المقتطف
النضرة وهى أيضا على أربع طبقات كما رسم. والخميلة الثانية المتنفسة التى هى على التوسط مؤسسة وهى أيضا على أربع طبقات. والخميلة الثالثة فى الحكايات الممتعة التى تكون قوة الحفظ فيها متسعة، وهى أيضا على أربع طبقات. والفصل الرابع فى أزاهر الأوزان المولدة التى تحكى رونق الخدود الموردة، وهو مشتمل على ثلاث خمائل أبهج من جلوة العرائس فى مذهبات الغلائل. فالخميلة الأولى فى الدوبيتيّات والمربعات الخميلة الأولى المشتملة على الكلمات القصيرة
الطبقة الأولى: من النثر والتقصير
البخارى «١»: إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة وحكما نوح: الصبر سجن المسرة داود: من بلغ السبعين اشتكى من غير علة سليمان: ليكن أصدقاؤك كثيرا وليكن صاحب سرك منهم واحدا من ألف المسيح: يباعدك من غضب الله ألا تغضب، صلى الله على سيدنا محمد وعليهم.
الصديق: صنائع المعروف تقى مصارع السوء الفاروق: لأن أجد فى بيتى أفعى جاربة «٢» خير من أن أجد عجوزا لا أعرفها ذو النورين «٣»: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن على أبو السبطين «٤»: من آيقن بالخلف جاء بالعطية الحسن: حسن السؤال نصف للعلم الحسين: صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فأكرمه عن ردك
[١ / ٤٩]
عبد الله بن الحسن بن الحسن: من أعظم الخطأ العجلة قبل الامكان، والأناة بعد الفرصة.
ابنه محمد القائم على المنصور: لا يحمل أمير القوم إلا إذا أيقن بالموت محمد العيص بن عبد الله بن الحسن بن عبد الله المذكور: العافية هى الملك الهنىّ، وطلب الملك هو الموت الوحى «١» إسماعيل السفاك بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله المذكور: قتال الأعداء المخالطين أولى من قتال الأعداء المنابذين.
محمد بن صالح بن موسى بن عبد الله المذكور: أفرّ من الجفون وأكرّ فى الحرب الزبون محمد بن أبى جعفر بن أبى هاشم من ولد موسى بن عبد الله: إذا صادف معروف محله، ينبغى لك أن تعد ذلك من نعم الله عليك سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الذى فر من وقعة فخ «٢» إلى المغرب:
إنما أحسب روحى بعد وقعة فخ ربحا، وأبخل التجار يخاطر بالربح الحسين قتيل فخ، ابن على العابد بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى: من طلب المعالى لا يرهب العوالى.
إبراهيم الغمر بن الحسن بن الحسن السبط: من تمنى اختلاف الدّول بلى بالندم على الأول محمد بن طباطبا من ولد إبراهيم الغمر القائم فى زمان المأمون، قال لأبى السرايا:
أوصيك أن تستتم الغضب لربك ولا تقدم إقدام متهور، ولا تضطجع اضطجاع متهاون.
[١ / ٥٠]
يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى القائم بصعدة وهو من ولد طباطبا: لا تعجلوا بالجواب قبل أن تنتهوا إلى أعقاب الخطاب.
أبو الحسن الأصبهانى محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن طباطبا: ما كاتبتك معارضا ولا مقارضا لكن ليقال جاوبه ابن المعتز.
أبو الفتوح بن جعفر السليمانى من ولد سليمان بن داود بن الحسن المثنى: إن من عقوق جدنا علىّ وصفه بالعجز عن الخلافة والنيل من قوم ارتضى تغريمهم زيد الجواد بن الحسن بن الحسن: من جاد بماله بخل بعرضه، ومن بخل بماله جاد بعرضه.
الحسن بن زيد بن محمد بن زيد الجواد: من أراد الشهرة فليزهد فى العواقب.
زين العابدين على بن الحسن: إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم.
ابنه الباقر محمد: صلاح من جهل الكرامة فى هوانه الكاظم موسى بن جعفر الصادق بن الباقر: أتصحبوا من كان أحسن يوميه عنده شرهما زيد بن زين العابدين: المروءة إنصاف من دونك، والسمو إلى من فوقك الشرف الحسينى البلخى: من قصرّ حسامك عن حسامه فلا تسامه معاوية أول خلفاء بنى أمية: من طلب عظيما خاطر بعظيمته.
ابنه يزيد: إن من غلب أبوه عليّا وغلب هو الحسين لغلاب عمر بن عبد العزيز: التقىّ ملجم السفاح أول الخلفاء العباسيين: الأناءة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
المنصور: إذا مدّ عدوك يده إليك فاقطعها إن أمكنك وإلا قبّلها
[١ / ٥١]
المهدى أعدل الناس من أنصفهم من نفسه، وأجورهم من ظلمهم لغيره.
الهادى: من لى بحياة لا تنقطع وملك لا يسلب وشباب لا يبلى المأمون: لو علم الناس مقدار لذتنا بالعفو/ لتقربوا إلينا بالذنوب المعتصم: إذا نصر الهوى بطل الرأى الوائق: من أحب أن يتقرب إلينا فلا يقل ولا يدل المستعين: الدنيا مومس استمتع بها ولا تتخذ منها نسلا المعتز: الملك فى الشباب بخ على بخ المعتمد: إذا عدم أهل التفضل هلك أهل التحمل المعتضد: لا أحب أن أهب قليلا ولا تحتمل الحال التى دفعت إليها الكثير المكتفى: الخمول مع الصحة خير من النباهة مع العلة المقتدر: لم يملكنا الله الدنيا لننسى نصيبا منها، ولا أن نضيّق على من فى ظلالنا المطيع: طول العمر فى الملك فوق كل لذة الطائع: اختلاف الدول هو العذاب الأليم فى الدنيا المستظهر: لا أخذ الله بيد من أراد العزّ بذلّ غيره الراشد: فتح قرية بسيف خير من فتح إقليم بانقياده المقتفى: المبغض المجاهر عندى خير من المحب المداهن المستنجد: الخديم السوء الكافى لى المسهّل، يجمع المكاره معا ويحمل لمنفعته.
ابن المعتز: النمام جسر الشر
[١ / ٥٢]
الطبقة الثانية: من النثر القصير
[الرسول عليه السلام] «١»: ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت إدريس عليه السلام: تحتمل الملوك كل شىء إلا ثلاثة أشياء:
إفشاء السر، والقدح فى الدول، والتعرض للحرم قال سليمان بن وهب «٢»: ما انتفعت بشيء فى حق خدمة الملوك وحق نفسى إلا بمثل قول الإدريس عليه السلام. وأورد ما تقدم. وقوله:
[إدريس عليه السلام] «٣»: إياك وخدمة من شبع من الرئاسة وملّ من السياسة، فإنه يرى كبير ما تصنعه فى حقه صغيرا، وصغير ما يصنعه فى حقك كبيرا.
داود عليه السلام: لا تستبدلن بأخ لك قديم أخا مستفادا ما استقام لك، ولا تستقل أن يكون لك عدوّ واحدا [و] «٤» لا تستكثر أن يكون لك ألف صديق.
المسيح عليه السلام: لا ينبغى للسلطان أن يغضب، إنما يأمر فيطاع، ولا ينبغى له أن يعجل فليس يفوته شىء ولا ينبغى أن يظلم فإنما يدفع الظلم به. صلى الله على سيدنا محمد وعليهم.
[١ / ٥٣]
الصديق رضي الله عنه «١»: إن أقواكم عندى الضعيف حتى أعطيه حقه، وإن أضعفكم القوى حتى آخذ له بحقه.
الفاروق رضي الله عنه: عليكم بإخوان الصدق تعيشوا فى أكنافهم فإنهم زينة فى الرخاء وعدة للبلاء.
ذو النورين رضي الله عنه: رؤية القبر مبكية، لأنه أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا، فمن شدّد عليه فما بعده أشد، ومن هوّن عليه فما بعده أهون.
أبو السبطين «٢» رضي الله عنه: لا خير فى صحبة من إذا حدثك كذبك، وإذا حدثته كذّبك، وإن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك اتهمك، وإن أنعمت عليه كفرك، وإن أنعم عليك منّ عليك.
معاوية: ثلاثة ما اجتمعت فى حر: مباهتة الرجال والغيبة للناس والملال لأهل المودة. رضي الله عنهم أجمعين.
يزيد: أمس شاهد فاحذروه، واليوم مؤدب فاعرفوه، وغد رسول فاكرموه، وكونوا على حذر من هجوم الأجل.
عبد الملك: السياسة هيبة الخاصة مع مودتها، ورهبة العامة من الإتصاف واحتمال هفوات الصنائع.
الوليد: والله لأجمعن المال جمع من يعيش أبدا ولأفرّقنه تفريق من يموت غدا
[١ / ٥٤]
سليمان: قد أكلنا الطيب وركبنا الفاره وامتطينا العذراء فلم تبق لى لذة إلا صديق تسقط بينى وبينه مئونة التحفظ.
عمر: ما أطاعونى فيما أردت من أمور الآخرة حتى بسطت لهم طرفا من الدنيا باعوا به دينهم.
هشام: إن خالد بن صفوان «١» أدلّ فأمل، وأوجف فأعجف، ولم يترك لأوبة مرجعا ولا لصلح موضعا.
الوليد: لم أر أحلى من جنى عافية الصبر لولا مرارة ما أنفقت عليه من العمر، وقطعت فيه من مسافة التسويف.
السفاح: إن القدرة تصغر الأمنية/ لقد كنا نستكثر أمورا نستقلها لأخير أصحابنا المنصور: ليس العاقل من يتحرز من الأمر الذى يقع فيه حتى يخرج منه، إنما العاقل يتحرز من الأمر الذى يقع فيه، يخشاه حتى لا يقع فيه.
الرشيد: لا تتكل على أن تقول كان أبى الرشيد، واعمل ما يتكل عليه من يقول كان أبى المأمون.
المأمون: إياكم والوقوع فى الملوك بحضرتنا وإن كانوا مباينين لنا، فإن المرتبة نسب تجمع أهلها، فشريف العرب أولى بشريف العجم.
المتوكل: إذا خرج توقيعى إليك بما فيه مصلحة للناس فأنفذه ولا تراجعنى فيه، وإذا خرج بما فيه حيف
[١ / ٥٥]
على الرعية فراجعنى فإن قلبى بيد الله عز وجل المنتصر: لذة العفو أهيب من لذة التشفى، لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفى يلحقها ذم الندم.
الراضى: الذل صعب، وأصعبه ما جرى على الملوك والبخل قبيح وأقبحه ما جرى من الملوك.
المستكفى: من يذل الملوك قتلوه، ومن يظهر الاستغناء عنهم أخملوه، ومن يكذب عندهم حقروه.
القائم: كنت لا أحفل بشكوى الغريب لأنى لا أتوقع ذلك حتى بليت بالغربة فصرت لا أرحم إلا الغريب.
المقتدى: طراز الدنيا المال،/ وطراز الأخرى الأعمال، ومن جمع بين الطرازين حاز النعيم المنصرم والنعيم الدائم.
الراشد: أحق الناس بالذم الملوك لأنهم أقدر الناس على اكتساب المكارم واجتناب الرذائل.
المستنجد: عملت حساب لذتى قبل الخلافة، فما وصلت إلىّ حتى قضيت نهمتى من الأمور التى لا تليق بها.
المستضىء: من تعرض لطلب ما لم يعط، فقد عرّض عقله للتهمة ونفسه للتعب.
ومن أولاد الخلفاء العباسيين ابن المعتز: احذر منزلتك من الفساد عند سلطانها بمثل ما اكتسبتها به من الجد والمناصحة، واحذر أن يحطك التهاون عما رقاك إليه التحفظ.
[١ / ٥٦]
ومن العلويين:
عبد الله بن الحسن به المثنى: الكامل العقل يرى الرأى بعدما يفكر، والناقص العقل لا يراه بديهة ولا بعد أن يفكر.
أبو فليتة «١» أمير مكة من ولد عبد الله المذكور: إنى وجدت الرقاب ثلاثا: رقبة ملكتها بالمنن، ورقبة ملكتها بالصفع، ورقبة لم ينفع فيها إلا السيف
[١ / ٥٧]
الطبقة الثالثة: من النثر القصير
البخارى: الكذب غير جائز على ابن آدم إلا فى ثلاث خصال:
رجل كذب امرأته ليرضيها، ورجل كذب فى خديعة حرب ورجل كذب بين امرأين مسلمين ليصلح بينهما «١» .
المسيح: صلى الله على نبينا وعليه:/ العبر ثلاثة: المنطق والنظر والصمت، فمن كان منطقه فى غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره فى غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته فى غير فكر فقد لها عمر رضي الله عنه: من أفضل ما أعطيت العرب الأبيات يقدمها الرجل بين يدى حاجته فيستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم، والشعر أدنى مروّة الشريف وأعلى مروّة الوضيع.
على رضي الله عنه: أوصيكم بأربع، لو ضربتم إليها آباط الابل كنّ لها أهلا. لا يرجونّ أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحى أحد إذا لم يعلم الشىء أن يتعلمه.
معاوية: لا تستفسد الحرّ فسادا لا تصلحه أبدا، وذلك بأن لا تشتم له عرضا، ولا تضرب له ظهرا، فإن الحر لا ترضيه الدنيا عوضا عن هذين، ولكن خذ ماله، ومتى شئت أن تصلحه فمال بمال.
[١ / ٥٨]
عبد الملك: تفقّد كاتبك وحاجبك وجليسك فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك السفاح: ما أعدكم شيئا ولا أوعدكم إلا وفّيت: بالوعد والإيعاد. والله لأعملن اللين حتى لا تنفع إلا الشدة.
ولأغمدنّ سيفى إلا فى إقامة حد أو بلوغ حق، ولأعطينّ حتى أرى العطية ضياعا «١» .
المنصور: اسمع من أهل التجارب ولا تردنّ على ذوى الرأى من ثقاتك النصيحة فتمنعها لرهبتهم منك [وأنت] «٢» أحوج ما تكون إليها ثم لا تكون لك عليهم حجة.
عبد الله بن الحسين بن الحسن: احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان غاشّا، فيوشك أن يورطك الجاهل بمشورته، فيسبق إليك مكر العاقل، وتورط الجاهل محمد [الباقر] «٣» بن زين العابدين: إن الله خبّأ رضاه فى طاعته، فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه فى خلقه، فلا تحقرن أحدا فلعل ذلك الولىّ.
ابنه جعفر الصادق: أهلك الله ستة بستة، الولاة بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق «٤» بالجهل، والفقهاء بالحسد.
[١ / ٥٩]
على الرضا بن الكاظم بن الصادق: الزاهد متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته، غائب عن الناس وهو فيهم حاضر، مع ما قدم من عمله، وهو غائب عنه، يحاسب نفسه ويرجو ربّه.
محمد بن الحنفية: أشد الناس زهدا من لا يبالى بالدنيا فى يد من كانت وأخسر الناس صفقة من باع الباقى بالفانى، وأعظم الناس قدرا من لا يرى الدنيا قدرا لنفسه.
عبد الله بن جعفر: يا بنيّة، إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك والمعاتبة فإنها تورث الضغينة، وعليك بالزينة، واعلمى أن أزين الزينة الكحل، وأطيب الطّيب الماء «١» .
عبد الملك بن صالح العباسى: قال لأمير غزاه: اعلم لتك مضارب الله لخلقه، فكن بمنزلة التاجر الكيّس إن وجد ربحا وإلا احتفظ برأس المال، وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرا من احتياله عليك.
مسلمة بن عبد الملك بن مروان «٢»: لا أزال فى فسحة من أمر الرجل حتى أصطنع عنده يدا، فإذا اصطنعتها لم يكن لى همّ إلا ربّها، فإن ربّ الصنائع عند الأحرار أصعب من ابتدائها.
سعيد بن العاص بن أمية «٣»: الولاية نظهر المحاسن والمساوئ، وقلما شاتمت
[١ / ٦٠]
مذ كنت رجلا لأنى لا أشاتم إلا أحد رجلين، إما كريما فأنا أحق أن أحتمله، وإما لئيما فأنا أولى من ترفع نفسه عنه.
زياد «١»: إن تأخير جزاء المحسن لؤم، وتعجيل عقوبة المسىء دناءة، والتثبت فى العقوبة ربما أدى إلى سلامة منها، وتأخير الإحسان ربما أدى إلى ندم لم يمكن صاحبه أن يتلافاه الحجاج: إن امرأ أتت عليه [ساعة] «٢» من عمره ولم يذكر بها ربه ولم يستغفر من ذنبه، ولا أفكر فى معاده لجدير أن تظهر له/ حسرته يوم القيامة.
أبو مسلم «٣»: كان أقوى الأسباب فى خروج دولة بنى أمية عنهم كونهم أبعدوا أولياهم ثقة بهم وأدنوا أعداءهم تألفا لهم، فلم يصر العدو بالدّنو صديقا وصار الصديق بالبعد عدوا
[١ / ٦١]
الطبقة الرابعة: من النثر القصير
البخارى: من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة «١» .
المسيح صلى الله على نبينا محمد وعليه: يا بنى إسرائيل، لا تكلمّوا بالحكمة عند الجهّال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم يا بنى اسرائيل، الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبوه، وأمر أختلف فيه فردوه إلى الله عز وجل.
الفاروق رضي الله عنه: كتب إلى معاوية رحمه الله: أما بعد، فإنى لم لم آلك فى كتابى إليك ونفسى خيرا، إياك والاحتجاب، وإيذن للضعيف وأدنه ينبسط لسانه ويجترىء قلبه، وتعهد الغريب فإنه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقه وضعف قلبه وإنما أبطل حقه من حبسه «٢» .
ذو النورين رضي الله عنه: إنى والله ما أتيت الذى أتيت وأنا أجهله، ولكن منعتنى نفسى، وأضلتنى رشدى وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تعادوا فى الباطل»، وأنا أول من اتعظ واستغفر الله،
[١ / ٦٢]
فأشيروا علىّ فإنه لا يردنى الحق إلى شىء إلا صرت إليه «١» .
أبو السبطين رضي الله عنه «٢»: لقد أفسدتم على رأيى بالعصيان، وملأتم جوفى غيظا حتى قالت قريش: ابن أبى طالب رجل شجاع ولكن لا رأى له فى الحرب، ولله درهم، من ذا يكون أعلم بها منى، والله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيّفت اليوم على الستين ولكن لا رأى لمن لا يطاع.
الحسين رضي الله عنه: إن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملّوا النعم فتحور نقما، إن المعروف مكسب حمدا، ومعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا، رأيتموه حسنا جميلا، يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب والأبصار.
الصادق «٣»: الصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذى حسب أو دين، والله ينزل الرزق على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن أيقن بالخلف جاء بالعطية، ولو أراد الله بالنحلة خيرا ما أنبت لها جناحين.
الرضى: القناعة تجمع إلى صيانة النفس وعز القدر طرح مؤن الاستكثار والتعبد لأهل الدنيا، ولا يسلك
[١ / ٦٣]
طريق القناعة إلا رجلان: إما متقلّل يريد أجر الآخرة، أو كريم يتنزه عن لئام الناس.
العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب؛ قال فى تعزية:
إنى لم آتك شاكا فى عزمك. ولا زائدا فى علمك ولا متهما بعهدك، ولكنه حق الصديق، وقول الشفيق. واستبق السلوة بالصبر، وتلقّ الحادثة بالشكر، يحسن لك الذخر، ويكمل لك الأجر.
عبد الله بن جعفر بن أبى طالب: عليك بصحبة من أن صحبته زانك، وإن خفضت له صانك، وإن احتجت إليك عانك، وإن رأى منك خلة سدّها، أو حسنة عدها، وإن كثرت عليه لم يرفضك، وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتدأك ابن عباس: لا يزهدنك فى المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه، وإنى والله ما رأيت أحدا أسعفته فى حاجة إلا أضاء ما بينى وبينه، ولا رأيت أحدا رددته عن حاجة إلا أظلم ما بينى وبينه.
ابنه [علىّ] «١»: من لم يجد مسّ نقص الجهل فى عقله، وذلة المعصية فى قلبه، ولم يستبن موضع الخلة فى لسانه عند كلال حدّه عن حد خصمه، فليس ممن ينزع عن ريبه، ولا يرغب عن حال معجزة ولا يكترث لفضل ما بين حجة وشبهة.
[١ / ٦٤]
السديد منصور بن نوح صاحب بخارى «١»: لابد للملك بعد الغلمان والخدم والأولياء والوزير والكاتب والولاة والعمال من فقهاء يحفظون دينه، وأطباء يتعاهدون صحته، وندماء يجلبون أنسه، ومطربين يغذون روحه، وأدباء وشعراء يخلدون ذكره.
أبو الحسن بن سمجور صاحب خراسان «٢»: ينبغى للملك أن يبنى أمره مع عدوه على أربعة أوجه: اللين والبذل والكيد والمكاشفة، ومثل ذلك الجرح الذى أوله التسكين فإن لم ينفع فالانضاج والتخليل، فإن لم ينفع قسط «٣» فإن لم يغن فالكى وهو آخر الدواء.
سبكتكين صاحب غزنة «٤»: أنا أبنى أمرى على ستة: تجنب الكسل، وكتمان السر، وجمع المال من وجهه، وبذله فى حقه، ورفع الوضيع الذى لا يعرف بعد الله أحدا غيرى، وبث الجواسيس فى تعرف أوليائى وأعدائى.
[١ / ٦٥]
الخميلة الثانية المشتملة على النثر المتوسط
الطبقة الأولى: من نثر الدر
قال رسول الله ﷺ: ألا أخبركم بأحبكم إلىّ وأقربكم منى مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إلىّ، وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة، الثرثارون المتفيقهون المتشدقون. ألا أخبركم بشراركم، من أكل وحده ومنع رفده وضرب عبده. ألا أخبركم بشر من ذلكم، من يبغض الناس ويبغضونه. «١»
الصديق رضي الله عنه: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة فى الحال التى يؤمن فيها الكافر ويتقى الغاجر.
إنى استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك به ورأبى فيه، وإن جار وبدل فلا علم لى بالغيب والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون «٢» .
الفاروق رضى الله: إنى خبرت الرجال فوجدتهم ثلاثة. رجل ينظر فى الأمور قبل أن تقع فيصدرها مصادرها، ورجل متوكل لا ينظر. فإذا نزلت به نازلة شاور
[١ / ٦٧]
أهل الرأى وقبل قولهم، ورجل حائر بأمر لا يأمر رشدا ولا يطيع مرشدا، فهو من الهالكين الذين أسرتهم أهواؤهم وأوبقهم شهواتهم.
أبو السبطين رضي الله عنه: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله ﷺ كانتفاعى بكلام على عليه السلام.
كتب إلىّ: أما بعد، فإن المرء يسره درك ما لم يكن يفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما أدركته من أمر أخراك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما أتاك من الدنيا فلا تكن فيه مرحا فرحا، وما فاتك فلا تكن عليه جزعا. وليكن همك لما بعد الموت والسلام.
معاوية رضي الله عنه «١»: قال عند قدومه المدينة فى خطبة: أما بعد، فإنا قد قدمنا على صديق مستبشر وعدو مستنسر «٢»، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولست أسع الناس كلهم، فإن تكن محمدة فلا بد من لائمة، فليكن لوما هونا، إذا ذكر غفر، وإياكم والعظمى التى إن ظهرت أوبقت، وإن خفيت أكمدت.
[١ / ٦٨]
يزيد: كتب لأهل المدينة «١»: أما بعد، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وإنى والله لقد لبستكم فأخلقتكم، ورفقت بكم فأخرقتكم، ثم وضعتكم على رأسى ثم على عينى ثم على فمى ثم على بطنى، وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمى لأطأكم وطأة أقل بها عددكم وأذل بها غابركم، وأترككم أحاديث تنسخ فيها أخباركم مع أخبار عاد وثمود.
ابنه معاوية: أما بعد، أيها الناس، فإن هذه الخلافة حبل الله نازعها يزيد بن معاوية ابن بنت رسول الله ﷺ فنضب عمره، وانبتر عقبه، وإنى لم أذق حلاوتها، ولا أتقلد لكم مرارتها.
فدونكم وإياها متروكة ذميمة.
عبد الملك «٢»: خطب بالمدينة فقال: يا معشر قريش، وليكم عمر بن الخطاب فكان مغلظا لكم مضيّقا عليكم فسمعتم له وأطعتم، ثم وليكم عثمان فكان سمحا كريما فقتلتموه، وبعثنا إليكم مسلما «٣» فقتلكم يوم الحرة، فنحن نعلم أنكم لا تحبوننا أبدا وأنتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم أبدا ونحن نذكر مقتل عثمان.
المنصور «٤»: بعد قتل أبى مسلم: أما بعد، أيها الناس، فإنه
[١ / ٦٩]
من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه خبء هذا العمل، وإن عبد الرحمن بايعنا وبايع لنا، على أنه نكث بنا فقد حل دمه. ثم نكث بنا فحكمنا فيه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحد عليه.
الرشيد: وقد شغب الجند ثم سكتوا بعد إيقاع بهم:
أما بعد، فقد كان لكم ذنب ولنا عتب، وكان منكم اصطلام ومنا انتقام، وعندى بعد هذا لكم التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين والاحسان إلى المحسنين، والتغمد لإساءة المسيئين، ولا يكفر لكم بلاء، ولا يحبس عنكم عطاء، وعلىّ إن شاء الله بذلك الوفاء.
الأمين: كتب إلى طاهر وهو محاصر له: أما بعد، فإن الأمر خرج بينى وبين أخى إلى هتك الستور، وكشف الحرم. ولست آمن أن يطمع فى هذا الأمر السحيق البعيد لشتات ألفتنا واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لى أمانا لأخرج إلى أخى به، فإن تفضل على فأهل ذلك، وإن قتلنى فمروة كسرت مروة، «١» وصمصامة قطعت صمصامة، ولأن تقهر سنّى السبع أحب إلىّ من أن تنبحنى الكلاب.
[١ / ٧٠]
الطبقة الثانية: من النثر المتوسط من الكوكب الدرى.
قال رسول الله ﷺ: سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وقلب نشأ فى عبادة الله، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا فى الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته ذات حسن وجمال فقال إنى أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه «١» .
على رضي الله عنه: فى خطبة «٢»: أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهى الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، تقولون فى المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم حياد حياد، ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل، أى دار بعد داركم تمنعون، أم مع أى إمام بعدى تقاتلون، المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب.
عبد الله بن معاوية الجعفرى «٣»: أما بعد فقد عاقنى الشك فى أمرى عن عزيمة الرأى فيك، ابتدأتنى بلطف من غير خبرة، ثم أعقبتنى جفاء من غير ذنب، فأطمعنى أولك فى إخائك، وأيأسنى آخرك من وفائك، فلا أنا فى غير الرجاء مجمع لك اطراحا، ولا أنا فى غد وانتظارى منك [على ثقة] «٤» فسبحان من
[١ / ٧١]
لو شاء كشف بإيضاح الرأى عن عزيمة الشك «١» فيك، فأقمنا على إئتلاف وافترقنا على اختلاف.
داود بن على العباسى «٢»: خطب فى أول دولتهم بعد مقتل مروان فقال:
شكرا شكرا، إنا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرا، ولا لنبنى قصرا، أظنّ عدو الله أن لن نظفر به، أرخى له فى زمامه حتى عثر فى فضل خطامه، فالآن عاد الأمر فى نصابه، وطلعت الشمس من مطلعها، والآن أخذ القوس باريها، وعادت النبل إلى النزعة، ورجع الحق إلى مستقره، فى أهل بيت نبيكم ﷺ، أهل الرأفة والرحمة، وإن الملك لفرع نبعة نحن أفنانها، وذروة هضبة نحن أركانها.
أخوه سليمان»
: قال فى خطبته: ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون. قضاء فصل، وقول مبرم. فالحمد لله الذى صدق وعيده، وأنجز وعده. وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرما، والدين هزؤا، والفىء إرثا، والقرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزءون فكأيّن ترى من بئر معطلّة، وقصر مشيد، ذلك بما قدمت أيديهم. وما الله بظلام للعبيد.
ابن أخيه العباس بن محمد «٤»: قال لمعلم ولده: إنى قد كفيتك أعراقهم.
[١ / ٧٢]
فاكفنى آدابهم، اغذهم بالحكمة فإنها ربيع القلوب، وفقّهم النسب والخبر فإنه أفضل علم الملوك، وأيدهم بكتاب الله تعالى فإنه قد خصهم ذكره، وعمهم رشده، وكفى بالمرء جهلا أن يجهل فضلا عن أحد، وخذهم بالإعراب فإنه مدرجة البيان، وفقهم فى الحلال والحرام فإنه حارس من أن يظلموا، ومانع من أن يظلموا.
ابن أخيه عيسى بن موسى «١»: كتب لعمه المنصور حين هدده أهل خراسان بالقتل إن لم يخلع نفسه من العهد: «٢» لو سامنى غيرك ما سمتنى يا أمير المؤمنين لما استنصرتك عليه، ولا استشفعت بك إليه حتى يقر الحزم قراره، وينزل الحق منزله. ونحن أول دولة يستن بعملنا، وينظر إلى ما اخترناه منها، وقد استعنتك على قوم لا يعرفون الحق معرفتك، ولا يلاحظون العواقب ملاحظتك، فكن لى عليهم نصيرا، ومنهم مجيرا، يجزك الله خير جزائه عن صلة الرحم، وقطع الظلم إن شاء الله.
ابن عمه عبد الملك بن صالح «٣»: كتب للرشيد مع فاكهة فى أطباق خيزران:
أسعدك الله يا أمير المؤمنين وأسعد بك. دخلت بستانا لى، أفادنيه كرمك، وغمرته لى نعمتك، وقد أينعت أشجاره، وأتت ثماره، فوجهت إلى أمير المؤمنين كل شىء شيئا على الثقة والإمكان، فى أطباق قضبان، ليصل إلىّ من بركة دعائه مثل ما وصل إلىّ من بركة عطائه، فهو أهل لكل إحسان وكل امتنان، وكنا بالقضبان عن الخيزران. فاستحسن الرشيد ذلك، إذ اسم امه الخيزران.
[١ / ٧٣]
عمرو بن سعيد «١»: كتب إلى عبد الملك بن مروان: استدراج النعم إياك أفادك البغى، ورائحة القدرة أورثتك الغفلة، فزجرت عما واقعت مثله، وندبت إلى ما تركت سبله ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطالب، ما انتقل سلطان، ولا ذل عزيز، وعزّ ذليل، وعما قليل، تتبيّن من صريع بغيه، وأسير غفلته والرحم تعطف على الإبقاء عليك مع أخذك «٢» ما غيرك أقوم به منك.
[١ / ٧٤]
الطبقة الثالثة: من النثر المتوسط من الكمائم
أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بمكة حين دعا قومه قال فيها بعد أن حمدا لله وأثنى عليه «١»: إن الرائد لا يكذب أهله. والله لو كذبت الناس ما كذبتكم، ولو غررت الناس ما غررتكم، والله إنى لرسول الله إليكم حقا وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، وتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزونّ بالاحسان إحسانا، وبالسوء سوءا وإنها للجنة أبدا، والنار أبدا، وإنكم لأول من أنذر، بين يدى عذاب شديد.
الصديق رضي الله عنه: قال فى وصيته ليزيد بن أبى سفيان حين أنفذه إلى الشام «٢»: إذا قدمت على أهل عملك فعدهم الخير، وإذا وعدت فأنجز.
ولا تكثر عليهم الكلام فإن بعضه ينسى بعضا، وأصلح نفسك يصلح الناس لك، إذا قدم عليك رسل عدوك فأكرم مثواهم فإنه أول خبرك إليهم، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك محادثتهم، ولتكن أنت الذى تلى كلامهم، ولا تجعل سرك مع علانيتك فتمزج أمرك.
عمر رضي الله عنه: لما بعث سعد بن أبى وقاص لحرب الفرس قال له: أوصيك بعشر خصال: لا تقتل امرأة ولا وليدا ولا فانيا، ولا تقطع شجرة بثمرة.
ولا تعقر شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا ما أكلتهم؛ لا تحرق نخلا ولا كرما، ولا تخرب عامرا، ولا تتهور ولا تجبن. وإذا دخلت أرض العدو فإنك ستجد قوما حبسوا أنفسهم لله، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجد قوما فحصوا عن أوساط
[١ / ٧٥]
رءوسهم، فاضرب ما فحصوا بالسيف، وإياك ومعاصى الله فى الجيش، فإنها مفسدة للحرب ومبغضة للرب.
على رضي الله عنه: فى جواب معاوية رضي الله عنه: وذكرت أنه ليس لأصحابى عندك إلا السيف، فقد اضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بنى هاشم عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين: «لبّث قليلا يدرك الهيجا حمل» «١» فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستيعد، وانا مرّقل إليك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين، لهم بإحسان شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم فقد صحبتهم ذرّيّة بدريّة، وسيوف هاشميّة، قد عرفت مواقعها فى أخيك وخالك وجدك وأهلك، وماهى من الظالمين ببعيد «٢» .
معاويه رحمه الله: قال لوفود البصرة والكوفة: مرحبا بكم معاشر العرب، أما والله لئن فرقت بينكم الدعوة لقد جمعت بينكم الرحم، إن الله اختاركم من الناس ليختارنا منكم، ثم حفظ عليكم نسبكم بأن اختار لكم بلادا تختار عليها المنازل حتى صفّاكم من الأمم كما تصفى الفضة من خبثها، فصونوا أخلاقكم، ولا تدنسوا أنسابكم، فإن الحسن منكم أحسن لقربه منكم، والقبيح منكم أقبح لبعده عنكم.
عبد الملك بن مروان: خطب بعد مقتل مصعب بالكوفة فقال «٣»: أيها الناس،
[١ / ٧٦]
إن الحرب صعبة مرة، وان السلم أمن ومسرة، وقد زبنتنا الحرب وزبنّاها «١»، فعرفناها وألفناها، فهى أمّنا ونحن بنوها، فاستقيموا على سبل الهدى، ودعوا الأهواء المرذولة، وتجنبوا فراق الجماعة ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرّا، ولن تزداد بعد الاعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة. فمن شاء منكم أن يعود لمثلها فليعد.
عبد الله بن الزبير: قال وهو يحارب الحجاج «٢»: أما بعد، يا آل الزبير فلا يبرمكم وقع السيوف، فإنى لم أحضر موطنا قط. إلا جرحت فيه، وما أجد من ألم جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها. صونوا سيوفكم كما تصونوا وجوهكم ولا أعلم أحدا كسر سيفه واستبقى نفسه، فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة، غضوا أبصاركم عن البارقة، وليشتغل كل منكم بقرنه، ولا يلهينّكم السؤال عنى، ولا تقولوا أين عبد الله بن الزبير. ألا من كان سائلا عنى فإنى فى الرعيل الأول.
عبد الملك بن صالح العباسى «٣»: قال لمعلم ولده وقد أنهضه لمجالسته: كن على الماس الخط بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام، فقد قيل إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلّم. ولا تساعدنى على قبيح، ولا تردنّ علىّ فى محفل، وكلمنى بقدر ما استنطقتك. واعلم أن حسن الاستماع أحسن من حسن القول، فأرنى جهمك فى نظرك، واعلم أنى جعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت معلما مبعدا، ومن لم يعرف نقصان ما خرج منه لم يعرف رجحان ما دخل فيه.
[١ / ٧٧]
الطبقة الرابعة: من النثر المتوسط
ابن الحصين «١»: خطب رسول الله ﷺ يوم الأحزاب فقال:
الحمد الله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونؤمن به، ونتوكل عليه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، والذى بعثنى بالحق إنهم لحزب الشيطان، يحدثونهم فيكذبونهم، ويمنّونهم فيغمدونهم، ويعدونهم فيخلفونهم، اللهم اضرب وجوههم ولا تبارك لهم فى مقامهم، اللهم مزّقهم فى الأرض تمزيق الرياح الجراد، والذى بعثنى بالحق لئن أمسيتم قليلا لتكثرنّ، وإن كنتم أذلة لتعزن حتى تكونوا نجوما يقتدى بواحدكم، فيقال قال فلان، وقال فلان الصديق رضي الله عنه: خطب بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال:
وقد ارتدت العرب وقالت نصلى ولا نزكىّ-: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت أيها الناس: إن أكثر أعداؤكم وقل عددكم ركب الشيطان منكم هذا المركب؟ والله ليظهرنّ الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون، قوله الحق ووعده الصدق. ثم تلى: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ»
«٢» وقوله تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ»
«٣» . ثم قال: والله أيها الناس، لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لجاهرتهم فى الله عليه واستعنت بالله وهو خير معين.
[١ / ٧٨]
عثمان رضي الله عنه: عندما أحيط به وعظم الخطب من الكوفيين والمصريين قام خطيبا فقال: ألا فقد والله عبتم علىّ ما أقررتم ابن الخطاب بمثله، ولكن وطئكم برجله، وضربكم بيده، ومنعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم؛ ولنت لكم ووطأت لكم كنفى، وكففت عنكم يدى ولسانى فاجترأتم علىّ.
أما والله لأنا أعز نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثر عددا. ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا كثيرا، وكثرت لكم غرمانى وأخرجتم منى خلقا لم أكن أسنه، ومنطقا لم أكن أنطق به على رضي الله عنه: لما بلغه ما فعل بسر «١» من قبل معاوية فى اليمن قال فى خطبته:
ما هى إلا الكوفة أقبضها وأبسطها إن لم تكونى إلا أنت، تهبّ أعاصيرك، فقبّحك الله، أنبئت أن بسرا قد أطلع على اليمن، وإنى والله لأظن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وافتراقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم فى الحق، وطاعتهم إمامهم فى الباطل، وبأدائهم إلى الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلّاقته. اللهم إنى قد سئمتهم وسئمتمونى فأبدلنى بهم خيرا منهم، وأبدلهم بى شرا منى.
معاوية رضي الله عنه: خطب وقد وفدت عليه وفود العرب فأعظم جوائزها، فلما دخلت عليه لتشكره سبقهم بالكلام فقال «٢»: جزاكم الله معاشر العرب عن قريش خير ما يجزى به فى تقديمكم إياهم فى الأمن، وتقدمكم إياهم فى الحرب، وحقنكم دماءهم بسفكها منكم، أما والله لا يؤثرن عليكم منهم إلا حازم كريم، ولا يرغب عنكم منهم إلا عاجز لئيم، شجرة قامت على ساق. تفرع أعلاها وثبت أصلها، عضد الله من عضدها، فيالها ألسنا لو اجتمعت. وأيديا
[١ / ٧٩]
لو امتنعت، ولكن كيف بإصلاح ما أراد الله فساده. معشر العرب: أحبّونا فو الله ما أبغضناكم، وأبرّونا فو الله ما أترنا عليكم، وانكم للشعار المستبطن» .
فاستعبر القوم حتى علا بكاؤهم.
يزيد بن الوليد بن عبد الملك: لما خرج على ابن عمه الوليد بن يزيد وقتل الوليد وحصلت له الخلافة قام خطيبا فقال «١»: أيها الناس، والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا، ولكن خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى الله وإلى سنة نبيه وسلم لما هدمت معالم الهدى، وأطفىء نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد المستحل بكل حرمة، والراكب لكل بدعة، وإنه لابن عمى فى النسب وكفئى فى الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله فى أمره، وسألته ألا يكلنى إلى نفسى، ودعوت إلى ذلك من أجابنى من أهل ولايتى حتى أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد بحوله وقوته لا بحولى وقوتى.
عتبة بن أبى سفيان «٢»: قال لمعلم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدى إصلاح نفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تستقبحه، علّمهم كتاب الله تعالى، وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تكرههم على علم فيملوه، ولا تدعهم فيهجروه، ولا تخرجهم من علم إلى علم، فازدحام العلم فى السمع مضلة للفهم، وعلّمهم سير الحكماء، وهدّدهم بى، وأدّبهم دونى، ولا تتكل على عذر منّى، فإنى قد اتكلت على كفاية منك.
[١ / ٨٠]
الخميلة الثالثة المشتملة على النثر الممتع
وجميع طباقها الأربع مقتطف من كتاب «حلى الرسائل» الذى كنت قد جمعته بحلب للملك الناصر رحمه الله، وقصد هذا فى هذا المكان الأحماض فى التنويع والخروج عن الأسلوب المتقدم.
الطبقة الأولى: [ترسيل القدماء من كتاب المشرق)]
عبد الحميد من يحيى «١» إمام الكتاب الذى اخترع التحميدات فى صدور الكتب والتصرف فيها بالفصاحات والبلاغات وهو إمام الكتاب. كتب عن مروان آخر خلفاء بنى أمية إلى فرق العرب حين فاض العجم من خراسان بشعار السواد قائمين بالدولة العباسية: «٢» أما بعد: فقد بلغكم قولا شائعا ثم فعلا فاضحا ما كان من ائتلاف كلمة هؤلاء المارقة بعد الشّتات. وظهور باطلهم بعد الغموض، وانسياح ضلالتهم فى الأرض [بعد] «٣» الانكماش، وها هم قد تركوا خراسان رأس الدنيا ودار العجم وراءهم، وأقبلوا وراء رقعتكم ليجالدوكم عليها، ويزحزحوكم عنها بجيشى التمويه والسيف، فاتقوا الله فى حمايتكم عن دينكم، واحذروا العار فى أخذ دنياكم من أيديكم. وكونوا عند الوفاء لمن اعتدّ بكم، ولا تمكنوا ناصية الدولة العربية من يد الفئة العجميّة، واثبتوا ربثما تنجلى هذه الغمرة، وتصحو هذه السكرة، فسينضب السيل وتمحى آية الليل.
[١ / ٨١]
اسماعيل بن صبيح «١»: أول من اشتهر من كتاب الدولة العباسية وحذا حذو عبد الحميد، كتب عن الرشيد فى شأن ولاية الأمين والمأمون العهد رسالة وجّه منها نسخا لعمّاله أولها «٢» /: أما بعد، فإن الله ولىّ أمير المؤمنين وولىّ ما ولاه، والحافظ لما استرعاه، والمنعم عليه بالنصر والتأييد فى مشارق الأرض ومغاربها، والكالى، والحافظ والكافى من جميع خلقه، وهو المحمود على جميع آلائه، المسئول أحسن ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين وعادته الجميلة عنده، وللقيام بما يرضى ويوجب له أحسن المريد من فضله، وقد كان من نعمة الله عند المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ما تولّى الله من محمد وعبد الله ابنى أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسن ما أملت الأمة، ومدت إليه أعناقها.
بكر بن المعتمر «٣»: كاتب الأمين، كتب عنه إلى أخيه صالح وهو بخراسان فى أمر أخذ البيعة له بعد وفاة الرشيد بها: إذا ورد عليك كتابى هذا عند وقوع ما سبق من علم الله، وأنفذ من قضائه فى خلفائه والملائكة المقربين، فإن كل شىء هالك إلا وجهه، فاحمدوا الله على ما صار إليه أمير المؤمنين من عظيم ثوابه، ومرافقة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وصلوات الله على أمير المؤمنين حيا وميّتا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فبشّر فى أمرى، وإياك أن تلقى بيدك، فإن أخاك قد اختارك لما استنهضك له، ونسأل الله التوفيق وهو متفقد مواقع فعلك، فحقق ظنه، وخذ البيعة على من قبلك على الشريطة التى جعلها أمير المؤمنين. فإن السعادة فى العمل بعهده.
ذو الرئاستين الفضل بن سهل «٤»: كتب عن المأمون إلى الأسين وقد بدأ الفساد
[١ / ٨٢]
بينهما يطلب منه أن يوجه أهله وماله إلى خراسان «١»: أما بعد، فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظر من لا يقتصر على إعطاء النّصفة من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببرّه وصلته، وإذا كان ذلك رأيه فى عامته فأحر بأن يكون على مجاوزة ذلك لصنوه وقسيم نسبه. وقد يعلم أمير المؤمنين حالا أنا عليها من ثغور حللت بين لهواتها «٢»، وأجناد مشاغبة باختلافها، وقلة الخراج قبلى، والأهل والولد والمال قبل أمير المؤمنين، وما للأهل وإن كانوا فى كفاية من برّه بد من الإشراف والنزوع إلى كنفى، ومالى بدّ من القوة والاستظهار بالمال على لمّ الشعث بحضرتى. ورأى أمير المؤمنين موفق إن شاء الله تعالى.
أحمد بن يوسف «٣»: كتب إلى المأمون فى الاعتذار عن قتل أخيه الأمين.
أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين فى النسب واللحمة فقد فرق الله بينه وبينه فى الولاية والحرمة بمفارقته عصمة الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين./ يقول الله عز وجل حين اقتص علينا نبأ ابن نوح انه ليس من أهله، انه عمل غير صالح، ولا طاعة لأحد فى معصية الله، ولا قطيعة فى طاعة الله. وقد قتل الله المخلوع، ومهّد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له فى من بغى عليه ونقض عهده [وسابق] وعده «٤» ورد به الألفة بعد فرقتها وجمع الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الإسلام بعد دروسها.
[١ / ٨٣]
الطبقة الثانية: المجتمع فى أسلوب ترسيل القدماء من كتاب الأندلس
فطيس بن عيسى «١»: هو أول من ظهر فى هذا الباب من كتاب بنى أمية بالمغرب.
كتب عن الحكم الربضى الكائن فى زمن الرشيد إلى الأصبغ بن وانسوس والى ماردة وقدساء باطنه.
وبعد، فكم يقربك سالفك، ويبعدك خالفك، ويحسن الظن بك من لا يفرط فى قديمك، ولا ييأس من مستأنفك، وأنت تسيئة إصغاءا إلى نميمة حاسد، وكمد منافس. واعجبا تغلق الأسماع عما يبلغه أهل السعاية عنك، فتأبى إلا فتحها بما يصدر بعد ذلك منك، فانظر أرشدك الله لما يرضى الله، أو يرضى إمامك، أو تكون فيه عاقبة حميدة لنفسك، وإنى بعد هذا لا نيأس من أن يتبع فرعك أصلك، ولا نقطع أنك لا تفكر بفكرة صالحة تجور بك إلى ما يحسن عنك سماعه، ويرجى لك به حسن العاقبة، فعندك الخبر اليقين بمن أرخى لببه فى العصيان حتى صرع.
عبد الواحد بن مغيث «٢»: وزير عبد الرحمن الأوسط بن الحكم وكاتبه، أغزاه الأمير المذكور فكان له أثر محمود، كتب فيه كتابا صدره:
أما بعد، فالحمد لله الذى جعل عزه ونصره وتأييده وفلحه وتمكينه لأوليائه وأنصار دينه الذى ارتضى لنفسه، وجعل توبيخه وسطوته ومثلاته «٣» لأهل الشرك به، والتكذيب بآياته، وأنزل بهم من ذله وخزيه ونوازعه ما سبق به قضاؤه. فإنه تبارك وتعالى يقول: «ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما
[١ / ٨٤]
صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتى وعد الله» «١» والحمد لله الصانع للأمير مالم يزل يتولاه من أمره، ويليه من كفايته وحسن الصنع له، وكبت عدوه بيمن نقيبته، وبركة سلطانه. ثم إنى أعلم الأمير- أعز الله نصره- أنى منذ انتخبنى لما انتخبنى له من الغزو بجيوشه لم أزل معملا رأيى فى كل ما أرجو به عزه، وذلّ عدوه.
الوليد بن غانم «٢»: أحد وزراء الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط وكتابه، كتب عنه إلى الوزير هاشم بن عبد العزيز وقد أساء المسيرة مع الجند حتى ورّطوه فأسر: وبعد، أيها الناصح الذى خانته أغراضه، فلم ينتفع بنصيحته، والسديد الرأى الذى أفسدت عليه فكرته وأهواؤه، فلم يسعد رأيه، والسابق الذى لم يزل يجلى حتى جمع به نزقه عن المضمار الذى أجرى فيه أما علمت أن الهدهد يرى الماء وهو تحت الأرض على مسانة بعيدة، ويقع فى الفخ وهو بمرآى عينه وعلى قرب منه. وما ذاك إلا لصحة نظره، وتخليصه من مشاركة الأطماع، فلما طمع فى الحبة التى نصبت له صدأ الحرص فكرته فأرداه. وأنت لما كنت مخلّصا من الأطماع، سليما من الأغراض وأبصرت رشدك، ونفعت سهلك. ولما داخلتك هلكت وأهلكت.
عبد الملك بن إدريس الجزيرى «٣»: كاتب المنصور بن أبى عامر، كتب عن نفسه إلى مخدومه وقد سخط عليه، وبعد حمد الله المحمود على السراء والضراء، المسلم لحكمه وقضائه فى السخط والرضا، فقد علم سيدى ورب النعمة علىّ أن النفوس خيل حلبة، تتسابق إلى الغايات التى قدرت لها، والسعيد سعيد فى بطن أمه، والشقى شقى فى بطن أمه. وقد كان من قدر
[١ / ٨٥]
الله سبحانه إنعامه علىّ برضاك مرة جررت بها ذيول العز فى بساط الإذلال إلى أن طالت، فعثرت فيها بالاغترار وسابق الاقدار عثرة لا تستقال إلا بالمعتاد من كرمك، وإغضائك عن هفوات صنائعك، والحاجب المنصور- أدام الله حلو نصره- يعلم أن ريّض الخيل بعد الأدب أمتع، والمهيض بعد الجبر أصلح.
أبو حفص بن برد «١»: كاتب المظفر بن المنصور بن أبى عامر. كتب عنه فى شأن سطوته بصهره ابن القطاع: أيها الناس، وفقكم الله بعصمته، واستنفذكم برحمته. إن من علم منكم حال الخائن فلان «٢» بالمشاهدة ورأى مبلغ النعمة عليه بالمحاضرة فقد اكتفى بما شاهد واجتزأ بما حضر، ومن غاب ومن غاب عنه كنه ذلك فليعلم أنا أخذناه من الحضيض الأوهد، وانتشلناه «٣» من شظف العيش الأنكد، فرفعنا خسيسته، وأتممنا نقيضته، وخولناه صنوف الأموال، وصيّرنا حاله فوق الأحوال، بدأ له بذلك المنصور مولاى رحمه الله فاعتمدته «٤» فمهدت له فرش الكرامة، وبوّأته دار الفخامة، وأسبغت من النعم عليه ما أحوج الخاصة والعامة إليه، فلم يقسم الله بحق، ولا قابل إحسانه بصدق، ولا عامل رعيتنا برفق، ولا تناول خدمتنا بحذق، حتى إذا ملكه الأشر، حاول شق عصا الّامة، فصرعه بغيه، وأسلمه غدره «٥» .
[١ / ٨٦]
الطبقة الثالثة: [ترسيل كتاب المشارقة والمغاربة]
من النثر الممتع، وهى مشتملة على محاسن اقتطفتها من ترسيل ابن العميد وابن عباد والصابى أعلام كتاب المشارقة فى عصرهم وترسيل [أبى] الوليد بن زيدون وابن أبى الخصال علمى كتاب المغاربة فى عصرهما.
أبو الفضل بن العميد «١»: كاتب ركن الدولة بن بويه سلطان عراق العجم.
كتب عنه إلى بلكا حين ظهر منه عصيان:
كتابى وأنا مترجح بين طمع فيك ويأس منك، وإقبال عليك وإعراض عنك، فإنك تدلى بسابق حرمة، وتمت بسالف خدمة، أيسرهما يوجب رعاية، ويقتضى محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية، وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويسحق ما يوعى لك، لا جرم أنى وقفت بين ميل إليك وميل عنك، أقدم رجلا لصدك، وأؤخر أخرى عن قصدك، وأبسط يدا لإصطلامك واجتياحك، وأنثنى ثانية نحو استبقائك واستصلاحك، وأتوقف عن امتثال بعض المأمور فيك، ضنّا بالنعمة عندك، ومنافسة فى الصنيعة لديك، وتأميلا لفيئتك وانصرافك، ورجاء لمراجعتك وانعطافك. فقد يغرب العقل ثم يؤوب، ويذهب العزم ثم يعود، وكل ضيقة فإلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء تلميذه الصاحب بن عباد «٢»: كتب مستدعيا للأنس:
نحن سيدى بمجلس غنى إلا عنك، خال إلا منك
[١ / ٨٧]
قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت فيه خدود البنفسج، وفاحت مجامر الأترجّ، وفتقت فارات النارنج، وانطلقت ألسن العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبت رياح الأقداح، ونفقت سوق الأنس، وقام منادى الطرب، وطلعت كواكب الندمان، وامتد سماء الندى، فبحياتى إلا ما حضرت لنحصل بك فى جنة الخلد، وتتصل الواسطة بالعقد، فقد أبت راحنا أن تصفوا إلا إن تناولها يمناك، وأقسم غناؤنا لا يطيب حتى تعيه أذناك، فأما خدود نارنج مجلسنا فقد احمرت خجلا لإبطائك، وعيون نرجسنا فقد حدّقت تأميلا للقائك، فبحياتى عليك إلا ما تعجلت لئلا يخبث تأميلا للقائك، فبحياتى عليك من يومنا ما طاب، ويعود من همنا ما طار.
أبو اسحق الصابى «١»: كتب إلى ابن عباد المذكور:
ورد أطال الله بقاء سيدى فلان وفلان حاجيين، فعاجا إلىّ ملمّين، وعرجا علىّ مسلمين، فحين عرفتهما، وقبل أن أرد السلام عليهما مددت اليد إلى ما معهما كما مدّها حسان إلى رسول جبلة ثقة منى بصلته، وشوقا إلى تكرمته واعتيادا لإحسانه، وإبقاء لموارد انعامه، وتيقنا أن الخطرة منى على باله مقرونة بالنصيب من ماله، وأن ذكراه مشفوعة بجدواه، وقمت عند ذلك قائما وقبلت الأرض ساجدا، وكررت الدعاء والثناء مجتهدا، وسألت الله أن يطيل له أمد البقاء كطول يده بالعطاء، ويمد له فى العمر كامتداد ظله على الحر، وأن يحرس على هذا العدد القليل من الكتاب ومنتحى الآداب ما كنفهم به من ذراه، وأفاء عليهم من نداه مارعاهم فيه من مراتعه، وأعذب لهم من شرائعه التى هم محلئون إلا عنها، ومحرومون إلا منها.
[١ / ٨٨]
أبو الوليد بن زيدون: «١» له رسالة خاطب بها ابن جهور من معتقله:
إن سلبتنى أعزك الله لباس إنعامك، وعطلتنى من حلى إيناسك، وغضضت عنى طرف عنايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلى لك، وسمع الأصم ثنائى عليك، وأحس الجماد باستنادى إليك فقد يغص بالماء شاربه، ويفتك الدواء بالمستشفى به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وإنى لأتجلد فأقول هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضّ به إكليله، ومشرفى ألصقه بالأرض صاقله، وسمهرى عرضه على النار مثقفه، والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلى، والنكبة سحابة صيف عن قريب تنقشع، وليت شعرى ما الذنب الذى أذنبت ولم يسعه العفو، ولا أخلو من أن أكون بريئا فأين العدل، أو مسيئا فأين الفضل، وما أرانى إلا لو أمرت لآدم بالسجود فأبيت، وعكفت على العجل واعتديت فى السبت لكان فيما جرى على ما يحتمل أن يسمّى نكالا.
أبو عبد الله محمد بن أبى الفضل الخصال «٢»: كتب فى رسالة:
وعذرا إليك- أعزك الله- فإنى كتبته والنوم مغازل، والقر منازل، والريح تلعب بلا سراج، وتصول عليه صولة الحجاج، فطورا تسدده سنانا وتارة تحركه لسانا، وآونة تطويه حبابة، وأخرى تنشره ذؤابة، وتقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب وحمة عقرب، وتقوسه حاجب فتاة ذات غمزات، وتتسلط على سليطه، وتزيله عن خليطه، وتحلقه نجما، وتمده رجما، وتسل روحه من ذباله، وتعيده إلى حاله، وربما نصبته أذن جواد، وسخته حدق جراد، ومشقته خاطف برق، يكف بودق، ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله، فلاحظ منه للعين، ولا هداية فى الطرس لليدين، والليل زنجى الأديم، تبرىّ النجوم، قد جلّلنا ساجه، واغترفتنا أمواجه، فلا مجال للحظة، ولا تقارف إلا بلفظة، والكلب قد صافح خيشومه ذنبه وأنكر البيت وطنبه.
[١ / ٨٩]
الطبقة الرابعة: [ترسيل كتاب مصر والشام والأندلس]
من النثر الممتع وهى مشتملة على ما اقتطف من ترسيل الفاضل البيسانى والعماد الأصبهانى، وابن أبى منصور الدمياطى، وابن عياش والفازازى.
الفاضل البيسانى «١»: كاتب السلطان صلاح الدين بن أيوب، له من رسالة يخاطب بها أخاه وقد قصّر بجانب علم الملك- من أكابر الدولة:
سبب إصدارى هذه المكاتبة إلى الأخ- أصلحه الله- إعلامه بما صح عندى من الأحوال التى أخفاها والله مبديها- فى حق الرئيس علم الملك، وبالله أقسم. لئن لم تداو ماجرحت، وتستدرك ما فعلت، وتمح ما أثبت، وتستأنف ضد القبيح الذى كتبت به وشافهت، وتعتذر بالجميل فيما طالعت الله به وشافهت وبارزت، لتكوننّ الحديث منى بغير الكتاب، ولأزيلنّ السبب الذى قدرت به على وضرة الأصحاب، وما أشدّ معرفتى بأن الطباع لا تتغير، وبأنك مستحوجنى بعد هذا الكتاب إلى مالا يتأخر. وبالجملة فاستدرك بفعلك لا بإيمانك لى، وتنصّلك إلىّ، فالدم فى النصل شاهد عجب، وويلى ممّن كانت غنيمته من الأيام عقد القلوب على البغضاء، وإطلاق الألسنة بالذم. ولولا أنى شريكك فى كل ما تستوجبه من الناس لألقيت حبلك على غاربك، وتركتك وما تختاره لنفسك.
العماد الأصبهانى «٢»: قال فى وصفه نفسه ما بين كتاب عصره، وذكر ما كتبه إلى البلاد فى شأن فتح القدس على يدى صلاح الدين:
[١ / ٩٠]
وما زال قلبى يطرز الحلل التى تنسجها الفصاحة والبلاغة فى فتوح الأقاليم، يعوّده أرباب الإنصاف، ومحامد الأوصاف، من كل حاسد وراشق بالحواميم حتى ادخر الله له هذا الفتح الذى شققت له لسانه، فعلا المنابر الخمس، وجاش من بحر البيان مما يطرب ويلهج، ويبهج كل سمع وناظر ونفس، فكتبت إلى كل ذى طرف بمعنى ظريف، ولفظ فصيح حصيف، وسهرت تلك الليالى حتى نظمت اللآلى، وبشرت المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى، وتلوت: «شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا»، «١» وهنأت الحجر الأسود بالصخرة البيضاء، ومنزل الوحى بمحلّ الإسراء، ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء، ومقام قدم إبراهيم الخليل بموضع قدم محمد المصطفى صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وأدام أهل الإسلام ببيته المقدس مستمتعين.
ابن أبى منصور الدمياطى «٢»: وزير الأشراف وكاتبه. كتب لصديق له: مررنا فى بعض العشايا على بعض البساتين المجاورة للنيل فرأينا فيها «٣» بئرا عليها دولابان متحدثان، قد دارت أفلاكهما بنجوم القواديس، ولعبت بقلوب ناظريها لعب الأمانى بالمفاليس، يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان دمعا أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه، فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره فى أجياد الغصون، والسلاسل قد أذالت من مسلسل فضتها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه فى ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد علاه من الظلال لما، وحيات المجارى جارية، تخاف من زمرد النبات العما، والبحر قد صقل صيقل النسم درعه، وزعفران العشى قد ألقى فى ذيل الجو ردعه.
[١ / ٩١]
أبو عبد الله بن عياش «١»:
ولما حللنا عرى السفر، بأن حللنا حمى المهدية، تفاءلنا بأن تكون لمن ألم بساحتها هديّة، فأحدقنا بها إحداق الهدب بالعين، وأطرنا لمختلس وصالها فى البحر غربان البين، فبات بليلة نابغيّة، وصابح يوما صافحته فيه يد البلية، ولما اجتلينا منها عروسا قد مدّ بين يديها بساط الماء، وتوجت بالهلال، وفرّطت بالثريا، ووشحت بنجوم السماء، خطبناها فأرادت التنبيه على قدرها، والتوفير فى إغلاء مهرها، فتمنعت تمنع المقصورات فى الخيام، وأطالت إعمال العامل فى خدمتها والحسام، إلى أن تحققت عظم موقعها فى النفوس، ورأت كثر ما ألقى عليها من نثار الرءوس، فجنحت إلى الأحضان بعد النشوز، ورأت أن اللجاج فى الامتناع عن قبول الاحسان لا يجوز، فأمكنت زمامها من يد خاطبها بعد مطاولة خطبها وخطابها.
أبو زيد الفازازى «٢»: من اخوانياته
إذا غاب أهل الصدق عنك فإنما ... تغيب بهم عنك المسرة والأنس
علم الله أيها الصديق الشفيق، والأخ الذى فضله الاختبار على كل أخ شقيق، أنى منذ طلعت الشمس ذلك اليوم الذى حان فيه غروبك عن ناظرى، ما ولجت بشرى بسمعى، ولا خطر سرور بخاطرى، وما علمت قدر ما معى، حتى جزى القدر السابق بما جرى بعدك من أدمعى، ورجعت إلى المنزل بقلب غير راجع، وتلقيت المنام لأسكن بطرف غير هاجع، وكلما فتشت فى فكرى لك ذنبا، أجعله للسلو أو عيبا، أركن به إلى الراحة والهدوء، وقال الاختبار لا سبيل إلى ذلك، وجعل يعرض علىّ من حسناتك ماجلا به ظلام الليل الحالك، ولولا أنى رجعت إلى جميل الصبر بعد الذهاب، وعللت الروح التى راح سرها معك بقرب الإياب، لأمسيت أثرا بعد عين، ولكنت أحد من قتله يوم البين.
[١ / ٩٢]
الخميلة الرابعة المشتملة على الأبيات المفردة والمزدوجة والمثلثة والمربعة
الأبيات المفردة:
ليس يورد منها إلا ما كان هزازا من طبقة المرقص التى هى أعلى الطبقات، وهى التى لا تخلو من غرض تخيّل ولطف تحيّل.
ابناء الخلفاء والمنتسبون الى الشرف الفاطمى
ا، ب ابن المعتز «١»:
كأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدّروع «٢»
ا، ب تميم بن المعز «٣»:
كأن سواد الليل والصبح طالع ... بقايا مجال الكحل فى أعين الزّرق
التهامى الحسنى «٤»
يفدى الصحيفة ناظرى فبياضها ... ببياضه وسوادها بسواده
[١ / ٩٣]
الملوك وأبناؤهم «١»
اأبو فراس الحمدانى «٢»: فى مخاطبة ابن عمه سيف الدولة
وكنا كالسّهام إذا أصابت ... مراميها فراميها أصابا «٣»
اأبو العشائر الحمدانى «٤»:
فقرأت منها ما تخطّ يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنّة تنقط «٥»
مهلهل الحمدانى «٦»:
القيناهم بأرماح طوال ... تبشّرهم بأعمار قصار «٧»
ا، ب المعتمد بن عباد: فى أبيه «٨»
له يد كلّ جبّار يقبلها ... لولا نداها لقلنا أنّها الحجر
[١ / ٩٤]
ا، ب ابن الزقاق «١»: من ولده
والسيف دامى المضربين كحدول ... فى ضفته شقائق النّعمان
أرباب رئاسة السيف
اباذكين صاحب البصرة «٢»:
لم أبك يوم الوداع مخافة ... من أدمعى كى لا تكون حجابه
ا، ب ابن بهرام الحاجرى: حاجب صاحب اربل «٣»
وقد خبّرونى أن غصنا قوامه ... تيقّنت أن القلب منّى طائر «٤»
جمال الدين بن يغمور «٥»: نائب السلطنة بالشام ومصر فى جواب رسالة:
وأهدت لى الإطراب عند سماعها ... فلو لم تزد فى العقل قلت ابنة الدّقّ
[١ / ٩٥]
ا، ب ابن عمه سيف الدين بن سابق «١»
وترى الغصن يصلّى ... بتحيّات النّسيم
االجمال بن البقاعى «٢»:
حكى فصل الربيع بحسن قدّ ... قد تساوى الليل فيه والنّهار
ا، ب ابن عمار الأندلسى «٣»
والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استردّ الليل منّا العنبرا
اأبو الوليد بن زيدون «٤»
سرّان فى خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
[١ / ٩٦]
أرباب رئاسة القلم
ا، ب ابن النبيه: كاتب الأشرف «١»
تبسّم ثغر الزّهر عن شنب القطر ... ودبّ عذار الظّل فى صفحة النهر
ا، ب البهاء بن الساعاتى الدمشقى «٢» جليس ملوك بنى أيوب ونديمهم:
والطير تقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمامة تنقط
ا، ب ابن سناء الملك: صاحب الخزانة الكاملية وكاتب الجيش بمصر «٣» .
وفتحت أبواب السماء لناظرى ... وجعلت ليلى بالنجوم مسمّرا «٤»
الجمال بن مطروح «٥»: كاتب الجيش بمصر للملك الصالح رحمه الله
إذا ما اشتهى الخلخال أخبار قرطها ... فياحسن ما تملى عليه الغدائر
[١ / ٩٧]
ا، ب البهاء زهير الحجازى «١»: كاتب الملك الصالح بمصر رحمه الله.
يا ألفا من قدّه أقبلت بالله كونى ألف الوصل/ الزين بن جبريل «٢»: من كتّاب السلطنة بمصر
بانوا فياوحشة الوادى لبينهم ... عنه ولا سيّما الأغصان والكتب
اأبو بكر بن سعيد: صاحب أعمال غرناطة «٣» .
تبكى وقد قتلتنى ... كالسّيف يقطر دمعه
اناصح الدين الأرجانى «٤»: قاضى بلاد الأهواز
تلوم قلبى إن أصماه ناظره ... فما اعتراضك بين السّهم والهدف
ا، ب فخر الدين بن العديم «٥»: من البيت المشهور بحلب وهو رئيس الأصحاب بها
والماء تحت الغصن مطّرد ... والغصن فوق الماء منعكس
[١ / ٩٨]
أعيان الحسباء والأدباء والشعراء «١»
احبيب بن أوس الطائى «٢»:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأمانى لم يزل مهزولا
اأبو العباس بن الرومى «٣»:
فالموت إن نظرت فإن هى أعرضت ... وقع السهام ونزعهنّ أليم
اأبو الطيب المتنبى «٤»:
تريدين إدراك المعالى رخيصة ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل «٥»
ا، ب أبو العلاء المعرى «٦»:
والخلّ كالماء يبدى لى ضمائره ... مع الصّفاء ويخفيها مع الكدر
[١ / ٩٩]
االقيسرانى «١»:
وأهوى الذى يهوى له البدر ساجدا ... أليس ترى فى وجهه أثر التّرب
ا، ب المعرى «٢»:
مدحت الورى قبله كاذبا ... وما صدق الفجر حتى كذب
ا، ب ابن التعاويذى البغدادى «٣»:
وقد قلتم الغصن ميّال ومنعطف ... فكيف مال على ضعفى وما انعطفا «٤»
ا، ب النجم بن اسرائيل الدمشقى «٥»
أنت الأمير على الملاح بأسرهم ... وعليك من قلبى لواء خافق
ا، ب الضياء المعرى «٦»
أبكيت عين الغيث لما فتّه ... كرما فثغر البرق منه يضحك
[١ / ١٠٠]
االمجد بن الظهير الأربلى «١»
غارت مناطقه وأنجد ردفه ... يا بعد شقة غوره من نجده
ا، ب أيدمور التركى «٢»
وكأن نرجسه المضاعف خائض ... في الماء لفّ ثيابه فى رأسه
ا، ب الشهاب بن الخيمى المصرى «٣»
يا بارقا بأعالى الرّقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشّنب
االعماد السّلماسى «٤»
يشكو إلى أرادفه خصره ... لو تسمع الأمواج شكوى الغريق
ا، ب ابن الجنّان الشاطبى «٥»
تؤمّون الحجاز وقد علمتم ... بأنّ القلب بيتكم العتيق
[١ / ١٠١]
الأبيات المزدوجة
[أبناء الخلفاء والمنتسبون إلى الشرف الفاطمي]
ليس يورد منها إلا ما وقع هزّازا امن طبقة المرقص ا، ب ابن المعتز «١»
هذا هلال الفطر لاح مبشّرا ... فالآن فاغد على المدام وبكّر
وانظر إليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
ا، ب شكر بن أبى الفتوح الحسنى: أمير الحرمين «٢»
قوّض خيامك عن أرض تهان بها ... وجانب الذّلّ إن الذّلّ مجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان منقصة ... فالمندل الرّطب فى أوطانه حطب
اناصر بن مهدى الحسنى «٣»: يخاطب الخليفة الناصر
ألقنى فى لظى فإن أحرقتنى ... فتيقّن أن لست بالياقوت
صنع النّسج كلّ من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت
[١ / ١٠٢]
ا، ب الشريف الرضى الحسينى «١»: نقيب الطالبيين ببغداد
أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل السحب فى أكنافكم تضع
ولا يزال حنين النّبت ترضعه ... على عراصكم العرّاضة الهمع «٢»
ا، ب الشريف أبو القاسم الرّسّى «٣»: نقيب الشرفاء بمصر
خليلىّ إنى للثريّا لحاسد ... وإنى على ريب الزّمان لواحد «٤»
أيبقى جميعا شملها وهى ستّة «٥» ... وأفقد من أحببته وهو واحد
شرفاء السادة
ا، ب محمد بن عبيد الله الحسنى: تقيب بلخ «٦»
أفدى بروحى من قلبى كوجنته ... فى الوصف لا الحكم فالأحكام تفترق
أعجب لحرقة قلب ماله لهب ... ومن تلهّب خدّ ليس يحترق
[١ / ١٠٣]
االشريف الراوندى أبو المحاسن الحسنى- نقيب قاشان «١»
إنى لأحسد فيه المشط والنّشفة ... لذلك فاضت دموع العين مختلفة
هذا يعلّق فى صدغيه أنملة ... وذى تقبّل رجليه بألف شفه
ا، ب أبو الحسن التهامى الحسنى «٢»:
أمّلت فيه الغنا من قبل رؤيته ... فالآن أكبرته عن ذلك الأمل
علا فما يستقرّ المال فى يده ... وكيف تمسك ماء قنّة الجبل
ا، ب علاء الدين بن دفتر خوان الطوسى «٣»: من الشرفاء الحسنيين
ودولاب لنا أنّا ... يزيد القلب أشجانا «٤»
سقى الغصن وغنّاه ... كما ينفك نشوانا «٥»
الشريف الأصم: من ولد الناصر المروانى خليفة الأندلس «٦» . [قال] «٧» فى النارنج
وبنت أيك دتا من لثمها قزح ... فصار منه على أرجائها أثر
[١ / ١٠٤]
كأنّ موسى نبىّ الله أقبسها «١» ... نارا وجرّ عليها كفّه الخضر
الناصر بن العزيز: سلطان الشام «٢»
سلوا قوام الغصن لم ذا غدا ... عنّى- لا لى فى الهوى- مائلا
وخدّه التبرىّ ما باله ... عذاره قد جاءنى سائلا
ا، ب ابن عمه الناصر بن المعتصم: المخلوع من ملك دمشق
ناحت ووجنتها بما سفكت ... هـ منّى تلطخ «٣»
كالقوس تقتل من رمت ... هـ وبعد ذلك تصرخ
ا، ب ابن عمهما عماد الدولة بن الزاهر
وافى فعانقنى وقال مودّعا ... حزن لعمرك كان مبدأه سرور
كالسّهم أبعد ما يكون إذا دنا «٤» ... بعد البعاد وضم تلقاء الصّدور
[١ / ١٠٥]
ا، ب المعتمد بن عباد «١»:
وليل بسدّ النهر أنسا قطعته «٢» ... بذات سوار مثل منعطف النّهر
نضت بردها عن غصن بان منعّم ... فياحسن ما انشقّ الكمام عن الزهر
ا، ب ابنه المأمون «٣»:
قومى بنو لخم هم ما هم «٤» ... أهل الندى والبأس يوم الكفاح
هم كحّلوه من عيون القنا ... وورّدوه «٥» من خدود الصّفاح
ا، ب أخوه الراضى بن المعتمد «٦»
مرّوا بنا أصلا من غير ميعاد ... فأوقدوا نار قلبى أىّ إيقاد
لا غرو إن زاد شوقى فى مرورهم ... فرؤية الماء تذكى غلّة الصّادى
[١ / ١٠٦]
ا، ب المعتصم بن صمادح: صاحب المريّة «١»
إنهض أيا طالب إلينا ... واسقط سقوط النّدى علينا
فنحن عقد من غير وسطى ... مالم تكن حاضرا لدينا «٢»
االحاجرى: «٣»
نبىّ جمال كلّ ما فيه معجز ... من الحسن لكن وجهه الآية الكبرى
أقام بلال الخال فى صحن خدّه ... يراقب من لألاء خدّه الفجرا
اابن سابق «٤»
وندّ ماله ندّ ... تعاطيه من السّنّة
إذا أدخلته النار حكى ... رائحة الجنّة
ا، ب عون الدين بن العجمى الحلبى «٥»
قد كان من قبل ذا نهارا ... فزيد ليلا من العذار
فأين منه وهل مفرّ ... لنا من الليل والنهار
[١ / ١٠٧]
االبهاء زهير «١»
ومن شغفى فيكم ووجدى أننى ... أهوّن ما ألقاه وهو هوان
ويحسن قبح الفعل إن جاء منكم ... كما طاب ريح العود وهو دخان
ا، ب مرج كحل «٢»
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشّعر من لم يشعر
ما اصفرّ وجه الشّمس عند غروبها ... إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
ا، ب ابن سعيد: المؤلف «٣»
كأنما النّهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم منشؤها «٤»
لما أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليها الغصون تقرؤها
اابن سهل الإسرائيلى «٥»
يا لائمى إن متّ فيه اتّئد ... أو فإلى أجفانه نحتكم
غرقت فى بحر هواه وذا ... ك الرّدف منه موجه الملتطم
[١ / ١٠٨]
الأبيات المثلثة
ولا يورد منها أيضا إلا ما وقع فيه مرقص ا، ب تميم بن المعز «١»:
قم أدرها فالليل رقّ دجاه «٢» ... وبدا طيلسانه ينجاب
وكأن الصباح فى الأفق باز ... والدّجى بين مخلبيه غراب
وكأن السماء لجّة بحر ... وكأن النجوم فيها حباب
االشريف كمال الدين الحسينى الحمصى «٣»
محن البرايا فى البرايا فرّقت ... وتجمّعت فى بيتنا النّكبات
فى كل يوم منزل تحتلّه ... وتذودنا عن ملكه الأزمات
ما ضرّنا أن ليس نملك منزلا ... ولنا الصّفا والركن والحجرات
الشريف أبو أحمد بن أبى البسام «٤»
عاذلتى لا تفنّدينى ... أن صرت فى منزل هجين
[١ / ١٠٩]
فليس قبح المحلّ ممّا ... يقدح فى منصبى ودينى «١»
فالشمس علويّة ولكن ... تغرب فى حمأة وطين
ا، ب أبو فراس الحمدانى «٢»
هززنا الأنس بالصّهباء صرفا ... على نهر تدرّع بالظّلال
ورحنا بعد ذاك إلى مجال ... تحدّث عنه ربّات الحجال «٣»
كأنّ الخيل تعلم من عليها ... ففى بعض على بعض تعال
اابن عمه أبو وائل «٤»
أجل عينيك فى عينى تجدها ... مشربة جنى ورد الخدود
وصافحنى تجد عبقا بكفّى ... يضوع إليك من ردع النّهود
وها سمعى إليك فإنّ فيه ... بقايا من حديث كالعقود
ا، ب منصور بن صدقة: ملك الحلة بالعراق «٥»
يوم لنا بالنّيل مختصر ... ولكلّ يوم مسرّة قصر
[١ / ١١٠]
والسّفن تغدو فى الفرات بنا ... والماء مرتفع ومنحدر
وكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر
االملك الناصر «١»: وقد فارق من كان يحبه فلم يودعه
تغالبت والأيام فى من أحبّه ... ومن غالبته قبل ذا فأطاقها
فبانت به عنّى فلم أستطع له ... وداعا فقالت من خبرت نفاقها
تفارقه دون الوداع ومن رأت ... يودّع روحا أو يريد فراقها
ا، ب تاج الدولة بن أبى الحسين الكليى: ملك صقلية «٢»
رأتنى وقد شبّهت بالورد خدّها ... فتاهت وقالت قاس خدّى بالورد
كما قال إن الأقحوان كمبسمى ... وأن قضيب البان يشبه قدّى
إذا كان هذا فى البساتين عنده ... فقولوا له لم جاء يطلبه عندى
ا، ب المعتمد بن عباد [اللخمى] «٣»
مرضت فأمسكت الزيارة عامدا ... وما ذاك منى عن ملال ولا هجر
[١ / ١١١]
ولكننى أشفقت والله أن أرى ... بعينى تغيير الكسوف على البدر
وما سمحت نفسى ترى البدر ذابلا ... ولم أر أولى من رجوعى إلى الصّبر
اابن الزقاق «١»: وهو من ولده
ورياض من الشّقائق أضحى ... يتهادى بها نسيم الرّياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الرّاح «٢»
قلت: ما ذنبها فقال مجيبا ... سرقت حمرة الخدود الملاح
ا، ب الحاجرى «٣»
لم لا أحنّ إلى الحجاز صبابة ... ويجود دمع العين بالهملان
ورضا به الخمر العذيب وخدّه «٤» ... النّضر الجنى وعذاره العلمان
لم يعل ذاك الخدّ خال أسود ... إلا لنكث شقائق النّعمان
[١ / ١١٢]
ا، ب ابن سابق «١»
قم هاتها ما الأنس إلا بها ... فقد زها الصّبح بإشراقه
والورد قد فتّح أزراره ... وشمّر النّرجس عن ساقه
كلاهما للسّحر من خدّه ... ولحظه داع لعشّاقه
ا، ب ابن سناء الملك «٢»
يا عاطل الجيد إلّا من محاسنه ... عطّلت فيك الحشا إلا من الحزن
فى سلك جسمى درّ الدّمع منتظم ... فهل لجيدك فى عقد بلا ثمن
لا تخش منى فإنّى كالنّسيم ضنا ... وما النسيم بمخشىّ على غصن
ا، ب البهاء زهير «٣»
أيا ظبى هلّا كان منك التفاتة ... ويا غصن هلّا كان منك تعطّف «٤»
ويا حرم الحسن الذى هو آمن ... وألبابنا من حوله تتخطّف
عسى عطفة للوصل يا واو صدغه ... وحقّك أنّى أعرف الواو تعطف «٥»
[١ / ١١٣]
االجمال بن مطروح «١»
أقبل يختال فى غلائله ... والسّكر باد على شمائله
وقد غدا ساحبا ذوائبه ... قوموا انظروا الظّبا فى حبائله
وماس فى حلّة معصفرة ... يا من رأى الغصن فى أصائله
ا، ب ابن سفر: من المرية «٢»
لو أبصرت عيناك زورق فتية ... يبدى بهم مرح السرور مراحه «٣»
وقد استداروا تحت ظلّ شراعه ... كلّ يمدّ بكأس راح راحه
لحسبت من خوف العواصف طائرا ... مدّ الحنان على بنيه جناحه «٤»
ا، ب ابن سعيد «٥»: المؤلف فى جزيرة مصر
تأمّل لحسن الصّالحيّة إذ بدت ... وأبراجها مثل النّجوم تلالا
ووافى إلينا النيل من بعد غاية ... كما زار مشغوف يروم وصالا
[١ / ١١٤]
وعانقها من فرط شوق لحسنها ... فمدّ يمينا نحوها وشمالا
ا، ب ابن الصابونى «١»
بعثت بمرآة إليك بديعة ... فأطلع بسامى أفقها قمر السّعد
لتنظر فيها حسن وجهك منصفا ... وتعذرنى فيما أجنّ من الوجد «٢»
مثالك فيها منك أقرب ملمسا ... وأكثر إحسانا وأبقى على العهد
الأبيات المربعة
ولا يورد منها إلا ما وقع فيه مرقص ا، ب ابن المعتز «٣»
كم فيهم من مليح الدّلّ فى خفر ... بالسّحر مكتمل بالحسن معتجر
قد جاءنى فى قميص الّليل مستترا ... مستعجل الخطو من خوف ومن حذر «٤»
فظلت أبسط خدّى فى الطريق له ... ذلّا وأسحب أكمامى على الأثر
ولاح ضوء هناك كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قصّت من الظّفر
[١ / ١١٥]
ا، ب ابن المعتز
ربّ صفراء علّلتنى بصفرا ... ء وجنح الظلام مرخى الإزار
بين ماء وروضة وكروم ... ورواب منيفة وصحار
وكأن الدّجى غدائر شعر ... وكأن النّجوم فيه مدارى
وانجلى الغيم عن هلال تبدّى ... فى يد الأفق مثل نصف سوار
ا، ب سيف الدولة «١»
وساق صبيح للصّبوح دعوته ... فقام وفى أجفانه سنة الغمض
وقد نشرت أيدى الجنوب مطارفا ... على الجوّ دكنا والحواشى على الأرض
يطرّزها قوس السّماء بأصفر ... على أحمر فى أخضر وسط مبيض «٢»
كأذيال خود أقبلت فى غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض
ا، ب الملك الناصر «٣»: وقد ودع محبوبا له وانصرف إلى بستان
مالى وللبستان هيّج لوعتى ... يوم النّوى، مالى وللبستان
[١ / ١١٦]
قد غازلتنى فيه أعين نبرجس ... وتمايلت نحوى قدود البان
ويغيرنى ثغر الأقاح بلثمه ... خدّ الشقيق وعارض الرّيحان
وأكاد أقضى حسرة وصبابة ... مهما رأيت تعانق الأغصان
ا، ب الوزير شرف الدين البيهقى «١»
أبابل لا واديك بالبرّ مفعم ... لدىّ ولا ناديك بالرّحب آهل «٢»
لئن ضقت عنّى فالبلاد فسيحة ... وحسبك عارا أننى عنك راحل
فإن كنت بالسّحر الحرام مدلّة ... فعندى من السّحر الحلال دلائل
قواف تغير الأعين النجل حسنها ... فكل مكان خيّمت فيه بابل
ا، ب الحاجرى
لا غرو أن لعبت بى الاشواق ... هى رامة ونسيمها الخفّاق
أخذ الهوى عهدا علىّ لحاجر «٣» ... ألّا يزال الدمع فيه يراق «٤»
[١ / ١١٧]
إنى لأعذر فى الأراك حمامة (م) ... الشّاكى «١» كذلك تفعل العشّاق
حكم الغرام الحاجرىّ «٢» بأسرها ... فغدت وفى أعناقها الأطواق
ا، ب ابن سابق «٣»: وقد فرّ عنه مملوك كان يرى الدنيا به
ألا قم اسقنى بكرا شمولا ... تعين على الصّبابة والغرام
وطارحنى هوى من غاب عنى ... وناديه على غدر الذّمام
يا من عيشتى فى ناظريه ... ويا من بعده عنى حمامى
رحلت بمهجة خيمت فيها ... وشأن الترك ترحل بالخيام
ابن مطروح «٤»
وليلة وصل خلت ويا عاذلى لا تسل ... لبسنا ثياب العناق مزرّدة بالقبل
وفى طىّ ذاك العناق عتب كوشى الحلل ... وحلّيت ذاك الغزال بجوهر هذا الغزل
[١ / ١١٨]
البهاء زهير «١»
فأدر علىّ نديم أنسى خمرة ... تركت نداماها لديها سجّدا
أو ما ترى زهر الحديقة باسما ... فرحا وعريان الغصون قد ارتدا
وقف السحاب على الرّبا متحيّرا ... ومشى النسيم على الرّياض مقيدا
ويشوقنى وجه النهار ملثمّا ... ويروقنى خدّ الأصيل مورّدا.
ا، ب ابن سحنون الدمشقى «٢»
أنا عاشق فى كل أحمر قانى ... يبتزّ عقلى عندما يلقانى
أملاح جلّق ما لبستم حلية ... حمر الخدود وحمرة القمصان
لكنكم لما ثنت ريح الصّبا ... منكم غصون البان فى الكثبان
طربت لحسنكم الرّبى فعليكم ... خلعت جديد شقائق النّعمان
ا، ب أيدمر التركى «٣»
يامن به أناهائم وبليتى ... فيه يضيق بحملها الثّقلان
[١ / ١١٩]
قف بى قليلا كى أودّع مهجتى ... فلعلّ بعد اليوم ما تلقانى
بالله إن جئت الغوير فلا تغر ... بالمشى فيه معاطف الأغصان «١»
واستر شقائق وجنتيك هناك لا ... ينشق قلب شقائق النّعمان
ا، ب الوجيه المنوى «٢»
ألا بأبى من لا أسمّيه خيفة ... ومن كلّ من يلقاه صبّ وهائم
تثنّى فمات الغصن غيظا لقدّه ... ألم تره ناحت عليه الحمائم «٣»
ولما غدا مما رأى متبسما ... شققن له ثوب الحياء الكمائم
وأقسم لو أمسى يعير لحاظه ... لما سلّ فى حرب مدى الدهر صارم
ا، ب الرئيس المعظم أبو عبد الله بن أبى الحسين «٤»
ومحنيّة الأصلاب تحنو على الثّرى ... وتسقى بنات الترب درّ التّرائب «٥»
[١ / ١٢٠]
تشبّه بالأفلاك أن مياهها ... نجوم لرجم المحل ذات ذوائب «١»
وأطربها رقص الغصون ذوابلا ... فدارت بأمثال السّيوف القواضب
فخذ من مجاريها ودهمة لونها ... بياض العطايا فى سواد المطالب «٢»
ا، ب أبو جعفر بن الخراز البلنسى «٣»
إليك بآمالى نزعت عن الورى ... ولم يصف لى فى غير ظلّك مورد
وما زلت أجنى منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أياد دانيات قطوفها ... لأغصانها ظلّ علىّ ممدّد
يرى جاريا ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكرى فوقهنّ تغرّد
[١ / ١٢١]
الخميلة الخامسة المشتملة على الأبيات المخمسة والمسدسة والمسبعة والمثمنة
وجميعها مختار من غزل المشارقة والمغاربة، وأسلوبها من نمط المقبول، وقد يقع فيها المطرب ولا يقع فيها المرقص إلا نادرا.
الأبيات المخمسة «١»
ا، ب الشريف الرضى «٢»: إمام هذا الشأن
عارضا بى ركب الحجاز أسائل ... هـ متى عهده بأيام سلع «٣»
واستملا حديث من سكن الخي ... ف ولا تكتباه إلا بدمع
فاتنى أن أرى الدّيار بعينى ... فلعلّى أرى الدّيار بسمع
من معيد أيام سلع على ما ... كان منها وأين أيام سلع
طالب بالعراق ينشد هيها ... ت زمانا أضله بالجزع
[١ / ١٢٢]
ا، ب أخوه الشريف المرتضى «١»
ألا يا نسيم الرّيح من أرض بابل ... تحمّل إلى أهل الخيام سلامى
وإنى لأهوى أن أكون بأرضهم ... على أننى منها استفدت مقامى
وقد كنت كالعقد المنظّم منهم ... فهأنذا سلكا بغير نظام
أبيت أرجّى أن يلمّ خيالهم ... وكيف يزور الطيف دون منام
فلا برق إلا خلّب بعد بينهم ... ولا عارضا إلا بياض جهام
ا، ب مهيار «٢» غلام الشريف الرضى «٣»
قد قنعنا أن نرقب الأحلاما ... إن أذنتم لمقلتى أن تناما «٤»
يا لواة الدّيون إنى غريم ... لكم لو قضيتموه الغراما
ما لكم لا يذمّ منكم بغاة العي ... ب إلّا إلّا لكم أو ذماما
[١ / ١٢٣]
لا أحل الفراق من رشإ فيكم (م) ... أحلّت نواه نفسا حراما «١»
لا ادّعت بعده الغصون قواما ... عند عينى ولا البدور تماما
التهامى الحسينىّ «٢»
غرّاء تسحب ليلا حسنه أبدا ... فى الطّول منه وحسن الليل فى القصر
أهتزّ عند تمنى وصلها طربا ... وربّ أمنية أحلى من الظّفر
تجنى علىّ وأجنى من مراشفها ... ففى الجناء والجنايا ينقضى عمرى
وراعها جرّ أنفاسى فقلت لها ... هواك نار وأنفاسى من الشّرر
فقمت أعشر فى ذيل الدّجى ولها ... والجوّ روض وزهر الشّهب كالزّهر
ا، ب أبو جعفر الفيروز بادى: معاصره «٣»
نسيم الصبا إن جئت أرض محبّتى ... فخصّهم منّى بكلّ سلام
وبلّغهم أنى رهين صبابة ... وأن غرامى فوق كلّ غرام
[١ / ١٢٤]
وإنى ليكفينى طروق خيالهم ... لو انّ جفونى متّعت بمنام
ولست أبالى بالجنان ولا لظى ... إذا كان فى تلك الدّيار مقامى
وقد صمت عن لذّات دهرى كلها ... ويوم أراهم ذاك فطر صيامى
اسلمان بن أبى طالب النهروانى «١»: شاعر نظام الملك وجليسه
يا ظبية حلّت بباب الطّاق ... بينى وبينك آكد الميثاق
فوحقّ لذّات الصّبا ووصالنا ... فى ظل أيام هناك رفاق
ما مرّ من يوم ولا من ليلة ... إلا إليك تجدّدت أشواقى
سقيا لأيام جنى لى طيبها ... ورد الخدود ونرجس الأحداق
وإذا أضرت بى عقارب صدغها ... كانت مراشف ثغرها درياقى
اابن فضال القيروانى «٢»: من شعرائه أيضا وخواصه
والله ثمّ الله ربّ العباد ... بخالص النيّة والاعتقاد
[١ / ١٢٥]
ما زادنى صدّك إلا هوى ... وسوء أفعالك إلا وداد
وإننى منك لفى لوعة ... أقلّ ما فيها يذيب الجماد
فكن كما شئت فأنت المنى ... واحكم بما شئت فأنت المراد
وما عسى تبلغه طاقتى ... وإنما بين ضلوعى فؤاد
ا، ب ابن بختيار الأبله البغدادى «١»: المشهور برقة الغزل
بأىّ لسان للوشاة ألام ... وقد علموا أنى سهرت وناموا
أهيم وما أظهرت فى الحبّ بدعة ... ولو أنهم ذاقوا الغرام لهاموا
هل العشق إلا لوعة فى جوانحى ... تنمّ عليها أنّة وغرام
ألام على حبّيك وهو مبرّح ... وأكبر برح فى هواك كلام
أيستكثرون الوصل لى منك ليلة ... وقد مرّ عام للصّدود وعام
[١ / ١٢٦]
ا، ب ابن المعلم الواسطى «١»: مشابهه فى رقة الغزل ومعاصره
خذ من عيونهم الأمان وهل ... لمن حمل الغرام من العيون أمان
كم فى البراقع من قسىّ حواجب ... تصمى القلوب وغيرها المرنان
رحلوا بأفئدة الرجال وغادروا ... بصدورها فكرا هى الأحزان
واستقبلوا الوادى فأطرقت المها ... وتحيرت بغصونها الكثبان
فكأنما اعترفت لهم بقدودها (م) ... الأغصان أو بعيونها الغزلان
ا، ب ابن التعاويذى «٢»: معاصرهما ومشاركهما هذه الطريقة «٣»
وفاتر اللحظ معشوق القوام له ... قدّ يعلّم غصن البانة الهيفا «٤»
إن قلت جرت على ضعفى يقول متى ... كان المحبّ من المحبوب منتصفا
أو قلت أتلفت روحى قال لا عجب ... من ذاق طعم الهوى يوما وما تلفا
[١ / ١٢٧]
أو أنكرت من دمى عيناه ما سفكت ... فقد أقرّ به خدّاه واعترفا «١»
قد قلتم الغصن ميال ومنعطف ... فكيف مال على ضعفى وما انعطفا «٢»
الأبيات المسدسة
وهى مختصة بشعراء الغرام الكائنين فى المائة السادسة، ولا يعاد اسم من تقدم ليأخذ كل منهم بحظه من الذكر.
ا، ب الخليفة المستنجد «٣»: وليس من خلفاء العباسيين والعاويين والأمويين أرق منه فى الغراميات
يا سارى البرق هل من رامة خبر ... فإننى لسواه ليس انتظهر
بالله ربك خبّرنى فها كبدى ... تكاد من ذكرهم بالوجد تنفطر
أحباب قلبى وجيرانى وأهل منى ... روحى إذا طربت والسمع والبصر
أعندكم أننى من بعد فرقتكم ... لا أستلذّ بما يهوى له النظر
ترى أراكم على بانات كاظمة ... والعذل قد غاب والأحباب قد حضروا
[١ / ١٢٨]
وX,ع الله شملا طالما لعبت ... به الليالى ولم يسعف به القدر
أبو الفتح بن عمر البغدادى «١»: المشهور بحسن الخط وعذوبة الشعر
يا مديل الوصال بالهجر صبرا ... للذى قد أتت به الأقدار
كلّ يوم لنا عتاب جديد ... فى نواحيه يخلق الاعتذار
وانتظار لليوم والغد يأتى ... أو كلّ الزّمان فيه انتظار
إن أبت شاهر الجفون ودم ... ع العين فى الخدّ واكف مدرار
فبما بت راقدا وعلى جي ... دى يمين معطوفة وسوار
نتساقى كأسا من العتب صرفا ... ولخمر العتاب أيضا خمار
ا، ب أحمد بن الفضل البغدادى «٢»: صاحب نطاق الخصر فى شعراء العصر «٣»
أيا علمى نجد هل اخضّر بعدنا ... مراتع كان العيش فيهنّ أخضرا
[١ / ١٢٩]
وضاحك ثغر الأقحوان شبيهه ... صقالا ولونا وانتصابا ومنظرا
وهل لحمام الدّوحتين ترنّم ... إذا هبّ غربىّ النّسيم فأسحرا
وهل ذلك الوادى كما كان صفوه ... ينبمّ على حصبائه أم تكدّرا
وهل لليالينا على جوّ حاجر ... معاد وخيل الزّهر قد ملّت السّرى
نفضّ ختاما من حديث إذا سرى ... مع الريح كان الجوّ منه معطّرا
اأبو المظفر بن السبتى البغدادي «١»
يا ناجيا من عذاب قلبى ... وسالما من رسيس وجدى
لا تتقرّب إلى نيابى ... فإن داء الغرام يعدى
تزعم أن الفؤاد عندى ... لو كنت عندى لكان عندى
يا لائمى فيه لا تلمنى ... وجدى به جاز كلّ حد
وكلّما زدته غراما ... يزيدنى منه كلّ صد
قد غير الدهر كلّ شىء ... غير جفاه وحسن عهدى
[١ / ١٣٠]
ا، ب محمد بن المؤيد: خطيب خوارزم «١»
عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوّضوا
فكأن فى الليل البهيم تبسّطوا ... خفرا وفى الصبح المنير تقبّضوا «٢»
ولقد سمعت وما سمعت بمثله ... بينا غراب البين فيه أبيض «٣»
يا هاجرين ومالنا من زلّة ... إلا المشيب ترى بمن نتعوض
ما غيركم فى العين أحلى منظرا ... وسوى حديثكم لنا لا يعرض «٤»
فلتهجروا أو تعتبوا أو تعرضوا ... فلغيركم فى الحب لا نتعرض
ا، ب المؤيدّ الطغرائى: شاعر العجم «٥»
بالله يا ريح إن مكّنت ثانية ... من صدغه فأقيمى فيه واستترى
وراقبى غفلة منه لتنتهزى ... لى فرصة وتعودى منه بالظّفر
[١ / ١٣١]
وإن قدرت على تشويش طرّته ... فشوّشيها ولا تبقى ولا تذرى
ثم اسلكى بين برديه على عجل ... واستبضعى الطّيب وائتنى على قدر
ونبّهينى دون القوم وانتفضى ... علىّ والليل فى شكّ من السّحر
وعّللينى بذكر منه يبلغ بى ... ما ليس تبلغه الآمال بالفكر «١»
االأرجانى «٢»
ورد الخدود ودونه شوك القنا ... فمن المحدث نفسه أن يجتنى
لا تمدد الأيدى إليه فطالما ... شنّوا الحروب وقد حددنا الأعينا
ورد تخير من مخافة نهبه ... باللحظ فى ورق البراقع مكمنا
قل للتى ظلمت وكانت فتنة ... لو أنها عدلت لكانت أفتنا
أيراد صونك بالتبرقع ضلة ... وأرى السفور لمثل حسنك أصونا
كالشمس يمتنع اجتلاؤك وجهها ... فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا
[١ / ١٣٢]
ا، ب ابن الخياط الدمشقى «١»
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد ريّاها يطير بلبّه
وإيّاكما ذاك النسيم فإنّه ... إذا حب كان الموت أيسر هبّه «٢»
وفى الرّكب مطوىّ الضّلوع على جوى ... متى يدعه داعى الغرام يلبّه
إذا خطرت من جانب الرّمل نفحة ... تضمّن منها داؤه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنّة معرض ... وفى القلب من إعراضه مثل حجبه
أنمار إذا آنست فى الحى أنّة ... حذارا وخوفا أن تكون لحبّه
ا، ب ابن رواحة الحموى «٣»
يا غائبا وهو ذو عتاب ... وحاضرا وهو ذو اجتناب
ومن يديم الزمان هجرا ... وقد روى دائم اكتئاب
[١ / ١٣٣]
وليس لى عنده شفيع ... وأين أعلى من الشّباب
أخلفته فيه دون شىء ... ما حلّ بالعاشقين ما بى
إن كان يحلو لديك ظلمى ... فزد فى الهجر، فى عذابى «١»
عسى يطيل الوقوف بينى ... وبينك الله فى الحساب
الأبيات المسبعة
وجميعها مختار من غراميات شعراء المائة السابعة ممن أنشدنى لنفسه وليس فيهم من أنشدت عنه غير الحاجرى ا، ب الحاجرى المذكور «٢»
أحقّا صباها أن نجدا مقامها ... فإن مرام الفرقدين مرامها
نعم، عزّ لقياها وشطّ مزارها ... وأقفر ناديها وعين لمامها
عجبت لها تنسى ويذكر عهدها ... وتنقض ميثاقا ويرعى ذمامها
سقى سرحة الوادى بنجد غمامة ... ينمّق أثواب الرياض انسجامها
[١ / ١٣٤]
وهبّ صبا تلك الربا عنبرية ... ولا زال رطبا شيحها وثمامها
فكم لى والأحباب فيها مواقف ... يخجل إسفار الصباح ابتسامها
ملاعب لو أعطيت من دهرى المنى ... وخيّرت ما أهوى لقلت دوامها
ا، ب الشهاب التلعفرى «١»: مقدم شعراء الناصر
لم أزل مكثرا إليه سؤالا ... وجوابا ما عنده لى سوى لا
ما شجانى فقد لحبّة قلبى ... عند ما صاغها لخدّيه خالا
كلما رمت منه معمول فيه ... هزّ لى من قوامه عسّالا
وتجنّى تيها وماس دلالا ... وانثنى معرضا وصال وقالا
ياله من مجاهد فى محبّيه ... ينادى بمقلتيه النّزالا
لم يقاتل إلا بمنكسرات ... ومراض من الجفون كسالا
كلّ حرب له وليست عليه ... وسمعنا بها تكون سجالا
[١ / ١٣٥]
ا، ب الشرف بن سليمان الأربلىّ «١»: من أعلام شعراء الناصر
سقى بالحمى ربعا نأت عنه غيده ... كريم سحاب كل يوم يجوده
لئن غربت أقماره وشموسه ... وأقوت مغانيه وحالت عهوده
فعندى لأهليه الذين تحمّلوا ... قديم هوى مارثّ منه جديده
ليالى سمعى لا يصاخ اماذل ... وعصر الصّبا واللهو لم يذو عوده
وأسمر يحكى السمهرىّ قوامه ... يطاعن عنه لحظه وغموده «٢»
أمير جمال جاء خطّ عذاره ... بإجراء دمعى المستحيل جموده
غزال بقلبى لا بسلع كناسه ... وبين ضلوعى لا بنجد زروده
ا، ب التاج بن شقير المعرى «٣»: من شعرائه أيضا
حبّى ديارك من نجد وإن بعدت ... عنّى ومغناك من قلبى وإن قربا
[١ / ١٣٦]
دار أدرّ بها صوب الدموع وذا ... غنى أزور به البدر الذى احتجبا
هند ما أنا فى العشاق أول من ... يبغى رضا من تجنّى بعد ما غضبا
إن كنت أذنبت قد وافيت معتذرا ... وإن ظلمت بواش فالرّضى وجبا
إذ تذكرين زمانا بالغوير صفا ... فيه لنا مورد بالوصل قد عذبا
وقد أنت سوى [سهم] بلحظك أو ... طعن بقدّك لا سمرا به وطبا «١»
قناة قدّك أرواح الورى سلبت ... لأجلها سميّت سمر القنا سلبا
ا، ب المجد بن الظهير الأربلىّ «٢»: من الشعراء المذكورين
لو أنّ طيف خيال عزة يطرق ... ما شاقنى برق الحما والأبرق «٣»
ولما وقفت على المنازل شاكيا ... بلسان دمع بالسرائر ينطق
لهفى على زمن تقضىّ بالحمى ... سمعى بذكرى غيره لا يعلق
[١ / ١٣٧]
يا عاذلى فيه وفى سبكّانه ... قد كنت تعذرنى لو انّك تعشق
أخلوت من وجد ولمت متيّما ... ولهان يصبح بالغرام ويعبق
خلّ الهوى لفريقه فنفوسهم ... لسواه لا تهوى ولا نتعشّق
والله ما خطر النعيم بخاطرى ... مذ بان من بمحبه لا يرفق
ا، ب على بن مسعود الحلبى «١»: المعروف بالذهبى من الشعراء الناصرية
إلى كم ترانى يا خليّا من الوجد ... وتعرض عن شىء وتخلف لى وعدى
وكم فيك جرعت الهوان بمنزل ... علمت به أن المنازل لا تجدى «٢»
أعيد وأبدى ما أحن من الهوى ... على الرسم دار ما يعيد ولا يبدى «٣»
وبرق تراءى من تهامة موهنّا ... فأوهمنى قرب المزار على بعد «٤»
سرى خافقا من أيمن الغور مهديّا ... لى الماء والجمر المضرّم فى نجد
[١ / ١٣٨]
وأضحى على وادى الأراك مخيّما ... يلوح ويخفى مثل حاشية البرد
لك الله يا برق الغضا إن للغضا ... بقلبى ما للنار من مهجة الزّند
ا، ب التاج الصرحدى محمود بن عابد «١»
تأنّوا ففى طىّ النّسيم رسائل ... وميلوا فإن البان بالسفح مائل
وما مال إلا السؤال وعنده ... حديث هوى فاستحدثوه وسائلوا «٢»
روى خبرا عن بان نعمان مرسلا ... وأسند عنه ما حكته الشّمائل
خذوا عن يمين البان قد بلغ الهوى ... أواخر لم تدرك لهنّ أوائل «٣»
ونمّوّا غرامى للنّسيم فإنه ... غريمى إذا ماهيّجتنى البلابل «٤»
وميلوا إلى رمل الحمى علّ سربه ... تلاحظكم غزلانه وتغازل
فإن سؤالى للنسيم علالة ... كما أن دمعى للمنازل سائل
[١ / ١٣٩]
ا، ب ابن سودكين الحلبى «١»
أفق أيها القلب المشوق من الوجد ... وبشرى فقد زار الحبيب على بعد
ويا ناظرى لم يبق من بعد قربه ... سهاد ولا دمع يسيل على الخدّ
تمتّع بما أولاك من طيب وصله ... فقد زارنى بعد القطيعة والصّد
رعى الله ليلا بات فيه مواصلى ... حبيب دنا من غير علم ولا وعد
رعى فيه للعهد القديم حديثه ... فيا حبّذا من زارنى ورعى عهدى
ولما ثوى فى القلب من غير حائل ... وصار به فردا سليما من الضّد
وعاين ما فيه من الوجد (زارنى) ... وما زارنى حتى تحقّق ما عندى
[١ / ١٤٠]
الأبيات المثمنة
وجميعها مختار مما أنشدنيه لأنفسهم المطبوعون فى الغراميات من أعيان حلب ومصر ا، ب مجد الدين بن العديم «١»
أقول لصحبى حين ساروا ترفّقوا ... لعلّى أرى من بالجناب الممنّع
وألثم أرضا ينبت العزّ تربها ... وأسقى ثراها من سحائب أدمى
وينظر طرفى حيث أترك مهجتى ... فقد أقسمت ألا تسير غدا معى «٢»
وما أنا إن خلّفتها متأسّف ... عليها وقد حلّت بأكرم موضع
ولكن أخاف العمر فى البين ينقضى ... على ما أرى والشّمل غير مجمع
/ يمينا بمن ودعته ومدامعى ... تفيض وقلبى للفراق مودّعى «٣»
لئن عاد لى يوما بمنعرج اللّوى ... وأصبح سربى فيه غير مروع
غفرت ذنوبا أسلفتها يد النوى ... ولم أشك من جور الزمان المضيّع
[١ / ١٤١]
انجم الدين بن الأستاذ الحلبى «١»
ضاع عمرى فى ليتنى ولعلىّ ... والتّمنىّ فى الحبّ جهد المقلّ
يا كثير الصدود أكثر عمرى ... ضاع فى الهجر فارث لى فى الأقلّ
ما شفيعى إليك غيرك فارحم ... وإذا لم تكن لفقرى فمن لى
أنا موسى هواك فارث لحالى ... وتصدّق بوقفة للتجلّى
فأقسى الطرف من جنى بك نارا ... أطمعتنى على نزوح المحل
ما أبالى متى أفوز بقرب ... منك من صدّ أو تجود بوصل
ما بقى فى جميع قلبى ولبّى ... من نصيب لغير من شتّ شملى
أنا أهواه وهو يهوى بعادى ... آه من دلّه علىّ وذلى
[١ / ١٤٢]
ا، ب بهاء الدين زهير «١»: كاتب ديوان الانشاء بمصر
رويدك قد أفنيت يا بين أدمعى ... وحسبك قد أحرقت يا شوق أضلعى
إلى كم أقاسى فرقة بعد فرقة ... وحتّى متى يا بين أنت معى معى
أأحبابنا، لم أنسكم، وحياتكم ... وما كان عندى ودّكم بمضيّع
عتبتم ولا والله ما خنت عهدكم ... ولا كنت فى ذاك الوداد بمدّع
وقلتم علمنا ما جرى منك بعدنا ... فلا تظلمونى ما جرى غير أدمع
رعى الله ذاك الوجه وجها نحبّه ... وحيّته عنى الشّمس فى كلّ مطلع
ويا ربّ جدّد كلما هبّت الصّبا ... سلامى على ذاك الحبيب المودّع
قفوا بعدنا تلفوا مكان حديثنا ... به أرج كالمندل المتضرّع
ا، ب/ جمال الدين بن مطروح «٢»: كاتب ديوان الجيش بمصر
هى رامة فخلوا يمين الوادى ... وذروا السّيوف تقرّ فى الأغماد
[١ / ١٤٣]
وحذار ثم حذار أعين غيدها ... فلكم صرعن بها من الاساد
من كان منكم واثقا بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادى
يا صاحبىّ ولى بجرعاء الحمى ... قلب أسير ماله من فاد
وأغنّ معسول اللّمى مسكيّه ... لولا الرقيب بلغت منه مرادى
قالت لنا ألف العذار بخدّه ... فى ميم مبسمه شفاء الصّادى
فى بيت شعر نازل من شعره ... فالحسن منه عاكف فى باد
ومن المنى لو دام لى فيه الضّنا ... ليرقّ لى فأراه من عوّادى
ا، ب الزين كتاكت بن الواعظ الملحن «١»
جادت بوبل الدّمع سحب محاجرى ... لمّا سرت سحرا نسيمة حاجرى «٢»
وتذكّر العهد القديم برامة ... قلبى فحنّ إليه حنّة ذاكر
يا مولعا بهوى سويكنة الحمى ... عرّضت قليك للتّلاف فحاذر
[١ / ١٤٤]
هاتيك علوة قد تجلّى حسنها ... فبحقّها يا عاذلى كن عاذرى
ما كلّ من زار الحمى سمع النّدا ... من أهله أهلا بذاك الزّائر
أفسدتم نظرى علىّ فما أرى ... من بعدكم مرأى يروق لناظرى
أنا لا أدين لغير ساكنة الحمى ... وسوى هواها لا يلمّ بخاطرى
شغلت فؤادى أن يحنّ لغيرها ... وأرى هواها ماله من آخر
ا، ب الظهير الرسام المصرى «١»
نمّ دمعى إلى الحداة بوجدى ... حين ساروا عن العقيق بهند
وأمطتّ الحياء فى عرصة الدّا ... ر عفّرت فى المعالم خدّى
قاتل الله سائق العيس كم ... ذلّ له من عزيز قوم كعبد
لو درى أنه يسير بقلبى ... بين أجمالهم لرقّ لوجدى
رحلوا جملة بقلبى ولبّى ... ولحينى بقيت فى الدار وحدى
[١ / ١٤٥]
أسأل الرّسم عن دواتى وإن ... كان سؤالى لصامت ليس يجدى
يا خليلىّ جنّبا عن جوارى ... عيسكم فالغرام كالدّاء يعدى
قيل نجد شفاه، قلت ومن لى ... بنسيم بهبّ من أرض نجد
ا، ب مهلهل الدمياطى «١»
يا بانة الرّمل هل مرّت بك الابل ... وساحة السفح هل حلّت بك الكلل «٢»
ويا عريب النّقى هل للّقا أمد ... ويقتضى بحماكم ذلك الأمل «٣»
رحلتم بفؤادى يوم رحلتكم ... وبين جنبىّ قد حلّت لكم حلل
وحقّكم ويمين الحب صادقة ... قلبى بغير هواكم ليس يشتغل
يا سائق البدن بالبطحاء قف نفسا ... لعلّ عينى بحسن القوم تكتحل «٤»
بدور تمّ من الأكوار مطلعها ... فى القلب والطّرف قد حلّوا وقد نزلوا «٥»
[١ / ١٤٦]
يا للرّجال عسى خلّ يعين فتى ... حلف الغرام رمته الأعين النّجل
قد دارس الوجد حتى شاب مفرقه ... ومارس الحبّ حتى جاءه الأجل «١»
[١ / ١٤٧]
الخميلة السادسة المشتملة على الأبيات المتسعة والمعشرة والاحدى عشرية والاثنى عشرية
الأبيات المتسعة
وهى محتوية على ما يقع فيه ذكر الرياض والأنهار والراح والارتياح وما يتعلق بذلك ا، ب الخيار الكرخى «١»
العيش غضّ والزّمان نضير ... والرّاح تسكب والكئوس تدور «٢»
فتناهبوا الأقداح واغتنموا بها (م) ... الأفراح فالدّنيا بذاك تشير
وخذوا بلهنية الصبا بجمامها ... فلها رواح دائم وبكور
إنى لتعجبنى الزّنامى سحرة «٣» ... ويشوقنى بالجاشريّة زير
وأكاد من فرح السرور إذا بدا ... ضوء الصباح من السرور أطير
وإذا رأيت الجو فى فضّية ... للغيم فى جنباتها تكسير
[١ / ١٤٩]
منقوشة صور البزاة كأنها ... فيروزج قد شابه بلّور «١»
نادت بى اللذات ويحك فانتهز ... فرص المنى يا أيّها المغرور
هذا وكم لى بالجنينة سكرة ... أنا من بقايا شريها مخمور
ا، ب النّجم بن شجير البغدادى «٢»: اجتمعت به فى بعداد فأنشدنى كثيرا فى هذا الباب، حفظت منه قوله:
أرح المطىّ من الرّسيم ... وذر التّعّذل بالرسوم «٣»
وانزل بحانات المطي ... رة خاطبا بنت الكروم
واستجل بكرا شتّتت ... بوصا لها شمل الهموم «٤»
يملى عليك حديثها ... ما كان فى الزّمن القديم
نصبت شباك براقع ... صادت بها عقل الحليم
من كفّ معتدل القوا ... م بوجهه ماء النّعيم
[١ / ١٥٠]
والوقت معتدل المزا ... ج وجوه صافى الأديم
والرّوض يسكره النّدى ... ويميله مرّ النّسيم
ورأيته مكثرا من ذكر قطربل مع ما فى النفس عنها من ذكر أبى نواس لها، فاقتضى الحال المسير إليها وهى كروم وبساتين على [الجانب] «١» الغربى من دجلة، ثم اقتضى الاجتماع أن حمل هو ومن حضر من الأدباء أن عظمت هذه الأبيات
قم نديمى لحانة الخمّار ... ننف ما قد أصابنا من خمار
قم لقطربّل فإن بسمعى ... لفظها غير محوج للقمار
أىّ حال حال بأطيب عيش ... حين سرنا فى طيبة ووقار
وهدانا شذى من الدّير دارت ... كأسه قبل حث كأس العقار
ثمّ جئنا إلى عجائز قسّ ... لابس مسحه مع الزّنّار
نسج العنكبوت سترا عليها ... كم به هتكت من الأستار
قلت ما هذه؟ فقال شموس ... ستروها بظلمة من قار
ثمّ وافى بساطع مستطيل ... يترك الليلّ فى رداء النّهار
[١ / ١٥١]
لم نطق أن نزيد شيئا على الذو ... ق وبتنا صرعى على الأزهار
فقام الجميع يقبلون رأسى وما فيهم إلا من حفظها إما تطييبا لنفس قائلها، أو اقتضى فهمهم أنها تستحق ذلك.
ا، ب المجير بن تميم الدمشقى «١»: حضرت معه فى بستانه على نهر ثورا بغوطة دمشق فاقتضى الحال أن نظم هذه الأبيات.
نظم الهواء بلؤلؤ الأنداء ... عقدا لجيد الرّوضة الغنّاء
شقّ الشقيق بها هناك جيوبه ... مذ سلسلت فيه جوارى الماء
وبدا الأقاح وثغره متبسّم ... لما تباكت أعين الأنواء
وتناشدت أطيارها ما بينها ... بلغاتها كتناشد الشّعراء
وأتوا بما نظموه فى أشعارهم ... بغرائب دقّت على البلغاء
ألقى الهزار عليهم من درسه ... فتجادلوا كتجادل الفقهاء «٢»
ورقى خطيب العندليب منابر (م) ... الأغصان لابس خلعة الخلفاء
[١ / ١٥٢]
فأدر فديتك يا نديم مسرّتى ... شمسا تشقّ غلائل الظّلماء
قد جمّعت فيها العناصر إذ غدت ... ماء ونارا فى إناء هواء
ا، ب أبو العباس الغسانى «١»: صاحب القلم الأعلى بالحضرة التونسية- مرّ الله عليها وارف الظلال الإمامية- حضرت عنده ليلة ومعنا أبو القاسم بن يامن الشاطبى، خرجت معه إلى الرياض بالحريرية فاقتضى الحال أن اشتركنا فى نظم هذه الأبيات:
منادل الشرب أطراف الرياحين ... لم يعلها درن بل مسك دارين
تناولته يد النّدمان فاكتسبت ... بالطّىّ نشرا له ما زال يحيينى
لا كان من قال أعراف الجياد لنا ... منادل فهو مجنون المجانين «٢»
فللشّياطين كانت تلك فى قدم ... بين القفار وهذى للسّلاطين
فى مجلس جمع الأشتات من نعم ... فى دارة الملك لا فى دير عبدون
ركائب الأنس فيه من مدامتنا ... تحدى إلينا بأنواع التّلاحين
[١ / ١٥٣]
والشّمع يضحك أنسا من تجمّعنا ... وشدة الضّحك تبكيه إلى حين
أمست عرائس تجلى فى منابرها ... من نفسها برزت فى حسن تزيين
فالتاج من ذهب والعقد من درر ... والكلّ منها بدا فى كلّ تحسين
[١ / ١٥٤]
الأبيات المعشرة
فى وصف متنزّهات واستدعاءات وأجوبة لذلك، وجميعها مما جرى لى مع منعم جواد، أو مخلص ذى وداد.
أ- العراق:
أجل من رأيته من كرمائها وأرباب مناصبها/ الصاحب فخر الدين بن قاضى القضاة الدامغانى «١» . وجدته ببغداد صاحب أعمال الخليفة المستعصم، فانحدرت معه إلى البصرة فى دجلة، ورحلتى معه تحتمل سفرا زبدتها فى هذا المكان. إنا لما وصلنا إلى البصرة حللنا بين نهر الأبلة ونهر معقل، وضرب الصاحب هناك خيمة، وفيها ماء يرتفع ويدور كالأهلة برسم الجلوس للناس. وجاءه الوافدون من المسلمين والنصارى والمجوس والصابئة، فسنح لى القول فأنشدته:
ما بين نهر الأبلّه ... ونهر معقل حلّه
قد حلّها كلّ جود ... وأمّها كلّ ملّه
بدت لديها بدور ... دارت عليها أهلّه
يمم ذراها لتلقى ... بأفقها المجد كلّه
فارتاح وتهلل وجرى على عادة مكارمه، وقال: لقد هززتنى، فقلت: وبقى أيها الصاحب أن تهمزّنا أنت. فقال: بأى شىء؟ فأنشدته تمام الشعر لما دعا ذلك المنظر العجيب إلى ما يشتاق إليه الأديب: «٢»
يا أيها المبتدى قب ... ل أن نسائل فضله
ماذا ترى فى نعيم ... خلا من الأنس جمله
لا تضحك الكأس فيه ... وينظم الشّرب شمله
[١ / ١٥٥]
ولا يهز سماع ... لا يعدم الطيب مثله
وكلّ وجه مليح ... يزويه بدر لعلّه
لو كان يرتاح بالس ... راح لم يضنّ بقبلة
فضحك وانبسط وأفرط فيما أشير به، وفى وجه من وجوه المسرة ما فرّط.
ب- الشام.
ألطف من صحبته فى هذا الشأن بحلب من أهل الود والأدب:
ا، ب النور الأسعردى «١» خرجت معه مرة إلى باصفراء، وهو مكان عجيب على نهر قويق «٢» متكاثف الظلال، مصطخب الأطيار، وبتنا فى جوسق بالقرب منه، ثم جعلنا نصابحه ونماسيه أياما إلى أن قال الأسعردى
لله عصر ببا صفراء طاب لنا ... فيه العصير على ما يقتضى الأدب
روض ونهر وظل وارف وشذا ... زهر وألحان طير فيه تصطخب
وأوجه تضحك الدّنيا ببهجتها ... ويدرك المرء من نعماه ما يجب
كأنهن بدور تستنير بها ... لنا غصون زهت من تحتها كتب
[١ / ١٥٦]
أنجد وأنهم رعاك الله مجتليا ... فحيث ما جئت منها منزع عجب
ولى نديم قديم الودّ ذو أدب ... يبدى إلىّ حديثا كله طرب
كأنه كأس راح من لطافته ... ودرّ ألفاظه من حسنها حبب
لا يعرف الخلف فى شىء يعنّ ولا ... يبدى إلينا سوى ما يقتضى الحسب
أشهى إلىّ من الدنيا مصاحبة ... مخلص لا تدانى أرضه الرّيب
تحاسد الأرض فيه فهى تطلبه ... من كلّ أفق وقد فازت به حلب
ا، ب ولا زمنى فى دمشق الفخر بن عز القضاة «١»، وهو ما خط عذاره، ولا خسف ابداره، وله من الفطنة والذكاء ما أربى به على أكابر الشعراء والأدباء.
كتب لى مرة من جنّته على نهر بردى:
يابن سعيد دمت فى أسعد ... هل لك فى طيب لنا سرمد
فى جنّة قد جنّ سلسالها ... إذ مرّ بالدّر على الجلمد
والورق التّبرىّ من حوله ... يميل أو يسقط لا تهدى
[١ / ١٥٧]
أبدى خريف الفصل فيه لنا ... عشّاقه كيما بها نقتدى «١»
ولىّ ربيع الأرض عنها وقد ... أولى جميلا كلّ وجه ندى
فالنهر قد حاك له حلّة ... من صبغة الدّوح بها يرتدى
وقد طوى الريح على المسك كى ... يفوح منها نشرها فى غد
وطوّق الورق بإحسانه ... ولثّم الشّحرور بالعسجد
فصل وواصل مسرعا منعما ... فكأس كلّ واقف فى اليد
وحاش للمجد بأن يرتضى ... خلفا لما أسلف من موعد
ج- إفريقية:
واصطفيت من أعلام الحضرة التّونسية من كان بالتجربة كالذّهب الإبريز وهو أبو العباس «٢» ا، ب أبو العباس الغسانى «٣»: المتقدم الذكر، استدعانى مرة إلى جنته بالحريرية واقتضى الحال أن تشاركنا مع ابن يامن فى هذه الأبيات:
[١ / ١٥٨]
رنت نحوكم مقل النّرجس ... وأمست تشير إلى الأكوس
وقد حدّد الآس آذانه ... ليسمع ما دار فى المجلس
وأخجل تفّاحنا فاغتدى ... يروم الكلام فلم ينبس «١»
وقد باح إترجنا بالهوى ... وظاهره بالضّنا مكتس
وماس التّرنجان فى حلّة ... تروق العيون من السّندس
وكالجمر نارنجنا قد بدا ... يروع العيون ولم يقبس
وزنبوعنا «٢» بعضه مثل ما ... نظرت إلى الذّهب الاملس
وتضريس بعض كشمع أسيل ... ولكنه بارد الملمس
وقد ضحكت بيننا أكؤس ... فوجه الدّجنّة لم يعبس
فيا ربّة العود حثّى الغنا ... ويا ساقى الكأس لا تحبس
[١ / ١٥٩]
الأبيات الاحدى عشرية
فى مقطوعات من قصائد أخوانيات، وكلها مما خاطبنى فيه أخوان الصفاء والاحسان، فيما تجولت فيه من البلدان ا، ب النور الأسعردى «١» كتب إلىّ من دمشق إلى حلب قصيدة منها:
إليك حنينى لا إلى الكأس والصّبا ... وما زال دهر قد قطعناه من ذكر
ولطفك يقضى. أن تكون ببلدة ... حكت جنّة الرّضوان قبل مدى الحشر
وأين قويق من مقاسم أنهر ... على درر الحصباء قد أصبحت تجرى
فديتك لا تهمل حقيق نصيحتى ... وكن لا محا بين النّجوم سنا البدر
أجلّق فى الدّنيا فيختار غيرها ... وما هى لى أرض ولكن سبت فكرى «٢»
وما زلت مختارا لأهل مودّتى ... جميع الذى أختار من تحف الدّهر «٣»
أتصبر عن أرض ينوح حمامها ... غراما وتختال الغصون من السكر
[١ / ١٦٠]
يمرّ اختلاسا فى رباها نسيمها ... فأحسبه من روضها سارق النّشر
لدى عذب الأغصان فوق فوارس ال ... حمام وموج النهر كالجحفل المجر «١»
وقد ألبسته الرّيح محكم سردها ... وألقت عليه الشّمس درعا من التبر
إذا لم أضع عمرى على رغم حاسد ... بنيل المنى فيها فواضيعة العمر
ا، ب أيدمر التركى «٢» كتب إلىّ من مصر بإشارة سيدى وزير الجزيرة محيى الدين بن ندا وهو أحد المنعمين- أحسن الله إليه. «٣»
يا رافعا للمعالى راية الأدب ... حتى متى لا تزال الدّهر فى حلب
من كان مثلك لم تقعده همته ... بالفضل والجد والتّشمير فى الطلب
ولا يزال كطير الدّوح منتقلا ... بين المناهل والأدواح فى طرب
قضيت مهنة أرض الشام فاثن إلى ... مصر العتاق وجدّد عهد مغترب
[١ / ١٦١]
واذكر معاهد قضّيبنا أصائلها ... بين المذانب والأغصان والكتب
فكم لنا بذرى الأهرام من نزه ... أبدى لنا الدهر منها كلّ ذى عجب
والصالحيّة حيث النّهر عانقها ... كم قد قطعناه من جدّ ومن لعب
وعطفة النّيل من روض القلانش فى ... عطف لنا بعد فصل الوصل عن كثب
وبركة الفيل لا تنسى لياليها ... والشمع فيها يضاهى زينة الشّهب
سقى ديارك ما يروى معالمها ... من عامر الفضل أو من هاطل السحب
ولا يزال طراز الملك يلمح من ... نعمى حلاك مدى الأيام والحقب
ا، ب أبو العباس الغسانى «١»: كتب إلى من حضرة تونس إلى المشرق قصيدة منها هذه القلائد «٢»
يا نازحا عنى أجب كتبى كما ... صدح الحمام إذا الحمام ترنّما «٣»
[١ / ١٦٢]
وأجل جفونك فى سطور لم تكد ... لولا تصعّد زفرتى أن تفهما
بالله طارحنى الحديث فإننى ... أهوى حديثك مفصحا ومجمجما
واستبق بالنجوى الخفيّة بعض ما ... أبقيت لى إذ لم تدع إلا ذما
باق على حفظ الوداد وطالما ... أمسى بأيدى الحادثت مقسّما
أتراك عن نادى السّرور سلوت أم ... ما زلت مثلى فيه صبّا مغرما
نتجاذب الأشواق قلبى كلما ... أبصرت فيه مكانك المتوهّما
ويطول ردّى للكئوس تذكّرا ... فإذا شربت شربت فيها علقما
إذ ليس يعذب مورد حلّئت عن ... أرجائه ولو ان أموت من الظّما
ويحا لهذا الدّهر فوّق أسهما ... للحادثات فكنت أول من رما
ما كان يقنعنا التواصل دائما ... فاليوم يقنعنا الخيال مسلّما
ا، ب فجاوبته:
أطلعت فى ليل التّشوّق أنجما ... لما بعثت مسائلا ومسلّما
[١ / ١٦٣]
لولا كتابك ظلت فيه حائرا ... حيث اتجهت رأيت جنحا مظلما
وافى وأفقى حالك فأناره ... وأوام شوقى مؤلمّ فشفى الظّما
أودعته قلبى ففاح نسيمه ... فكأنما نور بجمر ضرّما
فرددته فى ناظرى فكأنما ... زهر الرّياض سقيته ماء السّما
فرددته فى مسمعى فكأنما ... طير أمال الغصن حين ترنّما
عهدى بصدرك مثل بحر زاخر ... لا غرو أن أرسلت درّا نظّما
عهدى بكفّك مثل غيث هاطل ... لا غرو أن أهديت زهرا نمنما
إيه أبا العباس بعدك لم أزل ... مهما تدر مشمولة متجّهما
متمنّعا من شربها إذ خلتها ... سمّا إذا ما خلت كأسك علقما
ولقد بكيث فلم أجد فى الجفن ما ... أبكى به إن كنت أبكيت الدّما
[١ / ١٦٤]
اابراهيم بن سهل الاسرائيلى: «١»: كتب إلىّ من أشبيلية إلى الجزيرة الخضراء
قل لمن أسهر بالبين الجفون ... مثلك الإصبار «٢» عنه لا يكون
- خفق النهر بحرصى بعد ما ... بنت والطير بدت منها شجون
والليالى بعد ما كنّا بها ... فى نهار ألبست داجى الدّجون
يا أخا الفضل ويا ربّ العلى ... والمعانى الغرّ فى تلك الفنون
أين عيشى بك فى ظلّ المنى ... فى فنون دائمات وفتون
بخليج لم تزل تجرى به ... قصب السّبق بغايات المجون
حيث مدّ النهر منه معصما ... يتمنىّ لثمه زهر الغصون
وجرى الظّلّ عليه سجسجا ... مثل ما أبصرت كحلا فى العيون
أترى الخضراء تنسى مثله ... رجّم الإخوان فى هذا الظّنون
ينقضى العام ويتلو آخر ... والنّوى لا ينقضى، هذا جنون
إن أساء الخلّ منه أدبا ... فبفرط الشّوق والوجد يهون
[١ / ١٦٥]
الأبيات الاثنى عشرية فى محاسن أمداح عصرية
ا، ب أبو عبد الله الحضرمى الطنجى «١»: فى مدح مولانا المفدى أبى زكريا، سقى الله عهدهم صوب الغمام «٢»
وما طابت الدنيا لنا بربيعها ... ولا أن نرى خيل السرّة تنقاد
بحيث كئوس الرّاح دارت وحثّها ... شموسا لنا نجم من الأنس وقّاد
ولكن سلطان الأمير الذى غدا ... يشدّ من الملك المؤيّد ما شادوا
معالى أبى حفص ومن كان قبله ... ومن بعد منهم لعلياه إمداد «٣»
ترى الناس أفواجا لأبواب قصره ... كأنّ لهم فيها مع الرّزق ميعاد «٤»
بيحيى حيينا بعد طول إماتة ... وصار لنا فى مجلس العزّ ترداد «٥»
جواد بما يحوى، جواد بسبقه ... ملوك الورى، ساد الجميع وقد سادوا
[١ / ١٦٦]
فمادحه يتلو مدائح صدقه ... فيصغى لحقّ وهو بالعلم نقّاد
تضوع به الأمداح وهى بغيره ... تضيع فعن ما جاد يوما به جادوا
يزيد بهذا المدح، بحر نواله ... كذلك موج البحر بالهزّ يزداد
ولم ينس فى ذات الإله أياديا ... له حين يلقى الله من ذخرها زاد
ا، ب ابن سعيد «١»: المؤلف، من قصيدة أميرية
نازعته كأس المدامة سحرة ... حتى ترفّع للصباح لواء
وشدا الحمام مبشّرا بقدومه ... وترحّلت بنجومها الظّلماء
فثنى علىّ بكأسه ثم انثنى ... مترنّحا تهفو به الصّهباء
ناديته طربا فقال بدولة ال ... ملك الذى اتصلت به النّعماء
يحيى الذى أحيا الإمارة بعد ما ... عمّ البريّة فتنة عمياء
ملك تلوح عليه مسحة ملأك ... فالأرض منذ تحمّلته سماء
[١ / ١٦٧]
تنمى إلى العمرين منه مفاخر ... عمرت بما شاءت له العلياء
نهضت إلى العايات منه همّة ... جمعت على آرائها الأهواء
وتألّفت فرق العصا ممّن عصى ... وتأرجت بفتوحه الأرجاء
مولاى قد فنى الكلام ولم أجد ... ما فيه يا مغنى الأنام كفاء
فلأعكفنّ على الدّعاء لعلّنى ... أقضى به حقّا وأين جزاء
فنصرت حتى لا يخالفك امرو ... وبقيت حتى لا يحدّ بقاء
ا، ب أيدمر التركى «١»: المتقدم الذكر من قصيدة فى مدح الصالح بن أيوب سلطان مصر
إيه مديحى لا خطاك قصيرة ... يوم الرّهان ولا مجالك ضيّق
هذا مقام الملك حيث تقول ما ... تهوى وتطنب كيف شئت فتصدق
فى حيث لا شرف الصفات بمعوز ... فيه ولا باب المدائح مغلق
ملك يلوذ الدين منه بمعقل ... أشب سطاه سوره والخندق
[١ / ١٦٨]
لو أن سرّ الملك فيه مختف ... قامت شمائله عليه تنطق
هدأت بسيرته الرّعّية واغتدى ... قلب العدوّ من المهابة تحفق «١»
فالدّين بعد تفرّق متجمّع ... والكفر بعد تجمّع متفرّق
الصّالح الملك الذى أيامه ... عقد به جيد الزّمان مطوّق
عرف الرّعيّة يمن دولته التى ... فيها تأكد عهدها والموثق
جمعت كما اقترح الرجاء إلى الغنى ... أمنا فقد رزقوا الذى لم يرزق
فالله نحمد ثم أيوب الذى ... أمن الغنىّ به وأثرى المملق
آيات ملكك معجزات كلّها ... ومدى اهتمامك غاية لا تلحق
ا، ب التّلعفرى «٢»: من قصيدة فى مدح الملك الناصر سلطان الشام
غنت لتطربنى حمامة أيكة ... حين الربيع منوّع الألوان
فسألتها ماذا الذى تشدو به ... قالت: مديح الناصر السّلطان
[١ / ١٦٩]
فأثارت الأفكار من جنباتها ... وتمازج الأمداح بالألحان
وأتيت من بركات مدحى مجده ... ما ليس تبلغ طاقة الانسان «١»
فاسمع إلى الأمداح كيف مزجتها ... من منطقى بالدّر والمرجان
والله لو ناطقت سحبانا بها ... لنحبتها ذيلا على سحبان
الله فضّلنا بصورة يوسف ... وجلالها فى ذمّة الرّحمن
ملك أرانا الله منه صورة ... مخلوقة لليمن والإيمان
يروى بها الصادى ويشرق نورها ... أبدا على الأقطار والأكوان
ملأت قلوب العالمين محبّة ... ومودّة بالحسن والإحسان
قد غرّب المدّاح عن أوطانهم ... فسلوا عن الجيران والأوطان
وغدوا به فى جنّة أرضتهم ... فكأنها من جنّة الرّضوان
[١ / ١٧٠]
االمجد النشابى «١»: من قصيدة فى الخليفة المستعصم
إن النّسيب محبّب ... لكن سلوت عن النّسيب
بمواقف قد شرفت ... مجموعة من كلّ طيب
فلذاك تلثم بالشّفاه ... وبالعمائم والجيوب
تهوى لها الأبصار ... من قبل الضّمائر والقلوب
الله قدّسها ورفّعها ... عن الشّعر العجيب
لكن عادتها جرت ... ألا تخيب منى الغريب
لادت بها العلماء والبلغاء ... من أقصى الجنوب
ومن الشمال ومن أقاصى ... الشرق أو أقصى الغروب
يرجون نائلها الذى ... يدعو بهم هل من مجيب
عزّوا بلثم ترابها ... ما بين ولدان وشيب
وغدا لهم فخر بما ... نالوا بذلك من نصيب
فالكلّ منهم قائم ... فى كل قطر كالخطيب
[١ / ١٧١]
الخميلة السابعة المشتملة على الحكايات القصيرة
الطبقة الأولى: [من الحكايات القصار]
قالت عجوز لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، أدع لى بالجنة.
قال: إن الجنة لا يدخلها العجز «١» .
نوح عليه السلام:
قيل له: لقد بالغت فى الدعاء على قومك/، قال: على قدر ابتلائى بهم الصديق رضي الله عنه:
قال له عمر: استخلف غيرى. فقال: ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك الفاروق رضي الله عنه:
مرّ على دار عامل وهى تبنى فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها ذو النّورين رضي الله عنه:
ارتج عليه فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ بيانا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال.
أبو السبطين رضي الله عنه:
استدعاه شخص فقال: على أن لا تتكلّف لنا ما ليس عندك، ولا تدّخر عنا شيئا مما عندك معاوية رضي الله عنه أغلظ لشخص فأجابه، فقال: لو سكت ما سمعت
[١ / ١٧٣]
يزيد:
كتب إليه ابن زياد يعتز بقتل الحسين: إن أصلحت دنيانا فقد أفسدت ديننا عبد الملك:
ذكرت سيرة عمر رضي الله عنه فقال: مدح الخلفاء الأموات طعن على الأحياء الوليد:
قال له رجل: فلان نال منك، فقال: أتريد أن تقتصّ أوتارك بى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عزى فى ابنه فقال: هذا أمر كنا نتوقعه، فلما وقع لم ننكره.
مروان الجعدى «١» اشتدت به الإراقة، فنزل وكان ذلك سبيا لانهزام العسكر. فقال: ضيعنا الدولة ببولة.
المنصور:
قال لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكف وجهى عن المسألة ويعجز الصديق، قال لقد لطفت فى المسألة.
الرشيد:
قال لابن صالح: أتبقون بالرّقة؟ قال نعم ونبرغث. قال: أسألك عن واحدة وتجيبنى عن اثنتين.
المأمون:
قال للحسن بن سهل فى عرس بوران: لا خير فى الشرف، فقال: لا شرف فى الخير.
المعتصم:
كلّم فى العباس بن المأمون فقال: أكره أن أحبسه فأهتكه، أو أدعه فأهمله.
[١ / ١٧٤]
الواثق:
قال له ابن أبى دؤاد إن ابن الزيات يكثر الوقوع فىّ، فقال: ما أردتّ إلا حفظ مكانك، وقد صحّت عندى العداوة التى بينكما.
المتوكل:
قدّم له لون وجد فيه ذبابة بعد أخرى، [فقال «١»] أعيدوا علينا هذا اللون غدا وليكن أقل ذبابا المكتفى:
نظر إلى رأس دعىّ الزنج فقال: لقد عدا على الأنساب كما عدا على الأسلاب الطائع:
واكله القادر بعد ما خلع به وكان اللون عدسيّة فقال: حيث كنت تقنع بهذا لم خاطرت فى طلب الخلافة ابن المعتز:
عامله أحد أقاربه بما أوجب الاعتذار فقال: أما علمت أن أول الغضب جنون وآخره ندم العباس: الذى ينتسبون إليه. «٢»
قيل له: من أكبر، أنت أم رسول الله صلى الله عليه، قال: هو أكبر وأنا أسنّ عبد الله بن العباس قال لمعاوية وقد سمع الوقوع فى علىّ على المنبر: أيذمّ علىّ على منبر الاسلام وهو بناه بسيفه؟
الحسين بن على: رضي الله عنهما حيّته جارية بطاقة ريحان فأعتقها، فقيل/ له في ذلك فقال: إن الله تعالى يقول: وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها» «٣»
[١ / ١٧٥]
ابراهيم بن عبد الله الحسنى:
قيل له يوم قتله: ألا تنجو، فقال: من فرّ من أهل بيتى حتى أفرّ؟ لا أكون أول من فتح عليهم هذا الباب صالح الحسنى الجوّال:
قيل له: كم تجول؟ قال: حتى يدركنى طالبى أو أدرك مطلوبى سليمان الحسنىّ المغرّب:
قال له البربر: من يشهد لك بنسبك؟ فقال: إن لم يأت من يعرفنى فأخلاقى تشهد لى محمد الجواد:
ليم فى الجود فقال: إنى سمّيت بهذا الاسم وأستحى أن أكون مكذّبا له.
محمد بن الحنفية:
قيل له إن المختار أكل باسمك الدنيا. فقال: إنما أكلها بدينه.
ابن عمر رضي الله عنه «١» تحدّث عنده فى زهد الناس فى المعروف فقال: كان الرجل إذا أراد أن يغيظ جاره كلف غيره.
أخوه عبيد الله:
سئل عن علىّ رضي الله عنه فقال: يبعضه قلبى ولا يقول فيه لسانى إلّا ما أوجبه الله له.
أخوهما عاصم:
قيل له فى ترك الولاة فقال: مجالس الولاة إما فتنة أو حسرة.
[١ / ١٧٦]
أبو سفيان:
حجبه عثمان رضي الله عنه فى خلافته فقال: لا عدمت من قومى من إذا شاء حجبنى المهلب «١» .
قال لبنيه وقد رأى اختلافهم فى أحسن الثياب: إن أحسن ثيابكم ما كان على غيركم.
الحجاج:
قال له- خالد بن يزيد: لم سفكت دماء المسلمين؟ فقال: لأنهم كفّروا أباك وجدك.
سعيد بن جبير «٢»:
قال له الحجاج: اختر لنفسك أى قتلة شئت؛ فقال: بل اختر أنت فإن القصاص أمامك.
الأعمش «٣»:
قال له أبو حنيفة: لولا أن أثقل عليك لعدتك كلّ يوم، فقال: أنت تثقل علىّ وأنت فى بيتك، فكيف فى بيتى.
ابن شبرمة: «٤»:
قال له حجازى: من عندنا خرج العلم، فقال: ثم لم يعد إليكم.
[١ / ١٧٧]
أبو تمام قال له رجل: لم لا تقول من الشعر ما يفهم، فقال لأنك لا تفهم ما أقول.
سلامة بن جندل «١» .
قال له بنو تميم: مجدنا بشعرك. فقال: افعلوا حتى أقول.
ابن الأكشف: المتردد فى البحر «٢» .
قال له المأمون: ما أعجب ما رأيت فى البحر. قال السلامة منه الفرزدق:
قال له رجل: كأن وجهك أحراح مجتمعة. فقال: أنظر هل ترى حر أمّك فيه.
بثينة:
قال لها عبد الملك: ما رأى جميل فيك حتى عشقك. فقالت: الذى رأى الناس فيك حين استخلفوك.
متنبئة:
قال لها المأمون: إن النبى عليه السلام قال: لا نبىّ بعدى. فقالت صدق، فهل قال لا نبيّة بعدى.
بغدادية:
رأت فقيها قد اشترى نعلا جديدا وتصدق بالبالية فقالت: المؤمن تحت ظلّ صدقته يوم القيامة
[١ / ١٧٨]
الطبقة الثانية: من الحكايات القصار
البيهقى»
:
إن رسول الله ﷺ لما وفد عليه زيد الخيل بسط له رداءه وأجلسا عليه وقال: إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه «٢» .
شيث عليه السلام:
قال له أصحاب آدم عليه السلام: إنك خالفت أباك فى شريعته. فقال:
اتّقوا الله فإن الاعتراض على المأمور راجع إلى الآمر.
نوح عليه السلام:
كان فى خصّ فقيل له: يا نبىّ الله، لو اتخذت بيتا كما يتخذ الناس؟ فقال:
هذا كثير لمن يموت.
يوسف عليه السلام:
قال أبوه عليه السلام: ما كان خبرك بعدى؟ فقال: لا تسألنى عما فعل بى إخوتى ولكن اسألنى عما فعل بى ربى.
أيوب عليه السلام قيل له: أى شىء كان فى بلائك أشدّ عليك؟ قال. ما مرّ علىّ فى بلائى أشد من شماتة الأعداء.
الصدّيق رضي الله عنه كلّم فى النظر للأشعث: فقال لقائله: ندمت إن لم أكن ضربت عنقه حين جىء به أسيرا، فإنه ما رأى قط فتنة حتى أعان عليها.
[١ / ١٧٩]
الفاروق رضي الله عنه كلّم فى أن يلين للناس فقال: لو علموا ما لهم فى نفسى لنازعونى الثوب الذى على عاتقى.
ذو النّورين رضي الله عنه قيل له إن الناس طعنوا عليك حمل بنى أمية على رقابهم، فهلا صنعت كما صنع عمر. فقال قطع عمر أقاربه فى الله، وأنا أصلهم فى الله أبو السبطين رضي الله عنه سمع الحسن يقول: اللهم لا تحوجنى إلى أحد من خلقك فنهره وقال: أتسأل الله شيئا لم يعطه أنبياءه ولا أولياءه. إنما قل: اللهم ليّن لى قلوب عبادك.
معاوية رضي الله عنه قال له عمرو بن العاص: ما أشدّ حبّك للمال، فقال: ولم لا أحبّه وأنا أستعبد به مثلك وابتاع به دينك ومروءتك.
عبد الملك:
صغّر عنده مصعب بعدما قتله فقال للقائل: أما علمت أن من صغّر مقتولا فقد أزرى بقاتله.
السفّاح:
رفع له ساع سعاية على عامل فوقع فيها: هذه نصيحة لم يرد بها ما عند الله، ونحن لا نقبل قول من آثرنا على الله.
الرشيد:
قال له رجل فى الطّواف: أريد أن أكلّمك بكلام فيه خشونة فاحتمله. قال.
لا ولا كرامة، فقد بعث الله من هو خير منك ومن هو شر منى فقال: «فقولا له قولا لينا» .
[١ / ١٨٠]
المأمون:
نزل فارس فعدا بين يديه، فأشار بيده أن حسبك. فقال له بعض من يقرب منه: إركب، فقال المأمون: لا يقال لمثل هذا إركب، إنما يقال له انصرف.
المستعين:
لما خلع خيّر فى أى البلاد ينزل، فاختار البصرة. فقيل إنها وبيئة، فقال: أيهما أوبأ، هى أو الخلع من الخلافة.
المقتفى:
رفع له أن فقيها طلب من فقيه بغلة فردّها بعد جمعتين، فوقّع على القصة:
قد ردّ الأمانة وهو أثقل/ منها.
الناصر أعطى عامل كبير لقّبه مهذّب الدولة مالا جليلا على أن يلقّب بمهذّب الدولة.
فوقّع على القصة: يؤخذ ماله، ويصفع قذاله، وتبقى على الفتح ذاله ابن المعتز شكا إليه عبيد الله بن سليمان ما يقاسيه من أخلاق المعتضد، فقال: من خدم السلطان فليصبر على قسوته، كصبر الغوّاص على ملوحة بحره.
الناهض محمد بن سليمان الحسنى قيل له لما اجتهد فى طلب الأمر: كنت أبعد الناس من الشّر، ثم صرت بالضّد.
فقال: ينبغى للعاقل ألا يتعرض للشر، فإذا تعرّضه ولم يجد منه بدّا فليلقه بكلّيته.
أخوه اسماعيل:
ليم في صباه على شىء فقال: لا تطلبوا الشّبان بعقل الكهول، فالذى خلق الأسنان خلق لها عقولا على درجاتها.
[١ / ١٨١]
أبو هاشم محمد بن الحنفية:
قال له هشام بن عبد الملك: لم لا تجاوبنى؟ فقال: إنما يتجاوب الأكفّاء، وأما من جعل له الله علوّ القدر والتّسلّط فكيف يجاوب.
محمد بن الأطرف العلوى:
وفد على العراق، فوصله خالد القسرى بمال، فليم على قبوله، فقال: ما حملنى على قبول معروف بجيلة إلا ما رأيت من منكر قريش.
على الأعرج العلوى:
رأى الموفّق وأكثر جنده من بقايا الفتنة، فقال له: الفتنة سوق لا تنفق إلا بالأرذال، وقد أراح الله منها، فاصطنع ذوى الأصول والذّوات.
عبد الله بن على العباسى قال قائل، لم ضربت أعناق بنى أمية بمحضره، إن هذا لجهد البلاء، فقال:
ما هذا وشرطة حجّام إلا سواء، وإنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.
أبو عيسى بن الرشيد قال له الرشيد: ليت لعبد الله- يعنى المأمون- حسنك، فقال بديهة: على أن يكون حظّه لى منك.
خالد بن يزيد كان يشتغل بالكيمياء، فقال له عبد الملك: شغلت نفسك بما لا يصحّ لك، فقال: فيجب أن تشكر الله على أن فرّغتك لما صحّ لك.
عتبة بن أبى سفيان جعل قوم يقولون فى مجلسه: لو كان كذا، ويعيدون ذلك، فقال: إياكم ولو، فإنها أتعبت من كان قبلكم، وإنها لمتوكّا العاجزين.
[١ / ١٨٢]
أبوه: [أبو سفيان] قيل له: بم سدّت قومك؟ فقال: إنى لم أخاصم أحدا قط إلا عند الضّرورة، فإن كان لا بدّ من خصامه تركت للصلح موضعا.
عمرو بن سعيد «١» دخل على معاوية بعد موت أبيه، فقال له: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّ أبى أوصى إلىّ ولم يوص بى. فقال: هو كان/ أعرف بك.
[١ / ١٨٣]
الطبقة الثالثة: من الحكايات القصار- نثر الدر
زوجت عائشة رضي الله عنها امرأة كانت عندها، فهدوها إلى بعلها. فقال رسول الله ﷺ: ألا أرسلتم معها من يقول
أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحيّيكم
فإن الأنصار قوم فيهم غزل «١» .
آدم ﷺ:
قيل له لما أخرج من الجنة: ما هذا الشّرة؟ بعت الجنة بشجرة. فقال: من اغترّ بعدوّ، وقبل إشارة امرأة- «٢» واتبع هوى. فلا يعدم أن يقع فى مثل ما وقعت فيه.
ا، ب إدريس عليه السلام:
شكا له الكلدانيون بأمور الفتنة، فقال: إذا فسد الزمان فسد السلطان، وإذا فسد السلطان خربت الأوطان، وإذا خربت الأوطان عدم الأهل والإخوان.
ا، ب ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قيل له: لما ألقاك النمرود فى النار، وخلّصك الله منها، كنت مع الله أو كان الله معك. [فقال] «٣» لو لم يكن معى وأكن معه ما سمّانى خليله «٤» .
ا، ب يحيى عليه السلام لقيه المسيح عليه السلام وهو متبسّم فقال له: إنك لتتبسّم ابتسام آمن، فقال
[١ / ١٨٤]
بحيى وإنك لتعبس عبوس قانط. فأوحى الله إلى عيسى: الذى صنع يحيى أحب إلىّ فإنه أحسنكما بى ظنّا.
االصديق رضي الله عنه كان قد استعان بخالد بن الوليد فى قتال أهل الردة، فلما عاد من اليمامة وقد فتح الله على يديه، دخل وقد رشق فى عمامته نبلا، فنزعها عمر، وكلم أبا بكر فى أن يعزله. فقال: لا أغمد سيفا سلّه الله على أعدائه.
االفاروق رضي الله عنه مر بشاب فاستسقاه، فمزج له عسلا فلم يشرب وقال: إنى سمعت قول الله تعالى: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا «١»»
. فقال الفتى: إنها والله ليست لك، اقرأ ما قبلها «ويوم يعرض الذين كفروا على النار» فشرب وقال: كل الناس أفقه منك يا عمر.
ا، ب ذو النورين رضي الله عنه «٢» نظر إليه معبد بن سنان وهو يغرس فسيلة فقال: أتغرس هذه الفسيلة وهذه الساعة قد أظلّتك: فقال عثمان: لأن يرانى الله مصلحا أحب إلىّ من أن يرانى مفسّرا ا، ب أبو السبطين: رضي الله عنه «٣» أتاه رجل بآخر فقال: إن هذا زعم أنه احتلم بأمى. فقال على رضي الله عنه:
أقمه فى الشمس واضرب ظلّه. ثم تبسم وقال: لا بأس بالفكاهة يخرج بها الرجل عن حد العبوس.
امعاوية دخلت عليه عائشة رضي الله عنها فسألها عن حالها، ثم جعلت تقرّعه فى فعال
[١ / ١٨٥]
منها قتل حجر وأصحابه. فقال لها: إن لنا موقفا يوم القيامة نختصم فيه، فكيف أنا فى حوائجك. قالت: على خير ما يكون مثلك. قال: فمه إذن.
ايزيد:
شكا/ إليه بعض بنى أبى سفيان إساءة وسبّا من قبل أبى عبيد الله الدّعىّ، فكتب إليه: إما كففت عن آل بنى سفيان وصنعت معهم ما يجب لهم عليك وعلى أبيك وإلا أزلت عنك السبب الذى استطلت به عليهم.
ا، ب معاوية بن يزيد: المذكور لما خلع نفسه قال له أمية فقلّدها من شئت. قال: لم أذق حلاوتها فأتقلّد مرارتها فقال له مروان: سنّها فينا عمريّة. فقال: أتخادعنى عن نفسى، ايتينى بمثل رجال عمر حتى أسنّ فيهم سنّته.
ا، ب مروان:
لما احتضر قال له ابنه عبد الملك: أوصتى يا أمير المؤمنين. فقال له إيثر الحقّ يميل إليك أهله، وحصّن مملكتك بالعدل فإنه سورها المنيع الذى لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه «١» منجنيق.
ا، ب عبد الملك:
خاض جلساؤه فى مقتل عثمان «٢» . فقال رجل: يا أمير المؤمنين، فى أى سنّ كنت يومئذ. فقال: دون المحتلم. قال: فما بلغ من حزنك عليه. قال: شغلنى الغضب له عن الحزن عليه.
ا، ب الوليد:
طعن الناس بدمشق، فعزم على الخروج منها، فقيل له: إن الله تعالى يقول
[١ / ١٨٦]
«قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» «١»
فقال: إنما نريد ذلك القليل سليمان:
قال فى مجلسه أحد أقاربه: ما أدرى أيهما خير فى مجلسك يا أمير المؤمنين الكلام أم السكوت. فقال: الكلام فيما يعنيك خير من السكوت عما يضرّك، والسكوت عما لا يعنيك خير من الكلام فيما يضرك.
ا، ب عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
جرى فى مجلسه ذكر مقتل عثمان والجمل وصفّين وما كان فى تلك الفتن المظلمة فقال رحمه الله: من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وهذا مما لا يعنينا وإنها لدماء كفّ الله أيدينا عنها، فيجب أن نكفّ عنها ألسنتنا.
ا، ب المنصور كتب إليه والى أرمينية إن الجند شغّبوا علىّ، وطلبوا أرزاقهم، وكسروا أقفال بيت المال وانتهبوه «٢»، فوقع فى كتابه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا فاعتزل ما غيرك أقوم به منك.
ا، ب المأمون:
بنى محمد بن عمران «٣» بناء احتفل فيه إزاء مبانى المأمون وشنّع عليه فى ذلك.
وقال له المأمون فى شأنه، فقال: يا أمير المؤمنين، أحببت أن ترى أثر نعمتك علىّ فجعلته نصب عينيك. فقال: ما رأيت اعتذارا يقتضى إحسانا مثل هذا االمعتمد:
قال محمد بن عبيد الله الخاقانى: بعثنى أبى إليه فى شىء فقال لى: إجلس! فاستعظمت ذلك، فأعاده فاعتذرت بأن ذلك لا يجوز. فقال: يا محمد، إن أدبك فى القبول منى خير من أدبك فى خلافى.
[١ / ١٨٧]
الطبقة الرابعة: من الحكايات القصار- نثر الدر «١»
ا- أهدى نعيمان إلى رسول الله ﷺ جرّة عسل اشتراها من أعرابى بدينار، وأتى به إلى باب النبى ﷺ، وقال: خذ الثمن من ها هنا.
فلما قسمت الجرة نادى الأعرابى: ألا اعطنى ثمن عسلى. فقال ﷺ: احدى هنات نعيمان. وسأله لم فعلت هذا؟ فقال: أردت برّك ولم يكن معى شىء، فتبسم ﷺ وأعطى حقها.
ا، ب سليمان عليه السلام شكا إليه رجل من بنى اسرائيل أن جارا من جيرانه سرق له إوزّة. فنادى الصّلاة جامعة، فحضروا، وقام خطيبا، وقال: ما بال أحدكم يسرق إوزة جارة ثم يجىء إلى الصلاة وبعض ريشها فوق رأسه. فمدّ ذلك السارق يده إلى رأسه فألزمه بها.
اعمر رضي الله عنه قال عبد الرحمن بن عوف: أتيت منزله، فسمعته ينشد بالرّكبانية!
وكيف ثوائى بالمدينة بعد ما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر
فلما استأذنت عليه. قال لى: سمعت ما قلت؟ قلت: نعم. قال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس فى بيوتهم، وكل امرىء فى بيته صبى.
اعثمان رضي الله عنه أتاه رجل فقال: إن قوما اجتمعوا فى المكان الفلانى على فاحشة [فقال عثمان] «٢» أنا الآن فى إخراج هذه الصدقة، فقال: استنب عليها لئلا يفوتك تغيير المنكر. فلم يسعه- إلا أن يمشى مع الرجل فوجد القوم قد تفرقوا، فحمد الله وأعتق رقبة.
[١ / ١٨٨]
اعلى رضي الله عنه قال بعضهم: رأيته بالكوفة وقد اشترى تمرا، فجعله فى طرف ردائه، فتبادره الناس وقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نحمل عنك. فقال: ومن يحمل عنّى يوم القيامة، دعونى فصاحب العيال أحقّ بخدمتهم.
معاوية بلغه أن ابنته امتنعت على ابن عامر فى الافتضاض فمشى إليها وفى يده مخصرة، فجعل ينكت فى الأرض ويقول:
من الخفرات البيض أمّا حرامها ... فصعب وأمّا حلّها فذلول
وخرج ودخل ابن عامر، فلم تمتنع عليه.
ا، ب يزيد: ابنه دخل عليه عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك أرضا بوادى القرى ليست لها غلة، فإن رأيت أن تأمر لى بها. فقال: إنا لا نخدع عن الصّغير ولا نبخل بالكبير وقد وهبتها لك. فلما ولىّ قال: يزعم أهل الكتاب أن هذا يرث ما نحن فيه فإن كان حقّا فقد صانعناه وإلا فقد وصلناه ا، ب عبد الملك دخل عليه الشّعبى: فخطّأه فى مجلس واحد ثلاثا، سمع منه حديثا فقال: اكتبنيه فقال نحن معاشر الخلفاء لا نكتب أحدا شيئا. وكنىّ رجلا. فقال لا تكنّى الرجال فى مجالسنا. ودخل الأخطل فدعوا له بكرسىّ، فقال من هذا يا أمير المؤمنين. فقال الخلفاء لا تسأل.
ا، ب هشام- أراد أن يخرج من دمشق لأنها وبيئة، وعزم على بنيان مدينة فى بريّة حلب،
[١ / ١٨٩]
فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن الخلفاء لا يطعنون. فقال: أنتم تريدون أن تجربوا علىّ، ثم خرج عنها، وبنى مدينة الرّصافة، وسكنها إلى آخر عمره.
ا، ب المهدى:
جزع على جاريته «رخيم» لما ماتت جزعا شديدا، فكان يأتى للمقابر ليلا يبكى فكتب إليه أبوه المنصور: كيف ترجو أن أوليك عهد الأمة وأنت تجزع على أمة فجاوبه! يا أمير المؤمنين، إنى لم أجزع على قيمتها وإنما جزعت على شيمتها.
ا، ب الرشيد:
أنشده منصور النميرى شعرا فيه نيل من العلويين والزيديين. فقال له: وما تولّعك بذكر قوم لا ينالهم ذمّ إلا شاطرتهم فيه. لا تعد لمثلها، فإنما نفارقهم فى الملك وحده، ثم لا افتراق فى شىء بعده.
االأمين:
وصف فى مجلس طاهر بأنه كان مضعوفا فقال: تضعفونه وقد كتب إلىّ بخطه وقد أخذت بمخنقه: اعلم يا طاهر أنه ما قام لنا قائم بحق فتمّم لأحدنا أمره إلا كان السيف جزاه منه. فانظر لنفسك، أودع. فو الله لقد قدح بقلبى نارا من الحذر لا تخمد أبدا.
ا، ب المأمون:
تحدث المأمون يوما فضحك اسحق بن ابراهيم المصعبى «١» . فقال له: اسحق، أوهّلك لشرطتى- وتفتح فاك من الضحك. خذوا سواده وسيفه. ثم قال: أنت بمجلس الشراب أشبه، ضعوا منديلا على عاتقه. فقال: أقلنى يا أمير المؤمنين. قال أقلتك. فما ضحك بعدها.
االمقتدر:
كتب عنه كتاب إلى ملك الروم وقّع فيه: إن قربت من أمير المؤمنين قرب منك
[١ / ١٩٠]
وإن بعدت عنه بعد ذلك. فقال: ما حاجتى إلى أن أقرب منه أكتب له: إن قربت من أمير المؤمنين قربك، وإن بعدت عنه بعّدك.
ا، ب المقتفى:
أمر لفقيه خراسانى بدار وبجارية تجمع بين خدمته وأنسه، فذكر للقاضى ابن المرخّم أن الجارية وقعت بقلبه حتى تسلّى بها عن أهله، وأن الدار ضيّقه. وكان القاضى معتنيا بشأنه فجعله يرفع ذلك فى قصة وقع عليها الخليفة: سمّ الخياط. مع المحبوب ميدان.
االمستنصر:
كان حاجب الباب تفّرق بين يديه الرسوم الرجبّيّة. فجاءت نوبة امرأة نودى باسمها فشهد الشهود أنها تعرف بذلك. فأخذت خمسين دينارا. ثم جاءت صاحبة الرسم، فذكرت أن الأولى وافقت ما تعرف به، فطولع بذلك الخليفة. فقال: صاحبة الرسم تأخذ ما أثبتنا لها، والأخرى يجرى لها ما رسمه الله سبحانه لها فى كل رجب.
[١ / ١٩١]
الخميلة الثامنة المشتملة على الحكايات المتوسطة
وهى المخصوصة بأرباب المناصب السلطانية من أصحاب السيوف والأقلام
الطبقة الأولى: من الحكايات المتوسطة
ا، ب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ولاه عمر «١» رضي الله عنه إمارة البحرين ثم عزله، فقال دهقانها لأهلها: إنى أخاف أن يعود، فاجمعوا لى مائة ألف درهم «٢» . ثم أتى بها إلى «٣» عمر وزعم أن المغيرة أودعها عنده حين أحس بالعزل فسأله، فقال إنها مائة ألف دينار. فقال للدهقان: قد سمعت. فقال: والله ما أودعنا شيئا إلا أننا خفنا أن يرجع إلينا.
فقال للمغيرة: ما دعاك إلى ما قلت فقال: أحببت أن أخزيه إذ كذب علىّ.
ا، ب زياد بن أبيه غلب عليه فى ولايته العراق لمعاوية حارثة بن بدر وكان صاحب شراب. فقيل له فيه، فقال كيف أطرح رجلا يسامرنى منذ دخلت العراق، ولم يصك ركابى ركاباه، ولا تقدّمنى فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عنى فلويت عنقى إليه، ولا أخذ علىّ الشمس فى شتاء قط، ولا الروح فى صيف، ولا سألته عن علم إلا ظننته لم يحسن غيره.
اابنه عبيد الله:
لما ولى مكان أبيه، جفا حارثة المذكور، فقال: أيها الأمير ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبى المغيرة. فقال: إنه كان قد برع بروعا لا يلحقه معه عيب
[١ / ١٩٣]
وأنا حدث وأنت مديم للشراب. فمتى قربتك- فظهرت رائحة منك لم آمن أن يظنّ بى، فدعه، وكن أول داخل وآخر خارج. فقال: أنا لم أدعه لمن يملك ضرّى ونفعى أفأدعه للحال عندك.
ا، ب الحجاج:
أول ما عرف من شهامته انه كان فى شرط عبد الملك [بن مروان] «١» فبعثه مع نفر إلى زفر بن الحارث، فلم ينفد إلى ما يريد «٢» عبد الملك، وحضرت الصلاة فتقدم زفر وصلى بالجماعة فلم يصلّ الحجاج معهم. وقال: لا نصلى خلف مخالف للجماعة، مشاقّ للخلافه، فبلغ ذلك عبد الملك فاشتحسنه وقال: إن شرطيكم هذا لجلد، ثم ولاه الشرطة ثم الحجاز ثم العراق.
اأبو مسلم:
أساء عليه الأدب والى مرو فاحتمله، ثم ندم الوالى فرجع واعتذر، فقال أبو مسلم أنا جرّأتك علىّ باحتمالك، فإن كنت للذنب متعمدا فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا فالعفو يسعك. فقال: عظم ذنبى يمنعنى من الهدوء. فقال: يا عجبك، أقابلك بإحسان وأنت مسىء، ثم أقابلك بإساءة وأنت محسن. فقال: الآن وثقت.
ا، ب معن بن زائدة:
دخل على المنصور وقد أسنّ وفيه نشاط. فقال له: يا معن أيهما أحب إليك؛ دولتنا أو دولة بنى أمية؟ فقال [إن زاد إحسانهم على إحسانكم كانت دولتهم أحب إلىّ] «٣»
وإن زاد احسانكم على إحسانهم كانت دولتكم أحب إلىّ. قال: وإنك فيك على سنّك لبقيّة. قال: هى لك/ يا أمير المؤمنين. قال: وإنّك لجلد. قال: على أعدائك [إن شاء الله] «٤» .
[١ / ١٩٤]
ابن أخيه يزيد بن مزيد [وإلى اليمن وغيرها للرشيد] «١» كان عمه-[معن بن زائدة] «٢» يفضله على ابنه زائدة، فلامته أمه على ذلك، فقال: [أنا] «٣» أريك الفرق بينهما ثم استدعى فى هدء من الليل ابنه، فجاءه فى غلالة ورداء مظهرا الكسل لإزعاجه من نومه فضربه. ثم دعا يزيد، فجاءه مبادرا بدرعه وسائر سلاحه ورجاله. فقال: ليس إلا خير، فقال يزيد: لما دعانى الأمير فى هذا الوقت قلت لعله لحدث لا ألحق معه أن أرجع إلى الاستعداد.
اسعيد بن سلم بن مسلم بن قتيبة «٤» قال له الرشيد: يا سعيد، من بيت قيس فى الجاهلية؟ فقال: بنو بدر سادات فزارة. قال: فمن بيتهم فى الاسلام؟ قال: يا أمير المؤمنين، الشريف من شرفتموه فقال: صدقت أنت وقومك. وجلّ من حينئذ فى عينيه، وأرسله ليكون مثله فى جملة كفاة المأمون بخراسان.
اطاهر:
كلمه المأمون حين صفت له الدنيا فى المنادمة. فقال: يا أمير المؤمنين أى استمتاع فى عجمىّ أعور للمنادمة. فقال: لا بد من ذلك. فلما نادمه وحصلت النشوة وهب له الهنىّ والمرىّ.
فقال: يا أمير المؤمنين: كفى بالمرء شرها أن يأخذ كلما أعطى، ما هما يا أمير المؤمنين من ضياع السّوقة، ما يصلحان إلا لخليفة أو ولى عهد. قال: لهذا وأمثاله نادمناك.
اأبو على- الصاغانى: والى خراسان «٥» قال الثعالبى: دعانى يوما إلى مواكلته. فقلت: أيد الله الأمير أنا سوقىّ لا أحسن مواكلة الأمراء. فقال: لتكن أظفارك مقلمة، وكمّك نظيفا، ولقمتك صغيرة، وأكلك مما يليك، واعتمد ألا تدسم الملح والخل. وكل مع من شئت.
[١ / ١٩٥]
ا، ب خوارزمشاه [أبو العباس مأمون بن مأمون] «١» والى خوارزم لملوك بنى ساسان:
قال الثعالبى: سمعته يوما يقول: همّتى كتاب أنظر فيه، وحبيب أنظر إليه، وكريم أنظر له. فقلت له: والله الذى لا يحلف بأجلّ منه، ما سمعت قط بأحسن من هذا الكلام فى معناه. فقال: أخشى أن تحنث لأنك تنظر إلينا بعبن الرضى.
ا، ب جمال الدين بن يغمور «٢»: والى الشام للملك الصالح بن أيوب كان يقوم لى إذا دخلت عليه. فلم يقم لى يوما. وكان عنده جماعة. فلما دخلت عليه فى اليوم الثانى قام ثم جلس، ثم قام وجلس وقال الأولى للعادة، والثانية قضيت بها دين أمس ولم أخلّ بهذا إلا لعذر تتفضل بقبوله دون مطالبة بذكره
[١ / ١٩٦]
الطبقة الثانية: من الحكايات المتوسطة»
ا، ب خالد بن برمك: وزير المنصور قال لابنه يحيى «٢»: إنك ستدفع إلى ما دفعت إليه، فخذ أصلا تبنى عليه.
لما تمكّنت حالى فى وزارة المنصور رفعت له مطالب/ لأقوام من أهل الدين والعلم، فقطّب ولم يجاوبنى. فلما كان من الغد، رفعت له فوائد فى البلاد. تجمع منها مال كثير، فاستوفى قراعتها وانبسط، وجاوب على كل حرف منها، وعاد إلى أحسن ما كان عليه، وهدانى إلى الطريق فى خدمته.
ا، ب ابنه يحيى «٣» كان ينهى ابنه جعفرا عن مداخلة الرشيد ومنادمته، ويقول له من خدم الملوك فى الأعمال والأموال لا ينادمهم حتى انه قال ذلك للرشيد. وكان فى كلامه: يا أمير المؤمنين، إنى أكره مداخل جعفر معك، لست آمن أن ترجع العاقبة علىّ منك فى ذلك. ولما أعيته الحيلة فيه كتب إليه إنى قد أهملتك حتى يعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك وإن كنت أخشى أن تكون التى ليست لها لعا.
ا، ب الفضل بن الربيع «٤» استوزره الرشيد بعد نكبة البرامكة، وجعل له أمر ابنه الأمين فى حياته، فاستولى عليه بعد وفاته، وأكد العداوة بينه وبين أخيه المأمون. فلما استولى المأمون على الخلافة اختفى الفضل، ثم وقع عليه فعفا عنه، لكنه قصد تعنيته، فكان يجلسه فى أحط المراتب. واحتاج إلى وزير المأمون أبى عباد، فكلمه فارتج عليه فقال له أبو عباد: بهذا اللسان خدمت خليفتين. فقال انا تعوّدنا أن نسأل/ لا أن نسأل.
[١ / ١٩٧]
ا، ب عمرو بن مسعدة «١»: وزير المأمون وكاتبه كان قد بنى قصرا تحدث الناس بحسنه، ولم يروا إلا ظاهره، وأهدى إليا فرس تحدثوا بفراهته وحسنه، إلى أن ركب المأمون ومرّ بالقصر، فأعجبه، واستدعى ابن مسعدة وهو على ذلك الفرس فاستحسنه، وبلغ ذلك عمرا، فأخلى القصر وأنقذ الفرس وكتب الى المأمون:
والذى يصلح للمولى على العبد حرام فقبل الفرس ورد عليه قصره اأحمد بن أبى خالد «٢»: وزير المأمون وكاتبه كان قد حبس عنده ابراهيم بن المهدى بعد ما توثّب على الخلافة، ثم حصل فى فى يده، فأقبل ابن المهدى على العبادة والصلاة. فقال له أحمد: أمجنون أنت:
تريد أن يقول المأمون هو يتصنّع للناس فيقتلك، اشرب واطرب واحضر القيان، ففعل. ثم إن المأمون سأله عنه فقال: أصون سمع أمير المؤمنين عما هو فيه من الشراب والخسار. فقال: والله لقد شوقتنى إليه وكان ذلك سبب منادمته إياه والرضا عنه.
ا، ب أبو سعيد بن جامع «٣» أخبرنى والدى أنه لما ذهب من يده بأفعال الشباب ما ورث عن أبيه قصد مرّاكش وخصّ بالاعتماد أبا العباس الهنتانى كاتب الوزير أبى سعيد، فوصفه له إلى أن/ أوصله إلى مجلسه، فعند ما حضر بين يديه سرد كثيرا مما يحفظه من الكامل والنوادر إلى أن أشار عليه الكاتب بالانصراف. ثم اجتمعت به بعد ذلك فدفع لى خمسين
[١ / ١٩٨]
دينارا، وذكر أن الوزير قال: يشترى بها غلاما ويربيه على أخلاقه، فمتى أراد سرد عليه ما يحفظه.
ا، ب أبو زيد الفازازى «١» قال والدى كنت آلف منزله أجالسه كثيرا فى سقيفة للمشهور من أدبه ورقة شعره وبراعته فى كتابته ولطافة أخلاقه. كان له طاق من وراء ظهره يستدعى بها من داره من يريده. فاتفق أن احتاج يوما حاجة فصاح من تلك الطاق: يا نسيم، لجارية له، فلم تسمعه لضعف صوته، فأردت النيابة فى ذلك، فصحت بها، فجاءت فقال لها: قولى «٢» لأبى عمران لأى شىء دعاك، فقمت خجلا وحصل لى من الوزير والكاتب باب عظيم فى الأدب الملوكى.
امحيى الدين بن ندا: «٣» المشهور بوزير الجزيرة كنت فى صحبته بالقاهرة فوصل كمال الدين بن العديم رسولا من صاحب حلب، ووقع اجتماعى به. ثم وصل ثانية معه إحسان لى من الملك الناصر برسم زاد إلى حضرته، فاقتضى الرأى أن خاطبه الرسول فى ذلك، فجاوبه: وبعد، فإنك سألتنى: البخل به عين الكرم، وسوء الأدب فيه مع المالك حسن أدب ورعى ذمم.
لكن لما علمت أن نفس النفيس تطمح إلى الأعلى، ملت إلى اختياره على نفسى:
فاخترت كمال أنسه على أنسى. ووجّه بزاد.
ا، ب كمال الدين بن العديم: المذكور «٤» كان يقال له بحلب رئيس الأصحاب. ولما وصلت معه إليها، أنزلنى فى دار ببستان ماء جار. وقال لى: أنت أندلسى، وقد عرفت أن دياركم «٥» لا تخلو من
[١ / ١٩٩]
هذا. ورتّب من المشاهدة والطعام الجارى فى كل يوم ما يكفى. قال لى: هذا يكفّك عن أن تشره مع خدمة السلطان إلى [طلب] «١» شىء حتى يكون هو المبتدىء، فصدّق ارتهانى فيك، فإنى وصفتك له بالحسب والنزاهة. فلزمت ذلك. فكان فيه فوق ما أمّلته ولم يلزمنى إلا الصبر.
ا، ب مؤيد الدين بن القبطى «٢» كان أخوه المكرم وزيرا للناصر، وكان له خزانة فيها نيّف على عشرة آلاف مجلد. فكنت انتفع بها وبماله وجاهه. فلما مات أخوه وولى الوزارة جئت مهنئا له فقال لحاجبه كنت قبل هذا تستأذن عليه، أما الآن فإن كان عندى أحد من امثاله فلا تستأذن له، وإن لم يكن فأجلسه داخل الدهليز ثم قال لى: والخزانة التى كنت تطالعها لها خزانة أخرى وهى المختصّة وقد أبحتها لك. فقلت له: ما هذه الزيادة.
فقال: بقدر ما زادنا/ الله من نعمه.
[١ / ٢٠٠]
الطبقة الثالثة: من الحكايات المتوسطة «١»
ا، ب يحيى بن عمر بن صبيح «٢» كان عمه اسماعيل بن صبيح كاتبا للرشيد «٣» . وكان حاذقا بالعمل. فقال له: إلزم موكب الفضل بن يحيى. فقال إنه تيّاه فى أول نزق الشباب، وخدمة أبيه أحب إلىّ. ثم لزم موكب يحيى- فلم يمر إلا القليل إلا ولاه عمل الأهواز، فصدر عنه بمال عظيم. فأتى به إلى يحيى بن خالد. فقال: ما هذا؟ فقال: إنما كنت نائبك وبعض القليل منه يكفينى. فقال: ما فى جميعه ما يكفى غسل الغبار الذى سقط عليك فى موكبنا. فانصرف به إلى عمه وترك العمل وتاجر فى المال إلى أن نكب البرامكة، فأنفق رأس المال على يحيى فى سجنه ا، ب ابن الزيات «٤» كان الواثق لما قبض على العمال جعل النظر فى استخراج الأموال منهم له، وكان فيهم سليمان بن وهب، وبينه وبينه «٥» ألطف ما يكون بين صديقين، فكان إذا خلا معه خلع عليه ثياب المنادمة وطيّبه ونادمه على ما كان عليه قبل. فإذا حضر وقت الاستخراج بمحضر «٦» الشهود قابله بأشد ما يكون حتى يستخرج منه ما يمكن، فإذا فرغ من ذلك رد عليه ثيابه، وخلا به وأحضر الطعام وعاد إلى الحالة الأخرى. ويقول له هذا حق الاخوان، وذاك/ حق السلطان.
[١ / ٢٠١]
ا، ب سليمان بن وهب «١»: المذكور كان قد قاس شدة فى العمل، فكان يخرج من نكبة إلى أشد منها، وكان يخدمه بعض التجار، فيضمن عنه ويقرضه ويستقرض له، فلما طال عليه أمره قال له وقد تخلص من نكبة عظيمة، يجب أن تحلف بالأيمان المغلظة ألا تقرب العمل أبدا، فأخذ يحلف بكل يمين ويرفع صوته ويمد فى الإيمان إلى أن جعل آخر ما حلف عليه ألا يترك العمل أبدا. فقال له: ما هذا. فقال ما أقل عقلك، سليمان بن وهب إن ترك العمل يكون ماذا: خياطا، نجارا، لا والله.
اأبو جعفر الكرخى «٢» قال عرضت أيام عطلتى ورقة على ابن الفرات فلم يوقّع عليها فانصرفت وأنا أقول:
وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... وأبى فلا تصعد عليه بحاجب
فلربما منع الكريم وما به ... بخل ولكن شؤم جدّ الطّالب
فقال: ارجع يا ابا جعفر بغير شؤم جدّ الطالب. ولكن إذا سألتمونا حاجة فعاودونا فإن القلوب بيد الله. هات ورقتك. ثم وقع لى بشغل كان فيه غتاى فى ذلك الوقت. قال: وكنت أسمعه كثيرا ما يقول: العامل فى أول سنة أعمى، وفى الثانية أعور وفى الثالثة بصير.
اأبو الحسن بن أبى البغل «٣» كان المقتدر قد ولّاه أعمال أصبهان. ثم أنه ذكر فيمن سمّى للوزارة. فوقع
[١ / ٢٠٢]
المقتدر على اسمه: ظالم لا دين له، ووجد السبيل إليه حامد/ بن العباس الوزير.
فسعى فى اعتقاله، فكتب إلى على بن عيسى صاحب الأعمال الذى سعى فى خلاصه بكل وجه حتى انتاشه من يديه.
الصقر يصفر فى الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنّم
لو كنت أجهل ما علمت لسرّنى ... جهلى كما قد ساءنى ما أعلم
ا، ب على بن عيسى «١»: صاحب الدواوين للمقتدر ثم صار وزيرا. ولىّ عمل الأهواز أبا الحسن بن شدّاد، فتريّض بأرز من ارتفاع الناحية حتى وقع فيه النار واحترق وكتب إلى ابن عيسى كتابا أقام فيه عذره عنده، وسجّع فى الكتاب سجعا زاد فيه فوقّع عليه: أنت تكتب فتجيد، والأثر الحميد خير من الكلام السديد، ضيّعت علينا أرزا حصلته، وعوّلت بنا على كلام ألّفته، وخطاب سمعته أوجب صرفك عما توليته، فقال ابن شدّاد: ما صرفنى إلا السجع.
ا، ب أبو الحسن بن شداد «٢»: المذكور جاوب ابن عيسى عن تلك المخاطبة فقال: وصل كتاب سيدنا.- أطال الله بقاءه- مشتملا على وصف وصرف، فأما الوصف فهو منه مع محله من الصناعة نهاية الفخر والسعادة، وأما الصرف للاعتذار بما جرى به المقدار، فما جزاء من اعتذر من حال لا درك عليه فيها ان يصرف عن ولاية لا جناية منه عليها، والاعتذار بلفظ الصواب أولى من الاحتجاج بسوء الخطاب. فوقع: قد ردّته البلاغة إلى الإرادة فليكتب بإقراره على العمل رإسعافه بالأمل إن شاء الله.
[١ / ٢٠٣]
ا، ب ابو علىّ بن مقلة «١»: المشهور بحسن الخط.
كان إماما فى العمل، وتصرّف فى الدواوين النّبيهة إلى أن ولى الوزارة للمقتدر وكان نفاعا بالجاه والمال. وكان أبو أحمد «٢» الشيرازى يكتب له بعشق جارية أتلف عليها ما عنده، فقال ابن مقلة لابنه إن هذا الرجل تخدّم لنا «٣» وهو يهوى جارية لا نعجز عن ثمنها، واشتراها له. فبات معها ولم يحضر للخدمة. وكتب فى ورقة أن الصفراء تحركت عليه فوقع الوزير عليها: بل أنت تحركت على الصفراء.
وكانت الجارية صفراء اللون «٤» ا، ب أبو الجهم بن سيف «٥» صرفه أبو الفتح بن الفرات وزير المقتدر عن عمل وأمر بصفعه. فجعل لا يتأوه بل يعد الصفعات بأصابعه، فتعجب الوزير من فعله، فسأله عن ذلك. فقال: إنما عددتها أعزك الله لأصفعك مثلها إذا صرت وزيرا، فلا أظلمك بزيادة ولا أظلم نفسى بنقصان. فضحك الوزير حتى لم يملك نفسه، وكان الوقت مضطربا وقال له: قم فى غير حفظ الله إلى منزلك. وترك المال الذى طالبه به.
[١ / ٢٠٤]
الطبقة الرابعة: من الحكايات المتوسطة
ا، ب شربح قاضى العراق «١» فى الصدر الأول وقضى بالكوفة/ ستين سنة ولاه عمر رضي الله عنه وبقى إلى أيام الحجاج، وكان صاحب عويص «٢» . جاءه عدى بن أرطأة ومعه امرأة تزوجها [من أهل الكوفة] «٣» فقال له لما جلسا بين يديه: أين أنت [فقال شربح بينك وبين الحائط] . قال إنى امرؤ من أهل الشام، قال: بعيد سحيق. قال وإنى قدمت للعراق. قال: خير مقدم. قال: وتزوجت هذه المرأة. قال: بالرفاء والبنين. قال: وإنها ولدت غلاما. قال: ليهنك الفارس.
قال: وقد أردت أن أنقلها إلى دارى. قال: المرء أحق بأهله. قال: قد كنت شرطت لها دارها. قال: الشرط أملك. قال: اقض بيننا. قال: قد فعلت. قال: فعلى من قضيت. قال: على ابن أمك.
ا، ب الشعبى «٤»: قاضى عبد الملك بن مروان وجهه رسولا إلى ملوك الروم. قال: فلما دفعت إليه كتابه جعل يسألنى عن أشياء فأخبره يها، فأقمت عنده أياما، فكتب جواب كتابى. فلما انصرفت دفعته إلى عبد الملك فجعل يقرؤه ويتغير لونه. ثم قال لى: يا شعبىّ، علمت ما كتب به الطاغية. قلت: يا أمير المؤمنين، كانت الكتب مختومة، ولو لم تكن مختومة ما قرأت وهى إليك. قال إنه كتب: عجبت من قوم يكون فيهم مثل من ارسلت الىّ به فيمّلكون غيره. فقلت: يا أمير المؤمنين حمله على ذلك لأنه لم يرك. قال:
فسرّى عنه. ثم قال انه حسدنى/ عليك فأراد أن أقتلك.
[١ / ٢٠٥]
ا، ب بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى: «١» وهو قاض بن قاض بن قاض [كان قاضيا بالبصرة] «٢» فتخاصم إليه رجل مع خالد بن صفوان المشهور بالفصاحة والبلاغة. فقضى للرجل عليه، فقام خالد وهو يقول:
سحابة صيف عن قريب تقشّع
فقال بلال: أما أنها لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، وأمر به إلى الحبس فقال خالد: علام تحبسنى، فو الله ما جنيت جناية استحق بها ذلك. فقال بلال:
يخبرك عن ذلك باب مصمت وأقياد ثقال وقيّم يقال له حفص «٣» .
اإياس بن معاوية: الذى يضرب به المثل فى الذكاء «٤» ولى القضاء بالبصرة فى خلافة عمر بن عبد العزيز. أخذه الحكم بن أيوب فى ظنّة الخوارج وأسمعه كلاما قبيحا. قال له فيه إنك خارجى منافق، ثم طلب منه أن يأتيه بمن يكفله. فقال إياس: ما أحد أعرف منك فاكفلنى. قال: وما علمى بك، وأنا من أهل الشام وأنت من أهل العراق. قال له إياس: يا سبحان الله ففيم هذه الشهادة منذ اليوم. فاستطرفه الحكم وجعل يضحك ثم خلّى سبيله.
اشريك بن عبد الله النخعى «٥» قيل أنه أول من استقضاه المنصور ببغداد. وكان قد أكرهه على القضاء. فقال للعباس أخى المنصور: أريد أن تكلم أمير المؤمنين لينقضنى. فقال له أنه/ أبو جعفر
[١ / ٢٠٦]
إذا عزم لم تردّ عزماته، فلما ولى المهدى أمّره على القضاء. قال العباس: فقلت له:
إن المهدى ألين عريكة من الماضى. فقال: أما الان فلا أخشى شماتة الأعداء. ثم إن المهدى عزله. فقام إليه رجل؛ فقال: الحمد لله الذى عزلك، فقد كنت تطيل النشوة، وتقبل الرشوة، وتوطئ العشوة. فقام إليه رجل فخنقه، فجعل يصيح:
قتلنى يا أبا عبد الله فقال: لقد ذلّ من ليس له سفيه.
ابن أبى ليلى «١» قد قيل فيه أيضا أنه أول من ولى القضاء ببغداد، وأن المنصور أحضره ليوليه ذلك، فامتنع إلى أن أكل عنده من طعام يليق بالملوك. فلما خرج قال المنصور للربيع حاجبه: لقد أكل الشيخ عندنا أكلة، ما أراه يفلح بعدها أبدا، فلما كان عشىّ ذلك اليوم راح ابن ليلى إلى المنصور فقال: يا أمير المؤمنين: إنى فكرت فيما عرضته علىّ من الحكم بين المسلمين، فرأيت أنه لا يسعنى خلافك فقال المنصور: خار الله لنا ولك، وولاه القضاء. ثم قال للربيع: كيف رأيت حدسى فى الشيخ.
سوّار بن عبد الله «٢»: قاضى البصرة دخل على المنصور والمصحف فى حجره، فوعظه فبكى، وقال: يا ليتنى متّ قبل هذا. ثم قال: يا سوّار، إنى أعانى نفسى منذ وليت أمور المسلمين على حمل الدّرة على عنقى والمشى فى الأسواق على قدمى، وأن أسدّ بالجريش من الطعام جوعى، وأوارى بالخشن من الثياب عورتى، وأضع قدر من أراد الدنيا، وأرفع قدر من أراد الآخرة، قلم تطعنى ونفرت نفورا شديدا. فقال: لا تجشّمها يا أمير المؤمنين مالا تطيق. وألزمها أربع خصال تسلم إلى آخرتك ودنياك: أقم الحدود بالعدل، واجب الأموال من وجوهها، وأقسمها بالحق على أهلها.
[١ / ٢٠٧]
ا، ب يحيى بن أكثم «١» لما فرض فرضه المشهور للغلمان الحسان شنّع الناس عليه فكتب إلى المأمون:
يا أمير المؤمنين، قد أكرم الله أهل جنّته بأن أطاف عليهم الغلمان فى وقت كرامته لفضلهم فى الخدمة على الجوارى، وامتنّ عليهم بذلك، فما أرى يمنعنى عاجلا من طلب هذه الكرامة المخصوص بها أهل القرية عند الله. فوقع المأمون: أذكرنا يحيى من كتاب الله ما كنّا عنه غافلين، فلا يعترض عليه فيما يقدر من الأرزاق فى فرضه ولا مبلغهم فى العداد وقرب الولاد، فإن أمير المؤمنين يحب ما أحب الله، ويرضاه لخاصته
[١ / ٢٠٨]
الخميلة التاسعة «١» المشتملة على الحكايات الممتعة «٢»،
وهى مخصوصة بالزهاد والعلماء والأدباء وسائر أصناف الناس ما بين جد وهزل
الطبقة الأولى: من الحكايات الممتعة
ا، ب الحسن يسار البصرى «٣» عاد عبد الله بن الأهتم فى/ مرضه الذى مات فيه، فأقبل عبد الله يضرب ببصره إلى صندوق فى جانب البيت، ثم قال للحسن: يا أبا سعيد، ما تقول فى مائة ألف فى هذا الصندوق لم تؤد منها زكاة، ولم توصل بها رحم. فقال: ثكلتك أمّك، فلم أعددتها، قال: أعددتها لروعة الزمان، ومكاثرة «٤» الاخوان، وجفوة السلطان ثم مات فحضر الحسن جنازته. فقال: جمعه فأوعاه، وشده فأوكاه، من باطل جمعه، ومن حق منعه، إن يوم القيامة ليوم ذو مسرات، وإن أعظم الحسرات أن ترى مالك فى ميزان غيرك. أيها الوارث، كل هنيئا، فقد أتاك هذا المال حلالا، فلا يكن عليك وبالا.
ا، ب أبو حازم من عبّاد المدينة «٥» نظر إلى امرأة تطوف بالبيت سافرة من أحسن الناس وجها، فقال: أيتها المرأة اتقى الله فقد شغلت الناس عن الطّواف فقالت: أو ما تعرفنى؟ فال: من أنت، قالت: من اللائى عناهنّ العرجى بقوله
[١ / ٢٠٩]
أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها ... وأرخت على الكفّين بردا مهلهلا
من اللائى لم يحججن برّا ولا تقّى ... ولكن ليقتلن البرىء المغفّلا
فقال: فإنى أسأل الله ألا يعذّب هذا الوجه الحسن بالنار، فبلغ ذلك سعيد بن المسيّب «١» فقالرحمه الله- هذا من ظرف عباد الحجاز. أما والله لو كان بعض بغضاء عباد العراق لقال: أغربى يا عدوة الله.
ا، ب أبو عبد الرحمن العمرى «٢»: من ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
كان من أعبد أهل الحجاز، فرحل إلى بغداد فرأى فتيانا فى زورق وهم يشربون ويقصفون غير مستترين بشىء من ذلك. فقال له أصحابه، أما تنظر إلى هؤلاء، كيف يجاهرون بالمعاصى ولا يستترون بالشراب. أدع الله عليهم أن يهلكهم ويعجّل لهم بالعقوبة. فقال: ارفعوا أيديكم، فرفعوا أيديهم. فقال: اللهم كما فرّحتهم فى الدنيا ففرّحهم فى الآخرة، فبلغ ذلك القوم، فأقلعوا عما كانوا فيه ونفعهم الله ببركة دعائه.
سيد الدارمى «٣»: من عباد المدينة كان من ظرفائها وأصحاب الغزل فيها، فتاب والتزم العبادة والمسجد فاتفق أن وصل لها تاجر، فكسدت عليه خمر سود فشكى ذلك إلى الدارمى. فنظم هذه الأبيات
[١ / ٢١٠]
قل للمليحة بالخمار الأسود ... ماذا فعلت بعاشق متعبّد
قد كان شمّر للصلاة رداءه ... حتى برزت له بباب المسجد
ردّى عليه صيامه وصلاته ... لا تفتنيه بحق دين محمد
فحفظت الأبيات، وعنى بها وشاع أن الدارمى رجع إلى ما كان عليه من العزل والظرف، فلم تبق ظريفة بالمدينة حتى ابتاعت خمارا أسود، فلم/ يبق للتاجر منها خمار.
ا، ب الفضيل بن عياض «١» سأله الرشيد أن يعظه فقال: إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما استخلف دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظى ورجاء ابن حيوة «٢» فقال لهم: إنى ابتليت بهذا البلاء فأسيروا علىّ فقال له سالم: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم أخا وأصغرهم ولدا. فوقّر أباك وأكرم أخاك وتحنّن على ولدك. وقال رجاء: إن أردت النجاة من عذاب الله فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء ومن يشير بمثل هذا. فعملت الموعظة فيه حتى بكى، فقال الفضل بن الربيع: إرفق بأمير المؤمنين فقد قتلته. فقال بل أنت تقتله وأمثالك.
اذو النون المصرى «٣» صحبه إنسان ولزم خدمته ثم طلب منه أن يطلعه على اسم الله الأعظم فماطله. ثم أمره أن يحمل عنه طبقا مغطّى إلى شخص بالفسطاط فلما بلغ الجسر قال فى نفسه:
[١ / ٢١١]
يوجّه ذون النون بهدية إلى رجل فى طبق ليس فيه شىء من خفّته، لا بصرنّ ما/ فيه فكشف الغطاء فإذا فأرة قد قفزت من الطبق فذهبت. فاغتاظ وقال: يسخر بى ذو النون، فرجع إليه مغضبا، فلما رآه تبسّم وعرف القصة وقال: يا مجنون إئتمنتك على فأرة فخنتنى، فكيف لو ائتمنتك على اسم الله الأعظم. قم عنى فلا أراك بعدها.
ا، ب فقير عجمى وصل إلى دمشق فى حلية الزهاد، ومصر عبد الملك الناصر، فطلب منه الدعاء.
ثم قال له: أطلب أنت منّا فإنما نحن خزّان الله نعطى من أطلق له شيئا على أيدينا.
فقال: اطلب ما يوصّلنى إلى بيته «١» فأعطاه. وسأله ان يدعو له هناك بما رسمه له.
فلما عاد أتى بما جرت به العادة من تحف التّبرك، وعرّف السلطان أنّه دعا له فى المشاعر الكريمة بما رسمه [وكان خواصه قد سألوه أن يدعو لهم بما رسموه] «٢» . فسألوه، فقال بحلاوة: تلك حالات تنسى الانسان أهله وولده، وإنما ذكرت هنالك من ذكّرتنى به نعمة التى أوصلتنى إلى حيث أدعو. فأعجب الناصر ذلك وقال: فأريد أن تنصرف إلى بلدك بما تذكرنى به عند أهلك. فقال مقبول يا خوند «٣» وانصرف بخير كثير.
[١ / ٢١٢]
الطبقة الثانية: من الحكايات الممتعة
ا، ب الشّعبى: «١» دخل على عبد الملك فقال: أتشتهى/ الطعام فقد اشتهيته. فقال: أمير المؤمنين أحق بقول قيس بن عاصم منه
إذا ما صنعت الزّاد فالتمس ... له أكيلا فانى لست آكله وحدى
فارتاح وقال: لله أبوك يا شعبى: ما تشوّفت بخاطرى إلى شىء لا أقدر عليه إلا وجدته عندك، ثم واكله فى ثريدة عليها خضرة ولحم، مكان خصبها لما يلى الشّعبى.
فقال أمير المؤمنين: تخلّق فى هذا بخلق حاتم [حيث يقول] «٢»
وإنى لأستحيى أكيلىّ أن يرى ... مكان يدى من جانب الزّاد أقرعا
فقال: لا عدمتك يا شعبى. ثم بصق عبد الملك فقصّر فوقعت البصاقة على البساط، فمسحها الشعبى. فقال عبد الملك: أربعة لا يستحيى من خدمتهم:
السلطان والوالد والضّيف والدّابة. فقال: يا أمير المؤمنين، أنفقت أنا من أشعار العرب، وأنفق أمير المؤمنين من آداب الملوك فأحسن له «٣» .
ا، ب الأصمعى قال: قال الرشيد أول يوم عزم فيه على تأنيسى: يا عبد الملك أنت أحفظ منا
[١ / ٢١٣]
ونحن أعقل منك، لا تعلّمنا فى ملاء ولا تسرع إلى تذكيرنا فى خلاء، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد، وإياك والبدار إلى تصديقنا، وشدّة العجب بما يكون منّا/ وعلّمنا من العلم ما نحتاج إليه على عتبات المنابر، وفى فواصل المخاطبات، ودعنا من رواية حوشىّ الكلام وغرائب الأشعار، وإياك وإطالة الحديث إلا أن تستدعى ذلك منك، ومتى رأيتنا صادفين عن الحق فأرجعنا إليه من غير تقرير بالخطإ، ولا اضّجار بطول التّرداد. قال الأصمعى:
فقلت له: أنا إلى حفظ هذا الكلام أحوج منى إلى كثير من البرّ.
ا، ب الواقدىّ «١» رفع إلى المأمون قصّة يشكو فيها غلبة الدّين، وقلّة الصبر فوقع عليها: أنت رجل فيك خلتان، السخاء والحياء، فأما السّخاء فهو الذى أطلق ما فى يدك، وأما الحياء فهو الذى بلغ بك ما أنت عليه. وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنا أصبنا إرادتك فازدد فى بسط يدك، وإن كنّا لم نصبها فجنايتك على نفسك، فأنت كنت حدّثتنى وأنت على قضاء الرشيد أن رسول الله ﷺ قال للزبير: يا زبير، إن مفاتيح الأرزاق بإزاء العرش ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم. فمن كثّر كثّر له- ومن قلّل قلّل له. قال الواقدى، وكنت أنسيت هذا الحديث. فكانت مذاكرته إياى به أعجب إلىّ من صلته.
اابن سريج: إمام أصحاب/ الشافعى «٢» تذاكر عند الوزير على بن عيسى مع محمد بن داود الظاهرى. فقال له ابن سريج أنت بكتاب الزهرة أمهر منك بهذه الطريقة. فقال: أتعيّرنى به والله ما تحسن أن تستتمّ قراءته قراءة من يفهم، وإنه لإحدى المناقب حيث أقول فيه، وأنشد أبياتا منها
[١ / ٢١٤]
أكرّر فى روض المحاسن مقلتى ... وأمنع نفسى أن تنال محرّما
قال ابن سريج: أو علىّ تفخر بهذا، فأنا أقول
ومسامر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
ضنّا بحسن حديثه وعتابه ... وأردّد اللّحظات فى وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولىّ بخاتم ربّه وتراته
فقال ابن داود: قد أقررت بالمبيت، فعليك إقامة البيّنة بالبراءة. فقال ابن سريج: من مذهبى أن المقرّ إذا أقرّ اقرارا ناطه بصفة كان إقراره موكولا لصفته.
قال الوزير: لقد ملّيتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما.
ا، ب أبو الفرج الجوزى «١» كانت «شهدة» الكاتبة آية فى حسن الخطّ وحسن الصّورة والأدب والظّرف وكانت كثيرا ما تحضر مجلس الجوزى وتكتب له فى جملة من يسأله بالبطائق على منبر الوعظ. فكتبت إليه مرة ورقة فيها إن سيدنا الإمام العالم المتفنن/ أعزه الله بطاعته وأمدّه بتوفيقه- رأيته قد صنّف فى كل فنّ من فنون الشريعة وغيرها إلا فى الطلب، وقد علم أنه توأم علم الأديان وأنا الآن قد أصابنى حكاك حرّقنى حرقة شديدة وذلك فى قبلى، فبأىّ شىء يكون دواوّه؟ فلما قرأ الرقعة قال: يا صاحب الرّقعة الطّبيّة، الجواب وبالله التوفيق
يقولون ليلى فى العراق مريضة ... فياليتنى كنت الطبيب المداويا
[١ / ٢١٥]
ا، ب أبو الحسن بن أبى نصر «١» كان ببجاية فى عصرنا، قد جمع العلم والورع والأدب وحسن الخلق واللطافة:
وكان قد اقتصر على أمة سوداء ولدت له أولادا سودا. فخرج الأكبر منهم شديد التّخلّف لا يبقى ثوبا فى شرب الخمر، وما وقع بيده خفّت به وشرب بثمنه. وكان أبو الحسن «٢» هذا قد أحدث جنانا فى موضع يعرف بالكدية. فخرج إليه يوما مع أولاده وبعض أصحابه، فعدا ذلك الابن الأسود الخلف وصعد الكدية بسرعة وهو ممسك أطراف ثيابه بفيه. فقال أحد أصحاب أبيه: شرب العبد الكدية فسمعه أبو الحسن أبوه. فقال: إذا متّ أنا، ترى كيف يشربها بالحق.
[١ / ٢١٦]
الطبقة الثالثة: من الحكايات الممتعة «١»
ا، ب الاستاذ أبو اسحق الأعلم البطليوسى. «٢»
- كان بأشبيليه علما فى إقراء فنون الأدب. وطلبت منه أن أقرأ عليه الكامل للمبرّد. فقال: أنصحك أم أدعك لهواك. فقلت. بالنصح انتفع فقال:
إن كان غرضك إقراء الأدب والاشتهار بكتبه فعليك بأركان الأدب الأربعة، البيان للجاحظ والكامل للمبرد والأمالى للقالى والزّهرة للحصرى: وإن كان غرضك أن تكون أدبيا محاضرا بملح الأعراب فعليك من النّثر والنظم والحكاية بما قصر مداه وراق لفظه وأغرب معناه، واتّخذ إماما قول الله تعالى: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»
«٣» واختر ما أشار إليه سيد الشعراء فى قوله
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها
االأستاد أبو الحسن الدّبّاج «٤» كنت أقرأ عليه الأدب بجامع العدبّس «٥»، فبلغه أنى أقرأ على أبى بكر ابن هشام المشهور بالكتابة وحفظ الأدب كتاب «الذخيرة» وأحفظ عليه محاسنها.
فقال لى: أنشدنى ما حفظته من محاسن شعرها، فأنشدته، فقال: فأين أنت عن قول ابن حصن
وما هاجنى إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والنّهر
[١ / ٢١٧]
مفستق طوق لا زوردىّ كلكل ... موشّى الطّلى أحوى القوادم والظّهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التّبر
- حديد شبا المنقار داج كأنه ... شبا قلم من فضّة مدّ فى حبر
توسّد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طىّ الجناح مع النّحر
ولما رأى دمعى مراقا أرابه ... بكائى فاستولى على الغصن النّضر
وحثّ جناحيه وصفّق طائرا ... وطار بقلبى حيث طار ولا أدرى
فصرت أقروها عليه ا، ب الأستاذ أبو علىّ الشّلوبينى «١» إن كان اشتهاره بالنحو فقد كان فى نهاية من خفّة الروح وظرف المحاضرة. كنت أقرأ عليه مع ابن سهل الاسرائيلى، وكان كثيرا ما يناظر بيننا فيما ننظمه بما يضحك من حضر، فاتفق أن كان يقرأ معنا غلام أصفر اللون، على وجهه ضوء، فلما عذّر ذهب ذلك الرونق، وقبحت صورته. فقلت فيه:
آها على الوجه الذى قد مضى ... عنه ضياء فيه فهو لا يعشق
كانت تضىء النار من خدّه ... فأصبحت فحما لمن يرمق
[١ / ٢١٨]
وقال ابن سهل [الاسرائيلى]
كأنّ محيّاك له بهجة ... حتى إذا جاءك ما حى الجمال
أصبحت كالشمعة لما خبا ... منها الضياء اسودّ فيها الذّبال
فقال الأستاذ: قم اضرط لى فى وجهه عشرين ضرطه فوقعنا ضحكا.
ا، ب الأسعد بن مقرب «١» كنت أتردد إلى مجلسه بالاسكندرية، وكان صاحب فنون واشتهر/ برواية الحديث والفقه مع الظرف، فبينما أنا معه ذات يوم إذ أقبل إلى داره صبى فتان الصورة، فغلبت فى النظر إليه، فقال لى: عندكم فى المغرب مثل هذا، فخجلت، فقال: انبسط وخلّ أخلاق المعرب، فإذا خلونا صبونا. فقلت: ومن يكون؟
فما رأيت أجمل منه. فقال: هو ابنى. فقلت: وأى شىء يشتغل؟ قال: بالحمام ثم خرج من الدار صّبى آخر دونه فى السن وفوقه فى الحسن. فقلت: وما نريهم.. قال تمّم الآية، وانبسط. فعلمت أنه أخ الأول. فقلت: وبأى شىء يشتغل هذا الآخر. فقال:
بالبيض. فكدت أذوب حياء. فقال: ألم أقل لك خلّ الأخلاق المغربية، ما عملت فيك البلاد إلى الآن شيئا، هذا وأنا صاحب ناموس، وأنت صاحب أدب واسترسال.
ا، ب فخر القضاة بن بصاقة «٢» كان متطوّرا، فمرة فقيها قاضيا، ومرة كاتبا شاعرا، ومرة جنديا. واتفق أن سافر معه التاج النقشار أحد شعراء الناصر، وكان فخر القضاة قد نصب للأحكام فى العسكر، فكتب إليه النقشار: ما تقول سيدى القاضى فى شيخ طالت غربته فى السفر، وليس عنده ما يحلّ له فيه قضاء الحاجة. فقال له فى الجواب: أنا أشترى لك من فلان التاجر حمارته المصرية وتخرج بملكها فى دينك عن الدّنية، ثم اشترى له الحمارة، وبعث بها إليه، فكتب- له النفشار
[١ / ٢١٩]
اشترى لى فخر القضاة حماره ... ذات حسن وبهجة ونضارة
صان دينى بها وعمّر بيتى ... عمّر الله بالحمير دياره
فكان يقول إذا رآه وقد اشتهر البيتان لو شاء الله ما أفتيت ولا اشتريت
[١ / ٢٢٠]
الطبقة الرابعة: من الحكايات الممتعة
ابن حجاج «١» دخل على عضد الدولة فى زى قاض أو خطيب وعنده مشايخ الدولة فقال له:
ما زاد من طرائفك. فقال: أيها الملك، لا أحكى لك إلا ما جرى لى البارحة. قال:
وما هو؟ قال: قعدت فى بيتى فضرطت بما أقدر عليه وقلت:
فأحمد ربى حين أمسيت مفردأ ... أقلّب طرفى حيث شئت وأضرط
فرفعت الديلم رءوسها متعجبة من تناقض حالتيه. ثم قال: فبينا أنا أصفع الضرطة بأخرى إذا أقبلت العجوز السوء من زاوية لها وجعلت تقول: يا شيخ السوء لقد حمدت ربك على ما لا يدوم لك، وجاءتنى أيها الملك بماعون النّيك ثم جلست إلى جنبى وأدخلت يدها إلى أيرى فشمرخته ودلكته وعركته فلم يرفع رأسا وقالت ما تضمّنته فى قولى:
قالت وقد خاب منها الظّنّ فى ذكرى ... لا تلحينّى إذا أصبحت قرنانا
كأن أيرك شمع من رخاوته ... فكلّما عرّكتة راحتى لانا
- فضحك وأمر له ولها بصلة ا، ب حكاية عن بعض العجم ذكر ابن الربيب أن أحد الرؤساء قال لجلسائه وقد أضحكوه، أنا أحدثكم
[١ / ٢٢١]
ما جرى من بعض أصحابنا الذين عاشروا الأدباء، وفهموا فهما معكوسا. حضر ليلة عند رئيس، فغنت جارية بقول الشاعر:
حمامة بطن الواديين ترنّمى ... سقاك من الغرّ الغوادى مطيرها
فما أتمّت البيت حتى علا شهيقه، فقلنا له: ما شأنك، فجعل يبكى ويزيد.
فأسكننا القينة، وأخذنا فى سؤاله. فقالت: تذكرت حمارة كانت عندنا ببلادنا ببطن الوادى كنت أنيكها أنا وأخ لى، فها أنا ها هنا، وما أدرى ما فعل الله بأخى ولا بالحمارة. فانقلب المجلس ضحكا. فدخل فى السلاح وجذب القوس إذ فهم أنّا نهزأ به. فاجتمعنا عليه، وأوثقناه كتافا، وجعلناه فى بيت مفرد حتى أصبحنا وخلّينا سبيله، ولم نشرب معه بعد ذلك خوفا من عربدته وتذكّره القصة.
ا، ب حكاية مضحكة ذكر ابن الربيب أيضا أن شخصا من أصحاب المرقّعات المرائين بكثرة الصلاة والتسبيح صحب فى طريق تاجرا كثير المال والمماليك الملاح فأنسوا بذلك الفقير وصبّروه إماما فى الصلاة، فلما أجهدهم التعب ذات يوم وقعوا فى الليل كالأموات/ فدبّ على واحد منهم، فقام معه وقد فرغ. وأفلت الفقير، وعاد لمكانه، وانقلب على وجهه، وجرّد عن مؤخّره، وملأه بصاقا، وصاح المملوك، وأسرجت الشمعة، وطلب الفاعل، وجعل التاجر يتصفح مكان الريبة، فنظر إلى الصوفى على تلك الحال، فلها عن المملوك. وقال: انظر هذا الفاعل الصانع الذى دبّ حتى على الرجل الصالح، استروا جحره، وامسحوا ثقبه لئلا ينتبه ونقع معه فى خجله. فامتثلوا ما أمر به سيّدهم وجعلوا يضحكون من الفقير، وتغافلوا عن البحث فرأوا ستر القضيّة أولى.
أخرى كان بدمشق شخص يعرف بسليمان المفسّر له حكايات فى هذا الباب غريبة، ومن أطرفها أن جماعة من الجيدريّة «١» وصلوا من العجم إلى دمشق، وكان معهم
[١ / ٢٢٢]
لأحدهم ولد فتّان الصورة. فخدمهم المفسّر من أجله، وتقرب إليهم إلى أن حضر معهم يوما خوش قدم ومعناه قدم صدق، فى الصبر والمجاهدة، فأزالوا الأقفال التى عادتهم أن يجعلوها على ذكورهم، ونصبوا الصّبى، وكشفوا عن مقعدته، وحصل الواحد منهم يصل بذكره إليها ويرجع دون مباشرة ويقول بالعجمية «خوش قدم» عبارة عن أنه تركه لله، إلى أن جاءت نوبة المفسّر فأقام ذكره وجعل فيه الصابون المشرقى، ودفع- دفعة حصّلت متاعه فى متاع الصى وهو يقول: أنا لا أتركك لا لله ولا لغيره، فصفعوه بالمداسات حتى كاد بهلك، وأخرجوه، فصار يعرف بعد ذلك بصريع المداسات ا، ب أخرى كنت بدمشق كثيرا ما أخرج إلى شرف «١» نهر بانياس «٢» فاتفرج فى جريان الماء، وحفيف الأشجار، وتغريد الأطيار وما تحت ذلك الشّرف من خلق أنواع العالم فرأيت فى بعض الأيام امرأة قد جاءت إلى شيخ ذى لحية طويلة، عنده بساط عليه عقاقير وحروز وهو ينادى تارة على العقاقير وتارة على الحروز، يجمع المنافع المتضادة فى الشىء الواحد فقالت له تلك المرأة: يا سيدى أريد حرزا أعقد به لسان زوجى، وأطلّق عليه ضرتى، وأزرع المحبة فى قلب كل أحد لى، وجعلت تعدّ أشياء كثيرة.
فقال لها هذا الحرز فيه هذا كله. هات ما عندك. فرمت فيه بقيراط. فقال لها:
ضعى رأسك، ثم ضرط لها ضرطة فى الحرز من أوله إلى آخره. وقال خذى ما فضل من هذه الضرطة واجعليها فى لحية زوجك. فقالت ما عند زوجى إلا لحية صغيرة وبالحر، أتقوم بها هذه اللحية السوء؟
ا، ب خبز طرى المسخرة «٣» .
كان مختصا بالملك العادل صاحب مصر والشّام، وكان لا يكاد يستغنى عنه.
[١ / ٢٢٣]
واكتسب/ معه وبجاهه أموالا عظيمة. وكان كثيرا ما يقول له: يا صفعان، ما تصنع بهذه الأموال؟ فيقول: يا خوند، لك ترجع كلها. وتصرّف فيها مدة حياته على جميع لذّاته وأغراضه. ولم يترك وارثا. فلما حضرته الوفاة أخرج صندوقا وأوصى أن كلّ ما فيه إنما هو مما كسبه من إحسان العادل أو جاهه، فهو له يتصرف فيه بما يشاء، ورغب ألا يفتح إلا بمحضر شهود. ولما مات فتح بين يدى العادل بمحضر من يختص به، فوجد فيه صورة أير كبير ومعه ورقة فيها: هذا فى رحم عيال من طمع فى ميراثى. فضحك العادل حتى غشى عليه وقال: لعنه الله ما أطيبه حيا ومّيتا.
[١ / ٢٢٤]
الخميلة العاشرة المشتملة على الدوبيتيات والمربعات والمخمسات
ملح الدوبيتيات:
هى التى ولع بها المشارقة كما تولع المغاربة بالموشحات، استنبطوا وزنها من الرجز ولا يتعدون بها وزنا واحدا، وفيه متحرك وساكن زائد على الرجز المثلث المسمى المشطور، الدوبيتى عند المشارقة على نوعين: ساذج ومرصّع، الساذج من الدوبيتى:
هو صنفان، موافق ومخالف.
الموافق من ساذج/ الدوبيتى:
ا، ب قول الملك المعز بن أيوب صاحب اليمن «١»
قم نشربها سلافة كالذهب ... من قبل حلول عائق أو سبب
لما برزت ولم تزل فى حجب ... من خجلتها تبرقعت بالحبب
ا، ب وقول مظفّر الدين صاحب إربل «٢»
لولا خبر يأتى به الطّيف إلىّ ... ما كنت وقد بعدت عن حيّك حىّ
لما ظهرت أدلّة العشق علىّ ... موّهت بحاجر وعرّضت بمىّ
ا، ب وقول العماد الأصبهانى كاتب صلاح الدين «٣»
منشورك بالعذار من أرّخه ... كافورك بالعبير من ضمّخه
[١ / ٢٢٥]
بالمسك على الورد وقد لطّخه ... خطّ حسن أريد أن أنسخه «١»
ا، ب وقول الصلاح الأربلى نديم الكامل «٢»
لمّا عرف الدار بكى وانتحب ... واستنجد أدمعا تحاكى السّحبا
ما زال مردّدا بها واحربا ... حتى ذهب المسكين مع من ذهبا
ا، ب وقول الفخر ابن قاضى دارا «٣»
مولاى أما ترحم مأسورا جفاك ... حاشاك بأن تظلم مثلى حاشاك
إن كنت تشكّ أن قلبى يهواك ... ها أنت بوجه هل ترى فيه سواك
ا، ب وقول ابن بهرام الحاجرى «٤»
لما خطرت ريح صبا يبرين ... ليلا وتعطّرت على النّسرين
هاجت حرقى فقال صحبى دون ... ما أشبهه بحالة المجنون «٥»
ا، ب وقول ابن الفارض المكّى «٦»
- أهوى قمرا له المعالى رقّ ... من ضوء جبينه أضاء الشّرق
بالله أتدرى ما يقول البرق ... ما بين ثناياه وبينى فرق
[١ / ٢٢٦]
المخالف من ساذج الدوبيتى:
ا، ب قول الملك الأشرف بن أيوب «١» صاحب دمشق فى مملوك كان يهواه وجعله على خزائنه
أهوى قمرا تحار فيه الصّفة ... يسحو بدمى وهو أمين ثقة
ماذا عجب يحفظ مالى ويرى ... روحى تلفت به ولا يلتفت
ا، ب وقول ابن عمه الملك الأمجد صاحب بعلبك «٢»
كم قد حلفت بكل أمّ وأب ... أن تسمح لى فأعقبت بالكذب
حتى حلفت على التّجنّى فوفت ... ما تصدق إلا فى يمين الغضب
ا، ب وقول الملك المنصور بن أيوب صاحب حماه «٣»
عينى دمعت مسرّة بالجمع ... قالوا مهلا ما فى البكا من نفع
دع عينك تستغنم منهم نظرا ... ماذا زمن تشغلها بالدّمع
ا، ب وقول العماد بن الزاهر بن أيوب «٤»
ذى كاظمة والعلم الفرد يلوح ... والأجرع والغضا وبان وطلوح
هاتيك منازل بها كان لنا ... عيش ومضى فنح إذا كنت تنوح
ا، ب وقول عماد الدين بن زنكى صاحب سنجار «٥»
السّكّر صار كاسدا «٦» من شفتيه ... والبدر تراه ساجدا بين يديه
[١ / ٢٢٧]
فى الحسن عليه كلّ شىء وافر ... إلا فمه فإنّه ضاق عليه
ا، ب وقول باذكين صاحب البصرة «١»
زود نظرى بنظرة قبل تسير ... من وجهك إنّ عمر ذا اليوم قصير
- لا تأمن أن تذوق ما ذقت أنا ... أو تصبح فى حبائل الحبّ أسير
ا، ب وسمعت الملك الناصر سلطان الشام «٢» ينشد لنفسه وقد جاءه مملوك بباكورة ورد
الورد أنى مبشّرا بالأمل ... عجلان مبادرا وقوع الملل
لا تخجله ولا الذى جاء به ... فى خدّهما ما قد كفى من خجل
ولما عدت من العراق أنشدته من محاسن الدّوبيتيات ما أمر بكتبه. ثم قال لى هذا طراز لا تحسنه المغاربة. فقلت: يا خوند «٣»، كما أن الموشحات والأزجال طراز لا تحسنه المشارقة، والمحاسن قد قسّمها الله تعالى على البلاد والعباد. قال:
صدقت، فهات مما نظمت أنت فى هذا الطراز، فأنشدته:
مولاى أراك دائم الإعراض ... والعمر يمرّ ضائع الأغراض
كم أسألك الرّضا وكم تمنعه ... الملك لمن أصبحت عنه راض
فقال: ما قصّرت. ركبت الجادّة، وما تحتاج بعد إلى دليل ا، ب ومن محاسن الدوبيتى المخالف قول قمر الدولة بن دواس فى «٤» سكان قبا
سكّان قبا أفديكم من سكن ... ما أطيب وقع ذكركم فى أذنى
[١ / ٢٢٨]
لم أنس وقد قضيت معكم زمنا ... أبغى بدلا يا ليت شعرى بمن
ا، ب وقول الصّلاح الأربلى «١»
بالله عليك أيها المرتحل ... بلّغ عنّى أحبتى إن سألوا
قل مات فإن قالوا متى قل لهم ... من يوم فراقكم أتاه الأجل
- وقول الحاجرى «٢»
يا من خطراته لقلبى عنت ... هل ترجع فى العتاب تلك النّكت
قد قيل محاسن الظّبا لفتتها ... يا ظبى فنى العمر متى تلتفت «٣»
ا، ب وقول أيدمر التركى «٤»
بالله إذا جزت على نعمان ... أنشد قلبا قد ضاع عن جثمانى
واحذر يعطوك غير قلبى غلطا ... فالقوم لديهم كلّ قلب عان
ا، ب وقول الفخر بن بصاقة «٥»
البلبل كم يصيح فى الدوح بليت ... والدوح يميل قائلا منك زهيت
لا يعلم ذا مقدار ما حلّ بذا ... حبى أبدا ينعم إن قلت شقيت
ا، ب وقول الشهاب بن التلعفرى «٦»
قالت وقد انتضت سيوف اللّحظ ... والسحر ممازج لذاك اللفظ
ذا حظّك ما أقلّه قلت لها ... لو شئت لما كنت قليل الحظّ
[١ / ٢٢٩]
ا، ب وقول الجمال بن مطروح «١»
لا تستر ما جرى فما يستتر ... عندى وحياة ناظريك الخبر
لا بأس عليك فالقنا منبسطا ... فى حبّك كلّ هفوة تغتفر
ا، ب وقول سعد الدين بن العربى الدمشقى «٢»
أفدى قمرا لعاشقيه قمرا ... إن واصلنى فطال ما قد هجرا
النّمل على وجنته قد رقمت ... لا غرو إذا ما واصلتها الشّعرا
ا، ب- وقول ابن نبهان الدمشقى «٣»
من حبّك فى حشاشتى أوطان ... ما مرّ بها العدل ولا السّلوان
بالله لقد حلوت «٤» فى القلب فلو ... بالهجر مزجت طاب لى الهجران
ا، ب وقول الضياء بن ملهم المقدسى «٥»
بالله لقد سمعت فى الدّوح أنين ... ورقاء تنادى بنحيب وحنين
الإلف مجاورى وهذا كلفى ... ما حال قرين قد نأى عنه قرين
ا، ب وقول العماد السلماسى «٦»
يا من هجروا والله ما نهجركم ... تنسون ونحن دائما نذكركم
العذر لكم فى عيشنا بعدكم ... العذر لكم يا سادتى، العذر لكم
[١ / ٢٣٠]
محاسن الدوبيتى المرصع:
ا، ب أنشدنى منه لنفسه شرف العلا بن تاج العلا الحسينى «١»
ودّعتهم إذحان بين ورحيل ... ناديتهم
الصبر إذا رحلتم غير جميل ... شيّعتهم
لما رحلوا وما إلى الصبر سبيل ... أنشدّتهم
لم يجر على الخدّ من الدّمع قليل ... يا ليتهم
ا، ب ومنه
بالله إلى العقيق مل يا حادى ... فالصّبر فنى
ما تبصر خيماتهم بالوادى ... ما ترحمنى
لو كنت عشقت ما تعسّفت علىّ ... بالله عليك
مل نحوهم وسل إمام النّادى ... من ولّهنى
ا، ب ومنه
ما ولّهنى سوى غزال السّرب ... لما لمحا
ما عارضنى إلا ليسبى قلبى ... لما سنحا
بالسّفح بقى جسمى بغير الرّوح ... رهن البرحا
سكران وما سقاه ساقى الحبّ ... إلا قدحا
اومنه
بالأجرع منزل له القلب يميل ... والدمع يسيل
للورق على رباه شدو وهديل ... تبكى وتقول
هل شوّقها مثل الذى شوّقنى ... الأمر جليل
ورد وجنى غض وظلّ ومقيل ... والحىّ حلول
[١ / ٢٣١]
اومنه
يا منزلهم بأىّ أرض نزلوا ... ولّوا وبقيت
لمّا كتموا سراهم وارتحلوا ... عاشوا وفنيت
أصبحت وحيدا بعدهم فى الرّبع ... أحيا وأموت
أبكى وأقول لو يجيب الطّلل ... بالحبّ شقيت
ا، ب ومنه
عهدى بهم والحىّ ملء الوادى ... والدّهر ربيع
والبدر هناك مشرق بالنّادى ... والحال مطيع
والعاشق حائم وطورا يردّ ... والسعد شفيع
لكن بلحاظه مع الورّاد ... والشّمل جميع
محاسن المربعات:
اشترك فيها المشارقة والمغاربة. وهى أيضا نوعان: ساذج ومرصع، والساذج صنفان: موافق ومخالف
الصنف الموافق من ساذج المربعات:
ا، ب ومثاله ما أنشدنيه الرضى الصاغانى لنفسه «١»
البلبل فى الغصون صاحا ... والهائم فى الرّسوم ناحا
كم يندب مربعا أباحا ... للصّبر حمّى مضناه طاحا
ا، ب وقوله
يا من به أهيم ... ما تعرف أننى مستقيم
كم تمطل والهوى غريم ... كم أسكر والجوى نديم
[١ / ٢٣٢]
ا، ب وقوله
الله ولىّ من هجرتم ... الله معين من خذلتم
فى الرّبع أقام من تركتم ... حيران وعنه ما سألتم
وأكثر ما يشتغل بهذا العجم وهو وزن مستنبط من أوزانهم، وكثيرا ما يطربون عليه فى السّماع ولا يلتفتون إلى غيره «١» .
ومثال الموافق من مربعات المغاربة فى غير هذا الوزن ما أنشدنيه «٢» أبو القاسم البيانى «٣» /لنفسه
يا دارهم بحقّهم أجيبى ... متيّما بالنّوح والنّحيب
يقول فى الأطلال يا حبيبى ... رفقا على المولّه الكئيب
وما أنشدنيه ابن جحدر الأشبيلى «٤»
دع مقلتى فى أرق ... ومهجتى فى حرق
مواقف التّفرّق ... شيّبن منّى مفرقى «٥»
ومثال الصنف المخالف من [ساذج] المربعات «٦»:
قول ابن كتاكت المصرى «٧»
خلّ عن لومى وعتبى ... لا أقال الله قلبى
فيك من عثرة حبّى ... وكفاه وحماه
[١ / ٢٣٣]
ا، ب وقوله:
خلّ طرفى وبكاه ... وفؤادى وعناه
لا وجسمى وضناه ... ما سبى قلبى سواه
ا، ب وأنشدنى أبو القاسم البيّانى لنفسه «١»
يا مربع الأحباب أين ساروا ... أبالجناح عن حماى طاروا
جار الزمان وانقضى الجوار ... وفاتنى من أجلهم نصيبى
ومربعة ابن عياض «٢» فى المقامة الدوحية من أطبع ما قيل فى هذا الباب وأبدعها قوله:
ا، ب
يصيد آساد الشّرى ... بمقلة تسبى الورى
وماء وجه لا ترى ... للشّعر فيه طحلبا
وفيها ا، ب
يا ربّ ليل أليل ... ناديت فيه يا على
فحين لم يرقّ لى ... صحت به واحربا
وفيها ا، ب
كم زارنى بعد اجتناب ... طيف أبى إلا العتاب
والريح تطلى بالسّحاب ... أفقا تبدّى أجربا
ومثال المرصع من المربعات قول القائل «٣»:
ا، ب
على الخيام عج معى ... إن كنت صبّا
وانثر بها كأدمعى ... شوقا وحبّا
[١ / ٢٣٤]
واذكر زمان حاجر ... وعهد نجد
وقل لتلك الأربع ... ذكراك لبا
بالله يا طير الأراك ... كم ذا تنوح
وكم على الدّوح أراك ... لا تستريح
فزت بروض ناضر ... وطيب ورد
وتدّعى ما قد شجاك ... ماذا صحيح
ذره وذرنى، شانه ... فى الحبّ شانى
ما هيجّت أشجانه ... إلا شجانى
فديته من طائر ... قد هاج وجدى
وذكّرت ألحانه ... ماضى زمانى
وقول الآخر
سلبت عن جفنى الكرى ... وبتّ نائم
ولم تسل عمّا جرى ... من الهوائم
لاموا وما يجدى الملام «١»
خلقت [ما] «٢» بين الورى ... ولهان هائم
أهكذا يبقى الحبيب ... دون التفات
مضنى وما يلقى طبيب ... قبل الوفاة
بالله لا يشفى السّقام ... ولا يوافق
إلا وصال من حبيب ... فيه حياتى
يا ساكنى وادى زرود ... هل لى وصول
[١ / ٢٣٥]
لمن أبى إلا الصّدود ... عسى أقول
والله يا بدر التّمام ... يمين صادق
ما حلت عن تلك العهود ... ولا أحول
وقول الآخر
يا خليلى بلا أمر قفا بالرّسوم ... وصفا بالله أيام الصّفا والحطم
وأعيدا ذكر أوقات الحمى والغميم ... فعسى فى ذكرها بعض الشّفا للسّقيم
لا جزى الله بسوء أمرى من أمير ... حين ما كلّف إلا ذا غرور
هو بدر التمّ إلا أنه يا سميرى ... أخذ الحسن وخلّى الكلفا للبدور
وبعضهم يسمى المربع المرصع بالمثمن وكذلك الدوبيتى المرصع.
محاسن المخمسات:
جرت العادة عند المشارقة والمغاربة أن يعمدوا لشعر/ قد ولع أهل السماع بالغناء فيه فيخمسونه. مثال ذلك قول:
ا، ب ابن بهرام الحاجرى «١»: فى شعر ابن الخيّاط الدمشقى «٢»
خليلى عوجا بالغوير وكثبه ... ولا تمنعا المشتاق من لثم تربه
هو الصّبّ يصبيه الهوى دون صحبه ... خذا من صبا نجد أمانا لقلبه
وقد كاد مسراها يطير بلبّه ... ألا أبلغا «٣» سهل الحجاز وحزنه
[تحية صبّ قرّح الدمع جفنه] «٤» ... [تخفّف من قلب المتيّم حزنه] «٥»
وإياكما ذاك النّسيم فإنّه
متى هبّ كان الوجد أيسر خطبه
[١ / ٢٣٦]
لما جرتما فى الحب ما عدلتما ... محبّا براه حبّ ساكنة الحمى
ذراه فما يزداد إلا تتيّما ... خليلىّ لو أبصرتما لعلمتما
محلّ الهوى من مغرم القلب صبّه ... ألا من لصبّ لا يفيق من الجوى
حليف ضنى شطّت به غربة النّوى ... إذا لاح برق الحاجريّة باللّوى
تذكّر والذّكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحبّ يصبه
بروحى من أضحى لروحى فتنة ... أرى حبّه فرضا علىّ وسنّة
مليح التّثنّى يخجل الورد وجنة «١» ... أغار إذا آنست فى الحىّ أنّة
حذارا وخوفا أن تكون لحبّه ... أمير جمال جائر فى قضائه
إذا سار سار البدر تحت لوائه ... أقول إذا ما ماس تحت قبائه
غراما على يأس الهوى ورجائه ... وشوقا على بعد المزار وقربه
ولم أنسها فى الرّكب واهية القوى ... تقول وقد جدّ الرحيل من الّلوى
عزيز علينا أن يشطّ بنا النّوى ... وفى الرّكب مطوىّ الضاوع على جوى
متى يدعه داعى الغرام يلبّه ... أحبّ الذى فيه من الظّبى لمحة
يحلّ سرور حيث حلّ وفرحة ... جفون المعنّى فيه بالدمع سمحة
إذا خطرت من جانب الحىّ نفحة ... تضمّن منها داءه دون صحبه
حبيب لقلبى فعله فعل مبغض ... لناظره المسودّ فتنة أبيض
جعلت فداه من مذلّ وممرض ... ومحتجب بين الأسنّة معرض
وفى القلب من إعراضه مثل حجبه
[١ / ٢٣٧]
ا، ب وقول أبى القاسم البيّانى: «١» من شعر أحد المشارقة
يا منكر قصّنى وحالى ... لمّا شغلوا بالبين بالى
دع لومك واشد فى الرّحال ... يا من هجرت ولا تبالى
هل ترجع دولة الوصال ... كم قد هجرت سرّا وجهرا
ثم انتقلت فذبت هجرا ... يا من أبدا تقول صبرا
لم أعص وقد حكمت أمرا ... القلب لديك ما احتيالى
وقد يكون المخمّس جميعه من قول شاعر واحد غير متكلف.
كقول بعضهم:
يا برق حىّ الأبرقا ... وسقّ جيران النقا
وقل لهم مستوثقا ... بحقّ شمل فرّقا
متى يكون الملتقى ... بحرمة الودّ القديم
وذمّة العهد الكريم ... ردّوا زمانى بالحطيم
من بعده كلّ نعيم ... يا سادتى عندى شقا
[١ / ٢٣٨]
الخميلة الحادية عشرة المشتملة على ملح كان وكان ومواليا، كلاهما مخصوص بأهل العراق، وأكثر ما يأتى بلفظ العامة
[مثال كان وكان] «١»
ويعرفونه أيضا البطائحىّ لتولّع أهل البطائح به: واكثر ما حفظته من الملّاحين فى دجلة وهو من العروض المجتث، [ولا يخرجون به عن طريقة واحدة «٢»] .
ا، ب
غلت لو طول ليلى ... فرّكت لو طول النّهار «٣»
خرج يعاتب لغيرى ... زلق وقع فى الطّين
[هذا عندهم بيت كامل على نوع تربيع الدوبيتى] «٤» .
غيره «٥» ا، ب
قالوا عشيقك يهودى ... قلت الفضيضا مسلما
لومنّى «٦» ساعا ويمضى ... وهى تقم «٧» عندى
غيره «٨» ا، ب
السّود مسكا وعنبر ... والسّمر قضبان الذّهب
[١ / ٢٣٩]
والبيض ثوبا دبيقى «١» ... ما يحتمل تمعيك «٢»
غيره
ابالله ملاح تهجرونى ... والله ما اهجركم
العبد يجرى لمولاه ... ما هكذا العادا
غيره ا، ب
يامن عبر فى زقاقى ... وما تكلّمنى
إن رحت أنا لزقاقك ... أقبّل «٣» الأبواب
غيره ا
هذا الغزال المربّى ... كثير رجع ينفر
عجب على كثر أنسو ... ينفر من العشّاق
غيره ا
أصاحب الباز الأشهب ... وراكب الأشقر
بالله بحقّ جمالك ... خذنى معك بزدار «٤»
غيره ا
قال لى المليح حن شكت لو ... ان الظّما قاتل
الماء فى دجلا كثيره ... ولش تكون عطشان
هذه أبيات مفردة، ومما جاء متصل الأبيات «٥»
يا ساكنين درب زاحى «٦» ... والكرخ مالحيلا
[١ / ٢٤٠]
إن يجمع الله شملى ... بكم بلا أعذار
بالله ما تخبرونا ... من يشتكى منكم
والكل جائر علينا ... حتى الرّحال قد جار
ما كان ضرّ حبيبى ... لو جاءنى بالمراد
أو كان يسلّم عليّا ... واقف لباب الدّار
لو كان فى العشق والى ... يسمع من الشّاكى
كن نشتكى له بحبّى ... التّائه الغدّار
الحبّ غيّر طباعى ... حتّى رجع عادا
صبرى عليكم وكم ذا ... نكابد التّيّار
قد شاع حديثى وأنتم ... دايم تقولولى
لا يعرف الجار بينّا ... وكيف يفوت الجار
كى تنقطع «١» ذى الأقاول ... لو كان لها آخر
مثل الفلك هى تظنّوا ... مضى وهو قد دار
غيره:
ا، ب
مليح سكن بجوارى ... صار شغلى فيه طول النّهار
وبالفراش نتقلّب ... باللّيل من فكرتى فيه
الغصن يحسد قوامو ... والبدر فى وجهو قد حار
والورد من خدّو يخجل ... ولا يريد أن يسمّيه
إذا لقيت أجمل النّاس ... ذاك الّذى قلبى يهواه
طفيرتو فوق خصرو ... هى تنهشوا وتلويه
[١ / ٢٤١]
يا من رآه بالله عوّذ ... من كل ناظر جمالو
واعذروا إذا رأيت ... يكثر الصّدّ والتّيه
عن الشّباب والملاحه ... ذى دولتو، علاش يلام
إن كان يكلّمك كلما ... أصبر سنا لتجنيه
غيره ا
عجبت من حبّ قلبى ... كيف ارتضى قلبى سكن
وقلت بحور الجنّا ... ما تسكن النّيران
............... ........... ... فارعى محلّك فى الحشا «١»
............... ........... ... لواعج الهجران «٢»
ومنه «٣» ب
ملّاح باب القريّا ... نكلّفك حاجا
إن جيت إلى نهر عيسى ... ارغب لبعض النّاس
الله حسيب من ظلمنى ... ما كان حبيبى كذا
وإنما صار حواليه ... الوسواس الخناس
أنا سكنت الرّصافا ... وهو سكن غربى
يدرى الّذى يقصدونى ... لشرّ نقطع الياس
ومنه
باب الأزج أمعاشر فيه يسكن التيّاه ... ونبلى هو مشدود كيف يرحم المشتاق
[١ / ٢٤٢]
أنظر ترى أين حبّى وابصر ترى أين نسكن ... باب الأزجّ سكن هو ونا باب الطّاق
والله يا من قتلنى ما نجعلك فى حل ... إلا إذا جيت زاير وتوف بالميثاق
قل لى وهو قد تنكّر أى معرفا كانت ... حتى يكون ثم ميثاق داه كثير الإشراق
قلت له أنا تائب بذاك ما ننطق ... إتفتّى «١» أنت علىّ ولطّف الأخلاق
ومنه ب
أيا قاصد الحلّا بالله إن جيت إلى بابل ... سلهم بما سحرونى للسّحر أنا معتاد
وكلّ سحر يطبّو الماهر الحاذق ... إلا الذى باللّواحظ منون فى الأجياد
أناد مسحور زمانى ... والحبّ هو دائى
إن جيت أبغى شفائى ... من عندهم يزداد
ومنه ب
إن كان معك عين فانظر وابصر ترا شماعك ... البدر يا قوم خارج من داخل الحمّام
ابصر ترا الورد يفتح فى روضة النّسرين ... والنّرجس الغض فوق ينظر إلى النّمام
إن كان تخاف النّمائم فى العشق لا تعشق ... عذار نموت فيه ونحمل ليت العذار لودام
[١ / ٢٤٣]
مثل الرّبيع زمان أو مثل ليلا بالوصال ... يا ربّ ما أملح العذار حين انعطف كالّلام
مثال مواليا:
ويعرفونه أيضا بالحلّاوى لتولّع أهل الحلّة بعمله وبالغناء فى طريقته وهو مربع من عروض البسيط «١»
[الموافق من مربع المواليا]
فمنه ب لابن بهرام الحاجرى «٢»
روح المحبّ الذى يهواك قد شابت ... رفقا بها مثل ذوب الشّمع قد ذابت
وذا المعنّى ظنونه فيك قد خابت ... باع الكسا، وعلى الشّمس اتّكل، غابت
ومنه له أيضا «٣»
جزت على الباب قالت مر لغيرى روز «٤» ... يا ياسمين اكسر وخلف المعنى كوز
مهما تحرّك تمشى داه تدفع جوز ... لما إذا كان لنا حاجة تدلّى بوز
ومنه لابن بهرام الحاجرى «٥» ب
يا سايرين وقلبى معهم ساير ... مذ غبتم فرقادى بعدكم طاير
ترا تعود ليالينا بذى حاجر ... لا يشتفى القلب حتى يشتفى النّاظر
[١ / ٢٤٤]
ومنه «١» ب
ما تعلمون بأنّى دونكم أفنى ... مالى إذا غبتم عن ناظرى معنى
يا سايرين ارحموا صبّابكم مضنى ... الموت ما تأمنوا والعيش ما نهنى
وسايرنى من نصيبين إلى الموصل عامر زرومى الفلاح الثّعلبى وكنت أسمع به أنه إمام فى هذا الفن، وله فيه ديوان مشهور بأيدى الناس، وأكثره فى عشق غلام من أولاد ردساء اليمريّة من أعيان الأكراد وتهتّك فى حبّه، وسلم من القتل غير مرة، وأنشدنى كثيرا من قوله فيه «٢» .
فمنه ب
ما ترحم المبتلى فى حبّك الوضّاح ... وما سمع بى هواك من ناصح أو من لاح
بقيت فى ذا الغرام روز وبلا ملّاح ... هذا جزا من عشق كرد وهو فلاح
وقوله «٣»
أخلاط قد قتلتنى وأضنت الأكباد ... وعوّدتنى بشى لم أكن أعتاد
بقيت فيه مجّا لكنّنى وقّاد ... وكل ذا اللّوم طيب فى هوى الأكراد
[١ / ٢٤٥]
وقوله
ترى........ بات علق فيه ... وأى درب ركب يا صاح حتى أرميه
.............. الهوى تدنيه ... ليت يارموش لحرب..........
وقوله ...
حتى يعود قضا وانظر كذا لاموش ... كم قلت والقلب منّى بالهوى منهوش
مع غيركم قط قلبى يا علىّ «١» مالوش
وقوله
احضر علىّ الدار تلقى بابها مغلوق ... ون جزت للدار ترانى بالبكا مخنوق
بكيت وقلبى على جمر الغضا محروق ... ............... ........
وقوله ا، ب
أنا اشتهيت علىّ يا قوم يلقانى ... بأرض الجزيرا [أو ما يتهنّا تانى] «٢»
ألا عوين يروّى كلّ عطشان ... وروضة غرسها وردى وريحانى
[١ / ٢٤٦]
وقوله «١» ا، ب
هجرانكم والجفا قد أتعب الخاطر ... ونا قنعت بطيف منكم خاطر
بحر الهوى كم تغرّق سابحا ماهر ... ونا بجهلى «٢» نلجّج فيه ونخاطر
وكل ما تقدم إنشاده فهو من الموافق فى الحلّاوى المعروف بالمواليا.
ومنه أيضا
حضر حبيبى على بابى وما سلّم ... ولا التفت نحو حيطانى ولا اتكلّم
ولا سبق منى إليه ما يوجب أن يظلم ... ما أظن إلّا أحد سعى إليه بالنّم
غيره «٣» ا، ب
ذاك «٤» النهار قلت لى غدّا نجيك «٥» زاير ... فلم أزل أنتظر «٦» ولا أحد خاطر
حتى رثا كل جار من مطلك أجّاير ... فقلت لو أن يتيه ولى أن نكون صابر
ا، ب غيره «٧»
بالله يا صاحب الشّاما على خدّو ... إش لك فى هجر الغريب وإش ينفعك صدّو
[١ / ٢٤٧]
عندك يذلوا الملاح والعاشقين عندو ... عبدك هو والحرّ لا يرضى يهين عبد
غيره
اما تعلمون أننا من حبّكم نفنا ... والله ما للصّدود منكم لنا مغنا
مع الفراق يهجرونا من يصبّرنا ... ماذا ترى نقل الواشى لكم عنّا
ومن مواليا المخالف:
ايا ساكنين بالحريم الطّاهرى زوروا ... فكلّ ما نقل الواشى لكم زور
انتم بقلبى سكنتم ما لكم فيه جار ... ما تجورا عليه، هو يحتمل جور؟
غيره ا، ب
الله يسامح بلطفو من يعذّبنى ... وإن عبر فى زقاقى ما يكلّمنى
ما كان عليه لو يقف قليل بباب الدّار ... حتى يرا ما بلغ أمر الجفا منّى
غيره ا، ب
فى شدّاهمّ الجران مما يصدّعهم ... طول الأنين والسّهر عظّيم «١» يروعهم
حتى يقولوا ترى ما الذى ضاع لو ... ضاع لى فؤادى يردّه لى وينفعهم
[١ / ٢٤٨]
غيره ا، ب
بالله بالله يا ملّاح باب الطّاق ... إن جيت شرقى الحريم قبّل عن المشتاق
ذاك التراب الذى يسحب عليه ديلو ... ايه المتعدّى دايم العشّاق
غيره
وإن رأيت بحقّ الله على باب ... والبدر يطلع لعشّاقو من أثواب
فلو تركت الغريب بالجانب الغربى ... فالشّط يسأل لمن يبريه من ارعاب
ا، ب دجلا دموعى بها تجرى مع التّيّار ... وأنت لا تلتفت آتائه آغدّار
لو نشتكى للحجر كن ينصدع قلبو ... أقسا هو قلبك على العاشق من الأحجار
ومما تتصل فيه الأبيات «١»
ا، ب
ذاك المليح قد مضى عنّى إلى بغداد ... وما حمل غير قلبى للسّفر من زاد
الله يردّو وخلّيه للذى يختار ... وكلّ من لام عليه أنّه ثقيل قوّاد
هذا الغرام فى هواه والله العظم «٢» قد زاد ... نقط تجيه دجلا فى بحرو مع الأمداد «٣»
[١ / ٢٤٩]
ونا غريق فى الوسط وما أجد «١» سبّاح ... يخرجنى للسّاحل الآمن يزيد أنكاد
أمسلمين الغياث من ذا الهوى المعتاد ... نطمع نفارق وهو بى كل حين يزداد
ألكير هو عذل العذول إذ نفخ واغتاظ ... والوجد عندى يفور بحال شرر حدّاد
غيره ا، ب
قالوا السّفر قلت نطوّح ورا الأحمال ... ونخفى روحى ونحتال واللّبيب يحتال
وإنما نخشى من دمعى وأشجان ... تفضحنى وقت أن نسير وتظهر الأحوال
أمشى «٢» ودع ما يكون مع حبّه من أهوال ... والمكثّ بعدو محال كيف أبقى للعذّال
وكلّ شامت حسود يقل لى يا غدّار ... مشى الحبيب للسّفر وأنت كذا بطّال
مضت قال الحداة اخرج من دى الأجمال ... نراك مريب قلت ما بيّا سوا الأوجال
وسرت عنهم يسار ننظر كما السّارق ... ومن هويت بالجفاء دخال الأقفال
غيره
يا صاحب الهند بارى والتّصافيّا ... إليك أكلّم- فديتك- والتفت ليا
[١ / ٢٥٠]
ما نا عقاب أخطفك ولا أنا باشق ... وفهد مانا، ولا والله سلوقيّا
صحت مرارا عديدا لا تقل ميّا ... أكثر وأزيد وهو يجرى شكر ديا
اش قل لى من لم يذق من الهوى جرّعا ... رح عنّى، خلّه، فمالو فى الهوى غيّا
ما أجهله بالغرام ذا المرخبى الليّا ... من المليح يطلب الانصاف أو النّيّا
ما ظنّ هذا عشق ولا ترا عاشق ... وإن قتلنى هواه توخذ منو الدّيّا
غيره ا، ب
بحر الهوى ماله ساحل ولا شاطى ... غرقت فيه اخرجوا الجاهل الخاطى
هيهات ما يدخل سباح ولا غواص ... إبقا كما أنت فيه حين يرفعك طاطى
الحبّ قال كم تصيح وأنت فى أوساطى ... حصّلت فى بحر دونوا بحر دمياطى
أمواج كم غرّقت من سابح ماهر ... ماذا حديث من يقول صانعن بقرّاطى
غيره ا
يا سرحة الزّعفرانيّا على الشّرقى ... ما أشتكى لأحد إلا إليك عشقى
النار فى قلبى أخشى تحترق منّى ... تلهب يهب النّسيم أو لامع البرق
[١ / ٢٥١]
فالأنسا حين رأيتو انتلف نطقى ... وجيت نشير لو بشارا قال يا مشق
ما ظنّ الا تريد تدخل بعشّاقى ... كم حرّ فارع حصل بالحبّ فى رقىّ
غيره مما يتصل فيه الكلام دون قوافى النظام:
اباليأسريّا لقيتو ينفضح عريان ... وهو يصيح بالفرات اللعب يا صبيان
فقلت شاه مات فقال ما أجهلك خاطر ... رح لا تشوّش علينا مرجع الشّيطان
وقفت قال لى ليش أراك واقف كذا حاير ... فقلت هذا المحجّا تمنع العابر
فقال لى اصبر ولا تقف معى ساعة ... فقلت إن كان تحلّى القلب والخاطر
مثله ا
مع الخلق صار يقف على الصّراه يسمع ... قصص ويبصر عجب بالله ما أصنع
لا شغل ليّه سوى هذا ولا يدرى ... ما اشتكى ليه ولا يعطف إذا أخضع
.... إن اشتكى حالى لجيران ... لعل منهم رحيم شانى كما شان
عشق وكابد كثير من هجر أمثالو ... فقد وحقّ النبى عذبنى هجران
[١ / ٢٥٢]
مثله ا
إلى المحوّل مشى بكرا مع اصحاب ... وقال لى ما أنت منهم ما الّذى صاب
ما كان كذا لا وحقّ الحبّ يا خوّان ... الحول هو يفسد الانسان على أثواب «١»
أمشى أنا خلفهم ما استمع منّو ... لا والغرام يا أخى لا صبر لى عنّو
إن كان هو يصبر على من غاب إذا ما غاب ... مانا مثالوا ولا فنّى كما فنّو
مثله ا
إش قالت الشّاطرا حين ريتها بالطّاق ... مالى أراك تلتفت إش ضاع لك آمشتاق
فقلت ذى وصفتى أراك بتعرفنى ... فانتهدت وأنشدت واحيرة العشّاق
قلت إن كان تصلنى ما أنا حاير ... ولا وحق على يتعب «٢» بك الخاطر
قالت طلبت محال، غيرك معى منشوب ... ونابه أيضا كذاك رح لا تجى زاير
مثله ا
وعدنى...... وما صدق وعد ... حلفت لا غرّنى بالوعد أحد بعد
[١ / ٢٥٣]
فقلت أمشى إليه أقبّح افعالو ... كذا يقول اللّسان حتى أصير عنه
فالله لقد أعشقو بكلّ أحوالى ... ما فيه شيّا أعيب غير نقطة الخال
يعود قلبى إذا لاحت على الورد ... يا قوم ما حلّ بى، يا عمّ، يا خال
[١ / ٢٥٤]
الخميلة الثانية عشرة «١» المشتملة على ملح الموشحات والأزجال
هذان طرازان كان الابتداء بعملهما من المغرب، ثم ولع بهما أهل المشرق.
وسيذكر ما يسع المكان من ذلك
فأما الموشحات
فقد ذكر الحجارى «٢» فى كتاب المسهب فى غرائب المغرب أن المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدّم بن معافى القبرى «٣» من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المروانى، وأخذ عنه ذلك أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد.
ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشحاتهما، وكان أول من برع فى هذا الشأن بعدهما:
ا، ب عبادة القزّاز «٤»: شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المريّة وقد ذكر الأعلم البطليوسى أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول: كلّ الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله:
بدرتمّ شمس ضحى ... غصن نقا مسك شمّ
ما أتمّ ما أوضحا ... ما أورقا ما أنمّ
لا جرم من لمحا ... قد عشقا قد حرم
وزعموا أنه لم يشقّ غباره وشاح من معاصريه الذين كانوا فى زمن الطوائف، وجاء مصليّا خلفه منهم:
[١ / ٢٥٥]
ا، ب ابن أرفع رأسه «١» !: شاعر المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة: قالوا وقد أحسن فى ابتدائه فى الموشحة التى طارت له حيث يقول:
العود قد ترنّم ... بأبدع تلحين
وشقّت المذانب ... رياض البساتين
وفى انتهائه حيث يقول
تخطر وليس تسلّم ... عساك المأمون
مروّع الكتائب ... يحيى بن ذى النون
ثم جاءت الحلبة التى كانت فى مدة الملثّمين، فظهرت لهم البدائع، وفرسا رهان حلبتهم الأعمى التّطيلى «٢» ويحيى بن بقىّ «٣» . سمعت غير واحد من أشياخ هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشّاحين اجتمعوا فى مجلس بأشبيلية فكان كل واحد منهم قد وضع موشحة وتأنق فيها، فقدموا الأعمى للانشاد.
فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدرى «٤»
خرّق ابن بقىّ موشحته وتبعه الباقون ا، ب وسمعت الأعلم البطليوسى «٥» يقول أنه سمع ابن زهر «٦» يقول:
[١ / ٢٥٦]
ما حسدت وشّاحا على قول إلا ابن بقىّ حين وقع له:
أما ترى أحمد فى ... مجده العالى لا يلحق
أطلعه المغرب فأرنا ... مثله يا مشرق
وكان فى عصره من الوشّاحين المطبوعين الأبيض «١» . وكان فى عصرهم أبو بكر بن باجة «٢» صاحب التلاحين المشهورة. ومن الحكايات المؤرخة أنه لما ألقى على احدى قينات ابن تيفلويت «٣» موشحة فيها:
جرّر الذّيل أيّما جرّ ... وصل السّكر منك بالسّكر
طرب الممدوح. ولما اختتمها بقوله، وطرق سمعه فى التلحين
عقد الله راية النّصر ... لأمير العلا أبى بكر
صاح: واطرباه! وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت به وما ختمت. وحلف بالأيمان المغلظة أن لا يمشى فى طريق إلى داره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا فى نعله ومشى عليه. وأخبرنى أبو الخصيب بن زهر أنه جرى فى مجلس أبى بكر بن زهر ذكر لأبى بكر الأبيض الوشاح المتقدم الذكر، فغض منه أحد الحاضرين، فقال: كيف تغضّ ممن يقول:
ما لذّ لى شرب راح ... على رياض الأقاح
لولا هضيم الوشاح ... إذا ينثنى فى الصباح «٤»
أو فى الأصيل ... أضحى يقول
ما للشّمول ... لطّمت خدّى
[١ / ٢٥٧]
وللشّمال ... هبت فمال
غصن اعتدال ... ضمّه بردى
واشتهر بعد هؤلاء فى صدر دولة الموحدين- أعزهم الله- محمد بن أبى الفضل ابن شرف «١» قال المسن بن دوّريده «٢»: رأيت حاتم ابن سعيد «٣» يقبل رأسه على هذه البدأة.
شمس قارنت بدرا ... كأس «٤» ونديم
وابن هرودس «٥» الذى له
يا ليلة الوصل والسّعود ... بالله عودى
وابن مؤهل «٦» الذى له
ما العيد فى حلّة وطاق ... وشمّ طيب
وإنما العيد فى التلاقى ... - مع الحبيب
ا، ب وأبو اسحق الزويلى «٧» . سمعت أبا الحسن سهل بن مالك «٨» يقول انه دخل على ابن زهر وقد أسن، وعليه زى البادية، إذ كان يسكن بحصن استبّة، فلم يعرفه، فجلس حيث وجد، وجرت المحاضرة أن أنشد لنفسه موشحة وقع فيها:
[١ / ٢٥٨]
كحل الدّجى يجرى من مقلة ... الفجر على الصّباح
ومعصم النّهر فى ... حلل خضر من البطاح
فتحرك ابن زهر وقال: أنت تقول هذا؟ قال: اختبر. قال: ومن تكون؟
فعرّفه. فقال: ارتفع، فو الله ما عرفتك.
ا، ب وسابق الحلية التى أدركت هؤلاء أبو بكر بن زهر، وقد شرقت موشحاته وغربت. وسمعت أبا الحسن المذكور يقول لابن زهر: لو قيل لك: ما أبدع ما وقع لك فى التوشيح، ما كنت تقول؟
قال: كنت أقول مما استحسنه من قولى وأرتضيه من نظمى «١»:
هل تستعاد أيامنا ... بالخليج وليالينا
إذ يستفاد من النسيم ... الأريج مسك دارينا
وإذ يكاد حسن المكان ... البهيج أن يحيّينا
نهر أظلّه دوح عليه ... أنيق مورق فينان «٢»
والماء يجرى وعائم ... وغريق من جنى الرّيحان
واشتهر معه ابن حيون «٣» الذى له «٤»:
يفوّق سهم كلّ حين ... بما شئت من يد وعين
وتنشد فى القضيّتين
[١ / ٢٥٩]
خلقت مليح علمت رامى ... فلس نخل ساع من قتال
وتعمل بذى العينين متاعى ... ما تعمل إدى بالنّبال
واشتهر معهما فى العصر بغرناطة المهر بن الفرس «١» . ومن المشهور أن ابن زهر لما سمع قوله:
لله ما كان من يوم بهيج ... بنهر حمص على تلك المروج
ثم انعطفنا على فم الخليج ... نفضّ مسك الختام «٢»
عن عسجدى المدام ... ورداء الأصيل
تطويه كف الظلام
قال: أين كنا نحن عن هذا الرداء.
وكان معه فى بلده مطرّف «٣» . أخبرنى والدى أنه دخل على ابن الفرس المذكور فقام له وأكرمه، فأشار عليه بألايفعل. فقال: كيف لا أقوم لمن يقول:
قلوب تصابت ... بألحاظ تصيب
فقل كيف تبقى ... بلا وجد قلوب
واشتهر بعد هؤلاء ابن حزمون «٤» بمرسية. أخبرنى ابن الدارس «٥» أن يحيى الخزرج «٦» دخل عليه فى مجلس فأنشده موشحة لنفسه، فقال له
[١ / ٢٦٠]
ابن حزمون، ما الموشح بموشح حتى يكون عاريا من التكلّف. قال: على مثال ماذا؟ قال: على مثال قولى:
يا هاجرى هل إلى الوصال ... منك سبيل
أو هل يرى عن هواك سالى ... قلبى العليل «١»
واشتهر فى أشبيلية أبو الحسن بن الفضل «٢» . قال والدى: سمعت أبا الحسن ابن مالك يقول: يا ابن الفضل، لك على الوشاحين بقولك الفضل:
واحسرتا لزمان مضى ... عشية بان الهوى وانقضى
وأفردت بالرّغم لا بالرّضى ... وبتّ على جمرات الغضا
أعانق بالوهم تلك الطلول ... وألثم بالفكر تلك الرّسوم
وسمعت أبا بكر الصابونى «٣» ينشد للأستاذ أبى الحسن الدباج «٤» موشحات له غير ما مرّة، فما سمعته قال لله درك إلا فى قوله:
قسما بالهوى لذى حجر ... ما لليل المشوق من فجر
خمد الصّبح ليس يطرد ... ما لليلى فيما أظن غد
صح يا ليل أنك الأبد ... أو تقضّت قوادم النسر
أم نجوم السماء لا تسرى
واشتهر ببر العدوة ابن خلف الجزائرى «٥» صاحب الموشحة المشهورة التى مطلعها:
[١ / ٢٦١]
يد الاصباح قد قدحت زناد الأنوار ... فى مجامر الزّهر
ومنهم ابن خزر البجائى «١» صاحب الموشحة المشهورة:
ثغر الزمان الموافق ... حياك منه بابتسام
وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات. وأحسن ما وقع لهم من ذلك موشحة ابن سناء الملك المصرى التى أولها، وقد اشتهرت فى الشرق والغرب
حبيبى ارفع حجاب النور ... عن العذار
يقطر بمسك على كافور ... فى جلّنار
وكان الملك الناصر رحمة الله تعالى مائلا إلى الموشحات والأزجال، وبما رزقه الله تعالى من الطبع الفاضل عانى الطريقتين، فوقع فى الموشحات مثل قوله:
نشوان مائس ... من الصبا لم يسق راح
مرنّح القدّ ... كالغصن هزّته الرّياح
لم يبق لى صبر ... مذ لاح فى المكتب
فى خدّه سطر ... مثل الطّراز المذهب
خيلانه النّثر ... بها بدا كالعقرب
فى حرب داحس ... أمسيت والوجد السلاح
وأدمعى جندى ... يا حبّذاه من كفاح
[١ / ٢٦٢]
ملح الأزجال:
قيلت بالأندلس قبل أبى بكر بن قزمان «١»، ولكن لم تظهر حلاها، ولا انسكبت معانيها، ولا اشتهرت رشاقتها إلا فى زمانه.
وكان فى زمان الملثمين. وهو إمام الزجالين على الاطلاق. وأزجاله المدونة رأيتها ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب. وسمعت أبا الحسن بن جحدر الأشبيلى «٢» إمام الزجالين فى عصرنا يقول: ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان، شيخ الصناعة. وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش، وأمامهم أسد من رخام يصب ماء كثيرا على صفاح مدرج، وهو قوله:
وعريش قد قام على دكّان ... بحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبان ... به غلظ ساق
وفتح فمو بحال انسان ... به الفواق
وانطلق من ثم على الصّفاح ... وألقى الصّياح
وكان ابن قزمان مع أنه قرطبى الدار كثيرا ما يتردد إلى اشبيلية وينتاب نهرها.
فاتفق أن ركبه يوما مع أعلام هذا الشأن فى عصره، وقد جمعهم ابن حسيب من حسبائها وأغنيائها فى زورق برسم الصيد، فاقتضى الحال أن ابتدأ منهم عيسى البليد الأشبيلى «٣» فقال:
يطمع بالخلاص قلبى وقد فات ... وقد ضمّ العشق لشهمات
نراه قد حصل سكين فى محناب ... يقلق وكذاك أمر عظيم صاب
توحش الجفون الكحال ان غاب ... وذيك الجفون الكحال أبلات
[١ / ٢٦٣]
ومنه:
نشب والهوى من لج (فيه) ينشب ... ترى أش كان دعاه يشقى ويتعذّب
مع العشق قام (فى) بال أن يلعب ... وخلق كثير من ذا اللعب ماتوا
ومنه لأبى الحسن المقرى الدانى «١»
نهاران مليح تعجبنى أوصاف ... شراب وملاح من حول قد طاف
والمقلين يقول نعم فى صفصاف ... والبورى يقول أخرى فى مقلات
ومنه لأبى بكر بن مرتين الأشبيلى «٢»
الحق تريد حديث بقالى عاد ... فى الود تحير والنزها والصياد
لسينه حيتان ذيك الذى يصطاد ... قلوب الورى هى فى شبيكات
ومنه لأبى بكر بن قزمان
إذا شمّر أكمامه ليرميها ... ترى البورى يرشق لذيك الجيها
وإش مراد أن يقع فيها ... إلا أن يقبل باديدات
وكان فى عصرهم بشرق الأندلس يخلف الأسود «٣» . له محاسن فى الزجل منها قوله:
حين ننظر الخدّ الشريق البهى ... ينتهى بالحمرا لما ينتهى
يا طالب الكميا فى عينى هى ... تنظر بها الفضّا وترجع ذهب
وجاء بعدهم حلبة سابقها مدغليس «٤»، وقعت له العجائب فى هذا الشأن. ومن أعجبها قوله فى الزجل المشهور
ورذاذا «٥» دقّ ينزل ... وشعاع الشّمس يضرب
[١ / ٢٦٤]
فترى الواحد يفضّض ... وترى الآخر يذهّب
والنّبات يشرب ويسكر ... والغصون ترقص وتطرب
تريد تجى إلينا ... ثمّ تستحى وترجع
وكان معه فى عصره ابن الزيات، زجال غرناطى كان أبو الحسن بن سهل ينشد له:
مشيت لدار قل سره ... ثم بكيت حتى قل ثم
وكان يقول: لو لقيت قائله ما أنفت أن أخدمه فى حديث هذا التائه عليه وظهر، بعد من تقدم ذكره، بأشبيلية ابن جحدر الذى فضل الزجالين فى فتح ميورقة بالزجل الذى أوله:
من عاند «١» التوحيد بالسيف يمحق ... أنا برى ممن يعاند الحق
لقيته ولقيت تلميذه اليعيع صاحب الزجل المشهور الذى منه:
بالنّبى «٢» إن ريت حبيبى ... افتل أذن بالرّسيلا
لش أخذ عنق الغزيّل ... وسرق فم الحجيلا
واشتهر فى بر العدوة الجزائرى فى أزجاله المعروفة بالملاعب كقوله:
الأخلاق ضاقت من الأخلاق ... والغر فى توبى وهو فى الطاق
والمشارقة لهم بهذا الفن غرام، ويعرفونه بالبلّيقى، وأشهرها فى طريقته الخولى.
أنشدت له بمصر بليقى منه:
قد غنّت البلابل ... فوق الأشجار
فانهض وقم عاجل ... تجنى المصطار
انهب زمانك الآن ... وأوقاتك
ولا تزال نشوان ... فدنياتك
باكر لبنت الأدنان ... هى لذّاتك
[١ / ٢٦٥]
أما ترى الجدائل ... بين الأزهار مع شادن مغازل
أحوى سحّار
وما زال الملك الناصر يعانى طريقة الزجل كما عانى طريقة الموشح حتى صدرت له فيها محاسن منها قوله:
الربيع أقبل فواصل ... شربها فى كل موضع
والطرس فيها افن الأكياس ... والقطع اياك لا تقطع
والنسيم يسحب ذيول ... من نوّار على مجامر
[١ / ٢٦٦]
مصادر التحقيق
١- الإحاطة فى أخبار غرناطة: للسان الدين بن الخطيب- تحقيق محمد عبد الله عنان ط الخانجى- مصر ١٩٧٣
٢- اختصار القدح المعلى فى التاريخ المحلى: لابن سعيد الأندلسى- تحقيق ابراهيم الابيارى القاهرة- ١٩٥٩
٣- أزهار الرياض فى أخبار عياض: للمقرى التلمسانى ط. دار الكتاب ١٩٥٤
٤- الاستيعاب فى معرفة الأصحاب: لابن عبد البر- تحقيق محمد على البجاوى ط نهضة مصر. القاهرة
٥- الإصابة فى تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلانى ط. مصر ١٣٢٣ هـ
٦- الاعلام بما حل بمراكش من الأعلام: للشيخ العباسى بن ابراهيم المراكشى ط فاس ١٩٣٦ هـ
٧- أعمال الأعلام: للسان الدين بن الخطيب- تحقيق ل. بروفنسال ط. دار المكشوف- بيروت ١٩٥٦
٨- الأغانى: لأبى الفرج الأصفهانى- دار الكتب
٩- انباه الرواه على أنباه النحاة: للقفطى- تحقيق أبو الفضل ابراهيم دار الكتب المصرية ١٩٥٠
١٠- بغية الملتمس من تاريخ رجال أهل الأندلس: لابن عميرة الضبى الهيئة العامة للكتاب
١١- بغية الوعاة فى طبقات اللغويين والنحاة: للسيوطى- تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم ط. البابى الحلبى ١٩٦٥
[١ / ٢٦٧]
١٢- البيان المغرب: لابن عذارى المراكشى ط ليدن ١٩٤٨. ط بيروت دار صادر ١٩٥٠
١٣- تاريخ ابن خلدون (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر) ط. بولاق ١٢٨٤ هـ
١٤- تاريخ الأدب العربى: كارل بروكلمان ترجمة عبد الحليم النجار وآخرين دار المعارف
١٥- تاريخ الرسل والملوك: محمد بن جرير الطبرى- دار المعارف
١٦- تذكرة الحفاظ: لشمس الدين الذهبى- ط. حيدر أباد الدكن ١٩٥٥
١٧- التكملة لكتاب الصلة: لابن الأبار القضاعى- ط. مصر
١٨- التمثيل والمحاضرة: لأبى منصور الثعالبى- تحقيق د. عبد الفتاح الحلو ط. القاهرة ١٩٦١
١٩- التنبيه والاشراف: للمسعودى مصورة عن الطبعة الأوروبية مكتبة خياط.
بيروت ١٩٦٥
٢٠- جذوة القتبس: للحميدى- تحقيق محمد بن تاويت الطنجى ط. مصر ١٩٥٢
٢١- جيش التوشيح: للسان الدين بن الخطيب- تحقيق هلال ناجى ومحمد ماضور تونس ١٩٦٧
٢٢- الحلة السيراء: لابن الأبار القضاعى- تحقيق الدكتور حسين مؤنس ط. مصر ١٩٦٣
٢٣- خريدة القصر: قسم الشام للعماد الأصفهانى- تحقيق شكرى فيصل ط. دمشق ١٩٥٥ قسم مصر- تحقيق شوقى ضيف القاهرة ١٩٥١ قسم المغرب- تحقيق محمد المرزوقى وآخرين تونس ١٩٥٢
٢٤- خزانة الأدب: لعبد القادر البغدادى- تحقيق محمد عبد السلام هارون الهيئة العامة للكتاب
[١ / ٢٦٨]
٢٥- خطط المقريزى (المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار) ط. الأولى بولاق
٢٦- دار الطراز فى عمل الموشحات: لابن سناء الملك- تحقيق جودت الركابى.
دمشق ١٩٤٩
٢٧- ديوان ابن التعاويذى:- تحقيق مرجوليوث مصر ١٩٠٣
٢٨- ديوان ابن خفاجة:- تحقيق د. السيد مصطفى غازى دار المعارف مصر ١٩٦٠
٢٩- ديوان ابن دراج القسطلى:- تحقيق د. محمود على مكى دمشق ١٩٦١
٣٠- ديوان ابن الزقاق البلنسى:- تحقيق عفيفة محمود ديرانى دار الثقافة- بيروت
٣١- ديوان ابن زيدون:- تحقيق الأستاذ على عبد العظيم مصر ١٩٥٧
٣٢- ديوان ابن الساعاتى:- تحقيق أنيس المقدسى بيروت ١٩٣٩
٣٣- ديوان ابن سناء الملك- حيد أباد الدكن ١٩٥٨
٣٤- ديوان ابن سهل الأندلسى- دار صادر بيروت ١٩٦٧
٣٥- ديوان ابن شهيد: جمعه شارل بيلا- بيروت ١٩٦٣
٣٦- ديوان ابن قلاقس: مراجعة وضبط خليل مطران ط الجوائب القسطنطينية
٣٧- ديوان ابن هاني الأندلسى: تحقيق كرم البستانى. دار صادر بيروت ١٩٥٢
٣٨- ديوان أبى الحسن التهامى: الاسكندرية ١٨٩٣
٣٩- ديوان أبى فراس الحمدانى: جمع وتحقيق د. سامى الدهان ط بيروت ١٩٤٤
٤٠- ديوان الأعمى التطيلى:- تحقيق د. احسان عباس دار الثقافة. بيروت ١٩٦٣
٤١- ديوان أيدمر المحيوى: دار الكتب المصرية ١٩٣١
٤٢- ديوان بهاء الدين زهير:- بيروت ١٩٦٤
٤٣- ديوان تميم بن المعز:- دار الكتب المصرية ١٩٥٧
٤٤- ديوان الحاجرى:- ط. المطبعة الشرقية- القاهرة ١٣٠٥ هـ
٤٥- ديوان الشريف الرضى:- بيروت ١٩٦١
[١ / ٢٦٩]
٤٦- ديوان الشريف المرتضى:- القاهرة ١٩٥٨
٤٧- ديوان المعتمد بن عباد:- تحقيق أحمد أحمد بدوى وحامد عبد المجيد القاهرة ١٩٥١
٤٨- ديوان مهيار الديلمى:- دار الكتب المصرية
٤٩- دمية القصر وعصرة أهل العصر: للباخرزى تحقيق د. عبد الفتاح الحلو دار الفكر
٥٠- الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة: لابن بسام- ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر، والهيئة العامة للكتاب
٥١- ذيل الروضتين: لأبى شامة- القاهرة ١٩٤٧
(تراجم رجال القرنين السادس والسابع)
٥٢- الذيل والتكملة: لابن عبد الملك المراكشى- تحقيق إحسان عباس- دار الثقافة بيروت ٦٤- ١٩٦٥
٥٣- رايات المبرزين: لابن سعيد الأندلسى- تحقيق د. النعمان القاضى- المجلس الأعلى للشئون الاسلامية- ١٩٧٣
٥٤- الروض المعطار: لأبى عبد الله الحميرى- تحقيق ليفى برفنسال ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٣٧
٥٥- زيدة الحلب من تاريخ حلب:- تحقيق سامى الدهان دمشق ١٩٥١- ١٩٥٤
٥٦- السلوك لمعرفة دول الملوك: المقريزى- تحقيق د. محمد مصطفى زيادة لجنة التأليف والترجمة ١٩٤٢
٥٧- شذرات الذهب فى أخبار من ذهب: للعماد الحنبلى القاهرة ١٣٥٠- ١٣٥١ هـ
٥٨- صبح الأعشى: للقلقشندى- الطبعة الأولى
٥٩- الصلة: لابن بشكوال- القاهرة ١٩٥٥
[١ / ٢٧٠]
٦٠- طبقات الشافعية: للسبكى- ط. الحسينية القاهرة ١٣٢٤ هـ
٦١- طبقات النحويين واللغويين: للزبيدى النحوى- تحقيق محمد أبو الخضل ابراهيم. القاهرة ١٩٥٤
٦٢- العاطل الحالى والمرخص الغالى: لصفى الدين الحلى- نشر ولهلم هنرباخ. ط.
ويسبادن المانيا ١٩٥٥
٦٣- العقد الفريد: لابن عبد ربه- لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة
٦٤- عنوان المرقصات والمطربات: لابن سعيد الأندلسى ط. جمعية المعارف ١٢٨٦ هـ
٦٥- عيون الأنباء فى طبقات الأطباء: لابن أبى أصيبعة- المطبعة الوهبية مصر ١٣٠٠ هـ
٦٦- الغصون اليانعة فى محاسن شعراء المائة السابعة: لابن سعيد الأندلسى- تحقيق الأستاذ ابراهيم الابيارى دار المعارف مصر
٦٧- فوات الوفيات: لابن شاكر الكتبى- تحقيق د. احسان عباس.
دار صادر بيروت
٦٨- قضاة قرطبة: لأبى عبد الله الخشنى- ط. القاهرة الهيئة العامة للكتاب
٦٩- قلائد العقيان: للفتح بن خاقان- بولاق ١٢٨٣
٧٠- كتاب الروضتين: لأبى شامة- تحقيق محمد حلمى محمد أحمد القاهرة ١٩٦٢
٧١- مرآة الجنان: لأبى محمد اليافعى- حيد أباد الدكن ١٣٣٩ هـ
٧٢- مرآة الزمان فى تاريخ الأعيان: لابن سبط بن الجوزى- حيد أباد الدكن ١٩٥١- ١٩٥٢
٧٣- مروج الذهب: للمسعودى- تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد ١٩٥٨
٧٤- المزهر: للسيوطى- تحقيق أبى الفضل ابراهيم وآخرين ط. الحلبى- القاهرة
٧٥- مصارع العشاق: لأبى محمد السراج القاري- دار صادر بيروت ١٩٥٨
٧٦- المعارف: لابن قتيبة- ط. الاسلامية ١٣٥٣ هـ
[١ / ٢٧١]
٧٧- المطرب من أشعار أهل المغرب: لابن دحية- تحقيق ابراهيم الابيارى وآخرين القاهرة ١٩٥٤
٧٨- المعجب فى تلخيص أخبار المغرب: لعبد الواحد المراكشى- تحقيق محمد سعيد العريان ط. القاهرة ١٩٦٣ هـ
٧٩- معجم الأدباء: لياقوت الحموى- تحقيق مرجو ليوث مطبعة هندية- القاهرة ١٩٢٣
٨٠- المغرب فى حلى المغرب: لابن سعيد الأندلسى القسم الأندلسى- تحقيق د. شوقى ضيف دار المعارف ١٩٥٥ القسم المصرى- الجزء الأول. تحقيق محمد زكى حسن وآخرين، ط. جامعة القاهرة ١٩٥٣
القسم المصرى- بعنوان «النجوم الزاهرة فى حلى حضرة القاهرة» - تحقيق د. حسين نصار دار الكتب المصرية ١٩٧٠
٨١- مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب: لابن واصل- تحقيق د. جمال الدين الشيال- القاهرة ١٩٥٣- ١٩٦٠
٨٢- المقتبس فى تاريخ رجال الأندلس: لأبى حيان الأندلسى الهيئة العامة للكتاب- القاهرة
٨٣- مقدمة ابن خلدون:- تحقيق د. على عبد الواحد وافى. النهضة المصرية ١٩٥٧- ١٩٦٢
٨٤- المؤنس فى تاريخ افريقيا وتونس: لابن أبى دينار- تونس ١٩٦٧
٨٥- النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة: لابن تغرى بردى دار الكتب المصرية
٨٦- نظم الجمان: لابن القطان- تحقيق د. محمود مكى (من منشورات جامعة محمد الخامس بالرباط. ط المطبعة المهدية)
٨٧- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب: للمقرى التلمسانى- تحقيق د.
احسان عباس بيروت ١٩٦٨
[١ / ٢٧٢]
٨٨- الوافى بالوفيات: للصلاح الصفدى (من سلسلة النشرات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمانية ١٩٣١- ١٩٥٩)
٨٩- الورقة: لابن الجراح- تحقيق عبد الوهاب عزام وعبد الستار فراج دار المعارف- مصر ١٩٥٣
٩٠- وفيات الأعيان: لابن خلكان- تحقيق د. احسان عباس دار الثقافة- بيروت
٩١- يتيمة الدهر: للثعالبى- تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد القاهرة ١٣٧٥- ١٣٧٧
مراجع أخرى
٩٢- ابن سعيد المغربى- المؤرخ، الرحالة، الأديب للأستاذ محمد عبد الغنى حسن- مكتبة الانجلو المصرية- القاهرة ١٩٦٩
٩٣- تاريخ النقد الأدبى عند العرب: د. احسان عباس- دار الرسالة بيروت
٩٤- تاريخ الأدب الأندلسى: د. احسان عباس دار الثقافة بيروت
٩٥- ابن خلدون والأدب: د. عبد العزيز الأهوانى منشورات المركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية- القاهرة ١٩٦٢
٩٦- مجلة الأندلس [مجلة الدراسات العربية فى مدريد وغرناطة]
٩٧- معجم الأنساب والأسرات الحاكمة فى الاسلام.- زامباور
[١ / ٢٧٣]
الفهارس
١- الأعلام ٢٨٣- ٢٩١
٢- شعر القصيد ٢٩٢- ٢٩٧
٣- شعر الدوبيت والمربعات والمخمسات ٢٩٨- ٢٩٩
٤- كان وكان ٣٠٠
٥- المواليا ٣٠١- ٣٠٢
٦- الموشحات ٣٠٣
٧- الأزجال ٣٠٤
٨- آيات القرآن الكريم ٣٠٥
٩- الحديث الشريف ٣٠٦
١٠- ثبت بالمحتوى ٣٠٦- ٣١٠
[١ / ٢٨١]
الطبقة الأولى: من النثر والتقصير
البخارى «١»: إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة وحكما نوح: الصبر سجن المسرة داود: من بلغ السبعين اشتكى من غير علة سليمان: ليكن أصدقاؤك كثيرا وليكن صاحب سرك منهم واحدا من ألف المسيح: يباعدك من غضب الله ألا تغضب، صلى الله على سيدنا محمد وعليهم.
الصديق: صنائع المعروف تقى مصارع السوء الفاروق: لأن أجد فى بيتى أفعى جاربة «٢» خير من أن أجد عجوزا لا أعرفها ذو النورين «٣»: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن على أبو السبطين «٤»: من آيقن بالخلف جاء بالعطية الحسن: حسن السؤال نصف للعلم الحسين: صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فأكرمه عن ردك
[١ / ٤٩]
عبد الله بن الحسن بن الحسن: من أعظم الخطأ العجلة قبل الامكان، والأناة بعد الفرصة.
ابنه محمد القائم على المنصور: لا يحمل أمير القوم إلا إذا أيقن بالموت محمد العيص بن عبد الله بن الحسن بن عبد الله المذكور: العافية هى الملك الهنىّ، وطلب الملك هو الموت الوحى «١» إسماعيل السفاك بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله المذكور: قتال الأعداء المخالطين أولى من قتال الأعداء المنابذين.
محمد بن صالح بن موسى بن عبد الله المذكور: أفرّ من الجفون وأكرّ فى الحرب الزبون محمد بن أبى جعفر بن أبى هاشم من ولد موسى بن عبد الله: إذا صادف معروف محله، ينبغى لك أن تعد ذلك من نعم الله عليك سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الذى فر من وقعة فخ «٢» إلى المغرب:
إنما أحسب روحى بعد وقعة فخ ربحا، وأبخل التجار يخاطر بالربح الحسين قتيل فخ، ابن على العابد بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى: من طلب المعالى لا يرهب العوالى.
إبراهيم الغمر بن الحسن بن الحسن السبط: من تمنى اختلاف الدّول بلى بالندم على الأول محمد بن طباطبا من ولد إبراهيم الغمر القائم فى زمان المأمون، قال لأبى السرايا:
أوصيك أن تستتم الغضب لربك ولا تقدم إقدام متهور، ولا تضطجع اضطجاع متهاون.
[١ / ٥٠]
يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى القائم بصعدة وهو من ولد طباطبا: لا تعجلوا بالجواب قبل أن تنتهوا إلى أعقاب الخطاب.
أبو الحسن الأصبهانى محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن طباطبا: ما كاتبتك معارضا ولا مقارضا لكن ليقال جاوبه ابن المعتز.
أبو الفتوح بن جعفر السليمانى من ولد سليمان بن داود بن الحسن المثنى: إن من عقوق جدنا علىّ وصفه بالعجز عن الخلافة والنيل من قوم ارتضى تغريمهم زيد الجواد بن الحسن بن الحسن: من جاد بماله بخل بعرضه، ومن بخل بماله جاد بعرضه.
الحسن بن زيد بن محمد بن زيد الجواد: من أراد الشهرة فليزهد فى العواقب.
زين العابدين على بن الحسن: إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم.
ابنه الباقر محمد: صلاح من جهل الكرامة فى هوانه الكاظم موسى بن جعفر الصادق بن الباقر: أتصحبوا من كان أحسن يوميه عنده شرهما زيد بن زين العابدين: المروءة إنصاف من دونك، والسمو إلى من فوقك الشرف الحسينى البلخى: من قصرّ حسامك عن حسامه فلا تسامه معاوية أول خلفاء بنى أمية: من طلب عظيما خاطر بعظيمته.
ابنه يزيد: إن من غلب أبوه عليّا وغلب هو الحسين لغلاب عمر بن عبد العزيز: التقىّ ملجم السفاح أول الخلفاء العباسيين: الأناءة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
المنصور: إذا مدّ عدوك يده إليك فاقطعها إن أمكنك وإلا قبّلها
[١ / ٥١]
المهدى أعدل الناس من أنصفهم من نفسه، وأجورهم من ظلمهم لغيره.
الهادى: من لى بحياة لا تنقطع وملك لا يسلب وشباب لا يبلى المأمون: لو علم الناس مقدار لذتنا بالعفو/ لتقربوا إلينا بالذنوب المعتصم: إذا نصر الهوى بطل الرأى الوائق: من أحب أن يتقرب إلينا فلا يقل ولا يدل المستعين: الدنيا مومس استمتع بها ولا تتخذ منها نسلا المعتز: الملك فى الشباب بخ على بخ المعتمد: إذا عدم أهل التفضل هلك أهل التحمل المعتضد: لا أحب أن أهب قليلا ولا تحتمل الحال التى دفعت إليها الكثير المكتفى: الخمول مع الصحة خير من النباهة مع العلة المقتدر: لم يملكنا الله الدنيا لننسى نصيبا منها، ولا أن نضيّق على من فى ظلالنا المطيع: طول العمر فى الملك فوق كل لذة الطائع: اختلاف الدول هو العذاب الأليم فى الدنيا المستظهر: لا أخذ الله بيد من أراد العزّ بذلّ غيره الراشد: فتح قرية بسيف خير من فتح إقليم بانقياده المقتفى: المبغض المجاهر عندى خير من المحب المداهن المستنجد: الخديم السوء الكافى لى المسهّل، يجمع المكاره معا ويحمل لمنفعته.
ابن المعتز: النمام جسر الشر
[١ / ٥٢]
الطبقة الثانية: من النثر القصير
[الرسول عليه السلام] «١»: ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت إدريس عليه السلام: تحتمل الملوك كل شىء إلا ثلاثة أشياء:
إفشاء السر، والقدح فى الدول، والتعرض للحرم قال سليمان بن وهب «٢»: ما انتفعت بشيء فى حق خدمة الملوك وحق نفسى إلا بمثل قول الإدريس عليه السلام. وأورد ما تقدم. وقوله:
[إدريس عليه السلام] «٣»: إياك وخدمة من شبع من الرئاسة وملّ من السياسة، فإنه يرى كبير ما تصنعه فى حقه صغيرا، وصغير ما يصنعه فى حقك كبيرا.
داود عليه السلام: لا تستبدلن بأخ لك قديم أخا مستفادا ما استقام لك، ولا تستقل أن يكون لك عدوّ واحدا [و] «٤» لا تستكثر أن يكون لك ألف صديق.
المسيح عليه السلام: لا ينبغى للسلطان أن يغضب، إنما يأمر فيطاع، ولا ينبغى له أن يعجل فليس يفوته شىء ولا ينبغى أن يظلم فإنما يدفع الظلم به. صلى الله على سيدنا محمد وعليهم.
[١ / ٥٣]
الصديق رضي الله عنه «١»: إن أقواكم عندى الضعيف حتى أعطيه حقه، وإن أضعفكم القوى حتى آخذ له بحقه.
الفاروق رضي الله عنه: عليكم بإخوان الصدق تعيشوا فى أكنافهم فإنهم زينة فى الرخاء وعدة للبلاء.
ذو النورين رضي الله عنه: رؤية القبر مبكية، لأنه أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا، فمن شدّد عليه فما بعده أشد، ومن هوّن عليه فما بعده أهون.
أبو السبطين «٢» رضي الله عنه: لا خير فى صحبة من إذا حدثك كذبك، وإذا حدثته كذّبك، وإن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك اتهمك، وإن أنعمت عليه كفرك، وإن أنعم عليك منّ عليك.
معاوية: ثلاثة ما اجتمعت فى حر: مباهتة الرجال والغيبة للناس والملال لأهل المودة. رضي الله عنهم أجمعين.
يزيد: أمس شاهد فاحذروه، واليوم مؤدب فاعرفوه، وغد رسول فاكرموه، وكونوا على حذر من هجوم الأجل.
عبد الملك: السياسة هيبة الخاصة مع مودتها، ورهبة العامة من الإتصاف واحتمال هفوات الصنائع.
الوليد: والله لأجمعن المال جمع من يعيش أبدا ولأفرّقنه تفريق من يموت غدا
[١ / ٥٤]
سليمان: قد أكلنا الطيب وركبنا الفاره وامتطينا العذراء فلم تبق لى لذة إلا صديق تسقط بينى وبينه مئونة التحفظ.
عمر: ما أطاعونى فيما أردت من أمور الآخرة حتى بسطت لهم طرفا من الدنيا باعوا به دينهم.
هشام: إن خالد بن صفوان «١» أدلّ فأمل، وأوجف فأعجف، ولم يترك لأوبة مرجعا ولا لصلح موضعا.
الوليد: لم أر أحلى من جنى عافية الصبر لولا مرارة ما أنفقت عليه من العمر، وقطعت فيه من مسافة التسويف.
السفاح: إن القدرة تصغر الأمنية/ لقد كنا نستكثر أمورا نستقلها لأخير أصحابنا المنصور: ليس العاقل من يتحرز من الأمر الذى يقع فيه حتى يخرج منه، إنما العاقل يتحرز من الأمر الذى يقع فيه، يخشاه حتى لا يقع فيه.
الرشيد: لا تتكل على أن تقول كان أبى الرشيد، واعمل ما يتكل عليه من يقول كان أبى المأمون.
المأمون: إياكم والوقوع فى الملوك بحضرتنا وإن كانوا مباينين لنا، فإن المرتبة نسب تجمع أهلها، فشريف العرب أولى بشريف العجم.
المتوكل: إذا خرج توقيعى إليك بما فيه مصلحة للناس فأنفذه ولا تراجعنى فيه، وإذا خرج بما فيه حيف
[١ / ٥٥]
على الرعية فراجعنى فإن قلبى بيد الله عز وجل المنتصر: لذة العفو أهيب من لذة التشفى، لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفى يلحقها ذم الندم.
الراضى: الذل صعب، وأصعبه ما جرى على الملوك والبخل قبيح وأقبحه ما جرى من الملوك.
المستكفى: من يذل الملوك قتلوه، ومن يظهر الاستغناء عنهم أخملوه، ومن يكذب عندهم حقروه.
القائم: كنت لا أحفل بشكوى الغريب لأنى لا أتوقع ذلك حتى بليت بالغربة فصرت لا أرحم إلا الغريب.
المقتدى: طراز الدنيا المال،/ وطراز الأخرى الأعمال، ومن جمع بين الطرازين حاز النعيم المنصرم والنعيم الدائم.
الراشد: أحق الناس بالذم الملوك لأنهم أقدر الناس على اكتساب المكارم واجتناب الرذائل.
المستنجد: عملت حساب لذتى قبل الخلافة، فما وصلت إلىّ حتى قضيت نهمتى من الأمور التى لا تليق بها.
المستضىء: من تعرض لطلب ما لم يعط، فقد عرّض عقله للتهمة ونفسه للتعب.
ومن أولاد الخلفاء العباسيين ابن المعتز: احذر منزلتك من الفساد عند سلطانها بمثل ما اكتسبتها به من الجد والمناصحة، واحذر أن يحطك التهاون عما رقاك إليه التحفظ.
[١ / ٥٦]
ومن العلويين:
عبد الله بن الحسن به المثنى: الكامل العقل يرى الرأى بعدما يفكر، والناقص العقل لا يراه بديهة ولا بعد أن يفكر.
أبو فليتة «١» أمير مكة من ولد عبد الله المذكور: إنى وجدت الرقاب ثلاثا: رقبة ملكتها بالمنن، ورقبة ملكتها بالصفع، ورقبة لم ينفع فيها إلا السيف
[١ / ٥٧]
الطبقة الثالثة: من النثر القصير
البخارى: الكذب غير جائز على ابن آدم إلا فى ثلاث خصال:
رجل كذب امرأته ليرضيها، ورجل كذب فى خديعة حرب ورجل كذب بين امرأين مسلمين ليصلح بينهما «١» .
المسيح: صلى الله على نبينا وعليه:/ العبر ثلاثة: المنطق والنظر والصمت، فمن كان منطقه فى غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره فى غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته فى غير فكر فقد لها عمر رضي الله عنه: من أفضل ما أعطيت العرب الأبيات يقدمها الرجل بين يدى حاجته فيستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم، والشعر أدنى مروّة الشريف وأعلى مروّة الوضيع.
على رضي الله عنه: أوصيكم بأربع، لو ضربتم إليها آباط الابل كنّ لها أهلا. لا يرجونّ أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحى أحد إذا لم يعلم الشىء أن يتعلمه.
معاوية: لا تستفسد الحرّ فسادا لا تصلحه أبدا، وذلك بأن لا تشتم له عرضا، ولا تضرب له ظهرا، فإن الحر لا ترضيه الدنيا عوضا عن هذين، ولكن خذ ماله، ومتى شئت أن تصلحه فمال بمال.
[١ / ٥٨]
عبد الملك: تفقّد كاتبك وحاجبك وجليسك فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك السفاح: ما أعدكم شيئا ولا أوعدكم إلا وفّيت: بالوعد والإيعاد. والله لأعملن اللين حتى لا تنفع إلا الشدة.
ولأغمدنّ سيفى إلا فى إقامة حد أو بلوغ حق، ولأعطينّ حتى أرى العطية ضياعا «١» .
المنصور: اسمع من أهل التجارب ولا تردنّ على ذوى الرأى من ثقاتك النصيحة فتمنعها لرهبتهم منك [وأنت] «٢» أحوج ما تكون إليها ثم لا تكون لك عليهم حجة.
عبد الله بن الحسين بن الحسن: احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان غاشّا، فيوشك أن يورطك الجاهل بمشورته، فيسبق إليك مكر العاقل، وتورط الجاهل محمد [الباقر] «٣» بن زين العابدين: إن الله خبّأ رضاه فى طاعته، فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه فى خلقه، فلا تحقرن أحدا فلعل ذلك الولىّ.
ابنه جعفر الصادق: أهلك الله ستة بستة، الولاة بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق «٤» بالجهل، والفقهاء بالحسد.
[١ / ٥٩]
على الرضا بن الكاظم بن الصادق: الزاهد متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته، غائب عن الناس وهو فيهم حاضر، مع ما قدم من عمله، وهو غائب عنه، يحاسب نفسه ويرجو ربّه.
محمد بن الحنفية: أشد الناس زهدا من لا يبالى بالدنيا فى يد من كانت وأخسر الناس صفقة من باع الباقى بالفانى، وأعظم الناس قدرا من لا يرى الدنيا قدرا لنفسه.
عبد الله بن جعفر: يا بنيّة، إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك والمعاتبة فإنها تورث الضغينة، وعليك بالزينة، واعلمى أن أزين الزينة الكحل، وأطيب الطّيب الماء «١» .
عبد الملك بن صالح العباسى: قال لأمير غزاه: اعلم لتك مضارب الله لخلقه، فكن بمنزلة التاجر الكيّس إن وجد ربحا وإلا احتفظ برأس المال، وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرا من احتياله عليك.
مسلمة بن عبد الملك بن مروان «٢»: لا أزال فى فسحة من أمر الرجل حتى أصطنع عنده يدا، فإذا اصطنعتها لم يكن لى همّ إلا ربّها، فإن ربّ الصنائع عند الأحرار أصعب من ابتدائها.
سعيد بن العاص بن أمية «٣»: الولاية نظهر المحاسن والمساوئ، وقلما شاتمت
[١ / ٦٠]
مذ كنت رجلا لأنى لا أشاتم إلا أحد رجلين، إما كريما فأنا أحق أن أحتمله، وإما لئيما فأنا أولى من ترفع نفسه عنه.
زياد «١»: إن تأخير جزاء المحسن لؤم، وتعجيل عقوبة المسىء دناءة، والتثبت فى العقوبة ربما أدى إلى سلامة منها، وتأخير الإحسان ربما أدى إلى ندم لم يمكن صاحبه أن يتلافاه الحجاج: إن امرأ أتت عليه [ساعة] «٢» من عمره ولم يذكر بها ربه ولم يستغفر من ذنبه، ولا أفكر فى معاده لجدير أن تظهر له/ حسرته يوم القيامة.
أبو مسلم «٣»: كان أقوى الأسباب فى خروج دولة بنى أمية عنهم كونهم أبعدوا أولياهم ثقة بهم وأدنوا أعداءهم تألفا لهم، فلم يصر العدو بالدّنو صديقا وصار الصديق بالبعد عدوا
[١ / ٦١]
الطبقة الرابعة: من النثر القصير
البخارى: من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة «١» .
المسيح صلى الله على نبينا محمد وعليه: يا بنى إسرائيل، لا تكلمّوا بالحكمة عند الجهّال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم يا بنى اسرائيل، الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبوه، وأمر أختلف فيه فردوه إلى الله عز وجل.
الفاروق رضي الله عنه: كتب إلى معاوية رحمه الله: أما بعد، فإنى لم لم آلك فى كتابى إليك ونفسى خيرا، إياك والاحتجاب، وإيذن للضعيف وأدنه ينبسط لسانه ويجترىء قلبه، وتعهد الغريب فإنه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقه وضعف قلبه وإنما أبطل حقه من حبسه «٢» .
ذو النورين رضي الله عنه: إنى والله ما أتيت الذى أتيت وأنا أجهله، ولكن منعتنى نفسى، وأضلتنى رشدى وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تعادوا فى الباطل»، وأنا أول من اتعظ واستغفر الله،
[١ / ٦٢]
فأشيروا علىّ فإنه لا يردنى الحق إلى شىء إلا صرت إليه «١» .
أبو السبطين رضي الله عنه «٢»: لقد أفسدتم على رأيى بالعصيان، وملأتم جوفى غيظا حتى قالت قريش: ابن أبى طالب رجل شجاع ولكن لا رأى له فى الحرب، ولله درهم، من ذا يكون أعلم بها منى، والله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيّفت اليوم على الستين ولكن لا رأى لمن لا يطاع.
الحسين رضي الله عنه: إن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملّوا النعم فتحور نقما، إن المعروف مكسب حمدا، ومعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا، رأيتموه حسنا جميلا، يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب والأبصار.
الصادق «٣»: الصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذى حسب أو دين، والله ينزل الرزق على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن أيقن بالخلف جاء بالعطية، ولو أراد الله بالنحلة خيرا ما أنبت لها جناحين.
الرضى: القناعة تجمع إلى صيانة النفس وعز القدر طرح مؤن الاستكثار والتعبد لأهل الدنيا، ولا يسلك
[١ / ٦٣]
طريق القناعة إلا رجلان: إما متقلّل يريد أجر الآخرة، أو كريم يتنزه عن لئام الناس.
العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب؛ قال فى تعزية:
إنى لم آتك شاكا فى عزمك. ولا زائدا فى علمك ولا متهما بعهدك، ولكنه حق الصديق، وقول الشفيق. واستبق السلوة بالصبر، وتلقّ الحادثة بالشكر، يحسن لك الذخر، ويكمل لك الأجر.
عبد الله بن جعفر بن أبى طالب: عليك بصحبة من أن صحبته زانك، وإن خفضت له صانك، وإن احتجت إليك عانك، وإن رأى منك خلة سدّها، أو حسنة عدها، وإن كثرت عليه لم يرفضك، وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتدأك ابن عباس: لا يزهدنك فى المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه، وإنى والله ما رأيت أحدا أسعفته فى حاجة إلا أضاء ما بينى وبينه، ولا رأيت أحدا رددته عن حاجة إلا أظلم ما بينى وبينه.
ابنه [علىّ] «١»: من لم يجد مسّ نقص الجهل فى عقله، وذلة المعصية فى قلبه، ولم يستبن موضع الخلة فى لسانه عند كلال حدّه عن حد خصمه، فليس ممن ينزع عن ريبه، ولا يرغب عن حال معجزة ولا يكترث لفضل ما بين حجة وشبهة.
[١ / ٦٤]
السديد منصور بن نوح صاحب بخارى «١»: لابد للملك بعد الغلمان والخدم والأولياء والوزير والكاتب والولاة والعمال من فقهاء يحفظون دينه، وأطباء يتعاهدون صحته، وندماء يجلبون أنسه، ومطربين يغذون روحه، وأدباء وشعراء يخلدون ذكره.
أبو الحسن بن سمجور صاحب خراسان «٢»: ينبغى للملك أن يبنى أمره مع عدوه على أربعة أوجه: اللين والبذل والكيد والمكاشفة، ومثل ذلك الجرح الذى أوله التسكين فإن لم ينفع فالانضاج والتخليل، فإن لم ينفع قسط «٣» فإن لم يغن فالكى وهو آخر الدواء.
سبكتكين صاحب غزنة «٤»: أنا أبنى أمرى على ستة: تجنب الكسل، وكتمان السر، وجمع المال من وجهه، وبذله فى حقه، ورفع الوضيع الذى لا يعرف بعد الله أحدا غيرى، وبث الجواسيس فى تعرف أوليائى وأعدائى.
[١ / ٦٥]
الخميلة الثانية المشتملة على النثر المتوسط
الطبقة الأولى: من نثر الدر
قال رسول الله ﷺ: ألا أخبركم بأحبكم إلىّ وأقربكم منى مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إلىّ، وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة، الثرثارون المتفيقهون المتشدقون. ألا أخبركم بشراركم، من أكل وحده ومنع رفده وضرب عبده. ألا أخبركم بشر من ذلكم، من يبغض الناس ويبغضونه. «١»
الصديق رضي الله عنه: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة فى الحال التى يؤمن فيها الكافر ويتقى الغاجر.
إنى استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك به ورأبى فيه، وإن جار وبدل فلا علم لى بالغيب والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون «٢» .
الفاروق رضى الله: إنى خبرت الرجال فوجدتهم ثلاثة. رجل ينظر فى الأمور قبل أن تقع فيصدرها مصادرها، ورجل متوكل لا ينظر. فإذا نزلت به نازلة شاور
[١ / ٦٧]
أهل الرأى وقبل قولهم، ورجل حائر بأمر لا يأمر رشدا ولا يطيع مرشدا، فهو من الهالكين الذين أسرتهم أهواؤهم وأوبقهم شهواتهم.
أبو السبطين رضي الله عنه: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله ﷺ كانتفاعى بكلام على عليه السلام.
كتب إلىّ: أما بعد، فإن المرء يسره درك ما لم يكن يفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما أدركته من أمر أخراك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما أتاك من الدنيا فلا تكن فيه مرحا فرحا، وما فاتك فلا تكن عليه جزعا. وليكن همك لما بعد الموت والسلام.
معاوية رضي الله عنه «١»: قال عند قدومه المدينة فى خطبة: أما بعد، فإنا قد قدمنا على صديق مستبشر وعدو مستنسر «٢»، وناس بين ذلك ينظرون وينتظرون فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولست أسع الناس كلهم، فإن تكن محمدة فلا بد من لائمة، فليكن لوما هونا، إذا ذكر غفر، وإياكم والعظمى التى إن ظهرت أوبقت، وإن خفيت أكمدت.
[١ / ٦٨]
يزيد: كتب لأهل المدينة «١»: أما بعد، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وإنى والله لقد لبستكم فأخلقتكم، ورفقت بكم فأخرقتكم، ثم وضعتكم على رأسى ثم على عينى ثم على فمى ثم على بطنى، وأيم الله لئن وضعتكم تحت قدمى لأطأكم وطأة أقل بها عددكم وأذل بها غابركم، وأترككم أحاديث تنسخ فيها أخباركم مع أخبار عاد وثمود.
ابنه معاوية: أما بعد، أيها الناس، فإن هذه الخلافة حبل الله نازعها يزيد بن معاوية ابن بنت رسول الله ﷺ فنضب عمره، وانبتر عقبه، وإنى لم أذق حلاوتها، ولا أتقلد لكم مرارتها.
فدونكم وإياها متروكة ذميمة.
عبد الملك «٢»: خطب بالمدينة فقال: يا معشر قريش، وليكم عمر بن الخطاب فكان مغلظا لكم مضيّقا عليكم فسمعتم له وأطعتم، ثم وليكم عثمان فكان سمحا كريما فقتلتموه، وبعثنا إليكم مسلما «٣» فقتلكم يوم الحرة، فنحن نعلم أنكم لا تحبوننا أبدا وأنتم تذكرون يوم الحرة، ونحن لا نحبكم أبدا ونحن نذكر مقتل عثمان.
المنصور «٤»: بعد قتل أبى مسلم: أما بعد، أيها الناس، فإنه
[١ / ٦٩]
من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه خبء هذا العمل، وإن عبد الرحمن بايعنا وبايع لنا، على أنه نكث بنا فقد حل دمه. ثم نكث بنا فحكمنا فيه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحد عليه.
الرشيد: وقد شغب الجند ثم سكتوا بعد إيقاع بهم:
أما بعد، فقد كان لكم ذنب ولنا عتب، وكان منكم اصطلام ومنا انتقام، وعندى بعد هذا لكم التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين والاحسان إلى المحسنين، والتغمد لإساءة المسيئين، ولا يكفر لكم بلاء، ولا يحبس عنكم عطاء، وعلىّ إن شاء الله بذلك الوفاء.
الأمين: كتب إلى طاهر وهو محاصر له: أما بعد، فإن الأمر خرج بينى وبين أخى إلى هتك الستور، وكشف الحرم. ولست آمن أن يطمع فى هذا الأمر السحيق البعيد لشتات ألفتنا واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لى أمانا لأخرج إلى أخى به، فإن تفضل على فأهل ذلك، وإن قتلنى فمروة كسرت مروة، «١» وصمصامة قطعت صمصامة، ولأن تقهر سنّى السبع أحب إلىّ من أن تنبحنى الكلاب.
[١ / ٧٠]
الطبقة الثانية: من النثر المتوسط من الكوكب الدرى.
قال رسول الله ﷺ: سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وقلب نشأ فى عبادة الله، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا فى الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته ذات حسن وجمال فقال إنى أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه «١» .
على رضي الله عنه: فى خطبة «٢»: أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، كلامكم يوهى الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، تقولون فى المجالس كيت وكيت، فإذا جاء القتال قلتم حياد حياد، ما عزّت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل، أى دار بعد داركم تمنعون، أم مع أى إمام بعدى تقاتلون، المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب.
عبد الله بن معاوية الجعفرى «٣»: أما بعد فقد عاقنى الشك فى أمرى عن عزيمة الرأى فيك، ابتدأتنى بلطف من غير خبرة، ثم أعقبتنى جفاء من غير ذنب، فأطمعنى أولك فى إخائك، وأيأسنى آخرك من وفائك، فلا أنا فى غير الرجاء مجمع لك اطراحا، ولا أنا فى غد وانتظارى منك [على ثقة] «٤» فسبحان من
[١ / ٧١]
لو شاء كشف بإيضاح الرأى عن عزيمة الشك «١» فيك، فأقمنا على إئتلاف وافترقنا على اختلاف.
داود بن على العباسى «٢»: خطب فى أول دولتهم بعد مقتل مروان فقال:
شكرا شكرا، إنا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرا، ولا لنبنى قصرا، أظنّ عدو الله أن لن نظفر به، أرخى له فى زمامه حتى عثر فى فضل خطامه، فالآن عاد الأمر فى نصابه، وطلعت الشمس من مطلعها، والآن أخذ القوس باريها، وعادت النبل إلى النزعة، ورجع الحق إلى مستقره، فى أهل بيت نبيكم ﷺ، أهل الرأفة والرحمة، وإن الملك لفرع نبعة نحن أفنانها، وذروة هضبة نحن أركانها.
أخوه سليمان»
: قال فى خطبته: ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون. قضاء فصل، وقول مبرم. فالحمد لله الذى صدق وعيده، وأنجز وعده. وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرما، والدين هزؤا، والفىء إرثا، والقرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزءون فكأيّن ترى من بئر معطلّة، وقصر مشيد، ذلك بما قدمت أيديهم. وما الله بظلام للعبيد.
ابن أخيه العباس بن محمد «٤»: قال لمعلم ولده: إنى قد كفيتك أعراقهم.
[١ / ٧٢]
فاكفنى آدابهم، اغذهم بالحكمة فإنها ربيع القلوب، وفقّهم النسب والخبر فإنه أفضل علم الملوك، وأيدهم بكتاب الله تعالى فإنه قد خصهم ذكره، وعمهم رشده، وكفى بالمرء جهلا أن يجهل فضلا عن أحد، وخذهم بالإعراب فإنه مدرجة البيان، وفقهم فى الحلال والحرام فإنه حارس من أن يظلموا، ومانع من أن يظلموا.
ابن أخيه عيسى بن موسى «١»: كتب لعمه المنصور حين هدده أهل خراسان بالقتل إن لم يخلع نفسه من العهد: «٢» لو سامنى غيرك ما سمتنى يا أمير المؤمنين لما استنصرتك عليه، ولا استشفعت بك إليه حتى يقر الحزم قراره، وينزل الحق منزله. ونحن أول دولة يستن بعملنا، وينظر إلى ما اخترناه منها، وقد استعنتك على قوم لا يعرفون الحق معرفتك، ولا يلاحظون العواقب ملاحظتك، فكن لى عليهم نصيرا، ومنهم مجيرا، يجزك الله خير جزائه عن صلة الرحم، وقطع الظلم إن شاء الله.
ابن عمه عبد الملك بن صالح «٣»: كتب للرشيد مع فاكهة فى أطباق خيزران:
أسعدك الله يا أمير المؤمنين وأسعد بك. دخلت بستانا لى، أفادنيه كرمك، وغمرته لى نعمتك، وقد أينعت أشجاره، وأتت ثماره، فوجهت إلى أمير المؤمنين كل شىء شيئا على الثقة والإمكان، فى أطباق قضبان، ليصل إلىّ من بركة دعائه مثل ما وصل إلىّ من بركة عطائه، فهو أهل لكل إحسان وكل امتنان، وكنا بالقضبان عن الخيزران. فاستحسن الرشيد ذلك، إذ اسم امه الخيزران.
[١ / ٧٣]
عمرو بن سعيد «١»: كتب إلى عبد الملك بن مروان: استدراج النعم إياك أفادك البغى، ورائحة القدرة أورثتك الغفلة، فزجرت عما واقعت مثله، وندبت إلى ما تركت سبله ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطالب، ما انتقل سلطان، ولا ذل عزيز، وعزّ ذليل، وعما قليل، تتبيّن من صريع بغيه، وأسير غفلته والرحم تعطف على الإبقاء عليك مع أخذك «٢» ما غيرك أقوم به منك.
[١ / ٧٤]
الطبقة الثالثة: من النثر المتوسط من الكمائم
أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بمكة حين دعا قومه قال فيها بعد أن حمدا لله وأثنى عليه «١»: إن الرائد لا يكذب أهله. والله لو كذبت الناس ما كذبتكم، ولو غررت الناس ما غررتكم، والله إنى لرسول الله إليكم حقا وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، وتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزونّ بالاحسان إحسانا، وبالسوء سوءا وإنها للجنة أبدا، والنار أبدا، وإنكم لأول من أنذر، بين يدى عذاب شديد.
الصديق رضي الله عنه: قال فى وصيته ليزيد بن أبى سفيان حين أنفذه إلى الشام «٢»: إذا قدمت على أهل عملك فعدهم الخير، وإذا وعدت فأنجز.
ولا تكثر عليهم الكلام فإن بعضه ينسى بعضا، وأصلح نفسك يصلح الناس لك، إذا قدم عليك رسل عدوك فأكرم مثواهم فإنه أول خبرك إليهم، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك محادثتهم، ولتكن أنت الذى تلى كلامهم، ولا تجعل سرك مع علانيتك فتمزج أمرك.
عمر رضي الله عنه: لما بعث سعد بن أبى وقاص لحرب الفرس قال له: أوصيك بعشر خصال: لا تقتل امرأة ولا وليدا ولا فانيا، ولا تقطع شجرة بثمرة.
ولا تعقر شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا ما أكلتهم؛ لا تحرق نخلا ولا كرما، ولا تخرب عامرا، ولا تتهور ولا تجبن. وإذا دخلت أرض العدو فإنك ستجد قوما حبسوا أنفسهم لله، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجد قوما فحصوا عن أوساط
[١ / ٧٥]
رءوسهم، فاضرب ما فحصوا بالسيف، وإياك ومعاصى الله فى الجيش، فإنها مفسدة للحرب ومبغضة للرب.
على رضي الله عنه: فى جواب معاوية رضي الله عنه: وذكرت أنه ليس لأصحابى عندك إلا السيف، فقد اضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بنى هاشم عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين: «لبّث قليلا يدرك الهيجا حمل» «١» فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستيعد، وانا مرّقل إليك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين، لهم بإحسان شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم فقد صحبتهم ذرّيّة بدريّة، وسيوف هاشميّة، قد عرفت مواقعها فى أخيك وخالك وجدك وأهلك، وماهى من الظالمين ببعيد «٢» .
معاويه رحمه الله: قال لوفود البصرة والكوفة: مرحبا بكم معاشر العرب، أما والله لئن فرقت بينكم الدعوة لقد جمعت بينكم الرحم، إن الله اختاركم من الناس ليختارنا منكم، ثم حفظ عليكم نسبكم بأن اختار لكم بلادا تختار عليها المنازل حتى صفّاكم من الأمم كما تصفى الفضة من خبثها، فصونوا أخلاقكم، ولا تدنسوا أنسابكم، فإن الحسن منكم أحسن لقربه منكم، والقبيح منكم أقبح لبعده عنكم.
عبد الملك بن مروان: خطب بعد مقتل مصعب بالكوفة فقال «٣»: أيها الناس،
[١ / ٧٦]
إن الحرب صعبة مرة، وان السلم أمن ومسرة، وقد زبنتنا الحرب وزبنّاها «١»، فعرفناها وألفناها، فهى أمّنا ونحن بنوها، فاستقيموا على سبل الهدى، ودعوا الأهواء المرذولة، وتجنبوا فراق الجماعة ولا تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظنكم تزدادون بعد الموعظة إلا شرّا، ولن تزداد بعد الاعذار إليكم والحجة عليكم إلا عقوبة. فمن شاء منكم أن يعود لمثلها فليعد.
عبد الله بن الزبير: قال وهو يحارب الحجاج «٢»: أما بعد، يا آل الزبير فلا يبرمكم وقع السيوف، فإنى لم أحضر موطنا قط. إلا جرحت فيه، وما أجد من ألم جراحها أشد مما أجد من ألم وقعها. صونوا سيوفكم كما تصونوا وجوهكم ولا أعلم أحدا كسر سيفه واستبقى نفسه، فإن الرجل إذا ذهب سلاحه فهو كالمرأة، غضوا أبصاركم عن البارقة، وليشتغل كل منكم بقرنه، ولا يلهينّكم السؤال عنى، ولا تقولوا أين عبد الله بن الزبير. ألا من كان سائلا عنى فإنى فى الرعيل الأول.
عبد الملك بن صالح العباسى «٣»: قال لمعلم ولده وقد أنهضه لمجالسته: كن على الماس الخط بالسكوت أحرص منك على التماسه بالكلام، فقد قيل إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلّم. ولا تساعدنى على قبيح، ولا تردنّ علىّ فى محفل، وكلمنى بقدر ما استنطقتك. واعلم أن حسن الاستماع أحسن من حسن القول، فأرنى جهمك فى نظرك، واعلم أنى جعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت معلما مبعدا، ومن لم يعرف نقصان ما خرج منه لم يعرف رجحان ما دخل فيه.
[١ / ٧٧]
الطبقة الرابعة: من النثر المتوسط
ابن الحصين «١»: خطب رسول الله ﷺ يوم الأحزاب فقال:
الحمد الله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونؤمن به، ونتوكل عليه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، والذى بعثنى بالحق إنهم لحزب الشيطان، يحدثونهم فيكذبونهم، ويمنّونهم فيغمدونهم، ويعدونهم فيخلفونهم، اللهم اضرب وجوههم ولا تبارك لهم فى مقامهم، اللهم مزّقهم فى الأرض تمزيق الرياح الجراد، والذى بعثنى بالحق لئن أمسيتم قليلا لتكثرنّ، وإن كنتم أذلة لتعزن حتى تكونوا نجوما يقتدى بواحدكم، فيقال قال فلان، وقال فلان الصديق رضي الله عنه: خطب بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال:
وقد ارتدت العرب وقالت نصلى ولا نزكىّ-: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت أيها الناس: إن أكثر أعداؤكم وقل عددكم ركب الشيطان منكم هذا المركب؟ والله ليظهرنّ الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون، قوله الحق ووعده الصدق. ثم تلى: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ»
«٢» وقوله تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ»
«٣» . ثم قال: والله أيها الناس، لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لجاهرتهم فى الله عليه واستعنت بالله وهو خير معين.
[١ / ٧٨]
عثمان رضي الله عنه: عندما أحيط به وعظم الخطب من الكوفيين والمصريين قام خطيبا فقال: ألا فقد والله عبتم علىّ ما أقررتم ابن الخطاب بمثله، ولكن وطئكم برجله، وضربكم بيده، ومنعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم؛ ولنت لكم ووطأت لكم كنفى، وكففت عنكم يدى ولسانى فاجترأتم علىّ.
أما والله لأنا أعز نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثر عددا. ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا كثيرا، وكثرت لكم غرمانى وأخرجتم منى خلقا لم أكن أسنه، ومنطقا لم أكن أنطق به على رضي الله عنه: لما بلغه ما فعل بسر «١» من قبل معاوية فى اليمن قال فى خطبته:
ما هى إلا الكوفة أقبضها وأبسطها إن لم تكونى إلا أنت، تهبّ أعاصيرك، فقبّحك الله، أنبئت أن بسرا قد أطلع على اليمن، وإنى والله لأظن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وافتراقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم فى الحق، وطاعتهم إمامهم فى الباطل، وبأدائهم إلى الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلّاقته. اللهم إنى قد سئمتهم وسئمتمونى فأبدلنى بهم خيرا منهم، وأبدلهم بى شرا منى.
معاوية رضي الله عنه: خطب وقد وفدت عليه وفود العرب فأعظم جوائزها، فلما دخلت عليه لتشكره سبقهم بالكلام فقال «٢»: جزاكم الله معاشر العرب عن قريش خير ما يجزى به فى تقديمكم إياهم فى الأمن، وتقدمكم إياهم فى الحرب، وحقنكم دماءهم بسفكها منكم، أما والله لا يؤثرن عليكم منهم إلا حازم كريم، ولا يرغب عنكم منهم إلا عاجز لئيم، شجرة قامت على ساق. تفرع أعلاها وثبت أصلها، عضد الله من عضدها، فيالها ألسنا لو اجتمعت. وأيديا
[١ / ٧٩]
لو امتنعت، ولكن كيف بإصلاح ما أراد الله فساده. معشر العرب: أحبّونا فو الله ما أبغضناكم، وأبرّونا فو الله ما أترنا عليكم، وانكم للشعار المستبطن» .
فاستعبر القوم حتى علا بكاؤهم.
يزيد بن الوليد بن عبد الملك: لما خرج على ابن عمه الوليد بن يزيد وقتل الوليد وحصلت له الخلافة قام خطيبا فقال «١»: أيها الناس، والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا، ولكن خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى الله وإلى سنة نبيه وسلم لما هدمت معالم الهدى، وأطفىء نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد المستحل بكل حرمة، والراكب لكل بدعة، وإنه لابن عمى فى النسب وكفئى فى الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله فى أمره، وسألته ألا يكلنى إلى نفسى، ودعوت إلى ذلك من أجابنى من أهل ولايتى حتى أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد بحوله وقوته لا بحولى وقوتى.
عتبة بن أبى سفيان «٢»: قال لمعلم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدى إصلاح نفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تستقبحه، علّمهم كتاب الله تعالى، وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تكرههم على علم فيملوه، ولا تدعهم فيهجروه، ولا تخرجهم من علم إلى علم، فازدحام العلم فى السمع مضلة للفهم، وعلّمهم سير الحكماء، وهدّدهم بى، وأدّبهم دونى، ولا تتكل على عذر منّى، فإنى قد اتكلت على كفاية منك.
[١ / ٨٠]
الخميلة الثالثة المشتملة على النثر الممتع
وجميع طباقها الأربع مقتطف من كتاب «حلى الرسائل» الذى كنت قد جمعته بحلب للملك الناصر رحمه الله، وقصد هذا فى هذا المكان الأحماض فى التنويع والخروج عن الأسلوب المتقدم.
الطبقة الأولى: [ترسيل القدماء من كتاب المشرق)]
عبد الحميد من يحيى «١» إمام الكتاب الذى اخترع التحميدات فى صدور الكتب والتصرف فيها بالفصاحات والبلاغات وهو إمام الكتاب. كتب عن مروان آخر خلفاء بنى أمية إلى فرق العرب حين فاض العجم من خراسان بشعار السواد قائمين بالدولة العباسية: «٢» أما بعد: فقد بلغكم قولا شائعا ثم فعلا فاضحا ما كان من ائتلاف كلمة هؤلاء المارقة بعد الشّتات. وظهور باطلهم بعد الغموض، وانسياح ضلالتهم فى الأرض [بعد] «٣» الانكماش، وها هم قد تركوا خراسان رأس الدنيا ودار العجم وراءهم، وأقبلوا وراء رقعتكم ليجالدوكم عليها، ويزحزحوكم عنها بجيشى التمويه والسيف، فاتقوا الله فى حمايتكم عن دينكم، واحذروا العار فى أخذ دنياكم من أيديكم. وكونوا عند الوفاء لمن اعتدّ بكم، ولا تمكنوا ناصية الدولة العربية من يد الفئة العجميّة، واثبتوا ربثما تنجلى هذه الغمرة، وتصحو هذه السكرة، فسينضب السيل وتمحى آية الليل.
[١ / ٨١]
اسماعيل بن صبيح «١»: أول من اشتهر من كتاب الدولة العباسية وحذا حذو عبد الحميد، كتب عن الرشيد فى شأن ولاية الأمين والمأمون العهد رسالة وجّه منها نسخا لعمّاله أولها «٢» /: أما بعد، فإن الله ولىّ أمير المؤمنين وولىّ ما ولاه، والحافظ لما استرعاه، والمنعم عليه بالنصر والتأييد فى مشارق الأرض ومغاربها، والكالى، والحافظ والكافى من جميع خلقه، وهو المحمود على جميع آلائه، المسئول أحسن ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين وعادته الجميلة عنده، وللقيام بما يرضى ويوجب له أحسن المريد من فضله، وقد كان من نعمة الله عند المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ما تولّى الله من محمد وعبد الله ابنى أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسن ما أملت الأمة، ومدت إليه أعناقها.
بكر بن المعتمر «٣»: كاتب الأمين، كتب عنه إلى أخيه صالح وهو بخراسان فى أمر أخذ البيعة له بعد وفاة الرشيد بها: إذا ورد عليك كتابى هذا عند وقوع ما سبق من علم الله، وأنفذ من قضائه فى خلفائه والملائكة المقربين، فإن كل شىء هالك إلا وجهه، فاحمدوا الله على ما صار إليه أمير المؤمنين من عظيم ثوابه، ومرافقة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وصلوات الله على أمير المؤمنين حيا وميّتا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فبشّر فى أمرى، وإياك أن تلقى بيدك، فإن أخاك قد اختارك لما استنهضك له، ونسأل الله التوفيق وهو متفقد مواقع فعلك، فحقق ظنه، وخذ البيعة على من قبلك على الشريطة التى جعلها أمير المؤمنين. فإن السعادة فى العمل بعهده.
ذو الرئاستين الفضل بن سهل «٤»: كتب عن المأمون إلى الأسين وقد بدأ الفساد
[١ / ٨٢]
بينهما يطلب منه أن يوجه أهله وماله إلى خراسان «١»: أما بعد، فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظر من لا يقتصر على إعطاء النّصفة من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببرّه وصلته، وإذا كان ذلك رأيه فى عامته فأحر بأن يكون على مجاوزة ذلك لصنوه وقسيم نسبه. وقد يعلم أمير المؤمنين حالا أنا عليها من ثغور حللت بين لهواتها «٢»، وأجناد مشاغبة باختلافها، وقلة الخراج قبلى، والأهل والولد والمال قبل أمير المؤمنين، وما للأهل وإن كانوا فى كفاية من برّه بد من الإشراف والنزوع إلى كنفى، ومالى بدّ من القوة والاستظهار بالمال على لمّ الشعث بحضرتى. ورأى أمير المؤمنين موفق إن شاء الله تعالى.
أحمد بن يوسف «٣»: كتب إلى المأمون فى الاعتذار عن قتل أخيه الأمين.
أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين فى النسب واللحمة فقد فرق الله بينه وبينه فى الولاية والحرمة بمفارقته عصمة الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين./ يقول الله عز وجل حين اقتص علينا نبأ ابن نوح انه ليس من أهله، انه عمل غير صالح، ولا طاعة لأحد فى معصية الله، ولا قطيعة فى طاعة الله. وقد قتل الله المخلوع، ومهّد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له فى من بغى عليه ونقض عهده [وسابق] وعده «٤» ورد به الألفة بعد فرقتها وجمع الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الإسلام بعد دروسها.
[١ / ٨٣]
الطبقة الثانية: المجتمع فى أسلوب ترسيل القدماء من كتاب الأندلس
فطيس بن عيسى «١»: هو أول من ظهر فى هذا الباب من كتاب بنى أمية بالمغرب.
كتب عن الحكم الربضى الكائن فى زمن الرشيد إلى الأصبغ بن وانسوس والى ماردة وقدساء باطنه.
وبعد، فكم يقربك سالفك، ويبعدك خالفك، ويحسن الظن بك من لا يفرط فى قديمك، ولا ييأس من مستأنفك، وأنت تسيئة إصغاءا إلى نميمة حاسد، وكمد منافس. واعجبا تغلق الأسماع عما يبلغه أهل السعاية عنك، فتأبى إلا فتحها بما يصدر بعد ذلك منك، فانظر أرشدك الله لما يرضى الله، أو يرضى إمامك، أو تكون فيه عاقبة حميدة لنفسك، وإنى بعد هذا لا نيأس من أن يتبع فرعك أصلك، ولا نقطع أنك لا تفكر بفكرة صالحة تجور بك إلى ما يحسن عنك سماعه، ويرجى لك به حسن العاقبة، فعندك الخبر اليقين بمن أرخى لببه فى العصيان حتى صرع.
عبد الواحد بن مغيث «٢»: وزير عبد الرحمن الأوسط بن الحكم وكاتبه، أغزاه الأمير المذكور فكان له أثر محمود، كتب فيه كتابا صدره:
أما بعد، فالحمد لله الذى جعل عزه ونصره وتأييده وفلحه وتمكينه لأوليائه وأنصار دينه الذى ارتضى لنفسه، وجعل توبيخه وسطوته ومثلاته «٣» لأهل الشرك به، والتكذيب بآياته، وأنزل بهم من ذله وخزيه ونوازعه ما سبق به قضاؤه. فإنه تبارك وتعالى يقول: «ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما
[١ / ٨٤]
صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتى وعد الله» «١» والحمد لله الصانع للأمير مالم يزل يتولاه من أمره، ويليه من كفايته وحسن الصنع له، وكبت عدوه بيمن نقيبته، وبركة سلطانه. ثم إنى أعلم الأمير- أعز الله نصره- أنى منذ انتخبنى لما انتخبنى له من الغزو بجيوشه لم أزل معملا رأيى فى كل ما أرجو به عزه، وذلّ عدوه.
الوليد بن غانم «٢»: أحد وزراء الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط وكتابه، كتب عنه إلى الوزير هاشم بن عبد العزيز وقد أساء المسيرة مع الجند حتى ورّطوه فأسر: وبعد، أيها الناصح الذى خانته أغراضه، فلم ينتفع بنصيحته، والسديد الرأى الذى أفسدت عليه فكرته وأهواؤه، فلم يسعد رأيه، والسابق الذى لم يزل يجلى حتى جمع به نزقه عن المضمار الذى أجرى فيه أما علمت أن الهدهد يرى الماء وهو تحت الأرض على مسانة بعيدة، ويقع فى الفخ وهو بمرآى عينه وعلى قرب منه. وما ذاك إلا لصحة نظره، وتخليصه من مشاركة الأطماع، فلما طمع فى الحبة التى نصبت له صدأ الحرص فكرته فأرداه. وأنت لما كنت مخلّصا من الأطماع، سليما من الأغراض وأبصرت رشدك، ونفعت سهلك. ولما داخلتك هلكت وأهلكت.
عبد الملك بن إدريس الجزيرى «٣»: كاتب المنصور بن أبى عامر، كتب عن نفسه إلى مخدومه وقد سخط عليه، وبعد حمد الله المحمود على السراء والضراء، المسلم لحكمه وقضائه فى السخط والرضا، فقد علم سيدى ورب النعمة علىّ أن النفوس خيل حلبة، تتسابق إلى الغايات التى قدرت لها، والسعيد سعيد فى بطن أمه، والشقى شقى فى بطن أمه. وقد كان من قدر
[١ / ٨٥]
الله سبحانه إنعامه علىّ برضاك مرة جررت بها ذيول العز فى بساط الإذلال إلى أن طالت، فعثرت فيها بالاغترار وسابق الاقدار عثرة لا تستقال إلا بالمعتاد من كرمك، وإغضائك عن هفوات صنائعك، والحاجب المنصور- أدام الله حلو نصره- يعلم أن ريّض الخيل بعد الأدب أمتع، والمهيض بعد الجبر أصلح.
أبو حفص بن برد «١»: كاتب المظفر بن المنصور بن أبى عامر. كتب عنه فى شأن سطوته بصهره ابن القطاع: أيها الناس، وفقكم الله بعصمته، واستنفذكم برحمته. إن من علم منكم حال الخائن فلان «٢» بالمشاهدة ورأى مبلغ النعمة عليه بالمحاضرة فقد اكتفى بما شاهد واجتزأ بما حضر، ومن غاب ومن غاب عنه كنه ذلك فليعلم أنا أخذناه من الحضيض الأوهد، وانتشلناه «٣» من شظف العيش الأنكد، فرفعنا خسيسته، وأتممنا نقيضته، وخولناه صنوف الأموال، وصيّرنا حاله فوق الأحوال، بدأ له بذلك المنصور مولاى رحمه الله فاعتمدته «٤» فمهدت له فرش الكرامة، وبوّأته دار الفخامة، وأسبغت من النعم عليه ما أحوج الخاصة والعامة إليه، فلم يقسم الله بحق، ولا قابل إحسانه بصدق، ولا عامل رعيتنا برفق، ولا تناول خدمتنا بحذق، حتى إذا ملكه الأشر، حاول شق عصا الّامة، فصرعه بغيه، وأسلمه غدره «٥» .
[١ / ٨٦]
الطبقة الثالثة: [ترسيل كتاب المشارقة والمغاربة]
من النثر الممتع، وهى مشتملة على محاسن اقتطفتها من ترسيل ابن العميد وابن عباد والصابى أعلام كتاب المشارقة فى عصرهم وترسيل [أبى] الوليد بن زيدون وابن أبى الخصال علمى كتاب المغاربة فى عصرهما.
أبو الفضل بن العميد «١»: كاتب ركن الدولة بن بويه سلطان عراق العجم.
كتب عنه إلى بلكا حين ظهر منه عصيان:
كتابى وأنا مترجح بين طمع فيك ويأس منك، وإقبال عليك وإعراض عنك، فإنك تدلى بسابق حرمة، وتمت بسالف خدمة، أيسرهما يوجب رعاية، ويقتضى محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية، وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويسحق ما يوعى لك، لا جرم أنى وقفت بين ميل إليك وميل عنك، أقدم رجلا لصدك، وأؤخر أخرى عن قصدك، وأبسط يدا لإصطلامك واجتياحك، وأنثنى ثانية نحو استبقائك واستصلاحك، وأتوقف عن امتثال بعض المأمور فيك، ضنّا بالنعمة عندك، ومنافسة فى الصنيعة لديك، وتأميلا لفيئتك وانصرافك، ورجاء لمراجعتك وانعطافك. فقد يغرب العقل ثم يؤوب، ويذهب العزم ثم يعود، وكل ضيقة فإلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء تلميذه الصاحب بن عباد «٢»: كتب مستدعيا للأنس:
نحن سيدى بمجلس غنى إلا عنك، خال إلا منك
[١ / ٨٧]
قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت فيه خدود البنفسج، وفاحت مجامر الأترجّ، وفتقت فارات النارنج، وانطلقت ألسن العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبت رياح الأقداح، ونفقت سوق الأنس، وقام منادى الطرب، وطلعت كواكب الندمان، وامتد سماء الندى، فبحياتى إلا ما حضرت لنحصل بك فى جنة الخلد، وتتصل الواسطة بالعقد، فقد أبت راحنا أن تصفوا إلا إن تناولها يمناك، وأقسم غناؤنا لا يطيب حتى تعيه أذناك، فأما خدود نارنج مجلسنا فقد احمرت خجلا لإبطائك، وعيون نرجسنا فقد حدّقت تأميلا للقائك، فبحياتى عليك إلا ما تعجلت لئلا يخبث تأميلا للقائك، فبحياتى عليك من يومنا ما طاب، ويعود من همنا ما طار.
أبو اسحق الصابى «١»: كتب إلى ابن عباد المذكور:
ورد أطال الله بقاء سيدى فلان وفلان حاجيين، فعاجا إلىّ ملمّين، وعرجا علىّ مسلمين، فحين عرفتهما، وقبل أن أرد السلام عليهما مددت اليد إلى ما معهما كما مدّها حسان إلى رسول جبلة ثقة منى بصلته، وشوقا إلى تكرمته واعتيادا لإحسانه، وإبقاء لموارد انعامه، وتيقنا أن الخطرة منى على باله مقرونة بالنصيب من ماله، وأن ذكراه مشفوعة بجدواه، وقمت عند ذلك قائما وقبلت الأرض ساجدا، وكررت الدعاء والثناء مجتهدا، وسألت الله أن يطيل له أمد البقاء كطول يده بالعطاء، ويمد له فى العمر كامتداد ظله على الحر، وأن يحرس على هذا العدد القليل من الكتاب ومنتحى الآداب ما كنفهم به من ذراه، وأفاء عليهم من نداه مارعاهم فيه من مراتعه، وأعذب لهم من شرائعه التى هم محلئون إلا عنها، ومحرومون إلا منها.
[١ / ٨٨]
أبو الوليد بن زيدون: «١» له رسالة خاطب بها ابن جهور من معتقله:
إن سلبتنى أعزك الله لباس إنعامك، وعطلتنى من حلى إيناسك، وغضضت عنى طرف عنايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلى لك، وسمع الأصم ثنائى عليك، وأحس الجماد باستنادى إليك فقد يغص بالماء شاربه، ويفتك الدواء بالمستشفى به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وإنى لأتجلد فأقول هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضّ به إكليله، ومشرفى ألصقه بالأرض صاقله، وسمهرى عرضه على النار مثقفه، والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلى، والنكبة سحابة صيف عن قريب تنقشع، وليت شعرى ما الذنب الذى أذنبت ولم يسعه العفو، ولا أخلو من أن أكون بريئا فأين العدل، أو مسيئا فأين الفضل، وما أرانى إلا لو أمرت لآدم بالسجود فأبيت، وعكفت على العجل واعتديت فى السبت لكان فيما جرى على ما يحتمل أن يسمّى نكالا.
أبو عبد الله محمد بن أبى الفضل الخصال «٢»: كتب فى رسالة:
وعذرا إليك- أعزك الله- فإنى كتبته والنوم مغازل، والقر منازل، والريح تلعب بلا سراج، وتصول عليه صولة الحجاج، فطورا تسدده سنانا وتارة تحركه لسانا، وآونة تطويه حبابة، وأخرى تنشره ذؤابة، وتقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب وحمة عقرب، وتقوسه حاجب فتاة ذات غمزات، وتتسلط على سليطه، وتزيله عن خليطه، وتحلقه نجما، وتمده رجما، وتسل روحه من ذباله، وتعيده إلى حاله، وربما نصبته أذن جواد، وسخته حدق جراد، ومشقته خاطف برق، يكف بودق، ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله، فلاحظ منه للعين، ولا هداية فى الطرس لليدين، والليل زنجى الأديم، تبرىّ النجوم، قد جلّلنا ساجه، واغترفتنا أمواجه، فلا مجال للحظة، ولا تقارف إلا بلفظة، والكلب قد صافح خيشومه ذنبه وأنكر البيت وطنبه.
[١ / ٨٩]
الطبقة الرابعة: [ترسيل كتاب مصر والشام والأندلس]
من النثر الممتع وهى مشتملة على ما اقتطف من ترسيل الفاضل البيسانى والعماد الأصبهانى، وابن أبى منصور الدمياطى، وابن عياش والفازازى.
الفاضل البيسانى «١»: كاتب السلطان صلاح الدين بن أيوب، له من رسالة يخاطب بها أخاه وقد قصّر بجانب علم الملك- من أكابر الدولة:
سبب إصدارى هذه المكاتبة إلى الأخ- أصلحه الله- إعلامه بما صح عندى من الأحوال التى أخفاها والله مبديها- فى حق الرئيس علم الملك، وبالله أقسم. لئن لم تداو ماجرحت، وتستدرك ما فعلت، وتمح ما أثبت، وتستأنف ضد القبيح الذى كتبت به وشافهت، وتعتذر بالجميل فيما طالعت الله به وشافهت وبارزت، لتكوننّ الحديث منى بغير الكتاب، ولأزيلنّ السبب الذى قدرت به على وضرة الأصحاب، وما أشدّ معرفتى بأن الطباع لا تتغير، وبأنك مستحوجنى بعد هذا الكتاب إلى مالا يتأخر. وبالجملة فاستدرك بفعلك لا بإيمانك لى، وتنصّلك إلىّ، فالدم فى النصل شاهد عجب، وويلى ممّن كانت غنيمته من الأيام عقد القلوب على البغضاء، وإطلاق الألسنة بالذم. ولولا أنى شريكك فى كل ما تستوجبه من الناس لألقيت حبلك على غاربك، وتركتك وما تختاره لنفسك.
العماد الأصبهانى «٢»: قال فى وصفه نفسه ما بين كتاب عصره، وذكر ما كتبه إلى البلاد فى شأن فتح القدس على يدى صلاح الدين:
[١ / ٩٠]
وما زال قلبى يطرز الحلل التى تنسجها الفصاحة والبلاغة فى فتوح الأقاليم، يعوّده أرباب الإنصاف، ومحامد الأوصاف، من كل حاسد وراشق بالحواميم حتى ادخر الله له هذا الفتح الذى شققت له لسانه، فعلا المنابر الخمس، وجاش من بحر البيان مما يطرب ويلهج، ويبهج كل سمع وناظر ونفس، فكتبت إلى كل ذى طرف بمعنى ظريف، ولفظ فصيح حصيف، وسهرت تلك الليالى حتى نظمت اللآلى، وبشرت المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى، وتلوت: «شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا»، «١» وهنأت الحجر الأسود بالصخرة البيضاء، ومنزل الوحى بمحلّ الإسراء، ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء، ومقام قدم إبراهيم الخليل بموضع قدم محمد المصطفى صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وأدام أهل الإسلام ببيته المقدس مستمتعين.
ابن أبى منصور الدمياطى «٢»: وزير الأشراف وكاتبه. كتب لصديق له: مررنا فى بعض العشايا على بعض البساتين المجاورة للنيل فرأينا فيها «٣» بئرا عليها دولابان متحدثان، قد دارت أفلاكهما بنجوم القواديس، ولعبت بقلوب ناظريها لعب الأمانى بالمفاليس، يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان دمعا أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه، فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره فى أجياد الغصون، والسلاسل قد أذالت من مسلسل فضتها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه فى ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد علاه من الظلال لما، وحيات المجارى جارية، تخاف من زمرد النبات العما، والبحر قد صقل صيقل النسم درعه، وزعفران العشى قد ألقى فى ذيل الجو ردعه.
[١ / ٩١]
أبو عبد الله بن عياش «١»:
ولما حللنا عرى السفر، بأن حللنا حمى المهدية، تفاءلنا بأن تكون لمن ألم بساحتها هديّة، فأحدقنا بها إحداق الهدب بالعين، وأطرنا لمختلس وصالها فى البحر غربان البين، فبات بليلة نابغيّة، وصابح يوما صافحته فيه يد البلية، ولما اجتلينا منها عروسا قد مدّ بين يديها بساط الماء، وتوجت بالهلال، وفرّطت بالثريا، ووشحت بنجوم السماء، خطبناها فأرادت التنبيه على قدرها، والتوفير فى إغلاء مهرها، فتمنعت تمنع المقصورات فى الخيام، وأطالت إعمال العامل فى خدمتها والحسام، إلى أن تحققت عظم موقعها فى النفوس، ورأت كثر ما ألقى عليها من نثار الرءوس، فجنحت إلى الأحضان بعد النشوز، ورأت أن اللجاج فى الامتناع عن قبول الاحسان لا يجوز، فأمكنت زمامها من يد خاطبها بعد مطاولة خطبها وخطابها.
أبو زيد الفازازى «٢»: من اخوانياته
إذا غاب أهل الصدق عنك فإنما ... تغيب بهم عنك المسرة والأنس
علم الله أيها الصديق الشفيق، والأخ الذى فضله الاختبار على كل أخ شقيق، أنى منذ طلعت الشمس ذلك اليوم الذى حان فيه غروبك عن ناظرى، ما ولجت بشرى بسمعى، ولا خطر سرور بخاطرى، وما علمت قدر ما معى، حتى جزى القدر السابق بما جرى بعدك من أدمعى، ورجعت إلى المنزل بقلب غير راجع، وتلقيت المنام لأسكن بطرف غير هاجع، وكلما فتشت فى فكرى لك ذنبا، أجعله للسلو أو عيبا، أركن به إلى الراحة والهدوء، وقال الاختبار لا سبيل إلى ذلك، وجعل يعرض علىّ من حسناتك ماجلا به ظلام الليل الحالك، ولولا أنى رجعت إلى جميل الصبر بعد الذهاب، وعللت الروح التى راح سرها معك بقرب الإياب، لأمسيت أثرا بعد عين، ولكنت أحد من قتله يوم البين.
[١ / ٩٢]
الخميلة الرابعة المشتملة على الأبيات المفردة والمزدوجة والمثلثة والمربعة
الأبيات المفردة:
ليس يورد منها إلا ما كان هزازا من طبقة المرقص التى هى أعلى الطبقات، وهى التى لا تخلو من غرض تخيّل ولطف تحيّل.
ابناء الخلفاء والمنتسبون الى الشرف الفاطمى
ا، ب ابن المعتز «١»:
كأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدّروع «٢»
ا، ب تميم بن المعز «٣»:
كأن سواد الليل والصبح طالع ... بقايا مجال الكحل فى أعين الزّرق
التهامى الحسنى «٤»
يفدى الصحيفة ناظرى فبياضها ... ببياضه وسوادها بسواده
[١ / ٩٣]
الملوك وأبناؤهم «١»
اأبو فراس الحمدانى «٢»: فى مخاطبة ابن عمه سيف الدولة
وكنا كالسّهام إذا أصابت ... مراميها فراميها أصابا «٣»
اأبو العشائر الحمدانى «٤»:
فقرأت منها ما تخطّ يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنّة تنقط «٥»
مهلهل الحمدانى «٦»:
القيناهم بأرماح طوال ... تبشّرهم بأعمار قصار «٧»
ا، ب المعتمد بن عباد: فى أبيه «٨»
له يد كلّ جبّار يقبلها ... لولا نداها لقلنا أنّها الحجر
[١ / ٩٤]
ا، ب ابن الزقاق «١»: من ولده
والسيف دامى المضربين كحدول ... فى ضفته شقائق النّعمان
أرباب رئاسة السيف
اباذكين صاحب البصرة «٢»:
لم أبك يوم الوداع مخافة ... من أدمعى كى لا تكون حجابه
ا، ب ابن بهرام الحاجرى: حاجب صاحب اربل «٣»
وقد خبّرونى أن غصنا قوامه ... تيقّنت أن القلب منّى طائر «٤»
جمال الدين بن يغمور «٥»: نائب السلطنة بالشام ومصر فى جواب رسالة:
وأهدت لى الإطراب عند سماعها ... فلو لم تزد فى العقل قلت ابنة الدّقّ
[١ / ٩٥]
ا، ب ابن عمه سيف الدين بن سابق «١»
وترى الغصن يصلّى ... بتحيّات النّسيم
االجمال بن البقاعى «٢»:
حكى فصل الربيع بحسن قدّ ... قد تساوى الليل فيه والنّهار
ا، ب ابن عمار الأندلسى «٣»
والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استردّ الليل منّا العنبرا
اأبو الوليد بن زيدون «٤»
سرّان فى خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
[١ / ٩٦]
أرباب رئاسة القلم
ا، ب ابن النبيه: كاتب الأشرف «١»
تبسّم ثغر الزّهر عن شنب القطر ... ودبّ عذار الظّل فى صفحة النهر
ا، ب البهاء بن الساعاتى الدمشقى «٢» جليس ملوك بنى أيوب ونديمهم:
والطير تقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمامة تنقط
ا، ب ابن سناء الملك: صاحب الخزانة الكاملية وكاتب الجيش بمصر «٣» .
وفتحت أبواب السماء لناظرى ... وجعلت ليلى بالنجوم مسمّرا «٤»
الجمال بن مطروح «٥»: كاتب الجيش بمصر للملك الصالح رحمه الله
إذا ما اشتهى الخلخال أخبار قرطها ... فياحسن ما تملى عليه الغدائر
[١ / ٩٧]
ا، ب البهاء زهير الحجازى «١»: كاتب الملك الصالح بمصر رحمه الله.
يا ألفا من قدّه أقبلت بالله كونى ألف الوصل/ الزين بن جبريل «٢»: من كتّاب السلطنة بمصر
بانوا فياوحشة الوادى لبينهم ... عنه ولا سيّما الأغصان والكتب
اأبو بكر بن سعيد: صاحب أعمال غرناطة «٣» .
تبكى وقد قتلتنى ... كالسّيف يقطر دمعه
اناصح الدين الأرجانى «٤»: قاضى بلاد الأهواز
تلوم قلبى إن أصماه ناظره ... فما اعتراضك بين السّهم والهدف
ا، ب فخر الدين بن العديم «٥»: من البيت المشهور بحلب وهو رئيس الأصحاب بها
والماء تحت الغصن مطّرد ... والغصن فوق الماء منعكس
[١ / ٩٨]
أعيان الحسباء والأدباء والشعراء «١»
احبيب بن أوس الطائى «٢»:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأمانى لم يزل مهزولا
اأبو العباس بن الرومى «٣»:
فالموت إن نظرت فإن هى أعرضت ... وقع السهام ونزعهنّ أليم
اأبو الطيب المتنبى «٤»:
تريدين إدراك المعالى رخيصة ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل «٥»
ا، ب أبو العلاء المعرى «٦»:
والخلّ كالماء يبدى لى ضمائره ... مع الصّفاء ويخفيها مع الكدر
[١ / ٩٩]
االقيسرانى «١»:
وأهوى الذى يهوى له البدر ساجدا ... أليس ترى فى وجهه أثر التّرب
ا، ب المعرى «٢»:
مدحت الورى قبله كاذبا ... وما صدق الفجر حتى كذب
ا، ب ابن التعاويذى البغدادى «٣»:
وقد قلتم الغصن ميّال ومنعطف ... فكيف مال على ضعفى وما انعطفا «٤»
ا، ب النجم بن اسرائيل الدمشقى «٥»
أنت الأمير على الملاح بأسرهم ... وعليك من قلبى لواء خافق
ا، ب الضياء المعرى «٦»
أبكيت عين الغيث لما فتّه ... كرما فثغر البرق منه يضحك
[١ / ١٠٠]
االمجد بن الظهير الأربلى «١»
غارت مناطقه وأنجد ردفه ... يا بعد شقة غوره من نجده
ا، ب أيدمور التركى «٢»
وكأن نرجسه المضاعف خائض ... في الماء لفّ ثيابه فى رأسه
ا، ب الشهاب بن الخيمى المصرى «٣»
يا بارقا بأعالى الرّقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشّنب
االعماد السّلماسى «٤»
يشكو إلى أرادفه خصره ... لو تسمع الأمواج شكوى الغريق
ا، ب ابن الجنّان الشاطبى «٥»
تؤمّون الحجاز وقد علمتم ... بأنّ القلب بيتكم العتيق
[١ / ١٠١]
الأبيات المزدوجة
[أبناء الخلفاء والمنتسبون إلى الشرف الفاطمي]
ليس يورد منها إلا ما وقع هزّازا امن طبقة المرقص ا، ب ابن المعتز «١»
هذا هلال الفطر لاح مبشّرا ... فالآن فاغد على المدام وبكّر
وانظر إليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
ا، ب شكر بن أبى الفتوح الحسنى: أمير الحرمين «٢»
قوّض خيامك عن أرض تهان بها ... وجانب الذّلّ إن الذّلّ مجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان منقصة ... فالمندل الرّطب فى أوطانه حطب
اناصر بن مهدى الحسنى «٣»: يخاطب الخليفة الناصر
ألقنى فى لظى فإن أحرقتنى ... فتيقّن أن لست بالياقوت
صنع النّسج كلّ من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت
[١ / ١٠٢]
ا، ب الشريف الرضى الحسينى «١»: نقيب الطالبيين ببغداد
أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل السحب فى أكنافكم تضع
ولا يزال حنين النّبت ترضعه ... على عراصكم العرّاضة الهمع «٢»
ا، ب الشريف أبو القاسم الرّسّى «٣»: نقيب الشرفاء بمصر
خليلىّ إنى للثريّا لحاسد ... وإنى على ريب الزّمان لواحد «٤»
أيبقى جميعا شملها وهى ستّة «٥» ... وأفقد من أحببته وهو واحد
شرفاء السادة
ا، ب محمد بن عبيد الله الحسنى: تقيب بلخ «٦»
أفدى بروحى من قلبى كوجنته ... فى الوصف لا الحكم فالأحكام تفترق
أعجب لحرقة قلب ماله لهب ... ومن تلهّب خدّ ليس يحترق
[١ / ١٠٣]
االشريف الراوندى أبو المحاسن الحسنى- نقيب قاشان «١»
إنى لأحسد فيه المشط والنّشفة ... لذلك فاضت دموع العين مختلفة
هذا يعلّق فى صدغيه أنملة ... وذى تقبّل رجليه بألف شفه
ا، ب أبو الحسن التهامى الحسنى «٢»:
أمّلت فيه الغنا من قبل رؤيته ... فالآن أكبرته عن ذلك الأمل
علا فما يستقرّ المال فى يده ... وكيف تمسك ماء قنّة الجبل
ا، ب علاء الدين بن دفتر خوان الطوسى «٣»: من الشرفاء الحسنيين
ودولاب لنا أنّا ... يزيد القلب أشجانا «٤»
سقى الغصن وغنّاه ... كما ينفك نشوانا «٥»
الشريف الأصم: من ولد الناصر المروانى خليفة الأندلس «٦» . [قال] «٧» فى النارنج
وبنت أيك دتا من لثمها قزح ... فصار منه على أرجائها أثر
[١ / ١٠٤]
كأنّ موسى نبىّ الله أقبسها «١» ... نارا وجرّ عليها كفّه الخضر
الناصر بن العزيز: سلطان الشام «٢»
سلوا قوام الغصن لم ذا غدا ... عنّى- لا لى فى الهوى- مائلا
وخدّه التبرىّ ما باله ... عذاره قد جاءنى سائلا
ا، ب ابن عمه الناصر بن المعتصم: المخلوع من ملك دمشق
ناحت ووجنتها بما سفكت ... هـ منّى تلطخ «٣»
كالقوس تقتل من رمت ... هـ وبعد ذلك تصرخ
ا، ب ابن عمهما عماد الدولة بن الزاهر
وافى فعانقنى وقال مودّعا ... حزن لعمرك كان مبدأه سرور
كالسّهم أبعد ما يكون إذا دنا «٤» ... بعد البعاد وضم تلقاء الصّدور
[١ / ١٠٥]
ا، ب المعتمد بن عباد «١»:
وليل بسدّ النهر أنسا قطعته «٢» ... بذات سوار مثل منعطف النّهر
نضت بردها عن غصن بان منعّم ... فياحسن ما انشقّ الكمام عن الزهر
ا، ب ابنه المأمون «٣»:
قومى بنو لخم هم ما هم «٤» ... أهل الندى والبأس يوم الكفاح
هم كحّلوه من عيون القنا ... وورّدوه «٥» من خدود الصّفاح
ا، ب أخوه الراضى بن المعتمد «٦»
مرّوا بنا أصلا من غير ميعاد ... فأوقدوا نار قلبى أىّ إيقاد
لا غرو إن زاد شوقى فى مرورهم ... فرؤية الماء تذكى غلّة الصّادى
[١ / ١٠٦]
ا، ب المعتصم بن صمادح: صاحب المريّة «١»
إنهض أيا طالب إلينا ... واسقط سقوط النّدى علينا
فنحن عقد من غير وسطى ... مالم تكن حاضرا لدينا «٢»
االحاجرى: «٣»
نبىّ جمال كلّ ما فيه معجز ... من الحسن لكن وجهه الآية الكبرى
أقام بلال الخال فى صحن خدّه ... يراقب من لألاء خدّه الفجرا
اابن سابق «٤»
وندّ ماله ندّ ... تعاطيه من السّنّة
إذا أدخلته النار حكى ... رائحة الجنّة
ا، ب عون الدين بن العجمى الحلبى «٥»
قد كان من قبل ذا نهارا ... فزيد ليلا من العذار
فأين منه وهل مفرّ ... لنا من الليل والنهار
[١ / ١٠٧]
االبهاء زهير «١»
ومن شغفى فيكم ووجدى أننى ... أهوّن ما ألقاه وهو هوان
ويحسن قبح الفعل إن جاء منكم ... كما طاب ريح العود وهو دخان
ا، ب مرج كحل «٢»
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشّعر من لم يشعر
ما اصفرّ وجه الشّمس عند غروبها ... إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
ا، ب ابن سعيد: المؤلف «٣»
كأنما النّهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم منشؤها «٤»
لما أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليها الغصون تقرؤها
اابن سهل الإسرائيلى «٥»
يا لائمى إن متّ فيه اتّئد ... أو فإلى أجفانه نحتكم
غرقت فى بحر هواه وذا ... ك الرّدف منه موجه الملتطم
[١ / ١٠٨]
الأبيات المثلثة
ولا يورد منها أيضا إلا ما وقع فيه مرقص ا، ب تميم بن المعز «١»:
قم أدرها فالليل رقّ دجاه «٢» ... وبدا طيلسانه ينجاب
وكأن الصباح فى الأفق باز ... والدّجى بين مخلبيه غراب
وكأن السماء لجّة بحر ... وكأن النجوم فيها حباب
االشريف كمال الدين الحسينى الحمصى «٣»
محن البرايا فى البرايا فرّقت ... وتجمّعت فى بيتنا النّكبات
فى كل يوم منزل تحتلّه ... وتذودنا عن ملكه الأزمات
ما ضرّنا أن ليس نملك منزلا ... ولنا الصّفا والركن والحجرات
الشريف أبو أحمد بن أبى البسام «٤»
عاذلتى لا تفنّدينى ... أن صرت فى منزل هجين
[١ / ١٠٩]
فليس قبح المحلّ ممّا ... يقدح فى منصبى ودينى «١»
فالشمس علويّة ولكن ... تغرب فى حمأة وطين
ا، ب أبو فراس الحمدانى «٢»
هززنا الأنس بالصّهباء صرفا ... على نهر تدرّع بالظّلال
ورحنا بعد ذاك إلى مجال ... تحدّث عنه ربّات الحجال «٣»
كأنّ الخيل تعلم من عليها ... ففى بعض على بعض تعال
اابن عمه أبو وائل «٤»
أجل عينيك فى عينى تجدها ... مشربة جنى ورد الخدود
وصافحنى تجد عبقا بكفّى ... يضوع إليك من ردع النّهود
وها سمعى إليك فإنّ فيه ... بقايا من حديث كالعقود
ا، ب منصور بن صدقة: ملك الحلة بالعراق «٥»
يوم لنا بالنّيل مختصر ... ولكلّ يوم مسرّة قصر
[١ / ١١٠]
والسّفن تغدو فى الفرات بنا ... والماء مرتفع ومنحدر
وكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر
االملك الناصر «١»: وقد فارق من كان يحبه فلم يودعه
تغالبت والأيام فى من أحبّه ... ومن غالبته قبل ذا فأطاقها
فبانت به عنّى فلم أستطع له ... وداعا فقالت من خبرت نفاقها
تفارقه دون الوداع ومن رأت ... يودّع روحا أو يريد فراقها
ا، ب تاج الدولة بن أبى الحسين الكليى: ملك صقلية «٢»
رأتنى وقد شبّهت بالورد خدّها ... فتاهت وقالت قاس خدّى بالورد
كما قال إن الأقحوان كمبسمى ... وأن قضيب البان يشبه قدّى
إذا كان هذا فى البساتين عنده ... فقولوا له لم جاء يطلبه عندى
ا، ب المعتمد بن عباد [اللخمى] «٣»
مرضت فأمسكت الزيارة عامدا ... وما ذاك منى عن ملال ولا هجر
[١ / ١١١]
ولكننى أشفقت والله أن أرى ... بعينى تغيير الكسوف على البدر
وما سمحت نفسى ترى البدر ذابلا ... ولم أر أولى من رجوعى إلى الصّبر
اابن الزقاق «١»: وهو من ولده
ورياض من الشّقائق أضحى ... يتهادى بها نسيم الرّياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الرّاح «٢»
قلت: ما ذنبها فقال مجيبا ... سرقت حمرة الخدود الملاح
ا، ب الحاجرى «٣»
لم لا أحنّ إلى الحجاز صبابة ... ويجود دمع العين بالهملان
ورضا به الخمر العذيب وخدّه «٤» ... النّضر الجنى وعذاره العلمان
لم يعل ذاك الخدّ خال أسود ... إلا لنكث شقائق النّعمان
[١ / ١١٢]
ا، ب ابن سابق «١»
قم هاتها ما الأنس إلا بها ... فقد زها الصّبح بإشراقه
والورد قد فتّح أزراره ... وشمّر النّرجس عن ساقه
كلاهما للسّحر من خدّه ... ولحظه داع لعشّاقه
ا، ب ابن سناء الملك «٢»
يا عاطل الجيد إلّا من محاسنه ... عطّلت فيك الحشا إلا من الحزن
فى سلك جسمى درّ الدّمع منتظم ... فهل لجيدك فى عقد بلا ثمن
لا تخش منى فإنّى كالنّسيم ضنا ... وما النسيم بمخشىّ على غصن
ا، ب البهاء زهير «٣»
أيا ظبى هلّا كان منك التفاتة ... ويا غصن هلّا كان منك تعطّف «٤»
ويا حرم الحسن الذى هو آمن ... وألبابنا من حوله تتخطّف
عسى عطفة للوصل يا واو صدغه ... وحقّك أنّى أعرف الواو تعطف «٥»
[١ / ١١٣]
االجمال بن مطروح «١»
أقبل يختال فى غلائله ... والسّكر باد على شمائله
وقد غدا ساحبا ذوائبه ... قوموا انظروا الظّبا فى حبائله
وماس فى حلّة معصفرة ... يا من رأى الغصن فى أصائله
ا، ب ابن سفر: من المرية «٢»
لو أبصرت عيناك زورق فتية ... يبدى بهم مرح السرور مراحه «٣»
وقد استداروا تحت ظلّ شراعه ... كلّ يمدّ بكأس راح راحه
لحسبت من خوف العواصف طائرا ... مدّ الحنان على بنيه جناحه «٤»
ا، ب ابن سعيد «٥»: المؤلف فى جزيرة مصر
تأمّل لحسن الصّالحيّة إذ بدت ... وأبراجها مثل النّجوم تلالا
ووافى إلينا النيل من بعد غاية ... كما زار مشغوف يروم وصالا
[١ / ١١٤]
وعانقها من فرط شوق لحسنها ... فمدّ يمينا نحوها وشمالا
ا، ب ابن الصابونى «١»
بعثت بمرآة إليك بديعة ... فأطلع بسامى أفقها قمر السّعد
لتنظر فيها حسن وجهك منصفا ... وتعذرنى فيما أجنّ من الوجد «٢»
مثالك فيها منك أقرب ملمسا ... وأكثر إحسانا وأبقى على العهد
الأبيات المربعة
ولا يورد منها إلا ما وقع فيه مرقص ا، ب ابن المعتز «٣»
كم فيهم من مليح الدّلّ فى خفر ... بالسّحر مكتمل بالحسن معتجر
قد جاءنى فى قميص الّليل مستترا ... مستعجل الخطو من خوف ومن حذر «٤»
فظلت أبسط خدّى فى الطريق له ... ذلّا وأسحب أكمامى على الأثر
ولاح ضوء هناك كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قصّت من الظّفر
[١ / ١١٥]
ا، ب ابن المعتز
ربّ صفراء علّلتنى بصفرا ... ء وجنح الظلام مرخى الإزار
بين ماء وروضة وكروم ... ورواب منيفة وصحار
وكأن الدّجى غدائر شعر ... وكأن النّجوم فيه مدارى
وانجلى الغيم عن هلال تبدّى ... فى يد الأفق مثل نصف سوار
ا، ب سيف الدولة «١»
وساق صبيح للصّبوح دعوته ... فقام وفى أجفانه سنة الغمض
وقد نشرت أيدى الجنوب مطارفا ... على الجوّ دكنا والحواشى على الأرض
يطرّزها قوس السّماء بأصفر ... على أحمر فى أخضر وسط مبيض «٢»
كأذيال خود أقبلت فى غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض
ا، ب الملك الناصر «٣»: وقد ودع محبوبا له وانصرف إلى بستان
مالى وللبستان هيّج لوعتى ... يوم النّوى، مالى وللبستان
[١ / ١١٦]
قد غازلتنى فيه أعين نبرجس ... وتمايلت نحوى قدود البان
ويغيرنى ثغر الأقاح بلثمه ... خدّ الشقيق وعارض الرّيحان
وأكاد أقضى حسرة وصبابة ... مهما رأيت تعانق الأغصان
ا، ب الوزير شرف الدين البيهقى «١»
أبابل لا واديك بالبرّ مفعم ... لدىّ ولا ناديك بالرّحب آهل «٢»
لئن ضقت عنّى فالبلاد فسيحة ... وحسبك عارا أننى عنك راحل
فإن كنت بالسّحر الحرام مدلّة ... فعندى من السّحر الحلال دلائل
قواف تغير الأعين النجل حسنها ... فكل مكان خيّمت فيه بابل
ا، ب الحاجرى
لا غرو أن لعبت بى الاشواق ... هى رامة ونسيمها الخفّاق
أخذ الهوى عهدا علىّ لحاجر «٣» ... ألّا يزال الدمع فيه يراق «٤»
[١ / ١١٧]
إنى لأعذر فى الأراك حمامة (م) ... الشّاكى «١» كذلك تفعل العشّاق
حكم الغرام الحاجرىّ «٢» بأسرها ... فغدت وفى أعناقها الأطواق
ا، ب ابن سابق «٣»: وقد فرّ عنه مملوك كان يرى الدنيا به
ألا قم اسقنى بكرا شمولا ... تعين على الصّبابة والغرام
وطارحنى هوى من غاب عنى ... وناديه على غدر الذّمام
يا من عيشتى فى ناظريه ... ويا من بعده عنى حمامى
رحلت بمهجة خيمت فيها ... وشأن الترك ترحل بالخيام
ابن مطروح «٤»
وليلة وصل خلت ويا عاذلى لا تسل ... لبسنا ثياب العناق مزرّدة بالقبل
وفى طىّ ذاك العناق عتب كوشى الحلل ... وحلّيت ذاك الغزال بجوهر هذا الغزل
[١ / ١١٨]
البهاء زهير «١»
فأدر علىّ نديم أنسى خمرة ... تركت نداماها لديها سجّدا
أو ما ترى زهر الحديقة باسما ... فرحا وعريان الغصون قد ارتدا
وقف السحاب على الرّبا متحيّرا ... ومشى النسيم على الرّياض مقيدا
ويشوقنى وجه النهار ملثمّا ... ويروقنى خدّ الأصيل مورّدا.
ا، ب ابن سحنون الدمشقى «٢»
أنا عاشق فى كل أحمر قانى ... يبتزّ عقلى عندما يلقانى
أملاح جلّق ما لبستم حلية ... حمر الخدود وحمرة القمصان
لكنكم لما ثنت ريح الصّبا ... منكم غصون البان فى الكثبان
طربت لحسنكم الرّبى فعليكم ... خلعت جديد شقائق النّعمان
ا، ب أيدمر التركى «٣»
يامن به أناهائم وبليتى ... فيه يضيق بحملها الثّقلان
[١ / ١١٩]
قف بى قليلا كى أودّع مهجتى ... فلعلّ بعد اليوم ما تلقانى
بالله إن جئت الغوير فلا تغر ... بالمشى فيه معاطف الأغصان «١»
واستر شقائق وجنتيك هناك لا ... ينشق قلب شقائق النّعمان
ا، ب الوجيه المنوى «٢»
ألا بأبى من لا أسمّيه خيفة ... ومن كلّ من يلقاه صبّ وهائم
تثنّى فمات الغصن غيظا لقدّه ... ألم تره ناحت عليه الحمائم «٣»
ولما غدا مما رأى متبسما ... شققن له ثوب الحياء الكمائم
وأقسم لو أمسى يعير لحاظه ... لما سلّ فى حرب مدى الدهر صارم
ا، ب الرئيس المعظم أبو عبد الله بن أبى الحسين «٤»
ومحنيّة الأصلاب تحنو على الثّرى ... وتسقى بنات الترب درّ التّرائب «٥»
[١ / ١٢٠]
تشبّه بالأفلاك أن مياهها ... نجوم لرجم المحل ذات ذوائب «١»
وأطربها رقص الغصون ذوابلا ... فدارت بأمثال السّيوف القواضب
فخذ من مجاريها ودهمة لونها ... بياض العطايا فى سواد المطالب «٢»
ا، ب أبو جعفر بن الخراز البلنسى «٣»
إليك بآمالى نزعت عن الورى ... ولم يصف لى فى غير ظلّك مورد
وما زلت أجنى منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أياد دانيات قطوفها ... لأغصانها ظلّ علىّ ممدّد
يرى جاريا ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكرى فوقهنّ تغرّد
[١ / ١٢١]
الخميلة الخامسة المشتملة على الأبيات المخمسة والمسدسة والمسبعة والمثمنة
وجميعها مختار من غزل المشارقة والمغاربة، وأسلوبها من نمط المقبول، وقد يقع فيها المطرب ولا يقع فيها المرقص إلا نادرا.
الأبيات المخمسة «١»
ا، ب الشريف الرضى «٢»: إمام هذا الشأن
عارضا بى ركب الحجاز أسائل ... هـ متى عهده بأيام سلع «٣»
واستملا حديث من سكن الخي ... ف ولا تكتباه إلا بدمع
فاتنى أن أرى الدّيار بعينى ... فلعلّى أرى الدّيار بسمع
من معيد أيام سلع على ما ... كان منها وأين أيام سلع
طالب بالعراق ينشد هيها ... ت زمانا أضله بالجزع
[١ / ١٢٢]
ا، ب أخوه الشريف المرتضى «١»
ألا يا نسيم الرّيح من أرض بابل ... تحمّل إلى أهل الخيام سلامى
وإنى لأهوى أن أكون بأرضهم ... على أننى منها استفدت مقامى
وقد كنت كالعقد المنظّم منهم ... فهأنذا سلكا بغير نظام
أبيت أرجّى أن يلمّ خيالهم ... وكيف يزور الطيف دون منام
فلا برق إلا خلّب بعد بينهم ... ولا عارضا إلا بياض جهام
ا، ب مهيار «٢» غلام الشريف الرضى «٣»
قد قنعنا أن نرقب الأحلاما ... إن أذنتم لمقلتى أن تناما «٤»
يا لواة الدّيون إنى غريم ... لكم لو قضيتموه الغراما
ما لكم لا يذمّ منكم بغاة العي ... ب إلّا إلّا لكم أو ذماما
[١ / ١٢٣]
لا أحل الفراق من رشإ فيكم (م) ... أحلّت نواه نفسا حراما «١»
لا ادّعت بعده الغصون قواما ... عند عينى ولا البدور تماما
التهامى الحسينىّ «٢»
غرّاء تسحب ليلا حسنه أبدا ... فى الطّول منه وحسن الليل فى القصر
أهتزّ عند تمنى وصلها طربا ... وربّ أمنية أحلى من الظّفر
تجنى علىّ وأجنى من مراشفها ... ففى الجناء والجنايا ينقضى عمرى
وراعها جرّ أنفاسى فقلت لها ... هواك نار وأنفاسى من الشّرر
فقمت أعشر فى ذيل الدّجى ولها ... والجوّ روض وزهر الشّهب كالزّهر
ا، ب أبو جعفر الفيروز بادى: معاصره «٣»
نسيم الصبا إن جئت أرض محبّتى ... فخصّهم منّى بكلّ سلام
وبلّغهم أنى رهين صبابة ... وأن غرامى فوق كلّ غرام
[١ / ١٢٤]
وإنى ليكفينى طروق خيالهم ... لو انّ جفونى متّعت بمنام
ولست أبالى بالجنان ولا لظى ... إذا كان فى تلك الدّيار مقامى
وقد صمت عن لذّات دهرى كلها ... ويوم أراهم ذاك فطر صيامى
اسلمان بن أبى طالب النهروانى «١»: شاعر نظام الملك وجليسه
يا ظبية حلّت بباب الطّاق ... بينى وبينك آكد الميثاق
فوحقّ لذّات الصّبا ووصالنا ... فى ظل أيام هناك رفاق
ما مرّ من يوم ولا من ليلة ... إلا إليك تجدّدت أشواقى
سقيا لأيام جنى لى طيبها ... ورد الخدود ونرجس الأحداق
وإذا أضرت بى عقارب صدغها ... كانت مراشف ثغرها درياقى
اابن فضال القيروانى «٢»: من شعرائه أيضا وخواصه
والله ثمّ الله ربّ العباد ... بخالص النيّة والاعتقاد
[١ / ١٢٥]
ما زادنى صدّك إلا هوى ... وسوء أفعالك إلا وداد
وإننى منك لفى لوعة ... أقلّ ما فيها يذيب الجماد
فكن كما شئت فأنت المنى ... واحكم بما شئت فأنت المراد
وما عسى تبلغه طاقتى ... وإنما بين ضلوعى فؤاد
ا، ب ابن بختيار الأبله البغدادى «١»: المشهور برقة الغزل
بأىّ لسان للوشاة ألام ... وقد علموا أنى سهرت وناموا
أهيم وما أظهرت فى الحبّ بدعة ... ولو أنهم ذاقوا الغرام لهاموا
هل العشق إلا لوعة فى جوانحى ... تنمّ عليها أنّة وغرام
ألام على حبّيك وهو مبرّح ... وأكبر برح فى هواك كلام
أيستكثرون الوصل لى منك ليلة ... وقد مرّ عام للصّدود وعام
[١ / ١٢٦]
ا، ب ابن المعلم الواسطى «١»: مشابهه فى رقة الغزل ومعاصره
خذ من عيونهم الأمان وهل ... لمن حمل الغرام من العيون أمان
كم فى البراقع من قسىّ حواجب ... تصمى القلوب وغيرها المرنان
رحلوا بأفئدة الرجال وغادروا ... بصدورها فكرا هى الأحزان
واستقبلوا الوادى فأطرقت المها ... وتحيرت بغصونها الكثبان
فكأنما اعترفت لهم بقدودها (م) ... الأغصان أو بعيونها الغزلان
ا، ب ابن التعاويذى «٢»: معاصرهما ومشاركهما هذه الطريقة «٣»
وفاتر اللحظ معشوق القوام له ... قدّ يعلّم غصن البانة الهيفا «٤»
إن قلت جرت على ضعفى يقول متى ... كان المحبّ من المحبوب منتصفا
أو قلت أتلفت روحى قال لا عجب ... من ذاق طعم الهوى يوما وما تلفا
[١ / ١٢٧]
أو أنكرت من دمى عيناه ما سفكت ... فقد أقرّ به خدّاه واعترفا «١»
قد قلتم الغصن ميال ومنعطف ... فكيف مال على ضعفى وما انعطفا «٢»
الأبيات المسدسة
وهى مختصة بشعراء الغرام الكائنين فى المائة السادسة، ولا يعاد اسم من تقدم ليأخذ كل منهم بحظه من الذكر.
ا، ب الخليفة المستنجد «٣»: وليس من خلفاء العباسيين والعاويين والأمويين أرق منه فى الغراميات
يا سارى البرق هل من رامة خبر ... فإننى لسواه ليس انتظهر
بالله ربك خبّرنى فها كبدى ... تكاد من ذكرهم بالوجد تنفطر
أحباب قلبى وجيرانى وأهل منى ... روحى إذا طربت والسمع والبصر
أعندكم أننى من بعد فرقتكم ... لا أستلذّ بما يهوى له النظر
ترى أراكم على بانات كاظمة ... والعذل قد غاب والأحباب قد حضروا
[١ / ١٢٨]
وX,ع الله شملا طالما لعبت ... به الليالى ولم يسعف به القدر
أبو الفتح بن عمر البغدادى «١»: المشهور بحسن الخط وعذوبة الشعر
يا مديل الوصال بالهجر صبرا ... للذى قد أتت به الأقدار
كلّ يوم لنا عتاب جديد ... فى نواحيه يخلق الاعتذار
وانتظار لليوم والغد يأتى ... أو كلّ الزّمان فيه انتظار
إن أبت شاهر الجفون ودم ... ع العين فى الخدّ واكف مدرار
فبما بت راقدا وعلى جي ... دى يمين معطوفة وسوار
نتساقى كأسا من العتب صرفا ... ولخمر العتاب أيضا خمار
ا، ب أحمد بن الفضل البغدادى «٢»: صاحب نطاق الخصر فى شعراء العصر «٣»
أيا علمى نجد هل اخضّر بعدنا ... مراتع كان العيش فيهنّ أخضرا
[١ / ١٢٩]
وضاحك ثغر الأقحوان شبيهه ... صقالا ولونا وانتصابا ومنظرا
وهل لحمام الدّوحتين ترنّم ... إذا هبّ غربىّ النّسيم فأسحرا
وهل ذلك الوادى كما كان صفوه ... ينبمّ على حصبائه أم تكدّرا
وهل لليالينا على جوّ حاجر ... معاد وخيل الزّهر قد ملّت السّرى
نفضّ ختاما من حديث إذا سرى ... مع الريح كان الجوّ منه معطّرا
اأبو المظفر بن السبتى البغدادي «١»
يا ناجيا من عذاب قلبى ... وسالما من رسيس وجدى
لا تتقرّب إلى نيابى ... فإن داء الغرام يعدى
تزعم أن الفؤاد عندى ... لو كنت عندى لكان عندى
يا لائمى فيه لا تلمنى ... وجدى به جاز كلّ حد
وكلّما زدته غراما ... يزيدنى منه كلّ صد
قد غير الدهر كلّ شىء ... غير جفاه وحسن عهدى
[١ / ١٣٠]
ا، ب محمد بن المؤيد: خطيب خوارزم «١»
عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوّضوا
فكأن فى الليل البهيم تبسّطوا ... خفرا وفى الصبح المنير تقبّضوا «٢»
ولقد سمعت وما سمعت بمثله ... بينا غراب البين فيه أبيض «٣»
يا هاجرين ومالنا من زلّة ... إلا المشيب ترى بمن نتعوض
ما غيركم فى العين أحلى منظرا ... وسوى حديثكم لنا لا يعرض «٤»
فلتهجروا أو تعتبوا أو تعرضوا ... فلغيركم فى الحب لا نتعرض
ا، ب المؤيدّ الطغرائى: شاعر العجم «٥»
بالله يا ريح إن مكّنت ثانية ... من صدغه فأقيمى فيه واستترى
وراقبى غفلة منه لتنتهزى ... لى فرصة وتعودى منه بالظّفر
[١ / ١٣١]
وإن قدرت على تشويش طرّته ... فشوّشيها ولا تبقى ولا تذرى
ثم اسلكى بين برديه على عجل ... واستبضعى الطّيب وائتنى على قدر
ونبّهينى دون القوم وانتفضى ... علىّ والليل فى شكّ من السّحر
وعّللينى بذكر منه يبلغ بى ... ما ليس تبلغه الآمال بالفكر «١»
االأرجانى «٢»
ورد الخدود ودونه شوك القنا ... فمن المحدث نفسه أن يجتنى
لا تمدد الأيدى إليه فطالما ... شنّوا الحروب وقد حددنا الأعينا
ورد تخير من مخافة نهبه ... باللحظ فى ورق البراقع مكمنا
قل للتى ظلمت وكانت فتنة ... لو أنها عدلت لكانت أفتنا
أيراد صونك بالتبرقع ضلة ... وأرى السفور لمثل حسنك أصونا
كالشمس يمتنع اجتلاؤك وجهها ... فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا
[١ / ١٣٢]
ا، ب ابن الخياط الدمشقى «١»
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد ريّاها يطير بلبّه
وإيّاكما ذاك النسيم فإنّه ... إذا حب كان الموت أيسر هبّه «٢»
وفى الرّكب مطوىّ الضّلوع على جوى ... متى يدعه داعى الغرام يلبّه
إذا خطرت من جانب الرّمل نفحة ... تضمّن منها داؤه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنّة معرض ... وفى القلب من إعراضه مثل حجبه
أنمار إذا آنست فى الحى أنّة ... حذارا وخوفا أن تكون لحبّه
ا، ب ابن رواحة الحموى «٣»
يا غائبا وهو ذو عتاب ... وحاضرا وهو ذو اجتناب
ومن يديم الزمان هجرا ... وقد روى دائم اكتئاب
[١ / ١٣٣]
وليس لى عنده شفيع ... وأين أعلى من الشّباب
أخلفته فيه دون شىء ... ما حلّ بالعاشقين ما بى
إن كان يحلو لديك ظلمى ... فزد فى الهجر، فى عذابى «١»
عسى يطيل الوقوف بينى ... وبينك الله فى الحساب
الأبيات المسبعة
وجميعها مختار من غراميات شعراء المائة السابعة ممن أنشدنى لنفسه وليس فيهم من أنشدت عنه غير الحاجرى ا، ب الحاجرى المذكور «٢»
أحقّا صباها أن نجدا مقامها ... فإن مرام الفرقدين مرامها
نعم، عزّ لقياها وشطّ مزارها ... وأقفر ناديها وعين لمامها
عجبت لها تنسى ويذكر عهدها ... وتنقض ميثاقا ويرعى ذمامها
سقى سرحة الوادى بنجد غمامة ... ينمّق أثواب الرياض انسجامها
[١ / ١٣٤]
وهبّ صبا تلك الربا عنبرية ... ولا زال رطبا شيحها وثمامها
فكم لى والأحباب فيها مواقف ... يخجل إسفار الصباح ابتسامها
ملاعب لو أعطيت من دهرى المنى ... وخيّرت ما أهوى لقلت دوامها
ا، ب الشهاب التلعفرى «١»: مقدم شعراء الناصر
لم أزل مكثرا إليه سؤالا ... وجوابا ما عنده لى سوى لا
ما شجانى فقد لحبّة قلبى ... عند ما صاغها لخدّيه خالا
كلما رمت منه معمول فيه ... هزّ لى من قوامه عسّالا
وتجنّى تيها وماس دلالا ... وانثنى معرضا وصال وقالا
ياله من مجاهد فى محبّيه ... ينادى بمقلتيه النّزالا
لم يقاتل إلا بمنكسرات ... ومراض من الجفون كسالا
كلّ حرب له وليست عليه ... وسمعنا بها تكون سجالا
[١ / ١٣٥]
ا، ب الشرف بن سليمان الأربلىّ «١»: من أعلام شعراء الناصر
سقى بالحمى ربعا نأت عنه غيده ... كريم سحاب كل يوم يجوده
لئن غربت أقماره وشموسه ... وأقوت مغانيه وحالت عهوده
فعندى لأهليه الذين تحمّلوا ... قديم هوى مارثّ منه جديده
ليالى سمعى لا يصاخ اماذل ... وعصر الصّبا واللهو لم يذو عوده
وأسمر يحكى السمهرىّ قوامه ... يطاعن عنه لحظه وغموده «٢»
أمير جمال جاء خطّ عذاره ... بإجراء دمعى المستحيل جموده
غزال بقلبى لا بسلع كناسه ... وبين ضلوعى لا بنجد زروده
ا، ب التاج بن شقير المعرى «٣»: من شعرائه أيضا
حبّى ديارك من نجد وإن بعدت ... عنّى ومغناك من قلبى وإن قربا
[١ / ١٣٦]
دار أدرّ بها صوب الدموع وذا ... غنى أزور به البدر الذى احتجبا
هند ما أنا فى العشاق أول من ... يبغى رضا من تجنّى بعد ما غضبا
إن كنت أذنبت قد وافيت معتذرا ... وإن ظلمت بواش فالرّضى وجبا
إذ تذكرين زمانا بالغوير صفا ... فيه لنا مورد بالوصل قد عذبا
وقد أنت سوى [سهم] بلحظك أو ... طعن بقدّك لا سمرا به وطبا «١»
قناة قدّك أرواح الورى سلبت ... لأجلها سميّت سمر القنا سلبا
ا، ب المجد بن الظهير الأربلىّ «٢»: من الشعراء المذكورين
لو أنّ طيف خيال عزة يطرق ... ما شاقنى برق الحما والأبرق «٣»
ولما وقفت على المنازل شاكيا ... بلسان دمع بالسرائر ينطق
لهفى على زمن تقضىّ بالحمى ... سمعى بذكرى غيره لا يعلق
[١ / ١٣٧]
يا عاذلى فيه وفى سبكّانه ... قد كنت تعذرنى لو انّك تعشق
أخلوت من وجد ولمت متيّما ... ولهان يصبح بالغرام ويعبق
خلّ الهوى لفريقه فنفوسهم ... لسواه لا تهوى ولا نتعشّق
والله ما خطر النعيم بخاطرى ... مذ بان من بمحبه لا يرفق
ا، ب على بن مسعود الحلبى «١»: المعروف بالذهبى من الشعراء الناصرية
إلى كم ترانى يا خليّا من الوجد ... وتعرض عن شىء وتخلف لى وعدى
وكم فيك جرعت الهوان بمنزل ... علمت به أن المنازل لا تجدى «٢»
أعيد وأبدى ما أحن من الهوى ... على الرسم دار ما يعيد ولا يبدى «٣»
وبرق تراءى من تهامة موهنّا ... فأوهمنى قرب المزار على بعد «٤»
سرى خافقا من أيمن الغور مهديّا ... لى الماء والجمر المضرّم فى نجد
[١ / ١٣٨]
وأضحى على وادى الأراك مخيّما ... يلوح ويخفى مثل حاشية البرد
لك الله يا برق الغضا إن للغضا ... بقلبى ما للنار من مهجة الزّند
ا، ب التاج الصرحدى محمود بن عابد «١»
تأنّوا ففى طىّ النّسيم رسائل ... وميلوا فإن البان بالسفح مائل
وما مال إلا السؤال وعنده ... حديث هوى فاستحدثوه وسائلوا «٢»
روى خبرا عن بان نعمان مرسلا ... وأسند عنه ما حكته الشّمائل
خذوا عن يمين البان قد بلغ الهوى ... أواخر لم تدرك لهنّ أوائل «٣»
ونمّوّا غرامى للنّسيم فإنه ... غريمى إذا ماهيّجتنى البلابل «٤»
وميلوا إلى رمل الحمى علّ سربه ... تلاحظكم غزلانه وتغازل
فإن سؤالى للنسيم علالة ... كما أن دمعى للمنازل سائل
[١ / ١٣٩]
ا، ب ابن سودكين الحلبى «١»
أفق أيها القلب المشوق من الوجد ... وبشرى فقد زار الحبيب على بعد
ويا ناظرى لم يبق من بعد قربه ... سهاد ولا دمع يسيل على الخدّ
تمتّع بما أولاك من طيب وصله ... فقد زارنى بعد القطيعة والصّد
رعى الله ليلا بات فيه مواصلى ... حبيب دنا من غير علم ولا وعد
رعى فيه للعهد القديم حديثه ... فيا حبّذا من زارنى ورعى عهدى
ولما ثوى فى القلب من غير حائل ... وصار به فردا سليما من الضّد
وعاين ما فيه من الوجد (زارنى) ... وما زارنى حتى تحقّق ما عندى
[١ / ١٤٠]
الأبيات المثمنة
وجميعها مختار مما أنشدنيه لأنفسهم المطبوعون فى الغراميات من أعيان حلب ومصر ا، ب مجد الدين بن العديم «١»
أقول لصحبى حين ساروا ترفّقوا ... لعلّى أرى من بالجناب الممنّع
وألثم أرضا ينبت العزّ تربها ... وأسقى ثراها من سحائب أدمى
وينظر طرفى حيث أترك مهجتى ... فقد أقسمت ألا تسير غدا معى «٢»
وما أنا إن خلّفتها متأسّف ... عليها وقد حلّت بأكرم موضع
ولكن أخاف العمر فى البين ينقضى ... على ما أرى والشّمل غير مجمع
/ يمينا بمن ودعته ومدامعى ... تفيض وقلبى للفراق مودّعى «٣»
لئن عاد لى يوما بمنعرج اللّوى ... وأصبح سربى فيه غير مروع
غفرت ذنوبا أسلفتها يد النوى ... ولم أشك من جور الزمان المضيّع
[١ / ١٤١]
انجم الدين بن الأستاذ الحلبى «١»
ضاع عمرى فى ليتنى ولعلىّ ... والتّمنىّ فى الحبّ جهد المقلّ
يا كثير الصدود أكثر عمرى ... ضاع فى الهجر فارث لى فى الأقلّ
ما شفيعى إليك غيرك فارحم ... وإذا لم تكن لفقرى فمن لى
أنا موسى هواك فارث لحالى ... وتصدّق بوقفة للتجلّى
فأقسى الطرف من جنى بك نارا ... أطمعتنى على نزوح المحل
ما أبالى متى أفوز بقرب ... منك من صدّ أو تجود بوصل
ما بقى فى جميع قلبى ولبّى ... من نصيب لغير من شتّ شملى
أنا أهواه وهو يهوى بعادى ... آه من دلّه علىّ وذلى
[١ / ١٤٢]
ا، ب بهاء الدين زهير «١»: كاتب ديوان الانشاء بمصر
رويدك قد أفنيت يا بين أدمعى ... وحسبك قد أحرقت يا شوق أضلعى
إلى كم أقاسى فرقة بعد فرقة ... وحتّى متى يا بين أنت معى معى
أأحبابنا، لم أنسكم، وحياتكم ... وما كان عندى ودّكم بمضيّع
عتبتم ولا والله ما خنت عهدكم ... ولا كنت فى ذاك الوداد بمدّع
وقلتم علمنا ما جرى منك بعدنا ... فلا تظلمونى ما جرى غير أدمع
رعى الله ذاك الوجه وجها نحبّه ... وحيّته عنى الشّمس فى كلّ مطلع
ويا ربّ جدّد كلما هبّت الصّبا ... سلامى على ذاك الحبيب المودّع
قفوا بعدنا تلفوا مكان حديثنا ... به أرج كالمندل المتضرّع
ا، ب/ جمال الدين بن مطروح «٢»: كاتب ديوان الجيش بمصر
هى رامة فخلوا يمين الوادى ... وذروا السّيوف تقرّ فى الأغماد
[١ / ١٤٣]
وحذار ثم حذار أعين غيدها ... فلكم صرعن بها من الاساد
من كان منكم واثقا بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادى
يا صاحبىّ ولى بجرعاء الحمى ... قلب أسير ماله من فاد
وأغنّ معسول اللّمى مسكيّه ... لولا الرقيب بلغت منه مرادى
قالت لنا ألف العذار بخدّه ... فى ميم مبسمه شفاء الصّادى
فى بيت شعر نازل من شعره ... فالحسن منه عاكف فى باد
ومن المنى لو دام لى فيه الضّنا ... ليرقّ لى فأراه من عوّادى
ا، ب الزين كتاكت بن الواعظ الملحن «١»
جادت بوبل الدّمع سحب محاجرى ... لمّا سرت سحرا نسيمة حاجرى «٢»
وتذكّر العهد القديم برامة ... قلبى فحنّ إليه حنّة ذاكر
يا مولعا بهوى سويكنة الحمى ... عرّضت قليك للتّلاف فحاذر
[١ / ١٤٤]
هاتيك علوة قد تجلّى حسنها ... فبحقّها يا عاذلى كن عاذرى
ما كلّ من زار الحمى سمع النّدا ... من أهله أهلا بذاك الزّائر
أفسدتم نظرى علىّ فما أرى ... من بعدكم مرأى يروق لناظرى
أنا لا أدين لغير ساكنة الحمى ... وسوى هواها لا يلمّ بخاطرى
شغلت فؤادى أن يحنّ لغيرها ... وأرى هواها ماله من آخر
ا، ب الظهير الرسام المصرى «١»
نمّ دمعى إلى الحداة بوجدى ... حين ساروا عن العقيق بهند
وأمطتّ الحياء فى عرصة الدّا ... ر عفّرت فى المعالم خدّى
قاتل الله سائق العيس كم ... ذلّ له من عزيز قوم كعبد
لو درى أنه يسير بقلبى ... بين أجمالهم لرقّ لوجدى
رحلوا جملة بقلبى ولبّى ... ولحينى بقيت فى الدار وحدى
[١ / ١٤٥]
أسأل الرّسم عن دواتى وإن ... كان سؤالى لصامت ليس يجدى
يا خليلىّ جنّبا عن جوارى ... عيسكم فالغرام كالدّاء يعدى
قيل نجد شفاه، قلت ومن لى ... بنسيم بهبّ من أرض نجد
ا، ب مهلهل الدمياطى «١»
يا بانة الرّمل هل مرّت بك الابل ... وساحة السفح هل حلّت بك الكلل «٢»
ويا عريب النّقى هل للّقا أمد ... ويقتضى بحماكم ذلك الأمل «٣»
رحلتم بفؤادى يوم رحلتكم ... وبين جنبىّ قد حلّت لكم حلل
وحقّكم ويمين الحب صادقة ... قلبى بغير هواكم ليس يشتغل
يا سائق البدن بالبطحاء قف نفسا ... لعلّ عينى بحسن القوم تكتحل «٤»
بدور تمّ من الأكوار مطلعها ... فى القلب والطّرف قد حلّوا وقد نزلوا «٥»
[١ / ١٤٦]
يا للرّجال عسى خلّ يعين فتى ... حلف الغرام رمته الأعين النّجل
قد دارس الوجد حتى شاب مفرقه ... ومارس الحبّ حتى جاءه الأجل «١»
[١ / ١٤٧]
الخميلة السادسة المشتملة على الأبيات المتسعة والمعشرة والاحدى عشرية والاثنى عشرية
الأبيات المتسعة
وهى محتوية على ما يقع فيه ذكر الرياض والأنهار والراح والارتياح وما يتعلق بذلك ا، ب الخيار الكرخى «١»
العيش غضّ والزّمان نضير ... والرّاح تسكب والكئوس تدور «٢»
فتناهبوا الأقداح واغتنموا بها (م) ... الأفراح فالدّنيا بذاك تشير
وخذوا بلهنية الصبا بجمامها ... فلها رواح دائم وبكور
إنى لتعجبنى الزّنامى سحرة «٣» ... ويشوقنى بالجاشريّة زير
وأكاد من فرح السرور إذا بدا ... ضوء الصباح من السرور أطير
وإذا رأيت الجو فى فضّية ... للغيم فى جنباتها تكسير
[١ / ١٤٩]
منقوشة صور البزاة كأنها ... فيروزج قد شابه بلّور «١»
نادت بى اللذات ويحك فانتهز ... فرص المنى يا أيّها المغرور
هذا وكم لى بالجنينة سكرة ... أنا من بقايا شريها مخمور
ا، ب النّجم بن شجير البغدادى «٢»: اجتمعت به فى بعداد فأنشدنى كثيرا فى هذا الباب، حفظت منه قوله:
أرح المطىّ من الرّسيم ... وذر التّعّذل بالرسوم «٣»
وانزل بحانات المطي ... رة خاطبا بنت الكروم
واستجل بكرا شتّتت ... بوصا لها شمل الهموم «٤»
يملى عليك حديثها ... ما كان فى الزّمن القديم
نصبت شباك براقع ... صادت بها عقل الحليم
من كفّ معتدل القوا ... م بوجهه ماء النّعيم
[١ / ١٥٠]
والوقت معتدل المزا ... ج وجوه صافى الأديم
والرّوض يسكره النّدى ... ويميله مرّ النّسيم
ورأيته مكثرا من ذكر قطربل مع ما فى النفس عنها من ذكر أبى نواس لها، فاقتضى الحال المسير إليها وهى كروم وبساتين على [الجانب] «١» الغربى من دجلة، ثم اقتضى الاجتماع أن حمل هو ومن حضر من الأدباء أن عظمت هذه الأبيات
قم نديمى لحانة الخمّار ... ننف ما قد أصابنا من خمار
قم لقطربّل فإن بسمعى ... لفظها غير محوج للقمار
أىّ حال حال بأطيب عيش ... حين سرنا فى طيبة ووقار
وهدانا شذى من الدّير دارت ... كأسه قبل حث كأس العقار
ثمّ جئنا إلى عجائز قسّ ... لابس مسحه مع الزّنّار
نسج العنكبوت سترا عليها ... كم به هتكت من الأستار
قلت ما هذه؟ فقال شموس ... ستروها بظلمة من قار
ثمّ وافى بساطع مستطيل ... يترك الليلّ فى رداء النّهار
[١ / ١٥١]
لم نطق أن نزيد شيئا على الذو ... ق وبتنا صرعى على الأزهار
فقام الجميع يقبلون رأسى وما فيهم إلا من حفظها إما تطييبا لنفس قائلها، أو اقتضى فهمهم أنها تستحق ذلك.
ا، ب المجير بن تميم الدمشقى «١»: حضرت معه فى بستانه على نهر ثورا بغوطة دمشق فاقتضى الحال أن نظم هذه الأبيات.
نظم الهواء بلؤلؤ الأنداء ... عقدا لجيد الرّوضة الغنّاء
شقّ الشقيق بها هناك جيوبه ... مذ سلسلت فيه جوارى الماء
وبدا الأقاح وثغره متبسّم ... لما تباكت أعين الأنواء
وتناشدت أطيارها ما بينها ... بلغاتها كتناشد الشّعراء
وأتوا بما نظموه فى أشعارهم ... بغرائب دقّت على البلغاء
ألقى الهزار عليهم من درسه ... فتجادلوا كتجادل الفقهاء «٢»
ورقى خطيب العندليب منابر (م) ... الأغصان لابس خلعة الخلفاء
[١ / ١٥٢]
فأدر فديتك يا نديم مسرّتى ... شمسا تشقّ غلائل الظّلماء
قد جمّعت فيها العناصر إذ غدت ... ماء ونارا فى إناء هواء
ا، ب أبو العباس الغسانى «١»: صاحب القلم الأعلى بالحضرة التونسية- مرّ الله عليها وارف الظلال الإمامية- حضرت عنده ليلة ومعنا أبو القاسم بن يامن الشاطبى، خرجت معه إلى الرياض بالحريرية فاقتضى الحال أن اشتركنا فى نظم هذه الأبيات:
منادل الشرب أطراف الرياحين ... لم يعلها درن بل مسك دارين
تناولته يد النّدمان فاكتسبت ... بالطّىّ نشرا له ما زال يحيينى
لا كان من قال أعراف الجياد لنا ... منادل فهو مجنون المجانين «٢»
فللشّياطين كانت تلك فى قدم ... بين القفار وهذى للسّلاطين
فى مجلس جمع الأشتات من نعم ... فى دارة الملك لا فى دير عبدون
ركائب الأنس فيه من مدامتنا ... تحدى إلينا بأنواع التّلاحين
[١ / ١٥٣]
والشّمع يضحك أنسا من تجمّعنا ... وشدة الضّحك تبكيه إلى حين
أمست عرائس تجلى فى منابرها ... من نفسها برزت فى حسن تزيين
فالتاج من ذهب والعقد من درر ... والكلّ منها بدا فى كلّ تحسين
[١ / ١٥٤]
الأبيات المعشرة
فى وصف متنزّهات واستدعاءات وأجوبة لذلك، وجميعها مما جرى لى مع منعم جواد، أو مخلص ذى وداد.
أ- العراق:
أجل من رأيته من كرمائها وأرباب مناصبها/ الصاحب فخر الدين بن قاضى القضاة الدامغانى «١» . وجدته ببغداد صاحب أعمال الخليفة المستعصم، فانحدرت معه إلى البصرة فى دجلة، ورحلتى معه تحتمل سفرا زبدتها فى هذا المكان. إنا لما وصلنا إلى البصرة حللنا بين نهر الأبلة ونهر معقل، وضرب الصاحب هناك خيمة، وفيها ماء يرتفع ويدور كالأهلة برسم الجلوس للناس. وجاءه الوافدون من المسلمين والنصارى والمجوس والصابئة، فسنح لى القول فأنشدته:
ما بين نهر الأبلّه ... ونهر معقل حلّه
قد حلّها كلّ جود ... وأمّها كلّ ملّه
بدت لديها بدور ... دارت عليها أهلّه
يمم ذراها لتلقى ... بأفقها المجد كلّه
فارتاح وتهلل وجرى على عادة مكارمه، وقال: لقد هززتنى، فقلت: وبقى أيها الصاحب أن تهمزّنا أنت. فقال: بأى شىء؟ فأنشدته تمام الشعر لما دعا ذلك المنظر العجيب إلى ما يشتاق إليه الأديب: «٢»
يا أيها المبتدى قب ... ل أن نسائل فضله
ماذا ترى فى نعيم ... خلا من الأنس جمله
لا تضحك الكأس فيه ... وينظم الشّرب شمله
[١ / ١٥٥]
ولا يهز سماع ... لا يعدم الطيب مثله
وكلّ وجه مليح ... يزويه بدر لعلّه
لو كان يرتاح بالس ... راح لم يضنّ بقبلة
فضحك وانبسط وأفرط فيما أشير به، وفى وجه من وجوه المسرة ما فرّط.
ب- الشام.
ألطف من صحبته فى هذا الشأن بحلب من أهل الود والأدب:
ا، ب النور الأسعردى «١» خرجت معه مرة إلى باصفراء، وهو مكان عجيب على نهر قويق «٢» متكاثف الظلال، مصطخب الأطيار، وبتنا فى جوسق بالقرب منه، ثم جعلنا نصابحه ونماسيه أياما إلى أن قال الأسعردى
لله عصر ببا صفراء طاب لنا ... فيه العصير على ما يقتضى الأدب
روض ونهر وظل وارف وشذا ... زهر وألحان طير فيه تصطخب
وأوجه تضحك الدّنيا ببهجتها ... ويدرك المرء من نعماه ما يجب
كأنهن بدور تستنير بها ... لنا غصون زهت من تحتها كتب
[١ / ١٥٦]
أنجد وأنهم رعاك الله مجتليا ... فحيث ما جئت منها منزع عجب
ولى نديم قديم الودّ ذو أدب ... يبدى إلىّ حديثا كله طرب
كأنه كأس راح من لطافته ... ودرّ ألفاظه من حسنها حبب
لا يعرف الخلف فى شىء يعنّ ولا ... يبدى إلينا سوى ما يقتضى الحسب
أشهى إلىّ من الدنيا مصاحبة ... مخلص لا تدانى أرضه الرّيب
تحاسد الأرض فيه فهى تطلبه ... من كلّ أفق وقد فازت به حلب
ا، ب ولا زمنى فى دمشق الفخر بن عز القضاة «١»، وهو ما خط عذاره، ولا خسف ابداره، وله من الفطنة والذكاء ما أربى به على أكابر الشعراء والأدباء.
كتب لى مرة من جنّته على نهر بردى:
يابن سعيد دمت فى أسعد ... هل لك فى طيب لنا سرمد
فى جنّة قد جنّ سلسالها ... إذ مرّ بالدّر على الجلمد
والورق التّبرىّ من حوله ... يميل أو يسقط لا تهدى
[١ / ١٥٧]
أبدى خريف الفصل فيه لنا ... عشّاقه كيما بها نقتدى «١»
ولىّ ربيع الأرض عنها وقد ... أولى جميلا كلّ وجه ندى
فالنهر قد حاك له حلّة ... من صبغة الدّوح بها يرتدى
وقد طوى الريح على المسك كى ... يفوح منها نشرها فى غد
وطوّق الورق بإحسانه ... ولثّم الشّحرور بالعسجد
فصل وواصل مسرعا منعما ... فكأس كلّ واقف فى اليد
وحاش للمجد بأن يرتضى ... خلفا لما أسلف من موعد
ج- إفريقية:
واصطفيت من أعلام الحضرة التّونسية من كان بالتجربة كالذّهب الإبريز وهو أبو العباس «٢» ا، ب أبو العباس الغسانى «٣»: المتقدم الذكر، استدعانى مرة إلى جنته بالحريرية واقتضى الحال أن تشاركنا مع ابن يامن فى هذه الأبيات:
[١ / ١٥٨]
رنت نحوكم مقل النّرجس ... وأمست تشير إلى الأكوس
وقد حدّد الآس آذانه ... ليسمع ما دار فى المجلس
وأخجل تفّاحنا فاغتدى ... يروم الكلام فلم ينبس «١»
وقد باح إترجنا بالهوى ... وظاهره بالضّنا مكتس
وماس التّرنجان فى حلّة ... تروق العيون من السّندس
وكالجمر نارنجنا قد بدا ... يروع العيون ولم يقبس
وزنبوعنا «٢» بعضه مثل ما ... نظرت إلى الذّهب الاملس
وتضريس بعض كشمع أسيل ... ولكنه بارد الملمس
وقد ضحكت بيننا أكؤس ... فوجه الدّجنّة لم يعبس
فيا ربّة العود حثّى الغنا ... ويا ساقى الكأس لا تحبس
[١ / ١٥٩]
الأبيات الاحدى عشرية
فى مقطوعات من قصائد أخوانيات، وكلها مما خاطبنى فيه أخوان الصفاء والاحسان، فيما تجولت فيه من البلدان ا، ب النور الأسعردى «١» كتب إلىّ من دمشق إلى حلب قصيدة منها:
إليك حنينى لا إلى الكأس والصّبا ... وما زال دهر قد قطعناه من ذكر
ولطفك يقضى. أن تكون ببلدة ... حكت جنّة الرّضوان قبل مدى الحشر
وأين قويق من مقاسم أنهر ... على درر الحصباء قد أصبحت تجرى
فديتك لا تهمل حقيق نصيحتى ... وكن لا محا بين النّجوم سنا البدر
أجلّق فى الدّنيا فيختار غيرها ... وما هى لى أرض ولكن سبت فكرى «٢»
وما زلت مختارا لأهل مودّتى ... جميع الذى أختار من تحف الدّهر «٣»
أتصبر عن أرض ينوح حمامها ... غراما وتختال الغصون من السكر
[١ / ١٦٠]
يمرّ اختلاسا فى رباها نسيمها ... فأحسبه من روضها سارق النّشر
لدى عذب الأغصان فوق فوارس ال ... حمام وموج النهر كالجحفل المجر «١»
وقد ألبسته الرّيح محكم سردها ... وألقت عليه الشّمس درعا من التبر
إذا لم أضع عمرى على رغم حاسد ... بنيل المنى فيها فواضيعة العمر
ا، ب أيدمر التركى «٢» كتب إلىّ من مصر بإشارة سيدى وزير الجزيرة محيى الدين بن ندا وهو أحد المنعمين- أحسن الله إليه. «٣»
يا رافعا للمعالى راية الأدب ... حتى متى لا تزال الدّهر فى حلب
من كان مثلك لم تقعده همته ... بالفضل والجد والتّشمير فى الطلب
ولا يزال كطير الدّوح منتقلا ... بين المناهل والأدواح فى طرب
قضيت مهنة أرض الشام فاثن إلى ... مصر العتاق وجدّد عهد مغترب
[١ / ١٦١]
واذكر معاهد قضّيبنا أصائلها ... بين المذانب والأغصان والكتب
فكم لنا بذرى الأهرام من نزه ... أبدى لنا الدهر منها كلّ ذى عجب
والصالحيّة حيث النّهر عانقها ... كم قد قطعناه من جدّ ومن لعب
وعطفة النّيل من روض القلانش فى ... عطف لنا بعد فصل الوصل عن كثب
وبركة الفيل لا تنسى لياليها ... والشمع فيها يضاهى زينة الشّهب
سقى ديارك ما يروى معالمها ... من عامر الفضل أو من هاطل السحب
ولا يزال طراز الملك يلمح من ... نعمى حلاك مدى الأيام والحقب
ا، ب أبو العباس الغسانى «١»: كتب إلى من حضرة تونس إلى المشرق قصيدة منها هذه القلائد «٢»
يا نازحا عنى أجب كتبى كما ... صدح الحمام إذا الحمام ترنّما «٣»
[١ / ١٦٢]
وأجل جفونك فى سطور لم تكد ... لولا تصعّد زفرتى أن تفهما
بالله طارحنى الحديث فإننى ... أهوى حديثك مفصحا ومجمجما
واستبق بالنجوى الخفيّة بعض ما ... أبقيت لى إذ لم تدع إلا ذما
باق على حفظ الوداد وطالما ... أمسى بأيدى الحادثت مقسّما
أتراك عن نادى السّرور سلوت أم ... ما زلت مثلى فيه صبّا مغرما
نتجاذب الأشواق قلبى كلما ... أبصرت فيه مكانك المتوهّما
ويطول ردّى للكئوس تذكّرا ... فإذا شربت شربت فيها علقما
إذ ليس يعذب مورد حلّئت عن ... أرجائه ولو ان أموت من الظّما
ويحا لهذا الدّهر فوّق أسهما ... للحادثات فكنت أول من رما
ما كان يقنعنا التواصل دائما ... فاليوم يقنعنا الخيال مسلّما
ا، ب فجاوبته:
أطلعت فى ليل التّشوّق أنجما ... لما بعثت مسائلا ومسلّما
[١ / ١٦٣]
لولا كتابك ظلت فيه حائرا ... حيث اتجهت رأيت جنحا مظلما
وافى وأفقى حالك فأناره ... وأوام شوقى مؤلمّ فشفى الظّما
أودعته قلبى ففاح نسيمه ... فكأنما نور بجمر ضرّما
فرددته فى ناظرى فكأنما ... زهر الرّياض سقيته ماء السّما
فرددته فى مسمعى فكأنما ... طير أمال الغصن حين ترنّما
عهدى بصدرك مثل بحر زاخر ... لا غرو أن أرسلت درّا نظّما
عهدى بكفّك مثل غيث هاطل ... لا غرو أن أهديت زهرا نمنما
إيه أبا العباس بعدك لم أزل ... مهما تدر مشمولة متجّهما
متمنّعا من شربها إذ خلتها ... سمّا إذا ما خلت كأسك علقما
ولقد بكيث فلم أجد فى الجفن ما ... أبكى به إن كنت أبكيت الدّما
[١ / ١٦٤]
اابراهيم بن سهل الاسرائيلى: «١»: كتب إلىّ من أشبيلية إلى الجزيرة الخضراء
قل لمن أسهر بالبين الجفون ... مثلك الإصبار «٢» عنه لا يكون
- خفق النهر بحرصى بعد ما ... بنت والطير بدت منها شجون
والليالى بعد ما كنّا بها ... فى نهار ألبست داجى الدّجون
يا أخا الفضل ويا ربّ العلى ... والمعانى الغرّ فى تلك الفنون
أين عيشى بك فى ظلّ المنى ... فى فنون دائمات وفتون
بخليج لم تزل تجرى به ... قصب السّبق بغايات المجون
حيث مدّ النهر منه معصما ... يتمنىّ لثمه زهر الغصون
وجرى الظّلّ عليه سجسجا ... مثل ما أبصرت كحلا فى العيون
أترى الخضراء تنسى مثله ... رجّم الإخوان فى هذا الظّنون
ينقضى العام ويتلو آخر ... والنّوى لا ينقضى، هذا جنون
إن أساء الخلّ منه أدبا ... فبفرط الشّوق والوجد يهون
[١ / ١٦٥]
الأبيات الاثنى عشرية فى محاسن أمداح عصرية
ا، ب أبو عبد الله الحضرمى الطنجى «١»: فى مدح مولانا المفدى أبى زكريا، سقى الله عهدهم صوب الغمام «٢»
وما طابت الدنيا لنا بربيعها ... ولا أن نرى خيل السرّة تنقاد
بحيث كئوس الرّاح دارت وحثّها ... شموسا لنا نجم من الأنس وقّاد
ولكن سلطان الأمير الذى غدا ... يشدّ من الملك المؤيّد ما شادوا
معالى أبى حفص ومن كان قبله ... ومن بعد منهم لعلياه إمداد «٣»
ترى الناس أفواجا لأبواب قصره ... كأنّ لهم فيها مع الرّزق ميعاد «٤»
بيحيى حيينا بعد طول إماتة ... وصار لنا فى مجلس العزّ ترداد «٥»
جواد بما يحوى، جواد بسبقه ... ملوك الورى، ساد الجميع وقد سادوا
[١ / ١٦٦]
فمادحه يتلو مدائح صدقه ... فيصغى لحقّ وهو بالعلم نقّاد
تضوع به الأمداح وهى بغيره ... تضيع فعن ما جاد يوما به جادوا
يزيد بهذا المدح، بحر نواله ... كذلك موج البحر بالهزّ يزداد
ولم ينس فى ذات الإله أياديا ... له حين يلقى الله من ذخرها زاد
ا، ب ابن سعيد «١»: المؤلف، من قصيدة أميرية
نازعته كأس المدامة سحرة ... حتى ترفّع للصباح لواء
وشدا الحمام مبشّرا بقدومه ... وترحّلت بنجومها الظّلماء
فثنى علىّ بكأسه ثم انثنى ... مترنّحا تهفو به الصّهباء
ناديته طربا فقال بدولة ال ... ملك الذى اتصلت به النّعماء
يحيى الذى أحيا الإمارة بعد ما ... عمّ البريّة فتنة عمياء
ملك تلوح عليه مسحة ملأك ... فالأرض منذ تحمّلته سماء
[١ / ١٦٧]
تنمى إلى العمرين منه مفاخر ... عمرت بما شاءت له العلياء
نهضت إلى العايات منه همّة ... جمعت على آرائها الأهواء
وتألّفت فرق العصا ممّن عصى ... وتأرجت بفتوحه الأرجاء
مولاى قد فنى الكلام ولم أجد ... ما فيه يا مغنى الأنام كفاء
فلأعكفنّ على الدّعاء لعلّنى ... أقضى به حقّا وأين جزاء
فنصرت حتى لا يخالفك امرو ... وبقيت حتى لا يحدّ بقاء
ا، ب أيدمر التركى «١»: المتقدم الذكر من قصيدة فى مدح الصالح بن أيوب سلطان مصر
إيه مديحى لا خطاك قصيرة ... يوم الرّهان ولا مجالك ضيّق
هذا مقام الملك حيث تقول ما ... تهوى وتطنب كيف شئت فتصدق
فى حيث لا شرف الصفات بمعوز ... فيه ولا باب المدائح مغلق
ملك يلوذ الدين منه بمعقل ... أشب سطاه سوره والخندق
[١ / ١٦٨]
لو أن سرّ الملك فيه مختف ... قامت شمائله عليه تنطق
هدأت بسيرته الرّعّية واغتدى ... قلب العدوّ من المهابة تحفق «١»
فالدّين بعد تفرّق متجمّع ... والكفر بعد تجمّع متفرّق
الصّالح الملك الذى أيامه ... عقد به جيد الزّمان مطوّق
عرف الرّعيّة يمن دولته التى ... فيها تأكد عهدها والموثق
جمعت كما اقترح الرجاء إلى الغنى ... أمنا فقد رزقوا الذى لم يرزق
فالله نحمد ثم أيوب الذى ... أمن الغنىّ به وأثرى المملق
آيات ملكك معجزات كلّها ... ومدى اهتمامك غاية لا تلحق
ا، ب التّلعفرى «٢»: من قصيدة فى مدح الملك الناصر سلطان الشام
غنت لتطربنى حمامة أيكة ... حين الربيع منوّع الألوان
فسألتها ماذا الذى تشدو به ... قالت: مديح الناصر السّلطان
[١ / ١٦٩]
فأثارت الأفكار من جنباتها ... وتمازج الأمداح بالألحان
وأتيت من بركات مدحى مجده ... ما ليس تبلغ طاقة الانسان «١»
فاسمع إلى الأمداح كيف مزجتها ... من منطقى بالدّر والمرجان
والله لو ناطقت سحبانا بها ... لنحبتها ذيلا على سحبان
الله فضّلنا بصورة يوسف ... وجلالها فى ذمّة الرّحمن
ملك أرانا الله منه صورة ... مخلوقة لليمن والإيمان
يروى بها الصادى ويشرق نورها ... أبدا على الأقطار والأكوان
ملأت قلوب العالمين محبّة ... ومودّة بالحسن والإحسان
قد غرّب المدّاح عن أوطانهم ... فسلوا عن الجيران والأوطان
وغدوا به فى جنّة أرضتهم ... فكأنها من جنّة الرّضوان
[١ / ١٧٠]
االمجد النشابى «١»: من قصيدة فى الخليفة المستعصم
إن النّسيب محبّب ... لكن سلوت عن النّسيب
بمواقف قد شرفت ... مجموعة من كلّ طيب
فلذاك تلثم بالشّفاه ... وبالعمائم والجيوب
تهوى لها الأبصار ... من قبل الضّمائر والقلوب
الله قدّسها ورفّعها ... عن الشّعر العجيب
لكن عادتها جرت ... ألا تخيب منى الغريب
لادت بها العلماء والبلغاء ... من أقصى الجنوب
ومن الشمال ومن أقاصى ... الشرق أو أقصى الغروب
يرجون نائلها الذى ... يدعو بهم هل من مجيب
عزّوا بلثم ترابها ... ما بين ولدان وشيب
وغدا لهم فخر بما ... نالوا بذلك من نصيب
فالكلّ منهم قائم ... فى كل قطر كالخطيب
[١ / ١٧١]
الخميلة السابعة المشتملة على الحكايات القصيرة
الطبقة الأولى: [من الحكايات القصار]
قالت عجوز لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، أدع لى بالجنة.
قال: إن الجنة لا يدخلها العجز «١» .
نوح عليه السلام:
قيل له: لقد بالغت فى الدعاء على قومك/، قال: على قدر ابتلائى بهم الصديق رضي الله عنه:
قال له عمر: استخلف غيرى. فقال: ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك الفاروق رضي الله عنه:
مرّ على دار عامل وهى تبنى فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها ذو النّورين رضي الله عنه:
ارتج عليه فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ بيانا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال.
أبو السبطين رضي الله عنه:
استدعاه شخص فقال: على أن لا تتكلّف لنا ما ليس عندك، ولا تدّخر عنا شيئا مما عندك معاوية رضي الله عنه أغلظ لشخص فأجابه، فقال: لو سكت ما سمعت
[١ / ١٧٣]
يزيد:
كتب إليه ابن زياد يعتز بقتل الحسين: إن أصلحت دنيانا فقد أفسدت ديننا عبد الملك:
ذكرت سيرة عمر رضي الله عنه فقال: مدح الخلفاء الأموات طعن على الأحياء الوليد:
قال له رجل: فلان نال منك، فقال: أتريد أن تقتصّ أوتارك بى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عزى فى ابنه فقال: هذا أمر كنا نتوقعه، فلما وقع لم ننكره.
مروان الجعدى «١» اشتدت به الإراقة، فنزل وكان ذلك سبيا لانهزام العسكر. فقال: ضيعنا الدولة ببولة.
المنصور:
قال لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكف وجهى عن المسألة ويعجز الصديق، قال لقد لطفت فى المسألة.
الرشيد:
قال لابن صالح: أتبقون بالرّقة؟ قال نعم ونبرغث. قال: أسألك عن واحدة وتجيبنى عن اثنتين.
المأمون:
قال للحسن بن سهل فى عرس بوران: لا خير فى الشرف، فقال: لا شرف فى الخير.
المعتصم:
كلّم فى العباس بن المأمون فقال: أكره أن أحبسه فأهتكه، أو أدعه فأهمله.
[١ / ١٧٤]
الواثق:
قال له ابن أبى دؤاد إن ابن الزيات يكثر الوقوع فىّ، فقال: ما أردتّ إلا حفظ مكانك، وقد صحّت عندى العداوة التى بينكما.
المتوكل:
قدّم له لون وجد فيه ذبابة بعد أخرى، [فقال «١»] أعيدوا علينا هذا اللون غدا وليكن أقل ذبابا المكتفى:
نظر إلى رأس دعىّ الزنج فقال: لقد عدا على الأنساب كما عدا على الأسلاب الطائع:
واكله القادر بعد ما خلع به وكان اللون عدسيّة فقال: حيث كنت تقنع بهذا لم خاطرت فى طلب الخلافة ابن المعتز:
عامله أحد أقاربه بما أوجب الاعتذار فقال: أما علمت أن أول الغضب جنون وآخره ندم العباس: الذى ينتسبون إليه. «٢»
قيل له: من أكبر، أنت أم رسول الله صلى الله عليه، قال: هو أكبر وأنا أسنّ عبد الله بن العباس قال لمعاوية وقد سمع الوقوع فى علىّ على المنبر: أيذمّ علىّ على منبر الاسلام وهو بناه بسيفه؟
الحسين بن على: رضي الله عنهما حيّته جارية بطاقة ريحان فأعتقها، فقيل/ له في ذلك فقال: إن الله تعالى يقول: وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها» «٣»
[١ / ١٧٥]
ابراهيم بن عبد الله الحسنى:
قيل له يوم قتله: ألا تنجو، فقال: من فرّ من أهل بيتى حتى أفرّ؟ لا أكون أول من فتح عليهم هذا الباب صالح الحسنى الجوّال:
قيل له: كم تجول؟ قال: حتى يدركنى طالبى أو أدرك مطلوبى سليمان الحسنىّ المغرّب:
قال له البربر: من يشهد لك بنسبك؟ فقال: إن لم يأت من يعرفنى فأخلاقى تشهد لى محمد الجواد:
ليم فى الجود فقال: إنى سمّيت بهذا الاسم وأستحى أن أكون مكذّبا له.
محمد بن الحنفية:
قيل له إن المختار أكل باسمك الدنيا. فقال: إنما أكلها بدينه.
ابن عمر رضي الله عنه «١» تحدّث عنده فى زهد الناس فى المعروف فقال: كان الرجل إذا أراد أن يغيظ جاره كلف غيره.
أخوه عبيد الله:
سئل عن علىّ رضي الله عنه فقال: يبعضه قلبى ولا يقول فيه لسانى إلّا ما أوجبه الله له.
أخوهما عاصم:
قيل له فى ترك الولاة فقال: مجالس الولاة إما فتنة أو حسرة.
[١ / ١٧٦]
أبو سفيان:
حجبه عثمان رضي الله عنه فى خلافته فقال: لا عدمت من قومى من إذا شاء حجبنى المهلب «١» .
قال لبنيه وقد رأى اختلافهم فى أحسن الثياب: إن أحسن ثيابكم ما كان على غيركم.
الحجاج:
قال له- خالد بن يزيد: لم سفكت دماء المسلمين؟ فقال: لأنهم كفّروا أباك وجدك.
سعيد بن جبير «٢»:
قال له الحجاج: اختر لنفسك أى قتلة شئت؛ فقال: بل اختر أنت فإن القصاص أمامك.
الأعمش «٣»:
قال له أبو حنيفة: لولا أن أثقل عليك لعدتك كلّ يوم، فقال: أنت تثقل علىّ وأنت فى بيتك، فكيف فى بيتى.
ابن شبرمة: «٤»:
قال له حجازى: من عندنا خرج العلم، فقال: ثم لم يعد إليكم.
[١ / ١٧٧]
أبو تمام قال له رجل: لم لا تقول من الشعر ما يفهم، فقال لأنك لا تفهم ما أقول.
سلامة بن جندل «١» .
قال له بنو تميم: مجدنا بشعرك. فقال: افعلوا حتى أقول.
ابن الأكشف: المتردد فى البحر «٢» .
قال له المأمون: ما أعجب ما رأيت فى البحر. قال السلامة منه الفرزدق:
قال له رجل: كأن وجهك أحراح مجتمعة. فقال: أنظر هل ترى حر أمّك فيه.
بثينة:
قال لها عبد الملك: ما رأى جميل فيك حتى عشقك. فقالت: الذى رأى الناس فيك حين استخلفوك.
متنبئة:
قال لها المأمون: إن النبى عليه السلام قال: لا نبىّ بعدى. فقالت صدق، فهل قال لا نبيّة بعدى.
بغدادية:
رأت فقيها قد اشترى نعلا جديدا وتصدق بالبالية فقالت: المؤمن تحت ظلّ صدقته يوم القيامة
[١ / ١٧٨]
الطبقة الثانية: من الحكايات القصار
البيهقى»
:
إن رسول الله ﷺ لما وفد عليه زيد الخيل بسط له رداءه وأجلسا عليه وقال: إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه «٢» .
شيث عليه السلام:
قال له أصحاب آدم عليه السلام: إنك خالفت أباك فى شريعته. فقال:
اتّقوا الله فإن الاعتراض على المأمور راجع إلى الآمر.
نوح عليه السلام:
كان فى خصّ فقيل له: يا نبىّ الله، لو اتخذت بيتا كما يتخذ الناس؟ فقال:
هذا كثير لمن يموت.
يوسف عليه السلام:
قال أبوه عليه السلام: ما كان خبرك بعدى؟ فقال: لا تسألنى عما فعل بى إخوتى ولكن اسألنى عما فعل بى ربى.
أيوب عليه السلام قيل له: أى شىء كان فى بلائك أشدّ عليك؟ قال. ما مرّ علىّ فى بلائى أشد من شماتة الأعداء.
الصدّيق رضي الله عنه كلّم فى النظر للأشعث: فقال لقائله: ندمت إن لم أكن ضربت عنقه حين جىء به أسيرا، فإنه ما رأى قط فتنة حتى أعان عليها.
[١ / ١٧٩]
الفاروق رضي الله عنه كلّم فى أن يلين للناس فقال: لو علموا ما لهم فى نفسى لنازعونى الثوب الذى على عاتقى.
ذو النّورين رضي الله عنه قيل له إن الناس طعنوا عليك حمل بنى أمية على رقابهم، فهلا صنعت كما صنع عمر. فقال قطع عمر أقاربه فى الله، وأنا أصلهم فى الله أبو السبطين رضي الله عنه سمع الحسن يقول: اللهم لا تحوجنى إلى أحد من خلقك فنهره وقال: أتسأل الله شيئا لم يعطه أنبياءه ولا أولياءه. إنما قل: اللهم ليّن لى قلوب عبادك.
معاوية رضي الله عنه قال له عمرو بن العاص: ما أشدّ حبّك للمال، فقال: ولم لا أحبّه وأنا أستعبد به مثلك وابتاع به دينك ومروءتك.
عبد الملك:
صغّر عنده مصعب بعدما قتله فقال للقائل: أما علمت أن من صغّر مقتولا فقد أزرى بقاتله.
السفّاح:
رفع له ساع سعاية على عامل فوقع فيها: هذه نصيحة لم يرد بها ما عند الله، ونحن لا نقبل قول من آثرنا على الله.
الرشيد:
قال له رجل فى الطّواف: أريد أن أكلّمك بكلام فيه خشونة فاحتمله. قال.
لا ولا كرامة، فقد بعث الله من هو خير منك ومن هو شر منى فقال: «فقولا له قولا لينا» .
[١ / ١٨٠]
المأمون:
نزل فارس فعدا بين يديه، فأشار بيده أن حسبك. فقال له بعض من يقرب منه: إركب، فقال المأمون: لا يقال لمثل هذا إركب، إنما يقال له انصرف.
المستعين:
لما خلع خيّر فى أى البلاد ينزل، فاختار البصرة. فقيل إنها وبيئة، فقال: أيهما أوبأ، هى أو الخلع من الخلافة.
المقتفى:
رفع له أن فقيها طلب من فقيه بغلة فردّها بعد جمعتين، فوقّع على القصة:
قد ردّ الأمانة وهو أثقل/ منها.
الناصر أعطى عامل كبير لقّبه مهذّب الدولة مالا جليلا على أن يلقّب بمهذّب الدولة.
فوقّع على القصة: يؤخذ ماله، ويصفع قذاله، وتبقى على الفتح ذاله ابن المعتز شكا إليه عبيد الله بن سليمان ما يقاسيه من أخلاق المعتضد، فقال: من خدم السلطان فليصبر على قسوته، كصبر الغوّاص على ملوحة بحره.
الناهض محمد بن سليمان الحسنى قيل له لما اجتهد فى طلب الأمر: كنت أبعد الناس من الشّر، ثم صرت بالضّد.
فقال: ينبغى للعاقل ألا يتعرض للشر، فإذا تعرّضه ولم يجد منه بدّا فليلقه بكلّيته.
أخوه اسماعيل:
ليم في صباه على شىء فقال: لا تطلبوا الشّبان بعقل الكهول، فالذى خلق الأسنان خلق لها عقولا على درجاتها.
[١ / ١٨١]
أبو هاشم محمد بن الحنفية:
قال له هشام بن عبد الملك: لم لا تجاوبنى؟ فقال: إنما يتجاوب الأكفّاء، وأما من جعل له الله علوّ القدر والتّسلّط فكيف يجاوب.
محمد بن الأطرف العلوى:
وفد على العراق، فوصله خالد القسرى بمال، فليم على قبوله، فقال: ما حملنى على قبول معروف بجيلة إلا ما رأيت من منكر قريش.
على الأعرج العلوى:
رأى الموفّق وأكثر جنده من بقايا الفتنة، فقال له: الفتنة سوق لا تنفق إلا بالأرذال، وقد أراح الله منها، فاصطنع ذوى الأصول والذّوات.
عبد الله بن على العباسى قال قائل، لم ضربت أعناق بنى أمية بمحضره، إن هذا لجهد البلاء، فقال:
ما هذا وشرطة حجّام إلا سواء، وإنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.
أبو عيسى بن الرشيد قال له الرشيد: ليت لعبد الله- يعنى المأمون- حسنك، فقال بديهة: على أن يكون حظّه لى منك.
خالد بن يزيد كان يشتغل بالكيمياء، فقال له عبد الملك: شغلت نفسك بما لا يصحّ لك، فقال: فيجب أن تشكر الله على أن فرّغتك لما صحّ لك.
عتبة بن أبى سفيان جعل قوم يقولون فى مجلسه: لو كان كذا، ويعيدون ذلك، فقال: إياكم ولو، فإنها أتعبت من كان قبلكم، وإنها لمتوكّا العاجزين.
[١ / ١٨٢]
أبوه: [أبو سفيان] قيل له: بم سدّت قومك؟ فقال: إنى لم أخاصم أحدا قط إلا عند الضّرورة، فإن كان لا بدّ من خصامه تركت للصلح موضعا.
عمرو بن سعيد «١» دخل على معاوية بعد موت أبيه، فقال له: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّ أبى أوصى إلىّ ولم يوص بى. فقال: هو كان/ أعرف بك.
[١ / ١٨٣]
الطبقة الثالثة: من الحكايات القصار- نثر الدر
زوجت عائشة رضي الله عنها امرأة كانت عندها، فهدوها إلى بعلها. فقال رسول الله ﷺ: ألا أرسلتم معها من يقول
أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحيّيكم
فإن الأنصار قوم فيهم غزل «١» .
آدم ﷺ:
قيل له لما أخرج من الجنة: ما هذا الشّرة؟ بعت الجنة بشجرة. فقال: من اغترّ بعدوّ، وقبل إشارة امرأة- «٢» واتبع هوى. فلا يعدم أن يقع فى مثل ما وقعت فيه.
ا، ب إدريس عليه السلام:
شكا له الكلدانيون بأمور الفتنة، فقال: إذا فسد الزمان فسد السلطان، وإذا فسد السلطان خربت الأوطان، وإذا خربت الأوطان عدم الأهل والإخوان.
ا، ب ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قيل له: لما ألقاك النمرود فى النار، وخلّصك الله منها، كنت مع الله أو كان الله معك. [فقال] «٣» لو لم يكن معى وأكن معه ما سمّانى خليله «٤» .
ا، ب يحيى عليه السلام لقيه المسيح عليه السلام وهو متبسّم فقال له: إنك لتتبسّم ابتسام آمن، فقال
[١ / ١٨٤]
بحيى وإنك لتعبس عبوس قانط. فأوحى الله إلى عيسى: الذى صنع يحيى أحب إلىّ فإنه أحسنكما بى ظنّا.
االصديق رضي الله عنه كان قد استعان بخالد بن الوليد فى قتال أهل الردة، فلما عاد من اليمامة وقد فتح الله على يديه، دخل وقد رشق فى عمامته نبلا، فنزعها عمر، وكلم أبا بكر فى أن يعزله. فقال: لا أغمد سيفا سلّه الله على أعدائه.
االفاروق رضي الله عنه مر بشاب فاستسقاه، فمزج له عسلا فلم يشرب وقال: إنى سمعت قول الله تعالى: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا «١»»
. فقال الفتى: إنها والله ليست لك، اقرأ ما قبلها «ويوم يعرض الذين كفروا على النار» فشرب وقال: كل الناس أفقه منك يا عمر.
ا، ب ذو النورين رضي الله عنه «٢» نظر إليه معبد بن سنان وهو يغرس فسيلة فقال: أتغرس هذه الفسيلة وهذه الساعة قد أظلّتك: فقال عثمان: لأن يرانى الله مصلحا أحب إلىّ من أن يرانى مفسّرا ا، ب أبو السبطين: رضي الله عنه «٣» أتاه رجل بآخر فقال: إن هذا زعم أنه احتلم بأمى. فقال على رضي الله عنه:
أقمه فى الشمس واضرب ظلّه. ثم تبسم وقال: لا بأس بالفكاهة يخرج بها الرجل عن حد العبوس.
امعاوية دخلت عليه عائشة رضي الله عنها فسألها عن حالها، ثم جعلت تقرّعه فى فعال
[١ / ١٨٥]
منها قتل حجر وأصحابه. فقال لها: إن لنا موقفا يوم القيامة نختصم فيه، فكيف أنا فى حوائجك. قالت: على خير ما يكون مثلك. قال: فمه إذن.
ايزيد:
شكا/ إليه بعض بنى أبى سفيان إساءة وسبّا من قبل أبى عبيد الله الدّعىّ، فكتب إليه: إما كففت عن آل بنى سفيان وصنعت معهم ما يجب لهم عليك وعلى أبيك وإلا أزلت عنك السبب الذى استطلت به عليهم.
ا، ب معاوية بن يزيد: المذكور لما خلع نفسه قال له أمية فقلّدها من شئت. قال: لم أذق حلاوتها فأتقلّد مرارتها فقال له مروان: سنّها فينا عمريّة. فقال: أتخادعنى عن نفسى، ايتينى بمثل رجال عمر حتى أسنّ فيهم سنّته.
ا، ب مروان:
لما احتضر قال له ابنه عبد الملك: أوصتى يا أمير المؤمنين. فقال له إيثر الحقّ يميل إليك أهله، وحصّن مملكتك بالعدل فإنه سورها المنيع الذى لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه «١» منجنيق.
ا، ب عبد الملك:
خاض جلساؤه فى مقتل عثمان «٢» . فقال رجل: يا أمير المؤمنين، فى أى سنّ كنت يومئذ. فقال: دون المحتلم. قال: فما بلغ من حزنك عليه. قال: شغلنى الغضب له عن الحزن عليه.
ا، ب الوليد:
طعن الناس بدمشق، فعزم على الخروج منها، فقيل له: إن الله تعالى يقول
[١ / ١٨٦]
«قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا» «١»
فقال: إنما نريد ذلك القليل سليمان:
قال فى مجلسه أحد أقاربه: ما أدرى أيهما خير فى مجلسك يا أمير المؤمنين الكلام أم السكوت. فقال: الكلام فيما يعنيك خير من السكوت عما يضرّك، والسكوت عما لا يعنيك خير من الكلام فيما يضرك.
ا، ب عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
جرى فى مجلسه ذكر مقتل عثمان والجمل وصفّين وما كان فى تلك الفتن المظلمة فقال رحمه الله: من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وهذا مما لا يعنينا وإنها لدماء كفّ الله أيدينا عنها، فيجب أن نكفّ عنها ألسنتنا.
ا، ب المنصور كتب إليه والى أرمينية إن الجند شغّبوا علىّ، وطلبوا أرزاقهم، وكسروا أقفال بيت المال وانتهبوه «٢»، فوقع فى كتابه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا فاعتزل ما غيرك أقوم به منك.
ا، ب المأمون:
بنى محمد بن عمران «٣» بناء احتفل فيه إزاء مبانى المأمون وشنّع عليه فى ذلك.
وقال له المأمون فى شأنه، فقال: يا أمير المؤمنين، أحببت أن ترى أثر نعمتك علىّ فجعلته نصب عينيك. فقال: ما رأيت اعتذارا يقتضى إحسانا مثل هذا االمعتمد:
قال محمد بن عبيد الله الخاقانى: بعثنى أبى إليه فى شىء فقال لى: إجلس! فاستعظمت ذلك، فأعاده فاعتذرت بأن ذلك لا يجوز. فقال: يا محمد، إن أدبك فى القبول منى خير من أدبك فى خلافى.
[١ / ١٨٧]
الطبقة الرابعة: من الحكايات القصار- نثر الدر «١»
ا- أهدى نعيمان إلى رسول الله ﷺ جرّة عسل اشتراها من أعرابى بدينار، وأتى به إلى باب النبى ﷺ، وقال: خذ الثمن من ها هنا.
فلما قسمت الجرة نادى الأعرابى: ألا اعطنى ثمن عسلى. فقال ﷺ: احدى هنات نعيمان. وسأله لم فعلت هذا؟ فقال: أردت برّك ولم يكن معى شىء، فتبسم ﷺ وأعطى حقها.
ا، ب سليمان عليه السلام شكا إليه رجل من بنى اسرائيل أن جارا من جيرانه سرق له إوزّة. فنادى الصّلاة جامعة، فحضروا، وقام خطيبا، وقال: ما بال أحدكم يسرق إوزة جارة ثم يجىء إلى الصلاة وبعض ريشها فوق رأسه. فمدّ ذلك السارق يده إلى رأسه فألزمه بها.
اعمر رضي الله عنه قال عبد الرحمن بن عوف: أتيت منزله، فسمعته ينشد بالرّكبانية!
وكيف ثوائى بالمدينة بعد ما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر
فلما استأذنت عليه. قال لى: سمعت ما قلت؟ قلت: نعم. قال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس فى بيوتهم، وكل امرىء فى بيته صبى.
اعثمان رضي الله عنه أتاه رجل فقال: إن قوما اجتمعوا فى المكان الفلانى على فاحشة [فقال عثمان] «٢» أنا الآن فى إخراج هذه الصدقة، فقال: استنب عليها لئلا يفوتك تغيير المنكر. فلم يسعه- إلا أن يمشى مع الرجل فوجد القوم قد تفرقوا، فحمد الله وأعتق رقبة.
[١ / ١٨٨]
اعلى رضي الله عنه قال بعضهم: رأيته بالكوفة وقد اشترى تمرا، فجعله فى طرف ردائه، فتبادره الناس وقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نحمل عنك. فقال: ومن يحمل عنّى يوم القيامة، دعونى فصاحب العيال أحقّ بخدمتهم.
معاوية بلغه أن ابنته امتنعت على ابن عامر فى الافتضاض فمشى إليها وفى يده مخصرة، فجعل ينكت فى الأرض ويقول:
من الخفرات البيض أمّا حرامها ... فصعب وأمّا حلّها فذلول
وخرج ودخل ابن عامر، فلم تمتنع عليه.
ا، ب يزيد: ابنه دخل عليه عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك أرضا بوادى القرى ليست لها غلة، فإن رأيت أن تأمر لى بها. فقال: إنا لا نخدع عن الصّغير ولا نبخل بالكبير وقد وهبتها لك. فلما ولىّ قال: يزعم أهل الكتاب أن هذا يرث ما نحن فيه فإن كان حقّا فقد صانعناه وإلا فقد وصلناه ا، ب عبد الملك دخل عليه الشّعبى: فخطّأه فى مجلس واحد ثلاثا، سمع منه حديثا فقال: اكتبنيه فقال نحن معاشر الخلفاء لا نكتب أحدا شيئا. وكنىّ رجلا. فقال لا تكنّى الرجال فى مجالسنا. ودخل الأخطل فدعوا له بكرسىّ، فقال من هذا يا أمير المؤمنين. فقال الخلفاء لا تسأل.
ا، ب هشام- أراد أن يخرج من دمشق لأنها وبيئة، وعزم على بنيان مدينة فى بريّة حلب،
[١ / ١٨٩]
فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن الخلفاء لا يطعنون. فقال: أنتم تريدون أن تجربوا علىّ، ثم خرج عنها، وبنى مدينة الرّصافة، وسكنها إلى آخر عمره.
ا، ب المهدى:
جزع على جاريته «رخيم» لما ماتت جزعا شديدا، فكان يأتى للمقابر ليلا يبكى فكتب إليه أبوه المنصور: كيف ترجو أن أوليك عهد الأمة وأنت تجزع على أمة فجاوبه! يا أمير المؤمنين، إنى لم أجزع على قيمتها وإنما جزعت على شيمتها.
ا، ب الرشيد:
أنشده منصور النميرى شعرا فيه نيل من العلويين والزيديين. فقال له: وما تولّعك بذكر قوم لا ينالهم ذمّ إلا شاطرتهم فيه. لا تعد لمثلها، فإنما نفارقهم فى الملك وحده، ثم لا افتراق فى شىء بعده.
االأمين:
وصف فى مجلس طاهر بأنه كان مضعوفا فقال: تضعفونه وقد كتب إلىّ بخطه وقد أخذت بمخنقه: اعلم يا طاهر أنه ما قام لنا قائم بحق فتمّم لأحدنا أمره إلا كان السيف جزاه منه. فانظر لنفسك، أودع. فو الله لقد قدح بقلبى نارا من الحذر لا تخمد أبدا.
ا، ب المأمون:
تحدث المأمون يوما فضحك اسحق بن ابراهيم المصعبى «١» . فقال له: اسحق، أوهّلك لشرطتى- وتفتح فاك من الضحك. خذوا سواده وسيفه. ثم قال: أنت بمجلس الشراب أشبه، ضعوا منديلا على عاتقه. فقال: أقلنى يا أمير المؤمنين. قال أقلتك. فما ضحك بعدها.
االمقتدر:
كتب عنه كتاب إلى ملك الروم وقّع فيه: إن قربت من أمير المؤمنين قرب منك
[١ / ١٩٠]
وإن بعدت عنه بعد ذلك. فقال: ما حاجتى إلى أن أقرب منه أكتب له: إن قربت من أمير المؤمنين قربك، وإن بعدت عنه بعّدك.
ا، ب المقتفى:
أمر لفقيه خراسانى بدار وبجارية تجمع بين خدمته وأنسه، فذكر للقاضى ابن المرخّم أن الجارية وقعت بقلبه حتى تسلّى بها عن أهله، وأن الدار ضيّقه. وكان القاضى معتنيا بشأنه فجعله يرفع ذلك فى قصة وقع عليها الخليفة: سمّ الخياط. مع المحبوب ميدان.
االمستنصر:
كان حاجب الباب تفّرق بين يديه الرسوم الرجبّيّة. فجاءت نوبة امرأة نودى باسمها فشهد الشهود أنها تعرف بذلك. فأخذت خمسين دينارا. ثم جاءت صاحبة الرسم، فذكرت أن الأولى وافقت ما تعرف به، فطولع بذلك الخليفة. فقال: صاحبة الرسم تأخذ ما أثبتنا لها، والأخرى يجرى لها ما رسمه الله سبحانه لها فى كل رجب.
[١ / ١٩١]
الخميلة الثامنة المشتملة على الحكايات المتوسطة
وهى المخصوصة بأرباب المناصب السلطانية من أصحاب السيوف والأقلام
الطبقة الأولى: من الحكايات المتوسطة
ا، ب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ولاه عمر «١» رضي الله عنه إمارة البحرين ثم عزله، فقال دهقانها لأهلها: إنى أخاف أن يعود، فاجمعوا لى مائة ألف درهم «٢» . ثم أتى بها إلى «٣» عمر وزعم أن المغيرة أودعها عنده حين أحس بالعزل فسأله، فقال إنها مائة ألف دينار. فقال للدهقان: قد سمعت. فقال: والله ما أودعنا شيئا إلا أننا خفنا أن يرجع إلينا.
فقال للمغيرة: ما دعاك إلى ما قلت فقال: أحببت أن أخزيه إذ كذب علىّ.
ا، ب زياد بن أبيه غلب عليه فى ولايته العراق لمعاوية حارثة بن بدر وكان صاحب شراب. فقيل له فيه، فقال كيف أطرح رجلا يسامرنى منذ دخلت العراق، ولم يصك ركابى ركاباه، ولا تقدّمنى فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عنى فلويت عنقى إليه، ولا أخذ علىّ الشمس فى شتاء قط، ولا الروح فى صيف، ولا سألته عن علم إلا ظننته لم يحسن غيره.
اابنه عبيد الله:
لما ولى مكان أبيه، جفا حارثة المذكور، فقال: أيها الأمير ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبى المغيرة. فقال: إنه كان قد برع بروعا لا يلحقه معه عيب
[١ / ١٩٣]
وأنا حدث وأنت مديم للشراب. فمتى قربتك- فظهرت رائحة منك لم آمن أن يظنّ بى، فدعه، وكن أول داخل وآخر خارج. فقال: أنا لم أدعه لمن يملك ضرّى ونفعى أفأدعه للحال عندك.
ا، ب الحجاج:
أول ما عرف من شهامته انه كان فى شرط عبد الملك [بن مروان] «١» فبعثه مع نفر إلى زفر بن الحارث، فلم ينفد إلى ما يريد «٢» عبد الملك، وحضرت الصلاة فتقدم زفر وصلى بالجماعة فلم يصلّ الحجاج معهم. وقال: لا نصلى خلف مخالف للجماعة، مشاقّ للخلافه، فبلغ ذلك عبد الملك فاشتحسنه وقال: إن شرطيكم هذا لجلد، ثم ولاه الشرطة ثم الحجاز ثم العراق.
اأبو مسلم:
أساء عليه الأدب والى مرو فاحتمله، ثم ندم الوالى فرجع واعتذر، فقال أبو مسلم أنا جرّأتك علىّ باحتمالك، فإن كنت للذنب متعمدا فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوبا فالعفو يسعك. فقال: عظم ذنبى يمنعنى من الهدوء. فقال: يا عجبك، أقابلك بإحسان وأنت مسىء، ثم أقابلك بإساءة وأنت محسن. فقال: الآن وثقت.
ا، ب معن بن زائدة:
دخل على المنصور وقد أسنّ وفيه نشاط. فقال له: يا معن أيهما أحب إليك؛ دولتنا أو دولة بنى أمية؟ فقال [إن زاد إحسانهم على إحسانكم كانت دولتهم أحب إلىّ] «٣»
وإن زاد احسانكم على إحسانهم كانت دولتكم أحب إلىّ. قال: وإنك فيك على سنّك لبقيّة. قال: هى لك/ يا أمير المؤمنين. قال: وإنّك لجلد. قال: على أعدائك [إن شاء الله] «٤» .
[١ / ١٩٤]
ابن أخيه يزيد بن مزيد [وإلى اليمن وغيرها للرشيد] «١» كان عمه-[معن بن زائدة] «٢» يفضله على ابنه زائدة، فلامته أمه على ذلك، فقال: [أنا] «٣» أريك الفرق بينهما ثم استدعى فى هدء من الليل ابنه، فجاءه فى غلالة ورداء مظهرا الكسل لإزعاجه من نومه فضربه. ثم دعا يزيد، فجاءه مبادرا بدرعه وسائر سلاحه ورجاله. فقال: ليس إلا خير، فقال يزيد: لما دعانى الأمير فى هذا الوقت قلت لعله لحدث لا ألحق معه أن أرجع إلى الاستعداد.
اسعيد بن سلم بن مسلم بن قتيبة «٤» قال له الرشيد: يا سعيد، من بيت قيس فى الجاهلية؟ فقال: بنو بدر سادات فزارة. قال: فمن بيتهم فى الاسلام؟ قال: يا أمير المؤمنين، الشريف من شرفتموه فقال: صدقت أنت وقومك. وجلّ من حينئذ فى عينيه، وأرسله ليكون مثله فى جملة كفاة المأمون بخراسان.
اطاهر:
كلمه المأمون حين صفت له الدنيا فى المنادمة. فقال: يا أمير المؤمنين أى استمتاع فى عجمىّ أعور للمنادمة. فقال: لا بد من ذلك. فلما نادمه وحصلت النشوة وهب له الهنىّ والمرىّ.
فقال: يا أمير المؤمنين: كفى بالمرء شرها أن يأخذ كلما أعطى، ما هما يا أمير المؤمنين من ضياع السّوقة، ما يصلحان إلا لخليفة أو ولى عهد. قال: لهذا وأمثاله نادمناك.
اأبو على- الصاغانى: والى خراسان «٥» قال الثعالبى: دعانى يوما إلى مواكلته. فقلت: أيد الله الأمير أنا سوقىّ لا أحسن مواكلة الأمراء. فقال: لتكن أظفارك مقلمة، وكمّك نظيفا، ولقمتك صغيرة، وأكلك مما يليك، واعتمد ألا تدسم الملح والخل. وكل مع من شئت.
[١ / ١٩٥]
ا، ب خوارزمشاه [أبو العباس مأمون بن مأمون] «١» والى خوارزم لملوك بنى ساسان:
قال الثعالبى: سمعته يوما يقول: همّتى كتاب أنظر فيه، وحبيب أنظر إليه، وكريم أنظر له. فقلت له: والله الذى لا يحلف بأجلّ منه، ما سمعت قط بأحسن من هذا الكلام فى معناه. فقال: أخشى أن تحنث لأنك تنظر إلينا بعبن الرضى.
ا، ب جمال الدين بن يغمور «٢»: والى الشام للملك الصالح بن أيوب كان يقوم لى إذا دخلت عليه. فلم يقم لى يوما. وكان عنده جماعة. فلما دخلت عليه فى اليوم الثانى قام ثم جلس، ثم قام وجلس وقال الأولى للعادة، والثانية قضيت بها دين أمس ولم أخلّ بهذا إلا لعذر تتفضل بقبوله دون مطالبة بذكره
[١ / ١٩٦]
الطبقة الثانية: من الحكايات المتوسطة»
ا، ب خالد بن برمك: وزير المنصور قال لابنه يحيى «٢»: إنك ستدفع إلى ما دفعت إليه، فخذ أصلا تبنى عليه.
لما تمكّنت حالى فى وزارة المنصور رفعت له مطالب/ لأقوام من أهل الدين والعلم، فقطّب ولم يجاوبنى. فلما كان من الغد، رفعت له فوائد فى البلاد. تجمع منها مال كثير، فاستوفى قراعتها وانبسط، وجاوب على كل حرف منها، وعاد إلى أحسن ما كان عليه، وهدانى إلى الطريق فى خدمته.
ا، ب ابنه يحيى «٣» كان ينهى ابنه جعفرا عن مداخلة الرشيد ومنادمته، ويقول له من خدم الملوك فى الأعمال والأموال لا ينادمهم حتى انه قال ذلك للرشيد. وكان فى كلامه: يا أمير المؤمنين، إنى أكره مداخل جعفر معك، لست آمن أن ترجع العاقبة علىّ منك فى ذلك. ولما أعيته الحيلة فيه كتب إليه إنى قد أهملتك حتى يعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك وإن كنت أخشى أن تكون التى ليست لها لعا.
ا، ب الفضل بن الربيع «٤» استوزره الرشيد بعد نكبة البرامكة، وجعل له أمر ابنه الأمين فى حياته، فاستولى عليه بعد وفاته، وأكد العداوة بينه وبين أخيه المأمون. فلما استولى المأمون على الخلافة اختفى الفضل، ثم وقع عليه فعفا عنه، لكنه قصد تعنيته، فكان يجلسه فى أحط المراتب. واحتاج إلى وزير المأمون أبى عباد، فكلمه فارتج عليه فقال له أبو عباد: بهذا اللسان خدمت خليفتين. فقال انا تعوّدنا أن نسأل/ لا أن نسأل.
[١ / ١٩٧]
ا، ب عمرو بن مسعدة «١»: وزير المأمون وكاتبه كان قد بنى قصرا تحدث الناس بحسنه، ولم يروا إلا ظاهره، وأهدى إليا فرس تحدثوا بفراهته وحسنه، إلى أن ركب المأمون ومرّ بالقصر، فأعجبه، واستدعى ابن مسعدة وهو على ذلك الفرس فاستحسنه، وبلغ ذلك عمرا، فأخلى القصر وأنقذ الفرس وكتب الى المأمون:
والذى يصلح للمولى على العبد حرام فقبل الفرس ورد عليه قصره اأحمد بن أبى خالد «٢»: وزير المأمون وكاتبه كان قد حبس عنده ابراهيم بن المهدى بعد ما توثّب على الخلافة، ثم حصل فى فى يده، فأقبل ابن المهدى على العبادة والصلاة. فقال له أحمد: أمجنون أنت:
تريد أن يقول المأمون هو يتصنّع للناس فيقتلك، اشرب واطرب واحضر القيان، ففعل. ثم إن المأمون سأله عنه فقال: أصون سمع أمير المؤمنين عما هو فيه من الشراب والخسار. فقال: والله لقد شوقتنى إليه وكان ذلك سبب منادمته إياه والرضا عنه.
ا، ب أبو سعيد بن جامع «٣» أخبرنى والدى أنه لما ذهب من يده بأفعال الشباب ما ورث عن أبيه قصد مرّاكش وخصّ بالاعتماد أبا العباس الهنتانى كاتب الوزير أبى سعيد، فوصفه له إلى أن/ أوصله إلى مجلسه، فعند ما حضر بين يديه سرد كثيرا مما يحفظه من الكامل والنوادر إلى أن أشار عليه الكاتب بالانصراف. ثم اجتمعت به بعد ذلك فدفع لى خمسين
[١ / ١٩٨]
دينارا، وذكر أن الوزير قال: يشترى بها غلاما ويربيه على أخلاقه، فمتى أراد سرد عليه ما يحفظه.
ا، ب أبو زيد الفازازى «١» قال والدى كنت آلف منزله أجالسه كثيرا فى سقيفة للمشهور من أدبه ورقة شعره وبراعته فى كتابته ولطافة أخلاقه. كان له طاق من وراء ظهره يستدعى بها من داره من يريده. فاتفق أن احتاج يوما حاجة فصاح من تلك الطاق: يا نسيم، لجارية له، فلم تسمعه لضعف صوته، فأردت النيابة فى ذلك، فصحت بها، فجاءت فقال لها: قولى «٢» لأبى عمران لأى شىء دعاك، فقمت خجلا وحصل لى من الوزير والكاتب باب عظيم فى الأدب الملوكى.
امحيى الدين بن ندا: «٣» المشهور بوزير الجزيرة كنت فى صحبته بالقاهرة فوصل كمال الدين بن العديم رسولا من صاحب حلب، ووقع اجتماعى به. ثم وصل ثانية معه إحسان لى من الملك الناصر برسم زاد إلى حضرته، فاقتضى الرأى أن خاطبه الرسول فى ذلك، فجاوبه: وبعد، فإنك سألتنى: البخل به عين الكرم، وسوء الأدب فيه مع المالك حسن أدب ورعى ذمم.
لكن لما علمت أن نفس النفيس تطمح إلى الأعلى، ملت إلى اختياره على نفسى:
فاخترت كمال أنسه على أنسى. ووجّه بزاد.
ا، ب كمال الدين بن العديم: المذكور «٤» كان يقال له بحلب رئيس الأصحاب. ولما وصلت معه إليها، أنزلنى فى دار ببستان ماء جار. وقال لى: أنت أندلسى، وقد عرفت أن دياركم «٥» لا تخلو من
[١ / ١٩٩]
هذا. ورتّب من المشاهدة والطعام الجارى فى كل يوم ما يكفى. قال لى: هذا يكفّك عن أن تشره مع خدمة السلطان إلى [طلب] «١» شىء حتى يكون هو المبتدىء، فصدّق ارتهانى فيك، فإنى وصفتك له بالحسب والنزاهة. فلزمت ذلك. فكان فيه فوق ما أمّلته ولم يلزمنى إلا الصبر.
ا، ب مؤيد الدين بن القبطى «٢» كان أخوه المكرم وزيرا للناصر، وكان له خزانة فيها نيّف على عشرة آلاف مجلد. فكنت انتفع بها وبماله وجاهه. فلما مات أخوه وولى الوزارة جئت مهنئا له فقال لحاجبه كنت قبل هذا تستأذن عليه، أما الآن فإن كان عندى أحد من امثاله فلا تستأذن له، وإن لم يكن فأجلسه داخل الدهليز ثم قال لى: والخزانة التى كنت تطالعها لها خزانة أخرى وهى المختصّة وقد أبحتها لك. فقلت له: ما هذه الزيادة.
فقال: بقدر ما زادنا/ الله من نعمه.
[١ / ٢٠٠]
الطبقة الثالثة: من الحكايات المتوسطة «١»
ا، ب يحيى بن عمر بن صبيح «٢» كان عمه اسماعيل بن صبيح كاتبا للرشيد «٣» . وكان حاذقا بالعمل. فقال له: إلزم موكب الفضل بن يحيى. فقال إنه تيّاه فى أول نزق الشباب، وخدمة أبيه أحب إلىّ. ثم لزم موكب يحيى- فلم يمر إلا القليل إلا ولاه عمل الأهواز، فصدر عنه بمال عظيم. فأتى به إلى يحيى بن خالد. فقال: ما هذا؟ فقال: إنما كنت نائبك وبعض القليل منه يكفينى. فقال: ما فى جميعه ما يكفى غسل الغبار الذى سقط عليك فى موكبنا. فانصرف به إلى عمه وترك العمل وتاجر فى المال إلى أن نكب البرامكة، فأنفق رأس المال على يحيى فى سجنه ا، ب ابن الزيات «٤» كان الواثق لما قبض على العمال جعل النظر فى استخراج الأموال منهم له، وكان فيهم سليمان بن وهب، وبينه وبينه «٥» ألطف ما يكون بين صديقين، فكان إذا خلا معه خلع عليه ثياب المنادمة وطيّبه ونادمه على ما كان عليه قبل. فإذا حضر وقت الاستخراج بمحضر «٦» الشهود قابله بأشد ما يكون حتى يستخرج منه ما يمكن، فإذا فرغ من ذلك رد عليه ثيابه، وخلا به وأحضر الطعام وعاد إلى الحالة الأخرى. ويقول له هذا حق الاخوان، وذاك/ حق السلطان.
[١ / ٢٠١]
ا، ب سليمان بن وهب «١»: المذكور كان قد قاس شدة فى العمل، فكان يخرج من نكبة إلى أشد منها، وكان يخدمه بعض التجار، فيضمن عنه ويقرضه ويستقرض له، فلما طال عليه أمره قال له وقد تخلص من نكبة عظيمة، يجب أن تحلف بالأيمان المغلظة ألا تقرب العمل أبدا، فأخذ يحلف بكل يمين ويرفع صوته ويمد فى الإيمان إلى أن جعل آخر ما حلف عليه ألا يترك العمل أبدا. فقال له: ما هذا. فقال ما أقل عقلك، سليمان بن وهب إن ترك العمل يكون ماذا: خياطا، نجارا، لا والله.
اأبو جعفر الكرخى «٢» قال عرضت أيام عطلتى ورقة على ابن الفرات فلم يوقّع عليها فانصرفت وأنا أقول:
وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... وأبى فلا تصعد عليه بحاجب
فلربما منع الكريم وما به ... بخل ولكن شؤم جدّ الطّالب
فقال: ارجع يا ابا جعفر بغير شؤم جدّ الطالب. ولكن إذا سألتمونا حاجة فعاودونا فإن القلوب بيد الله. هات ورقتك. ثم وقع لى بشغل كان فيه غتاى فى ذلك الوقت. قال: وكنت أسمعه كثيرا ما يقول: العامل فى أول سنة أعمى، وفى الثانية أعور وفى الثالثة بصير.
اأبو الحسن بن أبى البغل «٣» كان المقتدر قد ولّاه أعمال أصبهان. ثم أنه ذكر فيمن سمّى للوزارة. فوقع
[١ / ٢٠٢]
المقتدر على اسمه: ظالم لا دين له، ووجد السبيل إليه حامد/ بن العباس الوزير.
فسعى فى اعتقاله، فكتب إلى على بن عيسى صاحب الأعمال الذى سعى فى خلاصه بكل وجه حتى انتاشه من يديه.
الصقر يصفر فى الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنّم
لو كنت أجهل ما علمت لسرّنى ... جهلى كما قد ساءنى ما أعلم
ا، ب على بن عيسى «١»: صاحب الدواوين للمقتدر ثم صار وزيرا. ولىّ عمل الأهواز أبا الحسن بن شدّاد، فتريّض بأرز من ارتفاع الناحية حتى وقع فيه النار واحترق وكتب إلى ابن عيسى كتابا أقام فيه عذره عنده، وسجّع فى الكتاب سجعا زاد فيه فوقّع عليه: أنت تكتب فتجيد، والأثر الحميد خير من الكلام السديد، ضيّعت علينا أرزا حصلته، وعوّلت بنا على كلام ألّفته، وخطاب سمعته أوجب صرفك عما توليته، فقال ابن شدّاد: ما صرفنى إلا السجع.
ا، ب أبو الحسن بن شداد «٢»: المذكور جاوب ابن عيسى عن تلك المخاطبة فقال: وصل كتاب سيدنا.- أطال الله بقاءه- مشتملا على وصف وصرف، فأما الوصف فهو منه مع محله من الصناعة نهاية الفخر والسعادة، وأما الصرف للاعتذار بما جرى به المقدار، فما جزاء من اعتذر من حال لا درك عليه فيها ان يصرف عن ولاية لا جناية منه عليها، والاعتذار بلفظ الصواب أولى من الاحتجاج بسوء الخطاب. فوقع: قد ردّته البلاغة إلى الإرادة فليكتب بإقراره على العمل رإسعافه بالأمل إن شاء الله.
[١ / ٢٠٣]
ا، ب ابو علىّ بن مقلة «١»: المشهور بحسن الخط.
كان إماما فى العمل، وتصرّف فى الدواوين النّبيهة إلى أن ولى الوزارة للمقتدر وكان نفاعا بالجاه والمال. وكان أبو أحمد «٢» الشيرازى يكتب له بعشق جارية أتلف عليها ما عنده، فقال ابن مقلة لابنه إن هذا الرجل تخدّم لنا «٣» وهو يهوى جارية لا نعجز عن ثمنها، واشتراها له. فبات معها ولم يحضر للخدمة. وكتب فى ورقة أن الصفراء تحركت عليه فوقع الوزير عليها: بل أنت تحركت على الصفراء.
وكانت الجارية صفراء اللون «٤» ا، ب أبو الجهم بن سيف «٥» صرفه أبو الفتح بن الفرات وزير المقتدر عن عمل وأمر بصفعه. فجعل لا يتأوه بل يعد الصفعات بأصابعه، فتعجب الوزير من فعله، فسأله عن ذلك. فقال: إنما عددتها أعزك الله لأصفعك مثلها إذا صرت وزيرا، فلا أظلمك بزيادة ولا أظلم نفسى بنقصان. فضحك الوزير حتى لم يملك نفسه، وكان الوقت مضطربا وقال له: قم فى غير حفظ الله إلى منزلك. وترك المال الذى طالبه به.
[١ / ٢٠٤]
الطبقة الرابعة: من الحكايات المتوسطة
ا، ب شربح قاضى العراق «١» فى الصدر الأول وقضى بالكوفة/ ستين سنة ولاه عمر رضي الله عنه وبقى إلى أيام الحجاج، وكان صاحب عويص «٢» . جاءه عدى بن أرطأة ومعه امرأة تزوجها [من أهل الكوفة] «٣» فقال له لما جلسا بين يديه: أين أنت [فقال شربح بينك وبين الحائط] . قال إنى امرؤ من أهل الشام، قال: بعيد سحيق. قال وإنى قدمت للعراق. قال: خير مقدم. قال: وتزوجت هذه المرأة. قال: بالرفاء والبنين. قال: وإنها ولدت غلاما. قال: ليهنك الفارس.
قال: وقد أردت أن أنقلها إلى دارى. قال: المرء أحق بأهله. قال: قد كنت شرطت لها دارها. قال: الشرط أملك. قال: اقض بيننا. قال: قد فعلت. قال: فعلى من قضيت. قال: على ابن أمك.
ا، ب الشعبى «٤»: قاضى عبد الملك بن مروان وجهه رسولا إلى ملوك الروم. قال: فلما دفعت إليه كتابه جعل يسألنى عن أشياء فأخبره يها، فأقمت عنده أياما، فكتب جواب كتابى. فلما انصرفت دفعته إلى عبد الملك فجعل يقرؤه ويتغير لونه. ثم قال لى: يا شعبىّ، علمت ما كتب به الطاغية. قلت: يا أمير المؤمنين، كانت الكتب مختومة، ولو لم تكن مختومة ما قرأت وهى إليك. قال إنه كتب: عجبت من قوم يكون فيهم مثل من ارسلت الىّ به فيمّلكون غيره. فقلت: يا أمير المؤمنين حمله على ذلك لأنه لم يرك. قال:
فسرّى عنه. ثم قال انه حسدنى/ عليك فأراد أن أقتلك.
[١ / ٢٠٥]
ا، ب بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى: «١» وهو قاض بن قاض بن قاض [كان قاضيا بالبصرة] «٢» فتخاصم إليه رجل مع خالد بن صفوان المشهور بالفصاحة والبلاغة. فقضى للرجل عليه، فقام خالد وهو يقول:
سحابة صيف عن قريب تقشّع
فقال بلال: أما أنها لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، وأمر به إلى الحبس فقال خالد: علام تحبسنى، فو الله ما جنيت جناية استحق بها ذلك. فقال بلال:
يخبرك عن ذلك باب مصمت وأقياد ثقال وقيّم يقال له حفص «٣» .
اإياس بن معاوية: الذى يضرب به المثل فى الذكاء «٤» ولى القضاء بالبصرة فى خلافة عمر بن عبد العزيز. أخذه الحكم بن أيوب فى ظنّة الخوارج وأسمعه كلاما قبيحا. قال له فيه إنك خارجى منافق، ثم طلب منه أن يأتيه بمن يكفله. فقال إياس: ما أحد أعرف منك فاكفلنى. قال: وما علمى بك، وأنا من أهل الشام وأنت من أهل العراق. قال له إياس: يا سبحان الله ففيم هذه الشهادة منذ اليوم. فاستطرفه الحكم وجعل يضحك ثم خلّى سبيله.
اشريك بن عبد الله النخعى «٥» قيل أنه أول من استقضاه المنصور ببغداد. وكان قد أكرهه على القضاء. فقال للعباس أخى المنصور: أريد أن تكلم أمير المؤمنين لينقضنى. فقال له أنه/ أبو جعفر
[١ / ٢٠٦]
إذا عزم لم تردّ عزماته، فلما ولى المهدى أمّره على القضاء. قال العباس: فقلت له:
إن المهدى ألين عريكة من الماضى. فقال: أما الان فلا أخشى شماتة الأعداء. ثم إن المهدى عزله. فقام إليه رجل؛ فقال: الحمد لله الذى عزلك، فقد كنت تطيل النشوة، وتقبل الرشوة، وتوطئ العشوة. فقام إليه رجل فخنقه، فجعل يصيح:
قتلنى يا أبا عبد الله فقال: لقد ذلّ من ليس له سفيه.
ابن أبى ليلى «١» قد قيل فيه أيضا أنه أول من ولى القضاء ببغداد، وأن المنصور أحضره ليوليه ذلك، فامتنع إلى أن أكل عنده من طعام يليق بالملوك. فلما خرج قال المنصور للربيع حاجبه: لقد أكل الشيخ عندنا أكلة، ما أراه يفلح بعدها أبدا، فلما كان عشىّ ذلك اليوم راح ابن ليلى إلى المنصور فقال: يا أمير المؤمنين: إنى فكرت فيما عرضته علىّ من الحكم بين المسلمين، فرأيت أنه لا يسعنى خلافك فقال المنصور: خار الله لنا ولك، وولاه القضاء. ثم قال للربيع: كيف رأيت حدسى فى الشيخ.
سوّار بن عبد الله «٢»: قاضى البصرة دخل على المنصور والمصحف فى حجره، فوعظه فبكى، وقال: يا ليتنى متّ قبل هذا. ثم قال: يا سوّار، إنى أعانى نفسى منذ وليت أمور المسلمين على حمل الدّرة على عنقى والمشى فى الأسواق على قدمى، وأن أسدّ بالجريش من الطعام جوعى، وأوارى بالخشن من الثياب عورتى، وأضع قدر من أراد الدنيا، وأرفع قدر من أراد الآخرة، قلم تطعنى ونفرت نفورا شديدا. فقال: لا تجشّمها يا أمير المؤمنين مالا تطيق. وألزمها أربع خصال تسلم إلى آخرتك ودنياك: أقم الحدود بالعدل، واجب الأموال من وجوهها، وأقسمها بالحق على أهلها.
[١ / ٢٠٧]
ا، ب يحيى بن أكثم «١» لما فرض فرضه المشهور للغلمان الحسان شنّع الناس عليه فكتب إلى المأمون:
يا أمير المؤمنين، قد أكرم الله أهل جنّته بأن أطاف عليهم الغلمان فى وقت كرامته لفضلهم فى الخدمة على الجوارى، وامتنّ عليهم بذلك، فما أرى يمنعنى عاجلا من طلب هذه الكرامة المخصوص بها أهل القرية عند الله. فوقع المأمون: أذكرنا يحيى من كتاب الله ما كنّا عنه غافلين، فلا يعترض عليه فيما يقدر من الأرزاق فى فرضه ولا مبلغهم فى العداد وقرب الولاد، فإن أمير المؤمنين يحب ما أحب الله، ويرضاه لخاصته
[١ / ٢٠٨]
الخميلة التاسعة «١» المشتملة على الحكايات الممتعة «٢»،
وهى مخصوصة بالزهاد والعلماء والأدباء وسائر أصناف الناس ما بين جد وهزل
الطبقة الأولى: من الحكايات الممتعة
ا، ب الحسن يسار البصرى «٣» عاد عبد الله بن الأهتم فى/ مرضه الذى مات فيه، فأقبل عبد الله يضرب ببصره إلى صندوق فى جانب البيت، ثم قال للحسن: يا أبا سعيد، ما تقول فى مائة ألف فى هذا الصندوق لم تؤد منها زكاة، ولم توصل بها رحم. فقال: ثكلتك أمّك، فلم أعددتها، قال: أعددتها لروعة الزمان، ومكاثرة «٤» الاخوان، وجفوة السلطان ثم مات فحضر الحسن جنازته. فقال: جمعه فأوعاه، وشده فأوكاه، من باطل جمعه، ومن حق منعه، إن يوم القيامة ليوم ذو مسرات، وإن أعظم الحسرات أن ترى مالك فى ميزان غيرك. أيها الوارث، كل هنيئا، فقد أتاك هذا المال حلالا، فلا يكن عليك وبالا.
ا، ب أبو حازم من عبّاد المدينة «٥» نظر إلى امرأة تطوف بالبيت سافرة من أحسن الناس وجها، فقال: أيتها المرأة اتقى الله فقد شغلت الناس عن الطّواف فقالت: أو ما تعرفنى؟ فال: من أنت، قالت: من اللائى عناهنّ العرجى بقوله
[١ / ٢٠٩]
أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها ... وأرخت على الكفّين بردا مهلهلا
من اللائى لم يحججن برّا ولا تقّى ... ولكن ليقتلن البرىء المغفّلا
فقال: فإنى أسأل الله ألا يعذّب هذا الوجه الحسن بالنار، فبلغ ذلك سعيد بن المسيّب «١» فقالرحمه الله- هذا من ظرف عباد الحجاز. أما والله لو كان بعض بغضاء عباد العراق لقال: أغربى يا عدوة الله.
ا، ب أبو عبد الرحمن العمرى «٢»: من ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
كان من أعبد أهل الحجاز، فرحل إلى بغداد فرأى فتيانا فى زورق وهم يشربون ويقصفون غير مستترين بشىء من ذلك. فقال له أصحابه، أما تنظر إلى هؤلاء، كيف يجاهرون بالمعاصى ولا يستترون بالشراب. أدع الله عليهم أن يهلكهم ويعجّل لهم بالعقوبة. فقال: ارفعوا أيديكم، فرفعوا أيديهم. فقال: اللهم كما فرّحتهم فى الدنيا ففرّحهم فى الآخرة، فبلغ ذلك القوم، فأقلعوا عما كانوا فيه ونفعهم الله ببركة دعائه.
سيد الدارمى «٣»: من عباد المدينة كان من ظرفائها وأصحاب الغزل فيها، فتاب والتزم العبادة والمسجد فاتفق أن وصل لها تاجر، فكسدت عليه خمر سود فشكى ذلك إلى الدارمى. فنظم هذه الأبيات
[١ / ٢١٠]
قل للمليحة بالخمار الأسود ... ماذا فعلت بعاشق متعبّد
قد كان شمّر للصلاة رداءه ... حتى برزت له بباب المسجد
ردّى عليه صيامه وصلاته ... لا تفتنيه بحق دين محمد
فحفظت الأبيات، وعنى بها وشاع أن الدارمى رجع إلى ما كان عليه من العزل والظرف، فلم تبق ظريفة بالمدينة حتى ابتاعت خمارا أسود، فلم/ يبق للتاجر منها خمار.
ا، ب الفضيل بن عياض «١» سأله الرشيد أن يعظه فقال: إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما استخلف دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظى ورجاء ابن حيوة «٢» فقال لهم: إنى ابتليت بهذا البلاء فأسيروا علىّ فقال له سالم: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم أخا وأصغرهم ولدا. فوقّر أباك وأكرم أخاك وتحنّن على ولدك. وقال رجاء: إن أردت النجاة من عذاب الله فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء ومن يشير بمثل هذا. فعملت الموعظة فيه حتى بكى، فقال الفضل بن الربيع: إرفق بأمير المؤمنين فقد قتلته. فقال بل أنت تقتله وأمثالك.
اذو النون المصرى «٣» صحبه إنسان ولزم خدمته ثم طلب منه أن يطلعه على اسم الله الأعظم فماطله. ثم أمره أن يحمل عنه طبقا مغطّى إلى شخص بالفسطاط فلما بلغ الجسر قال فى نفسه:
[١ / ٢١١]
يوجّه ذون النون بهدية إلى رجل فى طبق ليس فيه شىء من خفّته، لا بصرنّ ما/ فيه فكشف الغطاء فإذا فأرة قد قفزت من الطبق فذهبت. فاغتاظ وقال: يسخر بى ذو النون، فرجع إليه مغضبا، فلما رآه تبسّم وعرف القصة وقال: يا مجنون إئتمنتك على فأرة فخنتنى، فكيف لو ائتمنتك على اسم الله الأعظم. قم عنى فلا أراك بعدها.
ا، ب فقير عجمى وصل إلى دمشق فى حلية الزهاد، ومصر عبد الملك الناصر، فطلب منه الدعاء.
ثم قال له: أطلب أنت منّا فإنما نحن خزّان الله نعطى من أطلق له شيئا على أيدينا.
فقال: اطلب ما يوصّلنى إلى بيته «١» فأعطاه. وسأله ان يدعو له هناك بما رسمه له.
فلما عاد أتى بما جرت به العادة من تحف التّبرك، وعرّف السلطان أنّه دعا له فى المشاعر الكريمة بما رسمه [وكان خواصه قد سألوه أن يدعو لهم بما رسموه] «٢» . فسألوه، فقال بحلاوة: تلك حالات تنسى الانسان أهله وولده، وإنما ذكرت هنالك من ذكّرتنى به نعمة التى أوصلتنى إلى حيث أدعو. فأعجب الناصر ذلك وقال: فأريد أن تنصرف إلى بلدك بما تذكرنى به عند أهلك. فقال مقبول يا خوند «٣» وانصرف بخير كثير.
[١ / ٢١٢]
الطبقة الثانية: من الحكايات الممتعة
ا، ب الشّعبى: «١» دخل على عبد الملك فقال: أتشتهى/ الطعام فقد اشتهيته. فقال: أمير المؤمنين أحق بقول قيس بن عاصم منه
إذا ما صنعت الزّاد فالتمس ... له أكيلا فانى لست آكله وحدى
فارتاح وقال: لله أبوك يا شعبى: ما تشوّفت بخاطرى إلى شىء لا أقدر عليه إلا وجدته عندك، ثم واكله فى ثريدة عليها خضرة ولحم، مكان خصبها لما يلى الشّعبى.
فقال أمير المؤمنين: تخلّق فى هذا بخلق حاتم [حيث يقول] «٢»
وإنى لأستحيى أكيلىّ أن يرى ... مكان يدى من جانب الزّاد أقرعا
فقال: لا عدمتك يا شعبى. ثم بصق عبد الملك فقصّر فوقعت البصاقة على البساط، فمسحها الشعبى. فقال عبد الملك: أربعة لا يستحيى من خدمتهم:
السلطان والوالد والضّيف والدّابة. فقال: يا أمير المؤمنين، أنفقت أنا من أشعار العرب، وأنفق أمير المؤمنين من آداب الملوك فأحسن له «٣» .
ا، ب الأصمعى قال: قال الرشيد أول يوم عزم فيه على تأنيسى: يا عبد الملك أنت أحفظ منا
[١ / ٢١٣]
ونحن أعقل منك، لا تعلّمنا فى ملاء ولا تسرع إلى تذكيرنا فى خلاء، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد، وإياك والبدار إلى تصديقنا، وشدّة العجب بما يكون منّا/ وعلّمنا من العلم ما نحتاج إليه على عتبات المنابر، وفى فواصل المخاطبات، ودعنا من رواية حوشىّ الكلام وغرائب الأشعار، وإياك وإطالة الحديث إلا أن تستدعى ذلك منك، ومتى رأيتنا صادفين عن الحق فأرجعنا إليه من غير تقرير بالخطإ، ولا اضّجار بطول التّرداد. قال الأصمعى:
فقلت له: أنا إلى حفظ هذا الكلام أحوج منى إلى كثير من البرّ.
ا، ب الواقدىّ «١» رفع إلى المأمون قصّة يشكو فيها غلبة الدّين، وقلّة الصبر فوقع عليها: أنت رجل فيك خلتان، السخاء والحياء، فأما السّخاء فهو الذى أطلق ما فى يدك، وأما الحياء فهو الذى بلغ بك ما أنت عليه. وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنا أصبنا إرادتك فازدد فى بسط يدك، وإن كنّا لم نصبها فجنايتك على نفسك، فأنت كنت حدّثتنى وأنت على قضاء الرشيد أن رسول الله ﷺ قال للزبير: يا زبير، إن مفاتيح الأرزاق بإزاء العرش ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم. فمن كثّر كثّر له- ومن قلّل قلّل له. قال الواقدى، وكنت أنسيت هذا الحديث. فكانت مذاكرته إياى به أعجب إلىّ من صلته.
اابن سريج: إمام أصحاب/ الشافعى «٢» تذاكر عند الوزير على بن عيسى مع محمد بن داود الظاهرى. فقال له ابن سريج أنت بكتاب الزهرة أمهر منك بهذه الطريقة. فقال: أتعيّرنى به والله ما تحسن أن تستتمّ قراءته قراءة من يفهم، وإنه لإحدى المناقب حيث أقول فيه، وأنشد أبياتا منها
[١ / ٢١٤]
أكرّر فى روض المحاسن مقلتى ... وأمنع نفسى أن تنال محرّما
قال ابن سريج: أو علىّ تفخر بهذا، فأنا أقول
ومسامر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
ضنّا بحسن حديثه وعتابه ... وأردّد اللّحظات فى وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولىّ بخاتم ربّه وتراته
فقال ابن داود: قد أقررت بالمبيت، فعليك إقامة البيّنة بالبراءة. فقال ابن سريج: من مذهبى أن المقرّ إذا أقرّ اقرارا ناطه بصفة كان إقراره موكولا لصفته.
قال الوزير: لقد ملّيتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما.
ا، ب أبو الفرج الجوزى «١» كانت «شهدة» الكاتبة آية فى حسن الخطّ وحسن الصّورة والأدب والظّرف وكانت كثيرا ما تحضر مجلس الجوزى وتكتب له فى جملة من يسأله بالبطائق على منبر الوعظ. فكتبت إليه مرة ورقة فيها إن سيدنا الإمام العالم المتفنن/ أعزه الله بطاعته وأمدّه بتوفيقه- رأيته قد صنّف فى كل فنّ من فنون الشريعة وغيرها إلا فى الطلب، وقد علم أنه توأم علم الأديان وأنا الآن قد أصابنى حكاك حرّقنى حرقة شديدة وذلك فى قبلى، فبأىّ شىء يكون دواوّه؟ فلما قرأ الرقعة قال: يا صاحب الرّقعة الطّبيّة، الجواب وبالله التوفيق
يقولون ليلى فى العراق مريضة ... فياليتنى كنت الطبيب المداويا
[١ / ٢١٥]
ا، ب أبو الحسن بن أبى نصر «١» كان ببجاية فى عصرنا، قد جمع العلم والورع والأدب وحسن الخلق واللطافة:
وكان قد اقتصر على أمة سوداء ولدت له أولادا سودا. فخرج الأكبر منهم شديد التّخلّف لا يبقى ثوبا فى شرب الخمر، وما وقع بيده خفّت به وشرب بثمنه. وكان أبو الحسن «٢» هذا قد أحدث جنانا فى موضع يعرف بالكدية. فخرج إليه يوما مع أولاده وبعض أصحابه، فعدا ذلك الابن الأسود الخلف وصعد الكدية بسرعة وهو ممسك أطراف ثيابه بفيه. فقال أحد أصحاب أبيه: شرب العبد الكدية فسمعه أبو الحسن أبوه. فقال: إذا متّ أنا، ترى كيف يشربها بالحق.
[١ / ٢١٦]
الطبقة الثالثة: من الحكايات الممتعة «١»
ا، ب الاستاذ أبو اسحق الأعلم البطليوسى. «٢»
- كان بأشبيليه علما فى إقراء فنون الأدب. وطلبت منه أن أقرأ عليه الكامل للمبرّد. فقال: أنصحك أم أدعك لهواك. فقلت. بالنصح انتفع فقال:
إن كان غرضك إقراء الأدب والاشتهار بكتبه فعليك بأركان الأدب الأربعة، البيان للجاحظ والكامل للمبرد والأمالى للقالى والزّهرة للحصرى: وإن كان غرضك أن تكون أدبيا محاضرا بملح الأعراب فعليك من النّثر والنظم والحكاية بما قصر مداه وراق لفظه وأغرب معناه، واتّخذ إماما قول الله تعالى: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»
«٣» واختر ما أشار إليه سيد الشعراء فى قوله
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها
االأستاد أبو الحسن الدّبّاج «٤» كنت أقرأ عليه الأدب بجامع العدبّس «٥»، فبلغه أنى أقرأ على أبى بكر ابن هشام المشهور بالكتابة وحفظ الأدب كتاب «الذخيرة» وأحفظ عليه محاسنها.
فقال لى: أنشدنى ما حفظته من محاسن شعرها، فأنشدته، فقال: فأين أنت عن قول ابن حصن
وما هاجنى إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والنّهر
[١ / ٢١٧]
مفستق طوق لا زوردىّ كلكل ... موشّى الطّلى أحوى القوادم والظّهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التّبر
- حديد شبا المنقار داج كأنه ... شبا قلم من فضّة مدّ فى حبر
توسّد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طىّ الجناح مع النّحر
ولما رأى دمعى مراقا أرابه ... بكائى فاستولى على الغصن النّضر
وحثّ جناحيه وصفّق طائرا ... وطار بقلبى حيث طار ولا أدرى
فصرت أقروها عليه ا، ب الأستاذ أبو علىّ الشّلوبينى «١» إن كان اشتهاره بالنحو فقد كان فى نهاية من خفّة الروح وظرف المحاضرة. كنت أقرأ عليه مع ابن سهل الاسرائيلى، وكان كثيرا ما يناظر بيننا فيما ننظمه بما يضحك من حضر، فاتفق أن كان يقرأ معنا غلام أصفر اللون، على وجهه ضوء، فلما عذّر ذهب ذلك الرونق، وقبحت صورته. فقلت فيه:
آها على الوجه الذى قد مضى ... عنه ضياء فيه فهو لا يعشق
كانت تضىء النار من خدّه ... فأصبحت فحما لمن يرمق
[١ / ٢١٨]
وقال ابن سهل [الاسرائيلى]
كأنّ محيّاك له بهجة ... حتى إذا جاءك ما حى الجمال
أصبحت كالشمعة لما خبا ... منها الضياء اسودّ فيها الذّبال
فقال الأستاذ: قم اضرط لى فى وجهه عشرين ضرطه فوقعنا ضحكا.
ا، ب الأسعد بن مقرب «١» كنت أتردد إلى مجلسه بالاسكندرية، وكان صاحب فنون واشتهر/ برواية الحديث والفقه مع الظرف، فبينما أنا معه ذات يوم إذ أقبل إلى داره صبى فتان الصورة، فغلبت فى النظر إليه، فقال لى: عندكم فى المغرب مثل هذا، فخجلت، فقال: انبسط وخلّ أخلاق المعرب، فإذا خلونا صبونا. فقلت: ومن يكون؟
فما رأيت أجمل منه. فقال: هو ابنى. فقلت: وأى شىء يشتغل؟ قال: بالحمام ثم خرج من الدار صّبى آخر دونه فى السن وفوقه فى الحسن. فقلت: وما نريهم.. قال تمّم الآية، وانبسط. فعلمت أنه أخ الأول. فقلت: وبأى شىء يشتغل هذا الآخر. فقال:
بالبيض. فكدت أذوب حياء. فقال: ألم أقل لك خلّ الأخلاق المغربية، ما عملت فيك البلاد إلى الآن شيئا، هذا وأنا صاحب ناموس، وأنت صاحب أدب واسترسال.
ا، ب فخر القضاة بن بصاقة «٢» كان متطوّرا، فمرة فقيها قاضيا، ومرة كاتبا شاعرا، ومرة جنديا. واتفق أن سافر معه التاج النقشار أحد شعراء الناصر، وكان فخر القضاة قد نصب للأحكام فى العسكر، فكتب إليه النقشار: ما تقول سيدى القاضى فى شيخ طالت غربته فى السفر، وليس عنده ما يحلّ له فيه قضاء الحاجة. فقال له فى الجواب: أنا أشترى لك من فلان التاجر حمارته المصرية وتخرج بملكها فى دينك عن الدّنية، ثم اشترى له الحمارة، وبعث بها إليه، فكتب- له النفشار
[١ / ٢١٩]
اشترى لى فخر القضاة حماره ... ذات حسن وبهجة ونضارة
صان دينى بها وعمّر بيتى ... عمّر الله بالحمير دياره
فكان يقول إذا رآه وقد اشتهر البيتان لو شاء الله ما أفتيت ولا اشتريت
[١ / ٢٢٠]
الطبقة الرابعة: من الحكايات الممتعة
ابن حجاج «١» دخل على عضد الدولة فى زى قاض أو خطيب وعنده مشايخ الدولة فقال له:
ما زاد من طرائفك. فقال: أيها الملك، لا أحكى لك إلا ما جرى لى البارحة. قال:
وما هو؟ قال: قعدت فى بيتى فضرطت بما أقدر عليه وقلت:
فأحمد ربى حين أمسيت مفردأ ... أقلّب طرفى حيث شئت وأضرط
فرفعت الديلم رءوسها متعجبة من تناقض حالتيه. ثم قال: فبينا أنا أصفع الضرطة بأخرى إذا أقبلت العجوز السوء من زاوية لها وجعلت تقول: يا شيخ السوء لقد حمدت ربك على ما لا يدوم لك، وجاءتنى أيها الملك بماعون النّيك ثم جلست إلى جنبى وأدخلت يدها إلى أيرى فشمرخته ودلكته وعركته فلم يرفع رأسا وقالت ما تضمّنته فى قولى:
قالت وقد خاب منها الظّنّ فى ذكرى ... لا تلحينّى إذا أصبحت قرنانا
كأن أيرك شمع من رخاوته ... فكلّما عرّكتة راحتى لانا
- فضحك وأمر له ولها بصلة ا، ب حكاية عن بعض العجم ذكر ابن الربيب أن أحد الرؤساء قال لجلسائه وقد أضحكوه، أنا أحدثكم
[١ / ٢٢١]
ما جرى من بعض أصحابنا الذين عاشروا الأدباء، وفهموا فهما معكوسا. حضر ليلة عند رئيس، فغنت جارية بقول الشاعر:
حمامة بطن الواديين ترنّمى ... سقاك من الغرّ الغوادى مطيرها
فما أتمّت البيت حتى علا شهيقه، فقلنا له: ما شأنك، فجعل يبكى ويزيد.
فأسكننا القينة، وأخذنا فى سؤاله. فقالت: تذكرت حمارة كانت عندنا ببلادنا ببطن الوادى كنت أنيكها أنا وأخ لى، فها أنا ها هنا، وما أدرى ما فعل الله بأخى ولا بالحمارة. فانقلب المجلس ضحكا. فدخل فى السلاح وجذب القوس إذ فهم أنّا نهزأ به. فاجتمعنا عليه، وأوثقناه كتافا، وجعلناه فى بيت مفرد حتى أصبحنا وخلّينا سبيله، ولم نشرب معه بعد ذلك خوفا من عربدته وتذكّره القصة.
ا، ب حكاية مضحكة ذكر ابن الربيب أيضا أن شخصا من أصحاب المرقّعات المرائين بكثرة الصلاة والتسبيح صحب فى طريق تاجرا كثير المال والمماليك الملاح فأنسوا بذلك الفقير وصبّروه إماما فى الصلاة، فلما أجهدهم التعب ذات يوم وقعوا فى الليل كالأموات/ فدبّ على واحد منهم، فقام معه وقد فرغ. وأفلت الفقير، وعاد لمكانه، وانقلب على وجهه، وجرّد عن مؤخّره، وملأه بصاقا، وصاح المملوك، وأسرجت الشمعة، وطلب الفاعل، وجعل التاجر يتصفح مكان الريبة، فنظر إلى الصوفى على تلك الحال، فلها عن المملوك. وقال: انظر هذا الفاعل الصانع الذى دبّ حتى على الرجل الصالح، استروا جحره، وامسحوا ثقبه لئلا ينتبه ونقع معه فى خجله. فامتثلوا ما أمر به سيّدهم وجعلوا يضحكون من الفقير، وتغافلوا عن البحث فرأوا ستر القضيّة أولى.
أخرى كان بدمشق شخص يعرف بسليمان المفسّر له حكايات فى هذا الباب غريبة، ومن أطرفها أن جماعة من الجيدريّة «١» وصلوا من العجم إلى دمشق، وكان معهم
[١ / ٢٢٢]
لأحدهم ولد فتّان الصورة. فخدمهم المفسّر من أجله، وتقرب إليهم إلى أن حضر معهم يوما خوش قدم ومعناه قدم صدق، فى الصبر والمجاهدة، فأزالوا الأقفال التى عادتهم أن يجعلوها على ذكورهم، ونصبوا الصّبى، وكشفوا عن مقعدته، وحصل الواحد منهم يصل بذكره إليها ويرجع دون مباشرة ويقول بالعجمية «خوش قدم» عبارة عن أنه تركه لله، إلى أن جاءت نوبة المفسّر فأقام ذكره وجعل فيه الصابون المشرقى، ودفع- دفعة حصّلت متاعه فى متاع الصى وهو يقول: أنا لا أتركك لا لله ولا لغيره، فصفعوه بالمداسات حتى كاد بهلك، وأخرجوه، فصار يعرف بعد ذلك بصريع المداسات ا، ب أخرى كنت بدمشق كثيرا ما أخرج إلى شرف «١» نهر بانياس «٢» فاتفرج فى جريان الماء، وحفيف الأشجار، وتغريد الأطيار وما تحت ذلك الشّرف من خلق أنواع العالم فرأيت فى بعض الأيام امرأة قد جاءت إلى شيخ ذى لحية طويلة، عنده بساط عليه عقاقير وحروز وهو ينادى تارة على العقاقير وتارة على الحروز، يجمع المنافع المتضادة فى الشىء الواحد فقالت له تلك المرأة: يا سيدى أريد حرزا أعقد به لسان زوجى، وأطلّق عليه ضرتى، وأزرع المحبة فى قلب كل أحد لى، وجعلت تعدّ أشياء كثيرة.
فقال لها هذا الحرز فيه هذا كله. هات ما عندك. فرمت فيه بقيراط. فقال لها:
ضعى رأسك، ثم ضرط لها ضرطة فى الحرز من أوله إلى آخره. وقال خذى ما فضل من هذه الضرطة واجعليها فى لحية زوجك. فقالت ما عند زوجى إلا لحية صغيرة وبالحر، أتقوم بها هذه اللحية السوء؟
ا، ب خبز طرى المسخرة «٣» .
كان مختصا بالملك العادل صاحب مصر والشّام، وكان لا يكاد يستغنى عنه.
[١ / ٢٢٣]
واكتسب/ معه وبجاهه أموالا عظيمة. وكان كثيرا ما يقول له: يا صفعان، ما تصنع بهذه الأموال؟ فيقول: يا خوند، لك ترجع كلها. وتصرّف فيها مدة حياته على جميع لذّاته وأغراضه. ولم يترك وارثا. فلما حضرته الوفاة أخرج صندوقا وأوصى أن كلّ ما فيه إنما هو مما كسبه من إحسان العادل أو جاهه، فهو له يتصرف فيه بما يشاء، ورغب ألا يفتح إلا بمحضر شهود. ولما مات فتح بين يدى العادل بمحضر من يختص به، فوجد فيه صورة أير كبير ومعه ورقة فيها: هذا فى رحم عيال من طمع فى ميراثى. فضحك العادل حتى غشى عليه وقال: لعنه الله ما أطيبه حيا ومّيتا.
[١ / ٢٢٤]
الخميلة العاشرة المشتملة على الدوبيتيات والمربعات والمخمسات
ملح الدوبيتيات:
هى التى ولع بها المشارقة كما تولع المغاربة بالموشحات، استنبطوا وزنها من الرجز ولا يتعدون بها وزنا واحدا، وفيه متحرك وساكن زائد على الرجز المثلث المسمى المشطور، الدوبيتى عند المشارقة على نوعين: ساذج ومرصّع، الساذج من الدوبيتى:
هو صنفان، موافق ومخالف.
الموافق من ساذج/ الدوبيتى:
ا، ب قول الملك المعز بن أيوب صاحب اليمن «١»
قم نشربها سلافة كالذهب ... من قبل حلول عائق أو سبب
لما برزت ولم تزل فى حجب ... من خجلتها تبرقعت بالحبب
ا، ب وقول مظفّر الدين صاحب إربل «٢»
لولا خبر يأتى به الطّيف إلىّ ... ما كنت وقد بعدت عن حيّك حىّ
لما ظهرت أدلّة العشق علىّ ... موّهت بحاجر وعرّضت بمىّ
ا، ب وقول العماد الأصبهانى كاتب صلاح الدين «٣»
منشورك بالعذار من أرّخه ... كافورك بالعبير من ضمّخه
[١ / ٢٢٥]
بالمسك على الورد وقد لطّخه ... خطّ حسن أريد أن أنسخه «١»
ا، ب وقول الصلاح الأربلى نديم الكامل «٢»
لمّا عرف الدار بكى وانتحب ... واستنجد أدمعا تحاكى السّحبا
ما زال مردّدا بها واحربا ... حتى ذهب المسكين مع من ذهبا
ا، ب وقول الفخر ابن قاضى دارا «٣»
مولاى أما ترحم مأسورا جفاك ... حاشاك بأن تظلم مثلى حاشاك
إن كنت تشكّ أن قلبى يهواك ... ها أنت بوجه هل ترى فيه سواك
ا، ب وقول ابن بهرام الحاجرى «٤»
لما خطرت ريح صبا يبرين ... ليلا وتعطّرت على النّسرين
هاجت حرقى فقال صحبى دون ... ما أشبهه بحالة المجنون «٥»
ا، ب وقول ابن الفارض المكّى «٦»
- أهوى قمرا له المعالى رقّ ... من ضوء جبينه أضاء الشّرق
بالله أتدرى ما يقول البرق ... ما بين ثناياه وبينى فرق
[١ / ٢٢٦]
المخالف من ساذج الدوبيتى:
ا، ب قول الملك الأشرف بن أيوب «١» صاحب دمشق فى مملوك كان يهواه وجعله على خزائنه
أهوى قمرا تحار فيه الصّفة ... يسحو بدمى وهو أمين ثقة
ماذا عجب يحفظ مالى ويرى ... روحى تلفت به ولا يلتفت
ا، ب وقول ابن عمه الملك الأمجد صاحب بعلبك «٢»
كم قد حلفت بكل أمّ وأب ... أن تسمح لى فأعقبت بالكذب
حتى حلفت على التّجنّى فوفت ... ما تصدق إلا فى يمين الغضب
ا، ب وقول الملك المنصور بن أيوب صاحب حماه «٣»
عينى دمعت مسرّة بالجمع ... قالوا مهلا ما فى البكا من نفع
دع عينك تستغنم منهم نظرا ... ماذا زمن تشغلها بالدّمع
ا، ب وقول العماد بن الزاهر بن أيوب «٤»
ذى كاظمة والعلم الفرد يلوح ... والأجرع والغضا وبان وطلوح
هاتيك منازل بها كان لنا ... عيش ومضى فنح إذا كنت تنوح
ا، ب وقول عماد الدين بن زنكى صاحب سنجار «٥»
السّكّر صار كاسدا «٦» من شفتيه ... والبدر تراه ساجدا بين يديه
[١ / ٢٢٧]
فى الحسن عليه كلّ شىء وافر ... إلا فمه فإنّه ضاق عليه
ا، ب وقول باذكين صاحب البصرة «١»
زود نظرى بنظرة قبل تسير ... من وجهك إنّ عمر ذا اليوم قصير
- لا تأمن أن تذوق ما ذقت أنا ... أو تصبح فى حبائل الحبّ أسير
ا، ب وسمعت الملك الناصر سلطان الشام «٢» ينشد لنفسه وقد جاءه مملوك بباكورة ورد
الورد أنى مبشّرا بالأمل ... عجلان مبادرا وقوع الملل
لا تخجله ولا الذى جاء به ... فى خدّهما ما قد كفى من خجل
ولما عدت من العراق أنشدته من محاسن الدّوبيتيات ما أمر بكتبه. ثم قال لى هذا طراز لا تحسنه المغاربة. فقلت: يا خوند «٣»، كما أن الموشحات والأزجال طراز لا تحسنه المشارقة، والمحاسن قد قسّمها الله تعالى على البلاد والعباد. قال:
صدقت، فهات مما نظمت أنت فى هذا الطراز، فأنشدته:
مولاى أراك دائم الإعراض ... والعمر يمرّ ضائع الأغراض
كم أسألك الرّضا وكم تمنعه ... الملك لمن أصبحت عنه راض
فقال: ما قصّرت. ركبت الجادّة، وما تحتاج بعد إلى دليل ا، ب ومن محاسن الدوبيتى المخالف قول قمر الدولة بن دواس فى «٤» سكان قبا
سكّان قبا أفديكم من سكن ... ما أطيب وقع ذكركم فى أذنى
[١ / ٢٢٨]
لم أنس وقد قضيت معكم زمنا ... أبغى بدلا يا ليت شعرى بمن
ا، ب وقول الصّلاح الأربلى «١»
بالله عليك أيها المرتحل ... بلّغ عنّى أحبتى إن سألوا
قل مات فإن قالوا متى قل لهم ... من يوم فراقكم أتاه الأجل
- وقول الحاجرى «٢»
يا من خطراته لقلبى عنت ... هل ترجع فى العتاب تلك النّكت
قد قيل محاسن الظّبا لفتتها ... يا ظبى فنى العمر متى تلتفت «٣»
ا، ب وقول أيدمر التركى «٤»
بالله إذا جزت على نعمان ... أنشد قلبا قد ضاع عن جثمانى
واحذر يعطوك غير قلبى غلطا ... فالقوم لديهم كلّ قلب عان
ا، ب وقول الفخر بن بصاقة «٥»
البلبل كم يصيح فى الدوح بليت ... والدوح يميل قائلا منك زهيت
لا يعلم ذا مقدار ما حلّ بذا ... حبى أبدا ينعم إن قلت شقيت
ا، ب وقول الشهاب بن التلعفرى «٦»
قالت وقد انتضت سيوف اللّحظ ... والسحر ممازج لذاك اللفظ
ذا حظّك ما أقلّه قلت لها ... لو شئت لما كنت قليل الحظّ
[١ / ٢٢٩]
ا، ب وقول الجمال بن مطروح «١»
لا تستر ما جرى فما يستتر ... عندى وحياة ناظريك الخبر
لا بأس عليك فالقنا منبسطا ... فى حبّك كلّ هفوة تغتفر
ا، ب وقول سعد الدين بن العربى الدمشقى «٢»
أفدى قمرا لعاشقيه قمرا ... إن واصلنى فطال ما قد هجرا
النّمل على وجنته قد رقمت ... لا غرو إذا ما واصلتها الشّعرا
ا، ب- وقول ابن نبهان الدمشقى «٣»
من حبّك فى حشاشتى أوطان ... ما مرّ بها العدل ولا السّلوان
بالله لقد حلوت «٤» فى القلب فلو ... بالهجر مزجت طاب لى الهجران
ا، ب وقول الضياء بن ملهم المقدسى «٥»
بالله لقد سمعت فى الدّوح أنين ... ورقاء تنادى بنحيب وحنين
الإلف مجاورى وهذا كلفى ... ما حال قرين قد نأى عنه قرين
ا، ب وقول العماد السلماسى «٦»
يا من هجروا والله ما نهجركم ... تنسون ونحن دائما نذكركم
العذر لكم فى عيشنا بعدكم ... العذر لكم يا سادتى، العذر لكم
[١ / ٢٣٠]
محاسن الدوبيتى المرصع:
ا، ب أنشدنى منه لنفسه شرف العلا بن تاج العلا الحسينى «١»
ودّعتهم إذحان بين ورحيل ... ناديتهم
الصبر إذا رحلتم غير جميل ... شيّعتهم
لما رحلوا وما إلى الصبر سبيل ... أنشدّتهم
لم يجر على الخدّ من الدّمع قليل ... يا ليتهم
ا، ب ومنه
بالله إلى العقيق مل يا حادى ... فالصّبر فنى
ما تبصر خيماتهم بالوادى ... ما ترحمنى
لو كنت عشقت ما تعسّفت علىّ ... بالله عليك
مل نحوهم وسل إمام النّادى ... من ولّهنى
ا، ب ومنه
ما ولّهنى سوى غزال السّرب ... لما لمحا
ما عارضنى إلا ليسبى قلبى ... لما سنحا
بالسّفح بقى جسمى بغير الرّوح ... رهن البرحا
سكران وما سقاه ساقى الحبّ ... إلا قدحا
اومنه
بالأجرع منزل له القلب يميل ... والدمع يسيل
للورق على رباه شدو وهديل ... تبكى وتقول
هل شوّقها مثل الذى شوّقنى ... الأمر جليل
ورد وجنى غض وظلّ ومقيل ... والحىّ حلول
[١ / ٢٣١]
اومنه
يا منزلهم بأىّ أرض نزلوا ... ولّوا وبقيت
لمّا كتموا سراهم وارتحلوا ... عاشوا وفنيت
أصبحت وحيدا بعدهم فى الرّبع ... أحيا وأموت
أبكى وأقول لو يجيب الطّلل ... بالحبّ شقيت
ا، ب ومنه
عهدى بهم والحىّ ملء الوادى ... والدّهر ربيع
والبدر هناك مشرق بالنّادى ... والحال مطيع
والعاشق حائم وطورا يردّ ... والسعد شفيع
لكن بلحاظه مع الورّاد ... والشّمل جميع
محاسن المربعات:
اشترك فيها المشارقة والمغاربة. وهى أيضا نوعان: ساذج ومرصع، والساذج صنفان: موافق ومخالف
الصنف الموافق من ساذج المربعات:
ا، ب ومثاله ما أنشدنيه الرضى الصاغانى لنفسه «١»
البلبل فى الغصون صاحا ... والهائم فى الرّسوم ناحا
كم يندب مربعا أباحا ... للصّبر حمّى مضناه طاحا
ا، ب وقوله
يا من به أهيم ... ما تعرف أننى مستقيم
كم تمطل والهوى غريم ... كم أسكر والجوى نديم
[١ / ٢٣٢]
ا، ب وقوله
الله ولىّ من هجرتم ... الله معين من خذلتم
فى الرّبع أقام من تركتم ... حيران وعنه ما سألتم
وأكثر ما يشتغل بهذا العجم وهو وزن مستنبط من أوزانهم، وكثيرا ما يطربون عليه فى السّماع ولا يلتفتون إلى غيره «١» .
ومثال الموافق من مربعات المغاربة فى غير هذا الوزن ما أنشدنيه «٢» أبو القاسم البيانى «٣» /لنفسه
يا دارهم بحقّهم أجيبى ... متيّما بالنّوح والنّحيب
يقول فى الأطلال يا حبيبى ... رفقا على المولّه الكئيب
وما أنشدنيه ابن جحدر الأشبيلى «٤»
دع مقلتى فى أرق ... ومهجتى فى حرق
مواقف التّفرّق ... شيّبن منّى مفرقى «٥»
ومثال الصنف المخالف من [ساذج] المربعات «٦»:
قول ابن كتاكت المصرى «٧»
خلّ عن لومى وعتبى ... لا أقال الله قلبى
فيك من عثرة حبّى ... وكفاه وحماه
[١ / ٢٣٣]
ا، ب وقوله:
خلّ طرفى وبكاه ... وفؤادى وعناه
لا وجسمى وضناه ... ما سبى قلبى سواه
ا، ب وأنشدنى أبو القاسم البيّانى لنفسه «١»
يا مربع الأحباب أين ساروا ... أبالجناح عن حماى طاروا
جار الزمان وانقضى الجوار ... وفاتنى من أجلهم نصيبى
ومربعة ابن عياض «٢» فى المقامة الدوحية من أطبع ما قيل فى هذا الباب وأبدعها قوله:
ا، ب
يصيد آساد الشّرى ... بمقلة تسبى الورى
وماء وجه لا ترى ... للشّعر فيه طحلبا
وفيها ا، ب
يا ربّ ليل أليل ... ناديت فيه يا على
فحين لم يرقّ لى ... صحت به واحربا
وفيها ا، ب
كم زارنى بعد اجتناب ... طيف أبى إلا العتاب
والريح تطلى بالسّحاب ... أفقا تبدّى أجربا
ومثال المرصع من المربعات قول القائل «٣»:
ا، ب
على الخيام عج معى ... إن كنت صبّا
وانثر بها كأدمعى ... شوقا وحبّا
[١ / ٢٣٤]
واذكر زمان حاجر ... وعهد نجد
وقل لتلك الأربع ... ذكراك لبا
بالله يا طير الأراك ... كم ذا تنوح
وكم على الدّوح أراك ... لا تستريح
فزت بروض ناضر ... وطيب ورد
وتدّعى ما قد شجاك ... ماذا صحيح
ذره وذرنى، شانه ... فى الحبّ شانى
ما هيجّت أشجانه ... إلا شجانى
فديته من طائر ... قد هاج وجدى
وذكّرت ألحانه ... ماضى زمانى
وقول الآخر
سلبت عن جفنى الكرى ... وبتّ نائم
ولم تسل عمّا جرى ... من الهوائم
لاموا وما يجدى الملام «١»
خلقت [ما] «٢» بين الورى ... ولهان هائم
أهكذا يبقى الحبيب ... دون التفات
مضنى وما يلقى طبيب ... قبل الوفاة
بالله لا يشفى السّقام ... ولا يوافق
إلا وصال من حبيب ... فيه حياتى
يا ساكنى وادى زرود ... هل لى وصول
[١ / ٢٣٥]
لمن أبى إلا الصّدود ... عسى أقول
والله يا بدر التّمام ... يمين صادق
ما حلت عن تلك العهود ... ولا أحول
وقول الآخر
يا خليلى بلا أمر قفا بالرّسوم ... وصفا بالله أيام الصّفا والحطم
وأعيدا ذكر أوقات الحمى والغميم ... فعسى فى ذكرها بعض الشّفا للسّقيم
لا جزى الله بسوء أمرى من أمير ... حين ما كلّف إلا ذا غرور
هو بدر التمّ إلا أنه يا سميرى ... أخذ الحسن وخلّى الكلفا للبدور
وبعضهم يسمى المربع المرصع بالمثمن وكذلك الدوبيتى المرصع.
محاسن المخمسات:
جرت العادة عند المشارقة والمغاربة أن يعمدوا لشعر/ قد ولع أهل السماع بالغناء فيه فيخمسونه. مثال ذلك قول:
ا، ب ابن بهرام الحاجرى «١»: فى شعر ابن الخيّاط الدمشقى «٢»
خليلى عوجا بالغوير وكثبه ... ولا تمنعا المشتاق من لثم تربه
هو الصّبّ يصبيه الهوى دون صحبه ... خذا من صبا نجد أمانا لقلبه
وقد كاد مسراها يطير بلبّه ... ألا أبلغا «٣» سهل الحجاز وحزنه
[تحية صبّ قرّح الدمع جفنه] «٤» ... [تخفّف من قلب المتيّم حزنه] «٥»
وإياكما ذاك النّسيم فإنّه
متى هبّ كان الوجد أيسر خطبه
[١ / ٢٣٦]
لما جرتما فى الحب ما عدلتما ... محبّا براه حبّ ساكنة الحمى
ذراه فما يزداد إلا تتيّما ... خليلىّ لو أبصرتما لعلمتما
محلّ الهوى من مغرم القلب صبّه ... ألا من لصبّ لا يفيق من الجوى
حليف ضنى شطّت به غربة النّوى ... إذا لاح برق الحاجريّة باللّوى
تذكّر والذّكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحبّ يصبه
بروحى من أضحى لروحى فتنة ... أرى حبّه فرضا علىّ وسنّة
مليح التّثنّى يخجل الورد وجنة «١» ... أغار إذا آنست فى الحىّ أنّة
حذارا وخوفا أن تكون لحبّه ... أمير جمال جائر فى قضائه
إذا سار سار البدر تحت لوائه ... أقول إذا ما ماس تحت قبائه
غراما على يأس الهوى ورجائه ... وشوقا على بعد المزار وقربه
ولم أنسها فى الرّكب واهية القوى ... تقول وقد جدّ الرحيل من الّلوى
عزيز علينا أن يشطّ بنا النّوى ... وفى الرّكب مطوىّ الضاوع على جوى
متى يدعه داعى الغرام يلبّه ... أحبّ الذى فيه من الظّبى لمحة
يحلّ سرور حيث حلّ وفرحة ... جفون المعنّى فيه بالدمع سمحة
إذا خطرت من جانب الحىّ نفحة ... تضمّن منها داءه دون صحبه
حبيب لقلبى فعله فعل مبغض ... لناظره المسودّ فتنة أبيض
جعلت فداه من مذلّ وممرض ... ومحتجب بين الأسنّة معرض
وفى القلب من إعراضه مثل حجبه
[١ / ٢٣٧]
ا، ب وقول أبى القاسم البيّانى: «١» من شعر أحد المشارقة
يا منكر قصّنى وحالى ... لمّا شغلوا بالبين بالى
دع لومك واشد فى الرّحال ... يا من هجرت ولا تبالى
هل ترجع دولة الوصال ... كم قد هجرت سرّا وجهرا
ثم انتقلت فذبت هجرا ... يا من أبدا تقول صبرا
لم أعص وقد حكمت أمرا ... القلب لديك ما احتيالى
وقد يكون المخمّس جميعه من قول شاعر واحد غير متكلف.
كقول بعضهم:
يا برق حىّ الأبرقا ... وسقّ جيران النقا
وقل لهم مستوثقا ... بحقّ شمل فرّقا
متى يكون الملتقى ... بحرمة الودّ القديم
وذمّة العهد الكريم ... ردّوا زمانى بالحطيم
من بعده كلّ نعيم ... يا سادتى عندى شقا
[١ / ٢٣٨]
الخميلة الحادية عشرة المشتملة على ملح كان وكان ومواليا، كلاهما مخصوص بأهل العراق، وأكثر ما يأتى بلفظ العامة
[مثال كان وكان] «١»
ويعرفونه أيضا البطائحىّ لتولّع أهل البطائح به: واكثر ما حفظته من الملّاحين فى دجلة وهو من العروض المجتث، [ولا يخرجون به عن طريقة واحدة «٢»] .
ا، ب
غلت لو طول ليلى ... فرّكت لو طول النّهار «٣»
خرج يعاتب لغيرى ... زلق وقع فى الطّين
[هذا عندهم بيت كامل على نوع تربيع الدوبيتى] «٤» .
غيره «٥» ا، ب
قالوا عشيقك يهودى ... قلت الفضيضا مسلما
لومنّى «٦» ساعا ويمضى ... وهى تقم «٧» عندى
غيره «٨» ا، ب
السّود مسكا وعنبر ... والسّمر قضبان الذّهب
[١ / ٢٣٩]
والبيض ثوبا دبيقى «١» ... ما يحتمل تمعيك «٢»
غيره
ابالله ملاح تهجرونى ... والله ما اهجركم
العبد يجرى لمولاه ... ما هكذا العادا
غيره ا، ب
يامن عبر فى زقاقى ... وما تكلّمنى
إن رحت أنا لزقاقك ... أقبّل «٣» الأبواب
غيره ا
هذا الغزال المربّى ... كثير رجع ينفر
عجب على كثر أنسو ... ينفر من العشّاق
غيره ا
أصاحب الباز الأشهب ... وراكب الأشقر
بالله بحقّ جمالك ... خذنى معك بزدار «٤»
غيره ا
قال لى المليح حن شكت لو ... ان الظّما قاتل
الماء فى دجلا كثيره ... ولش تكون عطشان
هذه أبيات مفردة، ومما جاء متصل الأبيات «٥»
يا ساكنين درب زاحى «٦» ... والكرخ مالحيلا
[١ / ٢٤٠]
إن يجمع الله شملى ... بكم بلا أعذار
بالله ما تخبرونا ... من يشتكى منكم
والكل جائر علينا ... حتى الرّحال قد جار
ما كان ضرّ حبيبى ... لو جاءنى بالمراد
أو كان يسلّم عليّا ... واقف لباب الدّار
لو كان فى العشق والى ... يسمع من الشّاكى
كن نشتكى له بحبّى ... التّائه الغدّار
الحبّ غيّر طباعى ... حتّى رجع عادا
صبرى عليكم وكم ذا ... نكابد التّيّار
قد شاع حديثى وأنتم ... دايم تقولولى
لا يعرف الجار بينّا ... وكيف يفوت الجار
كى تنقطع «١» ذى الأقاول ... لو كان لها آخر
مثل الفلك هى تظنّوا ... مضى وهو قد دار
غيره:
ا، ب
مليح سكن بجوارى ... صار شغلى فيه طول النّهار
وبالفراش نتقلّب ... باللّيل من فكرتى فيه
الغصن يحسد قوامو ... والبدر فى وجهو قد حار
والورد من خدّو يخجل ... ولا يريد أن يسمّيه
إذا لقيت أجمل النّاس ... ذاك الّذى قلبى يهواه
طفيرتو فوق خصرو ... هى تنهشوا وتلويه
[١ / ٢٤١]
يا من رآه بالله عوّذ ... من كل ناظر جمالو
واعذروا إذا رأيت ... يكثر الصّدّ والتّيه
عن الشّباب والملاحه ... ذى دولتو، علاش يلام
إن كان يكلّمك كلما ... أصبر سنا لتجنيه
غيره ا
عجبت من حبّ قلبى ... كيف ارتضى قلبى سكن
وقلت بحور الجنّا ... ما تسكن النّيران
............... ........... ... فارعى محلّك فى الحشا «١»
............... ........... ... لواعج الهجران «٢»
ومنه «٣» ب
ملّاح باب القريّا ... نكلّفك حاجا
إن جيت إلى نهر عيسى ... ارغب لبعض النّاس
الله حسيب من ظلمنى ... ما كان حبيبى كذا
وإنما صار حواليه ... الوسواس الخناس
أنا سكنت الرّصافا ... وهو سكن غربى
يدرى الّذى يقصدونى ... لشرّ نقطع الياس
ومنه
باب الأزج أمعاشر فيه يسكن التيّاه ... ونبلى هو مشدود كيف يرحم المشتاق
[١ / ٢٤٢]
أنظر ترى أين حبّى وابصر ترى أين نسكن ... باب الأزجّ سكن هو ونا باب الطّاق
والله يا من قتلنى ما نجعلك فى حل ... إلا إذا جيت زاير وتوف بالميثاق
قل لى وهو قد تنكّر أى معرفا كانت ... حتى يكون ثم ميثاق داه كثير الإشراق
قلت له أنا تائب بذاك ما ننطق ... إتفتّى «١» أنت علىّ ولطّف الأخلاق
ومنه ب
أيا قاصد الحلّا بالله إن جيت إلى بابل ... سلهم بما سحرونى للسّحر أنا معتاد
وكلّ سحر يطبّو الماهر الحاذق ... إلا الذى باللّواحظ منون فى الأجياد
أناد مسحور زمانى ... والحبّ هو دائى
إن جيت أبغى شفائى ... من عندهم يزداد
ومنه ب
إن كان معك عين فانظر وابصر ترا شماعك ... البدر يا قوم خارج من داخل الحمّام
ابصر ترا الورد يفتح فى روضة النّسرين ... والنّرجس الغض فوق ينظر إلى النّمام
إن كان تخاف النّمائم فى العشق لا تعشق ... عذار نموت فيه ونحمل ليت العذار لودام
[١ / ٢٤٣]
مثل الرّبيع زمان أو مثل ليلا بالوصال ... يا ربّ ما أملح العذار حين انعطف كالّلام
مثال مواليا:
ويعرفونه أيضا بالحلّاوى لتولّع أهل الحلّة بعمله وبالغناء فى طريقته وهو مربع من عروض البسيط «١»
[الموافق من مربع المواليا]
فمنه ب لابن بهرام الحاجرى «٢»
روح المحبّ الذى يهواك قد شابت ... رفقا بها مثل ذوب الشّمع قد ذابت
وذا المعنّى ظنونه فيك قد خابت ... باع الكسا، وعلى الشّمس اتّكل، غابت
ومنه له أيضا «٣»
جزت على الباب قالت مر لغيرى روز «٤» ... يا ياسمين اكسر وخلف المعنى كوز
مهما تحرّك تمشى داه تدفع جوز ... لما إذا كان لنا حاجة تدلّى بوز
ومنه لابن بهرام الحاجرى «٥» ب
يا سايرين وقلبى معهم ساير ... مذ غبتم فرقادى بعدكم طاير
ترا تعود ليالينا بذى حاجر ... لا يشتفى القلب حتى يشتفى النّاظر
[١ / ٢٤٤]
ومنه «١» ب
ما تعلمون بأنّى دونكم أفنى ... مالى إذا غبتم عن ناظرى معنى
يا سايرين ارحموا صبّابكم مضنى ... الموت ما تأمنوا والعيش ما نهنى
وسايرنى من نصيبين إلى الموصل عامر زرومى الفلاح الثّعلبى وكنت أسمع به أنه إمام فى هذا الفن، وله فيه ديوان مشهور بأيدى الناس، وأكثره فى عشق غلام من أولاد ردساء اليمريّة من أعيان الأكراد وتهتّك فى حبّه، وسلم من القتل غير مرة، وأنشدنى كثيرا من قوله فيه «٢» .
فمنه ب
ما ترحم المبتلى فى حبّك الوضّاح ... وما سمع بى هواك من ناصح أو من لاح
بقيت فى ذا الغرام روز وبلا ملّاح ... هذا جزا من عشق كرد وهو فلاح
وقوله «٣»
أخلاط قد قتلتنى وأضنت الأكباد ... وعوّدتنى بشى لم أكن أعتاد
بقيت فيه مجّا لكنّنى وقّاد ... وكل ذا اللّوم طيب فى هوى الأكراد
[١ / ٢٤٥]
وقوله
ترى........ بات علق فيه ... وأى درب ركب يا صاح حتى أرميه
.............. الهوى تدنيه ... ليت يارموش لحرب..........
وقوله ...
حتى يعود قضا وانظر كذا لاموش ... كم قلت والقلب منّى بالهوى منهوش
مع غيركم قط قلبى يا علىّ «١» مالوش
وقوله
احضر علىّ الدار تلقى بابها مغلوق ... ون جزت للدار ترانى بالبكا مخنوق
بكيت وقلبى على جمر الغضا محروق ... ............... ........
وقوله ا، ب
أنا اشتهيت علىّ يا قوم يلقانى ... بأرض الجزيرا [أو ما يتهنّا تانى] «٢»
ألا عوين يروّى كلّ عطشان ... وروضة غرسها وردى وريحانى
[١ / ٢٤٦]
وقوله «١» ا، ب
هجرانكم والجفا قد أتعب الخاطر ... ونا قنعت بطيف منكم خاطر
بحر الهوى كم تغرّق سابحا ماهر ... ونا بجهلى «٢» نلجّج فيه ونخاطر
وكل ما تقدم إنشاده فهو من الموافق فى الحلّاوى المعروف بالمواليا.
ومنه أيضا
حضر حبيبى على بابى وما سلّم ... ولا التفت نحو حيطانى ولا اتكلّم
ولا سبق منى إليه ما يوجب أن يظلم ... ما أظن إلّا أحد سعى إليه بالنّم
غيره «٣» ا، ب
ذاك «٤» النهار قلت لى غدّا نجيك «٥» زاير ... فلم أزل أنتظر «٦» ولا أحد خاطر
حتى رثا كل جار من مطلك أجّاير ... فقلت لو أن يتيه ولى أن نكون صابر
ا، ب غيره «٧»
بالله يا صاحب الشّاما على خدّو ... إش لك فى هجر الغريب وإش ينفعك صدّو
[١ / ٢٤٧]
عندك يذلوا الملاح والعاشقين عندو ... عبدك هو والحرّ لا يرضى يهين عبد
غيره
اما تعلمون أننا من حبّكم نفنا ... والله ما للصّدود منكم لنا مغنا
مع الفراق يهجرونا من يصبّرنا ... ماذا ترى نقل الواشى لكم عنّا
ومن مواليا المخالف:
ايا ساكنين بالحريم الطّاهرى زوروا ... فكلّ ما نقل الواشى لكم زور
انتم بقلبى سكنتم ما لكم فيه جار ... ما تجورا عليه، هو يحتمل جور؟
غيره ا، ب
الله يسامح بلطفو من يعذّبنى ... وإن عبر فى زقاقى ما يكلّمنى
ما كان عليه لو يقف قليل بباب الدّار ... حتى يرا ما بلغ أمر الجفا منّى
غيره ا، ب
فى شدّاهمّ الجران مما يصدّعهم ... طول الأنين والسّهر عظّيم «١» يروعهم
حتى يقولوا ترى ما الذى ضاع لو ... ضاع لى فؤادى يردّه لى وينفعهم
[١ / ٢٤٨]
غيره ا، ب
بالله بالله يا ملّاح باب الطّاق ... إن جيت شرقى الحريم قبّل عن المشتاق
ذاك التراب الذى يسحب عليه ديلو ... ايه المتعدّى دايم العشّاق
غيره
وإن رأيت بحقّ الله على باب ... والبدر يطلع لعشّاقو من أثواب
فلو تركت الغريب بالجانب الغربى ... فالشّط يسأل لمن يبريه من ارعاب
ا، ب دجلا دموعى بها تجرى مع التّيّار ... وأنت لا تلتفت آتائه آغدّار
لو نشتكى للحجر كن ينصدع قلبو ... أقسا هو قلبك على العاشق من الأحجار
ومما تتصل فيه الأبيات «١»
ا، ب
ذاك المليح قد مضى عنّى إلى بغداد ... وما حمل غير قلبى للسّفر من زاد
الله يردّو وخلّيه للذى يختار ... وكلّ من لام عليه أنّه ثقيل قوّاد
هذا الغرام فى هواه والله العظم «٢» قد زاد ... نقط تجيه دجلا فى بحرو مع الأمداد «٣»
[١ / ٢٤٩]
ونا غريق فى الوسط وما أجد «١» سبّاح ... يخرجنى للسّاحل الآمن يزيد أنكاد
أمسلمين الغياث من ذا الهوى المعتاد ... نطمع نفارق وهو بى كل حين يزداد
ألكير هو عذل العذول إذ نفخ واغتاظ ... والوجد عندى يفور بحال شرر حدّاد
غيره ا، ب
قالوا السّفر قلت نطوّح ورا الأحمال ... ونخفى روحى ونحتال واللّبيب يحتال
وإنما نخشى من دمعى وأشجان ... تفضحنى وقت أن نسير وتظهر الأحوال
أمشى «٢» ودع ما يكون مع حبّه من أهوال ... والمكثّ بعدو محال كيف أبقى للعذّال
وكلّ شامت حسود يقل لى يا غدّار ... مشى الحبيب للسّفر وأنت كذا بطّال
مضت قال الحداة اخرج من دى الأجمال ... نراك مريب قلت ما بيّا سوا الأوجال
وسرت عنهم يسار ننظر كما السّارق ... ومن هويت بالجفاء دخال الأقفال
غيره
يا صاحب الهند بارى والتّصافيّا ... إليك أكلّم- فديتك- والتفت ليا
[١ / ٢٥٠]
ما نا عقاب أخطفك ولا أنا باشق ... وفهد مانا، ولا والله سلوقيّا
صحت مرارا عديدا لا تقل ميّا ... أكثر وأزيد وهو يجرى شكر ديا
اش قل لى من لم يذق من الهوى جرّعا ... رح عنّى، خلّه، فمالو فى الهوى غيّا
ما أجهله بالغرام ذا المرخبى الليّا ... من المليح يطلب الانصاف أو النّيّا
ما ظنّ هذا عشق ولا ترا عاشق ... وإن قتلنى هواه توخذ منو الدّيّا
غيره ا، ب
بحر الهوى ماله ساحل ولا شاطى ... غرقت فيه اخرجوا الجاهل الخاطى
هيهات ما يدخل سباح ولا غواص ... إبقا كما أنت فيه حين يرفعك طاطى
الحبّ قال كم تصيح وأنت فى أوساطى ... حصّلت فى بحر دونوا بحر دمياطى
أمواج كم غرّقت من سابح ماهر ... ماذا حديث من يقول صانعن بقرّاطى
غيره ا
يا سرحة الزّعفرانيّا على الشّرقى ... ما أشتكى لأحد إلا إليك عشقى
النار فى قلبى أخشى تحترق منّى ... تلهب يهب النّسيم أو لامع البرق
[١ / ٢٥١]
فالأنسا حين رأيتو انتلف نطقى ... وجيت نشير لو بشارا قال يا مشق
ما ظنّ الا تريد تدخل بعشّاقى ... كم حرّ فارع حصل بالحبّ فى رقىّ
غيره مما يتصل فيه الكلام دون قوافى النظام:
اباليأسريّا لقيتو ينفضح عريان ... وهو يصيح بالفرات اللعب يا صبيان
فقلت شاه مات فقال ما أجهلك خاطر ... رح لا تشوّش علينا مرجع الشّيطان
وقفت قال لى ليش أراك واقف كذا حاير ... فقلت هذا المحجّا تمنع العابر
فقال لى اصبر ولا تقف معى ساعة ... فقلت إن كان تحلّى القلب والخاطر
مثله ا
مع الخلق صار يقف على الصّراه يسمع ... قصص ويبصر عجب بالله ما أصنع
لا شغل ليّه سوى هذا ولا يدرى ... ما اشتكى ليه ولا يعطف إذا أخضع
.... إن اشتكى حالى لجيران ... لعل منهم رحيم شانى كما شان
عشق وكابد كثير من هجر أمثالو ... فقد وحقّ النبى عذبنى هجران
[١ / ٢٥٢]
مثله ا
إلى المحوّل مشى بكرا مع اصحاب ... وقال لى ما أنت منهم ما الّذى صاب
ما كان كذا لا وحقّ الحبّ يا خوّان ... الحول هو يفسد الانسان على أثواب «١»
أمشى أنا خلفهم ما استمع منّو ... لا والغرام يا أخى لا صبر لى عنّو
إن كان هو يصبر على من غاب إذا ما غاب ... مانا مثالوا ولا فنّى كما فنّو
مثله ا
إش قالت الشّاطرا حين ريتها بالطّاق ... مالى أراك تلتفت إش ضاع لك آمشتاق
فقلت ذى وصفتى أراك بتعرفنى ... فانتهدت وأنشدت واحيرة العشّاق
قلت إن كان تصلنى ما أنا حاير ... ولا وحق على يتعب «٢» بك الخاطر
قالت طلبت محال، غيرك معى منشوب ... ونابه أيضا كذاك رح لا تجى زاير
مثله ا
وعدنى...... وما صدق وعد ... حلفت لا غرّنى بالوعد أحد بعد
[١ / ٢٥٣]
فقلت أمشى إليه أقبّح افعالو ... كذا يقول اللّسان حتى أصير عنه
فالله لقد أعشقو بكلّ أحوالى ... ما فيه شيّا أعيب غير نقطة الخال
يعود قلبى إذا لاحت على الورد ... يا قوم ما حلّ بى، يا عمّ، يا خال
[١ / ٢٥٤]
الخميلة الثانية عشرة «١» المشتملة على ملح الموشحات والأزجال
هذان طرازان كان الابتداء بعملهما من المغرب، ثم ولع بهما أهل المشرق.
وسيذكر ما يسع المكان من ذلك
فأما الموشحات
فقد ذكر الحجارى «٢» فى كتاب المسهب فى غرائب المغرب أن المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدّم بن معافى القبرى «٣» من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المروانى، وأخذ عنه ذلك أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد.
ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشحاتهما، وكان أول من برع فى هذا الشأن بعدهما:
ا، ب عبادة القزّاز «٤»: شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المريّة وقد ذكر الأعلم البطليوسى أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول: كلّ الوشاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله:
بدرتمّ شمس ضحى ... غصن نقا مسك شمّ
ما أتمّ ما أوضحا ... ما أورقا ما أنمّ
لا جرم من لمحا ... قد عشقا قد حرم
وزعموا أنه لم يشقّ غباره وشاح من معاصريه الذين كانوا فى زمن الطوائف، وجاء مصليّا خلفه منهم:
[١ / ٢٥٥]
ا، ب ابن أرفع رأسه «١» !: شاعر المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة: قالوا وقد أحسن فى ابتدائه فى الموشحة التى طارت له حيث يقول:
العود قد ترنّم ... بأبدع تلحين
وشقّت المذانب ... رياض البساتين
وفى انتهائه حيث يقول
تخطر وليس تسلّم ... عساك المأمون
مروّع الكتائب ... يحيى بن ذى النون
ثم جاءت الحلبة التى كانت فى مدة الملثّمين، فظهرت لهم البدائع، وفرسا رهان حلبتهم الأعمى التّطيلى «٢» ويحيى بن بقىّ «٣» . سمعت غير واحد من أشياخ هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشّاحين اجتمعوا فى مجلس بأشبيلية فكان كل واحد منهم قد وضع موشحة وتأنق فيها، فقدموا الأعمى للانشاد.
فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدرى «٤»
خرّق ابن بقىّ موشحته وتبعه الباقون ا، ب وسمعت الأعلم البطليوسى «٥» يقول أنه سمع ابن زهر «٦» يقول:
[١ / ٢٥٦]
ما حسدت وشّاحا على قول إلا ابن بقىّ حين وقع له:
أما ترى أحمد فى ... مجده العالى لا يلحق
أطلعه المغرب فأرنا ... مثله يا مشرق
وكان فى عصره من الوشّاحين المطبوعين الأبيض «١» . وكان فى عصرهم أبو بكر بن باجة «٢» صاحب التلاحين المشهورة. ومن الحكايات المؤرخة أنه لما ألقى على احدى قينات ابن تيفلويت «٣» موشحة فيها:
جرّر الذّيل أيّما جرّ ... وصل السّكر منك بالسّكر
طرب الممدوح. ولما اختتمها بقوله، وطرق سمعه فى التلحين
عقد الله راية النّصر ... لأمير العلا أبى بكر
صاح: واطرباه! وشق ثيابه وقال: ما أحسن ما بدأت به وما ختمت. وحلف بالأيمان المغلظة أن لا يمشى فى طريق إلى داره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهبا فى نعله ومشى عليه. وأخبرنى أبو الخصيب بن زهر أنه جرى فى مجلس أبى بكر بن زهر ذكر لأبى بكر الأبيض الوشاح المتقدم الذكر، فغض منه أحد الحاضرين، فقال: كيف تغضّ ممن يقول:
ما لذّ لى شرب راح ... على رياض الأقاح
لولا هضيم الوشاح ... إذا ينثنى فى الصباح «٤»
أو فى الأصيل ... أضحى يقول
ما للشّمول ... لطّمت خدّى
[١ / ٢٥٧]
وللشّمال ... هبت فمال
غصن اعتدال ... ضمّه بردى
واشتهر بعد هؤلاء فى صدر دولة الموحدين- أعزهم الله- محمد بن أبى الفضل ابن شرف «١» قال المسن بن دوّريده «٢»: رأيت حاتم ابن سعيد «٣» يقبل رأسه على هذه البدأة.
شمس قارنت بدرا ... كأس «٤» ونديم
وابن هرودس «٥» الذى له
يا ليلة الوصل والسّعود ... بالله عودى
وابن مؤهل «٦» الذى له
ما العيد فى حلّة وطاق ... وشمّ طيب
وإنما العيد فى التلاقى ... - مع الحبيب
ا، ب وأبو اسحق الزويلى «٧» . سمعت أبا الحسن سهل بن مالك «٨» يقول انه دخل على ابن زهر وقد أسن، وعليه زى البادية، إذ كان يسكن بحصن استبّة، فلم يعرفه، فجلس حيث وجد، وجرت المحاضرة أن أنشد لنفسه موشحة وقع فيها:
[١ / ٢٥٨]
كحل الدّجى يجرى من مقلة ... الفجر على الصّباح
ومعصم النّهر فى ... حلل خضر من البطاح
فتحرك ابن زهر وقال: أنت تقول هذا؟ قال: اختبر. قال: ومن تكون؟
فعرّفه. فقال: ارتفع، فو الله ما عرفتك.
ا، ب وسابق الحلية التى أدركت هؤلاء أبو بكر بن زهر، وقد شرقت موشحاته وغربت. وسمعت أبا الحسن المذكور يقول لابن زهر: لو قيل لك: ما أبدع ما وقع لك فى التوشيح، ما كنت تقول؟
قال: كنت أقول مما استحسنه من قولى وأرتضيه من نظمى «١»:
هل تستعاد أيامنا ... بالخليج وليالينا
إذ يستفاد من النسيم ... الأريج مسك دارينا
وإذ يكاد حسن المكان ... البهيج أن يحيّينا
نهر أظلّه دوح عليه ... أنيق مورق فينان «٢»
والماء يجرى وعائم ... وغريق من جنى الرّيحان
واشتهر معه ابن حيون «٣» الذى له «٤»:
يفوّق سهم كلّ حين ... بما شئت من يد وعين
وتنشد فى القضيّتين
[١ / ٢٥٩]
خلقت مليح علمت رامى ... فلس نخل ساع من قتال
وتعمل بذى العينين متاعى ... ما تعمل إدى بالنّبال
واشتهر معهما فى العصر بغرناطة المهر بن الفرس «١» . ومن المشهور أن ابن زهر لما سمع قوله:
لله ما كان من يوم بهيج ... بنهر حمص على تلك المروج
ثم انعطفنا على فم الخليج ... نفضّ مسك الختام «٢»
عن عسجدى المدام ... ورداء الأصيل
تطويه كف الظلام
قال: أين كنا نحن عن هذا الرداء.
وكان معه فى بلده مطرّف «٣» . أخبرنى والدى أنه دخل على ابن الفرس المذكور فقام له وأكرمه، فأشار عليه بألايفعل. فقال: كيف لا أقوم لمن يقول:
قلوب تصابت ... بألحاظ تصيب
فقل كيف تبقى ... بلا وجد قلوب
واشتهر بعد هؤلاء ابن حزمون «٤» بمرسية. أخبرنى ابن الدارس «٥» أن يحيى الخزرج «٦» دخل عليه فى مجلس فأنشده موشحة لنفسه، فقال له
[١ / ٢٦٠]
ابن حزمون، ما الموشح بموشح حتى يكون عاريا من التكلّف. قال: على مثال ماذا؟ قال: على مثال قولى:
يا هاجرى هل إلى الوصال ... منك سبيل
أو هل يرى عن هواك سالى ... قلبى العليل «١»
واشتهر فى أشبيلية أبو الحسن بن الفضل «٢» . قال والدى: سمعت أبا الحسن ابن مالك يقول: يا ابن الفضل، لك على الوشاحين بقولك الفضل:
واحسرتا لزمان مضى ... عشية بان الهوى وانقضى
وأفردت بالرّغم لا بالرّضى ... وبتّ على جمرات الغضا
أعانق بالوهم تلك الطلول ... وألثم بالفكر تلك الرّسوم
وسمعت أبا بكر الصابونى «٣» ينشد للأستاذ أبى الحسن الدباج «٤» موشحات له غير ما مرّة، فما سمعته قال لله درك إلا فى قوله:
قسما بالهوى لذى حجر ... ما لليل المشوق من فجر
خمد الصّبح ليس يطرد ... ما لليلى فيما أظن غد
صح يا ليل أنك الأبد ... أو تقضّت قوادم النسر
أم نجوم السماء لا تسرى
واشتهر ببر العدوة ابن خلف الجزائرى «٥» صاحب الموشحة المشهورة التى مطلعها:
[١ / ٢٦١]
يد الاصباح قد قدحت زناد الأنوار ... فى مجامر الزّهر
ومنهم ابن خزر البجائى «١» صاحب الموشحة المشهورة:
ثغر الزمان الموافق ... حياك منه بابتسام
وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات. وأحسن ما وقع لهم من ذلك موشحة ابن سناء الملك المصرى التى أولها، وقد اشتهرت فى الشرق والغرب
حبيبى ارفع حجاب النور ... عن العذار
يقطر بمسك على كافور ... فى جلّنار
وكان الملك الناصر رحمة الله تعالى مائلا إلى الموشحات والأزجال، وبما رزقه الله تعالى من الطبع الفاضل عانى الطريقتين، فوقع فى الموشحات مثل قوله:
نشوان مائس ... من الصبا لم يسق راح
مرنّح القدّ ... كالغصن هزّته الرّياح
لم يبق لى صبر ... مذ لاح فى المكتب
فى خدّه سطر ... مثل الطّراز المذهب
خيلانه النّثر ... بها بدا كالعقرب
فى حرب داحس ... أمسيت والوجد السلاح
وأدمعى جندى ... يا حبّذاه من كفاح
[١ / ٢٦٢]
ملح الأزجال:
قيلت بالأندلس قبل أبى بكر بن قزمان «١»، ولكن لم تظهر حلاها، ولا انسكبت معانيها، ولا اشتهرت رشاقتها إلا فى زمانه.
وكان فى زمان الملثمين. وهو إمام الزجالين على الاطلاق. وأزجاله المدونة رأيتها ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب. وسمعت أبا الحسن بن جحدر الأشبيلى «٢» إمام الزجالين فى عصرنا يقول: ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان، شيخ الصناعة. وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش، وأمامهم أسد من رخام يصب ماء كثيرا على صفاح مدرج، وهو قوله:
وعريش قد قام على دكّان ... بحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبان ... به غلظ ساق
وفتح فمو بحال انسان ... به الفواق
وانطلق من ثم على الصّفاح ... وألقى الصّياح
وكان ابن قزمان مع أنه قرطبى الدار كثيرا ما يتردد إلى اشبيلية وينتاب نهرها.
فاتفق أن ركبه يوما مع أعلام هذا الشأن فى عصره، وقد جمعهم ابن حسيب من حسبائها وأغنيائها فى زورق برسم الصيد، فاقتضى الحال أن ابتدأ منهم عيسى البليد الأشبيلى «٣» فقال:
يطمع بالخلاص قلبى وقد فات ... وقد ضمّ العشق لشهمات
نراه قد حصل سكين فى محناب ... يقلق وكذاك أمر عظيم صاب
توحش الجفون الكحال ان غاب ... وذيك الجفون الكحال أبلات
[١ / ٢٦٣]
ومنه:
نشب والهوى من لج (فيه) ينشب ... ترى أش كان دعاه يشقى ويتعذّب
مع العشق قام (فى) بال أن يلعب ... وخلق كثير من ذا اللعب ماتوا
ومنه لأبى الحسن المقرى الدانى «١»
نهاران مليح تعجبنى أوصاف ... شراب وملاح من حول قد طاف
والمقلين يقول نعم فى صفصاف ... والبورى يقول أخرى فى مقلات
ومنه لأبى بكر بن مرتين الأشبيلى «٢»
الحق تريد حديث بقالى عاد ... فى الود تحير والنزها والصياد
لسينه حيتان ذيك الذى يصطاد ... قلوب الورى هى فى شبيكات
ومنه لأبى بكر بن قزمان
إذا شمّر أكمامه ليرميها ... ترى البورى يرشق لذيك الجيها
وإش مراد أن يقع فيها ... إلا أن يقبل باديدات
وكان فى عصرهم بشرق الأندلس يخلف الأسود «٣» . له محاسن فى الزجل منها قوله:
حين ننظر الخدّ الشريق البهى ... ينتهى بالحمرا لما ينتهى
يا طالب الكميا فى عينى هى ... تنظر بها الفضّا وترجع ذهب
وجاء بعدهم حلبة سابقها مدغليس «٤»، وقعت له العجائب فى هذا الشأن. ومن أعجبها قوله فى الزجل المشهور
ورذاذا «٥» دقّ ينزل ... وشعاع الشّمس يضرب
[١ / ٢٦٤]
فترى الواحد يفضّض ... وترى الآخر يذهّب
والنّبات يشرب ويسكر ... والغصون ترقص وتطرب
تريد تجى إلينا ... ثمّ تستحى وترجع
وكان معه فى عصره ابن الزيات، زجال غرناطى كان أبو الحسن بن سهل ينشد له:
مشيت لدار قل سره ... ثم بكيت حتى قل ثم
وكان يقول: لو لقيت قائله ما أنفت أن أخدمه فى حديث هذا التائه عليه وظهر، بعد من تقدم ذكره، بأشبيلية ابن جحدر الذى فضل الزجالين فى فتح ميورقة بالزجل الذى أوله:
من عاند «١» التوحيد بالسيف يمحق ... أنا برى ممن يعاند الحق
لقيته ولقيت تلميذه اليعيع صاحب الزجل المشهور الذى منه:
بالنّبى «٢» إن ريت حبيبى ... افتل أذن بالرّسيلا
لش أخذ عنق الغزيّل ... وسرق فم الحجيلا
واشتهر فى بر العدوة الجزائرى فى أزجاله المعروفة بالملاعب كقوله:
الأخلاق ضاقت من الأخلاق ... والغر فى توبى وهو فى الطاق
والمشارقة لهم بهذا الفن غرام، ويعرفونه بالبلّيقى، وأشهرها فى طريقته الخولى.
أنشدت له بمصر بليقى منه:
قد غنّت البلابل ... فوق الأشجار
فانهض وقم عاجل ... تجنى المصطار
انهب زمانك الآن ... وأوقاتك
ولا تزال نشوان ... فدنياتك
باكر لبنت الأدنان ... هى لذّاتك
[١ / ٢٦٥]
أما ترى الجدائل ... بين الأزهار مع شادن مغازل
أحوى سحّار
وما زال الملك الناصر يعانى طريقة الزجل كما عانى طريقة الموشح حتى صدرت له فيها محاسن منها قوله:
الربيع أقبل فواصل ... شربها فى كل موضع
والطرس فيها افن الأكياس ... والقطع اياك لا تقطع
والنسيم يسحب ذيول ... من نوّار على مجامر
[١ / ٢٦٦]
مصادر التحقيق
١- الإحاطة فى أخبار غرناطة: للسان الدين بن الخطيب- تحقيق محمد عبد الله عنان ط الخانجى- مصر ١٩٧٣
٢- اختصار القدح المعلى فى التاريخ المحلى: لابن سعيد الأندلسى- تحقيق ابراهيم الابيارى القاهرة- ١٩٥٩
٣- أزهار الرياض فى أخبار عياض: للمقرى التلمسانى ط. دار الكتاب ١٩٥٤
٤- الاستيعاب فى معرفة الأصحاب: لابن عبد البر- تحقيق محمد على البجاوى ط نهضة مصر. القاهرة
٥- الإصابة فى تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلانى ط. مصر ١٣٢٣ هـ
٦- الاعلام بما حل بمراكش من الأعلام: للشيخ العباسى بن ابراهيم المراكشى ط فاس ١٩٣٦ هـ
٧- أعمال الأعلام: للسان الدين بن الخطيب- تحقيق ل. بروفنسال ط. دار المكشوف- بيروت ١٩٥٦
٨- الأغانى: لأبى الفرج الأصفهانى- دار الكتب
٩- انباه الرواه على أنباه النحاة: للقفطى- تحقيق أبو الفضل ابراهيم دار الكتب المصرية ١٩٥٠
١٠- بغية الملتمس من تاريخ رجال أهل الأندلس: لابن عميرة الضبى الهيئة العامة للكتاب
١١- بغية الوعاة فى طبقات اللغويين والنحاة: للسيوطى- تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم ط. البابى الحلبى ١٩٦٥
[١ / ٢٦٧]
١٢- البيان المغرب: لابن عذارى المراكشى ط ليدن ١٩٤٨. ط بيروت دار صادر ١٩٥٠
١٣- تاريخ ابن خلدون (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر) ط. بولاق ١٢٨٤ هـ
١٤- تاريخ الأدب العربى: كارل بروكلمان ترجمة عبد الحليم النجار وآخرين دار المعارف
١٥- تاريخ الرسل والملوك: محمد بن جرير الطبرى- دار المعارف
١٦- تذكرة الحفاظ: لشمس الدين الذهبى- ط. حيدر أباد الدكن ١٩٥٥
١٧- التكملة لكتاب الصلة: لابن الأبار القضاعى- ط. مصر
١٨- التمثيل والمحاضرة: لأبى منصور الثعالبى- تحقيق د. عبد الفتاح الحلو ط. القاهرة ١٩٦١
١٩- التنبيه والاشراف: للمسعودى مصورة عن الطبعة الأوروبية مكتبة خياط.
بيروت ١٩٦٥
٢٠- جذوة القتبس: للحميدى- تحقيق محمد بن تاويت الطنجى ط. مصر ١٩٥٢
٢١- جيش التوشيح: للسان الدين بن الخطيب- تحقيق هلال ناجى ومحمد ماضور تونس ١٩٦٧
٢٢- الحلة السيراء: لابن الأبار القضاعى- تحقيق الدكتور حسين مؤنس ط. مصر ١٩٦٣
٢٣- خريدة القصر: قسم الشام للعماد الأصفهانى- تحقيق شكرى فيصل ط. دمشق ١٩٥٥ قسم مصر- تحقيق شوقى ضيف القاهرة ١٩٥١ قسم المغرب- تحقيق محمد المرزوقى وآخرين تونس ١٩٥٢
٢٤- خزانة الأدب: لعبد القادر البغدادى- تحقيق محمد عبد السلام هارون الهيئة العامة للكتاب
[١ / ٢٦٨]
٢٥- خطط المقريزى (المواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثار) ط. الأولى بولاق
٢٦- دار الطراز فى عمل الموشحات: لابن سناء الملك- تحقيق جودت الركابى.
دمشق ١٩٤٩
٢٧- ديوان ابن التعاويذى:- تحقيق مرجوليوث مصر ١٩٠٣
٢٨- ديوان ابن خفاجة:- تحقيق د. السيد مصطفى غازى دار المعارف مصر ١٩٦٠
٢٩- ديوان ابن دراج القسطلى:- تحقيق د. محمود على مكى دمشق ١٩٦١
٣٠- ديوان ابن الزقاق البلنسى:- تحقيق عفيفة محمود ديرانى دار الثقافة- بيروت
٣١- ديوان ابن زيدون:- تحقيق الأستاذ على عبد العظيم مصر ١٩٥٧
٣٢- ديوان ابن الساعاتى:- تحقيق أنيس المقدسى بيروت ١٩٣٩
٣٣- ديوان ابن سناء الملك- حيد أباد الدكن ١٩٥٨
٣٤- ديوان ابن سهل الأندلسى- دار صادر بيروت ١٩٦٧
٣٥- ديوان ابن شهيد: جمعه شارل بيلا- بيروت ١٩٦٣
٣٦- ديوان ابن قلاقس: مراجعة وضبط خليل مطران ط الجوائب القسطنطينية
٣٧- ديوان ابن هاني الأندلسى: تحقيق كرم البستانى. دار صادر بيروت ١٩٥٢
٣٨- ديوان أبى الحسن التهامى: الاسكندرية ١٨٩٣
٣٩- ديوان أبى فراس الحمدانى: جمع وتحقيق د. سامى الدهان ط بيروت ١٩٤٤
٤٠- ديوان الأعمى التطيلى:- تحقيق د. احسان عباس دار الثقافة. بيروت ١٩٦٣
٤١- ديوان أيدمر المحيوى: دار الكتب المصرية ١٩٣١
٤٢- ديوان بهاء الدين زهير:- بيروت ١٩٦٤
٤٣- ديوان تميم بن المعز:- دار الكتب المصرية ١٩٥٧
٤٤- ديوان الحاجرى:- ط. المطبعة الشرقية- القاهرة ١٣٠٥ هـ
٤٥- ديوان الشريف الرضى:- بيروت ١٩٦١
[١ / ٢٦٩]
٤٦- ديوان الشريف المرتضى:- القاهرة ١٩٥٨
٤٧- ديوان المعتمد بن عباد:- تحقيق أحمد أحمد بدوى وحامد عبد المجيد القاهرة ١٩٥١
٤٨- ديوان مهيار الديلمى:- دار الكتب المصرية
٤٩- دمية القصر وعصرة أهل العصر: للباخرزى تحقيق د. عبد الفتاح الحلو دار الفكر
٥٠- الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة: لابن بسام- ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر، والهيئة العامة للكتاب
٥١- ذيل الروضتين: لأبى شامة- القاهرة ١٩٤٧
(تراجم رجال القرنين السادس والسابع)
٥٢- الذيل والتكملة: لابن عبد الملك المراكشى- تحقيق إحسان عباس- دار الثقافة بيروت ٦٤- ١٩٦٥
٥٣- رايات المبرزين: لابن سعيد الأندلسى- تحقيق د. النعمان القاضى- المجلس الأعلى للشئون الاسلامية- ١٩٧٣
٥٤- الروض المعطار: لأبى عبد الله الحميرى- تحقيق ليفى برفنسال ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٣٧
٥٥- زيدة الحلب من تاريخ حلب:- تحقيق سامى الدهان دمشق ١٩٥١- ١٩٥٤
٥٦- السلوك لمعرفة دول الملوك: المقريزى- تحقيق د. محمد مصطفى زيادة لجنة التأليف والترجمة ١٩٤٢
٥٧- شذرات الذهب فى أخبار من ذهب: للعماد الحنبلى القاهرة ١٣٥٠- ١٣٥١ هـ
٥٨- صبح الأعشى: للقلقشندى- الطبعة الأولى
٥٩- الصلة: لابن بشكوال- القاهرة ١٩٥٥
[١ / ٢٧٠]
٦٠- طبقات الشافعية: للسبكى- ط. الحسينية القاهرة ١٣٢٤ هـ
٦١- طبقات النحويين واللغويين: للزبيدى النحوى- تحقيق محمد أبو الخضل ابراهيم. القاهرة ١٩٥٤
٦٢- العاطل الحالى والمرخص الغالى: لصفى الدين الحلى- نشر ولهلم هنرباخ. ط.
ويسبادن المانيا ١٩٥٥
٦٣- العقد الفريد: لابن عبد ربه- لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة
٦٤- عنوان المرقصات والمطربات: لابن سعيد الأندلسى ط. جمعية المعارف ١٢٨٦ هـ
٦٥- عيون الأنباء فى طبقات الأطباء: لابن أبى أصيبعة- المطبعة الوهبية مصر ١٣٠٠ هـ
٦٦- الغصون اليانعة فى محاسن شعراء المائة السابعة: لابن سعيد الأندلسى- تحقيق الأستاذ ابراهيم الابيارى دار المعارف مصر
٦٧- فوات الوفيات: لابن شاكر الكتبى- تحقيق د. احسان عباس.
دار صادر بيروت
٦٨- قضاة قرطبة: لأبى عبد الله الخشنى- ط. القاهرة الهيئة العامة للكتاب
٦٩- قلائد العقيان: للفتح بن خاقان- بولاق ١٢٨٣
٧٠- كتاب الروضتين: لأبى شامة- تحقيق محمد حلمى محمد أحمد القاهرة ١٩٦٢
٧١- مرآة الجنان: لأبى محمد اليافعى- حيد أباد الدكن ١٣٣٩ هـ
٧٢- مرآة الزمان فى تاريخ الأعيان: لابن سبط بن الجوزى- حيد أباد الدكن ١٩٥١- ١٩٥٢
٧٣- مروج الذهب: للمسعودى- تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد ١٩٥٨
٧٤- المزهر: للسيوطى- تحقيق أبى الفضل ابراهيم وآخرين ط. الحلبى- القاهرة
٧٥- مصارع العشاق: لأبى محمد السراج القاري- دار صادر بيروت ١٩٥٨
٧٦- المعارف: لابن قتيبة- ط. الاسلامية ١٣٥٣ هـ
[١ / ٢٧١]
٧٧- المطرب من أشعار أهل المغرب: لابن دحية- تحقيق ابراهيم الابيارى وآخرين القاهرة ١٩٥٤
٧٨- المعجب فى تلخيص أخبار المغرب: لعبد الواحد المراكشى- تحقيق محمد سعيد العريان ط. القاهرة ١٩٦٣ هـ
٧٩- معجم الأدباء: لياقوت الحموى- تحقيق مرجو ليوث مطبعة هندية- القاهرة ١٩٢٣
٨٠- المغرب فى حلى المغرب: لابن سعيد الأندلسى القسم الأندلسى- تحقيق د. شوقى ضيف دار المعارف ١٩٥٥ القسم المصرى- الجزء الأول. تحقيق محمد زكى حسن وآخرين، ط. جامعة القاهرة ١٩٥٣
القسم المصرى- بعنوان «النجوم الزاهرة فى حلى حضرة القاهرة» - تحقيق د. حسين نصار دار الكتب المصرية ١٩٧٠
٨١- مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب: لابن واصل- تحقيق د. جمال الدين الشيال- القاهرة ١٩٥٣- ١٩٦٠
٨٢- المقتبس فى تاريخ رجال الأندلس: لأبى حيان الأندلسى الهيئة العامة للكتاب- القاهرة
٨٣- مقدمة ابن خلدون:- تحقيق د. على عبد الواحد وافى. النهضة المصرية ١٩٥٧- ١٩٦٢
٨٤- المؤنس فى تاريخ افريقيا وتونس: لابن أبى دينار- تونس ١٩٦٧
٨٥- النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة: لابن تغرى بردى دار الكتب المصرية
٨٦- نظم الجمان: لابن القطان- تحقيق د. محمود مكى (من منشورات جامعة محمد الخامس بالرباط. ط المطبعة المهدية)
٨٧- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب: للمقرى التلمسانى- تحقيق د.
احسان عباس بيروت ١٩٦٨
[١ / ٢٧٢]
٨٨- الوافى بالوفيات: للصلاح الصفدى (من سلسلة النشرات الإسلامية لجمعية المستشرقين الألمانية ١٩٣١- ١٩٥٩)
٨٩- الورقة: لابن الجراح- تحقيق عبد الوهاب عزام وعبد الستار فراج دار المعارف- مصر ١٩٥٣
٩٠- وفيات الأعيان: لابن خلكان- تحقيق د. احسان عباس دار الثقافة- بيروت
٩١- يتيمة الدهر: للثعالبى- تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد القاهرة ١٣٧٥- ١٣٧٧
مراجع أخرى
٩٢- ابن سعيد المغربى- المؤرخ، الرحالة، الأديب للأستاذ محمد عبد الغنى حسن- مكتبة الانجلو المصرية- القاهرة ١٩٦٩
٩٣- تاريخ النقد الأدبى عند العرب: د. احسان عباس- دار الرسالة بيروت
٩٤- تاريخ الأدب الأندلسى: د. احسان عباس دار الثقافة بيروت
٩٥- ابن خلدون والأدب: د. عبد العزيز الأهوانى منشورات المركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية- القاهرة ١٩٦٢
٩٦- مجلة الأندلس [مجلة الدراسات العربية فى مدريد وغرناطة]
٩٧- معجم الأنساب والأسرات الحاكمة فى الاسلام.- زامباور
[١ / ٢٧٣]
الفهارس
١- الأعلام ٢٨٣- ٢٩١
٢- شعر القصيد ٢٩٢- ٢٩٧
٣- شعر الدوبيت والمربعات والمخمسات ٢٩٨- ٢٩٩
٤- كان وكان ٣٠٠
٥- المواليا ٣٠١- ٣٠٢
٦- الموشحات ٣٠٣
٧- الأزجال ٣٠٤
٨- آيات القرآن الكريم ٣٠٥
٩- الحديث الشريف ٣٠٦
١٠- ثبت بالمحتوى ٣٠٦- ٣١٠
[١ / ٢٨١]
تعليقات