ابادني: اهلكني. الضنى: المرض و الضعف.

(٣) النحول: الهزال و الضعف.

(٤) الجوى: حرقة الداخل. أبلت: أصابت.

(٥) خلدا بها: سمعا شديدا.

(٦) أجن: اخفي. الحشا: الأمعاء و هنا القلب أو الروح-المصون: المحفوظ. أكنّت:

سترت.


(٧) السريرة: ما تحول به الصدور و اللّه وحده اعلم بالسرائر.

(٨) كنت: اخفيت. خفته: كتمته. الوهن: الضعف. النحول: الهزال. الأنة: زفرة الألم.

(٩) السقم: الداء. الغريبة: البلوى و المصيبة.

(١٠) أفرط: أصاب. تلاشت: ضعفت. نمت: أينعت.

٢٩

فلو همّ مكروه الرّدى بي لما درى # مكاني، و من إخفاء حبّك خفيتي‏ (١)


و ما بين شوق و اشتياق فنيت في # تولّ بحظر، أو تجلّ بحضرة (٢)


فلو، لفنائي من فنائك ردّ لي # فؤادي، لم يرغب إلى دار غربة (٣)


و عنوان شأني ما أبثّك بعضه، # و ما تحته، إظهاره فوق قدرتي‏ (٤)


و أمسك، عجزا، عن أمور كثيرة # بنطقي لن تحصى، و لو قلت قلّت‏ (٥)


شفائي أشفى بل قضى الوجد أن قضى # و برد غليلي واحد حرّ غلّتي‏ (٦)


و بالي أبلى من ثياب تجلّدي، # به الذّات، في الاعدام، نيطت بلذّة (٧)


فلو كشف العوّاد بي، و تحققوا # من اللّوح، ما منّي الصّبابة أبقت‏ (٨)


لما شاهدت منّي بصائرهم سوى # تخلّل روح، بين أثواب ميّت‏ (٩)


و منذ عفا رسمي و همت، و همت في # وجودي، فلم تظفر بكوني فكرتي‏ (١٠)


و بعد، فحالي فيك قامت بنفسها، # و بيّنتي في سبق روحي بنيّتي‏ (١١)


و لم أحك، في حبّيك، حالي تبرّما # بها لاضطراب، بل لتنفيس كربتي‏ (١٢)


____________

(١) هم: أصاب. مكروه الردى: الموت.

(٢) التولي: الغياب. التجلي: الحضور و الظهور و التجلي و التولي ضربان من الرياضات الصوفية.

(٣) الفناء الأولى: الهلاك. الفناء الثانية: ساحة الدار.

(٤) أبثك: أعلمك. و المعنى ان الاعلان عن حال الأسى يسبب الاسى اكثر من السكوت عليه.

(٥) أمسك: أكف عن الأمر.

(٦) الغليل: شدة العطش. الغلة: كالغليل العطش.

(٧) ابلى: أصبح قديما رثا. الاعدام: واحدها العدم و هو الحرمان. نيطت: ألحقت.

(٨) العواد: زوار المرضى. اللوح: عظم الكتف و الصدر. الصبابة: العشق الشديد.

(٩) البصائر: الانظار-تخلل روح: بقايا نفس.

(١٠) عفا: زال. رسمي: صورتي و المقصود جسدي. همت: ضعت و همت: تعلقت بنفسي الأوهام.

(١١) البينة: الحجة و الدليل. البينة: الجسد.

(١٢) التبرم: الضجر. الكربة: الضيقة و الحزن.

٣٠

و يحسن إظهار التجلّد للعدى، # و يقبح غير العجز، عند الأحبّة (١)


و يمنعني شكواي حسن تصبّري # و لو أشك للأعداء ما بي لأشكت‏ (٢)


و عقبى اصطباري في هواك حميدة # عليك، و لكن عنك غير حميدة (٣)


و ما حلّ بي من محنة، فهو منحة # و قد سلمت من حلّ عقد عزيمتي‏ (٤)


و كلّ أذى في الحبّ منك، إذا بدا # جعلت له شكري مكان شكيّتي‏


نعم و تباريح الصّبابة، إن عدت # عليّ، من النّعماء، في الحبّ عدّت‏ (٥)


و منك شقائي بل بلائي منّة، # و فيك لباس البؤس أسبغ نعمة (٦)


أراني ما أوليته خير قنية، # قديم ولائي فيك من شرّ فتية (٧)


فلاح و واش: ذاك يهدي لعزّة # ضلالا، و ذا بي ظلّ يهذي لغرّة (٨)


أخالف ذا، في لومه، عن تقى، كما # أخالف ذا، في لؤمه، عن تقيّة (٩)


و ما ردّ وجهي عن سبيلك هول ما # لقيت، و لا ضرّاه، في ذاك، مسّت‏ (١٠)


و لا حلم لي في حمل ما فيك نالني # يؤدّي لحمدي، أو لمدح مودّتي‏ (١١)


قضى حسنك الداعي إليك احتمال ما # قصصت و أقصى بعد ما بعد قصّتي‏


و ما هو إلا أن ظهرت لناظري # بأكمل أوصاف على الحسن أربت‏ (١٢)


____________

(١) التجلد: الصبر.

(٢) اشكت: ازالت الشكوى.

(٣) العقبي: النتيجة المنتظرة.

(٤) المحنة: المصيبة. العزيمة: القوة و البأس.

(٥) التباريح: أول معالم الشي‏ء أو التباشير. الصبابة: العشق الشديد. النعماء: الفيض و الخير. عدت: حسبت.

(٦) البلاء: المصيبة-المنة: الهبة و الاعطية. النعمة السابغة: العطاء الجزيل.

(٧) أوليته: أعرته. القنية: ما يقتنيه المرء من الحاجيات.

(٨) اللاحي: اللائم. يهذي: يتحدث بكلام غير واضح. الغرة: الغفلة.

(٩) التقية: السكوت عن الشي‏ء لخوف و عدم مقدرة على مقاومته.

(١٠) الهول: الخوف و الهلع. الضراء: المصيبة. مست: اصابت.

(١١) الحلم: العقل.

(١٢) اربت: زادت.

٣١

فحلّيت لي البلوى، فخلّيت بينها # و بيني، فكانت منك أجمل حلية (١)


و من يتحرّش بالجمال إلى الرّدى، # رأى نفسه، من أنفس العيش، ردّت‏ (٢)


و نفس ترى في الحبّ أن لا ترى عنا، # متى ما تصدّت للصبابة صدّت‏ (٣)


و ما ظفرت بالودّ، روح مراحة # و لا بالولا نفس صفا العيش، ودّت‏ (٤)


و أين الصّفا؟هيهات من عيش عاشق # و جنّة عدن، بالمكاره، حفّت‏ (٥)


ولي نفس حرّ، لو بذلت لها، على # تسلّيك، ما فوق المنى ما تسلّت‏


و لو أبعدت بالصدّ و الهجر و القلى # و قطع الرّجا عن خلّتي ما تخلّت‏ (٦)


و عن مذهبي، في الحبّ، مالي مذهب # و إن ملت يوما عنه، فارقت ملّتي‏ (٧)


و لو خطرت لي، في سواك، إرادة # على خاطري، سهوا، قضيت بردّتي‏ (٨)


لك الحكم في أمري فما شئت فاصنعي # فلم تك، إلاّ فيك، لا عنك، رغبتي‏


و محكم عهد، لم يخامره بيننا # تخيّل نسخ، و هو خير أليّة (٩)


و أخذك ميثاق الولا حيث لم أبن # بمظهر لبس النفس، في في‏ء طينتي‏ (١٠)


و سابق عهد لم يحل مذ عهدته، # و لا حق عقد، جلّ عن حلّ فترة (١١)


____________

(١) الحلية: الثوب. البلوى: المصاب.

(٢) يتحرش: يتعرض الردى: الموت. أنفس العيش: أحسنه و أرغده.

(٣) العناء: التعب. تصدت: واجهت. صدت: جوبهت.

(٤) ظفرت: نالت و كسبت. المراحة: الهانئة المطمئنة، ودت: ارادت أو طلبت.

(٥) حفت: أحيطت من كل جانب.

(٦) الصد: المنع-القلى: البغضاء. الخلة: الاجنة ما تخلت: ما قطعت الود.

(٧) ملتي: مذهبي او ديني الذي أنا عليه.

(٨) الردة: العودة عن المذهب المعتنق إلى مذهب سابق.

(٩) محكم عهد: عهد موثوق-يخامره: يصيبه. النسخ: الزوغان و الإبطال-الألية:

القسم و الحلفان.


(١٠) الميثاق: العهد. الولاء: التأييد. لبس النفس: شكها. الطينة: الطبيعة التي جبل عليها.

(١١) لم يحل: لم يتغير-العقد: الرباط أو الاتفاق. حل الفترة: نهاية العقد.

٣٢

و مطلع أنوار بطلعتك، الّتي # لبهجتها، كل البدور استسرّت‏ (١)


و وصف كمال فيك، أحسن صورة، # و أقومها، في الخلق، منه استمدّت‏


و نعت جلال منك، يعذب دونه، # عذابي، و تحلو، عنده لي قتلتي‏


و سرّ جمال، عنك كلّ ملاحة # به ظهرت، في العالمين، و تمّت‏


و حسن به تسبى النّهى دلّني على # هوى حسنت فيه، لعزّك ذلّتي‏ (٢)


و معنى وراء الحسن، فيك شهدته، # به دقّ عن إدراك عين بصيرتي‏


لأنت منى قلبي، و غاية بغيتي، # و أقصى مرادي، و اختياري و خبرتي‏ (٣)


خلعت عذاري، و اعتذاري لا بس # -الخلاعة، مسرورا بخلعي و خلعتي‏ (٤)


و خلع عذاري فيك فرضي و إن أبى # اقترابي، قومي، و الخلاعة سنّتي‏ (٥)


و ليسوا بقومي ما استعابوا تهتّكي، # فأبدوا قلى و استحسنوا فيك جفوتي‏ (٦)


و أهلي، في دين الهوى، أهله، و قد # رضوا لي عاري، و استطابوا فضيحتي‏


فمن شاء فليغضب، سواك، و لا أذى # إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي‏


و إن فتن النّسّاك بعض محاسن # لديك، فكلّ منك موضع فتنتي‏ (٧)


و ما احترت، حتى اخترت حبّيك مذهبا # فوا حيرتي، إن لم تكن فيك خيرتي‏


فقالت: هوى غيري قصدت، و دونه # اقتصدت، عميّا، عن سواء محجّتي‏ (٨)


و غرّك، حتى قلت ما قلت، لابسا # به شين مين، لبس نفس تمنّت‏ (٩)


____________

(١) استسرت: اختفت و في البيت إشارة إلى آخر ليالي الشهر القمري و هي تدعى السرار.

(٢) تسبي: تسحر-النهى: العقول. الذلة: المهانة.

(٣) غاية بغيتي: أقصى ما أرجو، أو أطلبه. اقصى المراد: أبعده.

(٤) العذار: النقاب أو الغطاء. الخلعة: الثوب.

(٥) أبى: رفض. سنتي: منهجي و طريقي.

(٦) القلى: البغض. الجفوة: القطيعة.

(٧) النساك: الواحد ناسك و هو الزاهد المتعبد.

(٨) قصدت: سعيت إلى. اقتصدت: لم تسرف. العميا: العمى. المحجة: السبيل.

(٩) الشين و المين: العيب. لبس النفس: شكوكها.

٣٣

و في أنفس الأوطار أمسيت طامعا # بنفس تعدّت طورها، فتعدّت‏ (١)


و كيف بحبّي، و هو أحسن خلّة # تفوز بدعوى، و هي أقبح خلّة (٢)


و أين السّهى من أكمه عن مراده # سها، عمها، لكن أمانيك، غرّت‏ (٣)


فقمت مقاما حطّ قدرك دونه، # على قدم، عن حظّها، ما تخطّت‏


و رمت مراما، دونه كم تطاولت، # بأعناقها، قوم إليه، فجذّت‏ (٤)


أتيت بيوتا لم تنل من ظهورها، # و أبوابها، عن قرع مثلك، سدّت‏ (٥)


و بين يدي نجواك قدّمت زخرفا # تروم به عزا، مراميه عزّت‏ (٦)


و جئت بوجه أبيض، غير مسقط # لجاهك في داريك خاطب صفوتي‏ (٧)


و لو كنت بي من نقطة «الباء» خفضة # رفعت إلى ما لم تنله بحيلة (٨)


بحيث ترى أن لا ترى ما عددته، # و أنّ الذي أعددته غير عدّة


و نهج سبيلي واضح لمن اهتدى، # و لكنّها الأهواء عمّت، فأعمت‏ (٩)


و قد آن أن أبدي هواك، و من به # ضناك، بما ينفي ادّعاك محبّتي‏ (١٠)


حليف غرام أنت، لكن بنفسه، # و إبقاك، وصفا منك، بعض أدلّتي‏


فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا، # و لم تفن ما لا تجتلى فيك صورتي‏ (١١)


____________

(١) الأوطار: مفردها الوطر و هو الرغبة أو الحاجة. تعدت الأولى: تجاوزت. تعدت الثانية: ناصبت العداء أو اعتدت.

(٢) الخلة: الصحب و الخلة في آخر العجز: العادة.

(٣) السهى: الغفلة-الأكمه: الأعمى. سها: ضل. العمة: الضلال.

(٤) رمت مراما: طلبت حاجة. جذت: قطعت.

(٥) ظهور البيوت سطوحها. و في البيت إشارة إلى منعة هذه البيوت لكرامة أصحابها

(٦) النجوى: الطلب سرا. تروم: تطلب. عزت: صعبت.

(٧) الداران: الدنيا و الآخرة. الصفوة: الحب و الوداد.

(٨) الخفضة: حركة الكسر.

(٩) الأهواء: أعراض النفس. عمت: انتشرت. أعمت: افقدت الأبصار.

(١٠) آن: حان. ابدي: أظهر. الضنا: المرض.

(١١) الفناء في الأمر: الحلول به حتى الزوال-تجتلي: تنظر بجلاء.

٣٤

فدع عنك دعوى الحب، و ادع لغيره # فؤادك، و ادفع عنك غيّك بالتي‏ (١)


و جانب جناب الوصل هيهات لم يكن # و ها أنت حيّ، إن تكن صادقا مت‏ (٢)


هو الحبّ، إن لم تقض، لم تقض مأربا # من الحبّ فاختر ذاك أو خلّ خلّتي‏ (٣)


فقلت لها: روحي لديك، و قبضها # إليك، و من لي أن تكون بقبضتي‏ (٤)


و ما أنا بالشّاني الوفاة على الهوى، # و شأني الوفا تأبى سواه سجيّتي‏ (٥)


و ما ذا عسى عني يقال سوى: «قضى # فلان، هوى» !من لي بذا، و هو بغيتي‏ (٦)


أجل أجلي أرضى انقضاه صبابة # و لا وصل، إن صحّت لحبّك نسبتي‏ (٧)


و إن لم أفز حقا إليك بنسبة # لعزّتها، حسبي افتخارا بتهمة


و دون اتّهامي إن قضيت أسى، فما # أسأت بنفس، بالشّهادة، سرّت‏


و لي منك كاف إن هدرت دمي، و لم # أعدّ شهيدا، علم داعي منيّتي‏ (٨)


و لم تسو روحي في وصالك بذلها # لديّ لبون بين صون و بذلة (٩)


و إني، إلى التّهديد بالموت، راكن، # و من هوله أركان غيري هدّت‏ (١٠)


و لم تعسفي بالقتل نفسي، بل لها # به تسعفي إن أنت أتلفت مهجتي‏ (١١)


____________

(١) محاكاة للآية الكريمة: اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* .

(٢) جانب: خذ جانب الامر-الوصل: الحب.

(٣) تقضي: تموت. تقضي مأربا: تحقق غاية. خل: امر من خلى بمعنى دع. المودة:

الصحبة.


(٤) قبضها: مصيرها أي ان روحه بيدها. القبضة: اليد.

(٥) الشاني: المبغض. السجية: الطبيعة و العادة.

(٦) البغية: المطلب و المراد.

(٧) الأجل: نهاية العمر. نسبتي: انتسابي.

(٨) هدرت: ابحت. المنية: الموت.

(٩) البون: المسافة البعيدة. الصون: الحماية.

(١٠) راكن: مستسلم. الهول: الخوف. الأركان: واحدها الركن و هو الزاوية.

(١١) تعسفي: تظلمي. لم تسعفي: لم تعيني. اتلفت: أهلكت. و الجناس واضح بين تسعفين و تعسفين.

٣٥

فإن صحّ هذا القال منك رفعتني، # و أعليت مقداري، و أغليت قيمتي‏ (١)


و ها أنا مستدع قضاك و ما به # رضاك‏، و لا أختار تأخير؟مدّتي‏


وعيدك لي وعد، و إنجازه مُنى # وليّ بغير البعد إن يرم يثبت‏ (٢)


و قد صرت أرجو ما يخاف فأسعدي # به روح ميت للحياة استعدّت‏


و بي من بها نافست بالرّوح، سالكا، # سبيل الألى قبلي أبوا غير شرعتي‏ (٣)


بكلّ قبيل كم قتيل بها قضى # أسى، لم يفز يوما إليها بنظرة (٤)


و كم في الورى مثلي أماتت صبابة # و لو نظرت عطفا إليه لأحيت‏ (٥)


إذا ما أحلّت، في هواها، دمي، ففي # ذرى العزّ و العليا قدري أحلّت‏ (٦)


لعمري، و إن أتلفت عمري، بحبّها # ربحت و إن أبلت حشاي أبلّت‏ (٧)


ذللت لها في الحيّ حتى وجدتني، # و أدنى منال عندهم فوق همّتي‏


و أخملني و هنا خضوعي لهم، فلم # يروني، هوانا بي، محلا لخدمتي‏ (٨)


و من درجات العزّ أمسيت مخلدا # إلى دركات الذّلّ من بعد نخوتي‏ (٩)


فلا باب لي يغشى، و لا جاه يرتجى، # و لا جار لي يحمى لفقد حميّتي‏ (١٠)


____________

(١) القال: القول.

(٢) الوعيد: التهديد. الإنجاز: إتمام الأمر.

(٣) السالك: المتعبد. السبيل: النهج و الطريق. الألى: الناس. أبوا: رفضوا.

الشرعة: المسلك.


(٤) القبيل: القوم و معشر الناس. قضى: مات.

(٥) الورى: الناس. الصبابة: الوجد و شدة العشق.

(٦) الذرى: مفردها الذروة و هي القمة. أحلت: وضعت أي رفعت قدرة إلى أعلى المراتب.

(٧) اتلفت: أفنيت. أبلّت: شفت.

(٨) اخملني: جعلني خاملا أي كسولا. الوهن: الضعف.

(٩) الدركات: مفردها الدركة أو الدرك و هو المنزلة السفلى. النخوة، الاندفاع و الحمية.

(١٠) يغشى: يصاب و المعنى يدخله زائر. الجاه: الرفعة و المرتبة العالية.

٣٦

كأن لم أكن فيهم خطيرا، و لم أزل # لديهم حقيرا في رخاء و شدّة


فلو قيل من تهوى، و صرّحت باسمها # لقيل كنى، أو مسّه طيف جنّة (١)


و لو عزّ فيها الذّلّ ما لذّ لي الهوى، # و لم تك لو لا الحبّ، في الذلّ عزّتي‏


فحالي بها حال بعقل مدلّه، # و صحّة مجهود، و عزّ مذلّة (٢)


أسرّت تمنّي حبّها النفس حيث لا # رقيب حجى سرّا لسرّي و خصّت‏ (٣)


فأشفقت من سير الحديث بسائري # فتعرب عن سرّي، عبارة عبرتي‏ (٤)


يغالط بعضي عنه بعضي، صيانة، # و ميني، في إخفائه، صدق لهجتي‏ (٥)


و لمّا أبت إظهاره، لجوانحي، # بديهة فكري، صنته عن رويّتي‏ (٦)


و بالغت في كتمانه، فنسيته، # و أنسيت كتمي ما إليه أسرّت‏


فإن أجن من غرس المنى ثمر العنا، # فللّه نفس، في مناها، تعنّت‏ (٧)


و أحلى أماني الحبّ، للنفس، ما فضت # عناها به من أذكرتها و أنست‏


أقامت لها مني عليّ مراقبا، # خواطر قلبي، بالهوى، إن ألمّت‏ (٨)


فإن طرقت، سرّا، من الوهم، خاطري # بلا حاظر، أطرقت إجلال هيبة (٩)


و يطرف طرفي، إن هممت بنظرة # و إن بسطت كفّي إلى البسط كفّت‏ (١٠)


____________

(١) كنى: سمي باسمها. مسه: أصابه. طيف الجنة: الجنون.

(٢) المدلة: الحائر من اثر الحب و الغرام.

(٣) أسرت: تكلمت بصوت منخفض. الحجى: العقل.

(٤) تعرب عن سرّي: تفصح عنه. العبرة: الدمعة.

(٥) المين: الخداع و الكذب.

(٦) أبت: رفضت. البديهة: سرعة الخاطر. الروية: التعقل و الاتزان.

(٧) اجني: أحصّل. العناء: التعب. تعنت: أصابها العناء و التعب.

(٨) الخواطر: الهواجس. ألمّت: احاطت بالأمر.

(٩) طرفت: مرت سريعا. الحاظر: المائع. اطرقت: طأطأت الرأس. الإجلال:

الاحترام. الهيبة: الوقار.


(١٠) يطرف طرفي: يصاب نظري بسوء. هممت: باشرت. كفت: منعت.

٣٧

ففي كلّ عضو فيّ، إقدام رغبة، # و من هيبة الإعظام، إحجام رهبة (١)


لفي و سمعي فيّ آثار زحمة # عليها بدت عندي كإيثار رحمة (٢)


لساني، إن أبدى، إذا ما تلا اسمها، # له وصفه سمعي، و ما صمّ، يصمت‏ (٣)


و أذني، إن أهدى لساني ذكرها # لقلبي و لم يستعبد الصّمت صمت‏ّ


أغار عليها أن أهيم بحبّها، # و أعرف مقداري، فأنكر غيرتي‏


فتختلس الرّوح ارتياحا لها، و ما # أبرّى‏ء نفسي من توهّم منية (٤)


يراها، على بعد عن العين، مسمعي، # بطيف ملام زائر، حين يقظتي‏ (٥)


فيغبط طرفي مسمعي عند ذكرها، # و تحسد، ما أفنته مني، بقيّتي‏ (٦)


أممت أمامي في الحقيقة، فالورى # ورائي، و كانت حيث وجّهت وجهتي‏ (٧)


يراها إمامي، في صلاتي، ناظري، # و يشهدني قلبي أمام أئمّتي‏


و لا غرو أن صلّى الإمام إليّ أن # ثوت في فؤادي، و هي قبلة قبلتي‏ (٨)


و كلّ الجهات الستّ نحوي توجّهت # بما تمّ من نسك، و حجّ و عمرة (٩)


لها صلواتي، «بالمقام» ، أقيمها، # و أشهد فيها أنّها لي صلّت‏ (١٠)


كلانا مصلّ واحد، ساجد إلى # حقيقته، بالجمع، في كلّ سجدة


و ما كان لي صلّى سواي، و لم تكن # صلاتي لغيري، في أدا كلّ ركعة


____________

(١) الإحجام: الكف عن الأمر. الرهبة: الخوف و المهابة.

(٢) إيثار الرحمة: طلبها.

(٣) معنى البيت: إن لساني و سمعي مشغوفان بسماع اسمها فإن ذكرها لسانه أصغى سمعه إلى اسمها و إن سكت لسانه عن ذكرها صمّ سمعه عن باقي الأمور.

(٤) أبرئ: اشفي. المنية: الرغبة.

(٥) الطيف: الخيال.

(٦) يغبط: يفرح و يسرّ. أفنته: اتلفته.

(٧) أممت: سرت إلى الامام. الورى: الخلق و الناس.

(٨) ثوت: اقامت. الفؤاد: القلب.

(٩) الجهات الست: الجهات الأربع المعروفة أضاف إليها فوق و تحت.

(١٠) المقام: مقام إبراهيم في الكعبة.

٣٨

إلى كم أواخي السّتر؟ها قد هتكته # و حلّ أواخي الحجب في عقد بيعتي‏ (١)


منحت ولاها، يوم لا يوم، قبل أن # بدت عند أخذ العهد، في أوّليّتي‏ (٢)


فنلت ولاها، لا بسمع و ناظر، # و لا باكتساب، و اجتلاب جبلّة (٣)


و همت بها في عالم الأمر، حيث لا # ظهور، و كانت نشوتي قبل نشأتي‏ (٤)


فأفنى الهوى ما لم يكن ثمّ باقيا، # هنا، من صفات بيننا، فاضمحلّت‏ (٥)


فألفيت ما ألقيت عنّي صادرا # إليّ، و منّي واردا بمزيدتي‏ (٦)


و شاهدت نفسي بالصّفات، التي بها # تحجّبت عني في شهودي و حجبتي‏ (٧)


و إني التي أحببتها، لا محالة، # و كانت لها نفسي عليّ محيلتي‏ (٨)


فهامت بها من حيث لم تدر، و هي في # شهودي، بنفس الأمر غير جهولة


و قد آن لي تفصيل ما قلت مجملا # و إجمال ما فصّلت، بسطا لبسطتي‏ (٩)


أفاد اتّخاذي حبّها، لاتّحادنا، # نوادر، عن عاد المحبّين، شذّت‏ (١٠)


يشي لي بي الواشي إليها، و لائمي # عليها، بها يبدي، لديها، نصيحتي‏


فأوسعها شكرا، و ما أسلفت قلى # و تمنحني برّا، لصدق المحبّة (١١)


تقرّبت بالنّفس احتسابا لها، و لم # أكن راجيا عنها ثوابا، فأدنت‏


____________

(١) أواخي: اطلب و اتوخى. الأواخي: ما يظهر من الحبل على شكل الحلقة بعد دفن أطرافه في الأرض.

(٢) يوم لا يوم: قبل بدء الخليقة.

(٣) اجتلاب الجبلّة: اكتساب الطبع.

(٤) النشوة: قمة اللذة. النشأة: الولادة.

(٥) أفنى: أهلك. ثم: هنالك بفتح الثاء. اضحملت: زالت.

(٦) ألفيت: وجدت: ألقيت: رميت. الصدور: الذهاب إلى الماء و الورود: العودة منه.

(٧) شهودي: ظهوري. حجبتي: غيبتي.

(٨) محيلة: داعية إلى الأمر و موجهة إليه.

(٩) آن: حان. البسط: التفصيل.

(١٠) عاد: عادات. شذت: نفرت و كانت غريبة عن الأمر.

(١١) أسلفت: قدمت فيما مضى. القلى: البغضاء. البر: الوفاء بالوعد.

٣٩

و قدّمت مالي في مآلي، عاجلا، # و ما إن عساها أن تكون منيلتي‏ (١)


و خلّفت خلفي رؤيتي ذاك، مخلصا # و لست براض أن تكون مطيّتي‏ (٢)


و يمّمتها بالفقر، لكن بوصفه # غنيت، فألقيت افتقاري و ثروتي‏ (٣)


فأثنيت لي إلقاء فقري و الغنى # فضيلة قصدي، فاطّرحت فضيلتي‏


فلاح فلاحي في اطّراحي، فأصبحت # ثوابي، لا شيئا سواها مثيبتي‏ (٤)


و ظلت بها، لا بي، إليها أدلّ من # به ضلّ عن سبل الهدى و هي دلّت‏


فخلّ لها، خلّي، مرادك، معطيا # قيادك من نفس بها مطمئنّة (٥)


و أمس خليّا من حظوظك، و اسم عن # حضيضك و اثبت، بعد ذلك تنبت‏ (٦)


و سدّد، و قارب و اعتصم و استقم لها # مجيبا إليها، عن إنابة مخبت‏ (٧)


و عد من قريب، و استجب و اجتنب غدا # أشمّر، عن ساق اجتهاد، بنهضة (٨)


و كن صارما كالوقت فالمقت في «عسى» # و إيّاك «علاّ» ، فهي أخطر علّة (٩)


و قم في رضاها، واسع، غير محاول # نشاطا، و لا تخلد لعجز مفوّت‏ (١٠)


و سر زمنا، و انهض كسيرا، فحظّك # البطالة ما أخّرت عزما لصحّة


____________

(١) المآل: العودة. المنيلة: المنية و العطاء.

(٢) المطية: الوسيلة المهيئة للوصول.

(٣) يممتها: احطتها.

(٤) لاح: بدا و ظهر. الفلاح: الفوز و الظفر. اطراحي: تركي للأمر و هنا إلقاء الفقر و الغنى و الانصراف إلى العبادة. المثيبة: التي تجزي الخير.

(٥) خل لها: أطعها.

(٦) اسم: فعل أمر من سما بمعنى ارتفع. الحضيض: المكان المنخفض.

(٧) سدد: سر في الطريق السليم. الإنابة: التوبة. المخبت: الخاشع.

(٨) اشمر: اكشف. النهضة: الهمة.

(٩) الصارم: الحاد القاطع. المقت: البغضاء. عسى و عل أو لعل تفيدان معنى التمني و الرجاء و المقصود إياك ان يثنيك التمني عن القيام بما تريده من الأعمال.

(١٠) تخلد: تركن و تستسلم. العجز المفوت: العمل الذي لا ينجز.

٤٠

و أقدم، و قدّم ما قعدت له مع # الخوالف، و اخرج عن قيود التّلفّت‏ (١)


و جذّ، بسيف العزم سوف، فإن تجد # تجد نفسا، فالنفس إن جدت جدّت‏ (٢)


و أقبل إليها، و انحها مفلسا، فقد # و صيت لنصحي، إن قبلت نصيحتي‏ (٣)


فلم يدن منها موسر باجتهاده، # و عنها به لم ينأ مؤثر عسرة (٤)


بذاك جرى شرط الهوى بين أهله، # و طائفة، بالعهد، أوفت فوفّت‏


متى عصفت ريح الولا قصفت أخا # غناء، و لو بالفقر هبّت لربّت‏ (٥)


و أغنى يمين، باليسار جزاؤها، # مدى القطع ما، للوصل، في الحب مدّت‏ (٦)


و أخلص لها، و أخلص بها عن رعونة # -افتقارك من أعمال بر تزكّت‏ (٧)


و عاد دواعي القيل و القال، و انج من # عوادي دعاو صدقها قصد سمعة (٨)


فألسن من يدعى بألسن عارف، # و قد عبرت كل العبارات، كلّت‏ (٩)


و ما عنه لم تفصح، فإنّك أهله، # و أنت غريب عنه، إن قلت، فاصمت‏ (١٠)


و في الصمت سمت، عنده جاه مسكة # غدا عبده من ظنّه خير مسكت‏ (١١)


فكن بصرا و انظر، و سمعا و عه، و كن # لسانا و قل، فالجمع أهدى طريقة (١٢)


____________

(١) اقدم: أمر من أقدم بمعنى اندفع. الخوالف: واحدها الخالفة، و هي بمعنى الكسل و التقاعس عن القيام بالعمل.

(٢) جذّ: اقطع. السوف: الكذب و المماطلة.

(٣) انحها: سر باتجاهها. مفلسا: فارغ الكفين.

(٤) يدنو: يقترب. الموسر: صاحب الرغد و السعة في العيش. المؤثر: المفضل.

العثرة: الزلة و السقطة.


(٥) عصفت: اشتدت. الولا: الولاء مخففة. ربت: أصلحت.

(٦) المدى: مفردها المدية و هي السكين أو الشفرة.

(٧) الرعونة: الجهل و الطيش. تزكت: تنزهت عن فعل هذا الأمر.

(٨) القيل و القال: كلام العامة الذي لا فائدة منه إلا تناول الناس بالباطل.

(٩) الألسن: صاحب اللسان الفصيح. كلت: تعبت.

(١٠) تفصح: تعرب. اصمت: اسكت. أي اجعل لكل مقام مقالا و إذا كنت لا تعرف الأمر فلا تتحدث به.

(١١) الصمت: السكوت. السمت: حسن التصرف. المسكة: العقل.

(١٢) عه فعل أمر من وعى أضيف إليه ضمير النصب الهاء.

٤١

و لا تتّبع من سوّلت نفسه له، # فصارت له أمّارة، و استمرّت‏ (١)


و دع ما عداها، و اعد نفسك فهي من # عداها، و عذ منها بأحصن جنّة (٢)


فنفسي كانت، قبل، لوّامة متى # أطعها عصت، أو أعص عنها مطيعتي‏


فأوردتها ما الموت أيسر بعضه # و أتعبتها، كيما تكون مريحتي‏ (٣)


فعادت، و مهما حمّلته تحمّلته # منّي، و إن خفّفت عنها، تأذّت‏


و كلّفتها، لا بل كفلت قيامها # بتكليفها، حتى كلفت بكلتي‏ (٤)


و أذهبت، في تهذيبها، كلّ لذّة، # بإبعادها عن عادها فاطمأنّت‏ (٥)


و لم يبق هول دونها ما ركبته، # و أشهد نفسي فيه غير زكيّة (٦)


و كلّ مقام، عن سلوك، قطعته، # عبوديّة حقّقتها، بعبودة (٧)


و صرت بها صبّا، فلمّا تركت ما # أريد، أرادتني لها و أحبّت‏ (٨)


فصرت حبيبا، بل محبّا لنفسه، # و ليس كقول مرّ: (نفسي حبيبتي)


خرجت بها عني إليها، فلم أعد # إلي، و مثلي لا يقول برجعة (٩)


و أفردت نفسي عن خروجي، تكرما # فلم أرضها، من بعد ذاك، لصحبتي‏ (١٠)


و غيّبت عن إفراد نفسي، بحيث لا # يزاحمني إبداء وصف بحضرتي‏


و ها أنا أبدي، في اتّحادي، مبدئي، # و أنهي انتهائي في تواضع رفعتي‏


____________

(١) في البيت محاكاة للآية الكريمة: إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ .

(٢) اعد نفسك: امنعها. العدي جمع عدو. عذ: فعل أمر من عاذ بمعنى التجأ. الجنة بضم الجيم: الحصن.

(٣) أوردتها: أوصلتها. أيسر: اسهل.

(٤) كلفتها: حملتها. بكلتي: بجميع أعضائي.

(٥) عادها: المقصود عاداتها.

(٦) الهول: الخوف. دونها: في سبيلها.

(٧) العبودة: المقصود بها العبادة.

(٨) الصب: الشديد التعلق و العشق.

(٩) لا يقول برجعة: لا يعود إلى الحياة بعد المنية.

(١٠) أفردت نفسي أفردتها و جعلتها تخلو و تنفرد عن الناس.

٤٢

جلت في تجليّها، الوجود لناظري # ففي كلّ مرئي أراها برؤية (١)


و أشهدت غيبي، إذ بدت، فوجدتني، # هنالك، إيّاها، بجلوة خلوتي‏ (٢)


و طاح وجودي في شهودي و بنت عن # وجود شهودي، ماحيا، غير مثبت‏ (٣)


و عانقت ما شاهدت في محو شاهدي # بمشهده للصّحو، من بعد سكرتي‏


ففي الصّحو، بعد المحو لم أك غيرها # و ذاتي بذاتي، إذ تحلّت تجلّت‏


فوصفي، إذ لم تدع باثنين، وصفها # و هيئتها، إذ واحد نحن، هيئتي‏ (٤)


فإن دعيت كنت المجيب و إن أكن # منادى أجابت من دعاني، و لبّت‏


و إن نطقت كنت المناجي كذاك إن # قصصت حديثا، إنّما هي قصتّ‏


فقد رفعت تاء المخاطب بيننا # و في رفعها، عن فرقة الفرق، رفعتي‏ (٥)


فإن لم يجوّز رؤية اثنين واحدا # حجاك، و لم يثبت لبعد تثبّت‏ (٦)


سأجلو إشارات، عليك، خفيّة، # بها كعبارات، لديك، جليّة


و أعرب عنها، مغربا، حيث لات حين # لبس، بتبياني سماع و رؤية (٧)


و أثبت بالبرهان قولي، ضاربا # مثال محقّ، و الحقيقة عمدتي‏ (٨)


____________

(١) جلت: أظهرت بوضوح. التجلي: الكمال.

(٢) الجلوة: التزين. الخلوة: الانفراد.

(٣) طاح: أهلك. الشهود: البروز و الحضور. بنت: ماض من بان بمعنى ابتعد. ماحيا:

زائلا.


(٤) في هذه الأبيات تبدو طريقة الحلولية التي اتبعها اكثر الصوفيين و منها قول الحلاج:

أنا من أهوى و من أهوى أنا # نحن روحان سكنا بدنا


(٥) رفعت تاء المخاطب أي حذفت من الضمير أنت فأصبحت أنا و هذا ما يؤكد القول السابق في امر انحدار الذاتين أو ما يسمى بالحلولية.

(٦) يجوزه: يجعله جائزا أي حلالا. حجاك: عقلك.

(٧) أعرب: افصح. مغربا: قائلا القول الغريب. اللبس: الالتباس.

(٨) الحقيقة عمدتي: الحقيقة ما اعتمد عليه.

٤٣

بمتبوعة، ينبيك، في الصّرع، غيرها # على فمها في مسّها، حيث جنّت‏ (١)


و من لغة تبدو بغير لسانها، # عليه براهين الأدلّة صحّت‏


و في العلم، حقا، أنّ مبدي غريب ما # سمعت سواها و هي في الحسن أبدت‏


فلو واحدا أمسيت أصبحت واجدا # منازلة، ما قلته عن حقيقة


و لكن على الشّرك الخفيّ عكفت، لو # عرفت بنفس عن هدي الحق ضلّت‏ (٢)


و في حبّه من عزّ توحيد حبّه، # فبالشّرك يصلى منه نار قطيعة (٣)


و ما شأن هذا الشأن منك سوى السّوى # و دعواه، حقّا، عنك إن تمح تثبت‏ (٤)


كذا كنت حينا، قبل أن يكشف الغطا # من اللّبس، لا أنفكّ عن ثنويّة (٥)


أروح بفقد، بالشّهود مؤلّفي، # و أغدو بوجد، بالوجود مشتّتي‏ (٦)


يفرّقني لبّي، التزاما، بمحضري، # و يجمعني سلبي، اصطلاما، بغيبتي‏ (٧)


أخال حضيضي الصّحو و السكر معرجي # إليها، و محوي منتهى قاب سدرتي‏ (٨)


فلمّا جلوت (الغين) عنّي اجتليتني # مفيقا، و منّي العين بالعين قرّت‏ (٩)


____________

(١) المتبوعة: التي مسها الجان. الصرع: ألم يصيب الرأس و المقصود أثر الجن و تأثيره.

جنت: أصابها الجنون.


(٢) الشرك الخفي: الكفر بأن يجعل للََّه شريكا. عكفت: أقبلت. ضلت: تاهت عن الطريق المستقيم.

(٣) يصلى نارا: يحرق بها.

(٤) شأن: أبغض. السوي: سواك من الناس أي غيرك.

(٥) يكشف الغطاء: يظهر نور اللّه فيظهر الحق. الثنوية: الشرك باللّه و القول بوجود إلهين اثنين.

(٦) مؤلفي: جامعي من بعد فرقة. الوجد: الحزن. المشتت: المفرق و المباعد.

(٧) اللب: العقل. الاصطلام: القطع و الاستئصال.

(٨) الحضيض: المكان المنخفض. الصحو: اليقظة. المعرج: الوسيلة التي تستعمل للارتقاء إلى الدرجات الروحية العليا. القاب: المقدار و منها قاب قوسين أو أدنى.

السدرة: سدرة المنتهى. مكان أو شجر في الجنة.


(٩) الغين: بالمعنى و المصطلح الصوفي: الخلوة مع صحة الاعتقاد. و يمكن ان يكون الخطأ وقع عن المخطوطة أو النسخة الاصلية فتكون لفظة الغين محرفة عن العين، بحيث يزول الالتباس.

٤٤

و من فاقتي، سكرا، غنيت إفاقة # لدى فرقي الثاني فجمعي كوحدتي‏ (١)


فجاهد تشاهد فيك منك، وراء ما # وصفت، سكونا عن وجود سكينة


فمن بعد ما جاهدت شاهدت مشهدي # و هاديّ لي إيّاي، بل بي قدرتي‏ (٢)


و بي موقفي، لا بل إليّ توجّهي، # كذاك صلاتي لي، و منّي كعبتي‏ (٣)


فلا تك مفتونا بحسنك، معجبا # بنفسك، موقوفا على لبس غرة (٤)


و فارق ضلال الفرق فالجمع منتج # هدى فرقة، بالاتّحاد تحدّت‏


و صرّح باطلاق الجمال و لا تقل # بتقييده، ميلا لزخرف زينة (٥)


فكلّ مليح، حسنه، من جمالها، # معار له، بل حسن كلّ مليحة


بها قيس لبني هام، بل كلّ عاشق، # كمجنون ليلى، أو كثيّر عزّة (٦)


فكلّ صبا منهم إلى وصف لبسها، # بصورة حسن، لاح في حسن صورة (٧)


و ما ذاك إلاّ أن بدت بمظاهر، # فظنّوا سواها، و هي فيها تجلّت‏ (٨)


بدت باحتجاب، و اختفت بمظاهر # على صبغ التّلوين في كلّ برزة (٩)


____________

(١) الفرق الثاني بالمصطلح الصوفي: شهود الخلق بالحق. و الفرق الأول: احتجاب الخلق عن الحق.

(٢) جاهدت: قمت بالرياضة و المجاهدة الروحية. الهادي: المرشد. إياي: عزة نفسي.

(٣) يعبر هذا البيت عن مبدأ الكمال الروحي و الرؤى التي يراها المتريض السالك لسبيل المجاهدة الروحية.

(٤) اللبس: الشك. الغرة: الغفلة.

(٥) صرّح: أعط الاجازة. الزخرف: التزيين.

(٦) قيس لبني، و قيس بن الملوح. و كثير عزة شعراء نسبوا إلى اسماء حبيباتهم لشدة تعلقهم بهنّ.

(٧) صبا: ذاب من الوجد و العشق.

(٨) إشارة إلى ان بعض المتيمين كقيس بن الملوح مثلا كان يرى حبيبته في كل شي‏ء سواها. يراها في جذع النخلة. و في مقلتي الظبي. حتى إذا دنا منها سأل هل هذه ليلى؟.

(٩) بدت: ظهرت. الاحتجاب: الاختفاء. البرزة: الظهور بمظهر الحسن. و هذا البيت يتمم معنى البيت الذي سبقه.

٤٥

ففي النّشأة الأولى تراءت لآدم # بمظهر حوّا، قبل حكم الأمومة


فهام بها، كيما يكون به أبا، # و يظهر بالزّوجين حكم البنوّة


و كان ابتدا حبّ المظاهر بعضها # لبعض، و لا ضدّ يصدّ ببغضة


و ما برحت تبدو و تخفى، لعلّة، # على حسب الأوقات، في كلّ حقبة


و تظهر للعشّاق في كلّ مظهر، # من اللّبس في أشكال حسن بديعة


ففي مرّة لبني، و أخرى بثينة، # و آونة تدعى بعزّة عزّت‏ (١)


و لسن سواها، لا و لا كنّ غيرها # و ما إن لها، في حسنها، من شريكة (٢)


كذاك بحكم الاتّحاد بحسنها، # كما لي بدت، في غيرها، و تزيّت‏ (٣)


بدوت لها في كلّ صب متيّم، # بأيّ بديع حسنه و بأيّة (٤)


و ليسوا، بغيري في الهوى، لتقدّم # عليّ لسبق في اللّيالي القديمة


و ما القوم غيري في هواها، و إنّما # ظهرت لهم، للّبس، في كل هيئة


ففي مرة قيسا، و أخرى كثيّرا، # و آونة أبدو جميل بثينة


تجلّيت فيهم ظاهرا، و احتجبت با # طنا بهم، فأعجب لكشف بسترة (٥)


و هنّ و هم، لا وهن وهم مظاهر # لنا، بتجلّينا بحبّ و نضرة (٦)


فكلّ فتى حب أنا هو، و هي حبب # كلّ فتى، و الكلّ أسماء لبسة (٧)


____________

(١) لبني: حبيبة قيس و قد مرّ ذكرها. بثينة: حبيبة جميل بن معمر. عزة حبيبة كثير.

عزت: كرمت و غلت.


(٢) لسن سواها. أي كلهنّ حواء أو الأنثى. ان-حرف نفي بمعنى ليس.

(٣) الاتحاد: الوصال الروحي. تزيت: ارتدت و تزينت.

(٤) اللهاف: من اللهفة و هي الحرقة و الشوق. الصب: العاشق المدنف. و المتيم:

الشديد العشق.


(٥) تجليت: برزت و ظهرت واضحا. السترة: الاحجاب.

(٦) هن و هم: الحبيبات و المحبون. الوهن: الضعف. النضرة: الزينة و البهجة.

(٧) هذا البيت و الذي يليه وصف لحالة ابن الفارض و اتصاله بعالم الروح حيث تجلت له الحقيقة الإلهية فوصل إلى اعلى درجات العشق الإلهي و استعمل المجاز بالحب المعروف ليقول انه سلطان العاشقين.

٤٦

أسام بها كنت المسمّى حقيقة، # و كنت لي البادي بنفس تخفّت‏


و ما زلت إيّاها، و إياي لم تزل، # و لا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبّت‏


و ليس معي، في الملك، شي‏ء سواي، # و المعيّة لم تخطر على المعيّة (١)


و هذي يدي، لا إنّ نفسي تخوّفت # سواي، و لا غيري، لخيري، ترجّت‏


و لا ذلّ إخمال لذكري توقّعت، # و لا عز إقبال لشكري توخّت‏ (٢)


و لكن لصدّ الضّدّ عن طعنه على # علا أولياء المنجدين، بنجدتي‏ (٣)


رجعت لأعمال العبادة، عادة، # و أعددت أحوال الإرادة عدتي‏ (٤)


و عدت بنسكي بعد هتكي، و عدت من # خلاعة بسطي، لانقباض بعفّة (٥)


و صمت نهاري، رغبة في مثوبة، # و أحييت ليلي، رهبة من عقوبة (٦)


و عمّرت أوقاتي بورد لوارد، # و صمت لسمت، و اعتكاف لحرمة (٧)


و بنت عن الأوطان، هجران قاطع # مواصلة الإخوان، و اخترت عزلتي‏ (٨)


و دقّقت فكري في الحلال، تورّعا # و راعيت، في إصلاح قوتي، قوّتي‏ (٩)


و أنفقت من ستر القناعة، راضيا # من العيش، في الدنيا، بأيسر بلغة (١٠)


و هذّبت نفسي بالرياضة، ذاهبا # إلى كشف ما، حجب العوائد، غطّت‏


____________

(١) المعية: المصاحبة. الالمعية: الذكاء.

(٢) الإخمال: الكسل. توخت: ارادت أو طلبت.

(٣) العلاء: الارتفاع في المقام. المنجدين: العارفين المخلصين. نجدتي: نصرتي.

(٤) أعددت: جهزت. العدة: السلاح.

(٥) النسك: التعبد. التهتك و الهتك: المجون.

(٦) المثوبة: العفو. الرهبة: الخوف.

(٧) عمّرت اوقاتي: ملأتها. الورد: السقاء. السمت: الطريق و الجانب. الاعتكاف:

الاعتزال و الامتناع.


(٨) بنت: ابتعدت.

(٩) التورع: التقوى و الخوف من اللّه. القوت: الطعام.

(١٠) ايسر بلغة: الحد الأدنى من العيش.

٤٧

و جرّدت، في التجريد، عزمي تزهّدا # و آثرت، في نسكي، استجابة دعوتي‏


متى حلت عن قولي: أنا هي، أو أقل # و حاشا لمثلي: إنّها فيّ حلّت‏ (١)


و لست على غيب أحيلك، لا و لا # على مستحيل موجب سلب حيلتي‏


و كيف، و باسم الحق ظلّ تحقّقي # تكون أراجيف الضّلال مخيفتي‏ (٢)


و ها «دحية» ، وافى الأمين نبيّنا، # بصورته، في بدء وحي النّبوءة (٣)


أ جبريل قل لي: كان دحية، إذ بدا # لمهدي الهدى، في هيئة بشريّة؟ (٤)


و في علمه، عن حاضريه، مزيّة، # بماهيّة المرئيّ من غير مرية (٥)


يرى ملكا يوحي إليه، و غيره # يرى رجلا يدعى لديه بصحبة (٦)


ولي، من أتم الرّؤيتين، إشارة، # تنزّه، عن رأي الحلول، عقيدتي‏


و في الذكر ذكر اللّبس ليس بمنكر، # و لم أعد عن حكمي كتاب و سنّة (٧)


منحتك علما، إن ترد كشفه فرد # سبيلي، و اشرع في اتّباع شريعتي‏ (٨)


فمنبع صدّي من شراب، نقيعه # لديّ، فدعني من سراب بقيعة (٩)


و دونك بحرا خضته، وقف الألى # بساحله، صونا لموضع حرمتي‏ (١٠)


و لا تقربوا مال اليتيم، إشارة # لكفّ يد صدّت له، إذ تصدّت‏ (١١)


____________

(١) حلت عن قولي: تراجعت عنه. حلّت: نزلت.

(٢) أراجيف الضلال: أكاذيب الباطل.

(٣) دحية: دحية الكلبي. كان الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) يراه في المنام عند بدء الدعوة.

(٤) بدا: ظهر. مهدي الهدى: الرسول الأعظم محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) .

(٥) المزية: العلامة و الصفة. ماهية المرئي: حقيقة المنظور. المرية: الكذب.

(٦) الملك: جبرائيل. الرجل: دحية.

(٧) لم اعد: لم اتخط.

(٨) ردّ سبيلي: اعد إلى صوابي سلوك الطريق الصحيح. اشرع: أمر من شرع بمعنى بدأ.

(٩) النقيع: مكان يجتمع فيه الماء. القيعة: المنبسط بين جبلين.

(١٠) الألى: الناس. الصون: الحفظ.

(١١) كف اليد: منعها. صدّت: منعت. تصدت: واجهت.

٤٨

و ما نال شيئا منه غيري سوى فتى، # على قدمي، في القبض و البسط، ما فتي‏ (١)


فلا تعش عن آثار سيري و اخش غين # إيثار غيري، و أغش عين طريقتي‏ (٢)


فؤادي ولاها، صاح، صاحي الفؤاد في # ولاية أمري، داخل تحت إمرتي‏


و ملك معالي العشق ملكي و جندي # -المعاني، و كلّ العاشقين رعيّتي‏


فتى الحبّ، ها قد بنت عنه بحكم من # يراه حجابا، فالهوى دون رتبتي‏


و جاوزت حدّ العشق، فالحبّ كالقلى # و عن شأو معراج اتّحادي رحلتي‏ (٣)


فطب بالهوى نفسا، فقد سدت أنفس # العباد من العبّاد، في كلّ أمّة


و فز بالعلى، و أفخر على ناسك علا # بظاهر أعمال، و نفس تزكّت‏


و جز مثقلا، لو خفّ طفّ موكّلا # بمنقول أحكام، و معقول حكمة (٤)


و حز بالولا ميراث أرفع عارف، # غدا همّه إيثار تأثير همّة (٥)


و ته ساحبا، بالسّحب، أذيال عاشق # بوصل، على أعلى المجرّة جرّت‏ (٦)


و جل في فنون الاتحاد و لا تحد # إلى فئة، في غيره العمر أفنت‏ (٧)


فواحده الجمّ الغفير، و من غدا # ه شرذمة، حجّت بأبلغ حجّة (٨)


فمتّ بمعناه، و عش فيه أو فمت # معنّاه، و اتبع أمّة فيه أمّت‏ (٩)


فأنت بهذا المجد أجدر من أخي # اجتهاد، مجدّ عن رجاء و خيفة


و غير عجيب هزّ عطفيك دونه # بأهنا، و أنهى لذّة و مسرّة


____________

(١) القبض و البسط: ضدان بمعنى الضيق و الفرج. ما فتي: ما فتئ.

(٢) لا تعش: لا تتعام اي تفقد بصرك. الغين في المصطلح الصوفي الاحتجاب عن الشهود مع صحة الاعتقاد و قد مرّ شرحه سابقا. أغش: اقصد.

(٣) جاوزت: تخطيت. القلى: البغضاء. الشأو: الغاية.

(٤) جز: اعبر. طفّ: اقترب.

(٥) حز: احصل. الولا: الولاء للََّه تعالى. الإيثار: التفضيل.

(٦) ته: فعل أمر من تاه. المجرة: مجموعة من النجوم لا عدّ و لا حصر لها.

(٧) جل: فعل أمر من جال بمعنى طاف.

(٨) الجم الغفير: الجمع الكثير. الشرذمة: القليل من الناس.

(٩) مت معنّاه: مت من تعبه. أمت: أتبعت.

٤٩

و أوصاف من تعزى إليه، كم اصطفت # من الناس منسيّا و أسماه أسمت‏ (١)


و أنت على ما أنت عنّي نازح، # و ليس الثّريّا، للثّرى، بقرينة (٢)


فطورك قد بلّغته، و بلغت فو # ق طورك حيث النّفس لم تك ظنّت‏


و حدّك هذا، عنده، قف، فعنه لو # تقدّمت شيئا، لاحترقت بجذوة (٣)


و قدري، بحيث المرء يغبط دونه # سموّا، و لكن فوق قدرك، غبطتي‏ (٤)


و كلّ الورى أبناء آدم، غير أني # حزت صحو الجمع، من بين إخوتي‏ (٥)


فسمعي كليميّ، و قلبي منبّأ # بأحمد، رؤيا مقلة أحمديّة (٦)


و روحي للأرواح روح، و كلّ ما # ترى حسنا في الكون من فيض طينتي‏


فذر لي ما قبل الظّهور عرفته # خصوصا و بي لم تدر في الذرّ رفقتي‏ (٧)


و لا تسمني فيها مريدا، فمن دعي # مرادا لها، جذبا، فقير لعصمتي‏ (٨)


و ألغ الكنى عني، و لا تلغ ألكنا # بها، فهي من آثار صيغة صنعتي‏ (٩)


و عن لقبي بالعارف ارجع، فإن تر # التّنابز بالألقاب، في الذّكر، تمقت‏ (١٠)


فأصغر أتباعي، على عين قلبه، # عرائس أبكار المعارف، زفّت‏


____________

(١) تعزى: تنتسب. اسمت: علت و ارتفعت.

(٢) الثريا و الثرى: السماء و الأرض. القرينة: المثيل و الشبيه.

(٣) الجذوة: الجمرة أو القطعة من النار.

(٤) يغبط: يسر. السمو: العلو و الارتقاء.

(٥) الورى: الناس: حزت: أحرزت.

(٦) الكليم: النبي موسى (ع) . أحمد: النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) . الرؤيا الأحمدية: رؤية المسلم. المقلة: العين.

(٧) ذر: دع. الذر: الإشراف.

(٨) المريد: الذي يتوجه للََّه دون سواه و هو الذي يتمرد على ارادته. و المريد و المراد من درجات الصوفية أما المراد فهي درجة اعلى من المريد بحيث يتجاوز المرء المقامات و الرسوم من غير تعب.

(٩) الكنى: مفردها الكنية و هي اللقب. الألكن: الصعب النطق أو ثقيل اللسان.

(١٠) التنابز بالألقاب: تعيير الإنسان لآخر باللقب و هو أمر نهى اللّه سبحانه و تعالى عنه:

وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ . العارف: العالم الصوفي. تمقت: تغضب.


٥٠

جنى ثمر العرفان من فرع فطنة، # زكا باتّباعي، و هو من أصل فطرتي‏


فإن سيل عن معنى أتى بغرائب، # عن الفهم جلّت، بل عن الوهم دقت‏ (١)


و لا تدعني فيها بنعت مقرّب، # أراه بحكم الجمع فرق جريرة (٢)


فوصلي قطعي، و اقترابي تباعدي، # و ودّي صدّي، و انتهائي بداءتي‏


و في من بها ورّيت عنّي، و لم أرد # سواي، خلعت اسمي و رسمي و كنيتي‏ (٣)


فسرت إلى ما دونه وقف الألى، # و ضلّت عقول، بالعوائد ضلّت‏ (٤)


فلا وصف لي و الوصف رسم، كذاك # الاسم وسم، فإن تكني، فكنّ أو انعت‏ (٥)


و من أنا إياها إلى حيث لا إلى # عرجت، و عطّرت الوجود برجعتي‏ (٦)


و عن أنا إيّاي لباطن حكمة، # و ظاهر أحكام، أقيمت لدعوتي‏


فغاية مجذوبي إليها، و منتهى # مراديه ما أسلفته، قبل توبتي‏ (٧)


و منّي أوج السّابقين، بزعمهم، # حضيض ثرى آثار موضع وطأتي‏ (٨)


و آخر ما بعد الإشارة، حيث لا # ترقّي ارتفاع وضع أول خطوتي‏ (٩)


و لا غرو أن سدت الألى سبقوا، و قد # تمسّكت، من طه بأوثق عروة (١٠)


عليها مجازي سلامي، فإنّما # حقيقته مني إليّ تحيتي‏


و أطيب ما فيها وجدت بمبتدا # غرامي، و قد أبدى بها كلّ نذرة (١١)


____________

(١) سيل: سئل. دقّت: صعبت.

(٢) النعت: الصفة. الجريرة: الذنب.

(٣) وريت: احفيت و سترت. ورّى الشي‏ء ستره و أخفاه. الكنية: اللقب.

(٤) الألى: الناس. العوائد: المعارف و العلوم. ضلت: تاهت.

(٥) الوسم: الصفة و الميزة. كنّ و انعت فعلا أمر من كنّى: سمّى و نعت: وصف.

(٦) عرجت: ملت.

(٧) غاية مجذوبي: منتهى تعلقي. أسلفته: قدمته سابقا.

(٨) الأوج: المنتهى و العز. الحضيض: المكان الأسفل. موضع الوطأة: موطئ القدم.

(٩) معنى البيت: انني وصلت إلى موضع لا يمكن ان ترتفع إليه قدم.

(١٠) سدت الألى: أصبحت سيد الناس. طه: سيدنا و نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) . العروة:

الصلة.


(١١) النذرة: الأنذار.

٥١

ظهوري، و قد أخفيت حالي منشدا # بها، طربا، و الحال غير خفيّة


بدت، فرأيت الحزم في نقص توبتي # و قام بها عند النّهى عذر محنتي‏ (١)


فمنها أماني من ضنى جسدي بها، # أمانيّ آمال سخت، ثمّ شحّت‏ (٢)


و فيها تلافي الجسم، بالسّقم، صحة # له، و تلاف النّفس نفس الفتوّة (٣)


و موتي بها، وجدا، حياة هنيئة، # و إن لم أمت في الحبّ عشت بغصّة


فيا مهجتي ذوبي جوى و صبابة، # و يا لوعتي كوني، كذاك، مذيبتي‏ (٤)


و يا نار أحشائي أقيمي، من الجوى، # حنايا ضلوعي، فهي غير قويمة (٥)


و يا حسن صبري، في رضى من أحبّها # تجمّل، و كن للدّهر بي غير مشمت‏ (٦)


و يا جلدي، في جنب طاعة حبّها # تحمّل، عداك الكلّ، كلّ عظيمة (٧)


و يا جسدي المضنى تسلّ عن الشّفا، # و يا كبدي، من لي بأن تتفتّتي‏ (٨)


و يا سقمي لا تبق لي رمقا، فقد # أبيت، لبقيا العزّ، ذلّ البقيّة (٩)


و يا صحّتي، ما كان من صحبتي انقضى # و وصلك في الأحشاء ميتا كهجرة


و يا كلّ ما أبقى الضّنى منّي ارتحل # فما لك مأوى في عظام رميمة (١٠)


و يا ما عسى منّي أناجي، توهّما، # بياء النّدا، أونست منك بوحشة (١١)


____________

(١) الحزم: البأس و الشدة. النهى: مفردها النهية و معناها العقل. المحنة: الازمة.

(٢) الضنى: الضعف. سخت: جادت، شحت: بخلت.

(٣) تلاف الجسم: فساده. السقم: العلة و المرض.

(٤) الجوى و الصبابة: الوجد أو شدة العشق.

(٥) حنايا الضلوع: أصلها. قويمة: مستقيمة.

(٦) تجمل: اصبر. المشمت: الذي يفرح بمصيبة غيره.

(٧) الجلد: الصبر.

(٨) الجسد المضني: الجسم المريض.

(٩) الرمق: النفس الأخير. أبيت: رفضت. البقيا: البقاء.

(١٠) العظام الرميمة: الميتة التي لا حياة فيها.

(١١) المعنى: أنه لم يبق له إلا المناجاة و مخاطبة اللّه جل و علا بالادعية. يا...

٥٢

و كلّ الذي ترضاه و الموت دونه # به أنا راض و الصبابة أرضت‏


و نفسي لم تجزع، بإتلافها أسى، # و لو جزعت كانت بغيري تأسّت‏ (١)


و في كلّ حيّ كلّ حيّ كميّت # بها، عنده قتل الهوى خير موتة


تجمّعت الأهواء فيها، فما ترى # بها غير صبّ، لا يرى غير صبوة (٢)


إذا سفرت في يوم عيد تزاحمت # على حسنها أبصار كلّ قبيلة


فأرواحهم تصبو لمعنى جمالها، # و أحداقهم من حسنها في حديقة (٣)


و عندي عيدي، كلّ يوم أرى به، # جمال محيّاها، بعين قريرة


و كلّ اللّيالي ليلة القدر، إن دنت # كما كلّ أيّام اللّقا يوم جمعة (٤)


و سعيي لها حجّ، به كلّ وقفة، # على بابها، قد عادلت كلّ وقفة (٥)


و أيّ بلاد اللّه حلّت بها، فما # أراها، و في عيني حلت، غير مكّة


و أيّ مكان ضمّها حرم، كذا # أرى كل دار أوطنت دار هجرة


و ما سكنته فهو بيت مقدّس، # بقرّة عيني فيه، أحشاي قرّت‏ (٦)


و مسجدي الأقصى مساحب بردها # و طيبي ثرى أرض، عليها تمشّت‏ (٧)


مواطن أفراحي، و مربى مآربي، # و أطوار أوطاري، و مأمن خيفتي‏ (٨)


مغان، بها لم يدخل الدّهر بيننا، # و لا كادنا صرف الزّمان بفرقة (٩)


____________

(١) لم تجزع: لم تخف. الإتلاف: الموت. تأست: تعزت.

(٢) الأهواء: الأغراض. الصبّ: الشديد العشق و الصبوة: حبّ الشباب.

(٣) تصبو: تنظر. الأحداق: المقل.

(٤) المعنى أنه ينتظر لقياها في كل ليلة كما ينتظر المؤمنون لقاء ليلة القدر في كل عام.

(٥) السعي و الوقفة: من اعمال الحج و المقصود أن الوقوف على بابها يعادل الوقوف على جبل عرفات.

(٦) أحشاي: احشائي. قرّت: هدأت و اطمأنت.

(٧) مساحب بردها: أطراف ثوبها.

(٨) المواطن: المساكن. المآرب: الغايات. الأوطار: الحاجات.

(٩) المغاني: الحجرات. كادنا: أصابنا بمكيدة. صرف الزمان: كيده.

٥٣

و لا سعت الأيّام في شتّ شملنا، # و لا حكمت فينا الليالي بجفوة (١)


و لا صبّحتنا النائبات بنبوة، # و لا حدّثتنا الحادثات بنكبة (٢)


و لا شنّع الواشي بصدّ و هجرة # و لا أرجف اللاحي ببين و سلوة (٣)


و لا استيقظت عين الرّقيب و لم تزل # عليّ لها، في الحبّ، عيني رقيبتي‏


و لا اختصّ وقت دون وقت بطيبة # بها كلّ أوقاتي مواسم لذة


نهاري أصيل كلّه، إن تنسّمت # أوائله منها بردّ تحيّتي‏


و ليلي فيها كلّه سحر، إذا # سرى لي منها فيه عرف نسيمة (٤)


و إن طرقت ليلا، فشهري كلّه # بها ليلة القدر، ابتهاجا بزورة (٥)


و إن قربت داري، فعامي كلّه # ربيع اعتدال، في رياض أريضة (٦)


و إن رضيت عني، فعمري كلّه # زمان الصّبا، طيبا، و عصر الشبيبة


لئن جمعت شمل المحاسن صورة # شهدت بها كلّ المعاني الدّقيقة


فقد جمعت أحشاي كلّ صبابة # بها، و جوى ينبيك عن كلّ صبوة (٧)


و لم لا أباهي كلّ من يدّعي الهوى # بها، و أناهي في افتخاري بحظوة (٨)


و قد نلت منها فوق ما كنت راجيا # و ما لم أكن أمّلت من قرب قربتي‏ (٩)


____________

(١) شت الشمل: الفرقة. الجفوة: القطيعة و التباعد.

(٢) النائبات: مفردها النائبة و هي المصيبة و البلاء. النبوة: الجفاء. الحادثات: مفردها الحادثة و هي النكبة.

(٣) شنع: كرّه الصد: الجفاء. ارجف اللاحي: أبعد المبغض. البين: الفراق.

السلوى: النسيان.


(٤) سرى: أتى ليلا. العرف: الرائحة الطيبة. النسيمة: تصغير لكلمة نسمة.

(٥) طرقت: زارت ليلا. الزورة: الزيارة.

(٦) الرياض: مفردها الروضة و هي الحديقة الغنّاء. الأريضة: الكثيرة الاخضرار.

(٧) الصبابة: شدة العشق-الجوى: عذاب الحب. ينبيك: يخبرك.

(٨) أناهي: أغالب. الحظوة: اللقية الثمينة.

(٩) القربة: ما يتقرب به الإنسان من اللّه عز و جل.

٥٤

و أرغم أنف البين لطف اشتمالها # عليّ، بما يربي على كلّ منية (١)


بها مثلما أمسيت أصبحت مغرما # و ما أصبحت فيه من الحسن أمست‏


فلو منحت كلّ الورى بعض حسنها # خلا «يوسف» ، ما فاتهم بمزيّة (٢)


صرفت لها كلّي، على يد حسنها # فضاعف لي إحسانها كلّ وصلة (٣)


يشاهد منّي حسنها كلّ ذرة # بها كلّ طرف جال، في كلّ طرفه‏ (٤)


و يثني عليها فيّ كلّ لطيفة، # بكلّ لسان، طال في كلّ لفظة


و أنشق ريّاها بكلّ دقيقة، # بها كلّ أنف ناشق كلّ هبّة (٥)


و يسمع منّي لفظها كلّ بضعة # بها كلّ سمع سامع متنصّت‏ (٦)


و يلثم منّي كلّ جزء لثامها # بكلّ فم، في لثمه كلّ قبلة (٧)


فلو بسطت جسمي رأت كلّ جوهر # به كلّ قلب، فيه كلّ محبّة


و أغرب ما فيها استجدت، و جاد لي # به الفتح، كشفا، مذهبا كلّ ريبة (٨)


شهودي بعين الجمع كلّ مخالف، # و ليّ ائتلاف، صدّه كالمودّة (٩)


أحبّني اللاّحي، و غار، فلا مني، # و هام بها الواشي، فجار برقبة (١٠)


فشكري لهذا حاصل حيث برّها # لذا واصل، و الكلّ آثار نعمتي‏ (١١)


____________

(١) البين: الفراق و البعد. يربي: يزيد.

(٢) الورى: الخلق: خلا: عدا. يوسف (ع) : ابن يعقوب (ع) الذي كان آية في الحسن و الجمال. المزية: الصفة.

(٣) صرفت: منحت: الوصلة: الاتصال.

(٤) الطرف: النظر. حال: تنقل. الطرفة: النظرة.

(٥) أنشق: أشم. رياها: عطرها.

(٦) البضعة: القطعة من الجسد. متنصت: مصغ بانتباه.

(٧) يلثم: يقبّل. اللثام: غطاء الوجه و الفم.

(٨) استجدت: اخترت كل جديد. الريبة: الشك.

(٩) شهودي: حضوري. الائتلاف: الصلة و المودة. الصد: المنع و الهجران.

(١٠) اللاحي: المبغض. جار: ظلم. الرقبة: الرقابة.

(١١) برها: عطاؤها.

٥٥

و غيري على الأغيار يثني، و للسّوى # سواي، يثنّي منه عطفا لعطفتي‏ (١)


و شكري لي، و البرّ منّي واصل # إليّ، و نفسي، باتّحادي، استبدّت‏ (٢)


و ثمّ أمور تمّ لي كشف سترها # بصحو مفيق عن سواي تغطّت‏


و عنّي بالتّلويح يفهم ذائق، # غنيّ عن التصريح للمتعنّت‏ (٣)


بها لم يبح دمه، و في # الإشارة معنى، ما العبارة حدّت‏ (٤)


و مبدأ إبداها اللّذان تسبّبا # إلى فرقتي، و الجمع يأبى تشتّتي‏ (٥)


هما معنا في باطن الجمع واحد، # و أربعة في ظاهر الفرق عدّت‏


و إنّي و إيّاها لذات، و من وشى # بها، و ثنى عنها صفات تبدّت‏ (٦)


فذا مظهر للرّوح، هاد، لأفقها # شهودا، بدا في صيغة معنوية


و ذا مظهر للنّفس، حاد، لرفقها # وجودا، غدا في صيغة صوريّة


و من عرف الأشكال مثلي لم يشبه # شرك هدى، في رفع إشكال شبهة


و ذاتي باللّذّات خصّت عوالمي # بمجموعها، إمداد جمع، و عمّت‏ (٧)


و جادت و لا استعداد كسب بفيضها # و قبل التّهيّؤ، للقبول، استعدّت‏ (٨)


فبالنّفس أشباح الوجود تنعّمت # و بالرّوح أرواح الشّهود تهنّت‏


و حال شهودي: بين ساع لأفقه # و لاح مراع رفقه، بالنّصيحة (٩)


شهيد بحالي، في السّماع لجاذبي، # قضاء مقرّي، أو ممرّ قضيّتي‏


____________

(١) يثني: يعطف. للسوى: للغير. العطف: الجانب. العطفة: الميل.

(٢) استبدت: جارت و ظلمت.

(٣) التلويح: الإشارة. المتعنت: المتصلب الرأي.

(٤) لم يبح: لم يذع. أباح الدم: أهرقه. حدت: حددت.

(٥) إبداها: تخفيف لكلمة ابدائها. تشتتي: تفرقي.

(٦) ثنى: صرف. تبدت: ظهرت.

(٧) امداد جمع: وصول الخير للجميع. عمت: شملت.

(٨) الفيض: العطاء الكثير. التهيؤ: الاستعداد.

(٩) اللاحي: اللائم.

٥٦

و يثبت نفي الالتباس تطابق # المثالين بالخمس الحواس المبينة (١)


و بين يدي مرماي، دونك سرّ ما # تلقّته منها النّفس، سرّا، فألقت‏ (٢)


إذا لاح معنى الحسن في أيّ صورة # و ناح معنّى الحزن في أيّ سورة (٣)


يشاهدها فكري بطرف تخيّلي، # و يسمعها ذكري بمسمع فطنتي‏ (٤)


و يحضرها للنّفس و همي، تصوّرا # فيحسبها، في الحسّ، فهمي، نديمتي‏


فأعجب من سكري بغير مدامة # و أطرب في سرّي، و منّي طربتي‏ (٥)


فيرقص قلبي، و ارتعاش مفاصلي # يصفّق كالشادي، و روحي قينتي‏ (٦)


و ما برحت نفسي تقوّت بالمنى، # و تمحو القوى بالضّعف، حتى تقوّت‏ (٧)


هناك وجدت الكائنات تحالفت # على أنّها، و العون منّي، معينتي‏


ليجمع شملي كلّ جارحة بها، # و يشمل جمعي كلّ منبت شعرة


و يخلع فينا، بيننا، لبس بيننا، # على أنّني لم ألفه غير ألفة (٨)


تنبّه لنقل الحسّ للنّفس، راغبا # عن الدّرس، ما أبدت بوحي البديهة (٩)


لروحي يهدي ذكرها الرّوح، كلما # سرت سحرا منها شمال، و هبّت‏ (١٠)


و يلتذّ إن هاجته سمعي، بالضّحى # على ورق ورق، شدت، و تغنّت‏ (١١)


____________

(١) الالتباس: الحيرة و الشك في الأمر.

(٢) المرمى: الهدف. دونك: اسم فعل أمر بمعنى خذ.

(٣) المعنى: المريض. السورة: سورة القرآن الكريم.

(٤) الفطنة: النباهة و الذكاء.

(٥) المدامة: الخمرة.

(٦) الشادي: المغني. القينة: الفتاة المغنية.

(٧) تتقوت: تتناول الطعام. المنى: الأمل. تقوت: قويت.

(٨) يخلع: يمحو و يحطم. بيننا: فرقتنا. اللبس: الشك. لم ألفه: لم أجده.

(٩) البديهة: سرعة الخاطر.

(١٠) الرّوح: الراحة. السحر: أوائل الصباح. الشمال: ريح الشمال الخفيفة.

(١١) هاجته: حركته. الضحى: الصباح. الورق: مفردها الورقاء و هي الحمامة. شدت:

تغنت.


٥٧

و ينعم طرفي إن روته، عشيّة، # لإنسانه عنها بروق، و أهدت‏ (١)


و يمنحه ذوقي و لمسي أكؤس # الشّراب، إذا ليلا، عليّ أديرت‏ (٢)


و يوحيه قلبي للجوانح باطنا # بظاهر ما رسل الجوارح أدّت‏ (٣)


و يحضرني في الجمع من باسمها شدا # فأشهدها، عند السّماع، بجملتي‏ (٤)


فينحو سماء النّفح روحي و مظهري # المسوّى بها، يحنو لأتراب تربتي‏ (٥)


فمنّي مجذوب إليها و جاذب # إليه، و نزع النّزع في كلّ جذبة (٦)


و ما ذاك إلاّ أنّ نفسي تذكّرت # حقيقتها، من نفسها، حين أوحت‏


فحنّت لتجريد الخطاب ببرزخ # التّراب، و كلّ آخذ بأزمّتي‏ (٧)


و ينبيك عن شأني الوليد، و إن نشا # بليدا، بإلهام كوحي و فطنة (٨)


إذا أنّ من شدّ القماط، و حنّ، في # نشاط، إلى تفريج إفراط كربة (٩)


يناغي، فيلغي كلّ كلّ أصابه # و يصغي لمن ناغاه، كالمتنصّت‏ (١٠)


و ينسيه مرّ الخطب حلو خطابه # و يذكره نجوى عهود قديمة (١١)


____________

(١) الطرف: النظر. روته: زارته. انسان العين: بؤبؤها.

(٢) أكؤس: جمع تكسير لكأس.

(٣) الجوارح: الحشا. أدت: أوصلت.

(٤) الشدا: الغناء. بجملتي: لكل جسدي.

(٥) ينحو: يتجه. النفح: الريح الطيبة. الأتراب: واحدها الترب و هو الرفيق. التربة:

المقبرة.


(٦) المجذوب: المشدود. و الجاذب اسم فاعل من جذب بمعنى شد. النزع: الموت.

(٧) البرزخ: القناة بين موضعين. الأزمة: مفردها الزمام و هو العنان أو الرسن.

(٨) ينبيك: يخبرك. نشا: نشأ و ترعرع بليدا: كسولا خاملا.

(٩) شد القماط: كناية عن صغر السن. التفريج: الترويح. الإفراط: الكثرة. الكربة:

الهم و الضيق.


(١٠) المناغاة: كلام الحب. الكلّ: التعب. المنصت: المستمع بدقة.

(١١) الخطب: الأمر العظيم. النجوى: حديث القلب.

٥٨

و يعرب عن حال السّماع بحاله # فيثبت، للرّقص، انتفاء النقيصة (١)


إذا هام شوقا بالمناغي، و همّ أن # يطير إلى أوطانه الأوّليّة (٢)


يسكّن بالتّحريك، و هو بمهده # إذا، ما له أيدي مربّيه، هزّت‏ (٣)


وجدت، بوجد، آخذي عند ذكرها # بتحبير تال، أو بألحان صيّت‏ (٤)


كما يجد المكروب في نزع نفسه # إذا ما له رسل المنايا توفّت‏ (٥)


فواجد كرب في سياق لفرقة # كمكروب وجد لاشتياق لرفقة (٦)


فذا نفسه رقّت إلى ما بدت به، # و روحي ترقّت للمبادي العليّة (٧)


و باب تخطّيّ اتّصالي، بحيث لا # حجاب وصال عنه، روحي ترقّت‏ (٨)


على أثري من كان يؤثر قصده، # كمثلي، فليركب له صدق عزمة (٩)


و كم لجّة قد خضت قبل و لوجه # فقير الغنى ما بلّ منها بنغبة (١٠)


بمرآة قولي، إن عزمت، أريكه # فأصغ لما ألقي بسمع بصيرة (١١)


لفظت من الأقوال لفظي، عبرة # و حظّي، من الأفعال، في كلّ فعلة


____________

(١) يعرب: يدلي و يصرح. يثبت للرقص: يميل إلى الرقص و هي عادة بعض الصوفيين أثناء الذكر. النقيصة: العيب.

(٢) هام شوقا: أحب بعنف. المناغي: الحبيب. هم: باشر.

(٣) يسكن: يهدأ. المهد: السرير.

(٤) جدت: تكرمت. الوجد: العشق الشديد. التالي: المقرئ. الصّيت: المرتفع الصوت.

(٥) المكروب: المحزون اسم مفعول من كرب. المنايا: مفردها المنية و هي الحتف و الموت.

(٦) الكرب: الحزن. السياق: السبيل و المجال. مكروب مرّ ذكرها في البيت السابق.

(٧) رقت: لانت و حنت. ترقت: سمت و ارتفعت.

(٨) التخطي: التجاوز. الحجاب: المانع.

(٩) يؤثره: يفضله. العزمة: العزيمة أو القوة.

(١٠) اللجة: الموجة الكبيرة. الولوج: الدخول. النغبة: الجرعة.

(١١) أريكه: أريك إياه.

٥٩

و لحظي على الأعمال حسن ثوابها # و حفظي، للأحوال، من شين ريبة (١)


و وعظي بصدق القصد إلقاء مخلص # و لفظي اعتبار اللّفظ في كلّ قسمة


و قلبي بيت فيه أسكن، دونه # ظهور صفاتي عنه من حجبيتي‏ (٢)


و منها يميني، فيّ ركن مقبّل، # و من قبلتي، للحكم، في فيّ قبلتي‏


و حولي بالمعنى طوافي، حقيقة، # و سعيي، لوجهي، من صفائي لمروتي‏ (٣)


و في حرم من باطني أمن ظاهري # و من حوله يخشى تخطّف جيرتي‏ (٤)


و نفسي بصومي عن سواي، تفرّدا # زكت، و بفضل الفيض عنّي زكّت‏


و شفع وجودي في شهودي ظلّ في # اتّحادي، وترا، في تيقّظ غفوتي‏ (٥)


و إسراء سرّي، عن خصوص حقيقة # إليّ، كسيري في عموم الشريعة (٦)


و لم أله باللاّهوت عن حكم مظهري # و لم أنس بالنّاسوت مظهر حكمتي‏ (٧)


فعنّي، على النّفس، العقود تحكّمت # و منّي على الحسّ، الحدود أقيمت‏ (٨)


و قد جاءني منّي رسول، عليه ما # عنتّ، عزيز بي، حريص لرأفة (٩)


بحكمي من نفسي عليها قضيته، # و لما تولّت أمرها ما تولّت‏ (١٠)


____________

(١) الشين: العيب. الريبة: الشك.

(٢) حجبيتي: اختفائي و تستري.

(٣) الطواف و السعي من اعمال الحج. و الصفا و المروة: مكانان يطوف الحجاج بينهما.

(٤) معنى البيت: ان ما في نفسي من الايمان يمنع الاعتداء على جسدي و يلحق هذا العفو من أحاطني من الجيران.

(٥) الشفع: العدد المزدوج و الوتر العدد المفرد.

(٦) الإسراء: السير ليلا.

(٧) اللاهوت و الناسوت: تعابير تعبر عن حضرة الخالق.

(٨) العقود: العهود و المواثيق. و الحدود. إقامة الحد على النفس و معاقبتها إذا تخطت الحدود الشرعية.

(٩) عنت: شديد العناد.

(١٠) تولت الأولى: أحكمت موضعها. تولت الثانية: بارحت.

٦٠

و من عهد عهدي، قبل عصر عناصري # إلى دار بعث، قبل إنذار بعثة (١)


إليّ رسولا كنت مني مرسلا، # و ذاتي، بآياتي عليّ، استدلّت‏


و لما نقلت النّفس من ملك أرضها # بحكم الشّرا منها، إلى ملك جنّة (٢)


و قد جاهدت، و استشهدت في سبيلها # و فازت ببشرى بيعها، حين أوفت‏ (٣)


سمت بي لجمعي عن خلود سمائها، # و لم أرض إخلادي لأرض خليفتي‏ (٤)


و لا فلك إلاّ، و من نور باطني، # به ملك، يهدي الهدى بمشيئتي‏


و لا قطر إلاّ من فيض ظاهري # به قطرة، عنها السّحائب سحّت‏ (٥)


و من مطلعي، النور البسط، كلمعة # و من مشرعي، البحر المحيط كقطرة (٦)


فكلّي لكلّي طالب، متوجّه، # و بعضي، لبعضي، جاذب بالأعنّة (٧)


و من كان فوق التّحت، و الفوق تحته # إلى وجهه الهادي عنت كلّ وجهة (٨)


فتحت الثّرى فوق الأثير لرتق ما # فتقت، و فتق الرّتق ظاهر سنّتي‏ (٩)


____________

(١) العهد: الزمان. عهدي: ميثاقي. دار البعث: الآخرة.

(٢) الشرا: الشراء.

(٣) البشرى: النبأ السار. أوفت: وصلت.

(٤) سمت: ارتفعت. الإخلاد: الرضوخ.

(٥) القطر: البلد. الفيض: ما تجود به النفس. سحت: سكبت.

(٦) المشرع: مورد الماء.

(٧) الأعنة: واحدها العنان و هو زمام الامر و رباطه.

(٨) في البيت إشارة إلى وجود اللّه جل و علا في كل الجهات في الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب و فوق و تحت و هي الجهات الست.

(٩) الثرى: الأرض. الأثير: الجو أو الفضاء. الرتق: الجمع. فتقت: قسمت أو شقّيت.

٦١

و لا شبهة، و الجمع عين تيقّن، # و لا جهة، و الأين بين تشتّتي‏ (١)


و لا عدّة، و العدّ كالحدّ قاطع # و لا مدّة، و الحدّ شرك موقت‏


و لا ندّ في الدّارين يقضي بنقض ما # بنيت، و يمضي أمره حكم إمرتي‏ (٢)


و لا ضدّ في الكونين، و الخلق ما ترى # بهم للتّساوي من تفاوت خلقتي‏


و مني بدا لي ما عليّ لبسته، # و عني البوادي بي إليّ أعيدت‏ (٣)


و في شهدت السّاجدين لمظهري، # فحقّقت أني كنت آدم سجدتي‏ (٤)


و عاينت روحانيّة الأرضين، في # ملائك علّيّين، أكفاء رتبتي‏ (٥)


و من أفقي الدّاني اجتدى رفقي الهدى # و من فرقي الثاني بدا جمع وحدتي‏ (٦)


و في صعق دك الحسّ خرّت إفاقة # لي، النّفس، قبل التّوبة الموسويّة (٧)


فلا أين بعد العين، و السّكر منه قد # أفقت و عين الغين بالصّحو أصحت‏ (٨)


و آخر محو جاء ختمي، بعده، # كأوّل صحو، لارتسام بعدّة (٩)


____________

(١) التيقن: التأكد من الأمر. الأين: الآن: التشتت: التفرق.

(٢) الند: الشبيه. النقض: المغالطة و الإلغاء.

(٣) البوادي: الظواهر.

(٤) في البيت تورية يقصد بها أنه أول الساجدين للََّه تعالى. بفضل ما أوتيت نفسه من الايمان و الاتصال بالعالم الرباني و هذا أمر لم يصل إليه انسان قبله فكان كسيدنا آدم أول من سجد للََّه تعالى.

(٥) الأرضين: جمع الأرض. عليين: أعلى اماكن الجنة. الأكفاء: الموازون. الرتبة:

المنزلة.


(٦) الداني: القريب. اجتدى: حصل. الفرق الثاني: مصطلح صوفي معناه شهود قيام الخلق بالحق من غير احتجاب.

(٧) الدك: الهدم. خرت: تهدمت. الموسوية: نسبة إلى كليم اللّه سيدنا موسى (ع) .

(٨) لا أين بعد العين: مجاز معناه لا سؤال بعد ظهور الحقيقة. الغين: تعبير صوفي معناه: الاحتجاب عن الشهود مع صحة الاعتقاد.

(٩) المحو: الزوال و المقصود هنا النوم. الصحو: اليقظة و يظهر الطباق واضحا و هذا شأن ابن الفارض في معظم أبيات القصيدة.

٦٢

و كيف دخولي تحت ملكي كأولياء # ملكي و أتباعي و حزبي و شيعتي‏ (١)


و مأخوذ محو الطّمس محقا وزنته # بمحذوذ صحو الحسّ، فرقا بكفّة (٢)


فنقطة عين الغين، عن صحوي انمحت # و يقظة عين العين، محوي، ألغت‏ (٣)


و ما فاقد بالصّحو، في المحو واحد # لتلوينه، أهلا، لتمكين زلفة (٤)


تساوى النشاوى و الصّحاة لنعتهم # برسم حضور، أو بوسم حظيرة (٥)


و ليسوا بقومي من عليهم تعاقبت # صفات التباس، أو سمات بقيّة (٦)


و من لم يرث عنّي الكمال، فناقص # على عقبيه ناكص في العقوبة (٧)


و ما فيّ ما يفضي للبس بقيّة، # و لا في‏ء لي يقضي عليّ بفيئة (٨)


و ما ذا عسى يلقى جنان، و ما به # يفوه لسان، بين وحي و صيغة (٩)


تعانقت الأطراف عندي، و انطوى # بساط السّوى، عدلا، بحكم السويّة (١٠)


و عاد وجودي، في فنا ثنويّة # الوجود، شهودا في بقا أحديّة (١١)


فما فوق طور العقل أوّل فيضة # كما تحت طور النّقل آخر قبضة (١٢)


____________

(١) الأتباع و الحزب و الشيعة: مسميات لمعنى واحد و هو الانصار.

(٢) الطمس: زوال الأثر و اختفاؤه. المحق: الإفناء. المحذوذ: اسم مفعول من حذ بمعنى قطع.

(٣) معنى البيت: إن اتصاله بالعالم الروحاني أصبح وثيقا و لم يعد هناك من عوائق تفصله عن هذا العالم.

(٤) الزلفة: القربى للََّه تعالى.

(٥) النشاوى: السكارى و المعنى مجازي يراد به نشوة العشق الإلهي. الرسم و الوسم العلامة. الحظيرة: مكان الاجتماع.

(٦) تعاقبت: توالت. الالتباس: الريبة و الشك.

(٧) نكص على عقبيه: رجع عمّا كان عليه من خير و لا تستعمل إلاّ للخير.

(٨) الفيئة: الرجعة.

(٩) الجنان: العقل أو القلب. يفوه: ينطق.

(١٠) السوي: الغير. السوية: العدل.

(١١) الثنوية: الشرك باللّه و الاعتقاد بوجود اله ثان. الأحدية: الإقرار بوحدانية اللََّه الذي لا شريك له.

(١٢) الفيضة: ما تجود به الروح من تعلقها بأمر الخالق.

٦٣

لذلك عن تفضيله، و هو أهله، # نهانا، على ذي النّون، خير البريّة (١)


أشرت بما تعطي العبارة، و الذي # تغطّى فقد أوضحته بلطيفة (٢)


و ليس أ لست الأمس غير المن غدا # و جنحي غدا صبحي، و يومي ليلتي‏ (٣)


و سرّ «بلى» للََّه مرآة كشفها # و إثبات معنى الجمع نفي المعيّة (٤)


فلا ظلم تغشى، و لا ظلم يختشى # و نعمة نوري أطفأت نار نقمتي‏ (٥)


و لا وقت إلاّ حيث لا وقت حاسب # وجود وجودي، من حساب الأهلّة


و مسجون حصر العصر لم ير ما وراء # سجيّته، في الجنّة الأبديّة (٦)


فبي دارت الأفلاك، فأعجب لقطبها # المحيط بها، و القطب مركز نقطة (٧)


و لا قطب قبلي، عن ثلاث خلفته # و قطبيّة الأوتاد عن بدليّة (٨)


فلا تعد خطّي المستقيم، فإنّ في # -الزّوايا خبايا، فانتهز خير فرصة (٩)


فعنّي بدا في الذّرّ فيّ الولا، و لي # لبان ثديّ الجمع، منّي درّت‏ (١٠)


و أعجب ما فيها شهدت، فراعني # و من نفث روح القدس في الرّوع روعتي‏ (١١)


و قد أشهدتني حسنها، فشدهت عن # حجاي، و لم أثبت حلاي لدهشتي‏ (١٢)


____________

(١) ذو النون: النبي يونان، البرية: البشر.

(٢) اللطيفة: بالمصطلح الصوفي كل إشارة تفهم دون ان يعبّر عنها بالكلام.

(٣) جنحي: ليلي أو ظلامي.

(٤) انه صدق بوحدانية اللّه بكل صفاته و انكر ان يكون مع اللّه احد.

(٥) تغشى: تغطي و المعنى: عند اتصال الروح بعالم خالقها يمتنع الظلم و الخوف و يسود نور النعمة في صدر العارف المريد.

(٦) سجين: واد في جهنم. و يقال أيضا أنه في اسفل الأرض السابعة حيث ابليس و جنوده.

(٧) القطب: المدار و في المعنى الصوفي القطب هو الرجل العارف الذي ينظر إليه اللّه في كل زمان و مكان.

(٨) خلفته: ورثته. الأوتاد: المنازل الرئيسية الأربعة بين منازل البروج الاثني عشر.

(٩) تعدو: تتجاوز و تتخطى.

(١٠) بدا: ظهر. الذّر: صغار النمل. الولا: ترخيم الولاء. درّت: فاضت لبنا.

(١١) راعني: أخافني. النفث: النفخ. الروع: الخوف.

(١٢) شدهت: دهشت. الحجى: العقل.

٦٤

ذهلت بها عنّي، بحيث ظننتني # سواي، و لم أقصد سواء مظنّتي‏ (١)


و دلّهني فيها ذهولي، فلم أفق # عليّ و لم أقف التماسي بظنّتي‏ (٢)


فأصبحت فيها والها لاهيا بها، # و من ولّهت شغلا بها، عنه ألهت‏ (٣)


و عن شغلي عنّي شغلت، فلو بها # قضيت ردى ما كنت أدري بنقلتي‏ (٤)


و من ملح الوجد المدلّه في الهوى، # المولّه عقلي، سبي سلب كغفلتي‏ (٥)


أسائلها عنّي، إذا ما لقيتها، # و من حيث أهدت لي هداي أضلّت‏ (٦)


و أطلبها منّي، و عندي لم تزل، # عجبت لها بي كيف عنّي استجنّت‏ (٧)


و ما زلت في نفسي بها متردّدا # لنشوة حسّي، و المحاسن خمرتي‏


أسافر عن علم اليقين، لعينه، # إلى حقّه، حيث الحقيقة رحلتي‏


و أنشدني عني، لأرشدني، على # لساني، إلى مسترشدي عند نشدتي‏ (٨)


و أسألني رفعي الحجاب بكشفي # النّقاب، و بي كانت إليّ وسيلتي‏ (٩)


و أنظر في مرآة حسني كي أرى # جمال وجودي، في شهودي طلعتي‏


فإن فهت باسمي أصغ نحوي، تشوّقا # إلى مسمعي ذكري بنطقي و أنصت‏ (١٠)


و ألصق بالأحشاء كفّي عساي أن # أعانقها في وضعها، عند ضمّتي‏ (١١)


____________

(١) السواء: الاستقامة. المظنة: الظّن.

(٢) دلهني: أصاب قلبي بالهم. الذهول: الدهشة. أقفو: اتتبّع.

(٣) والها: شديد العشق.

(٤) الردى: الموت و الهلاك. النقلة: الانتقال من دار الدنيا إلى دار الآخرة.

(٥) الملح: المحاسن. الوجد: شدة العشق. المدلة: معنّى القلب. السبي: الأسر.

(٦) أضلت: اضاعت.

(٧) استجنت: اختفت.

(٨) مسترشدي: دليلي. نشدتي: مطلبي.

(٩) أسألني: اسأل نفسي. الحجاب و النقاب: غطاء الوجه.

(١٠) فهت: نطقت. أنصت: استمع بدقة.

(١١) المعنى انه يلعق كفه بأحشائه عسى ان يعانق روحه.

٦٥

و أهفو لأنفاسي لعلّي واجدي # بها مستجيزا أنّها بي مرّت‏ (١)


إلى أن بدا منّي، لعيني، بارق، # و بان سنا فجري، و بانت دجنّتي‏ (٢)


هناك، إلى ما أحجم العقل دونه # وصلت و بي منّي اتّصالي و وصلتي‏ (٣)


فأسفرت بشرا، إذ بلغت إليّ عن # يقين، يقيني شدّ رحل لسفرتي‏ (٤)


و أرشدتني، إذ كنت عني ناشدي # إليّ، و نفسي بي عليّ دليلتي‏ (٥)


و أستار لبس الحسّ، لما كشفتها # و كانت لها أسرار حكمي أرخت‏


رفعت حجاب النفس عنها بكشفي # النّقاب، فكانت عن سؤالي مجيبتي‏


و كنت جلا مرآة ذاتي من صدا # صفاتي، و مني أحدقت بأشعّة (٦)


و أشهدني إيّاي، إذ لا سواي، في # شهودي، موجود، فيقضي بزحمة (٧)


و أسمعني في ذكري اسمي ذاكري، # و نفسي بنفي الحس أصغت و أسمت‏ (٨)


و عانقتني، لا بالتزام جوارحي # الجوانح، لكنّي اعتنقت هويّتي‏


و أوجدتني روحي، و روح تنفّسي # يعطّر أنفاس العبير المفتت‏


و عن شرك وصف الحسّ كلّي منزه # و فيّ، و قد وحّدت ذاتي، نزهتي‏ (٩)


و مدح صفاتي بي يوفّق مادحي # لحمدي، و مدحي بالصفات مذمّتي‏


فشاهد وصفي بي جليسي و شاهدي # به، لاحتجابي، لن يحلّ بحلّتي‏ (١٠)


____________

(١) اهفو: أميل. المستجيز: طالب الاجازة و السماح في الأمر.

(٢) البارق: الشعاع. السنا: الضياء. الدجنة: الظلام.

(٣) أحجم: امتنع. الوصلة: الوسيلة إلى الأمر.

(٤) البشر: الفوز بالسعادة. شد الرحل: التهيؤ للسفر.

(٥) ناشدي: طالب نفسي.

(٦) جلا: ترخيم جلاء و معناها وضوح. أحدقت: أحيطت.

(٧) و اشهدني إياي: أرى نفسي دون سواها.

معنى البيت: لا اردد غير اسمي و نفسي عند ما أنكرت الحس. لم تتلفظ بغير اسمي.


(٨) الجوارح: اعضاء الجسد. الجوارح. الحشى و الضلوع. هويتي: مذهبي.

(٩) الشرك: الكفر. منزّه: مترفع. و النزهة: الترفع عن الأمور الدنيا.

(١٠) شاهدي: ناظري. احتجابي: اختفائي. يحل: يقيم. حلتي: مقامي.

٦٦

و بي ذكر أسمائي تيقّظ رؤية، # و ذكري بها رؤيا توسّن هجعتي‏ (١)


كذاك بفعلي عارفي بي جاهل، # و عارفه بي عارف بالحقيقة


فخذ علم أعلام الصفات بظاهر # المعالم، من نفس بذاك عليمة


و فهم أسامي الذّات عنها بباطن # العوالم، من روح بذاك مشيرة


ظهور صفاتي عن أسامي جوارحي # مجازا بها للحكم، نفسي تسمّت‏


رقوم علوم في ستور هياكل، # على ما رواء الحسّ، في النّفس ورّت‏ (٢)


و أسماء ذاتي عن صفات جوانحي، # جوازا لأسرار بها، الرّوح سرّت‏ (٣)


رموز كنوز عن معاني إشارة، # بمكنون ما تخفي السرائر حفّت‏ (٤)


و آثارها في العالمين بعلمها، # و عنها بها الأكوان غير غنيّة


وجود اقتنا ذكر، بأيد تحكّم # شهود اجتنى شكر بأيد عميمة (٥)


مظاهر لي فيها بدوت، و لم أكن # عليّ بخاف، قبل موطن برزتي‏ (٦)


فلفظ، و كلّي بي لسان محدّث، # و لحظ، و كلّي فيّ عين لعبرتي‏ (٧)


و سمع، و كلّي بالنّدى أسمع النّدا، # و كلّي، في ردّ الرّدى، يد قوّة (٨)


معاني صفات، ما وراء اللّبس أثبتت # و أسماء ذات، ما روى الحسّ بثّت‏ (٩)


____________

(١) تيقظ رؤيتي: ساعات الصحو عندي. التوسن من الوسن و هو النعاس. الهجعة: الرقاد و النوم.

(٢) رقوم العلوم: الحواس. ستور: مفردها الستر و هو الخباء. ورّت: أخفت.

(٣) جوانحي: ضلوعي. سرت: انشرحت.

(٤) المكنون: المستتر من الأمور. السرائر: مفردها السريرة و هي الضمير. حفت:

أحيطت.


(٥) اقتنا: تخفيف اقتناء استعملت بهذا الشكل لاستقامة الوزن و كذلك الأمر بالنسبة لكلمة اجتنى: اجتناء الايدي العميمة: الايدي المحيطة بكل الأمور: العارفة.

(٦) بدوت: ظهرت. برزتي: ظهوري و انكشافي.

(٧) اللحظ: النظر. العبرة: الدمعة.

(٨) الندا: تخفيف النداء. رد الردى: دفع المنية.

(٩) اللبس: الحيرة و الشك. بثت: نشرت و اشاعت.

٦٧

فتصرفها من حافظ العهد أوّلا، # بنفس، عليها بالولاء، حفيظة


شوادي مباهاة، هوادي تنبّه، # بوادي فكاهات، غوادي رجيّة (١)


و توقيفها من موثق العهد آخرا، # بنفس، على عزّ الإباء، أبيّة (٢)


جواهر أنباء، زواهر وصلة، # طواهر أبناء، قواهر صولة (٣)


و تعرفها من قاصد الحزم، ظاهرا، # سجيّة نفس، بالوجود، سخيّة (٤)


مثاني مناجاة، معاني نباهة، # مغاني محاجاة، مباني قضيّة (٥)


و تشريفها من صادق العزم، باطنا، # إنابة نفس، بالشّهود، رضيّة (٦)


نجائب آيات، غرائب نزهة، # رغائب غايات، كتائب نجدة (٧)


فللّبس منها بالتعلّق في مقام # الإسلام، عن أحكامه الحكميّة


عقائق إحكام، دقائق حكمة، # حقائق إحكام، رقائق بسطة (٨)


و للحسّ منها بالتحقّق في مقام # الإيمان، عن أعلامه العمليّة


صوامع أذكار، لوامع فكرة # جوامع آثار، قوامع، عزّة (٩)


____________

(١) الشوادي: مفردها الشادي و هو المغني المترنم. المباهاة: التفاخر و الاعتزاز. الهوادي مفردها الهادي و هو المرشد. البوادي مفردها البادي و هو الظاهر. الغوادي: مفردها الغادي و هو الآتي في الصباح. الرجية: الأمل.

(٢) موثق العهد: العهد الأكيد. الاباء: الشمم.

(٣) الزواهر: الورود. الوصلة: الود و اللقاء. الصولة: العراك.

(٤) السجية: الطبع. السخية: الكريمة.

(٥) المثاني: الآيات الكريمة. النباهة: الفطنة و الذكاء. المحاجاة: المجادلة بالأحاجي و الألغاز.

(٦) انابة: توبة. رضية: قانعة.

(٧) نجائب: مفردها نجيب و نجيبة. و هنا الآية الكريمة. كتائب: مفردها كتيبة و هي الفرقة من الجيش.

(٨) العقائق: مفردها العقيقة و هي شعاع البرق المتبقى في السحاب. الرقائق: الصحائف البيضاء.

(٩) الصوامع: مفردها الصومعة و هي مكان العبادة. الأذكار مفردها الذكر و هو التوحيد.

اللوامع: بلغة الصوفية هي الأنوار التي تبدو لأهل البدايات من أرباب النفوس الطاهرة.


القوامع: الروادع.


٦٨

و للنّفس منها، بالتخلّق، في مقام # الإحسان عن أنبائه النبويّة


لطائف أخبار، وظائف منحة، # صحائف أحبار، خلائف حسبة (١)


و للجمع من مبدا، كأنّك و انتهى # فإن لم تكن عن آية النظريّة (٢)


غيوث انفعالات، بعوث تنزّه، # حدوث اتصالات، ليوث كتيبة (٣)


فمرجعها للحسّ، في عالم الشهادة # المجتدي، ما النفس منّي أحسّت‏


فصول عبارات، وصول تحيّة، # حصول إشارات، أصول عطيّة


و مطلعها في عالم الغيب ما وجدت # من نعم مني، عليّ استجدّت‏ (٤)


بشائر إقرار، بصائر عبرة، # سرائر آثار، ذخائر دعوة (٥)


و موضعها في عالم الملكوت ما # خصصت من الإسرا به دون أسرتي‏ (٦)


مدارس تنزيل، محارس غبطة، # مغارس تأويل، فوارس منعة (٧)


و موقعها من عالم الجبروت من # مشارق فتح، للبصائر مبهت‏ (٨)


أرائك توحيد، مدارك زلفة، # مسالك تمجيد، ملائك نصرة (٩)


____________

(١) اللطائف: مفردها اللطيفة و هي النادرة الطريفة. الصحائف الأوراق. الأحبار واحدها الحبر و هو العالم العارف. الخلائف مفردها الخليفة و هو الذي يلي المتقدمين.

الحسبة: الثواب.


(٢) مبدا: مبدأ.

(٣) الغيوث: مفردها الغيث و هو المطر. و هنا مفردها الغائث و المغيث و هو المنجد.

البعوث: الموفدون. الليوث: الأسود و واحدها الليث. الكتيبة: الفرقة من الجيش.


(٤) استجدت: طرأت.

(٥) البشائر: الاخبار السارة. البصائر: العقول و مفردها البصيرة و معناها بلغة الصوفيين القلب القوي بنور اللّه الذي يرى ظواهر الأشياء و بواطنها. السرائر: مفردها السريرة و هي الضمير. الذخائر مفردها: الذخيرة و هي المقتنى من كل شي‏ء.

(٦) الإسرا: الإسراء أو السير ليلا. أسرتي: أهلي.

(٧) محارس: حراس. الغبطة: السرور. مغارس: زارعون: التأويل: شرح آيات الكتاب.

المنعة: الحمية و القوة.


(٨) الجبروت: القوة. المشارف: بدايات الأمر. مبهت: مدهش.

(٩) الأرائك: مفردها اريكة و هي المتكأ. مدارك: واحدها مدرك و هو الواصل للأمر العارف فيه. الزلفة: القربى من اللّه تعالى.

٦٩

و منبعها بالفيض، في كلّ عالم، # لفاقة نفس، بالإفاقة أثرت‏ (١)


فوائد إلهام، روائد نعمة، # عوائد إنعام، موائد نعمة


و يجري بما تعطي الطريقة سائري، # على نهج ما مني، الحقيقة أعطت‏


و لمّا شعبت الصّدع و التأمت فطور # شمل بفرق الوصف غير مشتّت‏ (٢)


و لم يبق ما بيني و بين توثّقي # بإيناس ودّي، ما يؤدّي لوحشة (٣)


تحقّقت أنّا، في الحقيقة، واحد، # و أثبت صحو الجمع محو التشتت‏ (٤)


و كلّي لسان، ناظر، مسمع، يد، # لنطق، و إدراك، و سمع، و بطشة (٥)


فعيني ناجت، و اللّسان مشاهد، # و ينطق مني السمع، و اليد أصغت‏ (٦)


و سمعي عين تجتلي كلّ ما بدا، # و عيني سمع، إن شدا القوم تنصت‏ (٧)


و منّي، عن أيد، لساني يد، كما # يدي لي لسان في خطابي و خطبتي‏ (٨)


كذاك يدي عين ترى كلّ ما بدا، # و عيني يد مبسوطة عند بسطتي‏ (٩)


و سمعي لسان، في مخاطبتي، كذا، # لساني، في إصغائه، سمع منصت‏


____________

(١) الفيض: الجود. الفاقة: الحاجة و العوز. اثرت: اغثنت.

(٢) شعبت الصدع: جمعت الكسر. التأمت: اتحدت. الفطور: الشقوق. مشتت:

مفرّق.


(٣) توثّقي: يقيني. الإيناس: السلوى.

(٤) يعود ابن الفارض في هذا البيت إلى مذهب أو فكرة الحلولية و هي التوحد بين نفس المرء و عالم الروح و في ذلك حلول الواحد في الكل و عكسه.

(٥) كلمات العجز تعود بالترتيب إلى كلمات الصدر فاللسان للنطق و الإدراك للنظر و السمع للمسمع و البطشة لليد و هذا الأسلوب يسمى في البلاغة الطيّ و النشر. أو رد العجز على الصدر.

(٦) يظهر في هذا البيت و ما يليه توحد الأشياء بحيث يصبح السمع مرة بصرا و مرة يدا و كذلك الأمر بالنسبة لبقية الأعضاء.

(٧) تجتلي: ترى بوضوح. بدا: ظهر. شدا: ترنم و هنا تكلم.

(٨) الأيد: القوة و الدعم.

(٩) اليد المبسوطة: الممدودة. البسطة: الانشراح.

٧٠

و للشّمّ أحكام اطّراد القياس في # اتّحاد صفاتي، أو بعكس القضيّة (١)


و ما فيّ عضو خصّ، من دون غيره # بتعيين وصف مثل عين البصيرة (٢)


و مني، على أفرادها، كلّ ذرّة، # جوامع أفعال الجوارح أحصت‏ (٣)


يناجي و يصغي عن شهود مصرّف # بمجموعه في الحال عن يد قدرة (٤)


فأتلو علوم العالمين، بلفظة، # و أجلو عليّ العالمين، بلحظة


و أسمع أصوات الدّعاة و سائر # اللّغات بوقت، دون مقدار لمحة


و أحضر ما قد عزّ، للبعد، حمله # و لم يرتدد طرفي إليّ بغمضة (٥)


و أنشق أرواح الجنان، و عرف ما # يصافح أذيال الرّياح بنسمة (٦)


و أستعرض الآفاق نحوي، بخطرة، # و أخترق السّبع الطّباق بخطوة (٧)


و أشباح من لم تبق فيهم بقيّة # لجمعي، كالأرواح حفّت، فخفّت‏


فمن قال، أو من طال، أو صال، إنما، # يمتّ بإمدادي له برقيقة (٨)


و ما سار فوق الماء، أو طار في الهوا # أو اقتحم النّيران، إلاّ بهمّتي‏ (٩)


____________

(١) اطّراد القياس: الحكم على أمر مشابه. القضية: الأمر المختلف عليه.

(٢) عين البصيرة: صواب العقل.

(٣) الذرة: القسم الأصغر من الشي‏ء. الجوارح: الضلوع. أحصت: عدت.

(٤) يناجي: يحدث بقلبه. الشهود المصرف: الحقيقة المرئية المطلقة.

(٥) يلاحظ ان الشاعر فك ادغام الحرف الأخير في الفعل يرتد و ذلك مراعاة للوزن. و الطرف هو النظر.

(٦) أنشق: أشم و أتنفس. العرف: الرائحة الطيبة.

(٧) الخطرة: اللمحة. السبع الطباق: السموات السبع.

(٨) البقية: الرمق. حفّت: أحاطت.

في هذا البيت يعزو ابن الفارض الفضل في علوم العارفين إلى نفسه. فكل من قال قولا أن كان له يد فصال و جال كانت له من الشاعر مساعدة.


يمت: يتصل. الرقيقة: اللطيفة أو المساعدة و هي في المعنى الصوفي الواسطة التي تصل بين شيئين و منها الخيرات التي تصل من الخالق إلى العبد.


(٩) في هذا البيت تتمة لما ورد في البيت السابق. فهو يقول أن الطيور و البهائم و الناس ما كانت لتقوم بأي عمل ما لم يقدم هو يد المساعدة.

٧١

و عنّي من أمددته برقيقة، # تصرّف عن مجموعه في دقيقة (١)


و في ساعة، أو دون ذلك، من تلا # بمجموعه جمعي تلا ألف ختمة (٢)


و منّي، لو قامت، بميت، لطيفة، # لردّت إليه نفسه، و أعيدت‏


هي النّفس، إن ألقت هواها تضاعفت # قواها، و أعطت فعلها كلّ ذرّة (٣)


و ناهيك جمعا، لا بفرق مساحتي # مكان مقيس أو زمان موقّت‏ (٤)


بذاك علا الطّوفان نوح، و قد نجا # به من نجا من قومه في السفينة


و غاض له ما فاض عنه، استجادة، # و جدّ إلى الجودي بها، و استقرّت‏ (٥)


و سار، و متن الرّيح تحت بساطه، # سليمان بالجيشين، فوق البسيطة (٦)


و قبل ارتداد الطرف أحضر من سبا # له عرش بلقيس، بغير مشقّة (٧)


و أخمد إبراهيم نار عدوّه، # و عن نوره عادت له روض جنّة (٨)


و لمّا دعا الأطيار من كلّ شاهق، # و قد ذبحت، جاءته غير عصيّة (٩)


____________

(١) أمددته: وصلته بالمساعدة. الرقيقة: اللطيفة أو المساعدة.

(٢) تلا: قرأ القرآن. الختمة هي الختمة أو تلاوة القرآن الكريم بالكامل.

(٣) ألقت: رمت و هنا بمعنى وضعت. تضاعفت: ازدادت قوة.

(٤) ناهيك: اسم فعل بمعنى زد على ذلك.

(٥) غاض: هدأ و استقر. جدّ: سار بعزم. الجودي: الجبل الذي استقرت عنده سفينة نوح (ع) عند الطوفان.

(٦) الجيشين: جيش الإنس و الجان. و في البيت إشارة إلى قصة سيدنا سليمان (ع) .

البسيطة: الأرض.


(٧) في البيت محاكاة للآية الكريمة: قََالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتََابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ . من الآية ٤٠ من سورة النمل و المقصود في القول عرش بلقيس في سبأ» .

(٨) إشارة إلى قصة سيدنا إبراهيم (ع) حين القي في النار و كانت عليه بردا و سلاما. أخمد:

اطفأ. الروض: الجنة.


(٩) الشاهق: المكان المرتفع. غير عصية: مطيعة لأمره.

٧٢

و من يده موسى عصاه تلقّفت، # من السّحر، أهوالا على النّفس شقّت‏ (١)


و من حجر أجرى عيونا بضربة # بها ديما، سقّت، و للبحر شقّت‏ (٢)


و يوسف، إذ ألقى البشير قميصه # على وجه يعقوب، عليه بأوبة (٣)


رآه بعين، قبل مقدمه بكى # عليه بها، شوقا إليه، فكفّت‏ (٤)


و في آل إسرائيل مائدة من # السّماء، لعيسى، أنزلت ثمّ مدّت‏ (٥)


و من أكمه أبرا، و من وضح عدا # شفى، و أعاد الطّين طيرا بنفخة (٦)


و سرّ انفعالات الظّواهر، باطنا # عن الإذن، ما ألقت بأذنك صيغتي‏


و جاء بأسرار الجميع مفيضها # علينا، لهم ختما على حين فترة (٧)


و ما منهم، إلاّ و قد كان داعيا # به قومه للحقّ، عن تبعيّة


فعالمنا منهم نبيّ، و من دعا # إلى الحقّ منّا قام بالرسليّة (٨)


و عارفنا، في وقتنا، الأحمديّ من، # أولي العزم منهم، آخذ بالعزيمة (٩)


و ما كان منهم معجزا، صار بعده، # كرامة صدّيق له، أو خليفة


____________

(١) تلقفت: التهمت. الأهوال: مفردها الهول و هو الأمر العظيم. شقت: صعبت.

(٢) إشارة إلى الآية الكريمة: وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ مُوسى‏ََ إِذِ اِسْتَسْقََاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتََا عَشْرَةَ عَيْناً من الآية ١٦٠ سورة الأعراف.

الديم: مفردها الديمة و هي السحابة الماطرة.


(٣) محاكاة لقصة سيدنا يوسف بن يعقوب عليهما السلام. عند ما جاءه البشير بقميص يوسف فاستبشر يعقوب بعودته. و الأوبة هي العودة.

(٤) إشارة إلى ارتداد بصر يعقوب بعد ان عميت عيناه حزنا على فراق ولده يوسف (ع) .

(٥) إشارة إلى سورة المائدة رَبَّنََا أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ .

(٦) إشارة إلى معجزات الأنبياء (ع) في شفاء الأكمه و الأبرص.

الأكمه: المولود و هو اعمى. الوضح: الأبرص.


(٧) الفترة: المسافة الزمنية بين مجي‏ء نبيّين.

(٨) الرسلية: تأدية الرسالة.

(٩) الأحمدي: نسبة إلى النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) . أولي العزم انبياء اللّه: نوح و إبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و أيوب و موسى و داوود و عيسى عليهم السلام.

٧٣

بعترته استغنت عن الرّسل الورى # و أصحابه، و التّابعين الأئمّة (١)


كراماتهم من بعض ما خصّهم به # بما خصّهم من إرث كلّ فضيلة


فمن نصرة الدّين الحنيفيّ بعده # قتال أبي بكر، لآل حنيفة


و سارية، الجاه للجبل النّداء # من عمر، و الدّار غير قريبة


و لم يشتغل عثمان عن ورده، و قد # أدار عليه القوم كأس المنيّة (٢)


و أوضح بالتأويل ما كان مشكلا # عليّ، بعلم ناله بالوصيّة (٣)


و سائرهم مثل النجوم، من اقتدى # بأيّهم منه اهتدى بالنصيحة


و للأولياء المؤمنين به، و لم # يروه اجتنى قرب لقرب الأخوّة


و قربهم معنى له، كاشتياقه # لهم صورة، فأعجب لحضرة غيبة


و أهل تلقّى الروح باسمي، دعوا إلى # سبيلي، و حجّوا الملحدين بحجّتي‏ (٤)


و كلّهم، عن سبق معناي، دائر # بدائرتي، أو وارد من شريعتي‏ (٥)


و إنّي، و إن كنت ابن آدم، صورة، # فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي‏ (٦)


و نفسي على حجر التّجلّي، برشدها، # تجلّت، و في حجر التجلّي تربّت‏ (٧)


و في المهد حزبي الأنبياء، و في # عناصري لوحي المحفوظ، و الفتح سورتي‏ (٨)


و قبل فصالي، دون تكليف ظاهري، # ختمت بشرعي الموضحي كلّ شرعة (٩)


____________

(١) العترة: العشيرة و ذوو القربى. الورى: الخلق.

(٢) الورد: تلاوة الجزء من القرآن الكريم.

(٣) في هذا البيت و الثلاثة التي سبقته تعداد لمآثر الخلفاء الراشدين: أبي بكر و عمر و عثمان و علي رضي اللّه عنهم.

(٤) حجوا الملحدين: غلبوا الكفّار بحجتهم. و عقلهم.

(٥) دائر بدائرتي: مجاز مفاده آخذ من علمي وارد: شارب. الشريعة: مورد الماء.

(٦) يتطرق ابن الفارض في هذا البيت إلى قول الصوفية بوجودهم قبل وجود سيدنا آدم (ع) .

(٧) الحجر بكر الحاء المنزل و الحصن.

(٨) في البيت إشارة إلى ثبات العقيدة التي لا يتمتع بها إلا الأنبياء.

(٩) الفصال: سن الفطام. التكليف: الوصول إلى سن البلوغ. الموضحي: المبين لي.

٧٤

فهم و الألى قالوا بقولهم على # صراطي، لم يعدوا مواطئ مشيتي‏ (١)


فيمن الدعاة السابقين إليّ في # يميني، و يسر اللاّحقين بيسرتي‏ (٢)


و لا تحسبنّ الأمر عنّي خارجا، # فما ساد إلاّ داخل في عبودتي‏ (٣)


و لولاي لم يوجد وجود، و لم يكن # شهود، و لم تعهد عهود بذمّة


فلا حيّ، إلاّ من حياتي حياته، # و طوع مرادي كلّ نفس مريدة (٤)


و لا قائل، إلاّ بلفظي محدّث، # و لا ناظر إلاّ بناظر مقلتي‏ (٥)


و لا منصت، إلاّ بسمعي سامع، # و لا باطش إلاّ بأزلي و شدّتي‏ (٦)


و لا ناطق غيري، و لا ناظر، و لا # سميع سوائي من جميع الخليقة (٧)


و في عالم التركيب، في كلّ صورة، # ظهرت بمعنى، عنه بالحسن زينت‏


و في كلّ معنى، لم تبنه مظاهري، # تصوّرت، لا في صورة هيكليّة


و فيما تراه الرّوح كشف فراسة # خفيت عن المعنى المعنّى بدقّة (٨)


و في رحموت البسط، كلّي رغبة # بها انبسطت آمال أهل بسيطتي‏ (٩)


و في رهبوت القبض، كلّي هيبة، # ففيما أجلت العين منّي أجلّت‏ (١٠)


و في الجمع بالوصفين، كلّي قربة # فحيّ على قربى خلالي الجميلة (١١)


و في منتهى في، لم أزل بي واجدا # جلال شهودي، عن كمال سجيّتي‏ (١٢)


____________

(١) لم يعدوا: لم يتخطوا. المواطئ: الأماكن التي تدوسها الأقدام.

(٢) اليمن: الخير و البركة. اليسر: تيسير الأمر.

(٣) ساد: سيطر و استلم القيادة. العبودة: العبودية.

(٤) يعزو ابن الفارض وجود الخلق لوجوده. إذ لولاه لما وجدت الدنيا.

(٥) المقلة: العين.

(٦) الباطش: القوي الجبار. الأزل: الشدة.

(٧) سوائي: سواي أو غيري.

(٨) الفراسة: النباهة. المعنى المعنّى: المعنى المقصود.

(٩) الرحموت: الرحمة. انبسطت: انفرجت. البسيطة: الأرض.

(١٠) الرهبوت: الرهبة. الهيبة: الوقار. أجلت العين: أدرتها. أجلت: أوضحت.

(١١) القربة: التقرب من اللّه تعالى. الخلال: المزايا و الصفات.

(١٢) في منتهى في: في نهاية كل امر. السّجية: الطبع و الخلق.

٧٥

و في حيث لا في، لم أزل فيّ شاهدا # جمال وجودي، لا بناظر مقلتي‏ (١)


فإن كنت منّي، فانح جمعي و امح فرق # صدعي، و لا تجنح لجنح الطبيعة (٢)


فدونكها آيات إلهام حكمة، # لأوهام حدس الحسّ، عنك، مزيلة (٣)


و من قائل بالنّسخ، و المسخ واقع # به، ابرأ، و كن عمّا يراه بعزلة (٤)


و دعه و دعوى الفسخ، و الرّسخ لائق # به، أبدا، لو صحّ في كلّ دورة (٥)


و ضربي لك الأمثال، منّي منّة، # عليك بشأني، مرّة بعد مرّة (٦)


تأمّل مقامات السّروجيّ، و اعتبر # بتلوينه تحمد قبول مشورتي‏ (٧)


و تدر التباس النّفس بالحسّ، باطنا، # بمظهرها في كلّ شكل و صورة


و في قوله إن مان فالحقّ ضارب # به مثلا، و النفس غير مجدّة (٨)


فكن فطنا، و انظر بحسّك، منصفا # لنفسك في أفعالك الأثريّة (٩)


و شاهد، إذا استجليت نفسك ما ترى # بغير مراء، في المرائي الصقيلة (١٠)


أ غيرك فيها لاح، أم أنت ناظر # إليك بها، عند انعكاس الأشعّة


____________

(١) في حيث لا في: حيث لا ينتهي أمر.

(٢) انح: أمر من نحا بمعنى سار نحو. الجنح: الجهة.

(٣) دونك: اسم فعل أمر بمعنى خذ. الحدس: الشعور بالشي‏ء قبل حصوله و هو ما يسمى بالحاسّة السادسة.

(٤) النسخ: انتقال الروح من انسان إلى انسان آخر و هي فكرة شبيهة بالتقمص. و المسخ انتقال ذات الإنسان إلى بدن حيوان.

(٥) الفسخ: انتقال النفس الإنسانية من بدن الإنسان إلى الجماد. و أما الرسخ فهو انتقال النفس إلى النبات.

(٦) المنة: العطاء و الجميل.

(٧) السروجي: بطل مقامات الحريري كما ابن هشام بطل مقامات الهمذاني. التلوين:

الانتقال من حال إلى حال و عدم الثبات على موقف.


(٨) حان: كذب. المجدّة: الساعية.

(٩) الفطن: الداري الذكي. الأفعال الأثرية: الأفعال الباقية بعد زوال الإنسان.

(١٠) استجليت نفسك: رأيتها بوضوح. مراء مفردها المرآة. الصقيلة: الجيدة الصقل التي تعكس الرؤيا بوضوح.

٧٦

و أصغ لرجع الصوت، عند انقطاعه # إليك، بأكناف القصور المشيدة (١)


أهل كان من ناجاك، ثمّ، سواك، أم # سمعت خطابا عن صداك المصوّت‏ (٢)


و قل لي: من ألقى إليك علومه، # و قد ركدت منك الحواس بغفوة (٣)


و ما كنت تدري، قبل يومك، ما جرى # بأمسك، أو ما سوف يجري بغدوة


فأصبحت ذا علم بأخبار من مضى # و أسرار من يأتي، مدلا بخبرة (٤)


أ تحسب من جاراك، في سنة الكرى # سواك بأنواع العلوم الجليلة (٥)


و ما هي إلاّ النّفس، عند اشتغالها # بعالمها، عن مظهر البشريّة


تجلّت لها بالغيب، في شكل عالم، # هداها إلى فهم المعاني الغريبة (٦)


و قد طبعت فيها العلوم، و أعلنت # بأسمائها، قدما، بوحي الأبوّة (٧)


و بالعلم من فوق السّوى ما تنعّمت، # و لكن بما أملت عليها تملّت‏ (٨)


و لو أنّها، قبل المنام، تجرّدت # لشاهدتها مثلي، بعين صحيحة (٩)


و تجريدها العاديّ، أثبت، أوّلا # تجرّدها الثّاني المعادي، فأثبت‏


و لا تك ممّن طيّشته دروسه، # بحيث استقلّت عقله، و استقرّت‏ (١٠)


فثمّ، وراء النّقل، علم، يدقّ عن # مدارك غايات العقول السليمة (١١)


____________

(١) اكناف القصور: ارجاء القصور. المشيدة: العامرة.

(٢) ثم: غير. صداك المصوّت: صوت نفسك عند ترجيع الصدى.

(٣) ركدت: هدأت. الغفوة: النوم القليل.

(٤) المدلّ: المعتدّ.

(٥) جاراك: سايرك. السنة: النعاس. الكرى: النوم.

(٦) تجلت: ظهرت واضحة.

(٧) طبعت فيها العلوم: وجدت بكثرة حتى أصبحت من صفاتها.

(٨) السوي: الغير. تنعمت: حصلت على الخير. أملت: نصّت. تملت: شبعت.

(٩) تجردت: مجاز معناه ظهرت على حقيقتها. العين الصحيحة: التي لا تشوبها شائبة.

(١٠) طيشته: أجهلته. استقرت: توطنت. و المعنى لا تكن جاهلا تتحكم اهواؤه بمسار حياته.

(١١) يدق: ينم. المدارك: المعالم.

٧٧

تلقّيته منّي، و عني أخذته، # و نفسي كانت، من عطائي، ممدّتي‏ (١)


و لا تك باللاّهي عن اللّهو جملة # فهزل الملاهي جدّ نفس مجدّة (٢)


و إيّاك و الإعراض عن كلّ صورة # مموّهة، أو حالة مستحيلة (٣)


فطيف خيال الظلّ، يهدي إليك، في # كرى اللّهو، ما عنه الستائر شقّت‏ (٤)


ترى صورة الأشياء تجلى عليك، من # وراء حجاب اللّبس، في كلّ خلعة (٥)


تجمّعت الأضداد فيها لحكمة، # فأشكالها تبدو على كلّ هيئة


صوامت تبدي النطق، و هي سواكن، # تحرّك، تهدي النّور، غير ضويّة (٦)


و تضحك إعجابا، كأجزل فارح # و تبكي انتحابا، مثل ثكلى حزينة (٧)


و تندب، إن أنّت، على سلب نعمة، # و تطرب، إن غنّت، على طيب نغمة (٨)


يرى الطير في الأغصان يطرب سجعها # بتغريد ألحان، لديك، شجيّة


و تعجب من أصواتها بلغاتها، # و قد أعربت عن ألسن أعجمية


و في البرّ تسري العيس، تخترق الفلا، # و في البحر تجري الفلك في وسط لجة (٩)


و تنظر للجيشين في البرّ، مرّة، # و في البحر، أخرى، في جموع كثيرة


لباسهم نسج الحديد لبأسهم # و هم في حمى حدّي: ظبى و أسنّة (١٠)


____________

(١) تلقيته: أخذته. الممدّة: المعينة على الأمر.

(٢) الهزل: عدم الجد. الجد: السعي. مجدة: ساعية.

(٣) الإعراض: الميل. مموهة: غير واضحة المعالم.

(٤) الطيف: الخيال أو الصورة الغير واضحة. الكرى: النوم. شقت: فتحت ليظهر ما وراءها.

(٥) تجلى: تظهر بوضوح. حجاب اللبس: حجاب الشك. الخلعة: الثوب.

(٦) صوامت: ساكتات. سواكن: ساكنات. ضوية: منيرة.

(٧) أجزل فارح: أكثر الناس فرحا. انتحابا: بكاء قويا. الثكلى: التي فقدت زوجها أو ابنها.

(٨) أنت: توجعت من البكاء و الحزن. سلب النعمة: فقدانها.

(٩) العيس: الإبل. تخترق: تجتاز. الفلا: الأرض الواسعة كالصحراء. الفلك: السفن.

اللجة: الموج العظيم.


(١٠) نسج الحديد: الدروع. البأس: الشدة. الظبي و الأسنة: السيوف و الرماح.

٧٨

فأجناد جيش البرّ، ما بين فارس # على فرس، أو راجل، ربّ رجلة (١)


و أكناد جيش البحر، ما بين راكب، # مطا مركب، أو صاعد، مثل صعدة (٢)


فمن ضارب بالبيض، فتكا، و طاعن # بسمر القنا العسّالة السمهريّة (٣)


و من مغرق، في النار، رشقا بأسهم # و من محرق بالماء، زرقا بشعلة (٤)


ترى ذا مغيرا، باذلا نفسه، رذا # يولّي كسيرا، تحت ذلّ الهزيمة (٥)


و تشهد رمي المنجنيق، و نصبه # لهدم الصّياصي، و الحصون المنيعة (٦)


و تلحظ أشباحا، تراءى بأنفس # مجرّدة، في أرضها مستجنّة (٧)


تباين أنس الإنس صورة لبسها # لوحشتها، و الجنّ غير أنيسة


و تطرح في النهر الشّباك، فتخرج # السّماك يد الصّيّاد منها، بسرعة


و يحتال، بالأشراك، ناصبها على # وقوع خماص الطّير فيها بحبّة (٨)


و يكسر سفن اليمّ ضاري دوابه # و تظفر آساد الشّرى بالفريسة (٩)


و يصطاد بعض الطّير بعضا من الفضا # و يقنص بعض الوحش بعضا بقفرة (١٠)


و تلمح منها ما تخطّيت ذكره، # و لم أعتمد إلاّ على خير ملحة (١١)


و في الزّمن الفرد اعتبر تلق كلّ ما # بدا لك، لا في مدّة مستطيلة


____________

(١) الفارس: المحارب راكب الفرس. الراجل: المحارب على قدميه. ربّ الرجلة:

قائد الرجال.


(٢) الاكناد: واحدها الكند و هو القوي الشرس. مطا: ركب فوق.

(٣) البيض: السيوف. سمر القنا: الرماح. العسالة و السمهرية: من صفات الرماح.

(٤) الرشق و الزرق: رمي النبال.

(٥) المغير: المتقدم. المولي: المتراجع. الكسير: المغلوب.

(٦) المنجنيق: من آلات الحرب القديمة. الصياصي: القلاع و مفردها الصيصية.

(٧) تراءى: تتراءى تظهر. مستجنة: ظاهرة.

(٨) الأشراك: واحدها الشرك و هو الفخ. خماص الطير: الطيور الجائعة.

(٩) اليم: من أسماء البحر. ضاري الدواب: الوحوش الكاسرة. آساد الشرى: سباع الغاب.

(١٠) يقنص: يصيد. القفرة: الأرض الخلاء أو الصحراء.

(١١) تخطيت: تتبعت. الملحة: الطرفة.

٧٩

و كلّ الذي شاهدته فعل واحد # بمفرده، لكن بحجب الأكنة (١)


إذا ما أزال السّتر لم تر غيره، # و لم يبق، بالاشكال، إشكال ريبة (٢)


و حقّقت، عند الكشف، أنّ بنوره # -اهتديت، إلى أفعاله، بالدّجنّة (٣)


كذا كنت، ما بيني و بيني، مسهلا، # حجاب التباس النّفس، في نور ظلمة (٤)


لأظهر بالتدريج، للحسّ مؤنسا # لها، في ابتداعي، دفعة بعد دفعة (٥)


قرنت بجدّي لهو ذاك، مقرّبا، # لفهمك، غايات المرامي البعيدة (٦)


و يجمعنا، في المظهرين، تشابه، # و ليست، لحالي، حاله بشبيهة


فأشكاله، كانت مظاهر فعله، # بستر تلاشت، إذ تجلّى، و ولّت‏ (٧)


و كانت له، بالفعل، نفسي شبيهة # و حسّي كالإشكال و اللّبس سترتي‏


فلمّا رفعت السّتر عنّي، كرفعه، # بحيث بدت لي النفس، من غير حجّة


و قد طلعت شمس الشّهود، فأشرق # الوجود، و حلّت بي عقود أخيّة (٨)


قتلت غلام النفس بين إقامتي # الجدار لاحكامي، و خرق سفينتي‏


و عدت بإمدادي على كلّ عالم، # على حسب الأفعال، في كلّ مدّة


و لو لا احتجابي بالصفات، لأحرقت # مظاهر ذاتي، من سناء سجيّتي‏ (٩)


و ألسنة الأكوان، إن كنت واعيا، # شهود بتوحيدي، بحال فصيحة


____________

(١) الحجب: الستور واحدها الحجاب. الأكنة: الحجب و هي الهياكل الإنسانية المرخية بين عالم الغيب و الحق.

(٢) الإشكال: الشك في الأمر. الريبة: الشك.

(٣) الدجنة: سواد الليل.

(٤) مسبلا: مرخيا.

(٥) المؤنس: المسلي. ابتداعي: ابتكاري.

(٦) قرنت: مازجت. المرامي: الغايات.

(٧) الستر: الحجب و قد مرّ معناها الصوفي قبل أبيات.

(٨) عقود أخية: مواثيق ذمة و حرمة.

(٩) احتجابي: تستري. السناء: النور. السجية: الطبع.

٨٠

و جاء حديث، في اتّحادي، ثابت، # روايته في النقل غير ضعيفة (١)


يشير بحبّ الحقّ، بعد تقرّب # إليه بنقل، أو أداء فريضة (٢)


و موضع تنبيه الإشارة ظاهر: # بكنت له سمعا، كنور الظّهيرة


تسبّبت في التوحيد، حتى وجدته، # و واسطة الأسباب إحدى أدلّتي‏ (٣)


و وحّدت في الأسباب، حتى فقدتها، # و رابطة التّوحيد أجدى وسيلة


و جرّدت نفسي عنهما، فتجرّدت # و لم تك يوما، قطّ، غير وحيدة


و غصت بحار الجمع، بل خضتها على # انفرادي، فاستخرجت كلّ يتيمة (٤)


لأسمع أفعالي بسمع بصيرة، # و أشهد أقوالي بعين سميعة


فإن ناح في الايك الهزار، و غرّدت، # جوابا له، الأطيار في كلّ دوحة (٥)


و أطرب بالمزمار مصلحه على # مناسبة الأوتار من يد قينة (٦)


و غنّت من الأشعار ما رقّ فارتقت # لسدرتها الاسرار في كلّ شدوة (٧)


تنزّهت في آثار صنعي، منزّها # عن الشرك، بالأغيار جمعي و ألفتي‏ (٨)


فبي مجلس الاذكار سمع مطالع # ولي حانة الخمّار عين طليعة (٩)


و ما عقد الزّنّار، حكما، سوى يدي، # و إن حلّ بالإقرار بي، فهي حلّت‏


و إن نار، بالتّنزيل، محراب، مسجد # فما بار، بالإنجيل، هيكل بيعة (١٠)


____________

(١) الحديث الثابت: المسند الذي لا شك فيه.

(٢) الحق: اللّه جلا جلاله. النقل: الاتصال.

(٣) تسببت: أخذت سببا. الأسباب: الحبال.

(٤) اليتيمة: الدرّة التي لا مثيل لها.

(٥) الأيك: الشجر الكثير الملتف. الهزار: من الطيور و هو البلبل. الدوحة: الشجر الأخضر.

(٦) المزمار: من آلات الطرب التي تعتمد على النفخ. القينة: الفتاة المغنية.

(٧) ارتقت: ارتفعت. سدرة المنتهى: شجرة في السماء. الشدوة: الغناء و الترتيل.

(٨) تنزهت: ترفعت. الأغيار: غير اللّه عز و جل.

(٩) مجلس الأذكار: مجلس التلاوة. الحانة: مكان الشرب. العين الطليعة: المتقدمة السابقة لغيرها.

(١٠) محراب المسجد: مكان التوجه للصلاة. بار: هلك.

٨١

و أسفار توراة الكليم لقومه، # يناجي بها الأحبار في كلّ ليلة (١)


و إن خرّ للأحجار في البدّ، عاكف # فلا وجه للإنكار بالعصبيّة (٢)


فقد عبد الدّينار، معنى، منزّه، # عن العار بالإشراك بالوثنية


و قد بلغ الإنذار عني من بغى، # و قامت بي الأعذار في كلّ فرقة


و ما زاغت الأبصار من كلّ ملّة، # و ما زاغت الأفكار من كلّ نحلة (٣)


و ما اختار من للشّمس عن غرّة، صبا # و إشراقها من نور إسفار غرّتي‏ (٤)


و إن عبد النّار المجوس، و ما انطفت # كما جاء في الاخبار في ألف حجّة


فما قصدوا غيري، و إن كان قصدهم # سواي، و إن لم يظهروا عقد نيّة


رأوا ضوء نوري، مرّة فتوهّموه # نارا، فضلّوا في الهدى بالأشعّة


و لو لا حجاب الكون قلت، و إنّما # قيامي بأحكام المظاهر مسكتي‏


فلا عبث و الخلق لم يخلقوا سدى # و إن لم تكن أفعالهم بالسديدة (٥)


على سمة الأسماء تجري أمورهم # و حكمة وصف الذات للحكم، أجرت‏ (٦)


يصرّفهم في القبضتين، و لا و لا، # فقبضة تنعيم، و قبضة شقوة (٧)


ألا هكذا، فلتعرف النّفس، أو فلا، # و يتل بها الفرقان كلّ صبيحة (٨)


و عرفانها من نفسها، و هي التي، # على الحسّ، ما أمّلت مني، أملت‏ (٩)


و لو أنني وحّدت، ألحدت، و انسلخت # - من آي جمعي، مشركا بي صنعتي‏ (١٠)


____________

(١) الاسفار: الأوراد التي أتت في التوراة. الكليم: موسى (ع) . الأحبار: الناسكون.

(٢) البد: بيت الصنم. العاكف: العازم على الأمر.

(٣) زاغت: حادت أو ضعف نورها. الملة: المذهب. النحلة: البدعة.

(٤) الغرة: الجبين. صبا: تطلع. اسفار: ظهور.

(٥) العبث: اللهو. السديدة: الصائبة.

(٦) السمة: العلامة. أجرت: سارت بالأمر.

(٧) و لا في آخر الصدر تخفيف ولاء أي مناصرة. التنعيم: الرخاء. الشقوة: البؤس.

(٨) الفرقان: القرآن الكريم.

(٩) أمّلت: تعللت بالآمال. أملت: فرضت.

(١٠) ألحدت: كفرت.

٨٢

و لست ملوما أن أبثّ مواهبي، # و أمنح أتباعي جزيل عطيّتي‏ (١)


ولي من مفيض الجمع، عند سلامه # عليّ بأو، أدنى إشارة نسبة (٢)


و من نوره مشكاة ذاتي أشرقت # عليّ فنارت بي عشائي، كضحوتي‏ (٣)


فأشهدتني كوني هناك، فكنته # و شاهدته إيّاي، و النّور بهجتي‏


فبي قدّس الوادي، و فيه خلعت خلع # - نعلي على النادي، و حدت بخلعتي‏ (٤)


و آنست أنواري، فكنت لها هدى # و ناهيك من نفس عليها مضيئة


و أسست أطواري، فناجيتني بها، # و قضّيت أوطاري، و ذاتي كليمتي‏ (٥)


و بدري لم يأفل، و شمسي لم تغب # و بي تهتدي كلّ الدّراري المنيرة (٦)


و أنجم أفلاكي جرت عن تصرّفي # بملكي، و أملاكي، لملكي، خرّت‏ (٧)


و في عالم التّذكار للنفس علمها # المقدّم، تستهديه منّي فتيتي‏


فحيّ على جمعي القديم، الذي به # وجدت كهول الحيّ أطفال صبية (٨)


و من فضل ما أسأرت شرب معاصري # و من كان قبلي، فالفضائل فضلتي‏ (٩)


كما راح أتى‏

[البحر المنسرح‏]


قد راح رسولي و كما راح أتى # باللّه متى نقضتم العهد متى؟! (١٠)


____________

(١) ابث: اذيع. الجزيل: العطاء الكثير.

(٢) المفيض: الخير الكثير.

(٣) المشكاة: الكوة. العشاء: اوقات المساء. الضحوة: اوائل الصباح.

(٤) محاكاة للآية الكريمة في خطاب اللّه جل جلاله لسيدنا موسى‏ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ. إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً الخلعة: الرداء.

(٥) الأطوار بلغة الصوفيين سبعة: الطبع و النفس و القلب و الروح و السر و الخفيّ و الأخفى.

الأوطار: الغايات.


(٦) لم يأفل: لم يغب. الدراري: مفردها الدرة و المقصود هنا النجوم.

(٧) الأملاك: الملائكة، خرّت: وقعت ساجدة.

(٨) الكهول: المسنّون. الفتية: الشباب.

(٩) اسأرت: أبقيت بعض الشراب في الإناء. الفضلة: البقية.

(١٠) نقضتم العهد: نكثتم به و لم تحافظوا عليه.

٨٣

ما ذا ظنّي بكم و لا ذا أملي # فقد أدرك في سوله من شمتا (١)


التائية الصغرى‏

هي البدر أوصافا

[البحر الطويل‏]


نعم، بالصّبا، قلبي صبا لأحبّتي، # فيا حبّذا ذاك الشّذى حين هبّت‏ (٢)


سرت، فأسرّت للفؤاد، غديّة # أحاديث جيران العذيب، فسرّت‏ (٣)


مهيمنة بالرّوض، لدن رداؤها، # بها مرض، من شأنه برء علّتي‏ (٤)


لها بأعيشاب الحجاز تحرّش # به، لا بخمر، دون صحبي، سكرتي‏


تذكّرني العهد القديم، لأنّها # حديثة عهد من أهيل مودّتي‏ (٥)


____________

(١) سوله: سؤاله و الألف في آخر البيت للإطلاق.

(٢) الصبا: ريح الصباح الخفيفة. صبا: اشتاق و حنّ. الشذا: الريح الطيبة.

المعنى الصوفي: ان القلب اشتاق إلى الحضرة الإلهية و هي كناية عما تنقله الروح إلى الحقيقة الإنسانية عن لطائف خالقها.


(٣) سرت: هبت ليلا. أسرّت: أخفت أو خبأت. العذيب: تصغير للعذب و هو صفة للماء.

المعنى الصوفي: مشت الروح بأمر خالقها فأعطت أسرارها للقلب القريب من الرحمن و أمدته بالعطاء الرباني العذب.


(٤) الهيمنة: الوشوشة. الروض: المكان الوارف الكثير الظلال. البرء: الشفاء. العلة:

المرض.


المعنى الصوفي: ان الروح الإلهية سرت في عالم الأجسام و لفتها برداء المعرفة و شفت النفوس من الأغراض الشهوانية فإن السالك مريض بالجهل و الغفلة فإذا عرف نفسه عرف روحه و إذا عرف روحه صحّ من مرضه و أصبح مرضه الجديد صحة و شفاء.


(٥) العهد القديم: إشارة إلى قول اللّه عز و جل: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ الأعراف الآية ١٧١.

٨٤

أيا زاجرا حمر الأوارك، تارك # الموارك، من أكوارها، كالأريكة (١)


لك الخير إن أوضحت «توضيح» مضحيا # وجبت فيافي خبت آرام وجرة (٢)


و نكّبت عن كثب «العريض» معارضا # حزونا، لجزوى، سائقا لسويقة (٣)


و باينت بانات، كذا، عن طويلع، # بسلع، فسل عن حلّة فيه حلّت‏ (٤)


و عرّج بذيّاك الفريق، مبلّغا، ، # سلمت، عريبا، ثمّ، عنّي تحيّتي‏ (٥)


____________

(١) الزاجر: سائق الإبل. الأوراك: مفردها الأركة و هي الإبل المقيمة في الأراك و الأراك شجر تتخذ منه عيدان السوك و الموارك واحدها الموركة و هي الحشية أو الوسادة التي يضعها الراكب تحته. الأكوار: واحدها الكور و هو الرجل و الاريكة السرير المنجد.

المعنى الصوفي: يا قائما على كل نفس بما كسبت أي يا اللّه انك عالم بالنفوس البشرية تمنعها بأوامرك و نواهيك عن الإتيان بالمعاصي فإذا استوليت على قلب المؤمن تنزه عن كل عيب و أصبح طاهرا في الظاهر و في الباطن.


(٢) توضح: اسم مكان. جبت: قطعت و هو فعل ماض من جاب. الفيافي: مفردها فيفاء و هي الصحراء. الخبت: الأرض المستوية. الآرام: مفردها الرئم أو الريم و هو الظبي الأبيض. و جرة: اسم مكان.

المعنى الصوفي: ان اللّه تعالى مشرف من عليائه على جميع خلقه يفيض بعلمه على الكائنات فتصبح جميلة كالآرام في جمال العيون و الأعناق.


(٣) نكبت: عدلت. الكتيب: ما اجتمع من الرمل. العريض و حزوى و السويقة:

أماكن. الحزون: مفردها الحزن و هو الأرض الغليظة.


المعنى الصوفي: أن اللّه تعالى يسوق السعداء من بني آدم إلى مواضع النور و يسكنهم اماكن عباده الصالحين كالسويقة و هي موضع سكن آل علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه.


(٤) باينت: فارقت و ابتعدت. بانات: مفردها بانة و هي شجرة معروفة. طويلح: موضع فيه ماء عذب. سلع: جبل بالمدينة. الحلة: القوم الحالون بالمكان.

المعنى الصوفي: إشارة إلى الآية الكريمة: وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً و المقصود ان اللّه جعل أولياءه في مقامات سنية يحلون بها و يستطيبون الإقامة.


(٥) عرج: أقصد. الفريق: القوم العريب سكان الأمصار.

المعنى الصوفي: أقم بين الأهل الصالحين «فريق من الجنة» سكان المقامات المحمدية.


٨٥

فلي، بين هاتيك الخيام، ضنينة # عليّ بجمعي، سمحة بتشتّتي‏ (١)


محجّبة بين الأسنّة و الظبا # إليها انثنت ألبابنا، إذ تثنّت‏ (٢)


ممنّعة، خلع العذار نقابها # مسربلة بردين: قلبي و مهجتي‏ (٣)


تتيح المنايا إذ تبيح لي المنى، # و ذاك رخيص منيتي بمنيّتي‏ (٤)


و ما غدرت في الحبّ أن هدرت دمي # بشرع الهوى، لكن وفت إذ توفّت‏


متى أوعدت أولت، و إن وعدت لوت # و إن أقسمت: لا تبرئ السقم، برّت‏ (٥)


و إن عرضت أطرق حياء و هيبة، # و إن أعرضت أشفق، فلم أتلفّت‏


____________

(١) الضنينة: البخيلة. التشتت: التفرق.

المعنى الصوفي: أن الحقيقة ضنينة لامتناعها على الناس فلا يصل إليها إلا السالكون للنور الإلهي.


(٢) المحجبة: المستورة. الأسنة: الحراب. الظبا: مفردها الظّبة و هي طرف السهم أو السيف.

المعنى الصوفي: أن الحقيقة محمية بالسيوف و السهام و الرماح و الوصول إليها محفوف بالتعب و المشقة و الهلاك و هذه حال العارفين بالنور الإلهي فلا يصلون إليها إلاّ بعد التعب و المكابدة.


(٣) العذار: جانب الخد. النقاب: ما يخفي جسد المرأة و وجهها. مسربلة: لابسة السربال أو الثوب. البرد: الثوب.

المعنى الصوفي: أن الحقيقة لا تنكشف بسهولة أمام طالبيها و لا تظهر لكل متهتك لا يبالي بما يظهر منه من المباحات فهي موجودة في القلب الروحاني و لابسة للروح كقوله تعالى: وَ لَلَبَسْنََا عَلَيْهِمْ مََا يَلْبِسُونَ .


(٤) تتيح: تمنح. المنايا: مفردها المنية و هي الموت. تبيح: تعطي. المنى: الأمل.

و الجناس واضح بين تتيح و تبيح و بين منيتي أي أملي و منيتي أي موتي.


المعنى الصوفي: ان المحب الحقيقي يأبى أن يكون هذا الحب لغيره من الناس و لا يرضى أن يضاهيه في حبه هذا أو يزاحمه في معرفة اللّه أي مخلوق..


(٥) أوعدت: هددت بالشر. أولت: وفت بوعدها و برت به. لوت: ما طلت. تبرئ:

تشفي. برت: صدق وعدها.


المعنى الصوفي: أن المؤمن يخاف الحقيقة و جبروتها إجلالا و تعظيما لها. فإذا احتجبت عنه خاف منها و قد قال اللّه تعالى: فَلاََ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخََاسِرُونَ .


٨٦

و لو لم يزرني طيفها، نحو مضجعي # قضيت، و لم أستطع أراها بمقلتي‏ (١)


تخيّل زور كان زور خيالها # لمشبهه، عن غير رؤيا و رؤية (٢)


بفرط غرامي ذكر قيس بوجده # و بهجتها لبني، أمتّ، و أمّت‏ (٣)


فلم أر مثلي عاشقا، ذا صبابة، # و لا مثلها معشوقة، ذات بهجة (٤)


هي البدر أوصافا، و ذاتي سماؤها، # سمت بي إليها همّتي، حين همّت‏ (٥)


منازلها منّي الذّراع، توسّدا، # و قلبي و طرفي أوطنت، أو تجلّت‏ (٦)


فما الودق، إلاّ من تحلّب مدمعي # و ما البرق، إلا من تلهّب زفرتي‏ (٧)


____________

(١) الطيف: الخيال. المضجع: مكان النوم. قضيت: متّ. المقلة: العين.

المعنى الصوفي: لو لم يزره خيال الحقيقة الإلهية فلم يستطع ان يرى تلك المحبوبة بعينيه لان الميت جماد لا يمكن أن يرى بنفسه فهي التي تملك بصره و تريه ما نشاء من الأمور.


(٢) التخيل: التوهم. الزور من الزيارة. الرؤية: النظر. الرؤيا: المنام.

(٣) الفرط و الإفراط: الشدة. قيس: ابن الملوح العامري المشهور بحبه لابنة عمه ليلى العامرية. لبني: اسم امرأة. امت: من الإماتة و أمت الاخيرة فعل ماض من أم أي جعله إماما و الجناس واضح بين أمت و أمت.

(٤) الصبابة: العشق.

المعنى الصوفي: لم ار قبلي صاحب عشق حقيقي فالباقون عشقهم مزيف فأنا اعشق الروح و الباقون يعشقون الصورة الخارجية أي الجسد.


(٥) المعنى الصوفي: ان المعرفة بالحقيقة هي كالبدر في الارتفاع و الظهور و في القول إشارة إلى قول الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) «سترون ربكم كما ترون البدر هل تضامون في رؤيته» صدق رسول اللّه.

(٦) إشارة إلى الحديث النبوي الشريف: من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا.

(٧) الودق: المطر. التحلب: السيلان.

المعنى الصوفي: هذا البيت تتمة لما سبق إذ جعل نفسه سماء و جعل فيها منازل للقمر و هو بالتالي قريب من الحضرة الإلهية فاللّه ينعم عليه بالتجليات و الحقائق و يبتليه بالنحيب و البكاء.


٨٧

و كنت أرى أنّ التعشّق منحة # لقلبي، فما إن كان، إلا لمحنتي‏ (١)


منعّمة أحشاي، كانت قبيل ما # دعتها لتشقى بالغرام، فلبّت‏


فلا عاد لي ذاك النعيم، و لا أرى # من العيش، إلا أن أعيش بشقوتي‏ (٢)


ألا في سبيل الحبّ حالي، و ما عسى، # بكم أن ألاقي، لو دريتم، أحبّتي‏ (٣)


أخذتم فؤادي، و هو بعضي، فما الذي # يضرّكم أن تتبعوه بجملتي؟


وجدت بكم وجدا، قوى كلّ عاشق # لو احتملت من عبئه البعض، كلّت‏ (٤)


برى أعظمي من أعظم الشوق ضعف ما # بجفني لنومي، أو بضعفي لقوّتي‏ (٥)


و أنحلني سقم، له بجفونكم # غرام التياعي بالفؤاد، و حرقتي‏ (٦)


فضعفي و سقمي: ذاكراي عواذلي، # و ذاك حديث النفس عنكم برجعتي‏


و هي جسدي ممّا و هي جلدي، لذا # تحملّه يبلى، و تبقى بليّتي‏ (٧)


و عدت بما لم يبق منّي موضعا # لضرّ، لعوّادي حضوري كغيبتي‏ (٨)


____________

(١) المحنة: البلاء.

المعنى الصوفي: المحنة هنا هي البلاء الحسن و في ذلك إشارة إلى الآية الكريمة:


وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاََءً حَسَناً .


(٢) م. ص. اختار شقاء البلاء الإلهي على لذائذ الجهل و نعيم اللذة الفانية.

(٣) احبتي في آخر البيت كناية عن اسماء اللّه الحسنى المتعددة و ليس المقصود عدد الأحبة.

فكل اسم من اسماء اللّه حبيب إليه.


(٤) م. ص. عشق الإنسان للإنسان زائل لا محال أما عشقه فدائم لارتباطه بالحق الإلهي.

(٥) برى: انحل.

م. ص. الاشتياق إلى النوم هو غاية الاشتياق و ذلك لمناجاة اللّه تعالى.


(٦) انحل: أضعف. الالتياع من اللوعة. و السقم: الضعف.

م. ص. الجفن كناية عن صور المخلوقات الحسيّة و سقم الجفون هو ضعف للمخلوق أمام الخالق.


(٧) و هي: ضعف. الجلد: الصبر. البلية: المصيبة.

م. ص. ضعف الجسد من ضعف القوة. فالجسد تابع للقلب إن شكا الباطن شكا الظاهر. أيضا.


(٨) العواد: الزوار أثناء المرض.

م. ص. إشارة إلى فناء النفس بالمعرفة الإلهية و هو غاية التجلي في طرق الصوفية.


٨٨

كأنّي هلال الشّكّ، لو لا تأوّهي، # خفيت، فلم تهد العيون لرؤيتي‏ (١)


فجسمي و قلبي: مستحيل و واجب # و خدّي مندوب لجائز عبرتي‏ (٢)


و قالوا: جرت حمرا دموعك، قلت: عن # أمور جرت، في كثرة الشّوق، قلّت


نحرت لضيف الطيف، في جفني الكرى # قرى، فجرى دمعي دما فوق و جنتي‏ (٣)


فلا تنكروا، إن مسّني ضرّ بينكم، # عليّ سؤالي كشف ذاك و رحمتي‏ (٤)


فصبري أراه، تحت قدري، عليكم، # مطاقا، و عنكم، فاعذروا، فوق قدرتي‏ (٥)


و لمّا توافينا، عشاء، و ضمّنا # سواء سبيلي ذي طوى، و الثّنيّة (٦)


و منّت، و ما ضنّت، عليّ بوقفة، # تعادل عندي، بالمعرّف، وقفتي‏ (٧)


____________

(١) هلال الشك: هلال ما بين الشهرين الذي لم تثبت رؤيته.

م. ص. لم ترني عيون الناس على ما أنا عليه فظاهري شي‏ء يختلف تماما عما في باطني.


(٢) مندوب: مدعو. الجائز: السائر. العبرة: الدمعة.

م. ص. الجسد فان و القلب قاس إشارة إلى الآية الكريمة: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ .


(٣) جرت: سالت. و جرت الثانية: حصلت.

(٤) م. ص. في البيت تيمّن بقول النبي أيوب عليه السلام حيث قال: اني مسني الضر و أنت ارحم الراحمين.

(٥) م. ص. أستطيع تحمل صدكم و هجرانكم و لكن لا أستطيع ان انساكم و افعل كما تفعلون.

(٦) التوافي: اللقاء. ذي الطوى و الثنية: موضعان.

(٧) منت: وهبت. المعرف: الوقوف على جبل عرفة.

٨٩

عتبت، فلم تعتب، كأن لم يكن لقا، # و ما كان إلاّ أن أشرت و أومت‏ (١)


أيا كعبة الحسن، التي لجمالها # قلوب أولي الألباب لبّت و حجّت‏ (٢)


بريق الثّنايا منك أهدى لنا سنا # بريق الثّنايا، فهو خير هديّة (٣)


و أوحى لعيني أنّ قلبي مجاور # حماك، فتاقت للجمال و حنّت‏ (٤)


و لولاك ما استهديت برقا، و لا شجت # فؤادي، فأبكت، إذ شدت، ورق أيكة (٥)


فذاك هدى أهدى إليّ، و هذه، # على العود، إذ غنّت، عن العود أغنت‏ (٦)


أروم، و قد طال المدى، منك نظرة، # و كم من دماء، دون مرماي، طلّت‏ (٧)


و قد كنت أدعى، قبل حبّيك، باسلا، # فعدت به مستبسلا، بعد منعتي‏ (٨)


أقاد أسيرا، و اصطباري مهاجري # و أنجد أنصاري أسى، بعد لهفتي‏ (٩)


أما لك عن صدّ أ ما لك عن صد # لظلمك، ظلما منك، ميل لعطفة (١٠)


____________

(١) اومت: اشارت باليد.

م. ص. في الأبيات الثلاثة الأخيرة إشارة إلى الإقبال على حضرة الحق. و ذي طوى إشارة إلى القرب من الحضرة الإلهية. إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً .


(٢) م. ص. الكعبة. الحضرة في تجليها في قلوب العارفين السالكين.

(٣) الثنايا: الأركان الأربعة و هي اسماء اللّه: الحي و العليم اعلى. و المريد و القدير اسفل.

(٤) م. ص. إشارة إلى اشتياق العين لجمال الحقيقة الظاهرة بتجليها في آثار أفعالها.

(٥) الشجى: الحزن. الورق: مفردها الورقاء و هي الحمامة و الأيك: الشجر الملتف.

م. ص. خطاب للحقيقة المشار إليها في الأبيات السابقة و الورق هي الأرواح المختلفة و الايكة الجسم المختلف المزاج و الطبائع.


(٦) في البيت جناس بين العود و العود فالأولى تعني الغصن و الثانية آلة الطرب أو البربط.

م. ص. البرق هو برق الأكوان و الورق هي الروحانيات.


(٧) أروم: اطلب. المدى: المجال.

(٨) الباسل: الأسد الشجاع. المستبسل: طالب الموت.

(٩) م. ص: القائد هو اللّه تعالى إلى حيث يريد و ما الحزن و الحسرة و الاستغاثة إلا من سبل الاستعانة على تحمل مشاق البلاء في طريق المحبة الإلهية.

(١٠) م. ص. استحالة ظلم اللّه تعالى كما في قوله: وَ مََا رَبُّكَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ .

٩٠

فبلّ غليل من عليل على شفا، # يبلّ شفاء منه، أعظم منّة (١)


فلا تحسبي أنّي فنيت، من الضنّى # بغيرك، بل فيك الصّبابة أبلت‏ (٢)


جمال محيّاك، المصون لثامه # عن اللّثم، فيه عدت حيّا كميّت‏ (٣)


و جنّبني حبّيك وصل معاشري، # و حبّبى، ما عشت، قطع عشرتي‏ (٤)


و أبعدني، عن أربعي، بعد أربع: # شبابي، و عقلي، و ارتياحي، و صحّتي‏ (٥)


فلي، بعد أوطاني، سكون إلى الفلا، # و بالوحش أنسي إذ من الإنس وحشتي‏ (٦)


و زهّد في وصلي الغواني، إذ بدا # تبلّج صبح الشيب، في جنح لمّتي‏ (٧)


فرحن بحزن، جازعات، بعيد ما # فرحن بحزن الجزع بي، لشيبتي‏ (٨)


جهلن، كلوّامي، الهوى، لا علمنه # و خابوا، و إني منه مكتهل، فتي‏


____________

(١) بل: ارو. الغليل: العطش. الشفاء: حد الهلاك.

(٢) الضنى: الهزال و المرض. الصبابة: شدة العشق. أبلت: اصابت فأفنت.

(٣) المحيا: الوجه. المصون: المحفوظ. اللثام: الغطاء. اللثم: التقبيل.

م. ص. المحيا: وجه اللّه تعالى. كما في الآية الكريمة فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ .


(٤) إشارة إلى تجنب معاشرة الناس و اللجوء إلى العزلة و التجرد من احوال البشر. و سلوك طريق الأخيار بغية العناية و التوفيق.

(٥) الأربع الأولى هي الدار و المنزل و الأربع الثانية هي العدد.

م. ص. ان زوال الشباب و العقل و الراحة و الصحة دليل على الفناء في الروح الحقيقية. و ما هذه الظواهر سوى انتصار للنفس على الجسد.


(٦) الفلا: الأرض الواسعة.

(٧) الغواني: مفردها الغانية و هي المرأة التي استغنت بحسنها عن كل زينة.. التبلج:

الاشراق أو ظهور النور. اللمة: مجتمع شعر الذقن أو ما نبت منه تحت الأذن.


م. ص. الغواني: كناية عن الأسماء الإلهية و التجليات العليا و اللمة هي الشعور بمعنى الإدراك و هو حديث النفس ينبت كما ينبت الشعر في البدن و هو أسود فإذا شاب أشرق و أضاء.


(٨) في البيت جناس تام بين الحزن و الحزن. فالأولى بمعنى الاسى و الثانية تعني ما غلظ من الأرض. الجزع: منعطف الوادي.

٩١

و في قطعي اللاّحي عليك، و لات حين # فيك جدال، كان وجهك حجّتي‏ (١)


فأصبح لي، من بعد ما كان عاذلا # به، عاذرا، بل صار من أهل نجدتي‏ (٢)


و حجّي، عمري، هاديا ظلّ مهديا # ضلال ملامي، مثل حجّي و عمرتي‏ (٣)


رأى رجبا سمعي الأبيّ و لومي # -المحرّم، عن لؤم، و غشّ النصيحة


و كم رام سلواني هواك، ميمّما # سواك، و أنّى عنك تبديل نيّتي؟ (٤)


و قال: تلاف ما بقي منك، قلت: ما # أراني إلا للتّلاف تلفّتي‏ (٥)


إبائي أبى إلاّ خلافي، ناصحا # يحاول منّي شيمة غير شيمتي‏ (٦)


يلذّ له عذلي عليك، كأنّما # يرى منّه منّي، و سلواه سلوتي‏ (٧)


____________

(١) اللاحي: الناهي عن المحبة.

م. ص: ان رؤية وجه اللّه تنهى عن المعارضة و المجادلة.


(٢) م. ص. لو رأى الناس ما اراه من العشق الإلهي و الجمال الرباني لعذروني و أصبحوا من أنصاري.

(٣) حجي: مصدر حجة و هي قوة الاقناع. الحج الثانية و العمرة من فرائض الإسلام.

م. ص. ان اقامتي الحجة على من ينهاني عن الحب هو الأمر الذي يهدي من الضلال و أجر هوايتي إياه يعادل ثواب الحج و العمرة في سبيل اللّه تعالى.


(٤) رام: طلب. سلواني: نسياني.

م. ص. لقد طلب الهادي مرات كثيرة ان انسى هذه المحبة. و لكن ليس في نيتي اي تبديل لما أنا عليه.


(٥) تلاف: فعل امر بمعنى تدارك. التلاف: الموت.

م. ص. قال الهادي تدارك نفسك قبل الهلاك فقلت ليس لي التفات سوى إلى الموت.


(٦) الإباء: الكره و الرفض. الشيمة: العادة و المزية.

م. ص. كرهت كل شي‏ء يبغضني و يبعدني عن الحضرة العلوية و من كانت فيه عادة يصعب عليه تركها.


(٧) المن: الطل أو الندى. و المن الثانية مع السلوى. طعام الجنة الذي خص بهما اللّه سبحانه و تعالى بني إسرائيل بهما في البرية. العذل: اللوم.

م. ص. السلوى: طائر معروف مفرده السلواة. فالناصح يأكل من لحم هذا الطائر و يتلذذ به اما هو فلا يلتذ إلا بالمعرفة و لا ينهل إلا من الروح الصافية.


٩٢

و معرضة عن سامر الجفن، راهب # الفؤاد المعنّى، مسلم النفس صدّت‏ (١)


تناءت، فكانت لذّة العيش و انقضت # بعمري، فأيدي البين مدّت لمدّتي‏ (٢)


و بانت، فأمّا حسن صبري فخانني، # و أمّا جفوني بالبكاء فوفّت‏


فلم ير طرفي، بعدها، ما يسرّني، # فنومي كصبحي حيث كانت مسرتي‏


و قد سخنت عيني عليها، كأنّها # بها لم تكن، يوما من الدّهر، قرّت‏


فإنسانها ميت، و دمعي غسله، # و أكفانه ما ابيضّ، حزنا، لفرقتي‏ (٣)


فللعين و الأحشاء، أول «هل أتى» # تلا عائدي الآسي، و ثالث «تبّت» (٤)


كأنّا حلفنا، للرّقيب، على الجفا # و أن لا وفا، لكن حنثت و برّت‏ (٥)


و كانت مواثيق الإخاء أخيّة، # فلمّا تفرّقنا عقدت و حلّت‏


و تاللََّه، لم أختر مذمّة غدرها، # وفاء، و إن فاءت إلى ختر ذمّتي‏ (٦)


____________

(١) الإعراض: الصد. سامر الجفن: الذي لا تنام عينه. راهب الفؤاد: خائف القلب.

المعنى: المريض.


م. ص. المعرضة هي المحبوبة الحقيقة و الاعراض كناية عن التنزه و التجرد و سامر الجفن عينه التي لم تنم بغية رؤية المحبوبة المعرضة عنه.


(٢) تناءت: ابتعدت و فارقت. البين: الفراق.

م. ص. ان ثنائي المحبوبة عنه يعني فراق اللذة الحقيقية عنه و ما فراقها إلا غياب للذة في الحياة. فحياته و موته بعدها سيان.


(٣) انسان العين: المثال الذي يرى في البؤبؤ.

(٤) في البيت إشارة إلى الآية الكريمة: هَلْ أَتى‏ََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً و في نهاية البيت إشارة إلى الآية: تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ .

(٥) الحنث: الغدر و عدم الوفاء. برت: وفت بالوعد.

م. ص. الرقيب كناية عن الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس. و هذا القسم هو تأكيد للشيطان انهما لا يلتقيان مطلقا.


(٦) الختر: الغدر و الخديعة.

م. ص. الغدر نقض العهد و الميثاق و هو كناية عن بعد العبد عن حضرة العلم الازلي.


٩٣

سقى، بالصّفا، الرّبعيّ، ربعا به الصفا # و جاد، بأجياد، ترى منه ثروتي‏ (١)


مخيّم لذّاتي، و سوق مآربي، # و قبلة آمالي، و موطن صبوتي‏ (٢)


منازل أنس، كنّ، لم أنس ذكرها # بمن بعدها و القرب: ناري و جنّتي‏


و من أجلها حالي بها، و أجلّها # عن المنّ، ما لم تخف و السقم حلّتي‏


غرامي، بشعب عامر، شعب عامر، # غريمي، و إن جاروا، فهم خير جيرتي‏ (٣)


و من بعدها، ما سرّ سرّي لبعدها، # و قد قطعت منها رجائي بخيبتي‏ (٤)


و ما جزعي، بالجزع، عن عبث، و لا # بدا ولعا فيها، ولوعي بلوعتي‏ (٥)


على فائت، من جمع «جمع» تأسّفي # و ودّ على وادي «محسّر» حسرتي‏ (٦)


و بسط، طوى، قبض التنائي بساطه # لنا بطوى ولّى بأرغد عيشة (٧)


أبيت بجفن، للسّهاد، معانق، # تصافح صدري راحتي، طول ليلتي‏ (٨)


____________

(١) الصفا: موضع معروف بالحجاز. الربعي: مطر الربيع. الربع: الدار. الصفا: ضد الكدر. جاد: أمطر. أجياد: موضع بمكة.

م. ص. الربعي: العلوم الإلهية و الصفا هو المقام الروحاني.


(٢) المآرب: واحدها المأرب و هو الحاجة. الصبوة: اللذة و جهلة الفتوة.

(٣) الشعب: القبيلة الكبيرة. و الشعب الثانية معناها الطريق في الجبل. و عامر: من قبائل العرب.

(٤) سرّ: فرح. الخيبة: فقدان الأمل.

(٥) الجزع: عدم الاحتمال. و الجزع بتسكين الزاي و كسر العين منعطف الوادي.

الولوع: التعلق. اللوعة: الحرقة من هم أو حب أو مرض.


(٦) الجمع الأولى ضد التفريق. و الجمع الثانية: علم في المزدلفة. وادي المحسر:

موضع قرب المزدلفة يستحسن لسالكه ان يسرع عند الوصول إليه لأنه المكان الذي عذب فيه اصحاب الفيل.


م. ص. كناية عن المحبة الحاصلة مع العجز و الإعياء عن حمل مشقاتها و ان كانت ادنى من مقامه لحنينه إلى البداية في مقام النهاية.


(٧) طوى: واد قرب مكة. الرغد: السعة في العيش.

(٨) الراحة: باطن الكف.

٩٤

و ذكر أويقاتي، التي سلفت بها، # سميري، لو عادت أويقاتي الّتي‏ (١)


رعى اللّه أياما، بظلّ جنابها، # سرقت بها، في غفلة البين، لذّتي‏ (٢)


و ما دار هجر البعد عنها بخاطري # لديها، بوصل القرب في دار هجرتي‏ (٣)


و قد كان عندي وصلها دون مطلبي # فعاد تمنّي الهجر، في القرب، قربتي‏


و كم راحة لي أقبلت، حين أقبلت، # و من راحتي، لمّا تولّت، تولّت‏ (٤)


كأن لم أكن منها قريبا، و لم أزل # بعيدا، لأيّ ما له ملت ملّت‏ (٥)


غرامي أقم، صبري، انصرم، دمعي انسجم # عدوي احتكم، دهري انتقم، حاسدي اشمت‏ (٦)


و يا جلدي، بعد النّقا، لست مسعدي، # و يا كبدي عزّ اللّقا، فتفتّتي‏ (٧)


و لمّا أبت إلاّ جماحا، و دارها انتزاحا # ، و ضنّ الدّهر منه بأوبة (٨)


____________

(١) سلفت: مضت. السمير: رفيق الليل.

م. ص. ساعات السمر هي ساعات الذكر. و هي عادة المحبين ان يراود اجفانهم الكرى فيضعون يدا تحت رأسهم يتوسدون بها و اليد الأخرى يضعونها على صدورهم.


(٢) م. ص. الأيام: التجليات الإلهية إشارة إلى الآية الكريمة: أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ .

(٣) دار الهجر. مدينة الرسول و فيها الحقيقة المحمدية التي خلق اللّه تعالى منها كل شي‏ء بوجه الأمر الإلهي القائم به كل شي‏ء.

(٤) راحتي في العجز: باطن الكف. تولت: مضت.

م. ص: حين أقبلت المعرفة تجلت على قلبه فانكشف الامر له على وجه اليقين.


(٥) م. ص: أن ميل الإنسان بقلبه إلى شي‏ء مادي حجاب له عن المعرفة العلوية فلا يقدر مع هذا الميل أن يعرفها أو ان يصل إليها.

(٦) انصرم: امر بمعنى انقطع. انسجم من الانسجام بمعنى السيلان. اشمت: امر من الشماتة و هي فرح الإنسان ببلية غيره.

(٧) الجلد: الصبر. النقا: موضع. تفتت: فعل أمر من التفتت و هو الانقطاع و التكسر.

(٨) أبت: كرهت. الجماح: الرفض. الانتزاح: بعد المكان. ضنّ: بخل الأوبة: العودة.

٩٥

تيقّنت أن لا دار، من بعد طيبة، # تطيب، و ألاّ عزّة بعد عزّة (١)


سلام على تلك المعاهد من فتى، # على حفظ عهد العامريّة، ما فتي‏ (٢)


أعد، عند سمعي، شادي القوم، ذكر من # بهجرانها و الوصل، جادت و ضنّت‏ (٣)


تضمّنه ما قلت، و السّكر معلن # لسرّي، و ما أخفت بصحوي سريرتي‏ (٤)


اشتياق الروح‏

[المنسرح‏]


روحي للقاك يا مناها اشتاقت # و الأرض عليّ، كاختيالي، ضاقت


و النفس لقد ذابت غراما و جوى # في جنب رضاك في الهوى ما لاقت‏


____________

(١) العزة الأولى الرفعة و المجد و عزة الثانية حبيبة كثير المشهورة و التي اقترن اسمه باسمها «كثير عزة» .

م. ص. لقد عز لقاء المعرفة الحقيقة و زاد نفورها لتفردها بالجلال و الكبرياء فكره الدار و الإقامة إذ لا حياة في دار بعدت الحقيقة الإلهية عنها.


(٢) العامرية: المنسوبة إلى بني عامر.

م. ص. المعاهد: الحضرات المحمدية و هي محط عهد الربوبية حين خرجت الذرية من ظهر آدم يوم الميثاق‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ .


(٣) الشادي: المغني. حادت: منحت. ضنت: بخلت.

م. ص. القوم: جملة العارفين و الشادي المغني للعلوم الإلهية و المعارف الكشفية وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قََالُوا سَمِعْنََا وَ هُمْ لاََ يَسْمَعُونَ .


(٤) السكر: الغيبة بالاستغراق. السريرة: ما يكتمه الواحد في الصدر و لا يعلم ما في السرائر إلاّ اللّه سبحانه و تعالى.

٩٦

قافية الثاء

أهوى رشا

[البحر المنسرح‏]


أهوى رشا، كلّ الهوى لي بعثا # مذ عاينه تصبّري ما لبثا (١)


ناديت، و قد فكّرت في خلقته: # سبحانك ما خلقت هذا عبثا!!


____________

(١) الرشا: ولد الظبية. عاينه: شاهده. و الرشا كناية عن الصورة الكاملة التي يتجلى بها الحق تعالى.

٩٧

قافية الجيم‏

لك البشارة

[البحر البسيط]


ما بين معترك الأحداق، و المهج، # أنا القتيل بلا إثم، و لا حرج‏ (١)


ودّعت، قبل الهوى روحي، لما نظرت # عيناي من حسن ذاك المنظر البهج‏ (٢)


للََّه أجفان عين، فيك، ساهرة، # شوقا إليك، و قلب بالغرام، شجي‏ (٣)


و أضلع نحلت كادت تقوّمها، # من الجوى، كبدي الحرّى، من العوج‏ (٤)


____________

(١) المعترك: مكان القتال و كل معترك فيه قتيل أو جريح (القاموس المحيط) . الاحداق:

العيون. المهج: النفوس.


المعنى الصوفي: كنى بالعيون عن تجليات الوجود و سوادها عن عدمية الوجود فالكون كله ظلمة. و قوله بلا اثم و لا حرج لان قاتله متصرف في ملكه عادل في حكمه فلا يسأل عمّا يفعل.


(٢) م. ص. عيناي عنى بهما عيون البصر في العالم الدنيوي و عين البصيرة في عالم الملكوت و كنى بالمنظر عن وجه الحق في كل شي‏ء.

(٣) الشجي: الحزين.

المعنى الصوفي: أراد بالعين الوجود الحق و الأجفان صور المخلوقات. و السهر كناية عن عدم الغفلة في ظلمة الأكوان، و الشوق هو المحبة للوجه الإلهي، و القلب هو اللب أو العقل الكامل حيث قال اللّه: أقبل. فأقبل ثم قال: أدبر فأدبر الحديث. فالمقبل قلب و المدبر نفس.


(٤) نحلت: ضعفت. الجوى: الحزن الشديد. الحرّى: الشديدة الحرارة و المعنى ان الغصن المعوج يعرض للنار ليستقيم.

المعنى الصوفي: أراد بالاضلع الأخلاق الكريمة و بالنحول فقدان هذه الأخلاق و ضعفها و الكبد الحرّى كناية عن الحب الإلهي المسيطر على قلبه.


٩٨

و أدمع هملت، لو لا التنفّس من # نار الهوى، لم أكد أنجو من اللّجج‏ (١)


و حبّذا فيك أسقام خفيت بها # عني، تقوم بها، عند الهوى، حججي‏ (٢)


أصبحت فيك، كما أمسيت مكتئبا، # و لم أقل جزعا: يا أزمة انفرجي‏ (٣)


أهفو إلى كلّ قلب، بالغرام، له # شغل، و كلّ لسان، بالهوى لهج‏ (٤)


و كلّ سمع، عن اللاحي، به صمم، # و كلّ جفن، إلى الإغفاء، لم يعج‏ (٥)


لا كان وجد، به الآماق جامدة، # و لا غرام، به الأشواق لم تهج‏ (٦)


____________

(١) هملت: فاضت. اللجج: مفردها اللجة و هي الموجة أو معظم الماء.

المعنى الصوفي: قوله أدمع معطوف على أضلع في البيت السابق و عنى بقوله ما يخرج من عين الوجود بالتجليات الإلهية و التنفس يعني انفراد شخصه بهذا الامر و اللجج هي بحار العلوم الإلهية الفائضة.


(٢) الأسقام: الأمراض: الحجج: الأدلة و البراهين.

المعنى الصوفي: فيك تعود إلى المنظر البهيج الذي تحدث عنه في البيت السابق و هو وجه الوجود الحق و القوة الإلهية الحافظة للأكوان و الأسقام: و هن العرفان و قوة الإدراك الفانية أمام القوة الإلهية الحقيقية.


(٣) بين أصبحت و أمسيت طباق. و تقديم الصباح مقصود لأن الألم يكون عادة في المساء أما حال ابن الفارض فكانت الشدة في كل الأوقات. مكتئبا: حزينا. الجزع: الشدة.

الأزمة: الأمر العسير.


المعنى الصوفي: أصبحت: صرت في صباح نور الأحدية و بذلك بادت ظلمة الكون الظاهر. و المساء عنده ثبات لعين الحق فحاله في الوقتين سواء.


(٤) أهفو: أميل. لهج: ناطق.

المعنى الصوفي: القلب هو قلب المريد السالك لطريق اللّه تعالى و اللسان لسان العابد الذي لا كلام له إلا الكلام بمحبة اللّه تعالى.


(٥) اللاحي: اللائم. الصمم: عدم السمع أي الطرش. لم يعج: لم يعرج أو لم يمل.

المقصود أن الجفن لا يميل إلى النوم للتفكر في حالة المحبوب و هو اللّه سبحانه و تعالى و هذا هو غاية المطلوب.


(٦) الآماق: مفردها مؤقة و هي محجر العين. و المعنى لا جعل اللّه حبا يكون صاحبه بعيدا عن الدموع و لا حبا لا تكون فيه الاشواق هائجة مضطربة و جمود المآقي دليل على تلافها و عدم صلاحها.

٩٩

عذّب بما شئت، غير البعد عنك تجد # أوفى محبّ، بما يرضيك، مبتهج‏ (١)


و خذ بقيّة ما أبقيت من رمق، # لا خير في الحبّ، إن أبقى على المهج‏ (٢)


من لي بإتلاف روحي في هوى رشا، # حلو الشمائل، بالأرواح ممتزج‏ (٣)


من مات فيه غراما عاش مرتقيا، # ما بين أهل الهوى، في أرفع الدّرج‏ (٤)


محجّب، لو سرى في مثل طرّته # أغنته غرّته الغرّا عن السّرج‏ (٥)


و إن ظللت بليل، من ذوائبه، # أهدى، لعيني الهدى، صبح من البلج‏ (٦)


و إن تنفّس قال المسك، معترفا، # لعارفي طيبه: من نشره أرجي‏ (٧)


____________

(١) المعنى الصوفي: الخطاب للمحبوب و هو اللّه تعالى و العقاب من يد الحبيب عذوبة بحيث يشغله حبه عن الم الجسد على خلاف العذاب إذا كان من انسان كاره.

(٢) الخطاب أيضا للََّه تعالى و الرمق بقية الروح التي يجذبها الحق تعالى إليه لأنها نفخ من روحه.

(٣) الرشأ: ولد الغزال. الشمائل: الخصال.

م. ص: الإتلاف هو فساد العقل و الجسد و الروح و الامتزاج كناية عن التجلي لأن الشي‏ء يظهر مصورا بتجلي مصوره.


(٤) المعنى ان قتلي المحبة احياء لأنهم شهداء لأن شهادة الحب الرباني من قبيل شهادة الآخرة.

(٥) سرى: مشى ليلا. الطرة: الشعر الأسود الفاحم. الغرة الغراء: الجبين الأبيض.

السرج و احدها السراج و هو القنديل و نحوه.


المعنى الصوفي: لو سرى وجود الحق في عالم الكون كان نور وجهه مغنيا عن الشموس المضيئة.


(٦) ضللت: تهت. الذوائب. اطراف الشعر. البلج: بياض في الجبهة.

المعنى الصوفي: الصبح هو ظهور نور الوجود الحق في ليل ظلمة النفس البشرية و البلج بمعنى الانارة.


(٧) النشر و الأرج: الرائحة الزكية. الطيبة.

م. ص. النفس هو نفس الرحمن المتجلي على العرش و الطيب هو رائحة الإيمان بالحق.


١٠٠

أعوام إقباله، كاليوم، في قصر، # و يوم إعراضه، في الطّول، كالحجج‏ (١)


فإن نأى سائرا، يا مهجتي، ارتحلي، # و إن دنا زائرا، يا مقلتي ابتهجي! (٢)


قل للذي لامني فيه، و عنّفني: # دعني و شأني، و عد عن نصحك السمج‏ (٣)


فاللّوم لؤم، و لم يمدح به أحد # و هل رأيت محبّا بالغرام هجي؟ (٤)


يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكني، # و اربح فؤادك، و احذر فتنة الدّعج‏ (٥)


يا صاحبي، و أنا البرّ الرّؤوف، و قد # بذلت نصحي، بذاك الحيّ، لا تعج


فيه خلعت عذاري، و اطّرحت به، # قبول نسكي، و المقبول من حججي‏ (٦)


و ابيضّ وجه غرامي في محبّته، # و اسودّ وجه ملامي فيه بالحجج‏ (٧)


____________

(١) الإقبال: الإتيان و هو عكس الادبار أي الذهاب. الحجج: السنون الطوال.

م. ص: الإقبال هو كشف النفس عن عين البصيرة و الإعراض هو سدول حجب النفس على بصيرة المخلوق.


(٢) نأى: ابتعد و هي طباق لكلمة دنا بمعنى اقترب. ابتهجي: افرحي.

م. ص. النأي: تلهف النفس على ابتعاد مطلوبها. و الدنو فرح العين برفع حجاب النفس.


(٣) التعنيف: اللوم بشدة. السمج: القبيح.

(٤) م. ص. أن المحبين لم يهجهم احد لسبب حبهم للََّه و لا تكون المحبة سبا و شتما لاحد اصلا.

(٥) الدعج: شدة سواد العين و اتساعها.

م. ص: يا صاحب القلب المطمئن بإيمانه و أشواقه اثبت على الصراط المستقيم و كف بصرك عما دونه و لا يفتنك ظهور عين الوجود عن سلوك المسالك العادلة.


(٦) لا تعج: لا تمل.

م. ص. يا ساكن القلب لا تعطف رأس بعيرك خوف ان تفتن و تقع في شرك المحنة و البلاء. و خلع العذار كناية عن عدم المبالاة بفعل الغير و اطراح الشي‏ء تركه اي انه القى عن قلبه الإقبال لغير اللّه تعالى و لم يشتغل عنه بسواه.


(٧) الوجه: الطريق. الحجج: اقام الحجة عليه ادانه.

م. ص. ان اللّه ينير طريق المريد لان اعماله مقبولة عنده و تسود طرقات العابث لأنه لا يعمل بأمر اللّه.


١٠١

تبارك اللّه!ما أحلى شمائله، # فكم أماتت و أحيت فيه من مهج‏ (١)


يهوى لذكر اسمه، من لجّ في عذلي # سمعي، و إن كان عذلي فيه لم يلج‏ (٢)


و أرحم البرق في مسراه، منتسبا # لثغره، و هو مستحي من الفلج‏ (٣)


تراه، إن غاب عنّي، كلّ جارحة # في كلّ معنى لطيف، رائق، بهج‏ (٤)


في نغمة العود و النّاي الرّخيم، إذا # تألّفا بين ألحان من الهزج‏ (٥)


و في مسارح غزلان الخمائل، في # برد الأصائل، و الإصباح في البلج‏ (٦)


و في مساقط أنداء الغمام، على # بساط نور، من الأزهار منتسج‏ (٧)


____________

(١) الشمائل: الصفات.

م. ص. ان الصفات الإلهية تكشفت للميت فأحيته و عرف انه حي باللّه لا بنفسه.


(٢) لج: ألحّ. عذلي: لومي. لم يلج: لم يدخل.

م. ص. يعود إلى ذكر الرشاء المحجب كناية عن الأنوار الربانية المحتجبة في نفس المريد.


(٣) البرق كناية عن ثغر الحبيب. و الفلج: تباعد ما بين الأسنان.

م. ص. أن ظهور أمر اللّه تعالى كالبرق اللامع لا يمكن أن تستره حجب الغيوم مهما بلغ شأنها.


(٤) في هذا البيت و الأبيات الخمسة التي تليه إشارة إلى تعلق الشيخ ابن الفارض بالمحاسن الربانية.

(٥) العود و الناي من آلات الطرب الاولى و ترية و الثانية نفخية. الرخيم: الصوت الذي يخرج سهلا عند النطق. الهزج: الغناء و الترنم.

م. ص. ان الخالق ينكشف لنا دون ان نراه كما لو كنا نسمع صوت لحن فنشعر به في داخلنا و إن كنا لم نره.


(٦) المسارح: هنا المراعي و واحدها المسرح. الخمائل مفردها الخميلة و هي الأرض الكثيرة الماء و الخضرة. الأصائل: مفردها الأصيل و هي ساعات بعد العصر و اوائل الغروب.

م. ص. أن الحق يتجلى له في صورة مراعي الغزلان بين الأشجار الملتفة و ذلك في العشيّ و الأبكار.


(٧) المساقط: مفردها المسقط و هو موضع السقوط. الأنداء جمع ندى. الغمام جمع غمامة و هي السحابة.

م. ص. أن الحق يتجلى في مواضع سقوط الندى و الأمطار و في الوان الزهر المنسوجة بأنواع النقوش المختلفة.


١٠٢

و في مساحب أذيال النّسيم، إذا # أهدى إليّ، سحيرا، أطيب الأرج‏ (١)


و في التثامي نغر الكأس، مرتشفا، # ريق المدامة، في مستنزه فرج‏ (٢)


لم أدر ما غربة الأوطان، و هو معي # و خاطري، أين كنّا، غير منزعج‏ (٣)


فالدّار داري، و حبّي حاضر، و متى # بدا، فمنعرج الجرعاء منعرجي‏ (٤)


ليهن ركب سروا ليلا، و أنت بهم # بسيرهم في صباح، منك، منبلج


فليصنع الرّكب ما شاءوا بأنفسهم # هم أهل بدر، فلا يخشون من حرج‏ (٥)


بحقّ عصياني اللاّحي عليك، و ما # بأضلعي، طاعة للوجد، من وهج‏ (٦)


____________

(١) م. ص: ان الروائح العطرة تتسرب إلى انف الشيخ ابن الفارض فتنكشف له الحقيقة الإلهية و يظهر نور الحق باديا له.

(٢) الالتثام: التقبيل. مرتشفا: شاربا. المدامة: الخمرة. المستنزه: مكان النزهة.

الفرج: المكان الذي يشرح الصدر.


م. ص. المدامة هي مطالعة المعاني الإلهية و الحقائق الوجدانية و المستنزه هو التجليات الإلهية للحواس الخمس فالابيات الخمسة التي مرت يعبر كل بيت منها عن حاسة من الحواس الخمس السمع و الشم و البصر و اللمس و الذوق بحيث تجتمع هذه الأمور لتجسد عظمة الخالق عز و جل.


(٣) الغربة: النزوح عن الوطن. الخاطر هنا بمعنى القلب.

م. ص. انه لا يعرف معنى الغربة لإعراضه عن كل امر سوى وجود الحق الذي لا يفارقه.


(٤) المنعرج: مكان نزول الأحباب. الجرعاء: مكان و المقصود مكان اجتماعهم في الصحراء لأن الجرعاء تطلق على الأرض الكثيرة الرمل.

م. ص. منعرج الجرعاء حالات السلوك في الطريق المستقيم حيث يدخل المريد فيعود نفسه على الشدائد فيصبح هذا المنعرج موطنه و موطن محبوبه في نفس الوقت.


(٥) الركب: الجمع الذي يركب الإبل. سروا: مشوا ليلا. الصبح المنبلج: الصبح المشرق.

م. ص. الركب: طائفة أهل اللّه العارفين و السري ليلا: هو عدم الخوف من الظلمة لأن الأنوار الإلهية تسهل للعارفين سبل السير و إشارة إلى أهل بدر و وجود القمر بينهم فالحق يتجلى لهم و يسيرون بنور هداه.


(٦) اللاحي: اللائم. الوجد: شدة العشق. الوهج اللهيب.

١٠٣

أنظر إلى كبد ذابت عليك جوى، # و مقلة من نجيع الدّمع، في لجج‏ (١)


و ارحم تعثّر آمالي، و مرتجعي # إلى خداع تمنّي الوعد بالفرج‏ (٢)


و اعطف على ذلّ أطماعي بهل و عسى # و امنن عليّ بشرح الصدر من خرج‏ (٣)


أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه، # قول المبشّر، بعد اليأس، بالفرج‏ (٤)


لك البشارة، فاخلع ما عليك، فقد # ذكرت ثمّ، على ما فيك من عوج‏ (٥)


____________

(١) الجوى: مرض الباطن من شدة العشق. المقلة: العين. النجيع: الدم.

(٢) التعثر: السقوط في مقام اليأس.

في هذا البيت تراتب بالمقامات فالمرتبة الأولى هي الرجوع و التمني هو المرتبة الثانية ثم الوعد و الفرج و يأتيان في المرتبتين الثالثة و الرابعة.


م. ص. ان النفس تخدعه بحصول الفرج بعد الشدة التي هو فيها.


(٣) هل تعني السؤال و الاستفهام أي اسأل عني و لا تتركني بحيث لا تلتفت إلي و أجبر كسري و تعطف على ذل طمعي و أما عسى فمعناها الرجاء و الرجاء هنا أن يلتفت إليه المحبوب فإن في هذا أملا و قوة للحبيب.

(٤) المبشر: حامل البشارة و البشارة هي الخبر السار.

(٥) م. ص. المبشر هو النذير الرباني أو الهاتف بالغيب. و اخلع ما عليك أي اترك الأمور الدنيوية المستولية عليك و ارتق من أمر الدنيا إلى عوالم الأرواح و الأنوار.

١٠٤

قافية الحاء

صيّرت المساء صباحا

[البحر الكامل‏]


أو ميض برق، بالأبيرق، لاحا، # أم، في ربى نجد، أرى مصباحا؟ (١)


أم تلك ليلى العامريّة أسفرت # ليلا، فصيّرت المساء صباحا؟ (٢)


يا راكب الوجناء، وقّيت الرّدى، # إن جبت حزنا، أو طويت بطاحا (٣)


____________

(١) الوميض: اللمعان. الابيرق: تصغير الأبرق و هو مكان فيه حجارة و رمل و طين مختلفة. لاح: ظهر. الربى: الأماكن المرتفعة و الواحدة ربوة. نجد: مكان.

م. ص. البرق ظهور الوجود الحق و الابيرق عالم الأجساد بعناصرها و طبائعها المختلفة. و الوميض الروح و الربى الأرواح المنفوخة بأمر اللّه و المصباح امر اللّه تعالى المشرق على عالم الأرواح فهي مضيئة به.


(٢) ليلى العامرية: صاحبة قيس بن الملوح (مجنون ليلى) و لكن المقصود هنا الحبيبة المطلقة كما يطلق الحسن على يوسف. اسفرت: أظهرت وجهها.

م. ص. الليل: ظلمة الأكوان. و الاسفار وقت صلاة الصبح. صيرت الماء صباحا كناية عن الأنوار الإلهية التي انكشفت.


(٣) الوجناء: الناقة الشديدة. وقيت: حميت. الردى: الهلاك. جبت: قطعت. الحزن بفتح الحاء الوادي أو المكان الوعر. طويت: قطعت. البطاح: واحدها الأبطح و هو مسيل الماء.

م. ص. الوجناء النفس الشديدة في سلوك طريق المعرفة و راكبها هو المريد السالك.


الحزن: مقام مخالفة النفس لان النفس تطلب الأماكن و الأشياء السهلة. البطاح:


أصعب مقامات السلوك كالصبر و الشكر و التقوى و الزهد و الورع.


١٠٥

و سلكت نعمان الأراك، فعج إلى # واد، هناك، عهدته فيّاحا (١)


فبأيمن «العلمين» ، من شرقيّة # عرّج، و أمّ «أرينه» الفوّاحا (٢)


و إذا وصلت إلى ثنيّات اللّوى، # فأنشد فؤادا، بالأبيطح، طاحا (٣)


و اقر السّلام أهيله، عنّي، و قل # غادرته، لجنابكم، ملتاحا (٤)


يا ساكني نجد، أما من رحمة # لأسير إلف، لا يريد سراحا (٥)


هلاّ بعثتم، للمشوق، تحيّة # في طيّ صافية الرّياح، رواحا (٦)


____________

(١) النعمان: واد الأراك: شجر السواك. عج: أمر من عاج أي مال. عهدته: عرفته سابقا. فياحا: واسعا.

م. ص. سلكت نعمان الأراك دخلت في التجليات الإلهية و هذا الوادي واسع لا نهاية له لما يفيض به من العلوم الربانية.


(٢) بأيمن: على يمين. العلمان: جبلان علم السعد و علم دجوج. أمّ: اقصد و هو الأمر من أمّ. الارين موضع. الفواح: الشديد الرائحة.

م. ص. ايمن العلمين: النفس الموجودة على يمين الجسد و العلم الآخر هو القلب الموجود على يسار الجسد.


(٣) الثنيات: مفردها الثنية و هي الطريق في الجبل. اللوى: مسترق الرمل. الابيطح:

تصغير ابطح و هو مسيل الماء. طاح. هلك.


م. ص. الخطاب لصاحب النفس الشديدة. و ثنيات اللوى حضرات الأسماء و الصفات الربانية. و الابيطح: المقام الذاتي الجامع لجميع الصفات و الأسماء.


(٤) أقر: أمر من قرأ و هو مخفف بحذف الهمزة من آخره. الملتاح: المشتاق.

م. ص. الاهيل أولياء اللّه العارفين. المغادرة: ترك كل ما هو لغير اللّه حتى الفؤاد تركه قاصدا المعرفة.


(٥) نجد: موضع معروف الإلف بكسر الهمزة الأليف أو الحبيب. السراح: الانطلاق.

و استعملها هنا لإكمال معنى الأسر الوارد في البيت.


م. ص: ساكني نجد كناية عن أصحاب المقامات العلية. إذا وجدهم المريد وصل إلى كل ما يريد.


(٦) طي: ضمن. صافية الرياح: الرياح التي لا يخالطها غبار. الرواح: وقت العشاء.

م. ص. المشوق: يعني نفسه و صافية الرياح الأرواح المنفوخة بأمر اللّه تعالى و التحية هي سلام اللّه على الرسل و الأنبياء الصالحين كما في قوله تعالى: سَلاََمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا .


١٠٦

يحيا بها من كان يحسب هجركم # مزحا، و يعتقد المزاح مزاحا


يا عاذل المشتاق جهلا بالذي # يلقى مليّا، لا بلغت نجاحا (١)


أتعبت نفسك في نصيحة من يرى # أن لا يرى الإقبال، و الإفلاحا (٢)


أقصر، عدمتك و اطّرح من أثخنت # أحشاءه، النّجل العيون، جراحا (٣)


كنت الصديق، قبيل نصحك مغرما # أ رأيت صبّا يألف النصّاحا؟


إن رمت إصلاحي، فإنّي لم أرد، # لفساد قلبي في الهوى، إصلاحا (٤)


ما ذا يريد العاذلون بعذل من # لبس الخلاعة، و استراح، و راحا


يا أهل ودّي، هل لراجي وصلكم # طمع، فينعم باله استرواحا؟ (٥)


مذ غبتم عن ناظري لي أنّة، # ملأت نواحي أرض مصر نواحا (٦)


و إذا ذكرتكم أميل، كأنّني، # من طيب ذكركم، سقيت الرّاحا (٧)


و إذا دعيت إلى تناسي عهدكم، # ألفيت أحشائي، بذاك، شحاحا (٨)


سقيا لأيّام مضت مع جيرة، # كانت ليالينا بهم أفراحا (٩)


____________

(١) العاذل: اللائم. لا بلغت نجاحا. لا دعائيه و المعنى لا وصلت أو لا أوصلك اللّه إلى النجاح.

(٢) م. ص. عدم رؤية الإقبال و الفلاح دليل على اشتغاله و انبهاره بما ظهر من التجليات الإلهية بحيث لم يبق عنده ما يبهجه عن هذا الامر.

(٣) اقصر: أمر من قصر و المعنى انته. عدمتك: فقدتك. اطرح: ارم. العيون النجل:

العيون الواسعة و الواحدة نجلاء.


(٤) رمت: طلبت. فساد القلب: تلفه.

(٥) الراجي: المتأمل. البال: الخاطر. و الاسترواح مصدر استروح و الاسترواح وجود الراحة.

(٦) ناظري: بصري. النواحي: الارجاء. النواح: البكاء.

م. ص. الغيبة عن الناظر: غيبة الحق و سيطرة الغفلة على قلبه.


(٧) الراح: الخمر. و المعنى ان ذكرهم يبعث في نفسه النشوة كما تفعل الخمرة بالعقول.

(٨) ألفيت: وجدت. شحاح: بخلاء.

م. ص. تناسي العهد هو تناسي عهد الربوبية المأخوذ على كل نفس بشرية كما ورد في الآية الكريمة: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ. قََالُوا بَلى‏ََ .


(٩) سقيا: مصدر من سقا. استعمله العرب للدعاء و التحبب.

١٠٧

حيث الحمى وطني، و سكّان الغضا # سكني، و وردي الماء فيه مباحا (١)


و أهيله أربي، و ظلّ نخيله # طربي، و رملة وادييه مراحا (٢)


واها على ذاك الزّمان، و طيبه، # أيّام كنت، من اللّغوب، مراحا (٣)


قسما بمكّة، و المقام، و من أتى # البيت الحرام، ملبّيا سيّاحا (٤)


ما رنّحت ريح الصّبا شيح الرّبى # إلاّ و أهدت منكم أرواحا (٥)


____________

(١) الحمى: مكان الإقامة. الغضا: شجر صلب. الورد: طلب الماء. المباح:

المسموح.


م. ص. الحمى: الحضرة الجامعة للأسماء و الصفات و الوطن مكان الإقامة الأزلي فالمنزل الدنيوي منزل سفر لا وطن.


سكان الغضا: المعلومات الإلهية. ورد بكسر الواو الماء: طلب العلم.


(٢) أربي: مطلبي. المراح: المكان الواسع حيث تأوي الماشية.

م. ص. اهيل الحي كناية عن التجليات و المظاهر الربانية و النخيل الحقائق العلمية أما الرملة فهي علوم الوهب الإلهي و الوادي هو الشريعة و الحقيقة.


(٣) اللغوب: التعب. مراحا: مستريحا.

م. ص. الراحة من الجهد و التعب لان المريدين أهل تشريف بالاحكام لا أهل تكليف. فكان مستريحا من أتعاب التكليف.


(٤) مكة و المقام: مقام إبراهيم (ع) . و البيت مواضع مقدسة. ملبيا: مستجيبا لدعوة اللّه.

السياح: المتجول في كل مكان.


م. ص. مكة: الحضرة الإلهية. و المقام مقام الإسلام و التلبية سرعة الانجذاب إلى الحضرة الربانية. السياحة. تجلي الأماكن النورانية.


(٥) رنحت: مالت. الشيح: نبات معروف طيب الرائحة.

م. ص ريح الصبا: الروح الأعظم و هو من أمر اللّه من مطلع شمس الأحدية.


شيح الربى: الأجسام النابتة في المراتب العالية.


١٠٨

خليليّ‏

[البحر المتقارب‏]


خليليّ، إن جئتما منزلي # و لم تجداه فسيحا، فسيحا (١)


و إن رمتما منطقا من فمي، # و لم تسمعاه فصيحا، فصيحا (٢)


لقاء البدر

[البحر المنسرح‏]


يا ليلة الوصل، صبحها لم يلح # من أوّلها شربته من قدحي‏ (٣)


لما قصرت طالت، و طابت بلقيا # بدر، محني في حبّه، من منحي‏ (٤)


____________

(١) الخليل: الصديق و الخليلان هنا: العقل و الإيمان. و المقام: المنزل. الفسيح:

الواسع. سيحا: فعل الأمر من ساح أي ذهب.


(٢) رمتما: أردتما. فصيحا: بيّنا أو بليغا. صيحا: فعل أمر من صاح أي تكلم بأعلى صوته.

(٣) لم يلح: لم يظهر.

(٤) المحن: جمع محنة و هي البلوى. المنح: العطايا مفردها المنحة.

١٠٩

قافية الدال‏

خفّف السير

[البحر الخفيف‏]


خفّف السّير و اتّئد، يا حادي، # إنّما أنت سائق بفؤادي‏ (١)


ما ترى العيس بين سوق و شوق # لربيع الرّبوع، غرثى، صوادي‏ (٢)


لم تبقّي لها المهامه جسما، # غير جلد على عظام بواد (٣)


و تحفّت أخفافها، فهي تمشي، # من وجاها، في مثل جمر الرّماد (٤)


____________

(١) ائتد: ترفق. الحادي: سائق الإبل.

م. ص. السير كناية عن السلوك بالروحانية و تخفيف السير للتملي من المشاهدات فالسرعة تدهش البصائر و تذهل العقول.


(٢) العيس: الإبل التي يخالط بياضها شقرة. الغرثى: الجائعة. الصوادي: العاطشة.

م. ص. العيس نفوس السالكين التي ابيض طرف منها بلمحات الروحانية. و ربيع الربوع كناية عن مقامات العارفين و ما يجدون فيها من العلوم و الحقائق.


(٣) الأولى في الفعل تبقي ان يحذف آخره المعتل و لكن الشاعر أبقاه استقامة للوزن مستدلا بالآية الكريمة: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ . المهامه: المفازة أو البلد المقفر.

البوادي: الظواهر.


م. ص. المهامه: بيوت السالكين المقفرة حيث لا يشاركهم بها احد و عدم الجلد كناية عن القوى النفسانية.


(٤) تحفت: رقت. و الخف للجمل كالحافر للفرس. الوجى: الحفاء.

م. ص: تحفت أخفافها كناية عن ترك النفوس لأمر الدنيا.


و الجوى: السير في الأمور الدنيوية و جمر الرماد: صعوبة هذه الأمور و تعذر حصولها.


١١٠

و براها الونى، فحلّ براها، # خلّها ترتوي ثماد الوهاد (١)


شفّها الوجد، إن عدمت رواها، # فاسقها الوخد من جفار المهاد (٢)


و استبقها، و استبقها، فهي ممّا # تترامى به إلى خير واد (٣)


عمرك اللّه، إن مررت بوادي # ينبع، فالدّهنا، فبدر، غادي‏ (٤)


و سلكت النّقا، فأودان ودّا # ن، إلى رابغ الرّويّ الثّماد (٥)


و قطعت الحرار، عمدا، لخيما # ت «قديد» ، مواطن الأمجاد (٦)


____________

(١) براها: اذهب غالب شحمها و لحمها. الونى: التعب. البري: مفردها البرة و هي الحلقة في أنف البعير. الري: إزالة العطش: الثماد: بقايا الماء.

م. ص. حل البري: كناية عن رفع القيود و الارتواء هو الشرب من ماء الإلهام الرباني.


(٢) شفها: هزلها. الوجد حزن المحبة. الوخد: السير السريع. الجفار: مفردها الجفرة و هي السعة في الأرض. و المهاد: الأراضي المستوية.

م. ص. الوخد كناية عن الجهد و المعاناة في العبادة مع الإخلاص و التقوى و جفار المهاد كناية عن طبيعة الأخلاق البشرية.


(٣) الوادي: مكة المكرمة شرفها اللّه.

م. ص. الوادي: موطن الخير و مقام العبادات و الطاعات في مكة المعظمة و فيها حضرة الأسماء الإلهية و الصفات الربانية.


(٤) ينبع: حصن فيه نخيل و زرع و عيون. الدهناء: موضع لتميم و يقصر موضع أمام ينبع.

بدر: موضع بئر معروف. غادي: سائر وقت الغداة. و الوقف على الحال (غادي) لغة تميم.


م. ص: الحادي الموجه الخطاب له: النور المحمدي. ينبع: كناية عن حضرة الأمر الإلهي و الدهناء كناية عن النفس المسماة بلسان الشرع باللوح المحفوظ. و بدر الطبيعة الكلية قبل ان تصير أربعة برودة و حرارة و رطوبة و يبوسة.


(٥) النقا: القطعة من الرمل و هنا مكان بطريق الحجاز و بقية الأسماء الواردة في البيت مواقع.

م. ص: النقا كناية عن العرش و المستوي الرحماني. و روي الثماد كناية عن فناء الوجود في مقامات السلوك و هو فناء النفس الإنسانية عن قوتها و بأسها.


(٦) الحرار: الواحدة حرّة و هي أرض ذات حجارة نخرة سوداء. القديد: موقع.

١١١

و تدانيت من خليص، فعسفا # ن، فمرّ بالظّهران، ملقى البوادي


و وردت الجموم فالقصر، فالدّكناء # ، طرّا، مناهل الورّاد


و أتيت التّنعيم، فالزّاهر الزّاهر # نورا، إلى ذرى الأطواد


و عبرت الحجون، و اجتزت فاختر # ت، ازديادا، مشاهد الأوتاد


و بلغت الخيام، فأبلغ سلامي، # عن حفاظ، عريب ذاك النّادي‏ (١)


و تلطّف، و اذكر لهم بعض ما بي # من غرام، ما إن له من نفاد (٢)


يا أخلاّي، هل يعود التّداني # منكم بالحمى، بعود رقادي؟ (٣)


ما أمرّ الفراق، يا جيرة الحيّ # ، و أحلى التّلاق بعد انفراد (٤)


كيف يلتذّ بالحياة معنى، # بين أحشائه كوري الزّناد (٥)


عمره و اصطباره في انتقاص، # و جواه و وجده في ازدياد


____________

(١) في هذا البيت و الأبيات الأربعة التي سبقته أسماء مواقع استعملها الشيخ ابن الفارض للدلالة على المعاناة التي يلاقيها المريد أثناء رياضته و مجاهدته.

م. ص. الأوتاد هم الشيوخ المحققون و أن ذلك الموضع هو موضع شهودهم في الحضرات الإلهية و عريب ذاك النادي هو أهل الجمع و التوحيد من التجليات الإلهية الكاملة و الهياكل الربانية الفاضلة.


(٢) النفاد: الانتهاء.

م. ص: المعنى ان الحب الإلهي لا ينتهي و لا ينقطع لان متعلقه و هو اللّه سبحانه و تعالى قديم لا يتغير.


(٣) اخلاي: اصدقائي. التداني: الاقتراب. الرقاد: النوم.

م. ص. الاخلة: الأصدقاء في سلوك طريق اللّه و الحمى كناية عن الحضرة الإلهية و عود الرقاد كناية عن الرجوع إلى البداية و هو الكمال الحقيقي و ذلك بالعودة إلى الرقاد بعد اليقظة و طول السهر.


(٤) التلاق: التلاقي و حذفت الياء مراعاة للوزن.

م. ص: جيرة الحي كناية عن أمثاله النازلين في مرتبة اولياء اللّه و التلاقي الدخول في الجمع بعد الفرقة أو بعد الانفراد بنفسه للرياضة.


(٥) الوري: خروج النار من حجر القدح و الزند تستعمل للنار.

م. ص: اللذة كناية عن ادراك الملائم. و الحياة حياة الروح و المعنى: العاشق و الزناد نار المحبة و الشوق.


١١٢

في قرى مصر جسمه، و الأصيحاب # ، شآما، و القلب في أجياد (١)


إن تعد وقفة، فويق الصّحيرات # رواحا، سعدت بعد بعادي‏ (٢)


يا رعى اللّه يومنا بالمصلّى، # حيث ندعى إلى سبيل الرّشاد (٣)


و قباب الركاب، بين العليمين- # -ن، سراعا، للمأزمين، غوادي‏ (٤)


و سقى جمعنا بجمع، ملثّا، # و لييلات الخيف، صوب عهاد (٥)


من تمنّى مالا، و حسن مآل، # فمنائي منى، و أقصى مرادي‏ (٦)


____________

(١) أجياد: موضع بمكة. و المعنى انه لا يلتذ بالحياة مع تفرق باله و كثرة هواجسه بين مصر و الشام و مكة.

م. ص: الأصيحاب كناية عن أمثاله من الأولياء و الشيوخ و تفرق الحال دليل على بداية سلوكه في طريق اللّه تعالى.


(٢) فويق: تصغير فوق. الصخيرات: التي كان يقف عليها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على جبل عرفات.

الرواح: وقت المساء.


م. ص: الوقفة هي الوقوف بعرفة و معناها الصوفي الوصول إلى تمام المعرفة الربانية.


و الصخيرات إشارة إلى القلب المتصلب و ما يتفجر عنها من الإيمان. و هو ايمان أرباب اليقين و وقت الرواح هو وقت الوجد الصوفي فكلما مالت الشمس نحو مغربها مالت أجساد المريدين إلى جهة المطلع الرباني.


(٣) رعى: حفظ و حمى. المصلى: مكان بمكة. الرشاد: طريق الخير و الهداية.

م. ص. المصلى مقام عبادة اللّه و الدعوة موجهة من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) .


(٤) قباب الركاب: هوادج الحجيج. المأزم: مضيق بين جبلين. الغوادي: سائرو الصباح. العلمان: مكان مرّ ذكره.

م. ص. الهوادج صورة الأولياء المحمولين بمعنى الآية: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ و الركاب الأرواح الحاملة للصور الجسمانية و العلمان:


الشريعة و الحقيقة. و المأزمان: الأمر و النهي.


(٥) جمعنا: اجتماعنا. الجمع: اللقاء بالمزدلفة. لييلات: تصغير ليلات. و الخيف:

مسجد معروف العهاد و الملث: المطر.


م. ص. الجمع معاشر اولياء اللّه الصالحين. و لييلات كناية عن العبادة في السر و العلن و العهاد كناية عن العلوم الربانية التي تنزل كالمطر على قلوب العارفين.


(٦) حسن المآل: الآخرة أو الملجأ. منى: واد بمكة. المراد: المطلوب.

م. ص. المال و المآل: الدنيا و الآخرة. و منى الوصول إلى الحضرة الإلهية.


١١٣

يا أهيل الحجاز إن حكم الدّهر # ببين، قضاء حتم إرادي‏ (١)


فغرامي القديم فيكم غرامي، # و ودادي، كما عهدتم، ودادي‏ (٢)


قد سكنتم من الفؤاد سويدا # ه، و من مقلتي سواء السّواد (٣)


يا سميري روّح بمكّة، روحي، # شاديا، إن رغبت في إسعادي‏ (٤)


فذراها سربي، و طيبي ثراها، # و سبيل المسيل وردي و زادي‏ (٥)


كان فيها أنسي و معراج قدسي، # و مقامي المقام، و الفتح باد (٦)


نقلتني عنها الحظوظ، فجذّت # وارداتي، و لم تدم أورادي‏ (٧)


____________

(١) م. ص. أهيل الحجاز الأولياء المقربين أو الورثة المحمديين. و الدهر من اسماء اللّه تعالى «لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر» . و البين احتجاب القلب في صور الكمال.

(٢) م. ص. حكم الدهر: الإرادة الأزلية. و الغرام: الحب الإلهي الذي لا تنقض فيه العهود.

(٣) السويداء: نقطة سوداء داخل كل قلب. المقلة: العين. سواء: عدا.

م. ص. السكن بسويداء القلب أي في نقطته السوداء هو التجلي فإذا حجبوا بها فهي السواد و إذا تجلوا بها فهي النور المبين.


(٤) السمير: صديق الليل. روّح فعل أمر من الترويح. شاديا: مرتلا.

م. ص: السمير كناية عن أصحابه الغافلين في ليل الأكوان و جيرانه كناية عن المريدين العارفين به من اصحاب القلوب الهائمة في مظاهر التجليات و كرامات الأولياء.


(٥) الذرى: الأعالي و الواحدة ذروة. السرب: الموطن. الثرى: التراب. السبيل:

الطريق. الورد: مكان الماء.


م. ص. أهل الذرى أهل الجذب الإلهي و الإيقان الرباني و الثرى كناية عن أجساد أولياء اللّه العارفين و المسيل اسفل الوادي كناية عن الكعبة المشرفة و الورد كناية عن السقاء من بئر زمزم.


(٦) معراج قدسي: ارتقائي مدارج الكمال. باد: ظاهر.

م. ص: معراج قدسي: كناية عن الارتقاء إلى الحضرة الإلهية و الفناء عمّا سواها من الحضرات الكونية. و المقام كناية عن مقام الإسلام الحقيقي ظاهرا و باطنا.


(٧) جذّت: قطعت. الأوراد: الاجزاء من القرآن الكريم.

م. ص. نقلتني: كناية عن انتقاله من مكة إلى مصر و الحظوظ هي الحظوظ النفسانية التي أبعدته عن مناسك عبادته و انقطاع الأوراد كناية عن الانشغال بالأمور الدنيوية عن الأمور الإلهية.


١١٤

آه لو يسمح الزّمان بعود، # فعسى أن تعود لي أعيادي‏ (١)


قسما بالحطيم، و الرّكن، و الأستار # ، و المروتين، مسعى العباد (٢)


و ظلال الجناب، و الحجر، و الميزاب # ، و المستجاب، للقصّاد (٣)


ما شممت البشام إلاّ و أهدى # لفؤادي، تحيّة من سعاد (٤)


مؤنس الوحشة

[البحر المنسرح‏]


روحي لك، يا زائر اللّيل فدا # يا مؤنس وحشتي إذا اللّيل هدا (٥)


إن كان فراقنا مع الصبح بدا # لا أسفر بعد ذاك صبح أبدا (٦)


____________

(١) م. ص. الأعياد كناية عن حصول الأحوال الشريفة و مكة كناية عن الحضرة الإلهية التي يحصل بها السرور من جرّاء العبادة.

(٢) الحطيم: موضع بمكة. و الركن ركن الكعبة أو الركن اليماني. و المروتان: الصفا و المروة. المسعى: بين الصفا و المروة.

(٣) الجناب هضاب بمكة و الحجر بكسر الحاء حجر إسماعيل في البيت الحرام.

و الميزاب: ميزاب الرحمة في البيت الحرام و الميزاب موضع يستجاب الدعاء فيه.


(٤) البشام: شجر طيّب الرائحة.

م. ص ٢، ٣، ٤، الحطيم كناية عن النفس فالقلب بيت الرب و النفس منه كالحطيم. الركن هو الالتجاء للََّه تعالى. و الأستار كناية عن الحجب النورانية و المروتان صفات الإنسان الروحية و المادية و السعي سلوك طريق الرشاد و الظلال كناية عن شواخص الإرادة الربانية. و الجناب كناية عن الحضرة الإلهية و الميزاب لسان العارف المريد و لغته الايمانية. و المستجاب: حرم مكة فمن دخلها فهو آمن و البشام كناية عن الروح الإيماني و النور المحمدي و الحبيبة سعاد كناية عن الحضرة الإلهية أو مكة. و الحمد للََّه.


(٥) م. ص. الخطاب للمحبوب الحقيقي. و زائر الليل كناية عن المدد الرحماني و الليل كناية عن ظلمة الأكوان و فيه أي في الليل ينزل اللّه إلى سماء الدنيا كما قيل.

(٦) م. ص. الفراق كناية عن دخول مقام الفرق بعد الجمع، و الصبح كناية عن نور الوجود الحق.

١١٥

بتنا معا

[البحر المنسرح‏]


ما أطيب ما بتنا معا في برد # إذ لاصق خدّه، اعتناقا خدّي‏ (١)


حتّى رشحت من عرق وجنته # لا زال نصيبي منه ماء الورد! (٢)


____________

(١) بتنا معا: نمنا سوية. البرد: الثوب.

م. ص. المبيت كناية عن الدخول في بيت الظلمة الكونية. و البرد كناية عن النشأة الإنسانية. و الملاصقة كناية عن الاتصال بالملإ الأعلى.


(٢) رشحت: سالت أو تندت. الوجنة: صفحة الوجه.

م. ص. الخدّ كناية عن الحضرة الاسمائية و الوجنة كناية عن نور الإيمان الآتي من حضرات الأسماء الربانية و العرق كناية عن العلم الخاص الذي يصيب الأولياء و العارفين.


١١٦

قافية الذال‏

رئم الفلا

[البحر الكامل‏]


صدّ حمى ظمإي لماك لما ذا، # و هواك، قلبي صار منه جذاذا (١)


إن كان في تلفي رضاك، صبابة، # و لك البقاء، وجدت فيه لذاذا (٢)


كبدي، سلبت صحيحة، فامنن علي # رمقي بها، ممنونة أفلاذا (٣)


يا راميا، يرمي، بسهم لحاظه، # عن قوس حاجبه، الحشا انفاذا (٤)


أنّى هجرت لهجر واش، بي، كمن # في لومه لؤم حكاه، فهاذى‏ (٥)


____________

(١) الصد: المنع. الظمأ: العطش. و اللمي: سمرة الشفاه. الجذاذ: القطع.

م. ص. المنع حاصل من المحبوب الحقيقي اللّه هو اللّه عز و جل و الكاف في لماك للََّه تعالى و إذا وقعت الكنايات في العاشق تكلم بكل ما أراد.


(٢) الصبابة: شدة العشق. و اللذاذ مصدر اللذة. التلف. الهلاك و الفساد.

م. ص. التلف هو الفناء في سبيل اللّه و الصبابة كناية عن القبول بهذا الفناء.


(٣) الرمق: بقية الحياة. الأفلاذ مفردها الفلذة و هي القطعة من الكبد. ممنونة: مقطوعة.

م. ص. الخطاب للمحبوب الذي سلب قلبه و اخذه قهرا بسبب المحبة و طلب رجوع القلب للتحقق بمعرفة محبوبه.


(٤) الرامي: ضارب السهام. اللحاظ مؤخر العين. الحشا: الكبد و الضلوع. الإنفاذ:

الاجازة.


(٥) الواشي: النمّام. هاذى فعل ماض من الهذيان م. ص. الوشاية كناية عن الهوى الذي يقع في القلب فيفسد الأعمال و اللوم كناية عن لوم العقل على هذه الأعمال فالعقل يمشي بالعبد على مقتضى الإدراك.

١١٧

و عليّ فيك من اعتدى في حجره، # فقد اغتدى، في حجره، ملاّذا (١)


غير السّلوّ تجده عندي، لائمي، # عمّن حوى حسن الورى استحواذا (٢)


يا ما أميلحه رشا، فيه حلا # تبديله حالي الحلي بذّاذا (٣)


أضحى بإحسان و حسن معطيا # لنفائس، و لأنفس أخّاذا (٤)


سيفا تسلّ، على الفؤاد، جفونه # و أرى الفتور له بها شحّاذا (٥)


فتكا بنا يزداد منه، مصورا # قتلي مساور، في بني يزدادا (٦)


____________

(١) الحجر: المنع. اغتدى: صار. الملاّذ: بتشديد اللام ضعيف الرأي و العقل.

م. ص. ان عقلي الذي منعني عن لقائك أصبح في حفظه لي من المؤذيات و ستره لأحوالي قد سبب لي الأذى.


(٢) السلوّ: النسيان. الورى: الخلق. الاستحواذ: الاستيلاء و الغلبة.

(٣) أميلح: تصغير أملح. الرشا: الغزال إذا قوي و مشى مع أمه. البذاذ: السيئ المظهر.

م. ص. الكلام يعود إلى المحبوب الحقيقي و هو اللّه و تبديله كناية عن ظهوره بمظاهر شتى. و الحلي الصور المحسوسة و المعقولة.


(٤) النفائس: الأشياء الثمينة. اخاذ صيغة مبالغة من أخذ. على وزن فعال.

م. ص. النفائس هي العلوم الربانية و المعارف الإلهية و الأخاذ كناية عن أخذ نفس الكاملين لتتجلى ببدائع الحسن و الجمال فكأنما اصحاب هذه النفوس يموتون موتا طوعيا أما بقية الناس فيموتون موتا قهريا.


(٥) الفؤاد: القلب. الجفن غطاء العين و يستعمل للسيف أيضا. الفتور: الضعف. شحاذ فعال من شحذ بمعنى سنّ.

م. ص. القلب موطن المعرفة و الجفون الأشياء الحافظة فإذا انفتح الجفن تجلت الحقيقة. و النظرة العليا هي النظرة الروحانية و النظرة السفلى هي الجسدية المادية.


(٦) الفتك: القتل. مساور: رجل رومي قاتل بنو يزداد و اوقع بهم.

م. ص. الفتك كناية عن عموم الفناء لظهور وجه اللّه تعالى: الا كل شي‏ء ما خلا اللّه باطل.


١١٨

لا غرو أن تخذ العذار حمائلا # إذ ظلّ فتّاكا به وقّاذا (١)


و بطرفه سحر، لو أبصر فعله # هاروت، كان له به أستاذا (٢)


تهذي بهذا البدر، في جوّ السّما، # خلّ افتراك، فذاك خلّي لاذا (٣)


عنت الغزالة و الغزال لوجهه، # متلفّتا، و به، عياذا، لاذا (٤)


أربت لطافته على نشر الصّبا، # و أبت ترافته التقمّص لاذا (٥)


و شكت بضاضة خدّه من ورده # و حكت فظاظة قلبه الفولاذا (٦)


____________

(١) العذار: جانب اللحية. الحمائل: علائق السيف. الفتاك: القتال. الوقاذ: فعال من وقذ اي ضرب. العذار كناية عمّا في جانب القلب من المعاني و الشعور و جمع الجفون و أفراد السيف للدلالة على الوحدانية للََّه.

(٢) الطرف: العين. هاروت ساحر. الأستاذ المعلم الفارسي.

م. ص. هاروت ملك أنزله اللّه تعالى ليعلم السحر للناس و ليفرقوا بين معجزات الأنبياء و الأولياء و بين السحر في الأمور الدنيوية.


(٣) تهذي: تتكلم بكلام غير مفهوم. الافتراء: الكذب. الخل: الصديق.

م. ص. البدر كناية عن الحقيقة الإنسانية المستمدة من الحقيقة الإلهية. و النور هو نور الحق.


(٤) عنت: خضعت. الغزالة: الشمس. العياذ: الالتجاء. لاذ: تحصن.

م. ص. الوجه وجه اللّه و الشمس شمس الحقيقة المستمدة من نوره فهي تستتر بوجه اللّه و تتحصن عن الفناء و بمعنى آخر فالغزالة هي الروحانية الإنسانية و الغزال القلب المتلفت بالفكر و الخيال إلى عوالم الإمكان.


(٥) أربت: زادت. النشر: الرائحة الطيبة. الصبا: الريح الصباحية الشرقية الخفيفة.

أبت: كرهت. الترفه: التنعم. التقمص: لبس القميص. اللاذ مفرده اللاذة و هي ثوب من الحرير الصيني الرقيق.


م. ص. نشر الصبا. كناية عن الروح‏ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي و الروح الأعظم بمنزلة الرائحة المنتشرة من المسك و غيره. و الترفه كناية عن كمال الأجسام و التقمص لبس القميص و هو الصورة و المعنى.


(٦) البضاضة: رقة الجلد و امتلاؤه و المراد حمرة الخد. الفظاظة: الغلظة.

م. ص. كنى بالبضاضة عن الخدين فالخد الأيمن صفات الجمال و الخد الأيسر صفات الجلال و بضاضة الخد كمال النعم و الفظاظة كناية عن النار التي أحرقتهم ببعدهم عن وجه اللّه و هجره لهم.


١١٩

عمّ اشتعالا خال و جنته أخا # شغل به، وجدا، أبى استنقاذا (١)


خصر اللّمى، عذب المقبّل بكرة # قبل السّواك، المسك ساد، و شاذى‏ (٢)


من فيه و الألحاظ سكري، بل أرى # في كلّ جارحة به، نبّاذا (٣)


نطقت مناطق خصره ختما، إذا # صمت الخواتم، للخناصر، آذى‏ (٤)


رقّت و دقّ، فناسبت منّي النّسيب # ، و ذاك معناه استجاد، فحاذى‏ (٥)


كالغصن قدّا، و الصّباح صباحة، # و اللّيل فرعا منه حاذى الحاذا (٦)


____________

(١) الخال: الشامة. الوجنة: كرسي الخد. أبى: كره. الاستنقاد: طلب النقد أو التخليص.

م. ص. الخال كناية عن ظلمة عالم الخلق في صفحة الأسماء و الصفات و الاشتعال كناية عن جمال السواد في البياض و لا سيما في وجه اللّه الأبيض الجميل المتعالي.


(٢) الخصر بفتح الخاء و كسر الصاد: البارد. اللمي: السمرة في الشفاه و المقصود الريق العذب. و المقبّل: الفم. السواك عود الأراك الذي ينظف به الفم و الإنسان. شاذى:

فحّ ريحه.


م. ص. اللمي كناية عن الريق و هو لطائف المناجاة بالمعاني الربانية حيث يحلو الفم بها و السواك كناية عن التنزيل الذي يزيل اوساخ النفس. و المسك هو التجلي الإلهي الذي فاح نشره في كل مكان.


(٣) من فيه: من فمه. الألحاظ مفردها اللحظ و هو النظر بطرف العين. الجارحة: كل عضو في الجسد. النباذ: الخمر أو النبيذ.

م. ص. الفم هو التجلي كما مرّ في البيت السابق. و الألحاظ حضرات الأسماء و الصفات و السكر الغيبة عن عالم المادة.


(٤) المناطق: جمع منطقة و هي الخصر. الختم: شمع النحل. صمت الخواتم:

ضيقها. الخنصر: الإصبع الثاني من اليد لجهة البنصر. و الأصابع بالترتيب: البنصر و الخنصر و الوسطى و السبابة و الإبهام. آذى: الحق الأذى.


م. ص. الختم كناية عن اظهار الأثر على ما هو عليه في الحضرة العلمية و الأصابع حضرات الجلال و الجمال و الخواتم مظاهر هذه الحضرات في قلوب العارفين.


(٥) رقت التاء للمناطق. و دق للخصر. النسيب: الحبيب. حادى: جانب و قارب.

م. ص. رقت المناطق اي أخفت كمال رقتها لتناسب اللطف الإلهي و المحاذاة هي المقاربة من الأسماء و الصفات.


(٦) القدّ: القوام. الصباحة: الجمال. الفرع: الشعر. حاذى: قارب. الحاذ:

الظهر.


م. ص. ان المحبوب يظهر في قلوب العارفين كالغصن النابت من شجرة كريمة و الصباح النور الروحاني الذي يشرف على ظلام النفوس. و الفرع الليل. حيث ينكشف الأمر الإلهي على ما هو عليه و يشهد العقل خلق اللّه فيذهب الليل و يأتي نهار العرفان.


١٢٠

حبّيه علّمني التّنسك إذ حكى، # متعفّفا، فرق المعاد، معاذا (١)


فجعلت خلعي للعذار لثامه، # إذ كان، من لثم العذار، معاذا (٢)


و لنا بخيف منى عريب، دونهم # حتف المنى، عادي لصبّ عاذا (٣)


و بجزع ذيّاك الحمى ظبي حمى # بظبي اللّواحظ، إذ أحاذ، أخاذا (٤)


هي أدمع العشّاق جاد وليّها # الوادي، و والى جودها الألواذا (٥)


____________

(١) حبيه: حبي له. النسك: العبادة. التعفف: الكف عن الحرام. المعاد: الآخرة.

معاذ: معاذ بن جبل من صحابة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) .


م. ص. ان حب اللّه علمه التعفف كمعاذ بن جبل الذي تعفف عن كل شي‏ء سوى محبوبه اتقاء ليوم الآخرة.


(٢) خلع العذار: التهتك و اصل العذار جانب اللحية. اللثام: النقاب. اللثم: التقبيل.

معاذ: اسم مفعول بمعنى السلامة من الأمر.


م. ص. خلع العذار كناية عن تحجبه عن وجه الحق. لأن من يرى الحجاب الحقيقي كان سالما من كل ذنب. و لثم العذار كناية عما يشعر المرء بوجه الحق من الحجب النورانية. فلا تدركه الأبصار.


(٣) الخيف: مسجد بمنى. الحتف: المنية. المنى: مفردها المنية و هي الموت.

الصب: العاشق المشتاق. عاذ: لجأ.


م. ص. خيف منى كناية عن القلب الخائف بين الضلوع. و كنى بعريب عن الحق في قلب المؤمن. و المنى كناية عن المراد و المطلوب و هو وجه اللّه تعالى.


(٤) الجزع: منعطف الوادي. الحمى: المكان الذي لا يقرب. الظبي: ولد الغزال.

الظبي: مفردها الظبة و هي طرف السهم. اللواحظ: العيون. احاذ: قاهر. الأخاذ:


غدير الماء.


م. ص. الحمى: قلب العارف. و اللواحظ: حضرات الأسماء و الصفات الربانية.


الاحاذ: القاهر و هو اللّه سبحانه و تعالى و الأخاذ كناية عن عالم الأكوان و المعنى ان اللّه جل جلاله حمى الكون بأسمائه التي منها القهار و الغالب.


(٥) جاد: تكرم. الولي: المطر الثاني بعد الوسمي. الجود: المطر الغزير. الالواذ:

واحدها اللوذ و هو جانب الجبل.


م. ص. الأدمع و الولي كناية عن مطر النعمة. و الوادي كناية عن أهل الحضرة المقدسة و سكان الوادي هم العارفين.


١٢١

كم من فقير، ثمّ، لا من جعفر # وافى الأجارع، سائلا، شحّاذا (١)


من قبل ما فرق الفريق عمارة # كنّا ففرّقنا النّوى أفخاذا (٢)


أفردت عنهم بالشّام، بعيد ذاك # الالتئام، و خيّموا بغداذا (٣)


جمع الهموم البعد عندي، بعد أن # كانت، بقربي، منهم أفذاذا (٤)


كالعهد، عندهم العهود، على الصّفا # أنّى، و لست لها، صفا، نبّاذا (٥)


و الصّبر صبر عنهم، و عليهم، # عندي أراه إذن أذى أزّاذا (٦)


____________

(١) الفقير: الحفرة أو فم القناة. الجعفر: النهر الصغير. الاجارع: مفردها الاجرع و هي الأرض المجدبة. الشحاذ: ما يطلبه السائل.

م. ص. الفقير هو المريد الكاذب في ارادته و الجعفر: القلب الصادق الاجارع كناية عن المشايخ الكاذبين و مثلهم لا يقصدهم إلا إذا كان كاذبا.


(٢) الفريق: الطائفة. العمارة: اصغر من القبيلة أي الحي العظيم. النوى: البعد و التحول من مكان إلى مكان و الأفخاذ مفردها الفخذ و هو الحي.

م. ص. الفريق فريق الجنة كما في قوله تعالى: فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ .


النوى هو البعد المتفاوت مع الحق و الأفخاذ: الشيع و الفرق.


(٣) أفردت: أبعدت و بقيت وحيدا. الالتئام: الاجتماع. خيموا: أقاموا الخيام بالمكان أي سكنوه و بغداذ: بغداد و يقال فيها بغدان. و فغدان.

م. ص. الافراد هو مقام الخلوة للرياضة. و بغداد مكان القطب الذي تدخل جميع أهل المراتب الربانية تحت حيطته.


(٤) الافذاذ: واحدها الفذّ و هو الفرد.

م. ص. المعنى انه تحمل القسط الأكبر من البلاء شأنه في ذلك شأن الأنبياء و العارفين تيمنا بالحديث الشريف: «اشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» .


(٥) العهد: أول المطر و هو المطر الوسمي. الصفا: الصخرة. النباذ: صيغة مبالغة من نبذ. و نبذ الشي‏ء: طرحه.

م. ص. قلوب العارفين كالصخرة لا يعلق بها المطر. و ذلك لاشتغالهم بامور الدين و غفلتهم عن أمور الدنيا.


(٦) صبر الثانية في البيت عصارة شجر مرّ. و الازاذ: ثمر طيب.

١٢٢

عزّ العزاء، و جدّ وجدي بالألى # صرموا، فكانوا بالصّريم، ملاذا (١)


رئم الفلا، عنّي إليك، فمقلتي # كحلت، بهم، لا تغضها استئخاذا (٢)


قسما بمن فيه أرى تعذيبه # عذبا، و في استذلاله استلذاذا (٣)


ما استحسنت عيني سواه، و إن سبى، # لكن سواي، و لم أكن ملاّذا (٤)


لم يرقب الرّقباء إلاّ في شج، # من حوله يتسلّلون لواذا (٥)


قد كان، قبل يعدّ من قتلي رشا، # أسدا، لآساد الشّرى بذّاذا (٦)


أمسى بنار جوى حشت أحشاءه # منها، يرى الإيقاد لا الإنقاذا (٧)


____________

(١) الألى: اسم موصول جمع الذي. صرموا: قطعوا. الصريم: مكان. الملاذ:

المأوى و الملجأ.


م. ص. الصريم هو المكان المنقطع للعبادة و الملاذ هو حالة المريدين حيث يكون بعضهم لبعض سندا.


(٢) الرئم: الغزال الأبيض. الفلا: الفلاة و هي الأرض الواسعة. المقلة: الحدقة في العين. اغضى: ضم الجفن إلى الجفن. الاستيحاذ: تنكيس الرأس من الألم.

م. ص. ريم الفلا: المحبوب اللطيف الخصال. و قوله لا تغضبها يعني لا تحجب عني رؤية أنوار اللََّه.


(٣) استذلاله: استحقاره.

(٤) سبا: أسر. الملاّذ بتشديد اللام المتصنع الذي لا تصح صحبته.

م. ص. العين لم تسر إلا بوجه المحبوب و انشغلت عمّا عداه.


(٥) الرقباء: الحراس و واحدها الرقيب. الشجي: الحزين. يتسلطون: يمشون خفية.

اللواذ: الضياء.


م. ص. الرقباء كناية عن العناية التي تحفظ أهل الخير و الشجي هو المريد الذي احزنته محبة اللََّه فهو الفاني المستنير بأنوار اللََّه تعالى.


(٦) الرشاء: الظبي. الآساد: جمع اسد. الشرى: طريق في الجبل. و اسم لجبل تكثر فيه السباع. البذاذ: الغالب.

م. ص. الرشا. كناية عن المليح المتصف بالمحاسن و هو اللََّه سبحانه و تعالى.


(٧) الجوى: نار الحب. حشت: اصابت الحشا. الإيقاد: الاشتعال.

م. ص: أمسى دخل في المساء و المساء كناية عن ظلمة الأكوان. فالمريد يحترق بنار الشوق من الأنوار الربانية التي لا يستطيع الهرب منها.


١٢٣

حيران لا تلقاه إلاّ قلت من # كلّ الجهات: أرى به جبّاذا (١)


حرّان، محنيّ الضّلوع على أسى، # غلب الإسى فاستنجذ استنجاذا (٢)


دنف، لسيب حشى سليب حشاشة # شهد السّهاد بشفعه ممشاذا (٣)


سقم ألمّ به، فآلم، إذ رأى # بالجسم، من اغداده، اغذاذا (٤)


أبدى حداد كآبة لعزاه، إذ # مات الصبا، في فوده، جذّاذا (٥)


فغدا، و قد سرّ العدي بشبابه، # متقمّصا، و بشيبه مشتاذا (٦)


____________

(١) الجهات: عنى بها الجهات الست: شرق، غرب، شمال، جنوب، فوق. تحت.

الجباذ: الجذّاب.


م. ص. الحيرة كناية عن تراكم الظهورات الإلهية و الجباذ هو الجذب و الشوق الذي يدفعه إلى رؤية وجه اللََّه في كل الجهات.


(٢) الحران: الشديد العطش. الأسى: الحزن. الإسى: مفردها الآسي و هو الطبيب.

الاستنجاذ: كثرة البلايا و العض على النواجذ.


م. ص. ان حرارته ارتفعت و شمل الحزن ضلوعه و قلبه فعجز الأطباء عنه. و هذا الأمر دفعه إلى العض على نواجذه.


(٣) الدنق: المريض من الحب. اللسيب: اللديغ. الحشاشة: بقية الروح. السهاد:

الأرق. ممشاذ الدينوري: رجل صالح قيل أنه بقي أربعين سنة لا ينام قضاها في العبادة.


المعنى: أنه مريض عليل الحشا مسلوب الروح يسهر للعبادة دون غيرها.


(٤) السقم: المريض. الاغداد: الغدد. الإغذاذ: التورم أو سيلان الدم من الجراح.

م. ص. الاغداد: ظهور النفس على حالة الجسد و الإغذاذ كفارته عن المجاهدة الشديدة و هذه حال العارفين باللّه.


(٥) الحداد: ترك الزينة من الحزن. الكآبة: الغم و سوء الحال. الصبا: اسوداد شعر الرأس. الفود جانب الرأس. الجذاذ: القاطع.

م. ص. الحداد كناية عن ترك الدنيا و ظهور الشيب كناية عن الفرح و الكآبة ظهور نور الوجود في مشاعره و مداركه.


(٦) المتقمص: لابس القميص. المشتاذ: المعمم.

م. ص. الشباب ثوب أو قميص الفتوة و بياض الشعر ظهور نور الوجود و العدا شياطين النفس.


١٢٤

حزن المضاجع، لا نفاد لبثّه # حزنا، بذاك قضى القضاء نفاذا (١)


أبدا تسحّ، و ما تشحّ جفونه، # لجفا الأحبّة، و إبلا و رذاذا (٢)


منح السّفوح، سفوح مدمعه، و قد # بخل الغمام به، و جاد، و جاذا (٣)


قال العوائد، عند ما أبصرنه: # إن كان من قتل الغرام، فهذا! (٤)


أهوى رشا

[البحر المنسرح‏]


أهوى رشا هواه للقلب غذا # ما أحسن فعله لو كان أذى‏ (٥)


لم أنس و قد قلت له: الوصل متى # مولاي إذا متّ أسى؟قال: إذا (٦)


____________

(١) المضاجع: واحدها المضجع و هو مكان النوم. النفاد: الفراغ. البيت: الشكوى و إظهار السر.

م. ص: حزن المضاجع كناية عن شدة حاله على حجاب المحبة. و قوة الشوق النفساني إلى وجه اللََّه.


(٢) تسح: تسيل. ما تشح: ما تبخل. الجفون أغطية العين. الجفا مخففة من الجفاء و هو القطيعة. الوابل: المطر الشديد. الرذاذ: المطر الخفيف.

م. ص. الأحبة: ظهور الصفات و الأسماء الإلهية و الجفاء كناية عن البعد عن مدارك العلوم.


(٣) منح: وهب. السفح: جانب الجبل. سفوح المدمع: الخدود. جاد: اعطى. جاذ:

أحدث حفرا.


م. ص. السفوح كناية عن التجوال في شعاب مكة و ذلك لسلوك امر اللََّه. و جاذ كناية عن حفر النفس و حزنها على ما فات سدى.


(٤) العوائد: زوار المريض.

المعنى الصوفي: قتيل الغرام كناية عن العشق للََّه و الفناء بتعاليمه بحيث تنكشف حقيقة الموت فيقتله سيف العشق الإلهي المجرد من موت المعاني الكونية.


و الحمد للََّه رب العالمين.


(٥) أهوى: أعشق. الغذا: الغذاء. الرشا: ولد الظبية. أذى: اتى بالأذية.

(٦) (م. ص) الوصل كناية عن العبادة و الانقطاع عمّا سواها. متّ أسى كناية و إشارة للحديث الشريف «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا» .

١٢٥

قافية الراء

احفظ فؤادك‏

[البحر الكامل‏]


احفظ فؤادك، إن مررت بحاجر # فظباؤه، منها الظّبى بمحاجر (١)


فالقلب فيه واجب من جائز # ان ينج كان مخاطرا بالخاطر (٢)


و على الكثيب الفرد حيّ، دونه # الآساد صرعى، من عيون جآذر (٣)


أحبب بأسمر صين فيه بأبيض # أجفانه منّي مكان سرائري‏ (٤)


و ممنّع، ما إن لنا من وصله، # إلاّ توهّم زور طيف زائر (٥)


____________

(١) حاجر: موضع. الظباء: واحدها الظبي و هو الغزال. الظبي: مفردها الظّبة و هي السيف. المحاجر مفردها المحجر و هو ما يحيط بالعين.

المعنى الصوفي: الخطاب إلى السالك في طريق اللََّه و حاجر كناية عن مقام الأولياء و الظباء كناية عن الصور الكاملة في مقام العرفان.


(٢) الجائز: المار بالمكان. الخاطر: القلب.

م. ص. القلب قلب السالك في بحار المحبة الإلهية و هو القلب الخافق من الخوف و الخشية. و الخاطر كناية عن أهل المعرفة الإلهية من الأولياء و الصديقين.


(٣) الكثيب: مجتمع الرمل. الحي: الفرع من القبيلة. الآساد: جمع اسد. صرعى:

قتلي. الجآذر: مفرده الجوذر و هو ولد البقرة الوحشية.


م. ص. الكثيب كناية عن المقام المحمدي و الفرد حضرة الفردية الإلهية و الحي كناية عن العارفين المتناسيين في المعرفة. و الأسد أهل السلوك و الجآذر كناية عن أصحاب القلوب المتولدة من النفوس البشرية.


(٤) صين: حفظ. السرائر: النوايا و القلوب. الأسمر: الرمح.

(٥) الزور: الزيارة. الطيف: الخيال.

م. ص. الممنع كناية عن الحق تعالى حيث يصعب إدراكه و قوله لنا تعني الناس المريدين و الوصل التحقق من الأمر و إدراكه. و الطيف كناية عن صورة الأكوان الحسية أو العقلية «فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .


١٢٦

للماه عدت، ظما، كأصدى وارد # منع الفرات، و كنت أروى صادر (١)


خير الأصيحاب، الذي هو آمري # بالغيّ فيه، و عن رشادي زاجري‏ (٢)


لو قيل لي: ما ذا تحبّ، و ما الذي # تهواه منه؟لقلت: ما هو آمري‏


و لقد أقول للائمي، في حبّه، # لمّا رآه، بعيد وصلي، هاجري


عنّي إليك، فلي حشا، لم يثنها # هجر الحديث، و لا حديث الهاجر (٣)


لكن وجدتك، من طريق، نافعي # و بلذع عذلي، لو أطعتك، ضائري‏ (٤)


أحسنت لي، من حيث لا تدري، و إن # كنت المسي‏ء، فأنت أعدل جائر (٥)


يدني الحبيب، و ان تناءت داره، # طيف الملام، لطرف سمعي الساهر (٦)


فكأنّ عذلك عيس من أحببته، # قدمت عليّ، و كان سمعي ناظري‏ (٧)


أتعبت نفسك و استرحت بذكره # حتّى حسبتك، في الصّبابة، عاذري‏ (٨)


____________

(١) اللمي: السمرة في الشفتين. الظمأ: العطش. أصدى: عطشان. الأروى: الذي شبع من الماء (ارتوى) . الصادر: الراجع عن الماء بعد الشرب.

م. ص. اللمي: كناية عن العلم الإلهي و الارتواء كناية عن سرور القلب بعلوم المعرفة الربانية.


(٢) الغي: الضلال عكس الرشاد. الزاجر: المانع معنى البيت ان خير الاصحاب يمنعه و يأمره بالغواية و يزجره عن رشاده في اتباع رضا اللََّه.

(٣) حديث الهاجر: حديث البذاءة و الفحش.

م. ص. الحشى كناية عن القلب الروحاني و الهاجر هو المحبوب الحقيقي و حديثه هو الحديث الصادر عن الحق بما لم يصدر منه.


(٤) اللذع: لمس النار. العذل: اللوم. ضائري: ضارا لي.

(٥) الجائر: الظالم.

م. ص. ان لوم اللائم كان منفعة له لأن اللوم أوصله إلى مدارك اليقين و المعرفة.


(٦) يدني: يقترب. تناءت: بعدت. الطيف: الخيال.

م. ص. الطيف. كناية عن النوم و الانشغال عما يحيط به و السمع الساهر كناية عن الاستماع الدائم لنداء المحبوب الحقيقي.


(٧) العيس: الإبل. و في البيت تمازج ما بين حاستي السمع و البصر.

(٨) الصبابة: شدة العشق. عاذري: قابلا عذري.

١٢٧

فأعجب لهاج، مادح عذّاله، # في حبّه، بلسان شاك، شاكر


يا سائرا بالقلب غدرا كيف لم # تتبعه ما غادرته من سائري؟ (١)


بعضي يغار عليك من بعضي، و يحسد # باطني، إذ أنت فيه ظاهري‏ (٢)


و يودّ طرفي، إن ذكرت بمجلس # لو عاد سمعا، مصغيا لمسامري‏ (٣)


متعوّدا إنجازه، متوعّدا، # أبدا، و يمطلني بوعد نادر (٤)


و لبعده اسودّ الضّحى عندي، كما # ابيضّت، لقرب منه كان دياجري‏ (٥)


لن ترى‏

[البحر الكامل‏]


زدني بفرط الحبّ فيك تحيّرا، # و ارحم حشى بلظى هواك تسعّرا (٦)


____________

(١) غدرا: تركا. سائري: بقيتي.

م. ص. السائر هو المحبوب الحقيقي. و المقصود من الخطاب كيف لم تأخذ مع قلبي ما تبقى مني ظاهرا و باطنا.


(٢) البعض الأول: هو الجسد و البعض الثاني: القلب.

(٣) الطرف: النظر. المسامر: صديق الليل.

م. ص. المسامر هو المحبوب الحقيقي و السمع هو الاذن المرهفة لسماع الأوراد و الآيات.


(٤) الإنجاز: إيفاء الوعد. يمطلني: يخلف وعدي. نادر: قليل الحصول.

م. ص. ان اللََّه تعالى إذا توعد عبده بالشرّ أنجز وعده تطهيرا لنفس العبد و إذا وعده بالخير اجّل ذلك إلى الآخرة ليكمل الجزاء.


(٥) الضحى: اوائل الصباح. الدياجر: واحدها الديجور و هو الليل الشديد السواد.

و المعنى: ان الدنيا و الصباح اسودا في عينيه لبعد المحبوب الحقيقي. بينما كانت لياليه السوداء ضحى و بياضا عند ما كانت علاقته بالحق وطيدة.


م. ص. الضحى كناية عن الأنوار الربانية التي تضي‏ء صدر العارف و الديجور كناية عن ظلمة الأكوان و تخبط البعيدين عن أمر الحق بها.


و الحمد للََّه‏


(٦) فرط من الإفراط و هو المجاوزة في الحد. الحشى: الأمعاء. اللظى: اللهيب.

السعر: الاشتعال.


المعنى الصوفي: الحيرة في اللََّه تعالى هي المحبة الحقيقة.


و اللهيب و السعر كناية عن العلوم و الأنوار الربانية التي تتألق في نفس المريد.


١٢٨

و إذا سألتك أن أراك حقيقة، # فاسمح، و لا تجعل جوابي: «لن ترى» ! (١)


يا قلب!أنت و عدتني في حبّهم # صبرا، فحاذر أن تضيق و تضجرا (٢)


إنّ الغرام هو الحياة، فمت به، # صبّا، فحقّك أن تموت، و تعذرا (٣)


قل للّذين تقدّموا قبلي، و من # بعدي، و من أضحى لأشجاني يرى‏ (٤)


عني خذوا، و بي اقتدوا، و لي اسمعوا، # و تحدّثوا بصبابتي بين الورى‏ (٥)


____________

(١) في هذا البيت تلميح إلى قصة سيدنا موسى (ع) حين طلب لقاء ربه فقال تعالى: لَنْ تَرََانِي . و اعترض كثير من الصوفية على هذا البيت فإذا تعذرت الرؤية على كليم اللََّه فكيف تطلبها نفس الشيخ ابن الفارض و المهم في الأمر أن شيخنا طلب الرؤية في الآخرة و ليس في الحياة الدنيا.

م. ص. في البيت تأكيد ان الخالق لا يرى. لذلك صرف الأمر إلى السؤال و السؤال يقين بأن الحق لا يرى فهو منزه عن المادة.


(٢) حاذر: احذر. تضجر: تمل.

م. ص: الوفاء بالوعد كناية عن القيام بالعهد و هو على المؤمن قدر لا نفاد منه.


و الضيق و الضجر من سمات أهل الدنيا على خلاف العارفين السالكين طريق النور.


(٣) المعنى الصوفي: ان الغرام و الحب الصوفي هو العلاقة بين الطارئ و الازلي و الوسيلة بين التواضع و التكبر. و موت القلب في حب اللََّه هو الحياة الحقيقة.

(٤) الذين تقدموا: الشيوخ من أهل السلوك. الأشجان: الأحزان.

م. ص. الخطاب للقلب كما ورد في البيت السابق فموت القلب باللّه هو الحياة الحقيقية و هو العبرة لمن تقدم و لمن يتأخر. فالكل يعود إلى امر اللََّه تعالى.


(٥) اقتدوا: فعل أمر من اقتدى بمعنى تمثل أو سار على خطى. الصبابة: شدة العشق.

الورى: الخلق.


م. ص. عني خذوا: تعلموا علوم الرحمن تعالى التي تفيض عني و الخطاب للسالكين الذين يهضمون أنفسهم تارة و يتضاءلون لعظمة القدرة تارة أخرى أو يشطحون بسبب المواقف و لوامع المعارف.


١٢٩

و لقد خلوت، مع الحبيب، و بيننا # سرّ أرقّ من النسيم، إذا سرى‏ (١)


و أباح طرفي نظرة أمّلتها، # فغدوت معروفا، و كنت منكّرا (٢)


فدهشت بين جماله و جلاله، # و غدا لسان الحال، عنّي، مخبرا


فأدر لحاظك في محاسن وجهه، # تلقى جميع الحسن، فيه، مصوّرا (٣)


لو أنّ كلّ الحسن يكمل صورة # و رآه، كان مهلّلا، و مكبّرا (٤)


انشقاق القمر

[البحر المنسرح‏]


عيني جرحت و جنته بالنّظر # من رقّتها فانظر لحسن النظر (٥)


لم أجن و قد جنيت ورد الخفر # إلاّ لترى كيف انشقاق القمر (٦)


____________

(١) خلوت: انفردت. سرى: مشى ليلا.

م. ص. السرّ هو الأمر الذي يخفى على العقول و هو اليقين من أمر الوجود الحق و النسيم الساري كناية عن الروح المنبعث من امر اللََّه.


(٢) غدوت: صرت. منكر: غير معروف. الطرف: النظر.

(٣) أدر في أول البيت فعل طلبي جوابه تلقى. و لم يحذف الشاعر حرف العلة من آخره تيمنا بالآية الكريمة: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ .

م. ص. الوجه هو وجه المحبوب و التصوير تجليات ذلك الوجه و علاماته الحسنة.


(٤) م. ص. التهليل و التكبير ذكر الخالق عند استحسان أي أمر فالتهليل قول لا إله إلا اللََّه و التكبير قول اللََّه أكبر تمجيدا لجبروت الخالق و عظمته.

(٥) حسن النظر: الاحمرار الذي يبدو في العين لكثرة نظرها.

(٦) الخفر: الحياء.

م. ص. الوجنة كناية عن تجلي النور الحق و الرقة كناية عن كمال اللطف و شدة التنزه.


١٣٠

كم أنتظر

[البحر المنسرح‏]


ما أصنع، و قد أبطأ عليّ الخبر # ويلاه!إلى متى، و كم أنتظر!


كم أحمل؟كم أكتم؟كم أصطبر؟ # يقضى أجلي و ليس يقضى وطر (١)


الاسم العذب‏

[البحر المنسرح‏]


عوّذت حبيّبي برب الطور # من آفة ما يجري من المقدور (٢)


ما قلت حبيّبي من التحقير # بل يعذب اسم الشي‏ء بالتصغير


إن غاب أو حضر

[البحر البسيط]


حديثه، أو حديث عنه يطربني، # هذا إذا غاب، أو هذا إذا حضرا


كلاهما حسن عندي أسرّ به، # لكنّ أحلاهما ما وافق النّظرا


____________

(١) الأجل: المنية: الوطر: الغاية و المراد.

(٢) حبيبي تصغير حبيبي. و الطور جبل سيناء. الآفة: العاهة.

١٣١

قافية السين‏

يا جنة فارقتها النفس مكرهة

[البحر البسيط]


قف بالدّيار، و حيّ الأربع الدّرسا # و نادها، فعساها أن تجيب، عسى‏ (١)


و إن أجنّك ليل، من توحّشها، # فاشعل من الشّوق في ظلمائها، قبسا (٢)


يا هل درى النّفر الغادون عن كلف # يبيت جنح اللّيالي، يرقب الغلسا (٣)


فإن بكى في قفار خلتها لججا، # و إن تنفّس عادت كلّها يبسا (٤)


____________

(١) حي: فعل أمر من التحية بمعنى سلم. الأربع: مفردها الربع و هو منزل القوم أيام الربيع. الدرس: البائدة المعالم.

م. ص. قف أمر للسالك في طريق اللََّه تعالى و الديار مجموع الصور الكونية.


و الوقوف لعدم تخطيها لان التجليات الإلهية موجودة بها.


(٢) أجنك: سترك. القبس: الشعلة من النار.

م. ص: الليل كناية عن ظلمة الأكوان و الوحشة وحشة الدنيا و القبس اشتعال نور المحبة في نفوس السالكين و هو السبب في الوصول إلى المعرفة.


(٣) النفر: الناس. الغادون مفردها الغادي و هو السائر في الغدوة أي الصباح. الكلف:

العاشق. الجنح: الجانب. الغلس: ظلمة آخر الليل.


م. ص. النفر الغادون كناية عن اولياء اللََّه العارفين المسافرين إلى منازل التجليات الربانية. و ترقب الغلس: المبيت في ظلمة الكون ترقبا لقبس نوراني في حلك الأكوان.


(٤) القفار: الصحاري. خلتها: ظننتها. اللجج مفردها اللجة و هي الموجة العظيمة أو معظم الماء.

م. ص. القفار كناية عن النفوس الخالية من التجليات و البكاء كناية عن الوجد على مفارقة المحبوب الحقيقي و التنفس كناية عن إظهار الذوق و الوجدان في حقائق الأعيان.


و اليباس كناية عن الأرواح الخالية التي تشبه الأشباح.


١٣٢

فذو المحاسن لا تحصى محاسنه # و بارع الأنس لا أعدم به أنسا (١)


كم زارني، و الدّجى يربدّ من حنق # و الزّهر تبسم عن وجه الذي عبسا (٢)


و ابتزّ قلبي، قسرا، قلت، مظلمة # يا حاكم الحبّ هذا القلب لم حبسا!؟ (٣)


غرست باللّحظ وردا، فوق وجنته # حقّ لطرفي أن يجني الذي غرسا!! (٤)


فإن أبى، فالأقاحي منه لي عوض # من عوّض الدّرّ عن زهر، فما بخسا (٥)


إن صال صلّ عذاريه، فلا حرج # أن يجن لسعا، و أني أجتني لعسا (٦)


____________

(١) البارع: الماهر الفائق على أمثاله. الأنس عكس الوحشة.

م. ص. في البيت إشارة إلى الآية الكريمة: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا و المحاسن هي الحق المتجلي لكل صورة و البارع وجه الحق تعالى و الانس هو النظر إلى وجه الحق.


(٢) الدجى: الظلمة و المقصود الليل. يربد: يتهجم. الحنق: الغيظ و الغضب.

م. ص. الدجى: كناية عن ظلمة الأكوان. و الحنق كناية عن عالم الأكوان و الإعراض عن وجه اللََّه تعالى. و الدهر من اسماء اللََّه «لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو اللََّه» و التبسم الكشاف الأمر الرباني.


(٣) ابتزّ: سلب. القسر: القهر. لم استفهامية و حركت بالسكون لاستقامة الوزن.

م. ص. حاكم الحب هو المحبوب الحقيقي و القلب الذي سلب كناية عن قلب المريد الذي استولت المحبة عليه فسببت له الظلم و القهر و هذا فضل على المريد عظيم.


(٤) اللحظ: النظر. الوجنة: كرسي الخد. الورد: لون الخدود.

م. ص. زرعت باللحظ كناية إلى المراقبة الإلهية و الورد كناية عن حمرة الروحانية السارية في الكائنات و الوجنة كناية عن ارتقاء العارفين في الملكوت. و الطرف كناية عن البصيرة.


(٥) الاقاحي: من الزهور و المقصود خد الحبيب. الدر: الجوهر. بخس: انتقص من القيمة.

م. ص. الاقاحي كناية عن ظهور الأمر الإلهي و الوجنة هي شهود غلبة الروح على طبيعة الجسد و الدر كناية عن العلوم العلية.


(٦) صال: جال. الصل: الحية. العذار: جانب اللحية. اللعس: السمرة في الشفاء.

م. ص. العذار كناية عن ظهور آيات الجمال بالمحاسن الكونية و اللعس حلاوة التوحيد التي تظهر من شهود الأمر الإلهي.


١٣٣

كم بات طوع يدي، و الوصل يجمعنا # في بردتيه، التّقى، لا نعرف الدّنسا (١)


تلك اللّيالي التي أعددت من عمري، # مع الأحبّة، كانت كلّها عرسا (٢)


لم يحل، للعين، شي‏ء، بعد بعدهم، # و القلب مذ آنس التّذكار ما أنسا


يا جنّة، فارقتها النفس، مكرهة # لو لا التّأسّي بدار الخلد متّ أسى‏ (٣)


____________

(١) طوع يدي: لا يخالفني. البردة: الثوب. التقى: الورع.

م. ص. طوع اليد كناية على حصول التجلي بالارادة بعد السلوك الصعب الذي يسلكه المريد و البردتين هما الأسماء و الصفات الإلهية و الدنس كناية عن مخالطة الأغيار.


(٢) م. ص. الأحبة كناية عن اسماء اللََّه تعالى و صفاته و العرس هو الفرحة بالأسماء و العلوم و الصفات.

(٣) دار الخلد: الآخرة. الأسى: الحزن.

م. ص. الجنة كناية عن حضرة التجلي الإلهي و فناء النفس يكون في هذا التجلي.


دار الخلد كناية عن جنة الفردوس و أهلها موعودون بربهم فيها.


١٣٤

قافية الشين‏

يا عيش‏

ما بال وقاري فيك قد أصبح طيش # و اللََّه لقد هزمت من صبري جيش‏ (١)


باللّه متى تكون ذا الوصل متى؟ # يا عيش محبّ تصليه يا عيش‏


هيهات‏

[البحر المنسرح‏]


يا من لكثيب ذاب وجدا برشا # لو فاز بنظرة إليه انتعشا (٢)


هيهات ينال راحة منه شج # ما زال معثرا به مذ نشا (٣)


____________

(١) الوقار: الهيبة و الاحترام و هو عكس الطيش بمعنى الجهل.

(٢) الكثيب: مجتمع الرمل. الرشا: ابن الغزالة.

(٣) الشجي: المحزون. معثرا: مضطربا في جميع أحواله. نشا: نشأ.

١٣٥

قافية الطاء

الصواب و الخطأ

[البحر المنسرح‏]


لمّا نزل الشّيب برأسي و خطا # و العمر مع الشباب، ولّى و خطا (١)


أصبحت بسمر «سمرقند» و «خطا» # لا أفرّق ما بين صواب و خطا (٢)


____________

(١) خطا في آخر الصدر: نزل. خطا في آخر العجز مشى.

(٢) سمرقند و خطا مدينتان. خطا في آخر العجر خطأ عكس الصواب.

١٣٦

قافية العين‏

نشر الخزامي‏

(١)


[البحر الطويل‏]


أبرق بدا من جانب الغور، لامع # أم ارتفعت، عن وجه ليلى، البراقع‏ (٢)


أنار الغضا، ضاءت، و سلمى بذي الغضا # أم ابتسمت، عمّا حكته، المدامع‏ (٣)


أنشر خزامى فاح أم عرف «حاجر» # بأمّ القرى، أم عطر «عزّة» ضائع‏ (٤)


____________

(١) بقيت هذه القصيدة ضائعة من ديوان أشعار ابن الفارض مائة سنة إلى ان ردها اللََّه على يد شيخ صالح يدعى برهان الدين إبراهيم. الذي وجدها في كتاب عنده بخط صاحبها الذي لم يذكر اسمه و في جلسة صوفية طرح موضوع القصيدة و مطلعها فانتبه الشيخ برهان إلى الأمر و عرف إنها القصيدة الموجودة عنده.

نشير أيضا إلى ان حفيد الشيخ ابن الفارض و يدعى الشيخ علي كان قد نظم قصيدة معارضة لقصيدة جده معتمدا على البيت الأول منها. و قد أثبتت قصيدة الحفيد في معظم النسخ إلا أننا نعتمد في نسختنا هذه على قصيدة الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض الاصلية و هي القصيدة الوحيدة العينية له من بين اشعاره.


(٢) الغور: الوادي. البراقع: واحدها البرقع و هو غطاء الوجه.

المعنى الصوفي: البرق كناية عن تجلي الوجود الحق الذي هو كلمح البصر و الغور كناية عن باطن الإنسان المشتمل على الروح. سلمى. الحبيبة كناية عن الحضرة الإلهية و البراقع كناية عن الأمور الهالكة في تجليات الوجه الإلهي.


(٣) الغضى: شجر صلب العيدان. ذو الغضى: واد.

م. ص. ذو الغضى كناية عن عالم الإمكان و احمرار المدامع كناية عن البكاء و النحيب مخافة فوات لقاء الحبيب.


(٤) النشر: الرائحة الطيبة. الخزامي: نبات زكي الرائحة. العرف كالنشر مسميان لمعنى واحد. حاجر: موضع بالحجاز. ام القرى: مكة المكرمة. ضائع: منتشر من ضاع يضوع.

م. ص. نشر الخزامي كناية عن تجلي الحق على صفحات الكائنات و أم القرى كناية عن قلب العارف و قوله ضائع كناية عن ظهور الحق المبين في صدور العارفين.


١٣٧

ألا ليت شعري: هل سليمى مقيمة # بوادي «الحمى» حيث المتيّم والع‏ (١)


و هل لعلع الرّعد الهتون بلعلع # و هل جادها صوب من المزن هامع؟ (٢)


و هل أردن ماء «العذيب» و «حاجر» # جهارا، و سرّ الليل، بالصّبح، شائع‏ (٣)


و هل قاعة «الوعساء» مخضرّة الرّبى # و هل، ما مضى فيها من العيش، راجع‏ (٤)


و هل بربي «نجد» «فتوضح» مسند # أهيل «النّقا» عمّا حوته الأضالع‏ (٥)


و هل بلوى «سلع» يسل عن متيّم # «بكاظمة» ما ذا به الشّوق صانع‏ (٦)


و هل عذبات الرّند يقطف نورها # و هل سلمات، بالحجاز، أيانع‏ (٧)


____________

(١) المتيم: العاشق. الوالع: المتولع بالحب.

م. ص. وادي الحمى كناية عن الروح الأعظم.


(٢) لعلع الرعد: أحدث صوتا. الهتون: صفة للسماء و المقصود هنا صفة للمطر الشديد.

لعلع: موضع. جادها: أمطرها. الصوب: المطر. المزن: السحاب. الهامع:


المطر المتساقط.


م. ص. لعلع الرعد الهتون: كناية عن تتابع التجليات الإلهية و المطر كناية عن العلوم النازلة من السماء على الاراضي في فلوات الحضرة العلية.


(٣) العذيب و حاجر: مكانان فيهما ماء. الجهار: العلن.

م. ص. العذيب كناية عن الروح و الماء كناية عن الأمداد الرباني و سر الليل كناية عن ظلمة الأكوان. و الصبح ضياء نور الوجود.


(٤) القاعة: ساحة المنزل. الوعاء: المكان المرتفع فيه رمال تنبت فيها الخضار و البقول.

الربى: مفردها الربوة و هي الهضبة.


م. ص. قاعة الوعساء كناية عن الحقيقة المحمدية التي هي نور اللََّه و الربى كناية عمن ارتفع من أهل الحق و العرفان.


(٥) نجد و توضح و النقا و الأضالع: اماكن. أهيل: تصغير أهل.

(٦) لوى سلع: مكان بالمدينة. المتيم: من اذله الحب كاظمة: مدينة بالعراق.

م. ص. سلع كناية عن الحقيقة المحمدية و هو اسم لجبل في مدينة الرسول (صلّى اللََّه عليه و سلّم) .


(٧) العذبات: اطراف الاغصان. الرند: شجر معروف بالحجاز. النور: زهر الأشجار.

السلمات: أشجار معروفة واحدها السلم. أيانع: مفردها يانع و أينع و هو الناضج.


م. ص. عذبات الرند كناية عن أرواح الكاملين من اولياء اللََّه و النور كناية لما يصدر عنهم من المعارف العلية و الحقائق الربانية و أيانع كناية عن بلوغهم مدارج الكمال.


١٣٨

و هل أثلات الجزع مثمرة، و هل # عيون عوادي الدّهر عنها هواجع‏ (١)


و هل قاصرات الطرف عين، «بعالج» # على عهدي المعهود، أم هو ضائع‏ (٢)


و هل ظبيات الرّقمتين بعيدنا # أقمنا بها، أم دون ذلك مانع‏ (٣)


و هل فتيات «بالغوير» يرينني # مرابع نعم، نعم تلك المرابع‏ (٤)


و هل ظلّ ذاك الضّال، شرقيّ «ضارج» # ظليل، فقد روّته منّي المدامع‏ (٥)


و هل عامر، من بعدنا، شعب «عامر» # و هل هو، يوما، للمحبّين جامع‏ (٦)


____________

(١) الأثلات شجر واحدة الأثل. الجزع: جانب الوادي. عوادي الدهر: مصائبه.

هواجع: نيام.


م. ص. أثلات الجزع كناية عن المريدين الصادقين و الجزع: منعطف الوادي المقدس و الثمر هو ظهور العلوم الإلهية فالثمر نادر في الأثل كالعارفين باللّه فهم قلة.


(٢) قاصرات الطرف: العفيفات اللواتي لا ينظرن إلى المحارم. العين: جميلات العيون.

عالج: موضع.


م. ص. قاصرات الطرف كناية عن نفوس العارفين التي لا تنظر إلى المحارم.


و العين كناية عن التحقق في المعرفة الإلهية. و عالج كناية عن مقام المجاهدة في سبيل اللََّه.


(٣) الظبيات: جمع ظبية و هي انثى الغزال. الرقمتان: موضع.

م. ص. الظبيات كناية عن حضرات التجلي النافرة عن الأكوان.


الرقمتان العلم و الكلام و المانع كناية عن الرجوع إلى مقام العبودية.


(٤) الغوير: تصغير الغور و هو الوادي. المرابع: مفردها المربع و هو منزل الإقامة في الربيع.

م. ص. الفتيات كناية عن المريدين المبتدئين في سلوك طريق الحق. و الغور كناية عن الروح في ثنايا الجسد و المرابع كناية عن مظاهر التجلي و مراتب الظهور الرحماني.


(٥) الظل: الفي‏ء. الضال: شجر الدر. ضارج: مكان. الظليل: الوارف الظلال.

المدامع: العيون.


م. ص. الظل كناية عن جملة الكون من جماد و حياة. و ضارج كناية عن حضرة الصفات و الأسماء و الظليل كناية عن دوام العلوم في الدنيا و الآخرة.


(٦) عامر: فيه عمران و لم يفن. الشعب: الفرجة بين جبلين. عامر الثانية: من قبائل العرب.

١٣٩

و هل أمّ بيت اللََّه، يا أمّ مالك، # عريب، لهم عندي، جميعا، صنائع‏ (١)


و هل نزل الرّكب العراقي، معرّفا، # و هل شرعت، نحو الخيام، شرائع‏ (٢)


و هل رقصت، بالمأزمين، قلائص، # و هل، للقباب البيض، فيها تدافع‏ (٣)


و هل لي بجمع الشمل في «جمع» مسعد، # و هل لليالي «الخيف» بالعمر بائع‏ (٤)


و هل سلّمت سلمى على الحجر الذي # به العهد، و التفّت عليه الأصابع‏ (٥)


و هل رضعت من ثدي زمزم، رضعة # فلا حرّمت، يوما عليها، المراضع‏ (٦)


لعلّ أصيحابي، بمكّة، يبردوا، # بذكر سليمى، ما تجنّ الأضالع‏ (٧)


____________

(١) أمّ: قصد. بيت اللََّه: الكعبة المشرفة. العريب: تصغير عرب. الصنائع:

المعروف.


م. ص. بيت اللََّه كناية عن الكعبة المشرفة و العريب أهل المعرفة أصحاب الصنائع:


العارفون السالكون في طريق الحق و هم مشايخ السلوك.


(٢) الركب: راكبو الإبل. معرفا: واقفا بعرفات. شرعت: فتحت. الشرائع: الطرقات و مفردها الشريعة.

م. ص. الركب كناية عن الأولياء المحمولين على نجائب أرواحهم.


(٣) المأزمان: موضع. القلائص مفردها القلوص و هي الناقة الفتية. البيض: صفة للقباب.

م. ص. المأزمان كناية عن العقل و الشعور. و القلائص كناية عن النفوس الإنسانية السالكة سبيل الحق. و القباب العقول البشرية و البيض عالم الأنوار العلوية.


(٤) جمع الشمل: اللقاء بعد الفرقة. جمع مسعد. المزدلفة مكان بين عرفة و منى.

الخيف مسجد. و ليالي الخيف ليالي البقاء في منى في مناسك الحج و هي ثلاثة أيام.


م. ص. الجمع يوم المزدلفة و أيام منى شهود الأمر الإلهي كلمح البصر و ليالي منى الثلاث الجسد و النفس و الروح و هي ظلمات ثلاث بالنسبة إلى نور الوجود الحق.


(٥) الحجر: الحجر الأسود في الكعبة المشرفة.

م. ص. الحجر كناية عن القلب المتحجر فإن القلوب إذا قست شبهت بالحجارة.


و العهد عهد الربوبية الذي قطعه اللََّه تعالى على بني آدم.


(٦) زمزم: ماء معروف بمكة المكرمة.

م. ص. ماء زمزم كناية عن العلوم الفائضة عن القدرة العلية و عليها كناية عن نفسه التي هي صورة التجلي و المراضع كناية عن المشرب المحمدي الذي يستقي منه العارفون.


(٧) تجن: تخفي. الاضالع: الضلوع.

١٤٠

و علّ اللّييلات التي قد تصرّمت، # تعود لنا، يوما، فيظفر طامع‏ (١)


و يفرح محزون، و يحيا متيّم # و يأنس مشتاق، و يلتذّ سامع‏


كلّفت فؤادي‏

[البحر المنسرح‏]


كلّفت فؤادي فيه ما لم يسع # حتّى يئست رأفته من جزعي‏ (٢)


ما زلت أقيم في هواه عذري # حتّى رجع العاذل بهواه معي‏ (٣)


لا سمع و لا بصر

[البحر المنسرح‏]


يا حادي قف بي ساعة في الربع # كي أسمع أو أرى ظباء الجزع‏ (٤)


إن لم أرهم أو أسمع ذكرهم # لا حاجة لي بنظري و السّمع‏


____________

(١) اللييلات: تصغير الليلات. تصرمت: انقضت.

٧-١، ٢-م. ص. سلمى كناية عن المحبة الحقيقية التي تبرّد حرارة الشوق. و ما تجن الأضالع كناية عن نيران الأشواق و اللييلات هي ليالي منى الثلاث الجسد و الروح و النفس و قوله تعود كناية عن ان الأمر الإلهي يمر سريعا كلمح البصر و قوله محزون و متيم و مشتاق و سامع كناية عن نفسه و تحقيرها فإذا عادت تلك الليالي يحيا بعد موته و يظفر بعد فوته.


و الحمد للََّه رب العالمين‏


(٢) جزعي: خوفي و في القول إشارة إلى ان الحق تعالى ما كلّف نفسا إلا وسعها.

(٣) العاذل: اللائم.

(٤) الحادي: سائق الإبل. الربع: مكان الإقامة في الربيع. الجزع منعطف الوادي.

١٤١

قافية الغين‏

لدغ الحبيب‏

[البحر المنسرح‏]


ما أحسن ما بلبل منه الصدغ # قد بلبل عقلي و عذولي يلغو (١)


ما بتّ لديغا من هواه وحدي # من عقربه في كلّ قلب لدغ‏ (٢)


____________

(١) الصدغ ما بين العين و الأذن. بلبل: أحزن. عذولي: لائمي. يلغو: يتكلم كلاما لا معنى له.

(٢) لديغا: ملسوعا.

١٤٢

قافية الفاء

قلبي يحدثني‏

[البحر الكامل‏]


قلبي يحدّثني بأنّك متلفي، # روحي فداك، عرفت أم لم تعرف‏ (١)


لم أقض حقّ هواك إن كنت الذي # لم أقض فيه أسى، و مثلي من يفي‏ (٢)


ما لي سوى روحي، و باذل نفسه، # في حبّ من يهواه، ليس بمسرف‏ (٣)


فلئن رضيت بها، فقد أسعفتني # يا خيبة المسعى، إذا لم تسعف! (٤)


يا مانعي طيب المنام، و مانحي، # ثوب السّقام، به و وجدي المتلف‏ (٥)


____________

(١) القلب: مفاده هنا العقل. متلفي: هالكي.

المعنى الصوفي: حديث القلب هو الحديث الصادق. اما حديث النفس فلا يعتمد عليه لما فيه من الكذب. فحديث القلب روحاني و حديث النفس شيطاني. و الخطاب للََّه تعالى. و متلفي كناية عن هلاك كل شي‏ء إلا وجه اللََّه تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ .


(٢) لم أقض: لم اف. الأسى: الحزن.

م. ص. الخطاب للمحبوب و هو الحق تعالى و الموت في سبيله حق. و من لم يمت في سبيل اللََّه لم يوفّ اللََّه حق قدره.


(٣) باذل نفسه: مقدم نفسه. الإسراف: التفريط.

م. ص. بعد فناء الجسد تأكيدا لمعنى البيت السابق لم يبق غير الروح لان مرجعها للََّه تعالى و الروح قصد بها النفس.


(٤) م. ص. يوجه الخطاب إلى الامر الحق قائلا: إذا لم ترض مني برفع الروح و تسليمها لك فأنا انعي حظي لأن مسعاي في سبيلك قد خاب.

(٥) المانع: عكس المانح. السقام: المرض. المتلف: المميت.

م. ص. المانع و المانح هو اللََّه تعالى.


١٤٣

عطفا على رمقي، و ما أبقيت لي # من جسمي المضنى، و قلبي المدنف‏ (١)


فالوجد باق، و الوصال مماطلي # و الصّبر فان، و اللّقاء مسوّفي‏ (٢)


لم أخل من حسد عليك، فلا تضع # سهري بتشنيع الخيال المرجف‏ (٣)


و اسأل نجوم اللّيل: هل زار الكرى # جفني، و كيف يزور من لم يعرف‏ (٤)


لا غرو إن شحّت بغمض جفونها # عيني، و سحّت بالدّموع الذّرف‏ (٥)


و بما جرى في موقف التوديع من # ألم النّوى، شاهدت هول الموقف‏ (٦)


إن لم يكن وصل لديك، فعد به # أملي، و ما طل، إن وعدت، و لا تفي‏ (٧)


فالمطل منك لديّ، إن عزّ الوفا، # يحلو كوصل من حبيب مسعف‏


____________

(١) الرمق: بقية الحياة. المضنى: المتعب. المدنف: العليل.

م. ص. تلطف أيها الحبيب ببقية عمري لأن لو شئت أخذت البقية إذ الروح بأمر خالقها.


(٢) الفاني: البائد. المسوف: المماطل.

م. ص. الوجد كناية عن شدة العشق الإلهي. و الوصال مماطلي كناية عن ان هذا الاتصال يخطر بباله مرة فيتعلل بالأمل و تارة يستقصي فيبعد عنه بالكلية.


(٣) لم أخل: لم افرغ. الشناعة: القبح. الخيال المرجف: الوهم الكاذب.

م. ص. السهر كناية عن الاشتغال بالعبادة و الخيال المرجف كناية عن الخوف من عدم قبول هذه الأعمال.


(٤) الكرى: النوم و النعاس.

م. ص. إذا كان الكرى لم يخطر بباله و هو أول النوم فكيف يزوره النوم أو يعرف اجفانه.


(٥) شحت: بخلت. سحت: أمطرت و المعنى جادت بالدمع.

(٦) الذرف: مفردها الذارفة و هي الهاطلة أو الماطرة.

النوى: الفراق. الهول: الأمر العظيم.


م. ص. هول الموقف كناية عن يوم القيامة و الوقوف بين يدي اللََّه تعالى.


(٧) الوصل: الاتصال و اللقاء. و المماطلة: تسويف الوعد.

المعنى عدني بلقائك و علل نفسي بهذا اللقاء حتى و ان كان هذا اللقاء مستحيلا. ثم يتأكد المعنى في البيت الذي يليه.


١٤٤

أهفو لأنفاس النّسيم، تعلّة، # و لوجه من نقلت شذاه تشوّفي‏ (١)


فلعلّ نار جوانحي بهبوبها # أن تنطفي، و أودّ أن لا تنطفي‏ (٢)


يا أهل ودّي!أنتم أملي، و من # ناداكم «يا أهل ودّي» قد كفي‏ (٣)


عودوا لما كنتم عليه من الوفا، # كرما، فإنّي ذلك الخلّ الوفي‏ (٤)


و حياتكم و حياتكم، قسما، و في # عمري، بغير حياتكم، لم أحلف‏


لو أنّ روحي في يدي، و وهبتها # لمبشّري بقدومكم، لم أنصف‏ (٥)


لا تحسبوني، في الهوى، متصنّعا، # كلفي بكم خلق بغير تكلّف‏ (٦)


أخفيت حبّكم، فأخفاني أسى، # حتى، لعمري، كدت عني أختفي‏ (٧)


و كتمته عنّي، فلو أبديته # لوجدته أخفى من اللّطف الخفي‏ (٨)


____________

(١) أهفو: اتطلع. التعلة: التشاغل.

م. ص. أنفاس الروح كناية عن قوى الروح في الجسد و الشذا كناية عن الفيض الروحاني الذي يبثه في قلب المؤمن.


(٢) م. ص. حرارة الشوق تعود إلى المحبوب الحقيقي و هو اللََّه تعالى و الهبوب هو أخبار تهب من الحضرة الربانية. و عدم انطفاء النار لعدم اجتماع الحق و الباطل.

(٣) أهل الود: أهل المحبة.

م. ص. أهل الود كناية عن العارفين و المريدين و الأولياء الصالحين.


(٤) الخل الوفي: الصديق المخلص.

م. ص. الخطاب إلى الأولياء الصالحين. و قوله عودوا إشارة إلى الآية الكريمة:


كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنََا، إِنََّا كُنََّا فََاعِلِينَ .


(٥) لو أن روحي في يدي «إشارة إلى الآية الكريمة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ. قُلِ... و القدوم كناية عن الغيب المطلق. و المبشر كناية عن الوارد الرباني في المقام الصمداني.

(٦) المتصنع: المتكلف. الكلف: العشق.

المعنى ان ما يصدر عني من شعور الحب هو صادق دوما لاني لا ابتغي تصنعا في ذلك.


(٧) الأسى: الحزن.

(٨) كتمته: أخفيته. أبديته: سترته.

م. ص. اللطف الخفي كناية عن التوفيق الذي يخلقه اللََّه تعالى في صدر المؤمن من حيث لا يدري. و اختفي كناية عن الفناء باللّه تعالى.


١٤٥

و لقد أقول لمن تحرّش بالهوى: # عرّضت نفسك للبلاء، فاستهدف‏ (١)


أنت القتيل بأيّ من أحببته، # فاختر لنفسك، في الهوى، من تصطفي‏ (٢)


قل للعذول، أطلت لومي، طامعا # إنّ الملام عن الهوى مستوقفي‏ (٣)


دع عنك تعنيفي، و ذق طعم الهوى # فإذا عشقت، فبعد ذلك عنّف‏ (٤)


برح الخفاء بحبّ من لو، في الدّجى # سفر اللّثام، لقلت: يا بدر اختف‏ (٥)


و إن اكتفى غيري بطيف خياله، # فأنا الّذي، بوصاله، لا أكتفي‏ (٦)


وقفا عليه محبّتي، و لمحنتي، # بأقلّ من تلفي به، لا أشتفي‏ (٧)


____________

(١) تحرش: اغرى و تحرش للهوى أغري به. الهوى: المحبة. البلا: الموت و هو مخففة من البلاء.

م. ص. الهوى هو الحب المطلق للحق تعالى و البلاء امتحان اللََّه تعالى لعبده.


(٢) تصطفي: تختار و هنا تختار من الأحبة.

م. ص. أنت القتيل. القتل كناية عن الموت المطلق و الذي لا بدّ منه لكل انسان.


(٣) العذول: اللائم.

(٤) التعنيف: اللوم بشدة.

(٣، ٤) م. ص. الخطاب للمعنف الذي تحرش بالهوى الذي يقيس الأمور على نفسه من خلال محبته للمادة و الصور الكونية على عكس المريدين الذين يتوجهون بمحبتهم لصورة الحق تعالى و تجلياته.


(٥) برح الخفاء: وضح الأمر. الدجى: الظلمة. سفر اللثام: أزيل الغطاء.

م. ص. برح الخفاء كناية عن ظهور حال المحب للََّه تعالى على حقيقته و سفر اللثام كناية عن صور الكائنات و اختفاء البدر كناية عن الروح المنفوخ بأمر اللََّه في جسد كل انسان و اختفاء البدر كناية عن ظهور شمس الحقيقة و المعرفة و عند ظهور الشمس لا لزوم بعدها و لا دور للبدر.


(٦) م. ص. ان اكتفى غيري: غيري كناية عن الجاهلين بالحب الحقيقي. و هم المكتفون بأنفسهم عن ظهور الحق تعالى. و قوله لا اكتفي كناية عن حبه و تعطشه الدائم للمعرفة العلوية.

(٧) المحنة المصيبة. التلف: الفناء و الهلاك.

م. ص. الوقف في أول البيت كناية عن حبس النظر عما حرّم اللََّه تعالى. و الضمير في عليه يعود إلى الخالق الذي هو المحبوب الحقيقي. و المحنة هي قصاص اللََّه تعالى وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ .


١٤٦

و هواه، و هو أليتي، و كفى به، # قسما، أكاد أجلّه كالمصحف‏ (١)


لو قال: تيها: قف على جمر الغضا # لوقفت ممتثلا، و لم أتوقّف‏ (٢)


أو كان من يرضى، بخدّي، موطئا، # لوضعته أرضا، و لم أستنكف‏ (٣)


لا تنكروا شغفي بما يرضى، و إن # هو، بالوصال، عليّ لم يتعطّف‏


غلب الهوى، فأطعت أمر صبابتي # من حيث فيه عصيت نهي معنّفي‏ (٤)


مني له ذلّ الخضوع، و منه لي، # عزّ المنوع، و قوّة المستضعف‏


ألف الصّدود، ولي فؤاد لم يزل # مذ كنت، غير وداده لم يألف‏ (٥)


يا ما أميلح كلّ ما يرضى به، # و رضابه، يا ما أحيلاه بفي! (٦)


____________

(١) أليتي: مشمي. المصحف: القرآن الكريم. أجله: أحترمه.

م. ص. الإجلال كناية عن احترام ما ورد من التعاليم و إذا ظهرت المحبة في العبد ظهرت معه اسرار معاني القرآن الكريم.


(٢) تيها: إعجابا. الغضى: شجر جيد الاشتعال. ممتثلا: طائعا.

م. ص. المعنى لو طلب مني الوقوف و السجود على الجمر اطاعة لأمر المحبوب تعالى لما تأخرت.


(٣) الموطئ: حيث تدوس النعال. استنكف: أتخلف.

م. ص. في البيت محاكاة للآية الكريمة: وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ .


(٤) الصبابة: العشق. عصيت: خالفت. المعنف: اللائم. في البيت حالة من الوجد و العشق الصوفي الذي لا يعرفه إلا المريدون «لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده.. » .

(٥) ألف: تعود. الصدود: الجفاء و الهجر. الفؤاد: القلب. الوداد: الحب. لم يألف: لم يأنس.

م. ص. ألف الصدود معناها أن الحق تعالى لا يشغله امر عن تدبير أمره. فهو القيوم المدبر لكل أمر و الوداد هو التعلق بالمحبوب الحقيقي دون الالتفات إلى سواه.


(٦) أميلح: تصغير أملح. الرضاب: الريق. احيلاه: تصغير أحلاه و في التصغير شذوذ عن المألوف هنا لأن التصغير اختص بالأسماء دون الأفعال (كأملح و احلى) . فيّ:

فمي.


م. ص. رضا المحبوب كناية عن الايمان و التقوى في صدر الشيخ و الرضاب كناية عن الروح الآمري و ما يلقيه في نفس المؤمن من العلوم و المعارف العلوية.


١٤٧

لو أسمعوا يعقوب ذكر ملاحة # في وجهه، نسي الجمال اليوسفي‏ (١)


أو لو رآه، عائدا، أيّوب في # سنة الكرى، قدما، من البلوى شفي‏ (٢)


كلّ البدور، إذا تجلّى مقبلا، # تصبوا إليه، و كلّ قد أهيف‏ (٣)


إن قلت: عندي فيك كلّ صبابة، # قال: الملاحة لي، و كلّ الحسن في‏ (٤)


كملت محاسنه، فلو أهدى السّنا # للبدر، عند تمامه، لم يخسف‏ (٥)


و على تفنّن واصفيه بحسنه، # يفنى الزّمان، و فيه ما لم يوصف‏ (٦)


و لقد صرفت، لحبّه، كلّي، على # يد حسنه، فحمدت حسن تصرّفي‏ (٧)


____________

(١) يعقوب: من انبياء اللََّه و ولده يوسف الذي اشتهر بحسنه و قصتهما معروفة في القرآن الكريم.

(٢) أيوب: من انبياء اللََّه ابتلاه بأمور كثيرة ليمتحنه و قصته أيضا معروفة. الكرى: النعاس.

العائد: زائر المريض.


(١، ٢) م. ص. لو اسمعوا كناية عن الناس المطلعين في ذلك الزمان على تجلي الوجه الرحماني. و الوجه كناية عن وجه اللََّه الظاهرة من مشكاة الحقيقة المحمدية في الصورة الآدمية الجمال اليوسفي إشارة إلى الحديث «أعطي يوسف شطر الحسن و اعطي محمد الحسن كله» . و الإشارة إلى النبي أيوب تعني لو أن أيوب نظر إلى عظمة الحق و ما فيها من احوال لشفي من البلوى.


(٣) تصبو: تميل. و القد الاهيف: الغصن المائل.

م. ص. البدور كناية عن النفوس الإنسانية الكاملة التي هي مظاهر تجلي الوجود الحق في ظلمة الأكوان و القد الأهيف كناية عن صورة أهل الكمال و الجلال.


(٤) في: آخر البيت مشددة (فيّ) و لكنها خففت مراعاة للروي.

(٥) السنا: الضياء.

م. ص. النساء ضياء وجه الحق الذي لا يزول بخلاف بقية الأشياء الحسية فلا دوام لنورها و لذلك ينخسف نورها من وقت لآخر.


(٦) التفنن: المبالغة في تعداد المآثر. يفنى: يبيد.

م. ص. في البيت إشارة إلى الآية الكريمة: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ، `وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ .


(٧) صرفت: أفنيت. كلي: كل جسدي.

م. ص. و لقد صرفت كناية عن فنائه في محبة الحق و كلي كناية عن الظاهر و الباطن.


و حسن التصرف كناية عن طلب رضا وجه الحق.


١٤٨

فالعين تهوى صورة الحسن، التي # روحي بها تصبو إلى مغنى خفي‏ (١)


أسعد أخيّ، و غنني بحديثه، # و انثر على سمعي حلاه، و شنّف‏ (٢)


لأرى بعين السّمع شاهد حسنه # معنى، فأتحفني بذاك، و شرّف‏ (٣)


يا أخت سعد، من حبيبي، جئتني # برسالة أدّيتها بتلطّف‏ (٤)


فسمعت ما لم تسمعي، و نظرت ما # لم تنظري، و عرفت ما لم تعرفي‏ (٥)


إن زار يوما، يا حشاي، تقطّعي، # كلفا به، أو سار، يا عين اذرفي‏ (٦)


ما للنّوى ذنب، و من أهوى معي، # إن غاب عن إنسان عيني، فهو في‏ (٧)


____________

(١) تصبو: تميل.

م. ص. صورة الحسن كناية عن تجلي الحقيقة المحمدية و قوله خفي كناية عن مقام الوراثة و التطلع إلى وجه الحق الذي لا تدركه الأبصار و لا يحيط به عقل.


(٢) التشنف تزيين الاذن بالحلي و استعملت العبارة كناية عن الطرب.

م. ص. الحديث حديث المحبوب الحقيقي الذي تسر الأذن لسماعه.


(٣) في البيت توحد للحواس بحيث تحل الأذن محل العين و العين محل الأذن.

م. ص. السمع إشارة إلى الصفات المنثورة على المسامع التي تجسدت بصورة النظر فسرّ القلب بها.


(٤) م. ص. اخت سعد كناية عن الروح و هي روح أرباب العصمة من الأنبياء.

و الرسالة كناية عن العلوم العلية و المعارف الرحمانية. و هذه الأمور لا يعرفها إلا الأولياء الصالحين كما ورد في معنى البيت اللاحق.


(٥) م. ص. اخت سعد كناية عن الروح و هي روح أرباب العصمة من الأنبياء.

و الرسالة كناية عن العلوم العلية و المعارف الرحمانية. و هذه الأمور لا يعرفها إلا الأولياء الصالحين كما ورد في معنى البيت اللاحق.


(٦) الكلف: التولع و التعلق. اذرفي: اسكبي الدمع.

م. ص. زارني تعني انكشاف التجلي لي بعد فناء وجودي. و بكاء العين بكاء لحظ المؤمن لأنه لا يتمكن دائما من لذة الشهود و التمتع.


(٧) النوى: البعد. انسان العين: بؤبؤها.

م. ص. قوله من أهوى معي كناية عن المحبوب الذي لا يفارق و البعد كناية عن التفات العبد إلى سواه و الغيبة عن العين هي احتجاب شهود صور الأكوان الحسية و اشتغال القلب بالتجليات الروحية و هي بالتالي فناء المادة في وجود الحق.


و الحمد للََّه رب العالمين‏


١٤٩

الطيف المحال‏

[البحر المنسرح‏]


ما جئت منى أبغي قرى كالضّيف # عندي بك شغل عن نزول الخيف‏ (١)


و الوصل يقينا فيك ما يقنعني # هيهات فدعني في محال الطّيف‏ (٢)


الروح اللطيفة

[البحر المنسرح‏]


يا محيي مهجتي و يا متلفها # شكوى كلفي عساك أن تكشفها (٣)


عين نظرت إليك ما أشرفها # روح عرفت هواك ما ألطفها


قف وصف‏

[البحر المنسرح‏]


بالشّعب كذا عن يمنة الحقّ قف # و اذكر جملا من شرح حالي، و صف‏ (٤)


إن هم رحموا كان، و إلا حسبي، # منهم، و كفى بأن فيهم تلفي‏


____________

(١) م. ص. منى كناية عن مقام الأفعال الإلهية و هي آثار الأسماء الربانية يظهر فيها الحق تعالى في صورة كل شي‏ء. و نزول الخيف يعني به الهبوط من شهود الوحدانية.

و الخيف كناية عن الصور الكونية في الحس و العقل.


(٢) الطيف كناية عن صورة المحبوب التي يراها النائم و هي محال لأن رؤيتها لا تتحقق دائما.

(٣) المتلف: الفاني: كلفي: شدة حبي.

(٤) اليمنة: جهة اليمين.

١٥٠

واو العطف‏

[البحر المنسرح‏]


أهواه مهفهفا ثقيل الرّدف # كالبدر يجلّ حسنه عن وصف


ما أحسن واو صدغه حين بدت # يا رب، عسى تكون واو العطف‏ (١)


____________

(١) الصدغ ما بين العين و الأذان. واو الصدغ: خصلة الشعر المتدلية فوق الجبهة. واو العطف تورية أريد بها معنيان الأول غير مقصود بمعنى المشابهة و المعنى البعيد المقصود العطف بمعنى الحنان و الرحمة.

١٥١

قافية القاف‏

أهوى قمرا

[البحر المنسرح‏]


أهوى قمرا له المعاني رق # من صبح جبينه أضاء الشرق


تدري باللّه ما يقول البرق # ما بين ثناياه و بيني فرق‏


يا راحلا

[البحر البسيط]


يا راحلا و جميل الصّبر يتبعه، # هل من سبيل إلى لقياك يتّفق؟ (١)


ما أنصفتك جفوني، و هي دامية، # و لا و في لك قلبي، و هو يحترق‏ (٢)


____________

(١) يتفق: يحصل أو يمكن حدوثه.

(٢) دامية: مجاز معناه كثرة سيلان الدمع.

١٥٢

قافية الكاف‏

اختبرني في هواك‏

[البحر الخفيف‏]


ته دلالا، فأنت أهل لذاكا، # و تحكّم، فالحسن قد أعطاكا (١)


و لك الأمر، فاقض ما أنت قاض، # فعليّ الجمال قد ولاّكا (٢)


و تلافي، إن كان فيه ائتلافي # بك، عجّل به، جعلت فداكا (٣)


و بما شئت، في هواك، اختبرني # فاختياري ما كان فيه رضاكا (٤)


فعلى كلّ حالة أنت منّي # بي أولى، إذ لم أكن لولاكا


____________

(١) ته فعل أمر من تاه بمعنى تكبر.

المعنى الصوفي، الخطاب للمحبوب الحقيقي. و التيه كناية عن رضا المحب فالتيه من صفات القادر و لا يشاركه فيه أحد و تحكم كناية عن ان جميع المخلوقات خاضعة لحكمه.


(٢) ولاّك: جعلك وليا.

م. ص. اقضى كناية عن ان حكمه مبرم لا مرد له و هو إشارة إلى الغلبة و القهر الذي يتصف بهما المحبوب الحقيقي.


(٣) تلافي: هلاكي. ائتلافي: اجتماعي و صحبتي.

م. ص. الائتلاف كناية عن الاستئناس بالتجليات و شهود مظاهر المحبوب الحقيقي.


لان شهود الإنسان لنفسه حجاب له عن شهود ربه.


(٤) شئت: أردت. اختبرني: جرّبني.

م. ص. الخطاب للمحبوب و الرضا كناية عن عدم الصد و الجفاء. و الاختبار كناية عن ان للعبد حقوق المجاورة و الصحبة و للََّه حق القبول أو الرفض.


١٥٣

و كفاني عزّا، بحبّك، ذلّي، # و خضوعي، و لست من أكفاكا (١)


و إذا ما إليك، بالوصل، عزّت # نسبتي، عزّة، و صحّ و لاكا (٢)


فاتّهامي بالحبّ حسبي، و أنّي # بين قومي أعدّ من قتلاكا (٣)


لك في الحيّ هالك بك حيّ، # في سبيل الهوى استلذّ الهلاكا (٤)


عبد رقّ، ما رقّ يوما لعتق # لو تخلّيت عنه ما خلاّكا (٥)


بجمال حجبته بجلال # هام، و استعذب العذاب هناكا (٦)


و إذا ما أمن الرّجا منه أدناك # ، فعنه خوف الحجى أقصاكا (٧)


فبإقدام رغبة، حين يغشاك # ، بإحجام رهبة يخشاكا (٨)


ذاب قلبي، فأذن له يتمنّاك # ، و فيه بقيّة لرجاكا


____________

(١) أكفاك: أكفائك مخففة: و الأكفاء: الإقران و النظراء.

م. ص. غاية مطلبي ان أحظى برضاك فما أنا من الإقران الذين يدعون مساواتك و إنما عزي بذلي إليك.


(٢) الوصل: اللقاء. نسبتي: قرابتي. ولاك: ملكك.

(٣) معنى البيت إذا صح ولاك علي و ملكك لي و لم انتسب بالوصل إليك فاتهامي في الحب و عدي من جملة قتلاك هو كفايتي من الافتخار بما صدر عنك.

(٤) الحي الأولى: القبيلة. الحي الثانية في الصدر ضد الميت.

م. ص: الحي كناية عن معشر الأولياء الذين يستلذون الفناء في اللََّه.


(٥) الرق: العبودية. العتق: التحرر. ما خلاك: ما عداك.

م. ص: ما خلاك كناية عن التعلق باللّه حتى و ان كان الصد من جانبه.


(٦) حجبته: اخفيته. الجلال: الوقار. هام: سار على غير هدى.

م. ص. الحجاب: جمال صورة المحبوب الذي لا تدركه الأبصار.


(٧) الرجا: الرجاء مخففة. أدناك: قربك. الحجى: العقل.

م. ص. الرجاء هو الطمع في رؤية المحبوب و ذلك بواسطة العقل و ليس بالعين و الخوف فقط من حصول الستر لعين البصيرة.


(٨) الاقدام: عكس الاحجام و الرغبة عكس الرهبة. يغشاك: يصيبك.

م. ص. الاقدام كناية عن الرغبة في المحبة و الاحجام كناية عن الخوف و الاحتراز من المقام العلوي.


١٥٤

أو مر الغمض أن يمرّ بجفني # فكأني به مطيعا عصاكا (١)


فعسى، في المنام، يعرض لي الوهم # ، فيوحي، سرا، إليّ سراكا (٢)


و إذا لم تنعش بروح التّمنّي # رمقي، و اقتضى فنائي بفاكا (٣)


و حمت سنّة الهوى سنّة الغمـ # ض، جفوني، و حرّمت لقياكا (٤)


أبق لي مقلة لعلّي يوما، # قبل موتي، أرى بها من رآكا (٥)


أين منّي ما رمت، هيهات، بل أين # لعيني، بالجفن، لثم ثراكا (٦)


فبشيري لو جاء منك بعطف، # و وجودي في قبضتي قلت: هاكا (٧)


قد كفى ما جرى دما من جفون، # بك، قرحى، فهل جرى ما كفاكا (٨)


فأجر من قلاك، فيك، معنّى، # قبل أن يعرف الهوى بهواكا (٩)


____________

(١) مر: فعل أمر من أمر. الغمض: النوم.

(٢) السري: المشي ليلا.

(١، ٢) م. ص. قوله ذاب قلبي كناية عما ينفخ فيه من الروح الآمري و امر اللََّه كلمح البصر.


(٣) الرمق: بقية الحياة. الفناء: الهلاك.

م. ص. الفناء: هلاك المحب في العشق الإلهي و هو كناية عن فناء الصور الحسية و بقاء وجه الحق‏ وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ .


(٤) حمت: صانث. السنّة: الشريعة. الغمض: النوم و قد مرّت السنة: بكسر السين النعاس و الغفلة.

(٥) المقلة: العين.

م. ص. الرؤية أو أرى كناية عن رؤية النور المحمدي الذي هو من نور اللََّه و قد رأى ربه تعالى في ليلة الإسراء «فَكََانَ قََابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ََ» .


(٦) رمت: طلبت. اللثم: التقبيل. الثرى: الأرض.

م. ص. السؤال كناية عن بعد الوصول إلى الغاية و كأن غايته ابقاء مقلته ليرى بها وجه المحبوب الحقيقي و الثرى كناية عن الحياة الامرية السارية في الأجسام.


(٧) البشير: حامل البشرى و هي الخبر السار. قبضتي: كفي.

م. ص. البشير كناية عن الروح المنفوخ بأمره تعالى.


(٨) جرى في صدر البيت بمعنى سال. قرحى: جريحة. جرى الثانية: حصل.

(٩) أجر فعل أمر بمعنى احم. القلى: البغض. المعنى: المريض.

م. ص. قبل ان يعرف الهوى أي من حين ولادته و ذلك إشارة إلى الآية الكريمة:


وَ اَللََّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ لاََ تَعْلَمُونَ شَيْئاً .


١٥٥

هبك أنّ اللاّحي نهاه، بجهل، # عنك، قل لي: عن وصله من نهاكا (١)


و إلى عشقك الجمال دعاه، # فإلى هجره، ترى من دعاكا؟ (٢)


أ ترى من أفتاك بالصّدّ عنّي، # و لغيري، بالودّ من أفتاكا (٣)


بانكساري، بذلّتي، بخضوعي # بافتقاري، بفاقتي، بغناكا (٤)


لا تكلني إلى قوى جلد، خان # ، فإنّي أصبحت من ضعفاكا (٥)


كنت تجفو، و كان لي بعض صبر، # أحسن اللََّه، في اصطباري، عزاكا (٦)


كم صدودا، عساك، ترحم شكوا # ي، و لو باستماع قولي، عساكا (٧)


شنّع المرجفون عنك، بهجري # و أشاعوا أنّي سلوت هواكا (٨)


ما بأحشائهم عشقت، فأسلو # عنك يوما، دع يهجروا، حاشاكا (٩)


____________

(١) هبك: هب من أفعال القلوب لا ماضي له. و هو بمعنى احسب. اللاحي: اللائم.

(٢) معنى البيت: أن النهي حاصل من اللائم لكن نهيك لم يعرف له سبب كذلك عشقك فإن مرده إلى الجمال أما هجرك فلا مبرر له.

(٣) أفتاك: أعطاك الفتوى. الصد: الهجر. الود: المحبة.

(٤) الذلة: المسكنة. الفاقة: الحاجة و العوز.

م. ص. اقسم بانكساري في بابك و ذلتي امام عزك و افتقاري إلى غناك و فاقتي إلى رحمتك.


(٥) لا تكلني: لا تسلمني. الجلد: الصبر.

م. ص. في البيت إشارة إلى أن اللََّه يحب العبد المتعلق بأهداب الرحمة فالعبد ضعيف و اللََّه قوي لطيف.


(٦) تجفو: تصد و تمنع المحبة. العزاء: الصبر الجميل.

م. ص. قوله كنت تجفو إشارة إلى أيام غفلته و جهله بربه و الاصطبار كانت نتيجته العزاء و العزاء دليل على وصوله إلى مرتبة العرفان و بلوغه مبلغ المريدين و الأولياء.


(٧) م. ص. عسى من أفعال الرجاء و هو يرجو ربه ان يقبل منه أعماله.

(٨) المرجفون: الكاذبون. أشاعوا: بثوا و اعلنوا. سلوت: نسيت.

(٩) معنى البيت: لم أنس هواك كما افترى المرجفون لأني عشقتك بحشاي و ليس بأحشائهم.

١٥٦

كيف أسلو، و مقلتي كلّما لا # ح، بريق، تلفّتت للقاكا (١)


إن تبسّمت تحت ضوء لثام، # أو تنسّمت الرّيح من أنباكا (٢)


طبت نفسا إذ لاح صبح ثناياك # ، لعيني، و فاح طيب شذاكا (٣)


كلّ من في حماك يهواك، لكن # أنا وحدي بكلّ من في حماكا (٤)


فيك معنى حلاّك في عين عقلي، # و به ناظري معنّى حلاكا (٥)


فقت أهل الجمال، حسنا، و حسنى، # فبهم فاقة إلى معناكا (٦)


يحشر العاشقون تحت لوائي، # و جميع الملاح تحت لواكا (٧)


____________

(١) المقلة: العين. بريق: تصغير برق و البرق معروف.

(٢) اللثام: غطاء الوجه. تنسمت: أرسلت نسيما خفيفا. انباك: انباؤك مخففة بمعنى اخبارك.

م. ص. التبسم كناية عن انكشاف أسماء اللََّه تعالى و صفاته العليا و اللثام كناية عن الصور الحسية و المعنوية و ضوء اللثام كناية عن نور الوجود.


(٣) الثنايا: مقدم الأسنان و قد شبهها بالصبح لبياضها. فاح: انتشر. الشذا: الرائحة الطيبة.

م. ص. صبح ثناياك كناية عن انوار الحق المشرقة و الشذا كناية عن العلوم و المعارف الربانية.


(٤) حماك: رزقك. يهواك: يحبك.

م. ص. الحمى كناية عن تقوى اللََّه تعالى و عن مقام الورع و قوله أنا وحدي دليل على تفرده بين العارفين المنسوبين بالمعرفة إلى الخالق و التفرد دليل الشكر فهو يذكر نعمة اللََّه‏ وَ أَمََّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ .


(٥) المعنى الصوفي: الخطاب للمحبوب الحقيقي و هو اللََّه سبحانه و تعالى و المعنى كناية عما يظهر من مفهوم تجلياته على العقول. و المعنّى المريض و المرض كناية عن الانشغال بالصفات العلية و الأسماء الربانية.

(٦) فقت: علوت و الحسنى: إعطاء الإحسان و المعاملة به. الفاقة: الحاجة.

م. ص. أهل الجمال كناية عن أصحاب القلوب العامرة بمحبة اللََّه و الفاقة إلى المعنى كناية عن التجليات في القلوب المعمورة بمحبة اللََّه.


(٧) يحشر: يجمع. اللواء: الراية. الملاح: الحسان.

م. ص. العاشقون كناية عن أهل المحبة الإلهية. و المرء يحشر على ما مات عليه و اللواء كناية عن الروح و الملاح كناية عن التجليات الربانية و الروح في آخر البيت كناية عن روح اللََّه الأعظم.


١٥٧

ما ثناني عنك الضّنى، فبما ذا، # يا مليح، الدّلال عني ثناكا (١)


لك قرب منّي ببعدك عنّي، # و حنوّ وجدته في جفاكا (٢)


علّم الشّوق مقلتي سهر اللّيل # ، فصارت، من غير نوم، تراكا (٣)


حبّذا ليلة بها صدت إسراك # ، و كان السّهاد لي أشراكا (٤)


ناب بدر التّمام طيف محيّاك # ، لطرفي بيقظتي، إذ حكاكا (٥)


فتراءيت في سواك لعين # بك، قرّت، و ما رأيت سواكا (٦)


و كذاك الخليل قلّب قبلي # طرفه، حين راقب الأفلاكا (٧)


فالدّياجي لنا بك الآن غرّ، # حيث أهديت لي هدى من سناكا (٨)


____________

(١) الثناء: المديح. الضنا: المرض. ثناك: امالك عني أو أبعدك.

م. ص. الدلال كناية عن امتناع بعض المظاهر عنه و إقبال بعضها عليه و الضنا كناية عن تعب الجسد في حبّ اللََّه تعالى.


(٢) الحنو: المحبة. الجفاء: الصد.

م. ص. القرب كناية عن الاتصال الروحي بين العبد و خالقه و البعد كناية عن عدم مناسبة المخلوق للخالق.


(٣) في البيت تأكيد لاجتماع الحواس ورد الإدراك كله إلى القلب.

م. ص. ان صاحب المحبة الإلهية إذا مرض و فني في محبة الخالق اجتمعت حواسه في قلبه.


(٤) صدت: اصطدت و هنا بمعنى ترقبت. اسراك: اسرارك مخففة و الإسراء السير في الليل. السهاد: عدم النوم و الأرق. الإشراك مفردها الشرك بفتح الراء و هو الفخ.

م. ص. صيد الإسراء هو السهر للعبادة و لتحصيل معنى التجلي الإلهي.


(٥) ناب: حل محل. بدر التمام: القمر في ليلته الرابعة عشرة. الطيف: الخيال.

م. ص. بدر التمام: كناية عن الإنسان الكامل الظاهر عليه نور الوجود و طيف المحيا كناية عن ظهور وجه الحق تعالى.


(٦) م. ص. تراءيت كناية عن ظهور تجليات الخالق في الصور الحسية.

(٧) الخليل: سيدنا إبراهيم (ع) . الطرف: النظر. الأفلاك: النجوم م. ص. في البيت إشارة إلى مراقبة النبي إبراهيم الخليل (ع) للنجوم بحثا عن ربه إلى ان منّ اللََّه عليه بالتجلي‏ وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ .

(٨) الدياجي: الظلمات. الغر: البيضاء. السنا: الضياء.

م. ص. الدياجي كناية عن المظاهر الكونية باعتبار نظر أهل الغفلة و الاحتجاب إليها. و لنا كناية عن معشر العارفين و الأولياء الصالحين. و الغر كناية عن اشراق النفوس بنوره.


١٥٨

و متى غبت ظاهرا عن عياني، # ألفه، نحو باطني، ألقاكا (١)


أهل بدر ركب، سريت بليل، # فيه، بل سار في نهار ضياكا (٢)


و اقتباس الأنوار من ظاهري # غير عجيب، و باطني مأواكا (٣)


يعبق المسك، حيثما ذكر اسمي، # منذ ناديتني أقبّل فاكا (٤)


و يضوع العبير في كلّ ناد، # و هو ذكر، معبّر عن شذاكا (٥)


قال لي حسن كلّ شي‏ء تجلّى: # بي تملّى!فقلت: قصدي وراكا (٦)


____________

(١) عياني: مشاهدتي. ألفه: أجده.

المعنى مهما ابتعدت عن ناظري فأنت موجود في داخلي و كياني و الخطاب إلى المحبوب الحقيقي.


(٢) الركب: راكبو الإبل المستعدون للسفر. سريت: مشيت ليلا.

م. ص. أهل بدر أصحاب الغزوة المشهورة و هم كناية عن العارفين باللّه و أمره.


و الركب إشارة إلى الآية الكريمة وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ و الضياء كناية عن انكشاف نور التجلي للأولياء العارفين.


(٣) معنى البيت ان ظهر الضياء على ملامحي فلا عجب في ذلك لأن مأواك في قلبي و لا بد ان يفيض باطني على ظاهري من نورك.

م. ص. في البيت إشارة إلى قول الرسول (صلّى اللََّه عليه و سلّم) «ما وسعني سماواتي و لا أرضي و وسعني قلب عبدي المؤمن» .


(٤) يعبق: يفوح و ينتشر. فاك: فمك.

م. ص. فاك كناية عن مصدر الكلام الإلهي و التقبيل كناية عن كشف الذات لحقيقة الوجود الحق.


(٥) يضوع: ينتشر. النادي. مكان اجتماع القوم. الذكر: الصيت.

م. ص: العبير كناية عن مجموع الصفات و الأسماء الإلهية.


(٦) تجلي: ظهر جليا و واضحا. تملّى: تمنع و تحصن. وراك: وراءك.

معنى البيت ان الحسن قال لي تحصن بي فقلت له ان غايتي هي أبعد منك فاخدع بزينتك غيري.


م. ص. ترك الحسن كناية عن التعلق بجمال الرحمن. فالجمال الحسي فان أمّا الجمال الروحاني فباق.


١٥٩

لي حبيب أراك فيه معنّى، # عزّ غيري، و فيه، معنى، أراكا (١)


إن تولّى على النّفوس تولّى، # أو تجلّى يستعبد النّساكا (٢)


فيه عوّضت عن هداي ضلالا، # و رشادي غيّا، و ستري انهتاكا (٣)


و حدّ القلب حبّه، فالتفاتي # لك شرك، و لا أرى الإشراكا (٤)


يا أخا العذل فيمن الحسن، مثلي # هام وجدا به، عدمت أخاكا (٥)


لو رأيت الذي سباني فيه # من جمال، و لن تراه، سباكا (٦)


و متى لاح لي اغتفرت سهادي، # و لعينيّ، قلت: هذا بذاكا (٧)


____________

(١) المعنّى: المريض.

(٢) تولى: استولى و تسلط. تولى الثانية: أعرض. النساك: العابدون.

م. ص. تجلى كناية عن ظهور النور الإلهي في صدور العارفين.


(٣) رشادي: هدايتي. انتهاك الستر: كشفه.

م. ص. الهدى هدى النفس بعينها و هو غواية ما لم تهتد بأمر الخالق.


(٤) التفاني: الموت و الفناء في الحبيب.

م. ص. وحد القلب حبّه دليل على وحدانية الخالق و التعلق به لأن الانشغال بغيره يعتبر كفرا و شركا بوحدانيته.


(٥) أخ العذل: اللائم. هام: أحب و هنا سار على غير هدى.

م. ص. عدم المؤاخاة كناية عن تصنيف البشر بين الجاهلين و العارفين.


(٦) سباني: اسرني بسحره.

م. ص. في البيت إشارة إلى الآية فَأَغْشَيْنََاهُمْ فَهُمْ لاََ يُبْصِرُونَ فالأعمى لا يرى البدر حتى و لو كان كاملا.


(٧) السهاد: مفارقة النوم.

م. ص. إن السهاد و السهر للََّه تعالى هو من اللذة بمكان يعادل النوم معدم النوم طلبا للََّه يعادل راحة الجسد. مقوله هذا كناية عن لذة رؤية المحبوب الحقيقي الذي لاح له و قوله ذاك كناية عن الألم الذي حصله من جرّاء سهره.


و الحمد للََّه رب العالمين‏


١٦٠

قافية اللام‏

يا صاحبي هذا العقيق فقف به‏

[البحر الكامل‏]


ما بين ضال «المنحنى» و ظلاله، # ضلّ المتيّم، و اهتدى بضلاله‏ (١)


و بذلك الشّعب اليماني منية # للصبّ، قد بعدت على آماله‏ (٢)


يا صاحبي، هذا «العقيق» فقف به # متوالها، إن كنت لست بواله‏ (٣)


و انظره عنّي، إنّ طرفي عاقني # إرسال دمعي فيه عن إرساله‏ (٤)


____________

(١) الضال: نوع من الشجر. المنحنى: موضع. ضل: تاه. المتيم: العاشق.

المعنى الصوفي: الضال كناية عن حضرة العلم الإلهي و المنحني كناية عن وجود الحق المطلق فكأنه ينحني بالنظر إلى من يراه. و الظلال في آخر صدر البيت كناية عن العوالم السفلية التي هي ظلال العوالم الربانية و ضل المتيم كناية عن فناء العاشق في الوجود الحق.


(٢) الشعب: بكسر الشين: الطريق في الجبل. المنية بضم الميم: المطلوب و الغاية.

الصّب: العاشق.


م. ص. الشعب اليماني كناية عن الركن إلى يمين الكعبة. و المنية كناية عن الوصول إلى الحضرة الإلهية و البعد كناية عن تنزه هذه الحضرة عن مشابهة الأكوان.


(٣) العتيق: موضع قرب مكة. المتواله: الحائر.

م. ص. يا صاحبي نداء إلى عقله الملازم له و الوقوف إشارة إلى عدم تخطي المكان لأنه هو المقصود. و هو سدرة منتهى مدارك العقول.


(٤) طرفي: نظري. عاقني: منعني. الإرسال: اطلاق الدمع و الإرسال في آخر البيت إطلاق النظر.

م. ص. الإرسال كناية عن فناء النفس و زوالها في الوجود الحق.


١٦١

و اسأل غزال كناسه: هل عنده # علم بقلبي في هواه، و حاله‏ (١)


و أظنّه لم يدر ذلّ صبابتي، # إذ ظلّ ملتهيا بعزّ جماله‏ (٢)


تفديه مهجتي، التي تلفت، و لا # منّ عليه، لأنّها من ماله‏ (٣)


أ ترى درى أنّي أحنّ لهجره، # إذ كنت مشتاقا له كوصاله‏ (٤)


و أبيت سهرانا أمثّل طيفه، # للطّرف، كي ألقى خيال خياله‏


لا ذقت يوما راحة من عاذل، # إن كنت ملت لقيله و لقاله‏ (٥)


فو حقّ طيب رضى الحبيب، و وصله، # ما ملّ قلبي حبّه لملاله‏ (٦)


واها إلى ماء العذيب و كيف لي # بحشاي، لو يطفى ببرد زلاله‏ (٧)


و لقد يجلّ، عن اشتياقي، ماؤه، # شرفا، فوا ظمئي للامع آله! (٨)


____________

(١) الكناس: بيت الغزال.

م. ص. الكناس كناية عن الحضرة العلية و الغزال كناية عن الإنسان العارف البعيد عن عوالم الجاهلين.


(٢) لم يدر: لم يعرف. الصبابة: شدة العشق.

(٣) تلفت: فنيت. المنّ: التعيير بالعطاء.

(٤) م. ص. الهجر كناية عن مفارقة الصور الحسية و الوصال كناية عن التعلق بالعلوم الرحمانية.

(٥) القيل و القال: كلام الشر و اكثر ما تستعمل هذه العبارة للدلالة على الكلام الذي لا طائل منه.

(٦) الملال: الصد و الهجران.

م. ص. الخطاب للمحبوب الحقيقي و القسم بعظمته و الوصال كناية عن التعلق بتجلياته و ما يفيض عنه.


(٧) واها: للتعجب و التلهف. و العذيب: موضع فيه ماء. الزلال: الماء البارد العذب.

م. ص. ماء العذيب كناية عن وجود الحق و الحشا كناية عن قلب المريد العارف.


(٨) ظمئي: عطشي. آله: سرابه. الآل: السراب.

١٦٢

هو الحب‏

[البحر الطويل‏]


هو الحبّ فأسلم بالحشا، ما الهوى # سهل، فما اختاره مضنى به، و له عقل‏ (١)


و عش خاليا، فالحبّ راحته عنا، # و أوّله سقم، و آخره قتل‏ (٢)


و لكن لديّ الموت فيه، صبابة # حياة، لمن أهوى، عليّ بها الفضل‏ (٣)


نصحتك علما بالهوى، و الذي أرى # مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو (٤)


فإن شئت أن تحيا سعيدا، فمت به # شهيدا، و إلاّ فالغرام له أهل‏ (٥)


فمن لم يمت في حبّه لم يعش به، # و دون اجتناء النّحل ما جنت النّحل‏ (٦)


____________

(١) المضنى: المريض.

المعنى الصوفي: الحب هو المحبة الإلهية. و قوله فأسلم خطاب للسالك في طريق المعرفة و الحشا كناية عن القلب و السلامة هي الموافقة لأمر اللََّه تعالى.


(٢) العنا: العناء مخففة و العناء هو التعب. السقم: المرض.

(٣) الصبابة: مرض العشق أو شدته.

م. ص. أراد بالموت الموت الاختياري لا الإجباري فمن خاف من الموت ليس بمؤمن. و قوله من أهوى يعود إلى القدرة الربانية العظيمة.


(٤) م. ص. الخطاب للسالك العالم فيقول له ان أحببت و عشقت طلبا للوصول إلى الصور الفانية فحبه قاتل له و أما من أحب و عشق للأنوار الرحمانية فقد فاز و سلم من الموت.

(٥) فالغرام له أهل: اترك الغرام لغيرك لأنك غير جدير به.

م. ص. قوله إذا شئت ان تحيا فمت إشارة إلى الآية الكريمة: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .


(٦) جنى النحل: العسل. جنت: أكسبت. جنت النحل: اعطت جناها و هو اللسع و الوخز.

م. ص. اجتناء النحل هو اقتطاف عسل العلوم و المعارف الإلهية و وخز النحل كناية عن الذين لا يحسنون العمل الصالح فيقلب عملهم إلى سيئات تلسعهم حين لقاء ربهم.


١٦٣

تمسّك بأذيال الهوى، و اخلع الحيا # و خلّ سبيل الناسكين، و إن جلّوا (١)


و قل لقتيل الحبّ: وفّيت حقّه، # و للمدعي: هيهات ما الكحل الكحل‏ (٢)


تعرّض قوم للغرام، و أعرضوا، # بجانبهم، عن صحّتي فيه، و اعتلوا (٣)


رضوا بالأماني، و ابتلوا بحظوظهم، # و خاضوا بحار الحبّ، دعوى فما ابتلّوا (٤)


فهم في السّرى لم يبرحوا من مكانهم # و ما ظعنوا في السّير عنه، و قد كلّوا (٥)


و عن مذهبي، لمّا استحبّوا العمى على # الهدى حسدا من عند أنفسهم ضلّوا (٦)


أحبّة قلبي، و المحبّة شافعي # لديكم، إذا شئتم بها اتّصل الحبل‏ (٧)


____________

(١) تمسك بأذيال الهوى مجاز معناه لازم الحب و لا تفارقه. الحيا: الحياء مخففة لضرورة الشعر. خلّ: اترك. السبيل: الطريق. الناسكون: العابدون.

(٢) معنى البيت قل لمن يدعي بلسانه و لا يعتقد بنفسه لقد بعد عنك ما تريده و تطلبه فإن التكحل المصنوع ليس كالكحل المطبوع.

م. ص. قتيل الحب هو قتيل المحبة الإلهية و هو شهيد عند ربه كما نصت الآية. وَ لاََ تَحْسَبَنَّ ... يُرْزَقُونَ


(٣) تعرض: تصدى. اعرضوا: مالوا بنظرهم عنه.

م. ص. الغرام: العشق الإلهي و الصحة كناية عن موافقة الحق.


(٤) الأماني: مفردها الامنية و هي مطلب النفس. الدعوى: الأمر الكاذب.

م. ص. الدعوى كناية عن ادعاء الكذب في امر اللََّه و في خوض بحار علمه و قوله ابتلّوا من المبلل أي رغم خوضهم لبحار المحبة لم تبتل أجسادهم و لا أرواحهم بتلك المياه لأنهم لم يعرفوا المحبة الحقة.


(٥) السري: سير الليل. لم يبرحوا: لم يغادروا. ظعنوا: رحلوا. كلّوا: تعبوا.

م. ص. السري: سير العارفين لأن الليل وقت العبادة. و قوله لم يبرحوا معناه انه لم يحققوا شيئا ممّا يطلبون لان نفوسهم أمّارة بالسوء و قوله كلوا دليل على ان أعمالهم و رياضاتهم قد حبطت.


(٦) ضلوا: تاهوا.

م. ص. مذهبي كناية عن اعماله و هي الاشتغال بالتقوى في القلب و الانهماك في أعمال الباطن لا أعمال الظاهر. و العمل كناية عن غفلة النفس و عدم التيقظ لأمر اللََّه تعالى و في البيت إشارة للآية الكريمة: وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ .


(٧) م. ص. الخطاب للأحبة و قد أضافهم إلى القلب و المحبة عائدة للأسماء و الصفات الربانية الظاهرة بآثارها في عوالم الأكوان. و قوله اتصل الحبل إشارة إلى قوله تعالى:

وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا .


١٦٤

عسى عطفة منكم عليّ بنظرة، # فقد تعبت بيني و بينكم الرّسل‏ (١)


أحبّاي أنتم، أحسن الدّهر أم أسا # فكونوا كما شئتم، أنا ذلك الخلّ‏ (٢)


إذا كان حظي الهجر، منكم، و لم يكن # بعاد، فذاك الهجر عندي هو الوصل‏ (٣)


و ما الصّدّ إلاّ الودّ، ما لم يكن قلى، # و أصعب شي‏ء غير أعراضكم سهل‏ (٤)


و تعذيبكم عذب لديّ، و جوركم # عليّ، بما يقضي الهوى لكم، عدل‏ (٥)


و صبري صبر عنكم، و عليكم، # أرى أبدا عندي مرارته تحلو (٦)


أخذتم فؤادي، و هو بعضي، فما الذي # يضرّكم لو كان عندكم الكلّ‏ (٧)


____________

(١) م. ص. الخطاب للحضرات الإلهية الظاهرة بالآثار الكونية و النظرة هي طلب الاعتناء بأمره و النظر في حاله.

(٢) أسا: أساء و هي ضد احسن. الخل: الصديق الوفي.

م. ص. الدهر من اسماء اللََّه. قال (صلّى اللََّه عليه و سلّم) لا تسبوا الدهر فإن اللََّه هو الدهر و إنما عدل ابن الفارض عن التسمية الصريحة لأن من عادة العرب ان ترد الإساءة إليه سبحانه و ذلك في ردّ الأمور إلى أسبابها الظاهرة. و الخل كناية عن المحب الصادق المتعلق بالمحبوب الحقيقي و هو اللََّه سبحانه و تعالى.


(٣) م. ص. الهجر كناية عن ترك المناجاة الإلهية في السر و عدم الاعتناء بأمر اللََّه تعالى.

(٤) القلى: البغض. الصد: الهجر و القطيعة. الود: المحبة.

م. ص. الصد كناية عن الإعراض عن امر اللََّه تعالى و الود كناية عن التعلق بحبائله و الإعراض كناية عن العقاب الذي يوجهه الرحمن للعبد و أصعب البلايا يهون أمام هذا الإعراض.


(٥) الجور: الظلم.

م. ص. الجور كناية عن عدم استجابة المحبوب الحقيقي على الدوام و عدم النظر إلى العبد المؤمن يعتبره المؤمن جورا و ظلما له بينما لا يجوز للعبد ان يتقول بهذا الأمر لأن اللََّه حليم حكيم في أمره.


(٦) الصبر: نبات مر الطعم.

م. ص. الصبر كناية عن تحمل المشاق بما يكابده المؤمن في سلوك طريق اللََّه تعالى.


(٧) م. ص. أخذتم: الخطاب للأحبة أي للأسماء و الصفات الإلهية و الفؤاد هو العقل بلغة الصوفية و الكل كناية عن الروح و الجسد.

١٦٥

نأيتم، فغير الدّمع لم أر وافيا، # سوى زفرة، من حرّ نار الجوى، تغلو (١)


فسهدي حيّ، في جفوني، مخلّد، # و نومي، بها ميت، و دمعي له غسل‏ (٢)


هوى طلّ ما بين الطّلول، دمي فمن # جفوني جرى بالسفح من سفحه و بل‏ (٣)


تباله قومي، إذ رأوني متيّما، # و قالوا: بمن هذا الفتى مسّه الخبل‏ (٤)


و ما ذا عسى عنّي يقال سوى غدا، # بنعم، له شغل؟!نعم لي بها شغل‏ (٥)


و قال نساء الحيّ: عنّا بذكر من # جفانا، و بعد العزّ لذّ له الذّلّ‏ (٦)


إذا أنعمت نعم عليّ بنظرة، # فلا أسعدت سعدى و لا أجملت جمل‏ (٧)


و قد صدئت عيني برؤية غيرها، # و لثم جفوني تربها، للصّدا يجلو (٨)


____________

(١) نأيتم: بعدتم. وافيا: كاملا. الجوى: الحزن و المرض.

م. ص. النأي هو اعراض المحبوب الحقيقي عنه و أبعاده عن التجليات الربانية.


(٢) سهدي: أرقي. مخلّد: أزلي أو دائم.

(٣) طلّ دمي: اهدره. الطلول الآثار البائدة. السفح و الوبل المطر العزير.

م. ص. الطلول كناية عن جسده البالي و المعنى ان الهوى أهدر دمي و خرّب جسدي فجرت مياه المعرفة الربانية من جفوني.


(٤) تباله قومي: أظهروا البله أي الجنون. المتيم: العاشق. مسّه الخبل: أصابه الجنون.

(٥) م. ص. نعم اسم انثوي و هو كناية عن الحضرة الإلهية و الشغل كناية عن حب هذه الحضرة و الاشتغال بها عمّا عداها.

(٦) م. ص. ان من عرف اللََّه تعالى أدرك حقيقة فناء المخلوقات فلا يكون عنده عزّ إلا عز اللََّه جل و علا. و كل ما عدا ذلك يعتبر ذلا و هوانا.

(٧) نعم و سعدى و جمل أسماء الحبيبات. اسعدت: أسرت و أفرحت. أجملت: قدمت الجميل و اسدته.

م. ص. نعم كناية عن الحضرة الإلهية كما مر سابقا. و النظرة كناية عن رؤية التجليات بستائر الأكوان و مظاهر الصور و الأعيان.


(٨) صدئت عيني: تلفت لكثرة ما علاها من القيح و الغبار و بالتالي تعطلت الرؤيا عنده.

الترب: التراب.


م. ص. صدئت عيني تكاثرت ذنوبها فمنعت من اجتلاء الرؤيا كما يقع الغبار على المرآة فيمنع النور عنها. و قوله للصدا يجلو كناية عن انكشاف نور الحقيقة في الحضرة و الأسماء الإلهية فتجلت له هذه الحضرة و فنيت و بادت الحجب التي تمنعها عنه.


١٦٦

و قد علموا انّي قتيل لحاظها، # فإنّ لها، في كلّ جارحة، نصل‏ (١)


حديثي قديم في هواها، و ما له، # كما علمت، بعد، و ليس لها قبل‏ (٢)


و ما لي مثل في غرامي بها، كما # غدت فتنة، في حسنها، ما لها مثل‏ (٣)


حرام شفا سقمي لديها، رضيت ما # به قسمت لي في الهوى، و دمي حلّ‏ (٤)


فحالي و إن ساءت فقد حسنت به، # و ما حطّ قدري في هواها به أعلو


و عنوان ما فيها لقيت، و ما به، # شقيت، و في قولي اختصرت و لم أغل‏ (٥)


خفيت ضنى، حتى لقد ضلّ عائدي # و كيف ترى العوّاد من لا له ظلّ‏ (٦)


و ما عثرت عين على أثري، و لم # تدع لي رسما في الهوى الأعين النّجل‏ (٧)


____________

(١) اللحاظ: واحدها اللحظ و هو مؤخر العين. الجارحة: العضو في الجسد. النصل:

جديدة السهم و الرمح و السيف.


م. ص: اللحظ كناية عن التجليات الربانية. و النصل كناية عن القوة العظمى و اثرها في نفوس المريدين العارفين.


(٢) حديثي بمعنى كلامي و قصة حبي معها. فهي شغله الشاغل فيما مضى و إلى ما يشاء اللََّه.

م. ص. حديثه القديم كناية عن تعلقه الازلي بالأسماء و الصفات العلية فإن العلم الإلهي قديم محيط بالواجبات و الممكن و المستحيل.


(٣) المعنى: كما انفردت في حسنها دون سواها تفردت في حبي لها دون سواي.

(٤) الشفا: الشفاء مخففة لاستقامة الوزن و الشفاء هو البرء. سقمي: مرضي. حلّ:

حلال.


م. ص. الحديث عن المحبوبة الحقيقية و هي الحضرة الإلهية. و الهوى كناية عن الوجد و حالات العشق الإلهي. و الدم الحلال كناية عن الشهادة في سبيل اللََّه. و في ذلك إشارة إلى قوله تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.


(٥) لم أغل: لم أبالغ في قولي. الضنى: المرض.

و المعنى ان جسمي فني و إذا كان زواري في مرضي لا يرون لي جسما فكيف يرون لي ظلا.


(٦) لم أغل: لم أبالغ في قولي. الضنى: المرض.

و المعنى ان جسمي فني و إذا كان زواري في مرضي لا يرون لي جسما فكيف يرون لي ظلا.


(٧) عثرت: وجدت. الرسم: الأثر الباقي. النجل: مفردها النجلاء و هي العين الواسعة.

م. ص. العين كناية عن عين البصيرة و هي العقل و الرسم كناية عن فنائه في اللََّه تعالى.


١٦٧

ولي همّة، تعلو، إذا ما ذكرتها، # و روح بذكراها، إذا رخصت، تغلو (١)


جرى حبّها مجرى دمي في مفاصلي، # فأصبح لي، عن كلّ شغل، بها شغل‏


فنافس ببذل النّفس فيها أخا الهوى # فإن قبلتها منك، يا حبّذا البذل‏ (٢)


فمن لم يجد، في حبّ نعم، بنفسه، # و لو جاد بالدّنيا، إليه انتهى البخل‏ (٣)


و لو لا مراعاة الصّيانة، غيرة # و لو كثروا أهل الصّبابة، أو قلّوا (٤)


لقلت لعشّاق الملاحة: أقبلوا # إليها، على رأيي، و عن غيرها ولّوا (٥)


و إن ذكرت يوما، فخرّوا لذكرها # سجودا، و إن لاحت الى وجهها صلّوا (٦)


و في حبّها بعت السعادة بالشّقا، # ضلالا، و عقلي عن هداي، به عقل‏ (٧)


____________

(١) الهمة: العزيمة. تغلو: يرتفع ثمنها.

الحديث عن الحضرة الإلهية و الهمة كناية عن عمله الدؤوب في سبيل اللََّه و الذكرى ذكرى المحبوبة و الروح نفس المريد لأن من عرف نفسه عرف ربه.


(٢) نافس: غالب و أطلب النفيس. البذل: العطاء.

م. ص. أخ الهوى كناية عن العارفين الأولياء و الهاء في قبلتها يعود إلى المحبوبة الحقيقية و هي الحضرة الإلهية العلية.


(٣) لم يجد: لم يتكرم.

م. ص. الجود بالنفس من كرامات و اعمال السالكين و لا يحرزون هذا الأمر حتى يخرجوا عن أنفسهم و يزهدوا في الدنيا.


(٤) الصيانة: الحفظ.

م. ص. الصيانة كناية عن حفظ الأشياء الخمسة التي فرضها الدين الإسلامي الحنيف و هي الدين و الدم و العقل و المال و العرض.


(٥) أقبلوا: اقدموا و هي عكس ولوا في آخر البيت.

م. ص. عشاق الملاحة هم المفتونون بمحاسن الأكوان من النساء و الأموال و المآكل و المشارب و الهاء في غيرها عائد للمحبوبة الحقيقية.


(٦) خروا: وقعوا و هنا بمعنى سجدوا. لاحت: ظهرت.

(٧) الشقا: الشقاء مخففة لاستقامة الوزن. الضلال عكس الرشاد.

م. ص. بعث السعادة كناية عن السعادة الدنيوية التي يرغب فيها الغافلون. و بيعها كناية عن ترك هذه اللذة الدنيوية و الالتفات إلى امر الخالق تعالى.


١٦٨

و قلت لرشدي و التنسّك، و التّقى، # تخلّوا، و ما بيني و بين الهوى خلّوا (١)


و فرّغت قلبي عن وجودي، مخلصا، # لعلّي في شغلي بها، معها أخلو (٢)


و من أجلها، أسعى لمن بيننا سعى، # و أعدو، و لا أعدو لمن دأبه العذل‏ (٣)


فأرتاح للواشين بيني و بينها # لتعلم ما ألقى، و ما عندها جهل‏ (٤)


و أصبو (٥) إلى العذّال، حبّا لذكرها # و كلّي، إن حدّثتهم ألسن تتلو (٦)


تخالفت الأقوال فينا، تباينا، # برحم ظنون، بيننا، ما لها أصل‏ (٧)


فشنّع قوم بالوصال، و لم تصل # و ارجف بالسّلوان قوم، و لم أسل‏ (٨)


____________

(١) الرشد: الهداية. النسك: العبادة. خلّوا: اتركوا.

م. ص. اتركوني مع العشق الإلهي و لا تدخلوا في هذه الموالح و دعوني أعالج سبل الهوى و اسلك طريق الحقائق.


(٢) فرغت قلبي: أخليته. أخلو: انفرد.

م. ص. فراغ القلب كناية عن التوجه لأمر اللََّه و ترك كل امر سواه. و أخلوا كناية عن الخلوة التي يقضيها أهل اللََّه و ينقطعون فيها للعبادة.


(٣) أسعى: أمشي. سعى: قام بمسعى الصلح. أعدو: أسير مسرعا. دأبه: غايته.

العذل: اللوم.


م. ص. الكلام عن المحبوبة الحقيقية. و السعي كناية عن عمل الخير.


(٤) الواشون: المفسدون.

م. ص. قوله ارتاح كناية عن الراحة و النشاط لممارسة أعمال اللََّه تعالى و ما عندها جهل يقصد المحبوبة الحقيقية فهي عالمة بعلمها القديم.


(٥) أصبو: أشتاق. العذال مفردها العاذل و هو اللائم.

م. ص. مقام المحبة محجوب دائما عن المحب فالمحب دائما يتقرب من الحبيبة و هي لعزتها و عظمتها و صعوبة الوصول إليها تحتجب عن طالبيها.


(٦) تتلو: تتحدث بسيرتها.

(٧) التباين: الاختلاف في الأقوال. رجم الظنون: القذف بالأقوال الكاذبة.

م. ص. ما لها أصل كناية عن أقوال الواشين الكاذبة حيث يتناولون اعمال المؤمن بألسنتهم السليطة.


(٨) شنع: أذاع الأخبار السيئة. أرجف: كذّب. السلوان: النسيان. لم اسل: لم انس.

م. ص. المشنعون كناية عن طائفة الناس الغافلين عن معرفة اللََّه الذين يظنون ان المخلوق يصل إلى ادراك الخالق.


١٦٩

فما صدق التشنيع عنها، لشقوتي # و قد كذبت عني الأراجيف و النقل‏ (١)


و كيف أرجّي وصل من لو تصوّرت حماها المنى، # و هما، لضاقت بها السّبل‏ (٢)


و إن وعدت لم يلحق الفعل، قولها، # و إن أوعدت بالقول يسبقه الفعل‏ (٣)


عديني بوصل، و امطلي بنجازه، # فعندي، إذا صح الهوى، حسن المطل‏ (٤)


و حرمة عهد بيننا، عنه لم أحل # و عقد بأيد بيننا، ما له حلّ‏ (٥)


لأنت، على غيظ النّوى، و رضى الهوى # لديّ، و قلبي ساعة منك ما يخلو (٦)


ترى مقلتي يوما ترى من أحبّهم، # و يعتبني دهري، و يجتمع الشّمل‏ (٧)


و ما برحوا معنى أراهم معي، فإن # نأوا صورة، في الذّهن قام لهم شكل‏ (٨)


____________

(١) التشنيع: الكذب. الشقوة: التعاسة. الأراجيف: الأكاذيب.

(٢) أرجي: آمل. الحمى: المكان المنيع المحمي. السبل: واحدها السبيل و هو الطريق.

م. ص. الحمى. كناية عن الحضرات و الأسماء و الصفات الإلهية و السبل هي طرقات الوصول إليها.


(٣) أوعدت: هددت.

م. ص. إن وعدت بالخير أخرت ذلك الوعد إلى يوم القيامة و ما وعدت به أمور لا فناء لها فوعدها البشرى بالجنة لَهُمُ اَلْبُشْرى‏ََ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا .


(٤) الوصل: اللقاء. امطلي: لا تفي بالوعد. نجازه: تحقيقه.

(٥) حرمة العهد: المحافظة عليه. لم أحل: لم أغير أو اتبدل. العقد: الاتفاق.

م. ص. حرمة العهد كناية عن الثبات في طريق اللََّه و احترام مواثيقه‏ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ .


(٦) الغيظ: الغضب. النوى: البعد. ما يخلو: لا يفرغ.

(٧) المقلة: العين. يجتمع الشمل: يحصل اللقاء بعد الفرقة.

المعنى: إذا رأت عينه قوم الحبيبة فإنها تحبهم لأنهم أهلها و أهل الحبيبة هم أهل التقى السالكون طريق اللََّه تعالى.


(٨) برحوا: غادروا. نأوا: ابتعدوا.

م. ص. ان صورتهم لا تفارق الذهن أينما بعدوا. فإن بعدت أجسادهم فإن ذكرهم دائما في البال و في البيت إشارة إلى الآية الكريمة: هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ .


١٧٠

فهم نصب عيني، ظاهرا، حيثما سروا، # و هم في فؤادي، باطنا، أينما حلّوا (١)


لهم أبدا مني حنوّ، و إن جفوا، # ولي أبدا ميل إليهم، و إن ملّوا (٢)


لم يخطر سواكم على بالي‏

[البحر الطويل‏]


أرى البعد لم يخطر سواكم على بالي # و إن قرّب الأخطار من جسدي البالي‏ (٣)


فيا حبّذا الأسقام، في جنب طاعتي # أوامر أشواقي، و عصيان عذّالي‏ (٤)


و يا ما ألذّ الذلّ في عزّ وصلكم # و إن عزّ، ما أحلى تقطّع أوصالي‏ (٥)


نأيتم، فحالي بعدكم ظلّ عاطلا # و ما هو ممّا ساء، بل سرّكم حالي‏ (٦)


____________

(١) نصب عيني: امام ناظري. سروا: مشوا ليلا. حلّوا: أقاموا.

م. ص. السري كناية عن أعمال التقي التي اكثر ما تكون ليلا.


(٢) الحنو: الحنين و العطف. جفوا: صدوا. ملّوا: سئموا.

م. ص. اني اشتاق دائما إلى شهود التجليات الإلهية و ان استترت عني و حجبتني عن مشاهدتها. فإن العظمة الإلهية لها التجلي أو الاستتار على حسب ما تريد و تختار.


و الحمد للََّه‏


(٣) لم يخطر: لم يمر في الذهن. الأخطار: الأمور المخيفة. البالي: الفاسد.

(٤) الأسقام: جمع سقم و هو المرض. العذال مفردها العاذل و هو اللائم.

المعنى الصوفي: انه يطيع عصيان من يلومه على المحبة كما انه مطيع أوامر اشواقه و ذلك بسبب المرض و التحول في المحبة الإلهية طلبا للوصول و حصول القبول.


(٥) الوصل: اللقاء. الأوصال: الأجزاء و الأعضاء.

م. ص. الخطاب للحضرات و الأسماء و الصفات العلية فإن وصلها عزيز و الوصول إليها مطلوب.


(٦) نأيتم: بعدتم.

م. ص. ظل عاطلا كناية عن احوال أهل الدنيا فلا ورع و لا تقى. و حسنه مقبول لأنه فائض عن الأسماء و الصفات الإلهية.


١٧١

بليت به لمّا بليت صبابة # أبلّت، فلي منها صبابة إبلال‏ (١)


نصبت على عيني، بتغميض جفنها # لزورة زور الطّيف، حيلة محتال‏ (٢)


فما أسعفت بالغمض، لكن تعسّفت # عليّ بدمع، دائم الصّوب، هطّال‏ (٣)


فيا مهجتي، ذوبي على فقد بهجتي، # لترحال آمالي، و مقدم أوجالي‏ (٤)


و ضنّي بدمع، قد غنيت بفيض ما # جرى من دمي، إذ طلّ ما بين أطلال‏ (٥)


و من لي بأن يرضى الحبيب، و إن علا # النّحيب، فإبلالي بلائي و بلبالي‏ (٦)


فما كلفي في حبّه كلفة له، # و إن حلّ ما ألقى من القيل و القال‏ (٧)


____________

(١) بليت: بضم الباء فنيت. بليت بفتح الباء: أصبت. الصبابة: مرض العشق.

الإبلال: مصدر أبل بمعنى شفي.


م. ص. بليت به اي بالمحبوب الحقيقي. و الصبابة هي العشق و حالات الوجد الصوفي. و الابلال بقايا الشوق في نفس المريض.


(٢) نصبت: أقمت. الزورة: الزيارة. الطيف: الخيال.

م. ص. الطيف كناية عن التجليات الإلهية و التغميض كناية عن النوم و في ذلك إشارة إلى قوله (صلّى اللََّه عليه و سلّم) «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .


(٣) أسعفت: أعانت. تعسفت: ظلمت. الصوب: النزول. الهطّال: الغزير.

م. ص. عدم النوم كناية لعدم رؤية المحبوب الحقيقي و ذلك بسبب السهر الدائم ترقبا لطيف الرحمة الإلهية.


(٤) البهجة: السرور. الترحال: الرحيل. المقدم: المجي‏ء. الاوجال: واحدها الوجل أي الخوف.

م. ص. الخطاب للروح و هي ما سميت بالمهجة و الدعوة لها بترك الجمود الذي يمنع عن شهود الحق الذي هو كلمح البصر و غيبة البهجة أو فقدها كناية عن عدم رؤية الجمال الحق.


(٥) ضني: ابخلي. طل: أريق. الاطلال: بقايا الأثر.

(٦) النحيب: البكاء. الابلال: النجاة أو الشفاء من البلوى و المرض. البلبال: الحزن.

(٧) الكلف: المشقة. القيل و القال: كلام الناس.

م. ص. الإجلال: فيض المحبوب الحقيقي و القيل و القال كناية عن كلام الوشاة و الحاسدين في الحب و علاقة المحب بالمحبوب.


١٧٢

بقيت به، لمّا فنيت بحبّه، # بثروة إيثاري، و كثرة إقلالي‏ (١)


رعى اللََّه مغنى لم أزل في ربوعه، # معنّى، و قل إن شئت: «يا ناعم البال» ! (٢)


و حيّا محيّا عاذل لي لم يزل # يكرّر من ذكرى أحاديث ذي الخال‏ (٣)


روى سنّة عندي، فأروى من الصّدى، # و أهدى الهدى، فأعجب و قد رام إضلالي‏ (٤)


فأجبت لوم اللّؤم فيه، لو انّني # منحت المنى، كانت علامة عذّالي‏


جهلت بأن قلت: اقترح يا معذّبي عليّ، # فأجلى لي و قال: «اسل سلسالي» (٥)


و هيهات أن أسلو، و في كلّ شعرة، # لحتفي، غرام مقبل ايّ إقبال‏ (٦)


و قال لي اللاحي، مرارة قصده # تحلّى بها، دع حبّه قلت: أحلى لي‏ (٧)


____________

(١) الإيثار: التكرم بالشي‏ء رغم الحاجة إليه. الإقلال: الحاجة.

م. ص. الفناء كناية عن انقطاع العبد عن المعبود و انشغاله بالشؤون الذاتية. و الإيثار وصل إلى مقام البقاء باللّه بعد الفناء فيه و كثرة الإقلال كناية عن الحاجة إلى اللََّه تعالى كما في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ إِلَى اَللََّهِ .


(٢) المغنى: المنزل الذي يغني صاحبه عن منازل غيره. الربوع: الجوار. معنى:

مريض.


م. ص. المغنى: كناية عن العالم الإنساني. و الربوع الحضرات الإلهية التي تظهر فيها التجليات الإلهية.


(٣) المحيا: الوجه. العاذل: اللائم. ذي الخال: صاحب الشامة على الخد.

م. ص. الخال كناية عن النقطة السوداء في الوجه الإلهي و هي الكون لأن الكون ظلمة و إنما اناره ظهور الحق.


(٤) السنة: الطريق. أروى: أطفأ الظلمأ. الصدى: العطش. رام: أراد أو طلب.

م. ص. السنة كناية عن سلوك درب الحق على سنة محمد (صلّى اللََّه عليه و سلّم) .


(٥) أجلى: أظهر. اسل: انس. السلسال: الماء العذب و هو الريق.

م. ص. الخطاب إلى المحبوب الحقيقي و هو اللََّه تعالى. و قوله اجلى كناية عن ظهور نور الحق. و السلسال كناية عمّا يظهر من الأكوان.


(٦) اسلو: أنسى. الحتف: الموت.

(٧) اللاحي: اللائم أو المبغض.

م. ص. كيف اترك هذه المحبة و لو كانت مرة فهي عندي اكثر حلاوة من كل شي‏ء حلو و اشتهى من كل لذيذ فكيف اترك ما أجده حلوا و أصير من محبته خلوا؟.


١٧٣

بذلت له روحي لراحة قربه، # و غير عجيب بذلي الغال في الغالي‏ (١)


فجاد، و لكن بالبعاد، لشقوتي، # فيا خيبة المسعى، و ضيعة آمالي! (٢)


و حان له حيني، على حين غرّة، # و لم أدر أنّ الآل يذهب بالآل‏ (٣)


تحكّم في جسمي النّحول، فلو أتى # لقبضي رسول، ضلّ في موضع خال‏ (٤)


فلو همّ باقي السقم بي لاستعان، في # تلافي بما حالت له، من ضنى، حالي‏ (٥)


و لم يبق منّي ما يناجي توهّمي، # سوى عزّ ذلّ في مهانة إجلال‏ (٦)


____________

(١) بذلت: وهبت. الغالي الأولى الروح. و الغالي الثانية راحة القرب.

م. ص. قوله الغال كناية عن روحه التي بذلها و قوله في الغالي على قلوب العابدين كناية عن وجه الحق. و هو ذو الخال الذي تقدم ذكره سابقا.


(٢) جاد: تكرم. الشقوة: التعاسة.

(٣) حيني: موتي. الآل الأولى: السراب. الآل الثانية: الأهل.

م. ص. الآل أي السراب كناية عن عالم الأكوان الفاني الذي يخيب ظن من تعلق به.


(٤) النحول: الرقة و ضعف الجسد. قبضي: أخذ روحي. ضلّ: تاه.

م. ص. النحول كناية عن تعب الأجساد في طلب المراد. و الموضع الخالي كناية عن الروح التي تصعد نحو خالقها مفارقة للجسد.


(٥) همّ: أراد قتلي. القسم: الضعف. الفناء: النحول و المرض.

و المعنى لو أراد ما بقي من جسدي من السقم هلاكي لاستعان على ذلك بنحول جسدي من الضنا و الأسقام.


(٦) المهانة: التحقير. الإجلال: الوقار و الاحترام.

م. ص. يعني انه فني في وجود محبوبه الحقيقي و بادت رسومه الظاهرة و الباطنة. فلم يبق في نفسه ما يناجي به نفسه و إنما بقي منه ذل و انكسار و هما بمثابة عز و افتخار له أما مهانته و ابتذاله فهما تعظيم له و إجلال.


و الحمد للََّه رب العالمين‏


١٧٤

أهل الهوى جندي‏

[البحر الطويل‏]


نسخت بحبّي آية العشق من قبلي، # فأهل الهوى جندي و حكمي على الكلّ‏ (١)


و كلّ فتى يهوى، فإنّي إمامه، # و إني بري‏ء من فتى سامع العذل‏ (٢)


ولي في الهوى علم، تجلّ صفاته، # و من لم يفقّهه الهوى، فهو في جهل‏ (٣)


و من لم يكن في عزّة الحبّ تائها # بحبّ الذي يهوى فبشّره بالذّل‏ (٤)


إذا جاد أقوام بمال رأيتهم # يجودون بالأرواح منهم بلا بخل‏ (٥)


و إن أودعوا سرا رأيت صدورهم # قبورا لأسرار تنزّه عن نقل‏ (٦)


____________

(١) نسخت: غيرت و أقمت مقام الأمر.

المعنى الصوفي. المحبة كناية عن محبة اللََّه و النور المحمدي المتجلي بالحضرات العلية. و أهل الهوى كناية عن ورثة الدين من العابدين السالكين. و العسكر كناية عن الأعوان لأنهم يقومون بما أمر اللََّه. و قوله حكمي على كل خلق اللََّه من أهل الهوى.


(٢) العذل: اللوم.

م. ص. الفتى كناية عن السالك المتعبد المريد و الهوى كناية عن حالات الوجد و العشق الإلهي. و قوله فإني إمامه معناه‏ «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ» .


و سامع العذل أو اللوم هو ابن الدنيا الغافل عن الأنوار و العلوم الرحمانية.


(٣) تجل: تعظم.

م. ص. الهوى كناية عن الميل الرباني و الحب الرحماني و الجهل كناية عن حياة الغافلين المحرومين من نور اللََّه تعالى.


(٤) تائها: من التيه أي الافتخار و تائها مفتخرا.

م. ص. عزة الحب كناية عن الحب الرباني الذي تبدو علاماته في كل محبوب و إنما تستمد العزة من عظمة الخالق. و الذل هو للمحبة الكونية الفانية. و قوله بشره بالذل محاكاة لقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ* .


(٥) جاد: تكرم.

المعنى ان أهل الدين يجودون بالأرواح و لا يبخلون بها لأنهم جند الحق كما مرّ سابقا.


(٦) النقل: الاذاعة و الإفشاء.

م. ص. السر هو الأمور الخافية على أهل الحجاب من الغافلين عن طاعة اللََّه.


١٧٥

و إن هدّدوا بالهجر ماتوا مخافة، # و إن أوعدوا بالقتل حنّوا إلى القتل‏ (١)


لعمري هم العشّاق عندي حقيقة # على الجدّ، و الباقون منهم على الهزل‏ (٢)


يا قبلتي في صلاتي‏

[مجزوء الرمل‏]


أنتم فروضي و نفلي، # أنتم حديثي و شغلي‏ (٣)


يا قبلتي في صلاتي، # إذا وقفت أصلي‏ (٤)


جمالكم نصب عيني # إليه وجّهت كلّي‏ (٥)


و سرّكم في ضميري، # و القلب طور التّجلّي‏ (٦)


____________

(١) م. ص. الخوف من جهة الحق تعالى و الهجر كناية عن إرخاء سدل الحجاب على القلب و القتل كناية عن الموت في سبيل اللََّه.

(٢) الجد: العمل و الاجتهاد في الأمر و هو عكس الهزل.

م. ص. العشاق هم أهل الحب الحقيقي دون سواهم الذين يعشقون النور الإلهي و أصحاب الهزل هم الغافلون عن أمور الدين الناظرون إلى مفاتن الدنيا.


و الحمد للََّه‏


(٣) الفروض: جمع الفرض و هو ما أوجبه اللََّه من الصلوات. تفلي: فروضي الغير واجبة و النوافل هي الصلوات قربة لوجه اللََّه تعالى.

المعنى الصوفي. أنتم خطاب للحضرات الإلهية و التجليات الاسمائية و أنتم فروضي يعني ظهور جميع ما يفعله من الفرائض بالحضرات الإلهية لا بنفسه و المعنى ان جميع سكناته صادرة عن المولى تعالى لأنه وكيل في كل أموره.


(٤) القبلة: وجهة الصلاة و هي عند المسلمين مكة المكرمة.

م. ص. يا قبلتي نداء للحضرات الإلهية تيمنا بقوله تعالى‏ فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ .


(٥) نصب: امام. كلي: كل جوارحي أو جسدي و روحي.

م. ص. الجمال كناية عن التجليات الإلهية و نصب عيني ظهور هذه التجليات لحواسه الخمس. و كلّي كناية عن الظاهر و الباطن.


(٦) الضمير هنا القلب. طور التجلي. طور سيناء و هو جبل الانكشاف الإلهي لسيدنا موسى.

م. ص. «المعنى انه تعالى يناجيني من قلبي لاستيلائه عليه» .


١٧٦

آنست في الحيّ نارا # ليلا، فبشّرت أهلي‏ (١)


قلت امكثوا، فلعلّي # أجد هداي لعلّي‏ (٢)


دنوت منها فكانت # نار المكلّم قبلي‏ (٣)


نوديت منها جهارا: # ردّوا ليالي وصلي‏ (٤)


حتى إذا ما تدانى # الميقات في جمع شملي‏ (٥)


صارت جبالي دكا # من هيبة المتجلّي‏ (٦)


و لاح سر خفي # يدريه من كان مثلي


و صرت موسى زماني # مذ صار بعضي علّي‏


فالموت فيه حياتي، # و في حياتي قتلي‏ (٧)


____________

(١) أنست: أبصرت. الحي: الفرع من القبيلة. و يكنى به عن البيت.

م. ص. النار كناية عن حرارة عشقه و الليل كناية عن ظلمة النفوس اهلي كناية عن نفسه و قواها الظاهرة و الباطنة.


(٢) امكثوا: لا تغادروا مكانكم.

م. ص. الهدى كناية عن الأنوار و العلوم الربانية التي تسكن قلب المؤمن فتيسر اعماله و تسدده إلى الصراط المستقيم.


(٣) دنوت: قربت. المكلم: موسى (ع) و هو كليم اللََّه.

م. ص. قبلي كناية عن زمان بني إسرائيل عند ما أرسل لهم اللََّه تعالى نوره بصورة اللََّه في شجرة زيتون‏ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ `إِذْ رَأى‏ََ نََاراً فَقََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نََاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِقَبَسٍ .


(٤) جهارا: علنا. الوصل: ليالي العشق.

م. ص. منها يعني من النار الموقدة في أفئدة المؤمنين. و الليالي كناية عن أيام العبادة و العشق الإلهي.


(٥) تدانى: تقارب. الميقات: الوقت. جمع الشمل: اللقاء بعد الفراق.

م. ص. الميقات كناية عن حلول وقت رفع السدل و الحجب المسدولة على القلوب.


و جمع الشمل كناية عن لقاء المحبوب الحقيقي.


(٦) دكا: مهدومة. م. ص. المتجلي وجه الحق تعالى.

(٧) م. ص. الموت مفارقة الحياة فإن العارف المؤمن إذا فقد نفسه وجدها في يد البارئ كالقلم في يد الكاتب.

١٧٧

أنا الفقير المعنّى # رقوا لحالي و ذلّي‏ (١)


كم من ليلة

[البحر الكامل‏]


أشاهد معنى حسنكم، فيلذّ لي # خضوعي لديكم في الهوى، و تذلّلي‏ (٢)


و أشتاق للمغنى الذي أنتم به، # و لولاكم ما شاقني ذكر منزل‏ (٣)


فللّه، كم من ليلة، قد قطعتها # بلذّة عيش، و الرّقيب بمعزل‏ (٤)


و نقلي مدامي، و الحبيب منادمي، # و أقداح أفراح المحبّة تنجلي‏ (٥)


و نلت مرادي، فوق ما كنت راجيا # فوا طربا، لو تم هذا و دام لي‏ (٦)


____________

(١) المعنى: المريض المنهك.

م. ص. المعنى المنهك من ممارسة الرياضة و العبادة و ذلّي كناية عن ذل الميت بين يدي الحي الباقي و ذلك ذل لا ينفك عن العبد ازلا و أبدا.


(٢) معنى حسنكم: أثره و علاماته. التذلل: الهوان و الضعف.

المعنى الصوفي: الخطاب للاحبة من حيث الظهور الإلهي و الحسن كناية عن الجمال الحقيقي في حضرة الأسماء الحسنى. و قوله لديكم أي في حضرتكم و الحضرة هي حضرة الأكوان و الهوى كناية عن المحبة الإلهية التي توجب الخضوع بين يدي المحبوب الحقيقي.


(٣) المغنى: المنزل. شاقني: هاجني.

م. ص. المغنى كناية عن عالم الأكوان الذي هو من آثار المشيئة الإلهية و المنزل كناية عن الوطن الأصلي و هو علم الحق تعالى.


(٤) م. ص. الليلة كناية عن النشأة الكونية و لذة العيش هي الحياة الربانية و الرقيب كناية عن خاطر الأغيار و النفس المتقلبة. و قوله بمعزل كناية عن عدم استجابته للحياة الفانية و نسيانها.

(٥) المدام: الخمر، منادمي: رفيقي في الشرب. تنجلي: تصفو.

م. ص. المدام كناية عن الغيبة عن الكائنات و الحبيب هو اللََّه تعالى و الأقداح كناية عن النشأة الكونية و العارفين الممتلئين من شراب العلوم الربانية المسكرة للعقول الإنسانية. وَ سَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََاباً طَهُوراً .


(٦) المراد: المطلوب و المقصود. ثمّ: دام.

م. ص. المراد كناية عن الوصال و القرب و المشاهدة لجمال وجه الحق تعالى و قوله لو تم لي يعني الاتحاد الحقيقي بعد الفناء الكلي في الوجود الحق.


١٧٨

لحاني عذولي، ليس يعرف ما الهوى # و أين الشجيّ المستهام من الخلي‏ (١)


فدعني و من أهوى، فقد مات حاسدي # و غاب رقيبي، عند قرب مواصلي‏ (٢)


الصبر الجميل‏

و حياة أشواقي إليك، # و تربة الصّبر الجميل


ما استحسنت عيني سواك، # و لا صبوت إلى خليل!!


____________

(١) لحاني: لا مني. العذول: اللائم. الشجي: الحزين. المستهام مريض الحب.

الخلي: الخالي و هنا الخالي من المحبة.


م. ص. العذول هو اللائم الذي لم يسلك طريق الحق تعالى. و كذلك الخلي أي الذي لم تدخل المحبة الإلهية قلبه.


(٢) دعني: اتركني. مواصلي: اقترابي من الأمر.

م. ص. الحديث عن العذول كما مرّ في البيت السابق و هو الجاهل المنكر على أهل العلوم في طريق الحق تعالى. و الحاسد كناية عن الشيطان و قرب المواصل كناية عن الدنو من وجه الحق و الفناء في الوجود الأزلي.


١٧٩

قافية الميم‏

شمس و هلال‏

[البحر الطويل‏]


شربنا، على ذكر الحبيب، مدامة # سكرنا بها، من قبل أن يخلق الكرم‏ (١)


لها البدر كأس، و هي شمس، يديرها # هلال، و كم يبدو إذا مزجت نجم‏ (٢)


و لو لا شذاها ما اهتديت لحانها، # و لو لا سناها ما تصوّرها الوهم‏ (٣)


و لم يبق منها الدّهر غير حشاشة، # كأنّ خفاها، في صدور النّهى، كتم‏ (٤)


____________

(١) المدامة: الخمرة. الكرم: البستان أو حيث تزرع اشجار العنب أي امهات الخمر.

م. ص. الخمرة كناية عن المعرفة الإلهية و الغيبة عن الكائنات. و شربنا بالجمع كناية عن السالكين في طريق اللََّه تعالى. سكرنا كناية عن اغفال امور الدنيا و الحياة مع الحقيقة العلية.


(٢) م. ص. الشمس كناية عن ظهور نور الحقيقة. و البدر كناية عن الإنسان الممتلئ في الإيمان و هو يبادر الشمس في طلوعه و الكأس كناية عن مظهر التجلي و ادارة الخمرة كناية عن نشر اسماء اللََّه و صفاته الحسنى و النجم كناية عن قوله (صلّى اللََّه عليه و سلّم) «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» .

(٣) الشذا: الرائحة الطيبة. الحان: بيت الخمر. السنا: الضياء.

م. ص. الشذا كناية عن الروح الأعظم و الحان كناية عن حضرات الذات العلية و السنا كناية عن نور العقل الإنساني فإنه ضوء البرق الروحاني.


(٤) الدهر: الزمن الطويل. الحشاشة: بقية الروح. النهى: العقل.

م. ص. الدهر كناية عن الدنيا و زخارفها التي تشغل قلوب الضعفاء.


و المعنى ان خفاء الحقيقة الإلهية عن العقول البشرية يشبه خفاء الاسرار و كتمها في صدور أهل العقل و العلم الإلهي.


١٨٠

فإن ذكرت في الحيّ أصبح أهله # نشاوى، و لا عار عليهم، و لا إثم‏ (١)


و من بين أحشاء الدّنان تصاعدت، # و لم يبق منها، في الحقيقة، إلاّ اسم‏ (٢)


و إن خطرت يوما على خاطر امرئ # أقامت به الأفراح، و ارتحل الهمّ‏ (٣)


و لو نظر النّدمان ختم إنائها، # لأسكرهم من دونها ذلك الختم‏ (٤)


و لو نضحوا منها ثرى قبر ميّت، # لعادت اليه الرّوح، و انتعش الجسم‏ (٥)


و لو طرحوا، في في‏ء حائط كرمها # عليلا، و قد أشقى، لفارقه السّقم‏ (٦)


و لو قرّبوا، من حانها، مقعدا مشى، # و تنطق من ذكرى مذاقتها البكم‏ (٧)


____________

(١) النشاوى: مفردها النشوان و هو السكران.

م. ص. أهل الحي كناية عن المتأهلين لقبول انوار الفيض الرباني و النشاوى كناية عن الغيبة عن الأمور الدنيوية و العيش في ظل العالم الروحاني.


(٢) الدنان: واحدها الدّن. و هو وعاء الخمر.

م. ص. قوله تصاعدت كناية عن خفاء العلوم الإلهية من صدور الرجالية و تقاصر الهمم الروحانية عن نيلها.


(٣) خطرت: مرت سريعا. الخاطر: البال.

م. ص. خطرت كناية عن مرور الحقيقة بالبال و مرّها يكون سريعا. فإن ظهورها و احتجابها على حسب مشيئتها و ارتحال الهم كناية عن نسيان الدنيا لأنها همّ بحد ذاتها.


(٤) الندمان: واحدها النديم: هو رفيق الشرب. الإناء: الوعاء و هنا وعاء الخمر.

م. ص. الندمان كناية عن العارفين السالكين طريق اللََّه تعالى و ختم الإناء كناية عن اثر التجلي الرباني في قلب المؤمن.


(٥) نضحوا: رشوا و بلّوا. الثرى: الأرض و التراب.

م. ص. الحديث عن الندمان و هم العارفين السالكين. و النضح كناية عما يفيض عنهم من العلوم العلية، و انتعش الجسم كناية عن عودة الروح إلى الجسم بعد فراقها له و ذلك بشفاعة الأولياء الصالحين.


(٦) طرحوا: رموا. العليل: المريض. السقم. المرض.

م. ص. الفي‏ء كناية عن عالم الخيال في الأكوان. و حائط كرمها كناية عن عالم الإمكان الظاهر للحس. و العقل فهذا العالم المذكور هو جدار بين الدنيا و الآخرة.


و قوله عليلا كناية عن مرض القلب فإن القلوب تمرض روحانيا كما يمرض الجسم.


(٧) الحان: بيت الخمر. المقعد: الذي لا يستطيع السير. البكم: جمع ابكم و هو الأخرس الذي لا يستطيع النطق.

م. ص. الحان كناية عن مجالس أهل المعرفة. و المقعد كناية عن الإنسان الخامل في طريق المعرفة. و تنطق البكم كناية عن الكلام بالعلوم الإلهية و الحقائق الربانية.


١٨١

و لو عبقت في الشرق أنفاس طيبها # و في الغرب مزكوم، لعاد له الشّمّ‏ (١)


و لو خضبت من كأسها، كفّ لامس # لما ضلّ في ليل، و في يده النجم‏ (٢)


و لو جليت، سرّا، على أكمه غدا # بصيرا، و من راووقها تسمع الصّم‏ (٣)


و لو أنّ ركبا يمّموا ترب أرضها # و في الرّكب ملسوع، لما ضرّه السّمّ‏ (٤)


و لو رسم الرّاقي حروف اسمها، على # جبين مصاب جنّ، أبرأه الرسم‏ (٥)


و فوق لواء الجيش لو رقم اسمها # لأسكر من تحت اللّوا ذلك الرّقم‏ (٦)


____________

(١) عبقت: فاحت، و انتشرت. الطيب: الرائحة الزكية، المزكوم: اسم مفعول من زكم و هو المصاب بالزكام أي فاقد حاسة الشم.

م. ص. الشرق كناية عن بلاد أولياء بلاد العراق و نشر الطيب كناية عن معاني التجليات الإلهية. و الغرب بلاد المغرب التي خرج منها ابن الفاضل. و الزكام كناية عن الذين لا يشمون المعاني و يتذوقون ما بها لأن حاسة ادراك روائح التحقيق و العرفان مفقودة عنده.


(٢) خضبت: صبغت. ضلّ: تاه.

م. ص. كف اللامس كناية عن يد المريد الصادق و النجم كناية عن المدد الذي حصل له من لمس كف الشيخ المريد فالصحبة المحمدية باقية بين المؤمنين إلى يوم القيامة.


(٣) الأكمه: الأعمى. الراووق: المصفاة. الصم: جمع اصمّ و هو الأطرش.

م. ص. الجلاء كناية عن انكشاف الحقيقة المحمدية. و الأكمه كناية عن العبد الغافل عن معرفة تجليات ربه و الراووق كناية عن عقل الإنسان الذي ينير قلب السالك.


(٤) الركب: راكبو الإبل و هم القوم المسافرون. يمموا: قصدوا. الملسوع: الذي لدغته افعى و اللسع هو اللدغ.

م. ص. الركب كناية عن أهل السلوك و العرفان. و ترب أرضها كناية عن الصور الجسمانية التي تنشأ منها الصور الروحانية و الملسوع كناية عن المحب العاشق. و السم كناية عن شرور الدنيا.


(٥) رسم: كتب و صور الراقي: كاتب الرقي و التعاويذ. أبرأه: شفاه. الرسم: حروف الكتابة.

م. ص. الراقي كناية عن الإنسان المرشد العاقل. و الحروف كناية عن الصور و التجليات الربانية. و مصاب الجن كناية عن الإنسان الغافل الذي يتأثر بالوساوس و الأوهام.


(٦) اللواء: الفرق الكبيرة من الجيش. و اللواء: الراية و هو المعنى المقصود.

م. ص. الجيش: كناية عن حاملي لواء العلم و المعرفة السائرين بأمر اللََّه تعالى.


و أشار باللواء إلى غطاء العلم الذي يسير تحته أهل العرفان و الذين هم تحت اللوى كناية عن السالكين الذين يضعون أنفسهم بتصرف شيخهم.


١٨٢

تهذّب أخلاق النّدامى، فيهتدي # بها لطريق العزم، من لا له عزم‏ (١)


و يكرم من لم يعرف الجود كفّه # و يحلم، عند الغيظ، من لا له حلم‏ (٢)


و لو نال فدم القوم لثم فدامها، # لأكسبه معنى شمائلها اللّثم‏ (٣)


يقولون لي: «صفها، فأنت بوصفها # خبير» ، أجل!عندي بأوصافها علم‏ (٤)


صفاء و لا ماء، و لطف و لا هوا، # و نور و لا نار، و روح و لا جسم‏ (٥)


تقدّم كلّ الكائنات حديثها، # قديما، و لا شكل هناك، و لا رسم‏ (٦)


و قامت بها الأشياء ثمّ، لحكمة، # بها احتجبت عن كلّ من لا له فهم‏ (٧)


____________

(١) الندامى: جمع النديم و هو رفيق الشراب. العزم: الفتوة و القوة. لا له: لا حرف نفي بمعنى ليس و المعنى ليس له.

م. ص. أشار بالندامى إلى المريدين السالكين طريق اللََّه تعالى و العزم كناية عن السير في طريق الخير.


(٢) الجود: الكرم. الكف: باطن اليد. الحلم: العقل. الغيظ: الغضب.

م. ص. الكرم و الجود من صفات أهل التقوى. و كذلك الحلم و الأخلاق الحميدة فهي فيض من العلوم الربانية يعطيها الرحمن لسالكي دربه.


(٣) الفدم: البليد الثقيل. اللثم: التقيل. الفدام: غطاء إبريق الشراب. الشمائل:

مفردها الشميلة و هي المزية.


م. ص. الفدم كناية عن الجاهل الغافل و الفدام كناية عن الحجاب الذي تحتجب به العقول البشرية عن معرفة الأمر الحق و الشمائل كناية عن المعاني الاخلاقية و الصفات الرحمانية.


(٤) م. ص. الكلام على المحجوبين عن المعرفة الإلهية و العلم بأوصاف المعرفة دليل على تمرسه بالإيمان و التقوى.

(٥) م. ص. في البيت وصف للمدامة المكنى عنها بالمعرفة و تعطيل لعناصرها الأربعة الصفاء و اللطف و النور و النفس.

(٦) م. ص. ان الأشكال و الرسوم هي صور الكائنات و إنما المعرفة موجودة بأمر الخالق و هي بمنزلة الظل من الشاخص.

(٧) ثم: هناك. من لا له: من ليس له.

م. ص. من ليس له فهم كناية عن الغافلين المحجوبين عن شهود المعرفة و اكثر من ذلك فإنهم ينكرون على المريدين معرفتهم و يرمونهم بالعظائم.


١٨٣

و هامت بها روحي، بحيث تمازجا، # اتّحادا، و لا جرم تخلّله جرم‏ (١)


فخمر و لا كرم، و آدم لي أب # و كرم و لا خمر، و لي أمّها أمّ‏ (٢)


و لطف الأواني، في الحقيقة، تابع # للطف المعاني، و المعاني بها تنمو (٣)


و قد وقع التفريق، و الكلّ واحد، # فأرواحنا خمر، و أشباحنا كرم‏ (٤)


و لا قبلها قبل، و لا بعد بعدها، # و قبليّة الأبعاد، فهي لها حتم‏ (٥)


و عصر المدى من قبله كان عصرها، # و عهد أبينا بعدها، و لها اليتم‏ (٦)


محاسن، تهدي المادحين لوصفها # فيحسن فيها منهم النّثر و النّظم‏ (٧)


____________

(١) هامت: من الهيام بمعنى الحب. تمازجا: اختلط الواحد بالآخر. الجرم: بكسر الجيم: الجسد.

م. ص. الهيام كناية عن حالة الوجد و العشق. و تمازجا كناية عن ان وجود المخلوقات هو من وجود الحق تعالى.


(٢) م. ص. الكرم كناية عن عالم المخلوقات الفانية. و المعنى ان كل شي‏ء يتغير و يفنى إلا وجهه الكريم.

(٣) الاواني: واحدها الإناء و هو الوعاء. تنمو: تكبر و تنضج.

م. ص. الاواني كناية عن عالم الإمكان و الحقيقة كناية عن حقيقة الأمر الإلهي و لطف المعاني هو ما تدل صور الكائنات على قوة الحضرة الإلهية.


(٤) م. ص. الأشباح كناية عن صور الكائنات الفانية و الكرم كناية عن العصير الروحاني الذي يسكر العقول بما يفيض عليها من الحقائق و العلوم.

(٥) م. ص. الكلام عن المعرفة الإلهية المنزهة عن الدخول في قيود الزمان و المكان.

فهي موجودة قبل و بعد كل شي‏ء.


(٦) عصر المدى: طول الأيام. أو الدهر.

م. ص. ان المعرفة ازلية و هي فريدة من نوعها و لا يمكن لأي امر آخر ان يشابهها أو يقترن بها.


(٧) المحاسن: الصفات الحميدة. النظم: الشعر.

م. ص. المحاسن كناية عن اوصاف المعرفة و المادحون أهل العلم و العرفان و النثر و النظم كناية عن كلام العارفين و مدحهم لهذه المعرفة.


١٨٤

و يطرب من لم يدرها، عند ذكرها # كمشتاق نعم، كلّما ذكرت نعم‏ (١)


و قالوا: شربت الإثم!كلاّ، و إنّما # شربت التي، في تركها عندي الإثم‏ (٢)


هنيئا لأهل الدّير!كم سكروا بها، # و ما شربوا منها، و لكنّهم همّوا (٣)


و عندي منها نشوة، قبل نشأتي، # معي أبدا تبقى، و إن بلي العظم‏ (٤)


عليك بها صرفا، و إن شئت مزجها # فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظّلم‏ (٥)


فدونكها في الحان، و استجلها به، # على نغم الألحان، فهي بها غنم‏ (٦)


فما سكنت و الهمّ، يوما بموضع، # كذلك لم يسكن، مع النّغم، الغم‏ (٧)


و في سكرة، منها، و لو عمر ساعة، # ترى الدّهر عبدا طائعا، و لك الحكم‏ (٨)


____________

(١) لم يدرها: لم يعرفها. نعم: اسم الحبيبة.

م. ص. من لم يدرها هو الغافل المحجوب عن رؤية الحق و الجمال و المعرفة الإلهية و نعم كناية عن الحضرة الإلهية.


(٢) الإثم: من اسماء الخمر و هي صفة للخمرة المعصورة من العنب الأحمر.

م. ص. الكلام عن اللائمين و شرب الخمر عنده الغفلة عن عالم المخلوقات و الحياة مع الروح و امر اللََّه.


(٣) هموا: بادروا إلى القيام بالعمل. الدير: مسكن الرهبان.

م. ص. أهل الدير كناية عن الرهبان الوارثين للمقام العيسوي ما شربوا منها كناية عن عدم وصولهم إلى معرفة النور المحمدي.


(٤) النشوة: السكر. النشأة: الولادة. بلي: فني.

المعنى: أن نشوة المعرفة الإلهية تدوم معه حتى و ان بلي الجسد فهي تدوم و لو كان الجسد معدوما.


(٥) عليك: اسم فعل بمعنى تمسك. الصرف: الخالص.

م. ص. عليك: خطاب للسالكين طريق المعرفة. و الصرافة في الشراب كناية عن فناء كل شي‏ء ما خلا الوجه الحق.


(٦) دونكها: اسم فعل امر بمعنى خذها. الحان: بيت الخمر. استجلها: اطلب جلاها أي صفاءها. الغنم: الربح.

م. ص. الغنم كناية عن كسب رضا اللََّه باكتساب تعاليمه و معارفه العلية.


(٧) سكنت: حلّت و أقامت. الغم: الحزن.

(٨) م. ص. الخطاب للمريد السالك و العبد الطائع هو العارف لأمر ربه المؤتمر بأوامره و المنتهي بنواهيه و الحكم كناية عن تحكم المريد بأمر نفسه و كبح جماحها عن الرغبات الفانية.

١٨٥

فلا عيش في الدّنيا لمن عاش صاحيا، # و من لم يمت سكرا بها، فاته الحزم‏ (١)


على نفسه، فليبك من ضاع عمره # و ليس له فيها نصيب، و لا سهم‏ (٢)


نار ليلى‏

[البحر البسيط]


هل نار ليلى بدت ليلا «بذي سلم» # أم بارق لاح في «الزوراء» ، فالعلم‏ (٣)


أرواح «نعمان» ، هلاّ نسمة سحرا # و ماء «و جرة» ، هلاّ نهلة بفم‏ (٤)


يا سائق الظّعن يطوي البيد معتسفا، # طيّ السّجلّ، بذات الشّيح من إضم‏ (٥)


____________

(١) الصاحي: الواعي الذي لم تؤثر الخمرة به. الحزم: الرأي السديد.

م. ص. ان المعرفة الإلهية عيش الحياة و كسب الوفاة و من عاش خاليا منها فهو جسد بلا روح.


(٢) السهم: النصيب.

م. ص. هذا البيت تأكيد للبيت السابق بأن من لم يعرف المحبة و الحقيقة الرحمانية أضاع عمرا سدى بعيدا عن مسالك الإيمان و العرفان.


و الحمد للََّه رب العالمين‏


(٣) بدت: ظهرت. البارق. السحاب الحامل للبرق. لاح: ظهر. ذو سلم و الزوراء و العلم: مواقع.

المعنى الصوفي: نار ليلى كناية عن ظهور الوجود الحق. و الليل كناية عن ظلمة الأكوان و ذو سلم كناية عن القلب السليم.


(٤) أرواح: جمع ريح. هلا حرف يستعمل للتحضيض أو الطلب بشدة. السحر: اوائل الصباح. النهلة: المرة الواحدة من الشرب. نعمان و وجرة موضعان.

م. ص. أرواح نعمان كناية عن اقطاب المنازل و النسمة كناية عن الروح الآمري و السحر كناية عن بداية احوال السالكين و وجرة كناية عن ماء العلم الإلهي و النهلة هي العلوم الربانية التي تنعش نفس المريد.


(٥) الظعن: الإبل المهيأة للرحيل و السفر. يطوي: يقطع البيد: جمع البيداء و هي الفلاة الواسعة المعتسف: التائه. ذات الشيح و إضم: موضعان.

م. ص. سائق الظعن كناية عن الروح الأعظم و البيد كناية عن المظاهر الكونية. و طي السجل كناية عن فناء النفوس البشرية و ذات الشيح كناية عن الخلق تأكيدا للآية الكريمة وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً `ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهََا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرََاجاً .


١٨٦

عج بالحمى، يا رعاك اللََّه، معتمدا # خميلة الضّال، ذات الرّند و الخزم‏ (١)


وقف «بسلع» و سل «بالجزع» : هل مطرت # «بالرّقمتين» ، أثيلات بمنسجم‏ (٢)


ناشدتك اللََّه إن جزت «العقيق» ضحى، # فاقر السّلام عليهم، غير محتشم‏ (٣)


و قل تركت صريعا في دياركم، # حيّا كميت، يعير السّقم للسّقم‏ (٤)


فمن فؤادي لهيب ناب عن قبس # و من جفوني دمع فاض كالدّيم‏ (٥)


و هذه سنّة العشّاق، ما علقوا # بشادن، فخلا عضو من الألم‏ (٦)


____________

(١) عج: فعل امر من عاج بمعنى مال. الخميلة: الشجر الكثير. الضال: نوع من الشجر. الرند و الخزم: زهر طيب الرائحة.

م. ص. الحمى كناية عن الصورة الرحمانية و تجلياتها و خميلة الضال كناية عن الدنيا و مخلوقاتها و الرند كناية عن الأعمال الصالحة.


(٢) سلع: جبل في المدينة. الجزع: منعطف الوادي. الرقمتان: موضع. الأثيلات:

شجر.


م. ص. الجزع كناية عن اللوح المحفوظ و فيه احوال العوالم و الأمطار كناية عن العلوم المحمدية. و الرقمتان كناية عن حضرة العلم الإلهي. و حضرة الإرادة الربانية.


و المنسجم كناية عن المطر الذي يجانس الدمع و دمعة المؤمن رحمة.


(٣) نشدتك: سألتك. جزت: قطعت و تخطيت. العقيق: واد بالمدينة المنورة. الضحى:

أوائل الصباح. غير محتشم: غير خجل.


م. ص. العقيق كناية عن ورثة النور المحمدي و الجواز كناية عن القيام بأعمالهم و الضحى كناية عن اشراق شمس المعرفة. و الاحتشام كناية عن جمال النفس.


(٤) الصريع: القتيل. السقم: المرض.

م. ص. الصريع كناية عن نفسه المقتولة بسيوف المجاهدة في طريق العرفان و الديار كناية عن الحضرات الربانية العلية.


(٥) الفؤاد: القلب. اللهيب اشتعال النار الصافي من الدخان. القبس: الشعلة من النور.

الديم: جمع الديمة و هي السحابة الماطرة.


م. ص. اللهيب لهيب التجلي الإلهي و الدمع كناية عن الرحمة لأن دمعة المؤمن رحمة. و الديم كناية عن العلم الرباني و الأمداد الرحماني.


(٦) سنة العشاق: طريقتهم. الشادن: ولد الغزال.

م. ص. ان قبض الدموع يعبر عن التجليات الإلهية و العشاق هم السالكون و المريدون أصحاب النظر إلى الجمال الحقيقي و الألم هو ألم المجاهدة الذي يلقاه المريد في طريق اللََّه تعالى و الشادي عبارة عن الإنسان الذي لا يهدأ في سبيل الوصول إلى ما يريد.


١٨٧

يا لائما لامني في حبّهم، سفها، # كفّ الملام، فلو أحببت لم تلم‏ (١)


و حرمة الوصل و الودّ العتيق، و بالعهد # الوثيق، و ما قد كان في القدم‏ (٢)


ما حلت عنهم بسلوان، و لا بدل # ليس التبدّل و السّلوان من شيمي‏ (٣)


ردّوا الرّقاد لجفني، علّ طيفكم # بمضجعي زائر في غفلة الحلم‏ (٤)


آها لايّامنا بالخيف، لو بقيت، # عشرا، و واها عليها كيف لم تدم‏ (٥)


هيهات، وا أسفي، لو كان ينفعني # أو كان يجدي على ما فات، وا ندمي‏ (٦)


عنّي إليكم، ظباء المنحنى، كرما # عهدت طرفي لم ينظر لغيرهم‏ (٧)


طوعا لقاض أتى في حكمه عجبا # أفتى بسفك دمي في الحلّ و الحرم‏ (٨)


____________

(١) السنه: الجهل. كف: أوقف.

م. ص. اللائم كناية عن الجاهل الغافل و الحب هو حب المظاهر الإلهية المتجلي في صور الكون.


(٢) الوصل لقاء المحب بالحبيب و الود العتيق كناية عن المحبة الاصيلة. و العهد الوثيق هو عهد اللََّه تعالى.

(٣) حلت: ابتعدت. السلوان: النسيان. الشيم: جمع الشيمة و هي الصفة و العادة.

الشيمة: الخلق.


(٤) الرقاد: النوم. الطيف: الخيال. المضجع: مكان النوم.

م. ص. غفلة الحلم إشارة إلى الحديث الشريف «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» .


(٥) آها: للتوجع و الشكوى. الخيف: جبل بالحجاز خلف جبل أبي قبيس.

م. ص. الخيف كناية عن الطبائع البشرية و الليالي العشر الأيام الثلاثة في وادي منى و الليالي السبع في تأدية مناسك الفريضة و الحج.


(٦) المعنى: ان الأسف و الندم لا ينفعان و لا يردان للإنسان ما كان عليه.

(٧) م. ص. ظباء المنحنى: كناية عن حضرات الصفات و الأسماء. و هذه الحضرات لا يميل طرفه إلاّ إليها.

(٨) الطوع: الانقياد.

م. ص. الحل كناية عما خرج من حرم مكة و الحرم حرم مكة أي حرم اللََّه و رسوله فمن دخله كان آمنا.


١٨٨

أصمّ لم يسمع الشكوى، و أبكم لم # يحر جوابا، و عن حال المشوق عمي‏ (١)


أصلّي فأشدو بذكرها

[البحر الطويل‏]


أدر ذكر من أهوى، و لو بملام، # فإنّ أحاديث الحبيب مدامي‏ (٢)


ليشهد سمعي من أحبّ، و إن نأى # بطيف ملام، لا بطيف منام‏ (٣)


فلي ذكرها يحلو على كلّ صيغة # و إن مزجوه عذّلي بخصام‏ (٤)


كأنّ عذولي، بالوصال، مبشّري، # و إن كنت لم أطمع بردّ سلام‏


بروحي من أتلفت روحي بحبّها # فحان حمامي، قبل يوم حمامي‏ (٥)


و من أجلها طاب افتضاحي، و لذّ لي اطّرا # حي، و ذلّي، بعد عزّ مقامي‏ (٦)


و فيها حلا لي، بعد نسكي، تهتّكي، # و خلع عذاري، و ارتكاب أثامي‏ (٧)


____________

(١) الأصم: فاقد السمع و الأبكم الذي لا يستطيع النطق. لم يحر جوابا: لم يرد. عمي:

فاقد النظر.


المعنى ان قاضي الهوى جائر في حكمه لا يعبأ بكبير و لا يشفق على صغير.


و الحمد للََّه رب العالمين‏


(٢) أدر: فعل امر اكثر ما يستعمل مع الخمر. مدامي: خمرتي.

م. ص. المدام كناية عن الغيبة الروحية و غفلة المريد عن كل امور الدنيا أثناء توجهه في العبادة.


(٣) نأى: بعد. الطيف: الخيال.

م. ص. ليشهد سمعي كناية عن ان المحبوب لا يدرك بالحواس.


(٤) الصيغة: الهيئة الحسنة. العذل: اللوام.

(٥) اتلفت: أفسدت و أماتت. الحمام: الموت.

م. ص. في البيت إشارة إلى الحديث الشريف «موتوا قبل أن تموتوا» و باعتقاد الصوفية هناك ميتات أربع: الموت الأبيض و هو الجوع و الموت الأخضر و هو لبس الثياب المرقعة و الموت الأسود و هو تحمل أذى الخلق و الموت الأحمر و هو مخالفة النفس في مشيئة اهوائها.


(٦) م. ص. الافتضاح كناية عن ظهور عيبه أمام الغافلين الذي لا يعلمون حقيقة حاله.

(٧) نسكي: عبادتي. التهتك: ارتكاب الأثم.

١٨٩

أصلّي، فأشدو حين أتلو، بذكرها، # و أطرب في المحراب، و هي إمامي‏ (١)


و بالحج، إن أحرمت، لبيّت باسمها # و عنها أرى الإمساك فطر صيامي‏ (٢)


أروح بقلب، بالصبّابة، هائم، # و أغدو بطرف، بالكآبة، هام‏ (٣)


و شأني، بشأني، معرب و بما جرى # جرى، و انتحابي معرب بهيامي‏ (٤)


فقلبي و طرفي: ذا بمعنى جمالها # معنّى، و ذا مغرى بلين قوام‏ (٥)


و نومي مفقود، و صبحي، لك البقا، # و سهدي، موجود، و شوقي نام‏ (٦)


و عقدي و عهدي: لم يحلّ و لم يحل # و وجدي، وجدي، و الغرام غرامي‏ (٧)


يشفّ عن الأسرار جسمي من الضّنى # فيغدو بها، معنى، نحول عظامي‏ (٨)


____________

(١) أشدو: أغني و المقصود ترتيل القرآن. المحراب موقف الإمام تجاه قبلة المصلين.

م. ص. الكلام عن المحبوبة الحقيقية و هي الحضرة الإلهية و الامام كناية عن الشيخ العارف الذي يقتدي به أهل العلم و المعرفة.


(٢) لبيت: عبارة عن التلبية المستحبة التي يطلقها الحجيج أثناء تأدية الفريضة بقولهم «لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك» .

(٣) شأني الأولى: دمعي و شأني الثاني أمري. جرى الأولى: سال جرى الثانية حصل.

انتحابي: شدة بكائي.


المعنى أن دمعي مبين لحالي لأنه يظهر ما جرى لي من خلال البكاء و النحيب.


(٤) أروح: من الرواح و هو السير بعد الظهر. و أغدو: أسير قبل الظهر. الصبابة: مرض العشق. الطّرف: النظر. الكآبة: الحزن. هام: منسكب.

(٥) المعنى: بضم الميم المتعب. المغري: المولع بالشي‏ء.

المعنى أن قلبه تعب دائما لأنه يتصور جمال الحبيب و كذلك نظره لأنه مولع بالجمال.


(٦) عبارة لك البقاء تستعمل في مقام التعزية و المقصود انه فقد نومه لكثرة اشتغاله بأمور الدين.

السهاد: السهر. النامي: المتعاظم.


م. ص. فقدان النوم كناية عن اليقظة الحقيقة و الصبح رؤية نور الصباح الكوني و النور الإلهي.


(٧) عقدي: وثاقي و عهدي لهم. لم يحل: لم ينفك. لم يحل بفتح الياء: لم يتبدل.

م. ص. العهد إشارة إلى الآية الكريمة وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ و هو عهد الربوبية للخالق تعالى.


(٨) يشف: يرق. الضنا: النحول و الضعف.

م. ص. أن جسمي لشدة ضعفه صار رقيقا شفافا تظهر الأسرار الإلهية منه.


١٩٠

طريح جوى حبّ، جريح جوانح، # قريح جفون، بالدّوام دوامي‏ (١)


صريح هوى، جاريت من لطفي الهوا # سحيرا، فأنفاس النّسيم لمامي‏ (٢)


صحيح، عليل، فاطلبوني من الصّبا، # ففيها، كما شاء النّحول، مقامي‏ (٣)


خفيت ضنى، حتى خفيت عن الضّنى # و عن برء أسقامي، و برد أوامي‏ (٤)


و لم أدر من يدري مكاني، سوى الهوى # و كتمان أسراري، و رعي ذمامي‏ (٥)


و لم يبق منّي الحبّ غير كآبة، # و حزن، و تبريح، و فرط سقام‏ (٦)


فأمّا غرامي و اصطباري و سلوتي # فلم يبق لي منهنّ غير أسامي‏ (٧)


____________

(١) الطريح: الذي لا يستطيع الحراك. الجوى: الحزن و هو الباطن. القريح: الجريح.

الدوامي: السائلة الدماء.


(٢) الهوى الصريح: الحب الظاهر. جاريت: سايرت. السحير: تصغير السحر و هو آخر الليل.

م. ص. الهوى كناية عن المحبة الإلهية و أنفاس النسيم كناية عن تنفسات الروح الأعظم.


(٣) العليل: المريض. الصبا: الريح الشرقية أو الشمالية الخفيفة. النحول: الهزال و الضعف.

م. ص. الخطاب للمريدين و الصبا كناية عن الروح الأعظم. و السقام كناية عن الفناء في الوجود الحق.


(٤) البرء: الشفاء. الأسقام: الأمراض و واحدها السقم. أوامي: عطشي.

م. ص. إخفاء الضنى كناية عن الأشواق الداخلية و الأوام: هو عطش المحبة الإلهية فلا يقبل عطشه الزوال لأن حالته هذه نابعة من قناعة و حب داخلي.


(٥) رعي الذمام: الحفاظ على العهد.

م. ص. الهوى كناية عن المحبة الإلهية و الأسرار كناية عن العلوم العلية الخفية عن مدارك العقول.


(٦) الكآبة: الحزن. التبريح: شدة العشق. الفرط: المبالغة أو الزيادة. السقام: المرض.

م. ص. قوله مني يعني نشأته الكونية و الحب كناية عن الحب الحقيقي للحضرات العلية.


(٧) سلوتي: نسياني. الأسامي: الأسماء.

م. ص. الغرام هو العشق الإلهي و الأسماء أو الأسامي كناية عن الأسماء الإلهية.


١٩١

لينج، خليّ من هواي، بنفسه، # سليما، و يا نفس: اذهبي بسلام‏


و قال: اسل عنها، لائمي، و هو مغرم، # بلومي فيها، قلت: فاسل ملامي‏ (١)


بمن أهتدي في الحبّ لو رمت سلوة # و بي يقتدي، في الحبّ، كلّ إمام‏ (٢)


و في كلّ عضو فيّ كلّ صبابة # إليها، و شوق جاذب بزمامي‏ (٣)


تثنّت، فخلنا كلّ عطف تهزّه # قضيب نقا، يعلوه بدر تمام‏ (٤)


ولي كلّ عضو، فيه كلّ حشا بها، # إذا ما رنت، وقع لكلّ سهام‏ (٥)


و لو بسطت جسمي رأت كلّ جوهر، # به كلّ قلب، فيه كلّ غرام‏ (٦)


و في وصلها، عام لديّ كلحظة # و ساعة هجران عليّ كعام‏ (٧)


و لمّا تلاقينا عشاء، و ضمّنا # سواء سبيلي دارها و خيامي‏ (٨)


و ملنا كذا شيئا عن الحيّ، حيث لا # رقيب، و لا واش بزور كلام‏ (٩)


____________

(١) اسل: فعل امر من سلا أي نسي.

المعنى ان اللائم طلب منه أن ينسى الحبيبة فقال له أنا مغرم بها و أنت مغرم في لومي فانس هذا اللوم إذا كنت تستطيع.


(٢) رمت: أردت أو طلبت. السلوة: النسيان.

(٣) الجذب بالزمام: كناية عن التعلق بالمحبوب الحقيقي.

(٤) تثنت: تمايلت. خلنا: ظننا. العطف: تمايل الجسد. النقا: كثيب الرمل.

م. ص. الكلام عن المحبوبة الحقيقية و العطف كناية عن ظهور الأسماء و الصفات.


و الغصن كناية عن النشأة الكونية و بدر التمام كناية عن وجه العارف الكامل.


(٥) الحشا: الباطن. رنت: نظرت بطرف عينها. الوقع: الأثر.

م. ص. رنت بطرف عينها كناية عن ان وجه اللََّه لا تدركه الأبصار و السهام هي سهام العشق في قلوب العاشقين.


(٦) م. ص. بسط الجسم كناية عن الاطلاع على الحقيقة و في البيت تأكيد على أن المحبة انتشرت في كل جزء من جسده و لا يمكن فصلها عنه.

(٧) العام: السنة. و هذا المعنى شائع في لغة المحبين.

(٨) م. ص. العشاء أول ظلام الليل و هو كناية عن الملاقاة الكونية بينه و بين الحضرة الإلهية. فالدار كناية عن الروح الأعظم و الخيام كناية عن الجسد.

(٩) المعنى اننا ابتعدنا عن الحي قليلا حيث لا واش و لا رقيب ينغص حالنا.

م. ص. الحي كناية عن جهة العالم الكوني و الابتعاد عن هذا الحي كناية عن الدخول في عالم الروحانيات.


١٩٢

فرشت لها خدّي، وطاء، على الثّرى # فقالت: لك البشرى بلثم لثامي‏ (١)


فما سمحت نفسي بذلك، غيرة، # على صونها منّي لعزّ مرامي‏ (٢)


و بتنا، كما شاء اقتراحي، على المنى # أرى الملك ملكي، و الزمان غلامي‏ (٣)


ملوك العشق خدّامي‏ (٤)

[البحر البسيط]


نشرت، في موكب العشّاق أعلامي، # و كان قبلي بلي، في الحبّ، أعلامي‏ (٥)


و سرت فيه و لم أبرح بدولته، # حتى وجدت ملوك العشق خدّامي‏ (٦)


____________

(١) الوطاء: مكان دوس القدم. الثرى: التراب و الأرض. اللثم: التقبيل. اللثام: الفم أو غطاء الفم.

م. ص. الوطاء كناية عن الجسد المركب من الطين و الماء و اللثام كناية عن الصور الحسية.


(٢) صونها: حمايتها. المرام: الغاية و الطلب.

م. ص. عز المرام كناية عن الحظوة بالحقيقة الذاتية


(٣) م. ص. أرى الملك ملكي كناية عن توصله إلى درجات العلم و العشق الصوفي و الظهور بالمظهر الرباني بعد فناء النشأة الجسمانية و الزمان غلامي كناية عن امتلاكه للحياة بحيث أصبحت طوع بنانه.

و الحمد لله رب العالمين‏


(٤) في هذه القصيدة ستة أبيات فقط من نظم الشيخ ابن الفارض قدس اللََّه سره سنشير إليها عند الوصول في الشرح إليها. أما بقية الأبيات فهي من نظم حفيده الشيخ علي حيث أضافها قبل الأبيات المنسوبة للشيخ عمر و بعدها.

(٥) اعلامي في آخر الصدر جمع علم و هو الراية. و أعلامي في آخر العجز جمع علم و هو سيد القوم.

و المعنى ان أسيادي في المحبة الإلهية قد ماتوا قبلي و أنا اليوم اقتفي آثارهم.


(٦) لم أبرح: لم أغادر. الدولة: انقلاب الزمان.

المعنى أني لم أزل على عهد الحب الإلهي حتى أصبح أهل الزمان رعايا لي في محبتي للحق و نصرتي على الباطل.


١٩٣

و لم أزل، منذ أخذ العهد في قدمي، # لكعبة الحسن، تجريدي و إجرامي‏ (١)


و قد رماني هواكم في الغرام، إلى # مقام حبّ شريف، شامخ، سام‏ (٢)


جهلت أهلي فيه، أهل نسبته # و هم أعزّ أخلاّئي و ألزامي‏ (٣)


قضيت فيه، إلى حين انقضى أجلي # شهري، و دهري، و ساعاتي، و أعوامي‏ (٤)


ظنّ العذول بأنّ العذل يوقفني # نام العذول، و شوقي زائد نام‏ (٥)


إن عام إنسان عيني في مدامعه، # فقد أمدّ بإحسان و إنعام‏ (٦)


يا سائقا عيس أحبابي عسى مهلا # و سر رويدا فقلبي بين أنعام‏ (٧)


سلكت كلّ مقام في محبّتكم، # و ما تركت مقاما، قطّ، قدّامي‏ (٨)


____________

(١) كعبة الحسن: الجمال الإلهي.

(٢) الشامخ: المرتفع. و كذلك السامي.

م. ص. الكلام عن الأحبة و الغرام حالات الوجد الصوفي و المقام هو مقام الحضرات و الصفات.


(٣) الأخلاء: جمع خليل، و هو الصاحب و المحب.

م. ص. الأخلاء و الإلزام هم الشيوخ العارفون السالكون طريق المعرفة و درب الهدى.


(٤) انقضى أجلي: حان موتي. و الشهر و الدهر و الساعات و الأعوام من أسماء الزمان.

و المعنى أنه أفنى حياته كلها في العبادة و العمل في سبيل اللََّه.


(٥) العذول: اللائم. النامي: الكثير المتعاظم.

و المعنى أنه كلما زاد لوم اللائمين له في هذا الأمر كلما تعاظم حبه و ازداد إصرارا على هذا الأمر.


(٦) عام: سبح. انسان العين: بؤبؤها. أمدّ: أعال.

و المقصود ان البكاء من خشية اللََّه كالبكاء من أجل محبته و معروف أن دمعة المؤمن رحمة.


(٧) العيس: الإبل. رويدا: اسم فعل امر بمعنى تمهل. الانعام: جمع لا مفرد له يطلق على الإبل.

م. ص. سائق العيس كناية عن الحق تعالى و الإبل أو العيس كناية عن النفوس الانسانية.


(٨) م. ص. المقام هو كناية عن الإقامة الروحية في الحضرة الربانية و خلفي و قدامي كناية عن فناء العمر فيما مضى و النية فيما سيأتي في العمل في سبيل اللََّه.

١٩٤

و كنت أحسب أنّي قد وصلت إلى # أعلى، و أغلى مقام، بين أقوامي‏ (١)


حتى بدا لي مقام لم يكن أربي، # و لم يمرّ، بأفكاري و أوهامي‏ (٢)


إن كان منزلتي في الحبّ عندكم، # ما قد رأيت، فقد ضيّعت أيّامي‏ (٣)


«أمنيّة ظفرت روحي بها زمنا، # و اليوم أحسبها أضغاث أحلام» (٤)


«و إن يكن فرط وجدي، في محبّتكم # إثما فقد كثرت، في الحبّ، آثامي» (٥)


«و لو علمت بأنّ الحبّ آخره # هذا الحمام، لما خالفت لوّامي» (٦)


«أودعت قلبي إلى من ليس يحفظه # أبصرت خلفي، و ما طالعت قدّامي»


«لقد رماني بسهم من لواحظه، # أصمى فؤادي، فوا شوقي إلى الرامي» (٧)


____________

(١) الأقوام: العشيرة. و هي كناية عن المشايخ من أصحاب السلوك الرحماني.

(٢) الأرب: الحاجة و القصد و المعنى انه خلال هذه العبادة و الرياضة لم يصل إلى غايته التي يتمناها.

(٣) هذا البيت و الأبيات الخمسة التي تليه مجموع ما نظمه الشيخ ابن الفارض من هذه القصيدة.

المنزلة: الرتبة.


م. ص. الكلام عن المحبة الإلهية و المنزلة هي المقام الدنيوي و ضياع الأيام كناية عن عدم بلوغ المقصود.


(٤) ظفرت: فازت. أحسبها: أظنها. أضغاث الأحلام: الأحلام التي يصعب تفسيرها.

م. ص. المعنى في خلال الأيام الماضية لم أنل غايتي و إن ما تقدم من عمري لم يكن سوى خيالات و أوهام.


(٥) فرط الوجد: كثرته. الآثام: جمع الإثم و هو الذنب. و ارتكاب المعصية.

المعنى: أن ذنوب المحب على قدر محبته فإذا كانت أشواقه كثيرة فلا بد أن يقصر في الوصول و التقصير كناية عن الذنوب التي يتكلم عنها.


(٦) الحمام: بكسر الحاء الموت.

المعنى: لو كنت أعلم أن المحبة ذنب و أن آخرها الموت لما خالفت اللوام في عذلهم لي.


(٧) اللواحظ: العيون. أصمى: قتل.

م. ص. الكلام عن المحبوب الحقيقي و اللواحظ كناية عن وجه الحق الذي لا تدركه الأبصار و تبقى النفوس بشوق إلى رؤية وجهه الكريم.


١٩٥

آها على نظرة منه أسرّ بها، # فإنّ أقصى مرامي رؤية الرّامي‏ (١)


إن أسعد اللََّه روحي، في محبّته، # و جسمها، بين أرواح و أجسام‏ (٢)


و شاهدت و اجتلت وجه الحبيب، فما # أسنى و أسعد أرزاقي و أقسامي‏ (٣)


ها قد أظلّ زمان الوصل، يا أملي، # فامنن، و ثبّت به قلبي و أقدامي‏ (٤)


و قد قدمت و ما قدّمت لي عملا # إلاّ غرامي و أشواقي، و إقدامي‏ (٥)


دار السلام إليها، قد وصلت إذن # من سبل أبواب إيماني و إسلامي‏ (٦)


يا ربّنا، أرني أنظر إليك، بها، # عند القدوم، و عاملني بإكرام!! (٧)


____________

(١) أسر: أفرح. أقصى: أبعد. المرام: الغاية و المقصود.

م. ص. في البيت إشارة إلى الآية الكريمة وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمى‏ََ .


(٢) المحبة هي محبة اللََّه. و الأرواح و الأجسام كناية عن نفوس و أجساد اصحاب السلوك من أهل المعرفة.

(٣) اجتلت: كشفت بنفسها. أسنى: ارفع. الأقسام: الحظوظ.

م. ص. وجه الحبيب كناية عن نور المعرفة أما الأرزاق و الأقسام فهي كناية عن المعارف و الحقائق الربانية التي حصّلها.


(٤) أظل: قرب. امنن: أنعم.

الوصل كناية عن اللقاء و الاجتماع بالحق و المقصود قرب الأجل و دنو المنية.


(٥) الغرام و الأشواق كناية عن الشوق إلى المحبة الإلهية و الإقبال عليها طوعا.

(٦) السبل: جمع السبيل و هو الطريق.

م. ص. دار السلام كناية عن الجنة.


(٧) في البيت محاكاة لقصة كليم اللََّه سيدنا موسى إذ ناجى ربه مع المفارقة أن سيدنا موسى كلمه في الحياة بينما الشيخ ابن الفارض يكلمه في الممات.

و الحمد للََّه رب العالمين.


١٩٦

ساكنو «العلما»

إن جزت بحيّ. ساكنين العلما # من أجلهم حالي كما قد علما (١)


قل: عبدكم ذاب اشتياقا لكم # حتى لو مات من ضنى ما علما


بدون عتاب‏

[البحر المنسرح‏]


العاذل كالعاذر عندي، يا قوم # أهدى لي من أهواه في طيف اللوم


لا أعتبه، ان لم يزر في حلمي # فالسمع يرى ما لا يرى طيف النوم‏


من يسعفني‏

[البحر المنسرح‏]


يا قوم، إلى كم ذا التجني يا قوم # لا نوم لمقلة المعنّى و لا نوم


قد برح بي الوجد فمن يسعفني # ذا وقتك يا دمعي، فاليوم، اليوم‏ (٢)


____________

(١) جزت: مررت. العلم: مكان. الألف للإطلاق.

(٢) م. ص. ان المحبوب الحقيقي حكم بالذنوب على المحب فأصبح الحب لا نوم و لا يقظة. و طال وقته و لم تعد له حيلة إلا البكاء.

١٩٧

قافية النون‏

شاني معرب عن شاني‏

[البحر المنسرح‏]


أصبحت و شاني معرب عن شاني # حيّ الأشواق، ميّت السّلوان‏ (١)


يا من نسخ الوعد بهجر و نأى # فرّح أملي بوعد زور ثان‏ (٢)


____________

(١) شاني الأولى: دمعي. و شاني الثانية: حالي. السلوان: النسيان.

(٢) النسخ: التغيير. نأى: رحل و بعد. الزور: خلاف الحق و هو الباطل.

١٩٨

قافية الهاء

نزيه الحسن‏

[البحر المنسرح‏]


عيني لخيال زائر مشبهه # قرّت فرحا فديت من وجّهه


قد وحّده قلبي و ما شبّهه # طرفي فلذا في حسنه وجّهه‏


سلاها ما سلاها

[بحر الرمل‏]


جلّق جنّة من تاه، و باهى # و رباها منيتي، لو لا وباها (١)


قيل لي: صف بردى كوثرها، # قلت: غال برداها برداها (٢)


وطني مصر، و فيها و طري، # و لعيني مشتهاها مشتهاها (٣)


و لنفسي غيرها، إن سكنت، # يا خليليّ، سلاها ما سلاها؟ (٤)


____________

(١) جلق: اسم لدمشق، أو لغوطتها. و الاسم فارسي الأصل مؤلف من كلمتين. جل:

بمعنى ورد. ولق: بمعنى مليون و معروف عن دمشق كثرة أزهارها. تاه من التيه أو التكبر. و باهى: فاخر. الربى: مفردها الربوة و هي المكان المرتفع. الوباء: المرض.


م. ص. المباهاة تعود لمقام دمشق حيث الابدال منها: قال رسول اللََّه (ص) الأبدال بالشام و هم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل اللََّه مكانه رجلا يسقى بهم الغيث.


(٢) بردى: نهر يمر بالشام. الكوثر: نهر بالجنة. برداها: بثوبها.

م. ص. قوله غال برداها معناه أن الكمال الإلهي متيسر لأهلها اكثر من غيرهم فهم أهل الكمال العرفاني و لكن الإنكار عليهم فيها اكثر من إنكار غيرهم على أهل اللََّه في غيرها.


(٣) و طري: مرادي. المشتهى: مكان في مصر. و مشتهاها الثانية ما تريده نفسها.

(٤) سلاها الأولى فعل أمر من سأل أي وجّها السؤال إليها. سلاها الثانية: أضعفها و أذابها.

المعنى يا خليلي سلا نفسي كيف استطاعت نسيان بلدها فأقامت في بلد سواها. فحب الوطن من الايمان و إليه حنين كل إنسان.


١٩٩

قافية الياء

علّهم أن ينظروا عطفا إليّ‏

[بحر الرمل‏]


سائق الأظعان، يطوي البيد طي، # منعما، عرّج على كثبان طي‏ (١)


و بذات الشّيح عنّي، إن مررت # بحيّ من عريب الجزع حي‏ (٢)


و تلطّف، و أجر ذكري عندهم # علّهم أن ينظروا، عطفا، إلي‏ (٣)


قل تركت الصّبّ فيكم شبحا # ما له، ممّا برأه الشّوق، في‏ (٤)


خافيا عن عائد لاح كما # لاح في برديه، بعد النشر، طي‏ (٥)


____________

(١) الأظعان: جمع الظعينة، و هي المرأة داخل الهودج. البيد: مفردها البيداء و هي الفلاة الواسعة. عرّج: مل. الكثبان مفردها الكثيب و هو التل من الرمل. وطي: اسم قبيلة منها حاتم الطائي المشهور بكرمه.

المعنى الصوفي: السائق هو الرحمن تعالى و الأظعان هم البشر و كثبان طي كناية عن المقامات المحمدية. و فيها أي في طي مقامات استاذه ابن عربي معلم الصوفية.


(٢) ذات الشيح: موضع من ديار بني يربوع. الحي: من بطون العرب. العريب: سكان المدن و هي تصغير لكلمة عرب. الجزع: وسط الوادي و منحناه. حيّ: الق التحية.

(٣) تلطف: ترفق، أجر: اطرح.

م. ص. الخطاب لله تعالى أن يكون شفيعه في الحضرات المحمدية و ذلك بالتلطف بذكر اسمه علّهم ينظرون إليه برحمة.


(٤) الصب: العاشق المدنف المشتاق. برأه الشوق: أضعفه.

م. ص. يقصد أنه فني في حب اللََّه تعالى حتى صار شبحا ليس له ظل أو خيال على الأرض.


(٥) العائد: زائر المريض. لاح: ظهر. البرد: الثوب المخطط. و الطي خلاف النشر.

م. ص. خافيا: كناية عن فنائه في اللََّه كالثوب إذا طوي بعد نشره فهو كالسراب تحسبه ماء فإذا اقتربت منه ابتعد.


٢٠٠

صار وصف الضّرّ ذاتيّا له، # عن عناء، و الكلام الحيّ لي‏ (١)


كهلال الشّكّ، لو لا أنّه # أنّ، عيني، عينه، لم تتأي‏ (٢)


مثل مسلوب حياة مثلا، # صار في حبّكم ملسوب حي‏ (٣)


مسبلا للنأي طرفا جاد، إن # ضنّ نوء الطّرف، إذ يسقط خي‏ (٤)


بين أهليه غريبا نازحا # و على الأوطان لم يعطفه لي‏ (٥)


جامحا، إن سيم صبرا عنكم # و عليكم جانحا لم يتأي‏ (٦)


____________

(١) الضر: العناء و الشدة. العناء: التعب. اللي: الخفي أو الغير واضح المعنى.

م. ص. الضر هو البلاء و هو ما يمتحن به اللََّه عبده، المؤمن كسيدنا أيوب (ع) و في الحديث: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأقرب فالأقرب من ميراث الأنبياء» .


(٢) هلال الشك: هلال مطلع الشهر الهجري الذي تصعب رؤيته. عيني لم تتأي: لم تتعمد عيني عينه.

م. ص. الأنين لإظهار الشكاية من الضر الذي مسّه بسبب التكاليف الشرعية الثقيلة على كاهله.


(٣) الملسوب: الملدوغ أو الملسوع. و الحي: ذكر الأفعى أو الثعبان.

م. ص. مسلوب الحياة هو الميت و السالك هو الميت موتا إراديا، و في ذلك إشارة إلى قول النبي (ص) «موتوا قبل أن تموتوا» .


(٤) مسبلا: ساكبا. النأي: البعد. الطرف: العين. جادت العين: فاض دمعها. ضنّ:

بخل. الطرف: كوكبان. خي: مجدب و هو مصدر الفعل خوى أي امحل.


م. ص. ان عيون المحب فاضت بمياه الحياة على أراضي نفوس الغافلين حيث تجلت كواكب أرواحهم على نفوسهم بالفيض الإلهي.


(٥) النازح: البعيد عن وطنه. اللي مصدر لواه اي أبعده.

م. ص. الغربة عن الأهل كناية عن التحقق بالله تعالى. و حاصل المعنى أنه خرج من عالم أهله و أوطانه و لم يدخل في عالم الغيب لبقاء أثر البشرية عليه.


(٦) الجامع: الممتنع. سيم صبرا: كلف بالصبر. الجانح: المائل. لم يتأي: لم يتوقف.

م. ص. الصبر هو تحمل مشقات المجاهدة و في ذلك خلاف واضح عن عادات النفوس البشرية التي لا تطيق الصبر.


٢٠١

نشر الكاشح ما كان له # طاوي الكشح، قبيل النأي، طي‏ (١)


في هواكم، رمضان، عمره # ينقضي، ما بين إحياء وطي‏ (٢)


صاديا شوقا لصدّا طيفكم، # جدّ ملتاح إلى رؤيا و ري‏ (٣)


حائرا في ما إليه أمره، # حائر، و المرء في المحنة عي‏ (٤)


فكأيّ من أسى أعيا الإسا، # نال لو يعنيه قولي و كأي‏ (٥)


رائيا إنكار ضرّ مسّه، # حذر التّعنيف في تعريف ري‏ (٦)


و الّذي أرويه عن ظاهر ما # باطني يزويه، عن علمي، زي‏ (٧)


____________

(١) الكاشح: المبغض. طاوي الكشح: مضمر البغضاء و العداوة. النأي: البعد. و الطي مصدر طوى أي أخفى.

م. ص. الكاشح: كناية عن شيطان النفوس فهو مضمر العداوة لكل نفس.


(٢) الطي: البقاء على الجوع.

م. ص. أنه صائم كل عمره عن رؤية الأشغال الدنيوية و ذلك لانصرافه للعبادة فهو لم يأكل و لم يشرب بل يطعمه ربه و يسقيه.


(٣) الصادي: العطشان. صدا: صداء مخففة و هي اسم بئر عذب الماء، الطيف: الخيال.

الملتاح: العطشان.


م. ص. العطش سببه الشرب من بحر التوحيد بعد فناء الأغيار و ظهور الحق تعالى فكل من يشرب من هذا البحر يظل ظمآنا للشرب مرة أخرى.


(٤) العي: العاجز عن الكلام.

م. ص. ان المحب المتقدم ذكره لا يعرف نهاية أمره، فهل تكتب له السعادة أو الشقاء و هذا الأمر كان دائما محيرا لعقول أهل العلم و السلوك الرباني.


(٥) كأي: كم. الأسى: الحزن. أعيا: أتعب. الإسا: الاساء مخففة و هي جمع الآسي أي الطبيب.

م. ص. بذكر ما أصاب المحب في طريق العشق الإلهي من الحزن الشديد الذي عجزت عنه الأطباء و لم يجدوا له دواء.


(٦) الضر: الفاقة و العازة. و الضر: المكروه. مسّه: أصابه. التعنيف: اللوم. الري: إطفاء العطش.

م. ص. الضر أو المكروه مصدره الغافلين الجاهلين الذين يلومون أهل السلوك و ينكرون أعمالهم و يرمونهم بالفواحش.


(٧) الذي أرويه: الذي أنقله من الحديث. أزويه: أطويه. و الزي: الطبي.

م. ص. الرواية كناية عن نقل الأحاديث المحمدية الشريفة، و الزي أو الطي كناية عن ترك الفواحش و الأمور التي نهى عنها (ص) .


٢٠٢

يا أهيل الودّ أنّى تنكروني # كهلا، بعد عرفاني فتي‏ (١)


و هوى الغادة، عمري، عادة # يجلب الشّيب إلى الشّاب الأحي‏ (٢)


نصبا أكسبني الشّوق، كما # تكسب الأفعال نصبا لام كي‏ (٣)


و متى أشك جراحا بالحشا، # زيد بالشكوى إليها الجرح كي‏ (٤)


عين حسّادي عليها لي كوت، # لا تعدّاها أليم الكيّ كي‏ (٥)


عجبا، في الحرب، أدعى باسلا، # و لها مستبسلا في الحبّ، كي‏ (٦)


هل سمعتم، أو رأيتم أسدا، # صاده لحظ مهاة، أو ظبي‏ (٧)


____________

(١) أهيل: تصغير أهل. الود: الحب. الكهل: المسن. الفتى: الشاب.

(٢) الغادة: المرأة الناعمة. الأحي: تصغير الأحوى و هو الأسمر.

م. ص. الغادة كناية عن الحضرة المحمدية و الشيب هو انفتاح الأسرار و الكشف عن سواد الأكوان و ظلمة الأعيان.


(٣) النصب بكسر الصاد: التعب. و لام كي: هي من النواصب التي تنصب الفعل المضارع.

م. ص. التعب أو النصب كناية عن المشقات التي يلاقيها المريد في طريق جهاده فحاله منسوب إلى التعب كما ينسب النصب إلى الأفعال المضارعة، إذا سبقتها لام كي الناصبة.


(٤) الحشى: اعضاء الباطن.

م. ص. ان هذه المحبوبة كلما شكوت إليها ما ألاقيه في طريق محبتها زادتني حرقة على ما أنا فيه.


(٥) الكي: الحرق بالنار.

م. ص. الحساد هم الغافلون الجاهلون الذين يتناولونه بألسنتهم لسلوكه طريق المعرفة. و عين الحساد هي عين الشيطان الذي يوسوس دائما للنفس لسلوك طريق الشر.


(٦) الباسل: الشجاع. الكي في آخر البيت تخفيف لكلمة كي‏ء و هو الجبان.

م. ص. الاستبسال كناية عن المجاهدة في طريق العرفان و المكابدة على العبادة الجسمانية. و الجبن كناية عن عدم استطاعته مواجهة المحبوبة الحقيقية.


(٧) المهاة: الغزالة أو البقرة الوحشية. الظبي: الغزال. اللحظ: النظر.

م. ص. كنى بالأسد عن نفسه لشجاعته في طريق المجاهدة الشرعية و الاصطياد هو الوقوع في مجال التجليات و المهاة و الظبي كناية عن المحبوبة الحقيقية.


203

سهم شهم القوم أشوى، و شوى # سهم ألحاظكم أحشاي شي‏ء (1)


وضع الآسي، بصدري، كفّه، # قال: ما لي حيلة في ذا الهوي‏ (2)


أيّ شي‏ء مبرد حرّا شوى # للشّوى، حشو حشائي، أيّ شي‏ء (3)


سقمي من سقم أجفانكم، # و بمعسول الثّنايا لي دوي‏ (4)


أوعدوني أو عدوني و امطلوا، # حكم دين الحبّ دين الحبّ لي‏ (5)


رجع اللاّحي عليكم آئسا # من رشادي، و كذاك العشق غي‏ (6)


أ بعينيه عمى عنكم كما # صمم عن عذله في أذني‏ (7)


____________

(1) الشهم: الذكي المتوقد الذهن. اشوى: أصاب الأطراف من غير مقتل. الشي:

مصدر شوى اي أحرق بالنار.


م. ص. الشهم كناية عن كل عارف سالك لطريق اللََّه و السهم كناية عن نفاذ البصيرة.


و سهم الحقيقة الربانية هو النافذ في تحقيق العرفان.


(2) الآسي: الطبيب. الهوي: المصاب بالهوى اي المغرم.

م. ص. عجز الطبيب مرده إلى انه أسلم كيانه إلى خالقه فهو أولى به من كل طبيب.


(3) الحر: كناية عن حرقة الباطن و البرد هو طلب المعرفة و اليقين تيمنا بقول إبراهيم (ع) «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ» قال ا و لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي» .

(4) السقم: المرض. الثنايا: الأسنان. و معسول الثنايا: الرضاب أو الريق. الدوي:

تصغير دواء.


م. ص. الثنايا الأضراس الأربعة و هي كناية عن حضرة الأسماء الإلهية و التي أصلها أربع: الاسم الحي و العالم و المريد و القادر.


(5) أوعدوني: هددوني. امطلوا: لا تفوا بالوعد. اللي: التشويق و المماطلة.

م. ص. الوعيد و الوعد سيان عند المحب و مطل الوعد و عدم الوفاء مقبول لأنه صادر عن المحبوب الحقيقي و هو صاحب الأمر و النهي فيما يشاء.


(6) اللاحي: اللائم. آيسا: خائبا.

م. ص. اللاحي هو الشيطان الموسوس للنفس بارتكاب الإثم. و العشق هو المحبة للمحبوب الحقيقي. و قوله في كناية عن ان العاشق لا يستطيع ان يترك حبه بسهولة.


(7) العمى عمى البصيرة و البصر قال تعالى: وَ تَرََاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لاََ يُبْصِرُونَ .

204

أو لم ينه النّهى عن عذله # زاويا وجه قبول النّصح زي‏ (1)


ظلّ يهدي لي هدى، في زعمه، # ضل، كم يهذي، و لا أصغي لغي‏ (2)


و لما يعذل، عن لمياء، طوع هوى # في العذل، أعصى من «عصي» (3)


لومه صبّا، لدى الحجر، صبا # بكم، دلّ على حجر صبي‏ (4)


عاذلي عن صبوة عذريّة، # هي بي لا فتئت، هيّ بن بي‏ (5)


ذابت الرّوح اشتياقا، فهي، بعد # نفاذ الدّمع، أجرى عبرتي‏ (6)


فهبوا عينيّ، ما أجدى البكا # عين ماء، فهي إحدى منيتي‏ (7)


____________

(1) النهى: العقل. العذل: اللوم. زاويا وجهه: قابضا له. و الزي: مصدر زوي أي قبض.

م. ص. ان المريد يعرض بوجهه عن قبول لوم العاذل لأن القلب له وجهة واحدة هي وجهة الحق تعالى و بالتالي فهو يعرض عن قبول الباطل و الوساوس الشيطانية.


(2) زعمه: قوله الشائع. أصغي: اسمع-الغي: كلام الباطل.

(3) اللمياء: الشفة السمراء. العذل: اللوم. عصي: قبيلة.

م. ص. أتعجب من لوم اللائم في حبي للمحبوبة اللمياء و هي الحضرة الإلهية و هو بلومه هذا يعصي امر الخالق و يكون من أكبر العصاة.


(4) الحجر: البيت الحرام. صبا: جهل جهل الفتوة.

م. ص. ان لوم اللائم للعاشق الذي لزم البيت الحرام دليل على ان عقله عقل صبي. و الصبي إشارة إلى الغافل الذي يتكلم على العارفين بأمور اللََّه.


(5) الصبوة: الجهلة و العاذل: اللائم. و عذرية: نسبة إلى قبيلة عذرة التي اشتهر ابناؤها بالحب. ابن بي: عبارة تطلق على مجهول الأب.

م. ص. ابن بي كناية عن مقطوع النسب و كل من انكر على أهل العلم و العرفان عملهم هو ابن بي لأنه لا يقدر العلم حق تقديره.


(6) نفاد الدمع: فراغه و عدم وجوده. عبرتيّ: مثنى عبرة و هي الدمعة.

م. ص. ذابت الروح كناية عن فنائها في امر اللََّه تعالى لأنها من امره‏ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي .


(7) أجدى: أنفع. منيتي: مثنى منية و هي المطلوب و الغاية.

م. ص. العين الظاهرة في عالم الحس الباطنة في عالم المعاني و هذا الأخير هو عالم الملكوت. و عين الماء سر الحياة وَ جَعَلْنََا مِنَ اَلْمََاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ .


205

أو حشا سال، و ما أختاره، # إن تروا ذاك بها منّا علي‏ (1)


بل أسيئوا في الهوى، أو أحسنوا، # كلّ شي‏ء حسن منكم لدي‏ (2)


روّح القلب بذكر المنحنى، # و أعده عند سمعي، يا أخي‏ (3)


و اشد باسم اللاء خيّمن كدا، # عن «كدا» و أعن بما أحويه حي‏ (4)


نعم ما زمزم شاد محسن # بحسان، تخذوا زمزم جي‏ (5)


و جناب، زويت من كلّ فج # ، له قصدا، رجال النّجب زي‏ (6)


و ادّراعي حلّل النّقع، ولي # علماه، عوض عن علمي‏ (7)


____________

(1) الحشا: الباطن من الجسم. سال: ناس. منا علي: كرما علي.

م. ص. الحشا كناية عن القلب المشغول باللّه و السلو كناية عن غيبة الحق عنه و المن كناية عن تنعمه بالصور المحمدية المقدسة.


(2) م. ص. كل ما يصدر عن المحبوبة الحقيقية مقبول لديه لأنه عبد و العبد محكوم بإرادة ربه.

(3) روح: أعط الراحة. المنحنى: مكان انحناء الوادي.

م. ص. اجعل في القلب الراحة من تعب الغفلة و الق فيه النشاط و المنحنى كناية عن الحضرة الربانية.


(4) خيمن: نصبن الخيام. كدا: جبل بمكة. أعن: اهتم.

م. ص. كدا كناية عن الحضرة الربانية. و خيمن كناية عن القاطنين تحت استار الكعبة.


(5) زمزم: أرسل صوتا عن بعد له دوي. و زمزم: بئر معروف عند الكعبة المشرفة.

جي: واد يجتمع فيه الماء.


م. ص. الشادي كناية عن المؤمن الداعي إلى اللََّه تعالى و الزمزمة سماع صوته لدى العارفين. و الحسان كناية عن اسماء اللََّه تعالى الحسنى. و بئر زمزم كناية عن القلب المحمدي و ماؤه ماء العلوم الربانية.


(6) الجناب: جمع جنب و هو الناحية. زويت: جمعت. الفسح: الطريق الواسع بين جبلين. النجب: جمع نجيب و هو الكريم. الزي: الجمع.

م. ص. الجناب كناية عن الحضرات الإلهية. و الفج كناية عن عالمي الظاهر و الباطن. و النجب كناية عن الرجال الصالحين.


(7) الادراع: لبس الدرع. الحلل: جمع الحلة و هي الرداء. النقع: الغبار و العلمان:

جبلان.


م. ص. الادراع كناية عن لبس الحلل و التحلي بالصور الروحانية. و النقع كناية عن العالم الجسماني و العلمين كناية عن جلال اللََّه و جماله أو عن أسمائه و أفعاله.


206

و اجتماع الشمل في جمع، و ما # مرّ، في مرّ، بأفياء الأشي‏ (1)


لمنى عندي المنى بلّغتها، # و أهيلوه، و إن ضنّوا، بفي‏ (2)


منذ أوضحت قرى الشام، و # باينت، بانات ضواحي حلّتي‏ (3)


لم يرقني منزل بعد النّقا، # لا و لا مستحسن من بعد مي‏ (4)


آه، وا شوقي لضاحي وجهها، # و ظما قلبي لذيّاك اللّمي‏ (5)


فبكلّ منه و الألحاظ لي، # سكرة، و اطربا من سكرتي‏ (6)


____________

(1) جمع: اسم للمزدلفة. و مرّ اسم مكان قريب من مكة.

م. ص. اجتماع الشمل كناية عن اللقاء بالحقيقة المحمدية. و جمع كناية عن المزدلفة و هي المقام الروحاني و الأفياء آثار المرادات الإلهية فهي بمنزلة الظلال البادية من الحضرات الإلهية.


(2) منى: واد معروف بمكة. المنى: جمع المنية بضم الميم و هي المطلوب أهيلوه:

تصغير أهله. ضنوا: بخلوا.


م. ص. منى كناية عن عالم الملكوت السماوي و المنى كناية عن الاشتياق إلى الوصول للنور المحمدي و الفي‏ء هو شهود العالم الرحماني.


(3) أوضحت: تبينت. باينت: فارقت. البانات: جمع بانة و هي شجرة معروفة.

حلتي: مثنى حلة. و هي محل الإقامة.


م. ص. قرى الشام كناية عن عالم الغفلة لأنها على يسار الكعبة. و الحلتين في نهاية البيت كناية عن حلة الجلال و حلة الجمال.


(4) لم يرق: لم يصف. النقا: مجتمع الرمل. و هو هنا مكان بعينه. مي: اسم انثى.

م. ص. النقا: كناية عن المقام المحمدي. و هي كناية عن الحضرة الإلهية المحتجبة بصور الأكوان العدمية.


(5) آه: اسم فعل مضارع بمعنى أتوجع. ضاحي وجهها: وجهها المشرق. الظمأ:

العطش. اللمي: اسمر الشفاه.


م. ص. ظمأ القلب كناية عن الشوق إلى المعرفة الحقيقية و اللمي كناية عن الكلام الإلهي.


(6) الألحاظ: العيون.

المعنى ان يسكر مرتين مرة باللمى و هي كناية عن الكلام الإلهي و مرة بالالحاظ و هي كناية عن الحقائق الإلهية التي تظهر في صور عوالم الإمكان.


207

و أرى، من ريحه، الرّاح انتشت، # و له، من وله، يعنو الأري‏ (1)


ذو الفقار اللّحظ منها، أبدا، # و الحشا منّي عمرو و حيي‏ (2)


أنحلت جسمي نحولا، خصرها، # منه حال، فهو أبهى حلّتي‏ (3)


إن تثنّت، فقضيب، في نقا، # مثمر بدر دجى فرع ظمي‏ (4)


و إذا ولّت تولّت مهجتي، # أو تجلّت صارت الألباب في‏ (5)


و أبى يتلو إلاّ يوسفا، # حسنها، كالذّكر، يتلى عن أبي‏ (6)


خرّت الأقمار طوعا، يقظة، # إن تراءت، لا كرؤيا في كري‏ (7)


____________

(1) الريح: الرائحة. الراح: الخمرة. انتشت: دبّت فيها النشوة. الأري: العسل.

م. ص. النشوة كناية عن غيبوبة المريد عن عالم الأكوان.


(2) ذو الفقار: اسم لسيف الامام علي بن ابي طالب (ع) . اللحظ: العين. عمرو: عمرو ابن ود العامري قتله الإمام علي يوم الخندق. حيي: حيي بن اخطب والد صفية زوجة النبي (صلّى اللََّه عليه و سلّم) .

(3) أنحلت: أضعفت.

م. ص. الكلام عن المحبوبة الحقيقية و الخصر كناية عن نفس السالك التي هي وسط عالمه الإنساني كما الخصر واسطة الجسد.


(4) تثنت: تمايلت. النقا: المكان المحدودب من الرمل. الدجى: الظلمة. الفرع:

الشعر. الظمى: الذابل الشفاه.


م. ص. النقا: كناية عن المقام المحمدي الدائم الترقي. و البدر كناية عن قلب الإنسان الممتلئ بفيض المعرفة كما يمتلئ البدر نورا من الشمس. و الدجى كناية عن ظلمة الأكوان.


(5) ولت و تولت: أدبرت. مهجتي: روحي. تجلت: ظهرت الألباب: العقول. في:

في‏ء مخففة و هو الماء الذي ينال من غير قتال و هو ما يسمى بالغنيمة.


م. ص. الفي‏ء كناية عن رسوم الأمر الإلهي و ظهور الروح بلا واسطة.


(6) أبى: رفض. يوسف: ابن يعقوب المشهود بحسنه و الذكر القرآن الكريم: ابي: ابن كعب صحابي جليل كان عمر رضي اللََّه عنه يقول: أبي سيد المسلمين.

(7) خرّت: سقطت من العليا. اليقظة: ساعات الصحو. الكرى: النوم.

م. ص. الأقمار كناية عن العارفين باللّه تعالى حيث ينكشف لهم الوجود الحقيقي و تضمحل الرسوم الفانية عند انكشاف حقيقة الشأن الإلهي.


208

لم تكد، أمنا، تكد من حكم: لا # تقصص الرّؤيا، عليهم يا بني‏ (1)


شفعت حجّي، فكانت، إذ بدت، # بالمصلّى، حجّتي في حجّتي‏ (2)


فلها الآن أصلّي، قبلت، # ذاك منّي، و هي أرضى قبلتي‏ (3)


كحلت عيني عمى، إن غيرها، # نظرته ايه عنّي ذا الرّشي‏ (4)


جنّة عندي، رباها، أمحلت # أم حلت، عجّلتها من جنّتي‏ (5)


كعروس جليت في حبر، # صنع «صنعاء» و ديباج «خوي» (6)


دار خلد، لم يدر في خلدي # أنّه من ينأ عنها يلق غي‏ (7)


أيّ من وافى، حزينا، حزنها، # سرّ، لو روّح سرّي سرّ أيّ‏ (8)


____________

(1) في البيت إشارة إلى الآية الكريمة من قصة يوسف‏ يََا بُنَيَّ لاََ تَقْصُصْ رُؤْيََاكَ عَلى‏ََ إِخْوَتِكَ .

(2) شفعت: من الشفع خلاف الوتر. الشفع العدد المزدوج و الوتر العدد المفرد. الحجة:

البرهان.


م. ص. الكلام عن المحبوبة الحقيقية و الحجتان: الحج إلى بيت اللََّه و هو الحج الظاهر و الحج الباطن إلى قلبه التي تنجلي فيه انوار المعرفة.


(3) م. ص. المعنى انه يصلي لهذه المحبوبة التي قبلت صلاته فصلاة الظاهر نحو الكعبة و صلاة الباطن قبلتها وجه المحبوبة.

(4) الرشا: الغزال.

م. ص. الرشا كناية عن الفتاة المتجلية بوجه الحق.


(5) الربى: جمع الربوة و هي المكان المرتفع من الأرض. أمحلت: أجدبت. حلت: من الحلاوة أي الجمال.

م. ص. الربى كناية عن المقامات الإلهية و في البيت إشارة إلى الآية وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ .


(6) جليت: زينت. الحبرة: ثوب مصنوع باليمن. الديباج: الثوب من الحرير الخالص الموشى بالذهب. صنعاء بلاد اليمن. خوي: مكان بأذربيجان.

(7) دار الخلد: دار البقاء. الخلد: البال. ينأى: يبتعد و يفارق. الغي: الخيبة و الضلال.

م. ص. دار الخلد كناية عن الحياة التي يحياها العارفون بعيدا عن الغواية و الضلال.


(8) الحزن بفتح الزاي ما غلظ من الأرض.

المعنى: كل من اقتحم الأمور الصعاب سهلت عليه لعظيم سرها فهي المحبوبة الحقيقية التي تدخل السرور على مريديها.


209

بئس حالا، بدّلت من أنسها # وحشة، أو من صلاح العيش غي‏ (1)


حيث لا يرتجع الفائت، وا # حسرتا، أسقط، حزنا، في يدي‏ (2)


لا تملني عن حمى مرتبعي، # عدوتي تيما لربع بتمي‏ (3)


فلباناتي لبانات، # تراضعنا فيها لبان الحبّ سي‏ (4)


مللي من «ملل» ، و الخيف حيف # تقاضيه، و أنّى ذاك وي‏ (5)


بالدّنى، لا تطمعن في مصرفي # عنهما، فضلا، بما في مصرفي‏


لو ترى اين خميلات «قبا» # و تراءين جميلات القبي‏ (6)


كنت، لا كنت بهم، صبّا يرى # مرّ ما لاقيته فيهم، حلي‏


فأرح من لذع عذل مسمعي # و عن القلب لتلك الرّاء زي‏ (7)


____________

(1) المعنى الصوفي: المعنى انه حاله بدلت بؤسا و وحشة بسبب الغفلة عنها و تناسيها.

(2) م. ص. الفائت كناية عما وقع منه في الزلة و الغفلة و الذهول عن ملاحظة وجه الحق في سلوكه.

(3) الحمى: مكان الرعي الممنوع على الغير مرتبعي: محل اقامتي في الربيع. عدوتي:

جانبي. تمي: اسم لمصر أو مكان ملحق بها.


م. ص. عدوتا تيم كناية عن جنبيه الشمال و اليمين ففي اليمين النشأة النفسانية و في الشمال النشأة القلبية.


(4) اللبانات: جمع لبانة و هي الحاجة. البانات: جمع بانة و هي شجرة معروفة. لبان: جمع لبن. سي: سواء أو شبيه.

م. ص. البانات كناية عن المشايخ العارفين و أمثاله من السالكين الصادقين و فيهم الآية: وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً .


(5) الملل: السأم. ملل: اسم جبل. وي: كلمة للتعجب.

م. ص. عنهما كناية عن عالم الجسم و عالم الروح.


(6) الخميلات جمع خميلة و هي الأرض الكثيرة النبات و الشجر. قبا: موضع قرب المدينة تراءين: ظهرن. القبي: الثوب.

م. ص. خميلات قبا و جميلات القبي كناية عن منازل الحقيقة المحمدية و ورثتها من حملة النور المحمدي.


(7) المعنى اجعل الراء في فعل أرح زايا فيصبح الفعل أزح فيصبح المعنى أرح أيها العاذل سمعي من احتراقه بنار العذل و الملام و ازحه عن قلبي.

210

خلّ خلّي عنك ألقابا، بها # جي‏ء مينا، و انج من بدعة جي‏ (1)


و ادعني، غير دعيّ، عبدها، # نعم ما أسمو به هذا السّمي‏ (2)


إن تكن عبدا لها، حقّا، تعد # خير حرّ، لم يشب دعواه لي‏ (3)


قوت روحي ذكرها، أنّى تحور # عن التّوق لذكري، هيّ هي‏ (4)


لست أنسى، بالثّنايا، قولها: # كل من في الحيّ أسرى في يدي‏ (5)


سلهم مستخبرا أنفسهم: # هل نجت أنفسهم من قبضتي؟ (6)


فالقضا ما بين سخطي و الرّضى، # من له أقص قضى، أو أدن حي‏ (7)


خاطب الخطب دع الدّعوى، فما # بالرّقى ترقى إلى وصل «رقي» (8)


____________

(1) خل: دع أو اترك. خلي: صاحبي. البدعة: الحدث في الدين و مخالفة امر اللََّه.

جي: لقب أصفهان قديما او اسم لقرية أول ما ظهرت البدع فيها.


(2) السمي: تصغير الاسم.

(1-2) م. ص. لا تنعتني بالألقاب كناصر الدين و شرف الدين و غيرها فإنه كذب في حقي. و هذه الألقاب هي بدعة في دين المحبة بل سمني عبدها و لا تكن كاذبا في نسب عبوديتي.


(3) لم يشب: لم يخالط. اللي: الإنكار و الجحود.

(4) القوت: الطعام. تحور: ترجع. التوق: الحنين إلى الام.

م. ص. القوت هو العلم الرباني الذي يعتبر غذاء للنفس.


(5) الثنايا: جمع الثنية و هي العقبة في الجبل. أسرى: جمع أسير و هو الحبيس.

م. ص. الثنايا كناية عن الحضرات و الأسماء الإلهية و الحي كناية عن عالم المادة و اليدان كناية عن اسماء الجلال و أسماء الجمال.


(6) م. ص. القبضتان كناية عن قبضة السعادة و قبضة الشقاوة كما جاء في قوله تعالى:

فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ .


(7) السخط: الغضب. أقصي: أبعد. أدنو: أقرب.

م. ص. كل من يبتعد عن شهود الحضرة الإلهية هالك في انسانيته و روحانيته و كل من يقترب من الحضرة و يدانيها فهو حيّ يتجلى في حياته الازلية أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ وَ جَعَلْنََا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنََّاسِ .


(8) خاطب: طالب. الخطب: الأمر العظيم. الرقى: جمع الرقية و هي ما يتلى من آيات اللََّه و أسمائه على المريض ترقى: ترتفع رقي في آخر العجز: ترخيم لاسم رقية.

211

رح معافى، و اغتنم نصحي، و إن # شئت أن تهوى، فللبلوى تهي‏ (1)


و بسقم همت بالأجفان، إن # زانها وصفا بزين و بزي‏ (2)


كم قتيل من قبيل، ما له # قود في حبّنا، من كلّ حي‏ (3)


باب وصلي السّأم من سبل الضّنى، # منه لي، ما دمت حيّا، لم تبي‏ (4)


فإن استغنيت عن عزّ البقا، # فإلى وصلي، ببذل النفس، حي‏ (5)


قلت: روحي، إن تري بسطك في # قبضها، عشت، فرأيي أن تري‏ (6)


أيّ تعذيب، سوى البعد، لنا # منك عذب، حبّذا ما بعد أي‏ (7)


إن تشي راضية قتلي جوى، # في الهوى، حسبي افتخارا أن تشي‏ (8)


____________

(1) تهي: تهيأ و حذفت الهمزة لاستقامة الوزن.

م. ص. البلوى كناية عن البلاء الحسن‏ وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاََءً حَسَناً


(2) السقم: المرض. همت: أحببت و هي من الهيام أي الحب. زانها: جمّلها. الزين الحسن. الزي: الهندام.

م. ص. الأجفان كناية عن صور الأكوان و ضعف الأجفان من الأوصاف الحسنة عند السالكين و ذلك لابتعادهم عن مباهج الدنيا و بهارجها.


(3) القبيل: الجماعة. القود: قصاص القتل بالقتل.

م. ص. القبيل كناية عن محبي اللََّه من كل أجناس البشر كالعرب و العجم و أهل الهند و الروم و غيرهم.


(4) السام: جمع السامة و هي الموت. الضنا: المرض: لم تبي: لم تتبوأ أي لم تصل إلى المقام المطلوب.

م. ص. المعنى انك ما دمت حيا لا تصل إلى مقامي و لا إلى رتبة السالكين.


(5) حي: اقبل كما في قولنا: حي على الصلاة. حيّ على الفلاح.

م. ص. عز البقاء صفة من صفات الرحمن فهو الباقي و الكائنات إلى فناء وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ و الوصل هو لقاء اللََّه باتباع تعاليمه.


(6) الخطاب للمحبوبة الحقيقية و معنى القول ان كان رضاك في قبض روحي صرت حيا بالحياة الأبدية و زال عني حكم الدنيا و هكذا ترضين بذلك.

(7) م. ص. كل عذاب مقبول لديه إلا عذاب المحبوبة فهو البعد عن شهود الحضرة الإلهية و هذا جزاء الكافرين‏ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ .

(8) تشي: تشائين. الجوى: هوى الباطن.

المعنى ان أردت قتلي بحزني و حرقتي فذلك كاف لافتخاري و أنت بذلك راضية.


212

ما رأت، مثلك، عيني حسنا، # و كمثلي، بك صبّا، لم تري‏


نسب أقرب، في شرع الهوى # بيننا، من نسب، من أبوي‏ (1)


هكذا العشق رضيناه و من # يأتمر إن تأمري، خير مري‏ (2)


ليت شعري، هل كفى ما قد جرى # مذ جرى ما قد كفى من مقلتي‏ (3)


حاكيا عين وليّ، إن علا # خدّ روض، تبك عن زهر تبي‏ (4)


قد برى أعظم شوقي أعظمي، # و فني جسمي، حاشا أصغري‏ (5)


و تلافيك، كبرئي، دونه # سلوتي عنك، و حظّي منك عي‏ (6)


شافعي التّوحيد في بقياهما، # كان عند الحبّ عن غير يدي‏ (7)


ساعدي بالطّيف، إن عزّت منى، # قصر، عن نيلها، في ساعدي‏ (8)


____________

(1) م. ص. النسب كناية عن القرب من اللََّه تعالى و ذلك بإطاعة امره و عبادته عبادة صالحة.

(2) مري: تصغير مرء.

م. ص. العشق كناية عن حالات الوجد و الاتصال الروحي و خير مري كناية عن الإنسان العابد الصالح.


(3) مقلتي: مثنى المقلة و هي العين.

المعنى: هل دمعي الذي جرى كاف لاقناع المحبوبة بحالتي التي أنا فيها.


(4) الولي: المطر الثاني و يأتي بعد الوسمي. الروض: الشجر الكثيف الملتف. تبي:

تضحك و قد قالت العرب (حياك اللََّه و بياك) اي أضحكك.


المعنى ان الدمع الذي جرى من مقلتيه هو كالمطر الذي علا ازهار الروض فيضحك هذا الروض من زهر تفتحت اكمامه.


(5) برى العظم: أضعفه و أنحله. الأصغران: القلب و اللسان.

م. ص. ضعف الجسم كناية عن الفناء باللّه تعالى و بقاء القلب و اللسان لتلقي المعارف في القلب و لنشر العلوم و التلفظ بها باللسان.


(6) المعنى ان اعتقاده بوحدانية اللََّه شفع له في عدم فناء قلبه و لسانه.

(7) تلافيك: تداركك. برئي: شفائي. سلوتي: نسياني. العي: عدم الاهتداء للمطلوب.

م. ص. البرء كناية عن الانكشاف و الظهور و ذلك لشفائه من داء الهجر و عدم السلوى كناية عن حالات الوجد الدائمة.


(8) ساعدي: اسعفي. الطيف: الخيال. عزت: صعبت. المنى: جمع المنية بضم الميم و هي المطلوب و الغاية.

م. ص. يتمنى ان يزوره خيال المحبوبة في المنام تأكيدا للحديث الشريف «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» و لا يطلب هذا الأمر إلا الأتقياء العارفين باللّه.


213

شام من سام، بطرف ساهر، # طيفك الصّبح بألحاظ عمي‏ (1)


لو طويتم نصح جار، لم يكن # فيه، يوما، يأل طيّا، يال طي‏ (2)


فاجمعوا لي همما، إن فرّق # الدّهر شملي بالألى بانوا قضي‏ (3)


ما بودّي، آل ميّ، كان بثث # الهوى إذ ذاك، أودى ألمي‏ (4)


سرّكم عندي ما أعلنه # غير دمع عند ميّ، عن دمي‏ (5)


مظهرا ما كنت أخفي من قديم # حديث، صانه منّي طي‏ (6)


عبرة فيض جفوني، عبرة # بي أن تجري أسعى و اشيي‏ (7)


كاد، لو لا أدمعي، أستغفر # اللّه، يخفى حبّكم عن ملكي‏ (8)


____________

(1) شام: نظر البرق. سام: طلب. الطرف: النظر. عمي: تصغير اعمى.

م. ص. ان من يطلب رؤية خيال المحبوبة بعين ساهرة لغير اللََّه تعالى فقد مرّ عليه الصبح و لم يره.


(2) طويتم: كتمتم. يأل: يقصر. يال طي: يا آل طي.

م. ص. الجار كناية عن شخصه و النصح كناية عن الكلام بالمعارف الإلهية و النداء إلى آل طي فيه خطاب لشيخه محي الدين بن العربي الطائي.


(3) الهمم: مفردها الهمة و هي العزيمة. بانوا: فارقوا. قصي: بعيد.

م. ص. الاحبة الذين بانوا هم الحقائق و الأسماء الإلهية الظاهرة بآثارها في الأكوان.


(4) ما بودي: ليس مرادي. الآل: الأهل و الأقارب بث الهوى: إظهاره و اشاعته. اودى:

أهلك.


م. ص. أهل مي كناية عن أهل التقى و العرفان و الهوى هو الحب الحقيقي و بث الهوى نشر العلوم الربانية و ذلك من امتلاء القلوب بتجليات الحق.


(5) العندمي من العندم و هو نبات احمر. دمي: تصغير دمى.

م. ص. الدمع كناية عن خشية الخالق و لا سيما ان دمعة المؤمن رحمة.


(6) صانه: حماه و كتمه. الطي: الإخفاء.

المعنى ان الدمع اظهر ما كان يعلمه من الحديث و الكلام الرباني.


(7) العبرة بكسر العين الدرس و الحكمة. الفيض: سيلان الدمع. العبرة بفتح العين:

الدمعة. واشيي: مثنى واش.


(8) ملكي: ملكا اليمين و الشمال اللذان يحصيان اعمال المرء من حسنات و سيئات.

214

صارمي حبل وداد أحكمت، # باللّوى منه، يد الإنصاف لي‏ (1)


أ ترى، حلّ لكم حلّ أواخي # روى ودّ، أواخي منه عي‏ (2)


بعدي الدّاريّ، و الهجر عليّ # جمعتم، بعد داري هجرتي‏ (3)


هجركم، إن كان حتما قرّبوا # منزلي، فالبعد أسوا حالتي‏ (4)


يا ذوي العود ذوى عود ودا # دي منكم، بعد أن أينع ذي‏ (5)


يا أصيحابي، تمادى بيننا، # و لبعد بيننا لم يقض طي‏ (6)


عهدكم، وهنا، كبيت العنكبوت # ، و عهدي، كقليب، آد طي‏ (7)


علّلوا روحي بأرواح الصّبا، # فبريّاها يعود الميت حي‏ (8)


____________

(1) صارمي: قاطعي. اللي: الفتل. اللوى: اسم مكان.

م. ص. الصارمون هم أهل العلم و المعرفة السالكون طريق اللََّه تعالى و الوداد كناية عن الحب الحقيقي. و اللوى كناية عن مقام التجلي.


(2) الاواخي: مفردها آخية و هي حلقة أو عود في حبل. روى: فتل.

م. ص. الخطاب للاحبة و معروف ان قطع المحبة من غير عذر حرام إلاّ على العارفين الأتقياء لأنهم مشغولون باللّه دون سواء.


(3) الداران: مكة المكرمة و المدينة المنورة.

م. ص. كنّى بالهجر عن الهجرتين المعروفتين الأولى من مكة إلى بلاد الحبشة و هي الهجرة النفسانية و الثانية من مكة إلى المدينة.


(4) م. ص. البعد كناية عن غياب المحبوب الحقيقي عنه و في هذه الحالة يزداد شوق المريد و تتضاعف حالات وجده ليكون قريبا من اللََّه.

(5) العود: الإحسان. أينع: نضج. ذوى: ذبل. الذي: الذبول.

م. ص. الجفاء كناية عن انشغال المحبوب عنه و الذبول كناية عن حالة المحب أثناء جفاء المحبوب.


(6) تمادى: تطاول. بيننا: فراقنا. الطيّ: القطع.

م. ص. الأصحاب كناية عن الملائكة الحافظين له.


(7) وصف العهد ببيت العنكبوت لأنه عهد واه لا اعتماد عليه. آد: قوي و اشتد. القليب:

البئر. الطي: العامر.


المعنى ان عهدكم واه و ضعيف كبيت العنكبوت أما عهدي فقوي كبئر عامرة.


(8) الأرواح جمع ريح و تجمع على أرياح أيضا. الصبا: الريح الشرقية الخفيفة. رياها:

نداها و رائحتها الطيبة.


م. ص. الأصحاب هم الملائكة الحافظون. و أرواح الصبا كناية عن الأرواح المنفوخة في الهياكل النورانية و الترابية الارضية.


215

و متى ما سرّ نجد عبرت، # عبّرت عن سرّ ميّ و أميّ‏ (1)


ما حديثي بحديث، كم سرت # فأسرّت لنبيّ من نبي‏ (2)


أي صبا، أيّ صبا هجت لنا، # سحرا، من أين ذيّاك الشّذي‏ (3)


ذاك أن صافحت ريّان الكلا، # و تحرّشت بحوذان كلي‏ (4)


فلذا تروي، و تروي، ذا صدى، # و حديثا، عن فتاة الحيّ، حي‏ (5)


سائلي، ما شفّني؟في سائل الدّمع # ، لو شئت، غنى، عن شفتي‏ (6)


عتب لم تعتب، و سلمى أسلمت # و حمى أهل الحمى رؤية ري‏ (7)


و التي يعنو لها البدر سبت، # عنوة روحي، و مالي، و حمي‏ (8)


____________

(1) سر نجد: موضع. عبرت: اجتازت. عبّرت: بتشديد الباء قالت. مي: ترخيم مية و أمي ترخيم امية.

م. ص. سر نجد كناية عن الهياكل الطاهرة و الأجسام الزكية و مية و أمية كناية عن حضرتي الصفات و الأسماء الإلهية.


(2) سرت: مشت ليلا. أسرت: تكلمت سرا و بصوت خافت.

(3) اي حرف نداء و الصبا مر ذكرها قبل بيتين. السحر: مطلع الفجر.

م. ص. الصبا كناية عن عالم الأرواح و السحر وقت نزول الرب إلى سماء الدنيا.


(4) الريان: الندي. الكلأ: العشب. تحرشت: تصديت.

الحوذان: نبات طيب. كلي: تصغير كلا و هو جانب الوادي.


(5) ذو الصدى: العطشان. تروي: تطفئ العطش. تروي: تنقل الحديث.

م. ص. الصادي أو ذو الصدى كناية عن المتعطش للقاء ربه. و نقل الحديث و روايته كناية عن اخبار المريدين الصادقين.


(6) شفني: اضعفي و اهزلني.

م. ص. سائل الدمع كناية عما يفيض من عين بصيرته فن الحقائق الإلهية.


(7) سلمى و عتب و ري اسماء نساء لم تعتب: لم تلم.

م. ص. عتب كناية عن الروح الإنسانية. و لم تعتب كناية عن العالم الأعلى الذي لا يهتم بالأمور السفلى و أهل الحي كناية عن الأسماء الإلهية و ري كناية عن الذات الإلهية.


(8) يعنو: يذل و يخضع. سبت: اسرة. العنوة: القهر.

م. ص. البدر كناية عن الإنسان الكامل. و الكلام عن المحبوبة الحقيقية.


216

عدت ممّا كابدت من صدّها، # كبدي، حلف صدى، و الجفن ري‏ (1)


واجدا، منذ جفا برقعها، # ناظري من قلبه في القلب، كي‏ (2)


و لنا بالشّعب، شعب، جلدي # بعدهم خان، و صبري كاء كي‏ (3)


حلفت نار جوى حالفني: # لا خبت دون لقا ذاك الخبي‏ (4)


عيس حاجّي البيت حاجّي لو أمكن # أن أضوي، إلى رحلك، ضي‏ (5)


بل على ودّي بجفن قد دمي، # كنت أسعى راغبا عن قدمي‏ (6)


فزت بالمسعى الذي أقعدت عنه # ه، و عاويك له، دوني، عي‏ (7)


____________

(1) كابدت: عانيت و قاسيت. الصد: الهجر. الصدى: العطش. الري: إطفاء العطش.

المعنى انه صار عطشا لما قاساه كبده من هجر الحبيبة و أصبح جفنه ريانا بالبكاء نتيجة لهذا الصد و الهجران.


(2) البرقع: غطاء الوجه و العين لدى النساء.

م. ص. البرقع كناية عن الغطاء على وجه الحق و هو الحجب و السدول التي تستر العقول البشرية.


(3) الشعب: الطريق في الجبل. الشعب بفتح الشين: القبيلة الكبيرة. كاء: جبن.

الكي: الجبن.


م. ص. الشعب بكسر الشين كناية عن عالم الأجسام و الشعب بفتح الشين كناية عن الأسماء الإلهية المتجلية بالأكوان.


(4) حالفني: لازمني. خبت النار: خمدت. الخبي: الخباء.

م. ص. الخبي تصغير للخباء و هو كناية عن الصورة الحسية الظاهرة بفيض الأسماء و الصور الإلهية.


(5) العيس: الإبل البيضاء التي يخالط لونها بياض. أضوي: التجي أو أحتمي.

و المعنى أيتها الإبل الحاملة الحجاج إلى بيت اللََّه منيتي لو أنضم إليك.


(6) المعنى كنت أود ان أسعى إلى ركب الحاجّين العارفين إلى بيت اللََّه ليس على قدمي بل بعيني الدامية.

(7) المسعى من أعمال الحج بين الصفاء و المروة. عاويك عيا: داعيك إلى السفر.

م. ص. المسعى بين الصفا و المروة من أعمال الحج بأن يطوف الحاج سبقه أشواط بين المكانين.


217

سي‏ء بي، إن فاتني من فاتني # الخبت، ما جبت إليه السّيّ طي‏ (1)


حاظري، من حاضري مرماك، با # دي، قضاء، لا اختيار لي شي‏ء (2)


لا برى جذب البري جسمك، و # اعتضت، من جدب البري و النأي، بي‏ (3)


خفّفي الوطء، ففي الخيف، سلمت # ، على غير فؤاد لم تطي‏ (4)


كان لي قلب، بجرعاء الحمى، # ضاع منّي، هل له ردّ عليّ؟ (5)


إن ثنى، ناشدتكم، نشدانكم، # سجرائي، لي عنه عيّ عي‏ (6)


فاعهدوا بطحاء وادي سلم، # فهي ما بين كداء و كدي‏ (7)


يا سقى اللََّه عقيقا، باللّوى، # و رعى ثمّ فريقا من لؤي‏ (8)


____________

(1) الخبت: ما اتسع من الأرض. السي: الفلاة.

م. ص. السي: كناية عن طريق المجاهدة و سبيل السلوك إلى لقاء الملوك.


(2) الحاظر: المانع. المرمى: مكان رمي الحجار السبع.

م. ص. المرمى كناية عن الصفات السبع و هي الحياة و العلم و القدرة و الإرادة و السمع و البصر و الكلام.


(3) برى: أضعف و أهزل. البري: جمع بره و هي حلقة في انف البعير.

م. ص. الخطاب لعيس حاجي البيت و ذلك كناية عن عالم الأجسام الإنسانية و جذب البري كناية عن التكاليف الشرعية.


(4) الخيف: واد بالحجاز. لم تطي: لم تطئ.

م. ص. الخيف أرض العلم و العلماء و الخطاب لعيس بيت اللََّه الحرام أي العيس القاصدة له و الطلب منها ان تخفف الوطء على قلوب المحبين.


(5) الجرعاء: الأرض الطيبة.

م. ص. الجرعاء كناية عن مقام المجاهدة و الحمى حمى الحضرة الإلهية.


(6) السجراء: الأحبة و الخلان.

(7) البطحاء: الأرض السهلة. وادي سلم: موضع بالحجاز. كداء: موضع في اعلى مكة. كدي: موضع في اسفل مكة.

م. ص. بطحاء وادي سلم و وادي طوى و هو كناية عن عالم الأرواح و كداء كناية عن النور الأعلى أي نور اللََّه و كدي كناية عن النور الثاني و هو النور المحمدي.


(8) العقيق: موضع باليمامة. اللوى: ما التوى من الرمل. رعى: حفظ. لؤي: قبيلة من بني غالب بن فهر.

م. ص. عقيق اللوى كناية عن المقام المحمدي موضع الفيض الرحماني و الفريق كناية عن الشيوخ العارفين.


218

و أويقات بواد سلفت # فيه، كانت راحتي في راحتي‏ (1)


معهد من عهد أجفاني، على # جيده، من عقد أزهار، حلي‏ (2)


كم غدير، غادر الدّمع به # أهله غير ألي حاج لري‏ (3)


فثرائي من ثراه كان، لو # عاد لي عفّرت فيه و جنتي‏ (4)


حيّ، ربعيّ الحيا، ربع الحيا # بأبي جيرتنا فيه، و بي‏ (5)


أيّ عيش مرّ لي في ظلّه، # أسفي، إذ صار حظّي منه أي‏ (6)


أي، ليالي الوصل، هل من عودة؟ # و من التعليل قول الصبّ: أي‏ (7)


____________

(1) راحتي: مثنى الراحة و هي باطن الكف.

م. ص. الوادي كناية عن قلب المؤمن العارف و الراحة كناية عن العالم الروحاني قبل ان يعرف التركيب المادي و العنصري.


(2) المعهد: مكان السكن. الجيد: العنق.

المعهد كناية عن مكان العارفين و محل نزول الفيض و الأمداد الإلهي و الأزهار كناية عن العلوم الناتجة بفضل المدد الرحماني.


(3) الغدير: مكان الماء. غادر: ترك. الري: الارتواء من العطش. اولي: أصحاب.

الحاج: الحاجات.


و المعنى ان الدمع قد ملأ من الغدران ما يكفي أهلها.


(4) الثراء: الثروة و المال. الثرى: التراب. عفرت: مرغت. الوجنة: ظاهر الوجه.

م. ص. الثرى: كناية عن تربة الأرض المقدسة أرض المقامات و أصحاب العرفان و الوجنتان كناية عن ظاهر الإنسان و باطنه.


(5) ربعي: مثنى الربع و هو مكان الإقامة في الربيع. الحيا: المطر. حي و بي: من لغة العرب حياك اللََّه و بياك أي حياك و أصلحك.

م. ص. ربعي الحيا كناية عن مطر العلم الإلهي و قوله حي من الاستحياء كناية عن الإنسان الكامل و جيرته المجاورين له في المقام الصمداني و هم الكاملون العارفون.


(6) أي في أول البيت و آخره استفهامية و قد استعملت بهذا الشكل من باب رد العجز على الصدر.

(7) الوصل: الوداد. الصب: العاشق المدنف.

م. ص. ليالي الوصل كناية عن أيام المجاهدة و العبادة حيث يتصل العبد روحانيا بخالقه.


219

و بأيّ الطرق أرجو رجعها، # ربما أقضي، و ما أدري بأي‏ (1)


حيرتي، بين قضاء جيرتي، # من ورائي، و هو بين يدي‏ (2)


ذهب العمر ضياعا، و انقضى # باطلا، إذ لم أفز منكم بشي‏ (3)


غير ما أوليت من عقدي، و لا # عترة المبعوث، حقا، من قصيّ‏ (4)


____________

(1) اقضي: أموت.

المعنى: أي طريق تعيدني إلى ليالي الوصل فربما أموت و لا اهتدي قبل موتي إلى تلك الطريق.


(2) حيرتي: عدم اهتدائي.

المعنى ان حيرته ناتجة عن امرين أولهما القضاء الإلهي الذي لا مردّ لدفعه و الثاني هو الهوى أو الميل النفساني و جيرته كناية عن أهل طريق اللََّه من السالكين العابدين.


(3) م. ص. يندب ابن الفارض حظه لان عمره ضاع سدى و لم يستفد منه بمعرفة ربه المعرفة الحقة و هذا حال العارفين يتواضعون رغم ما عندهم من الورع و التقى. و الهلاك أو ضياع العمر إشارة إلى‏ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ أو إلى الآية: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ `وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ .

(4) اوليت: أوكلت أو أعطيت. العترة: النسل و الأحفاد. المبعوث: النبي محمد (صلّى اللََّه عليه و سلّم) قصي: قصي بن كلاب الذي ينتسب إليه النبي العربي محمد (صلّى اللََّه عليه و سلّم) .

المعنى: انه لم يفز طوال عمره من اللََّه تعالى بشي‏ء لأنه تعالى‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ .


و استثنى من هذا موالاته لأهل بيت النبوة عليهم السلام و هذا الشي‏ء أو هذه الموالاة هي سلم الخلاص و السبيل إلى النجاة.


و الحمد للََّه رب العالمين‏


220

في السّر أقول‏

[البحر المنسرح‏]


إن متّ و زار تربتي من أهوى # لبّيت مناجيا بغير النجوى


في السر أقول: يا ترى ما صنعت # ألحاظك بي، و ليس هذا شكوى؟..


مات معنّاكم‏

[البحر المنسرح‏]


إن جزت بحيّ لي على الأبرق حي، # و أبلغ خبري، فإنني أحسب حي


قل مات معنّاكم غراما و جوى # في الحبّ، و ما اعتاض عن الرّوح بشي‏


خبر الغرام‏

عرّج بطويلع، فلي ثمّ هويّ # و اذكر خبر الغرام، و أسنده إليّ


و اقصص قصصي عليهم و ابك عليّ # قل: مات، و لم يحظ من الوصل بشي‏


خذ الروح‏

أهوى رشا، رشيق القدّ، حليّ # قد حكّمه الغرام و الوجد عليّ


إن قلت: خذ الرّوح!يقل لي: عجبا # الرّوح لنا، فهات من عندك، شي‏ء


مواليا

ذبحتني‏

قلت لجزّار عشقتو: كم تشرّحني، # ذبحتني، قال: ذا شغلي توبّخني


221

و مال إليّ، و بأس رجلي يربّخني، # يريد ذبحي، فينفخني ليسلخني‏ (1)


ألغاز لغوية

نصير

قال ملغزا في نصير:


اسم الّذي أهواه تصحيفه # و كلّ شطر منه مقلوب


يوجد في تلك إذن قسمة # ضئزى، عيانا، و هو مكتوب‏ (2)


قمري‏

و قال في قمري:


ما اسم لطير شطره بلدة # في الشّرق، من تصحيفها مشربي


و ما بقي تصحيف مقلوبه، # مضعّفا، قوم من المغرب‏ (3)


بزغش‏

قال في بزغش:


ما اسم، إذا فتّشت شعري تجد # تصحيفه، في الخطّ، مقلوبه‏ (4)


و هو، إذا صحّفت ثانيه، من # أنواع طير، غير محبوبه‏ (5)


____________

(1) بأس: أي قبّل. يربخني: يجعلني ضعيفا.

(2) إذا قلبنا الشطر الأول من «نصير» صار: «صن» ، و إذا قلبنا الشطر الثاني منه صار «ري» ، فإذا جمعنا الشطرين المقلوبين صار «صنري» ، و تصحيفها «ضئزى» ، وردت في القرآن الكريم، في قوله تعالى: تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى‏ََ أي جائرة.

(3) اسم البلدة «قم» و «ري» هو الشرب، و الشطر الأخير «ري» إذا قلب و حرف، أصبح «بر» و تضعيفه «بربر» و هم قوم من المغرب.

(4) إذا قلبت كلمة (شعري) صارت (يرعش) ، و إذا صحفت الياء باء، و الراء زايا، أصبحت (بزغش) ، و هو اسم تركي.

(5) أي إذا صحفت الزاي راء في (بزغش) أصبح (برغش) .

222

و نقط حرف فيه، إن زال مع # ألف به، بيع بخرّوبه‏ (1)


و نصفه الثّلثان من آلة، # لجنسه في الضّرب منسوبه‏ (2)


و نصفه الآخر نصف اسم من # جانسه، يتبع أسلوبه‏ (3)


و قلبه قلب، لما فهمه، # من بعد لام، كلّ أعجوبه‏ (4)


حاشيتاه عوذة، بعد ما # صحّفتا، في الذّكر، مطلوبه‏ (5)


و الجيم فيه، إن تعد داله، # و الدّال جيما، فيه محسوبه


من بعد حرفين به صحّفا، # و الزّاي واو، فيه مكتوبه


صار اسم من شرّفه اللََّه بالوحي # ، كما شرّف مصحوبه‏ (6)


نوم‏

قال في نوم:


ما اسم بلا جسم يرى صورة # و هو إلى الإنسان محبوبه


و قلبه، تصحيفه صنوه، # فأعن به يعجبك ترتيبه‏ (7)


____________

(1) أي إذا زالت نقطة الزاي، و حذفت الغين (لان الغين عبارة عن ألف، في حساب الجمل) أصبح (برش) ، و البرش من المسكرات، و لذا قال: (بيع بخروبة) لرخص ثمنه.

(2) عند الأتراك آلة تدعى (قبز) ، فيكون حرفا الباء و الزاي في (بزغش) ثلثي اسم آلة (قبز) .

(3) و عندهم أيضا كلمة أخرى هي (أزغش) ، فيكون الحرفان الأخيران في (بزغش) هما نصف كلمة (أزغش) ، فإذا لفظت الكلمة الأولى كان عليك أن تلفظ الثانية، فتقول:

«بزغش أزغش» .


(4) قلب «بزغش» أي وسطه «زغ» ، فإذا قلبته أصبح «غز» و إذا جعلت قبله حرف اللام أصبح «لغز» .

(5) الحاشيتان: الطرفان «حرف الباء و حرف الشين» ، و هكذا إذا صحف الحرفان بجعل الباء ياء، و بجعل الشين سينا، حصل لفظ «يس» ، و هو اسم سورة من القرآن الكريم.

(6) «بزغش» تصبح عند التصحيف «يوشع» ، و يوشع بن نون الذي شرفه اللََّه بالوحي.

(7) إذا قلبت «نوم» و جعلت النون تاء صارت «موت» .

223

حاشيتا الاسم، إذا أفردا، # أمر به، و الأمن مصحوبه‏ (1)


حروفه، أنّى تهجّيتها، # فكلّ حرف منه مقلوبه‏ (2)


بقلة

قال، ملغزا، في بقلة:


ما اسم قوت لأهله، # مثل طيب تحبّه


قلبه، إن جعلته # أولا، فهو قلبه‏ (3)


طيّ‏

و قال، ملغزا في طي:


اسم الذي تيّمني حبّه، # تصحيف طير، و هو مقلوب‏ (4)


ليس من العجم، و لكنّه، # إلى اسمه في العرب منسوب


حروفه، إن حسبت، مثلها # لحاسب الجمّل، أيّوب‏ (5)


شعبان‏

و قال، ملغزا في شعبان:


ما اسم فتى، حروفه # تصحيفها، إن غيّرت


في الخطّ عن ترتيبها، # مقلته، إن نظرت‏ (6)


____________

(1) إذا حذفت الواو من «نوم» صار «نم» ، فعل أمر من فعل «نام» -

(2) إذا تهجيت كل حرف من حروف «نوم» : نون، واو، ميم، و حاولت قلب كل من هذه الحروف، لم تتغير.

(3) أي إذا جعلت «قل» في بقلة، في أوله، أصبح «قلبه» ، الكلمة الأخيرة في البيت الثاني.

(4) أي ان (طي) لو قلب لأصبح (يط) ، فلو حرف هذا الاسم الأخير لأصبح (بط) .

(5) حساب الجمل، كحساب حروف الشعر الذي يؤرخ به ناظموه لحدث هام، و عليه يكون طي، في هذا الحساب، مساويا للعدد 19، و كذلك أيوب. ط/9 ي/10/19.

(6) أي إذا صحفت حروف شعبان، و أبدلت ترتيب الحروف، تصبح اللفظة نعسان.

224

أدعو له من قلبه # بعودة، منه سرت‏ (1)


حنطه‏

و قال، ملغزا في حنطه:


ما اسم قوت يعزى لأوّل حرف # منه بئر بطيبة مشهوره‏ (2)


«ثمّ» تصحيفها لثانيه مأوى، # و لنا مركب، و باقيه سورة (3)


بطيخ‏

و قال، ملغزا في بطيخ:


خبّروني عن اسم شي‏ء شهيّ، # اسمه ظلّ، في الفواكه، سائر


نصفه طائر، و إن صحّفوا ما # غادروا من حروفه، فهو طائر (4)


حسن‏

و قال، ملغزا في حسن:


ما اسم لما ترتضيه، # من كلّ معنى و صوره


تصحيف مقلوبه اسما # حرف، و أوّل سوره‏ (5)


هذيل‏

و قال، ملغزا في هذيل:


سيّدي!ما قبيلة في زمان، # مرّ فيها، في العرب، كم حيّ شاعر (6)


____________

(1) المقصود، هنا، حرف باء، و باء بمعنى عاد.

(2) حاء اسم بئر في المدينة (و قد دعاها الشاعر: طيبة) .

(3) تصحيف ثم: يم، أي بحر، و ثانيه هو المركب، و باقيه «طه» و هو اسم سورة في القرآن الكريم.

(4) نصفه «بط» ، و النصف الثاني «يخ» إذا حرف، صار «بج» و البج فرخ الطائر.

(5) لو قلبت حسن، و غيرت النون إلى ياء و الحاء إلى جيم أو خاء، لأصبح يسج و يسخ، و كل منهما مؤلف من يس، و هي سورة قرآنية كريمة.

(6) (هذيل) قبيلة نبغ فيها عدد من الشعراء.

225

ألق منها حرفا، و دع مبتداها # ثانيا، تلق مثلها في العشائر (1)


و إذا ما صحّفت حرفين منها، # كلّ شطر، مضعّفا، اسم طائر (2)


قطره‏

و قال، ملغزا في قطره:


ما اسم شي‏ء من الحيا # نصفه قلب نصفه، (3)


و إذا رخّم، اقتضى # طيبه حسن وصفه‏ (4)


صقر

و قال، ملغزا في صقر:


ما اسم طير، إذا نطقت بحرف # منه، مبداه كان ماضي فعله‏ (5)


و إذا ما قلبته، فهو فعلي، # طربا، إن أخذت لغزي بحلّه‏ (6)


لوزينج‏

و قال، ملغزا، في لوزينج:


يا سيّدا، لم يزل، في # كلّ العلوم، يجول


ما اسم لشي‏ء لذيذ، # له النّفوس تميل


تصحيف مقلوبه في # بيوت حيّ نزول‏ (7)


____________

(1) أي احذف الياء، و اجعل الذال أولا، يصبح (ذهل) ، و هو اسم عشيرة أخرى.

(2) إذا حرف الشطر الأول من الكلمة (هذا) إلى (هد) و ضعف يصبح: هدهد، و كذلك يل تصبح بعد تصحيفها و تضعيفها تصبح بلبل.

(3) القسم الأول من قطره هو (قط) ، و القسم الثاني، مقلوبا هو (هر) ، و هما بمعنى واحد.

(4) ترخيم قطره، بحذف الهاء، هو قطر و هو السكر المعقود.

(5) الفعل الماضي هو صاد، و الصاد هو أول حرف في صقر.

(6) إذا قلبت صقر صار رقص.

(7) لو قلبت كلمة (لوزينج) و هو نوع من الحلوى و صحفت الجيم إلى حاء، و النون إلى ياء، و الياء إلى نون، لصارت الكلمة (حي نزول) المذكورة في آخر الأبيات.

226

سلامه‏

و قال، ملغزا، في سلامه:


ما اسم، إذا ما سأل المرء، عن # تصحيفه، خلا له أفحمه‏ (1)


فنصف «يس» له أوّل، # من غير ما شكّ، و لا جمجمه‏ (2)


و إن ترد ثانيه، فهو لا، # يذكر للسائل، كي يفهمه‏ (3)


و إن تقل: بيّن لنا ما الّذي # منه تبقّى بعد ذا، قلت: مه‏ (4)


بيّنه لي، إن كنت ذا فطنة، # فإنّني قد جئت بالتّرجمه‏


صقر

و قال، ملغزا، في صقر:


يا خبيرا باللّغز، بيّن لنا ما # حيوان، تصحيفه بعض عام‏ (5)


ربعه إن أضفته لك، منه # نصفه، إن حسبته، عن تمام‏ (6)


حلب‏

و قال، ملغزا في حلب:


ما بلدة، في الشّأم، قلب اسمها # تصحيفه أخرى، بأرض العجم‏ (7)


____________

(1) لو حرفت سلامه لصارت شلامه، و هي غير ذات معنى، و بذلك يعجز المرء عن تصحيفها إلى كلمة معروفة المعنى.

(2) أي ان حرف (س) في يس. (سورة من القرآن الكريم) هو أول حروف الكلمة سلامه.

(3) الحرف الثاني (لا) ، و قد ذكره ابن الفارض في آخر صدر البيت.

(4) بقية الاسم مه و هي اسم فعل بمعنى اسكت.

(5) لو صحفت صقر تصبح صفر، شهر عربي أي قسم من السنة.

(6) لك: متعلق بـ (أضفته) ، و منه: متعلق بـ (ربعه) ، و الشاعر يقصد، هاهنا، الإضافة النحوية، و ذلك كأن تقول: صقري باضافة الياء إلى صقر، و صقري، في حساب الجمل يساوي (400) ص 90. ق 100. ر 200. ي 10 و المقصود بـ (ربعه) ، الراء منه، و هي ربعه في عدد الحروف، و نصفه في عدد الجمل، لأنها عبارة عن مائتين.

(7) لو قلبت لفظة (حلب) و حرفت الحاء إلى خاء، تصبح بلخ، و هي بلدة فارسية.

227

و ثلثه، إن زال من قلبه، # وجدته طيرا، شجيّ النّغم‏ (1)


و ثلثه نصف، و ربع له، # و ربعه ثلثاه، حين انقسم‏ (2)


ليف‏

قال، ملغزا في ليف:


ما اسم شي‏ء من النبات إذا ما # قلبوه وجدته حيوانا (3)


و إذا ما صحّفت ثلثيه، حاشا # بدأه، كنت واصفا إنسانا (4)


قند (5)

و قال، ملغزا، في قند:


أيّ شي‏ء حلو، إذا قلبوه، # بعد تصحيف بعضه، كان خلوا (6)


كاد، إن زيد فيه من ليل صبّ # ثلثاه يرى من الصّبح، أضوا (7)


و له اسم، حروفه مبتداها # مبتدا أصله، الذي كان مأوى‏ (8)


____________

(1) إذا حذفت اللام من قلب حلب، و صحفت الحاء إلى جيم لصارت بج و هو فرخ الطائر.

(2) يقصد أن اللام ثلثه، و هي تساوي في حساب الجمل 30، علما بأن حلب تساوي في هذا الحساب 40. ح 8. ل 30. ب 2، فتكون اللام بمقدار نصفه و ربعه معا. و كذلك فإن الحاء و الباء هما ثلثا حلب الآخران، و هما يساويان عشرة، في الحساب، و هي ربع الأربعين.

(3) إذا قلبت ليف تصبح فيل و هو حيوان معروف.

(4) إذا صحفت الياء إلى باء و الفاء إلى قاف يصبح لبق و هو وصف للإنسان.

(5) القند: العسل المصنوع من قصب السكر.

(6) الخلو: هو المريض الخالي من الصحة، فإذا قلبت قند، و حرفت القاف إلى فاء، أصبح دنف أي مريض.

(7) إذا زدنا ياء و لام إلى قند أصبح قنديل.

(8) أي إن القند أصله من القصب قصب سكر، فأول قند هو القاف، و كذلك أول أصله قصب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مطريات

البديع