الظلم ظلمات
ظلمات الظلم
ندب الله عز وجل إليه فعلاً وقولاً وخلقاً، قال الله تعالى " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى " " النحل: 90 " وقال سبحانه: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين " " المائدة 42 " وكفى شرفاً فضيلة يحب الله فاعلها. وقال عز وجل: " وإذا قلتم فاعدلوا " " والأنعام: 152 " وقال تبارك وتعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً " " الفرقان: 67 " والآيات في ذلك وفي ذم الجور والوعيد عليه أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى " ألا لعنة الله على الظالمين " هود: 18 " وقال عز وجل " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً " " الجن: 15 " وقال سبحانه " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار " " إبراهيم: 42 " قيل هذه تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. وقال تعالى: " إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا " " الكهف: 29 " وقال تعالى: " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " " الشعراء: 227 " . ومن أمره بالعدل قوله سبحانه " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " " ص: 26 " .
وسئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: من أفضل الناس؟ قال: أكثرهم ذكراً لله؛ قيل فمن أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله؛ قيل: فمن المؤمن؟ قال: من يخشى الله بالغيب، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويؤدي الأمانة إلى أهلها، ويتقي دعوة المظلوم، ويعدل لسانه عند الرضى والغضب.
وقال له رجل: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر.
وقال صلى الله عليه وعلى آله: أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام جائر. وفي لفظ آخر: إن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر.
(1/330
وقال صلى الله عليه وسلم: لا قدست أمة لا تأخذ للضعيف حقه غير متعتع.
وروي عن عبادة بن الصامت أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وعلى أن نقول الحق أيضاً حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى الله منه ولزمه الشيطان.
وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله أنه قال: إن الله نظر إلى أهل عرفات فباهى بهم الملائكة، فقال: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق، فاشهدوا أني قد غفرت لهم إلا التبعات التي بينهم.
وقال صلى الله عليه وعلى آله: رحم الله عبداً كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال، فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم ليس معه دينار ولا درهم.
وعنه صلى الله عليه وعلى آله أنه قال: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله فقال: أرأيت إن ضربت بسيفي هذا في سبيل الله محتسباً مقبلاً غير مدبر، أتكفر خطاياي؟ قال: نعم. فلما أدبر قال: تعال، هذا جبريل عليه السلام يقول إلا أن يكون عليك دين.
وقال صلى الله عليه وعلى آله: من اقتطع حق امرئ مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل: يا رسول الله ولو كان شيئاً يسيراً؟ قال: ولو كان قضيباً من أراك.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله تقاضاه فأغلظ له، فهم أصحابه، فنهاهم وقال: ألا كنتم مع الطالب؟ ثم قال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً، واشتروا له بعيراً. فلم يجدوا له إلا فوق سنه فقال: اشتروا له فوق سنه، فأعطوه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخذت حقك؟ قال: نعم، قال: كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء.
وقيل: مر علي عليه السلام في سوق الكوفة ومعه الدرة، وهو يقول: يا معشر التجار، خذوا الحق وأعطوا الحق تسلموا، لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره، ما منع مال من حق إلا ذهب في باطل أضعافه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغبطن ظالماً بظلمه فإن له عند الله طالباً حثيثاً ثم قرأ " كلما خبت زدناهم سعيراً " " الإسراء: 97 " .
وقال عليه السلام: يا علي إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل حقه، وإن الله لا يمنع من ذي حق حقه.
وقال صلى الله عليه وسلم: من روع مسلماً لرضى سلطان جيء به معه يوم القيامة.
وقال صلى الله عليه وعلى آله: من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان، ومن أدان ديناً لا ينوي أن يقضيه فهو سارق.
قال الأحنف: إذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله على عقوبتك، وانتقام الله لهم منك، وذهاب ما أتيت إليهم عليك.
ويقال: ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقيقا على الله أن يزيلها.
وقال أبو سعيد: بينما النبي صلى الله عليه وعلى آله يقسم شيئاً إذ أكب عليه رجل فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بعرجون معه، فصاح الرجل، فقال له النبي الله عليه وعلى آله: تعال فاستقد، فقال الرجل: بل قد عفوت يا رسول الله.
وخبر عكاشة مشهور وله موضع آخر من هذا الكتاب.
وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام.
وقال صلى الله عليه وسلم: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد حاد الله في ملكه، ومن أعان على خصومة بغير علم فقد باء بسخط الله.
وقال صلى الله عليه وسلم: من أعان على باطل ليدحض بباطله حقاً برئ من ذمة الله وذمة رسوله.
قال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله.
وروي عن جعفر بن محمد أنه قال: قال الله عز وجل: وعزتي لأجيبن دعوة المظلوم وإن كان كافراً، كفره على نفسه وإزالة الظلم علي.
وعنه قال: ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: أي رب، عبدك! ظلمت فلم أنتصر إلا بك، إلا قال الله عز وجل: لبيك عبدي حقاً، لأنصرنك ولو بعد حين.
وروي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله جلس بين يديه وقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يخونونني ويعصونني ويكذبونني، فأين أنا منهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان ذلك بقدر ذنوبهم كان ذلك كفافاً لا لك ولا عليهم، وإن كان أكثر من ذنوبهم اقتص لهم منك. فبكى الرجل، فقال صلى الله عليه وسلم: أما تقرأ " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " " الأنبياء: 47 " فقال الرجل: والله يا رسول الله ما لي في صحبة هؤلاء من خير، أشهدك أنهم أحرار كلهم.
قيل أوحى الله إلى نبي إسرائيل أن مر ملوك بني إسرائيل أن ينزلوا الجدب وينزلوا الرعية الخصب، ويشربوا الرنق ويسقوا الرعية السفو، وإلا حاسبتهم بالذرة والشعرة.
سأل الاسكندر حكماء أهل بابل: أيما أبلغ عندكم الشجاعة أم العدل؟ قالوا: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة.
ويقال: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان.
وتزعم الفرس أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور كان عادلاً إلا أنه كان مشؤوماً على رعيته، فقحط الناس في زمانه سنين، وغارت الأنهار والعيون والقني، وقحلت الشجار والغياض، وتماوتت الوحوش والطيور، وصارت الدواب والأنعام لا تطيق حمولة، فأحسن إلى الناس، وكف عن الجباية، وقسم ما في بيت الأموال، وأمر بإخراج ما في الهري والمطامير من الطعام، وترك الاستئثار به، وتساوى فيه غنيهم وفقيرهم، وأخبرهم أنه متى بلغه أن إنسياً مات جوعاً عاقب أهل تلك المدينة أو القرية ونكل بهم أشد النكال. فيقال إنه لم يهلك في تلك المجاعة واللزبة إلا رجل واحد من رستاق كورة أردشير. فقام عدله في العرية مقام الخصب.
ويقال: إذا رغب الملك عن العدل رغبت رعيته عن طاعته.
موت الملك الجائر خصب شامل.
قيل: أي شيء أرفع لذكر الملوك؟ قيل: تدبيرهم أمر البلاد بعدل، ومنعهم إياها بعز.
وكان بعضهم يوصي عماله فيقول: سوسوا الناس بالمعدلة، واحملوهم على النصفة، واحذروا أن تلبسونا جلودهم، أو تطعمونا لحومهم، أو تسقونا دماءهم.
ذكر أعرابي السلطان فقال: أما والله لئن عزوا في الدنيا بالجور، لقد ذلوا في الآخرة بالعدل.
قال الشعبي: كان بين عبد الله بن شريح وبين قوم خصومة، فقال: يا أبت إن بيني وبين قوم خصومة، فإن كان الحق لي خاضمتهم. قال: اذكر لي قصتك. فذكرها له، فقال ائتني بهم، فلما أتاه بهم قضى على ابنه؛ فلما رجع قال: يا أبت لو لم أخبرك بقصتي كان أعذر لك عندي، فقال: يا بني أنت أعز علي من ملء الأرض مثلهم، والله تعالى أعز علي منك. كرهت أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم.
وانصرف شريح يوماً من مجلس القضاء، فلقيه رجل فقال: أما حان لك يا شيخ أن تخاف الله تعالى وتستحيي؟ قال: ويلك من أي شيء؟ قال: كبرت سنك، وفسد ذهنك، وكثر نسيانك، وأدهن كاتبك، وارتشى ابنك، فصارت الأمور تجور عليك. قال: لا والله لا يقولها لي بعدك أحد، واعتزل عن القضاء ولزم بيته. وقضى شريح بالكوفة ستين سنة، ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبقي إلى أيام الحجاج.
ولى الرشيد عاملاً خراج طساسيج السواد، فقال لجعفر ويحيى: أوصياه؛ فقال جعفر: وفر واعمر، وقال يحيى أنصف وانتصف، وقال الرشيد: يا هذا أحسن واعدل. ففضل الناس كلام الرشيد، فقيل لهما: لم نقص كلامكما عن كلامه؟ فقال جعفر: لا يعتد هذا نقصاناً إلا من لا يعرف ما لنا وما علينا، إنما أمرنا بما علينا أن نأمر به، وأمر أمير المؤمنين بما له أن يأمر به.
وقع جعفر بن يحيى إلى عامل له: أنصف من وليت أمره، وإلا أنصفه منك من ولي أمرك.
ووقع إلى أحمد بن هشام في قصة متظلم: اكفني أمر هذا، وإلا كفيته أمرك.
كتب الفضل بن يحيى إلى عامل له: بئس الزاد إلى المعاد، والعدوان على العباد.
تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع المتطبب بين يدي أحمد بن أبي دواد القاضي في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فأربى عليه ابن المهدي وأغلظ له بين يدي ابن أبي دواد، فأحفظه ذلك فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحداً في مجلس الحكم فلا أعلمن ما رفعت عليه صوتاً، ولا أشرت بيدك، وليكن قصدك أمماً، وطريقك ثبجاً، وريحك ساكنة. ووف مجالس الحكومة حقها من التوقير والتعظيم والتوجيه إلى الواجب، فإن ذلك أشبه بك، وأجمل لمذهبك في محتدك وعظيم قدرك، ولا تعجل فرب عجلة تعقب ريثاً، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل. قال إبراهيم: أصلحك الله، أمرت بسداد، وحضضت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتي، ويسقطني من عينك، ويخرجني عن مقدار الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه، باخع بجرمه، فإن الغضب لا يزال يستفزني بهواه، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ وقد وهبت حقي في هذا العقار لبختيشوع، فليت ذلك يقوم بأرش الجناية، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق.
كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله القاضي في مال كان له على سلمة بن سعيد، لما مات سلمة، وكان عليه ديون للناس وللمنصور، فكتب إليه: استوف لأمير المؤمنين دينه، وفرق ما يبقى بين الغرماء. فلم يلتفت إلى كتابه وضرب للمنصور بسهم من المال كما ضرب لواحد من الغرماء، ثم كتب إليه: إني رأيت أمير المؤمنين غريماً من الغرماء. فكتب إليه المنصور: ملئت الأرض بك عدلاً.
قيل: أول من أظهر الجور في القضاء في الحكم بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري، وكان أمير البصرة وقاضيها. كان يقول: إن الرجلين يتقدمان إلي فأجد أحدهما أخف على قلبي فأقضي له.
وخاصم خالد بن صفوان إليه رجلاً فقضى على خالد، فقام خالد وهو يقول: سحابة صيف عن قليل تقشع.
فقال بلال: أما إنها لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، وأمر به إلى الحبس. فقال خالد: علام تحبسني فوالله ما جنيت جناية، فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت، وأقياد ثقال، وقيم يقال له حفص.
وخطب بلال بالبصرة فعرف أنهم قد استحسنوا كلامه فقال: لا يمنعنكم ما تعلمون فينا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا.
تقدم المأمون بين يدي يحيى بن أكثم مع رجل ادعى عليه ثلاثين ألف دينار، فطرح المأمون مصلى يجلس عليه، فقال يحيى: لا تأخذ على خصمك شرف المجلس. ولم يكن للرجل بينه، فحلف المأمون، فلما فرغ وثب يحيى فقام على رجليه فقال: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حق الله تعالى حتى أخذته منك، وليس الآن من حقك أن أتصدر عليك. فأعطى الرجل ما ادعاه، وهو ثلاثون ألف دينار، وقال: خذه، والله إني ما كنت لأحلف على فجره ثم أسمح لك بالمال فأفسد ديني ودنياي. والله ما دفعت إليك هذا المال الساعة إلا خوفاً من هذه العامة فلعلها ترى أني تناولتك من جهة القدرة، ومنعتك حقك بالاستطالة عليك. فأما الآن فإنها تعلم أني ما كنت لأسمح باليمين والمال، وأمر ليحيى بثلاثين ألف دينار، وتصدق بثلاثين ألف دينار.
وكان أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني قاضياً للمعتضد، مات في أيامه الضبعي صاحب الطعام، وله أطفال، وعليه للمعتضد دين قدره أربعة آلاف دينار. فقال المعتضد لعبيد الله بن سليمان: قل لعبد الحميد أن يدفع إلينا هذا المال من تركة الضبعي، فذكر له ذلك، فقال أبو خازم: إن المعتضد كأسوة الغرماء في تركة الضبعي. فقال له عبيد الله أتدري ما تقول؟ فقال أبو خازم: هو ما قلت لك. وكان المعتضد يلح على عبيد الله في اقتضاء المال، وعبيد الله يؤخر ما قال له أبو خازم، فلما ألح عليه أخبره بما قال أبو خازم، فأطرق المعتضد ثم قال: صدق عبد الحميد هو كما قال: نحن كسائر الغرماء وأسوتهم.
أخذ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من رجل فرساً على سوم، فحمل عليه رجلاً فعطب الفرس، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً، فقال له الرجل: أجعل بيني وبينك شريحاً العراقي. فقال: يا أمير المؤمنين أخذته صحيحاً سليماً فعليك أن ترده كما أخذته، فأعجبه ما قال، وبعث به قاضياً. ثم قال: ما وجدته في كتاب الله سبحانه فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يستبين في كتاب الله فالزم السنة، فإن لم يكن في السنة فاجتهد رأيك.
وقال له عمر حين استقضاه: لا تشار ولا تضار، ولا تشتر ولا تبع، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: من الرجز
إن القضاة إن أرادوا عدلا ... ودفعوا قول الخصوم فصلا
وزحزحوا بالحكم عنهم جهلا ... كانوا كغيث قد أصاب محلا
ويقال: إن شريحاً عاش مائة وست سنين، فقضى منها ستين سنة.
قال مسروق: لأن أحكم يوماً بحق أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله.
سمع ابن شبرمة ينشد: من الطويل
يمنونني الأجر الجزيل وليتني ... أجوز كفافاً لا علي ولا ليا
قال أحمد بن وزير القاضي: لما ولاني المعتز القضاء قال لي: يا أحمد قد وليتك القضاء، وإنما هي الدماء والفروج والأموال ينفذ فيها حكمك، ولا يرد أمرك، فاتق الله وانظر ما أنت صانع.
قال القاضي أبو عمر، وقدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى يوسف بن يعقوب يعني أباه في حكم فجاء فارتفع في المجلس، وأمره الحاجب بموازاة خصمه فلم يفعل إدلالاً بعظم محله من الدولة، فصاح القاضي عليه وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع؟! يا غلام عمرو بن أبي عمرو النخاس لتقدم إليه الساعة ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين. ثم قال لحاجبه: خذ بيده، وسو بينه وبين خصمه؛ فأخذ كرهاً وأجلس مع خصمه. فلما انقضى الحكم انصرف الخادم، فحدث المعتضد بالحديث وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبداً، وليس خصوصيتك بي تزيل مرتبة الحكم فإنه عمود السلطان وقوام الأديان.
قال الأحنف: ما عرضت الإنصاف قط على رجل فقبله إلا هبته، ولا أباه إلا طمعت فيه.
كتب المنصور إلى سوار في شيء كان الحق في خلافه، فلم ينفذ سواء كتابه وأمضى الحكم عليه، فتغيظ المنصور عليه وتوعده. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوار لك ومضاف إليك وزين خلافتك، فأمسك عنه.
وكتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة أن ينظر الأنهار التي كانت في أيام عمر وعثمان، رضي الله عنهما، فيأخذ الصدقة منها، نحو نهر معقل ونهر الأبلة وما أشبههما، ويأخذ من الأنهار التي أحدثت بعد ذلك الخراج، فلم ينفذ كتابه، فتوعده، فلما بلغ عبيد الله الخبر أحضر أشراف أهل البصرة من أهل العلم بالقضاء، وأشهدهم أنه قد قضى لأهل الأنهار كلها التي بجزيرة العرب بالصدقة، فلم يردد المهدي شيئاً عليه من فعله.
وقيل: كان حفص بن عتاب جالساً في الشرقية يقضي، فأنفذ الخليفة يستدعيه، فقال للرسول: أفرغ من أمر الخصوم، إذ كنت أجيراً لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين. ولم يقم حتى تفرق الخصوم.
حدث وكيع القاضي قال: كنت أتقلد لأبي خازم وقوفاً في أيام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل، فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر الحسني أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت في يدي، وبلغت السنة آخرها وقد جبيت مالها إلا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله وعلى أهل الوقف، فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ قال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه؛ والله لئن لم يزح العلة لا وليت له عملاً، ثم قال: امض إليه الساعة وطالبه، فقلت من يوصلني؟ قال: امض إلى صافي الحرمي وقل له إنك رسول أنفذتك في مهم، فإذا وصلت فعرفه ما قلت لك. فجئت إلى صافي فأوصلني، وكان آخر النهار، فلما مثلت بين يدي الخليفة ظن أن أمراً عظيماً قد حدث، وقال هي قل، كأنه متشوق، فقلت له: إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة امتنع من تفرقته إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين، وأنفذني الساعة قاصداً بهذا السبب، وأمرني أن أقول إني حضرت في مهم لأصل إليك. فسكت ساعة مفكراً ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي هات الصندوق. فأحضر صندوقاً لطيفاً فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذي جبيت عام أول من ارتفاع هذه العقارات أربعمائة دينار. فقال: كيف حذقك بالنقد الوزن؟ قلت: أعرفهما. قال: هاتوا ميزاناً، فجاءوا بميزان حراني عليه حلية ذهب، وأخرج من الصندوق دنانير عيناً فوزن لي منها أربعمائة دينار، فانصرفت بها إلى أبي خازم فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرقه في غد سبله، ففعلت.
وكان عافية القاضي يتقلد للمهدي أحد جانبي بغداد، وكان عالماً زاهداً، فصار إلى المهدي في وقت الظهر في يوم من الأيام وهو خال، فاستأذن عليه فأدخله، وإذا معه قمطره، فاستعفاه من القضاء واستأذنه في تسليم القمطر إلى من يأمره بذلك. فظن أن بعض الأولياء قد غض منه أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك فقال: ما جرى من هذا شيء فقال: ما سبب استعفائك؟ فقال: كان يتقدم إلي خصمان موسران وجيهان مذ شهران في قصة معضلة مشكلة، وكل يدعي بينة وشهوداً، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت. فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا أو يعن لي وجه فصل ما بينهما. قال: فوقف أحدهما من خبري على أني أحب الرطب السكر، فعمد في وقتنا وهو أول أوقات الرطب إلى أن جمع من الرطب السكر ما لا يتهيأ في زماننا جمع مثله إلا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوابي جملة دراهم على أن يدخل الطبق إلي ولا يبالي أن يرد. فلما أدخل إلي أنكرت ذلك وطردت بوابي وأمرت برد الطبق. فلما كان اليوم تقدم إلي مع خصمه فما تساويا في قلبي ولا في عيني. وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف تكون حالي لو قبلت؟ ولا آمن أنتقع علي حيلة في ديني فأهلك. وقد فسد الناس. فأقلني أقالك الله وأعفني، فأعفاه.
نادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: أيا سليمان، أيا سليمان، اذكر يوم الأذان، فنزل عن المنبر ودعا بالرجل فقال له سليمان: فما يوم الأذان؟ فقال: " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " " الأعراف: 44 " قال: فما ظلامتك؟ قال: أرضي بمكان كذا أخذها وكيلك، فكتب إلى وكيله أن ادفع إليه أرضه وأرضي مع أرضه.
واستؤمر عمر بن عبد العزيز في البسط على العمال فقال: يلقون الله بجناياتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم.
كتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العدل، فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله تعالى جعل الإمام العدل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده: يسعى لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، يكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد وفاته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة، البرة الرفيقة بولدها، حملته كرهاً، ووضعته كرهاً، وربته طفلاً، تسهر لسهره، وتسكن لسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح لعافيته، وتغتم بشكاته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده. والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال، وشرد العيال، فأفقر أهله، وأهلك ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟ قال مالك بن أنس: بعث إلي أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاووس، فدخلنا عليه وهو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا، فجلسنا وأطرق عنا طويلاً. ثم التفت إلى ابن طاووس فقال له: حدثني عن أبيك؛ قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله، قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني دمه. ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظني يا ابن طاووس، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد " إلى قوله " إن ربك لبالمرصاد " " الفجر: 6 - 14 " قال مالك؟ فضممت ثيابي أيضاً مخافة أن يملأني من دمه. فأمسك ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه، ثم قال: يا ابن طاووس ناولني هذه الدواة، فأمسك قال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكاً فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاووس: " ذلك ما كنا نبغ " " الكهف: 64 " قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله.
قال محمد بن حريث: بلغني أن نصر بن علي أرادوه على القضاء بالبصرة، واجتمع الناس إليه فكان لا يجيبهم، فلما ألحوا عليه دخل بيته ونام على ظهره وألقى ملاءته على وجهه وقال: اللهم إن كنت تعلم أني لهذا كاره فاقبضني إليك، فقبض.
كتب عبيد بن ثابت مولى بني عبس إلى علي بن ظبيان قاضي بغداد: بلغني انك تجلس للحكم على باري، وكان من قبلك من القضاة يجلسون على وطاء ويتكئون، فكتب إليه: والله إني لأستحيي إن جلس بين يدي رجلان حران مسلمان على باري وأنا على وطاء، لست أجلس إلا على ما يجلس عليه الخصوم.
أراد عثمان استقضاء عبد الله بن عمر فقال: أليس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ، قال: بلى، قال: فإني أعوذ بالله منك أن تستقضيني.
بينا داود عليه السلام جالساً على باب داره، جاء رجل فاستطال عليه، فغضب له إسرائيلي كان معه فقال: لا تغضب فإن الله إنما سلطه علي لجناية جنيتها. فدخل فتنصل إلى ربه، فجاء الرجل يقبل رجليه ويعتذر إليه.
قال سقراط: ينبوع فرح الإنسان القلب المعتدل، وينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزن الإنسان القلب المختلف المزاج، وينبوع حزن العالم الملك الجائر.
لما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيراً إلى عمر، لم يزل الموكل به يقتفي أثر عمر حتى عثر في المسجد نائماً متوسداً درته. فلما رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك، عدلت فأمنت فنمت؛ والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة.
مر عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا رب إن حلمك عن الظالمين قد أضر بالمظلومين، فرأى في منامه أن القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة، فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين، وإذا مناد ينادي: حلمي عن الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً وأمر عليهم رجلاً، قيل هو عبد الله بن محرز، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجج ناراً وأمرهم أن يتقحموا فيها، فأبى قوم أن يدخولها وقالوا: إنما فررنا من النار. وأراد قوم أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف.
ومن الإنصاف في الأقوال: أغلظ رجل للمهلب فحلم عنه، فقيل له جهل عليك وتحلم عنه؟! فقال: لم أعرف مساوئه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه.
قال ابن دريد، قال أبو حاتم: فاتني نصف العلم، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال تصدرت ولم أكن للتصدر أهلاً، واستحييت أن أسأل من دوني، واختلف إلي من فوقي، فذلك الجهل في نفسي إلى اليوم.
وقال ابن المنجم: كنت أحضر وأنا صغير مجلس ثعلب، فأراه ربما سئل عن خمسين مسألة وهو يقول: لا أدري، لا أعلم، لم أسمع.
وقال اليوسفي الكاتب: كنت يوماً عند أبي حاتم السجستاني إذ أتاه شاب من أهل نيسابور فقال له: يا أبا حاتم إني قدمت بلدكم وهو بلد العلم والعلماء،وأنت شيخ أهل المدينة، وقد أحببت أن أقرأ عليك كتاب سيبويه. فقال له: الدين النصيحة، إن أردت أن تنتفع بما تقرأه فاقرأ على هذا الغلام محمد ابن يزيد، فتعجبت من ذلك.
جلس معاوية يوماً وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف، إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيباً، فكان آخر كلامه أن لعن علياً عليه السلام. فأطرق الناس وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا القائل آنفاً ما قال لو علم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله تعالى ودع علياً فقد لقي الله وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله ما علمنا المبرز بسبقه، الطاهر في خلقه، الميمون النقيبة، العظيم المصيبة. فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضبت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وأيم الله لتصعدن المنبر فلتلعننه طائعاً أو كارهاً، قال الأحنف: إن تعفني هو خير، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري به شفتاي. قال: قم فاصعد، فقال: أما والله لأنصفنك في القول والفعل. قال معاوية: وما أنت قائل إن أنصفتني؟ قال: أصعد فأحمد الله تعالى بما هو أهله، وأصلي علي نبيه، ثم أقول: أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن علياً، ألا وإن علياً ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادعى كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا يرحمكم الله، ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية على الفئة المبغي عليها، آمين رب العالمين. فقال معاوية: إذن نعفيك يا أبا بحر.
وقيل: لما أجمع معاوية على البيعة ليزيد جمع الخطباء فتكلموا، والأحنف ساكت، فقال: يا أبا بحر ما منعك من الكلام؟ فقال: يا أبا بحر ما منعك من الكلام؟ فقال: أنت أعلمنا بيزيد ليله ونهاره، وسره وعلانيته، فإن كنت تعلم أنها شر له فلا توله الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة، فإنما لك ما طاب، وعلينا أن نقول: سمعنا وأطعنا.
كتب أحمد بن إسماعيل إلى ابن المعتز رقعة يقول فيها: ولم أر كالحق أصدق قائلاً، ولا أفضل عاملاً، ولا أجمل ظاهراً، ولا أعز ناصراً، ولا أوثق عروة، ولا أحكم عقدة، ولا أعلى حجة، ولا أوضح محجة، ولا أعدل في النصفة؛ لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري على أحد إلا جرى له، يستوي الملك والسوقة في واجبه، ويعتدل البغيض والحبيب في تحقيقه، طالبه حاكم على خصمه، وصاحبه أمير على أمره، من دعا إليه ظهر برهانه، ومن جاهد عليه كثر أعوانه، يمكن رعاته من آلة القهر، ويجعل في أيديهم راية النصر، ويحكم لهم بغلبة العاجلة، وسعادة الآجلة. ولم أر كالباطل أضعف سبباً، ولا أوعر مذهباً، ولا أجهل طالباً ولا أذل صاحباً؛ من اعتصم به أسلمه، ومن لجأ إليه خذله، يرتق فينفتق، ويرقع فينخرق؛ إن حاول صاحبه بيعه بارت سلعته، وإن رام ستره زادت ظلمته. لا يقارنه البرهان، ولا يفارقه الخذلان، قد قذف بالحق يدمغه ويقمعه فيمحقه، صاحبه في الدنيا مكذب، وفي الآخرة معذب، إن نطق دل على عيبه، وإن سكت تردد في ريبه.
ومن أشعار العرب المنصفة قول حكمة بن قيس الكناني: من الطويل
نهيت أبا عمرو عن الحرب لو يرى ... برأي رشيد أو يؤول إلى حزم
دعاني يشب الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلم إلى السلم
فلما أبى أرسلت فضلة ثوبه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
وأمهلته حتى رماني بحرها ... تغلغل من غي غوي ومن إثم
فلما رمانيها رميت سواده ... ولا بد أن يرمى سواد الذي يرمي
فبتنا على لحم من القوم غودرت ... أسنتنا فيه وباتوا على لحم
وأصبح يبكي من بنين وإخوة ... حسان الوجوه طيبي الجسم والنسم
ونحن نبكي إخوة وبنيهم ... وليس سواء تل حق على ظلم
وقال المسور بن زيادة العذري: من الطويل
وكنا بني عم جرى الجهل بيننا ... فكل توفى حقه غير وادع
فنلنا من الآباء شيئاً وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
فما لهم عندي ولا لي عندهم ... وإن أكثر المغرور وتر لتابع
قال الحسن بن عبادة: وجه إلي الأمير وإلى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة، سألنا عن مسألة، فأجاب هو وابن أبي ليلى جواباً واحداً، وخالفتهما أنا، وأمر الأمير بإنفاذ قوليهما وترك قولي. فتفكر أبو حنيفة ساعة ثم قال للأمير: جوابي يناظرني. ثم قال أبو حنيفة: إن العلم يحتاج أن يعرض على الله عز وجل فلا يأنف أحد إذا أخطأ أن يرجع إلى الحق.
قال أبو الدرداء: إياك ودعوة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام.
قال منصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراده على القضاء: ما كنت لألي لك بعد ما حدثني إبراهيم. قال: وما حدثك؟ قال: حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم داوة، فيجمعون في تابوت حديد ثم يرمي بهم في جهنم.
قال عمر بن عبد العزيز في غيلان بن مسلم الدمشقي: من سره أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله، ليس فيه عضو إلا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا. وقال له: يا أبا مروان، أعني أعانك الله، فقال: ولني رد المظالم، فولاه، فكان يخرج خزائن بني أمية فينادي عليها: هلموا إلى متاع الخونة. ونادى على جوارب خز قد تآكلت بلغت قيمتها ثلاثين ألفاً، فقال: من عذيري ممن يزعم أن هؤلاء أئمة عدل؟ قد تآكلت هذه الجوارب في خزائنهم، والفقراء والمساكين يموتون جوعاً. فلما ولي هشام بعث إليه واستنطقه فقال: أعوذ بجلال الله أن يأتمن الله خواناً أو يستخلف خزاناً؛ إن أئمته القوامون بأحكامه، الراهبون لمقامه؛ لو يول الله وثاباً على الفجور، ولا شراباً للخمور، ولا ركاباً للمحظور. فقطع هشام يديه ورجليه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: زين الله السماء بثلاث: بالشمس والقمر والكواكب، وزين الأرض بثلاث: بالعماء، والمطر، وسلطان عادل.
قيل: إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان.
قيل لأنوشروان: أي الجنن أوقى؟ قال: الدين، قيل فأي العدد أقوى؟ قال العدل.
قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: جلس أبي يوماً للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلاً جالساً فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم، تدنيني إليك فإنني مظلوم، فأدناه فقال: إني مظلوم وقد أعوزني الإنصاف، قال ومن ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتي. قال: ومن يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولاً؟ قال: يحجبني عنك هيبتك، وطول لسانك، وفصاحتك واطراد حجتك. قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصباً بغير ثمن، وإذا وجب عليها خراج أديته باسمي لئلا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها، وهذا ما لم يسمع في الظلم بمثله. فقال له محمد: هذا قول يحتاج إلى بينة وشهود وأشياء، فقال له الرجل: أيؤمنني الوزير من غضبه حتى أجيب؟ قال: قد أمنتك. قال: البينة هم الشهود، وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: فيه شهود وأشياء؟ ماهذه الأشياء إلا العي والحصر والتغطرس؟ فضحك وقال: صدقت، والبلاء موكل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعاً. ثم وقع له برد ضيعته وبأن يطلق له كر حنطة وكر شعير ومائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، وصيره من أصحابه واصطنعه.
قيل لأعرابي من بني أسد: كيف تركت الناس قال: بشر، من مظلوم لا ينتصر، وظالم لا يقلع.
قال عبد الملك بن مروان: كنت أجالس بريرة قبل أن ألي هذا الأمر، فقالت لي: يا عبد الملك إنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: إن الرجل ليحال بينه وبين الجنة بعد أن ينظر إليها بملء كف من دم مسلم سفكه بغير حق.
وروي أن رجلاً من عمال عمر رضي الله عنه أمر رجلاً أن ينزل في واد ينظر كم عمقه، فقال الرجل: إني أخاف، فعزم عليه فنزل، فلما خرج كز فمات، فنادى: يا عمراه، فبعث عمر إلى العامل فقال: أما لولا أني أخاف أن تكون سنة بعدي لضربت عنقك، ولكن لا تبرح حتى تؤدي ديته، والله لا وليتك شيئاً أبداً.
وروي أن يهودياً جاء إلى عبد الملك بن مروان فقال: إن ابن هرمز ظلمني، ثم أتاه الثانية ثم الثالثة فلم يلتفت إليه، فقال له اليهودي: إنا نجد في التوراة أن الإمام لا يشرك في ظلم أحد ولا جوره حتى يرفع إليه فإذا رفع إليه ولم يغير شرك في الظلم والجور. ففزع عبد الملك وأرسل إلى ابن هرمز فنزعه.
قال سريع الأهوازي: بعث إلي عيسى بن جعفر فسألني عن النبيذ فقلت: سل عن الماء الذي يشربه النصارى واليهود والمجوس والكلاب والخنازير جلالاً وتشربه أنت حراماً، قال: وكيف ذاك؟ قلت: إن غلمانك يسخرون الناس ويستقونه لهم. فبكى.
قال محمد بن صفوان الضبي: كنت أقوم على رأس سليمان بن عبد الملك، فدخل عليه رجل من حضرموت من حكمائهم، فقال له سليمان: تكلم بحاجتك، فقال: من كان الغالب على كلامه النصيحة وحسن الإرادة أوفى به كلامه على السلامة، وإني أعوذ بالذي أشخصني من أهلي حتى أوفدين عليك أن ينطقني بغير الحق، وأن يذلل لساني بما فيه سخطه علي، وإن إقصار الخطبة أبلغ في أفئدة أولي الفهم من الإطالة والتشديق في البلاغة، إلا وإن من البلاغة يا أمير المؤمنين ما فهم وإن قل، وإني مقتصر على الاقتصار مجتنب لكثير من الإكثار. أشخصني إليك وال عسوف ورعية ضائعة، وإنك إن تعجل تدرك ما فات، وإن تقصر تهلك رعيتك هناك ضياعاً، وها فخذها إليك قصيرة موجزة. فقال سليمان: ادع لي رجلاً من الحرس فاحمله على البريد وقل له: إذا أتيت البلاد فلا تنزل من مركبك حتى تعزله، ومن كانت له ظلامة أخذت له بحقه. ثم أمر للحكيم بمال فأبى أن يقبل وقال: إني والله يا أمير المؤمنين أحتسب سفري على الله عز وجل، وإني أكره أن آخذ عليه من غيره أجراً. قال: انطلق بارك الله عليك. فلما ولى قال سليمان: ما أعظم بركة المؤمن في كل شيء.
أتي المنصور ببشير الرحال ومطر الوراق مكبلين، وقد كانا خرجا مع إبراهيم بن عبد الله فقال لبشير: أنت القائل أجد في قلبي غماً لا يذهبه إلا برد عدل أو حر سنان؟ قال: نعم. قال: فوالله لأذيقنك حر سنان يشيب منه رأسك، قال: إذن أصبر صبراً يذل به سلطانك، فقطعت يده فما قطب ولا تحلحل، وقال لمطر: يا ابن الزانية، قال: إنك تعلم أنها خير من سلامة، قال: يا أحمق، قال: ذاك من باع دينه بديناه، فرمي به من سطح فمات.
ظلم كبير من بني أمية حجازياً في ماله، فما تظلم منه إلى أحد إلا ضلع للأموي عليه. فخرج إلى سليمان وجعل لخصي أثير عنده مائتي دينار ليوصله إليه خالياً، فأوصله غليه حين سلم في صلاته وجعل يدعو ويخطر بإصبعه نحو السماء ويتضرع. فلما رآه كذلك رجع عنه، فسأل عنه سليمان وأمر بطلبه حتى صودف خارجاً من باب دمشق، فأدخل عليه بعد شدة شديدة وإلحاح، فقال له: ما شأنك؟ قال: جددت في التوصل إليك، فلما رأيتك تخطر بإصبعك نحو السماء وتتضرع علمت أني قد أخطأت موضع طلب الحاجة، فرجعت لأطلبها من حيث طلبت أنت حوائجك. فبكى سليمان وقال: إن الذي طلبت إليه حاجتك قد قضاها، وأمر برد ما أخذ منه وإعطائه ما يصلح ماله، ووصله وكساه وحمله وأمر له بفرائض.
قال الحجاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله: إن الله يقول " فاتقوا الله ما استطعتم " " التغابن: 16 " فجعل فيها مثنوية وقال: " واسمعوا وأطيعوا " " التغابن: 16 " فلم يجعل فيها مثنوية، فلو قلت لرجل ادخل من هذا الباب فلم يدخل لحل لي دمه.
وخطب مرة فقال: أتزعمون أني شديد العقوبة، وهذا أنس حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل أعينهم، قال أنس: فوددت أني مت قبل أن أحدثه، جعل عدو الله فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعداء الله حيث نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين احتجاجاً لنفسه في قتل الصالحين وخيار الأمة.
إياس بن قتادة: من الطويل
وإن من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها
قيل لأبي مسلم: لقد قمت بأمر لا يقصر بك عن الجنة، فقال: خوفي فيه من النار أولى من الطمع في الجنة. إني أطفأت من بني أمية جمرة، وألهبت من بني العباس نيراناً، فإن أفرح بالإطفاء فواحزنا من الإلهاب.
قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة ابن شريك بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن: امتلأت الأرض والله جوراً.
محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن: من السريع
متى نرى للعدل نوراً فقد ... أسلمني ظلم إلى ظلم
أمنية طالت عداتي بها ... كأنني فيها أخو حلم
طرفة: من الكامل
والظلم فرق بين حيي وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب
رفع إلى أنوشروان أن عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب، فوقع: يرد المال على الضعفاء، فإن الملك إذا كثرت أمواله بما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنائه.
شاعر: من الرمل المجزوء
لا تبع عقدة مال ... خيفة الجار الغشوم
واصطبر للفلك الجا ... ري على كل ظلوم
فهو الدائر بالأم ... س على آل سدوم
كان معلم أنوشروان يضربه بلا ذنب، ويأخذه بأن يمسك الثلج في يده حتى يكاد كفه يسقط، فآلى لئن ملكت لأقتلنه. فلما ملك هرب فأمنه، فلما أتاه سأله عن الضرب ظلماً فقال: لتعرف حقد المظلوم إذا ظلمته. قال: أحسنت، فالثلج الذي كنت تعذبني به؟ قال: ستعرف ذلك. فغزا فأصبحوا في غداة باردة فلم يقدروا على توتير قسيهم، فوترها لهم فقاتل وظفر، فعلم مراد مؤدبه.
لما ولي الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة: من الطويل
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتاب والكتب تطبع
ضمنت لكم إن لم تعقني منيتي ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع
وهذا الشعر له وأوله:
ألا أيها الركب المخبون بلغوا ... سلامي سكان البلاد فأسمعوا
وقولوا أتاكم أشبه الناس سنة ... بوالده فاستبشروا وتوقعوا
سيوشك إلحاق لكم وزيادة ... وأعطية تأتي تباعاً فتنفع
فقال حمزة بن بيض يرد على الوليد لما فعل خلاف ما قال: من الطويل
وصلت سماء الضر بالضر بعدما ... زعمت سماء الضر عنا ستقلع
فليت هشاماً كان حياً يسوسنا ... وكنا كما كنا نرجي ونطمع
كان أحمد بن طولون والي مصر متحلياً بالعدل مع تجبره وسفكه الدماء، وكان يجلس للمظالم ويحضر مجلسه القاضي بكار بن قتيبة وجماعة من الفقهاء مثل الربيع بن سليمان ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومعمر بن محمد. وكان ابن طولون يمكن المتكلم من الكلام وكشف ظلامته جالساً مقرباً. قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الفقيه: فاعترضت ضيعة لنا بالصعيد من ضياع جدي سلامة، فاحتجت إلى الدخول إليه والتظلم مما جرى، وأنا يؤمئذ شاب، إلا أن العلم ومعرفة الحاضرين بسطني إلى الكلام والتمكن من الحجة، فخاطبته في أمر الضيعة، فاحتج علي بحجج كثيرة وأجبته عنها بما لزمه الرجوع إليه. ثم ناظرني مناظرة الخصوم بغير انتهار ولا سطوة علي، وأنا أجيبه وأحل حججه، إلى أن وقف ولم يبق له حجة، فأمسك عني ساعة ثم قال لي: إلى هذا الموضع انتهى كلامي وكلامك، والحجة فقد ظهرت لك، ولكن أجلنا ثلاثة أيام، فإن ظهرت لنا حجة ألزمناك إياها، وإلا سلمنا إليك الضيعة، فقمت منصرفاً. وقال ابن طولون بعد خروجي للحاضرين: ما أقبح ما أشهدتكم به على نفسي أقول لرجل من رعيتي قد ظهرت له حجة: أنظرني إلى أن أطلب حجة وأبطل الحكم الذي أوجبته حجته. من يمنعني إذا وجبت لي حجة أن أحضره وألزمه إياها؟ هذا والغصب واحد. أنتم رسلي إليه بأني قد ألتزمت حجته، وأزلت الاعتراض عن الضيعة. وتقدم بالكتاب له، وعرف الطحاوي الحال منهم فصار إلى الديوان وأخذ الكتاب بإزالة الاعتراض عن الضيعة.
وروي أن بعض قواده كان يتولى كورة من كور مصر، فدخل راهب من رهبان النصارى متظلماً من ذلك القائد، فرآه بعض الحجاب الذين يختصون بذلك القائد فقال له ما لك؟ قال: ظلمني وأخذ مني ثلاثمائة دينار، فقال له الحاجب: لا تتظلم وأنا أسلم إليك ثلاثمائة دينار. فأخذه إلى داره ودفع إليه ثلاثمائة دينار فاغتنمها الراهب وطار. ونقل الخبر إلى أحمد بن طولون فأمر بإحضار القائد والحاجب والراهب وقال للقائد: أليس عللك مزاحة وزرقك داراً، وليس لك سبب يحوجك إلى مد يدك؟ قال: كذاك، قال ما حملك على ما صنعت؟ وأمر بصرفه عن الكورة، وصرف الحاجب عن حجبته، وأحضر النصراني وقال: كم أخذ منك؟ قال ثلاثمائة دينار فقال: لعنك الله لم لم تقل ثلاثة آلاف دينار فآخذها لك من ماله بقولك؟ ثم صاح بالقائد: إلى المطبق! المطبق! فحمل إليه.
وروي أن العباس بن أحمد بن طولون استدعي مغنية وهو مصطبح، فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره، ودخل العباس إلى أبيه فأخبره، فأرسل أحمد بن طولون فأحضر الرجل الصالح وقال له: أنت الذي كسرت العود؟ قال: نعم، قال: فعلمت لمن هو؟ قال: نعم، قال: لمن هو؟ قال: لابنك العباس. قال: أفما أكرمته لي؟ قال: أكرم لك بمعصية، والله عز وجل يقول " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " " التوبة: 71 " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوقة في معصية الخالق. فأطرق أحمد بن طولون ثم رفع رأسه وقال: كل منكر تراه فغيره وأنا من ورائك، وصرفه مكرماً.
وكان أحمد بن طولون يحب العلماء ويحضرهم مجلسه؛ وأراد أبا إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني الفقيه صاحب الشافعي أن يحضره، فامتنع عليه زهداً وتورعاً، فتهدده بهدم داره، فلم يجبه، وأمر سواراً حاجبه بهدمها. فقام المزني مع سوار يريه حدودها حين تقدم وقال له: لا تهدم هذا الجدار فليس هو لي. فعاد سوار فأخبره، فعظم في قلب أحمد بن طولون، وقلق إلى رؤيته. وكان أحمد بن طولون يحضر جنائز وجوه البلد وصالحيهم وأشرافهم، ويتولى الصلاة بنفسه، فحضر يوماً جنازة قيل له: هذا أبو إبراهيم المزني في الجنازة، فقال: أرونيه من غير أن يعلم لئلا يتأذى، فأروه إياه.
وأراد أن يحمل مالاً إلى الحضرة، فأحضر القاضي والشهود ليشهدوا على القابض، فكتبوا وقد عاينوا المال ومبلغه ألف ألف ومائتا ألف دينار، فلما بلغ الكتاب إلى سليم الفانو الخادم المعدل قال له: أيها الأمير لست أشهد حتى يوزن المال بحضرتي، فغاظه ذلك، فقال للوزانين: زنوه، فلما فرغ الوزن قالوا: أبقي لك شيء تقوله؟ قال: النقد، فغاظه ودعا بالنقد، وسليم جالس معهم حتى فرغ وختمت، وتسلمها حاملها، فكتب شهادته وانصرف. وكان ذلك سبب اختصاص سليم بأحمد بن طولون وقربه منه.
ومن الجور قصة زيد الخيل الطائي وقيس بن عاصم والمكسر العجلي: وقعت حرب بين أخلاط طيء، فنهاهم زيد الخيل عن ذلك وكرهه، فلم ينتهوا، واعتزل وجاور بني تميم ونزل على قيس بن عاصم؛ فغزت بنو تميم بكر بن وائل وعليهم قيس وزيد معه، فاقتتلوا قتالاً شديداً وزيد كاف، فلما رأى ما لقيت تميم ركب فرسه وحمل على القوم، وجعل يدعو يال تميم، ويتكنى كنية قيس إذا قتل رجلاً وأرداه عن فرسه، أو هزم ناحية، حتى هزمت بكر وظفرت تميم، فصار فخراً لهم في العرب، وافتخر بها قيس. فلما قدموا قال له زيد: اقسم لي يا قيس نصيبي، فقال: وأي نصيب؟ فوالله ما ولي القتال غيري وغير أصحابي، فقال زيد أبياتاً منها من الطويل
فلست بوقاف إذا الخيل أحجمت ... ولست بكذاب كقيس بن عاصم
إذا ما دعوا عجلاً عجلنا عليهم ... بمأثورة تشفي صداع الجماجم
فبلغ المكسر بن حنظلة العجلي أحد بني سيار قول زيد، فخرج في ناس من بني عجل حتى أغار على بني نبهان فأخذ من نعمهم ما شاء، وبلغ ذلك زيد الخيل فخرج في فوارس من بني نبهان حتى اعترض القوم فقال: ما لي وما لك يا مكسر؟ فقال قولك:
إذا ما دعوا عجلاً عجلنا عليهم
فقاتلهم زيد حتى استنقذ بعض ما كان في أيديهم، ومضى المكسر ببقية ما أصاب. فأغار زيد على تيم الله بن ثعلبة فغنم ما شاء الله، وقال في ذلك من الطويل
إذا عركت عجل بنا ذنب غيرنا ... عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل
وعقدت قبائل من قريش بينها حلف الفضول لما لم يكن لها ملك أو قائد يمنع ظلم بعضهم من بعض، فكانا يداً على من ظلم حتى يرتجعوا منه ظلمه. فروي أن رجلاً من خثعم قدم مكة تاجراً ومعه ابنة له يقال لها القتول أوضأ نساء العالمين وجهاً، فعلقها نبيه بن الحجاج السهمي، فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها عليك بحلف الفضول. فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ متبد بناحية مكة وهي معه، وإلا فنحن من قد عرفت، فقال: يا قوم متعوني منها الليلة، فقالوا: قبحك الله ما أحمقك، لا والله ولا شخب لقحة، وهي أوسع أحاليب الشائل. فأخرجها إليهم فأعطوها أباها، وركبوا وركب معهم الخثعمي، فذلك قول نبيه بن الحجاج: الكامل المجزوء
لولا الفضول وأنه ... لا أمن من رقبائها
لدنوت من أبياتها ... ولطفت حول خبائها
ولجئتها أمشي بلا ... هاد لدى ظلمائها
فشربت فضلة ريقها ... ولبت في أحشائها
وقد اختلف في سبب حلف الفضول، فروي أن قيس بن شيبة السلمي باع متاعاً من أمية بن خلف، فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يقوموا بجواره فقال: من الرجز
يال قصي كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأعلاق الكرم
أظلم لا يمنع مني من ظلم
وبلغ الخبر عباس بن مرداس فقال: من البسيط
إن كان جارك لم تنفعك ذمته ... وقد شربت بكأس العدل أنفاسا
فأت البيوت وكن من أهلها صدداً ... لا تلف ناديهم فحشاً ولا ياسا
وثم كن بفناء البيت معتصماً ... تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا
فقام العباس وأبو سفيان حتى رداً عليه متاعه. واجتمعت بطون قريش فتحالفت على رد المظالم بمكة، وألا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا له بحقه.
وقال آخرون: تحالفوا على مثل ما تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر لا يقرون ظالماً ببطن مكة إلا غيروه، وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة.
وحدث ابن شهاب قال: كان شأن حلف الفضول بدء ذلك أن رجلاً من بني زبيد قدم مكة معتمراً في الجاهلية ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم، فآواها إلى بيته ثم إنه تغيب. فابتغى الزبيدي متاعه فلم يقدر عليه. فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه فأغلظوا له، فعرف ألا سبيل إلى ما له، فطوف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه. فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها في المسجد الحرام وقال: من البسيط
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم شعث لم يقض عمرته ... يا آل غالب بين الحجر والحجر
أقائم في بني سهم بذمتهم ... أم ذاهب في ضلال مال معتمر
فلما نزل أعظمت قريش ذلك، فتكلمت فيه، فقال المطيبون: والله لئن تكلمنا في هذا لتغضبن الأحلاف. وقالت الأحلاف: والله لئن تكلمنا في هذا ليغضبن المطيبون. وقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفاء فضولاً دون المطيبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان وصنع لهم يومئذ طعاماً كثيراً. وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله معهم يومئذ، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم وتحالفوا على أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حر ولا عبد، إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه، ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت منه أركانه ثم أتوا به فشربوه. فحدثت عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول. أما لو دعيت إلهي اليوم لأجبت، وما أحب أن لي به حمر النعم وأني نقضته. وكان معهم في الحلف بنو المطلب، فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلاً وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس حتى أدخل في حلف الفضول؛ ولم يكن عبد شمس في هذا الحلف.
وروي أن سبب حلف هذه القبائل أمر الغزال الذي سرق من الكعبة.
وقيل: كان بين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وبين الحسين بن علي عليهما السلام، والوليد يومئذ أمير على المدينة في زمن معاوية بن أبي سفيان، في مال كان بينهما بذي المروة. قال الحسين بن علي: استطال علي الوليد بسلطانه فقلت: أقسم بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير وكان عند الوليد حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً. فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد بن عتبة ذلك أنصف الحسين من حقه حتى رضي.
وقال عبد العزيز بن عمران: قدم أبو الطمحان القيني الشاعر، واسمه حنظلة بن الشرقي، فاستجار عبد الله بن جدعان التيمي ومعه مال من الإبل، فعدا عليه قوم من بني سهم، فانتحروا ثلاثة من إبله، فبلغه ذلك فأتاهم بمثلها وقال: أنتم لها ولأكثر منها أهل، فأخذوها وانتهروها ثم أمسكوا عنه زماناً، ثم جلسوا على شراب لهم، فلما انتشوا عدوا على إبله فاستاقوها كلها، فأتى عبد الله بن جدعان يستصرخه، فلم يكن فيه ولا في قومه قوة ببني سهم، فأمسك عنهم ولم ينصره، فقال أبو الطمحان:
ألا حنت المرقال واشتاق ربها ... تذكر أزماناً وأذكر معشري
ولو علمت صرف البيوع لسرها ... بيثرب أن تبتاع حمضاً بإذخر
أجد بني الشرقي أن أخاهم ... متى يعتلق جاراً وإن عز يغدر
ثم ارتحل عنهم.
وقدم لميس بن سعد البارقي مكة فاشترى منه أبي بن خلف سلعة فظلمه إياها، فمشى في قريش فلم يجد أحداً يجيره فقال:
أيظلمني مالي أبي سفاهة ... وبغياً ولا قومي لدي ولا صحبي
وناديت قومي صارخاً ليجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن سهب
ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمح والحق يؤخذ بالغصب
ثم كانت قصة الزبيدي، وقد ذكرت.
فأعظم الزبير بن عبد المطلب ذلك وقال: يا قوم إني والله أخشى أن يصيبنا ما أصاب الأمم السالفة من ساكني مكة. فمشي إلى ابن جدعان، وهو يومئذ شيخ قريش، فقال له مثل ذلك، وأخبره بظلم بني سهم وبغيهم. وقد كان أصاب بني سهم أمران لا يشك أنهما للبغي: احترق المقاييس منهم وهم قيس ومقيس وعبد قيس بصاعقة، وأقبل منهم ركب من الشام، فنزلوا بماء يقال له الغطيفة، فصبوا فضلة خمر لهم في إناء وشربوا ثم ناموا وقد بقيت منها بقية، فكرع فيها حية أسود ثم تقيأ في الإناء، فهب القوم فشربوا منه فماتوا عن آخرهم. فأذكره هذا ومثل. فتحالف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وبنو تيم: بالله القاتل إنا ليد واحدة على الظالم حتى يرد الحق. وخرجت سائر قريش من هذا الحلف إلا أن ابن الزبير ادعاه لبني أسد في الإسلام. وسأل معاوية جبير بن مطعم عن دعوى ابن الزبير في ذلك فقال جبير: هذا هو الباطل.
قام إلى عمر بن عبد العزيز رجل وهو على المنبر فقال: من الكامل
إن الذين بعثت في أقطارها ... نبذوا كتابك واستحل المحرم
طلس الذئاب على منابر أرضنا ... كل يجور وكلهم يتظلم
وأردت أن يلي الأمانة منهم ... عدل وهيهات الأمين المسلم
قال أنس: بينا عمر رضي الله عنه قاعد إذ جاء رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ فقال عمر: لقد عذت عائذاً، فما شأنك؟ قال: سابقت على فرسي ابناً لعمرو بن العاص، وهو يومئذ على مصر، فمحك فجعل يقنعني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين، وبلغ عمراً فخشي أن آتيك فحبسني في السجن، فانفلت منه، فهذا حين أتيتك. فكتب عمر إلى عمرو ابن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وابنك فلان، وقال للمصري: أقم حتى يأتيك مقدم عمرو؛ فشهد الحاج فلما قضى عمر الحج، وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جنبه، قام المصري فرمى عمر إليه بالدرة. قال أنس: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع عنه حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين: قال: يا أمير المؤمنين قد اشتفيت، قال: ضعها على صلعة عمرو، قال: يا أمير المؤمنين قد ضربت الذي ضربني؛ قال: أم والله لو فعلت لما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع. ثم قال: يا عمرو متى تبعدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! فجعل يعتذر ويقول: إني لم أشعر بهذا.
قال رجل للمنصور كان يعاشره أيام بني مروان: كنت تحدث يا أمير المؤمنين قبل هذا الوقت بشيء أين أنت عنه الساعة؟ قال ما هو؟ قال كنت تقول: إن الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلوم من الظالم، ولم تعارض بالعدل في العرية، وقسمة الفيء بالسيوة، صار عاقبة أمرها بواراً، وحاق بولاتها سوء العذاب. قال: فتنفس الصعداء ثم قال: قد كان ما تقول، ولكن استعجلنا ما في الفانية على ما في الباقية، وكأن قد انقضت هذه الدار. فقال له الرجل: فانظر على أي حالة تنقضي، فقال المنصور: تباً تباً لعالم أصاره علمه غرضاً لسهام الخطايا، وهو عالم بسرعة أزوف المنايا، واللهم إن تقض للمسيئين صفحاً فاجعلني منهم، وإن تهب للظالمين عفواً فلا تحرمني منه ما يتطول به المولى على أخس عبيده.
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: من اقتصد في الغني والفقر فقد استعد لنائبة الدهر.
وقال آخر: الاقتصاد ينمي القليل، والإسراف يبير الكثير، وهذا من عدل الأفعال.
حدث إياس بن سلمة عن أبيه قال: مر علي عمر وأنا في السوق وهو مار في حاجة ومعه الدرة، فقال: هكذا أمط عن الطريق يا سلمة. قال: ثم عفقني بها عفقة فما أصاب إلا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق. فسكت عني حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق فقال: يا سلمة أردت الحج العام؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي فما فارقت يده حتى دخل في بيته، فأخرج كيساً فيه ستمائة درهم فقال: يا سلمة استعن بهذه، واعلم أنها من العفقة التي عفقتك عام أول قلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذكرتها حتى ذكرتنيها؛ قال: أنا والله ما نسيتها بعد.
وقال الأحنف: كنت مع عمر فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدين على فلان فإنه قد ظلمني، فرفع الدرة فخفق بها رأسه وقال: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم، حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه: أعدني أعدني، قال: فانصرف الرجل وهو يتذمر فقال: علي بالرجل، وألقى المخفقة فقال: امتثل، قال: ولكن أدعها لله ولك. قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله وإما أن تدعها لي، فاعلم ذلك. قال: أدعها لله. قال: انصرف. ثم جاء يمشي حتى دخل منزله ونحن معه، فافتتح الصلاة فصلى ركعتين ثم قال: يا بني الخطاب، كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاء رجل يستعدي فضربته، ما تقول لربك إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه في صلاته تلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض.
دخل عمر على أبي بكر رضي الله عنهما فسلم عليه فلم يرد، فقال لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون قد وجد علي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم عبد الرحمن أبا بكر فقال: أتاني وبين يدي خصمان، وقد فرغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وعما قلت.
كان لعثمان عبد فاستشفع بعلي أن يكاتبه فكاتبه، ثم دعا عثمان بالعبد فقال: إن كنت عركت أذنك فاقنص مني، فأخذ بأذنه ثم قال عثمان: شد شد، يا حبذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة.
قال عبد الملك: لقد كنت أتحرج أن أطأ نملة، وإن الحجاج يكتب إلي في قتل فئام من الناس فما أحفل بذلك. فقال له الزهري: بلغني أنك شربت الطلاء قال: أي والله والدماء.
روي أن المنصور كان يطوف ليلاً بالبيت، إذ سمع قائلاً يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل، فصلى ركعتين واستلم الركن ثم اقبل مع الرسول، فسلم عليه بالخلافة. فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض، وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع؟ قال: إن أمنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها، وإلا اقتصرت على نفسي؛ قال: فأنت آمن على نفسك. قال: يا أمير المؤمنين، إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم، فجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر، وأبواباً من الحديد، وحراساً معهم السلاح، ثم سجنت نفسك عنهم؛ وبعثت عمالك في جبابة الأموال وجمعها، وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف إليك؛ ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصت لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرتهم أن لا يحجبوا دونك، تجبي الأموال وتجمعها قالوا: هذا قد خان الله، فما لنا لا نخونه، وائتمروا ألا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا، ولا خرج لك عامل إلا خونوه عندك، وبغوه حتى تسقط منزلته؛ فلما انتشر ذلك عنهم وعنك أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم، وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك؛ ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك ليتناولوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بغياً وفساداً، وصار هؤلاء القوم شركاءك، وأنت غافل. فإن جاء متظلم حيل بينه وبينك، وإن أراد رفع قصته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك، ووقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل المتظلم فبلغ بطانتك خبره، سأل بطانتك صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه، فإذا جهد وأخرج ثم ظهرت طرح بين يديك، فيضرب ضرباً مبرحاً حتى يكون نكالاً لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين، فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه، فبكى يوما ً فحداه جلساؤه على الصبر فقال: أما إني لي أبكي للبلية النازلة، ولكني أبكي لمظلوم يصرخ فلا أسمع صوته؛ فأما إذ ذهب سمعي فبصري لم يذهب؛ نادوا في الناس ألا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم. ثم كان يلتفت طرفي النهار هل يرى مظلوماً. فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ، وأنت مؤمن بالله ثم من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، لا تغلبنك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك. قال: فبكى المنصور ثم قال: ويحك كيف احتيالي لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلاماً يفزعون إليها في دينهم فيرضون بها في دنياهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم يسددوك. قال: قد نفذت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك؛ ولكن افتح بابك، وسهل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات على وجهها، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة. وجاء المؤذنون فسلموا عليه فصلى وعاد إلى مجلسه؛ وطلب الرجل فلم يجده.
رفعت قصص إلى المهدي، فإذا قصة مكتوب عليها: قصة صاحب السمكة، فقال: ما هي؟ قال الربيع: بينا أبوك مشرفاً على دجلة إذ بصر بملاح صاد سمكة، فوجه خادماً إليه ليشتريها، فاستامها بدينار، فأبى وباعها من تاجر باثني عشر درهماً، فاستحضر التاجر وقد شوى السمكة فأخذها منه وأكلها وقال له: لو لم يكن معك مال لما اشتريت سمكة باثني عشر درهماً، وأمر خادمه أن يذهب إلى منزله ويحمل ما أصاب في صناديقه، فجاء ببدرتين فقال: أنا رجل معيل وعلي مؤونة، فاعطاه منها أربعمائة درهم يتعيش بها. فأمر المهدي أن تطلب البدرتان في بيت المال فجيء بهما مكتوب عليها: مال صاحب السمكة. فقال المهدي: اجعل أبي في حل فإنه كان مسرفاً على نفسه وخذ المال.
لقي سفيان الثوري شريكاً بعدما استقضي فقال: يا أبا عبد الله، بعد الإسلام والخير والفقه تلي القضاء؟! فقال: يا أبا عبد الله لا بد للناس من قاض، قال: يا أبا عبد الله لا بد للناس من شرطي.
قيل: لم يرتش حكم في الجاهلية غير ضمرة بن ضمرة النهشلي، تنافر إليه عباد بن أنف الكلب الصيداوي ومعبد بن نضلة الفقعسي، فرشاه عباد مائة بعير فنفره على معبد.
قال الحسن: كان القاضي في بني إسرائيل إذا اختصم إليه الخصمان رفع أحدهما الرشوة في كمه، فأراه إياها فلا يسمع إلا قوله. فأنزل الله تعالى: " سماعون للكذب أكالون للسحت " " المائدة: 42 " .
قال الحجاج لبعض الدهاقين من الري: ما بال بلدكم قد خرب؟ فقال: لأن عمالكم استعملوا فيه قول شاعركم: من السريع
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك تدري من الناتج
واصبب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج
روي أن أبرويز نزل بامرأة متنكراً، فحلبت له بقرة، ورأى لها لبناً كثيراً. فقال للمرأة: كم يلزمك في السنة للسلطان عن هذه البقرة؟ فقالت: درهم واحد. قال: وأين ترتع؟ وبكم منها ينتفع؟ قالت: ترتع في أرض السلطان، ولي منها قوتي وقوت عيالي. فجعل في نفسه أن يجعل إتاوة على البقرة، فما لبث أن قالت المرأة: أوه إن سلطاننا هم بجور، فقال أبرويز لها: ولمه؟ قالت: إن درة البقرة انقطعت، وإن جور السلطان مقتض لجدب الزمان كما أن عدله مقتض لخصب الزمان. فأقلع أبرويز عما هم به.
كتب أخ لمحمد بن يوسف الأصفهاني إليه من أصفهان، يشكو إليه جور السلطان، فكتب إليه محمد: أما بعد، فهمت كتابك وما ذكرت فيه، وليس ينبغي لمن عمل الذنب أن ينكر العقوبة.
قدم مرزبان من مرازبة القرى على أبي عبد الله وزير المهدي فقال: وليت علينا رجلاً، إن وليته وأنت تعرفه فما خلق الله رعية أهون عليك منا، وإن لم تعرفه فما هذا جزاء الملك الذي ولاك أمره، وسلطك على ملكه. فدخل الوزير على المهدي وخرج وقال: هذا رجل كان له علينا حق فكافأناه فقال: أصلحك الله، إن على باب كسرى ساجة منقوشة بالذهب مكتوباً عليها: العمل للكفاة، وقضاء الحقوق على بيوت الأموال، فأمر بعزله.
قيل لمعاوية: إن أبا مسلم الخولاني يطوف ويبكي على الإسلام، فقال له: سمعت أنك تطوف وتبكي على الإسلام، فقال: نعم، وما اسمك؟ قال: معاوية. قال: يا معاوية إن عملت خيراً جزيت خيراً، وإن عملت شراً جزيت شراً، إنك لو عدلت بين أهل الأرض ثم جرت على واحد منهم لما وفى جورك بعدلك.
قال سليمان بن علي لعمرو بن عبيد: ما تقول في أموالنا التي نصرفها في سبيل الخير؟ فأبطأ عمرو في الجواب يريد به وقار العلم ثم قال: إن من نعمة الله على الأمير أنه أصبح لا يجهل أن من أخذ الشيء من حقه، ووضعه في وجهه، فلا تبعة عليه غداً. فقال: نحن أحسن ظناً بالله منكم، فقال: أقسم على الأمير بالله عز وجل هل يعلم أحداً كان أحسن ظناً بالله من رسوله؟ قال: لا، قال: فهل علمته أخذ شيئاً قط من غير حله ووضعه في غير حقه؟ قال: اللهم لا، قال: حسن الظن بالله أن تفعل ما فعل رسول الله عليه السلام.
قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني.
قال ابن عباس: ليس للظالم عهد فإن عاهدته فانقضه، فإن الله عز وجل يقول " لا ينال عهدي الظالمين " " البقرة: 124 " .
قدم المنصور البصرة قبل الخلافة فنزل بواصل بن عطاء فقال: إن أبياتاً بلغتني عن سليمان بن يزيد العدوي في العدل، فمر بنا إليه. فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب. فقال: يحب أن يسمع أبياتك في العدل فأنشده: من البسيط
حتى متى لا نرى عدلاً نسر به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلون أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت أني رأيت يوم عدل ثم مت.
قال ابن المبارك: فهلك أبو جعفر والله وما عدل.
استعدت أروى بنت أويس مروان بن الحكم على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وقالت: أخذ حقي فأدخله في أرضه، فقال سعيد: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة. وترك لها سعيد ما ادعت ثم قال: اللهم إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها واجعل قبرها في بيتها، فعميت وخرجت في بعض حاجاتها فوقعت في البئر فماتت. ولما عميت سألت سعيداً أن يدعو لها وقالت: إني قد ظلمتك فقال: لا أرد ما أعطانيه الله.
روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا جار الحاكم قل المطر، وإذا غدر بالذمة ظفر العدو، وإذا ظهرت الفاحشة كانت الرجفة.
قال احمد بن نصير: قدم إلي مجوسي لأضربه فقال: يا هذا اضرب بقدر ما تقوى عليه، يريد القصاص في الآخرة، فتركته وتركت عمل السلطان.
قال خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين، فهل تخاف علي أن أكون من أعوان الظلمة؟ قال: لا، إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.
خطب المهدي يوماً فقال: عباد الله اتقوا الله، فقام رجل فقال: وأنت فاتق الله، فإنك تعمل بغير الحق. فأخذ الرجل وأدخل عليه فقال: يا ابن الفاعلة تقول لي وأنا على المنبر اتق الله؟ فقال الرجل: سوءة لك، لو غيرك قالها كنت المستعدي عليه قال: ما أراك إلا نبطياً قال: ذاك أوكد للحجة عليك أن يكون نبطي يأمرك بتقوى الله.
قال عبد العزيز العمري للمهدي: اعلم أن دوابك التي تركب تمسح بالمناديل، ويبرد لها الماء، وينقى لها العلف، فتعجبك شحومها وبريقها وحسن ألوانها، ودينك أعجف قاتم أغبر، والله لو رأيته لساءك منظره.
ذكر هشام عند محمد بن كعب القرظي وثم محمد بن علي بن الحسين فوقع فيه، فقال القرظي: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون. إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل عتا عليهم فانطلق نفر منهم إلى حبرهم وقالوا: تخرج عليه. فقال: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون، ولكن انطلقوا فصوموا عشراً، وقوموا ولا تظلموا فيها أحداً ولا تطؤوا فيها امرأة. فجاءوا بعد عشر فقال: زيدوا عشراً أخر، فلم يزالوا حتى بلغوا أربعين. ثم قال لهم: اجتمعوا وادعوا الله أن يكفيكم ففعلوا. فدعا الملك ببرذون له، وأمر سائسه بإسراجه، فتشاغب وامتنع البرذون، فغضب الملك وقام وأسرجه وركبه، فجمح به حتى ألقاه فتقطع وهلك. فقال الحبر: هكذا إذا أردتم أن تقتلوا من ظلمكم.
نوادر من هذا الباب اختصم رجلان إلى قاض، فدنا أحدهما منه وقال له سراً: قد وجهت إلى الدار فراريج كسكرية وحنطة بلدية وكذا وكذا، فقال القاضي بصوت عال: إذا كانت لك بينة غائبة انتظرناها، ليس هذا مما يسار به.
حضر جماعة من أهل زنجان باب السلطان، فشكوا ثقل متوليهم وتضاعف المؤن عليهم فأجيبوا إلى حطيطة، فقالوا نحب أن يقتصر منا على الأخماس بدل الأعشار، فصار ذلك بجهلهم رسماً عليهم.
كان الفضل بن العباس اللهبي ثقيل البدن تتعذر الحركة عليه، وكان بخيلاً فاشتري له حمار، فقال للذي اشترى له الحمار: إني لا أطيق علفه، فإما أن بعثت إلي بقوته وإلا رددته. فكان يبعث إليه بعلف كل ليلة، ولا يدع هو أن يطلب من كل أحد يأنس به علفاً، ويعلف الحمار التبن، ويبيع الشعير، حتى هزل وعطب. فرفع الحزين الكناني إلى ابن حزم أو غيره قصة، وكتب في رأسها قصة حمار الفضل اللهبي، وشكا فيها أنه يركبه ويأخذ علفه وقضيمه من الناس، فيبيع الشعير ويعلفه التبن، ويسأل أن ينصف منه فقراء الرقعة، وضحك وقال: لئن كنت مازحاً إني لأظنك صادقاً، فأمر بتحويل الحمار إلى اصطبله ليعلفه ويركبه اللهبي متى أراد.
ابن حجاج من قصيدة له مشهورة: من الخفيف
ومن الجور والحديث شجون ... جائع بات أيره شبعانا
قيل: كان على الري قاض يكنى أبا حزوة، اختصم إليه قوم في عقد من لؤلؤ وجوهر، فوضع الجوهر بين يدي القاضي وهم يختصمون، فأخذ القاضي حجراً منه فوضعه في فيه ثم ابتلعه، وأعرابي ينظر إليه، ففطن له الأعرابي وأنشأ يقول: من البسيط
دعوت رب شعيب أن ينجيني ... من كورة يبعر الياقوت قاضيها
إن التي كان أوعاها فأخرجها ... دلت على عذرات كان يخفيها
ولى المنصور سليمان بن راميل، وضم إليه ألفاً من العجم، فقال: قد ضممت إليك ألف شيطان تذل بهم الخلق. فعاثوا في نواحي الموصل، فكتب إليه كفرت النعمة يا سليمان، فأجاب " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا " " البقرة: 102 " فضحك المنصور وأمده بغيرهم.
شكا رجل إلى كسرى بعض عماله وأنه غصبه ضيعة، فقال له: قد أكلتها أربعين سنة، فما عليك أن تتركها على عاملي سنة؟ قال: أيها الملك وما عليك أن تسلم ملكك إلى بهرام فيأكله سنة؟ فأمر أن يوجأ في عنقه فقال: أيها الملك دخلت بمظلمة وأخرج بمظلمتين؟ فأمر برد ضيعته وقضى حوائجه.
غزا محمد بن واسع خراسان مع قتيبة، فرعوا الزرع، وأخذ هو بعنان فرسه يتخلل به الأودية. فقال له دهقان القرية: أنت الذي أهلكتني، قال: كيف؟ قال: لولا أنت لهلك هؤلاء.
دخل رجل على الحجاج فقال: ما عندك؟ قال: علم ألسنة الطير، فإذا هامتان تجاوبتا فقال: ما تقولان؟ قال: تخطب إحداهما بنت الأخرى فتقول لها: لا أزوجك إلا بأربعمائة قصر منيف خراب؟ قال: أين تجد ذلك؟ قال: ما دام مثلك حياً لا نعدمه، قال: كيف؟ قال: إنك تقتل الأخيار وتعطل الديار.
ألح رجل من المتظلمين على أحمد بن الخصيب وهو راكب إلى المنتصر، فركله فقيل فيه: من الكامل
قل للخليفة يا ابن عم محمد ... اشكل وزيرك إنه ركال
ومثله ما رفع إلى المأمون أن قاضياً له كان يعض الخصوم فوقع في الرقعة: يشنق.
خطب علي عليه السلام أهل الكوفة ودعا إلى الجهاد، فقال أربد الفزاري: والله لا نجيبك، فضربه قوم من همدان حتى مات، فوداه علي من بيت المال، فقال علاقة بن عركي التميمي: من الطويل
معاذ إلهي أن تكون منيتي ... كما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خصفاً نعالها ... إذا رفعت عنه يد وقعت يد
أخرج أبو علي ابن رستم عاملاً إلى بعض النواحي، وكان في القرية حمام كثير، فعدها وأخذ واحدة منها وشق حوصلتها، وعد الحبوب الموجودة فيها، واحتسب بذلك وقال: إن كل حمامة تأكل في السنة من الحنطة كذا، فألزمهم ذلك، فكتب إليه أبو علي كتاباً وفي آخره: من الرجز
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها
وهي من أبيات لرؤبة بن عيينة.
وقال آخر: الرمل المجزوء
يتغنى القيد في رج ... ليه ألوان الغناء
باكياً لا رقأت عي ... ناه من طول البكاء
أقام عامل على دهقان عونين وأمرهما بنتف سباله، فقال: لم تفعل هذا أصلحك الله؟ قال: حتى تصحح خراجك، وخراج أهل بيتك، وخراج شركائك، فلما أطال رفع رأسه إلى العونين فقال: انتفا على بركة الله.
كان معلم يقعد أبناء المياسير في الظل، وأبناء الفقراء في الشمس ويقول: يا أهل الجنة ابزقوا على أهل النار.
كان صاحب ربع يتشيع، فارتفع إليه خصمان اسم أحدهما علي والآخر معاوية، فتحامل على معاوية فضربه مائة مقرعة من غير أن اتجهت عليه حجة، ففطن من أين أتي فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو أبو عبد الرحمن، فبطحه وضربه مائة مقرعة، فقال لصاحبه: ما أخذت مني بالاسم استرجعته منك بالكنية.
كان أبو ضمضم على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلاً من عرض الناس فجرده للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل: ما ذنبي أصلحك الله؟ قال: أحب أن تجملنا بنفسك ساعة.
قال كعب: نهيق الحمار دعاء على الظلمة، فحدث به المسيب بن شريك فقال: لو علمت أن هذا حقاً لزدت في قضيم حماري.
قال أبو المطراب وهو من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم: من الوافر
ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني
فلست بصابر إلا قليلاً ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني
تقدم رجلان إلى قاض، فتكلم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلم، فقال: أيها القاضي يقضي على غائب، قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلم.
بنى ابن أسد قصراً بالبصرة، وكانت في جانب منه حجرة صغيرة لعجوز كانت تساوي عشرين ديناراً، فاحتاج إليها وطلبها بمائتي دينار، فأبت. فقيل لها: إن القاضي يحجر عليك لسفاهتك لأنك ضيعت مائتين فيما قيمته عشرون، فقالت: ولم لا يحجر على من يشتري بمائتين ما يساوي عشرين؟ فحجت فاشتريت بثلاثمائة دينار.
كان لسعيد بن خالد القرشي طائر اسمه كسرى، وفرخ له اسمه ساسان، فأكل الفرخ سنور جار له يعرف بأنس، فكتب إلى العلاء بن منظور صاحب شرطة الكوفة، وهو الذي وهب له كسرى: من الرمل
يا ابن منظور بن قيس دعوة ... ضوءها أنور من ضوء القبس
إن ساسان بن كسرى غاله ... في سواد الليل سنور أنس
فأقدنا منه أو أخلفه أو ... خل بين الناس من عز افترس
قيل: أخذ رجل ذئباً وهو يعظه ويقول له: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول: خفف واقتصر، فقدامي قطيع من الغنم لا يفوتني.
انحدر القاضي أبو بكر ابن قريعة إلى ضيعة له، فلما وصلت سميريته إلى شاطئ القرية سبق أكار من أكرته يهودي اسمه شعيب، ومعه جماعة، فتظلم من وكيله وأعطاه رقعه كان قد كتبها له معلم في القرية في وقتها بالحبر، وأخذها وطواها وهي رطبة فانطمس أكثرها. فلما دفعها إلى القاضي أعطاها لكاتبه فقال: اقرأ ما فيها، فلم يفهم شيئاً من المكتوب فيها، فأطال استخراجه لها، والقاضي مستوفز والأكرة يصيحون، فضاق صدره واستبطأ كاتبه، فأخذ الرقعة من يديه ليقرأها فكانت صورته مثل صورة الكاتب فردها إليه وقال له: وقع فيها " يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز " " هود: 91 " وادفع الرقعة إليه، ونهض من السميرية صاعداً.
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
اعلم أرشدك الله إن الله تعالى أمر بالعدل ثم علم سبحانه وتعالى أنه ليس كل النفوس تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل فقال تعالى ( إن الله أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي ) الآية فلو وسع الخلائق العدل ما قرن الله به الاحسان والعدل ميزان الله تعالى في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوى والمحق من المبطل واعلم أن عدل الملك يوجب محبته وجوره يوجب الافتراق عنه وأفضل الأزمنة ثوابا أيام العدل وروينا من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عمل العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما وروي عن النبي أنه قال عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لكعب الاحبار أخبرني عن جنة عدن قال يا أمير المؤمنين لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عادل فقال عمر والله ما أنا نبي وقد صدقت رسول الله وأما الإمام العادل فإني أرجو أن لا أجور وأما الشهادة فأني لي بها قال الحسن فجعله الله صديقا شهيدا حكما عدلا وسأل الإسكندر حكماء أهل بابل إيما أبلغ عندكم الشجاعة أو العدل قالوا إذا
استعملنا العدل استغنينا به عن الشجاعة ويقال عدل السلطان أنفع من خصب الزمان وقيل إذا رغب السلطان عن العدل رغبت الرعية عن طاعته وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يشكو إليه من خراب مدينته ويسأله مالا يرمها به فكتب إليه عمر قد فهمت كتابك فإذا قرأت كتابي فحصن مدينتك بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها والسلام ويقال إن الحاصل من خراج سواد العراق في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف فلم يزل يتناقص حتى صار في زمن الحجاج ثمانية عشر ألف ألف فلما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ارتفع في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف وفي الثانية إلى ستين ألف ألف وقيل أكثر وقال إن عشت لأبلغنه إلى ما كان في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمات في تلك السنة ومن كلام كسرى لا ملك إلا بالجند ولا جند إلا بالمال ولا مال إلا بالبلاد ولا بلاد إلا بالرعايا ولا رعايا الا بالعدل
ولما مات سلمة بن سعيد كان عليه ديون للناس ولأمير المؤمنين المنصور فكتب المنصور لعامله استوف لأمير المؤمنين حقه وفرق ما بقي بين الغرماء فلم يلتفت الى كتابه وضرب للمنصور بسهم من المال كما ضرب لأحد الغرماء ثم كتب للمنصور إني رأيت أمير المؤمنين كاحد الغرماء فكتب إليه المنصور ملئت الأرض بك عدلا وكان أحمد بن طولون والي مصر متحليا بالعدل مع تجبره وسفكه للدماء وكان يجلس للمظالم وينصف المظلوم من الظالم
حكى أن ولده العباس استدعي بمغنية وهو يصطبح يوما فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره فدخل العباس إليه وأخبره بذلك فأمر باحضار ذلك الرجل الصالح فلما أحضر اليه قال أنت الذي كسرت العود قال نعم قال أفعلت لمن هو قال نعم هو لابنك العباس قال أفما أكرمته لي قال أكرمه لك بمعصية الله عز و جل والله تعالى يقول ( والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء
بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ورسول الله يقول لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأطرق أحمد بن طالون عند ذلك ثم قال كل منكر رأيته فغيره وأنا من ورئك ووقف يهودي لعبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين إن بعض خاصتك ظلمني فانصفني منه وأذقنى حلاوة العدل فأعرض عنه فوقف له ثانيا فلم يلتفت اليه فوقف له مرة ثالثة وقال يا أمير المؤمنين إنا نجد في التوراة المنزلة على كليم الله موسى صلوات الله وسلامه عليه إن الإمام لا يكون شريكا في ظلم أحد حتى يرفع إليه فاذا رفع إليه ذلك ولم يزله فقد شاركه في الظلم والجور فلما سمع عبد الملك كلامه فزع وبعث في الحال إلى من ظلمه فعزله وأخذ لليهودي حقه منه
وروى أن رجلا من العقلاء غصبة بعض الولاة ضيعة له فأتى إلى المنصور فقال له أصلحك الله يا أمير المؤمنين أأذكر لك حاجتي أم اضرب لك قبلها مثلا فقال بل أضرب المثل فقال إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فانما يفزع إلى أمة إذ لا يعرف غيرها وظنا منه أن لا ناصر له غيرها فإذا ترعرع واشتد كان فرارة إلى أبيه فإذا بلغ وصار رجلا وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه فإذا زاد عقله شكاه الى السلطان لعلمه أنه أقوى ممن سواه فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوي من السلطان وقد نزلت بي نازلة وليس أحد فوقك أقوى منك إلا الله تعالى فإن انصفتني والا رفعت أمري الى الله تعالى في الموسم فإني متوجه إلى بيته وحرمه فقال المنصور بل ننصفك وأمر أن يكتب إلى واليه برد ضيعته إليه وكان الاسكندر يقول يا عباد الله إنما إلهكم الله الذي في السماء الذي نصر نوحا بعد حين الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة وإليه مفزعكم عند الكرب والله لا يبلغني أن الله تعالى أحب شيئا إلا أحببته واستعملته الى يوم أجلي ولا أبغض شيئا الا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي وقد انبئت أن الله تعالى يحب العدل في عباده ويبغض الجور من بعضهم على بعض
فويل للظالم من سيفي وسوطي ومن ظهر منه العدل من عمالي فليتكيء في مجلسي كيف شاء وليتمن على ما شاء فلن تخطئه أمنيته والله تعالى المجازي كلا بعمله ويقال إذا لم يعمر الملك ملكه بالانصاف خرب ملكه بالعصيان
وقيل مات بعض الأكاسرة فوجدوا له سفطا ففتح فوجد فيه حبة رمان كأكبر ما يكون من النوى معها رقعة مكتوب فيها هذه من حب رمان عمل في اخراجه بالعدل
وقيل تظلم أهل الكوفة من واليهم فشكوه إلى المأمون فقال ما علمت في عمالي أعدل ولا أقوم بأمر الرعية وأعود بالرفق عليهم منه فقال رجل منهم يا أمير المؤمنين ما أحد أولى بالعدل والانصاف منك فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين فضحك المأمون من قوله وعزله عنهم وقدم المنصور البصرة قبل الخلافة فنزل بواصل بن عطاء وقال بلغني أبيات عن سليم بن يزيد العدوى في العدل فقم بنا إليه فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل من هذا الذي معك قال عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم فقال رحب على رحب وقرب على قرب فقال أنه يحب أن يسمع أبياتك في العدل فقال سمعا وطاعة وأنشد يقول
( حتى متى لا نرى عدلا نسر به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا )
( مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلون أهل الجور ألوانا )
( يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا )
فقال المنصور وددت لو أني رأيت يوم عدل ثم مت وقيل لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم فابتدأ بأهل بيته فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوها أن تكلمه فقال لها إن رسول الله سلك طريقا فلما قبض سلك أصحابه ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله فلما قضي الأمر إلى معاوية جره يمينا وشمالا وأيم الله لئن مد في عمري لاردنه إلى ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله وأصحابه فقالت له يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوما عصيبا فقال كل يوم أخافة دون يوم القيامة فلا أمننيه الله وقال وهب بن منبه إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع وكل شيء وإذا هم بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك قال الوليد بن هشام إن الرعية لتصلح بصلاح الوالي وتفسد بفسادة وقال ابن عباس رضي الله عنهما ان ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته متنكرا فنزل على رجل له بقرة تحلب قدر ثلاث بقرات فتعجب الملك من ذلك وحدثته نفسه بأخذها فلما كان من الغد حلبت له النصف مما حلبت بالامس فقال له الملك ما بال حلبها نقص أرعت في غير مرعاها بالامس فقال لا ولكن أظن أن ملكنا رآها أو وصله خبرها فهم بأخذها فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة فتاب الملك وعاهد ربه في نفسه أن لا يأخذها ولا يحسد احدا من الرعية فلما كان من الغد حلبت عادتها ومن المشهور بأرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو أن كل قصبة منها تعصر قدحا فعزم الملك على أخذها منها ثم أتاها وسألها عن ذلك فقالت نعم ثم إنها عصرت قصبة فلم يخرج منها نصف قدح فقال لها أين الذي كان يقال فقالت هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني فارتفعت البركة منها فتاب الملك وأخلص لله النية وعاهد الله أن لا يأخذها منها أبدا ثم أمرها فعصرت قصبة منها فجاءت ملء قدح
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمة الله في كتابه سراج
الملوك قال حدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان فلم تحمل شيئا في ذلك العام ولا تمرة واحدة وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد أعرف هذه النخلة وقد شاهدتها وهي تحمل عشرة أرداب وستين ويبه وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبه بدينار
وحكى أيضا رحمه الله تعالى قال شهدت في الإسكندرية والصيد مطلق للرعية السمك يطفو على الماء لكثرته وكانت الأطفال تصيده بالخرق من جانب البحر ثم حجزه الوالي ومنع الناس من صيده فذهب السمك حتى لا يكاد يوجد إلى يومنا هذا وهكذا تتعدى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية ان خيرا فخير وإن شرا فشر وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج يتساءلون إذا تلاقوا من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع وما أشبه ذلك وكان الوليد بن هشام صاحب ضياع واتخاذ مصانع فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار ولما ولى سليمان بن عبد الملك وكان صاحب طعام ونكاح كان الناس يتحدثون ويتساءلون في الأطعمه الرفيعة ويتغالون في المناكح والسراري ويعمرون مجالستهم بذكر ذلك ولما ولى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان الناس يتساءلون كم تحفظ من القرآن وكم وردك كل ليلة وكم يحفظ فلان وكم يختم وكم يصوم من الشهر وما أشبه ذلك فينبغي لإمام أن يكون على طريقة الصحابه والسلف رضي الله عنهم ويقتدي بهم في الأقوال والأفعال فمن خالف ذلك فهو لا محالة هالك وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب وقد قيل أنه مثله كمثل الرياح التي يرسلها الله تعالى بشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السحاب ويجعلها لقاحا للثمرات وروحا للعباد ولو تتبعت ما جاء في العدل والإنصاف وفضل الإمام العادل لألفت في ذلك مجموعا جامعا لهذا المعنى ولكن اقتصرت على ما ذكرته مخافة أن يمله الناظر ويسأمه السامع وبالله التوفيق إلى أقوم طريق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
قال الله تعالى ( ألا لعنة الله على الظالمين ) وقال تعالى ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) قيل هذه تسلية للمظلوم ووعيد للظالم وقال تعالى ( أنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ) وقال تعالى ( وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون ) وقال رسول الله من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم خرج من الأسلام وقال أيضا رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة وليس معه دينار ولا درهم وقال ايضا من اقتطع حق امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا قال ولو كان قضيبا من أراك وعن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله أوحي الله تعالى إلي يا أخا المرسلين يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد من عبادي عند احد منهم مظلمة فإني ألعنه مادام قائما يصلي بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة وعن علي رضي الله عنه عن النبي إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل الله تعالى حقه وعنه أنه قال ما من عبد ظلم فشخص ببصرة إلى السماء إلا قال الله
عز و جل لبيك عبدي حقا لأنصرنك ولو بعد حين وعنه ايضا أنه قال الا إن الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله والعياذ بالله تعالى قال الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب فظلم العبد نفسه ومر رجل برجل قد صلبه الحجاج فقال يا رب إن حلمك على الظالمين أحل المظلومين فنام تلك الليلة فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه قد دخل الجنة فرأى ذلك المصلوب في أعلي عليين وإذا مناد ينادي حلمي على الظالمين قد أضر بالظلومين في أعلي عليين وقيل من سلب نعمة غيره سلب نعمته غيره وسمع مسلم بن بشار رجلا يدعو على من ظلمه فقال له كل الظالم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك ويقال من طال عدوانه زال سلطانه وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم ورثي لوح في أفق السماء مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحته هذا البيت
( فلم أر مثل العدل للمرء رافعا ... ولم أر مثل الجور للمرء واضعا )
وقال الشاعر
( كنت الصحيح وكنا منك في سقم ... فإن سقمت فإنا السالمون غدا )
( دعت عليك أكف طالما ظلمت ... ولن ترد يد مظلومة أبدا )
وكان معاوية يقول إني لأستحي أن أظلم من لا يجد علي ناصرا إلا الله وقال أبو العيناء كان لي خصوم ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي داود وقلت قد تضافروا علي وصاروا يدا واحدة فقال يد الله فوق ايديهم فقلت له إن لهم مكرا فقال ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله قلت هم فئة كثيرة فقال كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وقال يوسف بن إسباط من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه وعن أبي
هريرة رضي الله عنه قال قال أبو القاسم من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه وقال مجاهد يسلط الله على أهل النار الجرب فيحكون أجسادهم حتى تبدو العظام فيقال لهم هل يؤذيكم هذا فيقولون إي والله فيقال لهم هذا بما كنتم تؤذون المؤمنين وقال ابن مسعود رضي الله عنه لما كشف الله العذاب عن قوم يوسف عليه السلام ترادوا المظالم بينهم حتى كان الرجل ليقلع الحجر من أساسه فيرده إلى صاحبه وقال أبو ثور بن يزيد الحجر في البنيان من غير حلة عربون على خرابة وقال غيره لو أن الجنة وهي دار البقاء أسست على حجر من الظلم لأوشك أن تخرب وقال بعض الحكماء اذكر عند الظلم عدل الله فيك وعند القدرة قدرة الله عليك لا يعجبك رحب الذراعين سفاك الدماء فإن له قاتلا لا يموت وقال سحنون بن سعيد كان يزيد بن حاتم يقول ما هبت شيئا قط هيبتي من رجل ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له ألا الله فيقول حسبك الله الله بيني وبينك وقال بلال بن مسعود اتق الله فيمن لا ناصر له إلا الله وبكي علي بن الفضل يوما فقيل له ما يبكيك قال أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة وروى أن النبي قال يقول الله تعالى اشتد غضبي علي من ظلم من لا يجد له ناصر غيري ونادى رجل سليمان ابن عبد الملك وهو على المنبر يا سليمان اذكر يوم الأذان فنزل سليمان من على المنبر ودعا بالرجل فقال له ما يوم الأذان فقال قال الله تعالى ( فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله عللى الظالمين ) قال فما ظلامتك قال أرض لي بمكان كذا وكذا أخذها وكيلك فكتب إلى وكيله ادفع إليه أرضه وأرضا مع أرضه وروى أن كسرى أنوشروان كان له معلم حسن التأديب يعلمه حتى فاق في العلوم فضربه المعلم يوما من غير ذنب فأوجعه فحقد أنوشران عليه فلما ولي الملك قال للمعلم ما حملك على ضربي يوم كذا وكذا ظلما فقال له لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك فأحببت أن اذيقك طعم الظلم لئلا تظلم فقال أنوشروان زه زه
وقال محمد بن سويد وزير المأمون
( فلا تأمنن الدهر حرا ظلمته ... فما ليل حر إن ظلمت بنائم )
وروى أن بعض الملوك رقم على بساطه
( لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم مصدره يفضي إليه الندم
( تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم ) وما أحسن ما قال الاخر
( أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاء )
( سهام الليل نافذة ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء )
( فيمسكها إذا ما شاء ربي ... ويرسلها إذا نفذ القضاء ) وقال أبو الدرداء اياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم فانها تسري بالليل والناس نيام وقال الهيثم ابن فراس السامي من بني سامة بن لؤي في الفضل بن مروان
( تجبرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل )
( ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتت والقتل ) يريد الفضل بن الربيع والفضل بن يحيى والفضل بن سهل ووجد تحت فراشي يحيى بن خالد البرمكي رقعة مكتوب فيها
( وحق الله ان الظلم لؤم ... وأن الظلم مرتعه وخيم )
( الى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم ) ووجد القاسم بن عبيد الله وزير المكتفي في مصلاه رقعة مكتوبا فيها
( بغي وللبغي سهام تنتظر ... )
( أنفذ في الاحشاء من وخز الابر )
( سهام أيدي القانتين في السحر ) وقال المنصور بن المعتمر لابن هبيرة حين اراد ان يوليه القضاء ما
لإلي هذا بعدما حدثني ابراهيم قال وما حدثك ابراهيم قال حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الظلمة وأعوان الظلمة وأشياع الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون في تابوت من حديد ثم يرمي بهم في نار جهنم وروى هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال جلس ابي للمظالم يوما فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا فقال له ألك حاجة قال نعم ادنني اليك فاني مظلوم وقد اعوزني العدل والانصاف قال ومن ظلمك قال انت ولست أصل اليك فأذكر حاجتي قال وما يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولا قال يحجبني عنك هيبتك طول لسانك وفصاحتك قال ففيم ظلمتك قال في ضيعتي الفلانية اخذها وكيلك غصبا مني بغير ثمن فاذا وجب عليها خراجأديته باسمي لئلا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها وهذا لم يسمع بمثله في المظالم فقال له محمد هذا قول تحتاج معه الى بينة وشهود أشياء فقال له الرجل ايؤمنني الوزير من غضبه حتى أجيب قال نعم قد أمنتك قال البينة هم الشهود واذا شهدوا فليس يحتاج معهم الى شيء اخر فما معنى قولك بينة وشهود وأشياء وأي شيئ هذه الاشياء ان هي الا الجور وعدولك عن العدل فضحك محمد وقال صدقت والبلاء موكل بالمنطق واني لارى فيك مصطنعا ثم وقع له مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته وصيره من أصحابه فكان قبل ان يتوصل الى الانصاف واعادة ضيعته له يقال له يا فلان كيف الناس فيقول بشر بين مظلوم لا ينصر وظالم لا ينتصر فلما صار من أصحاب محمد ابن عبد الملك ورد عليه ضيعته وأنصفه قال له ليلة كيف الناس الان قال بخير قال اعتمدت معهم الانصاف ورفعت عنهم الاجحاف ورددت عليهم الغصوب وكشفت عنهم الكروب وأنا أرجو لهم ببقائك نيل كل مرغوب والفوز بكل مطلوب ومما نقل في الاثار الاسرائيلية في زمان موسى صلوات الله وسلامه
عليه أن رجلا من ضعفاء بني إسرائيل كان له عائلة وكان صيادا يصطاد السمك ويقوت منه أطفاله وزوجته فخرج يوما للصيد فوقع في شبكته سمكة كبيرة ففرح بها ثم أخذها ومضي إلى السوق ليبيعها ويصرف ثمنها في مصالح عياله فلقيه بعض العوانية فرأى السمكة معه فأراد أخذها منه فمنعه الصياد فرفع العواني خشبة كانت بيده فضرب بها رأس الصياد ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصبا بلا ثمن فدعا الصياد عليه وقال إلهي جعلتني ضعيفا وجعلته قويا عنيفا فخذلي بحقي منه عاجلا فقد ظلمني ولا صبر لي إلى الآخرة ثم ان ذلك الغاصب الظالم انطلق بالسمكة إلى منزله وسلمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها فلما شوتها قدمتها له ووضعتها بين يديه على المائدة ليأكل منها ففتحت السمكة فاها ونكزته في أصبع يده نكزة طار بها عقلة وصار لا يقر بها قرارة فقام وشكا الى الطبيب ألم يده وما حل به فلما رآها قال له دواؤها أن تقطع الأصبع لئلا يسري الألم إلى بقية الكف فقطع أصبعه فأنتقل الألم والوجع الى الكف واليد وزداد التألم وارتعدت من خوفه فرائصة فقال له الطبيب ينبغي أن تقطع اليد إلى المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد فقطعها فأنتقل الألم الى الساعد فما زال هكذا كلما قطع عضوا انتقل الألم إلى العضو الآخر الذي يليه فخرج هائما على وجهه مستغيثا إلى ربه ليكشف عنه ما نزل به فرأى شجرة فقصدها فأخذه النوم عندها فنام فرأى في منامه قائلا يقول يا مسكين إلى كم تقطع أعضاءك امض الى خصمك الذي ظلمته فارضه فانتبه من النوم وفكر في أمره فعلم أن الذي أصابه من جهة الصياد فدخل المدينة وسأل عن الصياد وأتي إليه فوقع بين يديه يتمرغ على رجليه وطلب منه الإقالة مما جناه ودفع إليه شيئا من ماله وتاب من فعله فرضي عنه خصمه الصياد فسكن في الحال ألمه وبات تلك الليلة فرد الله تعالى عليه يده كما كانت ونزل الوحى على موسى عليه السلام يا موسى وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضي خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته
ومما تضمنته أخبار الأخيار ما رواه أنس رضي الله عنه قال بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاعد إذ جاءه رجل
من أهل مصر فقال يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك فقال عمر رضي الله عنه لقد عذت بمجير فما شأنك فقال سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص وهو يومئذ أمير على مصر فجعل يقنعني بسوطه ويقول أنا ابن الأكرمين فبلغ ذلك عمرا أباه فخشي أن آتيك فحبسني في السجن فانفلت منه فهذا الحين أتيتك فكتب عمرو بن العاص إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان وقال للمصري أقم حتى يأتيك فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج فلما قضى عمر الحج وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه قام المصري فرمي إليه عمر رضي الله عنه بالدرة قال أنس رضي الله عنه فلقد ضربة ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه وعمر يقول اضرب ابن الأكرمين قال يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت قال ضعها على ضلع عمرو فقال يا أمير المؤمنين لقد ضربت الذي ضربني قال أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا فجعل عمرو يعتذر إليه ويقول إني لم أشعر بهذا وقيل لما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل استغاث الناس من ظلمه وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها فقالت لهم متى يركب قالوا في غد فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقة وقالت يا أحمد يا ابن طولون فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها فإذا فيها ملكهم فأسرتم وقدرتم فقهرتم وخولتم فعسفتم وردت اليكم الأرزاق فقطعتم هذا وقد علمتم أن سهام الاسحار نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجمعتموها وأكباد جوعتموها وأجساد عريتموها فمحال أن يموت المظلوم ويبقي الظالم اعملوا ما شئتم فإنا صابرون وجوروا فإنا بالله مستجيرون واظلموا فإنا إلى الله متظلمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال فعدل لوقته
وحكى أن الحجاج حبس رجلا في حبسه ظلما فكتب إليه رقعة فيها قد مضي من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام والموعد القيامة والسجن جهنم والحاكم لا يحتاج الى بينة وكتب في آخرها
( ستعلم يا نؤم إذا التقينا ... غدا عند الإله من الظلوم )
( أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال الظلوم هو الملوم )
( سينقطع التلذذ عن أناس ... أداموه وينقطع النعيم )
( إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم )
وحكى أبو محمد الحسين بن محمد الصالحي قال كنا حول سرير المعتضد بالله ذات يوم نصف النهار فنام بعد أن اكل فانتبه منزعجا وقال يا خدم فأسرعنا الحواب فقال ويلكم أعينوني والحقوا بالشط فأول ملاح ترونه منحدرا في سفينة فارغة فأقبضوا عليه وائتوني به ووكلوا بالسفينة من يحفظها فأسرعنا فوجدنا ملاحا في سفينة منحدرة وهي فارغة فقبضنا عليه ووكلنا بها من يحفظها وصعدنا به إلى المعتضد فلما رآه الملاح كاد يتلف فصاح عليه المعتضد صيحة عظيمة كادت روحه تذهب منها وقال أصدقني يا ملعون عن قضيتك مع المرأة التى قتلهتا اليوم وإلا ضربت عنقك فتلعثم وقال نعم كنت سحرا في المشرعة الفلانية فنزلت إمرأة لم أر مثلها عليها ثياب فاخرة وحلى كثيرة وجواهر فطمعت فيها واحتلت عليها حتى سددت فمها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها ثم طرحتها في الماء ولم أجسر على حمل سلبها إلى داري لئلا يفشو الخبر علي فعولت على الهروب والانحدار إلى واسط فصبرت إلى أن خلا الشط في هذه الساعة من الملاحين وأخذت في الانحدار فتعلق بي هؤلاء القوم فحملوني اليك فقال وأين الحلى والسلب قال في صدر السفينة تحت البواري قال المعتضد علي به الساعة فحضروا به فأمر بتغريق الملاح ثم امر ان ينادي ببغداد من خرجت له أمرأة الى المشرعة الفلانية سحرا وعليها ثياب فاخرة وحلى فليحضر فحضر في اليوم الثاني ثلاثة من أهلها وأعطوا صفتها وصفة ما كان عليها فسلم ذلك اليهم قال فقلت يا مولاى من أين علمت أو أوحى اليك بهذه الحالة وأمر هذه الصبية فقال بل رأيت في منامي رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي يا أحمد أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره على المرأة التى قتلها اليوم ظلما وسلبها ثيابها وأقم عليه الحد ولا يفتك فكان
ما شاهدتم فيتعين على كل ولي أمر أن يعدل في الأحكام وأن يتبصر في رعيته وعلى كل غافل أن يكف يده عن الظلم ويسلك سنن العدل ويعامل بالنصفة ويراقب الله في السر والعلانية ويعلم أن الله يجازي على الخير والشر ويعاقب الظالم على ظلمة وينتصر للمظلوم ويأخذ له حقه ممن ظلمه واذا أخذ الظالم لم يفلته والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمينيتلوه: باب العقل والحمق.
الظلم وذكر الظلمة وما عليهم
والأذى وقسوة القلب، وما اتصل بذلك أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله عبداً كان لأخيه قِبَله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فنحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة ليس معه دينار ولا درهم.
جابر بن عتيك رفعه: من اقتطع شيئاً من مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة. قالوا يا رسول الله وإن شيء يسير؟ قال: ولو قضيب من أراك.
حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أوحي إلي يا أخا المرسلين، يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتاً من بيوتي
ولأحد من عبادي عند أحد منهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائماً يصلي بين يدي يرد تلك الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة.
ابن عمر رفعه: لرد دانق حرام يعادل عند الله سبعين حجة مبررة.
أبو هريرة رفعه: لا يغبطن ظالم بظلمه فإن له عند الله طالباً حثيثاً، ثم قرأ: كلما خبت زدناهم سعيراً.
علي رضي الله عنه رفعه: إياكم ودعوة المظلوم، فإنما سأل الله حقه، وإن الله لا يمنع من ذي حق حقه.
خزيمة بن ثابت رفعه اتقوا دعوة المظلوم، فإنما تحمل على الغمام، يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
علي رفعه: يقول الله اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد ناصراً غيري.
النابغة الجعدي لعقال بن خويلد العقيلي:
كليب لعمرو الله كان أكثر ناصراً ... وأهون ذنباً منك ضرج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المُسَهَّم
مر عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا رب إن حلمك على الظالمين قد أضر بالمظلومين. فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه قد دخل الجنة، فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين، وإذا مناد ينادي: حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.
بعض السلف: دعوتان أرجو إحداهما وأخاف الأخرى: دعوة مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته.
مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين يتشاجران، وكان أحدهما يتعدى ويتطاول، وصاحبه يقول: حسبي الله، حسبي الله، فقال عليه السلام: يا رجل، ابل من نفسك عذراً، فإذا أعجزك الأمر فقل حسبي الله.
من سلب نعمة غيره سلب غيره نعمته.
زياد: يعجبني من الرجل إذا سيم خُطة الضيم أن يقول بملء فيه: لا.
عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة بن شريك بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن!امتلأت الأرض والله جوراً.
لرجل من أزد شنوءة استعدى عتبة بن أبي سفيان وقد ظلمه عامله: -
أمرت من كان مظلوماً ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
نقش خاتم أنوشروان: لا يكون العمران حيث يجور السلطان.
كان أبو ضمضم على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلاً من عرض الناس فجردوه للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل: - ما ذنبي أصلحك الله؟ قال: - أجب أن تجملنا بنفسك ساعة.
سمع مسلم بن يسار رجلاً يدعو على من ظلمه فقال: كل الظلوم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك إلا أن يتداركه الله بعمل، وقَمِن أن لا يفعل.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله على عقوبتك وذهاب ما تأتي إليهم وبقاء ما يؤتى إليك والسلام.
كان علي بن الحسين يقول كلما ذر شارق: اللهم إني أعوذ بك أن أظلِم أو أُظلَم، وأعوذ بك أن أبغي أو يبغي علي.
علي رضي الله عنه: ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجى من مساغ ريقه.
طرفة:
والظلم فرق بين حيي وائل ... بكر فساقتها المنايا تغلب
الأفوه:
وبشؤم البغي والغشم قديماً ... ما خلا جوف ولم يبق حمار
جوف: وادٍ كان لحمار بن طويلع بن عاد.
أنوشروان: رفع غليه أن عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب، فوقع برد المال على الضعفاء، فإن الملك إذا كثر أمواله بما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتله من قواعد بنائه.
يقال: كسره كسر الجوز، وقشره قشر اللوز، وأكله أكل الموز، إذا نهكه ظلماً.
من كثر شططه كثر غلطه.
الظلم يجلب النقم، ويسلب النعم.
من طال عدوانه زال سلطانه.
لولا الداعون لهلك العادون.
من جمع به العدوان جنح عليه الإخوان.
لا تندم على فرض أقمته، وظالم وقمته.
رثى في طول لوح في أفق السماء مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحته:
فلم أر مثل العدل للمرء رفعة ... ولم أر مثل الجور للمرء واضعاً
شاعر:
كنت الصحيح وكنا منك في سقم ... فإن سقمت فإنا السالمون غدا
دعت إليك أكف طالما ظُلمت ... ولن ترد يد مظلومة أبدا
النبي صلى الله عليه وسلم: " لو بغى جبل على جبل لدك الباغي " .
وعنه عليه السلام: " أعجل الشر عقوبة البغي " .
فيروز بن يزد جرد: من سل سيف البغي قتل به. ومن أوقد ناراً للفتنة كان وقوداً لها.
النجاشي: الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم.
علي رضي الله عنه: يم المظلوم على الظالم أشد من يوم المظالم على المظلوم.
معاوية: إني لأستحي أن أظلم من لا يجد علي ناصراً إلا الله.
كان الناس يتلاقون بعد قتل المنتصر أباه فيقولون: والله لا عاش إلا ستة أشهر كما عاش شيروبه بن كسرى حين قتل أباه. فكان كما ظنوا.
وروي أن سبب موته أنه فصد بمبضع مسموم، والطبيب الذي فصده احتاج إلى الافتصاد بعد ذلك، فأخرج إلى تلميذه دست مباضع وفيها ذلك المبضع، فاتفق أنه فصده به فمات الطبيب.
ورأى أباه في المنام فقال له: ظلمتني وقتلتني لا تمتعت بالخلافة إلا أياما.
وقال لأمه حين احتضر: عاجلت فترجلت.
أبو العيناء: كان لي خصوم ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي داود، وقلت: قد تظافروا علي وصاروا يداً واحدة، فقال: يد الله فوق أيديهم. قلت: إن لهم مكراً، قال: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، قلت:هم كثير، قال: - كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله.
شاعر:
لا تبع عقدة مالٍ ... خيفة الجار الغشوم
واصطبر لنفسك الجا ... ري على كل ظلوم
فهو الدائر بالأمس على آل سدوم
يزعم الأعراب أن الله تعالى لم يدع ماكساً غلا أنزل به بلية، وأنه مسخ منهم اثنين ذئباً وضبعاً. وأن الضب وسهيلاً كان ماكسين، فمسخ الله أحدهما في الأرض والآخر في السماء.
قال الحكم بن عمرو البهراني:
مسخ الماكسين ضبعاً وذئباً ... فلهذا تناجلا أم عمرو
مسخ الضب في الجدالة قدما ... وسهيل السماء عمداً بصغر
الجدالة الأرض.
نظر دهقان يعذب في الخراج إلى الوالي يعطي الناس الجوائز فقال: أيها الأمير إن كنت إنما تظلم لمن ترحم فارحم من تظلم، فنفّس عنه.
قال كعب: نهيق الحمار دعاء الظلمة، فحدث به المسيب بن شريك فقال: لو علمت أن هذا حق لزدت في قضيم حماري.
عبد الله بن الفضل في قتل المتوكل ابن الزيات:
يكاد القلب من فزع يطير ... إذا ما قيل قد قتل الوزير
أمير المؤمنين هدمت ركناً ... عليه رجاكم كانت تدور
فمهلاً يا بني العباس مهلاً ... لكم في كل ناحية عقير
كأن الله صيركم ملوكاً ... لئلا تعدلوا ولأن تجوروا
كان أبو مسلم بعرفات يقول: اللهم إني تائب إليك مما لا أظنك تغفره لي. فقيل له: أيعظم على الله غفران ذنب؟ فقال: إني نسجت ثوب ظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، فكم من صارخة نلعنتي عند تفاقم الظلم؟ فكيف يغفر لمن هذا الخلق خصماؤه.
وقيل له مرة: لقد قمت بأمر لا يقصر بك عن الجنة، فقال: خوفي فيه من النار أولى من الطمع في الجنة، أني أطفأت من بني أمية جمرة وألهبت من بني العباس نيراناً، فإن أفرح بالإطفاء فواحزنا من الإلهاب.
خطب الحجاج فقال: أتزعمون أني شديد العقوبة وهذا أنس حدثني أن رسول الله قطع أيدي رجال وأرجهلم وسمل عيونهم. قال أنس: فوددت أني مت قبل أن حدثته.
محمد بن عبد الله النفس الزكية:
متى نرى للعدل نوراً فقد ... أسلمني ظلم إلى ظلم
أمية طالت عداتي بها ... كأنني فيها أخو حلم
علي رفعه: إياكم والظلم فإنه يخرب قلوبكم.
وعنه مرفوعاً: الويل لظالم أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
وعنه: ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب. فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قل الله سبحانه: إن الله لا يغفر أن يشرك به، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً. القصاص هناك شديد ليس هو جرحاً بالمُدى ولا ضرباً بالسياط ولكنه ما يستصغر ذلك معه.
وعنه: لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك.
أبو مخلد: في قوله تعالى: ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.
أبصر أبو هريرة رجلاً يعظ رجلاً. فقال آخر: دعه فإن الظالم لا يضر إلا بنفسه. فقال أبو هريرة: كذبت، والذي نفسي بيده إنه ليضر غيره، حتى أن الحباري لتموت في وكرها بظلم الظالم.
جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما قدم على رسول الله من الحبشة، فسأله ما أعجب ما رأيت ببلاد الحبشة؟ قال: رأيت امرأة على رأسه مكتل فيه دقيق، إذ مر فارس فزحمها فألقى المكتل فانصب الدقيق. فجعلت تجمعه وتقول: ويل لك من ديان يوم الدين إذا وضع كرسيه للقضاء، فأخذ للمظلوم من الظالم. فقال رسول الله: لا تقدس الله أمة لا يأخذ فيها لضعيفها حقه غير متعتع.
أبو ذر رفعه: يقول الله تعالى إني حرمت الظلم على نفسي، وحرمته على عبادي، فلا تظالموا.
أوس بن شرحبيل رفعه: من مشي مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام.
وعنه عليه السلام: " من مشى خلف ظالم سبع خطات فقد أجرم " ، وقال تعالى: " إنا من المجرمين منتقمون " .
يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه.
الأحنف: من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم دينه كأن لمجده أهدم.
أبو المطراب من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم:
ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني
فلست بصابر إلا قليلا ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني
محمد بن يزداد بن سيود وزير المأمون:
لا تأمنن الدهر حراً ظلمته ... فما ليل حر إن ظلمت بنائم
الهيثم بن فراس السامي من بني سامة بن لؤي في الفضل بن مروان:
تجبرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتت والقتل
وقمت كما قام الثلاثة ظالماً ... ستودي كما أودي الثلاثة من قبل
يريد الفضل بن يحيى، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل.
علي رضي الله عنه: لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً، وأجر في الأغلال مصفداً، أحب غلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام. وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قُفولها، ويطول في الثرى حلولها.
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها تعلى أن أعصي اله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها. ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل.
أوحى الله إلى موسى: يا موسى قل لظلمة بني إسرائيل يقلوا من ذكري، فإني أذكر من ذكرني منهم بلعنة حتى يسكت.
قال منصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراده على القضاء: ما كنت لألي بعدما حدثني إبراهيم. قال: وما حدثك؟ قال: حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من يرى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجتمعون في تابوت حديد ثم يلقى بهم في جهنم.
كان الفضل بن صالح بن عبد الملك الهاشمي يهوى جارية أخيه عبيد بن صالح فسقى أخاه سماً فقتله وتزوجها. فقال ابن برد الشامي وقد ظلمه في أرض له:
لئن كان فضل بزني الأرض ظالماً ... لقبلي ما أردى عبيد بن صالح
سقاه نشوعياً من السم ناقعاً ... ولم يكتئب من مخزيات الفضائح
كان أسلم بن زرعة والي خراسان من قبل عبيد الله بن زياد ينبش قبور الأعاجم فربما أصاب فيها الذهب والفضة. فقال بيهس بن صهيب الجرمي:
تعوذ بحجر واجعل القبر في الصفا ... من الأرض لا ينبش عظامك أسلم
هو النابش القبر المحيل عظامه ... لينظر هل تحت السقائف درهم
أبو الدرداء: إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.
ظُلم أعرابي من بكر بن وائل فقتل ظالمه بعنف فقال:ما أساء من قتل ظالمه. فقيل: أتحب أن تلقي الله ظالماً أو مظلوماً؟ قال: بل ظالماً، ما عذري عند الله قال حلقتك مثل البعير ثم تجيء تشكو إلي؟
علي رضي الله عنه: أوحى الله إلى المسيح قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بأبصار خاشعة، وقلوب طاهرة، وأيد نقية، وخبرهم أني لا أستجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي لديهم مظلمة.
محمد بن يوسف الأصبهاني الزاهد، كتب إليه أخوه يشكو السلطان فأجابه: إن من عمل المعاصي لا ينكر العقوبة.
خطب الحسن بن علي رضي الله عنهما فذكر مفاخرة، فقال معاوية: عليك بالرطب، يعين أنك لا تصلح للخطب أراد أن يخجله ويقطعه. فاستمر في خطبته. فقال معاوية: إنك لترجو الخلافة ولست هناك. فقال: إن الخلافة لمن سار بسيرة رسول اله صلى الله عليه وسلم وسيرة صاحبيه وعمل بطاعة الله، وليست الخلافة لمن عمل بالجور وعطل الحدود، ومن لم يعمل بمثل سيرتهما كان ملكاً من الملوك يتمتع في ملكه فكان قد انقطع عنه وبقيت تبعته عليه، فهو كما قال الله تعالى: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
دخل على هشام، في متنزه له قد تكلف فيه، رجل ألقى إليه صحيفة وتلمس، فإذا فيها بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد، فتدر عليه يومه، ومات بعد أيام.
قيل للمنصور: في حبسك محمد بن مروان فلو أمرت بإحضاره ومسألته عما جرى بينه وبين ملك النوبة. فقال صرت إلى جزيرة النوبة في آخر أمرنا، فأمرت بالمضارب فضربت، فخرجت النوبة يتعجبون، وأقبل ملكهم رجل أصلع طوال حاف عليه كساء، فسلم وجلس على الأرض، فقلت: ما بالك لا تقعد على البساط؟ فقال: أنا ملك، وحق لكل من رفعه الله أن يتواضع له إذا رفعه، ثم قال: ما بالكم تطأون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: أشياعنا فعلوه بجهلهم. قال: فما بالكم تلبسون الديباج وتتحلون بالذهب والفضة وهي محرمة عليكم على لسان نبيكم؟ قلت: فعل ذلك أعاجم من خدمنا كرهنا الخلاف عليهم. فجعل ينظر في وجه ويكرر معاذيري على وجه الاستهزاء. ثم قال: ليس كما تقول يا ابن مروان، ولكنكم ملكتم فظلمتم، وتركتم ما أمرتم به فأذاقكم الله وبال أمركم، ولله فيكم نقم لم تبلغ، وإني أخشى أن تنزل بك وأنت في أرضي فتصيبني معك، فارتحل عني.
وجد تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعة فيها:
وحق الله إن الظلم لؤم ... وإن الظلم مرتعه وخيم
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
وجد القاسم بن عبيد الله وزير المكتفى في مصلاه رقعة فيها:
بغي وللبغي سهام تنتظر ... أنفذ في الأحشاء من وخز الإبر
سهام أيدي القانتين في السحر
أنس رفعه: إن الله نظر إلى أهل عرفات فباهى بهم الملائكة قال: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً قد أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق. فاشهدوا أني قد غفرت لهم، إلا التبعات التي بينهم.
لقي رجل من المهاجرين العباس بن عبد المطلب فقال: يا أبا الفضل، أرأيت عبد المطلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم جمعهما الله في النار. فصفح عنه، ثم قال، فصفح عنه، فلما كانت الثالثة رفع يده فوجأ أنفه. فانطلق إلى رسول الله، فلما رآه قال: ما هذا؟ قال: العباس، فأرسل إليه وقال: ما أردت إلى رجل من المهاجرين؟ فقص عليه القصة وقال: ما ملكت نفسي وما إياه أراد ولكن أرادني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الشيء وإن كان حقاً؟.
قدم ابن أبي جهل المدينة، فجعل يمر في الطريق فيقول الناس: هذا ابن أبي جهل، فذكر ذلك لأم سلمة فذكرته لرسول الله. فخطب الناس وقال: لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات.
فضيل: والله ما يحل لك أن تؤذي كلباً ولا خنزيراً بغير حق، فكيف تؤذي مسلماً؟ عبيد الله بن الحر:
تبيت النشاوى من أمية نوماً ... وبالطف قتلى ما ينام حميمها
وما ضيع الإسلام إلا عصابة ... تأمر نوكاها ودام نعيمها
فأضحت قناة الدين في كل ظالم ... إذا أعوج منها جانب لا يقمها
فأقسمت لا تنفك نفسي حزينة ... وعيني تبكي لا تجف سجومها
حياتي أو تلقى أمية خزية ... يذل لها حتى الممات زعيمها
رفعت قصص إلى المهدي فإذا قصة مكتوب عليها قصة صاحب السمكة. فقال: ما هي؟ فقال الربيع: بيننا أبوك مشرفاً على دجلة إذ بصر بملاح صاد سمكة، فوجه إليه خادماً يشتريها، فاستلمها بدينار فأبى، وباعها من تاجر باثني عشر درهماً. فاستحضر التاجر وقد سوى السمكة فأخذها منها وأكلها وقال: لو لم يكن معك مال لما اشتريت سمكة باثني عشر درهماً وأمر خادمه بأن يذهب إلى منزله ويحمل ما أصاب في صناديقه. فجاء ببدرتين. فقال: أنا رجل معيل وعلي مؤونة. فأعطاه منها أربعمائة درهم يتعيش بها.
فأمر المهدي أن تطلب البدرتان في بيت المال، فجيء بها مكتوب عليها مال صاحب السمكة، فقال المهدي: اجعل أبي في حل فإنه كان مسرفاً على نفسه، وخذ المال.
جابر بن عبد الله يرفعه: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم.
أبو موسى رفعه: إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، وقرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة أن أخذه أليم شديد.
أبو هريرة رضي الله عنه: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: " من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه " .
وعنه مرفوعاً: " بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره، فشكر الله له فغفر له " .
وروي: لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس.
أبو برزة: قلت يا رسول الله علمني شيئاً أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين.
حج سليمان بن عبد الملك فلقيه طاووس، فقيل حدث أمير المؤمنين، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من أعظم الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه " . فتغير وجه سليمان.
ذكر هشام عند محمد بن كعب القرظي، وثم محمد بن على بن الحسين، فوقع فيه فقال القرظي: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون. إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل عتا عليهم، فانطلق نفر إلى خيرهم فقالوا: نخرج عليه؟ فقال: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون، ولكن انطلقوا فصوموا عشراً وقوموا ولا تظلموا فيها أحداً ولا تطأوا فيها امرأة فجاءوا بعد عشر، فقال: - زيدوا عشراً أخرى، فلم يزالوا حتى بلغوا أربعين. ثم قال لهم: - اجتمعوا وادعوا الله أن يكفيكم، ففعلوا. فدعا الملك ببرذون له وأمر سائسه أن يسرجه، فتشاغب وامتنع البرذون، فغضب الملك فقام فأسرجه وركبه، فجمح به حتى ألقاه، فتقطع وهلك. فقال الحبر: هكذا إذا أردتم أن تقتلوا من ظلمكم.
وفي الحديث إن الله يقول: " لا يذكرني عبدي الظالم حتى ينزع عن ظلمه، فإنه من ذكرني كان حقاً علي أن أذكره، وإني إذا ذكرت الظالمين لعنتهم " .
مجاهد: يسلط الله على أهل النار الجرب فيحكوا حتى تبدو عظامهم، فيقال لهم: هل يؤذيكم هذا؟ فيقولون: أي والله. فيقال هذا بما كنتم تؤذون المؤمنين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا ما رواه الأساطين، في عدم المجيء إلى السلاطين:
النهي عن المجيء للسلاطين في السنة النبوية
١ - أخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي في (شعب الإيمان)، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال:
(من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن) .
٢ - وأخرج أبو داود، والبيهقي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: (من بدا فقد جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ازداد من الله بعدا) .
٣ - وأخرج أحمد في مسنده، والبيهقي بسند صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قربًا، إلا ازداد من الله بعدًا) .
أبغض الخلق إلى الله تعالى
٤ - وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:
(إن في جهنم واديًا تستعيذ منه كل يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين في أعمالهم وإن أبغض الخلق إلى الله عالم السلطان) .
٥ - وأخرج ابن بلال والحافظ أبو الفتيان الدهستاني في كتاب (التحذير من علماء السوء)، والرافعي في (تاريخ قزوين)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أبغض الخلق إلى الله تعالى العالم يزور العمال) .
٦ - ولفظ أبي الفتيان: (إن أهون الخلق على الله: العالم يزور العمال) .
٧ - وأخرج ابن ماجه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء) .
٨ - وأخرج الديلمي في (مسند الفردوس) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله ﷺ: (إذا رأيت العالم يخالط السلطان مخالطة كثيرة فاعلم أنه لص) .
وأخرج ابن ماجه بسند رواته ثقات، عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون نأتي الأمراء، فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتني من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا) .
١٠ - وأخرج الطبراني في (الأوسط) بسند رواته ثقات، عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله من أهل البيت أنا؟ فسكت، ثم قال في الثالثة: (نعم ما لم تقم على باب سدة، أو تأتي أميرًا فتسأله) .
قال الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب) المراد بالسدة هنا، باب السلطان ونحوه.
هل يرد الحوض الداخل إلى السلطان؟
١١ - وأخرج الترمذي وصححه، والنسائي، والحاكم وصححه، قال رسول الله ﷺ: (سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم، فهو مني، وأنا منه، وهو وارد علي الحوض) .
[[وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: (تكون أمراء تغشاهم غواش وحواش من الناس).]] (*)
١٢ - وأخرج أحمد وأبو نعيم وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "سيكون أمراء يغشاهم غواش وخواش من الناس يكذبون ويظلمون فمن دخل عليهم، وصدقهم
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين الحاصرات ليس في المطبوع
بكذبهم، وأعإنهم على ظلمهم، فأنا بريء منه وهو بريء مني، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه» .
١٣ - وأخرج أحمد، والبزار، وابن حبان، في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (سيكون أمراء، من دخل عليهم وأعإنهم على ظلمهم، وصدقهم بكذبهم، فليس مني ولست منه، ولن يرد علي الحوض. ومن لم يدخل عليهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض) .
١٤ - وأخرج الشيرازي في (الألقاب) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (إنها ستكون أمراء، فمن صدقهم بكذبهم، وأعإنهم على ظلمهم، وغشي أبوابهم، فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يغش أبوابهم، فهو مني وسيرد علي الحوض) .
الفقهاء أمناء الرسل
١٥ - وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم في تاريخه، وأبو نعيم، والعقيلي، والديلمي، والرافعي في تاريخه، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
(العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فإذا خالطوا السلطان، فقد خانوا الرسل فاحذروهم، واعتزلوهم) .
١٦ - وأخرج العسكري، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (الفقهاء أمناء الرسل، ما لم يدخلوا في الدنيا ويتبعوا السطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم) .
العالم مع السلطان في العذاب
١٧ - وأخرج الحاكم في تاريخه، والديلمي، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من عالم أتى صاحب سلطان طوعًا، إلا كان شريكه في كل لون يعذب به في نار جهنم) .
١٨ - وأخرج أبو الشيخ في (الثواب) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قرأ الرجل القرآن وتفقه في الدين، ثم
أتى باب السطان، تَمَلُّقًا إليه، وطمعا لما في يده، خاض بقدر خطاه في نار جهنم) .
من صفات علماء آخر الزمان
١٩ - وأخرج الديلمي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (يكون في آخر الزمان علماء يرغبون الناس في الآخرة ولا يرغبون،
ويزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون، وينهون عن غشيان الأمراء ولا ينتهون) .
٢٠ - وأخرج الديلمي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله يحب الأمراء إذا خالطوا العلماء، ويمقت العلماء إذا خالطوا الأمراء؛ لأن العلماء إذا خالطوا الأمراء رغبوا في الدنيا، والأمراء إذا خالطوا العلماء رغبوا في الآخرة) .
٢١ - وأخرج أبو عمرو الداني في كتاب (الفتن) عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه، ما لم يماري قراؤها أمراءها) .
٢٢ - وأخرج الحاكم، وصححه، عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (أقلوا الدخول على الأغنياء؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله) .
٢٣ - وأخرج الحكيم الترمذي في (نوادر الأصول) عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: أتاني رسول الله ﷺ وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيته، فقال: (إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعون أتاني جبريل آنفًا، فقال لي: إن أمتك مفتتنه بعك بقليل من الدهر، غير كثير، قلت: ومن أين ذلك!؟ قال: من قبل قرائهم وأمرائهم، يمنع الأمراء الناس حقوقهم، فلا يعطونها، وتتبع القراء أهواء الأمراء قلت: يا جبريل! فبم يسلم من يسلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه) .
سلاطين الفتن
٢٤ - وأخرج الحاكم، عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: (سيكون بعدي سلاطين، الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحدًا شيئًا، إلا أخذوا من دينه مثله) .
٢٥ - وأخرج الديلمي، عن أبي الأعور السلمي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول
الله ﷺ: (إياكم، وأبواب السلطان).
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والديلمي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (اتقوا أبواب السلطان وحواشيها؛ فإن أقرب الناس منها أبعدهم من الله، ومن آثر سلطان على الله، جعل الفتنة في قلبه ظاهرة وباطنة، وأذهب عنه الورع وتركه حيران) .
أناس يتفقهون في الدين للدنيا
٢٦ - وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اله ﷺ: (سيكون قوم بعدي من أمتي، يقرؤون القرآن، ويتفقهون في الدين، يأتيهم الشيطان، فيقول: لو أتيتم السلطان، فأصلح من دنياكم، واعتزلوهم بدينكم! ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد، إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا) .
١ - حكم من أتى السلطان تملقًا.
٢ - التحذير من مجالسة السلطان.
٣ - صفات مذمومة في طلاب العلم.
٤ - إياكم ومواقف الفتن.
٥ - نصيحة وهب بن منبه لعطاء.
٦ - لا تجالس صاحب بدعة.
٧ - إياك والأهواء والخصومة.
٨ - أحوال السلف الصالح مع الأمراء.
حكم من أتى السلطان تملقًا
٢٧ - وأخرج هناد بن السري في (الزهد)، عن عبيد بن عمير رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (ما ازداد رجل من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا) .
٢٨ - وأخرج الديلمي، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:
(من تقرب من ذي سلطان ذراعًا، تباعد الله منه باعًا) .
٢٩ - وأخرج الديلمي، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: (من مشى إلى سلطان جائر طوعًا، من ذات نفسه، تملقًا إليه بلقائه، والسلام عليه، خاض نار جهنم بقدر خطاه، إلى أن يرجع من عنده إلى منزله؛ فإن مال إلى هواه، أو شد على عضده لم يحلل به من الله لعنة إلا كان عليه مثلها، ولم يعذب في النار بنوع من العذاب، إلا عذب بمثله) .
٣٠ - وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
(من قرأ القرآن، وتفقه في الدين ثم أتى صاحب سلطان طمعًا لما في يديه، طبع الله على قلبه، وعذب كل يوم بلونين من العذاب، لم يعذب به قبل ذلك) .
٣١ - وأخرج الحاكم في تاريخه عن معاذ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ القرآن وتفقه في الدين ثم أتى صاحب سلطان طمعًا لما في يديه خاض بقدر خطاه في نار جهنم) .
٣٢ - وأخرج البيهقي، عن رجل من بني سليم، قال: قال رسول الله ﷺ:
(إياكم وأبواب السلطان) .
التحذير من مجالسة الشيطان
٣٣ - وأخرج الديلمي، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: (إياكم ومجالسة السلطان؛ فإنه ذهاب الدين، وإياكم ومعونته فإنكم لا تحمدون أمره) .
٣٤ - وأخرج ابن أبي شيبة، والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: (إنها ستكون أمراء تعرفون، وتنكرون فمن ناوأهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، أو كاد، ومن خالطهم هلك) .
٣٥ - وأخرج البيهقي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: (اتقوا أبواب السلطان).
وفي (الفردوس) من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا: (أفضل التابعين من أمتي من لا يقرب أبواب السلاطين).
وأخرج البيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: (إن على أبواب السلطان فتنًا كمبارك الإبل، لا تصيبون من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينكم مثله) .
٣٦ - وأخرج الدارمي في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من أراد أن يكرم دينه، فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أصحاب الأهواء) .
الداخل على السلطان خاسر لدينه
٣٧ - وأخرج البخاري في تاريخه وابن سعد في (الطبقات) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
(يدخل الرجل على السلطان ومعه دينه، فيخرج وما معه شيء) .
٣٨ - وأخرج ابن سعد في (الطبقات) عن سلمة بن نبيط قال: (قلت لأبي - وكان قد شهد النبي ﷺ ورآه وسمع منه - يا أبت لو أتيت هذا السلطان فأصبت منهم وأصاب قومك في جناحك؟ قال: أي بني إني أخاف أن أجلس منهم مجلسًا يدخلني النار) .
صفات مذمومة في طلاب العلم
٣٩ - وأخرج الدارمي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من طلب العلم لأربع دخل النار: ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، أو يأخذ به من الأمراء) .
٤٠ - وأخرج ابن ماجه، والبيهقي، عن ابن مسعود، قال: لو أن أهل العلم صانعوا العلم، ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم، فهانوا عليهم. سمعت نبيكم ﷺ يقول: (من جعل الهم همًا واحدًا هم آخرته، كفاه الله ما همه من أمر دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك) .
٤١ - وأخرج ابن أبي شيبة، عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: (ألا! لا يمشين رجل منكم شبرًا إلى ذي سلطان) .
إياكم ومواقف الفتن
٤٢ - وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في (الحلية)، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: (إياكم ومواقف الفتن! قيل وما مواقف الفتن؟ قال أبواب الأمير؛ يدخل الرجل على الأمير، فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه) .
٤٣ - وأخرج ابن هشام ، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال النبي ﷺ:
(أبعد الخلق من الله، رجل يجالس الأمراء، فما قالوا من جور صدقهم عليه) .
نصيحة وهب بن منبه لعطاء
٤٤ - وأخرج البيهقي، عن وهب بن منبه، أنه قال لعطاء: (إياك وأبواب السلطان! فإن على أبواب السلطان فتنًا كمبارك الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينك مثله).
٤٥ - وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن سلمة بن قيس، قال: لقيت أبا ذر، فقال: (يا سلمة بن قيس ثلاث فاحفظها: لا تجمع بين الضرائر فإنك لن تعدل ولو حرصت، ولا تعمل على الصدقة؛ فإن صاحب الصدقة زائد وناقص، ولا تغش ذات سلطان فإنك لا تصيب من دنياهم شيئًا، إلا أصابوا من دينك أفضل منه) .
٤٦ - وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني قال: قال أبو قلابة: (أحفظ عنى ثلاث خصال: إياك وأبواب السلطان، وإياك ومجالسة أصحاب الأهواء، والزم سوقك فإن الغنى من العافية) .
لا تجالس صاحب بدعة
٤٧ - وأخرج البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد قال: (لا تجالس صاحب بدعة، ولا صاحب سلطان، ولا تخلون بامرأة) .
٤٨ - وأخرج البيهقي عن الفضل بن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا نتعلم اجتناب السلطان كما نتعلم سورة من القرآن.
٤٩ - وأخرج البيهقي عن يوسف بن أسباط قال: قال لي سفيان الثوري: (إذا رأيت القاريء يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لص، وإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنه مرائي، وإياك أن تخدع فيقال لك ترد مظلمة أو تدفع عن مظلومٍ؛ فإن هذه خدعة إبليس اتخذها للقراء سُلمًا) .
٥٠ - وأخرج البيهقي عن أبي شهاب قال: سمعت سفيان الثوري يقول لرجل: (إن دعوك لتقرأ عليهم قل هو الله أحد فلا تأتهم) قيل لأبي شهاب من تعني؟ قال: السلطان .
٥١ - وأخرج عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: أدركت بضعة عشرة رجلًا من التابعين يقولون:
(لا تأتوهم، ولا تأمروهم يعني السلطان).
إياك والأهواء والخصومة
٥٢ - وأخرج البيهقي عن أحمد بن عبيد الله قال سمعت رجلًا يسأل الشورى أوصني؟ قال:
(إياك والأهواء، وإياك والسلطان) .
٥٣ - وأخرج البيهقي عن بكر بن محمد العابد سمعت سفيان الثوري (إن في جهنم واد تستغيث منه جهنم كل يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء الزائرين السلطان) .
٥٤ - وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق هشام بن عباد قال: سمعت جعفر بن محمد يقول:
(الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتهم الفقهاء قد ركنوا إلى السلطان فاتهموهم) .
٥٥ - وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق ابن دريد عن جابر بن حيان أنه قيل له: مالك لا تأتي السلطان؟ قال: يكفيني الذي تركتهم له .
٥٦ - وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق ابن دريد عن أبي حاتم عن القعنبي عن أبيه قال: قال عيسى بن موسى:
وهو يومئذ أمير الكوفة لابن شبرمة: مالك لا تأتينا؟ قال: أصلحك الله، إن أتيتك فقربتني فتنتني، وإن أبعدتني آذيتني، وليس عندي ما أخاف عليه، وليس عندك ما أرجو فما رد عليه شيئًا .
٥٧ - وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين عن عبد الله بن السدي قال: كتب أبو بكر بن عياش إلى عبد الله بن المبارك: إن كان الفضل بن موسى الشيباني لا يداخل السلطان فاقرئه مني السلام.
٥٨ - (فصل) ذهب جمهور العلماء من السلف وصلحاء الخلف إلى أن هذه الأحاديث والآثار جارية على إطلاقها، سواء دعوه إلى المجيء، أم لا، وسواء دعوه لمصلحة دينية أم لغيرها .
٥٩ - قال سفيان الثوري: (إن دعوك لتقرأ عليهم: قل هو الله أحد، فلا تأتهم) رواه البيهقي، كما تقدم.
أحوال السلف الصالح مع الأمراء
٦٠ - وروى أبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران: أن عبد الله بن عبد الملك بن مروان قدم المدينة، فبعث حاجبه إلى سعيد بن المسيب فقال له: أجب أمير المؤمنين! قال: وما حاجته؟ قال: لتتحدث معه. فقال: لست من حداثه. فرجع الحاجب إليه فأخبره، قال: دعه .
٦١ - قال البخاري في تاريخه: (سمعت آدم بن أبي إياس يقول: شهدت حماد بن سلمة ودعاه السلطان فقال: اذهب إلى هؤلاء! لا والله لا فعلت) .
٦٢ - وقال الخطيب، عن حماد بن سلمة: أن بعض الخلفاء أرسل إليه رسولا يقول له: إنه قد عرضت مسألة، فأتنا نسألك. فقال للرسول: قل له: (إنا أدركنا أقواما لا يأتونا أحدا لما بلغهم من الحديث فإن كانت لك مسألة فاكتبها في رقعة نكتب لك جوابها).
٦٣ - وأخرج أبو الحسن بن فهر في كتاب (فضائل مالك)، عن عبد الله بن رافع وغيره قال: قدم هارون الرشيد المدينة، فوجه البرمكي إلى مالك، وقال له: احمل إليّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك). فقال للبرمكي: (أقرئه السلام وقل له: إن العلم يزار ولا يزور) فرجع البرمكي إلى هارون الرشيد، فقال له: يا أمير المؤمنين! يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك في أمر فخالفك! أعزم عليه حتى يأتيك. فأرسل إليه فقال: قل له يا أمير المؤمنين لا تكن أول من وضع العلم فيضيعك الله.
٦٤ - وقال عمار في تاريخه عن ابن منير: أن سلطان بخاري، بعث إلى محمد بن إسماعيل البخاري يقول: احمل إليّ كتاب (الجامع) و(التاريخ) لأسمع منك. فقال البخاري لرسوله: (قل له أنا لا أذل العلم، ولا آتي أبواب السلاطين فإن كانت لك حاجة إلى شيء منه، فلتحضرني في مسجدي أو في داري) .
٦٥ - وقال نعيم بن الهيصم في جزئه المشهور: (أخبرنا خلف بن تميم عن أبي همام الكلاعي، عن الحسن أنه مر ببعض القراء على بعض أبواب السلاطين، فقال: أقرحتم جباهكم، وفرطحتم نعالكم، وجئتم بالعلم تحملونه على رقابكم إلى أبوابهم؟! أما إنكم، لو جلستم في بيوتكم لكان خيرا لكم، تفرقوا فرق الله بين أعضائكم) .
٦٦ - وقال الزجاج في أماليه: (أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسن، أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمه قال: مر الحسن البصري بباب عمر بن هبيرة وعليه القراء فسلم، ثم قال: (ما لكم جلوسا قد أحفيتم شواربكم وحلقتم رؤوسكم، وقصرتم أكمامكم، وفلطحتم نعالكم! أما والله! لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم فضحتم القراء فضحكم الله).
٦٧ - وأخرج ابن النجار، عن الحسن أنه قال: (إن سركم أن تسلموا ويسلم لكم دينكم،
فكفوا أيديكم عن دماء المسلمين، وكفوا بطونكم عن أموالهم، وكفوا ألسنتكم عن أعراضهم ولا تجالسوا أهل البدع، ولا تأتوا الملوك فيلبسوا عليكم دينكم).
العلماء ثلاثة
٦٨ - وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهيب بن الورد قال: (بلغنا أن العلماء ثلاث، فعالم يتعلمه للسلاطين، وعالم يتعلمه لينفذ به عند التجار، وعالم يتعلمه لنفسه، لا يريد به إلا أنه يخاف أن يعمل بغير علم، فيكون ما يفسد أكثر مما يصلح) .
٦٩ - وأخرج أبو نعيم، عن أبي صالح الأنطاكي، قال: سمعت ابن المبارك يقول: (من بخل بالعلم ابتلى بثلاث: إما بموت فيذهب علمه، وإما ينسى، وإما يلزم السلطان فيذهب علمه).
٧٠ - وقال الخطيب البغدادي في كتاب رواه مالك: (كتب إلىّ القاضي أبو القاسم الحسن بن محمد بن الأنباري، من مصر، أنبأنا محمد بن أحمد بن المسور، نبأنا المقدام بن داود الرعيني، نبأنا علي ابن معبد، نبأنا إسحاق بن يحيى، عن مالك بن أنس رحمه الله، قال: (أدركت بضعة عشر رجلا من التابعين يقولون لا تأتوهم، ولا تأمروهم، يعني السلطان).
٧١ - وقال ابن باكويه الشيرازي في (أخبار الصوفية): (حدثنا سلامة بن أحمد التكريني أنبأنا يعقوب ابن اسحاق، نبأنا عبيد الله بن محمد القرشي، قال: كنا مع سفيان الثوري بمكة، فجاءه كتاب من عياله من الكوفة: بلغت بنا الحاجة أنا نقلي النوى فنأكله فبكى سفيان. فقال له بعض أصحابه: يا أبا عبد الله! لو مررت إلى السلطان، صرت إلى ما تريد! فقال سفيان: (والله لا أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها).
٧٢ - حدثنا عبد الواحد، نبأنا أحمد بن محمد بن حمدون، نبأنا أبو عيسى الأنباري، نبأنا، فتح بن شخرف، نبأنا عبد الله بن حسين، عن سفيان الثوري: إنه كان يقول: (تعززوا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم).
٧٣ - حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نبأنا ابن حسان، نبأنا أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان تخالف العلماء؟ فغضب وقال: (أرأيت عالمًا يأتي باب السلطان فيأخذ دراهمهم).
٧٤ - سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت محمد بن داود الدينوري يقول: سمعت أحمد بن الصلت يقول: (جاء رجل إلى بشر بن الحارث، فقال له: يا سيدي! السلطان يطلب الصالحين، فترى لي أن أختبئ؟ فقال له بشر: (جز من بين يدي، لا يجوز حمار الشوك فيطرحك علينا).
٧٥ - أخبرنا أبو العلاء، سمعت أحمد بن محمد التستري، سمعت زياد بن علي الدمشقي يقول: سمعت صالح بن خليفة الكوفي، يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: (إن فجار القراء اتخذوا سلّمًا إلى الدنيا فقالوا: ندخل على الأمراء نفرج عن مكروب ونكلم في محبوس).
١ - فضل قيام أهل العلم بصيانته.
٢ - أبو حازم الزاهد وأمراء بني أمية.
٣ - حماد بن سلمة وأمير العراق.
٤ - أحوال مخالطة السلاطين.
٥ - سفيان الثوري يعظ أبا جعفر المنصور.
٦ - ما ينبغي للعالم التحلي به.
٧ - أعز الأشياء في آخر الزمان.
٨ - كلام الشعراء في المجيء للسلاطين.
فضل قيام أهل العلم بصيانته
٧٦ - وقال أبو علي الآمدي في تعليقه: (حدثني أبو محمد جعفر بن مصعب ابن الزبير، عن جدة الزبير بن بكار، قال: حدثني أبو المكرم عقبة بن مكرم بن عقبة الضبي عن بريد بن كميت، عن عمار بن سيف، أنه سمع سفيان الثوري يقول: (النظر إلى السلطان خطيئة) .
٧٧ - وأخرج ابن باكويه، عن الفضيل بن عياض، قال: (لو أن أهل العلم أكرموا على أنفسهم وشحوا على دينهم، وأعزوا العلم وصانوه، وأنزلوه حيث أنزله الله، لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس، واشتغلوا بما يعنيهم، وعز الإسلام وأهله لكنهم استذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم؛ إذا سلمت لهم دنياهم وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا ما في أيديهم، فذلوا وهانوا على الناس) .
٧٨ - قال الآمدي: حدثني أبو العباس، قال: سمعت: قدم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان في حياة أبيه يريد الحج: فنزل في دار إسحاق بن إبراهيم فوجه إسحاق
إلى العلماء، فأحضرهم ليراهم طاهر، ويقرأ عليهم فحضر أصحاب الحديث والفقه وأحضر ابن الأعرابي، وأبا نصر صاحب الأصمعي ووجه إلى أبي عبيد القاسم بن سلام في الحضور، فأبى أن يحضر وقال: العلم يُقصد فغضب إسحاق من قوله ورسالته، وكان عبد الله بن طاهر جرى له في الشهر ألفي درهم فلم يوجه إليه إسحاق، وقطع الرزق عنه، وكتب إلى عبد الله بالخبر فكتب إليه: قد صدق أبو عبيد في قوله، وقد أضعفت الرزق له من أجل فعله فأعطاه فأته ورد عليه بعد ذلك ما يستحقه .
أبو حازم الزاهد وأمراء بني أمية
٧٩ - وأخرج ابن عساكر، من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حدثنا أبو حازم أن سليمان بن هشام بن عبد الملك قدم المدينة فأرسل إلى أبي حازم فدخل عليه فقال: فسلمت وأنا متكئ على عصاي فقيل ألا تتكلم!؟ قلت: وما أتكلم به!؟ ليست لي حاجة فأتكلم فيها، وإنما جئت لحاجتكم التي أرسلتم إليّ فيها، وما كل من يرسل إلى آتيه، ولولا الخوف من شركم ما جئتكم. إني أدركت أهل الدنيا تبعا لأهل العلم حيث كانوا، يقضي أهل العلم لأهل الدنيا حوائج دنياهم وأخراهم، ولا يستغني أهل الدنيا عن أهل العلم لنصيبهم من العلم ثم حال الزمان، فصار أهل العلم تبعا لأهل الدنيا حيث كانوا، فدخل البلاء على الفريقين جميعا. ترك أهل الدنيا النصيب الذي كانوا يتمسكون به من العلم حيث رأوا أهل العلم قد جاؤوهم، وضيّع أهل العلم جسيم ما قسم لهم باتباعهم أهل الدنيا) .
٨٠ - وأخرج ابن أبي الدنيا، والخرائطي، وابن عساكر، عن زمعة بن صالح، قال: كتب بعض بني أمية إلى أبي حازم أن يرفع إليه حوائجه، فكتب إليه: (أما بعد فقد جاءني كتابك بعزم أن ترفع حوائجي إليك وهيهات! رفعت حوائجي إلى مولاي فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني منها رضيت) .
٨١ - وأخرج ابن عساكر، عن عبد الجبار بن عبد العزيز أبي حازم عن أبيه، عن جده:
أن سليمان بن عبد الملك دخل المدينة، فأقام بها ثلاثا. فقال: ههنا رجل ممن أدرك أصحاب محمد ﷺ ويحدثنا؟ فقيل له: بلى ههنا رجل يقال له أبو حازم فبعث إليه، فجاءه، فقال له سليمان: يا أبا حازم! ما هذا الجفاء أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتني!؟ قال أبو حازم: إن الناس لما كانوا على الصواب، كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا العلم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية فسقطوا أو تعسوا أو تنسكوا ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم، لم تزل الأمراء تهابهم) .
٨٢ - وأخرج البيهقي، وابن عساكر، عن زمعة بن صالح قال: قال الزهري لسليمان أو هشام: ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء؟ قال يا أبا حازم: ما قلت في العلماء؟ قال: (وما عسيت أن أقول في العلماء إلا خيرا، إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعملهم عن أهل الدنيا، ولم تستغن أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم فلما رأى ذلك هذا وأصحابه تعلموا العلم فلم يستغنوا به واستغنى أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم.
فلما رأوا ذلك، قذفوا بعلمهم إلى أهل الدنيا ولم ينلهم أهل الدنيا من دنياهم شيئًا، إن هذا وأصحابه ليسوا علماء إنما هم رواة) .
٨٣ - وأخرج أبو نعيم، وابن عساكر، عن يوسف بن أسباط قال: أخبرنا نجم: أن بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم فأتاه، وعنده الإفريقي، والزهري وغيرهما فقال له: تكلم يا أبا حازم فقال أبو حازم: (إن خير الأمراء من أحب العلماء، وأن شر العلماء من أحب الأمراء. وكانوا فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء. فلما رأى ذلك ناس من الناس، قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء! وطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدثوهم فرخصوا لهم فخربت العلماء على الأمراء، وخربت، الأمراء على العلماء .
٨٤ - وأخرج البيهقي في (الزهد)، وابن عساكر، عن سفيان: قال: قال بعض الأمراء لأبي حازم: ارفع إلي حاجتك قال: هيهات!
هيهات! رفعتها إلى من لا تختزن الحوائج دونه، فما أعطاني منها قنعت، وما زوى عني منها رضيت، كان العلماء فيما مضى يطلبهم السلطان وهم يفرون منه، وأن العلماء اليوم طلبوا العلم حتى إذا جمعوه بحذافيره، أتوا به أبواب السلاطين، والسلاطين يفرون منهم، وهم يطلبونهم) .
٨٥ - وأخرج ابن عساكر، عن محمد بن عجلان المدني، قال: أرسل سليمان بن هشام إلى أبي حازم، فقال له: تكلم! قال: (ما لي من حاجة أتكلم بها، ولولا اتقاء شركم ما جئتكم لقد أتى علينا زمان وإنما الأمراء تطلب العلماء فتأخذ مما في أيديهم فتنتفع به، فكان في ذلك صلاح للفريقين جميعا، فطلبت اليوم العلماء الأمراء وركنوا إليهم واشتهوا ما في أيديهم، فقالت الأمراء ما طلب هؤلاء ما في أيدينا حتى كان ما في أيدينا خيرا مما في أيديهم، فكان في ذلك فساد للفريقين كليهما) فقال سليمان بن هشام: صدقت .
٨٦ - وأخرج ابن عساكر، من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي قال: حدثنا أبو سعيد الأصمعي، عن أبي الزناد، عن أبيه، قال: (كان الفقهاء كلهم بالمدينة يأتون عمر بن عبد العزيز، خلا سعيد بن المسيب؛ فإن عمر كان يرضى أن يكون بينهما رسول، وكنت الرسول بينهما .
٨٧ - وأخرج ابن عساكر، عن الأوزاعي، قال: قدم عطاء الخراساني على هشام بن عبد الملك فنزل على مكحول، فقال عطاء لمكحول: ههنا أحد يحركنا؟ - يعني يعظنا - قال: (نعم، يزيد بن ميسرة فأتوه، فقال له عطاء: حركنا رحمك الله،
قال: نعم، كانت العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا) قال: أعد علي، فأعاد عليه. فرجع ولم يلق هشاما .
حماد بن سلمة وأمير العراق
٨٨ - وأخرج الخطيب وابن عساكر، عن مقاتل بن صالح الخراساني قال: دخلت على حماد بن سلمة، فبينا أنا عنده جالس؛ إذ دق داق الباب فقال: (يا صبية أخرجي فانظري من هذا! فقالت: هذا رسول محمد بن سليمان الهاشمي - وهو أمير البصرة والكوفة - قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وسلم فناوله كتابه، فقال: اقرأه فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان إلى حماد بن سلمة. أما بعد: فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته. وقعت مسألة فأتينا نسألك عنها) فقال: (يا صبية هلمي الدواة!) ثم قال: لي: (اقلب الكتاب وكتب: أما بعد فقد صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدا؛ فإن وقعت مسألة فأتنا فاسألنا عما بدا لك! وإن أتيتني، فلا تأتني إلا وحدك، ولا تأتني بخيلك ورجلك، فلا أنصحك ولا أنصح نفسي، والسلام) فبينما أنا عنده؛ إذ دق داق الباب فقال: (يا صبية أخرجي فانظري من هذا!) قالت: (هذا محمد بن سليمان، قال: (قولي له يدخل وحده) فدخل، فسلم ثم جلس بن يديه، ثم ابتدأ، فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت رعبا!؟ فقال حماد:
(سمعت ثابت البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإذا أراد به أن يكثر به الكنوز، هاب من كل شيء) وذكر بقية القصة.
٨٩ - [[وأخرج ابن النجار في تاريخه عن مفلح بن الأسود، قال: قال المأمون ليحيى بن أكثم: إني أشتهي أن أرى بشر بن الحارث. قال: إذا اشتهيت يا أمير المؤمنين، فإلى الليلة ولا يكون معنا بشر. فركبا، فدق يحيى الباب فقال بشر: من هذا؟ قال: من تجب عليك طاعته. قال: وأي شيء تريد؟ قال: أحب لقاك فقال بشر: طائعا أو مكرها قال: ففهم المأمون، فقال ليحيى: اركب فمر على رجل يقيم الصلاة صلاة العشاء الآخرة فدخلا يصليان فإذا الإمام حسن القراءة فلما أصبح المأمون وجه إليه، فجاء به فجعل يناظره في الفقه، وجعل الرجل يخالفه، ويقول: القول في هذه المسألة خلاف هذا فغضب المأمون. فلما كثر خلافه قال: (عهدي بك، كأنك تذهب إلى أصحابك فتقول: خطأت أمير المؤمنين. فقال: والله يا أمير المؤمنين إني لأستحي من أصحابي أن يعلموا أني جئتك! فقال المأمون: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من يستحي أن يجيئني، ثم سجد لله شكرا. والرجل إبراهيم بن إسحاق الحربي.
(وأخرج ابن النجار في تاريخه عن سفيان الثوري قال: (ما زال العلم عزيزا، حتى حمل إلى أبواب الملوك فأخذوا عليه أجرا، فنزع الله الحلاوة من قلوبهم ومنعهم العلم به).
وأخرج البيهقي في (شعب الإيمان) عن بشر الحافي قال: (ما أقبح أن يطلب العالم، فيقال: هو بباب الأمير).
وأخرج أيضًا عن الفضيل بن عياض، قال: إن آفة القراء العجب، واحذروا أبواب الملوك فإنها تزيل النعم فقيل: كيف؟ قال: الرجل يكون عليه من الله نعمة ليست له إلى خلق حاجة فإذا دخل إلى هؤلاء فرأى ما بسط لهم في الدور والخدم استصغر ما هو فيه من خير ثم تزول النعم).]] (*)
أحوال مخالطة السلاطين
٩٠ - عقد الغزالي في (الإحياء) بابا في مخالطة السلاطين، وحكم غشيان مجالستهم، والدخول عليهم، قال فيه: (اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة، ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: وهي شرها، أن تدخل عليهم.
والثانية: وهي دونها أن يدخلوا عليك.
والثالثة: - وهي الأسلم -: أن تعتزل عنهم، ولا تراهم ولا يروك.
أما الحالة الأولى: وهي الدخول عليهم، فهي مذمومة جدا في الشرع وفيه تغليظات وتشديدات تواردت بها الأخبار والآثار فننقلها لتعرف ذم الشرع له. ثم نتعرض لما يحرم منه، وما يباح وما يكره، على، ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم) ثم سرد كثيرا من الأحاديث والآثار التي سبق ذكرها .
ومما أورده مما لم يسبق له ذكر:
٩١ - (قال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك).
٩٢ - وقال الأوزاعي: (ما شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا).
وقال إسحاق: (ما أسمج بالعالم يؤتى مجلسه ولا يوجد فيسأل عنه فيقال: إنه عند الأمير. وكنت أسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم يزور السلطان فاتهموه على دينكم. أنا ما دخلت قط على هذا إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرمي عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم). وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول: (إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين).
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين الحاصرات ورد في المطبوع هكذا: [وأخرج ابن النجار في تاريخه عن مفلح بن الأسود، قال: قال المأمون: ما زال العلم عزيزا، حتى حمل إلى أبواب الملوك فأخذوا عليه أجرا، فنزع الله الحلاوة من قلوبهم ومنعهم العلم به]، ا. هـ، وهو خلط وسقط كما يظهر من النص الكامل أعلاه
٩٣ - وقال وهب: (هؤلاء الذين يدخلون على الملوك، لهم أضر على الأمة من المقامرين). وقال محمد ابن مسلمة: (الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء)
٩٤ - ولما خالط الزهري السلطان كتب له أخ في الدين: (عافانا الله وإياك يا أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن يعرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه ﷺ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء. واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت، أنك أنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذك قطبا تدور عليك رحايا ظلمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويغتالون بك قلوب الجهال، فما أيسر ما عمروا لك
في جنب ما أخربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: (فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعوا الصَلواةَ وَاِتَبَعوا الشَهَواتِ) ، وإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم وهيء زادك فقد حضره سفر بعيد، وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء والسلام).
قال: (فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد ولكنا نفصل ذلك تفصيلا فقهيا، نميز فيه المحظور عن المكروه والمباح.
فنقول: الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله إما بفعله، وإما بسكوته، وإما بقوله، وإما باعتقاده ولا ينفك عن أحد هذه الأمور.
أما الفعل: فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دار مغصوبة، وتخطيها والدخول فيها بغير إذن المالك حرام
والتواضع للظالم لا يباح إلا بمجرد السلام. فأما تقبيل اليد والانحناء في الخدمة فمعصية.
وقد بالغ بعض السلف، حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام. والإعراض عنهم استحقارا لهم من محاسن القربات. والجلوس على بساطهم؛ إذا كان أغلب أموالهم حراما، لا يجوز.
وأما السكوت فإنه يرى في مجلسهم من الفرش الحرير، وأواني الفضة والحرير والملبوس عليهم، وعلى غلمإنهم ما هو حرام. وكل من رأى سيئة وسكت عليها، فهو شريك في تلك السيئة. بل يسمع من كلامهم ما هو فحش، وكذب وشتم، وإيذاء، والسكوت عن جميع ذلك حرام. فإن ما هو فحش، وكذب وشتم، وإيذاء، والسكوت عن جميع ذلك حرام. فإن قلت: إنه يخاف على نفسه، وهو معذور في السكوت فهذا حق ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر؛ فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة، حتى يسقط
عنه بالعذر. ومن علم فسادا في موضع، وعلم أنه لا يقدر على إزالته لا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه، وهو يشاهده ويسكت بل يحتزر عن مشاهدته.
وأما القول: فإنه يدعو للظالم، أو يثني عليه، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه أو يظهر له الحب والموالاة، والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول عمره وبقائه.
فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام، بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذا الإمام.
وأما دعاؤه فلا يحل له إلا أن يقول: (أصلحك، أو وفقك الله للخيرات أو طول الله عمرك في طاعته) أو ما يجري في هذا المجرى. فأما الدعاء له بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة، مع الخطاب بالمولى وما في معناه، فغير جائز، وقال ﷺ: (من دعى لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه) . فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فيذكر ما ليس فيه، فيكون كاذبا أو منافقا أو مكرمًا
لظالم. وهذه ثلاث معاص، وقد قال ﷺ: (إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق) .
وفي خبر آخر: (من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام) فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول، والتزكية على ما يعمل، كان عاصيا بالتصديق وبالإعانة. فإن التزكية، والثناء إعانة على المعصية وتحريك للرغبة فيها كما أن التكذيب والمذمة والتقبيح زجر عنه وتضعيف لدواعيه. والإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة. وقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية: هل يسقى شربة ماء؟ فقال: (لا. دعه يموت فإن ذلك إعانة له). وأيضا فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر إلى توسعه في النعمة ويزدري نعمة الله عليه ويكون مقتحما نهي رسول الله ﷺ حيث قال: (يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق) . وهذا مع ما فيه من اقتداء غيره في الدخول، ومن تكثير سواد الظلمة بنفسه وتحميله إياهم إن كان
ممن به وكل ذلك إما مكروهات أو
محظورات فلا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين.
أحدهما: أن يكون من جهتهم أمر إلزام، لا إكرام، وعلم أنه لو امتنع أوذي.
والثاني: أن يدخل عليهم في دفع الظلم عن مسلم، فذلك رخصة بشرط أن لا يكذب، ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا).
ثم قال: (فإن قلت: فلقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول: نعم تعلم الدخول منهم، ثم أدخل عليهم! فقد حكي: أن هشام بن عبد الملك، قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة) فقيل: يا أمير المؤمنين! فقد تفانوا قال: من التابعين. فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه، خلع نعليه بحاشية البساط، ولم يسلم بإمرة المؤمنين، ولكن قال: (السلام عليك يا هشام!) ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: (كيف أنت يا هشام!) فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله وقال له: (ما حملك على ما صنعت؟!) قال: (وما الذي صنعت؟!). فازداد غضبا وغيظا، فقال: (خلعت نعلك بحاشية بساطي، وما قبلت يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، ولم تكنني وجلست بإزاي بغير إذن، وقلت: (كيف أنت يا هشام؟) فقال: أما قولك: (خلعت نعلي، بحاشية بساطك، فأنا أخلعها بين يدي رب العالمين كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي. وأما قولك: (لم تقبل يدي فإني سمعت علي بن أبي طالب قال: (لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد، إلا امرأته بشهوة أو ولده برحمة). وأما قولك: لم تسلم بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راض بإمرتك، فكرهت أن أكذب.
وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى سمى أولياءه وقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى وكني أعداءه فقال: (تَبَّت يَداَ أَبي لَهَبٍ) وأما قولك: جلست بإزائي فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: (إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، انظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام)
فقال هشام: عظني؟.
قال: (سمعت علي بن أبي طالب يقول: (إن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته) ثم قام وخرج .
٩٥ - وعن سفيان الثوري قال: (دخلت على أبي جعفر بمنى، فقال لي: ارفع حاجتك؟ فقلت له: (اتق الله! فإنك قد ملأت الأرض جورا وظلما). قال: فطأطأ رأسه، ثم رفع وقال: ارفع لنا حاجتك؟ فقلت: (إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعا، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم). قال: فطأطأ رأسه ثم رفع وقال: ارفع إلينا حاجتك؟ قلت: (حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهما، وأرى ها هنا أمورا لا تطيق الجمال حملها) .
فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا أكرهوا فكانوا يفرون بأرواحهم في الله أعني علماء الآخرة، فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم، فيدلونهم على الرخص، ويستنبطون بدقائق الحيل السعة فيما يوافق أغراضهم) انتهى كلام الغزالي ملخصا.
٩٦ - وفي (أمالي) الشيخ عز الدين بن عبد السلام التي علقها عنه تلميذه الشيخ شهاب الدين القرافي أحد أئمة المالكية، ما نصه: (ومن جملة كلامه - يعني الشيخ عز الدين رضي الله عنه وقد كتب إليه بعض أرباب الدولة يحضه على الاجتماع بملك وقتهم، والتردد إليه ليكون ذلك مقيما لجاهه وكاتبا لعدوه. فقال رضي الله عنه: (قرأت العلم لأكون سفيرًا بين الله وبين خلقه، وأتردد إلى أبواب هؤلاء!) قال القرافي: (فأشار رضي الله تعالى عنه إلى من حمل العلم، فقد صار ينقل عن الله إلى عباده، فهو في مقام الرسالة ومن كان له هذا الشرف لا يحسن منه ذلك).
ما ينبغي للعالم التحلي به
٩٧ - وقال ابن الحاج في (المدخل): (ينبغي للعالم، بل يتعين عليه أن لا يتردد لأحد من أبناء الدنيا؛ لأن العالم ينبغي أن يكون الناس على بابه، لا عكس الحال أن يكون هو على بابهم ولا حجة له في كونه يخاف من عدو أو حاسد وما أشبههما بمن يخشى أن يشوش عليه، أو يرجو أحد منهم دفع شيء مما يخشاه أو يرجو أن يكون ذلك شيئًا لقضاء حوائج المسلمين من جلب مصلحة لهم أو دفع مضرة عنهم فهذا ليس فيه عذر ينفعه. أما الأول: فلأنه إذا أخذ ذلك بإشراف نفس لم يبارك فيه. وإذا كان خائفا مما ذكر، فذلك أعظم من إشراف النفس، وقد يسلط عليه من يتردد إليه في مصلحة عقوبة له معجلة. وأما الثاني: فهو يرتكب أمرا محظورا محققا لأجل محذور مظنون توقعه في المستقبل. وقد يكون، وقد لا يكون وهو مطلوب في الوقت بعدم ارتكاب ذلك الفعل المذموم شرعا، بل الإعانة على قضاء حوائجه وحوائج المسلمين إنما هو بالانقطاع عن أبواب هؤلاء، والتعويل على الله سبحانه والرجوع إليه فإنه سبحانه هو القاضي للحوائج، والدافع للمخاوف، والمسخر لقلوب الخلق، والمقبل بها على ما شاء، كيف شاء. قال تعالى خطابا لسيد الخلق: (لَو أَنفَقتَ ما في الأَرضِ جَميعًا مّا أَلَّفتَ بَينَ قُلوبِهِم وَلَكِنَّ اللَهَ أَلَّفَ بَينَهُم) . فذكر سبحانه هذا في معرض الامتنان على نبيه ﷺ. والعالم إذا كان متبعا له عليه أفضل الصلاة والسلام سيما في التعويل على ربه سبحانه والسكون إليه دون مخلوقاته فإنه سبحانه يعامله بهذه المعاملة اللطيفة التي عامل نبيه ﷺ، ولبركة الاتباع له صلى الله عليه ويسلم بذلك من التردد إلى أبواب هؤلاء كالذي يفعله بعض الناس، وهو سم قاتل. ويا ليتهم لو اقتصروا على ما ذكر لا غير. بل يضمون إلى ذلك ما هو أشد وأشنع، وهو أنهم يقولون أن ترددهم إلى أبوابهم من باب التواضع، أو من باب إرشادهم إلى الخير إلى غير ذلك مما يخطر لهم، وهو كثير قد عمت به البلوى،
وإذا اعتقدوا ذلك فقد قل الرجاء من توبتهم ورجوعهم. وقد نقل بعض علمائنا أن العدل إذا تردد إلى باب القاضي يكون ذلك حرجة في حقه وترد به شهادته. فإذا كان هذا في التردد إلى باب القاضي وهو عالم من علماء المسلمين، سالم مجلسه مما يجري من مجالس هؤلاء، فكيف التردد إلى غير القاضي، فمن باب أولى وأوجب المنع من ذلك).
وقال في موضع آخر: (ينبغي للعالم أنه إذا قطع عنه معلوم المدرسة لا يترك ما كان منه من الاجتهاد ولا يتبرم، ولا يضجر لأنه قد يكون المعلوم قد قطع عنه اختبارا من الله تعالى لكي يرى صدقه في علمه وعمله؛ فإن رزقه مضمون له لا ينحصر في جهة غير أخرى. قال عليه الصلاة والسلام: (من طلب العلم تكفل الله برزقه) .
٩٩ - ومعناه يسره له من غير تعب ولا مشقة، وإن كان الله تعالى تكلف برزق الخلق أجمعين، لكن حكمة تخصيص العالم بالذكر أن ذلك ييسر له بلا تعب، ولا مشقة، فجعل نصيبه من التعب والمشقة في الدرس والمطالعة والتفهم للمسائل وإلقائها وذلك من الله تعالى على سبيل اللطف به والإحسان إليه وهذا من كرامات العلماء، أعني فهم المسائل وحسن إلقائها، والمعرفة بسياسة الناس في تعلمها، كما أن كرامات الأولياء فيها أشياء أخرى يطول
تعدادها مثل المشي على الماء والطيران في الهواء. وينبغي له أن يصون هذا المنصب الشريف من التردد لمن يرجى أن يعين على إطلاق المعلوم، أو التحدث فيه أو إنشاء معلوم عوضه. وقد حدثني من أثق به أنه رأى بعض العلماء، وكان يدرس في مدرسة وانقطع المعلوم عنه وعن طلبته فقالوا للمدرس: لعلك أن تمشي إلى فلان! وكان من أبناء الدنيا لتجتمع به عسى أن يأمر بإطلاق المعلوم فقال: (والله إني لأستحي من ربي عز وجل أن تكذب هذه الشيبة عنده) فقالوا له: وكيف ذلك!؟ فقال: (إني أصبح كل يوم، أقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) فأقول هذا وأقف بين يدي مخلوق أسأله في ذلك والله لا فعلته) والعالم
أولى من يثق بربه عز وجل في المنع والعطاء، ولا عذر له في الطلب لأجل العائلة لأنه إن ترك ذلك تقية على هذا المنصب الشريف لم يضيع الله الكريم قصده وأتاه به أو فتح له من غيبه ما هو أحسن له من ذلك وأعانه وسد خلته على ما شاء، كيف شاء، وليس رزقه بمخصوص في جهة بعينها، وعادة الله أبدا المستمرة على أنه سبحانه وتعالى يرزق من هذا حاله
من غير باب يقصده، أو يؤمله؛ لأن مراد الله تعالى من العلماء انقطاعهم إليه، وتعويلهم في كل أمورهم عليه، ولا ينظرون إلى الأسباب وإلى مسبب الأسباب ومدبرها، والقادر عليها، وكيف لا يكون العالم كذلك وهو المرشد للخلق والموضح الطريق المستقيم للسلوك إليه سبحانه، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرا منه من حيث لا يحتسب) انتهى.
١٠٠ - وفي (طبقات الحنفية) في ترجمة علي بن الحسن الصندلي: (أن السلطان ملك شاة قال له: (لم لا يجيء إلي؟ قال: أردت أن تكون من خير الملوك، حيث تزور العلماء، ولا أكون من شر العلماء حيث أزور الملوك).
١٠١ - وقال ابن عدي في (الكامل): (سمعت أبا الحسين محمد بن المظفر يقول: سمعت مشائخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدم والإمامة ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل، ومواظبته على الاجتهاد، وأنه خرج إلى الغزو مع والي مصر فوصف من شهامته، وإقامته السنن المأثورة، واحترازه عن
مجالسة السلطان الذي خرج معه ولم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد رضي الله عنه.
وفي (تهذيب الكمال) للمزي في ترجمة أبي يحيى أحمد بن عبد الملك الحراني شيخ البخاري، ما نصه: (قال أبو الحسن الميموني: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: (قد كان عندنا ورأيته كيسا، وما رأيت به بأسا، رأيته حافظا لحديثه، وما رأيت إلا خيرا فقلت: رأيت جماعة يسيئون الثناء عليه. قال: هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له) .
أعز الأشياء في آخر الزمان
١٠٣ - وفي (تهذيب الكمال) أيضًا بسنده عن رشدين بن سعد قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: سمعت (أعز الأشياء في آخر الزمان ثلاثة: أخ في الله يؤتسى وكسب درهم من حلال، وكلمة حق عند سلطان) .
كلام الشعراء في المجيء للسلاطين
١٠٤ - وعن خلف بن تميم قال: سمعت إبراهيم بن أدهم ينشد:
أَرى أُناسًا بِأَدنى الدينِ قَد قَنَعوا ... وَلا أَراهُم رَضوا في العَيشِ بِالدونِ
فَاِستَغنِ بِاللَهِ عَن دُنيا المُلوكِ ... كَما اِستَغنى المُلوكُ بِدُنياهُم عَنِ الدينِ
١٠٥ - وقال الشاسي في أماليه: (حدثنا أبو بكر ابن الأنباري، حدثني أبي قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخيل بن أحمد بمائة ألف درهم،
وسأله في صحبته فرد عليه المائة ألف وكتب إليه بأبيات:
أَبلِغ سُلَيمانَ أَنّي عَنهُ في سَعَةٍ ... وَفي غِنى غَيرَ أَنّي لَستُ ذا مالِ
سَخِيٌّ بِنَفسي أَنّي لا أَرى أَحَدًا ... يَموتُ هُزلًا وَلا يَبقى عَلى حالِ
فَالرِزقُ عَن قَدرٍ لا العَجزِ يُنقِصُهُ ... وَلا يَزيدَكَ فيهِ حَولَ مُحتالِ
وَالفَقرُ في النَفسِ لا في المالِ تَعرِفُهُ ... وَمِثلُ ذاكَ الغِنى في النَفسِ لا المالِ
١٠٦ - وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن محمد بن وهيب بن هشام قال: أنشدني بعض أصحابي لابن المبارك رحمه الله تعالى:
كُلِ الجاوُرسَ وَالأَرُزَ ... بِالخُبزِ الشَعيرِ
وَاِجعَلَن ذلِكَ طَعامًا ... تَنجُ مِن حَرِّ السَعيرِ
وانأى ما استطعت هدا ... ك الله عن باب الأمير
١٠٧ - وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن أحمد بن جميل المروزي قال: قيل لعبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه أن إسماعيل بن علية قد ولي الصدقات فكتب إليه ابن المبارك:
يا جاعِلَ العِلمِ لَهُ بازِيًا ... يَصطادُ أَموالَ المَساكينِ
اِحتَلتَ الدُنيا وَلَذّاتَها ... بِحيلَةٍ تَذهَبُ بِالدَينِ
فَصِرتَ مَجنونًا بِها بَعدَما ... كُنتَ دَواءً لِلمَجانينِ
أَينَ رِوايَتُكَ في سَردِها ... لِتَركِ أَبوابِ السَلاطينِ
أَينَ رِوايَتُكَ فيما مَضى ... عَنِ اِبنِ عَونِ وَاِبنِ سيرينِ
إِن قُلتُ أُكرِهتُ فَذا باطِلٌ ... زَلَّ عَمّارُ العِلمِ في الطينِ
قال: فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى .
١٠٨ - ونظير هذا ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق البيهقي، عن الحاكم قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، نبأنا علي بن الحسن بن حبيب الدمشقي، قال: سمعت الناقوسي، وكان من أهل القرآن والعلم، قال سمعت محمد بن عبد الله بن الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: (كان لي صديق يقال له حصين، وكان يبرني ويصلني فولاه أمير المؤمنين السيبن، قال فكتب إليه:
خُذها إِلَيكَ فَإِنَّ وُدَّكَ طالِقٌ ... مِنّي وَلَيسَ طَلاقُ ذاتِ البَينِ
فَإِنِ اِرعَوَيتَ فَإِنَّها تَطليقَةٌ ... وَيَدومُ وُدُّكَ عَلى ثِنتَينِ
وَإِنِ اِلتَوَيتَ شَفَعتَها بِمِثالِها ... وَتَكونُ تَطليقَتَينِ في حَيضَينِ
فَإِذا الثَلاثُ أَتَتكَ مِنّي طائِعًا ... لَم تُغنِ عَنكَ وِلايَةَ البَحرَينِ
لَم أَرضَ أَن أَهجُرَ حَصينًا وَحدَهُ ... حَتّى اِسوَدَّ وَجهُ كُلِّ حَصينِ
١٠٩ - وأخرج أبو نعيم عن محمد بن وهب، قال: أنشدني بعض أصحابنا لابن المبارك:
أَلا اِقتَدَيتُم بِسُفيانَ وَمِسعَرِكُم ... وَبِاِبنِ مَغولٍ إِذ يَجمَعهُمُ الوَرَعُ
وَبِالتَقِيِّ أَخي طَيءّ فَرابِعُهُم ... زَينُ البِلادِ جَميعًا خَيرُةُ فَرِعُ
مِثلُ الفِراخِ تَراهُم في تَهَجُّدِهِم ... سُهدُ العُيونِ فَلا غُمضٌ وَلا هَجَعُ
جُلَّسُ البُيوتِ جُثومًا في مَنازِلِهِم ... إِلاّ النَوائِبَ أَو تُزعِجهُمُ الجُمَعُ
خُمصُ البُطونِ مَعَ الأَكبادِ جائِعَةٌ ... لا يَطمَعونَ حَرامًا خِشيَةَ الفَزَعِ
لِلناسِ هَمّ وَهُمُّ القَومِ أَنفُسُهُم ... عِندَ الحَصادِ القَومُ ما زَرَعوا
وقال بعضهم:
هَيهاتَ اِغتَر بِالسُلطانِ تَأتيهِ ... قَد ضَلَّ والِجُ أَبوابَ السَلاطينِ
وقال الإمام أبو القاسم الشاطبي صاحب القصيدة المشهورة:
يَلومونَني إِذ ما وَجَدتُ مُلائِمًا ... وَمالي مُليمًا حينَ سِمتُ الأَكارِما
وَقالوا تَعَلَّمَ العُلومَ نِفاقَها ... بِسِحرِ نِفاقٍ يَستَحِقُّ العَزائِما
وَقَلِّب جِناها حَولًا قَلبًا بِما ... يُدني أُنوفَ الشامِخاتِ رَواغِما
وَلا بُدَّ مِن مالٍ بِهِ العِلمُ يُعتَلى ... وَجاهٍ في الدُّنيا يَكُفُّ المَظالِما
وَلَولا مَصابيحُ السَلاطينِ لَم تَجِد ... عَلى ظُلُماتِ السّبيلِ بِالحَقِ قائِما
فَخالِطهُم وَاِصبِر لِذُلِّ حُجّابِهِم ... تَنَل بِهِم عِزًّا يُسَمّيكَ عالِمًا
وقال الجمال اللغوي في كتاب (المعجب) ومن خطه نقلت: أخبرني بعض الفضلاء: أن الأمير عز الدين حرسك بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه للحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه هذه الأبيات وهي قوله:
قُل لِلأَميرِ مَقالَةً ... مِن ناصِحٍ فَطنٍ نَبيهِ
إِنَّ الفَقيهَ إِذا أَتى ... أَبوابَكُم لا خَيرَ فيهِ
وفي (التذييل) للبدر النابلسي: قال سعيد بن إبراهيم بن عبد ربه وقد انقبض عن الملوك في آخر عمره:
أَمِن بَعدِ غَوصي في عُلومِ الحَقائِقِ ... وَطولِ اِنبِساطي في مَذاهِبِ خالِقِ
وَفي حينِ إِشرافي عَلى مَلَكوتِهِ ... أَرى طالِبًا رِزقًا إِلى غَيرِ رازِقي
وَقَد أَذِنَت نَفسي بِتَفويضِ خِلِّها ... وَأَسرَعَ في سوقي إِلى المَوتِ سابِقي
دونَكَ يا مَن يَرى النُصحَ ذِلَةً ... اِستَوسَعَ فيكَ الشامِتينَ المَراجِما
إِذ لَعِبَت صِبيانُهُم بِكَ وَاِبتَغَت ... شُيوخُهُم فيكَ الصُروفَ الفَواتِحا
فَقُلتُ مُجيبًا لَيسَ يُسعِدُني سِوى ... نَجى الحَشا وَالدَمعُ يَنهَلُ حاجِما
إِلى اللَهِ أَشكو وَحدَتي في مَصائِبي ... وَهَذا زَمانُ الصَبرِ لَو كُنتُ حازِما
وَكَم زَفَرٌ تَحتَ الضُلوعِ لَهيجُها ... حَكيمٌ يَبيعُ العِلمَ بِالجورِ حاكِما
وَكَأَنَّ جِنابَ العِلمِ يَسمو بِأَهلِهِ ... إِلى أَطيَبَ أَنفاسِ الحَياةِ تَواسِما
يَرُدّونَ دُرتَ بِهِ زَهرَةَ الدُنيا إِلى ... نَجعَةِ الأُخرى فَيَرتادُ حائِما
١١٠ - وقال الحافظ أبو نصر بن ما كولا:
تَجَمَّعَت أَبوابُ المُلوكِ لآِتي ... عَلِمتُ بِما لَم يَعلَمِ الثَقِلانِ
رَأَيتُ سُهَيلًا لَم يَحُد عَن طَريقِهِ ... مِنَ الشَمسِ إِلاّ مِن مَقامِ هَوانِ
١١١ - وقال بعضهم مفرد:
هيهات اعتز بالسلطان نائبه ... فقد ضل والج أبواب السلاطين
[[وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن زيد بن أسلم قال: كنت مع أبي حازم فأرسل إليه عبد الرحمن بن خالد الأمير أن ائتنا حتى نسألك وتحدثنا.
فقال أبو حازم: (معاذ الله أدركت أهل العلم لا يحملون العلم لأهل الدنيا فلن أكون أول من فعل ذلك فإن كان لك حاجة، فأبلغنا) فأرسل إليه عبد الرحمن قد ازددت عندنا بهذا كرامة.
انتهى وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.]] (*)
حدث خطأ في تحميل الصفحة
؟
ندب الله عز وجل إليه فعلاً وقولاً وخلقاً، قال الله تعالى " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى " " النحل: 90 " وقال سبحانه: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين " " المائدة 42 " وكفى شرفاً فضيلة يحب الله فاعلها. وقال عز وجل: " وإذا قلتم فاعدلوا " " والأنعام: 152 " وقال تبارك وتعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً " " الفرقان: 67 " والآيات في ذلك وفي ذم الجور والوعيد عليه أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى " ألا لعنة الله على الظالمين " هود: 18 " وقال عز وجل " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً " " الجن: 15 " وقال سبحانه " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار " " إبراهيم: 42 " قيل هذه تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. وقال تعالى: " إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا " " الكهف: 29 " وقال تعالى: " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " " الشعراء: 227 " . ومن أمره بالعدل قوله سبحانه " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " " ص: 26 " .
وسئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: من أفضل الناس؟ قال: أكثرهم ذكراً لله؛ قيل فمن أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله؛ قيل: فمن المؤمن؟ قال: من يخشى الله بالغيب، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويؤدي الأمانة إلى أهلها، ويتقي دعوة المظلوم، ويعدل لسانه عند الرضى والغضب.
وقال له رجل: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر.
وقال صلى الله عليه وعلى آله: أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام جائر. وفي لفظ آخر: إن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر.
(1/330
وقال صلى الله عليه وسلم: لا قدست أمة لا تأخذ للضعيف حقه غير متعتع.
وروي عن عبادة بن الصامت أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وعلى أن نقول الحق أيضاً حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى الله منه ولزمه الشيطان.
وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله أنه قال: إن الله نظر إلى أهل عرفات فباهى بهم الملائكة، فقال: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق، فاشهدوا أني قد غفرت لهم إلا التبعات التي بينهم.
وقال صلى الله عليه وعلى آله: رحم الله عبداً كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال، فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم ليس معه دينار ولا درهم.
وعنه صلى الله عليه وعلى آله أنه قال: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله فقال: أرأيت إن ضربت بسيفي هذا في سبيل الله محتسباً مقبلاً غير مدبر، أتكفر خطاياي؟ قال: نعم. فلما أدبر قال: تعال، هذا جبريل عليه السلام يقول إلا أن يكون عليك دين.
وقال صلى الله عليه وعلى آله: من اقتطع حق امرئ مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل: يا رسول الله ولو كان شيئاً يسيراً؟ قال: ولو كان قضيباً من أراك.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله تقاضاه فأغلظ له، فهم أصحابه، فنهاهم وقال: ألا كنتم مع الطالب؟ ثم قال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً، واشتروا له بعيراً. فلم يجدوا له إلا فوق سنه فقال: اشتروا له فوق سنه، فأعطوه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخذت حقك؟ قال: نعم، قال: كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء.
وقيل: مر علي عليه السلام في سوق الكوفة ومعه الدرة، وهو يقول: يا معشر التجار، خذوا الحق وأعطوا الحق تسلموا، لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره، ما منع مال من حق إلا ذهب في باطل أضعافه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغبطن ظالماً بظلمه فإن له عند الله طالباً حثيثاً ثم قرأ " كلما خبت زدناهم سعيراً " " الإسراء: 97 " .
وقال عليه السلام: يا علي إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل حقه، وإن الله لا يمنع من ذي حق حقه.
وقال صلى الله عليه وسلم: من روع مسلماً لرضى سلطان جيء به معه يوم القيامة.
وقال صلى الله عليه وعلى آله: من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان، ومن أدان ديناً لا ينوي أن يقضيه فهو سارق.
قال الأحنف: إذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله على عقوبتك، وانتقام الله لهم منك، وذهاب ما أتيت إليهم عليك.
ويقال: ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقيقا على الله أن يزيلها.
وقال أبو سعيد: بينما النبي صلى الله عليه وعلى آله يقسم شيئاً إذ أكب عليه رجل فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم بعرجون معه، فصاح الرجل، فقال له النبي الله عليه وعلى آله: تعال فاستقد، فقال الرجل: بل قد عفوت يا رسول الله.
وخبر عكاشة مشهور وله موضع آخر من هذا الكتاب.
وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام.
وقال صلى الله عليه وسلم: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد حاد الله في ملكه، ومن أعان على خصومة بغير علم فقد باء بسخط الله.
وقال صلى الله عليه وسلم: من أعان على باطل ليدحض بباطله حقاً برئ من ذمة الله وذمة رسوله.
قال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله.
وروي عن جعفر بن محمد أنه قال: قال الله عز وجل: وعزتي لأجيبن دعوة المظلوم وإن كان كافراً، كفره على نفسه وإزالة الظلم علي.
وعنه قال: ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: أي رب، عبدك! ظلمت فلم أنتصر إلا بك، إلا قال الله عز وجل: لبيك عبدي حقاً، لأنصرنك ولو بعد حين.
وروي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله جلس بين يديه وقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يخونونني ويعصونني ويكذبونني، فأين أنا منهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان ذلك بقدر ذنوبهم كان ذلك كفافاً لا لك ولا عليهم، وإن كان أكثر من ذنوبهم اقتص لهم منك. فبكى الرجل، فقال صلى الله عليه وسلم: أما تقرأ " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " " الأنبياء: 47 " فقال الرجل: والله يا رسول الله ما لي في صحبة هؤلاء من خير، أشهدك أنهم أحرار كلهم.
قيل أوحى الله إلى نبي إسرائيل أن مر ملوك بني إسرائيل أن ينزلوا الجدب وينزلوا الرعية الخصب، ويشربوا الرنق ويسقوا الرعية السفو، وإلا حاسبتهم بالذرة والشعرة.
سأل الاسكندر حكماء أهل بابل: أيما أبلغ عندكم الشجاعة أم العدل؟ قالوا: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة.
ويقال: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان.
وتزعم الفرس أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور كان عادلاً إلا أنه كان مشؤوماً على رعيته، فقحط الناس في زمانه سنين، وغارت الأنهار والعيون والقني، وقحلت الشجار والغياض، وتماوتت الوحوش والطيور، وصارت الدواب والأنعام لا تطيق حمولة، فأحسن إلى الناس، وكف عن الجباية، وقسم ما في بيت الأموال، وأمر بإخراج ما في الهري والمطامير من الطعام، وترك الاستئثار به، وتساوى فيه غنيهم وفقيرهم، وأخبرهم أنه متى بلغه أن إنسياً مات جوعاً عاقب أهل تلك المدينة أو القرية ونكل بهم أشد النكال. فيقال إنه لم يهلك في تلك المجاعة واللزبة إلا رجل واحد من رستاق كورة أردشير. فقام عدله في العرية مقام الخصب.
ويقال: إذا رغب الملك عن العدل رغبت رعيته عن طاعته.
موت الملك الجائر خصب شامل.
قيل: أي شيء أرفع لذكر الملوك؟ قيل: تدبيرهم أمر البلاد بعدل، ومنعهم إياها بعز.
وكان بعضهم يوصي عماله فيقول: سوسوا الناس بالمعدلة، واحملوهم على النصفة، واحذروا أن تلبسونا جلودهم، أو تطعمونا لحومهم، أو تسقونا دماءهم.
ذكر أعرابي السلطان فقال: أما والله لئن عزوا في الدنيا بالجور، لقد ذلوا في الآخرة بالعدل.
قال الشعبي: كان بين عبد الله بن شريح وبين قوم خصومة، فقال: يا أبت إن بيني وبين قوم خصومة، فإن كان الحق لي خاضمتهم. قال: اذكر لي قصتك. فذكرها له، فقال ائتني بهم، فلما أتاه بهم قضى على ابنه؛ فلما رجع قال: يا أبت لو لم أخبرك بقصتي كان أعذر لك عندي، فقال: يا بني أنت أعز علي من ملء الأرض مثلهم، والله تعالى أعز علي منك. كرهت أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم.
وانصرف شريح يوماً من مجلس القضاء، فلقيه رجل فقال: أما حان لك يا شيخ أن تخاف الله تعالى وتستحيي؟ قال: ويلك من أي شيء؟ قال: كبرت سنك، وفسد ذهنك، وكثر نسيانك، وأدهن كاتبك، وارتشى ابنك، فصارت الأمور تجور عليك. قال: لا والله لا يقولها لي بعدك أحد، واعتزل عن القضاء ولزم بيته. وقضى شريح بالكوفة ستين سنة، ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبقي إلى أيام الحجاج.
ولى الرشيد عاملاً خراج طساسيج السواد، فقال لجعفر ويحيى: أوصياه؛ فقال جعفر: وفر واعمر، وقال يحيى أنصف وانتصف، وقال الرشيد: يا هذا أحسن واعدل. ففضل الناس كلام الرشيد، فقيل لهما: لم نقص كلامكما عن كلامه؟ فقال جعفر: لا يعتد هذا نقصاناً إلا من لا يعرف ما لنا وما علينا، إنما أمرنا بما علينا أن نأمر به، وأمر أمير المؤمنين بما له أن يأمر به.
وقع جعفر بن يحيى إلى عامل له: أنصف من وليت أمره، وإلا أنصفه منك من ولي أمرك.
ووقع إلى أحمد بن هشام في قصة متظلم: اكفني أمر هذا، وإلا كفيته أمرك.
كتب الفضل بن يحيى إلى عامل له: بئس الزاد إلى المعاد، والعدوان على العباد.
تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع المتطبب بين يدي أحمد بن أبي دواد القاضي في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فأربى عليه ابن المهدي وأغلظ له بين يدي ابن أبي دواد، فأحفظه ذلك فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحداً في مجلس الحكم فلا أعلمن ما رفعت عليه صوتاً، ولا أشرت بيدك، وليكن قصدك أمماً، وطريقك ثبجاً، وريحك ساكنة. ووف مجالس الحكومة حقها من التوقير والتعظيم والتوجيه إلى الواجب، فإن ذلك أشبه بك، وأجمل لمذهبك في محتدك وعظيم قدرك، ولا تعجل فرب عجلة تعقب ريثاً، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل. قال إبراهيم: أصلحك الله، أمرت بسداد، وحضضت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتي، ويسقطني من عينك، ويخرجني عن مقدار الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقر بذنبه، باخع بجرمه، فإن الغضب لا يزال يستفزني بهواه، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ وقد وهبت حقي في هذا العقار لبختيشوع، فليت ذلك يقوم بأرش الجناية، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق.
كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله القاضي في مال كان له على سلمة بن سعيد، لما مات سلمة، وكان عليه ديون للناس وللمنصور، فكتب إليه: استوف لأمير المؤمنين دينه، وفرق ما يبقى بين الغرماء. فلم يلتفت إلى كتابه وضرب للمنصور بسهم من المال كما ضرب لواحد من الغرماء، ثم كتب إليه: إني رأيت أمير المؤمنين غريماً من الغرماء. فكتب إليه المنصور: ملئت الأرض بك عدلاً.
قيل: أول من أظهر الجور في القضاء في الحكم بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري، وكان أمير البصرة وقاضيها. كان يقول: إن الرجلين يتقدمان إلي فأجد أحدهما أخف على قلبي فأقضي له.
وخاصم خالد بن صفوان إليه رجلاً فقضى على خالد، فقام خالد وهو يقول: سحابة صيف عن قليل تقشع.
فقال بلال: أما إنها لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، وأمر به إلى الحبس. فقال خالد: علام تحبسني فوالله ما جنيت جناية، فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت، وأقياد ثقال، وقيم يقال له حفص.
وخطب بلال بالبصرة فعرف أنهم قد استحسنوا كلامه فقال: لا يمنعنكم ما تعلمون فينا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا.
تقدم المأمون بين يدي يحيى بن أكثم مع رجل ادعى عليه ثلاثين ألف دينار، فطرح المأمون مصلى يجلس عليه، فقال يحيى: لا تأخذ على خصمك شرف المجلس. ولم يكن للرجل بينه، فحلف المأمون، فلما فرغ وثب يحيى فقام على رجليه فقال: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حق الله تعالى حتى أخذته منك، وليس الآن من حقك أن أتصدر عليك. فأعطى الرجل ما ادعاه، وهو ثلاثون ألف دينار، وقال: خذه، والله إني ما كنت لأحلف على فجره ثم أسمح لك بالمال فأفسد ديني ودنياي. والله ما دفعت إليك هذا المال الساعة إلا خوفاً من هذه العامة فلعلها ترى أني تناولتك من جهة القدرة، ومنعتك حقك بالاستطالة عليك. فأما الآن فإنها تعلم أني ما كنت لأسمح باليمين والمال، وأمر ليحيى بثلاثين ألف دينار، وتصدق بثلاثين ألف دينار.
وكان أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني قاضياً للمعتضد، مات في أيامه الضبعي صاحب الطعام، وله أطفال، وعليه للمعتضد دين قدره أربعة آلاف دينار. فقال المعتضد لعبيد الله بن سليمان: قل لعبد الحميد أن يدفع إلينا هذا المال من تركة الضبعي، فذكر له ذلك، فقال أبو خازم: إن المعتضد كأسوة الغرماء في تركة الضبعي. فقال له عبيد الله أتدري ما تقول؟ فقال أبو خازم: هو ما قلت لك. وكان المعتضد يلح على عبيد الله في اقتضاء المال، وعبيد الله يؤخر ما قال له أبو خازم، فلما ألح عليه أخبره بما قال أبو خازم، فأطرق المعتضد ثم قال: صدق عبد الحميد هو كما قال: نحن كسائر الغرماء وأسوتهم.
أخذ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من رجل فرساً على سوم، فحمل عليه رجلاً فعطب الفرس، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً، فقال له الرجل: أجعل بيني وبينك شريحاً العراقي. فقال: يا أمير المؤمنين أخذته صحيحاً سليماً فعليك أن ترده كما أخذته، فأعجبه ما قال، وبعث به قاضياً. ثم قال: ما وجدته في كتاب الله سبحانه فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يستبين في كتاب الله فالزم السنة، فإن لم يكن في السنة فاجتهد رأيك.
وقال له عمر حين استقضاه: لا تشار ولا تضار، ولا تشتر ولا تبع، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: من الرجز
إن القضاة إن أرادوا عدلا ... ودفعوا قول الخصوم فصلا
وزحزحوا بالحكم عنهم جهلا ... كانوا كغيث قد أصاب محلا
ويقال: إن شريحاً عاش مائة وست سنين، فقضى منها ستين سنة.
قال مسروق: لأن أحكم يوماً بحق أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله.
سمع ابن شبرمة ينشد: من الطويل
يمنونني الأجر الجزيل وليتني ... أجوز كفافاً لا علي ولا ليا
قال أحمد بن وزير القاضي: لما ولاني المعتز القضاء قال لي: يا أحمد قد وليتك القضاء، وإنما هي الدماء والفروج والأموال ينفذ فيها حكمك، ولا يرد أمرك، فاتق الله وانظر ما أنت صانع.
قال القاضي أبو عمر، وقدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى يوسف بن يعقوب يعني أباه في حكم فجاء فارتفع في المجلس، وأمره الحاجب بموازاة خصمه فلم يفعل إدلالاً بعظم محله من الدولة، فصاح القاضي عليه وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع؟! يا غلام عمرو بن أبي عمرو النخاس لتقدم إليه الساعة ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين. ثم قال لحاجبه: خذ بيده، وسو بينه وبين خصمه؛ فأخذ كرهاً وأجلس مع خصمه. فلما انقضى الحكم انصرف الخادم، فحدث المعتضد بالحديث وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبداً، وليس خصوصيتك بي تزيل مرتبة الحكم فإنه عمود السلطان وقوام الأديان.
قال الأحنف: ما عرضت الإنصاف قط على رجل فقبله إلا هبته، ولا أباه إلا طمعت فيه.
كتب المنصور إلى سوار في شيء كان الحق في خلافه، فلم ينفذ سواء كتابه وأمضى الحكم عليه، فتغيظ المنصور عليه وتوعده. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوار لك ومضاف إليك وزين خلافتك، فأمسك عنه.
وكتب المهدي إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة أن ينظر الأنهار التي كانت في أيام عمر وعثمان، رضي الله عنهما، فيأخذ الصدقة منها، نحو نهر معقل ونهر الأبلة وما أشبههما، ويأخذ من الأنهار التي أحدثت بعد ذلك الخراج، فلم ينفذ كتابه، فتوعده، فلما بلغ عبيد الله الخبر أحضر أشراف أهل البصرة من أهل العلم بالقضاء، وأشهدهم أنه قد قضى لأهل الأنهار كلها التي بجزيرة العرب بالصدقة، فلم يردد المهدي شيئاً عليه من فعله.
وقيل: كان حفص بن عتاب جالساً في الشرقية يقضي، فأنفذ الخليفة يستدعيه، فقال للرسول: أفرغ من أمر الخصوم، إذ كنت أجيراً لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين. ولم يقم حتى تفرق الخصوم.
حدث وكيع القاضي قال: كنت أتقلد لأبي خازم وقوفاً في أيام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل، فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر الحسني أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت في يدي، وبلغت السنة آخرها وقد جبيت مالها إلا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله وعلى أهل الوقف، فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ قال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه؛ والله لئن لم يزح العلة لا وليت له عملاً، ثم قال: امض إليه الساعة وطالبه، فقلت من يوصلني؟ قال: امض إلى صافي الحرمي وقل له إنك رسول أنفذتك في مهم، فإذا وصلت فعرفه ما قلت لك. فجئت إلى صافي فأوصلني، وكان آخر النهار، فلما مثلت بين يدي الخليفة ظن أن أمراً عظيماً قد حدث، وقال هي قل، كأنه متشوق، فقلت له: إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة امتنع من تفرقته إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين، وأنفذني الساعة قاصداً بهذا السبب، وأمرني أن أقول إني حضرت في مهم لأصل إليك. فسكت ساعة مفكراً ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي هات الصندوق. فأحضر صندوقاً لطيفاً فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذي جبيت عام أول من ارتفاع هذه العقارات أربعمائة دينار. فقال: كيف حذقك بالنقد الوزن؟ قلت: أعرفهما. قال: هاتوا ميزاناً، فجاءوا بميزان حراني عليه حلية ذهب، وأخرج من الصندوق دنانير عيناً فوزن لي منها أربعمائة دينار، فانصرفت بها إلى أبي خازم فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرقه في غد سبله، ففعلت.
وكان عافية القاضي يتقلد للمهدي أحد جانبي بغداد، وكان عالماً زاهداً، فصار إلى المهدي في وقت الظهر في يوم من الأيام وهو خال، فاستأذن عليه فأدخله، وإذا معه قمطره، فاستعفاه من القضاء واستأذنه في تسليم القمطر إلى من يأمره بذلك. فظن أن بعض الأولياء قد غض منه أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك فقال: ما جرى من هذا شيء فقال: ما سبب استعفائك؟ فقال: كان يتقدم إلي خصمان موسران وجيهان مذ شهران في قصة معضلة مشكلة، وكل يدعي بينة وشهوداً، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت. فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا أو يعن لي وجه فصل ما بينهما. قال: فوقف أحدهما من خبري على أني أحب الرطب السكر، فعمد في وقتنا وهو أول أوقات الرطب إلى أن جمع من الرطب السكر ما لا يتهيأ في زماننا جمع مثله إلا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوابي جملة دراهم على أن يدخل الطبق إلي ولا يبالي أن يرد. فلما أدخل إلي أنكرت ذلك وطردت بوابي وأمرت برد الطبق. فلما كان اليوم تقدم إلي مع خصمه فما تساويا في قلبي ولا في عيني. وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف تكون حالي لو قبلت؟ ولا آمن أنتقع علي حيلة في ديني فأهلك. وقد فسد الناس. فأقلني أقالك الله وأعفني، فأعفاه.
نادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: أيا سليمان، أيا سليمان، اذكر يوم الأذان، فنزل عن المنبر ودعا بالرجل فقال له سليمان: فما يوم الأذان؟ فقال: " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " " الأعراف: 44 " قال: فما ظلامتك؟ قال: أرضي بمكان كذا أخذها وكيلك، فكتب إلى وكيله أن ادفع إليه أرضه وأرضي مع أرضه.
واستؤمر عمر بن عبد العزيز في البسط على العمال فقال: يلقون الله بجناياتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم.
كتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العدل، فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله تعالى جعل الإمام العدل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده: يسعى لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، يكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد وفاته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة، البرة الرفيقة بولدها، حملته كرهاً، ووضعته كرهاً، وربته طفلاً، تسهر لسهره، وتسكن لسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح لعافيته، وتغتم بشكاته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده. والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال، وشرد العيال، فأفقر أهله، وأهلك ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟ قال مالك بن أنس: بعث إلي أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاووس، فدخلنا عليه وهو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا، فجلسنا وأطرق عنا طويلاً. ثم التفت إلى ابن طاووس فقال له: حدثني عن أبيك؛ قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله، قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني دمه. ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظني يا ابن طاووس، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد " إلى قوله " إن ربك لبالمرصاد " " الفجر: 6 - 14 " قال مالك؟ فضممت ثيابي أيضاً مخافة أن يملأني من دمه. فأمسك ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه، ثم قال: يا ابن طاووس ناولني هذه الدواة، فأمسك قال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكاً فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاووس: " ذلك ما كنا نبغ " " الكهف: 64 " قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله.
قال محمد بن حريث: بلغني أن نصر بن علي أرادوه على القضاء بالبصرة، واجتمع الناس إليه فكان لا يجيبهم، فلما ألحوا عليه دخل بيته ونام على ظهره وألقى ملاءته على وجهه وقال: اللهم إن كنت تعلم أني لهذا كاره فاقبضني إليك، فقبض.
كتب عبيد بن ثابت مولى بني عبس إلى علي بن ظبيان قاضي بغداد: بلغني انك تجلس للحكم على باري، وكان من قبلك من القضاة يجلسون على وطاء ويتكئون، فكتب إليه: والله إني لأستحيي إن جلس بين يدي رجلان حران مسلمان على باري وأنا على وطاء، لست أجلس إلا على ما يجلس عليه الخصوم.
أراد عثمان استقضاء عبد الله بن عمر فقال: أليس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ، قال: بلى، قال: فإني أعوذ بالله منك أن تستقضيني.
بينا داود عليه السلام جالساً على باب داره، جاء رجل فاستطال عليه، فغضب له إسرائيلي كان معه فقال: لا تغضب فإن الله إنما سلطه علي لجناية جنيتها. فدخل فتنصل إلى ربه، فجاء الرجل يقبل رجليه ويعتذر إليه.
قال سقراط: ينبوع فرح الإنسان القلب المعتدل، وينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزن الإنسان القلب المختلف المزاج، وينبوع حزن العالم الملك الجائر.
لما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيراً إلى عمر، لم يزل الموكل به يقتفي أثر عمر حتى عثر في المسجد نائماً متوسداً درته. فلما رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك، عدلت فأمنت فنمت؛ والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة.
مر عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا رب إن حلمك عن الظالمين قد أضر بالمظلومين، فرأى في منامه أن القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة، فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين، وإذا مناد ينادي: حلمي عن الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً وأمر عليهم رجلاً، قيل هو عبد الله بن محرز، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجج ناراً وأمرهم أن يتقحموا فيها، فأبى قوم أن يدخولها وقالوا: إنما فررنا من النار. وأراد قوم أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف.
ومن الإنصاف في الأقوال: أغلظ رجل للمهلب فحلم عنه، فقيل له جهل عليك وتحلم عنه؟! فقال: لم أعرف مساوئه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه.
قال ابن دريد، قال أبو حاتم: فاتني نصف العلم، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال تصدرت ولم أكن للتصدر أهلاً، واستحييت أن أسأل من دوني، واختلف إلي من فوقي، فذلك الجهل في نفسي إلى اليوم.
وقال ابن المنجم: كنت أحضر وأنا صغير مجلس ثعلب، فأراه ربما سئل عن خمسين مسألة وهو يقول: لا أدري، لا أعلم، لم أسمع.
وقال اليوسفي الكاتب: كنت يوماً عند أبي حاتم السجستاني إذ أتاه شاب من أهل نيسابور فقال له: يا أبا حاتم إني قدمت بلدكم وهو بلد العلم والعلماء،وأنت شيخ أهل المدينة، وقد أحببت أن أقرأ عليك كتاب سيبويه. فقال له: الدين النصيحة، إن أردت أن تنتفع بما تقرأه فاقرأ على هذا الغلام محمد ابن يزيد، فتعجبت من ذلك.
جلس معاوية يوماً وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف، إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيباً، فكان آخر كلامه أن لعن علياً عليه السلام. فأطرق الناس وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا القائل آنفاً ما قال لو علم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله تعالى ودع علياً فقد لقي الله وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله ما علمنا المبرز بسبقه، الطاهر في خلقه، الميمون النقيبة، العظيم المصيبة. فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضبت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وأيم الله لتصعدن المنبر فلتلعننه طائعاً أو كارهاً، قال الأحنف: إن تعفني هو خير، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري به شفتاي. قال: قم فاصعد، فقال: أما والله لأنصفنك في القول والفعل. قال معاوية: وما أنت قائل إن أنصفتني؟ قال: أصعد فأحمد الله تعالى بما هو أهله، وأصلي علي نبيه، ثم أقول: أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن علياً، ألا وإن علياً ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادعى كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا يرحمكم الله، ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية على الفئة المبغي عليها، آمين رب العالمين. فقال معاوية: إذن نعفيك يا أبا بحر.
وقيل: لما أجمع معاوية على البيعة ليزيد جمع الخطباء فتكلموا، والأحنف ساكت، فقال: يا أبا بحر ما منعك من الكلام؟ فقال: يا أبا بحر ما منعك من الكلام؟ فقال: أنت أعلمنا بيزيد ليله ونهاره، وسره وعلانيته، فإن كنت تعلم أنها شر له فلا توله الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة، فإنما لك ما طاب، وعلينا أن نقول: سمعنا وأطعنا.
كتب أحمد بن إسماعيل إلى ابن المعتز رقعة يقول فيها: ولم أر كالحق أصدق قائلاً، ولا أفضل عاملاً، ولا أجمل ظاهراً، ولا أعز ناصراً، ولا أوثق عروة، ولا أحكم عقدة، ولا أعلى حجة، ولا أوضح محجة، ولا أعدل في النصفة؛ لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري على أحد إلا جرى له، يستوي الملك والسوقة في واجبه، ويعتدل البغيض والحبيب في تحقيقه، طالبه حاكم على خصمه، وصاحبه أمير على أمره، من دعا إليه ظهر برهانه، ومن جاهد عليه كثر أعوانه، يمكن رعاته من آلة القهر، ويجعل في أيديهم راية النصر، ويحكم لهم بغلبة العاجلة، وسعادة الآجلة. ولم أر كالباطل أضعف سبباً، ولا أوعر مذهباً، ولا أجهل طالباً ولا أذل صاحباً؛ من اعتصم به أسلمه، ومن لجأ إليه خذله، يرتق فينفتق، ويرقع فينخرق؛ إن حاول صاحبه بيعه بارت سلعته، وإن رام ستره زادت ظلمته. لا يقارنه البرهان، ولا يفارقه الخذلان، قد قذف بالحق يدمغه ويقمعه فيمحقه، صاحبه في الدنيا مكذب، وفي الآخرة معذب، إن نطق دل على عيبه، وإن سكت تردد في ريبه.
ومن أشعار العرب المنصفة قول حكمة بن قيس الكناني: من الطويل
نهيت أبا عمرو عن الحرب لو يرى ... برأي رشيد أو يؤول إلى حزم
دعاني يشب الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلم إلى السلم
فلما أبى أرسلت فضلة ثوبه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
وأمهلته حتى رماني بحرها ... تغلغل من غي غوي ومن إثم
فلما رمانيها رميت سواده ... ولا بد أن يرمى سواد الذي يرمي
فبتنا على لحم من القوم غودرت ... أسنتنا فيه وباتوا على لحم
وأصبح يبكي من بنين وإخوة ... حسان الوجوه طيبي الجسم والنسم
ونحن نبكي إخوة وبنيهم ... وليس سواء تل حق على ظلم
وقال المسور بن زيادة العذري: من الطويل
وكنا بني عم جرى الجهل بيننا ... فكل توفى حقه غير وادع
فنلنا من الآباء شيئاً وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
فما لهم عندي ولا لي عندهم ... وإن أكثر المغرور وتر لتابع
قال الحسن بن عبادة: وجه إلي الأمير وإلى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة، سألنا عن مسألة، فأجاب هو وابن أبي ليلى جواباً واحداً، وخالفتهما أنا، وأمر الأمير بإنفاذ قوليهما وترك قولي. فتفكر أبو حنيفة ساعة ثم قال للأمير: جوابي يناظرني. ثم قال أبو حنيفة: إن العلم يحتاج أن يعرض على الله عز وجل فلا يأنف أحد إذا أخطأ أن يرجع إلى الحق.
قال أبو الدرداء: إياك ودعوة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام.
قال منصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراده على القضاء: ما كنت لألي لك بعد ما حدثني إبراهيم. قال: وما حدثك؟ قال: حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم داوة، فيجمعون في تابوت حديد ثم يرمي بهم في جهنم.
قال عمر بن عبد العزيز في غيلان بن مسلم الدمشقي: من سره أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله، ليس فيه عضو إلا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا. وقال له: يا أبا مروان، أعني أعانك الله، فقال: ولني رد المظالم، فولاه، فكان يخرج خزائن بني أمية فينادي عليها: هلموا إلى متاع الخونة. ونادى على جوارب خز قد تآكلت بلغت قيمتها ثلاثين ألفاً، فقال: من عذيري ممن يزعم أن هؤلاء أئمة عدل؟ قد تآكلت هذه الجوارب في خزائنهم، والفقراء والمساكين يموتون جوعاً. فلما ولي هشام بعث إليه واستنطقه فقال: أعوذ بجلال الله أن يأتمن الله خواناً أو يستخلف خزاناً؛ إن أئمته القوامون بأحكامه، الراهبون لمقامه؛ لو يول الله وثاباً على الفجور، ولا شراباً للخمور، ولا ركاباً للمحظور. فقطع هشام يديه ورجليه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: زين الله السماء بثلاث: بالشمس والقمر والكواكب، وزين الأرض بثلاث: بالعماء، والمطر، وسلطان عادل.
قيل: إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان.
قيل لأنوشروان: أي الجنن أوقى؟ قال: الدين، قيل فأي العدد أقوى؟ قال العدل.
قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: جلس أبي يوماً للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلاً جالساً فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم، تدنيني إليك فإنني مظلوم، فأدناه فقال: إني مظلوم وقد أعوزني الإنصاف، قال ومن ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتي. قال: ومن يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولاً؟ قال: يحجبني عنك هيبتك، وطول لسانك، وفصاحتك واطراد حجتك. قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصباً بغير ثمن، وإذا وجب عليها خراج أديته باسمي لئلا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها، وهذا ما لم يسمع في الظلم بمثله. فقال له محمد: هذا قول يحتاج إلى بينة وشهود وأشياء، فقال له الرجل: أيؤمنني الوزير من غضبه حتى أجيب؟ قال: قد أمنتك. قال: البينة هم الشهود، وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: فيه شهود وأشياء؟ ماهذه الأشياء إلا العي والحصر والتغطرس؟ فضحك وقال: صدقت، والبلاء موكل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعاً. ثم وقع له برد ضيعته وبأن يطلق له كر حنطة وكر شعير ومائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، وصيره من أصحابه واصطنعه.
قيل لأعرابي من بني أسد: كيف تركت الناس قال: بشر، من مظلوم لا ينتصر، وظالم لا يقلع.
قال عبد الملك بن مروان: كنت أجالس بريرة قبل أن ألي هذا الأمر، فقالت لي: يا عبد الملك إنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: إن الرجل ليحال بينه وبين الجنة بعد أن ينظر إليها بملء كف من دم مسلم سفكه بغير حق.
وروي أن رجلاً من عمال عمر رضي الله عنه أمر رجلاً أن ينزل في واد ينظر كم عمقه، فقال الرجل: إني أخاف، فعزم عليه فنزل، فلما خرج كز فمات، فنادى: يا عمراه، فبعث عمر إلى العامل فقال: أما لولا أني أخاف أن تكون سنة بعدي لضربت عنقك، ولكن لا تبرح حتى تؤدي ديته، والله لا وليتك شيئاً أبداً.
وروي أن يهودياً جاء إلى عبد الملك بن مروان فقال: إن ابن هرمز ظلمني، ثم أتاه الثانية ثم الثالثة فلم يلتفت إليه، فقال له اليهودي: إنا نجد في التوراة أن الإمام لا يشرك في ظلم أحد ولا جوره حتى يرفع إليه فإذا رفع إليه ولم يغير شرك في الظلم والجور. ففزع عبد الملك وأرسل إلى ابن هرمز فنزعه.
قال سريع الأهوازي: بعث إلي عيسى بن جعفر فسألني عن النبيذ فقلت: سل عن الماء الذي يشربه النصارى واليهود والمجوس والكلاب والخنازير جلالاً وتشربه أنت حراماً، قال: وكيف ذاك؟ قلت: إن غلمانك يسخرون الناس ويستقونه لهم. فبكى.
قال محمد بن صفوان الضبي: كنت أقوم على رأس سليمان بن عبد الملك، فدخل عليه رجل من حضرموت من حكمائهم، فقال له سليمان: تكلم بحاجتك، فقال: من كان الغالب على كلامه النصيحة وحسن الإرادة أوفى به كلامه على السلامة، وإني أعوذ بالذي أشخصني من أهلي حتى أوفدين عليك أن ينطقني بغير الحق، وأن يذلل لساني بما فيه سخطه علي، وإن إقصار الخطبة أبلغ في أفئدة أولي الفهم من الإطالة والتشديق في البلاغة، إلا وإن من البلاغة يا أمير المؤمنين ما فهم وإن قل، وإني مقتصر على الاقتصار مجتنب لكثير من الإكثار. أشخصني إليك وال عسوف ورعية ضائعة، وإنك إن تعجل تدرك ما فات، وإن تقصر تهلك رعيتك هناك ضياعاً، وها فخذها إليك قصيرة موجزة. فقال سليمان: ادع لي رجلاً من الحرس فاحمله على البريد وقل له: إذا أتيت البلاد فلا تنزل من مركبك حتى تعزله، ومن كانت له ظلامة أخذت له بحقه. ثم أمر للحكيم بمال فأبى أن يقبل وقال: إني والله يا أمير المؤمنين أحتسب سفري على الله عز وجل، وإني أكره أن آخذ عليه من غيره أجراً. قال: انطلق بارك الله عليك. فلما ولى قال سليمان: ما أعظم بركة المؤمن في كل شيء.
أتي المنصور ببشير الرحال ومطر الوراق مكبلين، وقد كانا خرجا مع إبراهيم بن عبد الله فقال لبشير: أنت القائل أجد في قلبي غماً لا يذهبه إلا برد عدل أو حر سنان؟ قال: نعم. قال: فوالله لأذيقنك حر سنان يشيب منه رأسك، قال: إذن أصبر صبراً يذل به سلطانك، فقطعت يده فما قطب ولا تحلحل، وقال لمطر: يا ابن الزانية، قال: إنك تعلم أنها خير من سلامة، قال: يا أحمق، قال: ذاك من باع دينه بديناه، فرمي به من سطح فمات.
ظلم كبير من بني أمية حجازياً في ماله، فما تظلم منه إلى أحد إلا ضلع للأموي عليه. فخرج إلى سليمان وجعل لخصي أثير عنده مائتي دينار ليوصله إليه خالياً، فأوصله غليه حين سلم في صلاته وجعل يدعو ويخطر بإصبعه نحو السماء ويتضرع. فلما رآه كذلك رجع عنه، فسأل عنه سليمان وأمر بطلبه حتى صودف خارجاً من باب دمشق، فأدخل عليه بعد شدة شديدة وإلحاح، فقال له: ما شأنك؟ قال: جددت في التوصل إليك، فلما رأيتك تخطر بإصبعك نحو السماء وتتضرع علمت أني قد أخطأت موضع طلب الحاجة، فرجعت لأطلبها من حيث طلبت أنت حوائجك. فبكى سليمان وقال: إن الذي طلبت إليه حاجتك قد قضاها، وأمر برد ما أخذ منه وإعطائه ما يصلح ماله، ووصله وكساه وحمله وأمر له بفرائض.
قال الحجاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله: إن الله يقول " فاتقوا الله ما استطعتم " " التغابن: 16 " فجعل فيها مثنوية وقال: " واسمعوا وأطيعوا " " التغابن: 16 " فلم يجعل فيها مثنوية، فلو قلت لرجل ادخل من هذا الباب فلم يدخل لحل لي دمه.
وخطب مرة فقال: أتزعمون أني شديد العقوبة، وهذا أنس حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل أعينهم، قال أنس: فوددت أني مت قبل أن أحدثه، جعل عدو الله فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعداء الله حيث نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين احتجاجاً لنفسه في قتل الصالحين وخيار الأمة.
إياس بن قتادة: من الطويل
وإن من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها
قيل لأبي مسلم: لقد قمت بأمر لا يقصر بك عن الجنة، فقال: خوفي فيه من النار أولى من الطمع في الجنة. إني أطفأت من بني أمية جمرة، وألهبت من بني العباس نيراناً، فإن أفرح بالإطفاء فواحزنا من الإلهاب.
قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة ابن شريك بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن: امتلأت الأرض والله جوراً.
محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن: من السريع
متى نرى للعدل نوراً فقد ... أسلمني ظلم إلى ظلم
أمنية طالت عداتي بها ... كأنني فيها أخو حلم
طرفة: من الكامل
والظلم فرق بين حيي وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب
رفع إلى أنوشروان أن عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب، فوقع: يرد المال على الضعفاء، فإن الملك إذا كثرت أمواله بما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنائه.
شاعر: من الرمل المجزوء
لا تبع عقدة مال ... خيفة الجار الغشوم
واصطبر للفلك الجا ... ري على كل ظلوم
فهو الدائر بالأم ... س على آل سدوم
كان معلم أنوشروان يضربه بلا ذنب، ويأخذه بأن يمسك الثلج في يده حتى يكاد كفه يسقط، فآلى لئن ملكت لأقتلنه. فلما ملك هرب فأمنه، فلما أتاه سأله عن الضرب ظلماً فقال: لتعرف حقد المظلوم إذا ظلمته. قال: أحسنت، فالثلج الذي كنت تعذبني به؟ قال: ستعرف ذلك. فغزا فأصبحوا في غداة باردة فلم يقدروا على توتير قسيهم، فوترها لهم فقاتل وظفر، فعلم مراد مؤدبه.
لما ولي الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة: من الطويل
محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتاب والكتب تطبع
ضمنت لكم إن لم تعقني منيتي ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع
وهذا الشعر له وأوله:
ألا أيها الركب المخبون بلغوا ... سلامي سكان البلاد فأسمعوا
وقولوا أتاكم أشبه الناس سنة ... بوالده فاستبشروا وتوقعوا
سيوشك إلحاق لكم وزيادة ... وأعطية تأتي تباعاً فتنفع
فقال حمزة بن بيض يرد على الوليد لما فعل خلاف ما قال: من الطويل
وصلت سماء الضر بالضر بعدما ... زعمت سماء الضر عنا ستقلع
فليت هشاماً كان حياً يسوسنا ... وكنا كما كنا نرجي ونطمع
كان أحمد بن طولون والي مصر متحلياً بالعدل مع تجبره وسفكه الدماء، وكان يجلس للمظالم ويحضر مجلسه القاضي بكار بن قتيبة وجماعة من الفقهاء مثل الربيع بن سليمان ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومعمر بن محمد. وكان ابن طولون يمكن المتكلم من الكلام وكشف ظلامته جالساً مقرباً. قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الفقيه: فاعترضت ضيعة لنا بالصعيد من ضياع جدي سلامة، فاحتجت إلى الدخول إليه والتظلم مما جرى، وأنا يؤمئذ شاب، إلا أن العلم ومعرفة الحاضرين بسطني إلى الكلام والتمكن من الحجة، فخاطبته في أمر الضيعة، فاحتج علي بحجج كثيرة وأجبته عنها بما لزمه الرجوع إليه. ثم ناظرني مناظرة الخصوم بغير انتهار ولا سطوة علي، وأنا أجيبه وأحل حججه، إلى أن وقف ولم يبق له حجة، فأمسك عني ساعة ثم قال لي: إلى هذا الموضع انتهى كلامي وكلامك، والحجة فقد ظهرت لك، ولكن أجلنا ثلاثة أيام، فإن ظهرت لنا حجة ألزمناك إياها، وإلا سلمنا إليك الضيعة، فقمت منصرفاً. وقال ابن طولون بعد خروجي للحاضرين: ما أقبح ما أشهدتكم به على نفسي أقول لرجل من رعيتي قد ظهرت له حجة: أنظرني إلى أن أطلب حجة وأبطل الحكم الذي أوجبته حجته. من يمنعني إذا وجبت لي حجة أن أحضره وألزمه إياها؟ هذا والغصب واحد. أنتم رسلي إليه بأني قد ألتزمت حجته، وأزلت الاعتراض عن الضيعة. وتقدم بالكتاب له، وعرف الطحاوي الحال منهم فصار إلى الديوان وأخذ الكتاب بإزالة الاعتراض عن الضيعة.
وروي أن بعض قواده كان يتولى كورة من كور مصر، فدخل راهب من رهبان النصارى متظلماً من ذلك القائد، فرآه بعض الحجاب الذين يختصون بذلك القائد فقال له ما لك؟ قال: ظلمني وأخذ مني ثلاثمائة دينار، فقال له الحاجب: لا تتظلم وأنا أسلم إليك ثلاثمائة دينار. فأخذه إلى داره ودفع إليه ثلاثمائة دينار فاغتنمها الراهب وطار. ونقل الخبر إلى أحمد بن طولون فأمر بإحضار القائد والحاجب والراهب وقال للقائد: أليس عللك مزاحة وزرقك داراً، وليس لك سبب يحوجك إلى مد يدك؟ قال: كذاك، قال ما حملك على ما صنعت؟ وأمر بصرفه عن الكورة، وصرف الحاجب عن حجبته، وأحضر النصراني وقال: كم أخذ منك؟ قال ثلاثمائة دينار فقال: لعنك الله لم لم تقل ثلاثة آلاف دينار فآخذها لك من ماله بقولك؟ ثم صاح بالقائد: إلى المطبق! المطبق! فحمل إليه.
وروي أن العباس بن أحمد بن طولون استدعي مغنية وهو مصطبح، فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره، ودخل العباس إلى أبيه فأخبره، فأرسل أحمد بن طولون فأحضر الرجل الصالح وقال له: أنت الذي كسرت العود؟ قال: نعم، قال: فعلمت لمن هو؟ قال: نعم، قال: لمن هو؟ قال: لابنك العباس. قال: أفما أكرمته لي؟ قال: أكرم لك بمعصية، والله عز وجل يقول " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " " التوبة: 71 " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوقة في معصية الخالق. فأطرق أحمد بن طولون ثم رفع رأسه وقال: كل منكر تراه فغيره وأنا من ورائك، وصرفه مكرماً.
وكان أحمد بن طولون يحب العلماء ويحضرهم مجلسه؛ وأراد أبا إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني الفقيه صاحب الشافعي أن يحضره، فامتنع عليه زهداً وتورعاً، فتهدده بهدم داره، فلم يجبه، وأمر سواراً حاجبه بهدمها. فقام المزني مع سوار يريه حدودها حين تقدم وقال له: لا تهدم هذا الجدار فليس هو لي. فعاد سوار فأخبره، فعظم في قلب أحمد بن طولون، وقلق إلى رؤيته. وكان أحمد بن طولون يحضر جنائز وجوه البلد وصالحيهم وأشرافهم، ويتولى الصلاة بنفسه، فحضر يوماً جنازة قيل له: هذا أبو إبراهيم المزني في الجنازة، فقال: أرونيه من غير أن يعلم لئلا يتأذى، فأروه إياه.
وأراد أن يحمل مالاً إلى الحضرة، فأحضر القاضي والشهود ليشهدوا على القابض، فكتبوا وقد عاينوا المال ومبلغه ألف ألف ومائتا ألف دينار، فلما بلغ الكتاب إلى سليم الفانو الخادم المعدل قال له: أيها الأمير لست أشهد حتى يوزن المال بحضرتي، فغاظه ذلك، فقال للوزانين: زنوه، فلما فرغ الوزن قالوا: أبقي لك شيء تقوله؟ قال: النقد، فغاظه ودعا بالنقد، وسليم جالس معهم حتى فرغ وختمت، وتسلمها حاملها، فكتب شهادته وانصرف. وكان ذلك سبب اختصاص سليم بأحمد بن طولون وقربه منه.
ومن الجور قصة زيد الخيل الطائي وقيس بن عاصم والمكسر العجلي: وقعت حرب بين أخلاط طيء، فنهاهم زيد الخيل عن ذلك وكرهه، فلم ينتهوا، واعتزل وجاور بني تميم ونزل على قيس بن عاصم؛ فغزت بنو تميم بكر بن وائل وعليهم قيس وزيد معه، فاقتتلوا قتالاً شديداً وزيد كاف، فلما رأى ما لقيت تميم ركب فرسه وحمل على القوم، وجعل يدعو يال تميم، ويتكنى كنية قيس إذا قتل رجلاً وأرداه عن فرسه، أو هزم ناحية، حتى هزمت بكر وظفرت تميم، فصار فخراً لهم في العرب، وافتخر بها قيس. فلما قدموا قال له زيد: اقسم لي يا قيس نصيبي، فقال: وأي نصيب؟ فوالله ما ولي القتال غيري وغير أصحابي، فقال زيد أبياتاً منها من الطويل
فلست بوقاف إذا الخيل أحجمت ... ولست بكذاب كقيس بن عاصم
إذا ما دعوا عجلاً عجلنا عليهم ... بمأثورة تشفي صداع الجماجم
فبلغ المكسر بن حنظلة العجلي أحد بني سيار قول زيد، فخرج في ناس من بني عجل حتى أغار على بني نبهان فأخذ من نعمهم ما شاء، وبلغ ذلك زيد الخيل فخرج في فوارس من بني نبهان حتى اعترض القوم فقال: ما لي وما لك يا مكسر؟ فقال قولك:
إذا ما دعوا عجلاً عجلنا عليهم
فقاتلهم زيد حتى استنقذ بعض ما كان في أيديهم، ومضى المكسر ببقية ما أصاب. فأغار زيد على تيم الله بن ثعلبة فغنم ما شاء الله، وقال في ذلك من الطويل
إذا عركت عجل بنا ذنب غيرنا ... عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل
وعقدت قبائل من قريش بينها حلف الفضول لما لم يكن لها ملك أو قائد يمنع ظلم بعضهم من بعض، فكانا يداً على من ظلم حتى يرتجعوا منه ظلمه. فروي أن رجلاً من خثعم قدم مكة تاجراً ومعه ابنة له يقال لها القتول أوضأ نساء العالمين وجهاً، فعلقها نبيه بن الحجاج السهمي، فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها عليك بحلف الفضول. فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ متبد بناحية مكة وهي معه، وإلا فنحن من قد عرفت، فقال: يا قوم متعوني منها الليلة، فقالوا: قبحك الله ما أحمقك، لا والله ولا شخب لقحة، وهي أوسع أحاليب الشائل. فأخرجها إليهم فأعطوها أباها، وركبوا وركب معهم الخثعمي، فذلك قول نبيه بن الحجاج: الكامل المجزوء
لولا الفضول وأنه ... لا أمن من رقبائها
لدنوت من أبياتها ... ولطفت حول خبائها
ولجئتها أمشي بلا ... هاد لدى ظلمائها
فشربت فضلة ريقها ... ولبت في أحشائها
وقد اختلف في سبب حلف الفضول، فروي أن قيس بن شيبة السلمي باع متاعاً من أمية بن خلف، فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يقوموا بجواره فقال: من الرجز
يال قصي كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأعلاق الكرم
أظلم لا يمنع مني من ظلم
وبلغ الخبر عباس بن مرداس فقال: من البسيط
إن كان جارك لم تنفعك ذمته ... وقد شربت بكأس العدل أنفاسا
فأت البيوت وكن من أهلها صدداً ... لا تلف ناديهم فحشاً ولا ياسا
وثم كن بفناء البيت معتصماً ... تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا
فقام العباس وأبو سفيان حتى رداً عليه متاعه. واجتمعت بطون قريش فتحالفت على رد المظالم بمكة، وألا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا له بحقه.
وقال آخرون: تحالفوا على مثل ما تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر لا يقرون ظالماً ببطن مكة إلا غيروه، وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة.
وحدث ابن شهاب قال: كان شأن حلف الفضول بدء ذلك أن رجلاً من بني زبيد قدم مكة معتمراً في الجاهلية ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم، فآواها إلى بيته ثم إنه تغيب. فابتغى الزبيدي متاعه فلم يقدر عليه. فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه فأغلظوا له، فعرف ألا سبيل إلى ما له، فطوف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه. فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها في المسجد الحرام وقال: من البسيط
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم شعث لم يقض عمرته ... يا آل غالب بين الحجر والحجر
أقائم في بني سهم بذمتهم ... أم ذاهب في ضلال مال معتمر
فلما نزل أعظمت قريش ذلك، فتكلمت فيه، فقال المطيبون: والله لئن تكلمنا في هذا لتغضبن الأحلاف. وقالت الأحلاف: والله لئن تكلمنا في هذا ليغضبن المطيبون. وقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفاء فضولاً دون المطيبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان وصنع لهم يومئذ طعاماً كثيراً. وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله معهم يومئذ، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم وتحالفوا على أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حر ولا عبد، إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه، ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت منه أركانه ثم أتوا به فشربوه. فحدثت عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول. أما لو دعيت إلهي اليوم لأجبت، وما أحب أن لي به حمر النعم وأني نقضته. وكان معهم في الحلف بنو المطلب، فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلاً وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس حتى أدخل في حلف الفضول؛ ولم يكن عبد شمس في هذا الحلف.
وروي أن سبب حلف هذه القبائل أمر الغزال الذي سرق من الكعبة.
وقيل: كان بين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وبين الحسين بن علي عليهما السلام، والوليد يومئذ أمير على المدينة في زمن معاوية بن أبي سفيان، في مال كان بينهما بذي المروة. قال الحسين بن علي: استطال علي الوليد بسلطانه فقلت: أقسم بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير وكان عند الوليد حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً. فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد بن عتبة ذلك أنصف الحسين من حقه حتى رضي.
وقال عبد العزيز بن عمران: قدم أبو الطمحان القيني الشاعر، واسمه حنظلة بن الشرقي، فاستجار عبد الله بن جدعان التيمي ومعه مال من الإبل، فعدا عليه قوم من بني سهم، فانتحروا ثلاثة من إبله، فبلغه ذلك فأتاهم بمثلها وقال: أنتم لها ولأكثر منها أهل، فأخذوها وانتهروها ثم أمسكوا عنه زماناً، ثم جلسوا على شراب لهم، فلما انتشوا عدوا على إبله فاستاقوها كلها، فأتى عبد الله بن جدعان يستصرخه، فلم يكن فيه ولا في قومه قوة ببني سهم، فأمسك عنهم ولم ينصره، فقال أبو الطمحان:
ألا حنت المرقال واشتاق ربها ... تذكر أزماناً وأذكر معشري
ولو علمت صرف البيوع لسرها ... بيثرب أن تبتاع حمضاً بإذخر
أجد بني الشرقي أن أخاهم ... متى يعتلق جاراً وإن عز يغدر
ثم ارتحل عنهم.
وقدم لميس بن سعد البارقي مكة فاشترى منه أبي بن خلف سلعة فظلمه إياها، فمشى في قريش فلم يجد أحداً يجيره فقال:
أيظلمني مالي أبي سفاهة ... وبغياً ولا قومي لدي ولا صحبي
وناديت قومي صارخاً ليجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن سهب
ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمح والحق يؤخذ بالغصب
ثم كانت قصة الزبيدي، وقد ذكرت.
فأعظم الزبير بن عبد المطلب ذلك وقال: يا قوم إني والله أخشى أن يصيبنا ما أصاب الأمم السالفة من ساكني مكة. فمشي إلى ابن جدعان، وهو يومئذ شيخ قريش، فقال له مثل ذلك، وأخبره بظلم بني سهم وبغيهم. وقد كان أصاب بني سهم أمران لا يشك أنهما للبغي: احترق المقاييس منهم وهم قيس ومقيس وعبد قيس بصاعقة، وأقبل منهم ركب من الشام، فنزلوا بماء يقال له الغطيفة، فصبوا فضلة خمر لهم في إناء وشربوا ثم ناموا وقد بقيت منها بقية، فكرع فيها حية أسود ثم تقيأ في الإناء، فهب القوم فشربوا منه فماتوا عن آخرهم. فأذكره هذا ومثل. فتحالف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وبنو تيم: بالله القاتل إنا ليد واحدة على الظالم حتى يرد الحق. وخرجت سائر قريش من هذا الحلف إلا أن ابن الزبير ادعاه لبني أسد في الإسلام. وسأل معاوية جبير بن مطعم عن دعوى ابن الزبير في ذلك فقال جبير: هذا هو الباطل.
قام إلى عمر بن عبد العزيز رجل وهو على المنبر فقال: من الكامل
إن الذين بعثت في أقطارها ... نبذوا كتابك واستحل المحرم
طلس الذئاب على منابر أرضنا ... كل يجور وكلهم يتظلم
وأردت أن يلي الأمانة منهم ... عدل وهيهات الأمين المسلم
قال أنس: بينا عمر رضي الله عنه قاعد إذ جاء رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ فقال عمر: لقد عذت عائذاً، فما شأنك؟ قال: سابقت على فرسي ابناً لعمرو بن العاص، وهو يومئذ على مصر، فمحك فجعل يقنعني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين، وبلغ عمراً فخشي أن آتيك فحبسني في السجن، فانفلت منه، فهذا حين أتيتك. فكتب عمر إلى عمرو ابن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وابنك فلان، وقال للمصري: أقم حتى يأتيك مقدم عمرو؛ فشهد الحاج فلما قضى عمر الحج، وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جنبه، قام المصري فرمى عمر إليه بالدرة. قال أنس: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع عنه حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين: قال: يا أمير المؤمنين قد اشتفيت، قال: ضعها على صلعة عمرو، قال: يا أمير المؤمنين قد ضربت الذي ضربني؛ قال: أم والله لو فعلت لما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع. ثم قال: يا عمرو متى تبعدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! فجعل يعتذر ويقول: إني لم أشعر بهذا.
قال رجل للمنصور كان يعاشره أيام بني مروان: كنت تحدث يا أمير المؤمنين قبل هذا الوقت بشيء أين أنت عنه الساعة؟ قال ما هو؟ قال كنت تقول: إن الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلوم من الظالم، ولم تعارض بالعدل في العرية، وقسمة الفيء بالسيوة، صار عاقبة أمرها بواراً، وحاق بولاتها سوء العذاب. قال: فتنفس الصعداء ثم قال: قد كان ما تقول، ولكن استعجلنا ما في الفانية على ما في الباقية، وكأن قد انقضت هذه الدار. فقال له الرجل: فانظر على أي حالة تنقضي، فقال المنصور: تباً تباً لعالم أصاره علمه غرضاً لسهام الخطايا، وهو عالم بسرعة أزوف المنايا، واللهم إن تقض للمسيئين صفحاً فاجعلني منهم، وإن تهب للظالمين عفواً فلا تحرمني منه ما يتطول به المولى على أخس عبيده.
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: من اقتصد في الغني والفقر فقد استعد لنائبة الدهر.
وقال آخر: الاقتصاد ينمي القليل، والإسراف يبير الكثير، وهذا من عدل الأفعال.
حدث إياس بن سلمة عن أبيه قال: مر علي عمر وأنا في السوق وهو مار في حاجة ومعه الدرة، فقال: هكذا أمط عن الطريق يا سلمة. قال: ثم عفقني بها عفقة فما أصاب إلا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق. فسكت عني حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق فقال: يا سلمة أردت الحج العام؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي فما فارقت يده حتى دخل في بيته، فأخرج كيساً فيه ستمائة درهم فقال: يا سلمة استعن بهذه، واعلم أنها من العفقة التي عفقتك عام أول قلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذكرتها حتى ذكرتنيها؛ قال: أنا والله ما نسيتها بعد.
وقال الأحنف: كنت مع عمر فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدين على فلان فإنه قد ظلمني، فرفع الدرة فخفق بها رأسه وقال: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم، حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه: أعدني أعدني، قال: فانصرف الرجل وهو يتذمر فقال: علي بالرجل، وألقى المخفقة فقال: امتثل، قال: ولكن أدعها لله ولك. قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله وإما أن تدعها لي، فاعلم ذلك. قال: أدعها لله. قال: انصرف. ثم جاء يمشي حتى دخل منزله ونحن معه، فافتتح الصلاة فصلى ركعتين ثم قال: يا بني الخطاب، كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاء رجل يستعدي فضربته، ما تقول لربك إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه في صلاته تلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض.
دخل عمر على أبي بكر رضي الله عنهما فسلم عليه فلم يرد، فقال لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون قد وجد علي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم عبد الرحمن أبا بكر فقال: أتاني وبين يدي خصمان، وقد فرغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وعما قلت.
كان لعثمان عبد فاستشفع بعلي أن يكاتبه فكاتبه، ثم دعا عثمان بالعبد فقال: إن كنت عركت أذنك فاقنص مني، فأخذ بأذنه ثم قال عثمان: شد شد، يا حبذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة.
قال عبد الملك: لقد كنت أتحرج أن أطأ نملة، وإن الحجاج يكتب إلي في قتل فئام من الناس فما أحفل بذلك. فقال له الزهري: بلغني أنك شربت الطلاء قال: أي والله والدماء.
روي أن المنصور كان يطوف ليلاً بالبيت، إذ سمع قائلاً يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل، فصلى ركعتين واستلم الركن ثم اقبل مع الرسول، فسلم عليه بالخلافة. فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض، وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع؟ قال: إن أمنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها، وإلا اقتصرت على نفسي؛ قال: فأنت آمن على نفسك. قال: يا أمير المؤمنين، إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم، فجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر، وأبواباً من الحديد، وحراساً معهم السلاح، ثم سجنت نفسك عنهم؛ وبعثت عمالك في جبابة الأموال وجمعها، وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف إليك؛ ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصت لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرتهم أن لا يحجبوا دونك، تجبي الأموال وتجمعها قالوا: هذا قد خان الله، فما لنا لا نخونه، وائتمروا ألا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا، ولا خرج لك عامل إلا خونوه عندك، وبغوه حتى تسقط منزلته؛ فلما انتشر ذلك عنهم وعنك أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم، وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك؛ ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك ليتناولوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بغياً وفساداً، وصار هؤلاء القوم شركاءك، وأنت غافل. فإن جاء متظلم حيل بينه وبينك، وإن أراد رفع قصته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك، ووقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل المتظلم فبلغ بطانتك خبره، سأل بطانتك صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه، فإذا جهد وأخرج ثم ظهرت طرح بين يديك، فيضرب ضرباً مبرحاً حتى يكون نكالاً لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين، فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه، فبكى يوما ً فحداه جلساؤه على الصبر فقال: أما إني لي أبكي للبلية النازلة، ولكني أبكي لمظلوم يصرخ فلا أسمع صوته؛ فأما إذ ذهب سمعي فبصري لم يذهب؛ نادوا في الناس ألا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم. ثم كان يلتفت طرفي النهار هل يرى مظلوماً. فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ، وأنت مؤمن بالله ثم من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، لا تغلبنك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك. قال: فبكى المنصور ثم قال: ويحك كيف احتيالي لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلاماً يفزعون إليها في دينهم فيرضون بها في دنياهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم يسددوك. قال: قد نفذت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك؛ ولكن افتح بابك، وسهل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات على وجهها، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة. وجاء المؤذنون فسلموا عليه فصلى وعاد إلى مجلسه؛ وطلب الرجل فلم يجده.
رفعت قصص إلى المهدي، فإذا قصة مكتوب عليها: قصة صاحب السمكة، فقال: ما هي؟ قال الربيع: بينا أبوك مشرفاً على دجلة إذ بصر بملاح صاد سمكة، فوجه خادماً إليه ليشتريها، فاستامها بدينار، فأبى وباعها من تاجر باثني عشر درهماً، فاستحضر التاجر وقد شوى السمكة فأخذها منه وأكلها وقال له: لو لم يكن معك مال لما اشتريت سمكة باثني عشر درهماً، وأمر خادمه أن يذهب إلى منزله ويحمل ما أصاب في صناديقه، فجاء ببدرتين فقال: أنا رجل معيل وعلي مؤونة، فاعطاه منها أربعمائة درهم يتعيش بها. فأمر المهدي أن تطلب البدرتان في بيت المال فجيء بهما مكتوب عليها: مال صاحب السمكة. فقال المهدي: اجعل أبي في حل فإنه كان مسرفاً على نفسه وخذ المال.
لقي سفيان الثوري شريكاً بعدما استقضي فقال: يا أبا عبد الله، بعد الإسلام والخير والفقه تلي القضاء؟! فقال: يا أبا عبد الله لا بد للناس من قاض، قال: يا أبا عبد الله لا بد للناس من شرطي.
قيل: لم يرتش حكم في الجاهلية غير ضمرة بن ضمرة النهشلي، تنافر إليه عباد بن أنف الكلب الصيداوي ومعبد بن نضلة الفقعسي، فرشاه عباد مائة بعير فنفره على معبد.
قال الحسن: كان القاضي في بني إسرائيل إذا اختصم إليه الخصمان رفع أحدهما الرشوة في كمه، فأراه إياها فلا يسمع إلا قوله. فأنزل الله تعالى: " سماعون للكذب أكالون للسحت " " المائدة: 42 " .
قال الحجاج لبعض الدهاقين من الري: ما بال بلدكم قد خرب؟ فقال: لأن عمالكم استعملوا فيه قول شاعركم: من السريع
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك تدري من الناتج
واصبب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج
روي أن أبرويز نزل بامرأة متنكراً، فحلبت له بقرة، ورأى لها لبناً كثيراً. فقال للمرأة: كم يلزمك في السنة للسلطان عن هذه البقرة؟ فقالت: درهم واحد. قال: وأين ترتع؟ وبكم منها ينتفع؟ قالت: ترتع في أرض السلطان، ولي منها قوتي وقوت عيالي. فجعل في نفسه أن يجعل إتاوة على البقرة، فما لبث أن قالت المرأة: أوه إن سلطاننا هم بجور، فقال أبرويز لها: ولمه؟ قالت: إن درة البقرة انقطعت، وإن جور السلطان مقتض لجدب الزمان كما أن عدله مقتض لخصب الزمان. فأقلع أبرويز عما هم به.
كتب أخ لمحمد بن يوسف الأصفهاني إليه من أصفهان، يشكو إليه جور السلطان، فكتب إليه محمد: أما بعد، فهمت كتابك وما ذكرت فيه، وليس ينبغي لمن عمل الذنب أن ينكر العقوبة.
قدم مرزبان من مرازبة القرى على أبي عبد الله وزير المهدي فقال: وليت علينا رجلاً، إن وليته وأنت تعرفه فما خلق الله رعية أهون عليك منا، وإن لم تعرفه فما هذا جزاء الملك الذي ولاك أمره، وسلطك على ملكه. فدخل الوزير على المهدي وخرج وقال: هذا رجل كان له علينا حق فكافأناه فقال: أصلحك الله، إن على باب كسرى ساجة منقوشة بالذهب مكتوباً عليها: العمل للكفاة، وقضاء الحقوق على بيوت الأموال، فأمر بعزله.
قيل لمعاوية: إن أبا مسلم الخولاني يطوف ويبكي على الإسلام، فقال له: سمعت أنك تطوف وتبكي على الإسلام، فقال: نعم، وما اسمك؟ قال: معاوية. قال: يا معاوية إن عملت خيراً جزيت خيراً، وإن عملت شراً جزيت شراً، إنك لو عدلت بين أهل الأرض ثم جرت على واحد منهم لما وفى جورك بعدلك.
قال سليمان بن علي لعمرو بن عبيد: ما تقول في أموالنا التي نصرفها في سبيل الخير؟ فأبطأ عمرو في الجواب يريد به وقار العلم ثم قال: إن من نعمة الله على الأمير أنه أصبح لا يجهل أن من أخذ الشيء من حقه، ووضعه في وجهه، فلا تبعة عليه غداً. فقال: نحن أحسن ظناً بالله منكم، فقال: أقسم على الأمير بالله عز وجل هل يعلم أحداً كان أحسن ظناً بالله من رسوله؟ قال: لا، قال: فهل علمته أخذ شيئاً قط من غير حله ووضعه في غير حقه؟ قال: اللهم لا، قال: حسن الظن بالله أن تفعل ما فعل رسول الله عليه السلام.
قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني.
قال ابن عباس: ليس للظالم عهد فإن عاهدته فانقضه، فإن الله عز وجل يقول " لا ينال عهدي الظالمين " " البقرة: 124 " .
قدم المنصور البصرة قبل الخلافة فنزل بواصل بن عطاء فقال: إن أبياتاً بلغتني عن سليمان بن يزيد العدوي في العدل، فمر بنا إليه. فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب. فقال: يحب أن يسمع أبياتك في العدل فأنشده: من البسيط
حتى متى لا نرى عدلاً نسر به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلون أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت أني رأيت يوم عدل ثم مت.
قال ابن المبارك: فهلك أبو جعفر والله وما عدل.
استعدت أروى بنت أويس مروان بن الحكم على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وقالت: أخذ حقي فأدخله في أرضه، فقال سعيد: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة. وترك لها سعيد ما ادعت ثم قال: اللهم إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها واجعل قبرها في بيتها، فعميت وخرجت في بعض حاجاتها فوقعت في البئر فماتت. ولما عميت سألت سعيداً أن يدعو لها وقالت: إني قد ظلمتك فقال: لا أرد ما أعطانيه الله.
روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا جار الحاكم قل المطر، وإذا غدر بالذمة ظفر العدو، وإذا ظهرت الفاحشة كانت الرجفة.
قال احمد بن نصير: قدم إلي مجوسي لأضربه فقال: يا هذا اضرب بقدر ما تقوى عليه، يريد القصاص في الآخرة، فتركته وتركت عمل السلطان.
قال خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين، فهل تخاف علي أن أكون من أعوان الظلمة؟ قال: لا، إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة، أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.
خطب المهدي يوماً فقال: عباد الله اتقوا الله، فقام رجل فقال: وأنت فاتق الله، فإنك تعمل بغير الحق. فأخذ الرجل وأدخل عليه فقال: يا ابن الفاعلة تقول لي وأنا على المنبر اتق الله؟ فقال الرجل: سوءة لك، لو غيرك قالها كنت المستعدي عليه قال: ما أراك إلا نبطياً قال: ذاك أوكد للحجة عليك أن يكون نبطي يأمرك بتقوى الله.
قال عبد العزيز العمري للمهدي: اعلم أن دوابك التي تركب تمسح بالمناديل، ويبرد لها الماء، وينقى لها العلف، فتعجبك شحومها وبريقها وحسن ألوانها، ودينك أعجف قاتم أغبر، والله لو رأيته لساءك منظره.
ذكر هشام عند محمد بن كعب القرظي وثم محمد بن علي بن الحسين فوقع فيه، فقال القرظي: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون. إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل عتا عليهم فانطلق نفر منهم إلى حبرهم وقالوا: تخرج عليه. فقال: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون، ولكن انطلقوا فصوموا عشراً، وقوموا ولا تظلموا فيها أحداً ولا تطؤوا فيها امرأة. فجاءوا بعد عشر فقال: زيدوا عشراً أخر، فلم يزالوا حتى بلغوا أربعين. ثم قال لهم: اجتمعوا وادعوا الله أن يكفيكم ففعلوا. فدعا الملك ببرذون له، وأمر سائسه بإسراجه، فتشاغب وامتنع البرذون، فغضب الملك وقام وأسرجه وركبه، فجمح به حتى ألقاه فتقطع وهلك. فقال الحبر: هكذا إذا أردتم أن تقتلوا من ظلمكم.
نوادر من هذا الباب اختصم رجلان إلى قاض، فدنا أحدهما منه وقال له سراً: قد وجهت إلى الدار فراريج كسكرية وحنطة بلدية وكذا وكذا، فقال القاضي بصوت عال: إذا كانت لك بينة غائبة انتظرناها، ليس هذا مما يسار به.
حضر جماعة من أهل زنجان باب السلطان، فشكوا ثقل متوليهم وتضاعف المؤن عليهم فأجيبوا إلى حطيطة، فقالوا نحب أن يقتصر منا على الأخماس بدل الأعشار، فصار ذلك بجهلهم رسماً عليهم.
كان الفضل بن العباس اللهبي ثقيل البدن تتعذر الحركة عليه، وكان بخيلاً فاشتري له حمار، فقال للذي اشترى له الحمار: إني لا أطيق علفه، فإما أن بعثت إلي بقوته وإلا رددته. فكان يبعث إليه بعلف كل ليلة، ولا يدع هو أن يطلب من كل أحد يأنس به علفاً، ويعلف الحمار التبن، ويبيع الشعير، حتى هزل وعطب. فرفع الحزين الكناني إلى ابن حزم أو غيره قصة، وكتب في رأسها قصة حمار الفضل اللهبي، وشكا فيها أنه يركبه ويأخذ علفه وقضيمه من الناس، فيبيع الشعير ويعلفه التبن، ويسأل أن ينصف منه فقراء الرقعة، وضحك وقال: لئن كنت مازحاً إني لأظنك صادقاً، فأمر بتحويل الحمار إلى اصطبله ليعلفه ويركبه اللهبي متى أراد.
ابن حجاج من قصيدة له مشهورة: من الخفيف
ومن الجور والحديث شجون ... جائع بات أيره شبعانا
قيل: كان على الري قاض يكنى أبا حزوة، اختصم إليه قوم في عقد من لؤلؤ وجوهر، فوضع الجوهر بين يدي القاضي وهم يختصمون، فأخذ القاضي حجراً منه فوضعه في فيه ثم ابتلعه، وأعرابي ينظر إليه، ففطن له الأعرابي وأنشأ يقول: من البسيط
دعوت رب شعيب أن ينجيني ... من كورة يبعر الياقوت قاضيها
إن التي كان أوعاها فأخرجها ... دلت على عذرات كان يخفيها
ولى المنصور سليمان بن راميل، وضم إليه ألفاً من العجم، فقال: قد ضممت إليك ألف شيطان تذل بهم الخلق. فعاثوا في نواحي الموصل، فكتب إليه كفرت النعمة يا سليمان، فأجاب " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا " " البقرة: 102 " فضحك المنصور وأمده بغيرهم.
شكا رجل إلى كسرى بعض عماله وأنه غصبه ضيعة، فقال له: قد أكلتها أربعين سنة، فما عليك أن تتركها على عاملي سنة؟ قال: أيها الملك وما عليك أن تسلم ملكك إلى بهرام فيأكله سنة؟ فأمر أن يوجأ في عنقه فقال: أيها الملك دخلت بمظلمة وأخرج بمظلمتين؟ فأمر برد ضيعته وقضى حوائجه.
غزا محمد بن واسع خراسان مع قتيبة، فرعوا الزرع، وأخذ هو بعنان فرسه يتخلل به الأودية. فقال له دهقان القرية: أنت الذي أهلكتني، قال: كيف؟ قال: لولا أنت لهلك هؤلاء.
دخل رجل على الحجاج فقال: ما عندك؟ قال: علم ألسنة الطير، فإذا هامتان تجاوبتا فقال: ما تقولان؟ قال: تخطب إحداهما بنت الأخرى فتقول لها: لا أزوجك إلا بأربعمائة قصر منيف خراب؟ قال: أين تجد ذلك؟ قال: ما دام مثلك حياً لا نعدمه، قال: كيف؟ قال: إنك تقتل الأخيار وتعطل الديار.
ألح رجل من المتظلمين على أحمد بن الخصيب وهو راكب إلى المنتصر، فركله فقيل فيه: من الكامل
قل للخليفة يا ابن عم محمد ... اشكل وزيرك إنه ركال
ومثله ما رفع إلى المأمون أن قاضياً له كان يعض الخصوم فوقع في الرقعة: يشنق.
خطب علي عليه السلام أهل الكوفة ودعا إلى الجهاد، فقال أربد الفزاري: والله لا نجيبك، فضربه قوم من همدان حتى مات، فوداه علي من بيت المال، فقال علاقة بن عركي التميمي: من الطويل
معاذ إلهي أن تكون منيتي ... كما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خصفاً نعالها ... إذا رفعت عنه يد وقعت يد
أخرج أبو علي ابن رستم عاملاً إلى بعض النواحي، وكان في القرية حمام كثير، فعدها وأخذ واحدة منها وشق حوصلتها، وعد الحبوب الموجودة فيها، واحتسب بذلك وقال: إن كل حمامة تأكل في السنة من الحنطة كذا، فألزمهم ذلك، فكتب إليه أبو علي كتاباً وفي آخره: من الرجز
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها
وهي من أبيات لرؤبة بن عيينة.
وقال آخر: الرمل المجزوء
يتغنى القيد في رج ... ليه ألوان الغناء
باكياً لا رقأت عي ... ناه من طول البكاء
أقام عامل على دهقان عونين وأمرهما بنتف سباله، فقال: لم تفعل هذا أصلحك الله؟ قال: حتى تصحح خراجك، وخراج أهل بيتك، وخراج شركائك، فلما أطال رفع رأسه إلى العونين فقال: انتفا على بركة الله.
كان معلم يقعد أبناء المياسير في الظل، وأبناء الفقراء في الشمس ويقول: يا أهل الجنة ابزقوا على أهل النار.
كان صاحب ربع يتشيع، فارتفع إليه خصمان اسم أحدهما علي والآخر معاوية، فتحامل على معاوية فضربه مائة مقرعة من غير أن اتجهت عليه حجة، ففطن من أين أتي فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو أبو عبد الرحمن، فبطحه وضربه مائة مقرعة، فقال لصاحبه: ما أخذت مني بالاسم استرجعته منك بالكنية.
كان أبو ضمضم على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلاً من عرض الناس فجرده للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل: ما ذنبي أصلحك الله؟ قال: أحب أن تجملنا بنفسك ساعة.
قال كعب: نهيق الحمار دعاء على الظلمة، فحدث به المسيب بن شريك فقال: لو علمت أن هذا حقاً لزدت في قضيم حماري.
قال أبو المطراب وهو من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم: من الوافر
ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني
فلست بصابر إلا قليلاً ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني
تقدم رجلان إلى قاض، فتكلم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلم، فقال: أيها القاضي يقضي على غائب، قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلم.
بنى ابن أسد قصراً بالبصرة، وكانت في جانب منه حجرة صغيرة لعجوز كانت تساوي عشرين ديناراً، فاحتاج إليها وطلبها بمائتي دينار، فأبت. فقيل لها: إن القاضي يحجر عليك لسفاهتك لأنك ضيعت مائتين فيما قيمته عشرون، فقالت: ولم لا يحجر على من يشتري بمائتين ما يساوي عشرين؟ فحجت فاشتريت بثلاثمائة دينار.
كان لسعيد بن خالد القرشي طائر اسمه كسرى، وفرخ له اسمه ساسان، فأكل الفرخ سنور جار له يعرف بأنس، فكتب إلى العلاء بن منظور صاحب شرطة الكوفة، وهو الذي وهب له كسرى: من الرمل
يا ابن منظور بن قيس دعوة ... ضوءها أنور من ضوء القبس
إن ساسان بن كسرى غاله ... في سواد الليل سنور أنس
فأقدنا منه أو أخلفه أو ... خل بين الناس من عز افترس
قيل: أخذ رجل ذئباً وهو يعظه ويقول له: إياك وأخذ أغنام الناس فيعاقبك الله، والذئب يقول: خفف واقتصر، فقدامي قطيع من الغنم لا يفوتني.
انحدر القاضي أبو بكر ابن قريعة إلى ضيعة له، فلما وصلت سميريته إلى شاطئ القرية سبق أكار من أكرته يهودي اسمه شعيب، ومعه جماعة، فتظلم من وكيله وأعطاه رقعه كان قد كتبها له معلم في القرية في وقتها بالحبر، وأخذها وطواها وهي رطبة فانطمس أكثرها. فلما دفعها إلى القاضي أعطاها لكاتبه فقال: اقرأ ما فيها، فلم يفهم شيئاً من المكتوب فيها، فأطال استخراجه لها، والقاضي مستوفز والأكرة يصيحون، فضاق صدره واستبطأ كاتبه، فأخذ الرقعة من يديه ليقرأها فكانت صورته مثل صورة الكاتب فردها إليه وقال له: وقع فيها " يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز " " هود: 91 " وادفع الرقعة إليه، ونهض من السميرية صاعداً.
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
اعلم أرشدك الله إن الله تعالى أمر بالعدل ثم علم سبحانه وتعالى أنه ليس كل النفوس تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل فقال تعالى ( إن الله أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي ) الآية فلو وسع الخلائق العدل ما قرن الله به الاحسان والعدل ميزان الله تعالى في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوى والمحق من المبطل واعلم أن عدل الملك يوجب محبته وجوره يوجب الافتراق عنه وأفضل الأزمنة ثوابا أيام العدل وروينا من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عمل العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما وروي عن النبي أنه قال عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لكعب الاحبار أخبرني عن جنة عدن قال يا أمير المؤمنين لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عادل فقال عمر والله ما أنا نبي وقد صدقت رسول الله وأما الإمام العادل فإني أرجو أن لا أجور وأما الشهادة فأني لي بها قال الحسن فجعله الله صديقا شهيدا حكما عدلا وسأل الإسكندر حكماء أهل بابل إيما أبلغ عندكم الشجاعة أو العدل قالوا إذا
استعملنا العدل استغنينا به عن الشجاعة ويقال عدل السلطان أنفع من خصب الزمان وقيل إذا رغب السلطان عن العدل رغبت الرعية عن طاعته وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يشكو إليه من خراب مدينته ويسأله مالا يرمها به فكتب إليه عمر قد فهمت كتابك فإذا قرأت كتابي فحصن مدينتك بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها والسلام ويقال إن الحاصل من خراج سواد العراق في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف فلم يزل يتناقص حتى صار في زمن الحجاج ثمانية عشر ألف ألف فلما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ارتفع في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف وفي الثانية إلى ستين ألف ألف وقيل أكثر وقال إن عشت لأبلغنه إلى ما كان في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمات في تلك السنة ومن كلام كسرى لا ملك إلا بالجند ولا جند إلا بالمال ولا مال إلا بالبلاد ولا بلاد إلا بالرعايا ولا رعايا الا بالعدل
ولما مات سلمة بن سعيد كان عليه ديون للناس ولأمير المؤمنين المنصور فكتب المنصور لعامله استوف لأمير المؤمنين حقه وفرق ما بقي بين الغرماء فلم يلتفت الى كتابه وضرب للمنصور بسهم من المال كما ضرب لأحد الغرماء ثم كتب للمنصور إني رأيت أمير المؤمنين كاحد الغرماء فكتب إليه المنصور ملئت الأرض بك عدلا وكان أحمد بن طولون والي مصر متحليا بالعدل مع تجبره وسفكه للدماء وكان يجلس للمظالم وينصف المظلوم من الظالم
حكى أن ولده العباس استدعي بمغنية وهو يصطبح يوما فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره فدخل العباس إليه وأخبره بذلك فأمر باحضار ذلك الرجل الصالح فلما أحضر اليه قال أنت الذي كسرت العود قال نعم قال أفعلت لمن هو قال نعم هو لابنك العباس قال أفما أكرمته لي قال أكرمه لك بمعصية الله عز و جل والله تعالى يقول ( والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء
بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ورسول الله يقول لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأطرق أحمد بن طالون عند ذلك ثم قال كل منكر رأيته فغيره وأنا من ورئك ووقف يهودي لعبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين إن بعض خاصتك ظلمني فانصفني منه وأذقنى حلاوة العدل فأعرض عنه فوقف له ثانيا فلم يلتفت اليه فوقف له مرة ثالثة وقال يا أمير المؤمنين إنا نجد في التوراة المنزلة على كليم الله موسى صلوات الله وسلامه عليه إن الإمام لا يكون شريكا في ظلم أحد حتى يرفع إليه فاذا رفع إليه ذلك ولم يزله فقد شاركه في الظلم والجور فلما سمع عبد الملك كلامه فزع وبعث في الحال إلى من ظلمه فعزله وأخذ لليهودي حقه منه
وروى أن رجلا من العقلاء غصبة بعض الولاة ضيعة له فأتى إلى المنصور فقال له أصلحك الله يا أمير المؤمنين أأذكر لك حاجتي أم اضرب لك قبلها مثلا فقال بل أضرب المثل فقال إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فانما يفزع إلى أمة إذ لا يعرف غيرها وظنا منه أن لا ناصر له غيرها فإذا ترعرع واشتد كان فرارة إلى أبيه فإذا بلغ وصار رجلا وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه فإذا زاد عقله شكاه الى السلطان لعلمه أنه أقوى ممن سواه فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوي من السلطان وقد نزلت بي نازلة وليس أحد فوقك أقوى منك إلا الله تعالى فإن انصفتني والا رفعت أمري الى الله تعالى في الموسم فإني متوجه إلى بيته وحرمه فقال المنصور بل ننصفك وأمر أن يكتب إلى واليه برد ضيعته إليه وكان الاسكندر يقول يا عباد الله إنما إلهكم الله الذي في السماء الذي نصر نوحا بعد حين الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة وإليه مفزعكم عند الكرب والله لا يبلغني أن الله تعالى أحب شيئا إلا أحببته واستعملته الى يوم أجلي ولا أبغض شيئا الا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي وقد انبئت أن الله تعالى يحب العدل في عباده ويبغض الجور من بعضهم على بعض
فويل للظالم من سيفي وسوطي ومن ظهر منه العدل من عمالي فليتكيء في مجلسي كيف شاء وليتمن على ما شاء فلن تخطئه أمنيته والله تعالى المجازي كلا بعمله ويقال إذا لم يعمر الملك ملكه بالانصاف خرب ملكه بالعصيان
وقيل مات بعض الأكاسرة فوجدوا له سفطا ففتح فوجد فيه حبة رمان كأكبر ما يكون من النوى معها رقعة مكتوب فيها هذه من حب رمان عمل في اخراجه بالعدل
وقيل تظلم أهل الكوفة من واليهم فشكوه إلى المأمون فقال ما علمت في عمالي أعدل ولا أقوم بأمر الرعية وأعود بالرفق عليهم منه فقال رجل منهم يا أمير المؤمنين ما أحد أولى بالعدل والانصاف منك فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين فضحك المأمون من قوله وعزله عنهم وقدم المنصور البصرة قبل الخلافة فنزل بواصل بن عطاء وقال بلغني أبيات عن سليم بن يزيد العدوى في العدل فقم بنا إليه فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل من هذا الذي معك قال عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم فقال رحب على رحب وقرب على قرب فقال أنه يحب أن يسمع أبياتك في العدل فقال سمعا وطاعة وأنشد يقول
( حتى متى لا نرى عدلا نسر به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا )
( مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلون أهل الجور ألوانا )
( يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا )
فقال المنصور وددت لو أني رأيت يوم عدل ثم مت وقيل لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم فابتدأ بأهل بيته فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوها أن تكلمه فقال لها إن رسول الله سلك طريقا فلما قبض سلك أصحابه ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله فلما قضي الأمر إلى معاوية جره يمينا وشمالا وأيم الله لئن مد في عمري لاردنه إلى ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله وأصحابه فقالت له يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوما عصيبا فقال كل يوم أخافة دون يوم القيامة فلا أمننيه الله وقال وهب بن منبه إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع وكل شيء وإذا هم بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك قال الوليد بن هشام إن الرعية لتصلح بصلاح الوالي وتفسد بفسادة وقال ابن عباس رضي الله عنهما ان ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته متنكرا فنزل على رجل له بقرة تحلب قدر ثلاث بقرات فتعجب الملك من ذلك وحدثته نفسه بأخذها فلما كان من الغد حلبت له النصف مما حلبت بالامس فقال له الملك ما بال حلبها نقص أرعت في غير مرعاها بالامس فقال لا ولكن أظن أن ملكنا رآها أو وصله خبرها فهم بأخذها فنقص لبنها فإن الملك إذا ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة فتاب الملك وعاهد ربه في نفسه أن لا يأخذها ولا يحسد احدا من الرعية فلما كان من الغد حلبت عادتها ومن المشهور بأرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو أن كل قصبة منها تعصر قدحا فعزم الملك على أخذها منها ثم أتاها وسألها عن ذلك فقالت نعم ثم إنها عصرت قصبة فلم يخرج منها نصف قدح فقال لها أين الذي كان يقال فقالت هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني فارتفعت البركة منها فتاب الملك وأخلص لله النية وعاهد الله أن لا يأخذها منها أبدا ثم أمرها فعصرت قصبة منها فجاءت ملء قدح
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمة الله في كتابه سراج
الملوك قال حدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك فغصبها السلطان فلم تحمل شيئا في ذلك العام ولا تمرة واحدة وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد أعرف هذه النخلة وقد شاهدتها وهي تحمل عشرة أرداب وستين ويبه وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبه بدينار
وحكى أيضا رحمه الله تعالى قال شهدت في الإسكندرية والصيد مطلق للرعية السمك يطفو على الماء لكثرته وكانت الأطفال تصيده بالخرق من جانب البحر ثم حجزه الوالي ومنع الناس من صيده فذهب السمك حتى لا يكاد يوجد إلى يومنا هذا وهكذا تتعدى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية ان خيرا فخير وإن شرا فشر وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج يتساءلون إذا تلاقوا من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع وما أشبه ذلك وكان الوليد بن هشام صاحب ضياع واتخاذ مصانع فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار ولما ولى سليمان بن عبد الملك وكان صاحب طعام ونكاح كان الناس يتحدثون ويتساءلون في الأطعمه الرفيعة ويتغالون في المناكح والسراري ويعمرون مجالستهم بذكر ذلك ولما ولى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان الناس يتساءلون كم تحفظ من القرآن وكم وردك كل ليلة وكم يحفظ فلان وكم يختم وكم يصوم من الشهر وما أشبه ذلك فينبغي لإمام أن يكون على طريقة الصحابه والسلف رضي الله عنهم ويقتدي بهم في الأقوال والأفعال فمن خالف ذلك فهو لا محالة هالك وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب وقد قيل أنه مثله كمثل الرياح التي يرسلها الله تعالى بشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السحاب ويجعلها لقاحا للثمرات وروحا للعباد ولو تتبعت ما جاء في العدل والإنصاف وفضل الإمام العادل لألفت في ذلك مجموعا جامعا لهذا المعنى ولكن اقتصرت على ما ذكرته مخافة أن يمله الناظر ويسأمه السامع وبالله التوفيق إلى أقوم طريق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
قال الله تعالى ( ألا لعنة الله على الظالمين ) وقال تعالى ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) قيل هذه تسلية للمظلوم ووعيد للظالم وقال تعالى ( أنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ) وقال تعالى ( وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون ) وقال رسول الله من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم خرج من الأسلام وقال أيضا رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة وليس معه دينار ولا درهم وقال ايضا من اقتطع حق امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا قال ولو كان قضيبا من أراك وعن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله أوحي الله تعالى إلي يا أخا المرسلين يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد من عبادي عند احد منهم مظلمة فإني ألعنه مادام قائما يصلي بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة وعن علي رضي الله عنه عن النبي إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل الله تعالى حقه وعنه أنه قال ما من عبد ظلم فشخص ببصرة إلى السماء إلا قال الله
عز و جل لبيك عبدي حقا لأنصرنك ولو بعد حين وعنه ايضا أنه قال الا إن الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله والعياذ بالله تعالى قال الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب فظلم العبد نفسه ومر رجل برجل قد صلبه الحجاج فقال يا رب إن حلمك على الظالمين أحل المظلومين فنام تلك الليلة فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه قد دخل الجنة فرأى ذلك المصلوب في أعلي عليين وإذا مناد ينادي حلمي على الظالمين قد أضر بالظلومين في أعلي عليين وقيل من سلب نعمة غيره سلب نعمته غيره وسمع مسلم بن بشار رجلا يدعو على من ظلمه فقال له كل الظالم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك ويقال من طال عدوانه زال سلطانه وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم ورثي لوح في أفق السماء مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحته هذا البيت
( فلم أر مثل العدل للمرء رافعا ... ولم أر مثل الجور للمرء واضعا )
وقال الشاعر
( كنت الصحيح وكنا منك في سقم ... فإن سقمت فإنا السالمون غدا )
( دعت عليك أكف طالما ظلمت ... ولن ترد يد مظلومة أبدا )
وكان معاوية يقول إني لأستحي أن أظلم من لا يجد علي ناصرا إلا الله وقال أبو العيناء كان لي خصوم ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي داود وقلت قد تضافروا علي وصاروا يدا واحدة فقال يد الله فوق ايديهم فقلت له إن لهم مكرا فقال ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله قلت هم فئة كثيرة فقال كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وقال يوسف بن إسباط من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه وعن أبي
هريرة رضي الله عنه قال قال أبو القاسم من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه وقال مجاهد يسلط الله على أهل النار الجرب فيحكون أجسادهم حتى تبدو العظام فيقال لهم هل يؤذيكم هذا فيقولون إي والله فيقال لهم هذا بما كنتم تؤذون المؤمنين وقال ابن مسعود رضي الله عنه لما كشف الله العذاب عن قوم يوسف عليه السلام ترادوا المظالم بينهم حتى كان الرجل ليقلع الحجر من أساسه فيرده إلى صاحبه وقال أبو ثور بن يزيد الحجر في البنيان من غير حلة عربون على خرابة وقال غيره لو أن الجنة وهي دار البقاء أسست على حجر من الظلم لأوشك أن تخرب وقال بعض الحكماء اذكر عند الظلم عدل الله فيك وعند القدرة قدرة الله عليك لا يعجبك رحب الذراعين سفاك الدماء فإن له قاتلا لا يموت وقال سحنون بن سعيد كان يزيد بن حاتم يقول ما هبت شيئا قط هيبتي من رجل ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له ألا الله فيقول حسبك الله الله بيني وبينك وقال بلال بن مسعود اتق الله فيمن لا ناصر له إلا الله وبكي علي بن الفضل يوما فقيل له ما يبكيك قال أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة وروى أن النبي قال يقول الله تعالى اشتد غضبي علي من ظلم من لا يجد له ناصر غيري ونادى رجل سليمان ابن عبد الملك وهو على المنبر يا سليمان اذكر يوم الأذان فنزل سليمان من على المنبر ودعا بالرجل فقال له ما يوم الأذان فقال قال الله تعالى ( فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله عللى الظالمين ) قال فما ظلامتك قال أرض لي بمكان كذا وكذا أخذها وكيلك فكتب إلى وكيله ادفع إليه أرضه وأرضا مع أرضه وروى أن كسرى أنوشروان كان له معلم حسن التأديب يعلمه حتى فاق في العلوم فضربه المعلم يوما من غير ذنب فأوجعه فحقد أنوشران عليه فلما ولي الملك قال للمعلم ما حملك على ضربي يوم كذا وكذا ظلما فقال له لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك فأحببت أن اذيقك طعم الظلم لئلا تظلم فقال أنوشروان زه زه
وقال محمد بن سويد وزير المأمون
( فلا تأمنن الدهر حرا ظلمته ... فما ليل حر إن ظلمت بنائم )
وروى أن بعض الملوك رقم على بساطه
( لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم مصدره يفضي إليه الندم
( تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم ) وما أحسن ما قال الاخر
( أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاء )
( سهام الليل نافذة ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء )
( فيمسكها إذا ما شاء ربي ... ويرسلها إذا نفذ القضاء ) وقال أبو الدرداء اياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم فانها تسري بالليل والناس نيام وقال الهيثم ابن فراس السامي من بني سامة بن لؤي في الفضل بن مروان
( تجبرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل )
( ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتت والقتل ) يريد الفضل بن الربيع والفضل بن يحيى والفضل بن سهل ووجد تحت فراشي يحيى بن خالد البرمكي رقعة مكتوب فيها
( وحق الله ان الظلم لؤم ... وأن الظلم مرتعه وخيم )
( الى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم ) ووجد القاسم بن عبيد الله وزير المكتفي في مصلاه رقعة مكتوبا فيها
( بغي وللبغي سهام تنتظر ... )
( أنفذ في الاحشاء من وخز الابر )
( سهام أيدي القانتين في السحر ) وقال المنصور بن المعتمر لابن هبيرة حين اراد ان يوليه القضاء ما
لإلي هذا بعدما حدثني ابراهيم قال وما حدثك ابراهيم قال حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الظلمة وأعوان الظلمة وأشياع الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون في تابوت من حديد ثم يرمي بهم في نار جهنم وروى هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال جلس ابي للمظالم يوما فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا فقال له ألك حاجة قال نعم ادنني اليك فاني مظلوم وقد اعوزني العدل والانصاف قال ومن ظلمك قال انت ولست أصل اليك فأذكر حاجتي قال وما يحجبك وقد ترى مجلسي مبذولا قال يحجبني عنك هيبتك طول لسانك وفصاحتك قال ففيم ظلمتك قال في ضيعتي الفلانية اخذها وكيلك غصبا مني بغير ثمن فاذا وجب عليها خراجأديته باسمي لئلا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها وهذا لم يسمع بمثله في المظالم فقال له محمد هذا قول تحتاج معه الى بينة وشهود أشياء فقال له الرجل ايؤمنني الوزير من غضبه حتى أجيب قال نعم قد أمنتك قال البينة هم الشهود واذا شهدوا فليس يحتاج معهم الى شيء اخر فما معنى قولك بينة وشهود وأشياء وأي شيئ هذه الاشياء ان هي الا الجور وعدولك عن العدل فضحك محمد وقال صدقت والبلاء موكل بالمنطق واني لارى فيك مصطنعا ثم وقع له مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته وصيره من أصحابه فكان قبل ان يتوصل الى الانصاف واعادة ضيعته له يقال له يا فلان كيف الناس فيقول بشر بين مظلوم لا ينصر وظالم لا ينتصر فلما صار من أصحاب محمد ابن عبد الملك ورد عليه ضيعته وأنصفه قال له ليلة كيف الناس الان قال بخير قال اعتمدت معهم الانصاف ورفعت عنهم الاجحاف ورددت عليهم الغصوب وكشفت عنهم الكروب وأنا أرجو لهم ببقائك نيل كل مرغوب والفوز بكل مطلوب ومما نقل في الاثار الاسرائيلية في زمان موسى صلوات الله وسلامه
عليه أن رجلا من ضعفاء بني إسرائيل كان له عائلة وكان صيادا يصطاد السمك ويقوت منه أطفاله وزوجته فخرج يوما للصيد فوقع في شبكته سمكة كبيرة ففرح بها ثم أخذها ومضي إلى السوق ليبيعها ويصرف ثمنها في مصالح عياله فلقيه بعض العوانية فرأى السمكة معه فأراد أخذها منه فمنعه الصياد فرفع العواني خشبة كانت بيده فضرب بها رأس الصياد ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصبا بلا ثمن فدعا الصياد عليه وقال إلهي جعلتني ضعيفا وجعلته قويا عنيفا فخذلي بحقي منه عاجلا فقد ظلمني ولا صبر لي إلى الآخرة ثم ان ذلك الغاصب الظالم انطلق بالسمكة إلى منزله وسلمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها فلما شوتها قدمتها له ووضعتها بين يديه على المائدة ليأكل منها ففتحت السمكة فاها ونكزته في أصبع يده نكزة طار بها عقلة وصار لا يقر بها قرارة فقام وشكا الى الطبيب ألم يده وما حل به فلما رآها قال له دواؤها أن تقطع الأصبع لئلا يسري الألم إلى بقية الكف فقطع أصبعه فأنتقل الألم والوجع الى الكف واليد وزداد التألم وارتعدت من خوفه فرائصة فقال له الطبيب ينبغي أن تقطع اليد إلى المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد فقطعها فأنتقل الألم الى الساعد فما زال هكذا كلما قطع عضوا انتقل الألم إلى العضو الآخر الذي يليه فخرج هائما على وجهه مستغيثا إلى ربه ليكشف عنه ما نزل به فرأى شجرة فقصدها فأخذه النوم عندها فنام فرأى في منامه قائلا يقول يا مسكين إلى كم تقطع أعضاءك امض الى خصمك الذي ظلمته فارضه فانتبه من النوم وفكر في أمره فعلم أن الذي أصابه من جهة الصياد فدخل المدينة وسأل عن الصياد وأتي إليه فوقع بين يديه يتمرغ على رجليه وطلب منه الإقالة مما جناه ودفع إليه شيئا من ماله وتاب من فعله فرضي عنه خصمه الصياد فسكن في الحال ألمه وبات تلك الليلة فرد الله تعالى عليه يده كما كانت ونزل الوحى على موسى عليه السلام يا موسى وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضي خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته
ومما تضمنته أخبار الأخيار ما رواه أنس رضي الله عنه قال بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاعد إذ جاءه رجل
من أهل مصر فقال يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك فقال عمر رضي الله عنه لقد عذت بمجير فما شأنك فقال سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص وهو يومئذ أمير على مصر فجعل يقنعني بسوطه ويقول أنا ابن الأكرمين فبلغ ذلك عمرا أباه فخشي أن آتيك فحبسني في السجن فانفلت منه فهذا الحين أتيتك فكتب عمرو بن العاص إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان وقال للمصري أقم حتى يأتيك فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج فلما قضى عمر الحج وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه قام المصري فرمي إليه عمر رضي الله عنه بالدرة قال أنس رضي الله عنه فلقد ضربة ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه وعمر يقول اضرب ابن الأكرمين قال يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت قال ضعها على ضلع عمرو فقال يا أمير المؤمنين لقد ضربت الذي ضربني قال أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال يا عمرو متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا فجعل عمرو يعتذر إليه ويقول إني لم أشعر بهذا وقيل لما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل استغاث الناس من ظلمه وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها فقالت لهم متى يركب قالوا في غد فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقة وقالت يا أحمد يا ابن طولون فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها فإذا فيها ملكهم فأسرتم وقدرتم فقهرتم وخولتم فعسفتم وردت اليكم الأرزاق فقطعتم هذا وقد علمتم أن سهام الاسحار نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجمعتموها وأكباد جوعتموها وأجساد عريتموها فمحال أن يموت المظلوم ويبقي الظالم اعملوا ما شئتم فإنا صابرون وجوروا فإنا بالله مستجيرون واظلموا فإنا إلى الله متظلمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون قال فعدل لوقته
وحكى أن الحجاج حبس رجلا في حبسه ظلما فكتب إليه رقعة فيها قد مضي من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام والموعد القيامة والسجن جهنم والحاكم لا يحتاج الى بينة وكتب في آخرها
( ستعلم يا نؤم إذا التقينا ... غدا عند الإله من الظلوم )
( أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال الظلوم هو الملوم )
( سينقطع التلذذ عن أناس ... أداموه وينقطع النعيم )
( إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم )
وحكى أبو محمد الحسين بن محمد الصالحي قال كنا حول سرير المعتضد بالله ذات يوم نصف النهار فنام بعد أن اكل فانتبه منزعجا وقال يا خدم فأسرعنا الحواب فقال ويلكم أعينوني والحقوا بالشط فأول ملاح ترونه منحدرا في سفينة فارغة فأقبضوا عليه وائتوني به ووكلوا بالسفينة من يحفظها فأسرعنا فوجدنا ملاحا في سفينة منحدرة وهي فارغة فقبضنا عليه ووكلنا بها من يحفظها وصعدنا به إلى المعتضد فلما رآه الملاح كاد يتلف فصاح عليه المعتضد صيحة عظيمة كادت روحه تذهب منها وقال أصدقني يا ملعون عن قضيتك مع المرأة التى قتلهتا اليوم وإلا ضربت عنقك فتلعثم وقال نعم كنت سحرا في المشرعة الفلانية فنزلت إمرأة لم أر مثلها عليها ثياب فاخرة وحلى كثيرة وجواهر فطمعت فيها واحتلت عليها حتى سددت فمها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها ثم طرحتها في الماء ولم أجسر على حمل سلبها إلى داري لئلا يفشو الخبر علي فعولت على الهروب والانحدار إلى واسط فصبرت إلى أن خلا الشط في هذه الساعة من الملاحين وأخذت في الانحدار فتعلق بي هؤلاء القوم فحملوني اليك فقال وأين الحلى والسلب قال في صدر السفينة تحت البواري قال المعتضد علي به الساعة فحضروا به فأمر بتغريق الملاح ثم امر ان ينادي ببغداد من خرجت له أمرأة الى المشرعة الفلانية سحرا وعليها ثياب فاخرة وحلى فليحضر فحضر في اليوم الثاني ثلاثة من أهلها وأعطوا صفتها وصفة ما كان عليها فسلم ذلك اليهم قال فقلت يا مولاى من أين علمت أو أوحى اليك بهذه الحالة وأمر هذه الصبية فقال بل رأيت في منامي رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي يا أحمد أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره على المرأة التى قتلها اليوم ظلما وسلبها ثيابها وأقم عليه الحد ولا يفتك فكان
ما شاهدتم فيتعين على كل ولي أمر أن يعدل في الأحكام وأن يتبصر في رعيته وعلى كل غافل أن يكف يده عن الظلم ويسلك سنن العدل ويعامل بالنصفة ويراقب الله في السر والعلانية ويعلم أن الله يجازي على الخير والشر ويعاقب الظالم على ظلمة وينتصر للمظلوم ويأخذ له حقه ممن ظلمه واذا أخذ الظالم لم يفلته والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمينيتلوه: باب العقل والحمق.
الظلم وذكر الظلمة وما عليهم
والأذى وقسوة القلب، وما اتصل بذلك أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله عبداً كان لأخيه قِبَله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فنحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة ليس معه دينار ولا درهم.
جابر بن عتيك رفعه: من اقتطع شيئاً من مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة. قالوا يا رسول الله وإن شيء يسير؟ قال: ولو قضيب من أراك.
حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أوحي إلي يا أخا المرسلين، يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتاً من بيوتي
ولأحد من عبادي عند أحد منهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائماً يصلي بين يدي يرد تلك الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة.
ابن عمر رفعه: لرد دانق حرام يعادل عند الله سبعين حجة مبررة.
أبو هريرة رفعه: لا يغبطن ظالم بظلمه فإن له عند الله طالباً حثيثاً، ثم قرأ: كلما خبت زدناهم سعيراً.
علي رضي الله عنه رفعه: إياكم ودعوة المظلوم، فإنما سأل الله حقه، وإن الله لا يمنع من ذي حق حقه.
خزيمة بن ثابت رفعه اتقوا دعوة المظلوم، فإنما تحمل على الغمام، يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
علي رفعه: يقول الله اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد ناصراً غيري.
النابغة الجعدي لعقال بن خويلد العقيلي:
كليب لعمرو الله كان أكثر ناصراً ... وأهون ذنباً منك ضرج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المُسَهَّم
مر عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا رب إن حلمك على الظالمين قد أضر بالمظلومين. فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه قد دخل الجنة، فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين، وإذا مناد ينادي: حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.
بعض السلف: دعوتان أرجو إحداهما وأخاف الأخرى: دعوة مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته.
مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين يتشاجران، وكان أحدهما يتعدى ويتطاول، وصاحبه يقول: حسبي الله، حسبي الله، فقال عليه السلام: يا رجل، ابل من نفسك عذراً، فإذا أعجزك الأمر فقل حسبي الله.
من سلب نعمة غيره سلب غيره نعمته.
زياد: يعجبني من الرجل إذا سيم خُطة الضيم أن يقول بملء فيه: لا.
عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة بن شريك بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن!امتلأت الأرض والله جوراً.
لرجل من أزد شنوءة استعدى عتبة بن أبي سفيان وقد ظلمه عامله: -
أمرت من كان مظلوماً ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم
نقش خاتم أنوشروان: لا يكون العمران حيث يجور السلطان.
كان أبو ضمضم على شرطة الكوفة، فلم يحدث في عمله حادث، فأخذ رجلاً من عرض الناس فجردوه للسياط، واجتمع عليه النظارة، فقال الرجل: - ما ذنبي أصلحك الله؟ قال: - أجب أن تجملنا بنفسك ساعة.
سمع مسلم بن يسار رجلاً يدعو على من ظلمه فقال: كل الظلوم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك إلا أن يتداركه الله بعمل، وقَمِن أن لا يفعل.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: أما بعد فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله على عقوبتك وذهاب ما تأتي إليهم وبقاء ما يؤتى إليك والسلام.
كان علي بن الحسين يقول كلما ذر شارق: اللهم إني أعوذ بك أن أظلِم أو أُظلَم، وأعوذ بك أن أبغي أو يبغي علي.
علي رضي الله عنه: ولئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجى من مساغ ريقه.
طرفة:
والظلم فرق بين حيي وائل ... بكر فساقتها المنايا تغلب
الأفوه:
وبشؤم البغي والغشم قديماً ... ما خلا جوف ولم يبق حمار
جوف: وادٍ كان لحمار بن طويلع بن عاد.
أنوشروان: رفع غليه أن عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب، فوقع برد المال على الضعفاء، فإن الملك إذا كثر أمواله بما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتله من قواعد بنائه.
يقال: كسره كسر الجوز، وقشره قشر اللوز، وأكله أكل الموز، إذا نهكه ظلماً.
من كثر شططه كثر غلطه.
الظلم يجلب النقم، ويسلب النعم.
من طال عدوانه زال سلطانه.
لولا الداعون لهلك العادون.
من جمع به العدوان جنح عليه الإخوان.
لا تندم على فرض أقمته، وظالم وقمته.
رثى في طول لوح في أفق السماء مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحته:
فلم أر مثل العدل للمرء رفعة ... ولم أر مثل الجور للمرء واضعاً
شاعر:
كنت الصحيح وكنا منك في سقم ... فإن سقمت فإنا السالمون غدا
دعت إليك أكف طالما ظُلمت ... ولن ترد يد مظلومة أبدا
النبي صلى الله عليه وسلم: " لو بغى جبل على جبل لدك الباغي " .
وعنه عليه السلام: " أعجل الشر عقوبة البغي " .
فيروز بن يزد جرد: من سل سيف البغي قتل به. ومن أوقد ناراً للفتنة كان وقوداً لها.
النجاشي: الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم.
علي رضي الله عنه: يم المظلوم على الظالم أشد من يوم المظالم على المظلوم.
معاوية: إني لأستحي أن أظلم من لا يجد علي ناصراً إلا الله.
كان الناس يتلاقون بعد قتل المنتصر أباه فيقولون: والله لا عاش إلا ستة أشهر كما عاش شيروبه بن كسرى حين قتل أباه. فكان كما ظنوا.
وروي أن سبب موته أنه فصد بمبضع مسموم، والطبيب الذي فصده احتاج إلى الافتصاد بعد ذلك، فأخرج إلى تلميذه دست مباضع وفيها ذلك المبضع، فاتفق أنه فصده به فمات الطبيب.
ورأى أباه في المنام فقال له: ظلمتني وقتلتني لا تمتعت بالخلافة إلا أياما.
وقال لأمه حين احتضر: عاجلت فترجلت.
أبو العيناء: كان لي خصوم ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي داود، وقلت: قد تظافروا علي وصاروا يداً واحدة، فقال: يد الله فوق أيديهم. قلت: إن لهم مكراً، قال: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، قلت:هم كثير، قال: - كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله.
شاعر:
لا تبع عقدة مالٍ ... خيفة الجار الغشوم
واصطبر لنفسك الجا ... ري على كل ظلوم
فهو الدائر بالأمس على آل سدوم
يزعم الأعراب أن الله تعالى لم يدع ماكساً غلا أنزل به بلية، وأنه مسخ منهم اثنين ذئباً وضبعاً. وأن الضب وسهيلاً كان ماكسين، فمسخ الله أحدهما في الأرض والآخر في السماء.
قال الحكم بن عمرو البهراني:
مسخ الماكسين ضبعاً وذئباً ... فلهذا تناجلا أم عمرو
مسخ الضب في الجدالة قدما ... وسهيل السماء عمداً بصغر
الجدالة الأرض.
نظر دهقان يعذب في الخراج إلى الوالي يعطي الناس الجوائز فقال: أيها الأمير إن كنت إنما تظلم لمن ترحم فارحم من تظلم، فنفّس عنه.
قال كعب: نهيق الحمار دعاء الظلمة، فحدث به المسيب بن شريك فقال: لو علمت أن هذا حق لزدت في قضيم حماري.
عبد الله بن الفضل في قتل المتوكل ابن الزيات:
يكاد القلب من فزع يطير ... إذا ما قيل قد قتل الوزير
أمير المؤمنين هدمت ركناً ... عليه رجاكم كانت تدور
فمهلاً يا بني العباس مهلاً ... لكم في كل ناحية عقير
كأن الله صيركم ملوكاً ... لئلا تعدلوا ولأن تجوروا
كان أبو مسلم بعرفات يقول: اللهم إني تائب إليك مما لا أظنك تغفره لي. فقيل له: أيعظم على الله غفران ذنب؟ فقال: إني نسجت ثوب ظلم لا يبلى ما دامت الدولة لبني العباس، فكم من صارخة نلعنتي عند تفاقم الظلم؟ فكيف يغفر لمن هذا الخلق خصماؤه.
وقيل له مرة: لقد قمت بأمر لا يقصر بك عن الجنة، فقال: خوفي فيه من النار أولى من الطمع في الجنة، أني أطفأت من بني أمية جمرة وألهبت من بني العباس نيراناً، فإن أفرح بالإطفاء فواحزنا من الإلهاب.
خطب الحجاج فقال: أتزعمون أني شديد العقوبة وهذا أنس حدثني أن رسول الله قطع أيدي رجال وأرجهلم وسمل عيونهم. قال أنس: فوددت أني مت قبل أن حدثته.
محمد بن عبد الله النفس الزكية:
متى نرى للعدل نوراً فقد ... أسلمني ظلم إلى ظلم
أمية طالت عداتي بها ... كأنني فيها أخو حلم
علي رفعه: إياكم والظلم فإنه يخرب قلوبكم.
وعنه مرفوعاً: الويل لظالم أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
وعنه: ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب. فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قل الله سبحانه: إن الله لا يغفر أن يشرك به، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً. القصاص هناك شديد ليس هو جرحاً بالمُدى ولا ضرباً بالسياط ولكنه ما يستصغر ذلك معه.
وعنه: لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك.
أبو مخلد: في قوله تعالى: ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.
أبصر أبو هريرة رجلاً يعظ رجلاً. فقال آخر: دعه فإن الظالم لا يضر إلا بنفسه. فقال أبو هريرة: كذبت، والذي نفسي بيده إنه ليضر غيره، حتى أن الحباري لتموت في وكرها بظلم الظالم.
جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما قدم على رسول الله من الحبشة، فسأله ما أعجب ما رأيت ببلاد الحبشة؟ قال: رأيت امرأة على رأسه مكتل فيه دقيق، إذ مر فارس فزحمها فألقى المكتل فانصب الدقيق. فجعلت تجمعه وتقول: ويل لك من ديان يوم الدين إذا وضع كرسيه للقضاء، فأخذ للمظلوم من الظالم. فقال رسول الله: لا تقدس الله أمة لا يأخذ فيها لضعيفها حقه غير متعتع.
أبو ذر رفعه: يقول الله تعالى إني حرمت الظلم على نفسي، وحرمته على عبادي، فلا تظالموا.
أوس بن شرحبيل رفعه: من مشي مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام.
وعنه عليه السلام: " من مشى خلف ظالم سبع خطات فقد أجرم " ، وقال تعالى: " إنا من المجرمين منتقمون " .
يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه.
الأحنف: من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم دينه كأن لمجده أهدم.
أبو المطراب من لصوص الحجاز وقد تاب فظلم:
ظلمت الناس فاعترفوا بظلمي ... فتبت فأزمعوا أن يظلموني
فلست بصابر إلا قليلا ... فإن لم ينتهوا راجعت ديني
محمد بن يزداد بن سيود وزير المأمون:
لا تأمنن الدهر حراً ظلمته ... فما ليل حر إن ظلمت بنائم
الهيثم بن فراس السامي من بني سامة بن لؤي في الفضل بن مروان:
تجبرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتت والقتل
وقمت كما قام الثلاثة ظالماً ... ستودي كما أودي الثلاثة من قبل
يريد الفضل بن يحيى، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل.
علي رضي الله عنه: لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً، وأجر في الأغلال مصفداً، أحب غلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام. وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قُفولها، ويطول في الثرى حلولها.
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها تعلى أن أعصي اله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها. ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل.
أوحى الله إلى موسى: يا موسى قل لظلمة بني إسرائيل يقلوا من ذكري، فإني أذكر من ذكرني منهم بلعنة حتى يسكت.
قال منصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراده على القضاء: ما كنت لألي بعدما حدثني إبراهيم. قال: وما حدثك؟ قال: حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من يرى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجتمعون في تابوت حديد ثم يلقى بهم في جهنم.
كان الفضل بن صالح بن عبد الملك الهاشمي يهوى جارية أخيه عبيد بن صالح فسقى أخاه سماً فقتله وتزوجها. فقال ابن برد الشامي وقد ظلمه في أرض له:
لئن كان فضل بزني الأرض ظالماً ... لقبلي ما أردى عبيد بن صالح
سقاه نشوعياً من السم ناقعاً ... ولم يكتئب من مخزيات الفضائح
كان أسلم بن زرعة والي خراسان من قبل عبيد الله بن زياد ينبش قبور الأعاجم فربما أصاب فيها الذهب والفضة. فقال بيهس بن صهيب الجرمي:
تعوذ بحجر واجعل القبر في الصفا ... من الأرض لا ينبش عظامك أسلم
هو النابش القبر المحيل عظامه ... لينظر هل تحت السقائف درهم
أبو الدرداء: إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.
ظُلم أعرابي من بكر بن وائل فقتل ظالمه بعنف فقال:ما أساء من قتل ظالمه. فقيل: أتحب أن تلقي الله ظالماً أو مظلوماً؟ قال: بل ظالماً، ما عذري عند الله قال حلقتك مثل البعير ثم تجيء تشكو إلي؟
علي رضي الله عنه: أوحى الله إلى المسيح قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بأبصار خاشعة، وقلوب طاهرة، وأيد نقية، وخبرهم أني لا أستجيب لأحد منهم دعوة ولأحد من خلقي لديهم مظلمة.
محمد بن يوسف الأصبهاني الزاهد، كتب إليه أخوه يشكو السلطان فأجابه: إن من عمل المعاصي لا ينكر العقوبة.
خطب الحسن بن علي رضي الله عنهما فذكر مفاخرة، فقال معاوية: عليك بالرطب، يعين أنك لا تصلح للخطب أراد أن يخجله ويقطعه. فاستمر في خطبته. فقال معاوية: إنك لترجو الخلافة ولست هناك. فقال: إن الخلافة لمن سار بسيرة رسول اله صلى الله عليه وسلم وسيرة صاحبيه وعمل بطاعة الله، وليست الخلافة لمن عمل بالجور وعطل الحدود، ومن لم يعمل بمثل سيرتهما كان ملكاً من الملوك يتمتع في ملكه فكان قد انقطع عنه وبقيت تبعته عليه، فهو كما قال الله تعالى: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
دخل على هشام، في متنزه له قد تكلف فيه، رجل ألقى إليه صحيفة وتلمس، فإذا فيها بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد، فتدر عليه يومه، ومات بعد أيام.
قيل للمنصور: في حبسك محمد بن مروان فلو أمرت بإحضاره ومسألته عما جرى بينه وبين ملك النوبة. فقال صرت إلى جزيرة النوبة في آخر أمرنا، فأمرت بالمضارب فضربت، فخرجت النوبة يتعجبون، وأقبل ملكهم رجل أصلع طوال حاف عليه كساء، فسلم وجلس على الأرض، فقلت: ما بالك لا تقعد على البساط؟ فقال: أنا ملك، وحق لكل من رفعه الله أن يتواضع له إذا رفعه، ثم قال: ما بالكم تطأون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: أشياعنا فعلوه بجهلهم. قال: فما بالكم تلبسون الديباج وتتحلون بالذهب والفضة وهي محرمة عليكم على لسان نبيكم؟ قلت: فعل ذلك أعاجم من خدمنا كرهنا الخلاف عليهم. فجعل ينظر في وجه ويكرر معاذيري على وجه الاستهزاء. ثم قال: ليس كما تقول يا ابن مروان، ولكنكم ملكتم فظلمتم، وتركتم ما أمرتم به فأذاقكم الله وبال أمركم، ولله فيكم نقم لم تبلغ، وإني أخشى أن تنزل بك وأنت في أرضي فتصيبني معك، فارتحل عني.
وجد تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعة فيها:
وحق الله إن الظلم لؤم ... وإن الظلم مرتعه وخيم
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
وجد القاسم بن عبيد الله وزير المكتفى في مصلاه رقعة فيها:
بغي وللبغي سهام تنتظر ... أنفذ في الأحشاء من وخز الإبر
سهام أيدي القانتين في السحر
أنس رفعه: إن الله نظر إلى أهل عرفات فباهى بهم الملائكة قال: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً قد أقبلوا يضربون إلي من كل فج عميق. فاشهدوا أني قد غفرت لهم، إلا التبعات التي بينهم.
لقي رجل من المهاجرين العباس بن عبد المطلب فقال: يا أبا الفضل، أرأيت عبد المطلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم جمعهما الله في النار. فصفح عنه، ثم قال، فصفح عنه، فلما كانت الثالثة رفع يده فوجأ أنفه. فانطلق إلى رسول الله، فلما رآه قال: ما هذا؟ قال: العباس، فأرسل إليه وقال: ما أردت إلى رجل من المهاجرين؟ فقص عليه القصة وقال: ما ملكت نفسي وما إياه أراد ولكن أرادني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الشيء وإن كان حقاً؟.
قدم ابن أبي جهل المدينة، فجعل يمر في الطريق فيقول الناس: هذا ابن أبي جهل، فذكر ذلك لأم سلمة فذكرته لرسول الله. فخطب الناس وقال: لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات.
فضيل: والله ما يحل لك أن تؤذي كلباً ولا خنزيراً بغير حق، فكيف تؤذي مسلماً؟ عبيد الله بن الحر:
تبيت النشاوى من أمية نوماً ... وبالطف قتلى ما ينام حميمها
وما ضيع الإسلام إلا عصابة ... تأمر نوكاها ودام نعيمها
فأضحت قناة الدين في كل ظالم ... إذا أعوج منها جانب لا يقمها
فأقسمت لا تنفك نفسي حزينة ... وعيني تبكي لا تجف سجومها
حياتي أو تلقى أمية خزية ... يذل لها حتى الممات زعيمها
رفعت قصص إلى المهدي فإذا قصة مكتوب عليها قصة صاحب السمكة. فقال: ما هي؟ فقال الربيع: بيننا أبوك مشرفاً على دجلة إذ بصر بملاح صاد سمكة، فوجه إليه خادماً يشتريها، فاستلمها بدينار فأبى، وباعها من تاجر باثني عشر درهماً. فاستحضر التاجر وقد سوى السمكة فأخذها منها وأكلها وقال: لو لم يكن معك مال لما اشتريت سمكة باثني عشر درهماً وأمر خادمه بأن يذهب إلى منزله ويحمل ما أصاب في صناديقه. فجاء ببدرتين. فقال: أنا رجل معيل وعلي مؤونة. فأعطاه منها أربعمائة درهم يتعيش بها.
فأمر المهدي أن تطلب البدرتان في بيت المال، فجيء بها مكتوب عليها مال صاحب السمكة، فقال المهدي: اجعل أبي في حل فإنه كان مسرفاً على نفسه، وخذ المال.
جابر بن عبد الله يرفعه: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم.
أبو موسى رفعه: إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، وقرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة أن أخذه أليم شديد.
أبو هريرة رضي الله عنه: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: " من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه " .
وعنه مرفوعاً: " بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره، فشكر الله له فغفر له " .
وروي: لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس.
أبو برزة: قلت يا رسول الله علمني شيئاً أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين.
حج سليمان بن عبد الملك فلقيه طاووس، فقيل حدث أمير المؤمنين، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من أعظم الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه " . فتغير وجه سليمان.
ذكر هشام عند محمد بن كعب القرظي، وثم محمد بن على بن الحسين، فوقع فيه فقال القرظي: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون. إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل عتا عليهم، فانطلق نفر إلى خيرهم فقالوا: نخرج عليه؟ فقال: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون، ولكن انطلقوا فصوموا عشراً وقوموا ولا تظلموا فيها أحداً ولا تطأوا فيها امرأة فجاءوا بعد عشر، فقال: - زيدوا عشراً أخرى، فلم يزالوا حتى بلغوا أربعين. ثم قال لهم: - اجتمعوا وادعوا الله أن يكفيكم، ففعلوا. فدعا الملك ببرذون له وأمر سائسه أن يسرجه، فتشاغب وامتنع البرذون، فغضب الملك فقام فأسرجه وركبه، فجمح به حتى ألقاه، فتقطع وهلك. فقال الحبر: هكذا إذا أردتم أن تقتلوا من ظلمكم.
وفي الحديث إن الله يقول: " لا يذكرني عبدي الظالم حتى ينزع عن ظلمه، فإنه من ذكرني كان حقاً علي أن أذكره، وإني إذا ذكرت الظالمين لعنتهم " .
مجاهد: يسلط الله على أهل النار الجرب فيحكوا حتى تبدو عظامهم، فيقال لهم: هل يؤذيكم هذا؟ فيقولون: أي والله. فيقال هذا بما كنتم تؤذون المؤمنين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا ما رواه الأساطين، في عدم المجيء إلى السلاطين:
النهي عن المجيء للسلاطين في السنة النبوية
١ - أخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والبيهقي في (شعب الإيمان)، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال:
(من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن) .
٢ - وأخرج أبو داود، والبيهقي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: (من بدا فقد جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد عبد من السلطان دنوا إلا ازداد من الله بعدا) .
٣ - وأخرج أحمد في مسنده، والبيهقي بسند صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قربًا، إلا ازداد من الله بعدًا) .
أبغض الخلق إلى الله تعالى
٤ - وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:
(إن في جهنم واديًا تستعيذ منه كل يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين في أعمالهم وإن أبغض الخلق إلى الله عالم السلطان) .
٥ - وأخرج ابن بلال والحافظ أبو الفتيان الدهستاني في كتاب (التحذير من علماء السوء)، والرافعي في (تاريخ قزوين)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أبغض الخلق إلى الله تعالى العالم يزور العمال) .
٦ - ولفظ أبي الفتيان: (إن أهون الخلق على الله: العالم يزور العمال) .
٧ - وأخرج ابن ماجه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء) .
٨ - وأخرج الديلمي في (مسند الفردوس) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله ﷺ: (إذا رأيت العالم يخالط السلطان مخالطة كثيرة فاعلم أنه لص) .
وأخرج ابن ماجه بسند رواته ثقات، عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (إن أناسا من أمتي سيتفقهون في الدين، ويقرؤون القرآن، ويقولون نأتي الأمراء، فنصيب من دنياهم، ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتني من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا) .
١٠ - وأخرج الطبراني في (الأوسط) بسند رواته ثقات، عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله من أهل البيت أنا؟ فسكت، ثم قال في الثالثة: (نعم ما لم تقم على باب سدة، أو تأتي أميرًا فتسأله) .
قال الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب) المراد بالسدة هنا، باب السلطان ونحوه.
هل يرد الحوض الداخل إلى السلطان؟
١١ - وأخرج الترمذي وصححه، والنسائي، والحاكم وصححه، قال رسول الله ﷺ: (سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم، فهو مني، وأنا منه، وهو وارد علي الحوض) .
[[وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: (تكون أمراء تغشاهم غواش وحواش من الناس).]] (*)
١٢ - وأخرج أحمد وأبو نعيم وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "سيكون أمراء يغشاهم غواش وخواش من الناس يكذبون ويظلمون فمن دخل عليهم، وصدقهم
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين الحاصرات ليس في المطبوع
بكذبهم، وأعإنهم على ظلمهم، فأنا بريء منه وهو بريء مني، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه» .
١٣ - وأخرج أحمد، والبزار، وابن حبان، في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (سيكون أمراء، من دخل عليهم وأعإنهم على ظلمهم، وصدقهم بكذبهم، فليس مني ولست منه، ولن يرد علي الحوض. ومن لم يدخل عليهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض) .
١٤ - وأخرج الشيرازي في (الألقاب) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (إنها ستكون أمراء، فمن صدقهم بكذبهم، وأعإنهم على ظلمهم، وغشي أبوابهم، فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يغش أبوابهم، فهو مني وسيرد علي الحوض) .
الفقهاء أمناء الرسل
١٥ - وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم في تاريخه، وأبو نعيم، والعقيلي، والديلمي، والرافعي في تاريخه، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
(العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فإذا خالطوا السلطان، فقد خانوا الرسل فاحذروهم، واعتزلوهم) .
١٦ - وأخرج العسكري، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (الفقهاء أمناء الرسل، ما لم يدخلوا في الدنيا ويتبعوا السطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم) .
العالم مع السلطان في العذاب
١٧ - وأخرج الحاكم في تاريخه، والديلمي، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ما من عالم أتى صاحب سلطان طوعًا، إلا كان شريكه في كل لون يعذب به في نار جهنم) .
١٨ - وأخرج أبو الشيخ في (الثواب) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قرأ الرجل القرآن وتفقه في الدين، ثم
أتى باب السطان، تَمَلُّقًا إليه، وطمعا لما في يده، خاض بقدر خطاه في نار جهنم) .
من صفات علماء آخر الزمان
١٩ - وأخرج الديلمي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (يكون في آخر الزمان علماء يرغبون الناس في الآخرة ولا يرغبون،
ويزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون، وينهون عن غشيان الأمراء ولا ينتهون) .
٢٠ - وأخرج الديلمي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله يحب الأمراء إذا خالطوا العلماء، ويمقت العلماء إذا خالطوا الأمراء؛ لأن العلماء إذا خالطوا الأمراء رغبوا في الدنيا، والأمراء إذا خالطوا العلماء رغبوا في الآخرة) .
٢١ - وأخرج أبو عمرو الداني في كتاب (الفتن) عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه، ما لم يماري قراؤها أمراءها) .
٢٢ - وأخرج الحاكم، وصححه، عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (أقلوا الدخول على الأغنياء؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله) .
٢٣ - وأخرج الحكيم الترمذي في (نوادر الأصول) عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: أتاني رسول الله ﷺ وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيته، فقال: (إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعون أتاني جبريل آنفًا، فقال لي: إن أمتك مفتتنه بعك بقليل من الدهر، غير كثير، قلت: ومن أين ذلك!؟ قال: من قبل قرائهم وأمرائهم، يمنع الأمراء الناس حقوقهم، فلا يعطونها، وتتبع القراء أهواء الأمراء قلت: يا جبريل! فبم يسلم من يسلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه) .
سلاطين الفتن
٢٤ - وأخرج الحاكم، عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: (سيكون بعدي سلاطين، الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحدًا شيئًا، إلا أخذوا من دينه مثله) .
٢٥ - وأخرج الديلمي، عن أبي الأعور السلمي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول
الله ﷺ: (إياكم، وأبواب السلطان).
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والديلمي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (اتقوا أبواب السلطان وحواشيها؛ فإن أقرب الناس منها أبعدهم من الله، ومن آثر سلطان على الله، جعل الفتنة في قلبه ظاهرة وباطنة، وأذهب عنه الورع وتركه حيران) .
أناس يتفقهون في الدين للدنيا
٢٦ - وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اله ﷺ: (سيكون قوم بعدي من أمتي، يقرؤون القرآن، ويتفقهون في الدين، يأتيهم الشيطان، فيقول: لو أتيتم السلطان، فأصلح من دنياكم، واعتزلوهم بدينكم! ولا يكون ذلك، كما لا يجتنى من القتاد، إلا الشوك، كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا) .
١ - حكم من أتى السلطان تملقًا.
٢ - التحذير من مجالسة السلطان.
٣ - صفات مذمومة في طلاب العلم.
٤ - إياكم ومواقف الفتن.
٥ - نصيحة وهب بن منبه لعطاء.
٦ - لا تجالس صاحب بدعة.
٧ - إياك والأهواء والخصومة.
٨ - أحوال السلف الصالح مع الأمراء.
حكم من أتى السلطان تملقًا
٢٧ - وأخرج هناد بن السري في (الزهد)، عن عبيد بن عمير رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (ما ازداد رجل من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا) .
٢٨ - وأخرج الديلمي، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:
(من تقرب من ذي سلطان ذراعًا، تباعد الله منه باعًا) .
٢٩ - وأخرج الديلمي، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: (من مشى إلى سلطان جائر طوعًا، من ذات نفسه، تملقًا إليه بلقائه، والسلام عليه، خاض نار جهنم بقدر خطاه، إلى أن يرجع من عنده إلى منزله؛ فإن مال إلى هواه، أو شد على عضده لم يحلل به من الله لعنة إلا كان عليه مثلها، ولم يعذب في النار بنوع من العذاب، إلا عذب بمثله) .
٣٠ - وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
(من قرأ القرآن، وتفقه في الدين ثم أتى صاحب سلطان طمعًا لما في يديه، طبع الله على قلبه، وعذب كل يوم بلونين من العذاب، لم يعذب به قبل ذلك) .
٣١ - وأخرج الحاكم في تاريخه عن معاذ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (من قرأ القرآن وتفقه في الدين ثم أتى صاحب سلطان طمعًا لما في يديه خاض بقدر خطاه في نار جهنم) .
٣٢ - وأخرج البيهقي، عن رجل من بني سليم، قال: قال رسول الله ﷺ:
(إياكم وأبواب السلطان) .
التحذير من مجالسة الشيطان
٣٣ - وأخرج الديلمي، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: (إياكم ومجالسة السلطان؛ فإنه ذهاب الدين، وإياكم ومعونته فإنكم لا تحمدون أمره) .
٣٤ - وأخرج ابن أبي شيبة، والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: (إنها ستكون أمراء تعرفون، وتنكرون فمن ناوأهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، أو كاد، ومن خالطهم هلك) .
٣٥ - وأخرج البيهقي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: (اتقوا أبواب السلطان).
وفي (الفردوس) من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا: (أفضل التابعين من أمتي من لا يقرب أبواب السلاطين).
وأخرج البيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: (إن على أبواب السلطان فتنًا كمبارك الإبل، لا تصيبون من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينكم مثله) .
٣٦ - وأخرج الدارمي في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من أراد أن يكرم دينه، فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أصحاب الأهواء) .
الداخل على السلطان خاسر لدينه
٣٧ - وأخرج البخاري في تاريخه وابن سعد في (الطبقات) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
(يدخل الرجل على السلطان ومعه دينه، فيخرج وما معه شيء) .
٣٨ - وأخرج ابن سعد في (الطبقات) عن سلمة بن نبيط قال: (قلت لأبي - وكان قد شهد النبي ﷺ ورآه وسمع منه - يا أبت لو أتيت هذا السلطان فأصبت منهم وأصاب قومك في جناحك؟ قال: أي بني إني أخاف أن أجلس منهم مجلسًا يدخلني النار) .
صفات مذمومة في طلاب العلم
٣٩ - وأخرج الدارمي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من طلب العلم لأربع دخل النار: ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، أو يأخذ به من الأمراء) .
٤٠ - وأخرج ابن ماجه، والبيهقي، عن ابن مسعود، قال: لو أن أهل العلم صانعوا العلم، ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم، فهانوا عليهم. سمعت نبيكم ﷺ يقول: (من جعل الهم همًا واحدًا هم آخرته، كفاه الله ما همه من أمر دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك) .
٤١ - وأخرج ابن أبي شيبة، عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: (ألا! لا يمشين رجل منكم شبرًا إلى ذي سلطان) .
إياكم ومواقف الفتن
٤٢ - وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في (الحلية)، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: (إياكم ومواقف الفتن! قيل وما مواقف الفتن؟ قال أبواب الأمير؛ يدخل الرجل على الأمير، فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه) .
٤٣ - وأخرج ابن هشام ، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال النبي ﷺ:
(أبعد الخلق من الله، رجل يجالس الأمراء، فما قالوا من جور صدقهم عليه) .
نصيحة وهب بن منبه لعطاء
٤٤ - وأخرج البيهقي، عن وهب بن منبه، أنه قال لعطاء: (إياك وأبواب السلطان! فإن على أبواب السلطان فتنًا كمبارك الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئًا إلا أصابوا من دينك مثله).
٤٥ - وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن سلمة بن قيس، قال: لقيت أبا ذر، فقال: (يا سلمة بن قيس ثلاث فاحفظها: لا تجمع بين الضرائر فإنك لن تعدل ولو حرصت، ولا تعمل على الصدقة؛ فإن صاحب الصدقة زائد وناقص، ولا تغش ذات سلطان فإنك لا تصيب من دنياهم شيئًا، إلا أصابوا من دينك أفضل منه) .
٤٦ - وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني قال: قال أبو قلابة: (أحفظ عنى ثلاث خصال: إياك وأبواب السلطان، وإياك ومجالسة أصحاب الأهواء، والزم سوقك فإن الغنى من العافية) .
لا تجالس صاحب بدعة
٤٧ - وأخرج البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد قال: (لا تجالس صاحب بدعة، ولا صاحب سلطان، ولا تخلون بامرأة) .
٤٨ - وأخرج البيهقي عن الفضل بن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا نتعلم اجتناب السلطان كما نتعلم سورة من القرآن.
٤٩ - وأخرج البيهقي عن يوسف بن أسباط قال: قال لي سفيان الثوري: (إذا رأيت القاريء يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لص، وإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنه مرائي، وإياك أن تخدع فيقال لك ترد مظلمة أو تدفع عن مظلومٍ؛ فإن هذه خدعة إبليس اتخذها للقراء سُلمًا) .
٥٠ - وأخرج البيهقي عن أبي شهاب قال: سمعت سفيان الثوري يقول لرجل: (إن دعوك لتقرأ عليهم قل هو الله أحد فلا تأتهم) قيل لأبي شهاب من تعني؟ قال: السلطان .
٥١ - وأخرج عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: أدركت بضعة عشرة رجلًا من التابعين يقولون:
(لا تأتوهم، ولا تأمروهم يعني السلطان).
إياك والأهواء والخصومة
٥٢ - وأخرج البيهقي عن أحمد بن عبيد الله قال سمعت رجلًا يسأل الشورى أوصني؟ قال:
(إياك والأهواء، وإياك والسلطان) .
٥٣ - وأخرج البيهقي عن بكر بن محمد العابد سمعت سفيان الثوري (إن في جهنم واد تستغيث منه جهنم كل يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء الزائرين السلطان) .
٥٤ - وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق هشام بن عباد قال: سمعت جعفر بن محمد يقول:
(الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتهم الفقهاء قد ركنوا إلى السلطان فاتهموهم) .
٥٥ - وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق ابن دريد عن جابر بن حيان أنه قيل له: مالك لا تأتي السلطان؟ قال: يكفيني الذي تركتهم له .
٥٦ - وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق ابن دريد عن أبي حاتم عن القعنبي عن أبيه قال: قال عيسى بن موسى:
وهو يومئذ أمير الكوفة لابن شبرمة: مالك لا تأتينا؟ قال: أصلحك الله، إن أتيتك فقربتني فتنتني، وإن أبعدتني آذيتني، وليس عندي ما أخاف عليه، وليس عندك ما أرجو فما رد عليه شيئًا .
٥٧ - وأخرج الرافعي في تاريخ قزوين عن عبد الله بن السدي قال: كتب أبو بكر بن عياش إلى عبد الله بن المبارك: إن كان الفضل بن موسى الشيباني لا يداخل السلطان فاقرئه مني السلام.
٥٨ - (فصل) ذهب جمهور العلماء من السلف وصلحاء الخلف إلى أن هذه الأحاديث والآثار جارية على إطلاقها، سواء دعوه إلى المجيء، أم لا، وسواء دعوه لمصلحة دينية أم لغيرها .
٥٩ - قال سفيان الثوري: (إن دعوك لتقرأ عليهم: قل هو الله أحد، فلا تأتهم) رواه البيهقي، كما تقدم.
أحوال السلف الصالح مع الأمراء
٦٠ - وروى أبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران: أن عبد الله بن عبد الملك بن مروان قدم المدينة، فبعث حاجبه إلى سعيد بن المسيب فقال له: أجب أمير المؤمنين! قال: وما حاجته؟ قال: لتتحدث معه. فقال: لست من حداثه. فرجع الحاجب إليه فأخبره، قال: دعه .
٦١ - قال البخاري في تاريخه: (سمعت آدم بن أبي إياس يقول: شهدت حماد بن سلمة ودعاه السلطان فقال: اذهب إلى هؤلاء! لا والله لا فعلت) .
٦٢ - وقال الخطيب، عن حماد بن سلمة: أن بعض الخلفاء أرسل إليه رسولا يقول له: إنه قد عرضت مسألة، فأتنا نسألك. فقال للرسول: قل له: (إنا أدركنا أقواما لا يأتونا أحدا لما بلغهم من الحديث فإن كانت لك مسألة فاكتبها في رقعة نكتب لك جوابها).
٦٣ - وأخرج أبو الحسن بن فهر في كتاب (فضائل مالك)، عن عبد الله بن رافع وغيره قال: قدم هارون الرشيد المدينة، فوجه البرمكي إلى مالك، وقال له: احمل إليّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك). فقال للبرمكي: (أقرئه السلام وقل له: إن العلم يزار ولا يزور) فرجع البرمكي إلى هارون الرشيد، فقال له: يا أمير المؤمنين! يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك في أمر فخالفك! أعزم عليه حتى يأتيك. فأرسل إليه فقال: قل له يا أمير المؤمنين لا تكن أول من وضع العلم فيضيعك الله.
٦٤ - وقال عمار في تاريخه عن ابن منير: أن سلطان بخاري، بعث إلى محمد بن إسماعيل البخاري يقول: احمل إليّ كتاب (الجامع) و(التاريخ) لأسمع منك. فقال البخاري لرسوله: (قل له أنا لا أذل العلم، ولا آتي أبواب السلاطين فإن كانت لك حاجة إلى شيء منه، فلتحضرني في مسجدي أو في داري) .
٦٥ - وقال نعيم بن الهيصم في جزئه المشهور: (أخبرنا خلف بن تميم عن أبي همام الكلاعي، عن الحسن أنه مر ببعض القراء على بعض أبواب السلاطين، فقال: أقرحتم جباهكم، وفرطحتم نعالكم، وجئتم بالعلم تحملونه على رقابكم إلى أبوابهم؟! أما إنكم، لو جلستم في بيوتكم لكان خيرا لكم، تفرقوا فرق الله بين أعضائكم) .
٦٦ - وقال الزجاج في أماليه: (أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسن، أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، عن عمه قال: مر الحسن البصري بباب عمر بن هبيرة وعليه القراء فسلم، ثم قال: (ما لكم جلوسا قد أحفيتم شواربكم وحلقتم رؤوسكم، وقصرتم أكمامكم، وفلطحتم نعالكم! أما والله! لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم فضحتم القراء فضحكم الله).
٦٧ - وأخرج ابن النجار، عن الحسن أنه قال: (إن سركم أن تسلموا ويسلم لكم دينكم،
فكفوا أيديكم عن دماء المسلمين، وكفوا بطونكم عن أموالهم، وكفوا ألسنتكم عن أعراضهم ولا تجالسوا أهل البدع، ولا تأتوا الملوك فيلبسوا عليكم دينكم).
العلماء ثلاثة
٦٨ - وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهيب بن الورد قال: (بلغنا أن العلماء ثلاث، فعالم يتعلمه للسلاطين، وعالم يتعلمه لينفذ به عند التجار، وعالم يتعلمه لنفسه، لا يريد به إلا أنه يخاف أن يعمل بغير علم، فيكون ما يفسد أكثر مما يصلح) .
٦٩ - وأخرج أبو نعيم، عن أبي صالح الأنطاكي، قال: سمعت ابن المبارك يقول: (من بخل بالعلم ابتلى بثلاث: إما بموت فيذهب علمه، وإما ينسى، وإما يلزم السلطان فيذهب علمه).
٧٠ - وقال الخطيب البغدادي في كتاب رواه مالك: (كتب إلىّ القاضي أبو القاسم الحسن بن محمد بن الأنباري، من مصر، أنبأنا محمد بن أحمد بن المسور، نبأنا المقدام بن داود الرعيني، نبأنا علي ابن معبد، نبأنا إسحاق بن يحيى، عن مالك بن أنس رحمه الله، قال: (أدركت بضعة عشر رجلا من التابعين يقولون لا تأتوهم، ولا تأمروهم، يعني السلطان).
٧١ - وقال ابن باكويه الشيرازي في (أخبار الصوفية): (حدثنا سلامة بن أحمد التكريني أنبأنا يعقوب ابن اسحاق، نبأنا عبيد الله بن محمد القرشي، قال: كنا مع سفيان الثوري بمكة، فجاءه كتاب من عياله من الكوفة: بلغت بنا الحاجة أنا نقلي النوى فنأكله فبكى سفيان. فقال له بعض أصحابه: يا أبا عبد الله! لو مررت إلى السلطان، صرت إلى ما تريد! فقال سفيان: (والله لا أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها).
٧٢ - حدثنا عبد الواحد، نبأنا أحمد بن محمد بن حمدون، نبأنا أبو عيسى الأنباري، نبأنا، فتح بن شخرف، نبأنا عبد الله بن حسين، عن سفيان الثوري: إنه كان يقول: (تعززوا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم).
٧٣ - حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نبأنا ابن حسان، نبأنا أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان تخالف العلماء؟ فغضب وقال: (أرأيت عالمًا يأتي باب السلطان فيأخذ دراهمهم).
٧٤ - سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت محمد بن داود الدينوري يقول: سمعت أحمد بن الصلت يقول: (جاء رجل إلى بشر بن الحارث، فقال له: يا سيدي! السلطان يطلب الصالحين، فترى لي أن أختبئ؟ فقال له بشر: (جز من بين يدي، لا يجوز حمار الشوك فيطرحك علينا).
٧٥ - أخبرنا أبو العلاء، سمعت أحمد بن محمد التستري، سمعت زياد بن علي الدمشقي يقول: سمعت صالح بن خليفة الكوفي، يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: (إن فجار القراء اتخذوا سلّمًا إلى الدنيا فقالوا: ندخل على الأمراء نفرج عن مكروب ونكلم في محبوس).
١ - فضل قيام أهل العلم بصيانته.
٢ - أبو حازم الزاهد وأمراء بني أمية.
٣ - حماد بن سلمة وأمير العراق.
٤ - أحوال مخالطة السلاطين.
٥ - سفيان الثوري يعظ أبا جعفر المنصور.
٦ - ما ينبغي للعالم التحلي به.
٧ - أعز الأشياء في آخر الزمان.
٨ - كلام الشعراء في المجيء للسلاطين.
فضل قيام أهل العلم بصيانته
٧٦ - وقال أبو علي الآمدي في تعليقه: (حدثني أبو محمد جعفر بن مصعب ابن الزبير، عن جدة الزبير بن بكار، قال: حدثني أبو المكرم عقبة بن مكرم بن عقبة الضبي عن بريد بن كميت، عن عمار بن سيف، أنه سمع سفيان الثوري يقول: (النظر إلى السلطان خطيئة) .
٧٧ - وأخرج ابن باكويه، عن الفضيل بن عياض، قال: (لو أن أهل العلم أكرموا على أنفسهم وشحوا على دينهم، وأعزوا العلم وصانوه، وأنزلوه حيث أنزله الله، لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس، واشتغلوا بما يعنيهم، وعز الإسلام وأهله لكنهم استذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم؛ إذا سلمت لهم دنياهم وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا ما في أيديهم، فذلوا وهانوا على الناس) .
٧٨ - قال الآمدي: حدثني أبو العباس، قال: سمعت: قدم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان في حياة أبيه يريد الحج: فنزل في دار إسحاق بن إبراهيم فوجه إسحاق
إلى العلماء، فأحضرهم ليراهم طاهر، ويقرأ عليهم فحضر أصحاب الحديث والفقه وأحضر ابن الأعرابي، وأبا نصر صاحب الأصمعي ووجه إلى أبي عبيد القاسم بن سلام في الحضور، فأبى أن يحضر وقال: العلم يُقصد فغضب إسحاق من قوله ورسالته، وكان عبد الله بن طاهر جرى له في الشهر ألفي درهم فلم يوجه إليه إسحاق، وقطع الرزق عنه، وكتب إلى عبد الله بالخبر فكتب إليه: قد صدق أبو عبيد في قوله، وقد أضعفت الرزق له من أجل فعله فأعطاه فأته ورد عليه بعد ذلك ما يستحقه .
أبو حازم الزاهد وأمراء بني أمية
٧٩ - وأخرج ابن عساكر، من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حدثنا أبو حازم أن سليمان بن هشام بن عبد الملك قدم المدينة فأرسل إلى أبي حازم فدخل عليه فقال: فسلمت وأنا متكئ على عصاي فقيل ألا تتكلم!؟ قلت: وما أتكلم به!؟ ليست لي حاجة فأتكلم فيها، وإنما جئت لحاجتكم التي أرسلتم إليّ فيها، وما كل من يرسل إلى آتيه، ولولا الخوف من شركم ما جئتكم. إني أدركت أهل الدنيا تبعا لأهل العلم حيث كانوا، يقضي أهل العلم لأهل الدنيا حوائج دنياهم وأخراهم، ولا يستغني أهل الدنيا عن أهل العلم لنصيبهم من العلم ثم حال الزمان، فصار أهل العلم تبعا لأهل الدنيا حيث كانوا، فدخل البلاء على الفريقين جميعا. ترك أهل الدنيا النصيب الذي كانوا يتمسكون به من العلم حيث رأوا أهل العلم قد جاؤوهم، وضيّع أهل العلم جسيم ما قسم لهم باتباعهم أهل الدنيا) .
٨٠ - وأخرج ابن أبي الدنيا، والخرائطي، وابن عساكر، عن زمعة بن صالح، قال: كتب بعض بني أمية إلى أبي حازم أن يرفع إليه حوائجه، فكتب إليه: (أما بعد فقد جاءني كتابك بعزم أن ترفع حوائجي إليك وهيهات! رفعت حوائجي إلى مولاي فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني منها رضيت) .
٨١ - وأخرج ابن عساكر، عن عبد الجبار بن عبد العزيز أبي حازم عن أبيه، عن جده:
أن سليمان بن عبد الملك دخل المدينة، فأقام بها ثلاثا. فقال: ههنا رجل ممن أدرك أصحاب محمد ﷺ ويحدثنا؟ فقيل له: بلى ههنا رجل يقال له أبو حازم فبعث إليه، فجاءه، فقال له سليمان: يا أبا حازم! ما هذا الجفاء أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتني!؟ قال أبو حازم: إن الناس لما كانوا على الصواب، كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء، فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا العلم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية فسقطوا أو تعسوا أو تنسكوا ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم، لم تزل الأمراء تهابهم) .
٨٢ - وأخرج البيهقي، وابن عساكر، عن زمعة بن صالح قال: قال الزهري لسليمان أو هشام: ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء؟ قال يا أبا حازم: ما قلت في العلماء؟ قال: (وما عسيت أن أقول في العلماء إلا خيرا، إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعملهم عن أهل الدنيا، ولم تستغن أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم فلما رأى ذلك هذا وأصحابه تعلموا العلم فلم يستغنوا به واستغنى أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم.
فلما رأوا ذلك، قذفوا بعلمهم إلى أهل الدنيا ولم ينلهم أهل الدنيا من دنياهم شيئًا، إن هذا وأصحابه ليسوا علماء إنما هم رواة) .
٨٣ - وأخرج أبو نعيم، وابن عساكر، عن يوسف بن أسباط قال: أخبرنا نجم: أن بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم فأتاه، وعنده الإفريقي، والزهري وغيرهما فقال له: تكلم يا أبا حازم فقال أبو حازم: (إن خير الأمراء من أحب العلماء، وأن شر العلماء من أحب الأمراء. وكانوا فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء. فلما رأى ذلك ناس من الناس، قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء! وطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدثوهم فرخصوا لهم فخربت العلماء على الأمراء، وخربت، الأمراء على العلماء .
٨٤ - وأخرج البيهقي في (الزهد)، وابن عساكر، عن سفيان: قال: قال بعض الأمراء لأبي حازم: ارفع إلي حاجتك قال: هيهات!
هيهات! رفعتها إلى من لا تختزن الحوائج دونه، فما أعطاني منها قنعت، وما زوى عني منها رضيت، كان العلماء فيما مضى يطلبهم السلطان وهم يفرون منه، وأن العلماء اليوم طلبوا العلم حتى إذا جمعوه بحذافيره، أتوا به أبواب السلاطين، والسلاطين يفرون منهم، وهم يطلبونهم) .
٨٥ - وأخرج ابن عساكر، عن محمد بن عجلان المدني، قال: أرسل سليمان بن هشام إلى أبي حازم، فقال له: تكلم! قال: (ما لي من حاجة أتكلم بها، ولولا اتقاء شركم ما جئتكم لقد أتى علينا زمان وإنما الأمراء تطلب العلماء فتأخذ مما في أيديهم فتنتفع به، فكان في ذلك صلاح للفريقين جميعا، فطلبت اليوم العلماء الأمراء وركنوا إليهم واشتهوا ما في أيديهم، فقالت الأمراء ما طلب هؤلاء ما في أيدينا حتى كان ما في أيدينا خيرا مما في أيديهم، فكان في ذلك فساد للفريقين كليهما) فقال سليمان بن هشام: صدقت .
٨٦ - وأخرج ابن عساكر، من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي قال: حدثنا أبو سعيد الأصمعي، عن أبي الزناد، عن أبيه، قال: (كان الفقهاء كلهم بالمدينة يأتون عمر بن عبد العزيز، خلا سعيد بن المسيب؛ فإن عمر كان يرضى أن يكون بينهما رسول، وكنت الرسول بينهما .
٨٧ - وأخرج ابن عساكر، عن الأوزاعي، قال: قدم عطاء الخراساني على هشام بن عبد الملك فنزل على مكحول، فقال عطاء لمكحول: ههنا أحد يحركنا؟ - يعني يعظنا - قال: (نعم، يزيد بن ميسرة فأتوه، فقال له عطاء: حركنا رحمك الله،
قال: نعم، كانت العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا) قال: أعد علي، فأعاد عليه. فرجع ولم يلق هشاما .
حماد بن سلمة وأمير العراق
٨٨ - وأخرج الخطيب وابن عساكر، عن مقاتل بن صالح الخراساني قال: دخلت على حماد بن سلمة، فبينا أنا عنده جالس؛ إذ دق داق الباب فقال: (يا صبية أخرجي فانظري من هذا! فقالت: هذا رسول محمد بن سليمان الهاشمي - وهو أمير البصرة والكوفة - قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وسلم فناوله كتابه، فقال: اقرأه فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان إلى حماد بن سلمة. أما بعد: فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته. وقعت مسألة فأتينا نسألك عنها) فقال: (يا صبية هلمي الدواة!) ثم قال: لي: (اقلب الكتاب وكتب: أما بعد فقد صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدا؛ فإن وقعت مسألة فأتنا فاسألنا عما بدا لك! وإن أتيتني، فلا تأتني إلا وحدك، ولا تأتني بخيلك ورجلك، فلا أنصحك ولا أنصح نفسي، والسلام) فبينما أنا عنده؛ إذ دق داق الباب فقال: (يا صبية أخرجي فانظري من هذا!) قالت: (هذا محمد بن سليمان، قال: (قولي له يدخل وحده) فدخل، فسلم ثم جلس بن يديه، ثم ابتدأ، فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت رعبا!؟ فقال حماد:
(سمعت ثابت البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإذا أراد به أن يكثر به الكنوز، هاب من كل شيء) وذكر بقية القصة.
٨٩ - [[وأخرج ابن النجار في تاريخه عن مفلح بن الأسود، قال: قال المأمون ليحيى بن أكثم: إني أشتهي أن أرى بشر بن الحارث. قال: إذا اشتهيت يا أمير المؤمنين، فإلى الليلة ولا يكون معنا بشر. فركبا، فدق يحيى الباب فقال بشر: من هذا؟ قال: من تجب عليك طاعته. قال: وأي شيء تريد؟ قال: أحب لقاك فقال بشر: طائعا أو مكرها قال: ففهم المأمون، فقال ليحيى: اركب فمر على رجل يقيم الصلاة صلاة العشاء الآخرة فدخلا يصليان فإذا الإمام حسن القراءة فلما أصبح المأمون وجه إليه، فجاء به فجعل يناظره في الفقه، وجعل الرجل يخالفه، ويقول: القول في هذه المسألة خلاف هذا فغضب المأمون. فلما كثر خلافه قال: (عهدي بك، كأنك تذهب إلى أصحابك فتقول: خطأت أمير المؤمنين. فقال: والله يا أمير المؤمنين إني لأستحي من أصحابي أن يعلموا أني جئتك! فقال المأمون: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من يستحي أن يجيئني، ثم سجد لله شكرا. والرجل إبراهيم بن إسحاق الحربي.
(وأخرج ابن النجار في تاريخه عن سفيان الثوري قال: (ما زال العلم عزيزا، حتى حمل إلى أبواب الملوك فأخذوا عليه أجرا، فنزع الله الحلاوة من قلوبهم ومنعهم العلم به).
وأخرج البيهقي في (شعب الإيمان) عن بشر الحافي قال: (ما أقبح أن يطلب العالم، فيقال: هو بباب الأمير).
وأخرج أيضًا عن الفضيل بن عياض، قال: إن آفة القراء العجب، واحذروا أبواب الملوك فإنها تزيل النعم فقيل: كيف؟ قال: الرجل يكون عليه من الله نعمة ليست له إلى خلق حاجة فإذا دخل إلى هؤلاء فرأى ما بسط لهم في الدور والخدم استصغر ما هو فيه من خير ثم تزول النعم).]] (*)
أحوال مخالطة السلاطين
٩٠ - عقد الغزالي في (الإحياء) بابا في مخالطة السلاطين، وحكم غشيان مجالستهم، والدخول عليهم، قال فيه: (اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة، ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: وهي شرها، أن تدخل عليهم.
والثانية: وهي دونها أن يدخلوا عليك.
والثالثة: - وهي الأسلم -: أن تعتزل عنهم، ولا تراهم ولا يروك.
أما الحالة الأولى: وهي الدخول عليهم، فهي مذمومة جدا في الشرع وفيه تغليظات وتشديدات تواردت بها الأخبار والآثار فننقلها لتعرف ذم الشرع له. ثم نتعرض لما يحرم منه، وما يباح وما يكره، على، ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم) ثم سرد كثيرا من الأحاديث والآثار التي سبق ذكرها .
ومما أورده مما لم يسبق له ذكر:
٩١ - (قال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك).
٩٢ - وقال الأوزاعي: (ما شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا).
وقال إسحاق: (ما أسمج بالعالم يؤتى مجلسه ولا يوجد فيسأل عنه فيقال: إنه عند الأمير. وكنت أسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم يزور السلطان فاتهموه على دينكم. أنا ما دخلت قط على هذا إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرمي عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم). وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول: (إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين).
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين الحاصرات ورد في المطبوع هكذا: [وأخرج ابن النجار في تاريخه عن مفلح بن الأسود، قال: قال المأمون: ما زال العلم عزيزا، حتى حمل إلى أبواب الملوك فأخذوا عليه أجرا، فنزع الله الحلاوة من قلوبهم ومنعهم العلم به]، ا. هـ، وهو خلط وسقط كما يظهر من النص الكامل أعلاه
٩٣ - وقال وهب: (هؤلاء الذين يدخلون على الملوك، لهم أضر على الأمة من المقامرين). وقال محمد ابن مسلمة: (الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء)
٩٤ - ولما خالط الزهري السلطان كتب له أخ في الدين: (عافانا الله وإياك يا أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن يعرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه ﷺ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء. واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت، أنك أنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذك قطبا تدور عليك رحايا ظلمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويغتالون بك قلوب الجهال، فما أيسر ما عمروا لك
في جنب ما أخربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: (فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعوا الصَلواةَ وَاِتَبَعوا الشَهَواتِ) ، وإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم وهيء زادك فقد حضره سفر بعيد، وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء والسلام).
قال: (فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد ولكنا نفصل ذلك تفصيلا فقهيا، نميز فيه المحظور عن المكروه والمباح.
فنقول: الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله إما بفعله، وإما بسكوته، وإما بقوله، وإما باعتقاده ولا ينفك عن أحد هذه الأمور.
أما الفعل: فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دار مغصوبة، وتخطيها والدخول فيها بغير إذن المالك حرام
والتواضع للظالم لا يباح إلا بمجرد السلام. فأما تقبيل اليد والانحناء في الخدمة فمعصية.
وقد بالغ بعض السلف، حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام. والإعراض عنهم استحقارا لهم من محاسن القربات. والجلوس على بساطهم؛ إذا كان أغلب أموالهم حراما، لا يجوز.
وأما السكوت فإنه يرى في مجلسهم من الفرش الحرير، وأواني الفضة والحرير والملبوس عليهم، وعلى غلمإنهم ما هو حرام. وكل من رأى سيئة وسكت عليها، فهو شريك في تلك السيئة. بل يسمع من كلامهم ما هو فحش، وكذب وشتم، وإيذاء، والسكوت عن جميع ذلك حرام. فإن ما هو فحش، وكذب وشتم، وإيذاء، والسكوت عن جميع ذلك حرام. فإن قلت: إنه يخاف على نفسه، وهو معذور في السكوت فهذا حق ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر؛ فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة، حتى يسقط
عنه بالعذر. ومن علم فسادا في موضع، وعلم أنه لا يقدر على إزالته لا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه، وهو يشاهده ويسكت بل يحتزر عن مشاهدته.
وأما القول: فإنه يدعو للظالم، أو يثني عليه، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه أو يظهر له الحب والموالاة، والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول عمره وبقائه.
فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام، بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذا الإمام.
وأما دعاؤه فلا يحل له إلا أن يقول: (أصلحك، أو وفقك الله للخيرات أو طول الله عمرك في طاعته) أو ما يجري في هذا المجرى. فأما الدعاء له بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة، مع الخطاب بالمولى وما في معناه، فغير جائز، وقال ﷺ: (من دعى لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه) . فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فيذكر ما ليس فيه، فيكون كاذبا أو منافقا أو مكرمًا
لظالم. وهذه ثلاث معاص، وقد قال ﷺ: (إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق) .
وفي خبر آخر: (من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام) فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول، والتزكية على ما يعمل، كان عاصيا بالتصديق وبالإعانة. فإن التزكية، والثناء إعانة على المعصية وتحريك للرغبة فيها كما أن التكذيب والمذمة والتقبيح زجر عنه وتضعيف لدواعيه. والإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة. وقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية: هل يسقى شربة ماء؟ فقال: (لا. دعه يموت فإن ذلك إعانة له). وأيضا فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر إلى توسعه في النعمة ويزدري نعمة الله عليه ويكون مقتحما نهي رسول الله ﷺ حيث قال: (يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق) . وهذا مع ما فيه من اقتداء غيره في الدخول، ومن تكثير سواد الظلمة بنفسه وتحميله إياهم إن كان
ممن به وكل ذلك إما مكروهات أو
محظورات فلا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين.
أحدهما: أن يكون من جهتهم أمر إلزام، لا إكرام، وعلم أنه لو امتنع أوذي.
والثاني: أن يدخل عليهم في دفع الظلم عن مسلم، فذلك رخصة بشرط أن لا يكذب، ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا).
ثم قال: (فإن قلت: فلقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول: نعم تعلم الدخول منهم، ثم أدخل عليهم! فقد حكي: أن هشام بن عبد الملك، قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة) فقيل: يا أمير المؤمنين! فقد تفانوا قال: من التابعين. فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه، خلع نعليه بحاشية البساط، ولم يسلم بإمرة المؤمنين، ولكن قال: (السلام عليك يا هشام!) ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: (كيف أنت يا هشام!) فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله وقال له: (ما حملك على ما صنعت؟!) قال: (وما الذي صنعت؟!). فازداد غضبا وغيظا، فقال: (خلعت نعلك بحاشية بساطي، وما قبلت يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، ولم تكنني وجلست بإزاي بغير إذن، وقلت: (كيف أنت يا هشام؟) فقال: أما قولك: (خلعت نعلي، بحاشية بساطك، فأنا أخلعها بين يدي رب العالمين كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي. وأما قولك: (لم تقبل يدي فإني سمعت علي بن أبي طالب قال: (لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد، إلا امرأته بشهوة أو ولده برحمة). وأما قولك: لم تسلم بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راض بإمرتك، فكرهت أن أكذب.
وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى سمى أولياءه وقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى وكني أعداءه فقال: (تَبَّت يَداَ أَبي لَهَبٍ) وأما قولك: جلست بإزائي فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: (إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، انظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام)
فقال هشام: عظني؟.
قال: (سمعت علي بن أبي طالب يقول: (إن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته) ثم قام وخرج .
٩٥ - وعن سفيان الثوري قال: (دخلت على أبي جعفر بمنى، فقال لي: ارفع حاجتك؟ فقلت له: (اتق الله! فإنك قد ملأت الأرض جورا وظلما). قال: فطأطأ رأسه، ثم رفع وقال: ارفع لنا حاجتك؟ فقلت: (إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعا، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم). قال: فطأطأ رأسه ثم رفع وقال: ارفع إلينا حاجتك؟ قلت: (حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهما، وأرى ها هنا أمورا لا تطيق الجمال حملها) .
فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا أكرهوا فكانوا يفرون بأرواحهم في الله أعني علماء الآخرة، فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم، فيدلونهم على الرخص، ويستنبطون بدقائق الحيل السعة فيما يوافق أغراضهم) انتهى كلام الغزالي ملخصا.
٩٦ - وفي (أمالي) الشيخ عز الدين بن عبد السلام التي علقها عنه تلميذه الشيخ شهاب الدين القرافي أحد أئمة المالكية، ما نصه: (ومن جملة كلامه - يعني الشيخ عز الدين رضي الله عنه وقد كتب إليه بعض أرباب الدولة يحضه على الاجتماع بملك وقتهم، والتردد إليه ليكون ذلك مقيما لجاهه وكاتبا لعدوه. فقال رضي الله عنه: (قرأت العلم لأكون سفيرًا بين الله وبين خلقه، وأتردد إلى أبواب هؤلاء!) قال القرافي: (فأشار رضي الله تعالى عنه إلى من حمل العلم، فقد صار ينقل عن الله إلى عباده، فهو في مقام الرسالة ومن كان له هذا الشرف لا يحسن منه ذلك).
ما ينبغي للعالم التحلي به
٩٧ - وقال ابن الحاج في (المدخل): (ينبغي للعالم، بل يتعين عليه أن لا يتردد لأحد من أبناء الدنيا؛ لأن العالم ينبغي أن يكون الناس على بابه، لا عكس الحال أن يكون هو على بابهم ولا حجة له في كونه يخاف من عدو أو حاسد وما أشبههما بمن يخشى أن يشوش عليه، أو يرجو أحد منهم دفع شيء مما يخشاه أو يرجو أن يكون ذلك شيئًا لقضاء حوائج المسلمين من جلب مصلحة لهم أو دفع مضرة عنهم فهذا ليس فيه عذر ينفعه. أما الأول: فلأنه إذا أخذ ذلك بإشراف نفس لم يبارك فيه. وإذا كان خائفا مما ذكر، فذلك أعظم من إشراف النفس، وقد يسلط عليه من يتردد إليه في مصلحة عقوبة له معجلة. وأما الثاني: فهو يرتكب أمرا محظورا محققا لأجل محذور مظنون توقعه في المستقبل. وقد يكون، وقد لا يكون وهو مطلوب في الوقت بعدم ارتكاب ذلك الفعل المذموم شرعا، بل الإعانة على قضاء حوائجه وحوائج المسلمين إنما هو بالانقطاع عن أبواب هؤلاء، والتعويل على الله سبحانه والرجوع إليه فإنه سبحانه هو القاضي للحوائج، والدافع للمخاوف، والمسخر لقلوب الخلق، والمقبل بها على ما شاء، كيف شاء. قال تعالى خطابا لسيد الخلق: (لَو أَنفَقتَ ما في الأَرضِ جَميعًا مّا أَلَّفتَ بَينَ قُلوبِهِم وَلَكِنَّ اللَهَ أَلَّفَ بَينَهُم) . فذكر سبحانه هذا في معرض الامتنان على نبيه ﷺ. والعالم إذا كان متبعا له عليه أفضل الصلاة والسلام سيما في التعويل على ربه سبحانه والسكون إليه دون مخلوقاته فإنه سبحانه يعامله بهذه المعاملة اللطيفة التي عامل نبيه ﷺ، ولبركة الاتباع له صلى الله عليه ويسلم بذلك من التردد إلى أبواب هؤلاء كالذي يفعله بعض الناس، وهو سم قاتل. ويا ليتهم لو اقتصروا على ما ذكر لا غير. بل يضمون إلى ذلك ما هو أشد وأشنع، وهو أنهم يقولون أن ترددهم إلى أبوابهم من باب التواضع، أو من باب إرشادهم إلى الخير إلى غير ذلك مما يخطر لهم، وهو كثير قد عمت به البلوى،
وإذا اعتقدوا ذلك فقد قل الرجاء من توبتهم ورجوعهم. وقد نقل بعض علمائنا أن العدل إذا تردد إلى باب القاضي يكون ذلك حرجة في حقه وترد به شهادته. فإذا كان هذا في التردد إلى باب القاضي وهو عالم من علماء المسلمين، سالم مجلسه مما يجري من مجالس هؤلاء، فكيف التردد إلى غير القاضي، فمن باب أولى وأوجب المنع من ذلك).
وقال في موضع آخر: (ينبغي للعالم أنه إذا قطع عنه معلوم المدرسة لا يترك ما كان منه من الاجتهاد ولا يتبرم، ولا يضجر لأنه قد يكون المعلوم قد قطع عنه اختبارا من الله تعالى لكي يرى صدقه في علمه وعمله؛ فإن رزقه مضمون له لا ينحصر في جهة غير أخرى. قال عليه الصلاة والسلام: (من طلب العلم تكفل الله برزقه) .
٩٩ - ومعناه يسره له من غير تعب ولا مشقة، وإن كان الله تعالى تكلف برزق الخلق أجمعين، لكن حكمة تخصيص العالم بالذكر أن ذلك ييسر له بلا تعب، ولا مشقة، فجعل نصيبه من التعب والمشقة في الدرس والمطالعة والتفهم للمسائل وإلقائها وذلك من الله تعالى على سبيل اللطف به والإحسان إليه وهذا من كرامات العلماء، أعني فهم المسائل وحسن إلقائها، والمعرفة بسياسة الناس في تعلمها، كما أن كرامات الأولياء فيها أشياء أخرى يطول
تعدادها مثل المشي على الماء والطيران في الهواء. وينبغي له أن يصون هذا المنصب الشريف من التردد لمن يرجى أن يعين على إطلاق المعلوم، أو التحدث فيه أو إنشاء معلوم عوضه. وقد حدثني من أثق به أنه رأى بعض العلماء، وكان يدرس في مدرسة وانقطع المعلوم عنه وعن طلبته فقالوا للمدرس: لعلك أن تمشي إلى فلان! وكان من أبناء الدنيا لتجتمع به عسى أن يأمر بإطلاق المعلوم فقال: (والله إني لأستحي من ربي عز وجل أن تكذب هذه الشيبة عنده) فقالوا له: وكيف ذلك!؟ فقال: (إني أصبح كل يوم، أقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت) فأقول هذا وأقف بين يدي مخلوق أسأله في ذلك والله لا فعلته) والعالم
أولى من يثق بربه عز وجل في المنع والعطاء، ولا عذر له في الطلب لأجل العائلة لأنه إن ترك ذلك تقية على هذا المنصب الشريف لم يضيع الله الكريم قصده وأتاه به أو فتح له من غيبه ما هو أحسن له من ذلك وأعانه وسد خلته على ما شاء، كيف شاء، وليس رزقه بمخصوص في جهة بعينها، وعادة الله أبدا المستمرة على أنه سبحانه وتعالى يرزق من هذا حاله
من غير باب يقصده، أو يؤمله؛ لأن مراد الله تعالى من العلماء انقطاعهم إليه، وتعويلهم في كل أمورهم عليه، ولا ينظرون إلى الأسباب وإلى مسبب الأسباب ومدبرها، والقادر عليها، وكيف لا يكون العالم كذلك وهو المرشد للخلق والموضح الطريق المستقيم للسلوك إليه سبحانه، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرا منه من حيث لا يحتسب) انتهى.
١٠٠ - وفي (طبقات الحنفية) في ترجمة علي بن الحسن الصندلي: (أن السلطان ملك شاة قال له: (لم لا يجيء إلي؟ قال: أردت أن تكون من خير الملوك، حيث تزور العلماء، ولا أكون من شر العلماء حيث أزور الملوك).
١٠١ - وقال ابن عدي في (الكامل): (سمعت أبا الحسين محمد بن المظفر يقول: سمعت مشائخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدم والإمامة ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل، ومواظبته على الاجتهاد، وأنه خرج إلى الغزو مع والي مصر فوصف من شهامته، وإقامته السنن المأثورة، واحترازه عن
مجالسة السلطان الذي خرج معه ولم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد رضي الله عنه.
وفي (تهذيب الكمال) للمزي في ترجمة أبي يحيى أحمد بن عبد الملك الحراني شيخ البخاري، ما نصه: (قال أبو الحسن الميموني: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: (قد كان عندنا ورأيته كيسا، وما رأيت به بأسا، رأيته حافظا لحديثه، وما رأيت إلا خيرا فقلت: رأيت جماعة يسيئون الثناء عليه. قال: هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له) .
أعز الأشياء في آخر الزمان
١٠٣ - وفي (تهذيب الكمال) أيضًا بسنده عن رشدين بن سعد قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: سمعت (أعز الأشياء في آخر الزمان ثلاثة: أخ في الله يؤتسى وكسب درهم من حلال، وكلمة حق عند سلطان) .
كلام الشعراء في المجيء للسلاطين
١٠٤ - وعن خلف بن تميم قال: سمعت إبراهيم بن أدهم ينشد:
أَرى أُناسًا بِأَدنى الدينِ قَد قَنَعوا ... وَلا أَراهُم رَضوا في العَيشِ بِالدونِ
فَاِستَغنِ بِاللَهِ عَن دُنيا المُلوكِ ... كَما اِستَغنى المُلوكُ بِدُنياهُم عَنِ الدينِ
١٠٥ - وقال الشاسي في أماليه: (حدثنا أبو بكر ابن الأنباري، حدثني أبي قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخيل بن أحمد بمائة ألف درهم،
وسأله في صحبته فرد عليه المائة ألف وكتب إليه بأبيات:
أَبلِغ سُلَيمانَ أَنّي عَنهُ في سَعَةٍ ... وَفي غِنى غَيرَ أَنّي لَستُ ذا مالِ
سَخِيٌّ بِنَفسي أَنّي لا أَرى أَحَدًا ... يَموتُ هُزلًا وَلا يَبقى عَلى حالِ
فَالرِزقُ عَن قَدرٍ لا العَجزِ يُنقِصُهُ ... وَلا يَزيدَكَ فيهِ حَولَ مُحتالِ
وَالفَقرُ في النَفسِ لا في المالِ تَعرِفُهُ ... وَمِثلُ ذاكَ الغِنى في النَفسِ لا المالِ
١٠٦ - وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن محمد بن وهيب بن هشام قال: أنشدني بعض أصحابي لابن المبارك رحمه الله تعالى:
كُلِ الجاوُرسَ وَالأَرُزَ ... بِالخُبزِ الشَعيرِ
وَاِجعَلَن ذلِكَ طَعامًا ... تَنجُ مِن حَرِّ السَعيرِ
وانأى ما استطعت هدا ... ك الله عن باب الأمير
١٠٧ - وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن أحمد بن جميل المروزي قال: قيل لعبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه أن إسماعيل بن علية قد ولي الصدقات فكتب إليه ابن المبارك:
يا جاعِلَ العِلمِ لَهُ بازِيًا ... يَصطادُ أَموالَ المَساكينِ
اِحتَلتَ الدُنيا وَلَذّاتَها ... بِحيلَةٍ تَذهَبُ بِالدَينِ
فَصِرتَ مَجنونًا بِها بَعدَما ... كُنتَ دَواءً لِلمَجانينِ
أَينَ رِوايَتُكَ في سَردِها ... لِتَركِ أَبوابِ السَلاطينِ
أَينَ رِوايَتُكَ فيما مَضى ... عَنِ اِبنِ عَونِ وَاِبنِ سيرينِ
إِن قُلتُ أُكرِهتُ فَذا باطِلٌ ... زَلَّ عَمّارُ العِلمِ في الطينِ
قال: فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى .
١٠٨ - ونظير هذا ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق البيهقي، عن الحاكم قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، نبأنا علي بن الحسن بن حبيب الدمشقي، قال: سمعت الناقوسي، وكان من أهل القرآن والعلم، قال سمعت محمد بن عبد الله بن الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: (كان لي صديق يقال له حصين، وكان يبرني ويصلني فولاه أمير المؤمنين السيبن، قال فكتب إليه:
خُذها إِلَيكَ فَإِنَّ وُدَّكَ طالِقٌ ... مِنّي وَلَيسَ طَلاقُ ذاتِ البَينِ
فَإِنِ اِرعَوَيتَ فَإِنَّها تَطليقَةٌ ... وَيَدومُ وُدُّكَ عَلى ثِنتَينِ
وَإِنِ اِلتَوَيتَ شَفَعتَها بِمِثالِها ... وَتَكونُ تَطليقَتَينِ في حَيضَينِ
فَإِذا الثَلاثُ أَتَتكَ مِنّي طائِعًا ... لَم تُغنِ عَنكَ وِلايَةَ البَحرَينِ
لَم أَرضَ أَن أَهجُرَ حَصينًا وَحدَهُ ... حَتّى اِسوَدَّ وَجهُ كُلِّ حَصينِ
١٠٩ - وأخرج أبو نعيم عن محمد بن وهب، قال: أنشدني بعض أصحابنا لابن المبارك:
أَلا اِقتَدَيتُم بِسُفيانَ وَمِسعَرِكُم ... وَبِاِبنِ مَغولٍ إِذ يَجمَعهُمُ الوَرَعُ
وَبِالتَقِيِّ أَخي طَيءّ فَرابِعُهُم ... زَينُ البِلادِ جَميعًا خَيرُةُ فَرِعُ
مِثلُ الفِراخِ تَراهُم في تَهَجُّدِهِم ... سُهدُ العُيونِ فَلا غُمضٌ وَلا هَجَعُ
جُلَّسُ البُيوتِ جُثومًا في مَنازِلِهِم ... إِلاّ النَوائِبَ أَو تُزعِجهُمُ الجُمَعُ
خُمصُ البُطونِ مَعَ الأَكبادِ جائِعَةٌ ... لا يَطمَعونَ حَرامًا خِشيَةَ الفَزَعِ
لِلناسِ هَمّ وَهُمُّ القَومِ أَنفُسُهُم ... عِندَ الحَصادِ القَومُ ما زَرَعوا
وقال بعضهم:
هَيهاتَ اِغتَر بِالسُلطانِ تَأتيهِ ... قَد ضَلَّ والِجُ أَبوابَ السَلاطينِ
وقال الإمام أبو القاسم الشاطبي صاحب القصيدة المشهورة:
يَلومونَني إِذ ما وَجَدتُ مُلائِمًا ... وَمالي مُليمًا حينَ سِمتُ الأَكارِما
وَقالوا تَعَلَّمَ العُلومَ نِفاقَها ... بِسِحرِ نِفاقٍ يَستَحِقُّ العَزائِما
وَقَلِّب جِناها حَولًا قَلبًا بِما ... يُدني أُنوفَ الشامِخاتِ رَواغِما
وَلا بُدَّ مِن مالٍ بِهِ العِلمُ يُعتَلى ... وَجاهٍ في الدُّنيا يَكُفُّ المَظالِما
وَلَولا مَصابيحُ السَلاطينِ لَم تَجِد ... عَلى ظُلُماتِ السّبيلِ بِالحَقِ قائِما
فَخالِطهُم وَاِصبِر لِذُلِّ حُجّابِهِم ... تَنَل بِهِم عِزًّا يُسَمّيكَ عالِمًا
وقال الجمال اللغوي في كتاب (المعجب) ومن خطه نقلت: أخبرني بعض الفضلاء: أن الأمير عز الدين حرسك بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه للحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه هذه الأبيات وهي قوله:
قُل لِلأَميرِ مَقالَةً ... مِن ناصِحٍ فَطنٍ نَبيهِ
إِنَّ الفَقيهَ إِذا أَتى ... أَبوابَكُم لا خَيرَ فيهِ
وفي (التذييل) للبدر النابلسي: قال سعيد بن إبراهيم بن عبد ربه وقد انقبض عن الملوك في آخر عمره:
أَمِن بَعدِ غَوصي في عُلومِ الحَقائِقِ ... وَطولِ اِنبِساطي في مَذاهِبِ خالِقِ
وَفي حينِ إِشرافي عَلى مَلَكوتِهِ ... أَرى طالِبًا رِزقًا إِلى غَيرِ رازِقي
وَقَد أَذِنَت نَفسي بِتَفويضِ خِلِّها ... وَأَسرَعَ في سوقي إِلى المَوتِ سابِقي
دونَكَ يا مَن يَرى النُصحَ ذِلَةً ... اِستَوسَعَ فيكَ الشامِتينَ المَراجِما
إِذ لَعِبَت صِبيانُهُم بِكَ وَاِبتَغَت ... شُيوخُهُم فيكَ الصُروفَ الفَواتِحا
فَقُلتُ مُجيبًا لَيسَ يُسعِدُني سِوى ... نَجى الحَشا وَالدَمعُ يَنهَلُ حاجِما
إِلى اللَهِ أَشكو وَحدَتي في مَصائِبي ... وَهَذا زَمانُ الصَبرِ لَو كُنتُ حازِما
وَكَم زَفَرٌ تَحتَ الضُلوعِ لَهيجُها ... حَكيمٌ يَبيعُ العِلمَ بِالجورِ حاكِما
وَكَأَنَّ جِنابَ العِلمِ يَسمو بِأَهلِهِ ... إِلى أَطيَبَ أَنفاسِ الحَياةِ تَواسِما
يَرُدّونَ دُرتَ بِهِ زَهرَةَ الدُنيا إِلى ... نَجعَةِ الأُخرى فَيَرتادُ حائِما
١١٠ - وقال الحافظ أبو نصر بن ما كولا:
تَجَمَّعَت أَبوابُ المُلوكِ لآِتي ... عَلِمتُ بِما لَم يَعلَمِ الثَقِلانِ
رَأَيتُ سُهَيلًا لَم يَحُد عَن طَريقِهِ ... مِنَ الشَمسِ إِلاّ مِن مَقامِ هَوانِ
١١١ - وقال بعضهم مفرد:
هيهات اعتز بالسلطان نائبه ... فقد ضل والج أبواب السلاطين
[[وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن زيد بن أسلم قال: كنت مع أبي حازم فأرسل إليه عبد الرحمن بن خالد الأمير أن ائتنا حتى نسألك وتحدثنا.
فقال أبو حازم: (معاذ الله أدركت أهل العلم لا يحملون العلم لأهل الدنيا فلن أكون أول من فعل ذلك فإن كان لك حاجة، فأبلغنا) فأرسل إليه عبد الرحمن قد ازددت عندنا بهذا كرامة.
انتهى وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.]] (*)
حدث خطأ في تحميل الصفحة
؟
حدث خطأ في تحميل الصفحة
تعليقات