الصقلي

 - يوليو 24, 2025

 الصقلي

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ مقدمة المصنف ] وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ، الحمد للّه ، المبدى المعيد ، الفعال لمايشاء ويريد ، الذي دلّ العباد بالعقول على معرفته ، وأعذر بالنّذر والبينات لخلقه ، حتى ختم شرائعه بملة المصطفى محمد صلى اللّهعليه وسلّم ، ثم إن اللّه سبحانه خصّ بالفضيلة العليا أهل السبق إلى دينه ، والأنصار لنبيه ، وتتابع الناس بعدهم في التنزيل ، بقدرأنوار عقولهم ، وذكاء فطن أفهام أذهانهم ، بإيثار حقه ، والقيام بأمره ، وجعل سبيل الحقيقة في التصديق ، وشاهد غيب التصديق . العمل بالتحقيق ونصب لذلك أربعة أعلم : أمرا ، ونهيا ، وترغيبا ، وترهيبا ، وأقام ذلك في أربعة أصول من العلم ، كل درجة ، ومقام ،ورتبة وحال ، داخل منها ، وكل علم ، وعمل في بداية ، ونهاية ، محتاج إليها ، فأهلها الراسخون في العلم ، والطالبون لها ، المريدونللمعرفة ، أولئك حزب اللّه ، الذين من ضلّت تقاليد عدوه عندهم ، وجند اللّه الذين أنعم بإرشادهم ، على من اتبع مناهجهم . والأصلالأول : معرفة اللّه جل ثناؤه ، بعلم حقيقة أسمائه العليا ، وصفاته الكبرى ، وواجب حقه في إقامة توحيده ، وإفراد خالص ربوبيته ،من حيث أوجب ذلك على عباده في صدق عبوديته على التصديق ، بما انفرد به دون خلقه ، والتسليم له ، بالإقرار في عجز العبودية ،ورؤية الإجلال لإعظام حق الربوبية ، والفقر ، والفاقة لسلطان الألوهية ، وخروج النفس من سكونها إلى ظلمة الدعاوى وشبهات الرؤية.

والأصل الثاني : معرفة دين اللّه جلّ وعزّ ، من جهة الاتباع لكتابه ، ولسنة محمد نبيه صلى اللّه عليه وسلّم ، والإنابة في أمره ، ونهيه ،وترغيبه ، وترهيبه ، وآدابه ، وأخلاقه ، محبة بالقلب ، وعملا بالجوارح ، ودعوة أبيه ثم الاقتداء بأصحابه رضى اللّه عنهم ، وترتيب الأئمةالأربعة في أماكنهم ، وتفضيل الستة بعدهم ، وموالاة المهاجرين ، والأنصار ، والانتساب إلى أمهات المؤمنين ، والمحبة لمن والاهم ،والمعاداة لمن عاداهم قولا ، وفعلا ، وعقدا . والأصل الثالث : معرفة عدو اللّه ، أخزاه اللّه ، ولعنه ، وما يريد منه ، وما يدعو إليه ، ومايرفع به كيده ، وما يهزم به خيله ورجله ، ومعرفة نفسه الأمارة بالسوء ، وهواه المردى ، وما يأتيان به من الأخلاق المردية ، والأمانيالفاسدة من مكر العدو ، وحيلته ، وضلالته ، وفتنته لتفرقة ، وما اجتمعا فيه ، واجتماع ما تفرقا فيه ، واجتماع ما جمعا ، وافتراق مافرق . والأصل الرابع : معرفة الدنيا ، وأهل الزمان مما لا بد من مباشرة ما لا غنى به عنه ، وما يلتزمه من الحقوق المفروضة منها ،ومن أهلها ، وما ندب إليه فيها من المصارعة بالخيرات ، وإصلاح ذات البين ، والسلامة ، والغنيمة في الخلطة ، والانفراد ، والأخذ ،والإعطاء ، والحركة ، والسكون والظاهر ، والباطن بمعرفة وجوه المدارات من المداهنة ، والغش من النصيحة ، والإنصاف من الخديعة ،والتواصل من القطيعة . فيكون جميع ذلك بعلم ، ومعرفة ، ويقين ، وبصيرة ، لطلب إعلام حقيقة الإيمان ، ورغبة في شرائع الإسلام ،باستبطان الرحمة ، واستظهار الرأفة ، والاعتماد على الاستعانة باللّه تعالى فيما كان للّه ، وعقد ترك المقاومة بالانتصار فيما كانللنفس ، ومن النفس . فهذه جمل علوم أهل

التحقيق ، واللّه واسع عليم « 1 » . * * *

--> ( 1 ) قال ابن عربى : في منزل المعرفة من كتابه « مواقع النجوم » اعلم يا بنى أن العبد المحقق الصوفي إذا صفا وتحقق صاركعبة لجميع الأسرار الإلهية ، يحج إليه من كل حضرة وموقف ويرد عليه كل يوم جمعة ما دام في ذلك المقام ستمائة ألف سر ملكوتي ،واحد منها إلهي وخمسة أسرار ربانية ليس لها في حضرة الكون مدخل ، وما بقي فأسرار الكون ، ولكنها متعلقة بهذه الأسرار ،فأول ما يرد عليه من السر الإلهى الخمسة ، ثم ما بقي فوجا فوجا هكذا في كل جمعة فافهم ما رمزناه لك وحل قفله تسعد

الجزء الأول قال عبد الرحمن بن محمد : جعل اللّه سبحانه مفاتح الرشد ومزيد الهداية في عشرة وجوه تفترق على أجزاء : الإيمان ،وعقد القلب بالتصديق على إخلاص التوحيد ، فشرط العمل بالاتباع ، ثم مبادرة التوبة على ترك الكبائر ، والصغائر ، ثم طلب العلمبالأدب لإرادة العمل به ، ثم الصبر على البلوى بترك التبرم ، والشكوى ، ثم الشكر على النعماء ، برؤية التقصير في الواجب ، ثمبحسن الخوف بصحبة الرجاء ، ثم الحياء بالمراقبة ، ثم المحبة ببذل الإيثار ، ثم النصيحة بالإنصاف ، ثم الرضا بالتوكل . وجعلمغاليق الرشد ، وذهاب الهداية في خمس يفترق على أجزاء الكفر : إسلام بلا صدق ، وعمل بلا إخلاص ، وعلم بلا اتباع ، وعقل بلافهم ، ومعرفة بلا بصيرة . وقال : النجاة في خمس ، والهلكة في أربع : النجاة في لزوم التوحيد ، والاعتصام بالكتاب والسنة ،وصلاح القلب للسلف ، وسلامة الصدر للأمة ، وصفاء الطعمة ، والهلكة في إيثار الدنيا على الآخرة ، وطاعة العدو ، وموافقة النفس ،ومؤالفة الهوى بغير تبيان ولا هدى . وقال : الخوف ، والرجاء نسبة العلماء بالأمر ، والنهى ، وعلامة ذلك الخشية بالصدق والورعبالإشفاق ، والصبر ، والشكر ، نسبة العمال بالأمر ، والنهى وعلامة ذلك الرحمة بالتواضع ، والإنصاف بالنصيحة ، فإذا فقد العالموالعامل ذلك في نفسه ، وفقد منه غيره فحاله معلول ، وأصله سقيم ، إما محجوب بدنيا ، وإما مبعد بدعوة فرضها في ذلك التوبةبالإقلاع ، ومسائلة أهل العلم باللّه ، والمعرفة على وجود البصيرة

في دينه ، ومتى رضى كل واحد منهما بحاله فهو عمىّ به القلب يزيد حفظ العلم لقيام الحجة عليه ، وهو ضمير القلب بزيادة العمل ،لفقد وجود المواريث منه . وقال : الفقير إلى اللّه عز وجل في العلم ، والعمل نسبة أهل المعرفة به ، ومن هذا دخلوا إلى باب الغنى باللّهعن الدنيا ، وأبنائها ، والغنى باللّه عز وجل في العلم ، والعمل ، نسبة العلماء باللّه ومنهم دخلوا إلى باب القناعة الكبرى المتصلةبالتعذر باللّه عز وجل . وقال : اعرفوا الناس بأشكالهم ، وخالطوا الناس على قدر أديانهم وخادنوا الناس بالمصافات على قدر عقولهموقال : الإفراط في طلب الدنيا ذهاب للمروءة ، وسخف في العقل ، ونقص من الدين ، وحرام على أهل ذلك أن يصفو لهم عيشة ، أويعتزوا بغنى ، أو يلوذوا براحة ، أو يشرفوا بحقيقة من الحق . وقال : من طلب الورع قبل القناعة فمتعنّ ، ومن طمع في الزهد قبلالورع فمتمنّ . وقال : التعفف قبل القنوع ، والقناعة قبل الورع ، والزهد بعد الورع ، والحياء قبل المراقبة ، والإيثار بعد المحبة ، والرضاقبل التوكل ، والمعرفة بعد اليقين ، والبصيرة قبل المشاهدة . وقال : أصول الرضا ثلاثة ، وشعبه ثلاثة : فأصوله : العلم ، واليقين ،والمعرفة . وشعبه : التفويض ، والتسليم ، وترك الاعتراض « 1 » .

--> ( 1 ) قال الإمام ابن قدامة المقدسي : « ويتصور الرضى فيما يخالف الهوى ، وبيان ذلك إذا جرى على الإنسان الألم ، فتارةيحس به ويدرك ألمه ، ولكنه يكون راضيا به ، راغبا في زيادته بعقله

وأصول التوكل ثلاثة ، وشعبه ثلاثة : فأصوله : الثقة باللّه ، والاعتماد على اللّه ، والاستعانة باللّه . وشعبه : الجلوس مع اللّه ، وانتظارأوقات اللّه ، والنظر في الأسباب الجارية من اللّه . وقال : من اقتضى المعونة من ربه بدوام الاستعانة به ، واستعاذ باللّه من شر هذهالاستطاعة المدفوعة إليه ، على بذل الجهد في أداء الحقوق الواجبة ، والفروض اللازمة والمسارعة في الدرجات ، والمسابقة إلىالمقامات بطرح نفسه ، وخروج نفسه من حوله ، وقوته على دوام الفقر ، والفاقة إلى اللّه عز وجل ، نالته المعونة وصحت له العبودية ،ومن استغنى بحوله ، وقوته في استطاعته ضلّ عن طريق الهداية ، وتحكمت فيه دواعي نفسه ، وهواه ، وعدوه . وقال : عليكم بالاتباعلما كان عليه الصدر الأول تسلمون من الحدث في الدين ، وعليكم بالرفق في الاقتصاد فيما لا بد لكم منه تسلمون منه

--> - كان كارها له بطبعه لما يوصله من الثواب مثاله : أن يلتمس من الحجام الحجامة والفصد ، فإنه يدرك ألم ذلك ، إلا أنه راض به، راغب فيه ومتقلد منه الحجام . وكذلك كل من يسافر في طلب الربح ، فإنه يدرك مشقة السفر ، لكن حبه لثمرة سفره طيب عنده تلكالمشقة وجعله راضيا بها ، وكل من أصابه بلية من اللّه تعالى ، وكان له يقين ، فإنه يتوقع الأجر فوق ما فاته ، فيرضى بما أصابهويشكر اللّه تعالى عليه ، ويجوز أن يغلبه الحب ، بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه ، ويبطل الإحساس بالألم لفرط الحب ،وليس ذلك بعجيب ، فإن الرجل المحارب في حال غضبه أو خوفه ، تصيبه الجراحات ولا يحس بها ، ولا يشعر بها في تلك الحال ،وذلك لأن قلبه مستغرق ، وإذا كان القلب مستغرقا بأمر من الأمور لم يدرك ما عداه ، وذلك موجود في المشاهدات . قال الجنيد رحمهاللّه : سألت سريا : هل يجد المحب ألم البلاء ؟ قال : لا ، وقد روينا عن خلق كثير من أهل البلاء ، أنهم كانوا يقولون : لو قطعنا إرباإربا ، ما ازددنا له إلا حبا . انظر : مختصر منهاج القاصدين ( ص 438

العار في الدنيا ، وعليكم بالرفق وترك التفخم ، فإن العجلة استجلاب الندامة ، ونار وشنار « 1 » في القيامة . وقال : الإفراط كلهمذموم ، لأنه يؤدى إلى الغلو ، ويورث صاحبه الكسل ، والفترة ، والاقتصاد كله محمود لأنه يعقب المزيد ولا يذم صاحبه عند التقصير . وقال : كفّ الأذى نصف عمل البر كله ، والنصف الآخر صنائع المعروف للّه عز وجل . وقال : المعروف يجرى بين الناس على أربعةوجوه ؛ فواحد للّه عز وجل ، والثاني لما عند اللّه عز وجل ، والثالث لحظ النفس ، والرابع لوجه الناس . الأول : فالذي للّه وحده ، معروفللفقير المسكين ، لا يتبعد منا ، ولا أذى . الثاني : والذي لما عند اللّه ، صلة الإخوان ، والإنفاق في سبيل البر للمجازات . الثالث :والذي لحظّ النفس ، ما يدفع به الأذى ، ويستجلب به الحمد والثناء . الرابع : والذي لوجه الناس ، ما يجرى بينهم في الصنائعللمكافآت في الدنيا . وقال : درهم الإسراف حسرات في القيامة ، وأضرّ درهم يبعد العبد بإنفاقه من ربه درهم في البنيان بغيرضرورة ، وأبعد ، وأشد منه ضرر في الدنيا والآخرة ، درهم يكسبه بإيذاء مسلم أو ينفقه لأجل إيذاء مسلم .

--> ( 1 ) أي عار وعيب [ صحاح : شنر

وقال : أعلى أخلاق الإيمان ، علم يعمل به في سنة يراد به ما عند اللّه . فأعلى أخلاق اليقين ، معرفة تورث التوكل بالحقيقة على اللّه عزوجل . وقال : الغضب كله مذموم ، إلا غضب يهيجه الأمر ، والنهى في ذات اللّه عز وجل ، وكل غضب يكون للّه ، فصاحبه مختبر فيهصدق ، فإن ثبت على أمر اللّه ، أتته المعونة من اللّه ، وكل غضب تهيجه النفس ، والهوى ، لحظّ دون اللّه ، فصاحبه معاقب لا محالة ،إلا أن يغاث بالتوبة . وقال : الناس كلهم فقراء إلى العلم ، والعلم كله محتاج إلى العقل ، والعقل كله فقير إلى التوفيق . وقال : كل عملبلا علم باطل ، وكل عمل ، وعلم بلا نية هباء ، وكل عمل ، وعلم ، ونية بلا سنة مردود ، وكل عمل ، وعلم ، ونية ، وسنة بلا ورع خسران ،يخاف على صاحبه عند الموازنة ، والقصاص ، ذهابه . وقال : ليس بأحد غنى عن الإيمان باللّه عز وجل ، وأهل الإيمان فقراء إلىخمسة أشياء : العلم ، والعقل ، والعمل ، والصبر ، والشكر ، وكل واحد من هذه الخمسة ليس به غنى عن خمسة ، فالعلم فقير إلىالعقل ، والأدب ، والورع ، والخشية ، والرحمة ، لا قوام للعلم إلا بهذه الخمسة . والعقل فقير إلى العلم ، والحلم ، والتواضع ، وكفّالأذى ، وبذل المعروف ، ولا قوام له إلا بهذه الخمسة . والعمل فقير إلى العلم ، والعقل ، والاتباع ، والنصيحة ، والإخلاص ، لا قوام لهإلا بهذه الخمسة . والصبر فقير إلى العلم ، والعقل ، والرفق ، والكتمان ، وسعة الخلق لا قوام له إلا بهذه الخمسة . والشكر فقير إلىالعلم ، والعقل

والمعرفة ، والإيثار ، والنصيحة . وقال : إذا وقع لطالب العلم محبة الحظوة ، خف عليه طلب العلم ، وإنفاق المال فيه ، وإذا وقع للمريدمحبة الإشارة ثقل عليه طلب العلم ، وخف عليه نبذ الدنيا ، فإياكم وهؤلاء الأحزاب أن تأمنوهم على حال من الحقيقة ، أو باب منغريب العلم ، حتى تعرفوا منهم ثلاثا : عقلا راضيا ، وفهما ثاقبا ، وهمة تسمو للعلا . وقال : إذا هان على الحرّ بذل ما وجهه لغيرضرورة ، ثقل عليه كسب الحلال وسقطت مروءته في ذهاب حيويته ، وذلك فساد للعقل ، والنفس ، والدين ، إلا من عصم اللّه تعالى ،وهو فقر القلب ، والاشتغال بالمدح ، والذم ، والاستعباد ، لأبناء الدنيا وهو الهلاك . وقال : التعفف ، عز ، ومكرمة ، والسؤال ، لوم ،ودناءة ، ومعرّة ، ومزمة ، وأقلّ فائدة في التعفف الغنى ، وأقلّ ضرر في السؤال الفقر . وقال : السؤال لغير فاقة ذلّ ، ومعرّة ، والصلةبين الإخوان على المحبة ، والصفاء مكرمة ، وسنة . وقال : من رضى عن ربه لم يغيره الفقر ، ولم يطغه الغنى ، ومن لم يصح إيمانهعلى الفقر فسد حاله مع الغنى ، ومن لم يجد علم الشكر في الصحة ، فقد علم الصبر في السقم ، إذا كنت لا تعلم تدبير دينك فيصلاح إيمانك ، وأوقات زمانك ، متى تعرف نفسك ؟ وإذا كنت جاهلا بنفسك ، كيف تعرف شيخك ؟ وإرشاد هديك ، ومتى كنت طالباللعلم والحكمة ؟ وأنت عمى عن هذه المعرفة ، فهو مزيد في التخلف وحجاب بإقامة الحجة . وقال : يعرف عقل الغافل ، في ثلاث : طلبهلعلم حاله ، وشغله برعاية

حاله ، وهمه بتخليص حاله . ويعرف حمق الأحمق ، في ثلاث ، بحثه عما لا يعنيه ، وجوابه فيما لم يسأل عنه ، ودخوله فيما لم يدعإليه . وقال : إذا رأيت في المرء أربعا فاعرف بها سخفه ، ودخوله : تكلفه علم ما لا ينزل ، وتعاطيه علم ما لم يعلم ، وتباطئه عن العملبما يعلم ، واستعماله خلاف ما يعلم « 1 » . وقال : ترى الجنة لمن كان فيه ثلاث ، وإن أساء وأسرف : صدق الإيمان بالتوحيد ،وصدق الإقرار بالقدر ، والتصديق بالقدرة . ويخاف العذاب على من كانت فيه ثلاث ، وإن أحسن ، وبر : الطعن على الأئمة ، والأذىلأهل السنة ، والتورط في الحرام والشبهة .

--> ( 1 ) قال العلامة ابن قدامة : واعلم أن العلوم المحمودة تنقسم إلى قسمين : الأول : محمود إلى أقصى غاياته ، وكلما كان أكثركان أحسن وأفضل ، وهو العلم باللّه تعالى ، وبصفاته ، وأفعاله ، وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا ، فإن هذا علم مطلوب لذاته ،والتوصل به إلى سعادة الآخرة ، وهو البحر الذي لا يدرك غوره ، وإنما يحوم المحومون على سواحله وأطرافه ، بقدر ما تيسر لهم . القسم الثاني : العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص ، وهي التي ذكرنا من فروض الكفاية ، فإن كل منها افتقارا واقتصاراواستقصاء . فكن أحد رجلين إما مشغولا بنفسك ، وإما متفرغا لغيرك بعد الفراغ من نفسك . وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبلإصلاح نفسك ، واشتغل بإصلاح باطنك وتطهيره من الصفات الذميمة ، كالحرص ، والحسد ، والرياء ، والعجب قبل إصلاح ظاهرك . فإن لم تتفرغ منه فلا تشتغل بفروض الكفايات ، فإن في الخلق كثيرا يقومون بذلك ، فإن مهلك نفسك في صلاح غيره سفيه ، ومثلهمثل من دخلت العقارب تحت ثيابه وهو يذب الذباب عن غيره . فإن تفرغت من نفسك وتطهيرها ، وما أبعد ذلك ، فاشتغل بفروضالكفايات ، وراع التدرج في ذلك . فابتدأ بكتاب اللّه ، ثم بسنة رسوله ، ثم بعلوم القرآن من التفسير . ومن ناسخ ومنسوخ ، ومحكمومتشابه وغير ذلك . وكذلك في السنة ، ثم اشتغل بالفروع ، وأصول الفقه ، وهكذا بقية العلوم على ما يتسع له العمر ويساعد فيهالوقت . انظر : ( مختصر منهاج القاصدين ص 29 ، 30

وقال : إذا رأيت الطالب للعلم يتبع الشواذّ ، والاختلاف ، وما لم ينزل فاعلم أنه فارغ من الحق ، وقلّ أن ينتفع بما يعلم . وإذا رأيتالمريد همه بطنه ، ومنخره ، وفرجه ، وجسده ، فاعلم أنه فارغ من الحقيقة ، ولقد أنعم اللّه عز وجل على عبد جعل همه في فرضه ،وفكره في صلاح قلبه ، وشغله في سلامة دينه . وقال : انظروا إلى هؤلاء الأحداث بعد التأهل ، وإلى الكهول بعد الولد ، وإلى الفقيربعد الغنى ، وإلى الغنى بعد الفقر ، وإلى المعافاة بعد البلاء ، وإلى المبتلى بعد العوافى ، وإلى العالم بعد الجهل ، وإلى العارف بعدالعلم ، فإن ثبتوا على طريق من الحق فاعلموا أنهم لم يزالوا مصطنعين ، فإن ذهب بهم باب من الباطل فاعلموا أنهم لم يزالوا مبعدينوقال : إذا سلم التائب من الرغبة في الحلال ، وضبط لسانه عما لا يعنيه دخل في الخصوصية ، فإن كان بغير هذا الوصف فرؤيتهنفسه في التوبة ، أضر عليه من الإقامة على المعصية . وقال : لا يفلح تائب في بدعة ، فإن وجد معنى من الحق لم يعرف معنى منالحقيقة . وقال : إن اللّه سبحانه جعل العلماء ، والصديقين أسوة وقدوة في تكذيب الجهال للقدوة ، وفي تكذيب أهل الضلال ، والجحدللمرسلين للتوحيد ، فمن غضب لنفسه في ردّ الحق عليه ، فليس في شئ من الحقيقة ، ومن كان انتصاره للحق فهو من جند اللّه ،وحزبه ، ولا يعرف تفضيل ما للهوى وآله في ذلك إلا خبير من أهل المعرفة والعلم والبصيرة واليقين . وقال : بعث اللّه عز وجل رسلهوأنبياءه في كل حين ، وزمان

تحتمله عقولهم ، وما تقوم به الحجة عليهم في رأى أعينهم . وحذر النبي صلى اللّه عليه وسلّم من نشر غريب العلم لغير أهله ، كماأخذ اللّه سبحانه على العلماء في بيانه ، فمن تأدب بغير آداب اللّه عز وجل ، ورسوله صلى اللّه عليه وسلّم ، فقد غلا وجفا ، ومن تخلّفعن ذلك بعد وجوبه عليه فقد ظلم ، واعتدى ، إلا أن يدخل على المتحققين حالا بغلبة إظهار ، أو كتمان ، إما لقيام حجة ، أو إلزام نقمةلتكذيب ، أو نكرة ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيى عن بينة . وقال : أبى اللّه عز وجل أن يفتح عين قلب مدع لفهم هذا العلمبوجود حقيقة معناه ، حتى يفتقر إلى اللّه عز وجل في نفس أغناه بوجود العلوم ، وامتداد الفهوم ، ويستغنى بربه في نفس فقره علىالاستعانة به ، والاستعانة به في كل خطره ، ونظره ، ولجه « 1 » ، وهمه ، كما حظر على محب الدنيا النطق بالحكمة اللدنية حتىيزهد فيها ، ويؤثر اللّه على الحلال الصافي منها . وقال : أشرف أخلاق العقل الحلم والإنصاف « 2 » ، وأفضل أخلاق العلمالخشية والنصيحة ، وأرفع أخلاق المعرفة التواضع والرفق . وقال : العاقل لا يحب أن يكون الخلق كلهم جميعا إخوانه ؛ لأن مزيد

--> ( 1 ) أي في تردد كلامه في نفسه [ صحاح ] . ( 2 ) يتقارب معنى الحلم مع الصبر ، لذلك يوضع أحدهما موضع الآخر ،لكنهما مع هذا الالتباس يختلفان : فالحلم كفّ النفس عن الثأر ، أو مقابلة الأذى بمثله ، أما الصبر فهو احتمال المكروه ، كفقد عزيز، أو مرض عضال أو كارثة ، أو ضياع مال . والحلم منوط بالقدرة على العقوبة أو الانتقام ، على حين أن الصبر موصول بما لا طاقةبه للإنسان . والحلم نقيض الغضب ، والغضب مظهر من مظاهر الثورة ، وعدم الاحتمال المقرون بالتحدى ، أما الصبر فنقيض الجزع، والجزع سمة دالة على الضعف ، وعدم الاحتمال المقرون بالاستسلام ، والعجز عن التحدي . انظر : من أخلاق النبي صلى اللّه عليهوسلّم ( ص 159

فائدته في الحذر من نفسه بمطالبة أعدائه له ، والأحمق لا يرغب في ودّ العاقل لمخالفته لهواه ؛ لأن مزيد لذته في طاعة عدوه ، وإنكان في ذلك ضرر في دينه . وقال : أصل العقل موهبة مع الانفصال إلى الدنيا ، لأن به تقتضى عادة المنافع ، ودفع المضار ، وهو لايعقله ، فلما كبر بدنه زاد عقله إلى إدراكه ، فإن زاد العقل بمزيد للمعرفة زادت الطاعة ، وإن نقص العقل بنقص اليقين زادت المعصية، إلى حدود الأمنية فإن منّ اللّه على العاصي بالانتقال فهي علامة الرحمة ، والقبول ، وأما زيادة العقل بالمعرفة ، فصاحبه عالم إلىالأربعين ، حكيم إلى الستين ، قطب إلى السبعين . وقال : العقل نهر في البدن ، ودره الحق ، والحمق نهر في البدن ، ودره الباطل ،فأيهما غلب على صاحبه فهو الحاكم في الجوانح القاضي على الجوارح . وقال : أصل العقل كله واحد ، ولذلك لا يقع التنازع فيالإجماع مع الإنصاف ، وأصل الحمق مختلف ، ولذلك لا يقع الائتلاف مع الافتراق ، وإن ظهر الاتفاق . وقال : من شأن الحق أنيثقل من جهة الهوى ، ويخفف من جهة العقل ، وربما خف من جهة الهوى للباطل ، وثقل من جهة الحق للحق . وقال : الفرق بين حالالمريد ، والمدعى : أن المريد يدعوك إلى الصدق في المعاملة . والمدعى يدعوك إلى الصد عن المحاسبة ، لأن حال المريد الخوف ،والحزن والحذر ، وحال المدعى الأمن ، والاعتزاز ، والفرق بين حال المراد ، والمريد : إن المراد يدعوك بالتسهيل ، والتقريب ، والمريديدعوك بالتشديد ، والتعسير ، لأن حال المراد الرفق ، والملاطفة ، وحال

المريد الجهاد ، والمكالبة . والفرق بين حال العالم بالأمر ، والعارف باللّه : أن العالم يدعوك إلى إقامة الفرض ورعاية الحد ، والعارفباللّه يدعوك إلى الحياء ، والمراقبة ، لأن حال العالم الورع ، والخشية ، وحال العارف الشوق ، والمحبة ، والفرق بين العالم باللّه والعارفباللّه : أن العالم باللّه يتكلم من بحر العلم على الحال بالرأفة ، والرحمة ، والعارف باللّه يتكلم من بحر العلم من الحال على شواهد العلمبالإنصاف ، والنصيحة ، بأن العالم باللّه رب للحال ، فقيه يعلم كل حال ، والعارف عبد للحال فقيه يعبر عن الحال ، ولا تجتمع الإرادةبمراد الحق على علم الأمر ، والنهى بالمعرفة ، والعلم باللّه عز وجل ، إلا في عين من عيون الحق لسان من ألسنة الحق ، ولا يفصل كلحال من هذه الأحوال في العموم ، والخصوص إلا ذو بصيرة ، وفراسة ، وتمييز ، ومفاتشة ، ومتى فقد ذلك من الطالب غلط ولم تؤمنعليه الفتنة ، حيث أخذ العلم من غير أهله ، وتصور عليه من غير معدنه . وقال : إذا عسر عليك أمر في الدنيا فاستعن باللّه علىالانتقال عنه إلى ما هو أسلم في الدين ، ينجح لك أمرك ، ويتيسر لك عسرك ، وإذا صعب عليك أمر من دينك فافزع فيه إلى ربك علىالإقامة عليه بترك الحول ، والقوة منك ، والتعلق باللّه فيه تنال الحال ، أو ما هو أفضل في الوقت ، وإذا غاب عنك حال أمرىبمشاهدته فانظر رعايته لفرضه ، ولا تطالب شواهده في النوافل ، فإن الفرض لا يحكمه إلا صادق ، ولا يقيم على حدود شرط فيالظاهر ، والباطن إلا صدّيق . وقال : في الصمت عما لا يعنى ثلاث خلال محمودة ، وفي الصمت عما يعنى ثلاث خلال مذمومة ، وفيالكلام عما يعنى ثلاث خلال محمودة ، وفي الكلام بما لا يعنى ثلاث خلال مذمومة . فأما الخلال

المحمودة في الصمت : فحفظ السلامة ، وتنزيه الحفظة ، وتسبيح الأعضاء . وأما الخلال المذمومة في الصمت : فترك الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر ، والزهد في طلب الواجب في العلم ، والإعراض عن النصيحة . وأما الخلال المحمودة في الكلام : فإرشاد الضال، ودلالة الحيران ، والمعاونة على البر ، وإحلال الإيمان . وأما الخلال المذمومة في الكلام : فمباهاة العلماء ، ومماراة السفهاء ، والأذىلأهل الإيمان . وقال : اصحب الناس على قدر دينهم ، وخالق الناس على قدر مروءتهم ، وخالط الناس على قدر عقولهم ، واهرب منالناس على قدر جهلهم ، وفرّ من الناس على قدر شرورهم ، واحذر من الناس على قدر مكرهم . وقال : ويلكم يا معشر النّساك الجهلةبدينهم أظهرتهم زهدكم بالعجز عن محاسبكم ، واستعملتم تواضعكم في لباسكم ، وأخفيتم الكبر ، والحرص في صدوركم ، فلا أنتموجدتم راحة في قلوبكم ، ولا أنتم أرحتم الناس من أذاكم ، فما ظنكم غدا عند ربكم ، إذا وضع ميزان الحق للخلق ، وذهب الباطل ؟ويلكم يا معشر العلماء السوء الجهلة بربهم ، جلستم على باب الجنة تدعون الناس إلى النار بأعمالكم ، فلا أنتم دخلتم الجنة بفضلأعمالكم ، ولا أنتم أدخلتموها الناس بصالح أعمالكم ، قطعتم الطريق على المريد ، فصددتم الجاهل عن الحق بعد علمكم ، فما ظنكمغدا عند ربكم ، إذا ذهب الباطل بأهله ، وقرب الحق أتباعه . وقال : عجبت لقوم عجزوا عن معرفة أنفسهم يدّعون المعرفة بأحوال غيرهم، بل عجبت من قوم أطاعوا اللّه في جهلهم فلما علموا واجبه عليهم عصوه بعد المعرفة به .

وقال : ليس العجب ممن عرف الآخرة فزهد في الدنيا ، إنما العجب ممن عرف اللّه عز وجل فحجبته رؤية مخلوق عنه . وقال : عفتالطريق ، وكثر أهل التدليس ، والمتشبهون بدعاوى كاذبة ، وحكايات مزخرفة ، وصفات منمقة ، وظواهر بالعلم فاسدة ، وتعاطى حججغير صادقة ، كل ذلك لطلب دنيا ، أو محبة لثناء ، وقد قل أهل العلم بالبصيرة ، وأهل المعارف بالحقيقة ، فمن رأيتم يحفظ كلمته ،ويبحث عن طعمته ، ويصافى أهل الحق بالمودة ، ويسلم غريب العلم ، وأسباب القدرة ، فشدوا به أيديكم ، وتوسلوا به إلى ربكم ، فإنهعلم من أعلام الحق منار لأهل الوفاء ، والصدق ، ومن كان بغير هذا الوصف فإما جاهل في عمله ، أو أحمق في علمه ، أو دجال يكيدالطريق ، وأهله . وقال : طوبى لمن فرغ اللّه قلبه من الدنيا بعمران قلبه من الآخرة ، وطوبى ثم طوبى لمن جعل اللّه همه هما واحدا فيهلا يريد شيئا غيره . وقال : الفائز من أعطى حظه مما عند اللّه ، ومن كان اللّه حظه من كل شئ ، فهو ملك الفائزين . وقال : إذا كانهو حظك ، فالفضل كله تابع لك ، مدخول عليك بالمزيد منه عنده ، وإذا كان بغيتك ما تناله منه ، فأنت تابع للفضل موقوف على نيتك ،ومقصدك ، ومرادك ، ولن يستوى من ابتغاء المسبب ، وطالب الأسباب . وقال : من منا لا يريد غيره ؟ من منا لا يطلب إلا إياه ؟ من منالا يشتغل بسواه ؟ من منا من يكون هو همه ، ومقصده ، وسؤله ، ومناه ، ومراده

وقال : كن من العبيد الخاصة ، إن كانت لك همة ، فإن حجبك حظك ، فكن من عبيد الجملة ، وإياك ، وإياك ، والانقطاع بالغفلة فتطردثم لا تترك وقال : همم القوم تسمو إليه ، وقلوبهم متأسفة عليه ، ودموعهم لا ترقأ عند ذكره ، هكذا فاجعلني يا أملى فإن الأمر بيدكفهكذا كن إن أردت ، غدا الرؤيا بكشف الحجاب . وقال : ذكره الأكبر الذي لا يمازجه حظ لهم منه غيره ، ومتى أردت بذكره غيره ؟ لمتسلم من الآفات ، والبليات ، إما بطلان أو نقصان . وقال : مغبون من أراد غيره خاسر ، من لم يرد ما عنده فقير ، من لم يستعن بهذليل ، من لم ينصره مخذول ، من لم يعزه ممنوع ، من لم يمنحه فهان ، من لم يكرمه إذا عرفك العبد بهذا ، فصد عنك هل تقبله إذارجع إليك ؟ بلى كذا يكون الغنى وصفة من لا ينقصه العطاء وقال : وده لك قبل محبتك له ، وذكره لك قبل إجابتك له ، وفضله عليك قبلرغبتك إليه عجبت كيف لا أؤثره وهو مولاي ، وأنا عبده ؟ وقال : ما أنصفت مولاي ، هو يسألني قرضا مما أعطاني فضلا ليجعله ليعنده ذخرا يوم يجزى كل نفس بما تسعى . وقال : لو عرفته بالحقيقة لازمته ، وما عصيته ، ولو علمت جلالة قدره ، وكبرياء عظمته لمترد به بدلا . وقال : إنه يراك ، ويسمع خفى نجواك ، مطلع على ما في الضمائر ، لا يخفى عليه شئ سر في ظلمة ، ولا ضياء ، فأينتذهب إن ربك لبالمرصاد ؟ . وقال : إن كنت من العامة فعامله بالإنصاف في المحبة ، وإن كنت من

الخاصة فعامله بالإيثار . وقال : بذل المهج فيك قليل وذهاب الروح فيك يسير . وقال : ألم تعلم أنه من آثره أحبه ، ومن أطاعه أكرمه ،ومن عامله ضاعف له ، ومن شكره زاده ، ومن أناب إليه قبله ، ومن شأنه العطف على المسىء ، والإفضال على البخيل . وقال : هكذافرجهم به ، في دار البلوى ، والامتحان ، وهم ينظرون إليه بقلوبهم إيمانا ، ومعرفة ، ويقينا ، فكيف طعم سرورهم به في دار الكرامة ،والكمال ؟ وهم ينظرون إليه بأبصارهم بكشف الحجاب . وقال : إذا تركت حظ نفسك له عرفت ، وإذا لم يحجبك الخلق عنه وصلت ،إذا كنت كذا فأنت عالم بين جهال ، وحي بين موتى ، وغريب بين الأهل ، والأقرباء . وقال : حزن الشهداء من الأبرار ، يذهب عند اللقاء، وفرح الصديقين من المقربين ، متصل في الدنيا مع دوام دار البقاء . وقال : أصل كل بر طلب العلم بالأدب ، وأصل كل قربة العملبالعلم على الصدق ، وأصل كل درجة الورع بترك التصنع ، وأصل كل مقام الزهد بقصر الأمل ، وارتفاع أحوال الناس في هذهالمراتب بالعقل ، والمعرفة ، واليقين ، ومزيد العقل بالتقوى ، ومزيد المعرفة بالاستقامة ، ومزيد اليقين بالمراقبة . وقال : ما صحب العقلشيئا إلا زانه ، ولا صحب الحمق شيئا إلا شانه . وقال : إذا والف الحمق الحجب لم ينتفع صاحبه بعلم ، ولا عمل ، ولا أدب ، ولارياضة ، وإذا والف العقل التواضع غطى ذلك كل عيب

وجهل ، وغره . وقال : لا تعاتب من استغنى بالدنيا عن الدين ، ولا تخالط من والف البدعة بترك السنة ، ولا تؤاخ من صير علمه صلفا ،وعبادته عجبا ، وعاتب كل معترف بذنبه ، وخالط كل مفتقر إلى ربه وواخ كل شحيح على دينه سميح بدرهمه . وقال : كان سؤالالناس ما في أيديهم من الدنيا عبدية ، فصار قضاء الحاجة اليوم استعبادا ، وكان طلب العلم يزيد أهله فقرا ، وخوفا ، وهم اليوميزيده غنى ، وفخرا . وقال : كيف ترجو منفعة علم لم ينفع عالمه ؟ وكيف تطمع في أداء حق من ضيعه ؟ وقال : ذهبت المواصلة بالبر ،وتآلفوا على القطيعة بالإثم ، وذهبت النصائح وتصافوا على الغش والفضائح . وقال : إذا جهلت أبواب السلامة ، فمتى تعرف طرقاتالغنيمة ؟ وإذا عجزت عن شكر الغنى ، والعافية ، فأنت في البلاء ، والفقر أضعف تحملا ، وصبرا . وقال : كيف يفلح من لم يكن لهإمام في دينه ، وشيخ يقتدى به في حاله ؟ وكيف يسلم مريد في طريقة ليست له شأن من مواريث إرادته ؟ وقال : من فارق شيخه ،واستغنى برأيه ، أو كان حظه منه طلب رفقة في ملازمته ، عمى عين قلبه ، وعوقب بالدعاوى ، والرؤية لحاله . وقال : كل وجود يظهرعلى الجوارح من جهة المقامات ، فصاحبه ضعيف معلول في الحال ، وكل وجود لا يعرف المتواجد وروده من حال الوارد عليه بتفضيلوجود من إيجاده فصاحبه جاهل مفتون ، وهذا

موضع تدليس على النفس بالمغاليط ، فبينما صاحبه مع الحق في ورود الحال إذ صار مع العدو في المداومة مع ذهاب الحال . وقال :من فقد أنسه بربه في الملأ ، ووجده في الخلاء ، فهو ضعيف ، ومن وجده في الملأ ، وفقده في الخلاء فهو معلول ، ومن لم يكن له أنسفي خلوته ، ولا أنس في ملأه فهو ميت . وقال : ما دامت الأحوال تخفّ ، وتثقل في الخلاء والملأ ، فصاحبها ضعيف ، فإذا وافق السرالعلانية في الخلاء والملأ ، خفت الأعمال من جهة الحق ، وكذلك تخف من جهة الباطل ، وصاحب هذا الحال محتاج إلى العلم لكثرةاشتباهه ، وشبهه . وقال : كل علم ، وعمل يلحقه الوسوسة لا محالة ، فإما عصمة تلحقه من الحق فيجازى فيه العبد بنيته ، وإما خذلةمن الحق بتخلف عنه فيذهب فيه أجره لتولى أجره عدوّ له إلا أربعة أشياء ، فإن الوسوسة فيها ساقطة لقيام الحق بها من العبد : مزيدعلم في حقيقة التوحيد ، وزيادة عمل يبتغى به وقار اللّه ، وإجلاله ، ودعاء يراد به التعبد للّه ، وبكاء يدخل على العبد خوف فوت اللّه عزوجل ، وثلاثة ليس للعدو عليها سبيل : توبة خالصة أو نية صادقة ، وخاتمة سابقة . وقال : كيف يجد السلامة من لم يكف أذاه ؟ وكيفيجد الغنيمة من لم تصح له السلامة ؟ وكيف يعرف قدر الفضائل من حجبته الدنيا عن أحكام حقوق الفرائض ؟ وقال : كل مريد لايداويه الفقر ، والذل ، لا يبرؤه الغنى والعزّ ، وإن اللّه تعالى ليختبر عبده بالضرّاء ، فإذا صبر للّه ضعف عليه البلاء ، فإذا رضى عناللّه ابتلاه بالسراء ، فإذا شكر للّه زادت عليه النعم ، فإن آثر

في ذلك اتصل بالحقيقة ، من الحق ، وإن اللّه سبحانه ليختبر عبده بالسراء ، فإذا شكره زاده ، فإن آثره ابتلاه بالضراء ، فإن صبرضعف عليه البلاء ، فإن رضى اتصل بالحقيقة من الحق ، وعند الاتصال بالحقيقة من الحق يظهره الحق للخلق بما فيه من الحقليكون حجة على كل مدع في حالة الغنى ، والفقر ، وإنما انقطع كل مقطوع به بين درجة الصبر ، ومقام الشكر ، وبين حالة الرضى ،ورتبة الإيثار . وقال : سوء ظنك بربك ألقاك في أخذ ما حرم عليك ، وسوء ظنك بشيخك بالغيبة عقوبة لخلافك له عند الخطرة ، ومن لميؤثر ناصحه بالمحبة ، ويبذل جهده في رضى ينفعه فليس بكامل العقل ، والدين . وقال : من لم يعرف من ينصحه ممن يداهنه بنوربصيرة إيمانه فيتبع الحق ، ويترك الباطل بصفاء يقينه ، فهو محبوس مع هواه ، مسحور بنفسه ، أسير بيد عدوه ، ومن كان بهذاالوصف فوساوسه مذمومة لا تنقطع عنه وظنه الفاسد لا يفارقه ، إلا أن يتداركه اللّه بتوبة منه ومجاهدة بعون ومزيد . وقال : متىيصلح من ترك الحق الذي يعرف بركته لظنه بالتوهم الذي لا يؤمن فتنته ؟ ومتى ينجح من ترك صحبة العلماء النصحاء في الدين لأهلالأذهان في الدنيا ؟ . [ العلم ] وقال : إذا دخل على الطالب لعلم دينه الزهو على أشكاله ، وعارض المريد لعلم حالة الرؤية لنفسه ،متى يصل أولئك إلى اللّه تعالى ؟ إلا بأن تكون النفس ذليلة حقيرة ، والفقر إلى اللّه تعالى شعار ، ودثار وأهل الحق أصحاب وأخدان« 1 » .

--> ( 1 ) أخدان : أي أصدقاء [ صحاح : خدن

وقال : قسم اللّه جل وعز العقل على ثلاث معان ، فقسم منه موهبىّ ، به تقتضى النفوس حظوظها ، ومنافعها من الدنيا ، وإن كانأهله لا يعقلون ذلك ، ولا يهتدون إليه ، وقسم منه طبيعي به تقتضى الروح أخلاق الدين ، وشرف المنزلة عند اللّه عز وجل ، وقسم منهينال بالتجارب ، وبه يؤخذ علم التمييز ، والبصيرة ، والاختبار ، والاعتبار في الدّين ، والدنيا ، وأسباب الآخرة . فمن سلب العقلالموهبىّ فليست له دنيا ، ومن حرم العقل الطبيعي . فليس له دين ، ومن فقد علم التجارب لم يكن له دين ، ولا دنيا ، ولا آخرة إلا بتكدر، وكدر ، ونقص في الدرجات . وقال : كل بلاء وقع بالخلق مما هو ضرر بهم في الدين والدنيا ، فصمد ما فيه إلى اللّه عز وجل فحقعلى اللّه أن يكشفه ، أو يدفع به من البلاء ما هو أعظم منه ، أو يحفظهم فيما لا بد من كونه ، وكل نعمة ، أو نقمة حلّت بهم فقصدوافيها غير اللّه عز وجل عوقبوا فيها إما بسلب الشكر ، أو بفقد وجود الصبر حتى يراجعوا ربهم بالتوبة . وقال : إذا كان طلب العلمبغير نية كيف يؤجر فيه ؟ ، وإذا كان غير مستعمل به كيف يؤجر عليه ؟ وإذا كان العمل بغير علم كيف يصح له ؟ وإذا كان العملبالعلم غير خالص للّه كيف يقبل منه ؟ وقال : طالبوا مواريث العلم ، والعمل ، فإن لم تجدوه فحاسبوا أنفسكم ، وابحثوا عن دواءأدوائكم فإن لكل علم وعمل ميراث عاجل ، وثواب آجل إذا صدق العالم ، وأخلص العامل . وقال : مواريث العلم في الدنيا الخشية للّه ،والبصيرة في الدين ، ومواريث العمل في الدنيا وجود الحكمة والتمييز بالفراسة . وقال : كل أخ ، وصاحب ، وخدن ، ورفيق ، وجليسلا يرى شكا في

دينك ، ولا ينصحك في عيبك ، ولا يدفع عنك غيبة ، ولا يفرج عنك كربة فهو أضرّ الأعداء عليك في الدنيا ، وأقل الإخوان نفعا فيالآخرة . وقال : لا يرشد اللّه عز وجل أهل المجلس إلى وجود حقيقة من أمره تكثر فيه أربعة ، وتقل فيه أربعة ، يكثر فيه ذكر الدنيا ،ومطالب المؤمنين ، والمراء في غير الحق ، والتضاحك من غير عجب ، ويقل فيه التفقه بالاتباع ، والتعلم للعمل ، والحكمة للأدب ،والبصيرة للاعتبار . وقال : لا يفلح طالب ، ولا مريد حتى يترك ثلاثة أخلاق ، ويلزم ثلاثا من الأدب : ترك الحب ، والخلابة ، وأعمالأهل الغباوة . ويلزم العفة ، والتعفف ، وترك ما لا يعنى بالصيانة . [ الصبر ] وقال : جعل اللّه عز وجل في كل فرض حدا ولكل حدفضل وحقيقة ، ففرض الصبر التحمل ، وحده ، ترك الشكوى عند الامتحان ، والبلاء ، وفضله الرضا ، وحقيقته التسليم ، وتركالاختيار فيما نزل ، وفرض الشكر ، والثناء ، والحمد ، وحده معرفة النعمة من المنعم ، وفضله الإيثار بالجهد ، وحقيقته العمل بالجد ،والاجتهاد كفعل الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وهذان أصلان في المنع ، والعطاء ، والسراء ، والضراء ، من أحكم علم فرضهما ،وحدهما ، وفضلهما ، وحقيقتهما تفقه في كثير من علم أصحاب الأحوال . وقال : فرض الصبر في البلاء ، وترك الشكوى ، وفرضالشكر في النعماء الحمد ، والثناء ، فمن بثّ « 1 » لم يصبر ، ومن لم يقنع لم يشكر . وقال : حقيقة الصبر ذهاب التبرم ، وحقيقةالشكر ألا تنفق النعمة في معصية ، ولا يدخرها عن طاعة .

--> ( 1 ) البث : حال من الحزن [ صحاح : بث

وقال : لا يصبر على مرارة الصبر إلا صادق ، ولا يصبر على حلاوة الشكر إلا صدّيق . [ الخوف ] وقال : جعل اللّه عز وجل للخوفوالرجاء فرضا ، وحدا ، وفضلا ، وحقيقة ، ففرض الخوف اتباع الأمر ، واجتناب النهى ، وحده اجتناب المحارم ، والتوقف عن المآثم ،وفضيلته التورع عن الشبهات ، وحقيقته الزهد في الحلال ، وفرض الرجاء حسن الظن باللّه وحده ترك اليأس من روح اللّه ، وفضيلتهالحذر من الاجتراء على اللّه ، وحقيقته المسارعة في الخيرات ، والمبادرة ، للصالحات ، وهذان أصلان في الترغيب ، والترهيب منأحكم علم فرضهما وحدهما ، وفضيلتهما ، وحقيقتهما : فقه كثيرا من علوم أصحاب الأحوال . وقال : يحكم بالخوف لكل من اجتنبالنهى ، ويحكم بالرجاء لكل من اتبع الأمر ، ومقام الخوف أعلى من درجة الرجاء ، لأن الخائف لا يخاف عليه ، والراجي قد يخافعليه . والخوف يعقب الأمن ، والرجاء ربما أعقب الخوف فالخوف سابق إلى كل خير ما لم يصحبه القنوط ، والرجاء قائد إلى كل خيرما لم يصحبه الاغترار . [ الصدق ] وقال : من بنى أصل إرادته على ثلاث ظفر بخير الدنيا والآخرة من الأعمال الصالحة ، والنعيمالدائم : صبر يصحبه صدق ، وشكر يمدّه إخلاص ، وخوف ممزوج بالرجاء فالصبر يورث الرضى ، والصدق يورث الحياء ، والشكريورث مزيد المعرفة ، والإخلاص يورث المحبة ، والخوف يورث اليقين ، والرجاء يورث الشوق ، ومن حالة الشوق يجدون لذّة الأنس ، وعلمالإجلال ، والعظمة . وقال : لا يعرف داء نفسه ، ومصائد عدوه إلا مريد صادق ، ولا يميز بين مسائل هواه ، وعقله في متشابه النفس ،والعدو إلا عالم صديق ،

ومن هاهنا غلط كل عالم بالأمر غير متحقق بالمعرفة ، وغلط أهل المعرفة الذين لم يتحققوا في العلم باللّه عز وجل . وقال : من شأنالنفس إذا سومحت سخرت ، وإذا سخرت استولت ، وإذا استولت حكمت ، وإذا حكمت قتلت ، وليس لقتلاء النفوس دية ، ولا قود كماليس للمحارب حرمة ولا دية . وقال : العدل صفة لمالك الأشياء ، والجور مردود إلى كل محدث مخلوق فمحفوظ ، ومتروك بين الأمر ،والنهى فنحن مأمورون ، ومنهيون ، وداؤنا منا ، المخلوق منا في أنفسنا ، وداؤنا موجود بتوفيق الحق لنا فينا المخلوق في عقولنا ،وعلم ذلك كله مردود إلى ربنا ، ونحن رهائن بين قضائه ، وقدره موقوفون بين مشيئته ، وحكمه « 1 » . وقال : ليس الهالك من ذهبتنفسه ، إنما الهالك من ذهب دينه ، وليس المغبون من خدع في ماله ، إنما المغبون من غبن عمره ، ولست أعجب ممن استفزه التأويل ،إنما أعجب ممن عبد الحق على يقين ، ولست أعجب ممن انتصاره غضبا لنفسه ، إنما أعجب ممن لا يغضب للّه على نفسه ، ولستأعجب من جاهل مقيم على جهله ، إنما أعجب من عالم لا يردعه علمه قد أفتنه ثناء الجهال عليه ، وهو لم يثق باللّه على الحقيقة فيرزقه ، ولا حال خوفه دون خوف مخلوق يحذره .

--> ( 1 ) العدل : إعطاء كل ذي حق حقه من غير تحيز ، أو محاباة أو تفرقة بين المستحقين ، أو تدخل لهوى النفس . وعكسه الجور ،والحيف ، والظلم ، فالجور العدول عن الحق ، والحيف الميل في الحكم والجور فيه ، والظلم مجاوزة الحدّ ، ومفارقة الحق ، ووضعالشئ في غير موضعه المختص به ، إما بزيادة ، وإما بنقصان ، وإما بعدول عن مكانه أو زمانه ، وهو وخيم العاقبة . ومن أسمائهجلّ شأنه : العدل ، ومعناه المنزه عن الظلم والجور في أفعاله وأحكامه ، الذي يعطى كل ذي حق حقه ، ويضع كل شئ موضعه . وقدذكر العدل في القرآن الكريم ( 18 ) مرة ، ووردت مادة ( القسط ) بمعنى العدل ( 33 ) مرة

وقال : إذا لم تتخذ القرآن إماما ، والعلم حجة ، والأدب جنة ، فالجاهل أعذر ، ولا عذر له ، وإنما أنزل اللّه سبحانه كتابه ، وبين حلالهمن حرامه ، ليعمل به على الحقيقة ، لا أن يتخذ الناس به خولا ، ويتخذونهم أربابا قد بين اللّه عز وجل ذلك في تنزيله ، وحدد ذلك ،وأيده ، فقامت الحجة ، وسقط العذر ، والعرض على اللّه يوم تجزى كل نفس بما عملت ، وتوفى كل نفس ما كسبت ، وهم لا يظلمون . [ مدارسة العلم ] وقال : إذا كان الاجتماع على الذكر ، والقرآن لا يزيد به الإيمان ، ولا ينقص به الفسق ، وإذا كان الاجتماع علىمدارسة العلم ، ومذاكرته ، لا يزيد به اليقين ، ولا ينقص به حب الدنيا ، فتلك أحوال ممقوتة حجبها عن وجود الحق ، فقد الصدق ،وعدم الإخلاص ، ووهاء الخشية ، وحب المباهاة ، والرياء . وقال : قل لطالب العلم المرائي ، اعلم ما شئت من علم الحجة فلن تزداد بهعلى ترك العمل ، إلا مقتا ، وبعدا ، وللدنيا حبا ، وجمعا ، وقل للمريد التارك : اعمل ما شئت من البر فلن تزداد على ترك الصدق إلاطردا ، وسخافة ، وحمقا ، ولأبناء الدنيا عبدا . وقال : اعلم ما شئت من العلم ، واعمل ما شئت من الخير ، واصحب ما شئت منالأخيار فلن تجد نورا ، ولا ميراثا ، ولا بركة إلا بثلاث في الباطن ، وثلاث في الظاهر ، فأما الباطنة : فعقد نية الصدق ، محل نيةالكذب ، وعقد نية الإخلاص محل نية الشرك ، وعقد نية الاتباع ، محل نية الابتداع ، وأما الظاهر : فترك ما لا يعنى ، والصمت فيمايكفى ، والاقتصار على أخذ البلغة من الحلال . وقال : احذر أن تخدع عن صحبة ثلاثة ، خائف مشغول بنفسه ، أو عارف بصيربدينه ، أو عالم إشارته متصلة بربه ، واحذر أن تخدع بصحبة

ثلاثة ، مكب على دنياه ، وإن كان أعلم الناس فإنه يجرك إلى فتنته . وعامل بغير علم ، وإن كان أجهد الناس فإنه يجرك إلى حماقته . وبخيل بماله ، وإن كان أورع أهل زمانه فإنه يجرك إلى خلقه ، وتعلق بك دناءة همته . وقال : طبع الخلق أجمع على أربع : إيمانبصدق ، وهم خاصة الخلق ، وإيمان بشرك ، وهم أهل الجحد بالرسل ، والأنبياء ، والبعث ، وظاهر إيمان بكفر الباطن ، وهم أهلالنفاق ، والزندقة ، وكفر ظاهر بعقد الباطن ، وهم أهل التعطيل الجاحدون للتوحيد ، وطبع أهل الإيمان من خاصة الخلق على أربعةأخلاق فمنهم من جمعها ، ومنهم من جمع بعضها ، وهي الرحمة بينهم ، وهي تورث السماحة ، والتواضع لربه ، وهو يورث حسنالخلق ، والنصيحة في الدين ، وهي تورث التعاون على البر ، والتقوى ، والإنصاف في الدنيا ، وهو يورث التناهي عن الإثم ،والعدوان ثم افترق بهم طبع الإيمان على أربعة أصول في التعبد ، كل أصل يفترق على ثمانية عشر فمن جمعها حاز أجزاء الإيمانالبضع وسبعين جزءا فمنهم من يعبد اللّه على إيمانه بالنية لم يقسم له غير ذلك ، ومنهم من يعبد اللّه على إيمانه بالنية ، وطلب العلم ،لم يقسم له غير ذلك ، ومنهم من يعبد اللّه على إيمانه بالنية ، وطلب العلم ، ومزيد المعرفة ، لم يقسم له غير ذلك ، ومنهم من يعبد اللّهعلى إيمانه بالنية ، وطلب العلم ، ومزيد المعرفة ، وزيادة اليقين ، وكل شئ من العلم ، والعمل له حد ، وغاية ما خلا المعرفة ، واليقينفإنه لا حد ، ولا نهاية لهما . وقال : الصبر أصل كل حال ، وبه يوجد الصدق ، والصدق أصل كل درجة ، وبه يوجد اليقين ، واليقينأصل كل مقام ، وبه يوجد مزيد

المعرفة ، ومنه تتشعب أصناف الخوف ، والرجاء ، والأنس ، والزهد ، والمراقبة ، والحياء ، والمحبة ، والرضى ، والتوكل ، والإجلال ،والإعظام ، والهيبة ، وإنقاذ بصائر القلوب في حجب الغيوب بالتفكر ، والاعتبار فمنهم من يكون حظه في الحضور ، وليس له غير ذلك، ومنهم من يكون حظه في الحضور ، والنظر ، وليس له غير ذلك ، ومنهم من يكون حظه في الحضور ، والنظر ، والاستماع ، والنطق، والمراجعة ، وهذه مقامات منازل القلوب في مقامات القرب ، وحقائق التقريب وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ * « 1 » . وقال : طبعأهل الحقيقة من أهل الحق على أربعة أخلاق : سلامة الصدر بصحبة الغفلة ، وهو ستر الحق لهم من الاطلاع على سره في العبدوجد القلب بسرعة الظن ، وهو كشف الحق لهم عند القيام بحقه في الأحكام ، والحقوق ، والحدود ، والواجبات ، وسلامة الصدربنصيحة القلب ، وهو موضع فناءهم من حظوظهم ببقاء ما للحق فيهم ، وبصيرة القلب بسلامة الصدر ، وتمييز أحوال الخلق ، ونزولهممراتبهم في الدرجات ، والمقامات بصحبة التوفيق ، ونور هدايات المحسنين ، وهذا

--> ( 1 ) قال العلامة ابن قيم الجوزية : [ الإمامة بالصبر واليقين ] وقد أخبر سبحانه أن هذه الإمامة إنما تنال بالصبر واليقين ،فقال تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [ السجدة : 24 ] . فبالصبر واليقين تنال الإمامة فيالدين ، فقيل : بالصبر عن الدنيا وقيل : بالصبر على البلاء ، وقيل بالصبر عن الملاهي ، والصواب : أنه الصبر في ذلك كله ، بالصبرعلى أداء فرائض اللّه ، والصبر عن محارمه ، والصبر على أقداره . وجمع سبحانه بين الصبر واليقين إذ هما سعادة العبد ، وفقدهمايفقده سعادته ، فإن القلب تطرقه طوارق الشهوات المخالفة لأمر اللّه ، وطوارق الشبهات المخالفة لخبره ، فالبصبر يدفع الشهواتوباليقين يدفع الشبهات ، فإن الشهوة والشبهة مضادتان للدين من كل وجه ، فلا ينجو من عذاب اللّه إلا من دفع شهواته بالصبر ،وشبهاته باليقين . انظر : رسالة إلى كل مسلم ( ص 15 ، 16 ) بتحقيق شيخنا فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور أسامة عبد العظيمحفظه اللّه

موضع بقائهم بالحق على فناء الأسباب منهم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ . وقال : إنما تباين الناس في العلم ، والجهل ، وإنما تفاضلالناس في المعرفة ، واليقين فأعلمهم بحلال اللّه ، وحرامه على العمل به أخشاهم له وأعرفهم بقدره ، وجلاله ، وعظمته أطوعهم له ،وأورثهم يقينا أرحمهم بعباده ، وأنصحهم لخلقه . وقال : ليس في الناس أقلّ من إيمان بصدق ، وليس في أهل الإيمان أقل منالعاملين بإخلاص ، وليس في العاملين بإخلاص أقل من الصابرين بشكر ، وليس في الصابرين بشكر أقل من العارفين بيقين لأنه لمينزل من السماء إلى الأرض شئ أقلّ من اليقين . [ اليقين ] وقال : أخرج من اليقين المحفوظ تحت العرش إلى هذه الأمة ثمانيةمثاقيل ، المثقال كأحد أكرم اللّه عز وجل به هذه الأمة فهم أرجح الناس يقينا ، ومعرفة لأنهم أفضل الناس علما ، وحلما فأعطى النبيصلى اللّه عليه وسلّم ، وشرف ، وكرم منه أربعة مثاقيل ، وزيد ذخيرة من الخصوصية فلذلك وزن بالأمة فرجح بهم وأعطى أبو بكرالمكرم بالصديقية العظمى منه مثقالين ، وزيد ذخيرة من الخصوصية ، فلذلك وزن بالأمة فرجح بهم ، وأعطى عمر بن الخطاب المكرمالفاروق الأكبر منه مثقالا ، وزيد ذخيرة من الخصوصية فلذلك وزن بالأمة فرجح بهم ثم قسم مثقال بين سائر الأمة على قدر عقولهم ،ومنتهى فهمهم ، ومبلغ فطن أذهانهم فمنهم من أخلص له قسمه من اليقين ، ومنهم من زيد مع اليقين قسمة ذخيرة خص بها دونغيره ذلك بأن اللّه يخص من يشاء بفضله من عباده . وقال : أهل الصدق في طلب الصديقية بعلم الإرادة على طريقين ، فمريد طلبالحكمة بعد أحكام دينه فهو رحمة لنفسه رحمة لغيره ، ومريد يطلب التفقه في أحكام الشرع لإحياء دين اللّه عز وجل ، وسنة

نبيه صلى اللّه عليه وسلّم بعد أحكام علم دينه ، ومعرفة وجود الحكمة فهو رحمة لنفسه رحمة لغيره في الدنيا ، حسرة على أبناء جنسهالمتخلفين عن درجته في الدنيا ، والآخرة . [ الخشية ] وقال : لكل عالم حظ من الخشية بقدر خوفه ، ويقينه ، ولكل عارف حظ منالحكمة بقدر زهده ، وبصيرته فمن كانت بدايته الإخلاص في العمل بالعلم على الاقتداء ، ورث حكمة الأوقات في المعاملة ، وهوصاحب حال ينطق من حاله ، وإن كانت بدايته الصدق في طلب العلم للعمل به ، ونشره بصحبة العباد ورث حكمة الأوقات ، والإصابةفي الاختلاف ، واستخرج منه علم غير الوقت ، وهذا ربّ حال ينطق من حاله ، ولا يجتمع هذان الأصلان في البداية ، وهذان الفرعانفي النهاية لا لمراد مخصوص بالولاية الكبرى ، والصديقية العظمى يريد اللّه عز وجل ، أن يجعله إماما للخلق في وقته لسانا للحقعينا للحق يدمغ به نواعق الضلالة ، ويمحق كل شبهة ، ويقطع به قرون كل بدعة « 1 » .

--> ( 1 ) قال صاحب البصائر : والصدق : مطابقة القول الضمير ، والمخبر عنه معا ، ومتى انخرم شرط من ذلك لا يكون صدقا تاما، بل إما ألا يوصف بالصدق ، وإما أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب ، على نظرين مختلفين ، كقول الكافر من غير اعتقاد :محمد رسول اللّه ، فإن هذا يصح أن يقال : صدق لكون المخبر عنه كذلك ، ويصح أن يقال : كذب لمخالفة قوله ضميره ، وبالوجهالثاني : إكذاب اللّه تعالى المنافقين حيث قالوا : إنك لرسول اللّه فقال : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ اه . هذا ما قاله صاحببصائر ذوى التمييز ( أ / 397 ) ، وهو كلام له وجاهته العلمية حيث إن الصدق إخبار الإنسان بما يعتقد أنه الحق ، ويشمل الإخبارعن كل ما يفهم المقصود سواء كان بالكلام أو بالعمل ، كالكتابة والإشارة ، وعكس الصدق الكذب ، وهو إخبار الإنسان بما يعتقد أنهغير الحق ، ويشمل الإخبار الصمت الذي يغير الحقيقة ، أو يخفيها ، ويشمل حذف بعض الحقيقة ، إذا كان لما حذف تأثير فيما ذكر، فكل من الصمت والحذف يعتبر كذبا . وقد اعتبر القرآن الكريم قول المنافقين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِكذبا فقال تعالى : وَاللَّهُ يعلم إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] وذلك لأنه إخبار بما لا يعتقدون صدقه . انظر : ( أخلاقنا للأستاذمحمد ربيع جوهري - ص 313

وقال : للّه سبحانه عباد ضنّ بهم عن العامة ، وأظهرهم للخاصة فلا يعرفهم إلا شكل ، أو محب لهم وللّه عباد ضنّ بهم عن الخاصة ،والعامة ، وعباد أظهرهم للخاصة ، والعامة ، وللّه عباد يظهرهم في البداية ، ويسترهم في النهاية ، وللّه عباد سترهم في البداية ،ويظهرهم في النهاية ، وللّه عباد لا يظهر حقيقة ما بينه ، وبينهم إلى الحفظة فما يتواهم حتى يلقونه بما أودعهم منه في قلوبهم ، وهمشهداء الملكوت الأعلى ، والصفح الأيمن في العرض ، الذين يتولى اللّه قبض أرواحهم بيده فتطيب أجسادهم به فلا يعدو عليها الثرىحتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم ببقاء الأبد مع الباقي الأحد . وقال : للّه سبحانه سرّ في العافية يظهره عند الموت ،وهو علم الخاتمة المشهور للخلق ظاهره . وللّه سبحانه سرّ في الخاصة يظهره في العامة ، وهو علم ما أراده منهم ، وهم في ذلكالمشهد على خمس مقامات : منهم من يراد منه علمه ، وعقله بعد إيمانه ، ومنهم من يراد منه علمه ، وعقله ، وإيمانه ، ومنهم من يرادمنه علمه بعد عقله ، وإيمانه ، ومنهم من يراد منه بدنه بعد عمله ، وعلمه ، وعقله ، وإيمانه ، ومنهم من يراد منه قلبه ، وهمه ، وقصدهبعد بدنه ، وعمله ، وعلمه ، وعقله ، وإيمانه ، وقد يراد من أهل جملة الإيمان الجزء ، والجزءان ، والثلاثة ، والأكثر ، ولا تجتمع أربعةأجزاء إلا في لسان للحق ، ولا تتم الخمس إلا في لسان للحق عين للحق محفوظ به الخلق ، فالمراد منه عقله بعد الإيمان عبد محبوب ،والمراد منه علمه بعد عقله ، وإيمانه محبوب مقرب ، والمراد منه عمله بعد علمه ، وعقله ، وإيمانه محبوب مقرب مختار ، والمراد منه بدنهبعد عمله ، وعلمه ، وعقله ، وإيمانه محبوب مقرب مختار مجتب ، والمراد منه قلبه بعد بدنه ، وعمله ، وعلمه ، وعقله ، وإيمانه مصطفىمكرم

بكرامة اللّه عز وجل . وقال : موضع الإيمان التصديق ، وشاهده الصدق ، وموضع العقل الطاعة ، وشاهده الإخلاص ، وموضع العلمالخشية ، وشاهده الورع ، وموضع العمل التواضع ، وشاهده الزهد ، وموضع البدن الصبر ، وشاهده الرضى ، وموضع القلب الشكر، وشاهده الإيثار ، ومع الإيثار يقع علم محبة الخصوص البائنة من محبة العموم ، وشاهد ذلك الرأفة ، والرحمة ، والإنصاف ،والنصيحة ، وشئ آخر ، وهو إقبال القلوب عليه ، واللّه واسع عليم . وقال : تصديق الإيمان بنور بصيرة العقل يشهد العبد الحقوقالواجبة عليه ، فيأتي بها طوعا في معاني التعبد ، وحقيقة التصديق بنور ضياء الدين ليشهد العبد ملكوت السماوات ، والأرض ،ويفضل به درجات الخصوص في مقامات التعبد ، فوصف حال الإيمان في الصدق العمل بظاهر علم الأمر ، والنهى عن التصديقبنور اليقين . ووصف حال الحقيقة التصديق بنور اليقين ، والخشية في الظاهر ، والباطن على التحقيق فكلما يزيد العبد إيمانا منجهة التعبد ازداد علما بربه ، ومعرفة له ، وعلامة ذلك اشتهار الذّكر ، ومخالفة الشكر ، والصبر في معاقل الضرّ ، والفاقة ، والفقر ،وكلما يزيد العبد يقينا من جهة العبودية ، ازداد علما ، ومعرفة ، وعلامة ذلك إطراق القلب ، والجسم برؤية القيام ، ويحضر الجسم ،والقلب حياء ، ومراقبة ، والحال الأول ينطوى فيه الزهد ، والأنس ، والحال الثاني قد ينطوى فيه الرضى ، والتوكل ، والتسليم وَاللَّهُ ذُوفَضْلٍ عَظِيمٍ . [ مقامات اليقين ] وقال : ليس لمقامات اليقين حدّ ، ولا غاية في اعتبار العلم ، وأما حدود درجات الإيمان فهي معرفة منجهة السّنة المشروحة في أجزاء

الإيمان لكل جزء منها فرض معلوم فيه أمر ، ونهى ، وإباحة عند الضرورة ذلك تخفيف من ربكم ، ورحمة . وقال : مقامات اليقين فيالفضائل مذمومة في درجات الإحسان ، ودرجات الإيمان في الفرائض مذمومة في اجتناب النهى ، واتباع الأمر ، فمن جمع اللّه عزوجل له العلمين ، علم اليقين في الحقيقة بعلم الإيمان في الحق الواجب ، فهو سبب من أسباب الحق في الأرض إما رحمة ، وهداية ،أو رحمة ، وسلامة . وقال : حكم علم اليقين في القلب ، وشواهده ، أوصاف حال التعبد ، وحكم علم الأمر ، والنهى في الظاهر ، وللّهعز وجل علم غيبه ، ألا ترى لقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم « العلم علمان : علم على اللسان فذلك حجة اللّه على ابن آدم ، وعلم فيالقلب فذلك النافع أهله » فعلم القلب اليقين في ذات اللّه ، وهو العلم باللّه ، والمعرفة للّه عز وجل ، وعلم اللسان الوعد ، والوعيد ، والأمر، والنهى ، والترغيب ، والترهيب ، وهو علم دين اللّه الذي تعبد به عباده ، ولا غنى لأحدهما دون صاحبه غير أنه لكل عبد سند من علمه، وعمله ، ودرجته ، ومقامه ، ومتى غاب علم القلب صار علم اللسان نفاقا ، ومتى ترك علم اللسان لم ينتفع بعلم القلب ، دين اللّهالإسلام الخالص ، وكلمته التامة العليا وقوام دين اللّه وكلمته ، وتوحيده ، وجماع ما أتت به الرسل ، والأنبياء من الإيمان ، والعلم ،والكتب ، والحكمة جمع اللّه ذلك كله لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم في أربعة أصول استعمل بها نبيه ، وأدب بها صحابته ، ودرجعليها التابعون لهم بإحسان الأمر ، والنهى ، والترغيب ، والترهيب ، فالأمر ، والنهى فرض في فرض لفرض لازم ، والترغيب ،والترهيب سنة لسنة طلب الفضيلة ، وباتباع الأمر ، والنهى يزيد الإيمان ، وبالعمل بالترغيب ، والترهيب يزيد اليقين

تعدى هذه الأصول الأربع فليس في شئ من الحقيقة . وقال : أصول أهل الإرادة عشرة ، وآدابها عشرة ، وأخلاقها عشرة ، من أحكمعلم العمل بها ، وجد علم الحقيقة به ، واليقين من العلم باللّه ، والمعرفة في ذاته ، والبصيرة في دينه . ومن أصّل إرادته على غيرها لميكن له شأن في العلاء ، ولم يكن له درجة في الحقيقة مع الأولياء ، ومن جمعها كان معه بيان يدحض به كل حجة ، وبرهان يستضىءبه في كل منار ، ومحجة ، وعدة جيدة ، يقطع بها كل مفازة ، وسبب يصل به إلى كل مكرمة . فالحال الأول : اتباع الأمر ، واجتنابالنهى ، وآدابه الرفق ، وخلقه الحلم . والحال الثاني : موافقة الاقتداء باتباع السنة ، وآدابه التواضع للخلّ ، وخلقه الاستقامة علىالحق . والحال الثالث : الصدق في الظاهر على الإخلاص في الباطن ، وآدابه ذل النفس ، وموتها ، وخلقه ترك الانتصار ، والمقاومة . والحال الرابع : الخوف ، والرجاء ، وآدابه الحذر ، والإشفاق ، وخلقه الورع ، والزهد . والحال الخامس : الصبر ، والشكر ، وآدابه تركالتبرم ، والشكوى ، وخلقه الكتمان ، والإيثار . والحال السادس : التعفف بكسب الحلال ، وآدابه كف الأذى ، وخلقه الرضا ، والقناعةوالحال السابع : الإنصاف للناس ، وآدابه الموالاة للّه ، والمعاداة للّه ، وخلقه الرأفة ، واللطف .

والحال الثامن : النصيحة للّه ، وآدابه الرحمة ، وخلقه السماحة . والحال التاسع : الصمت بعلم ، وآدابه ترك ما لا يعنى ، وخلقه تركالغلظ ، والجفاء . والحال العاشر : التكلم بعلم ، وآدابه إيصال النفع ، وخلقه السلامة من دعوى الخلق . وباللّه توفيقه . 

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الجزء الثاني قال عبد الرحمن محمد : مراتب العلماء ، وأهل المعرفة التي ينتقل فيها أهل البداية ، وإليهاينتهى أهل النهاية على عشر منازل ، فسبع مقامات لأهل البداية ، وثلاث درجات لأهل النهاية ، ولكل مقام ، ودرجة أصل ، وفرع ،وخلق ، وآداب لا يستغنى طالب ، ولا مريد ، ولا متطرق ، ولا قاصد إلى اللّه عز وجل عن علم ذلك ، والمعرفة به لأن الخلق كلهم فقراءإلى طلبه ، والبحث على أسبابه ، ولقاء أهل العلم ، والمعرفة ، واليقين ، والبصيرة فيه لبيان شرحه ، ومزيد فائدته ، وذلك أنه لا ينالأحد وجها من التعبد ، ولا بابا من الحقيقة في العبودية إلا بأحكامه ، وعلمه ، ومعرفته . فبأحكامه تنال هدايات القلوب ، وبعلمه ينشرحالصدر ، وبمعرفته تدرك أسباب السعادة ، وتتم للعبد الطهارة ، وبالعمل بذلك ينال أحوال الأتقياء ، ومراتب النجباء ، وخصوصيةالبدلاء ، وكرامات الأوتاد ، وفوائد القطب ، وبذلك يوجد صفاء الولاية الكبرى ، وصحة الصديقية العظمى ، ووجود العلم النافع ،وإصابة الحكمة البالغة ، وألطاف ما يجريه القادر من ذخائر لطائف القدرة ، ويخف ما يمنحه الواحد من مزيد علم توحيده ، وخالصمعرفة تفريده فيما بطن في القلوب علمه ، وظهر في الأحكام وصفه ، واللّه عنده حسن المآب . وقال : مقام لأهل البداية من الطلب ،والرعاية التوبة التي ينجو بها العبد من العذاب ، ويستوجب بها محبة أهل الإياب ، ثم الورع الذي يسلم به من العتاب وينجو به منعقوبات الحجاب ثم الزهد الذي

يخلص به من الآفات ، ويرفع به في الدرجات ، ثم المحبة الذي ينال بها القربات ، ويعلو بها في المقامات ، ثم الحياء الذي يجد بهمزيد الهدايات ، وتدوم به أنوار الكرامات ثم الرضى الذي يصل به إلى السلامات ، وبه ينال الغنيمات ، ثم التوكل الذي يعلو بأهلهالغايات ، ويظفر أهله بالغنى ، والعزّ ، والدرجات . وقال : درجة أهل النهاية رسوخ علم المعرفة بما أزادهم اللّه به من العلم به ، وبأمره، ونهيه ، وأيامه ، ثم رسوخ إثبات علم اليقين بما خص اللّه به العلماء به ، وبأمره ، ونهيه ، وأيامه ثم رسوخ علم حقيقة الأدب وفيموافقة الحق الذي أدب اللّه به العلماء بأمره ، ونهيه ، وأيامه . وقال : جمل العشرة الذي بها ينال المطيعون فوزهم ، وأما شرح معانيهافي الفروع ، والأصول ، والآداب ، والأخلاق . [ التوبة ] وقال : التوبة بعد صحة عقد الإيمان ، والعلم بالشرائع الظاهرة في الحدود ،والأحكام ، ثم الطهارة من الذنوب ، والمعاصي سرا ، وعلانية . وقال : التوبة الندم بالإقلاع ، والاستغفار يحل الإصرار . وقال : التوبةالتخلص من الظلم ، والمظالم برد التباعات ، والمبادرة لإصلاح ما ضاع من الفرائض الواجبات ، وأدب التوبة الصدق في طلب العلم ،والإخلاص في العمل به ، والصبر على البلوى ، والامتحان ، والشكر على النعم ، والمواهب ، والخوف من إقامة عدل اللّه ، والرجاء فيعفو روح اللّه فمن أحكم هذه الأصول صحت له التوبة إن شاء اللّه . [ الورع ] وقال : الورع محاسبة النفس في كل خطرة ، والقيامعلى النفس في كل همة ، والمفاتشة على طلب القصد ، وصحة المراد في كل لائح

ورائح ، ونية . وقال : الورع أخذ ما صفى للحق ، وترك ما مازجه الباطل . وقال : الورع كف الأذى ، وترك ما لا يعنى . وقال : الورع :التوقف عن الشبهات ، والإشفاق في أخذ الشهوات ، والتعفف ، وترك الرغبة ، والحرص ، والقناعة ، والقصد بمدافعة لذة الشهوةخوف عادة الشره « 1 » . [ الزهد ] وقال : الزهد قصر الأمل بإخراج الدنيا من القلب ، في اليد . وقال : الزهد أخذ المعلوم للوقت ،وإخراج الفضل . وقال : الزهد الأنس باللّه ، وبذكره ، وسعة الخلق ، والانبساط ، والتواضع لغير طمع .

--> ( 1 ) قال الإبيارى في حقيقة الورع : اعلم أن الورع يطلق صفة ، ويطلق مصدرا ، فإذا أطلق صفة ، فقد تنازع أهل اللغة فيه ،فذهب الأكثرون إلى أن الورع الرجل الجبان ، وقال ابن السكيت : وأصحابنا يذهبون إلى أن الورع الرجل الجبان وليس هو عنديكذلك ، وإنما المراد به الصغير الضعيف . . . وغرضنا الذي تصدينا لبيانه الورع الذي هو مصدر دون الصفة ، فحدّه من اللغةالتجنب مطلقا أو الحبس أو الكف على ما تقدم بيانه من غير تخصيص واقتصار ، وحدّه عند أهل الشريعة : اجتناب المباح ، ونحننبين جهة التجوز فيه إذ لا بد بين المجاز والحقيقة من نوع مداناة ، وذلك أن ترك المباح إنما يحسن تسميته ورعا ، إذا ترك المباح وأتىبعبادة يكون المباح مانعا منها ، فيكون مثابا على ما أتى به من العبادة عند ترك المباح لا على ترك المباح ولما كان تارك المنهى عنهمثابا على تركه ، وتارك المباح مثابا عند تركه حسن تسمية ترك المباح ورعا على ما قررناه . فإن اعتقد أنه مثاب على مطلق الترك كانغلطا وإن وقع الاعتراف بالاقتراب وصرف الثواب إلى جانب الفعل دون الترك فلا نزاع من جهة المعقول والمنقول ولإطلاق اللفظ مجازأوجه قد سبق ، والذي يحقق ما قلناه أنا نطلب الورع المطلوب في الشريعة الواقع قربة وطاعة ، وحد المباح هو الذي خير الشرع بينفعله وتركه من غير مدح ولا ذم على تركه وفعله ، فإذا تحقق النهى والاستواء شرعا لم يتصور أن يكون التارك مطيعا لعدم تعلق الطلببالترك ، بل كما يستحيل أن يكون تارك الواجب والمندوب متورعا شرعا لكون الشرع لم يطلب الترك فيهما ، فكذلك يستحيل أن يكونتارك المباح متورعا شرعا . . انظر : ( الورع ص 16

وقال : الزهد السلامة ، والسماحة ، والشجاعة ، وتحمل الأذى بترك الانتصار للنفس ، وطلب الغنيمة بالتبري من دعاء الخلق علىإقامة الأعذار لهم . [ المحبة ] وقال : المحبة اتباع الكتاب ، والسنة ، والأخذ بالإجماع ، والاقتداء بالسلف . وقال : المحبة الشوق ،والكمد ، والتبرم بالبقاء ، وطلب الخروج من الدنيا لوداد سرور اللقاء . وقال : المحبة الإيثار بالجهد ، والاعتذار من التقصير والحذرخوف الفوت ، ومنع الحجاب . وقال : المحبة ذكر النعم ، والآلاء ، والأيادى ، والمنن ، والفضل ، والجود ، والكرم ، والطول ، والإحسانمن الرحيم الودود « 1 » .

--> ( 1 ) الحب والإسلام : قال الشيخ صالح أبو خليل الشافعي في كتابه « كشف الغطاء » ( ص 107 ) : « إن كل من أوتىحظا من المعرفة ، ونصيبا من الفهم ، والتذوق لنصوص الإسلام من آيات قرآنية وأحاديث نبوية تتضح أمامه الرؤية ، ويعلم يقينا أنالإسلام دين الحب ، وأن المؤمن لا يجد حلاوة الإيمان إلا إذا أحس حرارة الحب . وفي ذلك يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للّه ، وأن يكره أن يعودفي الكفر كما يكره أن يقذف في النار » [ رواه البخاري ومسلم ] . بل إن ديننا الحنيف أمرنا أمر إيجاب بالحب ودعانا إلى تحقيقهوحضنا عليه ، فيقول الرسول صلى اللّه عليه وسلّم : « أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب اللّه إياي ، وأحبوا آل بيتيلحبى » رواه الترمذي عن ابن عباس مرفوعا . فنرى من ذلك : أن الإسلام يدعو إلى المحبة : محبة اللّه تعالى ، ومحبة رسول اللّه صلىاللّه عليه وسلّم ، ومحبة آل البيت والصحابة ، ومحبة الدين والعقيدة ، ومحبة الخلق الأسوياء . « فالحب بكل معانيه الإيجابية الروحيةسمة لازمة ، لا يكمل إيمان ولا يتم إسلام إلا به ، فهو عاطفة جياشة بالخير والعطاء والنور والصفاء يزدان بها الجو الإسلامي وتعبقأجواء المحيط الديني ، وتعلى شأن المجتمع العقدي » [ الحب في القرآن لمحمود الشريف

وقال : الحياء المراقبة للّه عز وجل بمشاهدة قربه ، واطلاع نظره . وقال : إجلال قيام اللّه ، وإعظام وجود قرب اللّه . [ الحياء ] وقال :الحياء هيبة الاطلاع ، والإطراق بالسكينة ، والوقار . وقال : الحياء إخراج ما في القلب والجوارح لغير اللّه . [ الرضى ] وقال : الرضىترك التدبير ، ورفع الاختيار على اللّه عز وجل . وقال : الرضى التفويض في كل الأمور إلى اللّه عز وجل . وقال : الرضى التسليمبانطياع القلب ، واللسان للّه عز وجل . وقال : الرضى ترك الاعتراض ، والسكون ، والطمأنينة ، للوارد في اللّه بقبول أحكام اللّه علىحسن الظن باللّه تعالى . [ التوكل ] وقال : التوكل الثقة باللّه ، والتصديق بموعود اللّه . وقال : التوكل الاعتماد على اللّه ، والتعلق فيأسباب الدين ، والدنيا ، والآخرة باللّه تعالى . وقال : التوكل ترك السؤال ، والتشوق إلى غير اللّه تعالى . وقال : التوكل الإيراد على اللّهكل صاف يرد من اللّه تعالى ، ولا يدخر فضلا عن وقته للّه ، ولا يسكن إلى مخلوق ، ولا إلى سبب دون اللّه ، ومن أدب التوكل عندخاصة الخصوص ألا ينتظر الوقت شغلا برب الأوقات ، ولا يسكن إلى المستخرج في وقته دون من استخرجه ، ولا يطمئن إلىالانتفاع به في إثبات الروح ، والفعل ، والقول دون مالك الأشياء الذي به قامت الأرض ، والسماء ، وهؤلاء أفقر الخلق في نفس غناهم، وأغناهم في نفس فقرهم ، ولهم في أدب التوكل معافى فوق هذه معقودة بينة ، وبينهم عرفوها يقينا منه ، وعلموها حقيقة من عنده

واللّه واسع عليم . [ العلماء الراسخون ] وقال : شرح السبع مقامات التي درج فيها أهل البدايات إلى أسباب النهايات ، وأما شرحعلم الثلاث درجات التي تحقق فيها أهل الرسوخ بعلم ما تقدم ذكره . وقال : علم معرفة ما أراد اللّه سبحانه من العلماء الراسخين فيعلمه ، القائمين بحقه ألا يخافون غيره ، ولا يرجون سواه ، ولا يؤثرون عليه غيره ، ولا يهابون إلا هو . وقال : ما أراد اللّه من العلماءالراسخين معرفة وجود الخشية له بتميز بصائر نور هدايته . وقال : ما أراد اللّه من العلماء الراسخين دعوة الخلق إلى اللّه وحده . وقال: ما أراد اللّه من العلماء الراسخين التواضع لعباده ، وصيانة العلم عن غير أهل اللّه . [ إثبات اليقين ] وقال : إثبات اليقين بما خصّاللّه به العلماء الراسخين في العلم ، والمعرفة ، والتصديق بالقدر . وقال : إثبات اليقين بما خصّ اللّه به العلماء الراسخين في العلم ،والمعرفة المحبة لأهل الإيمان بالقدرة ، والإجلال لحقهم . وقال : إثبات اليقين بما خصّ اللّه به العلماء الراسخين في العلم ، والمعرفةالتوسل إلى اللّه بأهل الإيمان بالقدرة ، والتقرب إليه ، بالانتصار لأعراضهم . وقال : في إثبات اليقين بما خص اللّه به العلماءالراسخين في العلم ، والمعرفة طمع النجاة من عذابه بهم ، والذلفى بمعرفتهم

وقال : حقيقة الأدب في موافقة الحق الذي أدب اللّه به العلماء الراسخين في العلم النظر إلى الخلق بعين الرحمة . وقال : حقيقة الأدبفي موافقة الخلق الذي أدب اللّه به العلماء الراسخين في العلم مواصلة الفضل ، والإحسان مع المخالفة ، والإعراض ، والإحسان . وقال : حقيقة الأدب في موافقة الحق الذي أدب اللّه به العلماء الراسخين في العلم الإقبال مع التولي ، والذكر مع الهجران ، والحلم معالإساءة ، والعفو مع المقدرة ، والبذل مع البخل ، والتكرم مع الدناءة ، والإرشاد مع النكرة ، والدلالة ، والنصيحة مع الجفاء ، والخرق . [ صفة الأخلاق المرضية ] وقال : ونحوه صفة الأخلاق المرضية ، وآدابهم الزكية التي استعملوا بها مع الجفاء القاسية قلوبهم ،فطوبى لمن أحبهم ، وأحبوه ، وطوبى ثم طوبى لمن أحبوه ، وأحبهم ، وخصوه ، وآثرهم ، وقد جمع اللّه سبحانه هذه الآداب المرضيةلنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم في آية من كتابه قوله عز وجل : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بالمعروف وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . وقال ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لبعض صحابته ، وبيته ، فقال : « أعط من حرمك ، واعف عمن ظلمك ، وأحسن إلى منأساء إليك » وباللّه توفيقه ، ورشده ، وتسديده . وقال : العلماء ثلاثة : حجة ، ومحجاج ، ومحجوج : فالحجة : العالم باللّه العالم بأمراللّه العالم بأيام اللّه علامته الخشية للّه ، والورع في دين اللّه ، والزهد في الدنيا ، والإيثار للّه عز وجل قد حفظه اللّه من الجدل ، والمراء، والخصومة ، والتكلف ، والاعتداء ، فهو خير عليم على صراط اللّه المستقيم

والمحجاج : العالم باللّه العالم بأمر اللّه العالم بأيام اللّه علانيته الخشية للّه ، والورع في دين اللّه ، والزهد في الدنيا ، والإيثار للّه عزوجل مدفوع إلى إقامة الحجة ، وإطفاء نار البدعة ، قد خصم المتكلمين ، وأخرص المتخرصين ، فتبيانه قاطع ، وحقه لا ينازع فيه ،شواهده نيته ، ونجومه نيرة ، قد حمى به الدين ، وعرف بواضح برهانه حبل اللّه المتين ، فهو رباني عليم على صراط اللّه المستقيم . والمحجوج : العالم باللّه ، وبأمر اللّه ، وبأيام اللّه ، قد فقد الخشية للّه برؤيته لنفسه ، وحجبه عن الورع ، والزهد ، والرغبة ، والحرص ،وأبعده من بركات علمه ، محبة العلو ، والشرف ، وخوف السقوط ، والفقر فهو عبد لعبيد الدنيا خادم لخدمها ، مفتون بعد علمه ، مغترّبعد معرفته ، مخذول بعد بصيرته شأنه الاحتقار لنعم اللّه ، والازدراء بأولياء اللّه ، والاستخفاف بالجهال من عباد اللّه ، وفخره بلقاءأميره ، وصلة سلطانه ، وطاعته القاضي ، والوزير ، والحاجب له ، فقد أهلك نفسه حين لم ينتفع بعلمه ، وأهلك الجهال ، وأهلك الأتباعله ، ومن يكون بعده ممن يكون له قدوة به ، ومراده من الدنيا مثله فنعوذ باللّه من علم لا ينفع ، وأذن لا تسمع ، وقلب لا يخشع ، وعين لاتبصر . وقال : الأول حجة على أهل وقته ، ومن بعده من العلماء . وقال : حجة على أهل زمانه ، ومن بعدهم من أهل الاختلاف . وقال :علمه حجة عليه فهو محجوج بعلمه ، ومعرفته ترحاله النقلة ما لم يدع إلى الرحلة ، واتباع العلماء ثلاثة مراد باليقين في طلبه ، ومرادبالعلم في طلبه ، ومريد للدنيا بطلبه فعلامة المراد باليقين الوقار ، والأناة ، والرفق ، والسكينة ، والبحث على أسباب النجاة في الفرض، والدرجات في النفل قد رضى عن ربه ، وتوكل عليه ، ولزم ما يعنيه ، ولهى عما

يفتنه ، ويطغيه ، وعلامة المراد بالعلم الوقار ، والأناة ، والرفق ، والسكينة ، والبحث على أسباب النجاة في الفرض ، والدرجات فيالنفل قد قنع برزقه ، وأخذ بالتسبب ، والحركة فهو يأخذ المال من حقه ، ويصرفه في وجهه ، ويبقى منه ما أبقى صيانة لعرضه ، ودينه، وعلامة المريد للدنيا بطلبه الطيش ، والعجلة ، والعنف ، والغلظة ، والبحث عن الاختلاف ، والرّخص ، والشواذ ، وما يورث البغضة ،والفرقة ، والتنازع ، والتدابر ، والحسد ، والتنافس ، والغل ، والحقد ، والفخر ، والعجب ، والزهو ، والافتخار ، والاحتقار قد اتخذ العلممتخذا ، والخديعة مشعرا إيذاء من يخلفه ، ويؤذى من يأمنه ، ويجهل من هو أعلم منه ، ويتخذ من هو خير منه يعظم العلماء ليكرموه ،ويسعى إلى أبواب لبناء الدنيا ليواصلوه ، كل ذلك للدنيا ، وزخرفها ، ونفسه ، وحظها ، وهذا الغافل المسكين ترجى له التوبة ما لمتعاجله المنية . وقال : افترق أهل الحقيقة في الترك للدنيا ، ونبذها عن ثلاث منازل ، فأعلاهم رتبة أهل التوكل على الموافقة ، واللحاقبه أهل الرضى على الإيثار ، واللحاق به أهل الصبر على أخذ البلغة . [ المَلِك ] وقال : ملك متوج قد استراح لا اعتراض له فيما أتىمن الدنيا ، ولا ما ذهب ، ولا ما أبقى عليه الحق ، ولا ما أخرجه منه ، ولا ما أغناه به ، ولا ما أفقره إليه هو في جميع ذلك موافق لماأراده عز وجل به ، لا يوحشه حال دون حال ، لأنه متحقق بمعرفة رب الحال الذي هو أعلم بصلاح حاله . وقال : ملك قد استراح منالنظر لمجارى الأسباب ، غير أنه مجاهد لخوف فساد حاله ، فهو محبّ مؤثر . وقال : ملك متعب مكابد عفيف متحمل قنوع شاكر ،وافترق أهل

التخلي بالدعاوى في ذلك على ثلاث طوائف . وقال : عجزت عن المكسب بعد اقتدارها عليه ، فجعلت الترك سترا لراحة أبدانهم ،وصيدا للدنيا لأخذ مهناهم . وقال : جلست بغير حقيقة علم ، ولا يقين جهلا منه بأحوال أهل الطريق ، فاضطرتهم الحقوق مع قلةصبرهم إلى التصدي لأبناء الدنيا ، وموافقة محبوبهم حتى داهنوا الظلمة ، وأخذوا أموال الفجرة استحياء من الحركة بعد السكون ،والتسبب بعد الترك ، ودخول الأسواق بعد الخروج منها ، وطائفة توصلت بالترك إلى الخيانة ، والفسق ، والفجور فهم أسخف الناسعقلا ، وأقلّهم دينا ، همهم بطونهم ، ومجهودهم تغاشى أجسادهم ، قد أظهروا الجود بأبدان قلوبها قاسية ، وادعوا الفهوم بعقولفاسدة ، فويل لمن محبوه في دنيا ، وويل لمن صحبهم في دينه وكل هذه الفرق ، آكل بدينه غير منصف للّه في نفسه ، ولا ناصح له فيغيره ، قد تراهم إن أعطوا من الدنيا رضوا بالمدحة لمن أعطاهم ، وإن منعوا من الدنيا رضوا بالذم لمن منعهم ، وقد نسوا من قسمالأرزاق ، وجرى الأسباب ، وقدر الأقدار ، وفرغ من مقادير العباد ، فنعوذ باللّه من الضلالة بعد الهدى ، ومن الحيرة ، والنقوص ،والعمى . وقال : أفسد الناس الناس ، وصلح حال الناس بالناس ، وثم حال الناس بالسابق لهم عند رب الناس ، فأفسد العالمالجاهل بترك الأدب ، والنصيحة له ، وأفسد العالم الجاهل بالثناء عليه ، والمدحة له ، وأفسد الأغنياء تواضع الفقراء ، وأفسد الفقراءمداهنة الأغنياء . وقال : أعظم آفة دخلت على الأغنياء محبة تواضع الفقراء لهم ، وهو ذهاب دين الفقراء ، وبطلان ثواب الأغنياء . وقال : سيد الناس في هذا الزمان من وهبه اللّه عز وجل ثلاثة

قل علمه ، وعمله حفظ فرضه ، وضبط لسانه ، وإصلاح طعمته . وشر الناس في هذا الزمان من منع في ثلاثة ، وإن كثر علمه ، وعملهمن استبدل بصحبة أبناء الآخرة رضى أبناء الدنيا ، ولهى بالتكاثر من الدنيا بعد التقلل منها ، وقنع من معرفة نفسه بتزكية الجهال لهوقال : ليس اليوم في الناس أقل من أهل السنة ، وليس شئ في أهل السنة ، فمن يعمل بالسنة ، وليس في العاملين بالسنة أقل منالمحفوظين بالسلامة ، وليس في المحفوظين بالسلامة أقل من العلماء بالبصيرة . وقال : ما دام المريد متعلق باللّه عز وجل فمسائلهمتصلة بالحق على المكاشفة إما بإيمان ، أو علم ، أو معرفة ، أو يقين ، فإذا رجع إلى نفسه في تدبيره ، أو رؤية لحاله بنسيان النعمةمن ربه ، كشط عنه الحال ، ومنع من فهم مسائله بقدر ظلمة حجابه ، وبعده من ربه لأجل جنايته طرفة بطرفة ، ولمحة بلمحة ، وخطرةبخطرة ، إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم ، هذا لمن تاب ، وأناب في الآخرة . وقال : احذر الإملاء ، ولا تأمن المكر فإنالاستدراج خفى في أسباب الدين ، والدنيا ، واعمل للآخرة ، ثم اعمل ، ولا تأس ، واطمع ، ولا تقنط ، فإن ربك يغفر للمصرّ إذا شاء ،ويطالب أهل التحقيق ، ويجازى المحسنين إذا أراد ، وينتقم من المذنبين إذا شاء ، وهو على كل شئ قدير . وقال : من لم يكن له إماميقتدى به في دينه فهواه إمامه ، ومن ازدرى بشيخه ، أو احتقر بعلم معلمه ، وأدبه ، فقد تحكمت فيه دواعي هواه ، ونفسه ، وحرمدرجة إمامه في عاجل دنياه ، وآجل آخرته « 1 » .

--> ( 1 ) قال الشيخ العارف باللّه صالح أبو خليل : « لما كانت الحكمة من وجودنا في هذه الحياة

وقال : صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق . وقال : إذا أضل المريد بدايته التشوف ، والطمع لما في أيدي الناس ، متى يصحله الأخذ من يد اللّه تعالى ؟ وإذا بنى إرادته على مسائل غيره ، متى ينتقل عن دواعي نفسه ؟ وقال : باب الإرادة طلب الواجب منالعلم ، ومجلس الإرادة الجد ، والاجتهاد بالعلم ، وغنيمة المريد وجود مسائله ، وراحة المريد قيامه بالأدب على نفسه ، وسعادة المريدطاعة عالم عارف بصير . وقال : ليس شئ أضر بالمريد من مسامحة النفس في ركوب الرّخص ، وقبول التأويلات .

--> - معرفة اللّه تعالى علما ومذاقا ، وحيث إنه قد لوحظ في عصرنا الحديث انتشار المعاصي وفساد القلوب بما لم يعهد من قبل ،فإنه يجب على من انفرط عقده من ربه ، وعجز عن أن يقدم لربه توبة نصوحا يتطهر أثناءها من أدران المعاصي ، أن يأخذ الطريقعلى يد شيخ مجرب في تطييبه للقلوب وإصلاح الخلق على علام الغيوب ويتأكد الوجوب أكثر على علماء الشريعة فقد قال أحد العلماءالمحققين : إن العالم إذا لم يتصوف على يد عارف باللّه يخشى عليه من سلب الإيمان ! ؟ فقد قال الإمام الطيبي رحمه اللّه : « لاينبغي للعالم ولو تبحر في العلم حتى صار فريد عصره ، وواحد زمانه أن يقتصر على علمه ، وإنما الواجب عليه الاجتماع بأهلالطريق ليدلوه على الطريق المستقيم ، حتى يكون من فيه يحدثهم الحق في سرائرهم من شدة صفاء باطنهم ، ويخلصهم من الأدناسوأن يجتنب ما شاب علمه من كدورات الهوى ، وحظوظ نفسه الأمارة بالسوء ، حتى يستعد لفيضان العلوم الدينية على قلبه ،والاقتباس من مشكاة أنوار النبوة ، ولا يتيسر ذلك عادة إلا على يد شيخ كامل عالم بعلاج أمراض النفوس وتطهيرها من النجاساتالمعنوية ، وحنكة معاملاتها علما وذوقا ، ليخرجه من رعونات نفسه الأمارة بالسوء ودسائسها الخفية . فقد أجمع أهل الطريق على :وجوب اتخاذ الإنسان شيخا له ، يرشده إلى زوال تلك الصفات التي تمنعه من دخول حضرة اللّه بقلبه ، ليصحح حضوره وخشوعهفي سائر العبادات » . ولا شك أن علاج أمراض الباطن واجب ، ولا يمكن لإنسان أن يعالجها بنفسه ، وقديما قالوا : ما لا يتمالواجب إلا به فهو واجب . . انظر : كشف الغطاء عن أهل البلاء ص 42 / 43

وقال : الإرادة استدامة الكدّ ، وترك الراحة للّه ، وفي اللّه ، ومن أجل حق اللّه . وقال : إذا ظهر البخل في الأغنياء ، والحرص فيالفقراء ، أدّى لسفه في العلماء ، وسخف في القراء ، والفسق في الأمراء ، والرشوة في الوزراء ، والاستحلال في العامة ، والدهانفي الخاصة ، فالموت تحفة لكل صادق ، والحياة نقص لكل محقق . وقال : قضاء الحوائج بين الناس سنة في معروف ، وفساد ذلككله بالمن ، والأذى ، وكثرة الحوائج إلى الناس من دناءة الهمة ، وفقر القلب ، وهو أسباب البغضة ، والتقاطع . وقال : التعلق بالناسفي قضاء الحوائج من غير ضرورة يورث ثلاثة مذمومة ، استجلاب الحرص ، والرغبة ، والمسرة ، وذهاب الحياء ، والمروءة ، وثقل طلبالحلال بخفة المداهنة ، والتعلق باللّه عز وجل في قضاء الحاجة ، يورث ثلاثة محمودة تعظيم النعمة ، وإسقاط الملامة ، وإدخال المسرة، وهذه الثلاث تورث ثلاثة مشكورة القناعة بالتعفف ، والرضى بترك التمخط ، والإيثار بالفضل بعد القوام . وقال : أخذ الحلال بالشكريورث سلامة الصدر ، والتحري للصدق يورث الغضب للّه في مواطن الحق ، وأخذ الشبهات يورث دوام الغفلات ، وقلة التحفظ فيالمنطق يورث السخافة ، والخرق ، وأخذ الحرام لغير ضرورة يورث عمى القلب ، والسفولة ، واعتماد الكذب يورث عمى القلب ، واللهو ،واللعب . وقال : صادق لا يرضى بالإفك ، صديق جيد لا يسكن إلى غيبة عالم ، لا يفتنه الحسد ، عارف لا يغيره المنع ، مؤمن لا يفتنهالعطاء

اطلبوا هذه الأخلاق من أنفسكم ، فإن وجدتموها فاشكروا ، وإلا فاطلبوا ، فإن منعتم فاصبروا ، وانتظروا ، فإن الكريم يزداد جودامع الإلحاح . وقال : من تحرى الصدق في منطقه ، ورضى بالدونة في الدنيا في سلامة دينه ، فذلك المقرب غدا من ربه الفائز برحمته، والناجي من عذابه . [ الغضب ] وقال : الغضب في ذات اللّه تعالى يورث الرفق ، والرحمة ، والإنصاف ، والنصيحة ، والغضب فيذات النفس يورث الشدة ، والعظمة ، والحمية ، والعصبية ، فطوبى لعبد كان غضبه للّه على الناس ، وعلى نفسه ، ولم يكن رضاؤه عنالناس لنفسه في معصية ربه . وقال : سعد من غضب على نفسه للّه ، ولم يغضب لنفسه على اللّه تعالى ، وشقى من غضب علىالناس لنفسه ، ولم يغضب للّه على الناس . وقال : صحة عقد المحبة للّه ، والعداوة في اللّه لا تثبت إلا لقلب مريد صادق ، أو عالمخائف ، أو عارف موقن ، لأن الولاية في اللّه لا يصح إلا بعد الطهارة ، والعداوة في اللّه لا يصح إلا بعد الإرادة . [ المحبة ] وقال :المحبة في اللّه يهيجها رواجع الرجاء ، والعداوة في اللّه يهيجها زواجر الخوف ، فمن لم تثبت له محبة ، ولا بغضة بالحقيقة فليس فيجراب قلبه خوف ، ولا رجاء . وقال : صحة المحبة بالإيثار تنمو ، وسقم العداوة بالطمع تضمحل . وقال : حرام على أهل الإيمان أنيعتقدوا المودة بالقلب لأهل الخلاف لهم ، وحرام على أبناء الإرادة أن يعارضوا أهل الإنكار للقدوة بالعلم

المكنون اللدنىّ . [ المعرفة ] وقال : لما يضطر المسكين إلى نفسه بالغفلة عن خالقه ، وأخذ برأيه في دينه ، وقاس أمر اللّه على عقله ،قصرت معرفته عن حمل قدرة ربه فأنكرها بجهله . وقال : من قصرت معرفته بنفسه أنكر وجود قدرة اللّه فيه ، وقدرته عليه بالغلبة ،انقياد المشيئة ، وهم أهل الضلال الدين نسبوا الأقدار لأنفسهم دون ربهم ، ومن قصر علمه باللّه ، وبصفاته ، وأسمائه أنكر قدرة اللّهفي نفسه ، وفي أوليائه ، وهم أهل الغفلة المنتسبون إلى السنة ممن عمى عن فهم الآثار المروية ، والشواهد القائمة . وقال : أول قدمللمريد في الإرادة موت النفس بترك الانتصار ، والتصديق بمواهب الجبار ، وأول قدم للخاصة في الحقيقة الرضى ، والتسليم ،والفقر إلى اللّه تعالى . وقال : سبحان من وسم الدنيا بالوحشة ، وأظهر عوارها لأهل التأمل بالعبرة ، ولم يجعل للبيب فيها راحة ، ولالعارف فيها لذة ، وجعل في كل شئ منها آفة ، ولكل معنى منها ضدا تنبيها لأهل الغفلة ، ومزيد علم لأهل اليقظة . وقال : عقبىالشباب الهرم ، وعقبى الحياة الموت ، وعقبى الفرح الترح ، وعقبى الأنس الوحشة ، وعقبى الاجتماع الفرقة ، وجعل ضد الإيمان الكفر، وآفته افتراق الذنوب ، وجعل ضد العقل الحمق ، وآفته العجلة ، وجعل ضد العلم الجهل ، وآفته النسيان ، وجعل ضد العمل الفترة ،والعجز ، وآفته الملالة ، والكسل ، وجعل ضد اليقين الشك ، وآفته الغفلة

وقال : عقبى أعلام الدار ، وأضداد أعلامها ليستدل بها المريد على كثير من معانيها . وقال : الحسد آفة الدين ، والعجلة آفة بني آدم، وما تناظر اثنان في حجاج حق فأحب أحدهما أن يحظى الآخر ، إلا أن كان ممن أحب أن يعصى اللّه في الأرض أصاب الحقبعدا ، وأخطاء ، ولا تناظر اثنان فأحب أحدهما إرشاد صاحبه ، وهدايته إلا كان ممن أحب أن يطاع اللّه في الأرض أصاب الحقبعدا ، وخطأ . [ النصيحة ] وقال : إذا أحببت أن تؤجر بمعصية اللّه الناس فيك فلست بناصح للّه فيهم ، ولا منصف لهم في ولايةالدين وإذا أحببت لهم السلامة من الإثم فقد شركتهم بالنية في كل خير ، ومعروف ، وبرّ . وقال : متى تفلح وأنت معرض عن مننصحك ؟ إن كنت تفهم فخذه من معدنه ، وإلا فاطلبه من العلماء الراسخين واقبله من العقلاء العارفين . وقال : كيف تفلح ، وأنت تهربعن من ينصحك في خلاف هواك ، وطاعة نفسك ، وعدوك ، وتقبل على من داهنك ، وغرك ، وخدعك ، إن كنت فخذ الأمرين من معدنالحق ، ومعدن الباطل فاقتنى البر ، وانبذ الإثم إن كنت تريد اللّه عز وجل ، والدار الآخرة ، إن اللّه عز وجل غنى عما يراد به وجههمتعال عما أشرك فيه لغيره ، ولا يقبل إلا ما خلص فيه الإيمان ، وصدقت فيه الأعمال ، وسلك به مناهج الأتباع ، وصحبه الفقر ، وهوالتبرأ من الحول ، والقوة فيه بمعرفة النعمة من الكريم المنعم ، إن فهمت رغبة نفعه لك ، وحسن مثوبته راجعة عليك اضطرتك المعرفةإلى محبة من دعاك بأن تكون كذلك فإن أرشدك نور العلم إلى حقيقة العبدوية ، قلت : لا أريد بعد إلا أنت فإن عقلت المخاطبة منه قلت، وأنا لا أريد إلا أنت فأنت

وقال : ما أكثر الباطلين ، وأقل المصادقين ، وأقل المتحققين ، وأكثر المدعين سبحانه من ستر الجميع ، وستر يوم الجمع جمعا كثيراليريهم فضله ، وغناه ، وكرمه في الدارين إنه بعباده رؤوف رحيم . وقال : كل حريص في دنياه لا تجده إلا أحمق في آخرته ، وكلبخيل في دنياه لا تجده إلا سميحا بدينه جبانا في طلب آخرته ، وكل مريد منصور موفق مسدد في دينه ودنياه ، وآخرته ، إن اللّه عزوجل يحب الرفق ، والقصد ، والتؤدة ، ويبغض العنف ، والغلو ، والشدة . وقال : اطلبوا مزيد العقل بصحبة العقلاء ، واطلبوا مزيدالعلم بصحبة العلماء ، فلأن يزيد في عقل أحدكم مثقال ذرة خيرا له من إنفاق جبل ذهب في سبيل اللّه ، ولأن يزيد في دين أحدكممعرفة باب من الفرض أفضل له من ألف حجة مقبولة ، وإياكم من صحبة النساك الحمقاء ، والعلماء الجهال بأنفسهم فإن فتنتهمعمى في القلب ، ونقص في الدين ، والعقل . [ البكاء ] وقال : ما أكثر البكائين ، وأقل من يحسن البكاء ، وأغرب فيمن يحسن البكاءما أحقه أن يبكى عليه ، إن كنت تفهم فابك ثم ابك على من يستحق البكاء عليه . وقال : البكاء رحمة من الحق إذا هاج من حق ،والبكاء خدعة من العدو إذا هاج من باطل فعلامة صحة البكاء في مواجيد الحق الانتقال ، والتحول عن المعاصي ، والذنوب ، ومزيدمواريث الجد ، والاجتهاد في الطاعة ، وعلامة سقم البكاء في مواجيد الباطل ثقل الطاعة ، وخفة العمل بالمعصية . وقال : كل بكاء عنحق يزيد به الخوف ، وكل بكاء عن حقيقة يزيد

به الحب ، وكل بكاء عن غفلة يزيد به السهو ، وكل بكاء على إصرار يزيد به التخليط من البكاء ما هو نعمة علامته الإقبال على اللّه عزوجل ، ومن البكاء ما هو عقوبة علامته الإعراض عن اللّه عز وجل . وقال : عجبت ممن يأمر الناس بالعمل ، وهو مضيع للورع بل عجبتممن يأمر الناس بطلب العلم ، وهو عامل بالجهل ، وأعجب من هذا قارئ كتاب اللّه لا يروعه ترهيبه ، ولا يشوقه ترغيبه . وقال : لايعجبك قارئ للكتاب مضيع لحدوده ، واغتبط مريدا صادقا ، ولا يغبطك جامع للعلم غير عامل به ، واغتبط بعارف بصير ، ولا يغبطكعامل ذو اجتهاد على تخليط ، واغتبط بعاقل له أدب ، ودين ، ولا يغبطك ذو مال ، وجود قليل الورع ، واغتبط بزاهد قد رضى من الدنيابالقوت . وقال : إذا وجدته عالما بالدين عارفا بالتمييز بصيرا بزمانه حذرا من أبناء جنسه سمحا بما في يديه شحيحا على دينه فاعلمأن حاله قد كمل في الظاهر فإن وقف يدرأ شهوته بترك ما لا يعنيه ، وترك الانتصار لنفسه لمعرفته بها ، ولزم الفقر إلى ربه بعد جهده ،وصحبه التسليم في كل ما ورد عليه ، وكان له حال يسكن به إلى ربه فاعلم أن حاله قد كمل في الباطن ما لم يمازجه رؤية أو تصورعلى الأحوال للقال ، والذكر . وقال : موالاة أهل البدع بالمودة تذهب بنور القلوب ، وتحسن أفعالهم يورث المقت من الحق ، والبعد عناللّه عز وجل . وقال : كل نعيم لأبناء الدنيا من الدنيا للدنيا يذهب بزوال وقته ، ويبقى على القلوب ضرره ، وفي الآخرة حسابه ، وكلنعيم لأبناء الآخرة من الدنيا للّه عز وجل يبقى نوره وبركته بذهاب وقته ولذته ، ونعيمه في الآخرة

وقال : كل فرح من الدنيا للدنيا عاقبته حزن ، وكل حزن من الدنيا للدنيا يبلى الأحزان التائب على ذنبه ، وحزن الخائف على فوت ربهوقال : التصبر للمؤمن حرز من الآفات ، والصبر للمؤمن جنة من الضلالات ، والشكر للمريد معدن للزيادات ، والرضى للعلماء كهفللسلامات ، والمراقبة للعارف طريق في المحبة ، والتوكل للموفق درجة في الغاية ، ومن لم يتصبر لم يصبر ، ومن لم يصبر لم يشكر ،ومن لم يشكر لم يرض ، ومن لم يرض لم يحب ، ومن لم يحب لم يتوكل . كيف يريد تأديب الناس بالتقلل ، والترك للدنيا من غلبهالحرص ، والشره ؟ ولم ترض نفسه بالتجوع ، والعطش ، وبدنه بالعرى ، والفقر ، وكيف تصح الموعظة ممن جهل طريق الورع ، والزهد، وغاب عنه معرفة الناس من جهة الفراسة ، والتمييز لأحوالهم ؟ وكيف ينتفع الناس بعلم عالم ؟ قد انسلخ من خيره ، وبركته ، وورثمنه الحب ، والمداهنة ، والغل والحسد ، وحب الغلبة . وقال : كل من عمل للّه بهدى العلم ورث حقائقا من المعرفة فإن ورع ورث حقائقامن المحبة ، فإن زهد ورث حقائقا من الأنس فإن استحيى ورث حقائقا من المراقبة ، فإن هاب ، وأجل مقام ربه ، وعظم قدره في نفسهعلى الغالب من أوقاته ورث من العلم ، واليقين ، والبصيرة ، والتمييز في الدنيا ما لم يخطر على القلوب ، ولم تنطق به الألسن ،وأعطاه ربه في الآخرة ما لم تشهده الأبصار ، ولم يخطر في الأسرار ، وكل من عمل لما عند اللّه بعد العلم ورث مزيدا من الورع ، فإنقنع ورث مزيدا من التعفف ، فإن صبر ورث مزيدا من الشكر ، فإن آثر ورث مزيدا من المحبة ، والحياة ، وأعطاه اللّه في الآخرة مماوصف لكم ما تلذ به نفسه ، وتقر به عينه

وقال : كل من عمل للّه عز وجل العمل الذي يبتغى به ما عند اللّه لم يخرج من الدنيا حتى يوجده من العلم ، والمعرفة ، واليقين ما لميخطر على القلوب إما أن يظهره اللّه بذلك ، وإما أن يستر حاله عن الخلق ، ويذيقه مع ذلك القلة ، والفقر ، والبلوى ، والامتحان ، وكلمن عمل لغير اللّه العمل الذي يراد به ما عند اللّه لم يخرج من الدنيا حتى يوفيه أجره بسبعة من دنياه ينعم بها ، أو رئاسة في الدنيايستطيل بها على أبناء الآخرة ، ويذيقه مع ذلك العز ، والشرف ، والمعافاة ، والصحة ، ويفسح له في الأجل ، ويمد له في الصوت حتىيقدم بالنعم موقرا ، ومن خالص الأعمال الصالحة مفلسا . وقال : إذا لم يشأ وعدلك بين أهل الفقر ، والغنى في التواضع ، والرحمةفقد ركبت سفينة الغرق في بحر الهوى ، والفتنة ، وإذا لم تقم الحق على الجاهل ، والعالم بالإنصاف ، والنصيحة ، فأنت عون ،وشريك لهم بالخيانة ، وفساد النية . وقال : الفقر بلا صبر بلاء ، والغنى بلا شكر ابتلاء ، وهما مذهبان للدين ، والمروءة ، ومبلغان إلىكل فضل ، ومكرمة . وقال : ما ضرب العبد بمحنة في الإسلام أشد عليه من بلاء بلا يقين ، ولا عوقب ببلية في الإسلام أفسد له منصحة بلا طاعة ، وخفة ظهر بلا استقامة . وقال : ليس شئ أضر على أبناء الدنيا من الحسد ، والحرص ، والشره ، وليس شئ أضرعلى أبناء الآخرة من الرياء ، والعجب ، والتزين فمن نجى من هذه الستة خلص من ستة أخرى : البغى ، والرغبة ، والبخل ، والتصنع، والاحتقار ، والدعاوى . وقال : إذا رأيت صاحب الدنيا يستقل ما في يده ، ورأيت صاحب

الآخرة يحب ما في يد غيره من الدنيا ، ورأيت صاحب الدنيا يمدح أبناء الآخرة ، ولا يواصلهم ، ويذم أبناء الدنيا ، ولا يباينهم ،وصاحب الآخرة يداهن أبناء الدنيا ، ولا ينصح أبناء الآخرة فاعلم أنهما ليسا في شئ من الحقيقة ، وإنما هو حب ، وخلابة ، وتصنع، وتنطع منهما « 1 » . وقال : من طلب الرضى من أهل السخط ، والاستقامة من أهل التخليط ، والإنصاف من أهل الفجور ،والنصيحة من أهل الباطل فقد جهل موضع العلم ، وسلك به غير سبيله . وقال : إذا رأيت الرجل يسفه الحق ، ويغمص الناس فاحذره، فإذا رأيته يتواضع للحق ، ويعظم أهل الإيمان لغير طمع ، ولا مكافأة فاصحبه . وقال : علامة المرتضى المقبول في هذا الزمان رعايةالفرض ، والصمت ، والهرب ، ومناكرة المعارف ، والدعاء للأمة بالصلاح ، والتخفف من الكثرة ، والعيلة ، والتحري في الملبس ، وسدالجوعة ليس هو بزمان أنس ، ولا اجتماع ، ولا مؤاخاة ، ولا مصافات ، ولا مخالطة ، ولا انتصار لفساد القلوب ، وفيض الحرام ،فطوبى ثم طوبى لمن لم

--> ( 1 ) قال الإمام الشعراني رحمه اللّه : ومما منّ اللّه تبارك وتعالى به علىّ : نفرة نفسي من الدنيا وأبنائها فلا أتمنى قط أن يكونشئ مما بأيديهم في يدي ، ولا أن يكون لي مثل ذلك أبدا ، وهذا من أكبر نعم اللّه تعالى علىّ ، فإن غالب الناس ينظر إلى ظاهرالدنيا دون ما في باطنها من السموم القاتلة والأباطيل والخداع والمصائد ، ولذلك تزاحموا عليها وتحاسدوا وتباغضوا ، وانقبضوالفقدها ، وانشرحوا لوجودها ، ويعد أحدهم اليوم الذي يقوم فيه من النوم ، ويجد عند رأسه شكارة فيها عشرة آلاف دينار ذهبا يومعيد ، وأنا بحمد اللّه تبارك وتعالى بالعكس من ذلك . . وقد ذقت بحمد اللّه عز وجل هذا المقام ، ولذلك ما أعلم أحدا يكرهني قط إلاحسدا ، فإني لم يقع لي أنني زاحمت أحدا على تدريس علم ولا وظيفة ، ولا تزوجت له امرأة في حال حياته ، ولا غير ذلك ، فافهمهداك اللّه ، والحمد للّه رب العالمين اه . انظر : لطائف المنن ( ص

يعرفه أهل الزمان ، ولا عرفهم فإما هارب منهم أو متحمل للأذى ، والجفاء منهم . وقال : ليس شئ أضر على المريد من الأكل لغير فاقة، والكلام لغير ضرورة ، والمشي لغير حاجة ، وليس شئ أنفع له من التقلل ، والصمت ، والخلوة ، والنظر . وقال : آفة أبناء الدنياالنظر إلى أجناسهم ، وهو الذي يورث الحرص ، والحسد ، وآفة أبناء الآخرة النظر إلى أنفسهم ، وفعلهم ، وهو الذي يورث العجب ،والفخر . وقال : غفلة الحكيم عن ربه التبسط فيما أبيح له ، وغفلة العالم عن نفسه الدخول في السعة ، بالتأويل فيما اختلف فيه ،وغفلة الجاهل عن ربه ، ونفسه ، التورط فيما حرم عليه ، وهو الهلاك إلا أن يتداركه اللّه عز وجل فغفلة الحكيم تعقبه عدم الفهم ،والفطنة في مزيد العلم بحاله ، وهو فقره ، وفاقته إلى ربه ، وغفلة العالم تعقبه عدم الذم ، والازدراء على نفسه ، وهو خوفه ، وخشيته ،وغفلة الجاهل تعقبه التمادي ، والإصرار في عينه ، وطغيانه . وقال : أبى اللّه عز وجل إلا أن يدخل على أوليائه فترة ليزدادوا به علما ،ومعرفة ، وهي استعجال مكرمة من الحق لهم ، ورحمة لأهل المضيق ، وعطفا على المريد ، وأبى اللّه عز وجل إلا أن يدخل الملالة علىكل مدع كي يظهر أمره لكل مستدرج ، ومفتون عقوبة له ، وحجة عليهم . وقال : أبناء الآخرة مقتطعون بوجود حلاوتهم في العلم ،والعمل ، والذكر ، والدعاء ، وغير ذلك من أعمال البر لأجل حظوظهم ، وأهل العلم من العارفين موصلون بتلك الأحوال مقتطعون عنالخلوات

لوجودهم حقيقة من شاهدوه ، وحضورهم لمن خاطبوه ، وقيامهم لمن راقبوه ، وانبساطهم لمن أحبوه ، وآثروه . وقال : الخصوص فيمقامات الذكر على درجتين ، ذاكر لربه بوجود خوف مقته بالإقامة على ذكره ، وذاكر لربه بوجود رجاء روح قربه على الانزعاج عنه لمافيه لخلقه ، والإقامة عليه منه له في فنائه ، وبقائه ، فالأول طالب ، والثاني مطلوب ، والثاني : جالس منبسط ، والأول قائم منقبض . وقال : لا يوازى مقام من يريد أن يستغنى بحظه درجة من يراد بالغناء ليباهى به في العلاء عند ربه « 1 » . وقال : أبى اللّه سبحانهأن يفتح عيون قلوب المترقبين من أبناء الدنيا إلى فهم حقيقة ما وجد العارفون من أبناء الآخرة ، وخطر أن يخرج عبدا

--> ( 1 ) قال الشيخ ابن عربى : في منزل الفاني عن الذكر بالمذكور : اعلم يا بنى جردك اللّه من كل كون وتكنفك بجناح الغيرةوالصون ، إن القلب الذي تمر عليه هذه الأسرار أسرار الشهداء ويعاين من الملكوتين هذا القدر العظيم إذا عاينها مسخرة تحت فهومسخرها كنفسه ، فلا يعرج لها من جهة الوقوف معها ، ولكن يجعلها كالمعونة لما ألهمه متعلقة به مرتقية إليه ، فإذا استمر عليه هذاوطلبته الملائكة معها فلم تجده إلا مشغولا بأعلى من ذلك ، وعرف الحق صدق ذلك الطالب والتوجه اختطفه على كل كون خارج عنه ،ثم أوقفه مع أكوانه فذلك حظه ، ويكون برزخي الموقف ، فإن لم يقف ونظرها كما نظر الآخرين اختطف عن أكوان نفسه ، وعن ملاحظةكل كون أصلا ، وهذا المقام الذي أشار إليه صاحب المواقف . وقال لي : كل جزء من الكون حجاب ، فإذا حصل القلب واختلف بالكلية، وفنى بالمذكور عن الذكر ارتاحت الأسرار لطالبه ، واشتاق الملأ الأعلى لتسبيحه فضرب بينه وبينهم سبعون ألف حجاب إلهية ، يقفدون المشتاقين إليه ، فإن وقف هنا كان هذا مقامه لا يبرح منه ، فإن فنى عن المذكور بالذكر ضرب بينه وبين صاحب المقام الأولسبعمائة ألف حجاب ، وأما ما يحصل له من هذه المقامات فلا يمكن أن يوصف ولا يحد إذ ليس ثمة ما يشبهه ولا ما يقاس منزلالفاني عن المذكور للمذكور لا بالمذكور وهو أعلى الفناء ، وهنا المنتهى ، وليس وراء هذا مرمى ليرام ، ولكي يقع فيه التفاضل بينالرسل في نمطهم والأنبياء في نمطهم ، والأولياء في نمطهم ، وكل له شرب معلوم ينال الأعلى ما نال الأدنى وزيادة . انظر : مواقعالنجوم ( ص 154 ، 155

إلى الحقيقة على أيديهم في طريق الترك ، والإيثار ، وحجبهم عن معرفة أهل الحقيقة بالحقيقة ، وحرمهم أن تثبت لهم محب في اللّه ،أو عدو في اللّه على شرط الأخوة على الصفاء ، والمباينة في المبادئ ثم حرمهم ثواب جميع ذلك في الآخرة إذ لا قيمة لهم فيه ، ولا همة، ولا تصديق به ، ولا انتصار لأهله فنعوذ باللّه من هذه الخذلة ، والبعد ، والحيرة . وقال : حصل أهل هذا الزمن على ثلاثة أخلاقمذمومة تورث ثلاثة ممقوتة تورث ثلاثة موبقة توالوا على إظهار المحبة ، وتباينوا في القلوب بالمخالفة فورثهم ذلك المداهنة ، وورثوا منهاالإصرار على مذموم الحال ، وتواطئوا على إظهار العداوة ، وتألفوا على الركون إلى الظلمة ، والاختلاف إلى الفجرة فورثهم ذلكالصمت عن قبيح أفعالهم ، وإظهار شكر ما علموه منهم ، وورثوا من ذلك أخذ الإجعال على قضاء الحوائج ، وهو السحت الذي نهىاللّه عنه ، ورأوا أن ذلك لهم حلال ، وتواطئوا على طاعة النساء فورثهم ذلك ذهاب أموالهم في الباطل فورثوا من ذلك ذهاب الغيرة للّه عزوجل ، ولرسوله عليه السلام ، ولصحابة نبيه رضى اللّه عنهم ، ولأعراض المؤمنين ، ولحرماتهم فما ينتظر الناس بعد هذا إذا كان هذاموجودا في السلطان ، والقاضي ، والعالم ، والخاص ، والعام ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون على ذهاب الأعمار ، وموت الأخيار ،والتعلق بدار الاغترار ، والأنس بقوم لا يستحيون من فضيحة ، ولا عار . وقال : إذا عميت القلوب عن التصديق بهذا العلم ، وأنكرتمواهب المطيعين بالكرامات ، واستهزاء الأغنياء بالفقراء ، وسخر العلماء من النساك بعدت التوبة من الجميع ، وقلّت بركات الأرض ،وأشرف الملوك في القتل

وقال : الصبر على الحق عز والرضى بقضائه شرف ، والتشكى إليه فرج ، والتسخط عار ، والتشكى إلى الخلق ذلّ ، وعار . وقال :الشكوى كله مذموم إلا أربعة : طالب يشكو إلى عالم داء قلبه ، ومريد يشكو إلى عارف داء نفسه ، وعليل يشكو إلى طبيب داء جسده، وضعيف يشكو إلى قوى عند الضرورة ما يدفع به ضيق وقته ، وميسور يدفع به ضره . وقال : سؤال العلماء عن الواجب فرض ،وسؤال الحكماء عن الزيادة سنة ، وأن اللّه سبحانه ليمقت السائل المعنف ، ويبغض المبرم المتكلف . وقال : من رضى لنفسه من نفسهبالإقامة على الباب من الشر فهو محروم ، ومن رضى لنفسه عن ربه بالإقامة على الباب فهو مرحوم . وقال : مع الرضى عن النفسيقع المنع ، ومع الرضى عن اللّه يقع العطاء . وقال : مقطوع ممنوع من اقتدى فيه دينه ثمن هو دونه ، وموصول معطاء مراد من اقتدىفي دينه بمن هو أفضل منه ، وقد خذل من كان اقتداؤه في دنياه ، ورزقه بمن هو أطول منه . وقال : بالتفقد للحال ، والمحاسبة ،والانتقال بالمجاهدة تهزم جيوش العدو ، وتخذل خيله ، ورجله ، إما يمنع من الحق قاهر ، وإما بحجة من الحق صادر ، وبذلك يستولىالعقل على الهوى فتصير النفس أسيرة في الطاعة ، وبترك الرعاية ، والتفقد ، والمحاسبة يدوم الإصرار بالمخالفة ، ويستوى الهوىعلى العقل ، ويحكم النفس بطاعة العدو في المعصية . وقال : فطع بمن مازجت بدايته رؤية نفسه ، وفقد الصدق ، وستر النصحاء عنه، وذلك حين شره النفس ، واستبطان الباطل حتى تصير

دعاوى ، وفتنة على نفسه ، وعلى الجاهل به ، ولم يصل بالحقيقة ، وضلّ بالحقيقة من سكن إلى رؤية حاله في العلم ، وأوثق بالنجاةبمعنى من فعله ، وعمله ، وظفر بالفوز والنجاة في جميع ذلك من كان فقره ، وفاقته ، وضرورته ، وحاجته ، واستغاثته بربه ، وإلى ربهبربه . وقال : الآفات المبطلة في العلم ، والعمل لاحقة بأهل البدع ، وإن أخلصوا الدين ، والدعوة لمباينتهم الأصل ، وهو الاتباع ،والآفات المفسدة لاحقة بأهل السنة ما فارقوا الصدق في الأصل ، والإخلاص في الفرع ، وإن كانوا متبعين لم ينفعهم مفارقة أهلالبدع مع الشرك الأصغر . وقال : من لم يميز بعقله ظنه من يقينه قبل المشاهدة الأمر حقا كان ، أو باطلا فقلبه مقفول أبعد عن وجودالحقيقة ، ومن لم يجد بعد تميزه وجه العلة ، والمخرج في الحجة التي يحب بها الإذعان ، والتسليم قبل المناظرة فقلبه محجوب عنمواجيد أهل النهاية من العلماء ، وعسى أن يكون بعد في درجة التعليم . وقال : أصل هذا الأمر الذي يعلو به منارة ، وتزكو به بركاته ،وتزهو به أتباعه ويجتنى منه ثماره التقوى بالاتباع ، وفرعه الأدب بالمحاسبة للنفس ، وظاهره الصدق ، وباطنه الإخلاص ، وزينتهالصبر ، وقوامه الشكر ، وجنته الخوف ، وبهجته الرجا ، وعماده التواضع ، ونجومه حسن الخلق ، وسنامه رؤية التقصير ، وكمالهالفعل المؤيد بالتوفيق . وقال : علم الأدب غريب العلم بالأدب الأمر ، والنهى ، ومن وجده ساد عند العامة ، وعلم المحاسبة غريب فيأهل الأدب ، ومن وجده أفلح عند اللّه عز وجل . وقال : من فاتته المحاسبة لنفسه في البداية لم يثبت له قدم بتحقيق

النهاية ، وكان إقباله لعبا ، ولهوا ، وإعراضه زينة ، وتفاخرا ، وتكاثرا ، ورؤية ، ودعوى . وقال : أولى الناس بطلب علم الرياضة أهلالإرادة لما تعارضهم به النفس من حب الدعة والإسراف والإكثار والسعة ، وأحق الناس بالصبر على المحاسبة أهل العلم بالأمر ،والنهى لما يأتيهم به العدو من الغرور ، والأماني ، والتحاسد ، والبغى ، وأولى الناس بالشكر على الإيثار أهل المعرفة لما يأتيهم بهالهوى من الغيرة ، والحدة ، والطيش ، والعجلة ، وأحق الناس بالرضى ، والتسليم أهل العلم باللّه عز وجل لما يعارضهم من مشهودالحال في الشفقة ، والرحمة ، والإحسان ، والنصيحة . وقال : ليس شئ أقل في أهل الإرادة من الصدق ، وليس في الصادقين أقلّمن المخلصين ، وليس في المخلصين أقلّ من الصابرين ، وليس في الصابرين أقل من الشاكرين ، وليس في الشاكرين أقلّ منالمؤثرين ، وليس في المؤثرين أقل من المحبين ، وليس في المحبين أقلّ من المشتاقين ، وليس في المشتاقين أقل من المراقبين ، وليس فيالمراقبين أقل من الراضين ، وليس في الراضين أقل من المتوكلين ، وليس في المتوكلين أقل من المجلين ، وليس في المجلين أقل منالمعظمين ، وليس في المعظمين أقلّ من المشاهدين ، وليس في المشاهدين أقل من الناظرين ، وليس في الناظرين أقل من المتكلمين ،وليس في المتكلمين أقلّ من الفانين ، وليس في الفانين أقل من الباقين ، وهم الذين بقوا مع الحق يفنى كل شئ سواه ، لا يريدون معاللّه غير اللّه ، ولا من اللّه إلا اللّه أولئك الذين يتباهى اللّه بهم أهل الصفح الأعلى ، ويزهو بهم المقعد في حضرة القدس أولئك الذينمحجبون عنه من ذكرهم الحق مع نفسه كما يريدوا به بدلا ، ولا عنه حولا

وقال : أصول أهل الإرادات الخوف ، والرجاء ، والصبر ، والشكر ، وأصول أهل الدرجات الصدق ، والإخلاص ، والحب ، والإيثار ،وأصول أهل المقامات الإنصاف ، والنصيحة ، والشفقة ، والرحمة ، وقوام ذلك كله بالفقر إلى اللّه عز وجل ، والغنى باللّه ، وكفّ الأذىعن عباد اللّه . وقال : من لم يورثه الخوف ، والرجاء اتباع الأمر ، واجتناب النهى ، ويورثه الصدق ، والإخلاص الورع ، والزهد ، ويورثهالحب ، والإيثار الحياء ، والمراقبة ، ويورثه الإنصاف ، والنصيحة ترك الانتصار ، والمقاومة ، ويورثه الشفقة ، والرحمة الرفق ، والرأفة ،فهو مدع جاهل بطريقيه ، أو مفتون ببلية قد حجبته عن وجود الحقيقة من حاله . وقال : من سبق إليه الخوف في الدنيا فعمل بآدابه ،وأخلاقه لم يخف يوم القيامة لأن اللّه سبحانه أهل أن يؤمن من خافه ، ومن سبق إليه الرجاء في الدنيا فعمل بآدابه ، وأخلاقه لم يخيباللّه عز وجل من رجائه ، وكان حقا عليه أن يرضيه لأنه أهل للجود ، والكرم . [ الجواب من العالم ] وقال : من واجب حق العلم علىالطالب السؤال عن عام العلم ، وأصوله لواجب فرضه ، ومن واجب حق العلم على العالم صيانة خاص العلم لواجب حقه إلا عن أهله . وقال : الفرض على العلماء في الجواب ما لا يسعهم فيه الصمت ، والواجب على العلماء في الصمت ما لا يسعهم فيه الكلام ، الحقاللازم على العلماء في الكلام إذا وجب النطق عند الاستنباط على الأصول من الأصول ، وعلى الفروع من الأصول ، ومن تركالأصول ، وقاس فرعا على فرع اضمحل دينه ، وصار في شبهة من أمره . وقال : أفقه العلماء من وقع له جواب الإصابة على الأصلبعد

والسؤال على المثال فيما لم يتقدمه فيه إمام ، وهي علامة التولي في الإقامة ، والحجة في الوقت ، وما سوى هذا قائما هو تخوض ،وظن ، واستحسان ، فللأول أجران باجتهاده ، وإصابته ، وللآخر أجر باجتهاده إذا كان أهلا للاستنباط . وقال : كل من لم يتقدمهالعلم باللّه قبل العلم بأمر اللّه ، أو لم يكونا معا ، أو لم يورثه العلم بأمر اللّه العلم باللّه فقد علم الخشية ، وهو التوقف عن المحارم ،والتورع في المكاسب ، وهذا لا يكاد يسلم من الرياء ، والتزين لمحبة إظهار حاله في العلم ، وقبول قوله ، ومن لم يصحب معرفته علمشرع دينه ذهبت به المغاليط في سبيل الحيرة ، ولم يثبت له عبودية ، ومن لا تعبد له فليس له دين . وقال : قل أن يخلو العالم بالأمر ،والنهى من الخيلاء ، والفخر ، ومحبته الشرف ، والذكر في المجالس حتى يقع له الحقيقة ، وهي الدرجة الثانية في المعرفة ، وقلّ أنيخلو العارف بربه بمعرفة شرع دينه من الضدّ في العلم ، والفترة عن الذكر حتى يقع له على الحقيقة ، وهي الدرجة الثانية في العلم ،فإذا رجع من علم الأمر ، والنهى ، وهي العلم الأول الواجب على الخلق تعليمه لأن التعبد به يفتقر في الفرض ، والنقل إلى المعرفةباليقين ، وهي المعرفة الثانية ، والأول : هي معرفة التصديق بها قوام الإيمان ، والثانية : تحقيق اليقين فإذا درج منها إلى علم التوحيدفي حقيقة العلم باللّه صحبه علم التقصير في كل واجب ، وترغيب وترهيب ، وتعبد ، وعبودية ، واستعباد ، ومعلوم ، ومقام ، ودرجة ،ورتبة ، وموهبة ، وكرامة ، وهذا هو العالم الذي يستغفر له ما في البر ، والبحر من رطب ، ويابس ، ويستغفر له طير السماء ، وسكانالهوى ، وعمار أطباق

وقال : إذا فقد من الناس ثلاثة ابتلوا بستة ، وذهبت منهم ست : إذا ضيعوا حفظ الأمانة ابتلوا بالغنى ، والفقر ، وذهبت منهم :الصبر ، والشكر ، وإذا استخفوا برعاية الفرائض ابتلوا بالشح ، والبخل ، وذهب منهم الحياء ، والتكرم ، وإذا أعلنوا المنكر بينهمابتلوا بظلم السلطان ، ومقت العلماء ، وذهب منهم الإنصاف ، والنصيحة فلم تكن لهم مهابة ، ولا خشية . وقال : من لم يعنك علىدينك ، وينصحك في غيك ، وينصفك في مودتك ، ويكتم عليك سرك فهو كلّ عليك ضد لحالك قفل لقلبك الصبر عليه وهن في العقل ،والمباينة له شين في العرض . وقال : أضرّ الأصحاب عليك من إذا وعظته لم يفهم ، وإذا تركته لم يعقل يتقول عليك ما لم تقل ، ويظنبك ما لم تعمل . وقال : للّه عز وجل في عباده سر ، وهو علم القدر الجاري عليهم ، وفيهم ، ولهم ، وللعلماء باللّه ، وبأمره ، ونهيه سرّفي درجاتهم ، ومقاماتهم ، ومراتبهم ، وأماكنهم وهو علم المشاهدة عند الغناء ، والمخاطبة عند البقاء ، وللعارفين باللّه من الأولياء ،والصديقين سرّ في أحوالهم ، ومقاصدهم ، وهو علم الرحمة ، والفضل ، والجود ، والكرم ، والسعة ، والإحسان ، فإظهار سر العارفينفساد للعامة ، وإظهار سر العلماء فساد للخاصة ، وإظهار سر اللّه فساد للعامة ، والخاصة ، وهذا تأديب للدعاة ، والنصحاء ،والدالين ، والأدلاء . وقال : تعبد اللّه سبحانه عباده بكلمة التوحيد في شرط الإيمان بالصدق في الظاهر ، والباطن ، وفرض عليهمالأعمال التي بها يصح الإيمان بالكلمة في الإخلاص في الظاهر ، والباطن فجعل الظاهر للأسوة ، والقدوة ، والتعبد ، وجعل الباطنللمراقبة ، والحياء ، والخشية

وقال : إذا فقد من الناس ثلاثة ابتلوا بستة ، وذهبت منهم ست : إذا ضيعوا حفظ الأمانة ابتلوا بالغنى ، والفقر ، وذهبت منهم :الصبر ، والشكر ، وإذا استخفوا برعاية الفرائض ابتلوا بالشح ، والبخل ، وذهب منهم الحياء ، والتكرم ، وإذا أعلنوا المنكر بينهمابتلوا بظلم السلطان ، ومقت العلماء ، وذهب منهم الإنصاف ، والنصيحة فلم تكن لهم مهابة ، ولا خشية . وقال : من لم يعنك علىدينك ، وينصحك في غيك ، وينصفك في مودتك ، ويكتم عليك سرك فهو كلّ عليك ضد لحالك قفل لقلبك الصبر عليه وهن في العقل ،والمباينة له شين في العرض . وقال : أضرّ الأصحاب عليك من إذا وعظته لم يفهم ، وإذا تركته لم يعقل يتقول عليك ما لم تقل ، ويظنبك ما لم تعمل . وقال : للّه عز وجل في عباده سر ، وهو علم القدر الجاري عليهم ، وفيهم ، ولهم ، وللعلماء باللّه ، وبأمره ، ونهيه سرّفي درجاتهم ، ومقاماتهم ، ومراتبهم ، وأماكنهم وهو علم المشاهدة عند الغناء ، والمخاطبة عند البقاء ، وللعارفين باللّه من الأولياء ،والصديقين سرّ في أحوالهم ، ومقاصدهم ، وهو علم الرحمة ، والفضل ، والجود ، والكرم ، والسعة ، والإحسان ، فإظهار سر العارفينفساد للعامة ، وإظهار سر العلماء فساد للخاصة ، وإظهار سر اللّه فساد للعامة ، والخاصة ، وهذا تأديب للدعاة ، والنصحاء ،والدالين ، والأدلاء . وقال : تعبد اللّه سبحانه عباده بكلمة التوحيد في شرط الإيمان بالصدق في الظاهر ، والباطن ، وفرض عليهمالأعمال التي بها يصح الإيمان بالكلمة في الإخلاص في الظاهر ، والباطن فجعل الظاهر للأسوة ، والقدوة ، والتعبد ، وجعل الباطنللمراقبة ، والحياء ، والخشية

فبالظاهر مزيد العلم ، وبالباطن تزيد المعرفة ، وتعبدهم بالحدود ، والأحكام ، وقامت الحقوق بالظاهر دون الباطن ، وجازاهم فيالآخرة بالباطن الذي به تم الظاهر ، وأثابهم في الجنان ما ظهر لهم وصفه بالظاهر ، وأخفى لهم من النعم جزاء بالباطن فكانالظاهر بالظاهر معلوما بخفة الظاهر ، والباطن للباطن مفهوما للتصديق ، ولثقل الباطن بالتحقيق . وقال : التدبير في الدنيا للعامة ،والتسليم للخاصة ، وفي التدبير ، والتسليم تباين الإيمان من اليقين ، والمعرفة من العلم . وقال : كل من دبر دنيا للدنيا دخلت عليهالوساوس ، والآفات فإن كان لغير حاجة دخلت عليه المعصية عقوبة له لأجل إيثار الدنيا على الآخرة ، وكل من دبر دنيا لآخرة دخلتعليه الطاعة بالعقد ، والنية . وقال : إياكم والخوض فيما لا يعنى فإنه يورث ثلاثا ، ويبعد من ثلاث يورث السهو ، والغفلة ، والقسوة . ويبعد من اللّه ، ومن رسوله ، ومن أوليائه ، وإن أقل فائدة ينالها من سلم من الخوض خمود شر النفس ، وقطع طمع الهوى ، وكيدالعدو ، وهذه الثلاثة تورث ثلاثا نورا في القلب ، ومزيدا في العقل ، وغبطة في الآخرة . وقال : ليس العجب ممن تفرد بنفسه ، واعتزالمن الناس فسلم ، إنما العجب ممن ابتلى بالخلطاء ، والمعارف فغنم ، وليس العجب ممن أفاد المال فأنفقه في سبيل البر إنما العجبممن جاد بروحه في ذات اللّه عز وجل . وقال : لا تصلح الغنيمة إلا بعد السلامة ، ولا تثبت السلامة إلا لمريد صادق عالم بدينه عارفبأهل زمانه ، ونفسه ، وهواه ، وعدوه ،

تفضل اللّه عز وجل على عبد يعطيه جزله فقهه في علم إرادته ، وعلم دينه ، ومعرفة زمانه ، ونفسه ، وهواه ، وعدوه فطوبى لمن خصه اللّهبمعرفة باب من هذه الأصول ، وأما جميعها فلا يحكمها إلا واحد من الأربعة الذين هم أوتاد الأرض . وقال : التقوى الكرم ، والفجورالدناءة ، والمروءة الوفاء ، والإضاعة الخيانة . وقال : التقوى خمس : كلمة الإخلاص بعقد شهادة التبليغ للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ،ورعاية صلاة الفرض بحقها ، وفرضها ، وسننها ، وآدابها ، وأداء الزكاة في واجباتها ، وصوم شهر رمضان بواجبه ، وحج البيتبفرض الاستطاعة . وقال : الكرم خمس : السخاء في ذات اللّه عز وجل ، وحسن الخلق ، والائتلاف ، والتعاون ، والتعامل بالحلم عندالإساءة بترك العقاب . وقال : الفجور خمس : المكر ، والخديعة ، والغش ، والخلابة ، والتملق بالكلام دون الفعال . وقال : الدناءة خمس: البخل ، والشح ، والاحتكار ، والفحش ، والسفاهة . وقال : المروءة خمس : حفظ الصديق ، وبذل المال ، والنفس عند القصد ،وصيانة الدين ، والعرض ، وإقامة العذر للناس ، والإغضاء عن السخافة . وقال : الوفاء خمس : المراقبة في المحبة ، والمؤازرة علىالمودة ، والملاطفة على الصحة ، والحفظ على الغنيمة ، وإقامة الواجب بالحضرة . وقال : الإضاعة خمس : العجب ، والتكبر ، والأنفة ،والتغرر

والاحتقار للخواص ، والعوام . وقال : الخيانة خمس : ذهاب الحياء ، وفقد الأمانة ، ورؤية الفضل على الناس ، والمنة ، وغرر الإخوان ،وملالة الأصحاب . وقال : معرفة أصول العلم ، وفروعه المفترض على الناس طلبه البحث عنه ، ولقاء العلماء فيه يفترق على أربع أصوللكل أصل فروع كثيرة فمنهما ما يؤخذ بالتعليم ، ومنها ما يهبه اللّه عز وجل بالتوفيق . وقال : فالأربعة علوم النبي صلى اللّه عليه وسلّمهي أصل كل علم ، وبها قوام كل حال : معرفة التوحيد بأسماء اللّه تعالى ، وصفاته المأثورة عن اللّه ، وعن رسوله عليه السلام ، ومعرفةشرع الدين من الفرض والحدود والأحكام من الكتاب ، والسنة وما يلحق ذلك من الكتاب ، والسنة تركها ظلاله . وقال : ومعرفة علمالصدق في الأخذ ، والعطاء ، والحركة ، والسكون ، والإخلاص في العلم ، والعمل ، والسرّ ، والعلانية ، ومعرفة علم الترهيب ،والترغيب في جميع الأحوال المتعلقة بالفرض الواجب . وقال : واعلم أن لهذه الأصول فروع في التبيين ، واستنباط في التأويل ، ولايجوز ذلك إلا لأهل العلم العارفين بالكتاب ، والسنة المتبعين لدلالات علمهم بالتقوى ، ومعرفة النظائر ، والأمثال ، والأشباه في القصد، والأخذ بغير لين ، والاعتدال ، أولئك الذين أقامهم اللّه أدلاء لعباده في كل زمن ، وجلهم أثقل دينه في كل أوان ، جعلنا اللّه ، وإياكمممن خصه بالاتباع لهم ، والاقتداء بأعمالهم ، والاتسام « 1 » بأفعالهم إنه ولى ذلك ، والقادر عليه ، وصلى اللّه على محمد نبيهالكريم ، وآله وسلّم . * * *

--> ( 1 ) أي الاتصاف بأفعالهم الحسنة النورانية

الجزء الثالث [ مقدمة ] قال : إن اللّه سبحانه بمنه ، وجوده ، وكرمه ، وفضله ، وإحسانه خصّ هذه الأمة بما سبق لهم عنده منالشرف ، والكرامة ، والقدم الصدق في الحقيقة فبعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب ، والحكمة، ويبين لهم دينهم ، ورضى ربهم ، ويذكرهم آلاء اللّه ، ويحذرهم عذاب اللّه ، وينذرهم بطشه ، ويبشرهم برحمته وسعة مغفرته ، وما أعدّاللّه لمن أطاعه ، ولمن عصاه من النعيم المقيم ، والعذاب الأليم في دوام الخلود ، ويخبرهم بما أصاب القرون الأولى بالتكذيب ، ومننجى منهم بالتصديق حتى أكمل اللّه عز وجل لنبيه محمد المعظم المكرم صلى اللّه عليه وسلّم دينه بفرائضه ، وأحكامه ، وحدوده ،وحلاله ، وحرامه ، وترغيبه ، وترهيبه ، وآدابه ، وأخلاقه ، وسيره ، وقصصه ، واعتباره ، وأمثاله ، وتشديده ، وتيسيره ، ثم بين رسول اللّهصلى اللّه عليه وسلّم جمل الشريعة بالسنن الواضحة في الواجبات ، والنوافل ، ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بسبيلهمحمودا شاكرا راضيا زاكيا ، وتولى اللّه عز وجل إقامة الدين ، وتوفيق المؤمنين فكان من ذلك ما أجمعوا عليه من إمامة الخلفاءالراشدين المهديين رحمة اللّه عليهم ، ورضوانه عليهم أجمعين . فكانوا أفضل خلف ، وخير سلف ينذرون عن دين اللّه ، وينيبون عنرسول اللّه ، وينصحون المؤمنين ، وينصحون من يأتي بعدهم من الباقين فلما مضوا لسبيلهم سالمين من الأحداث ، والبدع طاهرينأعقبهم التابعون لهم بإحسان المذكرون قبل خلقهم في محكم التنزيل فتباروا بهديهم وقفوا مناهجهم ، وحذروا البدع الحادثة فيزمانهم ، وتناصحوا فيما بينهم ، وأنذروا المخالفين ، ولم ينسوا المذنبين حتى مضوا لسبيلهم رحمة اللّه

عليهم فأعقبهم من وفقه اللّه لمناهجهم فسلكوا طريقهم ، وبينوا ما درس من أعلام الدين ، وما شبه به الزائغون ، وتفننوا في الحكمة ،والفقه ، وبيان الفروع من الأصول ، والخصوص من العموم ، والمقامات ، والدرجات ، والنقص ، والزيادة ، والعلل ، والحجاج فلم يزلذلك في كل قرن ، وزمان ، والدين يزهو عند أهله ، والحق يبين مع أصحابه ، غير أن أهله يقلون في العدد ، وأهل الشر يزيدون ،وعلى العوام يدلسون حتى أفضى الأمر إلينا ، وقد عفت آثاره ، واندرست أعلامه ، وقلّ العلماء ، وذهب العارفون ، وعدم الموقنونوردت الفائدة على الناصحين ، واستوحش الصادقون لقلة أهل الحق ، وقلّة أهل الصدق ، وظهور المنكر ، واستيلاء الغير ، وخسفالقلوب ، وقلّة الحياء من عمل الذنوب فنسأل اللّه الذي بفضله هدانا الخلاص من زماننا ، وأهله ، والبقاء على دينه ، وشرع نبيه ،ومحبة أصحابه المكرمين ، وولاية جميع المؤمنين على نور هدى عباده المحسنين الذين يعملون بالحق ، وبه يعدلون إنه ولىّ قدير . وقال :أصول الإسلام في الظاهر أربعة : اتباع الأمر ، واجتناب النهى ، وترك الاعتراض بالرأي على السنة ، والأخذ بما اجتمع عليه الأمة . وقال : أصول الإيمان في الباطن أربعة : التصديق بوعد اللّه ، ووعيده ، وهو الصدق ، وإفراد ما كان للّه من فرض ، وسنة ، ونفل ،وهو الإخلاص ، والخوف من اللّه ، والرجاء في عفو اللّه ، وأصول الإحسان أربعة : الصبر للّه على أحكامه ، والشكر للّه على آلائه ،ونعمه ، والرضى عنه ، والتوكل عليه ، ولكل أصل من هذه الأصول فروع كثيرة في البدايات ، والنهايات ترجع إلى أربع في كل أصل ،من أحكم العمل بها

أشرف به العلم إلى غيرها ، وهي مواريث اتباع الأصول الذي منه نطق الصاحب ، والتابع مما روى عنهم من العلم ، والحكمة ،والآداب . فاتباع العلم يورث مزيد العلم ، والمعرفة باللّه عز وجل ، واليقين ، والبصيرة في دينه ، وصحة العقل ، وسعة العلم ، واجتنابالإثم يورث السلامة في الدين ، والصيانة في العرض ، والنبالة في الناس ، ومزيد الحياء ، والتكرم ، وترك الاعتراض على السنة يورثلزوم الاتباع ، واجتناب الأهواء والاستواء ، والرفعة ، والمهابة ، والعفة ، والأخذ بالإجماع يورث الألفة ، والإنصاف ، والنصيحة ،والرحمة ، والصدق يورث الأمانة ، والهداية ، والطاعة ، والانقياد بالمودة ، والإخلاص يورث النور في القلب ، والحكمة على اللسان ،وطهارة السرّ ، وحفظ العلانية ، والخوف يورث الجد ، والاجتهاد ، والحذر ، والإشفاق ، والرجا يورث السماحة ، والمبادرة ، والمسابقة ،والمسارعة ، والصبر يورث التجمل ، والتحمل ، والأناة ، والتؤدة ، والشكر يورث المحبة ، والتواضع ، والتعاطف ، والتراحم ، والرضىيورث الزهد ، والأنس ، والحياء ، والمراقبة ، والتوكل يورث حسن الظن باللّه ، ودوام قرع باب اللّه ، والغنى باللّه ، والافتقار إلى اللّه ، وماعند اللّه خير ، وأبقى للذين آمنوا ، وعلى ربهم يتوكلون . وقال : المؤمنون يعملون باثنين لأجل اثنين يعملون بالأمر ، والنهى للجنة ،والنار ، والمريدون يعملون بثلاث لثلاث : يعملون بالأمر ، والنهى ، والآداب للطهارة من الذنوب ، والنجاة من العذاب ، والفوز بالجنان . والعلماء بالأمر ، والنهى يعملون بأربع لأربع : بالأمر ، والنهى ، والآداب ، والأخلاق للطهارة من الذنوب ، والفوز بالجنان ، والنجاة منالعذاب ، والنظر إلى العزيز الجبار .

والعارفون باللّه يعملون بخمس لخمس : يعملون بالأمر ، والنهى ، والآداب ، والأخلاق ، والصدق في الاتباع للطهارة من الذنوب ،والفوز بالجنان ، والنجاة من العذاب ، والنظر إلى العزيز الجبار ، والانبساط في المقعد عند الكبير المتعال متى أرادوه لا يحجبون ؟ . والعالمون باللّه يعملون بست لست : يعملون بالأمر ، والنهى ، والآداب ، والأخلاق ، والصدق ، والسنة في الاتباع على حسب ماأجراهم اللّه فيه للطهارة من الذنوب ، والفوز بالجنان ، والنجاة من العذاب ، تعبدا للحق ، والنظر ، والانبساط في المقعد الصدق ،والشفاعة لطلب المزيد له ، ولمن أذن له فيه . وأما المتحققون بعلم حقيقة التوحيد فهم يعملون بسبع لسبع في واحدة لواحدة : يعملونبالستة الأحوال تعبدا لجلاله ، وتعظيما لكبريائه ، وعبودية لحقه ، واستعبادا لقدره ، ولألوهيته وحده ، ولربوبيته عزائمه ، وتعالى ذكره . وقال : لقد منّ اللّه عز وجل على المؤمنين ، ولقد أكرم اللّه العارفين ، ولقد زاد في الإحسان إلى الأولياء ، والصديقين ، وكان مما من اللّهبه على هذه الأمة أن أكرمها نبيه المصطفى مختار سبق ذكره قبل كونه ، وعرف ذكره بأخذ الميثاق له قبل من شاركه في النبوة ،والرسالة ثم فضله بأن جعله فاتحا خاتما شافعا مبعوثا بالرحمة للبر والفاجر بشيرا ، ونذيرا للناس كافة صلى اللّه عليه وسلّم ، وطيب، وكرم ثم اشتق اسمه من اسمه ، واختار له صحابة خلفاء بعده اشتق أسمائهم من عيونه ، وجعل لكل واحد منهم في الدين عقدة لاتزول إلا بزوال الدنيا ، ولا تنحل إلا بذهاب الدار فاللّه سبحانه محمود ، ونبيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وأبو بكر عبد اللّه ابنعثمان عين من عين ، وعمر بن الخطاب عين من عين ، وعثمان بن

عفان عين من عين ، وعلي بن أبي طالب عين من عين ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [ الفتح : 29 ] الآية ، فكما خصوا فيالقديم بالذكر ، والتسمية كذلك أكرموا بالإمامة ، والتقدمة ، وجعل لأبى بكر الصديق رضى اللّه عنه الفضل العظيم في قيامه يوم الردّة، ولولا تأييد اللّه له ، وبه لذهب الإسلام ، وجعل لأبى حفص رضى اللّه عنه حكمة في الفىء ، وجعل لأبى عمرو رضى اللّه عنه حكمةفي الكتاب ، وجعل لعلي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه حكمة في قتل الخوارج . وقال : من لم يكن له هؤلاء الأربعة إمام فليس بمحبلواحد منهم بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم هو القبة العليا ، وهؤلاء أعمدتها فمن طعن في الأعمدة أسقط القبة ، ومن لم يحبهمأبغضهم ، ومن أبغضهم فقد أغاضوه ، ومن أغاضوه « 1 » فهو كافر بكتب اللّه ، وشهادته ، وحجته ، ونحن على ذلك من الشاهدين ،والحمد للّه رب العالمين . وقال : من لم يكن له نور في قلب محمد صلى اللّه عليه وسلّم فليس له قدم صدق عند ربه ، لأن اللّه سبحانهجعل قلب محمد صلى اللّه عليه وسلّم معدن الأنوار فكل نبي ، ورسول ، وصاحب ، وتابع أخذ نوره من قلب محمد نبيه لأخذ الميثاق منهله قبل خلقه ، وعرضه عليهم بعد خلقه فمن ثبت له الإيمان في الأصل ، وخلقه اللّه للسعادة ، أخذ نور تصديقه من قلب نبيه صلى اللّهعليه وسلّم بقدر عقله الذي يحتمله في إيمانه ، ومن خلقه اللّه للشقاوة لم يجعل له نورا في قلب نبيه المكرم ، ومن لم يجعل له نورا فما لهمن نور فعلامة من جعل اللّه له النور التصديق برسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلّم في الأمم الخالية ، وعلى هذه الأمة خاصةالتزام العمل بشرعه ، والتمسك بهديه ، وموالاة صحابته ، وأمهات المؤمنين أزواجه ، والطاهرين من أهل بيته رضى اللّه

--> ( 1 ) أي طردوه وكرهوه [ الصحاح : غض

عنهم أجمعين ، فمن اتبع هذا المنهاج فهو على نور من ربه ، وواضح من سبيله ، ومن كان عمله ، وعقده بخلاف ذلك فقد ضلّ عنالصراط لا نور له يبصر به قد اتبع نفسه ، وهواه ، وعدوه « 1 » . وقال : نور كل مؤمن بقدر طهارته ، وطهارته بقدر سلامة قلبه ،وسلامة قلبه بقدر تقويم عقله ، وقوام عقله بتوفيق اللّه له ، وهدايته لسبيله ، ومزيد نور إيمان كل عبد بزيادة طاعته لربه ، ونقصه بقدرمعصيته . وقال : خلق اللّه عز وجل نور محمد صلى اللّه عليه وسلّم قبل خلق السماوات والأرض بألفي عام ، وأقامه أمام العرش يسبحاللّه ، ويقدسه . وقال : ثم خلق نور محمد صلى اللّه عليه وسلّم فوق نور المرسلين ، وخلق نور

--> ( 1 ) روح الإسلام النورانية : قال الشيخ صالح أحمد الشافعي أبو خليل في كتابه « كشف الغطاء عن أهل البلاء » : إن دعوةالنبي صلى اللّه عليه وسلّم لم تغز قلوب القرشيين المتحجرة ب « النص » فقط ، بل العامل الأكبر هو روح « النص » الذي يتمثل فيالنور الذي كان يشع من قلب النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى قلوبهم فينفث قساوتها ويحيلها إلى قلوب حية واعية تلتقط أنوار الإسلامفيسكن في المهج والسويداء ، ويصبح الإنسان ملكا في صورة إنسان وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . إنالصحابة بعد أن تذوقوا هذا النور الذي هداهم إلى اللّه تعالى كانوا يحرصون عليه حرصهم على حياتهم ، فلا يقترفون المعاصيوالمخالفات التي ألفوها من قبل ، خوفا من هروب هذا النور من قلوبهم ، بل إنهم كانوا يفرحون بزيادته ، ويحزنون من نقصانه . فلقدأتى الصحابة رضوان اللّه عليهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وقالوا : يا رسول اللّه ، إنا إذا كنا معك رقّت قلوبنا وأقبلنا علىالآخرة ، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا ، فشممنا نساءنا وأولادنا ! ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلّم : « لو تكونون على كل حال على الحالالتي كنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم » . فإذا خلا قلب من هذا النور كان صاحبه منافقا ، وإذاتناقص صار عاصيا بمقدار هذا النقصان ، وإذا زاد هذا النور وفاض كانت له ولاية من اللّه تعالى وعناية بقدر هذه الزيادة ، حتىإذا امتلأ القلب بذلك النور ، وفاض كان من الأولياء الكمّل المأذون لهم بالدعوة إلى اللّه تعالى على بصيرة الإيمان اه . انظر : كشفالغطاء ( ص 36

المرسلين فوق نور النبيين ، وخلق نور الصديقين دون نور النبيين ، وخلق نور العارفين دون نور الصديقين ، وخلق نور المريدين دون نورالعارفين ، وخلق نور المؤمنين دون نور المريدين ثم فضل بعض المؤمنين في النور على بعض ، كما فضل بعض النبيين على بعض ،وكذلك الصديقين ، والعارفين ، والمريدين ، لأنه سبحانه فعال لما يريد « 1 » . وقال : العلماء باللّه عز وجل يعرفون الناس بأنوارهم ،وسائر الناس يعرفون الناس بأعمالهم فنور قلوب المريدين يظهر على وجوههم فمنهم من يعلو نوره صفرة ، وهو نور الحجب ، ومنهممن يعلو نوره بياض ، وهو نور العرش ، وباطن نورهم الحياء ، والمراقبة ، وظاهره الوقار ،

--> ( 1 ) قال الشيخ صالح أبو خليل الشافعي : الصورة المحمدية الأزلية والنور الذاتي : من كتاب « الإنسان الكامل » للعلامة :عبد الكريم الجيلى : « إن اللّه تعالى خلق الصورة المحمدية من نور اسمه « البديع القادر » وقد ورد في عدد من الأحاديث : أنرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد خلق من نور ، وأن الذي خلق ذلك النور هو رب العزة جل وعلا : وبناء على ذلك فإن بعض المحبينللرسول صلى اللّه عليه وسلّم يردد هذه العبارة : « يا نورا من نور اللّه » . والواقع أن ذلك تعبير عن حبهم ، وامتداحهم للحبيب صلىاللّه عليه وسلّم ولا بأس فيه ولا نكران ، فنحن مأمورون بحبه والاقتداء به صلى اللّه عليه وسلّم . ومن بواعث الإمداد والإمداد بالنور ،فإننا نجد في نفس المراجع صيغة للصلاة على الحبيب صلى اللّه عليه وسلّم ، وهي تحتاج إلى توضيح مع أنها حجرية في تقويةالبصر عند تردادها بكثرة ، وقد تقوى من شحنات النور إلى القلب ، فتقوى البصيرة أيضا لدى العشاق والسالكين طريق النبي صلىاللّه عليه وسلّم على يد عارف باللّه سبحانه وتعالى يكون من المنفوحين من النبي صلى اللّه عليه وسلّم وقد ينعم اللّه عليه برؤيته صلىاللّه عليه وسلّم يقظة ومناما ، وقد أكرمه ربه بسجود قلبه دائما لمولاه ، فما في قلبه إلا اللّه والانصراف عما سواه ، وهذه الصيغة هي :اللهم صلّ على سيدنا محمد النور الذاتي والسر الساري في جميع الأسماء والصفات ، وموقف علماء أهل السنة والجماعة من تلكالصيغة : إن هؤلاء العلماء يقولون : إن أسماء اللّه تعالى على قسمين : أسماء وصفات ، وأن اللّه جلت قدرته ، قد تجلى على نبيناسيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلّم بأسماء الذات ، وتجلى على بقية الأنبياء بأسماء الصفات . ولذا يقال : إن نوره صلى اللّه عليهوسلّم « ذاتي » أي أن اللّه سبحانه قد أفاض عليه بمعرفة أسماء اللّه الذاتية أي التي تتعلق بالذات ، وأن اللّه سبحانه قد تجلى علىالأنبياء السابقين بمعرفة أسماء اللّه الصفاتية . واللّه أعلم . انظر : كشف الغطاء عن أهل البلاء ( ص 69 ، 72 ) .

وحسن السمت ، ونور قلوب العارفين يظهر في أعمالهم ظاهرا ، وباطنا ، فظاهره الجد ، والاجتهاد ، وباطنه وجود الوحشة منالأضداد ، والغيرة بما وجد على الأصحاب ، ونور قلوب العلماء باللّه ، وبأمره ، وبأيامه يظهر في نطقهم ظاهرا ، وباطنا ، فظاهرهالعبادة بالعلم ، وباطنه الإشارة في المكان بالإرشاد ، والدّلالة فمن لم يكن له قسم في هذه الأنوار ، فبابه عن الحقيقة مغلق ، وقلبه عنالخصوصية مقفل إما حجاب لوقت ، وإما علة مقيمة . وقال : لما كان نور الحقيقة في الناس عموما شهد بعضهم نور بعض بالمعرفةفسلموا بالعلم ، واليقين فلما صار نور الحقيقة خصوصا في الناس أنكره الهموم بجهلهم بحالة الخصوص فيلى بعضهم ببعض ،ووقعت المحنة بالجميع ، فمتى فقد النور من الخصوص عظمت الفتنة ، وزاد الاختبار ، واشتدت البلية فلا راحة يومئذ لتارك ، ولا مزيدلطالب ، ولا فائدة لمريد إلا في الصمت عنهم ، والهرب منهم . وقال : الإيمان أصل في العلم له شعب تدور على أربع : فرض ، وسنة ،وترغيب ، وترهيب ، وقوام هذه الأربعة بأربع : العقل ، والفهم ، والفطنة ، والذهن ، وقوام هذه الأربعة بأربع : الإخلاص ، والصدق ،والشكر ، والصبر ، واليقين أصل في الخصوص له شعب تدور على أربع كلها فرض في الجملة على العموم ، وهي : درجة ، ومقامفي الحقيقة للخصوص الثقة باللّه ، والرضى عن اللّه ، والتوكل على اللّه ، والمحبة للّه ، وقوام هذه الأربعة بأربع : الورع عن الشبهات ،والزهد في المباحات ، والإيثار بالجهد ، والتعلق بأزمة الفقر ، وقوام هذه الأربعة بأربع : النصيحة للّه ، والإنصاف لعباد اللّه ، وبثّالدعوة إلى اللّه ، والغنى باللّه . وقال : الناس في طبقات العلم منزلين على قدر عقولهم ، وفهمهم ،

وفطنتهم ، وذكاء أذهانهم ، غرائز ألبابهم ، وشهوات نفوسهم ، وخفة [ أرواحهم ] ، ومحمل ذلك على أهوائهم بحسب الأقسام الجاريةلهم ، والأعمال المكتوبة عليهم غير أن أسعدهم به من أراد به وجه اللّه ، وأحيى دينه ، ونجاة عباده على الإشفاق فيه ، والخوف منإقامة الحجة بعد الجهد في العمل به ، ومنهم من يكون حظه من العلم طلبه برعاية حقه ، ومنهم من يكون حظه من العلم طلبه ، وجمعه، ورعاية حقه ، ومنهم من يكون حظه من العلم طلبه ، وجمعه ، وحفظه برعاية حقه ، ومنهم من يكون حظه من العلم طلبه ، وجمعه ،وحفظه ، ومعرفة المعنى فيه برعاية حقه ، ومنهم من يكون حظه من العلم طلبه ، وجمعه ، وحفظه ، ومعرفة المعنى فيه ، واستنباطه ،ونشره ، وبذله برعاية حقه ، ومنهم من يكون حظه من العلم طلبه ، وجمعه ، وحفظه ، ومعرفة المعنى فيه ، واستنباطه ، وبذله ، ونشرهبوجود بصيرة التمييز لأهله فيعطى كلا من العلم بقدر عقله ، وموضع فهمه ، ومبلغ فطنته ، ولبه ، وكل هؤلاء العلماء ففي حقيقة مندرجات العلم ما لم يميلوا إلى الدنيا ، ويفتنهم ثناء الناس عليهم ، ويحبوا أن يعرف لهم قدرهم ، ويخضع لهم لأجل فضلهم فإن ذلكمما يبطل عليهم أجرهم ، ويعمى عيون قلوبهم وأبصار عقولهم ، غير أن بعضهم أفضل من بعض بمزيد مواهب الحق لهم ، وقد خاب ،وخسر من ضلّ عن مزيد العلم ، وإن كان عالما ، وهلك ، وفتن من زهد في لقاء العلماء ، وإن كان فقيها عالما . وقال : ويل لأبناء الدنيامن العلماء السوء الذين يرخصون لهم في المعضلات ، ولا يزجرونهم عن المحرمات ، وويل لأبناء الآخرة من النساك الجهال الذين لاينصحون لهم في دينهم ، ولا يرشدونهم إلى ما هو أعلى ، وأشرف ، وأفضل في أعمالهم ، أولئك خونة اللّه في عباده

لكل مفتون مضلون لكل مغرور ، بلية على الأغنياء ، محنة على الفقراء ، قطاع طريق أهل الإنابة ، صادون عن الحق لأهل الإرادة . وقال : إذا رأيت الرجل يأخذ من الدنيا كل ما اشتهى ، ويترك من الدين كل ما ثقل عليه ، فاهرب منه ، فإنه محروم ، وإذا رأيته يأخذمن الدين كل ما يشق عليه حمله ، ويقنع من الدنيا بما دنا منها ، ولا يرضى من الدين إلا بأعلاه ، وأفضله فاقرب منه فإنه مرحوم . وقال : أربع ليس منهن خلف : الإيمان ، والعقل ، والعمر ، والأخ في اللّه عز وجل ، وأربع عزائز في الناس الإيثار من قبله ، والانتصارفي الغيبة ، والصدق في المواعيد ، والوفاء بعد الموت . وقال : الإخوان أربعة : أخ كالغذاء ، وأخ كالدواء ، وأخ كالدفلاء ، وأخ كالداء ،فالأول معدوم ، والثاني مفقود ، والثالث موجود ، والرابع مشهود . فعلامة الأول : الابتدال بالابتداء ، وعلامة الثاني الاقتصادبالاحتذاء ، وعلامة الثالث التقرب في محبوبه ، والتباعد عند مخالفته ، وعلامة الرابع انتظار السقطات ، والتقاط الزلات . وقال : هلكفي هذا الزمان من عرفه الناس بالعلم ، والخير ، ولم يعرفهم بالبصيرة ، والفراسة ، وسلم من الناس من لم يعرفهم ، ولم يعرفوه ،وأربح الناس من عرفهم ، ولم يعرفوه . وقال : إذا فخر العلماء ، وفسق القراء ، وسفك السلطان الدماء ، وأخذ على الحكم والحاجةالرشاء « 1 » ، وافتخرت العامة بكسب الحرام ، ولم يغير الخاصة منكرا فهناك وجب الفرار ، ووسع المريد الصمت ، وكان الموت تحفةلكل مؤمن .

--> ( 1 ) أي الرشوة ، وقد لعن الراشي والمرتشى

وقال : فساق هذا الزمان أكثر مروءة في الدين من قرائهم ، وعوامهم أقوى إيمانا من علمائهم ، وجهالهم أكثر تصديقا بالقدرة منأهل القدوة بهم ، وما ذاك إلا عقوبة نزلت بالقوم ، فإن اعتبروا ، وأنابوا ، وإلا زيدت الفتنة عليهم من تسليط سلطان السماء ، وسلطانالأرض في الدين ، والدنيا فنسأل اللّه السلامة من بلاء في مزيد بلا إقلاع ، ولا توبة . وقال : من لم يرث من إيمانه صبرا ، ولا من عملهشكرا ، ولا من معرفته خوفا ولا من يقينه رجاء مع طول أيامه ، واقتراب أجله ، كيف يفلح بعد الأربعين ؟ كيف ينجو بعد الستين ؟ أو لميعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ، وجاءكم النذير . وقال : من لم يورثه عمله خوفا من اللّه تعالى يطرد به خوف عباده ، وورعا يحميه منشبهاته ، كيف يكون صادقا ؟ ومن لم يورثه عمله رجاء يزهد به في دنياه ، وشكرا يؤثر له ، وبه ، كيف يكون عالما ؟ فإن لأهل العلم فيالأخذ ، والعطاء معتبرا لمن عقل ، وإن لأهل المعرفة في المطعم ، والمشرب لزاجر لمن فهم . وقال : الناس في البداية يهربون من الدنيا ،والدنيا تطلبهم في النهاية ، وهم يطلبون الجوع في البداية ، والشبع يطلبهم في النهاية أكثره بلاء ، واختبار ، وأقله موافقة للجبار . وقال : الناس في أخذ المطعم على أربع طبقات : فأكل الجاهل بالغفلة ، وأكل المريدين بالمحاسبة ، وأكل العارفين باليقظة ، وأكلالعلماء بالموافقة ، وهم في الملبس على أربع : فالجاهل يلبس للتفاخر ، والزينة ، والعالم يلبس لستر الحال ، والقدرة ، والعارف يلبسزهدا في الدنيا ، والمريد يلبس ذلا للنفس . وقال : قطع بالعلماء حب الحظوة للمنافسة ، وقطع بالعمال الطمع

في أيدي الناس فإذا اجتمع في العامل ، والناسك فقد هلك ، وهلك الناس على يديه لاقتدائهم به . وقال : لا دين إلا بعلم ، ولا مقام إلابعقل ، ولا درجة إلا بورع ، ولا رتبة إلا بزهد ، وليس في الزهد أقرب طريق من قصر الأمل . وقال : من لم تسارع به الرغبة ، ولم تزجرهالرهبة زهد فيما رغب فيه ، ورغب فيما زهد فيه ، وكان ارتداده عن طريقته سببا لعمى قلبه ، وصدا لأبناء جنسه . وقال : إذا أردت أنتعرف عقل المبتدئ فانظر كيف حذره ، وخوفه ، وورعه ، وقناعته ، وترك ما لا يعنيه ، وإن أردت أن تعلم علم المتناهى ، فانظر كيف ظنهبربه ، ورجاؤه فيه ، ونصيحته للخلق ، ورحمته لهم ، وغناه باللّه عز وجل ، أفسد العلماء الجهال حين نسوا نعمة اللّه عليهم في العلم ،وأفسد الأغنياء الفقراء حين غفلوا عن شكر اللّه فيما أولاهم . وقال : آفة العلماء نظرهم إلى أنفسهم ، وآفة الأغنياء نظرهم إلى ما بينأيديهم ، وآفة الفقراء نظرهم إلى ما بيد غيرهم ، وآفة المريدين نظرهم إلى أعمالهم ، ولو نظروا إلى فضل اللّه تعالى ، ومنته ، وجوده ،وكرمه ، وإحسانه إليهم ، وعطفه عليهم لافتقروا إليه في نفس غنائهم ، فخضعوا ، وذلوا ، وتواضعوا ، وأشفقوا خوف السلب في نهايةعلمهم ، وغاية جهدهم ، واجتهادهم ، وهذا العلم خصوص للخاصة لا يجد طعم حقيقته إلا عالم عارف بصير موفق . وقال : إذا كانتبداية الحدث النظر إلى نفسه ، والزهو على شيخه ، كيف يفلح ؟ لا أو يزيد به البلاء حتى يعنفه ، أو يعجزه ، ويزدرى به ، ويحتقرهفهناك عمى القلب ، وانطماس الفهم ، واختبال العقل ، فلو أنزل إليه ملك من السماء يخبره عن ربه أن الحق في خلاف ، ما هو

نزع عنه . وقال : إذا رأيت المبتدئ قد لبس ثوب المهنة ، وارتدى بالتواضع ، فاعلم أنه مصطنع ، وعلامة ذلك مزيد عقله بزيادة علمه ،ومزيد خشيته بمزيد معرفته ، فزيادة سلامته بزيادة يقينه . وقال : سلك اللّه عز وجل بنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم كل درجة ، ومقام، ورتبة ، وحال في الضيق ، والسعة ليكون للخاصة ، والعامة إماما وعلما ، وأسوة ، وقدوة في الرخصة ، والشدة ، وكذلك فرّق رسولاللّه بين أحوال أصحابه رضى اللّه عنهم في الفضل ، والخصوصية في الدرجات ، والمقامات ، والهمم ، والمقاصد ، والأخذ ، والترك ،والإيثار ، والادخار ليكونوا بعده أئمة ، وقدوة لأهل البداية ، والنهاية ، والخصوص ، والعموم ، ولا يعرف ذلك إلا بالطلب ، والبحث ،ولقاء العلماء النصحاء الصادقين الرحماء . وقال : الصبر مقرون بالتقوى ، والتقوى مقرون بالمخرج ، والمخرج مقرون بالرضى ،والرضى مقرون بالتوكل ، والتوكل مقرون بالكفاية ، ولا ينال الصبر إلا بالمجاهدة ، ولا ينال التقوى إلا بالمكابدة ، وأما الرضى ،والتوكل بالحقيقة فهما مدخولان على العبد خصوصية من الحق بغير تكلف . وقال : من ظن أنه يجد روح الاستعانة باللّه عز وجل قبلخروج اليقين من الحول ، والقوة ، وردّ المشيئة بالتفويض في أوائل الأمور ، وأواخرها إلى اللّه عز وجل قطع به دونها ، ولم يلحقهاستعانة الرضى ، فإن تم له ما يريد فإنما ناله بفضل اللّه ، وتوفيق الأقسام الجارية من الحق ، ومن طمع في وجود الوقوف مع الهمومقبل المحاسبة ، والرعاية ، والعناية فهو متمن غير واجد للحقيقة في بصيرة في دينه ،

وجد من ذلك حالا فإنما هو لحظة ، ودنياه لا لآخرته ، ولا لخالص عبوديته . وقال : كم تارك للدنيا ببدنه ، وهو راغب فيها بقلبه ، وكمراغب فيها ببدنه ، وهو تارك لها بقلبه ، وكم من عالم في الناس منسوب إلى العقلاء ، وهو جاهل في فعله معدود في الحمقاء بعمله ،وكم من جاهل عند الناس أحمق في فعله ، وهو عالم عند اللّه ، يفهمه عاقل عنده في فهمه علمه غنى الظاهر فقير الباطن ، وفقيرالظاهر غنى الباطن ، وقد يكون غنى غنى ، وفقير فقير كعالم عالم ، وجاهل جاهل ، وعاقل عاقل ، وأحمق أحمق ، خاصة عند اللّه عزوجل من الناس أهل الإيمان ، وخاصة أهل الإيمان العلماء ، وخاصة العلماء العارفون ، وخاصة أهل المعرفة العقلاء ، وهم العلماء ،وخاصة العلماء العارفون ، وخاصة أهل المعرفة العقلاء ، وهم العلماء باللّه ، العالمين بأمره ، ونهيه ، وإن قلت روايتهم ، وقل في العلمنطقهم ، وحمل في الناس ذكرهم ، فبالإيمان تنال النجاة من النار ، وبالعلم تنال الدرجة في الجنان ، وبالمعرفة يقرنون في المقعد ،وبالعقل يفهمون عن اللّه الإشارة ، ويؤذن لهم في الشفاعة . وقال : لقد خص اللّه عز وجل العلماء بفضيلة لا يشركهم فيها غيرهم ، أناللّه يعبد بفتياهم ، ويعرف حلاله ، وحرامه بهم غير أنهم مطالبون بشكر النعمة مدفوعون لوجود كل فتنة ، ومحنة حادثة ، وبدعة ، ولقدخصّ اللّه عز وجل أهل النسك من العلماء العارفين بفضيلة لم يشركهم فيها غيرهم ، وهب لهم الخلوة به ، والمناجاة له ، والإقبال عليه ،والتعلق به ، والفقر إليه ، والغنى به ، وراحة القلب ، والبدن ، وأنزل بدعائهم الغيث ، وصرف بهم المكاره ، وعافاهم من ظلم جبابرةالأرض ، وسلمهم من مطالبة الخلق يوم القيامة ، وكل الخلق موقوفون

بين الجنة ، والنار يسألون ما أرادوا ، ومن أين قالوا ؟ ولأىّ شئ جمعوا ؟ وفي أي شئ أنفقوا ؟ . وقال : من جهل العالم ، وحماقةالناسك بزمانه ، وأهله كثرة كلامهم معه ، وأنسه بهم ، وطلب الدنيا منهم ، ومن معرفة العالم ، وعقل الناسك معرفته بوقته ، واستحاشهمن أهل زمانه ، وقطع طمعه مما في أيديهم . وقال : لما نفر الأحمق قبل المعرفة ازداد جهله ، فلما لم يرفع به رأسا طلب العلم للناسكي يرتفع قدره ، فلما لم يرتفع به رأسا أخذ في الأحداث والبدع حتى قيل : قال فلان ، فويل له من يوم تبلى فيه السرائر يوم تجازىفيه كل نفس بما عملت . وقال : تقارب الناس لتقارب عقولهم فلا طالب راغب في النجاة ، ولا عالم زاهد في الدنيا ، ولا قارئ مفارقلدواة ، ولا مريد قاصد إلى مولاه قد نزع من الأحداث أثواب الحيا ، وكسى الشيوخ أردية العمى المسالم لهم مأكول لحمه ، والمحاربلهم مسلوب دينه ، والمداهن لهم لا عيش له ، ولا دين . وقال : من رأى نفسه في معنى من القوة تناول العجز بمدلهمات الجهل ، ومنشهد الضعف ، والتقصير في حق اللّه عز وجل جنى ثمار التأييد من شجر المواهب . وقال : علامة من عرف نفسه بالضعف إسقاطاللوم عن الخلق لحظة ، وشدة قيامه في حق اللّه عز وجل ، وعلامة من ادعى القوة التريض فيما كان للّه ، وهيجان الغضب فيما كانلنفسه . وقال : من عرف ربه أطاعه ، ومن عرف جهل نفسه ، لم يأتمنها

شئ من أخلاق عقله . وقال : عظم جهل من علم علما يبتغى به الآخرة فلم يعمل به ، وهو جاهد في الزيادة منه للدنيا ، وجلت مصيبةمن كثر تطوعه ، وهو مضيع لفرضه من العلم الذي لا قوام للعمل إلا بعلمه . وقال : كم من حامل علم محجوب العقل عن فهمه حظه منعلمه حمله ، وكم من عامل بغير أصل ، ومعرفة حظه من عمله كدحه ، وتعبه . وقال : إنما سعد بالعلم ، والعمل أهل الصدق في الاتباععلى رؤية التقصير في الجدّ ، والاجتهاد . وقال : من كان همه ، وكدّه ، وشدته التعلق بالفروع ضلّ عن فهم معاني الأصول وحجبقلبه عن وجود العلم النافع الذي ينال به الوصول ، ومن كان همه ، وكده ، وشدته التعلق بالأصول كوشف بمعرفة الغرائب من العلوم ،وفقه في الفروع . وقال : لما طبعت النفس على الجهل صارت الأنفس ممزوجة بالبلاء ، والابتلاء اختبارا ، وامتحانا في العلم ، والجهل، والغنى والفقر ، والطاعة ، والمعصية فمرحوم بالتأييد محفوظ من العدو ، ومتروك مخذول أسير بيد عدوه . وقال : خلقت الدنيا علىالاختبار لأهلها وتعلّق الخلق بها على الجهل بآفاتها فعاشوا فيها حيارى ، وخرجوا منها سكارى ، وقدموا على اللّه مفاليس من البرإلا من أحياه اللّه بالعلم ، والإيمان ، وآواه إلى درجة المعرفة بالإحسان . وقال : من لم يسكن نور الإيمان ، والعلم ، والمعرفة في قلبه ،

يعتبر بغيره خيف عليه في آخرته ، ومن لم يعتبر في غيره لم يحفظه الحق من أربع خسر عمره ، وخيف عليه في آخرته من نفسه ،وهواه ، وعدوه ، ودنياه . وقال : من أدب أبناء الدنيا في ابتغاء الألفة لإخوانهم الكف عما لا يمكن ذكره ، ومن أدب أبناء الآخرة فيابتغاء الموافقة لربهم البذل لكل ما أمكن فعله . وقال : حرام محرم على حمله حجة الحق ، وإثقال أهبة الذين إن بذلوا لطمع دنيا بدين، أو يهابوا غير ربهم ، أو يكتموا النصيحة لأجل مخلوق ، أو يوالوا في اللّه من كذب بقدرة ، أو تعادوا في اللّه من صدق بقدرته . وقال: من لم يتب من غضبه لنفسه على من نصحه في دينه عوقب بثلاث ، وفي واحدة منهن هلاكه : مقته للناصح ، وإعراضه عن النصيحة، وتقديم محبة الإثم على البرّ ، والشر على الخير ، والنقص على الزيادة . وقال : كما أن من عقل عن أخذ دوائه حتى استحكمت علته، كاد ألا يبرأ داؤه ، كذلك من أخّر التوبة حتى ينزل به الموت ، وقد أحاطت به خطيئته . وقال : أعقل الناس من ترك ما يضره لما ينفعه، وأعقل أولئك ، وأعرفهم بنفسه ، وأعلمهم بدينه من حفظ لسانه ، وضبط بطنه ، وأعقل أولئك ، وأعرفهم بنفسه ، وأعلمهم بدينه منعرف زمانه ، وبادر أيامه ، وسلم الناس من شره ، وأعقل أولئك ، وأعرفهم بنفسه ، وأعلمهم بدينه من ترك الجهل للعلم ، والخطأللصواب ، والشك لليقين ، والدنيا للآخرة .

وقال : ليس للعالم الصادق راحة مع الطالب الفاجر ، ولا للعارف الموقن فائدة مع العالم الجاهل ، وذلك أن الفاجر يقول في عام العلم ،ومن لا يعرف هذا ، وهو قد انسلخ من علم معناه ، وما يراد به ، وكيف السلامة فيه ، وما يلحقه من الآفات ؟ والعالم الجاهل يقول فيخاص العلم ما أدرى هذا إن سلم من الكفر به ، فالأول مدّعيا ، والثاني منكرا ، وعقوبة الأول التعاطي بالإعجاب ، وعقوبة الثانيالرمز « 1 » ، والتخطى . وقال : ويل لأهل الجحد للعلم ، والإنكار للقدرة ، ما ذا يلقون غدا من التوابيخ ؟ وويل لهم المساكين ، ما ذايحرمون من الدرجات ؟ وقال : لما جفوت منعت ، ولما أعرضت طردت ، لو كان لك مقدار في العلاء تذللت ، وتواضعت للعارفين العلماء ،وقبلت نصائح الأبرار العقلاء ، واللّه أعلم . وقال : عوقبت بالجفاء ، والتغير حين أعرضت عن عيون الحق ، ومنعت الحياء حين اتبعتالهوى ، وعدل بك عن طريق السعادة حين أصررت على أعمال أهل الشقاوة . وقال : من ظن أنه بعمله يصل قطع به ، ومن توهم أنهبعلمه ينجو هلك ، لأن العمل ، والعلم موهبة ، ومنّة فإذا أخذ الواهب عطاءه فما يبقى للعبد عند مولاه إلا أن يعترف بعجزه ، وتقصيره ،فيقول : لا نجاة لي من عذابك إلا بعفوك ، ولا فوز لي بجوارك إلا برحمتك . وقال : أصول كل مقام ، ودرجة ، وحال ، ورتبة في البداية ،والنهاية ، والحقيقة ، والحق الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة ، ووجود العلم النافع بثلاث : العقل ، والفهم ، والفطنة ، واكتساب العلمالنافع بثلاث :

--> ( 1 ) أي الإشارة بالابتلاء [ صحاح : رمز

الخشية للّه ، والورع في دين اللّه ، والزهد في الدنيا . وقال : وأصول العمل بالعلم النافع ثلاث : الصدق ، والصبر ، والإخلاص ،وصلاح العمل بالعلم النافع ثلاث : الاقتداء ، والاتباع ، وأخذ الحلال ، وصفاء العمل بالعلم النافع ثلاث وبه يستوجب الزيادة : معرفةالمنة بالقلب ، وشكر النعمة بالبدن ، وردّ الحول ، والقوة فيه إلى اللّه بشهود التقصير بعد بذل الحمد للّه عز وجل . وقال : لا يزكو علم ،ولا يطيب عمل إلا بخمس : أن يكون أصله إخلاصا في التوحيد ، وفرعه اتباعا في سنة ، وباطنه شهود التقصير ، وظاهره القصد ،والتؤدة ، نهضت به جوارح طاهرة من الإثم بقوة مكتسبة من حلال « 1 » .

--> ( 1 ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه : وكان من أعظم ما أنعم اللّه به عليهم - السلف الصالح - اعتصامهم بالكتابوالسنة ، فكان من الأصول والمتفق عليها ، أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن . لا برأيه ولابذوقه ، ولا بعقله ولا قياسه ، ولا وحده ، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم جاءبالهدى ودين الحق ، وأن القرآن يهدى للتي هي أقوم : فيه نبأ من قبلهم ، وخبر ما بعدهم ، وحكم ما بينهم ، هو الفصل ليس بالهزل ،من تركه من جبار قصمه اللّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه ، هو حبل اللّه المتين وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ،هو الذي لا تزيغ به الأهواء . ولا تلتبس به الألسن . فلا يستطيع أن يزيغه إلى هواه ، ولا يحرف به لسانه ، ولا يخلق على كثرة الترداد . . فإن ردّد مرة بعد مرة لم يخلق ولم يمل كغيره من الكلام ، ولا تنقضى عجائبه ، ولا تشبع منه العلماء ، من قال به صدق ، ومن عمل بهأجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعى إليه هدى إلى صراط مستقيم . فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به ، ولهذا لا يوجد في كلامأحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأى وقياس ، ولا بذوق ووجد ومكاشفة ، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل ، فضلاعن أن يقول : فيجب تقديم العقل ، والنقل ، يعنى القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين - إما أن يفوض وإما أن يؤول ولا فيهممن يقول : إن له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث ، فضلا عن أن يدعى أحدهم أنه يأخذ من حيث الملكالذي يأتي الرسول ، وأنه يأخذ من ذلك المعدن علم التوحيد . والأنبياء كلهم يأخذون عن مشكاته ، انظر : الفرقان بين الحق والباطل (ص 35

وقال : ذهب أهل الفطنة ، والفهم إلى العلم ، وذهب أهل الهمم ، والمسارعة إلى العمل ، وإنما بقي مع الناس التصديق ، والنية ،والمحبة ، وحق على اللّه عز وجل لمن اتبع صدقه القيام بأمره واتبع نيته ، ومحبته النصرة ، وكفّ الأذى إلى أن يلحق بالأولين ، ويضععنه ما قصر من حقه . وقال : كان الناس يحفظون بالعلماء العارفين العمال الصادقين ، فذهب زمان العلماء ، ثم حفظوا في العارفين، ثم ذهب العارفون ، وحفظوا في العاملين ، ثم ذهب العاملون ، وبقي زمان الصدّيقين ، ثم يأتي بعده زمان الإنكار على أهل الحق ،ثم زمان يقتلون فيه على الحق ، ثم زمان لا يعرف فيه إلا الباطل ، وهو زمان الأشرار الذي تقوم عليهم الساعة . وقال : إذا أنعم اللّه عزوجل على عبد بثلاث فما يبالي ما فاته من الدنيا ، صحة الإسلام ، وصحة الأجسام ، وصحة العقل المتبع لدلالات الرشد ، وإذاأعطى العبد ثلاثا بعد ما فقد أجزل له صلاح في القلب ، وسلامة في الصدر ، وعفاف في الدين ، وإذا أعطى بعدها ثلاثا فقد جمعله خير الدارين معرفة بنفسه ، وسعة في خلقه ، ورضا عن ربه . وقال : لما أطاعوه فتح لهم الدنيا ، فلما أرادوه منعهم منها ، فلماأحبوه سترهم عن الخلق ، فلما آثروه حجبهم عن رؤية فعلهم ، فلما افتقروا إليه أغناهم ، فلما أغناهم فتق غواشى أفهام فطن عقولهمبعد أن طهر أسرارهم فصارت هناك علومهم من كتابه غيبية ، وآدابهم حجبية ، وشواهد أحوالهم لدنّية ، هم الذين إن نطقوا فعنه ،وإن صمتوا فبه ، كذا من تولاه الحق بترك مراعاة الخلق . وقال : زهد الناس في طلب علم الأمر ، والنهى ، وذلك لجهلهم

بالواجب للّه عليهم فعوقبوا بطلب الدنيا من غير وجهها ، وإقامة الفروض بغير حقها ، ورغب العلماء بالأمر ، والنهى فيه لكشفه لهملإقامة الحجة به عليهم ، وزهد العلماء بالأمر ، والنهى في معرفة علم اليقين لأنه مغطى لا يجده إلا مخصوص من الأولياء . وقال :أفضل الناس أطوعهم للّه عز وجل يعلم الأمر ، والنهى على الصدق والإخلاص ، وأعلاهم درجة أهل اليقين بالخوف ، والرجاء ،وأشرفهم مقاما أهل المعرفة بالصبر ، والشكر ، وأقربهم رتبة أهل العلم باللّه ، والمعرفة به ، واليقين في ذاته ، والاتباع لأمره ، ونهيهبشرط علم كل مقام ، ودرجة على الإنصاف للحق ، وبذل النصيحة في الخلق ، وهؤلاء الذين ضلّت مقاليد إبليس عندهم ، وهزم خيله ،ورجله قبل قتالهم ، ومن سواهم إشراك للعدو ، وخدام للأنفس ، وكلاء للهوى ، وإن كانوا في مدارسة الكتب ، ومذاكرة الحلال ،والحرام ، ومباشرة الجدّ ، والاجتهاد . وقال : مقام الخاصة للّه عز وجل في العبودية على باطن تعبد للّه لإيجاب حقه عليهم ، وظاهرهعبادة اللّه الواجب عليهم ، ومقام العامة في التعبد على باطن لإيجاب ما عنده ، وظاهره للزيادة من فضله ، فالأول : مريد سالم ،والثاني : مريد مبتلى معرض لسهام العدو ، والنفس ، والهوى . وقال : إخلاص الباطن بموافقة الظاهر في الفرض ، والنفل فرضعلى العامة ، والعمل بواجب الحق للّه عز وجل فرض على الخاصة . وقال : هم يجلونه إن يدعوا فضلا هو له ، وهم يعظمونه إن يريدوامعه شيئا سواه هذا حق الربوبية على العبيد في العبودية . وقال : أول الطريق إلى اللّه عز وجل التصديق في الإيمان

والإخلاص في الأعمال طلب العلم بالأدب ثم التدبر للعلم ، ثم التفهم للعلم ، ثم البحث على الصحة في العلم ، والعمل ثم الدعوة إليه ،ثم النصيحة له ، ثم الصبر عليه . وقال : إنما هو تعلم ثم تدبر ، ثم تفهم ، ثم تفكر ، ثم اعتبار ، ثم فطنة ، ثم تذكر ، ثم يقين ثم خوف ،ثم رجاء ، ثم صبر ، ثم شكر ، ثم حياء ، ثم حب ، ثم شوق ، ثم رضاء ، ثم توكل ، ثم إعظام ، ثم إجلال ، ثم هيبة ، ثم فناء ، ثم بقاء ،ثم وجود ، ثم شهود ، ثم حضور ، ثم غيبة ، ثم مناجاة ، ثم حنين ، ثم ارتياح ، ثم سلو ، ثم فقد ، ثم صحو ، ثم ظهور ، ثم ظفور ، ثمإيثار ، فمبرز لأهل السماء ، ومبرز لأهل السماء ، والأرض ، ومبرز للخصوص ، ومبرز للخصوص ، والعموم ، وهم أهل الحجة . وقال :تذكر بيقظة خير من عمل بغفلة ، وتفهم بفطنة أعلى من تذكر بيقظة ، ومعرفة بيقين أشرف من تفهم بفطنة ، وعلم بتوحيد أجل منمعرفة بيقين ، وعمل للتعبد أرفع من عبادة للخصوص ، ومستعمل للعبودية أسنى من عمل للتعبد . وقال : من رأى نفسه في العلمحجب عن وجود المعرفة بالحقيقة في العلم ، ومن رأى نفسه في العمل حجب عن وجود الحقيقة في الأدب ، وعقوبة الأول سكونه إلىالدعاوى ، وعقوبة الثاني العجب . وقال : إذا لم يكن المعلم تحت المتعلم في التواضع له قل نفع الناس به ، وإذا لم يكن التعلم أرضىللمعلم قل نفعه بما يعلم . وقال : عقوبة المعلم في التأديب من اللّه عز وجل أشدّ من عقوبة الجاهل في المعصية ، فإن تاب انجلتالعقوبة ، وإن دام البلاء تضاعفت

العقوبة ، وإن لم ينتبه اتصلت النقمة باتصال ميدان الحسرة على الإقرار بالمعرفة . وقال : أبناء الإرادة في البعض يحبون استعجالالنعم في الدنيا ، وأهل المعرفة يحبون تأخيرها للآخرة ، وأهل العلم باللّه ، وبأمره ، وأيامه لا يحبون إلا ما أحبه اللّه رضى ، وموافقه للّه، ورسوله . وقال : من تهاون بحرمات اللّه ، وإقامة فرضه سلط اللّه عليه من يضيع فيه حقه ، وحدوده ، ومن خالف اللّه عز وجل فيطاعة رسوله عليه السلام خذل عن النصر بالدّين ، والانتصار للّه ، ولرسوله ، وللمؤمنين . وقال : أصبح الناس سكارى من حب دنياهملإيثارهم لها على آخرتهم ، وأمسوا حيارى في دينهم لفقد الأدلاء الصادقين الناصحين لربهم . وقال : أكرم اللّه عز وجل أهل التصديقبالقدرة بمكاشفة القدرة ، إما بعيان يزداد به يقينهم ، وإما برؤية منام يتزيد به إيمانهم . وقال : كان الناس في مكاشفة القدرة عمومافلما تغيرت أسباب الدين في الاتباع حجبت عنها العموم ، وظهرت للخصوص فلما وقع التكذيب بها منع منها الخصوص في اليقظةإلا ما شاء اللّه ، فإذا عم التكذيب رفعت ، فطوبى للمصدقين بها في ذلك الزمان . وقال : درجات فناء أهل البقاء من العارفين على قدرمقاماتهم في وجود البقاء ، ومقامات أهل البقاء في البقاء على قدر مقاماتهم في وجود البقاء فمن أهل الفناء من يفنى مما حرم عليهببقاء ما أحل اللّه له ، ومنهم من يفنى مما أحل له ببقاء رؤية ، ترك ما أبيح له ، ومنهم من يفنى من رؤية ما أبيح له لبقاء رؤيته الملكببقاء رؤية الآخرة ، ومنهم من يفنى

رؤية الآخرة ببقاء رؤية اللّه عز وجل ، ومنهم من يفنى برؤية اللّه ببقاء رؤية حظه من اللّه ، ومنهم من يفنى من رؤية حظه من اللّه ببقاءرؤية ما أبقاه الحق له من شهوده للحق ، ومنهم من يفنى من رؤية ما أبقاه الحق له من شهوده للحق ببقاء ما أشهده الحق منه فيشهوده فغاب بمشاهدة الحق له عن شهوده للحق ببقاء ما أبقاه عليه الحق للحق فحينئذ يقوم بتوحيد الحق للحق على صفات العبدبفنائه في فنائه بالحق للحق . وقال : إن اللّه سبحانه لم يخل الأرض من الأولياء ، إما قائم للّه بحجة في الدين ، وإما مدفوع به عنعبادة البلاء الذي ينزل به قطر السماء ، ثم هم في رتب ، ودرجات ، ومقامات فمنهم خصوص ، وعموم في الخصوص لقدر غرائزعقولهم ، ومنتهى مقاصدهم فعموم الأولياء الصالحين من المؤمنين الذين صلحت أحوالهم فيما بينهم ، وبين الناس ، وأخلصوا للّهالدين ، والدعوة بصدق الورع ، والاتباع للسلف ، وخاصة الأولياء الزاهدين في الدنيا فقصر الأمل على اجتماع بالأمر ، والنهى ،والعمل بالمعرفة ، واليقين بالبصيرة ، ثم تفرقت بهم الأحوال من هذا المقام فمنهم نجيب بالحياء ، والمراقبة ، ومنهم نقيب بالمحبة والإيثار، ومنهم أبدال بالرضى ، والتوكل ، ومنهم أوتاد بعلم التوحيد ، وآداب الدعوة ، ومنهم قطب فمن إفراده الحق بحالة مدار حال الأولياءكلهم ، عليه ، ومن حاله يأخذ كل ولى علم حاله ، وإن لم يره ، ويلتقى معه لأن الأحوال في مقامات الإيمان ، ودرجات اليقين مجموعةفيه فالصالحون كثير مخالطون للعوام لصلاح حال الناس بهم في دنياهم ، والنجباء في العدد أقل منهم ، وهم مخالطون للعواملصلاح الناس بهم في دنياهم ، ودينهم ، وآخرتهم ، والنقباء في العدد أقل منهم ، وهم مخالفون للخواص لمزيد أحوال الناس بهم فيبركات الدين ، والدنيا ، والأبدال


في 

العدد أقل منهم نازلون في الأمصار العظام لا يكون منهم في المصر إلا واحد بعد واحد ، فطوبى لأهل بلدة كان فيها اثنان ، والأوتادواحد باليمن ، وواحد بالشام ، وواحد بالمشرق ، وواحد بالمغرب ، واللّه سبحانه يدير القطب في الآفاق الأربعة من أركان الدنيا كدورانالفلك في أفق السماء ، وقد سترت أحوال الغوث ، وهو القطب عن العامة ، والخاصة غيره من الحق عليه غير أنه يرى عالما جاهل أبلهكفطن تاركا آخذا قريبا بعيدا سهلا عسرا أمنا حذرا ، وكشف أحوال الأوتاد خاص للخاصة ، وسترت عن العامة ، وكشفت أحوالالبدلاء للخاصة ، والعامة ، وسترت أحوال النجباء ، والنقباء عن العامة خاصة ، وكشف حال بعضهم لبعض ، وكشف حال الصالحينللعموم ، والخصوص ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا ، وعدّة النجباء ثلاث مائة ، والنقباء أربعون ، والبدلاء قيل ثلاثون ، وقيل : أربعةعشر ، وقيل : سبعة ، وهو الصحيح ، واللّه أعلم ، والأوتاد أربعة ، فإذا مات القطب جعل مكانه خيار الأربعة ، فإذا مات أحد الأربعةجعل مكانه خيار السبعة ، فإذا مات أحد السبعة جعل مكانه خيار الأربعين ، فإذا مات أحد الأربعين جعل مكانه خيار الثلاث مائة ،فإذا مات أحد الثلاث مائة جعل مكانه خيار الصالحين ، فإذا أراد اللّه أن يقيم الساعة أماتهم أجمعين . وقال : اعرف ربك من جهةحقيقة تصديقك ، ثم اعرف دينك من جهة صفاء إخلاصك تكشف لك المعرفة شواهد البيان ، ويريك اليقين فوائد البرهان ، واعلم أنكلن تلحق بالقوم حتى يحكم فرضك ، وتحفظ حدود ربك ، وتجاهد نفسك ، وتكون قواما للّه بالقسط كما أمرك ، ولن تدخل بستانهم ، ولنتجنى ثمار حكمتهم حتى تعرفهم بعد وجود بركات إدراكهم

وقال : اصحب من يزيد بآدابه عقلك ، واطلب من العلم ما تنمو به معرفتك ، واعمل على يقين بالرحلة ، وخذ من الدنيا ما لا حساب فيهعليك في الآخرة ، ثم لا تأسف على ما فاتك بعد ، فإن أصول البر ، وشعب الإحسان ، في يدك . وقال : اصحب العلماء ، وخاللالأتقياء ، وخادن العارفين ، واعتمد على الموقنين ، وأنا ضامن لك بالنجاة ما لم تستأكل بهم دنيا ، ولم تخالفهم في دين . وقال :الشيخ قاتل صاحبه ، والبخل فاضل أهله ، وإنما يتبين الناس عند العدم ، والوجود ، والرضى ، والغضب ، والخوف ، والأمن ، والمحبة، والمبغضة ، والرغبة ، والزهادة . وقال : من بخل عن اللّه عز وجل بماله ازداد في الدنيا فقرا ، وفتح عليه من الحرص ما يضر بدينهوعرضه ، ومن شح عن اللّه ببدنه تزيد باللّه جهله ، وعلق عنه من الفهم ما ينقص به عقله ، وفهمه ، ولبه . وقال : السخاء بالعرض فيسبيل الحق شاهد بزوال الشح عن أهل الأموال ، والسماحة بالروح في ذات اللّه شاهد لذهاب البخل عن أهل الإرادة . وقال : لميقبلهم حتى كفوا أذاهم عن الخلق ، ولم يرضهم حتى رفضوا التهمة عنه . وقال : لما تطهروا من الظلم ، والتبعات أغناهم به ، وأقبلبالقلوب عليهم فلما آثروه ضن بهم عن العوام ، وأفقرهم إليه . وقال : حين علموا أنه مولاهم بالحقيقة توكلوا عليه ، فلما أيقنوا بحسننظره لخلقه ، واختياره لعباده سلموا له قضاءه ، ورضوا عنه في

أحكامه ، وقبلوا منه مرادهم فرضىّ عنهم ، وأرضاهم ، وطهرهم في دار البلوى بالامتحان كىّ يجعلهم حجة له على أهل الصحة ،والطول ، والثروة . وقال : كل حال ، وعلم ، وعمل مستعار لا مكث له في الناس ، وإن تحركت به الألسن ، ولا نفع له عند اللّه ، وإنظهر بره للعوام . وقال : الرياء يزول ، والتصنع يذهب ، والمباهاة تضمحل ، والدعاوى تنحل ، والصدق ببقاء ، والإخلاص يدوم ،والإنصاف ينمو ، والنصيحة في مزيد ، ونهاية ، وعاقبته جميلة . وقال : الشهرة قاتلة لكل ضعيف ، والإخمال ناقص لكل قوى ، ومنعرف النعمة عليه بالحقيقة من ربه لم يضره ثناء الناس عليه . وقال : من أحب أن يذكر عند الخلق فهو معلول إلا ذكر اللّه موجود فيه للّه، وشكره ، وفخره للّه مبذول ، وصبره ، واصطباره ، وصبوره فيه غير ممنوع . وقال : ليس لكل متكلم بالعلم عالم ولا عامل بالجد ،والاجتهاد عابد ، ولا كل صامت سالم فاطلبوا معرفة المراد في العلم ، والعبادة ، والصمت ، والحركة ، والسكون بمعرفة أنفسكم ،وابحثوا على القصد ، والهمة تجدون مواريث الأعمال ، وبركات العلم في مزيد الأنوار ، فإن قبلتم نلتم المزيد بالعون ، وإن طردتمتركتم مع العدو ، والهوى ، والنفس فلا ترضوا بالإقامة على الجهل فإن فضل اللّه قريب ممن أناب ، واعترف . وقال : لا ملجأ ، ولا مفرّ، ولا زوال ، ولا حيلة ، ولا احتيال الرقيب قائم عليك ، والحفظة يراعون عملك ، والشهود إن أنكرت منك عليك اعرف أين أنت من العلم ؟ومن معك من الكرام الكاتبين ؟ وإلى

تريد ؟ وعلى من تقدم ؟ فكأن قد جاءك من أمر اللّه ما لا دفاع له ، وعاينت الأعمال ، وجزيت بالأفعال ، وانصرف الفريقان سعيد إلىالجنة مسرور ، وشقى إلى النار مثبور . وقال : اصنع وجها واحدا بالصدق ، والصحة ، والاتباع تريد به وجه مولاك يكفيك كل الهموم، والوجوه من أمر آخرتك ، ودنياك . وقال : ما أكثر أهل الدعاوى في طلاب الآخرة ، وأقل الصحة في أبناء الإرادة ، وما أكثر التدليسبطلب العلم ، وأقل الانتصاف في المتشبهين بالعلم ، وما أكثر الحمقاء في تعاطى المعرفة ، وأقل العقلاء في أداء النصيحة . وقال : لايتم لأحد طريقة في العلم ، ولا يكمل حال في النسك ، ولا يقبل أحد في التقرب إلا بثلاث : عقل يدفع به هواه ، ويجاهد به نفسه ،ويخالف به شهوته ، ويكابد به عدوه ، وعلم بمعرفة يسلم به من كل بدعة ، وينجو به من كل ضلالة وفتنة ، وحلم يكف به عن الأذى ،ويتحمل به من كل بدعة ما يرد عليه من البلوى والابتلاء والاختبار والامتحان ، وذلك أن كل من علا قدره في الدين ، وارتفعت منزلته فيالحقيقة أشدّ الناس بلاء ممن هو دونه في العلم ، والمعرفة ، واليقين . وقال : من لم يفهم دخول نعم اللّه عليه في نزول بلوة لم يعرفههجوم نقمه في ترادف نعمه ، ومن لم يشهده عقله في العلم ، والعمل ، والمعرفة ، واليقين ، والصحة من السقم في حاله ، ويجد نورقربه ، وظلمة بعده في قلبه عند موافقته لربه ، ومخالفته له فيزداد شكرا ، ويحدث إنابة فعقله ممازج بهواه ، ونفسه أسيرة بيد عدوه . وقال : كل عليل من فقد الصحة في البداية ، والإرادة ، والطلب للعلم ، والتقشف محتاج إلى ثلاثة أشياء : عالم بصير يرشده ، ويدله

ويهديه ، ويبين له ، ومحاسبة لنفسه لا يفارقه في حركته ، وسكونه فما كان للّه عز وجل موافق للاقتداء ، والأدب ، والإخلاص بادره بعلم، وحلم ، ورفق ، وسكينة ، ووقار ، وكتمان ، وافتقار ، والحال الثالثة به يتم ذلك ، وتطهر الجوانح ، وتظهر الحكمة على الجوارح ، وتقبلالأعمال ، وهو تصفية الغذاء ، وأخذ الحلال . وقال : أعظم بلاء في الأرض ، وأشد عقوبة في العامة ، والخاصة ثلاث : سلطان جائر ،وعالم فاجر ، وعابد جاهل ، فالسلطان الجائر نقمة على الناس في دنياهم ، والعالم الفاجر محنة وبلاء على الناس في دينهم ،والعابد الجاهل رأس كل فتنة في الدين ، والدنيا مشئوم على نفسه بجهله ضر على العوام به ، وأفسد أحوال الناس ثلاث : جورالعمال ، وجهل العلماء ، وحماقة النساك . وقال : إذا صحب السلطان الجائر أهل العلم والتقوى على الدنيا فسد دينهم ، وإذا صحبهأهل الفسق والاعتداء فسدت دنيا العامة ، ومن رأيتموه من العلماء ، والنساك يتصدى الأمراء والملوك لقضاء الحوائج ، ويكثرالاختلاف إلى أبواب القضاة ، والوزراء ليودعوه ، وليعدلوه فهو خبيث دجال قد دخل في طريق الفتنة ، وعلامته دهانته لهم في الخلق ،وصمته عن الباطل ، وفقد التوفيق منه في نصرة المظلوم ، وذهاب البصيرة منه في حال نفسه ، وعدوم التمييز منه لغيره . 

الجزء الرابع [ مقدمة ] قال : إن اللّه سبحانه بحكمته ، وعدله ، وقضائه ، وقدره أحكم ما أراده بعلمه في خلقه ، وخلق ما أحب بقدرتهفي عباده فبرئ من خلقه إبليس عليه لعنة اللّه ، وجعله ، وذريته خالصا للشر ، والشقوة ، وجعلهم بعلمه السابق فيهم ، وأمره النافذعليهم أهلا لذلك فلا حيلة له في السعادة لنفسه ، ولا لأحد من ذريته إذ لا يكون إلا ما كونه مكون الأشياء القادر عليها القاهر لهاالمتصرفة فحكمه في حكمته الراجعة إليه على ما يشاء من مشيئته ، وقدرته ، وخلق آدم صلوات اللّه عليه خالصا في نفسه للخير ،والرحمة ، وجعله أهلا لذلك لسابق علمه فيه ، ولما طبعه عليه مما جعله فيه ، وخلق من ذريته غويا ، ورشيدا ، وشقيا ، وسعيدا على علمقد سبق ، وحكم قد نفد وإبلاء بعضهم ببعض فتنة ، واختباره لإظهار علمه فيهم ، وامتحن آدم ، وذريته بإبليس ، وذريته ، وأعطاهممن القوة ، والتمكين في الدعوة أمرين سلطهم بها عليهم الدعوة إلى الضلال ، والتزين للمعاصي ، والذنوب ، فبالدعوة أجابوه إلىالكفر ، والجحد ، والنفاق ، وبالتزين أطاعوه في اقتراف الذنوب ، واتباع الأهواء ، وأسباب ما يلقى بينهم العداوة ، والبغضاء فيالصغائر ، والكبائر ، والمحقرات ، والمرفعات ، والموجبات من الجرائم ، والخطيئات ، وأعطى اللّه عز وجل لآدم عليه السلام ، وذريتهالمهتدين الاستعاذة باللّه منه ، والاستعانة باللّه منه عليه ، وكشف عوائد ما يجلب به عليهم من خيله ورجله ، وقرب نصر اللّه منهم ،وتأييده ، ودفعه عنهم في الليل ، والنهار ، واليقظة ، والمنام ، والرضى ، والغضب ، والعلم ، والجهل ، والغنى ، والفقر ، والذل ، والعز ،والصحة ، والسقم ، والبلاء ، والنعمة ، والخير ، والشر ، والدين ،

والدنيا ، والحسنات ، والسيئات ، وغير ذلك ، ولولا فضل اللّه عليكم ، ورحمته ما نجا أحد من العدو ، وحزبه ، ولا أظهر أحد بالإيمان ،ولا أزكى أحد بالأعمال ، ولا شرف أحد بعلم ، ولا تحقق أحد بمعرفة ، ولكن اللّه برأفته ، ورحمته جعل المجاهدة سببا للهداية ، وجعلالاستعانة سببا للنصر ، والتأييد ، ولولا رشد اللّه السابق فيمن أحبه ، وتوفيقه فيمن اختاره ما دخل أحد من ولد آدم الجنة ، ولكنهتبارك اسمه أراد أن يعرف كرمه ، وجوده ، وحكمته ، وعذابه ، وفضله ، ورحمته ، وعزّه ، وسلطانه ، وقهره ، وقدرته بين عباده في الدنيا، والآخرة . وقال : باب الهداية : إقامة التوحيد ، ومزيد الهداية الدوام على الاستقامة رأس الحكمة ، ورأس العقل إجابة دعوة اللّه عزوجل ، ورسوله عليه السلام عقدا بالقلب ، وقولا باللسان ، وعملا بالجوارح ، وهذا دين اللّه القيم ، وسبيله الأرشد ، فمن اتبع ذلك فيفرضه ، ونفله على صدق المعاملة ، وخالص العبودية فقد دخل من باب الحكمة ، وسعد بالعقل المؤيد بالتوفيق . وقال : الحكماء ثلاث ،والعقلاء ثلاث : فحكيم يعمل بالحكمة ، وحكيم يعمل بها ، وينطق بها ، وحكيم يعمل بها ، وينطق بها ، ويعبر عنها ، وعاقل متبعللعلماء ، وعاقل متبع للعلماء ، وأهل المعرفة ، وعاقل متبع للعلماء ، وأهل المعرفة ، والحكماء . وقال : لا يحلق أحد بدرجات العقلاء حتىيطلب العلم بالأدب ، ويعمل به على الإشفاق ، وينشره بالرحمة ، ولا يلحق أحد بدرجات العلماء حتى يلزم من كل الأسباب ما يعنيه ،ويترك ما لا يعنيه ، ويتورع في الشهوات ، ويحذر الشبهات ، ويزهد في الحلال ، وهذا هو الحكيم البالغ فمن لم تكن فيه فليس بحكيم، ومن جمع بعضها فهو

طالب للحكمة . وقال : الحكماء على طبقات : فحكيم تصفه الحكمة بعقله ، وفعله ، وخلقه ، وهديه ، وسمته ، وصمته ، ونطقه من حاله ،وحكيم تصفه الحكمة بعقله ، وفعله ، وخلقه ، وهديه ، وسمته ، وصمته ، ونطقه من حاله بتغير أحوال غيره ، وترتيب مقامات أهلالبداية ، ودرجات أهل النهاية ، واستخراج الحكمة من الحكمة ، واستنباط من العلم بذهن فطنة الفهم ، وغامض موجود دلالات اللب ،فالحكيم الأول في الخصوص : مريد صادق طالب حال ، والحكيم الثاني : مريد صادق عارف صاحب حال ، والحكيم الثالث مريدصادق عارف رب لحال ، وقد عجزت الحكمة أن تكون إلا في عالم كما عجز العقل أن يكون في غير حكيم . وقال : العلم ، والحكمةقرينان ، والمعرفة ، واليقين قرينان ، وقد يكون عالم غير حكيم ، ولا يكون حكيم غير عالم ، وقد يكون عارف غير موقن أي بالحقيقة ، ولايكون موقن إلا عارف ، فمن جمع اللّه له العلم ، والحكمة ، والمعرفة ، واليقين فقد أعطى الخير كله ، وهم المتحققون بالصديقية الكبرىالذين أعقب اللّه بذكرهم النبيين ، وجعل بينهم ، وبين النبوة درجة الوحي ، والرسالة من اللّه عز وجل . وقال : كل علم ، وحكمة خارجعن الشرع ، والقدوة فهو إيهام غلط ، واستنباط جهالة . وقال : كل باطن من العلم ، والحكمة لا ظاهر له في الأصول فهو باطل ، وكلظاهر من الإيمان ، والعقل لا باطن له فهو شرك ، لأن الظاهر لا يقوم إلا بالباطن في الإيمان ، والعمل ، وقد تجوز الأحكام فيالظاهر ، بما ظهر في إقامة الحدود ، وإنفاذ الحقوق كما أن الباطن حكم

تفرد به دون الظاهر ، وهو علم القلب بالصدق ، والإخلاص ، والخوف ، والرجاء ، واليقين ، والثقة ، ونحو ذلك فمنه ما يظهر بفعلالاستقامة ، ومنه ما يكنه القلب مثل التفكر ، والاعتبار ، وما يتولد منه في سموّ القلب ، وتأمله ، ونظره بالإيمان ، والعلم ، والمعرفة ،واليقين ، وعلى سكون الجوارح ، وهذا هو غيب عن الظاهر باطن فيما بين العبد ، وربه . وقال : ما أكثر طلاب العلم الظاهر ، وما أقلمن يطلب تصحيح علم الباطن ، وما أذكى صلاح أهل الباطن باتباع الظاهر ، وما أكثر فساد أهل الظاهر بترك معرفة علم الباطن ،وما أذهب دين أهل الباطن عند مخالفة الظاهر . وقال : طوبى لمن أمسى ، وأصبح معوله في ظاهره ، على صحة يقين باطنه ، ومعولهعلى محاسبة باطنه على صحة علم ظاهره بمعرفة فقره ، وفاقته إلى اللّه عز وجل قد كف أذاه عن الناس ، ورفع مؤنته عنهم مواصللهم بروح الإيمان معتزل عنهم ببدنه مجامع لهم بقلبه قد اتصل باللّه خوفه ، ورجاؤه فهو متعلق به في فقره ، وغناه . وقال : أهل اللّه ،وخاصته من الأولياء ، والصدّيقين ، والتبعة الكبرى الذين بذلوا أموالهم ، ومهجهم في حقه فلم يوالوا له عدوا ، ولم يعادوا له وليا ، ولاادخروا نصيحة من عباده ، ولا اتهموه في خلقه علما منهم به ، ورضى عنه بمعرفة اختياره لهم ، وصلاح أحوالهم للّه أولئك الذيننطقهم عنه بإرشاد الدلالة إليه ، وصمتهم له بإصابة التحقيق منه . وقال : من استرشد الحق هداه ، ومن استغاث به أغاثه ، ومناستعان به أعانه ، ومن استنصره نصره ، ومن أخلص له أكرمه ، ومن صدّقه ، رفعه ومن تحمل له حمله ، ومن صبر له أعقبه ، ومنشكره زاده ، ومن خافه

أمنه ، ومن رجاه أمله ، ومن ترك له عوضه ، ومن تورع له أحبه ، ومن زهد له آنسه ، ومن رضى عنه أرضاه ، ومن توكل عليه كفاه . وقال: اقشعرت الأرض ، وأقلعت ، وأظلمت السماء من ظلمة الفجرة ، وذهبت البركات ، وقلّت الخيرات من فسق الظلمة ، وبكاء في ضوءالنهار ، وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة ، والأفعال القبيحة ، وشكاهم الكرام الكاتبون ، والمعقبون الحافظون لرب العالمين ، فبادروارحمكم اللّه التوبة ، والإقلاع على أن تدفع بها أمورا في الشدائد عظاما قد بدت روائحها فنسأل اللّه السلامة منها ، والنجاة من آفاتهاوقال : صلاح الدنيا بأربعة : إمام عادل ، وقاض يحكم بما أنزل اللّه ، وعالم يفتى بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وناسكيغاث به العباد ، والبلاد ، فإذا فسد هؤلاء الأربع فبطن الأرض للمؤمن خير من ظهرها ، وجبالها خير من زنقها ، وملاقاة الوحش خيرمن أنسها . وقال : إذا جار السلطان فسد سكنى البلد ، وإذا قبل القاضي الرشاء ، والاستعانة فسد سكناء الحضر ، وإذا فجرالعلماء ذهب خير الدين ، وإذا فسق القراء ذهب خير الدنيا . وقال : ستكون فتن لا يستقر ذو دين في البادية لأجل ظالم سلطانهم ،ولا يقر أحد في حاضرة لأجل خبث علمائهم ، ولا يبقى أحد في ثغر لأجل فسق قرائهم فلا راحة حينئذ في البدو إلا ببذل المال ،وصيانة الدين ، ولا راحة في الحضر إلا بالصمت ، وترك المعارف ، والانتصار للنفس ، ولا راحة في الثغر إلا في الانقباض ، والوحشة، والهرب ، والعزلة ، والرضى بالذلة ، والقلة ، وتوديع الناس جميعا في الدّين ، والدنيا . وقال : إذا رأيتم النساء قد أجهدن أزواجهنفي أربعة فأطاعوهن

فإياكم ، والتأهل بالحراير ، فإن فتنتهن يومئذ عظيمة الحرير ، والحلىّ ، والخروج ، والخمر ، واحذروا الاغترار بالنساء ، والميل إليهن، وإن كن نساكا عوابد فإنهن يركنّ إلى كل بلية ، ولا يستوحشن من كل فتنة . وقال : إياكم ، وطاعة النساء فإن سلطان الشهوةمجعول مع المرأة ، وسلطان الغواية مقرون مع المرأة ، وسهم الفتنة مصحوب مع المرأة ، ومعدن الآفات موجود مع المرأة في الدين ،والدنيا . وقال : من يسلم من آفات أهله ، وأكثر هلاك الرجال بطاعتهم لأزواجهم . وقال : امرأة في زمان الفتنة معها الدنيا كلها غاليةبفلس لأنها للدنيا خلقت فهي لا تنفك منها ، وإن أظهرت النسك ، والتقوى فدينها مقرون بهواها إن شبعت طغت ، وإن جاعت تصلفت، وإن حزنت تسخطت ، وإن رضيت أثمت . وقال : الدنيا لا تصارع العالم العارف ، والمرأة تصرع العالم العارف ، واللبيب العاقل ،لأنها رأس شهوات الدنيا فذكرها شائق للنفوس ، وحديثها صيد للهواء ، والأنس بها حبالة للعدو . وقال : النساء طبعن على الغفلة ،والضعف ، فهمهن في الدنيا مصروف [ للشهوات ] وإليهن ، مع الهوى معطوف فمن عوفي منهن في هذا الزمن فقد نجى ، ومنامتحن بهن فقد هلك إلا من عصمه اللّه ، وأكرمه بنفس لا تنتصر ، وهوى لا يغضب ، ودنيا لا تخدع . وقال : كيف يسلم دين من لهزوجة لا ترحمه ، وولد لا يعذره ، وجيرة لا ينصفونه ، وإخوان لا ينصحونه ، ونفس أمارة بالسوء ، وهوى مرد ، وشيطان مغو ، ودنياتتزين له ، وشهوة لا تنصرف عنه ، وعقوبة مقيمة عليه .

وقال : كيف يجد مريد الهداية في دينه من هو في ليله ، ونهاره مداهن لأهل الباطل مخالط لأهل العمى ، رضاه بمزيد دنياه ،وسخطه في نقص شهوته ؟ بل كيف يتصل إلى هدايات القلوب ، والنظر بالنور من هو مقيم على شئ مما نهاه اللّه عنه ؟ فهو راضعن نفسه معرض بدنياه عن آخرته ، واللّه أعلم . وقال : إنما عميت قلوب أهل الإتراف بالدنيا لقلة التحافظ في الكسب ، وترك المحاسبةفي الإنفاق ، وإنما عميت قلوب العلماء ، والفقراء لمحبة الذكر ، والرئاسة ، ومخالطة الظلمة ، ومداهنة الفجرة ، وإنما غويت قلوب أهلالإرادة لإضاعة الرعاية ، وإنما قلّ صبر الفقراء لموافقة هوى أبناء الدنيا . وقال : صنفان من الناس أضر على أهل الإيمان من إبليس، وجنوده ، مدعى العلم ، وهو يعمل بالجهل ، ومدّعى الزهد ، وهو حريص على الادخار ، والجمع . وقال : لا يفلح عبد في نفسه ، ولايفلح به غيره ما كانت فيه خلتان : حسود في علمه ، ومعجب في عمله . وقال : لما تركوا العمل بالمحكم من كتاب اللّه ، والثابت منالسنة ، ورجعوا إلى الرأي ، والقياس ، والمستحسن سلبوا أنوار عقولهم ، وانطمست فطن فهومهم ، فعمى القلب ، وكلّ الذهن ، فقامتالنفس عند ذلك مقام العقل ، وقام الهوى مقام الروح ، وقام العدو مقام العلم ، وقامت الوسوسة مقام الصدق ، والإخلاص ، وقامالباطل مقام الحق ، فنعوذ باللّه من هذا الحال ، ومن الاغترار بأهلها . وقال : ذهبت الغنيمة ، وغربت السلامة ، وعلا الباطل ، وظهرالمنكر ، وتعامل الناس بالخبث ، والفجور ، فلا يرى الحق في هذه الأزمان

مريد سمعه بأذن قلبه من الحق ، أو ناطق عن الحق ، ولا يعقله إلا ظاهر بالتوبة ، ولا يعمل به إلا بصير بالمعرفة . وقال : من أراداتباع الحق بالحقيقة في هذا الزمان فليوطن نفسه على العداوة ، والبغضاء في الأهل ، والأقرباء ، والجيرة ، والإخوان ، ويعمل فيموت نفسه ، ومخالفة هواه ، وقبول مواعظ الناصحين . وقال : لو أن رجلا أفنى عمره في طلب العلم ، وأدب نفسه بالجد ، والاجتهادمع صحبة الأبرار ، والإيثار بالمال في سبل البر ، لم ينفعه ذلك إلا بثلاث : صدق النية في الباطن ، والإخلاص في الظاهر ، والاقتداءفي السر ، والعلانية . وقال : من علامة الصادق في إرادته ، أخذ الحق ممن أتى به ، وكفّ الأذى عن من أساء إليه ، ومن علامةالإخلاص في الإرادة : الرضى بالدون ، والتواضع ، في كل حال ، ومن علامة الصبر في الإرادة : القناعة ، والتعفف ، ومن علامةالشكر في الإرادة : غلق باب المسألة ، والتعلق باللّه في المنع ، والعطاء ، ومن علامة الخوف ، والرجاء في الإرادة : الصمت ،والمحاسبة ، ومن علامة الرجاء في الإرادة الجد ، والاجتهاد ، ومن علامة الحب في الإرادة : الإيثار ، والاتباع ، ومن علامة الحياء فيالإرادة : الوقار ، والسكينة ، ومن علامة المراقبة في الإرادة التفكر ، والاعتبار ، ومن علامة الزهد في الإرادة : الأنس باللّه ، والوحشةمن الناس ، ومن علامة التوكل في الإرادة : الثقة ، والتفويض ، والرضى ، والتسليم ، ومن علامة القرب في الإرادة : النظر بالنور ،والنطق بالحكمة ، وموافقة الحق في كل حال ، وهذه أوصاف أهل الصحة في الإرادة المؤدية للنهاية « 1

وقال : من جعل القرآن إمامه ، والسنة دليله ، واللّه مفزعه ، والرسول حجته ، والحلال زاده ، والأبرار إخوانه سبقت به غدا إلىالفردوس أعماله . وقال : السلامة في الاقتداء بالصحابة رضى اللّه عنهم ، والأخذ بما أجمعوا عليه ، والإمساك عما تنازعوا فيه ،والغنيمة في الاقتداء بهم بموالاتهم أجمعين ، وذكرهم بالجميل ، والتخلق بآدابهم في الدين . وقال : لما ترك الناس علم محاسبةالنفوس فقدوا علم المراقبة للّه عز وجل فزالت من قلوبهم الخشية ، ولما ضيعوا علم الرعاية لواجب حق اللّه عليهم سقط من وجوههمالحياء ، فلا وفاء بعهد ، ولا حفظ في غيبة ، ولا حق بصحبة ، ولا مولاة بصحة ، ولا ائتلاف بنية .

--> - للحظوظ ، وما تطبع عليه من التقاليد والمحاكاة . . قبل الدخول في الطريق . ولكي يصدق السالك في السلوك متوجها إلى اللّه، يتوجب عليه أن يهجر الهوى ، ومطالب النفس الأمارة وحظوظها وشهواتها ، وأن يتجه بكليته وبكامل إرادته إلى اللّه سبحانه وتعالى، فإذا أراد أن يتحرر من قيود الهوى والشهوة ، يجب عليه أن يصدق النية ويبدأ العمل . إذن : الإرادة الطبيعية والنية الصادقة ، هماالأساس الذي يجب أن يسير عليه المريد الصادق ، بل هما أول الطريق الموصل إلى تطهير الباطن : من برائن الشهوات والضلالات . وصدق الإرادة إنما يمكن في الاتجاه إلى اللّه تعالى فحسب ، فهو إقبال خالص في طاعته ، وذلك عملا بكتاب اللّه وسنة نبيه صلىاللّه عليه وسلّم ، فيستضىء بنور اللّه تعالى ، ولا يرى حظا لنفسه ، وإنما تسترسل إرادته مع الإرادة الإلهية ، ويعمى عن غيره تعالىمن الخلق والمخلوقات . وانعقاد الإرادة إذن هو أساس الحب ، وما أراد المريد إلا بعد أن خلصت إرادته ، وما خلصت إرادته إلا بعدأن تطهرت نفسه ، ففتح على قلبه جمرة الخشية والخوف من اللّه . فما يبقى له إلا اللّه ناصرا . . وهاديا ومعينا ، فنومه وأكله ووجدهوكلامه ضرورة ، وهو يروض نفسه وينصحها ، ولا يجيبها إلى هواها ، وينعم باللّه ويأنس بالخلوة مع اللّه ، ويرضى بقضاء اللّه ويختارأمر اللّه ، ويستحى من النظر للّه ، ويقف على كل سبب يقربه من اللّه ، فهو مخلص على الدوام ، صادق على الاستمرار . وعندمايصل المريد إلى هذه الدرجة يحبه اللّه ، ويقربه إليه ، فهو إذن مريد ، قريب من رحمة اللّه ، ولطف اللّه . انظر : ( الحقيقة والشريعةللشرقاوى 179 ، 181

وقال : إذا رأيت صاحب دنيا فاحذره على عملك ، إلا أن يكون عارفا ، وإذا رأيت طالبا للعلم فاحذره على دنياك إلا أن يكون له ورع ،وإذا رأيت متقربا بالعلم ، والإرادة فاحذره على عقلك ، ودينك ، ودنياك إلا أن يكون له عقل ، وورع ، وزهد . وقال : أقرب من كل عالميدعوك من الدنيا إلى الآخرة ، واهرب من كل عالم يدعوك من الآخرة إلى الدنيا ، واقترب من كل عارف يدعوك من الريب إلى اليقين ،واهرب من كل عارف يفتيك بالغرور ، والأماني . وقال : علامة العالم الصادق قول بحق ، وعمل بنية ، وأدب باستقامة ، وورع بخشية ،وعلامة العارف الصادق : صمت عما لا يعنى ، وعمل باتباع ، وأدب في هداية ، وزهد بغير رياء . وقال : بالصبر تنال الظفر ،وبالشكر تدوم النعم ، وبالخوف يحترز من كل آفة ، وبالرجاء يسلم من كل هلكة ، وبالصدق يغلب كل عدو ، وبالإخلاص يخمد كلباطل ، وبالورع تنقطع كل شهوة ، وبالزهد تنال كل فضيلة ، وبالعلم تعلو الدرجات ، وبالمعرفة يبتغى الزيادات ، وبالمحبة ترتفعالمقامات ، وباليقين ، والعافية ينال خير الدنيا ، والآخرة . وقال : ذهب أهل المسابقة ، ومضى أهل المسارعة ، وقلّ أهل الغنيمة ، وعزّأهل السلامة فلا صاحب صدق في اللّه موجود ، ولا حب من الناس مفقود ، ولا نفس تعادى للّه ، ولا حال يخاطر به في اللّه ، ولا ذوقإلا بوجود صفاء مع اللّه ، فكيف لنا بالنجاة غدا من اللّه ؟ إلا بالانتقال عما يكره اللّه أو العذاب إلا أن يعفو اللّه . وقال : لا يجد أحدالسلامة اليوم إلا أن يكون له عقل رصين يحتمل به أذى الناس ، وعلم كثير يستغنى به عن الناس ، وصمت طويل يتخلص

به من الناس ، وعفة ، وقناعة يقطع طمعه من الناس ، واستعانة باللّه مع اتهام النفس ، وانتظار عون اللّه مع الهرب إلى اللّه ، وتركصحبة أهل التخليط ، والغفلة ، ولزوم أهل العقل ، والعلم ، والرحمة . وقال : من رضى عن نفسه ، واستغنى برأيه ، وعقله عمن هوأعقل منه ، فسد دينه بالجهل ، والحمق ، ومن وثق بعلمه ، ومعرفته دون الفقر ، والفاقة ، والتعلق بربه أفسد على الناس دينهم بذهابدينه . وقال : آفة أبناء الدنيا تحمل الجهل بلا عقل ، وآفة أبناء الآخرة حمل العلم بلا فهم . وقال : من رأى أنه قد استغنى عن العلمفهو ميت بالجهل ، ومن ظن أن العلم ينفعه دون العمل فهو مفتون بالغوية ، ومن استغنى برأيه دون شيخه فهو هالك مستدرج فيحالتي العلم ، والجهل . وقال : الجاهل يصرعه العدو بالأمانى ، والتسويف ، والعالم يفتنه العدو بالتأويل ، والرخص ، والاغتراربالعفو ، فميراث الأماني ، والتسويف التمادي ، والإصرار ، وميراث التأويل بالاغترار الإفراط ، والتفخم ، فالمصر هالك ، والمغتر ميتوقال : مفتاح الرغبة الحرص ، ومفتاح الشره الشهوة ، وهما بابا الاستحلال ، ومصائد العدو للعلماء ، والقراء ، والمريدين ، والنساك، فمن سدّ باب الرغبة بقصر الأمل ، وردّ الحرص بخوف القوت ، وأدمغ الشره بالقناعة ، ودفع الشهوة برؤية القيام فقد نجا بتوفيق اللّهعزّ وجل . وقال : إذا رأيت المريد يكتم مسائل نفسه المردية ، ويظهر مسائل عقله الرقيعة فهو مخلّط بعد ، وقلّ أن يفلح ، وإذا رأيتهيصحب من هو دونه ، ويترك من هو أرفع منه ، ويخالط من يسمع كلامه ، ويهرب ممن يعرف

عيوبه ، والآفات الداخلة عليه فاغسل يدك منه . وقال : أفسد أبناء الآخرة الإعجاب ، وأهلك أبناء الدنيا الأماني ، فمن راح عنهالإعجاب بموت نفسه من جهلها ، وترك القبول منها رجى له النجاة ، ومن زلّ به التزين ، والدعوى لرؤية حاله هلك . وقال : إذا احتاجالطالب للعلم ، والإرادة إلى من يرجوه عن ذنب ، أو معصية تخاف عليه منه العقوبة في الآخرة ، فإنما بيده من العلم حجة ، ومنالإرادة المقت من ربه ، وإذا احتاج العالم ، والعارف إلى من يدله ، ويرشده في أمر يكره فيه القدوة فإنما بيده من العلم شقاوة ، ومنالمعرفة خزية . وقال : العالم الأحمق حمّال ، والعامل العاقل لأهل الإرادة سراج ، والعامل الأحمق ظلمة ، وشقاء ، والعامل العاقل نور، وشفاء . وقال : كما أن الثوب النظيف يتسرع إليه الدرن مع اللبس كذلك المريد ، والقارئ يتعلق به العارّ ، والفتنة من صحبة الجاهل، وأهل الغرّة . وقال : كفى بالعبد جهالة ، وحماقة أن يستحى من الخلق في المعصية ، ولا يجلّ مقام خالقه ، أو يأتي أمر يحتاج فيهإلى الاعتذار لما يأثم الناس فيه . وقال : ينبغي للتقى النقى العاقل أن يرغب بنفسه عن دناءة الأخلاق ، وإن كان ذلك يضرّ بدنياه فيسلامة دينه فإن لوائح القاذورة في القلوب تلوح ، فإن وقعت المساكنة راحة ، فإن لم يقع تحاجت ، فإن دورك ، وإلا احترق ، ومااستعان عبد على دفع اللائح بمثل ذكر الموت ، وما استعان على دفع أجاجها بمثل ذكر قيام اللّه عز وجل . وقال : تفرد اللّه سبحانهبأسمائه ، وصفاته ، وكان مما انفرد به

علّم ، وحلم ، وجاد ، وتكرم فعلم المعصية قبل خلقها ، وحلم حين عمل بها ، وجاد بالتوبة على صاحبها ، وتكرم عليه بالمجازاة إحسانا، وطولا ، وأفرد اللّه عز وجل عبده العالم العارف بأربعة : معرفة النعمة منه ، ومعرفة المعونة على الشكر ، ومعرفة إلهام ذلك منه ،ومعرفة المنة بالتوفيق بحقيقة التصديق جودا ، وكرما . وقال : أكرم اللّه عز وجل هذه الأمة بالصدّيقين خاصة كما خصّ بني إسرائيلبالنبيين عامة فجعل المرسلين أهل الشرع ، وجعل الأنبياء أهل الإنذار ، وجعل الصدّيقين أهل النصيحة ، والبيان ، والفرق بين حالالصديقين ، والأنبياء الوحي ، والإلهام ، فالأنبياء أهل فرقان ، والصدّيقون أهل انبساط ، وتوفيق ، وبيان . وقال : لكل حال ، ودرجة ،ومقام ثمرة ، وهو موارث الأعمال فثمرة الإيمان الاتباع ، وثمرة الإيمان ، والاتباع طلب العلم ، وثمرة الإيمان ، والاتباع ، وطلب العلمالعمل به ، وثمرة الإيمان ، والاتباع ، وطلب العلم ، والعمل به الخشية للّه فيه ، وميراث الخشية الورع ، وميراث الورع الزهد ، وميراثالزهد النظر بالنور ، والنطق بالحكمة . وقال : أخفى اللّه عز وجل ستة في ستة ، وأظهر ستا في ستّ : أخفى الرضى في الطاعة ،وأظهر الرضى في الغضب ، وأخفى السخط في المعصية ، وأظهر التوبة على التائب ، وأخفى القبول في التوبة ، وأظهر الطاعة منالمعصية ، وأخفى الإجابة في الدعاء ، وأظهر تفريج الكربة ، وتعجيل الراحة ، وأخفى الأولياء في الناس ، وأظهرهم بالعلامة ، وأخفىالآجال في المدة ، وأظهرها بتمام الوقت ثم أظهر ستة في ستّ : العقل من الحمق ، والعلم من الجهل ، واللين من الشدة ، والضرّ منالنفع ، والغضب من الرضى ، والضحك من البكاء

وقال : العلم ، والعمل محجوب حتى يصحبه الصدق في الأصل ، والاقتداء في الفرع ، والإشفاق بعد الجهد ، ورؤية التقصير فيأداء الشكر . وقال : إذا سبق إلى القلوب رهبة الخلق ورغبتهم دون اللّه عز وجل لم ينتفع العالم بعلمه ، ولا العامل بعمله ، وإذااستوطن القلب الحرص على الدنيا ، وشره النفس في حبّ الحياة لم يزدد المكثر بالجمع إلا فقرا ، ولم يزدد الشره إلا غما . وقال : منأقرّ بجهله ، وهو مقيم عليه فاحذره ، ومن حسب الجهالة علما فاهرب منه . وقال : جهل المرء بعلم فرضه موت له في الحياة ، وعلمهبربه حياة في الممات . وقال : من رضى من نفسه بعيب غيره رماه العدو بنبل حتفه ، ومن استعان بربه في نفس مراده أعانه اللّه علىصلاح أمره . وقال : العاقل لا يعاتب من الناس إلا حليما ، والعالم لا يخادن منهم إلا كريما . وقال : من لم يكن معه علم يحفظ به دينه، وحلم يصون به عرضه فهو حزب لعدوه مغلوب على عقله . وقال : من صح عقله من هواه وقع من الدنيا دون شهوته ، ومن رسخ بهالعلم في ميدان المعرفة بادر السبق إلى ربه . وقال : إن عرفت ربك من جهة الإيمان أطعته ، وإن عرفته من جهة العلم أجللته ، وإنعرفته من جهة المعرفة أحببته ، وإن عرفته من جهة اليقين آثرته ، فعلامة الطاعة له : اتباع الأمر ، والنهى ، وعلامة إجلاله

التوقف ، وعلامة محبته : المبادرة ، وعلامة اليقين : المسارعة . وقال : لكل عبد حظ من والده معلّق به إما في الخلقة أو الخلق ، وعبدقسم من اسمه لا يزايله إما في دينه أو دنياه ، ولكل عبد ذنب لا يفارقه إما في سره أو علانيته ، فحظه من والده طبع فيه ، وقسمه مناسمه موهبة له ، وإمكانية من دينه سبب للسعادة بالتوبة أو الشقاوة بالإصرار . وقال : لا يعرف الناس من لم يعرف زمانه ، ولا يعرفزمانه من لم يعرف نفسه ، ولا يعرف نفسه من لم يعرف عيوبها ، ولا يعرف عيوبها من لم يعرف دينه ، ولا يعرف دينه من لم يعرف دنياه، ولا يعرف دنياه من لم يعرف آخرته ، ولا يعرف آخرته من لا يعرف ربه ، ولا يعرف ربه بالحقيقة من لم يرض بقضائه ، ويصبر علىبلائه ، ويشكر على نعمائه ، ويؤثر بفضل ما خوله من عطائه . وقال : الجاهل بمعرفة نفسه يحتاج إلى ثلاثة لا بد له منها عقل رصينيجاهد به عدوه ، وعلم كثير يخالف به هواه ، وشيخ يعتمد عليه في تصحيح حاله ، والعارف بنفسه يحتاج إلى ثلاثة لا بد له منها :الرفق في الرياضة ، والمداراة في السياسة ، والاعتماد على الاستعانة باللّه عز وجل ، وذلك أنه من عرف نفسه من جهة العداوة فسدعقله بالجهل عليها ، ومن جهل معرفة نفسه فسد دينه ، وأعدل الناس في المعرفة ، والجهالة من طالبها بما عليها ، ولم يمنعها مماعالها ، وبالاستعانة باللّه تمام صلاح حالها . وقال : اصحب من الناس خمسا واحذر منهم خمسا . اصحب من أهل التقوى العقلاء ،فإن بمحادثتهم يزيد عقلك ، واصحب من العقلاء العلماء فإن باتباعهم يزول جهلك ، واصحب من العلماء الرحماء فإن بمخالطتهم تزيدمعرفتك ، واصحب من الرحماء الخائفين ، فإن بمعاشرتهم

يثبت يقينك ، واصحب من الخائفين المجلين الذين أطاعوا اللّه لحق إعظامه ، ولم يريدوا من اللّه غير اللّه تعالى فإن النظر إليهم رحمة ،والاستماع لكلامهم حياة ، والإعراض عنهم غفلة ، والصدّ عنهم عقوبة . وقال : واحذر صحبة الفاجر فإن له سياسة بالشرّ علامتهتكون أخلاقه عليك ، واحذر صحبة الجاهل فإن له ضراء بالشر ، وعلامته رضاه بحاله ، واحذر صحبة الأحمق فإن له شفعة بالشر ،وعلامته الاعتلال بمن هو مثله ، واحذر صحبة الجبان فإنها مذلة ، يسلمك أحوج ما تكون إليه ، واحذر صحبة البخيل فإنها حسرةيقطع بها أوثق ما ترجوه ، ويمن عليك بما لم يفعل ، ويستعبدك بما فعل . وقال : تكلم الحكماء من ثلاثة أبحر ، وتكلم العلماء منبحرين ، فحكيم ينطق من حاله علامته الفقه في علم الإخلاص ، والمعرفة بآفات العدو ، وخدع النفس ، وحكيم ينطق من حاله علىغيره علامته الفقه في علم الصدق ، والمعرفة بالزمان ، وأهله ، وحكيم ينطق من حاله لحاله ، ومن حاله على غيره قد علم أصل البداية ،وغاية النهاية ، وارتقاء أهل الدرجات ، وارتفاع أهل المقامات ببصيرة التمييز ، وإصابة التوفيق ، وإنما العلماء بالشرع الذين لميتحققوا بالحكمة فعالم يتكلم بالعلم عند فرض السؤال ، وآخر يتكلم في العلم مذاكرة للعلماء يزداد علما إلى علمه ، فمن تكلم فيالحكمة ، والعلم بغير هذه الوجوه ، أو من غير هذه الأصول الخمس فعدوه يذم عقله ، وهواه مستحوذ عليه علامة ذلك فيه المراء أوالخصومة في الاجتماع ، والاعتلال بأهل الضعف ، والاختلاف ، ورد الأصل فرعا ، والفرع أصلا بانقلاب أحوال الخصوص ، وتركترتيب العلوم . وقال : العامة تقتدى في الدّين بما خفّ على النفس حمله ، ويقتدى

في الدنيا بما يعظم على العقل حمله ، والخاصة تقتدى في الدين بما ثقل على النفس حمله ، ويقتدى في الدنيا بما خفّ على العقلحمله ، فموطن العلماء العقلاء العمال مفاز للحمقاء الجهال ، وموطن الحمقاء الجهال مفاز للعلماء العقلاء العمال . وقال : من لم يفدهالإيمان علما فهو ضعيف ، ومن لم يفده العلم خشية فهو سخيف ، ومن لم تورثه الخشية معرفة فهو معبود ، ومن لم تفده المعرفة علماباللّه ، ومزيدا في حقيقة توحيدها فهو محجوب . وقال : أقل فائدة في الإيمان اتباع الأمر ، واجتناب النهى ، وأقل فائدة في العلمالجدّ ، والاجتهاد ، وأقل فائدة في الخشية الورع ، وأقل فائدة في المعرفة الزهد ، وأقل فائدة في العلم باللّه الرضى عن اللّه ، والتوكلعلى اللّه عز وجل . وقال : القرآن إمام الأمة في الدنيا ، وبه نجاتهم في الآخرة هو دليلهم ، وسائقهم إلى كل مكرمة ، ومن رأيتموه قدعلا ذكره في العلم ، والخير ، ولم يجمع القرآن فليس متحقق بالكرامة ، ولا حقيقة له في الإمامة ، ومن أخلاق أهل القرآن في اتباعشرعه القيام بحدوده ، وأحكامه ، والجدّ ، والاجتهاد ، وطلب العلم ، والفائدة منه ، والحلم ، والتواضع ، والإنصاف ، والنصيحة ،والألفة ، والرحمة ، وكفّ الأذى ، وإيصال النفع ، ومخالفة الهوى ، وردّ الغيظ ، وكفّ الغضب ، والسلامة من دعوى الخلق ، والسماحةفي ذات اللّه عز وجل ، وحسن الخلق ، والنبل في المعاشرة ، والحلاوة في المخالطة ، والحب في اللّه ، والبغض فيه فمن وجدتم فيه هذهالأخلاق من أهل القرآن ، والعلم فهو من أهل اللّه ، وخاصته الحاملين الحجة عنه ، ومن لم تكن فيه هذه الأخلاق فليس بمتحقق فيالعلم ، والقراءة ، وإن حفظ القرآن بإعرابه ، وعرف خاصه

من عامه ، وحفظ الحديث ، والسنة ، وإجماع العلماء ، واختلافهم ، وعسى أن يكون طالبا ، ومتقرئ ، ومن رأيتموه بخلاف هذهالعشرين خلقا فإنما بيده من العلم ، والقرآن حجة عليه ، وذلة له ، وصغار ، وحسرة ، وندامة يوم يدان الناس بأعمالهم في القيامة . وقال : غفلة العلماء بالأمر والنهى يورثهم محبة المال والشرف ، وغفلة العلماء بالأمر والنهى عن المعرفة باللّه والعلم به تورثهم الجدوالاجتهاد ، وغفلة العلماء بالأمر والنهى عن المعرفة باللّه والعلم به تورثهم النصيحة للّه والرحمة لعباده . وقال : من أعمال أصحاباليمين ثلاثة : الكفّ عن الحرمات ، والمبادرة للصالحات ، والتوقف عند الشبهات ، ومن أعمال المقربين ثلاثة : طهارة الأسرار من الإثم، وطيب الظاهر بالبر ، ودوام الاستقامة على فعل الخير ، ومن أخلاق الفجار ثلاثة : إظهار الشر ، وكتمان الباطل ، وبذاءة اللسان ،ومن أخلاق المنافق ثلاثة : الكذب في حديثه ، والخلف في موعده ، والخيانة في أمانته . وقال : إذا لم تكن في صاحبك ثلاثة فاحذره :حفظه ليمينه ، ورعايته للمكافآت بالصنائع ، وكتمان سره ، وإذا لم يكن فيه ثلاثة فلا تغترنّ به ، به خفة ظهر من دماء المسلمين ،وبطنه من أموالهم ، ولسانه من أعراضهم . وقال : ما أعظم فتنة القتات ، وأكثر ندامة المغتاب المؤمن يذنب ثم يتوب ، والقتات ،والمغتاب يخسر ثم لا يربح . وقال : الكفار يتخبرون للصحابة ، والمنافقون يتخبرون للأولياء ، والصديقين ، والفاسقون يتخبرونللمذنبين ، والمخلطين .

وقال : لكل حق حقيقة ، ومن لا حق له لم تكن له حقيقة ، والحق أصل في البداية ، والحقيقة فرع في النهاية . وقال : أحكام اليقينمباينة في المقامات ، والدرجات ، لأحوال العلم في الرتب ، والأحوال ، وذلك أن أهل العلم يتكلمون على طريق التعبد ، وأهل اليقينيتكلمون على طريق العبودية ، والفرق في ذلك أن العالم بالأمر يعبد اللّه على الإشفاق ، والخشية ، والعالم باللّه يعبد اللّه على الإجلال، والعظمة ، والعالم بالأمر يعامل اللّه بعفو ما للّه للمجازاة ، والعالم باللّه يعامل اللّه بالإيثار ، والمحبة . وقال : الموت لأهل العلم ،والمعرفة مزيد يقين بمزيد العطاء ، وهو لأهل التخاليط مزيد يقين بمزيد حسرة ، وهو لأهل الجحد ، والنفاق مزيد يقين لمزيد حسرة ،ومنع . وقال : عين اليقين الآخرة في الدنيا علم ، وعلم اليقين الدنيا في الآخرة عين . وقال : حجاب الفهوم عقوبة عمى القلوب ، وعمىالقلوب من تراكم ران الذنوب ، وكشف أغطية الفهوم من ضياء القلوب ، ونور القلوب من وجود معاينة الغيوب . وقال : قلوب الأبرارأرضية لا يجاوز فكرها العلاء ، وقلوب أصحاب اليمين سماوية ، وقلوب المقربين عرشية . وقال : طوبى لمن جعل اللّه قلبه ودائعا لمعرفةنعمه ، وأوزعه الشكر عليها . وقال : طوبى ثم طوبى لمن جعل اللّه بدنه عرضا للبلاء ، ووهب له الصبر عليها ، والرضى عنه

وقال : طوبى لمن استعمله اللّه بالحق في سنة ، ورآه لذلك أهلا ، ثم طوبى ثم طوبى لمن نصبه اللّه داعيا إليه بما علمه ، واستعمله علىالنصيحة ، والرحمة ، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن رزق الصبر على الأذى فيه وأخذه تأديبا منه حتى يتوفاه عليه . وقال : إظهارالوجود عند الذكر ، والتفكر علة ، وضعف في الحال ، وكتمانه قوة ، وتأبيد من الحق ، والكمدية شهادة في قبل الحق . وقال : كل منعرف بمعنى من البر يغلبه ، وهو لا يقدر على كتمانه فهو ضعيف إلا أن يريد اللّه إظهاره على أهل القوة إما رحمة للقدرة ، وإما نقمةللمكذب ، وكل من ظهر عليه حال ، وهو قادر على كتمانه فهو نفاق في الحال مخدوع مخذول ، فرضه التوبة ، والتنصل « 1 » . وقال: حرام أن يتسع العبد في هذا الزمان في الشهوات إلا بالحرام ، وأخذ الشبهات ، وحرام على عبد أن يتسع من الحرام المحض أنيكون للمتقين إماما . وقال : لا يذوق العبد طعام الحرية في العبودية حتى يذوق طعم العبودية في المجاهدة ، والمخالفة ، والمكابدةكذلك يجد السهولة ، والراحة ، واللذة ، ومن أراد أن يكون ملكا قبل أن يكون عبدا فسد عليه حاله بالإتراف ، وفسد على الرعايا حالهمبالجور ، والإسراف . وقال : أبناء الدنيا ، والآخرة ملوك ، ومملوكون ، فالمملوكون ثلاثة : مملوك لعدوه ، ومملوك لدنياه ، ومملوك لنفسه ،وهواه ، والملوك اثنان : مالك لحاله ، ومملوك لحاله ، فالمالك لحاله أقوى ، وأعلم ، وأعرف ، والمملوك لحاله عبد للحال لأنه أضعف ، وأبعد.

وقال : المملوك لحاله عبد لحظ نفسه ، والمالك لحاله حرم من تدبيره لنفسه ، فالقدر يصرف المالك لحاله بأمر ربه ، والقدرة تصرف المالكلحاله بمحبة ربه ، لأن المملوك يعمل على الحيل ، والتدبير ، والمالك مستعمل على الموافقة في التقدير . وقال : حسب العبد إذا كوشفبالعبودية أن يسأل مولاه العفو ، فإذا كوشف بالألوهية ، أن يسأل مولاه الفوز بالنظر إليه . وقال : حسب العبد إذا دعته نفسه إلى أمرلا يرضى زجرها بالأدب ، والرياضة ، فإن أبت أخذها بالعقوبة ، والشدة ، ويستعين على ذلك باللّه ، وحسبه إذا دعته نفسه إلى أمريرضى أن يرغب إلى مولاه بالفقر ، والفاقة ، وطرح الكنف بين يديه ، ويتوكل في إنائه ، وتمامه على اللّه عز وجل ، فعسى أن يكفيه اللّهما عسر ، ويحفظه فيما تيسر ، وليقل في سؤاله رب كلفتنى أداء فرضك ، وحركتنى إلى ما هو أعلى عندك ، وكل ذلك منك ، ولك ، وهوبيدك ، فاصرف عنى ما أكره برحمتك ، وأعنى بجودك ، وكرمك ، وإن تفضلت فأنت أهل لذلك ، وإن منعت فأنا أهل لذلك فحسبى فيجميع أموري علمك ، وما شئت يا علام الغيوب . وقال : لا يصل أحد إلى اللّه عز وجل إلا باللّه ، ولا يتصل أحد باللّه إلا من جهة الإيمانبه ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، ووعده ، ووعيده ، وهو البعث ، والمجازات ، والخلود في الدّارين بما سبق لهم في القديم فريق فيالجنة بسعادة اللّه ، وفريق في النار بشقاوة اللّه . وقال : لكل واصل إلى اللّه باب يدخل منه إلى اللّه ، وهي : أربعة أبواب تفترق بأهلهاعلى بضع وسبعين بابا عدد أجزاء الإيمان ، وأما درجات اليقين في المقامات ، والمراتب ، والمقاصد ، والأحوال فلا يعلم بفرقة جمعها ،ولا جمع تفريقها إلا اللّه عز وجل ، فباب الإخلاص في

الإيمان لا يدخل منه إلا تائب ، وباب الصدق في الأعمال لا يدخل منه إلا مريد ، وباب الصبر على اتباع الأمر ، واجتناب النهى لايدخل منه إلا عارف ، وباب الشكر في العطاء ، والرضى في المنع لا يدخل منه إلا عالم . وقال : أسباب الحفظ ، والتوفيق أصلان :التمسك بالكتاب ، والاعتصام بالسنة ، وأسباب الترك ، والخذلان أصلان : القبول من العدو ، وموافقة الهوى . وقال : المكر أخفى منالبطش ، والاستدراج أرقّ من المكر ، والبطش ، والنظر للكفار ، والمكر لأهل النفاق ، والاستدراج لأهل الإيمان بالأهل ، والولد ، والمال، والذكر ، والصوت ، والسلطان ، والقدرة . وقال : لا يكون مستدرجا محفوظا ، وقد يكون مفتون مرحوما ، وأصل الاستدراج علىوجهين : يفترق إلى فنون كثيرة فمستدرج في نفسه عن وجود الحق ، ومستدرج بدنياه عن إصابة وجود الحقيقة ، والفتنة منالاستدراج بمنزلة الرأس من الجسد ، وأصلها على وجهين تفترق على فنون كثيرة : فمفتون بالشر جاهل بالخير ، ومفتون بالخيرعالم بالخير والشر . وقال : أضرّ الفتنة على أهل الإيمان العلم ، والجهل ، والغنى ، والفقر ، والصحة ، والسقم ، والشره ، والرجاء ،والخوف ، والأمن ، وهذا هو البلوى بالخير ، أو الشر اختبارا للخلق . وقال : احذر صحبة من أصرّ على صغير بما نهاه اللّه عنه ، فإنهيجرك إلى معصية ، واحذر خلطة من أصر على صغير ما خالف الإجماع عليه ، فإنه يدعوك إلى بدعته

وقال : كيف تثق بمودة من يدعى محبتك في رضى نفسه ، ولا ينصفك عند مخالفة هواه في سخط ربه . وقال : أضرّ الناس على هذهالأمة بعد منافقيها عالم يظهر الورع ، ويخفى الحرص ، والرغبة في الدنيا ، وأضرّ منه عارف يظهر الزهد ، ويحب الثناء ، والرئاسة . وقال : ما أكثر من يشير إلى الحق ، وأقل من يعمل بالحقيقة ، وأكثر من يدعى المعرفة بك ، وأقل من ينصفك بعد العلم . وقال : أهلالمحبة في أهل الخشية عزباء ، وأهل الود في أهل المحبة غرباء . وقال : أجل مقام أعطى أهل العلم في الدنيا الفقر إلى اللّه عز وجل ،وأجل مقام أعطى أهل العلم الغنى باللّه ، وأفضل ما نالوه في الآخرة الرضى من اللّه ، والنظر إلى اللّه ، وفي هذه الأربعة حي منحي ، ومات من مات . وقال : كل من أظهره اللّه للخلق بمعنى من العلم فلا يخلو من وجهين إما رحمة لمزيد الرياضة ، وإما نقمة بمزيدالسخط ، إما من نفسه لنفسه لغيره ، وكل من أخفاه اللّه بمعنى من المعرفة فلا يخلو من وجهين : إما رحمة لمزيد الرياضة ، وإما رحمةللخلق بنفسه . وقال : لما أحبوا السلامة لدنياهم بنقص دينهم ، ورضوا بالإقامة على الجهل فيما يتقربون به لآخرتهم تداعت عليهمجنود الهوى فطفى نور العقل ، وهو زوال الفهم ، والفطنة فقامت فهم شواهد الدعوى في طريق العلم ، والتقوى فصار الإيمان تحلياوالعلم والقرآن تصنعا ، واليقين ظنا ، وعادات الأحداث فيهم سنة ، ودينا

وقال : أعلى درجات أهل اليمين : العلم بالإيثار في سبيل الاتباع ، وأرفع رتب أهل الإحسان الفقه على حفظ الأصول ، وأجل مقاماتأهل العلم ، والفقه إصابة الحكمة في استنباط الشرع في الحادثات ، ووجود البصيرة في هدايات القلوب في رتب أهل اليقين . وقال: من آداب الحكماء ، والعلماء ، والفقهاء أن يكونوا داعين إلى اللّه عز وجل دالين على سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قائمين للّهبالنصيحة في عباده حافظين لحدوده ، ورحماء بالمؤمنين ، فمتى كانوا بهذا الوصف فهم خلائف اللّه في أرضه ، وورثة أنبيائه في دينه، ومتى كانوا بغير هذا الوصف عادوا حمقاء في الحكمة جهلاء في العلم سفهاء في الفقه ضررهم على أنفسهم ، وعلى الأمة كفتنةالعدو ، وجنوده . وقال : اعقل بفهم ، واسمع نصيحة أخ عليك مشفق ، واحذر أولا نفسك في ابتداع الهوى ، واتهم رأيك بعد مشورة ،أو في النهى ، واجتنب كل مترف من أبناء الدنيا ، وكل أحمق من أبناء الآخرة ، ولا تأمن على عقلك عالما مفتونا ، ولا تطع كل عالممغرور واسع في فكاك نفسك بصدق ، وفي رضى ربك بصحبة ، والسلام . وقال : من ابتغى الحق وجده ، ومن وجده بادره ، ومنبادره عمل به ، ومن عمل به ظهرت عليه بركاته ، وعادت عليه مواريثه ، فإن ابتغيت الحق بالسمع ، والطاعة فأنت الفائز السعيد ، وإنأعرضت عنه جهلا ، أو هوى بعد العلم فأنت المحروم الشقي فيا لها من نصيحة ، ورحمة ، ويا لها من حجة ، ونقمة . وقال : الواجبلكم علينا الإيثار بالأفضل فإن قصر بنا التخلف فبذل النصيحة في معروف ، فإن حجبنا عنه فله الإنصاف فكفّ الأذى عنكم بالدعاء، والرحمة

وقال : ليس العجب ممن أشغله الغنى عن طلب الآخرة ، إنما العجب من فقير أشغله الهم بالمضمون عن اللّه عز وجل . وقال : ذهبأهل الأنس ، وبقي أهل الوحشة الخاص منهم عامي ، والعامىّ منهم حيران . وقال : كيف يفلح مريد بين أربعة أضداد ؟ عالم غافل لاينهاه ، وناسك جاهل لا يأمره ، ومؤثر من الدنيا لا يؤثره ، ومعسر منها يتزين به ليأخذ الدنيا بسببه . وقال : من لم يكن معه أربعةأخلاق يعاشر بها أبناء الدنيا ، وأربعة آداب يخالط بها أبناء الآخرة ، فلا عيش له في نفسه ؛ ولا مهنأة لأصحابه معه فأما الأربعةالتي للدنيا حسن الخلق ، وسماحة الكف ، والأخذ بالفضل ، وبذل المعروف بترك الامتنان ، وأما الأربعة التي للآخرة : فالموالاة فيالدين ، والتعاون على البر ، والتقوى ، والألفة بالإنصاف ، والمؤاخاة على النصيحة . وقال : إذا نشرت الأذى فلا سبيل لك إلىالاستقامة ، وإذا أخذت حقك فلا سهم لك في المعروف . وقال : الوقوف مع الهم علامة بصحة الإرادة ، والنظر في النية علامة لصفاءالمعاملة . وقال : الورع شعبة من الزهد ، والزهد شعبة من المحبة ، والمحبة شعبة من الرضى ، والرضى شعبة من التوكل . وقال :الخوف ، والرجاء مطايا العمال ، والصبر ، والشكر زاد العلماء الأخيار . وقال : من لم يفده الخوف والرهبة ، والرجاء والرغبة ، فبرههباء

ومن لم يفده الصبر ، والشكر والتعفف ، والتكرم ، فبره سراب ، وعلامة الرغبة الجد ، والاجتهاد ، وعلامة الرهبة الورع ، والزهد ،وعلامة الصبر التحمل بترك الشكوى ، وعلامة الشكر الإيثار بالتواضع . وقال : إذا كان لا بد لك من اللّه ، ولا غنى بك عن اللّه ، ولا منالنفوس عوض ، ولا من الأيام خلف فالتهاون بذهاب العمر سخف ، والتغافل عن ممر الأوقات حمق . وقال : كم رأيت من واعظة لمتزجرك ، وكم رأيت من عبرة لم تحجزك ، إنك لم تزل منذ عقلت مخبرا عن غيرك فسوف تصير خبرا عند غيرك فكن أنت موعظ بالذاهبقبلك قبل أن يعتبر بك الباقي بعدك . وقال : من سعادة العبد التفكر بالاعتبار ، والتيقظ بالأذكار ، ومبادرة البرهة في ساعة المهلة ،ومن شقاوة العبد الشغل باللذات ، والتهاون بالساعات ، والرضى بالدنيا من الآخرة ، وبحظ النفس من اللّه عز وجل . وقال : استعدللجواب ، وخذ لحظك قبل ذهاب عمرك ، وأنك ميت ، ومحاسب أنت اليوم في أعمال محفوظة ، وهي غدا عليك معروضة فإن اعترفت فلاحجة لك ، وإن أنكرت فالشهداء منك عليك . وقال : سبحان من خلق ، ورزق ، وأنعم ، وأفضل ، وجاد بالإحسان ، ودام بالطول فينصيحة الأديان ، وسلامة العقول ، والأبدان رب خلقت فأنعمت ، وتفضلت فأسبغت ، وسترت فعافيت ، وحلمت فأمهلت ، وتظهر الخيركأن الخلق أرباب ، وتستر الشر كأن العبيد أحرار ، ربّ إن تطالب عبادك بحقك تعذبهم ، والحجة لك ، وإن تعفو عنهم ترحمهم ، والمنةلك ، رب لو كان لي ملجأ لاستغثت بك ، ولو كان لي مستغاث

لقصدتك بك ، كيف ، ولا ملجأ منك إلا إليك ، ولا مستغاث إلا بك حسبي أنت يا أرحم الراحمين . وقال : شرّ زمان للعامة يكون التقىمنهم ذليلا حقيرا ، وشر زمان للخاصة يكون الفاجر منهم عزيزا شريفا . وقال : إذا رأيت التقى المتعفف ممقوتا في جيرته مبغوضافي جيرته وأهله ثقيلا عند معارفه فاعلم أنه صاحب حق قائل به عامل بالصدق . وإذا رأيت الفاجر السفيه مقربا عندهم محبوبا فاعلمأنهم أهل خب ، وباطل ، ودهان ، وبلوى ، وامتحان . وقال : ما أقبح زمانا لا سلطان فيه للمؤمن على الظالم ، وأقبح من ذلك الزمانزمان يجد فيه الظالم على ظلمة أعوانا ، وأقبح من ذلك الزمان زمان يرى فيه الظلم إحسانا . وقال : لو كان هم الناس محاسبةأنفسهم فيما افترض اللّه عليهم ، وتصفية أقواتهم التي تصح بها عباداتهم ، ومراعاة خواطرهم التي بها تثبت عبوديتهم : كفوا الهمومالواردة عليهم من جبار ، وسلطان ، وحاسد ، وباغ . وقال : إن فيما فرض اللّه عز وجل شغل عن الناس ، وإن في ذكر الآخرة ، والعدة، والاستعداد لتلك الشدائد ، والأهوال شغل عن الدنيا ، وشهواتها ، ولذاتها ، والشغل الأول يورث مزيد الإيمان ، والعلم ، والمعرفة ،واليقين ، والشغل الثاني يورث التعفف ، والقناعة ، والغنى ، والورع ، والزهد ، والإشفاق ، والخوف ، والرجاء ، والصبر ، والشكر ،والمحبة ، والإيثار ، والحياء ، والمراقبة ، والرضى ، والتوكل ، والفقر ، والفاقة إلى اللّه عز وجل

وقال : لما أهملوا أمر اللّه عز وجل أسلموا إلى عباده ، ولما تركوا المحاسبة لأنفسهم عموا عن عيوبهم ، فكانت عقوبة الخذلة التعلقبالخلق دون اللّه عز وجل ، وكانت عقوبة الترك للرعاية رجوعهم إلى الخب ، والحيل ، والتدابر ، والتقاطع فيما بينهم ، والتدابر ،والتحاسد . وقال : بتضييع النية يفسد السر ، وبمخالفة الأصول تفسد العلانية ، والسر موضع التصديق ، والمحاسبة ، والعلانيةموضع الحدود والأحكام . وقال : لما تركوا الوقوف مع الهموم الجارية في أسرارهم ظفر بهم العدو في الظاهر ، والباطن ، ولما خالفواطريق السلف أشرعت فيهم البدع ، والأحداث فصارت الأعمال دعوى بالمؤمنين بالمواحيد ، وصار العلم تمنى بالرأي ، والاستحسان ،ومعقول يفسد على أهل الظاهر ظاهرهم ، وعلى أهل الباطن باطنهم . وقال : لا يترك صحبة الناس في البداية إلا معجب بنفسه ، ولايصحبهم لنفسه إلا عليل ، وإنما تصح العزلة ، والانفراد بعد العلم ، والمعرفة ، واليقين ، وتصحب الناس لآداب النفوس ، وصلاحالقلوب ، والاستقامة في الدين . وقال : لا يصحب المداهن إلا ضعيف ، ولا يسكن إلى الباطل إلا سقيم ، فعلامة المداهن تركالمناصحة ، وعلامة السقيم أخذ ما وافق الهوى والنفس ، وترك ما ثقل حمله ، وعقوبة هؤلاء ترك نص الكتاب ، وبيان السنة ، والطعنعلى أهل الآثار ، والرواية ، وإقامة الأعذار بأهل الضعف ، والجهالة خوف من سقوط الجاه ، والمنزلة . وقال : كان خاصة الناسيؤدون الفروض الواجبة لإيجاب حق اللّه عزّ وجل ثم جاء قوم يؤدونها لما عند اللّه عز وجل ، ثم جاء قوم يؤدونها

للدنيا ، والآخرة ثم جاء قوم يؤدونها عند فراغهم من دنياهم لا يدرون لما يعملون ، ولا يعقلون ما يقصدون قد أضاعوا علم النية ، وفقدمنهم وجود الخشية ، وكأنك بقوم يؤدونها على دمائهم ، وعادة لأوقاتهم ، ثم يأتي قوم لا يستحيون في تركها ، ويسخرون بمن أقامها . وقال : كان الناس يؤدون الحقوق الواجبة عليهم خوفا من اللّه عز وجل ، ثم جاء قوم يؤدونها ديانة ، ثم جاء قوم يؤدونها مروءة ، ثم جاءقوم يؤدونها حياء ، ثم جاء آخرون يرون حقوق الناس منعها ، وآدائها مغرما لا يوفون بعهد ، ولا يصدقون في وعد . وقال : ابن آدمالمسكين لو أحب ربه أطاعه ، ولو أطاعه لم يخالفه ، ولو عرف ربه لاستعان به ، ولو استعان به لم يسلمه ، ولكنه أحب الدنيا ، وآثرها ،وجهل أمر اللّه عز وجل في الآخرة فنسيها « 1 » .

وقال : كيف لا تشكر مولاك ، وتذكره ، وقد أعانك بكل جوارحك عن الكل ، وأغناك بدينك عن الخلق عجبت لك كيف لا تقبل عليه ، وتؤثره؟ ! وقد قصدك بفضله ، وموعظته ، ولم يضيعك في خلقه ، ولم يهملك في عباده ، خلقك وهو الغنىّ عنك ، وهداك من أجل فقرك إليه ،وجعل لك عقلا تفهم به ، ولسانا تذكر به ، وسمعا ، وبصرا لتعتبر ، وتذكر ، وقوة ، وصحة ، وقلبا ، ودينا ، ووعدك الجزيل على طاعته ،ونهاك عن كل قبيح في العقل ، ودنى في الفعل ، وعطف الأبوين عليك بالرحمة ، ويسر لك عند الناس المودة أعقل من فعل بك ذلك ، ولمفعل ذلك اليد جزاك بها ، أم لنفع رجاه منه ، أم كان ذلك كله بك فكيف يكون شكرك لنعمه ، ومودتك له ؟ ! وقال : ليس من يطلبه الملكلمحبته له كمن يطلب الملك لحاجته إليه ، وليس من يريد الملك لنفسه كمن يريده لحاجة الخلق إليه . وقال : للّه عز وجل عباد أفردهم له ،وله عباد أفردهم له وللخلق ، وله عباد أفردهم للخلق من غير انقطاع عنه ، وخلق خلقا لا حاجة له فيهم فهم لأنفسهم ، وصلاح دنياهم ،وإقامة حظوظهم ، ومعايشهم . وقال : خاب من لا حاجة له عند ربه في آخرته ، وخسر من لا حاجة

--> - طريق الخواص ، محمود في طريق غيرهم ، إذ لم يجدوا من يرشدهم إلى تحقيق الخواص ، ثم قال له : يا أخي لو أن شيخكأخلاك وجوعك ثلاثين سنة ، لم تصل إلى مقام الولاية التي جعلت جوعك طريقا لتحصيلها ، فقال : لا أخرج من هذه الخلوة أبدا ، فقالالشيخ : تب إلى اللّه تعالى ، واعبد ربك امتثالا لأمره ، فإن أجلك قد قرب ، فأبى ، ثم مات بعد يومين بالجوع ، فأعلمت الشيخ به ،فقال : لا تصل عليه ، فإنه مات عاصيا لقتله نفسه بالجوع . وكان رضى اللّه عنه يقول : حكم هؤلاء الذين يأخذون العهد على المريدينبالجوع والرياضة ليصيروا أولياء ، حكم من أراد أن يجعل شجرة أم غيلان تطرح رطبا ، أو شجر الجميز يصير تفاحا ، أو شقفالطباخ الزفورى تصير كآنية الصين ، وذلك لا يصح أبدا ، انتهى . وانظر : ( لطائف المنن ص 444 ، 446

له عنده في دينه ، وظفر بالغاية من انطوت حوائجه في الدنيا ، والآخرة إلى حاجة عنده . وقال : لقد شقىّ مريد لا حاجة لا عندالعارفين ، ولا سنة له عند الصادقين ، وسعد عبد كثرت حوائجه عند العلماء في دينه ، وهو فقير في الكل إلى ربه . وقال : الناس كلهمموتى إلا من أحياه اللّه بالإيمان ، وأهل الإيمان في غفلة إلا من أيقظه اللّه بالعلم ، وأهل العلم في حجاب إلا من أوجد المعرفة ، وأهلالمعرفة في تحير إلا من آواه الحق إلى العلم به على أصل إيمانه ، وعلمه ، ومعرفته فاستعمله بذلك ، وأفقره في ذلك ، فهؤلاء الذينورثوا من إيمانهم مزيد الهداية وورثوا من علمهم مزيد الخشية ، وورثوا من معرفتهم وجود الحكمة ، ومن سواهم موقوف على نيته غيرمتحقق بإرادته . وقال : كل أهل الإيمان ، والعلم في حق غير أنهم محجوبون عن الحقيقة حتى يجدون علم اليقين من حقيقة علمالتوحيد يشهد لذلك قصة حارثة بن محصن مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وقال : كل الخلق مقفول القلب عن الحقيقة إلا أهل اليقينفمنهم : صامت لتجلجل الحكمة في صدره ، ومنهم ناطق بها معبر عنها فطوبى لعبد شرح اللّه صدره ، إما بتصديق بهذا العلم ، وإمابنطق فيه على أصول الشرع بموافقة الاقتداء . وقال : كل منطق بمعنى من الحق فهو لسان للحق في الحق المتقدم فمن خصّه اللّه عزوجل به على الإلهام فهو لسان الحق عين الحق حجة ، ورحمة على الخلق ، وللخلق

وقال : عيون الحق ، وألسنة نطقهم متصل به لأن بدأه منهم ، ورجوعه منهم إليه لشاهده ما يجرى عليهم بحوله ، وقوته ، وإخراجنظرهم منه لأنفسهم ، وهم أصحاب الأحوال ، وأرباب الأحوال الذين كشف اللّه لهم غواشى أغطية الغفلة عن قلوبهم فعبروا أحوالالخلق في المقامات ، والدرجات ، والمنازل ، والمراتب الجائرة عليها خطوب الخاصة ، والعامة من أهل درج الجنان ، وأدراك النار . وقال : تكلم الناس في هذا العلم من ثلاث معادن تحت العرش بدا له معدن القرب ، ومعدن التقريب ، ومعدن الاقتراب : فمريد صادقبدت له عيون من القرب فتكلم من وجود حاله ، ومريد صادق صديق بدت له عيون من التقريب فنطق من وجود حاله في حاله ، ومرادبالإرادة ، والصدق ، والصديقية بدت له عيون من الاقتراب فمنطق من وجود حاله في حاله على وجود حال غيره ، إما بعينه عن شهودهفي حاله ، وإما بوجود شهود حاله فالأول : عبد للحال ، والثاني : مستعبد في الحال ، والثالث : رب للأحوال معيار للخلق معيار للحق، وهم الأوتاد في كل زمان . وقال : من عرف التمييز من المحكم والمتشابه من الكتاب ، والسنة ، والناسخ والمنسوخ في الأمر ، والنهى، والترغيب من الترهيب ، والخاص من العام في ذلك جاز له الاستنباط في بيان الأحكام ، والحدود ، ومعاني الخوف ، والرجاء ،والصبر ، والشكر ، والصدق ، والإخلاص ، ونحو ذلك ، ومن عرف التمييز بين المحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، والترغيبوالترهيب ، والخاص والعام في الكتاب والسنة ، وفهم التفصيل بين مقامات الإيمان ، ودرجات اليقين ، ورتب الإحسان ، وأخلاقالآداب في كل حال بوجود معرفة أصله ، وفرعه ، وظاهره ، وباطنه

وحكمه ، وحدّه ، وميراثه ، وبدايته ، ونهايته ، جاز له الكلام في دقائق الأحكام ، وغرائب الحدود من فروع علم الظاهر عند النوازل منالمشكلات الغوامض ، ومن جمع له العلم الأول ، والثاني بمعرفة التمييز بين المداراة ، والمداهنة في موارد الرضى ، والغضب ، والرغبة، والرهبة جاز له الكلام على متشابه الهوى ، ومحكم الفعل ، وحواظر النفوس ، وزواجر العقل ، وطبائع الأرواح العلوية ، والنفوسالأرضية ، ومن جمع له العلم الأول ، والثاني ، والثالث بعرفة التمييز بوجود الغنى في الفقر ، والفقر في الغنى ، والغنى في الغنى ،والفقر في الفقر ، والغيبة في الشهود ، والمشاهدة في الغيبة ، والفناء في البقاء ، والبقاء في الفناء جاز له الكلام في شواهدالانبساط مع الحق ، ومراتب الحضور في مشاهدة الحق بلسان تجديد التوحيد للواحد القهار . وقال : لا يعرف نفسه إلا عاقل ، ولايعرف نفسه ، وزمانه إلا عاقل ، ومريد عارف ، ولا يعرف ربه بالحقيقة إلا عاقل مريد عارف عالم ، ولا يعرف دينه إلا عاقل مريد عارفموفق بمعرفة هذه الأربع يتم حال العبد من جهة العبودية ، وأما تمام حاله من جهة حقيقة الربوبية ، فلا تتم إلا بأربعة أخرى يكونخوفة من اللّه ، ورجاؤه في اللّه ، وغناؤه باللّه ، وفقره إلى اللّه ، وإما مريد حاله في تمامه فإنه لا ينال ذلك إلا بأربعة أخرى : بذلالنصيحة للّه في خلقه ، وموافقته للّه في محبوبه ، وإيثاره للّه على مراده ، وخروجه إلى اللّه من رؤية حاله . وقال : اختبرت أهل الإتراففوجدت فيهم أربع خلال دنيئة : زيادة الحمق بزيادة الدراهم ، وزيادة الجهل بمزيد العلم ، وزيادة البخل مع دعوى المصافات ، ومزيدالملك لإخوانهم مع الاستغناء عنهم ، واختبرت أهل الفقر فوجدت فيهم أربع خلال رديئة : يحب أحدهم أبناء الدنيا

لحظه ، ويبغض الفقراء لمراده ، ويرضى عن من يعطيه ، ولا يسأل من يمنعه ، واختبرت قراء أهل هذا الزمان ، وعالمهم ، ومتعلمهمفوجدت فيهم أربع خصال موبقة : الرغبة في الثناء في الرئاسة ، والحرص مع الحقد في القلوب ، والتحاسد لموافقة الهوى ، والتصنعلأبناء الدنيا للدنيا ، والتكلف في الدين بغير علم ، ولا معرفة لخوف سقوط المنزلة فأصبحوا جميعا قد تعطلت همومهم من الآخرة لهمدنياهم ، وزال عنهم خوف الفوت ، ورغبة السبق لغروب عقولهم ، وذهبت منهم الألفة ، والمودة للّه ، وفي اللّه لقسوة قلوبهم ، وتراكبتالغفلة عليهم ، وعدم منهم المعاداة ، والموالاة للّه وفي اللّه لكثرة مداهنتهم ، وخوفهم على ما بأيديهم إلا ما شاء اللّه ، وقليل ما هم . وقال: لما رضى الحمقاء بصحبة الجهل عن طلب العلم فسدت دنياهم بالحرص ، والرغبة ، ولما رضى العلماء باسم العلم عن العمل فسددينهم لمحبة الحظوة ، والمنزلة ، ولما رضى العمال باسم العمل على ترك التعفف ، والورع ذهبت منهم الخشية ، ولما رضى أهل التعفف، والورع بالاسم دون الصحة في المقصد ، ذهبت منهم علم الزهد ، وتقطعوا بالأعلى فحرموا أخذ الحلال بالتصنع ، واستحلواالشبهات موافقة الهوى من أهل الرقيب ، والعمى فسلبوا أنوار البصائر حتى رجعوا إلى جهلة الحمقاء بصحة الهوى ، والنفس ،والعدو ، والدنيا . وقال : من رغب عن آداب العقلاء بالعلم ، وصحة التقوى بالورع لم يجد نور بهجة الأبرار ، ولم يصل إلى زهرة المعرفة، ومن رغب عن دلالات العقلاء العارفين بمعنى العلم ، واليقين لم يصل إلى حقيقة العلم باللّه المصحوب بالغنى في وجود العدم ، والفقرفي وجود الغنى ، وكل عالم ، وعامل ، ومتورع ، وزاهد لم يكن ، وردّه إلى هذين الأصلين

الغنى ، والفقر ، وخروجه منها إلى ربه فهو في حيرة ، وشبهة يصير الابتداء منتهى ، والمنتهى مبتدأ ، وفي هذا غلط أكثر أهل الرقةمن العلماء ، والنساك إلا من عصم اللّه عز وجل . وقال : البداية صولة ، والمعرفة سكرة ، فمن أخذ علم حاله من بدايته انقطع ، ومنعلم حاله من سكره ومعرفته افتتن ، فإن أريد بالمزيد الاصطناع رجع إلى أحكام الأمر ، والنهى ، والترغيب ، والترهيب ، والرفق ،والأناة برؤية الحياء ، والمراقبة ، والإجلال ، والإعظام ، والهيبة في وجوده ، وشهادته ، وحضوره ، وغيبته . وقال : من لم يقف فيبدايته مع الرفق وقع في العجب والملالة ، ولم يزده في المعرفة الافتقار إلى ربه وقع في خدع العدو ، والنفس بالأمانى ، والتسويف . وقال : إذا رضى العاقل بالوقوف مع وجود عقله عن مباشرة العلم ، وسكن العالم إلى شاهد عمله ، واطمأن الورع إلى قدرته علىنفسه ، ووثق العارف بحاله مع رؤية ، أدركتهم ثلاث عقوبات كل العقوبات داخلة فيه الدعوى في المقامات ، ورؤية الحال في العبادات، والازدراء بالغير لما وجدوا من الحلاوات ، ولا نجاة لهم من هذا البلاء حتى يخرجوا إلى اللّه عز وجل من حالهم بالفقر ، والفاقة إليه ،فيصير موضع الدعوى خوف السلب ، وموضع الرؤية للحال خوف الفوت ، وموضع الازدراء التعاطف بالرأفة ، والرحمة . وقال : طلبعلم الحلال ، والحرام مما تعبد اللّه عز وجل به عباده فريضة على أهل الإيمان طلبه من الكتاب والسنة ، فإذا أحكموا ذلك فواجبعليهم طلب علم الصدق والإخلاص ، فإذا أحكموا ذلك فواجب عليهم طلب علم الصبر والشكر ، فإذا أحكموا ذلك فواجب

عليهم طلب علم الترغيب والترهيب ، فإذا أحكموا ذلك بعد معرفة توحيدهم ، والسنن الواجبة من السنة في ترغيب التفقه في الفروع ،والاختلاف لإقامة الحجة ، وإيضاح الحجة بسبعة ما صلحت به النية ، وأريد اللّه به ، والدار الآخرة ، والفضل ، والرغبة في طلب حالنفسه فيما يجب للّه عليه من رعاية باطنة ، وصلاح جوارحه ، وأسباب الألفة في الدين ، والتعاون على البر ، والتقوى ، وإصلاح ذاتالبين ، وإقامة العدل ، والإنصاف ، وبذل المعروف ، والنصيحة بإحسان ، وما يقوى به إيمانه من الطاعة ، وما يزيد به يقينه من المعرفة، وتصحيح الأعمال للّه ، وما يقرب به العبد من ربه ، وما يبعده منه ، وما يورث الرضى عنه ، والثقة به ، والتسليم لأحكامه ، والتوكلعليه ، والغنى به ، والفقر إليه ، واعلم أن أفضل أهل الإيمان درجة أهل التقوى ، وأفضل أهل التقوى أهل العلم بالأمر والنهى ،وأفضل أهل العلم بالأمر والنهى أهل الخشية ، وأفضل أهل الخشية أهل المعرفة ، وأفضل أهل المعرفة أهل العلم باللّه ، وأفضل أهلالعلم باللّه أهل حقيقة التوحيد ، وأفضل أهل حقيقة التوحيد من جمع إليه علم الديانة في الأصل ، والفرع من الفرض ، والسنة ،والحدود ، والأحكام ، وما يتبعها من الإيجاب ، والآداب مع علم القربة إلى اللّه في النهاية ، والبداية في المقامات ، والأحوال ، والمراتبعلى أصول محكم التنزيل ، والسنة ، وآداب السلف ، وأخلاق الأئمة ، وهذا أفضل العلماء علما ، وأحكمهم حكمة . 

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الجزء الخامس [ مقدمة ] قال عبد الرحمن بن محمد : أوجب اللّه عز وجل على عباده المؤمنين بعد إقامةتوحيده ، والتصديق بملائكته ، وأنبيائه ، ورسله ، وكتبه ، ووعده ، ووعيده ، وبعثه ، وحسابه ، وجنته ، وناره ، والخلود في الدّارينعشرة من المفروضات لها عشرة من المعاني يبلغ بها العبد رضوان اللّه ، ورحمته ، ويلحق بتركها غضب اللّه ، وسخطه . فالفرض الأول: الطهر من الجنابة ، والثاني : الوضوء من الأحداث ، والثالث : الصلوات الخمس ، والرابع : الصوم المفروض ، والخامس : الزكاةالواجبة ، والسادس : الحج المفترض ، والسابع : الجهاد إذا وجب ، والثامن : الإقامة بأمر الميت إذا لزم ، والتاسع : الأمر بالمعروف ،والنهى عن المنكر ، والعاشر : بر الوالدين ، وصلة الأرحام ، وآداء الحقوق ، والموالاة في اللّه ، والمعاداة فيه ، وكف الأذى ، والألفة ،والتعاون على البر والتقوى ، فالطهر طهر الإيمان من أجاد حمله ، والوضوء دثار الإيمان من وضىء التوضأ ، والصلوات مكيالالإيمان من وفى أوفى ، والزكاة ميزان الإيمان من أرجح أرجح له ، والصوم جنة الإيمان من استحفظ حفظ ، والحج عدة الإيمان منتوفى فيه وفى له ، والجهاد سنام الإيمان من ناصح فيه ناصح له ، والقيام بأمر المسلم من شرط الإيمان من سلم فيه سلم ، والأمربالمعروف ، والنهى عن المنكر سفينة الإيمان ، من راعى أشراعها نجى ، وبر الوالدين ، وآداء الحقوق ، والموالاة ، والمعاداة ، وكفالأذى ، والألفة ، والتعاون نور الإيمان ، وسراجه ، وسبيله ، ومنهاجه من

ورده بالاستقامة ، والرفق أورده حضيرة القدس في رضى القدوس ، وخلود الأبد في جوار الواحد الصمد . وقال : أصل الدين ،وقواعده اثنان ، ترد إلى معرفة أربع يتصل بها كل فرض ، وحدّ ، وحكم ، وفضل ، وندب فالاثنان : الكتاب ، والسنة ، والأربع : الأمر ،والنهى ، والترغيب ، والترهيب . فالأمر والنهى موضع درجات أهل الإيمان ، والترغيب والترهيب موضع مقامات أهل الإحسان فمنسلك الطريق إلى اللّه عز وجل بغير هذه الأصول فليس في شئ ، وليس على شئ ، ولا يجئ منه شئ ، وليس ينتفع هو بشئ ، ولاينتفع منه أحد بشئ ، وقد ضلّ سعيه ، وبطل أجره ، لأن الكتاب ، والسنة إمام لكل خير في الدنيا ، والآخرة . وقال : واجب علىالعلماء نشر العلم ، كما وجب على الجاهل سؤال العلماء ، ولا يسع العالم الصمت إذا علم ما يسأل عنه من كتاب أو سنة أو إجماع ،أو اجتهاد برأي على الأصول ، ولا يخلو السائل للعالم من أربعة وجوه ، إما مسترشد فواجب على العالم دلالته ، وعلامة ذلك فيالسائل قبوله ، وتسليمه ، وإما مستفهم فواجب على العالم هدايته ، وعلامة ذلك في السائل بحثه في الرفق ، وطلب الدليل بالوقار ،وإما مختبر ممتحن فواجب على العالم الإعراض عنه ، والتنزّه عن الجدال ، والخصومة ، والتعرض باللّه ، وبرسوله ، وأئمة الذكر للردّعليهم ، والتكذيب لهم ، وإما مفتون بالدعوى مستدرج بالرؤية لحاله فواجب على العالم الصمت عنه ، لأنه لم يقبل من اللّه عز وجل ،ولا من رسوله عليه السلام فكيف يقبل منه ؟ وعلامة المختبر التعرض بالاختلاف ، وعلامة المدّعى المكابدة بالأضداد ، وردّ الأصولفروعا في الأحوال ، ورد الفروع أصولا في المقامات .

وقال : إذا سمعت العالم بالشرع يظهر نفسه في العلم ، وحاله في المعرفة عند الخاصة ، والعامة فاهرب منه فإنه مفتون مغرور ، إلاأهل الورع بالخشية فإن النصيحة تحثهم على إرشاد الجهلة العميان ، وإذا سمعت العالم باللّه عز وجل يظهر نفسه في العلم ،ومقامه في المعرفة ، ودرجته في اليقين ، والمشاهدة عند العامة دون الخاصة فاحذره فإنه محجوب متكلف إلا أهل الزهد ، والرضىفإن حق الإنصاف يحملهم على طلب مزيد الهداية للبر ، والفاجر . وقال : العلماء بأمر اللّه أدلاء على طريق الحق للّه ، والعلماء باللّهمرشدون على محجة الحقيقة إلى اللّه ، ومن هاهنا ارتفع العلماء بالأمر على أهل الإيمان درجات ، وشرف العلماء باللّه على العلماءبالأمر مقامات ، لأن العالم باللّه قد أحكم أمر اللّه ، ونهيه ، وزاد بالمعرفة ، واليقين ، والبصيرة في الدنيا ، والآخرة فزهد في الدنيابالحقيقة ، ورضى عن اللّه فتوكل بالثقة ، وقنع بربه عن كل شئ سواه ، والعالم بالأمر محبوس على حظه في الدنيا محجوب بمخوفالفقر منهما ، فإما أن يخرجه الحرص ، والرغبة إلى الحسد ، والبغى للذكر ، والشرف فيصير حامل حجة على نفسه مطالب بحق اللّهعليه فيما علم ، وأما أن يؤديه إلى التقاطع ، والتدابر ، والبدع ، والأحداث ، أو يبقيه على حاله متألما ، أو يتلاقاه اللّه بالورع ، والخشية، والإنصاف ، والزهد ، والنصيحة فيلحق بدرجات العلماء باللّه عز وجل « 1

وقال : إذا وقعت العناية بالصدق في قلب العبد نار قلبه لمزيد الهداية من اللّه عز وجل ، وصفى لقبول الحكمة ، ورق لفهم الموعظة فعندذلك يحمى بطنه من الشبهات ، ولسانه من التخليط فإذا طابت المطعمة ، وصدقت اللهجة ترادفت عليه سحائب الكرامات ، وأتتهلطائف الحكمة ، وتحف الإجابة ، وإذا لم يكن للحق عناية بالعبد في الخصوصية القى العدو في قلبه سوء الظن برزقه ، فاعتقدالحيلة بالحرص ، والرغبة بالشره فجفا خلقه ، وتحير في أمره ، واتبع هواه في دينه من جهة معقولة ، وهذه آفات الجوارح في اتهامالصحابة رضى اللّه عنهم ، فأورثهم ذلك التنطع في الأحداث ، والبدع ، ومن سبب الظن عوقب التلميذ في جهله بأستاذه ، وعوقبالحريص في فقد التوكل على ربه . وقال : من علا ذكره في بلده ، ورأس على أصحابه ، وهو مهمل لمحاسبة نفسه غير ناظر إليهابالتقصير في شكره فاته علم قلة الرعاية لدينه ، ومعرفة قيام ربه عليه فضل ، وأهلك غيره إما بإيثار دينا ، أو بإخفاء رؤية ، ودعوى

وقال : كان الذين مضوا همهم في معادهم فكفوا أمر دنياهم ، ثم جاء آخرون همهم دنياهم فذهبت الآخرة من قلوبهم ، ولم ينالوا منالدنيا إلا ما كتب لهم . وقال : ورث أهل الزهد بالفقر غنى القلب ، وأخذوا الراحة ، والسلامة في الدنيا والآخرة ، وورث أهل الرغبةبالغنى فقر الفقر ، واستعجلوا التعب ، والذّل ، والخطر في الدّارين . وقال : علامة المدعى للعلم إظهار الاختلاف فيما يدعوه إليه ،ويحتج به عليه فهو بترك السنة كي لا يغلب ، ويدعى الإجماع كي يغلب ، وعلامة المدعى للإرادة استصغاره للعلم العام ، وفقره منوجود العلم الخاص . وقال : سبحان من فتح على خاصة الدنيا ، والعلم ، ليريهم جوده ، وكرمه فيزدادون به غنى ، وإليه فقرا ،وسبحان من مسكها عنهم ليريهم قدرته ، وعزته فيزدادون به فخرا ، وإليه غنى . وقال : من لم يشغله محاسبة نفسه في حق ربه ،والاهتمام لها ، والإشفاق عليها عن ذم غيره ، ومدحه للخطر الذي هو فيه ، وما هو لاقيه من الموت وهو له ، والقبر ، وضيقته ، والوقوفوكربه ، والورود وعطشه ، والحساب ، وشدته ، والصّراط ، ودقته ، والسؤال ، وحدته فهو ميت في الأحياء ، عقله أسير بيد عدوه ، وقلبهمحجوب عن معرفة علم حاله . وقال : إذا فاتك شهود علم القيام من ربك ، ولم يخشع من ذكر الموت قلبك فأنت فارغ من الحقيقة ، وإنكنت ذا فهم ، ومعرفة ، وعمل . وقال : من لم يعرف زيادة حاله من نقصه في بدايته فليس بصادق في

إرادته ، ومن لم يفهم ستره من حجابه ، ومكاشفة حاله في حضوره عند نهايته فليس بنافد في طريقه . وقال : أبناء الإرادة في البداية، والنهاية على أربع مقامات ، فمن كان في بدايته أزهد في الدنيا ، وأرغب في الآخرة ، وكان في نهايته أعمل ، وأحكم غير أن الدنياتأخذ منه في حال فترته ، وذلك مزيد له في فقره إلى ربه ، ومن كان في بدايته أعمل ، وفي حاله أورع كان في نهايته أزيد ، وفيمحبته أثر غير أن التقصير يقع به في العمل عند فترته ، وإن أصاب الحكمة في منطقه . وقال : أعلى حال الخواص أهل الإيمانالتصديق بالقدر فمن رأيتموه صدّ عنه فاعلموا أنه مطرود محجوب بالإبعاد ، وأعلى حال لعوام الخصوص التصديق بالقدرة فمنرأيتموه ضاق صدره عن الانشراح له فاعلموا أنه مطرود محجوب بالبعد ، وهو أرجى في الانتقال من الإبعاد ، فإن تاب صاحبه ،وراجع السنة فقلبه محجوب عن فهم حقيقة هذا الأمر ، والنطق فيه ، والتعبير له . وقال : من أراد أن ينتفع بعلمه فليرد اللّه به وحده ،ومن أراد أن نقدس له علمه فلا يكن بينه ، وبين اللّه ثالث في قلبه . وقال : إن أيقنت أنه يراك فجلّ مقامه عليك ، واحفظ نظره إليك ،وخف من حلمه عنك ، ولا تأمن من قدرته عليك فإن قصرت بك المعرفة عن وجود علم ذلك ، فاحفظ صحبة من وكل بحفظ عملك ، والمراقبةلقولك فأثر فرضك على دنياك ، وقم بالحق الواجب عليك ، إنهم يبيتون معك ، ويصبحون ، ويجئ آخرون يقبلون معك ، ويمسون همأصحاب لك في الخلاء ، والملأ ، يرفعون عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل فاذكر أيادي من يرفع إليه عملك بأي شئ يرفعأنك إن أجللته

أجلك ، وأن أطعته أحبك ، وإن نصحت له آثرك إنه لا يحب الفرحين النظرين ، ولا يستخدم المستكبرين ، ولا يكرم الجبارين . وقال :علامة القبول زيادة الخوف ، والإشفاق بمزيد العلم ، والعمل ، وعلامة الرضى في القبول الغنى بالعلم ، والبصيرة بالفقر في العمل ،وعلامة الطرد التعلق بالأمانى ، والتسويف بمزيد العلم ، وترك العمل ، وعلامة الخذلان في الطرد الزهد في العلم ، والإعجاب فيالعمل ، وبهذا ينسخ العلم النافع من الصدور ، وتعمى القلوب باختبال العقل ، وانطماس الفهوم . وقال : إنما طاب عيش الأبرار فيالدنيا حيث علموا أن مولاهم الضار النافع المانع المعطى ، وإنما وجد أهل المراقبة الحياء منه حين أيقنوا أنهم بعينه في كل حال . وقال : من حق العلم الصبر تحت واجبات الأمر والنهى ، ومن حق المعرفة الشكر في موارد المنع والعطاء ، ومن حق اليقين الرضىوالتسليم في المكروه والمحبوب ما لم يكن آثما . وقال : من صابر العلم بالتعبد ورث علم المعرفة بالعبودية ، ومن صابر المعرفة بالعبوديةورث العلم الأكبر بحقيقة الوحدانية على يقين أفراد حقيقة الربوبية . وقال : كونوا فيما أباحه العلم لكم معلومكم الشكر ، وكونوا فيماخالف هواكم من الحوادث معلومكم الصبر ، فإن نازعتكم النفوس لغير الواجب في العطاء ، والمنع فقوموا عليها بالعقوبة تأتيكم موادالعون من ربكم . وقال : إنما ترك الناس لذتهم في الخلوة لبركات ما يجدون في الملأ

فمن آثر رضا الناس بالهوى ، والشهوة نزع من قلبه نور النصيحة ، وفوائد الحكمة . وقال : من آثر مجالسة الناس للّه على مدارسةالعلم ، والاعتبار ، والفكر أوجده اللّه مزيد النور ، والهداية ، وأصابة الحكمة ، ومن آثر ذلك لنفسه ، وللناس عوقب بمنازعة الأضداد ،وأهل المخالفة ، والقسوة . وقال : متى آثرتك بوقت من عمرى لغير حق وجب بيننا فقد نسيت نصيبي من الدنيا ، وكان نزول القبورأمثل من عمارة المساجد ، والبيوت . وقال : إذا تلاقى اثنان لغير نصيحة ، ولا إنصاف فمجالسة الموتى أسلم ، وأفضل من مجالسةالأحياء . وقال : كيف يفهم معنى العلم ، ويفهم مخارج الأدب من شيوخه ، من توهمه نفسه أنه بذلك أعلم ، وأعرف ، وكيف يثبت لهرأيه لشيخه بحقيقة ، أو تصح له زيادة لها ميراث ، أو بركة ، وهو مقصر في حقه مداهن لغرضه في غيبته . وقال : إذا عامل العالمالطالب والمريد بالمداهنة في حاله كان رأس مالهما الخب ، وربحهما الباطل ، والندامة ، وعوقبوا بالتدابر ، والتقاطع ، والزور ، والغى، والبهتان ، وإذا عامله بالإنصاف ، والنصيحة كان رأس مالهما الصدق ، وربحهما الحق ، والغبطة ، وعاقبتهما التواصل ، والألفة ،والبر ، والتقوى ، وهؤلاء الذين تسامت أرواحهم فتعارفت بروح اللّه ، وتصافت على طاعة اللّه ، واتصلت معرفة الدنيا بصحبة الآخرةفي الأبد ، فطوبى لمن كسب في عمره أخا واحدا في اللّه عز وجل . وقال : كل حزن يجاور القلب فهو مغلول ، وكل خشية تريد على

العبرة فهي سقيما إلا ما كان على وجه الغلبة بلا متابعة نفس ، ولا هوى لحظ . وقال : لا يصبر تحت الرفق ، والسعة على الشكربالمعرفة ، والافتقار إلى اللّه عز وجل إلا صدّيق يريد اللّه أن يجعله حجة على الأغنياء ، وأهل الإتراف ، ولا يصير تحت الضيق ، والعيلةعلى التعفف ، والتنزّه ، والافتخار باللّه إلا صديق يريد اللّه أن يجعله حجة على الفقراء ، وأهل الابتلاء . وقال : عيون الحق في خلقهأفراد ، وألسنته في عباده أجناده فحال الألسنة في الخصوص عموم ، وحال العيون في الخصوص خصوص مثل ذلك في الصحابةرضى اللّه عنهم كلهم خصوص على من سواهم ، وهم عموم عند العشرة ، والعشرة عموم عند الأربعة لأن الأربعة عيون السنة ، وزراءأصحاب ، عبد اللّه بن عثمان ، عمر بن الخطاب ، عثمان ابن عفان ، علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنهم أجمعين كلهم عين من عينوقع اسمه في الأرض بمعناه في السماء ثم أقام اللّه عز وجل كل واحد من هؤلاء إماما في الدين ، والدنيا ، والمقامات ، والدرجات ،وأقام الصديق علما في الدين يوم الردة ، وأقام علما في الإيثار بجميع ماله ، وأقام الفاروق علما في الدين لخراج الأرض ، والأجناد، وإقامة علما في الإيثار بالبعض ، وأقام ذا النورين علما في الدين بحفظ كتاب اللّه ، وإجماع الناس عليه ، وإقامة علما في الإيثاربالبعض ، واتباع الكسب ، وأقام علما في الدين لمعرفة قتال الخوارج ، والسنة فيهم ، وإقامة علما في الإيثار بالكل ، والصبر تحتصولة الفقر ، والتواضع فيه ثم درج الصحابة رضى اللّه عنهم يعدو من تبعهم بإحسان على منهاجهم فكل له في الأئمة إماما ، ومنخالفهم بمعنى يخرج به عن طريقهم إما تفريط

بتضييع ، وإما غلو باعتدال فليس هو منهم في شئ من ذلك الحال بعينه . وقال : سبحان من خلق الدنيا دار بلاء ، وابتلاء ، وخلقالآخرة دار مجازاة بالثواب ، والعقاب ، وجعل العوافى كلها ، والسلامة في الدنيا ، والآخرة في لزوم طاعته ، والتمسك بكتابه ، وسنةرسوله عليه السلام ، وجعل الامتحان ، والبلاء كله في الدنيا ، والآخرة في معصيته ، ومخالفة كتابه ، وسنة رسوله عليه السلام . وقال: أبلى اللّه عز وجل الكل بالكل فأبلى المؤمن بالكافر ، والكافر بالمؤمن ، والمؤمن بالمؤمن ، والكافر بالكافر ، والكبير بالصغير ،والصغير بالكبير ، والصغير بالصغير ، والكبير بالكبير ، وأبلى الجاهل بالجاهل ، والجاهل بالعالم ، والعالم بالعالم ، والعالم بالجاهل، وأبلى الغنى بالفقير ، والفقير بالغنى ، والغنى بالغنى ، والفقير بالفقير ، وأبلى الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، والرجال بالرجال، والنساء بالنساء ، وأبلى المالك بالمملوك ، والمملوك بالمالك ، والمالك بالمالك ، والمملوك بالمملوك ، وأبلى الصحيح بالسقيم ، والسقيمبالصحيح ، والصحيح بالصحيح ، والسقيم بالسقيم ، كل هذا ليظهر شكر الشاكرين فيزيده من فضله ، ويظهر صبر الصابرينفيجزيه من غير حساب ، أو يظهر البطر بالنعم ، والسخط في البلاء ، فإما سلب نعمة ، أو مزيد نقمة ليقضى اللّه أمرا كان مفعولايستدل على حال المدعى بأعجابه لقوله ، وإن وافق الحق كلامه بتركه العمل بما علم ، وإن ذم في ذلك نفسه ، ويستدل على حالالمدّعى المتعاطى الأحمق ، بدخوله على الأشياء بغير علم ، ولا معرفة ، وخروجه منها بغير تمييز ، ولا بصيرة ، وإن كان عالما عاملافالأول مفتون مخدوع ، والثاني جاهل أحمق ، ويستدل على حال الصادق في إرادته ، والعاقل

في طريقته بوقوفه مع علمه ، وتسليمه لمن هو أعلم منه ، وإن كان دونه ، وترك انتصاره لنفسه ، وحفظه للمتشابه ، وشغله بالذي هوأولى به من غيره ، ويستدل على حال المحفوظ بالسلامة ، والمراد بالكلائة « 1 » أن يتولى الحق له بلا استعداد ، وصيانة الحق له منالقرناء السوء ، والأضداد بدوام طهارة القلوب ، وسلامة الصدور ، وكفّ الأذى ، وبذل المعروف . وقال : لا يزال العالم مرائيا في عملهحتى يعرف ربه بالحقيقة فيفتقر إليه برد النعمة له ، ولا يزال العامل معجبا بعمله حتى يعرف رؤية الحقيقة فيعترف بتقصيره في واجبحق اللّه عز وجل عليه في علمه ، ولا يزال المعطى مفتخرا بما أعطى حتى يعرف ربه بالحقيقة فيحتقر الدنيا بأسرها للّه ، وفي حق اللّهتعالى ، ولا يزال الآخذ متصنعا للناس حتى يعرف ربه بالحقيقة ، فيأخذ الأسباب من يد المسبب ، ويشهد جرى الأقدار من المقدر فيالمنع ، والعطاء ، وهذا الذي رفع مؤنته عن الناس ، وكفّ آذاه عنهم . وقال : بقدر نزول نفسك تحت الأرض تواضعا لربك ترتفع همتك ،ويسمو قلبك ، ويجول فكرك في الملكوت الأعلى ، فإن كنت في هذه الأرض بنفسك فأنت مع أهلها ، وإن كنت تحتها فأنت في سماءالدنيا ، وإن كنت تحت الثانية فأنت في الثانية ، وإن كنت تحت الثالثة فأنت في الثالثة ، إلى أن تقر نفسك تحت السابعة فتكونروحك في السماء السابعة ناظر إلى الكرسي ، وأن تفضل عليك مولاك ، ففتح عين قلبك إلى رؤية عرشه فأنت أنت ، ولا سبيل لما فوقالعرش بلا مثال ، ولا صورة ، ولا تكييف ، ولا تحديد ، هذه طريق أهل منازل القلوب في رتب المشاهدة ، ومواجيد الحضور بالبقاء بعدالفناء فمن تعدى ذلك في التكلف عمى ، وتحيّر ، وهوى في البدع

وقال : بقدر نظرك إلى الآخرة تزهد في الدنيا ، وبقدر نظرك في الدنيا تزهد في الآخرة . وقال : نظر العين إلى ما تحت القدم بالشهوةيعمى نظر القلب عن فهم ما فوقه من عجائب القدر ، ونظر العين إلى الدنيا بعين العبرة يورث النور في القلب ، ونزول الحكمة . وقال :الفقر في الدنيا على وجود الغنى باللّه خصوص ، والغنى بالعرض في الدنيا على وجود الفقر في القلب عموم ، فقر الدنيا خصوص ،وغناها عموم ، والغنى في الآخرة خصوص ، والفقر فيها عموم ، وكذلك البلوى ، والعوافى خصوص ، وعموم في طائفتين الدارين إلاطائفة خصهم بعافية الدنيا ، والآخرة ، وطائفة خلقهم لبلوى الدنيا ، والآخرة . وقال : لا راحة لراغب ، ولا عيشة لحريص ، ولا أمانلحقود ، ولا سلامة لحسود ، ولا غنيمة لباغ ، ولا توبة لمصرّ ، ولا نعمة لجاحد ، ولا لذّة لكافر . وقال : ليس هذا بزمان ترغيب في درجة ،ولا مقام ، إنما هذا زمان ترهيب في إقامة الفروض ، واجتناب الحدود . وقال : ترك الحرام في هذا الزمن زهاده ، وردّ الحقوق فيه منأفضل العبادة . وقال : إذا لم يكن في الدرجات أفضل من إدخال المسرة على أهل الإيمان فكيف بك فضل مسرة الأبوين ؟ وإذا لميكن في المقامات أشرف من إحياء نفس مؤمنة ، فكيف بك شرف من إحياء نفسه بالقناعة ، أو صلاح ما تتعفف به من غيرها ؟

وقال : جعل اللّه عز وجل الدنيا دار بلوى ، وامتحان فقسم لأهل الإيمان منه أكثره ليرغبوا في الآخرة ، وخصّ من الأكثر بأعمه ،وأعظمه ، لأهل الإرادة ، والعلم ، واليقين ، والمعرفة لئلا يريدون من الدنيا ، والآخرة إلا هو . وقال : من لم يكف أذاه عن الخلق ، كيفيطيع ربه بأحكام الشرع ؟ ومن لم يأخذ الفضل عليهم كيف ينال درجة الرضى من ربه بأداء النصيحة له فيهم ؟ . وقال : جهد المبتدئأن يكون في إقباله طالبا للخلاص بالإقامة على التعفف ، والصبر ، وجهد المتناهى أن يكون في حاله طالبا للشكر على دوام الفاقةإلى مولاه بالفقر . وقال : لا يستقيم للمبتدئ السير في طريقه حتى يكف لسانه ، ويصف طعمته ، ولا يكمل للمتناهى حاله حتىيستوى عنده أربع : الذم ، والمدح ، والعطاء ، والمنع ، ومن عبد اللّه بهذه الست خصال فهو صديق . وقال : آداب العامة : طلب العلمبالتقوى ، وآداب العلماء : العمل بالعلم على التبري من الحول ، والقوة ، وهذا نفس الاستعانة باللّه ، وهي أوطان الخاصة ، لكل فرضأدب ، ولكل نافلة خلق فمن تعدى أدب الفرض وقع في ترهات الجهل ، ومن تعدى أدب النفل دخلت عليه دواعي العجب . وقال : تفرقالعلماء بالأمر ، والنهى على ثلاث درجات ، وتفرق العلماء باللّه على ثلاث مقامات ، ولا يكون عالما باللّه حتى يكون عالما بأمر اللّهفدرجات العلماء بالأمر حامل للعلم خشية للّه عامل به على الخشية له ، والبيان فيه ، وحامل للعلم خشية للّه عامل به على الخشية

والبيان فيه ، والاستنباط منه ، ومقامات العلماء باللّه ناطق من حاله للّه على حال غيره ناصح للّه في عباد اللّه ، وناطق من حاله للّهمعبر للحق ، وهو حاضر الجاري من اللّه ، وهو حاضر غائب عن حظه محفوظ بحقيقة الحق فهو سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذييبصر به ، وقلبه الذي يعقل به كما روى في حديث المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم الذي يرويه عن جبريل عليه السلام عن ربه جل وعزّ« من أهان لي وليا . . . » إلى آخره « 1 » . وقال : الصدق يتولد عن العقل المؤيد ، والصبر يتولد عن الفهم الموفق ، والشكر يتولدعن الفطنة المهدية ، وأعمال الخلق لربهم ، ومعرفتهم ، وعلمهم بتوحيده ، وإفراد ربوبيته بخالص الإثبات ، يتفرق في الأحوال ،والمقامات ، والدرجات ، والرتب بقدر ما قسم لهم من العقل ، والفهم ، والفطنة فالصدق يفترق في ثلاث ، ويجتمع في واحدة فافتراقهباللسان ، وهو الظاهر ، وبالقلب ، وهو الباطن ، وبالعقد على الإمضاء ، وهو دوام النية فيه ، واجتماعه بحقيقة الفعل ، والمبادرة . والصبر يتفرق على ثلاث ، ويجتمع في واحدة صبر على المكروه ، وصبر على المحبوب ، وصبر بذهاب حظ النفس لواجب حق اللّه عزّوجل محبوبا كان ، أو مكروها ، واجتماعه صبر برؤية الصبر من اللّه كما قال اللّه سبحانه : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النحل : 127 ] والشكر يتفرق على ثلاث ، ويجتمع في واحدة شكر بالثناء في النعمة ، وشكر بالعمل لأجل المنة ، وشكر بالثناء ، والعمل في البلاء ،والفاقة ، واجتماعه بالمعرفة فإذا عرف الشاكر من يشكر بالحقيقة تم شكره في المنع ، والعطاء . وقال : من استوى عنده المنع ،والعطاء ، والمدح ، والذم فهو رجل

وميزان الذم ، والمدح لا يعرفه من نفسه إلا عند من يجهله في الحاضرة ، والقربة ، ولا يحسن إمساكه إلا صادق في معرفته بنفسه ،ومكيال العطاء ، والمنع لا يعرفه في نفسه إلا عند المعارف ، وأهل الخلطة ، ولا يخلط دمه إلا صديق يعرف بربه . وقال : إنهم لما علمواأن الخلق مملوكون أطاعوا الخالق في معصية الخلق ، ولما أيقنوا أنه المالك الضر ، والنفع ، والعطاء ، والمنع لم يجدوا بدا من الغنى به، والفقر إليه . وقال : إذا كان موضع سقمك فيه شفاؤك ، وموضع كلامك فيه دواؤك فإعراضك عنه سلما لحتفك ، وسببا لقتلك . وقال :الحق أدبنى ، ومن فضله ، أنطقنى لولا علمه جهلت ، ولولا حلمه هلكت . وقال : أنا أطلب منذ أربعين سنة ثمانية أحوال من أربعةأصناف لأزداد بهم إيمانا ، ومعرفة ، وعلما ، ويقينا فلم أجدهم فطوبى لمن ظفر بهم ، أو بواحد منهم أطلب عالما بدينه متوكلا بالحقيقةعلى ربه ، ومريدا صادقا لربه متورعا في دينه ، وفقيرا راضيا عن اللّه تعالى في فقره خائفا من ربه ، وغنيا شاكرا للّه عارفا بربهمتواضعا للّه في خلقه . وقال : أجلّ الناس قدرا في الدنيا ، والآخرة العقلاء باتباع دلالات الحق في الأمر ، والنهى ، وأرفع من هؤلاءمنزلة في الجنان ، والمقعد الصدق : العقلاء باتباع دلالات الحق في الأمر ، والنهى على العلم باللّه ، والمعرفة له في حقيقة العبوديةبالمحبة ، والإيثار ، وأقرب منزلة في هؤلاء على شرط حال الموافقة للحق بترك الاعتراض ، وأكرم هؤلاء حظه على شرط الحال أهلالقناعة الكبرى الذين لم يريدوا مع اللّه غير اللّه أولئك

الذين لا يحجبون عن اللّه متى أرادوا نظروا . وقال : تعرف هذه الأمة في الجنة بإشراق نور وجوههم ، ويعرف أهل القرآن منهم بالنور، وجمال الوجوه ، ويعرف أهل المعرفة منهم بالنور ، والجمال ، وحسن الهيبة ، ويعرف أهل العلم باللّه منهم بالنور ، والجمال ، وحسنالهيبة ، وارتفاع التيجان ، ويعرف أهل الغنى باللّه منهم بالنور ، والجمال ، وحسن الهيبة ، وارتفاع التيجان ، ومناطق العزّ الموشحةفيه بنور العرش . وقال : ضاقت الدنيا على الصادقين لفقد الحلال ، وعدم الإخوان ، واتسعت الدنيا على الصديقين لأنسهم باللّه ،ووجود موافقتهم للّه ، وهؤلاء أهل العيشة الراضية في الدنيا ، والآخرة . وقال : حرام على من طلب العلم للّه ، والدار الآخرة أن يطلببه الدنيا ، وأن يزيده العلم إلا خوفا ، وإشفاقا ، وحرام على من أراد به الدنيا ، وزينتها أن يزيده العلم إلا عمى في القلب ، وظلمة فيالصدر ، وسد باب الفطنة ، والفهم . وقال : علامة الصادق في طريقه الرحمة لأهل البلاء ، والرفق لأهل الابتلاء . وقال : من علامةالخرق ، والجفاء في العلم ، والمعرفة ، التعسف على أهل البداية ، والأنفة عن مواعظ أهل النهاية . وقال : إذا شدّد العالم شذ الناسعن اللّه تعالى ، وإنما رخّص لهم أعز الناس باللّه ، وإذا نشر العلم ، أو كتمه لخوف من الناس ، أو رجاء لما عند الناس نزعت منه هيبةالعلم ، وأنوار الصدق ، فإن أراد اللّه مريد فتنه ابتلاء العامة به ، يمدح على رؤية نفسه فيعمى في طريقه ، أو يذم عقوبة

للصدّ عن سبيله ، فإن أنصر رشده ، فراجع ربه ، وإلا فهو الهالك . وقال : إذا صار العلم اقتضاء لما عند الناس ، والعمل أراده لثناءالناس فسد حال الاتباع لهم ، وقلّ فلاح عامتهم . وقال : حلّ البلاء بالعامة ، والخاصة لترى بين المتعلم بالعلم ، ومباهاة العالم بالمتعلموقال : سيظهر في هذه الأمة في آخر الزمان في هذه الأمة دجالون كذابون خبائث الأنفس أدنياء الأرواح ، تنزع الرأفة من قلوبهم ،والحكمة من صدورهم يفترقون على طائفتين في إظهار ترك الدنيا ، وطلب العلم ، وعلامة إحدى الطائفتين دعواهم وجود الفهم فيالشعر ، ولا يوجد معهم فهم بكلم الرب . وقال : وعلامة الطائفة الأخرى دعواهم حفظ اختلاف الناس ، ولا يوجد معهم عمل بالسنة فمنأدرك ذلك الزمان فالهرب الهرب من العامة ، والخاصة . وقال : من أراد السلامة من شرّ الزمان ، وأهله فليتعفف بكسبه عن العامة منأبناء الدنيا ، ولا يأخذ من العلم من أبناء الآخرة إلا ما وافق الكتاب ، والسنة ، وما اجتمع عليه الصدر الأول ، والأئمة . وقال : أول بابمن الإيمان آخر باب من الكفر ، وأول باب من اليقين آخر باب من الإيمان ، وأقل باب من العلم آخر باب من الجهل ، وأول باب منالمعرفة آخر باب من العلم ، وليس لليقين ، وللعلم باللّه آخر وحدّ ، والإيمان في عده آخر آية ، وغاية علم المعرفة في الوقوف مع صفاتالذات ، وإنما فضل العلم باللّه على المعرفة باللّه لأن المعرفة تنسب إلى الخلق ، والعلم ينسب إلى اللّه عز وجل .

وقال : القضاء ، والمشيئة ، والإرادة ، والحكم للّه عز وجل سابق بأمر نافد ، غير أن البصير الناقد لا يقدر نفسه ، ولا غيره في شئ منالمخالفة أن قدر عليه في ذلك ؛ لأن فرضه عند المخالفة الانتقال والتحويل كفرضه عند الموافقة ، والشكر ، ومعرفة التقصير ، وكل ذلكبتأييد اللّه ، ونصره ، وللّه الحجة بالفعل بالأمر ، والنهى على جميع خلقه ، واللّه غنى عما يراد به وجهه لا يزيد في ملكه طاعة منأجاب ، ولا ينقص منه معصية من تولى به . وقال : من آثر حظه من دنياه على حظه من آخرته في باب الترغيب أحرم مزيد هدايةالمكرمين من العلم ، والمعرفة ، واليقين ، ومن آثر رضى الناس على حفظ فرضه في باب النهى عوقب بمقت اللّه ، وإعراض قلوبالمؤمنين بالجفاء عليه ، والقسوة له . وقال : فساد حال أبناء الإرادة اتباع الهوى ، وانتصار النفس ، وعى قلوبهم عن وجود فهممسائلهم ، ورؤية نفوسهم بالفضل ، ومحبة الشرف على أشكالهم . وقال : من أجل ما أعطى العبد بعد الإيمان الاتباع ، ومن أجل ماأعطى أهل الإيمان ، والاتباع كف الأذى ، والسلامة من دعوى الخلق ، ومن أجل ما أعطى أهل الإيمان ، والاتباع ، وكفى الأذى ،والسلامة من أهل النفع لعباد اللّه ، وإدخال السرور على أهل العلم والمعرفة باللّه عز وجل . وقال : إذا عدم العدل في الأمراء ،والصدق في العامة ، والإنصاف عند أهل الإرادة ، والنصيحة عند العلماء ، والمبذلة بين الإخوان فلا راحة في الدنيا لمؤمن ، ولا حقبود المعاهد ، وعند ذلك سمى العلم جهلا ، والجهل علما ، ويصير الغنى شرفا ، ومكرمة ، والفقر إضاعة ، ومذلة .

وقال : لما سخر أهل الأشواق بأهل الورع عوقبوا بذهاب الحق من بينهم في الأخذ ، والعطاء ، ولما ازدرى أهل الرغبة بأهل الزهد ،عوقبوا بمن يخيفهم على دنياهم ، وينتزعها منهم ، ولما أنكر أهل العلم بالأمر على العلماء باللّه عز وجل صفات أهل الحقيقة سلط اللّهعليهم من أذلهم للحق الذي في أيديهم ، ومنعهم من إظهاره فلا شفاء لأهل الأشواق ، ولا أمان لأهل الأموال ، ولا راحة لأهل العلم إلابالانتقال ، والتوبة ، والاعتراف ، وإلا فالعقوبة متصلة في الدنيا ، والآخرة . وقال : اعرفوا الناس من ثلاثة أوجه : فإذا وجدتموها فلاتبالوا ما فاتهم من البر ، ولا تغتروا بمن فاتته ، وإن ظهر عليهم علمه ، وفضله ، ورجاه الفعل بالاتباع ، وحفظ الفرض بكف الأذى أوبذل النصيحة للّه عز وجل . وقال : لا ينال ثلاثة إلا صديق صيانة الفقر ، وكتمان الضر ، وتصديقا بالقدرة . وقال : عدم في هذاالزمان ثلاثة في الدين ، وثلاثة في الدنيا ، وثلاثة في الفقراء ، وثلاثة في الأغنياء ، وثلاثة في الأهل ، وثلاثة في الإخوان ، فأما التيفي الدين فالمحافظة على الفرض ، والرعاية في المعاداة ، والموالاة ، وفقد الثقة باللّه ، وأما التي في الدنيا فالحلال المحض بلا شبهة ،والنصيحة بالحقيقة ، والإنصاف في المودة . وقال : وأما التي في الفقراء فالصبر عند العدم ، والرضى بما أوتى ، وترك الذم ، والمدحوقال : وأما التي في الأغنياء فالشكر عند الموجود ، وبذل الفضل بلا منة ، وترك النصح بالنعمة .

وقال : وأما التي في الأهل فإقامة الدين بواجب فرضه ، ومصلحة الدنيا بنية التعفف ، ومحبة الستر بترك الافتخار ، والمباهاة . وقال :وأما التي في الإخوان فسلامة الصدر عند المخالفة ، والبذل عند الحاجة ، والنصرة بالحق عند الغيبة . وقال : من ترك طلب العلمتحكمت فيه دواعي الجهل بالغرة في آخرته إلا أن يكون له بينة مصحوبة بالسلامة ، ومن طلب العلم بغير أدب استحكمت فيه دواعيالعجب بالغرة في دنياه ، وآخرته إلا أن يكون له صدق في نية ، وإخلاص في مقصد . وقال : آفة العلماء في هذا الزمان نظرهم إلىأنفسهم في العلم ، وآفة العمال نظرهم إلى غيرهم بالتقصير ، فكلما تزيد العالم علما ازداد فخرا ، وعجبا ، وكلما ازداد العامل عملاازداد بالناس احتقارا ، وازدراء ، ولا نجاة لأحدهما من هذه البلية إلا بالفقر إلى اللّه عز وجل ، والنظر إلى الخلق بالتعطف ، والرحمةوقال : ضعفت العقول لرقة الدين ، وقست القلوب لفقد الرحمة فإذا أعين على العبد بمجالسة أهل الإتراف في الدنيا ، وأهل الجدال ،والخصومات في الدين انطمس الفهم ، وغلب عن الفطنة ، ووجه الصواب . وقال : ليس هذا زمان زيادة في شئ من العلم ، والخير إلاينقص من الورع ، والزهد ، ونور القلوب ، ولا يفهم ذلك ، ويعقله ، ويميزه بالنفس إلا نافد جهبذ بصير . وقال : هذا زمان صمت ،ومعالجة صلاح قلب ، والهرب من أهل الاغترار الذين اتخذوا علمهم استجلابا لمزيد دنياهم ، وعملهم تجارة

للدنيا ، ومحبة للذكر ، والثناء أولئك قطاع طريق المريدين إلى اللّه عز وجل . وقال : إذا رأيت علمك في زيادة ، وورعك في نقص ،وعملك في مزيد ، وزهدك في نقص فاعلم أن بابك مغلق ، وإذا أنت حامل حجة مكدود على غير محجة . وقال : إلى كم تجمع العلم ،وتسعى في العمل ، ولا بصيرة ، ولا نور ، أين مواريث العلم ؟ أين تركة الأعمال ؟ لو كان علما نافعا ، وعملا زاكيا لرأيت نوره يزهر فيقلبك ، ولبدت أعلامه على جوارحك . وقال : أهلك العامة اقتداءهم بزلات الخاصة ، وأهلك الخاصة مداهنة العلماء ، فصار بعضهمعلى بعض فتنة ، ونقمة . وقال : لا يزداد أحد علما إلا نقص من عقله أمثاله لتركه العمل به ، ولا يتزيد أحد جهالة إلا نقص من دينهوإضاعته لتركة العلم . وقال : من استوى عنده الإحسان ، والإساءة لم يعرف صديقه من عدوه . وقال : من نظر إلى جرى الأسبابمن مقدرها لم يكن له عدو إلا في الدين . وقال : رؤية العين عين يقين ، ورؤية القلب علم يقين العين ، فشفاء العين إشفاء للقلب من رؤيةالغيب بالقلب ، ولذلك فضل الاجتماع على المحبة ، والصفاء على الافتراق بالاتفاق ، والموافقة ، وفضلت الآخرة على الدنيا لمعنىكشف عين غيب اليقين عن علم يقين الدنيا . وقال : ما قصرت طريق إلى حبيب ولا بعدو منهل يورد على صديق . وقال : كل مودةبتكلف معلولة ، وكل اجتماع بلا نية مدخول ، علامة

ذلك التبرم ، ووجود الوحشة . وقال : صارت المودة بين المدعين للمحبة سلفا ، وعاد العلم بينهم جهلا . وقال : للفقه أصلان من تعداهماوقع في بحر التحير : الكتاب ، والسنة ، والفقهاء ثلاثة من خرج عن ذلك فليس بفقيه : عالم بشرع الدين ، وعالم بالدين ، والاختلاف ،ووجود الاستنباط على الأصول . وقال : الناس في طلب العلم على مقامين ، وهم في العمل بالعلم على درجتين طالب للعلم لنفسه للّه ،وطالب للعلم للناس للّه ، وعامل بالعلم بحظه من اللّه ، وعامل بالعلم لواجب حق اللّه عز وجل فكل علم ، وعمل خارج عن هذه الأربعةأصول فسعيه ، وجده مع حيل الشيطان ، ورجله . وقال : من اتصل علمه باللّه على علمه بأمر اللّه فهو حجة اللّه ، ورحمة لعباد اللّه ،ومن اتصل علمه بأمر اللّه على المعرفة باللّه فهي رحمة لنفسه بركة على غيره . وقال : كل من اتصلت معرفته باللّه على انقطاعه منالعلم بأمر اللّه ضل عن طريق أهل العلم باللّه ، وحرم المزيد في حقيقة توحيده للّه ، واشتبهت عليه الأحوال ، فإن قطع بوجوده فيالغيوب ذهب دينه ، وإن توقف عن القطع في الوجود تحير لانطماس أعماله ، وشهوده لحاله من حاله . وقال : قطع بمن كانت حكمتهفوق حاله المشهود من حاله ، واتصل بالحقيقة من كانت حكمته دون حاله على وجود قربه بفقره ، وفاقته إلى ربه .

وقال : إذا ثبت في عقد إيمان العبد وقوع البلوى من الخلق سقط رؤية فعل الخلق فإذا رسخ في معرفة التحقيق بالإيمان وقوع البلوىمن اللّه عز وجل نظرا ، واختبارا ، سقط عنه الاعتراض من حال نفسه ، وصار حكم رؤية البلى متعلق بالمبلى ، وكذلك هم في النعمفأهل الإيمان يشهدون ذلك كرامة ، وأهل المعرفة يرونه عقوبة ، وأهل العلم باللّه يرونه رفقا ، وتعليلا ، ونظرا ، واختبارا لأقسام سبقت ،وصلاح حال في الوقت ، وهم يأخذون ذلك من ربهم بالموافقة . وقال : الراغب في الدنيا عند الزاهد فيها مجنون ، والزاهد عند العارفمفتون ، والعارف عند العالم محجوب حتى يخرجون من رؤية حالهم ، ويرجعون جميعا بالفقر ، والفاقة إلى ربهم . وقال : الجاهل عندالعالم بمنزلة الأمير في دار الحرب ، والعالم عند العامل بالعلم بمنزلة العبد عند المولى ، والعالم بالعلم عند العارف بمنزلة الغلام عندالمؤدب ، والعارف عند العالم بمنزلة الأحرار عند الأستاذ ، والعالم باللّه مع اللّه لحظه عند العالم الذي يريد اللّه للّه بمنزلة الأستاذ عندالرؤساء . وقال : اعرف صدق المريد من جهة مسائل حاله ، واعرف كذبه من جهة مسائل غيره ، فإن خفى عليك ذلك فاعرف إخلاصهمن جهة صمته ، واعرف شكه من دخوله فيما لا يعنيه فإن خفى عليك ذلك ، فاعرف خوفه من جهة ورعه ، واعرف دعواه في تكلفه ،وإضاعة كسبه ، وانتصاره بالباطل لنفسه خوف السقوط عند أبناء جنسه . وقال : الاستعباد بالأمر ، والنهى نسبة العامة ، والتعبدبالأمر ، والنهى بالخوف ، والرجاء نسبة الخاصة . وقال : والعبودية بالأمر ، والنهى ، والخوف ، والرجاء ، والصبر ،

والشكر نسبة خاصة الخاصة ، ولا يثبت ذلك إلا بالصدق ، والإخلاص ، ومنه يتوارثون الدخول في المقامات ، والارتفاع في الدرجات . وقال : الاستعباد فرض ، والتعبد سنة ، والعبودية ترغيب ، وندب ، وخصوصية . وقال : العبودية إفراد اللّه عز وجل بقطع الأسباب ،والتعبد إلى اللّه عز وجل إفراد اللّه على التعلق إلى الأسباب ، والاستعباد إفراد اللّه في الاتساع في الأسباب ، وهم الذين يكثر همهمعند الفقر ، ويكثر فرحهم عند الوجود . وقال : أجل حال لأهل المعرفة باللّه عز وجل الغيرة في ذات اللّه ، ولا يصح ذلك إلا بأحكام آدابالحياء من اللّه عز وجل ، وأحكام آداب المراقبة للّه عز وجل ، وأعلى حال لأهل العلم باللّه الحضور بالفقر ، والفاقة بين يدي اللّه عز وجلوالمشاهدة بالخضوع على الغنى باللّه عز وجل ، ولا يصح ذلك إلا بأحكام آداب الرضا عن اللّه عز وجل ، وأحكام أخلاق التوكل علىاللّه عز وجل . وقال : العمل بعلم الأمر ، والنهى مزيد في المعرفة باللّه ، والعمل في آداب المعرفة مزيد في العلم باللّه تعالى فالعالم عبدللحال ، والعارف ، والعامل رب للحال غير أن العارف ينسب إلى درجة الغنى باللّه تعالى مع الغنى عن كل شئ دون اللّه تعالى ،والعالم ينسب إلى مقام الفقر إلى اللّه عز وجل مع البقاء مع اللّه بضجره من رؤية وجود الفناء فالعارف موجود ببقائه عما أوجده الحقللعالم ببقائه . وقال : كل حادثة في الدين نزلت فاجتهد العلماء فيها بالرأي على موافقة الأصول من الكتاب ، والسنة ، وإجماعالصحابة ، أو الأكثر منهم فهي بمزيد رحمة لأهل التقوى ، وفتح هداية لأهل الإيمان ، وكل أحدوثة

عمل بها في الدين موافقة للترغيب ، والترهيب ، وأخلاق الدين ، وآداب الصالحين فهي مزيد إرشاد لأهل الإحسان ، وقربة من اللّهلأهل الإيمان . وقال : من نظر بعين اليقين إلى أوائل الأمور رضى عن اللّه فيما قسم له من الرزق ، والبلوى ، وغير ذلك ، ومن نظربعين المعرفة ، والعلم إلى عواقب الأمور اغتبط بما أصابه من ضيق ، وشدّة . وقال : العوام ينتظرون العفو ، والرحمة بالاعتراض ،ودوام الغفلة ، والخواص ينتظرون المقت ، والعقوبة على الجد ، والاجتهاد ، ودوام الاعتبار ، واليقظة . وقال : العالم ، والعارف لا ينكراليوم كل بلاء نزل ، ولا الخسف ، والقذف لما قد يرى من تعطيل حدود الإسلام ، وتضييع أحكام الإيمان ، ومن منكر لا يغير ، ومنمعروف به لا يؤمر ، ومن طلب دنيا بدين ، ومن موالاة ومعاداة للنفس ، والهوى ، والعدو ، وأعلمهم في أنفسهم أرغبهم في الدنيا ،وأعبدهم عند أنفسهم لا بصيرة له ، وأورعهم عند أنفسهم لا نور معه ، ولا تمييز كلهم في الخوض يعمهون ، وبمثالب الناس يشتغلونلا ناصح يقبل منه ، ولا زاجر منهم يسعد به مسعود . وقال : سلامة الصدر للأمة أفضل من التطوع بالبر : الصلاة ، والصوم ،والصدقة ، والحج ، والجهاد ، وشغل القلب من أجل فساد الأمة أعلى من حظ السلامة ، وإقامة الحق ، والعدل في الأمة إما لحكم أوحد ، أو نصيحة أشرف من ذلك كله ، وبذل الدعوة فيه على المكاشفة فأحوالهم أصلح لهم في الدين ، والدنيا من إمام عدل يقيم الخيرفيهم . وقال : من أحببته للّه عز وجل فلا تعاديه لحظ من دنياك ، ومن واليته في اللّه فلا تعاديه في الدين حتى تنصحه لما وجب عليكمن حقه .

وقال : إذا تعرفت بأحد فلا تأمنه على سرك حتى تختبر عقله ، وتستبطن سره ثم لا تخالطه حتى تزيد الزيادة له في عقلك ، وعلمك ،ومعرفتك ، ويقينك . وقال : ما أقبح القطيعة بعد الصلة ، وأقبح البعد بعد القرب ، وأقبح الجفاء بعد الرحمة ، والبغضة بعد المودة . وقال: ما أضرّ صحبة الجهال على الدين ، وأضرّ صحبة الحمقاء على العقل وأضرّ صحبة البخلاء على المروءة . وقال : من ظن أنه يجداليوم راحة بغنيمة ، أو فرحا بسلامة إلا أن يؤالف ثلاثة ، ويفارق ثلاثة فقد عميت بصيرته ، ولم ينتفع بعلمه ، ومعرفته مؤالفة العلم ،ومخادنة المعرفة ، ومصاحبة اليقين ، ومفارقة الجهال ، والاغترار بالأضداد ، والهرب من العوام . وقال : من سلك طريق البلاء بثلاثةسلم ، ومن سلك طريق العوافى بثلاثة هلك من صير عقله بيد هاديه ، وجعل هواه في طاعة باريه ، وسجن عدوه في مضائق يقينهنجى ، ومن كان بأضداد هذه الثلاثة هلك إلا ما شاء اللّه عز وجل . وقال : لا يجوز للعالم أن يصحب معرفة بطوعه إلا مسترشدا عاقلا، ولا يجوز للمريد أن يصحب نفسه إلا عالما صادقا بصيرا ناقدا ، ومتى كان العالم ، والمتعلم بغير هذه الأوصاف ؟ فهو عمى ، وبلاءفي الدنيا ، وهم ، وعذاب في الآخرة إلا أن يعفو اللّه تعالى . وقال : عظم البلاء ، وعظم المنكر ، واختلفت القلوب ، وذهب أهل الوفاء ،ونسي الكرم ، وعفت طريق الإيثار ، وانتشر الخب ، وكثر الفجور ، وفشى الدهان فلا سلامة من عامي ، ولا بركة في خاص ، ولا

إنصاف في مودة ، ولا عدل في سلطان فقد بلى الكل بالكل ، وامتحن الكل بالكل فنسأل اللّه النجاة بمنه ، والخلاص بفضله فإنه لاحول لنا ، ولا قوة إلا به . وقال : هو زمان بلاء ، وفتنة ، وامتحان ، واختبار ، وأشدّ ذلك كله على من أشار إلى شئ من الحقيقة إمابحال حل فيه فذلك الذي أعظم البلاء عليه ، وإما بتصديق فيلحقه من البلاء بقدر إيمانه فطوبى للصابرين القانعين ، وهنيئا للراضينالمحسنين . وقال : إذا صار العلماء بالأمر جهالا في أعمالهم ، وصار العمال أهل عبادة في أفعالهم ، وصار المدعون الورع سخفافي أحوالهم ، وصار المريدون ، والطالبون أهل رؤية ، ودعوى ، ونفور ، وجفاء لا يهابون شيخهم ، ولا يجلون كبيرهم ، ولا يرحمونصغيرهم فيكرمون كرامات أهل الطاعة ، ويرفعوا بأهل التخاليط ، والمعصية فقد وجب كتمان هذا العلم ، ووجبت الظنة بذكر أحوالأهل المعرفة ، واليقين ، والخاصة ، والخصوص إلا عن أهله من أهل التصديق ، والبصيرة في التحقيق . وقال : إذا كتمت النصيحة منالإخوان سقط فرض المؤاخاة في اللّه عز وجل ، وإذا ظهر الشتات بين أهل الموالاة في الدين زال فرض الأمر بالمعروف ، والنهى عنالمنكر باللسان ، وإذا لم يوقر الصغير الكبير وجب الفرار من بينهم ، والدعاء للأمة ، وانتظار إمام يقيم حق اللّه معه . وقال : كم رأيتمن واعظ ، ولم تزدجر إلى كم أنت طالب للعلم ، ولا تنتفع ، وإلى كم تصحب الأخيار ، ولا تذكر ، أما آن لك أن تجلّ قيام من رقيبعليك ، أما آن لك أن تستحى ممن وكل بحفظك . وقال : لا يسلم لأحد في هذا الزمان دينه حتى يكون همه محاسبة نفسه ، وشغلهبصلاح دينه ، ويترك الناس جميعا بكفّ الأذى عنهم ،

واتصال نفعه بهم . وقال : إلى اللّه أشكو أناسا أنصحهم ، ويغشون أنفسهم ، وأنصفهم ، وتخدعهم أهواؤهم ، وأعلمهم أمر دينهم ،وهم حزب لعدوهم إن سألتهم منعوني ، وإن كففت عنهم الأذى لم يتركونى فقد وقع البلاء بنا جميعا فكم أقول وأقول ، ولا يعقلون ،وأقول وأقول ، ولا يفقهون ، إلى كم أنادى في أسماع قد امتلأت بحب الدنيا ، وأبين لأبصار قد غشيت بخوف الفقر ، وسلب الغنى ،وأنبه عقولا قد ترددت في الأطماع الكاذبة ، وقلوبا قد استولت عليها الأماني الفاسدة شاهدي عليهم التقاطع بين أهل الألفة ،والتراحم بين أهل السنة ، وازدراء الغنىّ بالفقير ، وتواضع الفقير للغنى ، وترك رعاية الغرض في الواجب ، والندب ، وما ظهر منالتغني بالقرآن ، والتصافى في سماع الشعر ، والتعاطي في غياهات الجهل ، والدهان لأهل الريب ، والفخر ، والإعراض عن أهلالصدق ، والذكر حتى لقد استخرت اللّه عز وجل في الانقطاع منكم ، والصمت عنكم ، وعسى أن يكون قد اقترب ذلك . وقال : لما حدثفي قلوب الجهال الغنى عن العلم أحدث اللّه في قلوب العلماء الجفا لهم ، ولما حدث في قلوب الفقراء الحاجة إلى الأغنياء أحدث اللّهفي قلوب الأغنياء البغضة لهم . وقال : عقوبة الفقراء التضحضح لأبناء الدنيا في الدين ، وعقوبة أبناء الدنيا في ترك الرحمة للفقراءفي الدين ، والدنيا . وقال : لا تسكنوا إلى الخلق فتسلموا إليهم ، ولا تثقوا بأنفسكم فيسلط عليكم عدوكم واحذروا ممر الساعاتبالتسويف ، والنظر إلى خطرات الأنوار ، وليكن التعلق في جميع ذلك باللّه على الفقر ، والفاقة ، وإليه تسلم لكم الأعمال ، والهم ،والخطرات .

وقال : إذا صفت النفوس من أدناس الأطماع ؛ طهرت القلوب من الريب في المضمون من الرزق ، وإذا انشرحت القلوب بنورتصديقها أبصرت حقيقة الأمر بيقين باريها . وقال : خرج أكثر الخاصة من الدنيا ، وقلوبهم مقفلة عن الحقيقة إلا العلماء بالمعرفة ،واليقين الذي فتح اللّه قلوبهم بعد فلاحها ، وشرح صدورهم بعد ضيقها . وقال : قلب الجاهل مقفل عن معرفة الأمر ، والنهى حتىيطلب العلم ، وقلب العالم مقفل عن المعرفة باللّه حتى يعمل بعلم الأمر ، والنهى ، وقلب العارف مقفل عن العلم باللّه حتى يفتقر إلى ربهوقال : تدرى متى تفهم هذا الشأن ؟ وتجل قدر أهله إذا ماتت نفسك من طبع جهلها ، وحيى قلبك بنور الحياء ، والمراقبة لربها ،وأشغلك به عن حفظ نفسك عند إقباله عليك حتى تسهو عن حقها . وقال : خذ الأسباب من معادن التوحيد بمعرفة الشكر ، وردّها إلىمصادر التفريد بمشاهدة التقصير يسقط عنك الهموم بالدنيا ، وتسلم من آفات الدار ، وشر أهلها . وقال : احذر أن تزهد في علمعالم ، أو حكمة حكيم فإن خالف رأيك ، وثقل حمله على نفسك فعسى أن يراك الحق طالبا له فتكتب عنده حكيما عليما . وقال : لاترغب في ود الجاهل ، وإن وافق هواك ، ولا تزهد في إعراض العاقل العالم ، وإن خالف ذلك هواك . وقال : عود أبدا همك ، وفكركالجولان في العلى يزكو عملك ، ويقدس عملك ، ويطهر قلبك ، ولا تعوده الجولان في الناس فيكثر

جهلك ، ويفسد عملك ، ويقسو قلبك . وقال : لا يصبر على المقام في الحرمين من الأولياء إلا صديق عبد هانت عليه نفسه ، وعز عليهدينه ، وخلقت عنده دنياه ، وعظمت عليه آخرته لأن الموجود فيهما الذلة ، والقلة لأهل الخاصة خصوصية من الحق فهما غنيمة لأبناءالدنيا المريدين ما عند اللّه ، وهما سلامة ، وغنيمة للمؤثرين اللّه عز وجل . وقال : ثلاثة لا يكون لهم نبأ خير في الدنيا ، وثلاثة لا يكونلهم نبأ خير في الآخرة ، فأما ذهاب نبأ أبناء الدنيا فمتبع لهوى نفسه بغير هدى من اللّه ، وذو ملالة لصاحبه ، وحاسد لأبناء جنسه ،وأما ذهاب نبأ أبناء الآخرة فمفارق لسنة ، وعامل بغير نية قد وفد من الدنيا ناس لحظة من الآخرة . وقال : عقول الناس متشابهة فيأخلاق الدين متفاوتة في المقامات ، والدرجات بهمتهم ، وإرادتهم فالخاصة لا ترضى القدوة إلا بعلم الخاصة ، وهم معهم في درجة ،وإن تفاوتت بهم الأزمنة ، والعامة لا تسكن في القدوة إلا بمعرفة العامة ، وهم معهم في درجة ، وإن تفاوتت بهم الأزمنة . وقال : إذاصحت إرادة المريد أختبر بالسقم في جسمه فإذا راقب مولاه بلى بإيذاء الناس في عرضه ليظهر في الحالين صبره ، فإذا أحب ربهابتلى بالدنيا ليرى كيف شكره ، وإيثاره ، وفقره . وقال : إنما انتفع الناس بكلام السلف لأنهم أرادوا اللّه ، والدار الآخرة ، وقل نفعهمبكلام الخلف لأنهم أرادوا الدنيا ، والحظوة عند أهلها . وقال : بالحزن يقل الغذاء ، وبالخوف يذهب أماني الهوى .

وقال : شمس المريد علمه ، وقمره عمله ، ودنياه مزيد في آخرته ، وآخرته صلاح لدنياه ، ومن لم يكن هكذا فهو مدع . وقال : كان اللّهسبحانه وحده فخلق الخلق فكانوا معه فألهى قوما بالدنيا ، وأشغل قوما بالآخرة فعاد وحده سبحانه لم يزل . وقال : اطلبوا أفضلعيش الدارين ، ولا تغتروا فإن عيشة العلماء ، والعارفين في الدنيا الشغل بمناجاته ، وعيشهم في الآخرة النظر إليه ، والمخاطبة له . وقال : شرور الدنيا يقظة ، وسرورها أحلام نائم . وقال : العفو أفضل من الانتصار بالحق . وقال : الحق ثقيل مر ، ثقله على بدنالصادق ، ومرته خفته على قلبه بالتصديق له ، والباطل خفيف دثير خفته على البدن الكاذب ، والمدعى دثير ليس له ميراث عاجل ، ولاثواب آجل . وقال : إذا تفقه الدنئ تكلف ، وتعسف ، وإذا تفقه الكريم تواضع ، وتورع ، وإذا تقرى العجمي افتخر ، وإذا تقرىالعربي افتقر . وقال : لو علمت أن أحدا يبغضني في اللّه عز وجل لوجب على حبه ، ولو وجدت أحدا يحبني في اللّه عز وجل لعظمعلى حقه ، ولكنهم يبغضون لأنفسهم فأرحمهم ، ويحبون لهواهم فأوثرهم . وقال : لا يسكن تحت الضراء بالصبر إلا صادق ، ولايسكن تحت السراء بالشكر إلا صديق ، ولا يشهد بالرضى في الفقر إلا لمن ابتلى بالغنى فشكر فيه ، ولا يشهد بالإيثار في الغنى إلالمن ابتلى بالفقر فصبر عليه . وقال : أول هذا الشأن التوبة ثم الإرادة ثم العلم ثم الفقه ، ثم المعرفة

باللّه ، ثم العلم بحقيقة توحيد اللّه ، ولكل حال حظه من اليقين بقدر وزن عقل صاحبه ، ومنتهى فهمه ، ودقة غامض فطنته ، ونيلتهذيب لبه ، فإذا اتصل علم الأمر ، والنهى بالعلم باللّه عز وجل فهناك يحل العبد مقام الحجة الذين نصبهم الحق لدعوته ، وجعلهمألسنة لإقامة الحجة رقباء على أوليائه حسرة على أعدائه . وقال : أعظم أهاويل أبناء الدنيا في الدنيا والآخرة مفارقة الأحبة ، وارتفاعالجهال على العلماء للمخاض ، ووحشة الليل في ظلمة البحر ، وذل الغربة في مفاوز البر ، وأشد محن أبناء الدنيا والآخرة مفارقةالأحبة ، وارتفاع الجهال على العلماء ، واستعباد الحمقاء للأحرار العقلاء ، وفاقة أهل الدين والمروءة إلى الفساق والبخلاء . وقال :الدنيا دار امتحان ، وأعظم الناس فيها بلوى نبي ، أو صديق صاحب نبي ، أو صفى متبع لصديق . وقال : إذا أراد اللّه تباركوتعالى أن يصافى وليه ابتلى الخلق به في طريق الذم ، فإذا طهره بترك الانتصار أبلاه بالمدح منهم ، فإذا خلصه من رؤية فعلهم ،ورؤية تجمله لهم أبلاه بالذم ، والمدح ، ورقة الرأفة ، والرحمة للخلق ، وعند ذلك يكتبه صديقا ، وشهيدا . وقال : لهم أنباء معروفة يعرفهمبها الأشكال ، وشواهدهم لا تخفى عند ذوى الألباب فلهم عبرة في كل ما عاينوه ، واستشعروه ، ولامسوه ، وجاشروه ، وغير ذلك مماتقدم علمه ، وفات الجهال معرفته . وقال : أهل المعرفة يعرفون الشاهد بالرؤية ، ولا يجهلون حال الغائب بإشارته ، وما ظهر من كلامه . وقال : كل كلام منسوب بخلاف حال صاحبه لا يخلو من وجهين إذا

كان على الصحة إما أدب للغير ، وإما دخول على المنسوب إليه فاتقوا اللّه في أهل الإيمان ، ولا تعجلوا بالظن السوء فتندموا إمابعقوبة في العاجلة ، وإما بعذاب في الآجلة . وقال : العلماء يعرفون كلام أهل التكلف في الخير بالثقل على النفس ، والتناقض فيالأصل ، والعارفون يفقهون ذلك من جهة الترتيب لامتزاج البداية بالنهاية في الدرجات ، والمقامات . وقال : القلوب الطاهرة تميز ماكان من العلم المستخرج من الخلق للّه ، وما كان من العلم الوارد من اللّه . وقال : أشد حزن المؤمن في الدنيا على ثلاثة : يوم يذهبعنه من عمره بعقله ، ويوم ينتظر فيه ورود الموت بلا عدة ويوم يلاقى فيه الحساب بلا معذرة معه ، ولا حجة ، ولذة نعيم العارف فيالدنيا بثلاثة : مزيد علمه في كل نفس بربه ، وخلوته بحبه ، وأمله بربه منى نفسه . وقال : إذا سقط خوف الخلق ، ورجاءهم من الحقسقطوا من عين اللّه عزّ وجل ، وإذا كانت رهبة الناس لأجل صيانة أعراضهم ، ورغبة الناس إلى الناس لسبب معروف دنياهم فتحعليهم باب الذلة مع الأمن ، وباب الفقر مع الغنى ، وغلق عليهم باب التواصل بالبر ، وباب الرحمة بالإحسان . وقال : كيف يناصحالخلق في دينهم من لم تثبت له المناصحة للّه في دنياه ؟ وكيف ينصح الناس للّه من لم ينصح للّه في نفسه ؟ وقال : إرادة الخلق للّهبإصابة الحق خصوص ، وأراد اللّه للمريد في الإرادة خاص من خصوص ، والفرق بين حال المريد ، والمراد أن المريد يدخل فيأسباب القربات ، وهو يرهب الانقطاع ، والمراد مدخوله عليه

القربات ، والكرامات ، وهو يرغب في مزيد الهدايات فمن وصل منهم إلى معنى الرضا سقط اختباره لنفسه ، وألزم الهيبة لربه . وقال: محبة العارف لربه تورثه الجد ، والاجتهاد ، وهي مملوكة لحاله ، ومحبة العالم تورثه الفقر إلى ربه ، والغنى به وهي مالكة لحالهفالعارف مشغول في وسوسته لحاله ، والعالم متعلق في وسوسته لربه . وقال : سبحان من أكرم أهل خاصته بالبلوى ، والامتحان فيطريق السلامة ، والعوافى فاختبر الخلق بهم في الموالاة ، والمعاداة ليشهدهم قيامه لهم من حيث لا اختيار في حكمه ، ولا اعتراضفي قدره ، وسبحان من أهان أهل عداوته بالنعم ، والرفاهية في طريق النكد ، والتبغيض ليرهم عجر مقدرتهم ، ولمرارة صفو عيشهمفيزيدهم ذلك طغيانا ، وكفرا . وقال : نصب الحق خواصا من خاصته فأهلك بعداوتهم كل مفتر ، وأشقى بمحبتهم كل مدّع ، ونصبآخرين من أهل خاصته فأحيا بهم أهل الغفلات ، وأسعد بهم أهل السلامات . وقال : أكثر الناس من التكلف ، والتشقيق في الدينللخصومة ، والمراء ، وجمع اللّه عز وجل قطري الدين بأصله ، وفرعه ، وظاهره ، وباطنه في أصلين كتاب اللّه المبين ، وسنة نبيه عليهالسلام ، وهو الصراط المستقيم ، وأكثر الناس من التعمق ، والتزين في الآداب ، وأكثر ذلك تناقض في الوصف ، وغلط في الصفة ،وجمع اللّه عز وجل ذلك لأهله في أصلين حال يريد به اللّه ، أو معنى يريد به ما عند اللّه عز وجل . وقال : أربعة أصول من العلم حوتكل فرض ، وندب ، ومقام ، ودرجة : المعرفة باللّه ، والمعرفة بدين اللّه ، والمعرفة بما يريد اللّه ، والمعرفة بما يريد العبد من اللّه .

وقال : قوام الدين بالكتاب ، والسنة ، وتمام حال العبد بالعلم ، والمعرفة ، ومريد حال التعبد بالعقل ، وكمال حال العبودية باليقين . وقال: العلم مجتمع في المعرفة ، والعلم ، والمعرفة مجتمعان في العلم باليقين ، والعلم ، والمعرفة ، واليقين مجتمع في العقل ، والعلم ،والمعرفة ، والعلم ، واليقين ، والعقل مجتمع في الفهم ، والفطنة ، وكل ذلك مجتمع في المحبة ، وكل ذلك مجتمع في الموافقة فمن صحتموافقته لربه على المحبة ، والفهم ، والعقل ، واليقين ، والعلم ، والمعرفة ، والعلم تمت له درجة العبودية بالحقيقة ، وتكلم على وجودشواهد البصيرة ، وما نقص من هذه الأحوال فهو اختلال في العلم ، ونقص في المعرفة ، ووهى في اليقين ، وضعف في العقل ،وتخلف في الفهم ، ودعوى في المحبة ، والتباس في البصيرة ، ووهم في الإرشاد ، وغلط في الدلالة . وقال : أفلح عبد عرف ربه بعقله، وعرف دينه بنبيه ، وقام على همه بعقله ، وصحت إرادته ببذل النصيحة للّه عز وجل ، وأقام خلقه على استعمال المروءة فيما بينه ،وبين الناس . وقال : أدنى باب في النصيحة الإنصاف ، وأدنى باب في الإنصاف الرحمة ، وأدنى باب في الرحمة الرضى باختياراللّه عز وجل لك ، ولهذا الخلق ، وأدنى باب في المروءة سلامة الصدر ، وأدنى باب في سلامة الصدر حسن الظن باللّه ، وأدنى بابفي حسن الظن باللّه إقامة العذر ، وأدنى باب في إقامة العذر إيصال النفع ، وأدنى باب في إيصال النفع كفّ الأذى . وقال : الناسفي طلب الدنيا على ثلاثة أوجه : واحد يطلبها للآخرة ، وقليل ما هم ، وآخر يطلبها لنفسه لاستعجال حظه ، وكثير ما هم ، وآخر

يطلبها خوف الفقر فيها فلا للّه ، ولا لنفسه ، وهم في طلب الآخرة على ثلاثة أوجه : واحد يطلبها بفضله ، وآخر يطلبها بجهده ، وآخريطلبها ليحمد اللّه في طلبه لها ، وهذا أرفع الثلاث . وقال : من راع رضا الناس بنقص دينه سلطوا عليه الأذى في دنياه ، وسقط منعين ربه ، ومن راعى رضا الخلق لتعظم عندهم رئاسته في دنياه سلط عليه الخلق بالأذى في دينه ، ومقته أولياء اللّه عز وجل . وقال :اجتهاد المريد تقصير عند العارف ، وجهد العارف فترة عند العالم . وقال : المريد مستوحش من ذكر الدنيا ، وأهلها لخوفه منها ،والعارف مستأنس بذكر الآخرة ، ونعيمها ، والعالم مع ربه لا يشغله الداران عن المالك لهما . وقال : إذا مدح المريد الصادق تزيد عندهمقت نفسه ، وإذا ذم العارف المتحقق ازدادت محبته لربه ، وإذا ذم العالم ، أو مدح كان له فيهما طريق إلى ربه . وقال : تكبر العلماءفتنة عامة ، وتواضع العلماء رحمة خاصة ، ولربما كان التكبر على المدعين نعمة من اللّه على العلماء ، ولربما كان التكبر علىالصادقين نقمة على العلماء . وقال : العالم المتحقق للمريد العاقل الصادق رحمة ، وإقباله عليه مكرمة وتواضعه للمدعى ، والمخالفنقمة في نفسه ، وفتنة لغيره . وقال : إذا لم ير المريد تواضع العالم حجة عليه ، ويحسب إقباله نعمة من اللّه بدأت في شكر ما لم ينتفعبما يطلب من العلم ، والحكمة ، وكانت عقباه إما دعوى برؤية ، وإما فترة بانقطاع .

وقال : كان المريدون يطلبون العلماء حيث كانوا زهادا في الدنيا ، فلما رغب العلماء فيها هرب أهل الإرادة منهم للّه عز وجل فلما تعلقالمريدون بالدنيا فسد حال المريد ، والعالم بالتصنع ، وترك النصيحة فهلكوا جميعا . وقال : إذا كانت الدنيا بأسرها قليلة عند أهلالمعاصي في طاعة الشيطان فهي أقل ، وأذل عند أهل الطاعة لمن يحبوه في رضى الرحمن ، وإذا كان ذلك قدرها عند عبد مخلوق ،فكيف يكون مقدارها عند مالك خالق ؟ وقال : ينبغي لطالب الدنيا أن يستشعر سؤال اللّه إياه عن خير ماله حين أنفقه في سبيل الدنيا، وعن شر ماله حين أنفقه في سبيل الآخرة ، ويحك ما تستحى من ربك أما ترجوه جعلت لعدوك أحل مالك ، وأقرضت ربك أخس مالكإن كنت موقنا بيوم الحساب ، فأعمل بالأفضل ، وإن كنت شاكا فدم على عمران الخراب ، وشهوة تورث العذاب . وقال : أبناء الدنيايسئلون في الآخرة عما جمعوا ، وفيما أنفقوا ، وما الذي أرادوا ؟ وأبناء الآخرة يسألون في الآخرة لمن عملوا ، وثواب من طلبوا ، وحقمن آثروا فافهم منى مقصدك إليه إما لما عنده لحظك ، وإما بحقه عليك . وقال : اطلبوا اللّه للّه باللّه ، وإن جهلتم اللّه بالحقيقة فأريدوااللّه لما عند اللّه يوم لا يقبل اللّه فيه إلا ما خلص للّه ثم احذروا ما بعد هذين المقامين فإنما هو هوى ونفس ، ودنيا ، وعدو ، وشهوة ،وميراث المقام الأول محبة الحق للعبد بالموافقة ، وميراث المقام الثاني محبة العبد للحق بالشريعة ، وميراث المقام الثالث المقت ، وعذابالقلب في الدنيا ، والغبن ،

والخسران في الآخرة . وقال : ليس من تولاه اللّه فيما أراده اللّه به كمن تولاه ما أراد اللّه بنفسه . وقال : اعلموا أن الجاه جاهان فجاهللعامة عند أبناء الدنيا في الدنيا فهو مسقوط عند أبناء الآخرة فإذا أزعجوا من الدنيا ذهب جاههم عند أصحابهم زالت محبتهم منقلوب أحبائهم ، وتلك علامة أهل البعد ، والحرمان ، وإن كان هو المذكور عند الناس فلان ابن فلان ، وجاه للخاصة معروف عندالخاصة بجهل العامة في الدنيا فإذا قبضوا نشر الحق أعلامهم بالإشارة التي كانت لهم بعد الوفاة فثبت حينئذ ودهم في قلوبالعامة ، والخاصة ، وأبقى بذلك حسن الثناء عليهم في الدنيا ، والآخرة . وقال : من حفت بدايته بالصدق في مقصد اللّه عز وجل ذهبعنه رؤية نفسه بالدعاوى ، وطلب الحظوة ، والتشفي بالانتصار ، ومن تحققت نهايته بالغنى بربه ، والفقر إليه غاب عن رؤية حالهبالغنى عما له في العلم ، والعمل . وقال : المريد مريد اللّه بعمله ، والعارف يطلب اللّه في عمله ، والعالم واقف بين يدي اللّه راضمستسلم للّه قد علم منة اللّه في العلم ، والعمل بوجود اللّه فكيف يرد ما ليس له ، أو يطلب ما هو واجد له ؟ وقال : الحكمة مقرونة معالصدق ، والإجابة موجودة مع أخذ الحلال ، والعلم مقرون مع الاتباع ، والمعرفة موجودة عند الافتقار فلا تطلبوا الصدق بتركالإخلاص فتعجزوا ، ولا تبتغوا الأمانة بأخذ الحرام فتحرموا ، ولا تتوصلوا بالعلم إلى بدعة فتجهلوا ، ولا ينسينكم بسط المعرفة تركالهيبة فتهلكوا .

وقال : لكل عمل خالص للّه ثواب ، ولكل عمل صادق أريد اللّه به ثواب ، وللعمل ، والعلم بعده ميراث فثواب العمل ، والعلم النجاة منالعذاب ، والفوز بالجنان ، وميراث العمل ، والعلم في الدنيا النظر بالنور ، والنطق بالحكمة . وقال : تفقدوا أحوالكم فإن لم تجدواالموارثة فابكوا على أنفسكم فإن وجدتم ميراثا بعد البكاء فاشكروا ربكم ، وإن وقع المنع فتوبوا إليه من أعمالكم ، وكونوا له مراقبينعلى خطراتكم . وقال : المتعبد عبد لحاله ، والمستعبد رب لحاله ، لأن المتعبد يريد اللّه لما عند اللّه عز وجل ، والمستعبد يريد اللّه للّه . وقال : حرام عليك أن تراهم حتى تعرفهم ، وحرام عليك أن تعرفهم حتى تحبهم ، وحرام عليك أن تحبهم حتى تؤثرهم ، وحرام عليك أنتؤثرهم حتى تبذل مهجة نفسك دونهم . وقال : تزهوا عن الصفاة أذكارهم ، ولا تعرضوا عن المترفين أخبارهم ، إنه بهم يرفع اللّه المكارهعن الجبابرة ، والسلاطين ، وبهم يصلح اللّه أهل التخاليط ، والمذنبين . وقال : سبحان من يحمده مع نفسه في الأزل القديم ذكرنا ،وبقدرته صور في الأرحام أجسادنا ، وبلطف رأفته غذاء أرواحنا ، وبعطف جوده قوام أذهاننا ، وبحسن نظره دقت علومنا ، وبفضلمحبته أنارت قلوبنا ، وبرعاية سياسته نمت إرادتنا . وقال : المعرفة شكر ، والعمل مزيد ، والعلم نور ، واليقين برهان ، والمحبة دليل ،والفقر وسيلة ، والغنى درجة ، والفناء وجود ، والبقاء بعد الفناء توحيد .

وقال : لما رحمهم وهبهم الإيمان ، فلما أحبهم أوجدهم العلم ، فلما أكرمهم أوجدهم العمل ، فلما أخلصهم أوجدهم المعرفة ، فلمااختارهم أوجدهم اليقين ، فلما ارتضاهم أوجدهم العلم فلما اتصل علم الأمر ، والنهى بعلم حقيقة التوحيد ، وحقائق التعبد أوقفهم بينيديه فهو ناظر إليهم ، وعاطف على الخلق بهم ، وهم ناظرون إليه بقلوبهم عاكفون عليه بهممهم ، وكان مما أتحفهم به في مخاطبةأسرارهم : أنتم أريد ، وكان من جوابهم بعد الأذن ونحن لا نريد إلا أنت . وقال : لما أرادوا ما عنده أوجدهم الأنس في وحشة ليله ،وأوجدهم الوحشة في ضياء أنس نهاره فلما أرادوه وحده آنسهم بكل شئ ، وآنس كل شئ بهم ، وأوجدهم الوحشة من كل شئ ،وأوحش كل شئ منهم فانبسطوا للخلق بالأنس بالوحشة ، واستوحشوا من الخلق بالأنس . وقال : الغفلة عموم ، والذكر خصوص ،وليس الخصوصية عند الخاصة وجود حلاوة الذكر المذكور إنما الخصوصية وجود المذكور في الذكر القديم هاهنا . وقال : إنما ألقىفي قلوبهم حبه ليكونوا غدا في قربه ، وإنما جعلهم رهائن بلائه ليكونوا غدا أصفياء نعمائه ، حتى إذا حلوا بفنائه ترادفت عليهمتحف رضوانه فعند ذلك يسمعهم كلامه ، ويكشف لهم الحجب فينظرون إليه تمتعا جعله فيهم ، من عزّ بها لقىّ عظيم إجلال كبريائه ،وإذا رأوه بعيون أبصارهم لم تثبت صفات المحدثات للقيام مع فاطر البريات حتى قهرها عن الغلبة فخرت له ساجدة فعند ذلك ناداهمالجليل في علوه : أنا اللّه الذي صدقتكم وعدى ، وأنجيتكم من عذابي ، وأسكنتكم جنتي برحمتي ، وأمنحتكم رضواني ، وأكرمتكمبكلامي ، وزدتكم النظر إلى وجهي فارفعوا رءوسكم عبادي فأنتم أحبائي ، وأصفيائي ، ومن كنت

أذوده ، وأرعاه ، وأحفظه ، وأكلأه ، وأسمع دعاه ، وأجب نداءه ، وأرى تحمله لي ، وحزنه علىّ ، وبكاءه منى ، ورضاءه عنى ، وشغلهبي ، وإيثاره لي فارفعوا ، وقد أشرقت من نوره وجوههم ، وابتهجت بالمسرة لرؤيته قلوبهم ، معتذرين إليه لما دخل عليهم في الإعراضعنه ولم يؤمروا به فرضى عنهم كل الرضى ، وزادهم كرامة من تحف عواليها ، ودوام سلطان فخر البقاء الذي هم به باقون ببقاء من لاتجرى عليه حوادث الفناء فهذا دأبه ، ودأبهم في جديد نعيم الخلد بالمزيد الذي لا آخر له ، ولا نفاذ . وقال : اطلبوا الدولة الأبدية ،وارغبوا في الجنة السرمدية بالتصمد للصمد ، والإيثار لمن احببتموه للواحد الأحد عسى أن تحيوا في دار البقاء بما أسلفتم في دارالفناء فإن الكريم يعود بفضله على من يخالفه ، ويعصيه فكيف لمن يوافقه ، ويطيعه ؟ * * *

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الجزء السادس [ مقامات الجمع ، والمعرفة ] قال عبد الرحمن بن محمد : أدب اللّه عز وجل خاصة من أهلمحبته بالهيبة ، والإعظام ، ورؤية شواهد الإجلال في البداية ، والنهاية ، وكان مما جمعهم فيه مقامات الجمع ، والمعرفة أربعة معانيفدرجتان لأرباب الأحوال ، ومنزلتين لأصحاب الأحوال فمن ثم وصل بالحق من اتصل ، ومن ثم انقطع من الحق من انقطع فالرتبةالأولى لأهل العلم باللّه ، والمعرفة به العالمين بأمره ، ونهيه ، وأيامه ، والرتبة الثانية لأهل المعرفة باللّه العارفين بأمره ، ونهيه ، وأيامه ،والرتبة الثالثة للعالمين بأمر اللّه ، ونهيه ، وأيامه ، والرتبة الرابعة للمريدين للّه ، والطالبين ما عند اللّه . فالدرجة الأولى : التي اجتمعفيها العلماء بالمعرفة رتبة الحضور في مقام المشاهدة ، ومناجاة المخاطبة ، ورؤية الغيوب بشواهد أنوار القلوب فمن أقهره عن المباهتة، وسلطان إجلال العظمة في وقت فنائه ، أو بقائه عند التحديد والتكييف سلم وفاز وغنم ، ومن استقرأه طربات وجوده بحداء ، ومثال ،ضلّ لسكونه ، وهلك في توهمه ، ومن هاهنا قيل في أهل النهاية المتصلين بالحق : إما صديق واصل ، وإما زنديق راجع . قال :والدرجة الثانية : التي اجتمع فيها العارفون باللّه ، وأمره ، ونهيه ، وأيامه رتبة الحضور في مقام القبض ، والتحقر ، ووقوع الإلهام « 1 » ،

--> ( 1 ) قال سيدي الشيخ العارف باللّه العالم الرباني وارث النور المحمدي صالح أحمد الشافعي أبو خليل : الإلهام : عبارة عننفث في الروح بوحي من اللّه تعالى في القلب بنور المعرفة والهداية إلى الصواب ليثمر علما لدنيا من علم اللّه تعالى . والعلم اللدني :هو الذي لا واسطة في حصوله بين الروح وبين اللّه تعالى . -

ووجود الفراسة فمن لزم العبودية في الفقر ، والتقوى ، والموافقة ، وتقدم أهل الوسائط الصفوة سلم ، وفاز ، وغنم ، ورفع إلى درجةأهل العلم ، ومن تبسط بترك الأدب في الاتباع ، وتوهم الفضل في مواجيد القلوب بترك الوسائط وقعت به المغاليط في أودية الحيرةفتاه عقله لمزيد معرفته ، وتحكمت فيه دواعي شهود حاله لقيامه مع نفسه فهلك بالاغترار ، وفنى بالتمنى ، وترك بالاعتبار . والمنزلةالثالثة : للعلماء بالأمر ، والنهى فهي الرتبة التي اجتمع فيها العلماء بالاستنباط في الحوادث ، والنوازل فمن أخذ تأويل ما ورد عليهمن أصول أحكام الكتاب ، والسنة على منازل الشكل ، والشبه ، والنظير في الأعلى ، والأولى على شهود التقصير ، والإشفاق عنالتعمق والتكلف : سلم ، وفاز ، وغنم ، ومن شهد ذلك من حاله بحاله ورد

--> - قال تعالى : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] . « من لدنا » أي بدون واسطة . بل يكون هذا العلم كالضوء من الناريفرغه اللّه على قلب صاف فارغ من : الأغيار ، ومن هوى النفس ، ومن حب الدنيا بمالها وجاهها ومتاعها ، ومن الأمراض القلبية التيتحجب العبد عن ربه ، إذ تهبط الأنوار على قلب لطيف تشغله بخط الأنوار الأحدية والتجليات الصمدانية ، فيكون واسطة العبد بربه ،فلا ينطق إلا حقا ، ولا يقول إلا ما يريده اللّه تعالى . وقد قال شيخنا سيدي أبو خليل رضى اللّه عنه : « لا يأتي من الذكر غير الحق ،لأن القلب الصافي المشغول باللّه يذكر الحق ولا يقول إلا حقا » . وقال اللّه تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » [ البقرة : 282 ] . وقال اللّه سبحانه : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] . ثم قال حفظهاللّه : إن الإلهام فتح من اللّه على يد شيخ واصل موصل بل : جيد التوصيل ، وهو عبارة عن نور يلمع في قلب الذاكر المؤمن النقىالسريرة المحب للّه وأحبابه ، والذي سلم قياده لخالقه ، وامتزجت روحه بروح شيخه امتزاج الفرع بأصله ، فشرب من روحه بقدراستعداده ، وما يحفظ عليه الأدب مع شيخه وربه ، فلما اشتاق إلى اللّه انجذب قلبه إليه فقذف اللّه في قلبه من نور المعرفة وألهمهالصواب وأزاح عن قلبه الران فرأى شيخه يلقنه ويرويه ومن مراد الحب يسقيه فصدع بالإلهام ليوقظ النوام . انظر : ( كشف الغطاءعن أهل البلاء ص 244 ، 245 ) .

المعاني إلى معقوله ، وازدرى برأي من سبقه استوطنه العجب في نفسه ، واستفزه العدو بشرع بدعته فعمى قلبه ، وسد باب فهمه فلونزل إليه ملك من السماء يخبره أن الحق في ضد ما هو فيه لم ينزع عن هواه حتى يفاجئه أجله على شر عمله . والمنزلة الرابعة :للمريدين ، والطالبين فهي الرتبة التي أجمع فيها أهل التقوى من النساك ، وأهل النظر من المتصوفة فمن أخذ منهم علم ظاهر دينهمن أهل العلم بالكتاب ، والسنة ، ومعرفة علم باطنه من العلماء باللّه بأمره ، ونهيه ، وأيامه على التقشف في الورع ، والخشيةبالإشفاق سلم ، وفاز ، وغنم ، ومن سكن منهم إلى المدح ، والذم ، وحمل ما خف في الهوى ، والجهل فتن بسعة الحلم ، واغتر بأمانىالهوى ، وكانت طربات وجود دينه ، وخواطر هوى حاله لا تزجره محاسبة ، ولا تنهاه موعظة مستخف بعلم العلماء ، وآداب الحكماءفاتصل علمه بسعى الفاسقين ، وعلمه بدعاوى الجاهلين فنعوذ باللّه من الحيرة بعد البصيرة ، ومن الضلالة بعد الهداية . وقال : كانالعلماء يجهلون أنفسهم ، وكان العارفون يقصرون أحوالهم ، وكان المحبون يزدرون آدابهم ، وكان الزاهدون يتوهمون أهواءهم ، وكانالمتعبدون يخملون أذكارهم فذهب أولئك ثم نشأ بعدهم خلائف يدعون العلم ، وهم جهال ، ويتعاطون المعرفة ، وهم ضلال ، ويتوهمونالمحبة ، وهم فساق ، ويتشبهون بالزهاد ، وهم ذئاب ، ويتحلون بالتعبد ليستأكلوا به أبناء الدنيا ، ويختدموا به المساكين ، والفقراءفعند ذلك رفع من بينهم التناصف ، وخذلوا عن التناصح ، وعوقبوا بالعداوة ، والبغضاء ، وصارت المداهنة بينهم أخلاقا في الدين . وقال : ضيّع العوام في هذا الزمان معرفة معاني سبعة أشياء من

الكتاب ، والسنة فيها كل بر ، وفضل ، ومقام ، ودرجة : وهو الأمر ، والنهى ، والترغيب ، والترهيب ، والآداب ، والقصص ، والأمثال ،وضيّع العلماء معرفة معاني ستة أشياء : وهو أول فرض عليهم في صلاتهم فرضها ، وسننها ، وحدودها ، وأحكامها ، وترتيبها ،وجمع الفهم فيها ، وضيّع العارفون معرفة معاني خمسة أشياء في حالهم ، وبها تصلح عبوديتهم : عقل الإيمان ، وفهم الإيمان ، وعلمالإيمان وعمل الإيمان ، ويقين الإيمان ، وضيع المريدون معرفة معاني أربعة أشياء بها قوام حالهم في طريقتهم : أداء الحق المفترضعليهم ، وأخذ الحق الواجب لهم ، وابتغاء الحق المرغوب فيه النهى عنه ، وتمييز الحق الوارد من الحق للحق ، والخلق ، وضيع أهلالإيمان معرفة معاني ثلاثة أشياء ، وهي مما لا يسع أحد جهلها : أحكام أصول الدين من الكتاب ، والسنة ، ووجوه الاتباع فيالترغيب ، والترهيب ، وموافقة الحق في الرضى ، والغضب ، وقلّ في الناس معرفة معاني اثنين : النصيحة في الموالاة ، والإنصاففي العداوة ، وعدم في الناس معرفة معنى واحد : إدخال المسرة بالموافقة للحق على قلوب المؤمنين . وقال : فرض الأمر المبادرة ، وهوموضع الحال ، وعلامته الجد ، والاجتهاد لأهل البداية ، وبذل الجهد لأهل النهاية ، وفرض النهى الاجتناب ، وهو موضع الخوف ،وعلامته الشفقة ، والحذر لأهل البداية ، والحياء ، والمراقبة لأهل النهاية ، وحق الترغيب السعي فيه ، وله ، وهو موضع الأنس ، وعلامتهالصمت ، ومحبة الخلوة لأهل البداية ، والنطق ، والدعوة لأهل النهاية ، وحق الترهيب الهرب عنه ، ومنه وهو موضع المحبة ، وعلامتهذكر الأيادى ، والنعم لأهل البداية ، والإيثار بالافتقار لأهل النهاية ، ووجوه الآداب الاحتذاء ، وكف الأذى لأهل البداية ،

وفعل المعروف ، وبذل الفضل لأهل النهاية ، ومعقل القصص التأمل بالخشية لأهل البداية ، ووجود الهيبة في القلب لأهل النهاية ،ومعدن الامتثال التفكر ، والاعتبار لأهل البداية ، واستخراج العلم من الحكمة ، والحكمة من العلم لأهل النهاية . وقال : إياك ، ونقضالعهد ، وخلف الوعد فإنهما يورثان الحمق ، والسخافة ، وإياك ، ومداهنة الفاجر ، وترك نصيحة العاقل فإنهما يورثان رقة الدين ،ويعميان عن طريق البصيرة . وقال : اطلبوا مزيد أنوار علمكم فإن منعتموه فاطلبوا مواريث بركات أعمالكم ، فإن فقدتم ذلك فاعلمواأنكم محرمون من الحقيقة محجوبون عن النهاية ، فإن رضيتم لأنفسكم بالمقام على النقص جهلتم ، وإن أهملتم القيام على النفوسبالرعاية ، والأدب هلكتم . وقال : ميراث وجود معرفة الحق مزيد علم التوحيد ، وميراث وجود الاتباع العمل بالكتاب ، والسنة ، وميراثوجود معرفة العقل الفهم للترغيب ، والترهيب ، وميراث وجود الصدق الصبر ، وميراث وجود الإخلاص الشكر ، وميراث وجود الخوفالإنصاف ، وميراث وجود الرجاء النصيحة ، ووجود العلم الخشية ، وميراث وجود العمل بالعلم إصابة الحكمة ، وهذه مواريث أحوالأهل التعبد فإن نقل العبد إلى أحوال أهل العبودية ورث من علم التوحيد زيادة علم حقيقة التفريد ، وورث من الكتاب مزيد العلم ،وورث من السنة مزيد المعرفة ، وورث من الصبر مزيد الرضى ، وورث من الشكر مزيد الإيثار ، وورث من الإنصاف مزيد الحياء ،وورث من النصيحة مزيد المراقبة ، وورث من الخشية مزيد الهيبة ، وورث من الحكمة الإجلال ، والعظمة . وقال : التصديق بهذا العلممزيد في أنوار القلوب ، والفهم لهذا العلم

مزيد في انشراح الصدور ، والنطق به على ترتيبه في المقامات ، والدرجات يولى من الحق ، وأهله فيه على وجهين فقير منه إلى ربهفي وجوده له بفناء حاله ، وغنى بأمر ربه في وجوده له به ببقاء حاله فالأول حاضر غائب ، والثاني حاضر غائب شاهد . وقال :محبونا لا يخفون علينا بمشاهدة القلوب ، والمبغضون لنا شواهدهم ظاهرة فمن المحبين شاهدة في الحذق ، ونور النطق ، ومنالمبغضين شاهدهم في الحذق ، وظلمة المنطق . وقال : إن كنت تحبهم فلم آثرت نفسك عليهم عند المخالفة ، وإن كنت تبغض منأجلهم فلم أذنبت الثاني لهم عند الموافقة لا أو مقرب للبعيد في حب من نحبه ، ويقصى القريب في بغض من لا توده . وقال : أعددلأمرك كله غدا جوابا صادقا ، وأعدد لكل كاشح عذرا غير كاذب إنما تشامت في التقديم ، وتنافرت فلأجل ذلك توالفت ، وتحالفت فإذاوجدت محبا صادقا فأعددها نعمة عليك قد جلت ، وإذا وجدت عدوا كاشحا فأعددها منة عليك قد عظمت . وقال : إذا صدق المريد فيطلبه اتبع واقتدى ، فإذا أخلص في حاله علم واهتدى ، فإذا افتقر في طريقه وقع له الغنى بربه فورث من الصدق والصبر علم الورع ،وورث من الإخلاص البصيرة في دينه ، وورث من الفقر الغنى ، وورث من الغنى المحبة ، وورث من المحبة الشوق ، وورث من الشوقالكمد ، وورث من الكمد الكتمان حتى يموت ، وهو شهيد فمنهم شهداء في أنفسهم ، ومنهم شهداء على غيرهم فالشهيد لنفسهمنسوب إلى شهيد البر ، والشهيد على غيره منسوب إلى شهيد البحر ، وهم أفضل لأن الأول توفى مكاتم ، والثاني توفى مبلغ . وقال: أصول التقوى ثلاثة : كل أصل يورث خمسة وعشرين بابا من

شرع الإيمان فمن أكملها كمل إيمانه من جهة الإيمان الواجب ، وهو التقاء الشرك بالإيمان ، والتقاء الشبهات بالورع ، والتقاءالكمالات بالزهد ، ولكل واحد من هذه الثلاثة معيار يعرف به الزيادة فيه من نقصه منه ، فمكيال الإيمان الصدق ، وميزان الورع العلم، ومعيار الزهد التبرئ من الدنيا ، وأهلها . وقال : لا ترض من نفسك العبودية إلا بطهارة قلب ، وصفى طعمة ، ولا ترضّ من حالك حقافي الحقيقة إلا بنصيحة مع فقر وغنى مع موافقة وشكر . وقال : بأربعة توجد بركات العلم والعمل : صلاح قلب فيما بينك ، وبين ربك ،وسلامة صدر فيما بينك ، وبين الناس ، ونية في سنة ، وكف الأذى ، ورفع المؤنة في الاستقامة ، وبأربعة يفهم العلم ، وتنفع الموعظة :عقل مصان بتقوى ، وفهم متعلق برغبة ، وفطنة قائمة على الرهبة ، ومحبة متصلة بإيثار للحق . وقال : كل باطل عند مجىء الحقزاهق ، وكل دعوى مع الحقيقة ذاهبة ، وكل حال من البر ، أو معنى من الخير مستعار أجله أربعين يوما ، أو أربعين مرة ثم هو زائلمضمحل هكذا حكم كل مدع متزين في الدين ، أو متكلف لا يريد إلا الدنيا . وقال : ما عقده الحق لأهله لا تزيده الأيام إلا شدة ، ولاالأزمنة إلا مودة هكذا حكم من أحب اللّه للّه ، وآثر اللّه لما عند اللّه ، أو تثبت مودته ، ومولاته في اللّه عز وجل . وقال : من عرف زمانهعرف نفسه ، ومن عرف نفسه عرف ربه ، ومن عرف ربه سعى فيما يرضيه ، وكان شغله فيما يبقى ، وراض نفسه على بعض فضل مايزول ويفنى .

وقال : إطراقك بين يديه علامة لوجود الهيبة له ، وعطف قلبك لمشاهدة رؤيته علامة لمحبته لك . وقال : انظر بكاك ما يهيجه إن كنتواجدا بحال فابك لخوف السلب ، وإن كنت فاقدا لحال فابك لخوف الفوت ، وإن كنت طالبا فابك لخوف الطرد ، وإن كنت واصلا فابكلخوف البعد . وقال : بكاء الأبرار رغبة ورهبة ، وبكاء المقربين شوق ومحبة ، فبكاء الأبرار يورث الجد والاجتهاد ، وبكاء المقربين يورثالغم والهم والكمد . وقال : إيثارك للخلوة بالانفراد له علامة لوجود أنسك بقربه ، وجولان قلبك في خلقه دليلا على بعد منه . وقال : منأطاعه طهره ، ومن طهره أحبه ، ومن أحبه رضى بكل أفعاله ، ومن رضى عنه وافقه ، ومن وافقه عرفه ، ومن عرفه آثره ، ومن آثره وجده، ومن وجده شاهده ، ومن شاهده ناطقه ، ومن ناطقه لاطفه ، ومن لاطفه أكرمه ، ومن أكرمه أبلاه ، ومن أبلاه أسلاه ، ومن أسلاهتحمل عنه ، ومن تحمل عنه حمله ، ومن حمله كنفه ، ومن كنفه حفظه ، ومن حفظه اقتناه ، ومن اقتناه أظهره في الملكوت فإما معروففي أهل الأرض فهو حجة ، وإما مجهول في أهل الأرض فهو رحمة . وقال : ركعتين بنية الآخرة أفضل من مائة ألف بعلم الدنيا ،وركعة بعلم الآخرة أفضل من مائة ألف ركعة بنية ، وركعة من عارف أفضل من مائة ألف ركعة من عالم ، وتسبيحة من عالم باللّه أفضلمن مائة ألف من عارف باللّه عز وجل ، ويقين من أهل حقيقة التوحيد أفضل من عمل كل عالم ، وعارف .

وقال : أول ما يؤمر به المبتدئ بعد معرفة فرضه ، وإصلاح معيشته التفرد من الأحباب ، والخلوة برب الأرباب فإن نقله الحق إلى مقامالمعرفة ضعف عليه البلاء فأبلاه بالخلق ، وهي درجة الدعوة ، وإذا ما يتحمل للحق من الخلق . وقال : كل مبتدئ لا إمام له في دينهفهو مفتون ، وكل مبتدئ لا إمام له في عمله فهو مغرور . وقال : من لم يجد من علمه الخشية ، ومن معرفته الحياء ، والمراقبة فهو ضالعن الحقيقة . وقال : كل متواجد بغير وجود فهو في وجوده لعاب ، وكل متواجد بوجود واحد لكتمان حاله فأظهره فهو كذاب وكلمتواجد بوجود ظهر عليه بوجوده عليه فهو ضعيف يخاف عليه الفتنة إلا أن يكون له بصيرة ، وتمييز . وقال : تمام حال المبتدئ بعقليصحبه أدب بسنة ، وقوام حاله بحلال ، وصدق يؤدبه فرضه ، وكمال حاله بتواضع ، وسماحة ، وحسن خلق يعاشر به الناس . وقال :إذا أبصر القلب حقيقة منهاج التقوى زهد العبد في فضول الدنيا ، وإذا عمى القلب عن معرفة عيوب نفسه كان همه فيما لا يعنيه ،ولا يلزمه ، وتطاول بالبغىّ ، والأذى على غيره . وقال : قلب معاقب نفسه منه في راحة ، والناس منه في بلاء ، وقلب معافى نفسه منهفي عناء ، والناس منه في راحة . وقال : سبحان من خص بالحق أهل الحق ، واستخلص من أهل الحق حقيقة ليحق بهم حقه فجعلمنهم رسلا ، وأنبياء حججا على عباده ،

وجعل منهم أولياء ، وأصفياء رحمة لعباده ، وجعل منهم علماء ، وأهل معرفة يدعونهم ، ويرشدونهم ، ويدلونهم فمنهم داع إليه ، ومنهممرشد لنعمه ، ومنهم مؤد لأعلام دينه ، وسنة محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم ، وخلائف الأنبياء في كل عصر ، وزمان ، وأيان ،وأوان لتتصل الدعوة من أهل الرسالة بخلائف اللّه من أوليائه فإذا هلك عيون اللّه من الأصفياء ، وألسنة من الأمناء بعث اللّه رسولاليحق الحق لأهل الحق بكلماته ، ولو كره الكافرون . وقال : اللّه عز وجل قوله الحق ، ودين اللّه الحق ، وهو الإيمان باللّه ، وملائكته ،وكتبه ، ورسوله بشرط حدود الكتاب ، والسنة ، وأحكام الكتاب ، والسنة ، وأمره ، ونهيه من الكتاب ، والسنة ، وبهذا قامت دعوة اللّهللخلق ، وفيه هداية اللّه إلى صراط مستقيم ثم إن اللّه عز وجل بمنه تفضل على خاصة له بمزيد حقيقة في الحق بمزيد الإيمان ،والعلم ، والمعرفة ، واليقين ، والبصيرة ، والتمييز ، والعقل المؤيد بالتوفيق فأهدى قلوبهم إلى محبته ، وأرشد ألبابهم إلى رضى نفسه ،وفتح مسامع فطن أذهانهم لفهم ما أرادهم به ، وازداد منهم ، وهي طرائق الإحسان في الموافقة ، ومزيد البرهان في المحاسبة ،وحقيقة البيان ، والتبيان في المعاملة ، والأدب في المحاسبة ، والفهم في المراسلة ، والعقل في المخاطبة ، والاستبطان بالمسامرة ،وكلفوا بحبه ، وآثروا الواجب له في حقه ، وأعرضوا عما بغض من الدنيا ، وأحبوا ما أحب من الآخرة فوافقوا في ذلك مراده فزادهمهداية إلى نور قلوبهم ، وبصيرة في حقيقة حقهم ، وزينهم بعد ما ظهرهم ، وأدبهم في مقامات أهل التعبد بعلم الشرع ، ودرجات أهلالعبودية بمعرفة الحق فمنهم الأولياء ، والصديقون ، والشهداء ، والصالحون منهم ثلاث مائة خيار الأمة ،

وأربعون خيار الثلاث مائة ، وسبعة خيار الأربعين ، وأربعة خيار السبعة ، وواحد خيار الأربعة بهم يقيم اللّه أمره ، وينزل نصره ،ويدفع نقمه ، وتحل رحمته فطوبى لمن أحبهم ، وطوبى ثم طوبى لمن أحبهم ، وأحبوه ، وأكرمهم ، وآثروه . وقال : جعل اللّه عز وجلصحابة نبيه عليه السلام أئمة في الدّين ، وقدوة أصحاب الأحوال في الحقيقة فلا يكاد يوجد في التابعين منفرد بحال إلا وجد لهأصل في الكتاب ، والسنة ، أو فعل في أحد الصحابة ، ومن ذلك حديث حارثة حين وصل حاله في إيمانه ، وعزوف نفسه عن الدنيا ،ومشاهدته بيقينه لربه ، ولأهل الدارين ، وشهادة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم له بالنور ، حظه له على التمسك حين وصف مراتبأهل الورع في مقامات العزوف ، ودرجات أهل الجد في رتب أهل الاجتهاد ، ومراقي أهل اليقين في مشاهدة أهل الحضور ،ومكاشفة أهل الإثبات في غيوب معاينات العيوب بأنوار ساطعات ، وجود حقيقة الوجود « 1

وقال : الخاصة في معنى الحقيقة على منازل أربعة أحوال في وصول الجمع للمقامات غير أنهم متفرقون في الأحوال ، والأمكنة ،والأوطان ، والمراتب ، والدرجات بحسب الأقسام السابقة لهم عند اللّه عز وجل في كل نظرة ، ولحظة ، وهمة ، وحظرة ، ونفس ،وإشارة ، ولائح ، ورائح مما يجريه الحق عليهم ، ولهم ، وفيهم للعبد من فهم علمه النور المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، ولايصدق به إلا العارفون باللّه ، ولا ينفر عنه إلا المعاقبون ، ولا ينكره إلا الجاهلون ، فأما أهله ، والناطقون عنه ، ومنه ، وبه ، وله فهمالذين أودعهم الحق العقول المجيبة ، والأفهام العلوية ، والفطن الغيبية ، والألباب السماوية هم أهل الغنى باللّه المشاهدون لتقصيرهمفي حقه ، وأهل الفقر إلى اللّه عز وجل المردودون إلى التعلق به في وجودهم الذين أقام لهم الحق أعواضا منه ، وعلمهم علوما لدنيةعنه فبذلك المعنى من الحق وصلوا إلى حقيقة ما أرادهم به

من حقه فإذا انتهى قسمهم في الحال كشطه عنهم بطئ علمه فيهم ، وألبسهم حالا للوارد عليهم بعلمه ليجزى كل مقام بما يوافقه منالعلم ، واليقين ، والمعرفة ، والعقل ، والفهم ، والأدب فليس من حال يبديه الحق ، ولا يعيده يخرج فعله في حركة ، ولا سكون ، ولا ظاهر، ولا باطن ، ولا قبض ، ولا بسط ، ولا تقديم ، ولا تأخير عما تضمنه أعمال المحسنين ، وإشارات المخبتين فمقام المخصوص الأول فيالحقيقة إقامة على التصديق بالقدرة ، ووجود الود في قلبه بالمحبة لأهل الخصوصية ، ومقام المخصوص الثاني في الحقيقة إقامتهعلى الصدق بالمحبة في درجات المعاملة بالمعرفة ، ومقام المخصوص الثالث في الحقيقة : إقامته على التصديق ، والمحبة ، والحلولفي درجات المعاملة بالمعرفة ، والنطق في الحال ، وهي علامة المراد بالولاية ، والاصطناع ، ومقام المخصوص الرابع في الحقيقةإقامته على التصديق ، والمحبة ، والحلول في درجات المعاملة بالمعرفة ، والنطق من الحال ، وعلى الحال بشاهد يقين المكاشفة ، وهيعلامة أهل التوسم من العلماء الناظرين بنور اللّه عز وجل إلى عباد اللّه الدالين على اللّه بآداب اللّه الراشدون إلى سبيله بوجود حقيقةبحقه . وقال : إذا وقع التكذيب بعلم القدرة وردوا معرفة القدرة إلى منتهى عقولهم قدح بهم الريب في القدر حتى يردوا المشيئة إلىأنفسهم دون عون اللّه ، وخذلانه فعند الحال الأول يسلبون محبة الأولياء ، ونصرة الأولياء ، ويؤثرون موالاة الفاسقين ، وعند الحالةالثانية يسلبون حلاوة الإيمان ، ونور الإيمان ، ويؤثرون طاعة الشيطان فعند ذلك يتداينون بالبدعة ، ويصدون على المخالفة ،ويفارقون الجماعة ، وفي إحداهن الهلكة . وقال : علامة المعونة من الحق ثلاث : الصبر على الحق ، والرضى عن

الحق ، والتسليم للحق ، وعلامة الخذلة من الحق خروج النفس من حول اللّه وقوته ، ودخول النفس في الاستعانة بغير اللّه ، وإنكارهمالخصوصية من اللّه عز وجل . وقال : من ثبت على التصديق بالقدر ، والقدرة ، وهب له ثلاث : عقل صحيح بترك المنازعة ، وعلم نافعباجتناب المقاومة ، وعلم نافع بوجود مواريث الحكمة ، وحلول الإجابة . ومن أقام على الإنكار بالقدر والقدرة عوقب بثلاث : فقد فهمالكتاب ، والضلالة عن السنة والاتباع ، وفقر القلب لفضول الدنيا فبالحال الأول أحرم الخصوصية ، وبالحال الثاني وقع في البدعة ،وبالحال الثالث خسر دينه في التماس دنياه . وقال : علامة التوفيق طلب العلم للعمل ، وطلب الصمت للسلامة ، وطلب الكفاف للتعفف، وعلامة الخذلان طلب العلم للمراء ، والعمل للرياء ، والدنيا للدنيا . وقال : أصول بلوى كل مدع ، ومتعاط من ثلاث : عمى القلب عنالتصديق بالحقيقة ، وغفلة القلب عن وجود سماع علم أهل الحقيقة ، وقسوة القلب عن مؤالفة أهل الحقيقة . وقال : الناس في أجزاءالإيمان بحسب علمهم باللّه عز وجل ، ومعرفتهم به ، وغفلتهم عنه ، وعملهم له فأضعفهم إيمانا كل متعلق بسبب دونه من عرض الدنيا ،وأقواهم إيمانا كل متعلق بالمسبب بعدم الأسباب أو بوجودها . وقال : لا تقيم في قرية ليس فيها ثلاثة ، ولا تطعن من فرقة فيها ثلاثة ،ولا تسافرن سفرا لا تلتمس فيه ثلاثة ، ولا تصاحبن أحدا يكون فيه ثلاثة ، فأما القرية التي لا يقيمن فيها فقرية يسب فيها السلف ،ويؤذى

فيها الأولياء ، ولا يستحى فيها من أخذ الحرام ، وإظهار الفاحشة ، وأما القرية التي لا ترحلن منها فقرية فيها لسان للحق ، وعينللحق ، ويستخلف في ماله للحق ، وأما السفر الذي لا يبتغى فيه ثلاثة : إما مزيد بصيرة في الدين ، أو حلال من عيشة ، أو سلامةفي الحال ، وأما الأخ الذي لا يرجى منه ثلاث إما علم يستفاد من علمه ، أو حلم يستفاد من عقله ، أو كرم يستفاد من جوده . وقال :الحريص لا يخلو من الرغبة ، والحقود لا يسلم من الحسد ، والعجول لا يظفر بالمسرة . وقال : كفى بعقوبة من كانت الدنيا أقر لعينهمن الآخرة ، ومن كانت موالاة أعداء اللّه آثر عنده من موالاة أولياء اللّه ، ومن كان نشاطه في البدع ، والإحداث في الدين ، وفترته عنذكر السنن ، والأثر . وقال : كان أخص الناس بفهم علم الكتاب ، وشرح معرفة السنة ، وعمل الرسول عليه السلام أهل القرن الأوللأنهم أفضل الناس عقلا ، وأوسعهم علما ثم جاء القرن الثاني فكانوا أعقل الناس ، وأعلمهم بعد الصحابة رضى اللّه عنهم بمعانىآي الكتاب ، والسنة ، والاقتداء ، وفهم ما شرحه الصحابة من البيان غير أن الإيثار الذي خصوا به الصحابة رق في التابعين ، وكذلكالزهد في الحلال ، وحدث فيهم نبذ أهل البدع يضلون الجهال سرا ، ويستميلون العوام خفيا ، ثم جاء القرن الثالث : فذهب أكثر أهلالعلم ، وبقىّ المستمسكون بالتصدّيق العاملون بالحدود بفقد وجود ما علمه الصحابة ، والتابعون ، وقل فيهم الخوف ، والرجاء ،والصبر ، والشكر ، وكثر فيهم الخوض ، والجدل ، والخصومة ، والمراء ، وظهر الاختلاف ، وقامت الدعاة في طرق الضلال ، وصارتالحقيقة خصوص ، والجهالة عموم ، ثم جاء القرن الرابع : فاضطرب الأمر في

الحق ، واستوحشت طريق الهداية لقلة السالكين لها ، وكثر النفاق ، وخرج الناس من الدين أفواجا ، واستبدلوا الحق بالباطل ،والآخرة بالدنيا ، وكثر الدهان ، وغلب المنكر ، وقهر أولياء اللّه تعالى ، وعلت أصوات أهل الخبائث ، واستخفى المؤمن ، وذهب التواصل، وعدمت النصيحة ، وقلّت الألفة ، وفسدت النيات في ذات اللّه عز وجل ، وتصالحوا على الخب ، والفجور ، وسفك الدماء بغير حق ،وذهب الحياء في أخذ الحرام ، وصارت الهيبة في أهل الفجور ، ولم يبق على ظاهر الأرض متحقق بالتفرد ، ولا متحلّ بالحقيقة إلا ،والبلاء يطلبه ، والفتنة تلحقه غير أن في الناس بقايا من أهل التصديق بالقدرة متحققين بالإيمان بالقدر ، فإذا حل دخول القرنالخامس اشتد البلاء بأهل الإسلام خاصة فيما بينهم فكان الكل على الكل في القريب ، والبعيد ، والمولى ، والمولى عليه بعضهملبعض فتنة ، وبعضهم على بعض نقمة بفساد دينهم ، ودنياهم ، وعيشتهم فلا راحة حينئذ لمن بقي من أهل الحقيقة غير أنهميحجبون عن العامة ، ويستترون من المدعين ، فإذا دخل القرن السادس : ذهب أهل التصديق ، وبقي أهل الإنكار ، وسلب الناس عقلالبصيرة وتبقى علل الحجة عليهم ، وذهب الإسلام فلم يبقى إلا اسمه ، وذهب أهل العمل بالقرآن فلم يبقى إلا رسمه ، ثم العجبالعجب القرن السابع : وهم شرار الناس على شكلهم تأتى الآزفة تتبعها الرادفة . وقال : لا يزال العبد جاهلا حتى يطلب العلم بالأدب، ولا يزال مدعيا بالعلم حتى يعمل به على الخوف ، والرجاء ، ولا يزال مغترا حتى يصبر على البأساء ، والضراء ، ويشكر ربه علىالعافية ، والنعماء . وقال : لا يصح طلب العلم إلا بالإرادة ، ولا تتم الإرادة إلا بالرعاية ، ولا تحمد معاني الرعاية إلا بالتوبة ، ولا تثبتالتوبة إلا بكف الأذى بعد

أداء الحق في الظاهر ، والباطن ، والنفس ، والغرض ، والفرض ثم يكون بقلبه نادما ، ومن عمله مستغفرا ، ولأخدان الغفلة مفارقا ،ولترك ما لا يعنى مجانبا ، فمتى كان التائب بهذا الوصف ، رجى له قبول توبته ، وإن كان بغير ذلك لم تتم له الطهارة ، ولم تصح لهالإنابة ، وخيف عليه الارتكاس إلى القهقراء . وقال : كيف ترسخ الحكمة بقلب عبد غير عالم بربه ، وكيف يكون عالما بربه من جهل علمدينه ، وشرح فرضه ، وأصول معرفة دينه ، وفرعه ؟ وقال : عجبت ممن تسمو نفسه إلى الكلام على أهل المقامات ، وقد عرب عقله عنالتمييز فيما بين العموم والخصوص من أهل الدرجات ، بل عجبت ممن يشير إلى أحوال النهاية ، وهو لم يحكم بعد آداب أهل البدايةوقال : من أحب أن يظهر عند الناس بحال يعرف به قدره علما كان ، أو عملا قبل أن يظهره اللّه عز وجل بذلك ، وهو له كاره سلطعليه مدح الناس ليكون ذلك حظه من حاله ، فإن تيقظ ، وإلا عاد المدح ذما ليكون ذلك أبعد في فتنته ، وأظلم في حجته ، ومن أظهرهاللّه للخلق ، وكتم ما أودع ، أو أودع العلم في غير أهله سلط مذمة الخلق ليكفر عنه سيئات قلبه فإن وافق إرادة الحق فيما أراده عادتالمذمة حمدا عند الخاصة ، والعامة ، وحفظ عليه الحق ما أودعه . وقال : لا يثبت الكلام على الأحوال في علم اليقين إلا من عرف عللأهل المقامات من حجب أهل الدرجات في علم الأمر ، والنهى ، ولا يجوز الكلام في ذلك بالظن ، والتحرص لأنه علم غير مستعار عاقبةالمدعى فيه الكبر ، والإعجاب ، ومقام العالم فيه الفقر ، وشهود

تقصيره في حق العزيز الجبار . وقال : من أحب أن يظهر نفسه عند الناس في دين ، أو دنيا لم يفلح في دينه ، ولم ينج من حاسدفي دنياه . وقال : الزموا الأدب تجدون مواريث العلم ، وبركة العمل ، وإلا فأنتم كالحمار يحمل أسفارا . وقال : إذا تركت شيخك ،وأنت تدرى أنك محتاج إليه فقد أطعت عدوك على علم ، وإن استغنيت عنه بما عندك من العلم ، والأدب فقد عصيت خالقك في تركعلم ما جهلت على عمد منك . وقال : من رزقه اللّه عز وجل أربعة أخلاق ثبتت له الولاية : عقل يدله على الهداية ، وعلم يرشده علىالاستقامة ، وخوف يحجزه عن المعاصي ، ورجاء يسارع به إلى الخيرات ، ومن رزقه اللّه أربعة آداب ثبتت له الصديقية الصدق فيالحركة ، والسكون ، والإنصاف في الأخذ ، والعطاء ، والعدل في الرضا والغضب ، والنصيحة في السر ، والعلانية . وقال : منأخلاق المؤمن أربعة : وهي سيد آدابه النية فيما قصر عنه نيته من الخير ، ومحبة أهل الفضل ، ومولاتهم ، وطلب الستر للتعفف ،والاعتراف بسوء الحال على إرادة الانتقال ، ومن أخلاق المؤمن العاقل السكينة ، والوقار ، والحياء ، وترك الانتصار ، ومن أخلاقالمؤمن العاقل التقى كف الأذى ، وترك ما لا يعنى ، والتقلل ، والورع ، ومن أخلاق المؤمن العاقل التقى المريد التوبة بآدابها ، والطهارةبكمالها ، وطلب الخلوة بعد معرفة علومها ، والتقذر للدنيا زهادة فيها ، ومن أخلاق المؤمن العاقل التقى المريد المراد خروجه منالأسباب للحق رفيعا ، ودخول الأسباب عليه من الحق ترديدا ، ووروده على الحق بالغيبة ، وغيبته عن

شهود حاله بالحق بالغلبة ، ومن أخلاق المؤمن العاقل البر سلامة الصدر ، وسماحة اليد ، وثقة بالرب ، ووفاء بالعهد ، ومن أخلاقالمؤمن العاقل التقى المريد المراد المقرب الصدق في المعاداة ، والوفاء في الموالاة ، والغنى بالحق في معاقل الفقر ، والفقر إلى الحقفي معاقل الغنى . وقال : سبحان من جعل مزيد أحوال العلماء بالبلوى ، والامتحان وجعل مزيد أحوال العارفين بالبلوى ، والاختبار ،وجعل مزيد أحوال المريدين بالبلوى في النعماء ، وسبحان من منع العلماء ليزدادوا إليه فقرا ، وأعطىّ العارفين ليزدادوا إليه شكرا . وقال : قسم اللّه تبارك وتعالى هذا البلاء على الخلق كما قسم بينهم الرزق فمستقل منه ، ومستكثر له بحسب إيمانه ، ويقينه فالعلماءباللّه يتلقونه من الحق عند الموافقة ، والتسليم ، والعارفون باللّه يتلقونه من الحق على الرضى ، وترك التخيير ، والمريدون لما عند اللّهيرونه على أنفسهم تأديبا من الحق فهو للعالم مزيد في العلم ، وللعارف مزيد في المعرفة ، وللمريد مزيد في الأدب . وقال : من كشفله اليقين مصادر الأمور ، ومواردها من الحق رضى بكل ما ورد عليه ، ومن كشف له الإيمان زمام نواصىّ الخلق بيد الحق لم يخف ،ولم يرج ، ولم يهب غير اللّه عز وجل . وقال : ضيع الناس في هذا الزمان فرضين فعوقوبا بسلب حالين ضيعوا حق معرفتهم باللّهفأسلموا إلى الخلق ، وضيعوا الحق الواجب لأهل الإيمان عليهم فسلط عليهم عدوهم ، ولو عملوا بحق اللّه هابهم كل شئ ، ولو أعطواالحق لم يمنع عليهم من القدرة شئ . وقال : إذا كانت نفسك حاكمة على دلالات عقلك فيما يضرك من

دنياك في صلاح دينك عجزت عن رياضة هواك ، ومخالفة عدوك في موافقة رضى ربك . وقال : متى يعظم في قلبك هيبة مخلوق فيغير حق الخالق ؟ فأنت محتاج إلى معرفة علم ذلك ، ومتى تفرغ إلى الخلق في سبب دنيا فأنت محتاج في معرفة علم ذلك في أصليقينك بربك . وقال : عرفت معنى إخلاص العبودية ممن افتقر إلى اللّه عز وجل ، وبعد علم الصدق في التعبد ممن استغنى عن اللّهتعالى ، ولم يجد رائحة الحقيقة بعد من لم يحل مقام اللّه عليه في الخلوة . وقال : من أراد تمام مناه من الدنيا ، ومساعدة إخوانه فيموافقة هواه ذهب دينه ، وخسر آخرته ، وعاش في أيامه ممقوتا ، وقدم على ربه مفتونا . وقال : اطلب معرفة عيون الحق في أرضه ،ونجومه في سمائه ، وحججه في خلقه ، وخلائفه في بلاده فإن حرمت ذلك فاطلب آثارهم ، وأخلاقهم ، وآدابهم فإن منعت ذلك فالزمالحزن سويداء قلبك ، والبكاء أجفان عينيك ، والكدّ قوام بدنك أنك إن عرفتهم فزت ، وإن صحبتهم سعدت ، وإن أطعتهم نجوت ،وليس بعد الفوز ، والسعادة ، والنجاة إلا الهلاك ، والشقاء ، والعذاب . وقال : هو من يحميهم من معرفة المترفين ، وفضول الحلال ،فكيف لا يحفظهم من صحبة المسرفين ، وتناول الحرام الذي شقى به المجرمون . وقال : هو يحميهم لما جعل فيهم له ، فكيف لا يحميهملما تركوا له من إجلال قدر حقه . وقال : هو حجب العالم برؤية علمه ، وهو ستر العارف برؤية معرفته ،

وهو شغل المريد برؤية إرادته تعليلا منه لهم ليخلو به ذلك الولي العالم بحقه دون أحد من برايا خلقه . وقال : إن أردت الدخول فيخالص دواوين القوم فأبت نفسك بترك الانتصار ، وحب الغلبة ثم اطلب صلاح دينك في سبيل الاتباع ، والتمسك بالآثار فإذا أحكمتذلك صدقا ، وتم العمل للّه به إخلاصا فاطلب صلاح ذلك في سبيل الخوف ، وميدان الرجاء ، ومعاقل الصبر ، ومنازل الشكر ، فإذاأحكمت ذلك إشفاقا ، وملكته ورعا ، فاطلب صلاح قلبك في سبيل الحياء ، ومقامات المراقبة فإذا أحكمت ذلك إعظاما ، وأيقنته إجلالافقم مع هيبة الوقار ، وإقرار الافتقار عسى أن تظفر بالغنى ، ويدر عليك سخايب العلى بظرائف ما لا سبيل إلى كشفه ، وغرائب ما لاتحتمل العقول وصفه ، فتكون حينئذ له خالصا ، ومن رؤية الأضداد مخلصا ، هذا إن وصلت ، ما ذا تعاني إن عقلت ؟ وقال : الناسعلى أربع طباق : منهم من لا يرضى عقله ، ولا دينه ، ومنهم من يرضى عقله ، ولا يرضى دينه ، ومنهم من يرضى دينه ، ولا يرضىعقله ، ومنهم من يرضى دينه ، وعقله فالذين لا يرضى عقله ، ولا دينه فهو كافر منافق ، والذي يرضى عقله ، ولا يرضى دينه فاجرمحتال ، والذي يرضى دينه ، ولا يرضى عقله أحمق مباين ، والذي يرضى دينه ، وعقله زكى تقى . وقال : افترق أهل الحق علىضربين : عامل ، وعالم ، وافترق أهل الحقيقة على ضربين : صامت ، وناطق ، فعلامة العالم بالأمر تقييد الفروع بالأصول ، واستنباطالرأي بموافقة الكتاب ، والسنة ، وشاهده الإشفاق ، والورع ، وعلامة العامل بالحق تقييد السر بالعلانية ، وشر عقد الموالاة ، والمعاداة، وشاهده الخوف ، والزهد ، وعلامته الصمت بالحقيقة ، والتحقر

بالحياء ، والمراقبة ، وشاهده الهيبة ، والإجلال ، وعلامة الناطق بالحقيقة إفصاح الحق بالنصيحة ، والدّلالة على اللّه عز وجل بأسبابالنجاة بالتعطف ، والرأفة ، والرحمة . وقال : المراد رحمة من اللّه للخلق ، والمريد حجة للّه على الخلق فإذا تناهى الحال بالمراد صمتالحق ، وإذا تناهى الحال بالمريد نطق بالحق فصامت حاضر صامت ، وصامت ناطق صامت ، وناطق حاضر ناطق ، وناطق حاضرصامت ، فالأول فان ، والثاني باق ، والثالث فان باق ، والرابع فان باق مخاطب . وقال : حسب من صحت له العبودية الجد ،والاجتهاد فيما تعبده به ربه ، وحسبه الرضى ، والتسليم فيما أدخله عليه الحق بترك الاختيار . وقال : متى كنت متحيرا على مولاكفي صلاح دنياك ، فمتى تصلح لك العبودية ؟ ! ومتى كنت معرضا على مدبر الأمور في دينك ، متى تثبت لك الحقيقة في معرفةالوحدانية ؟ ! وقال : غيرت ما ندبت إليه نفسك حتى تعقل عجائب ما في الأرض من الصنعة ، فإذا ناطقتك براهين المصنوعات فيجوانب الأرض ، وبواطن الأسرار بلسان التوحيد ، وشاهد التقدير سلكت همتك بالقدرة سما سما إلى السماء السابعة ثم لا يؤذن لكبعبارة سما حتى تحكم معرفة عجائب مشهرات خلقها ، وتستحوذ على علم شواهدها عبارة بالتصديق ، وحقيقة برؤية غيوب مضمراتالقلوب فإن كنت من عمار الكرسي يثبت بعد المشاهدة ، وإن كنت ممن نزله بإزاء العرش بقيت بعد الغنى لأجل حق قدر إجلالالمخاطبة . وقال : واحد يحمل أذى الأمة لحق ربه ، وآخر لا يقدر على حمل

كلمة حتى يشكو إلى ربه ، متى يلتقى هؤلاء في مقام في الدنيا ، أو درجة في الآخرة . وقال : إذا رأيت من فتح له باب بالتصديقلهذا العلم فبشره ، وإذا رأيت من فتح له في الفهم فيه فاغبطه ، وإذا رأيت من فتح له بالنطق فيه فعظمه . وقال : عقوبة من تعرضلأهل التصديق غفلة القلب ، وقسوته ، وعقوبة من لم يسلم لأهل الفهم عمى القلب ، وظلمته ، وعقوبة من لم يبصر أهل النطق البغضة ،والعداوة ، وهم أضداد أهل الحق ، وهي محاربة الرب فيهم . وقال : كل مصدق لهذا العلم فهو من خاصة الرب ، وكل من فهمه بعدالتصديق فهو خاص من الخاصة ، وكل معبر عنه ناطق منه فذلك النجم الذي لا يدرك ، والبحر الذي لا يترف . وقال : إذا كان النطقموافقا للحال على الفقر ، والفاقة فصاحبه صديق ، وإذا كان النطق مخالفا للحال على الاعتراف بالتقصير فصاحبه صادق ، وإذاكان النطق مخالفا للحال على الإصرار بأدنى ما كره الحق فصاحبه مفتون مخدوع مستور محجوب مبعود مطرود فعلامة المفتونالافتخار بحاله ، وعلامة المخدوع التربص بالأمانى ، وعلامة المطرود المداومة ، والتمادي . وقال : قد تكلم الناس في هذا العلم علىمعان بحسب أحوالهم في مقامات المعرفة ، ودرجاتهم في مقامات العلم فمنهم ناطق من حاله بعقله ، ومنهم ناطق من حاله بيقظة ،ومنهم ناطق من حاله بالغفلة ، ومنهم ناطق من حاله باليقظة ، ومنهم ناطق من حاله على حاله بحال

غيره بالغفلة ، ومنهم ناطق من حاله على حاله بحال غيره باليقظة ، ومنهم ناطق من حاله على حاله بحال غيره بالغفلة ، ومنهم ناطقمن حاله على حاله باليقظة ، وهذا هو ذلك الحامل لأهل زمانه العجب العجب في شأنه طوبى لمن عرفه بالغفلة ، وطوبى ثم طوبى لمنعرف من عرفه بالحقيقة . وقال : إذا رأيت في العالم ، والقارئ ، والمريد ، والطالب ثلاثا فاحذره يغلبه الشره حتى يأخذ الشبهة ،ويغلبه الحرص حتى يقتحم في الحرام ، وتغلبه نفسه حتى يتكلم فيما لا يعنيه ، وإذا رأيت فيهم ثلاثا فأرجهم صدق الحديث ، والوفاءبالوعد ، والبحث عن الكسرة . وقال : معاداة الناس بالظن من سخافة العقل ، ومحبة الناس من غير اختبار من سلامة الصدر ، وأرفعالناس مقاما في اللب ، والبر من ركب مطية الحزم ، وترك الأماني ، والغرور . وقال : محبة الدنيا خوف العيلة ، والفقر يسد باب الفهمفي الكتاب ، والسنة ، ومحبة التروس للذكر ، والمقالة يعمى القلب عن التصديق بعلم القدرة ، والتصديق ، والتسليم لحكام الأمة . وقال: العامة هلكى عن حياة العلماء ، والعلماء موتى عن حياة العارفين ، والعارفون نيام عن يقظة العلماء باللّه عز وجل . وقال : لما حدثفي الناس إنكار القدرة رفع منهم صحة الآخرة على الصفا فلما حدث فيهم إنكار القدرة رفع منهم المودة بالألفة فلما ازدرءوا بالعلماءالحكماء من أهل الرقة عوقبوا بجهل أحوالهم ، وذهاب الخشية من صدورهم فعميت القلوب عن فهم علمهم ، ومعاني إرشادهم . وقال :مساكين أهل الحرص على الدنيا فاتهم وجود طعم المعاملة ،

وقرب المنزلة غدا من ربهم ، وأشد منهم فقرا من ضاق صدره عن التصديق بمواهب الأولياء ، وذهبت حسناته في القصاص ، والقضاءوقال : يحدث في آخر الزمان قوم سفهاء الأحلام مفتونون بجمع الحطام يتعلمون العلم ، والقرآن للدنيا ، والرئاسة ، ويدعون السنة ،وهم يعملون بالبدعة يظهرون ترك التسبب من الحلال زهدا ، ويأخذون من الناس الشبهات ، والحرام بحثا . وقال : إن من أعظمالجهل باللّه عز وجل أن تغضب لنفسك على الناس فيما يحب اللّه ، ويرضاه ، وترضى لنفسك من الناس ما يكره اللّه ، ويسخط ، وإنمن سخافة الدين ، والعقل أن تعصى اللّه في السر ، وتظهر الطاعة في العلانية ، وتحب المعاصي بقلبك ، وتذم عاملها بلسانك إنكنت صادقا فاخف برّك ، وتوبتك كما أخفيت جهلك ، ومعصيتك ، واهرب من الشهرة لا تلحقك ، وأنت قصير العلم ضعيف المعرفة قليلاليقين فيكون أول عمرك فسقا ، وغباوة ، وآخره رياء ، وجهالة . وقال : من لم يعرف الرياء فيحذره وقع في التصنع ، ومن جهل التصنعوقع في التزين ، ومن جهل التزين عند المخلوقين دون الخالق فهو الشرك الأصغر في الأعمال . وقال : من لم يورثه تصديق الإيماندوام الاستقامة في الظاهر لم يصح له ناطق ، ومن لم يورثه الظاهر مزيد هداية القلوب في الباطن فظاهره معلول بالآفات . وقال :أهل الإيمان في القناعة على ثلاث منازل صحيح الظاهر ، والباطن على الإحسان فهو وافد إلى ربه ، وصحيح الظاهر ، والباطن علىتمام فرضه فهو واقف في ظل عرش ربه ، وصحيح الظاهر ،

والباطن خلط عملا صالحا ، وآخر سيئا له من النور بقدر طاعته . وقال : إن اللّه عز وجل خص أهل الإيمان بجوده ، وكرمه بالتصديق، والعمل بحدوده ، وشرائع دينه رحمة منه ، وفضلا ، وخص من خاصته مريدين ، وموادين لطلب أعلام التحقيق إذ لكل حق من الحقحقيقة في التحقيق فمريد طالب ، ومراد مطلوب فالمريد مأخوذ بالظاهر على تصحيح الباطن ، والمراد مأخوذ بتحقيق الظاهر ،والباطن على الإيثار . وقال : أول كرامة اللّه عز وجل للمريد الطهارة من الذنوب ، والسلامة من المطالبة ، فإذا طهر قلبه ، وصفا انشرحصدره فازداد يقينا ، وعلما ، ومعرفة بربه ، فعند ذلك يكاشف بالكرامات ، والمواهب ، فإذا تزيدوا افتقارا خلع عليهم أثواب الحكمةفمنهم صامت عليها ، ومنهم ناطق بها معبر عنها ، وأول ما يجدون من ذلك عقلا ، ثم فهما ، ثم فطنة ، ثم لبا ، ثم روائح ، ثم لوائح ،ثم عذوبة ، ثم حلاوة ، ثم مذاقا ، ثم حلولا ، ثم رسوخا ، فإذا رسخوا في العلم ، والمعرفة ، واليقين ، والحكمة فهم حجة فمنهم من يثبتله الحق إعلام حاله بالغنى باللّه ، والقناعة به . وقال : الذين تولى اللّه سبحانه حفظهم بالرعاية لحقه ، وأراد انتقالهم في درجات الولايةهم الذين لا يخرجهم من حال إلى حال إلا بتمام حفظ علمه ، والقيام بحق آدابه فإذا دخلوا في الحال الثاني ، وأراد بهم درجة الدلالةعليه ، والدعوة إليه ، وإظهارهم بالنطق أبقى لهم الحق علم الحال الأول في الحال الثاني بمعرفة أدبه بإرشاد الضلال ، وهدى الجهال، وإقامة الحجة على أهل الحيرة ، ودحض اعتلال أهل العزة ، وإن هو أرادهم بإجمال الصوت ، والتحقير بدوام الصمت أبقى لهمأدب كل حال لأجل المعاملة ، والمصافاة في حقه ، والمخاطبة لخلقه من بركات علم

الحال الصادر الوارد فهذا حالهم في المقامين ما داموا في الدنيا ، فإذا صاروا إليه أبقى عليهم من نوره ببقاء النور الذي صدر قبلهليزدادوا سرورا في نعيمهم ، وغبطة بإسقاط الملالة في دوام بقاء ملكهم ، وهو المزيد الذي لا آخر له . وقال : أبناء الدنيا ينظرون إلىأبناء الآخرة بالضعف ، والقلة لجهلهم بما معهم من العلم والمعرفة ، واليقين ، والحكمة ، وأبناء الآخرة ينظرون إلى أبناء الدنيا بالرأفة ،والتعطف ، والرحمة لعلمهم بما هم فيه من البلاء ، والبلوى ، والابتلاء ، وما يردون عليه من الأهوال ، والحساب ، والشدائد ، والنقمة . وقال : إذا نظر العالم للطالب بعين الجفا ، والجهل نزع من قلب الطالب للعالم الوقار ، والهيبة ، وإذا نظر الطالب للعالم بالتجمل ،والرفعة أسكن اللّه قلب العالم له الرأفة ، والرحمة . وقال : جعل اللّه عز وجل الفقر للمؤمن نعمة عليه ما صحبه التعفف ، والصبر فإنعارضه الحرص ، والرغبة دخل عليه الاختبار ، والتسخط فعاد الفقر نقمة ، وفتنة ثم جعل اللّه الغنى للمؤمن رحمة ما صحبه العفاف ،والشكر فإن عارضه الفخر ، والخيلاء دخل عليه الزهو ، والبطر ، وهو الطغيان فعاد الغنى نقمة ، وفتنة ، وبلية ، وحسرة . وقال : حقالصبر ترك الشكوى ، وحقيقة الصبر ، والرضى ، وحق الشكر الإيثار ، وحقيقة المحبة . وقال : أبناء الدنيا ، وأهل الدعاوى صدورهمضيقة ، وقلوبهم مقفلة إلا على ضيق عيش ، المريدون يصبرون ، وعلى سعة حال المرادون يشكرون لا يتحملون مرارة البلوى ، ولايحملون لغيرهم شواهد الابتلاء

إن نصحهم العلماء عز عليهم ، وإن صمت عنهم العقلاء ازدروا بهم أولئك الجهلة في علمهم الفقراء في طولهم البخلاء على اللّه فيأنفسهم لا يفلحون ، ولا ينجح تابعهم كلما تزيدوا علما ازدادوا اغترارا ، وكلما ازدادوا عملا يزيدوا عجبا ، وفقرا . وقال : جعل اللّه عزوجل لكل عامل صالح ثوابا في العاجلة ، وذخيرة في الآجلة ، فمن خير الآجلة الرضى من اللّه ، والفوز بالجنان ، والنجاة من النار ،وثواب العاجلة النور في القلب ، والمزيد في الهداية ، والبصيرة بدوام الاستقامة . وقال : من لم يورثه طلب العلم العمل به ، ومن لميورثه العمل بالعلم الخشية ، ومن لم تورثه الخشية الورع ، ومن لم يورثه الورع الزهد ، ومن لم يورثه الزهد الأنس ، ومن لم يورثه الأنسالمحبة ، ومن لم تورثه المحبة المراقبة ، ومن لم تورثه المراقبة الرضى ، والتوكل ، وإصابة الحكمة فهو مقطوع به عن وجود الحقيقة . وقال: ليكن همك بعد الصدق في العلم ، والإخلاص في العمل الاستقصاء في الورع ، والأنس في الزهد ، والتفرد ، والعزلة ، ومفارقةالأوطان ، والعزلة طلب المواريث من كل حال فإن وجود الميراث للحال من علامة القبول ، وفقد المواريث من علامة الطرد ، والخذلان . وقال : إذا رأيت في الرجل إحدى ثلاث خلال فخف عليه : فإن وجدت جميعها فاهرب منه فإنه ضال مفتون إذا رأيته يعادى أهل السنة، ويوالى أهل البدع ، وإذا رأيته يمدح نفسه ، ويذم الناس ، وإذا رأيته يزدرى بأهل الفقر ، والرقة ، ويرفع أهل الغنى ، والجفاء . وقال: لم يجد أحد حقيقة ولاية اللّه عز وجل إلا بثلاث : اتباع

السنة ، وأخذ الحلال ، وكفّ الأذى عن البر ، والفاجر إلا في حدّ من حدود اللّه عز وجل . وقال : لا قوام للظاهر من حدود الإسلام إلابباطن من التصديق بالإيمان ، ولا كمال للظاهر ، والباطن إلا بالإحسان ، وأخلاق الظاهر إقامة الحدود بتمام الواجب المفروض ،وأخلاق الباطن التصديق ، والصدق ، والإخلاص ، والخوف ، والرجاء ، والصبر ، والشكر ، وأخلاق الإحسان الرحمة ، والنصيحة ،والحياء ، والمراقبة ، والرضى ، والمحبة ، والإيثار ، والمودة ، وحسن الخلق ، والعفو ، والتجاوز ، والألفة ، والسماحة . وقال : إذا اجتمعالعقل الطبيعي بمحبة الاقتداء في طريق العلم بالأمر ، والنهى فهناك يقع نور البصيرة في الاستنباط بغامض الفهم في إصابةالمعنى في السنة ، والنظر في العلم باللّه ، وبأمره ، وإذا اجتمع العقل الطبيعي بمحبة الاقتداء في طريق العمل بالعلم فهناك يقع نورالبصيرة في وجود إصابة الحكمة بغامض الفهم ، والفطنة ، وترتيب المقامات ، والدرجات بالموافقة فالأول يحيى اللّه به الدين ، والثانييهدى اللّه به القلوب ، ولم يخرج اللّه عز وجل إماما للصديقين حتى يجمع له العلمين في الظاهر ، والباطن ، وجعله هاديا مهديا فيالأمرين . وقال : من لم يتأدب في الظاهر بالتقوى لم يسلم باطنه من الدعوى ، ومن لم يصف ظاهره ، وباطنه من الإثم ، والاعتداء لمتخلص عبوديته للمولى ، ومن لم يخلص عبوديته في الأحكام الظاهرة فهو ميت بالجهل غرق في بحر التحير ، والالتباس . وقال : إذالم تعرف قرب اللّه منك في الهم ، والحظرات ، فأنت فقير إلى أصول علم المعرفة ، وإذا لم تفهم مخارج علم الأمر ، والنهى في

الحدود ، والأحكام فأنت محتاج إلى طلب علم الأصول في الدين . وقال : من لم يصحبه الإشفاق والخوف في وجود الحقيقة عوقببانطماس الفهم في مخاطبة الأسرار ، ومن ضيع منازلة الفقر إلى اللّه عز وجل في وجود فهمه عن الحق عوقب بنسيان ما ورد عليهفإما حامل حجة على نفسه ، أو موجودة فتنة على غيره . وقال : الحزن على قدر البصيرة بالخطر ، والبصيرة بالخطر على قدرالتمييز في التأمل ، والتمييز في التأمل على قدر الفطنة ، والفطنة على قدر الفهم ، والفهم على قدر العقل ، والعقل على قدر المعرفة ،والمعرفة على قدر العلم ، والعلم على قدر الخشية ، والخشية على قدر الإيمان . وقال : أكثر الناس خشية للّه عز وجل في الأحكامأورعهم عن محارمه ، وأكثرهم خشية له في اليقين آثرهم للّه عز وجل . وقال : أول حال يؤمر به المبتدئ طلب علم فرضه من الكتاب ،والسنة فإذا أحكمه وجب عليه طلب علم الصدق ، والإخلاص فإذا أحكمه وجب عليه طلب الترغيب ، والترهيب ، وهو علم جامع للخوف، والرجاء والصبر ، والشكر ، وغيره من الآداب ، والأخلاق . وقال : من علامة الموالاة في الدين كفّ الأذى ، وإيصال النفع ، ومنعلامة المؤاخاة المشاركة في المهنأ . وقال : متى لم يكن العالم رحيما بالمتعلم صدّه عن الحق ، متى لم يكن العالم ناصحا للمتعلمأفسده عن طريق الحق . وقال : إنما يجازى الخلق في أعمالهم بقدر عقولهم ، ويثابون في علمهم بقدر نياتهم ، وترفع درجاتهم بقدرنصائحهم . وقال : ما أكثر من يريد ، وما أقل الإرادة ، وما أكثر أهل الإرادة ، وأقل

من يعرف طريق المريدين ، وما أكثر من يعرف طريقهم ، وما أقل من يعمل بأعمالهم . وقال : ما أكثر أهل الإرادة ، وما أقل من يريد ماعند اللّه تعالى ، وما أكثر من يعمل لما عند اللّه ، وما أقل من يعمل للّه عز وجل . وقال : اختبروا المريد بمخالفة الهوى فإن تواضع ، ولمينتصر فهو صادق ، واختبروا طالب العلم بالأخذ بعزائم العلم ، وشدائده فإن ترك الاعتراض بالرخص ، والاختلاف فهو مخلص . وقال : من استوطنه رؤية لنفسه ، وحالة في الإرادة ، والطلب لم يفلح . وقال : حكم المريد الصبر ، وحكم العارف الرضى ، وحكمالعالم التوكل . وقال : المريد يهرب من الدنيا ، والعارف يأخذها ، والعالم يحذر من آفاتها . وقال : أصل عداوة الجهال النصيحة لهمفي دينهم ، وأصل عداوة الحمقاء التعرض لما في أيديهم ، ومؤاخاة الجميع بالدهان لهم . وقال : فراغ القلب من الاهتمام بأمر الآخرةعلى قدر عمارته بهم الدنيا ، وإثبات محبة اللّه في القلب على قدر إيثار اللّه عز وجل . وقال : للعدو مع كل مؤمن منهم فيما لم يذكراسم اللّه عليه من أسباب الدين ، والدنيا ، والآخرة حتى عند نزعه الماء بدلوه ، وغلق بابه ، وفتحه له مع كل عبد حبائل ، ومضارب فيالخير ، والشر ، وله مع كل إنسان مصائد في البدع ، والمعاصي ، والذنوب ، والكبر ، والعجب ، والفخر ، والخيلاء ، وتخفيف الطاعة ،وثقلها ، وإظهار العمل ، وإخفائه ، وطلب العلم ، والزهد في الدنيا ، وغير ذلك ليفسد عليه الخير ، ويزيده

شرا فمن أعد العلم بالمعرفة ، واستعان باللّه في المقصد رجى له بالظفر ، وإلا فهو الهالك بأول عارض . وقال : الناس في طلب الدنياعلى ثلاث واحد يطلبها للستر ، والعفاف ، وآخر يطلبها ليقدمها للآخرة ، وآخر يطلبها فخرا ، ومباهاة ، ورياء ، فانظر من أي الثلاثأنت ، وهم في طلب الآخرة ثلاث واحد يريد اللّه وحده ، وآخر يريد ما عند اللّه عز وجل ، وآخر يريد الدنيا بعمل الآخرة ، فانظر أيهمأنت . وقال : الفقر من العرض في الدنيا لغنى بالعرض في القلب مكرمة ، والغنى بالعرض بفقر القلب مخزية . وقال : الغنى باللّهأشرف من الفقر إلى اللّه لأن الغنى صفة للّه ، والفقر صفة للعبد ، وكذا العلم ، والمعرفة غير أن الفقير أكثر تواضعا في نفسه ،والعارف أكثر خوفا من ربه . وقال : الغنى باللّه على الموافقة للّه خصوص ، والفقر إلى اللّه على المحبة للّه عموم « 1 

وقال : مقامات أهل الامتحان في الغنى ، والفقر على ثلاث : فطائفة كشف لهم الحق أعلام أحوالهم بالمواهب ، والكرامات فتم غناهم، وطائفة ستر عليهم الحق إعلام أحوالهم فتزيدوا فقرا إلى ربهم ، وطائفة أقام لهم الحق الغنى من جهة الكفاية فما أدخل عليهمأخذوه بالموافقة ، وما أزال عنهم تركوه بلا اعتراض . وقال : البخل عن اللّه في النفس يورث ثلاثة : محبة الدّعة ، وفرح البزخ « 1 » ،وسرور الراحة ، وهو ذهاب للعقل ، والفهم ، والفطنة ، والبخل عن اللّه بالمال يورث ثلاثة عجلة الشر ، وشره الحرص ، ودناءة الرغبة ،وهنّ ذهاب للدّين ، والعلم ، واليقين . وقال : أقل ما يورث البخل استحلال الحرام ، وسوء الظن ، والحسد ، وأقل ما يورث السخاءصيانة العرض ، ومزيد المحبة ، وتعظيم المروءة . وقال : إذا ضيعت الأمانة ، وكتمت النصيحة ، وذهب الإنصاف ، ولم يحفظ المسلمبالغيب ، ولم يغث الرجل لحاله صديقه إذا احتاج إليه ، فالمعرفة بالناس غرور ، والثقة بهم سخافة عقل ، وقلة معرفة بالزمان ، وأهله .

--> - فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 271 - 273 ] . وقال فيالثانية : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى الآية إلى قوله : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَاللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ الحشر : 7 ، 8 ] . وقال : الزهد والفقر ، فلما كان جنس الزهد في الفقرأغلب ، صار الفقر في اصطلاح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد ، وهو من جنس التصوف . فإذا قيل : هذا فيه فقر ، أو ما فيهفقر ، لم يرد به عدم المال . ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفي من المعارف والأحوال والأخلاق والآداب ، ونحو ذلك . اه . [ الصوفيةوالفقراء ، 30 ، 33 ] بتحقيق أستاذنا الفاضل الدكتور أسامة عبد العظيم حفظه اللّه تعالى . ( 1 ) البزخ : التقاعس [ النهاية : 1 / 123 ] .

وقال : لا يزال طالب الدنيا أبدا مفتونا حتى تطلبه الدنيا ، ولا يزال طالب الآخرة مرائيا حتى تطلبه الآخرة ، وعلامة طلب الدنيا للعبدالرضى بالقسم ، والثقة بالوعد ، وعلامة طلب الآخرة للعبد قصده إليها ، وإيثاره لها . وقال : قل أن يفلح المريد حتى يكون فيه أربعة :كف الأذى ، ورفع المؤنة ، وإيصال النفع ، وإقامة العذر للناس أجمع في حق الناس . وقال : قبيح بالقراء بل حرام على أهل الحقيقةالتقوى أن يبذلوا دينهم في دنياهم أو يريحوا أجسادهم في طلب آخرتهم . وقال : افترق القاصد إلى اللّه عز وجل في الحركة ،والسكون في موجود أوصاف العلم ، وحقيقة معلوم رتب اليقين على أربع مقامات : فطائفة طلبت الدنيا لإصلاح دينهم خوفا على فوتآخرتهم ، وهم العلماء بالأمر ، والنهى على الخشية للّه عز وجل ، وعلامة صدقهم في ذلك أخذ ما أحل لهم ، وترك ما حرم عليهم ،وشاهد إخلاصهم في ذلك بذله في حقه للآخرة ، ومنعه من غير حله للدنيا ، وطائفة تركت الدنيا لإصلاح دينهم ، وقلوبهم رغبة فيالسبق لآخرتهم ، وهم العلماء بالأمر ، والنهى على الخشية للّه عز وجل ، والعمل بالمعرفة ، وعلامة صدقهم في ذلك أخذ القوام منالدنيا ، وترك الفضل منها ، وشاهد إخلاصهم في ذلك الإيثار بالجهد ، والدوب بالجد ، وطائفة تركت الدنيا ، والآخرة خوف فوت اللّهعز وجل ، رغبته في حظه محبة اللّه ، وهم العلماء بالأمر ، والنهى على الخشية للّه عز وجل ، والعمل بالمعرفة له ، وعلامة صدقهم فيذلك بذل النصيحة ، وكفّ الأذى ، وشاهد إخلاصهم في ذلك النظر إلى الخلق بالرحمة ، والتعطف بالرأفة عليهم ، وهؤلاء الذين انقطعالناس دونهم ، وتخلف الناس على السبق لهم

لأنهم طلبوا مصافات من لم تجر عليه الحوادث ، ورغبوا في مسامرة من لم يزل فأثابهم الحق مع ذلك ما عجزوا عن وصفه العالمون ،وغاب عن الإحاطة به توهم العارفين ، وطائفة رأت ترك الحظ للحظ حظا ، ورؤية الحظ للحظ في الحظ حجاب ، وستر عن الحقيقة إذاالحقيقة للحق أحق أن يؤثر على كل حظ ، وإن أريد به الحق لمقدار حق الربوبية ، وهيبة إجلال إفراد الربوبية ، وهؤلاء الذين عزبتالأفهام ، وكلت الأذهان عن تحصيل حقيقة أماكنهم لقيام الحق بهم ، ولهم ، وعليهم غير أن فقرهم متصل بالغنى للّه عز وجل ،وإشاراتهم مذمومة بالحفظ من اللّه عز وجل فعلمهم توحيد ، وعملهم تفريد ، ويقينهم تجديد ليس لهم اختيار باعتراض في حينصحوهم ، ولا احتلال في فناء ، ولا بقاء لتولى الحق لهم ألا تسمعه ، كيف يقول « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به، وقلبه الذي يعقل به » وفي خبر آخر كنت « له سمعا ، وبصرا ، ويدا ، ومؤيدا » واللّه عنده حسن الثواب . وقال : لا يفلح مريد ، ولاطالب حتى يعرف أبواب الغنيمة في الأمر ، ويعرف وجوه السلامة في النهى ، ولا يثبت لعالم ، ولا عارف معنى في الحقيقة حتىيعرف أبواب الغنيمة من حاله لإصلاح حال غيره ، ويعرف وجوه السلامة من حاله بمزيد حال غيره من حاله . وقال : إذا وجدت فيالمريد والطالب ثلاث خصال فاحذره : الكذب في الحديث ، والدعوى في الإشارة ، والاحتقار لأهل الجهالة ، وإذا وجدت فيه ثلاثخصال فتمسك به عقل يدله على رشد ، وعفة ترده إلى استقامة ، وطاعة للناصح لا يحلها هو الشهرة . وقال : انقطع من الناس أربعة، واتصل منهم أربعة : انقطع منهم مكذب بالقدر وجاحد للقدرة ، ومتزين بالرياء ، ومعتقد منهم للرؤية ،

واتصل منهم من ترك الانتصار بعد القدرة ، وبادر الانتقال مع الحظوة ، ونظر إلى نفسه ، وإلى غيره بعين الفقر ، والفاقة ، وعامل اللّهفي نفسه ، وفي الخلق بالإنصاف ، والنصيحة . وقال : التكذيب بالقدر يورث عمى القلب ، والإنكار للقدرة يورث صمم القلب ، والتزينبالرياء يورث مقت الرب ، واعتقاد الرؤية تورث مكر الرب ، وترك الانتصار يورث مزيد العقل ، ومبادرة الانتقال على الخاطر الفاسديورث مزيد المعرفة ، والنظر بعين الفقر ، والفاقة يورث الغنى ، والتعطف ، والرحمة ، والإنصاف ، والنصيحة يورثان مزيد العلم ، وفوائدالحكمة . وقال : إذا طلب المريد علم دينه بعد معرفة الأدب صمت للحق فإذا علم بعد المعرفة نطق بالحق للحق . وقال : الأدلاء منالعلماء ، وأهل المعرفة على مقامين صادق يدل على ما عنده ، وصديق يدل عليه ، فالأول مؤمن باللّه ، والثاني مؤمن للّه ، ومن ها هناافترقوا في مقامات العبودية ، ودرجات التوحيد فيه فكلما كان العبد فيه منسوبا إلى ما دون اللّه عز وجل فهو من الإيمان باللّه ، وكلماكان العبد فيه منسوبا إلى اللّه عز وجل فهو من الإيمان للّه فما كان للّه فهو يرجع إلى أوصاف التوحيد ، وما كان باللّه فهو يرجع إلىالمحدثات خلقا للتوحيد ، وفي هذين المقامين تباين الناس في الدرجات همم القلوب ، ورتب مشاهدات الغيوب . وقال : رضى الربسبحانه في سخط الناس عز ، ورضى الناس في سخط اللّه ذل ، ومن رغب في رضا نفسه بمخالفة ربه فهو مخذول العقل مستحوذعليه هواه ، ومن أراد رضى جميع الناس فقد أتعب نفسه في أمل لا يدرك ، وغاية لا تبلغ .

وقال : اعتبروا الناس في موافقة عقولهم عند الأمر ، واختبروهم في مخالف أهوائهم عند النهى ، ومن رأيتموه يرغب في مؤالفة أهلالبدع ، ويرهب موافقة أهل السنة فاعلموا أنه معاقب ، ومن رأيتموه يزدرى بالأولياء ، وينكر مواهب الأصفياء فاعرفوا أنه محارب للّهمبعود مطرود عن حقيقة قرب اللّه عز وجل . وقال : من أراد سلامة دينه ، وسلامة عرضه في هذا الزمان فليبذل الحق الذي عليه ، ولايطالب أحدا في الحق الذي له ، ولا يتقرب من لا يعرفه ، وينكر معرفة من يعرفه فمن أخذ بذلك فقد نجا ، ومن أبى ذلك فليستعد للهمفي الباطن لعدم الإنصاف في الخاصة ، وليعد للغم في الظاهر لغلبة الجهل في العامة . وقال : لا ينال صلاح الباطن إلا بالتقى ، ولاينال صلاح الظاهر إلا بالموافقة ، ولا ينال صلاح ما بين العبد وبين الناس إلا بالمسامحة ، ولا ينال صلاح ما بين العبد ، وبين ربه إلابالإيثار ، فصلاح الباطن بواحدة ، وهي الخشية للّه عز وجل ، وصلاح الظاهر باثنين : بكف الأذى ، وترك ما لا يعنى ، وصلاح ما بينالعبد ، وبين الناس بثلاث : العفو عنهم ، والتحمل لهم ، وإدخال المسرة عليهم ، وصلاح ما بين العبد ، وبين اللّه بأربع : لزوم الأمر ،واجتناب النهى ، والصبر على البلاء ، والشكر على النعماء . وقال : لا يجد من جمع له شرع الدين للعمل ، وعلم شرع المعرفة بوجوداليقين إلا جاهل عند من لم يسلك طريقه ، ضعيف العقل عند من لم يذق مذاقه ، ولا يجد من اتصل علم دينه بمعرفة ربه إلا رحيم بكلمؤمن عطوف على كل جاهل . وقال : إذا كنت لا تحب أن يغلب هواك ، متى تموت نفسك من

جهلك ؟ ، وإذا كنت لا تريد من يخبرك بعيوبك ، متى تطيع الناصح لك ؟ ومتى كنت لا تحب الفقر ، وأهله ؟ ومتى تجد طعم الصدق ،ومواريث الصبر ؟ ومتى كنت تحب الغنى وأهله ؟ متى تصل إلى الشكر والإيثار ؟ وقال : ستظهر غدا أعلام من أراد اللّه لواجب حقهعلى أعلام من أراد ما عند اللّه تعالى لمراد حظه ، وستبدوا أستار من أراد العلم ، والعمل للدنيا ممن أراد للّه الدار الآخرة . وقال :اعلموا لو أن إيمانكم تباهى إلى تصديق المقربين لم يتقبل منكم حتى تؤمنوا بالقدر خيره ، وشره ، ولو أن علمكم انتهى إلى إحياءالموتى لم تجدوا وجه الحق حتى تصدقوا بالقدر ، وتعرفوا قدر أولياء اللّه تعالى ، وخاصته ، ولو أن علمكم بمبلغ ما تناطقت به الحفظةلم تجدوا طعم حقيقة العبودية حتى تعرفوا تمييز يقينكم منازلة أصحاب الأحوال من رتب أرباب الأحوال في البداية ، والنهاية فيرتبكل حال في مقامه ، وكل وثبة في مقام أهله ، وهذا هو الرقيب على الحكماء المؤدى للعلماء فطوبى لمن عرفه ، وطوبى ثم طوبى لمنأطاعه . وقال : الكرامات دائمة لأهل البدايات فاعرفوا أهل التخلف بها ، والإجابات دائمة لأهل النهايات فاعرفوا أهل الوصول بها . وقال : إذا تباهى أهل النهى طويت عنهم الكرامات في الظاهر ، وصارت مواهبهم مواجد العلم المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء ، ولايجهله إلا أهل العمى فهذا شاهدهم في الظاهر ، وعلامتهم في الباطن رؤية الغيوب بالقلوب فكأنهم يرونه بالعلم ، والإيمان ، والمعرفة ،واليقين . وقال : مساكين العامة ما ذا فاتهم حين جهلوا طلب علم دينهم ، ومساكين طلاب علم الدين ما ذا فاتهم حين لم يعرفوا معنىالتعبد

بالعلم ، ومساكين أهل التعبد ما ذا فاتهم حين فقدوا معرفة أهل العبودية ، ومساكين أهل العبودية بالعلم ، ما ذا فاتهم حين لم يجدواشواهد أهل الإفراد ، وحقيقة أهل التوحيد ، ومشاهدة أهل الحضور ، وخطاب أهل البقاء في تقريب أهل القرب . وقال : جمع اللّهتبارك وتعالى بوجود المعرفة في الفهم أمره كله في حرف من كتابه قوله : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [ الإسراء : 34 ] ، وجمعبوجود المعرفة في الفهم نهيه كله في حرف من كتابه : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأنعام : 151 ] وجمع وعده ،ووعيده في حرفين من كتابه : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ فصلت : 46 ] وجمع أقداره كلها في حرفين من كتابه :فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [ الأنعام : 125 ] . * * *

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الجزء السابع قال عبد الرحمن بن محمد : من أحكم العلم بهذه الأربعة بعد الإيمان تزيدت معرفته باللّه فيالحقيقة ، ومن وجد بفهمه تمييز التفرقة بجمعها ورث العلم الأكبر في حقيقة التوحيد . وقال : جمع اللّه عز وجل في هذه الآية فهممعاني حقيقة التوحيد ، وإظهار الفقر ، والفاقة إليه ، ووجود طعم المحبة في التملق له ، والإقرار بصفة إفراد الربوبية في قوله : وَأَيُّوبَإِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ الأنبياء : 83 ] قيل : فمن قالها سبع مرات بضرورة إيمانه فرج اللّه همه ،وكشف عنه كربه . وقال : جمع اللّه سبحانه في آية من كتابه إقرارا بالتوحيد ، واستسلاما للرب ، وإظهارا للفقر ، وسؤال فضل ،وطلب مزيد فضل قوله : أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف : 101 ] . وقال : دخل علم كل شئيراد اللّه في فهم قوله : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] ، ودخل علم كل شئ يراد من اللّه في فهم قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَناخَزائِنُهُ [ الحجر : 21 ] الآية ، كما أحاط علم اللّه بكل شئ عنده قوله : تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الملك : 1 ] . وقال : علة خلق اللّه عز وجل للنعم التي وهب لعباده الشكر عليها ، وعلة خلق اللّه للبلوى الذي اختبر بها عباده ليصبروا له فيها ، وهذاموضع الغرض في النعماء ، والبلوى ، وجعل وجود الفهم في معرفة

معنى الشكر مزيدا في المحبة للّه عز وجل ، وجعل وجود الفهم في معرفة معنى الصبر مزيدا للحياة من اللّه عز وجل . وقال : بعلماءأهل الأمر ، والنهى من اللّه أمره ، وبسنة نبيه ، وباتباع هذا العلم ينجو العبد من عذاب اللّه ، ويفوز برحمة اللّه عز وجل ، وبالعلم باللّه ،والمعرفة به يزهر اللّه به دينه ، وينور به سنة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، ويفوز في أهله في الدرجات ، ويعلو بهم غدا في المقعدالصدق ، والقرب في المقامات . وقال : علامة قوة العلماء بالأمر ، والنهى في الظاهر الخشية للّه ، والورع في دين اللّه ، والزهد فيالدنيا ، وعلامة قوة أهل العلم باللّه ، والمعرفة باللّه الإيثار للّه ، والرضى عن اللّه ، ولزوم الفقر إلى اللّه على وجود الغنى باللّه ، وعلامةالتقصير في العالم بالأمر نظره لنفسه ، وإيثاره لدنياه على آخرته ، وعلامة الضعف في العالم باللّه صحبته للأضداد ، واعتلاله للأهل، والأولاد . وقال : من عرف ما يدخل جوفه ، وما يخرج من رأسه ارتفع قدره في الأرض ، والسماء ، وإن قل صومه ، وصلاته ، وتلاوته، وذكره . وقال : الوسوسة بالبر لبعد الوقت انقطاع للواصلين ، وإيصال للمنقطعين . وقال : إذا كنت أحبك لحظى منك ، متى أنصفك؟ ، وإذا كنت أرهبك لسبب هو دونك ، متى أخافك ؟ وقال : حبى لك لحظى حجاب لي عن حقيقة عبوديتك ، وجئ لواجب حقك وصولإلى حقيقة توحيدك . وقال : من أراد وجود المحبة منه للّه عز وجل فليكثر في نعمه ،

وأياديه ، ومننه ، ومن أراد وجود محبة اللّه له فليجل مقامه عند أمره ، ونهيه ، ويؤثره على ما سواه من حظ نفسه . وقال : أهل التخليطفي ميدان التائبين ، والتائبون في ميدان المريدين ، والمريدون في ميدان الورعين ، والورعون في ميدان الزاهدين ، والزاهدون فيميدان العارفين ، والعارفون في ميدان العلماء باللّه المؤثرون اللّه على ما سواه . وقال : الفرق بين رتبة عموم الخواص ، وحال المدعىفي هذا العلم تفضيل ما يجريه الحق بمعرفة الأصول ، والأدب في بداية كل حال ، ونهاية ، والفرق بين رتبة عموم الخواص ، ودرجةالخواص تمييز ما يجريه الحق في ترغيب نفوسهم من العلم في مسائل العقل ، والهوى في المكروه ، والمحبوب ، والفرق بين درجةالخواص ، ومقام خواص الخواص وجود نور بصيرة إشارة الحق له في إيجاد ما يجدونه من بركات حالهم المعلق عليهم في إشاراتهمللحق في الخواطر الجارية بينهم ، وبينه . وقال : طبائع العقل في الناس مختلفة على قدر وزنه في كل إنسان فأيهم كان أوزن عقلافهو أعلى همة ، وأرفع إشارة ، وأجلّ رتبة ، وأفضل مقاما ، والناس في منازلة العقل على ثلاث طبقات : فعاقل قد أبصر رشده منغيه قبل حلول نفعه ، وضره فآثر الذي هو أولى به ، وعاقل قد أحرقته التجارب فهو يعرف رشده من غيه ، ولا تمييز له في الإيثار حتىيرد وقته فيؤثر الذي هو أوجب عليه ، ومتعلق بالعقل يعمل بالمشورة ، ويأخذ بالوثيقة من عقل غيره ، ولا بصير معه لنفسه ، ولا تمييز لهلحاله . وقال : أعقل الناس من أخذ بثلاث ، وترك ثلاثا : من أخذ في دينه بالكتاب ، والسنة ، وأخذ في دنياه بالإيثار لآخرته ، وأخذفي الناس

بالتغافل ، وترك المكافآت بالأدنى ، وترك من أخلاقه ثلاثا : الحسد لإخوانه ، والحرص على ما فاته ، والاشتغال بما لم يأت قبل وقته . وقال : العاقل لا يقتدى إلا بعالم عارف ، ولا يثق إلا بطاعة موفق ، ولا يركن إلا بمؤالفة صادق . وقال : من أظهره اللّه عز وجل بمعنىمن العلم ، أو بضرب من الخير للعامة فقد عرض به للحمق إما بلوى في نفسه لنفسه ، أو ابتلاء من غيره لنفسه ، ولغيره فبلاء المدخولعليه من نفسه لنفسه الرياء ، والعجب ، والتزين ، والفخر ، ومحبة الثناء ، والحمد فكلما استحلى ذلك يريد له قبول الناس خيره ،ويريد استعباده لموافقتهم بالاعتراض ، والإغماض عن النصيحة لهم فيما يكرهون ، والتصنع لهم فيما يحبون ، ويشتهون حتى أنهليبدل دينه ، ودنياه ، وعرضه ، وجسمه في إقامة الجاه عنده بذهاب عيشه في الدنيا ، وراحته في الآخرة إلا أن يتداركه اللّه بخوفيصحبه خشية ، أو برجاء تتبعه رغبة فيعمل لحظه من آخرته ، وللتقرب من ربه ، وعلامة صحة الصدق في ذلك وجود وحشة القلب منالمدح خوف استعجال حظه من اللّه ، والأنس بانتشار الذم محبة للسقوط من أعين الناس ، وأما ابتلاؤه مما دخل عليه من غيرهمعاشرة الأضداد ، ومفارقة الأنداد ، وائتلاف الحمقاء ، واعتراض السفهاء ، واعتلال الجهلة ، ومخالفة الظلمة فعند ذلك يصير عرضاللخلق ، ومعدنا لبلوى الحق فإذا ذهبت به حمية لنفسه بالمقاومة لغيره سقط في خنادق الهوى بأول نفس ، وسلب نور العقل بأول قدم ،وعاد علمه ومعرفته وبالأعلية عند افتخاره بحاله ، وانتصاره لنفسه ، وضرّ بدينه ، ودنياه في استحضاره لنفسه ، وطلب حب الغلبةلحظه إلا أن يحفظ بحفظه اللّه له بالستر ، ويفهمه قدر ثواب من ابتلاه ، وما لقى رسل اللّه عز وجل ، وأرضاه فيحفظ في ميدانالسلامة ،

ويجتنى ثمار الغنيمة ، واللّه عنده حسن المآب . وقال : من أظهره اللّه عز وجل بمعنى من الشهادة عند العوام فسكن إلى ذلك دون رؤيةالنعمة من ربه بما يستر عليه من ذنوبه ، وعيوبه في تقصير في شكر ما أولاه من نعمة فإن لم يشغله هذان الأمران عن رؤية حاله ،وما انتشر له من ذكر مر به في طريقه ، واستدرج في حاله علم ذلك ، أو جهله فيصير عدة عند الخاصة ، أو عارا عند العامة إمابكشف حال من الحق ، أو بسخف يظهره اللّه على لسانه ثم يزيد به البلاء حتى يصيرا به بصير على المتقدم قبله إما بقدوة في الزلات، وإما بسوء التأويل ، وقلة الضبط في الحكايات ، ويصير معرة على المتأخر بعده من اتباع أهل الضعف ، والدعاوى مثله فهو بليةعلى نفسه بحبه على من بعده عار على من كان قبله ، وغمة للخواص ، وفتنة للعوام ، وذلك العالم الفاجر الذي استعيذ باللّه من جهله ،والعابد الجاهل الذي استعيذ باللّه من فتنته . وقال : ليس كل من أشهره اللّه بمعنى من العلم ناج ، ولا من أخمله بضرب من الخيرسالم حتى يصفى حاله بالبلوى ، والامتحان اختبارا من الحق له في المحبوب ، والمكروه فإما دعاوى تضمحل ، وتظهر للخاصة ، وإماسخف نفس لا يخفى على العامة لأن اللّه سبحانه ألزم كل حال معنى من الاختبار بأوامر للعبد ، وعلامة الصحة في ذلك اتباع الحق، والثبوت على مدرجة الصدق في العموم ، وأما الخصوص فصحة حقيقة حالهم الغنى باللّه ، والفقر إلى اللّه ، والشكوى إليه ،والتعلق به في كل حاله فمن ظهرت منه رغبة بحرص ، وحسد شره أو رهبة لمخلوق ، دون الخالق فهو مدع مطرود عن درجة العلماء ،ومقامات النساك إشهاده عليه أضر من إخماله ، وإخماله مزيد في فتنه بحال .

وقال : الشهرة كلها في الدين ، والدنيا ضرر في العقل والنفس ، ونقص في العلم والمعرفة إلا عبد أظهره اللّه بصولة اليقين ، وعزّالغنى ، وهيبة الرحمة ، وإيثار النصيحة ، ونبذ الدنيا ، والإقبال على الآخرة ، وعلامة ذلك في الولي ألا يخاف إلا ربه ، ولا يرجو إلامولاه ، ولا يشكو ضيقا من الدنيا ، ولا يفرح بسعة منها ، ولا ينتصر لنفسه ، ولا ينتقم من أحد إلا للّه سبحانه ، ولا يغضب إلا عندحدوده ، والتعرض لأوليائه ، وكل من فاتته هذه الآداب ، والأخلاق عند الاشتهار فقد هلك ، وأهلك غيره إذ لا يخلو من الرياء بالتزين ،والتصنع بالمداهنة ، والتصدّى للظلمة ، والإغضاء عن الفجرة ، والافتخار بحاله ، والمدحة لمن جرى في محبوبه ، والعداوة ، والبغضاءلمن صمت عنه ، وإباحة الدماء ، واستحلال ظهر من نصحه ، وباينه في الحق ، وقاومه ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 227 ] . وقال : التعلق بمحبة الشهرة دون اللّه طرد ، والركون إليها من سخافة العقل ، ومحبة الإخمال خوفا على فساداليقين في ذات اللّه عز وجل ، والعمل في هدم الجاه شرف ، وزيادة في العقل ، ومن لم يؤيد في الشهرة والإخمال بالاستعانة ،والاستغاثة ، والفقر إلى اللّه عز وجل بصدق اللجوء في طلب السلامة هلك . وقال : الحمقاء ينظرون إلى ما ظهر عند الناس فيزدادونلهم تصنعا ، والعقلاء ينظرون إلى ما بطن في تقصيرهم في الواجب للّه عز وجل فيزدادون منه خوفا ، وإشفاقا ، فالأحمق يزدادبعلمه ، وعمله جهلا ، وبعدا ، وعمى ، والعاقل يزيد بفقره ، ومعرفته لنفسه علما ، ويقينا ، وقربا ، وبصيرة . وقال : ويل لمن ظهرتشهرته قبل أحكام معرفة علم بدايته ، وويل لمن

لحقته الشهرة قبل فهم آداب نهايته . وقال : إياكم أن تخدعوا بصحبة من اشتهر بضرب من العلم معنى من العمل ، وهو راهب منالخلق راغب إليهم فإنهم ضالون مفتونون ، وإياكم أن تنخدعوا عن صحبة أهل اليقين ، والمعرفة الذين أغناهم اللّه به ، وأفقرهم إليه ،وجعلهم متعلقين به في كل حال فإنهم القدوة في الدّين ، والهداية للمتقين . وقال : أبخس الناس حظا في أهل الإيمان من جعلإشهاره بالعلم ، والمعرفة استجلابا للدنيا ، وإقامة لجاهه ، وأقل منه حظا من جهل ذم حاله ، وعادى فيه من ناصحه . وقال : لو كانتشهرة تنفع بالعلم ، والعمل بلا ورع ، ولا تقوى لمدح أحبار أهل الكتاب ، ورهبانهم موضع ذمهم اللّه عز وجل ، ولو كان الظاهر مكرمةدون الصدق ، والإخلاص لم يكن في الأرض منافق ، ولا استعيذ باللّه من علم لا ينفع . وقال : أول عقوبة استعجلت لأهل الشهرةالمحبين لها العاملين عليها الأنس بالخلق على ادّهان لهم ، وأول رحمة استعجلت لأهل المحبة للخمول الأنس بالخالق ، والسلامة فيمجالسة الخلق ، وكل من وجد الأنس بالخلق دون أنس قلبه باللّه عز وجل فهو ضعيف ، وكل من ذهب أنسه مع مجالسة الخلق فهومطرود محبوب ، وكل من وجد أنسه في الخلاء والملأ فهو مقبول مقرب . وقال : مراتب الخاصة والعامة من أهل البدايات والنهايات فيالمقامات والدرجات داخلة في هذه الأصول فمن عمل بها تزيد نور قلبه ، وصفاء عقله ، وكفى شر نفسه ، وهواه ، وعدوه ما صحبه فيذلك الصدق له ، والإخلاص في معاملة اللّه ، والصبر للّه ، والشكر على نعم اللّه ، والخوف

من اللّه ، والرجاء في ذات اللّه على الاستعانة باللّه ، والفقر إلى اللّه ، ومن عمل بأضدادها فليس في شئ من الحقيقة ، ولا مزيد مننور ، ولا هداية فأول ذلك الحفظ لحدود الإسلام ، وشرائعه ، وفروضه ، وأحكامه ، ولا إسلام في الظاهر إلا بالتصديق باللّه ، وملائكته، وكتبه ، ورسوله ، ووعده ، ووعيده ، وبعثه بعد الموت ، ومجازاته بالأعمال على الخلود في الجنة ، والنار ، ومريد اللّه بالنظر إلى اللّهعز وجل ، ولا تصديق بحقيقة إلا بحفظ الأمانة ، ولا أمانة إلا بالتقوى ، ولا تقوى إلا بدين ، ولا دين إلا بعقل ، ولا عقل إلا بفهم ، ولافهم إلا بفطنة ، ولا فطنة إلا بذهن ، ولا ذهن إلا بفكرة ، ولا فكرة إلا بعبرة ، ولا عبرة إلا بيقظة ، ولا يقظة إلا بمبادرة ، ولا مبادرة إلابمسارعة ، ولا مسارعة إلا بمسابقة ، ولا مسابقة إلا بتمام البيعة ، ولا بيعة إلا بنية ، ولا نية إلا بهمة ، ولا همة إلا بصدق ، ولا صدق إلابإخلاص ، ولا إخلاص إلا بصبر ، ولا صبر إلا بشكر ، ولا شكر إلا بمعرفة ، ولا معرفة إلا بعلم ، ولا علم إلا بحلم ، ولا حلم إلا بتجاوز، ولا تجاوز إلا بعفو ، ولا عفو إلا بنصح ، ولا نصح إلا بإنصاف ، ولا إنصاف إلا بموالاة ، ولا موالاة إلا بمعاداة ، ولا معاداة إلا بحق، ولا حق إلا بمؤالفة ، ولا مؤالفة إلا بتواضع ، ولا تواضع إلا بمحبة ، ولا محبة إلا بمودة ، ولا مودة إلا بشوق ، ولا شوق إلا بكمد ، ولاكمد إلا بمسامحة ، ولا مسامحة إلا بحسن خلق ، ولا حسن خلق إلا برحمة ، ولا رحمة إلا بخشية ، ولا خشية إلا بإشفاق ، ولا إشفاقإلا بحذر ، ولا حذر إلا بخوف ، ولا خوف إلا برجاء ، ولا رجاء إلا بحياء ، ولا حياء إلا بمراقبة ، ولا مراقبة إلا بزهد ، ولا زهد إلا بأنس ،ولا أنس إلا برضا ، ولا رضا إلا بتوكل ، ولا توكل إلا بثقة ، وتفويض ، وتسليم ، واعلم أن أول كل حال التوبة ، ثم الطهارة ، ثم

الطلب ، ثم العمل ، ثم المجاهدة ، ثم المكابدة ، ثم المخالفة ، ثم التسهيل ، ثم الرغبة ، ثم المعرفة ، ثم العمل ، ثم الغنى ، ثم الفقر ، ثمالقناعة ، ثم الموافقة ، ولا بد في ذلك كله من خضوع ، وذلة ، واستكانة ، وطلب الغنيمة بعد السلامة ، ثم ينتقل العبد إلى درجةالبصيرة ، والتمييز ثم ينتقل إلى مقام الإجلال ، والتعظيم ، ثم يترتب في حال الهيبة ، والحضور ، والمشاهدة ، وهو حقيقة أهل وجودحقيقة التوحيد الذين يعبدون اللّه عز وجل بالشرائع في الظاهر كأنهم يرونه بالإيمان ، والعلم ، واليقين في الباطن . وقال : هذهاللحظة انتهت كرامة أولياء اللّه عز وجل في الدنيا ، واللّه عنده حسن المآب . كمل الكتاب بحول اللّه ، وعونه ، وتأييده ، وصلى اللّه علىسيدنا محمد ، وآله ، وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا . * * * وكان الفراغ منه يوم الاثنين في شهر صفر سنة ست وأربعين وسبعمائةعلى يد الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه بن أحمد الحنفي ، عفا اللّه عنه ، وعن والديه ، وعن سائر المسلمين ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل . * * *

فهرس الموضوعات الموضوع الصفحة مقدمة التحقيق 3 ترجمة المصنف 5 منهج التحقيق 6 مقدمة المصنف 9 الجزء الأول 12 الجزءالثاني 44 الجزء الثالث 77 الجزء الرابع 106 الجزء الخامس 142 الجزء السادس 183 الجزء السابع 222 * * *


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مطريات

البديع