المتنبي

 ال وقال أبو الطَّيِّب أحمد بن الحسين المتنبِّي من قصيدةٍ:


لكلِّ امرئٍ من دهرِهِ ما تعوَّدا ... وعادَةُ سيفِ الدَّولةِ الطَّعنُ في العِدا

وأن يكذبَ الإرجافَ عنهُ بضدِّه ... ويُمسي بما تنوي أعاديهِ أسعَدَا

ورُبَّ مُريدٍ ضرَّهُ ضرَّ نفسِهِ ... وهادٍ إليهِ الجيشَ أهْدى وما هَدَى

ومُستكبرٍ لم يعرِف اللهَ ساعةً ... رأى سيفَهُ في كفِّهِ فتشهَّدا

هوَ البحرُ غُصْ فيه إذا كانَ ساكناً ... على الدُّرِّ واحْذرهُ إذا كانَ مُزبدا

فإنِّي رأيتُ الدَّهْرَ يعثُرُ بالفَتَى ... وهذا الَّذي يأتي الفَتَى متعمّدا

تظلُّ ملوكُ الأرضِ خاشعةً لهُ ... تُفارقُهُ هَلْكى وتلقاهُ سُجَّدا

ذكيٌّ تَظَنِّيه طليعَةُ عينهِ ... يرى قلبهُ في يومِهِ ما تَرَى غَدَا

وَصولٌ إلى المُستصعباتِ بخيلِهِ ... فلو كانَ قرنُ الشَّمْسِ ماءً لأوْرَدَا


فواعجباً من دائلٍ أنتَ سيفُهُ ... أما يتوقَّى شفرَتَيْ ما تقلَّدا

ومَن يَجعل الضِّرغامَ في الصَّيدِ بازَه ... تصيَّدهُ الضِّرغامُ فيما تصيَّدا

رأيتكَ محضَ الحِلمِ في محضِ قدرةٍ ... ولو شئتَ كانَ الحلمُ منكَ المهنَّدا

وما قتلَ الأحْرار كالعفوِ عنهمُ ... ومَن لكَ بالحُرِّ الَّذي يحفظُ اليَدَا

إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَهُ ... وإنْ أنتَ أكرمتَ اللَّئيمَ تمرَّدا

ووضعُ النَّدَى في موضعِ السَّيْفِ بالعُلا ... مضرٌّ كوضعِ السَّيْفِ في موضعِ النَّدَى

ولكنْ تفوقُ النَّاسَ رأياً وحكمةً ... كما فُقتهمْ حالاً ونفْساً ومحتِدا

وما الدَّهْرُ إلاَّ من رُواةِ قلائِدِي ... إذا قلتُ شِعراً أصبَحَ الدَّهْرُ مُنشِدا

فسارَ بهِ مَن لا يسيرُ مشمِّراً ... وغنَّى بهِ مَن لا يغنِّي مغرِّدا

أجْزِني إذا أُنشدت مَدْحاً فإنَّما ... بشِعري أتاكَ المادحونَ مردّدا

ودعْ كلَّ صوتٍ بعدَ صوتي فإنَّني ... أنا الصَّائحُ المحكيُّ والآخرُ الصَّدى

تركتُ السُّرى خلفِي لمنْ قلَّ مالُهُ ... وأنعلتُ أفراسي بنُعماكَ عسجَدَا

وقيَّدتُ نفسي في ذراكَ محبَّةً ... ومن وجَدَ الإحسانَ قيداً تقيَّدا

إذا سألَ الإنسانُ أيَّامَهُ الغِنَى ... وكنتَ على بعدٍ جعلنَكَ موعِدا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

كلُّ السُّيوفِ إذا طالَ الضِّرابُ بها ... يمسها غير سيفِ الدَّولةِ السَّأمُ

لو كلَّتِ الخيلُ حتَّى لا تحمَّلُهُ ... تحمَّلتهُ إلى أعدائهِ الهممُ

أين البطارِقُ والحلفُ إليَّ حَلَفوا ... بمفرِقِ الملكِ والزَّعمُ إليَّ زَعَموا

ولَّى صوارمَهُ إكذابَ قولهُمُ ... فهنَّ ألسنةٌ أفواهُها القممُ

نواطقٌ مخبراتٌ في جماجِمِهمْ ... عنهُ بما جهلُوا منهُ ما علِموا

وفي أكفّهمُ النارُ الَّتي عُبدت ... قبلَ المجوسِ إلى ذا اليومِ تضطرمُ

هِنديَّةٌ إنْ تصغّرْ أمّةً صَغُروا ... بحدِّها أو تعظَّمْ معشراً أعظَمُوا

قاسمتَهَا تَلّ بطريقٍ فكانَ لها ... أبطالها ولكَ الأطفالُ والحرَمُ

وقد تمنَّوْا غداةَ الدَّربِ في لَجَبٍ ... أن يُبصروكَ فلمَّا أبصرُوكَ عَمُوا

صدمتَهُمْ بخميسٍ أنتَ غرَّتُهُ ... وسمهريَّتُهُ في وجهِهِ غمَمُ

فكانَ أثبَتَ ما فيهمْ جسومهُمُ ... يسقطْنَ حولَكَ والأرواحُ تنهزِمُ

وأسلَمَ ابنُ شمُشقِيقٍ أليَّتُهُ ... إلاَّ انثنَى فهو ينأَى وهي تبتسمُ

لا يأمُلُ النَّفسَ الأقصَى لمهجتِهِ ... فيسرقُ النَّفسَ الأدْنى ويغتنمُ

تردُّ عنهُ قَنَا الفرسان سابغةٌ ... صوبُ الأسنَّةِ في أثنائها ديَمُ

ألقتْ إليكَ دماءُ الرُّومِ طاعتَهَا ... فلوْ دعوتَ بلا ضربٍ أجابَ دَمُ

يسابقُ القتلُ فيهم كلّ حادثةٍ ... فما يُصيبُهُم موتٌ ولا هرَمُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وقدْ طرقتُ فتاةَ الحيّ مُرتدياً ... بصاحبٍ غيرِ عِزْهاةٍ ولا غزِلِ

لا أكسبُ الذِّكرَ إلاَّ من مضاربِهِ ... أو من سنانٍ أصمِّ الكَعْب معتدِلِ

جادَ الأميرُ به لِي في مواهبِهِ ... فزانَهَا وكَسَاني الدِّرعَ في الحللِ

ومن عليّ بنِ عبدِ اللهِ معرفَتِي ... بحملهِ من كعبدِ اللهِ أو كَعَلي

مُعطي الكواعِبِ والجردِ السَّلاهِبِ وال ... بِيضِ القواضبِ والعسَّالةِ الذُّبلِ

ضاقَ الزَّمَانُ ووجهُ الأرضِ عن ملكٍ ... ملءِ الزَّمَانِ وملءِ السَّهل والجبلِ

فنحنُ في جذلٍ والرُّومُ في وجلٍ ... والبَرُّ في شُغُلٍ والبحر في خَجَلِ

مِن تغلبَ الغالبينَ النَّاسَ منصبهُ ... ومن عديٍّ أعادي الجُبنِ والبخلِ

والمدحُ لابنِ الهيجاءِ تُنجدُهُ ... بالجاهليَّةِ عينُ الغيِّ والخَطَلِ

ليتَ المدائحَ تستوفي مناقبَهُ ... فمنْ كليب وأهلُ الأعصُرِ الأُولِ

خذْ ما تراهُ ودعْ شيئاً سمعتَ بهِ ... في طلعةِ الشَّمْسِ ما يُغنيكَ عن زحلِ

وقد وجدتَ مكانَ القولِ ذا سعةٍ ... فإنْ وجدتَ لساناً قائلاً فقُلِ


تُمسي الأمانيُّ صرعَى دونَ مبلغِهِ ... فما يقولُ لشيءٍ ليتَ ذلكَ لي

انظُرْ إذا اجتمعَ السَّيفانِ في رَهَجٍ ... إلى اختلافِهِما في الخلقِ والعملِ

هذا المعدُّ لريبِ الدَّهْرِ مُنصلتاً ... أعدَّ هذا لرأسِ الفارِسِ البطلِ

فالعُربُ منهُ مع الكُدريّ طائرةٌ ... والرُّومُ طائرةٌ منهُ معَ الحجلِ

وما الفرارُ إلى الأجبالِ من أسَدٍ ... تمشي النَّعامُ بِهِ في مَعقلِ الوعِلِ

جازَ الدُّروبَ إلى ما خلفَ خرشنةٍ ... فزالَ عنها وذاك الرَّوعُ لم يزُلِ

فكلَّما حلمتْ عذراءُ عندهُمُ ... فإنَّما حلَمَتْ بالسَّبيِ والجَمَلِ

إنْ كنتَ ترضَى بأنْ يُعطوا الجِزَى بَذَلوا ... منها رضاكَ ومَن للعُورِ بالحولِ

لعلَّ عتبكَ محمودٌ عواقبُهُ ... فربَّما صحَّتِ الأجسامُ بالعللِ

وما سمعتُ ولا غيرِي بمقتدرٍ ... أذَبَّ منكَ لزُورِ القولِ عن رجُلِ

لأنَّ حلمَكَ حلمٌ لا تَكَلَّفهُ ... ليسَ التَّكحُّلُ في العينينِ كالكَحَلِ

وما ثناكَ كلامُ النَّاسِ عن كرمٍ ... ومَن يسدُّ طريقَ العارضِ الهطلِ

أنتَ الجوادُ بلا منٍّ ولا كذبٍ ... ولا مِطالٍ ولا وعْدٍ ولا مَذَلِ

أنتَ الشُّجاعُ إذا ما لمْ يَطَأ فرسٌ ... غيرَ السَّنَوَّرِ والأشلاءِ والقللِ

وردَّ بعضُ القنا بعضاً مقارَعَة ... كأنَّهُ من نفوسِ القومِ في جدلِ

لا زلتَ تضربُ مَن عاداكَ عَن عُرُضٍ ... بعاجِلِ النَّصر في مستأخِرِ الأجلِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وما قَبلَ سيفِ الدَّولةِ أثَّارَ عاشقٌ ... ولا طُلبتْ عندَ الظَّلامِ ذُحولُ

ولكنَّهُ يأتي بكلِّ غريبةٍ ... تروقُ على استغرابِها وتَهُولُ

رَمَى الدَّربَ بالجُردِ العتاقِ إلى العَدا ... وما علمُوا أنَّ السِّهامَ خُيولُ

شوائِل تشْوالَ العقارِبِ بالقَنَا ... لها مرحٌ من تحتِهِ وصهيلُ

وما هي إلاَّ خطرةٌ عرضتْ لهُ ... بحرَّانَ لبَّتْها قناً ونصولُ

هُمَامٌ إذا ما همَّ أمضَى همومَهُ ... بأرعَنَ وطْءُ الموتِ فيهِ ثقيلُ

خيلٍ بَراها الرَّكضُ في كلِّ بلدةٍ ... إذا عرَّستْ فيها فليسَ تَقيلُ

سَحَائب يُمطرنَ الحديدَ عليهُمُ ... فكلُّ مكانٍ بالسُّيوفِ غسيلُ

تُسايرها النِّيرانُ في كلِّ مسلكٍ ... به القومُ صرْعى والدِّيارُ طلولُ

ورُعنَ بنا قلبَ الفراتِ كأنَّما ... تخرُّ عليه بالرِّجالِ سيولُ

يطايرُ فيهِ موجَهُ كلُّ سابحٍ ... سواءٌ عليهِ غمرةٌ ومسيلُ

تراهُ كأنَّ الماءَ مرَّ بجسمِهِ ... وأقبَلَ رأسٌ وحدَهُ وتَليلُ

فأورَدَهمْ صدرَ الحصانِ وسيفَهُ ... فتًى بأسُهُ مثلُ العطاءِ جزيلُ

جوادٌ على العلاَّتِ بالمالِ كلِّهِ ... ولكنَّهُ بالدَّارعينَ بخيلُ

أنا السَّابقُ الهادي إلى ما أقولُهُ ... إذا القولُ قبلَ القائلينَ مَقولُ

أُعادَى على ما يوجبُ الحُبَّ للفَتَى ... وأهدأُ والأفكارُ فيَّ تجولُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

ولمْ أرَ كالألحاظِ يومَ رحيلهمْ ... بَعَثْنَ بكلِّ القتلِ من كلِّ مشفِقِ

أَدرنَ عيوناً حائراتٍ كأنَّها ... مركَّبةٌ أحداقُها فوقَ زِئبقِ

نودِّعُهُمْ والبينُ فينا كأنَّهُ ... قَنَا ابنِ أبي الهيجاءِ في قلبِ فيلقِ

وقال بعد صف الرِّماح ممَّا ثبت في باب الأوصاف:

ضروبٌ بأطرافِ السُّيوفِ بنانُهُ ... لعوبٌ بأطرافِ الكلامِ المشقَّقِ

كسائلِهِ مَن يسأل الغيثَ قطرةً ... كعاذلِهِ من قالَ للفلكِ ارفُقِ

لقد جُدتَ حتَّى جُدتَ في كلِّ ملَّةٍ ... وحتَّى أتاكَ الحمدُ في كلِّ منطقِ

رأى ملكُ الرُّومِ ارْتِياحكَ للنَّدى ... فقامَ مقامَ المجتدي المتملِّقِ

وخلَّى الرِّماحَ السَّمهريَّةَ صاغراً ... لأدرَبَ منهُ بالطِّعانِ وأحذقِ

وكاتَبَ من أرضٍ بعيدٍ مرامُها ... قريبٍ على خيلٍ حواليكَ سبَّقِ

وقدْ سارَ في مسراكَ منها رسولهُ ... فما سارَ إلاَّ فوقَ هامٍ مفلَّقِ


فلمَّا دَنَا أخْفى عليهِ مكانَهُ ... شعاعُ الحديدِ البارقِ المتألّقِ

وأقبَلَ يمشي في البساطِ فما دَرَى ... إلى البحرِ يمشي أمْ إلى البدرِ يرتقي

ولمْ يثنكَ الأعداءُ عن مُهجاتِهمْ ... بمثلِ خضوعٍ في كلامٍ منمَّقِ

فيا أيُّها المطلوبُ جاوِرهُ تمتنعْ ... ويا أيُّها المحرومُ يمِّمهُ تُرزقِ

ويا أجبنَ الفرسانِ صاحبْهُ تجترئ ... ويا أشجعَ الشُّجعانِ فارقهُ تفرَقِ

إذا سعتِ الأعداءُ في كيدِ مجدِهِ ... سعَى جدُّهُ في مجدِهِ سعيَ مُحنقِ

وما يَنصرُ الفضلُ المبينُ على العِدا ... إذا لم يكنْ فضل السَّعيدِ الموفَّقِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أَرَى كلَّ ذي مُلكٍ إليكَ مصيرُهُ ... كأنَّك بحرٌ والملوكُ جداولُ

إذا مطرتْ منهمْ ومنكَ سحائبٌ ... فوابلهمْ طلٌّ وطلُّكَ وابلُ

كريمٌ مَتَى استوهبتَ ما أنتَ راكبٌ ... وقد لقحتْ حربٌ فإنَّكَ نازلُ

وقد زعَمُوا أنَّ النُّجومَ خوالدٌ ... ولوْ حارَبَتهُ ناحَ فيها الثَّواكلُ

وما كانَ أدناها له لوْ أرادَهَا ... وألطفَهَا لَو أنَّهُ المُتناولُ

قريبٌ عليهِ كلُّ ناءٍ على الوَرَى ... إذا لثَّمتهُ بالغبارِ القنابلُ

يُذبّرُ شرقَ الأرضِ والغربَ كفُّهُ ... وليسَ لها وقتٌ عن الجودِ شاغلُ

يتبعُ هُرَّابَ الرِّجالِ مرادُهُ ... فمنْ فرَّ حرباً عارضتهُ الغوائلُ

ومنْ فرَّ من إحسانِهِ حسداً لهُ ... تلقَّاهُ منهُ حيثُما سارَ نائلُ

إذا العَرَبُ العرباءُ رازَتْ نفوسَهَا ... فأنتَ فَتَاها والمليكُ الحُلاحلُ

أطاعتكَ في أرواحِها وتصرَّفتْ ... بأمركَ والتفَّتْ عليكَ القبائلُ

وكلُّ أَنابيب القَنَا مَدَدٌ لهُ ... وما تنكُتُ الفرسانَ إلاَّ العواملُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

فؤادٌ ما تسلِّيهِ المُدامُ ... وعمْرٌ مثلُ ما تهبُ اللِّئامُ

ودهرٌ ناسُهُ ناسٌ صغارٌ ... وإنْ كانت لهمْ جثثٌ ضخامُ

وما أنا منهمُ بالعيشِ فيهمْ ... ولكنْ معدنُ الذَّهبِ الرُّغامُ

أرانبُ غيرَ أنَّهمُ ملوكٌ ... مفتَّحةٌ عيونُهُم نيامُ

بأجسامٍ يحرُّ القتلُ فيها ... وما أقرانُها إلاَّ الطَّعامُ

وخيلٍ ما يخرُّ لها طعينٌ ... كأنَّ قَنَا فوارِسِها ثُمامُ

خليلكَ أنتَ لا مَن قلتَ خلِّي ... وإنْ كثرَ التَّجمُّلُ والكلامُ

ولو حِيزَ الحِفاظُ بغير عقلٍ ... تجنَّبَ عنقَ صيقلِهِ الحسامُ

وشبهُ الشَّيءِ منجذبٌ إليهِ ... وأشبهُنا بدُنيانا الطّغامُ

ولو لمْ يعلُ إلاَّ ذو مَحَلٍّ ... تعالى الجيشُ وانحطَّ القَتَامُ

ولو لمْ يرعَ إلاَّ مستحقٌّ ... لرتبتِهِ أسامهُمُ المُسامُ

ومَن خَبرَ الغواني فالغواني ... ضياءٌ في بواطبهِ ظَلامُ

سقى اللهُ ابنَ مُنجبةٍ سَقَاني ... بدرٍّ ما لراضعِهِ فطامُ

ومَن إحدى فوائدِهِ العَطَايا ... ومَنْ إحدى عَطَاياهُ الدَّوامُ

فقد خفيَ الزَّمَانُ بهِ عَلَيْنا ... كسِلكِ الدُّرِّ يخفيهِ النِّظامُ

تلذُّ لهُ المروّةُ وهي تُؤذي ... ومَن يعشقْ يلذُّ لهُ الغرامُ

تعلَّقها هوَى قيسٍ لليلَى ... وواصَلَها فليسَ بهِ سقامُ

يَروعُ ركانةً ويذوبُ ظرْفاً ... فما ندري أشيخٌ أمْ غلامُ

وتملكُهُ المسائلُ في نداهُ ... وأمَّا في الجدالِ فما يرامُ

أقامتْ في الرِّقابِ لهُ أيادٍ ... هي الأطواقُ والنَّاسُ الحَمامُ

إذا عُدَّ الكرامُ فتلكَ عِجلٌ ... كما الأنواءُ حين تعدُّ عامُ

فلو يمَّمتهمْ في الحشرِ تجدُو ... لأعطَوْكَ الَّذي صلّوا وصامُوا

نصرّعهم بأعيُننا حياءً ... وتنبُو عن وجوههمُ السِّهامُ

لقدْ حسُنتْ بكَ الأوقاتُ حتَّى ... كأنَّكَ في فمِ الدَّهْرِ ابتسامُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت صدرها في باب الفخر:

ولمَّا قلَّت الإبلُ امْتَطَينا ... إلى ابنِ أبي سليمانَ الخُطوبا

مطايا لا تذلُّ لمنْ عَلَيْها ... ولا يبغي لها أحدٌ ركوبا


إلى ذي شيمةٍ شعفت فؤادي ... فلولاهُ لقلت بها النسيبا

عجيبٌ في الزَّمَانِ وما عجيبٌ ... أتى من آلِ سيَّارٍ عجيبا

وشيخٌ في الشَّبابِ وليسَ شيخاً ... يسمَّى كلُّ مَن بلَغَ المَشيبا

قَسَا فالأُسدُ تفزَعُ من يديهِ ... ورقَّ فنحنُ نفزَعُ أن يَذُوبا

أشدُّ من الرِّياحِ الهوج بطشاً ... وأسرَعُ في النَّدَى منها هُبُوبا

وقالُوا ذاكَ أرْمى مَن رأيْنا ... فقلتُ رأيتُمُ الغَرض القريبا

وهلْ يُخطي بأسهمِهِ الرَّمايا ... وما يُخطي بما ظنَّ الغُيوبا

إذا نُكبتْ كِنانَتُه استَبَنَّا ... بأنصُلها لأنصُلها نُدُوبا

يصيبُ ببعضِها أفواقَ بعضٍ ... فلولا الكسرُ لاتَّصلتْ قضيبا

ألستَ ابنَ الأُلى سَعِدوا وسادُوا ... ولم يلدُوا امْرَأ إلاَّ نَجيبا

وما ريحُ الرِّياضِ لها ولكنْ ... كَسَاها دفنُهُمْ في التُّربِ طِيبا

وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت أوَّلها في باب الفخر:

خفَّ الزَّمَانُ على أطرافِ أنملِهِ ... حتَّى توهَّمنَ للأزمانِ أزمانا

يلقَى الوَغَى والقَنَا والنَّازلاتِ بهِ ... والضَّيفَ والسَّيْفَ رحبَ الباعِ جذْلانا

تخالهُ من ذكاءِ القلبِ مُحتمياً ... ومن تكرُّمِهِ والبشْر نشوانَا

وتسحَبُ الحِبَر القَيْناتُ رافلةً ... في جودِهِ وتجرُّ الخيلُ أرسانَا

يعطي المبشّر بالقُصَّادِ قبلهُمُ ... كمنْ يبشّرُهُ بالماءِ عطشانَا

جزتْ بني الحَسَنِ الحُسنى فإنَّهُمُ ... في قومهم مثلُهُم في الغرِّ عدنانَا

ما شيَّدَ اللهُ من مجدٍ لسالفهمْ ... إلاَّ ونحنُ نراهُ فيهمُ الآنا

إنْ كُوتبوا أو لُقُوا أو حُوربوا وُجدوا ... في الخطِّ واللَّفظِ والهيجاءِ فُرسانَا

كأنَّ ألسنهمْ في النُّطقِ قد جُعلتْ ... على رماحهمُ في الطَّعنِ خُرصانَا

كأنَّهم يرِدُونَ الموتَ من ظمأ ... أو ينشُقون منَ الخطِّيِّ رَيْحانَا

الواضحين أبُوَّاتٍ وأجبنةً ... ووالداتٍ وألباباً وأذهانَا

يا صائدَ الجحفَلِ المرهوبِ صوْلَتُه ... إنَّ اللّيوثَ تصيدُ النَّاسَ أُحدانَا

وواهباً كلّ وقتٍ وقتُ نائلِهِ ... وإنَّما يهبُ الوهَّابُ أحيانَا

أنتَ الَّذي سبَكَ الأموالَ مكرمةً ... ثمَّ اتَّخذتَ لها السُّؤَّالَ خُزَّانَا

لا أستزيدكَ فيما فيكَ من كرمٍ ... أنا الَّذي نامَ إنْ نبَّهتُ يقظانَا

قد شرَّفَ اللهُ أرضاً أنتَ سكنُها ... وشرَّفَ النَّاسَ إذْ سوَّاكَ إنسانَا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

بيني وبينَ أبي عليٍّ مثلُهُ ... شمُّ الجبالِ ومثلهنَّ رجاءُ

وعقابُ لُبنانٍ وكيفَ بقطعِها ... وهو الشِّتاءُ وصيفهنَّ شتاءُ

لبسَ الثُّلوجَ بها عليَّ مَسَالكي ... فكأنَّها ببياضِها سوداءُ

وكذا الكريمُ إذا أقامَ ببلدةٍ ... سالَ النُّضارُ بها وأقامَ الماءُ

في كلِّ يومٍ للقوافي جولةٌ ... في قلبِهِ ولأُذنهِ إصغاءُ

وإغارةٌ فيما احتواهُ كأنَّما ... في كلِّ بيتٍ فيلقٌ شهباءُ

مَن يظلمُ اللُّؤماءَ في تكليفهمْ ... أنْ يُصبحوا وهُم لَهُ أكفاءُ

ونَذيمُهم وبهمْ عرفْنا فضلَهُ ... وبضدّها تتبيَّنُ الأشياءُ

مَن نفعهُ في أنْ يُهاجَ وضرُّهُ ... في تركِهِ لو تفطَنُ الأعداءُ

فالسِّلمُ يكسرُ مِن جناحَيْ مالِهِ ... بنوالِهِ ما تجبرُ الهيجاءُ

متفرِّقُ الطَّعمينِ مُجتمعُ القُوى ... فكأنَّهُ السَّرَّاءُ والضرَّاءُ

فإذا سُئلتَ فلا لأنَّك مُحوجٌ ... وإذا كُتمتَ وشتْ بكَ الآلاءُ

وإذا مُدحتَ فلا لتكسبَ رفعةً ... للشَّاكرين على الإلهِ ثناءُ

وإذا مُطرتَ فلا لأنَّكَ مُجدبٌ ... يُسقى الخصيبُ وتمطَرُ الدَّأْماءُ

ولكَ الزَّمانُ منَ الزَّمَانِ وقايةٌ ... ولكَ الحِمامُ من الحِمامِ فداءُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وأَمَقَّ لو خدتِ الشّمالُ براكبٍ ... في عَرضهِ لأناخَ وهو طَليحُ

نازعتُهُ قُلُصَ الرِّكابِ ورَكبُها ... خوفَ الهلاكِ حداهُمُ التَّسبيحُ


لولا الأميرُ مُساورُ بنُ محمَّدٍ ... ما جُشِّمتْ خطراً ورُدَّ نصيحُ

ومَتَى وَنَتْ وأبُو المظفَّرِ أمُّها ... فأتاحَ لي ولَهَا الحِمامَ مُتيحُ

مرجوُّ منفعةٍ مَخوفُ أذيَّةٍ ... مغبوقُ كأسِ محامدٍ مَصبوحُ

حنقٌ على بدرِ اللُّجينِ وما أتتْ ... بإساءةٍ وعن المُسيءِ صَفوحُ

لو فرَّقَ الكرمَ المفرّقَ مالَهُ ... في النَّاسِ لم يكُ في الزَّمَانِ شحيحُ

يغْشى الطِّعانَ فلا يردُّ قناتَهُ ... مكسورةً ومن الكُماةِ صحيحُ

لو كنتَ بحراً لم يكنْ لَكَ ساحلٌ ... أو كنتَ غيثاً ضاقَ عنكَ اللّوحُ

وخَشيتُ منكَ على البلادِ وأهلِها ... ما كانَ أنذرَ قومَ نُوحٍ نوحُ

عجزٌ بحرٍّ فاقةٌ ووراءَهُ ... رزقُ الإلهِ وبابكَ المفتوحُ

وذكيُّ رائحةِ الرِّياضِ كلامُها ... تبغي الثَّناءَ على الحَيَا فتفوحُ

جهدُ المقلِّ فكيفَ بابنِ كريمةٍ ... تُوليهِ خيراً واللّسانُ فصيحُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أأرضى أنْ أعيشَ ولا أُكافي ... على ما للأميرِ منَ الأيادي

ألمْ يكُ بيننا بلدٌ بعيدٌ ... فصيَّرَ طولَهُ عرضَ النِّجادِ

فلمَّا جئتُهُ أعْلى محلِّي ... وأجلَسَني على السَّبعِ الشِّدادِ

تهلَّلَ قبلَ تسليمي عليهِ ... وألْقى مالَهُ قبلَ الوِسادِ

نلومكَ يا عليُّ لغيرِ ذنبٍ ... لأنَّكَ قد زَرَيْتَ على العبادِ

كأنَّ سخاءَكَ الإسلامُ تخشَى ... إذا ما حُلتَ عاقبَةَ ارتدادِ

كأنَّ الهامَ في الهَيْجا عيونٌ ... وقد طُبعتْ سيوفكَ مِن رقادِ

وقد صُغتَ الأسنَّةَ مِن همومٍ ... فما يخطرنَ إلاَّ في فؤادِ

أشرتَ أبا الحسينِ بمدحِ قومٍ ... نزلتُ بهمْ فسِرتُ بغيرِ زادِ

وظنُّوني مدحتهُمُ قديماً ... وأنتَ بما مدحتُهُم مُرادي

وإنِّي عنكَ بعدَ غدٍ لغادٍ ... وقلبي عن فنائكَ غيرُ غادِ

مُحبُّكَ حيثُما اتَّجهتْ رِكابي ... وضيفكَ حيثُ كنت من البلادِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وحُبيتُ في خُوصِ الرِّكابِ بأسودٍ ... من دارِشٍ فغدوتُ أمشي راكِبا

حالاً مَتَى علمَ ابنُ منصورٍ بها ... جاءَ الزَّمَانُ إليَّ منها تائِبا

ملكٌ سنانُ قناتهِ وبنانُهُ ... يَتَبارَيَانِ دماً وعُرفاً ساكِبا

يستصغرُ الخطَرَ الكبيرَ لوفدِهِ ... ويظنُّ دجلَةَ ليسَ تَروي شارِبا

سلْ عن شجاعتِهِ وزُرْهُ مسالماً ... وحذارِ ثمَّ حذارِ منهُ محارِبا

فالموتُ تُعرَفُ بالصِّفاتِ طباعُهُ ... لم تلقَ خلقاً ذاقَ موتاً أيِبا

إنْ تلقَهُ لا تبقَ إلاَّ جحفَلاً ... أو قسطَلاً أو طاعناً أو ضارِبا

أو هارباً أو طالباً أو راغباً ... أو راهباً أو هالكاً أو نادِبا

وإذا نظرتَ إلى الجبالِ رأيتَهَا ... فوقَ السُّهولِ عَواسلاً وقواضِبا

وإذا نظرتَ إلى السُّهولِ رأيتَهَا ... تحتَ الجبالِ فوارساً وجنائِبا

وعجاجةً تركَ الحديدُ سوادَهَا ... زَنْجاً تبسَّمَ أو قَذَالاً شائِبا

فكأنَّما كُسِيَ النَّهارُ بها دُجى ... ليل وأطلَعَت الرِّماحُ كواكِبا

قد عسكرتْ معها الرَّزايا عسكراً ... وتكتَّبتْ فيها الرِّجالُ كتائِبا

أُسدٌ فرائسُها الأُسودُ يقودُها ... أسَدٌ تصيرُ لهُ الأُسودُ ثعالِبا

في رتبةٍ حجَبَ الوَرَى عن نيلِها ... وعلا فسمَّوْهُ عليَّ الحاجِبا

هذا الَّذي أفنى النُّضارَ مواهباً ... وعداهُ قتلاً والزَّمانَ تجارِبا

هذا الَّذي أبصرتَ منهُ حاضراً ... مثلُ الَّذي أبصرتَ منهُ غائِبا

كالبدرِ من حيثُ التفتَّ رأيتَه ... يُهدي إلى عينيكَ نوراً ثاقبا

كالبحرِ يقذفُ للقريبِ جواهراً ... جُوداً ويبعثُ للبعيدِ سحائبا

كالشَّمْسِ في كبدِ السَّمَاءِ وضوؤها ... يَغشى البلادَ مشارقاً ومغاربا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

قومٌ بلوغُ الغلامِ عندهُمُ ... طعنُ نحورِ الكُماةِ لا الحلُمُ

كأنَّما يولَدُ النَّدَى معهمْ ... لا صغرٌ عاذرٌ ولا هرمُ


إذا تَوَلّوا عداوةً كشَفُوا ... وإنْ تَوَلّوا صنيعةً كتمُوا

تظنُّ مِن فقدكَ اعتدادهُمُ ... أنَّهُمُ أنعَمُوا وما علموا

إن برقُوا فالحتوفُ حاضرةٌ ... أو نطقُوا فالصَّوابُ والحكَمُ

أو حلفُوا بالغَموسِ واجتهدُوا ... فقولهم خابَ سائلي القَسَمُ

أو ركبُوا الخيلَ غيرَ مسرجةٍ ... فإنَّ أفخاذهمْ لها حزُمُ

أو شهدُوا الحربَ لاقحاً أخذُوا ... من مهجِ الدَّارعينَ ما احتكمُوا

تشرقُ أعراضهمْ وأوجُهُهمْ ... كأنَّها في نُفُوسهمْ شيَمُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ كُتب صدرها في باب الفخر:

سرى السَّيْفُ ممَّا تطبعُ الهندُ صاحبي ... إلى السَّيْفِ ممَّا يطبعُ اللهُ لا الهندُ

فلمَّا رآني مقبلاً هزَّ نفسَهُ ... إليَّ حسامٌ كلُّ صفحٍ لهُ حدُّ

فلم أرَ قبلي مَن مَشَى البحرُ نحوَهُ ... ولا رجُلاً قامتْ تعانقُهُ الأُسدُ

كأنَّ القسيَّ العاصياتِ تطيعُهُ ... هوًى أو بها في غيرِ أُنْملهِ زهدُ

يكادُ يصيبُ الشَّيءَ من قبلِ رميهِ ... ويمكنُهُ في سهمِهِ المرسلِ الرَّدُّ

وينفذُهُ في العقدِ وهو مضيّقٌ ... من الشَّعرةِ السَّوداءِ والليلِ مسودُّ

فإنْ يكُ سيَّارُ بن مُكرمٍ انْقضَى ... فإنَّكَ ماءُ الوردِ إنْ ذهَبَ الوردُ

مَضى وبنوهُ وانفردتْ بفضلِهِمْ ... وألفٌ إذا ما جُمِّعت واحدٌ فردُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أعلى الممالِكِ ما يُبنى على الأسَلِ ... والطَّعنُ عند مُحبِّيهنَّ كالقُبَلِ

وما تقرُّ سيوفٌ في ممالكها ... حتَّى تقَلْقَلَ دهراً قبلُ في القُللِ

مثلُ الأمير بغى أمراً فقرَّ بهِ ... طولُ الرّماحِ وأيدي الخَيْل والإبلِ

وعزمةٌ بعثَتْها همّةٌ زُحلٌ ... من تحتها بمكانِ التُّربِ من زُحلِ

على الفراتِ أعاصيرٌ وفي حلبٍ ... توحُّشٌ لِمُلقَّى النَّصرِ مُقتبلِ

صانَ الخليفةُ بالأبطال مُهجتَهُ ... صيانة الذَّكرِ الهنديِّ بالخِللِ

تتلو أسنّته الكتْبَ الَّتي نفذتْ ... ويجعلُ الخيل أبدالاً من الرُّسلِ

يلقى المُلوكَ فما يلقى سوى جزرٍ ... وما أعدُّوا فما يلقى سوى نفلِ

قد عرَّضَ السَّيفَ دونَ النَّازلات بهِ ... وظاهرَ الحزمَ بين النَّفسِ والغِيَلِ

ووكّل الظّنّ بالأسرارِ فانْكَشفتْ ... له ضمائرُ أهلِ السَّهلِ والجبلِ

هو الشجاعُ يعدُّ البُخلَ من جبنٍ ... وهو الجوادُ يعدُّ الجبن من بخلِ

إذا خلعتُ على عِرضٍ له حُللاً ... وجدتها منه في أبْهى من الحُللِ

بذي الغباوَةِ من إنشادها ضررٌ ... كما تضرُّ رياحُ الوردِ بالجُعلِ

وقال من قصيدةٍ:

برأيِ من انقادَتْ عُقيلٌ إلى الرَّدى ... وإشماتِ مخلوقٍ وإسخاطِ خالقِ

أرادوا عليّاً بالذي يُعجِزُ الورى ... ويوسعُ قتلَ الجحفلِ المُتضايقِ

فما بسطوا كفّاً إلى غير قاطعٍ ... ولا حملوا رأساً إلى غير فالقِ

لقد أقدموا لو صادَفوا غيرَ آخذٍ ... وقد هربوا لو صادفوا غيرَ لاحقِ

أتاهُمْ بها حشوَ العَجاجة والقنا ... سنابكُها تحشو بُطونَ الحمالقِ

عوابسَ حلّى يابسُ الماءِ حُزْمها ... فهنَّ على أوساطها كالمناطقِ

فليتَ أبا الهيجا يرى خلفَ تدمُرٍ ... طوالَ العوالي في طوالِ السَّمالقِ

وسوقَ عليٍّ من معدٍّ وغيرِها ... قبائلَ لا تُعطي القُفيَّ لسائقِ

قُشيرٌ وبَلْعجلانِ فيها خفيَّةٌ ... كراءيْنِ في ألفاظِ ألثغَ ناطقِ

تُخلِّيهمُ النِّسْوانُ غيرَ فواركٍ ... وهمْ خلّوا النِّسوانَ غيرَ طوالقِ

يفرِّقُ ما بين الكُماةِ وبينها ... بطعْنٍ يُسلِّي حرُّهُ كلّ عاشقِ

أتى الظُّعْنَ حتَّى ما تطيرُ رشاشةٌ ... من الخيلِ إلاَّ في نحورِ العواتقِ

بكلِّ فلاةٍ تنكرُ الإنسَ أرضُها ... ظعائنُ حمرُ الحلي حُمرُ الأيانقِ

توهَّمها الأعرابُ سوْرةَ مُتْرفٍ ... تُذكِّرهُ البيداءُ ظلَّ السُّرادقِ

فذكَّرْتهُمْ بالماءِ ساعةَ غبَّرَتْ ... سماوةُ كلبٍ في أُنوفِ الحزائقِ


وكانوا يروعونَ الملوكَ بأنْ بدوا ... وأنْ نبتتْ في الماءِ نبتَ الغلافقِ

فهاجوكَ أهدى في الفلا من نُجومهِ ... وأبْدى بيوتاً من أداحي النَّقانقِ

وأصبر عن أمواههِ من ضبابهِ ... وآلف منها مُقلةً للودائقِ

تعوَّدَ ألاّ تقضِمَ الحبَّ خيلُهُ ... إذا الهامُ لم ترفعْ جنوبَ العلائقِ

ولا ترِدَ الغدرانَ إلاَّ وماؤُها ... من الدّم كالرّيحانِ تحتَ الشقائقِ

فلم أرَ أرمى منه غيرَ مُخاتلٍ ... وأسرى إلى الأعداءِ غيرَ مُسارقِ

تُصيبُ المجانيقُ العظامُ بكفِّهِ ... دقائقَ قد أعيتْ قسيَّ البنادقِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

ولقد ذخرْتَ لكلِّ أرضٍ ساعةً ... تَسْتجفِلُ الضِّرغامَ عن أشبالهِ

تلقى الوجوهُ بها الوجوهَ وبينها ... ضربٌ يجولُ الموتُ في أجوالهِ

وشركْتُ دولةَ هاشمٍ في سيفِها ... وشققْتُ خيسَ المُلكِ عن ريبالهِ

أعطى ومنَّ على الملوكِ بعفوهِ ... حتَّى تساوى النَّاسُ في إفضالهِ

وإذا غنوا بعطائهِ عن هزِّهِ ... والى فأغنى أن يقولوا والهِ

يا أيُّها القمرُ المُباهي وجهَهُ ... لا تُكْذبنَّ فلستَ من أشكالهِ

وإذا طما البحرُ المحيطُ فقلْ لَهُ ... دع ذا فإنَّك عاجزٌ عن حالِهِ

الجيشُ جيشُكَ غيرَ أنَّك جيشُهُ ... في قلْبِهِ ويمينِهِ وشمالِهِ

ترِدُ الطّعانَ المُرَّ عن فُرسانِهِ ... وتُنازلُ الأبطالَ عنْ أبطالِهِ

كلٌّ يريدُ رجالَهُ لحياتِهِ ... يا منْ يريدُ حياتَهُ لرجالِهِ

دونَ الحلاوةِ في الزَّمانِ مرارةٌ ... لا تُختطى إلاَّ على أهوالِهِ

فلذاكَ جاوَزَها عليّ وحدَهُ ... وسعى بِمُنْصلِهِ إلى آمالِهِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

حدقُ الحسانِ من الغواني هِجْنَ لي ... يومَ الفراق صبابةً وغليلا

حدقٌ يُذمُّ من القواتِلِ غيرَها ... بدرُ بنُ عمّارِ بن إسماعيلا

الفارجُ الكُربِ العِظامَ بمثلها ... والتّاركُ الملكَ العزيزَ ذليلا

أعْدى الزَّمان سخاؤُه فسخا بِهِ ... ولقد يكونُ بِهِ الزَّمانُ بخيلا

وكأنَّ بَرْقاً في متونِ غمامةٍ ... هنديّهُ في كفّهِ مسلولا

أمُعفِّر اللّيثِ الهِزَبْرِ بسَوطِهِ ... لمن ادَّخرْتَ الصّارمَ المصقولا

وردٌ إذا وردَ البُحيرة شارباً ... وردَ الفراتَ زئيرُه والنيلا

مُتخضّبٌ بدمِ الفوارسِ لابسٌ ... في غيْلِهِ من لِبْدَتيْه غيلا

ما قوبلَتْ عيناهُ إلاَّ ظُنَّتا ... تحتَ الدُّجَى نارَ الفريقِ حُلولا

في وحدةِ الرُّهْبانِ إلاَّ أنَّهُ ... لا يعرفُ التَّحريمَ والتَّحليلا

يطأ البرى مُترفّقاً من تيهِهِ ... فكأنَّهُ آسٍ يجسُّ عليلا

ويرُدُّ عُفرتهُ إلى يافوخِهِ ... حتَّى تصير لرأسِهِ إكليلا

وتظنُّه ممّا يُزَمجرُ نفسُهُ ... عنها لشدَّةِ غيظِهِ مشغولا

قصرتْ مهابتُهُ الخُطى فكأنّما ... ركبَ الكميُّ جوادهُ مَشْكولا

ألقى فريستَهُ وبربر دونها ... وقربْتَ قُرْباً خالَهُ تَطْفيلا

فتشابه الخلقانِ في إقدامه ... وتخالفا في بَذْلكَ المأكولا

أسدٌ يرى عُضْوَيه فيكَ كليهما ... متناً أزلَّ وساعداً مفتولا

ما زالَ يجمعُ نفسَهُ في زورهِ ... حتَّى حسبْتَ العرضَ منهُ الطُّولا

ويدقُّ بالصَّدرِ الحِجارَ كأنّهُ ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا

وكأنَّهُ غرَّتْهُ عينٌ فادّنى ... لا يُبصر الخطبَ الجليلَ جليلا

أنَفُ الكريمِ من الدَّنيَّةِ تاركٌ ... في عينِهِ العدد الكثير قليلا

سبق التقاءكَهُ بوثبةِ هاجمٍ ... لو لمْ تُصادمْهُ لجازكَ ميلا

خذلتْهُ قوَّتُه وقد كافحتَهُ ... فاستنْصَر التّسليمَ والتَّجديلا

قبضَتْ منيتُهُ يديْهِ وعُنقهُ ... فكأنَّما صادفتَهُ مغلولا

سمعَ ابن عمّته بِهِ وبحالِهِ ... فنجا يُهرولُ منكَ أمسِ مُهَولا

وأمرُّ ممّا فرَّ منهُ فرارهُ ... وكقتْلِهِ ألاّ يموتَ قتيلا

تلفُ الَّذي اتّخذ الجراءةَ خُلّةً ... وعظَ الَّذي اتّخذَ الفِرارَ خليلا


فلقد عُرفتَ وما عرفتَ حقيقةً ... ولقد جُهلتَ وما جهلتَ خُمولا

نطقَتْ بِسُؤددِكَ الحمامُ تغنّياً ... وبما تُجَشِّمها الجيادُ صهيلا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وفي صورةِ الرُّوميّ ذي التّاج ذِلَّةٌ ... لأبلجَ لا تيجانَ إلاَّ عمائمُهْ

تُقبِّل أفواهُ الملوكِ بساطَهُ ... ويكبُرُ عنها كمُّهُ وبراجمُهْ

له عسْكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... بها عسكراً لم يبقَ إلاَّ جماجمُهْ

سحابٌ من العقبان يزحف تحتَها ... سحابٌ إذا استسْقَتْ سقَتْها صوارمُهْ

سلكتُ صروفَ الدَّهر حتَّى لقيتُه ... على ظهرِ عزمٍ مؤيداتٍ قوائمُهْ

مهالكَ لم تصحَبْ بها الذئبَ نفسُهُ ... ولا حملتْ فيها الغُرابَ قوادمُهْ

فأبصرتُ بدراً لا يرى البدرُ مثلَهُ ... وخاطبْتُ بحراً لا يرى العِبْرَ عائمُهْ

وكنتُ إذا يمَّمْتُ أرضاً بعيدةً ... سريتُ فكنتُ السِّرَّ والليلُ كاتمُهْ

لقد سلَّ سيفَ الدّولةِ المجدُ مُعْلِماً ... فلا المجدُ مُخفيهِ ولا الضّربُ ثالِمُهْ

على عاتقِ الملكِ الأغرِّ نِجادُهُ ... وفي يدِ جبّار السَّماواتِ قائمُهْ

تُحاربُهُ الأعداءُ وهي عبادُهُ ... وتدَّخِرُ الأموالَ وهي غنائمُهْ

ويستكبرونَ الدَّهرَ والدَّهْرُ دونَهُ ... ويستعظمونَ الموتَ والموتُ خادمُهْ

وإنَّ الَّذي سمَّى عليّاً لَمُنْصفٌ ... وإنَّ الَّذي سمَّاهُ سيفاً لظالمُهْ

وما كلُّ سيفٍ يقطعُ الهامَ حدَّهُ ... وتقطعُ لَزْباتِ الزَّمانَ مكارمُهْ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

الرَّأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعانِ ... هي أوَّلٌ وهو المكانُ الثاني

فإذا هما اجْتمعا لنفسٍ حرّةٍ ... بلغتْ منَ العلياءِ كلَّ مكانِ

ولرُبَّما طعنَ الفَتَى أقرانَهُ ... بالرّأيِ قبلَ تطاعُنِ الأقرانِ

لولا العقولُ لكانَ أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ

لولا سميُّ سيوفِهِ ومضاؤُهُ ... لمّا سللْنَ لكُنَّ كالأجفانِ

تخذوا المجالسَ في البيوتِ وعندهُ ... أنَّ السُّروجَ مجالسُ الفتيانِ

قادَ الجيادَ إلى الطِّعانِ ولم يقُدْ ... إلاَّ إلى العاداتِ والأوطانِ

كلُّ ابن سابقةٍ يغيرُ بحُسنِهِ ... في قلب صاحبِهِ على الأحزانِ

إنْ خلِّيَتْ رُبطتْ بآدابِ الوَغَى ... فدُعاؤها يُغني عن الأرسانِ

في جحفلٍ ستر العيونَ غُبارُهُ ... فكأنَّما يُبْصرنَ بالآذانِ

يرمي بها البلدَ البعيدَ مُظفَّرٌ ... كلُّ البعيدِ له قريبٌ دانِ

فكأنَّ أرجُلها بتربةِ منبجٍ ... يطرحْنَ أيديَها بحصْن الرَّانِ

بحرٌ تعوَّدَ أن يُذمَّ لأهلِهِ ... من دهرِهِ وطوارق الحدثانِ

فتركتَهُ وإذا أذمَّ من الورى ... راعاكَ واستثْنى بني حمْدانِ

المُخْفرينَ بكلِّ أبيضَ صارمٍ ... ذِمَمَ الدُّروعِ على ذوي التّيجانِ

مُتَصعلكينَ على كثافةِ مُلكهمْ ... مُتواضعينَ على عظيم الشأنِ

يتقيّلونَ ظلال كلِّ مُطهَّمٍ ... أجلِ الظَّليمِ ورِبْقةِ السِّرْحانِ

خضعتْ لِمُنْصلكَ المناصل عنوةً ... وأذلَّ دينُك سائرَ الأديانِ

رفعَتْ بك العربُ العِمادَ وصيَّرتْ ... قمم المُلوك مواقدَ النِّيرانِ

أنسابُ فخرهم إليكَ وإنّما ... أنسابُ أصلهِمُ إلى عدنانِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءتْ ظُنونهُ ... وصدَّقَ ما يعتادُهُ من توهُّمِ

وعادى مُحبِّيهِ بقولِ عُداتِهِ ... وأصبح في ليلٍ من الشَّكِّ مُظلِمِ

أُصادقُ نفسَ المرءِ من قبلِ جسمِهِ ... وأعرفُها في فعلِهِ والتَّكلُّمِ

وأحلُم عن خلِّي وأعلمُ أنّه ... مَتَى أجْزِه حلماً على الجهلِ يندمِ

وإن بذلَ الإنسانُ لي جودَ عابسٍ ... جزيتُ بجودِ الباذِلِ المُتبسّمِ

وأهوى من الفتيان كلَّ سَميْدعٍ ... نجيبٍ كصدرِ السَّمْهريّ المُقوّمِ

خطتْ تحتَهُ العيسُ الفَلاةَ وخالطَتْ ... به الخيلُ كبّاتِ الخميسِ العرمرمِ


ولا عِفَّةٌ في سيفِهِ وسنانِهِ ... ولكنَّها في الكفِّ والفرْجِ والفمِ

وما كلُّ هاوٍ للجميل بفاعلٍ ... ولا كلُّ فعّالٍ لهُ بمُتيَّمِ

أبا المسكِ أرجو منك نصراً على العدا ... وآمُلُ عزّاً يخضبُ البيضَ بالدَّمِ

فلو لم تكنْ في مصرَ ما سرْتُ نحوها ... بقلبِ المشوقِ المُستهامِ المتيَّمِ

ولا نبحتْ خيلي كلابُ قبائلٍ ... كأنَّ بها في اللَّيل حمْلاتُ ديلمِ

ولا اتَّبعتْ آثارَنا عينُ قائفٍ ... فلم ترَ إلاَّ حافراً فوقَ منسمِ

لمن تطلبُ الدُّنيا إذا لم تَردْ بها ... سرورَ محبٍّ أو إساءةَ مجْرمِ

رضيتُ بما ترضى به لي محبّةً ... وقُدتُ إليكَ النَّفسَ قودَ المُسلِّمِ

ومثلُكَ من كانَ الوسيطَ فؤادُهُ ... فكلَّمهُ عنّي ولم أتكلَّمِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

إذا كنتَ ترضى أن تعيشَ بذلّةٍ ... فلا تستعِدَّنَّ الحُسامَ اليمانيا

ولا تَسْتطيلَنَّ الرِّماحَ لغارةٍ ... ولا تستجيدَنَّ العِتاقَ المَذاكيا

فما ينفعُ الأُسدَ الحياءُ من الطَّوى ... ولا تُتّقى حتَّى تكونَ ضواريا

إذا الجودُ لم يُرزقْ خلاصاً من الأذى ... فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا

وللنَّفسِ أخلاقٌ تدلُّ على الفَتَى ... أكانَ سخاءً ما أتى أم تساخيا

أقِلَّ اشتياقاً أيُّها القلبُ ربَّما ... رأيتك تُصفي الودَّ من ليسَ جازيا

خُلقْتُ ألوفاً لو رحلتُ إلى الصِّبا ... لفارقْتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكيا

ولكنَّ بالفُسْطاطِ بحراً أزرْته ... حياتي ونُصحي والهَوَى والقوافيا

وجُرداً مددْنا بين آذانِها القنا ... فبتْنَ خِفافاً يتّبعْنَ العواليا

تماشى بأيدٍ كلّما وافت الصَّفا ... نقشْنَ بِهِ صدرَ البُزاةِ حوافيا

وينظرْنَ من سودٍ صوادقَ في الدُّجَى ... يرَيْن بعيداتِ الشُّخوصِ كما هيا

وتنصُبُ للجرْسِ الخفيِّ سوامعاً ... يخلْنَ مُناجاةَ الضَّميرِ تناديا

قواصدَ كافورٍ توارِكَ غيرِهِ ... ومن قصَدَ البحرَ استقلَّ السَّواقيا

فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانِهِ ... وخلَّت بياضاً خلفها ومآقيا

ترفَّعَ عن عونِ المكارمِ قدْرُهُ ... فما يفعلُ الفَعْلاتِ إلاَّ عذاريا

أبا كلِّ طيبٍ لا أبا المسكِ وحدَهُ ... وكلَّ سحابٍ لا أخُصُّ الغواديا

يدلُّ بمعنى واحدٍ كلُّ فاخرٍ ... وقد جمع الرّحمن فيكَ المعانيا

وغيرُ كثيرٍ أن يزورك راجلٌ ... فيرجعَ ملكاً للعراقَيْنِ واليا

وقد تهبُ الجيش الَّذي جاءَ غازياً ... لسائلكِ الفردِ الَّذي جاء عافيا

وتحتقرُ الدُّنيا احتقارَ مجرِّبٍ ... يرى كلَّ ما فيها وحاشاكَ فانيا

وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت أوَّلها في باب النَّسيب:

ليتَ الحوادثَ باعتْني الَّذي أخذتْ ... منّي بحلمي الَّذي أعطتْ وتجريبي

فما الحداثةُ من حلمٍ بمانعةٍ ... قد يوجد الحلمُ في الشُّبّانِ والشِّيبِ

ترعرعَ الملكُ الأُستاذُ مُكتهلاً ... قبلَ اكتهالٍ أديباً قبلَ تأديبِ

مجرِّباً فهماً من قبلِ تجربةٍ ... مهذَّباً كرماً من قبلِ تهذيبِ

حتَّى أصابَ من الدُّنيا نهايتها ... وهمُّهُ في ابتداءاتٍ وتشبيبِ

يُدبِّر المُلكَ من مصر إلى عدنٍ ... إلى العراقِ فأرضِ الرُّوم فالنُّوْبِ

إذا أتتْها الرياحُ النُّكْبُ من بلدٍ ... فما تهبُّ بها إلاَّ بترتيبِ

ولا تُجاوزُها شمسٌ إذا شرقتْ ... إلاَّ ومنهُ لها إذنٌ بتغريبِ

يصرّفُ الأمرَ فيها طينُ خاتمهِ ... ولو تطلَّسَ منهُ كلُّ مكتوبِ

يحطّ كلَّ طويلِ الرُّمحِ حاملُهُ ... من سرج كلِّ طويلِ الباعِ يَعْبوبِ

كأنَّ كلّ سؤالٍ في مسامعِهِ ... قميصُ يوسفَ في أجفانِ يعقوبِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

عدوُّك مذمومٌ بكلّ لسانِ ... ولو كانَ من أعدائكَ القمرانِ

ولله سرٌّ في عُلاكَ وإنَّما ... كلامُ العِدا ضربٌ من الهذيانِ

أتلتمسُ الأعداءُ بعد الَّذي رأتْ ... قيامَ دليلٍ أو وضوحَ بيانِ


رأتْ كلَّ من ينوي لكَ الغدرَ يُبْتلى ... بغدرِ حياةٍ أو بغدرِ زمانِ

قضى الله يا كافورُ أنَّكَ أوّلٌ ... وليسَ بقاضٍ أن يُرى لكَ ثانِ

فما لك تختارُ القسيَّ وإنّما ... عن السّعد يرمي دونَكَ الثَّقلانِ

وما لك تُعنى بالأسنّةِ والقنا ... وجدُّك طعَّانٌ بغيرِ سنانِ

ولم تحمل السَّيْفَ الطّويلَ نجادُهُ ... وأنتَ غنيٌّ عنهُ بالحدثانِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

تركْنا من وراء العيس نجداً ... ونكّبْنا السَّماوةَ والعِراقا

فما زالتْ تَرَى واللَّيل داجٍ ... لسيفِ الدَّولةِ المَلِكِ ائتلاقا

أدلَّتُها رياحُ المسكِ منهُ ... إذا فتحت مناخرَها انتشاقا

ولو سرْنا إليهِ في طريقٍ ... من النِّيرانِ لم نخَفِ احتراقا

إمامٌ للأئمَّةِ من قريشٍ ... إلى من يتَّقونَ لهُ شِقاقا

يكونُ لهم إذا غضبوا حُساماً ... وللهيْجاءِ حين تقومُ ساقا

فلا تستنكرَنَّ له ابتساماً ... إذا فهِقَ المكرُّ دماً وضاقا

فقد ضمنتْ لهُ المُهَجَ العوالي ... وحمَّل همَّهُ الخيلَ العِتاقا

تبيتُ رماحُهُ فوق الهوادي ... وقد ضرب العجاجُ لهُ رِواقا

تميلُ كأنَّ في الأبطال خمراً ... عُلِلْن بها اصطباحاً واغْتباقا

فلا حطَّتْ لكَ الهيجاءُ سرجاً ... ولا ذاقت لكَ الدُّنيا فِراقا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

إذا زارَ سيفُ الدَّولةِ الرُّومَ غازياً ... كفاها لِمامٌ لو كفاهُ لِمامُ

فتًى تتبَعُ الأزمانُ في النَّاسِ خطوَهُ ... لكلِّ زمانٍ في يديهِ زِمامُ

تنامُ لديه الرُّسْلُ أمناً وغبطةً ... وأجفانُ ربِّ الرُّسلِ ليسَ تنامُ

حذاراً لمُعْرَوْري الجيادِ فُجاءةً ... إلى الطَّعن قبلاً ما لهنَّ لِجامُ

وما تنفعُ الخيلُ الكرامُ ولا القنا ... إذا لم يكن فوقَ الكرامِ كرامُ

وكلّ أناسٍ يتبعونَ إمامَهُمْ ... وأنت لأهلِ المكرماتِ إمامُ

ورُبَّ جوابٍ عن كتابٍ بعثتَهُ ... وعنوانُهُ للنَّاظرينَ قَتامُ

تضيقُ به البيداءُ من قبلِ نشرهِ ... وما فُضَّ بالبيداءِ عنهُ ختامُ

حروفُ هجاءِ النَّاسِ فيهِ ثلاثةٌ ... جوادٌ ورمحٌ ذابلٌ وحُسامُ

وما زلتَ تُفني السُّمرَ وهي كثيرةٌ ... وتُفني بهنَّ الجيشَ وهو لُهامُ

وقال أيضاً:

بدرٌ فتًى لو كانَ من سؤّالِهِ ... يوماً توفَّرَ حظُّهُ من مالِهِ

تتحيَّرَ الأفعالُ في أفعالِهِ ... ويقلّ ما يأتيهِ في إقبالِهِ

قمراً نرى وسحابتَيْنِ بموضعٍ ... من وجههِ ويمينِهِ وشمالِهِ

سفَكَ الدِّماءَ بجودِهِ لا بأسِهِ ... كرماً لأنَّ الطَّيرَ بعضُ عِيالِهِ

إن يُفْنِ ما يحوي فقد أبقى بِهِ ... ذكراً يزولُ الدهرُ قبلَ زوالِهِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

ويومٍ كليلِ العاشقينَ كمنْتُهُ ... أُراقبُ فيه الشَّمْسَ أيَّان تغربُ

وعيني إلى أذْنَيْ أغرَّ كأنَّهُ ... من اللَّيل باقٍ بين عينيهِ كوكبُ

لهُ فضْلةٌ عن جسمهِ في إهابِهِ ... تجيءُ على صدرٍ رحيبٍ وتذهبُ

شققتُ به الظَّلماءَ أُدْني عنانَهُ ... فيطغى وأُرخيهِ مراراً فيلعَبُ

وأصرَعُ أيَّ الوحشِ قفَّيْتُهُ ... وأُنزلُ عنهُ مثلَهُ حين أركبُ

وما الخيلُ إلاَّ كالصَّديقِ قليلةٌ ... وإنْ كثرت في عين من لا يجرَّبُ

إذا لم تشاهدْ غير حسنِ شياتها ... وأعضائها فالحسنُ عنكَ مُغيَّبُ

وأخلاقُ كافورٍ إذا شئتُ مدحَهُ ... وإن لم أشأ تُملي عليّ وأكتُبُ

فتًى يملأُ الأفعالَ رأياً وحكمةً ... ونادرةً أيَّان يرضى ويغضَبُ

إذا ضربتْ بالسَّيفِ في الحرب كفُّه ... تبيَّنْتَ أنَّ السَّيفَ بالكفِّ يضربُ

تزيدُ عطاياه على اللَّبثِ كثرةً ... وتلبثُ أمْواهُ السَّماءِ فتنْضُبُ

أبا المسك هل في الكأسِ فضلٌ أنالُهُ ... فإنِّي أُغنِّي منذُ حينٍ وتشربُ

وهبْتَ على مقدارِ كفَّيْ زماننا ... ونفسي على مقدارِ كفَّيْكَ تطلُبُ


وكلُّ امرئٍ يولي الجميلَ محبَّبٌ ... وكلُّ مكانٍ يُنبتُ العزَّ طيِّبُ

وأظلمُ أهلِ الظُّلمِ من باتَ حاسداً ... لمن باتَ في نعمائِهِ يتقلَّبُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أنكرتُ طارقةَ الحوادثِ مرَّةً ... ثمَّ اعترفْتُ بها فصارتْ دَيْدنا

وقطعْتُ في الدُّنيا الفلا وركائبي ... فيها ووقتيَّ الضُّحَى والمَوْهنا

ووقفْتُ منها حيثُ أوقفني النَّدَى ... وبلغْتُ من بدرِ بن عمّار المُنى

لأبي الحُسين جداً يضيقُ وعاؤهُ ... عنهُ ولو كان الوعاءُ الأزْمُنا

وشجاعةٌ أغناهُ عنها ذكرُها ... ونهى الجبانَ حديثها أن يجْبُنا

نيطَتْ حمائلُهُ بعاتِقِ محْرَبٍ ... ما كرَّ قطُّ وهل يكرُّ وما انثنى

فكأنَّهُ والطَّعنُ من قُدَّامِهِ ... متخوّفٌ من خلفِهِ أن يُطعنا

نفتِ التَّوهُّمَ عنه حدَّةُ ذهنِهِ ... فقضى على غيبِ الأمورِ تيقُّنا

أمضى إرادتَهُ فسوفَ لهُ قد ... واسْتقربَ الأقصى فثمَّ لهُ هُنا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

ومَطالبٍ فيها الهلاكُ أتيْتُها ... ثبتَ الجنانِ كأنَّني لم آتِها

ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتُها ... أقواتَ وحشٍ كُنَّ من أقواتِها

أقبلْتُها غُرَرَ الجيادِ كأنَّها ... أيدي بني عمرانَ في جبهاتِها

الثّابتين فروسةً كجلودِها ... في ظهرِها والطَّعنُ في لبَّاتِها

العارفينَ بها كما عرفتْهُمُ ... والرَّاكبين جدودُهم أُمَّاتِها

فكأنَّها نتجتْ قياماً تحتهُمْ ... وكأنَّهم وُلِدوا على صهواتِها

إنَّ الكرامَ بلا كرامٍ منهُمُ ... مثلُ القلوبِ بلا سُوَيْداواتها

تلكَ النُّفوسُ الغالباتُ على العلا ... والمجدُ يغلبُها على شهواتِها

سُقيتْ منابتُها الَّتي سقتِ الورى ... بيديْ أبي أيُّوبَ خيرِ نباتها

ليس التَّعجُّبُ من مواهبِ مالِهِ ... بل من سلامتها إلى أوقاتِها

عجباً له حفظَ العنانِ بأنْملٍ ... ما حفظها الأشياءَ من عاداتِها

كرمٌ تبيّن في كلامكَ ماثلاً ... ويبينُ عتقُ الخيلِ في أصواتِها

ذُكرَ الأنامُ لنا فكانَ قصيدةً ... كنتَ البديعَ الفردَ من أبياتها

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

ومهمَهٍ جُبْتهُ على قدمي ... تعجزُ عنهُ العَرامِسُ الذُّلُلُ

إذا صديقٌ نكرْتُ جانبهُ ... لم تُعْيني في فراقِهِ الحيلُ

في سعةِ الخافقَيْنِ مُضطربٌ ... وفي بلادٍ من أختها بدلُ

وفي اعتمادِ الأميرِ بدرِ بن عم ... مارٍ عن الشُّغلِ بالورى شغُلُ

أغرُّ أعداؤهُ إذا سلموا ... بالهربِ استكثَروا الَّذي فعلوا

يُقْبِلهمْ وجهَ كلّ سابحةٍ ... أربعُها قبلَ طرفها تصلُ

جرداءَ ملءَ الحِزامِ مُجْفرةٍ ... تكونُ مثليْ عسيبها الخُصَلُ

إن أدبرَتْ قلتَ لا تليلَ لها ... أو أقبلتْ قلت ما لها كفلُ

والطّعنُ شزْرٌ والأرضُ واجفةٌ ... كأنَّما في فؤادها وهَلُ

قد صبغَتْ خدَّها الدِّماءُ كما ... يصبغُ خدَّ الخريدةِ الخجلُ

والخيلُ تبكي جلودُها عرقاً ... بأدمعٍ ما تسحُّها مُقَلُ

سارٍ ولا قفرَ في مواكبِهِ ... كأنّما كلُّ سبسبٍ جبلُ

يمنعُها أن يُصيبَها مطرٌ ... شدّةُ ما قد تضايقَ الأسلُ

يا بدر يا بحرُ يا غمامةُ يا ... ليثَ الشَّرى يا حمامُ يا رجُلُ

إنّكَ من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دونَ أعمارهم فقد بخِلوا

قلوبُهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتُهم في تمام ما اعْتقلوا

كتيبةٌ لستَ ربَّها نفلٌ ... وبلدةٌ لستَ حلْيَها عطُلُ

قُصدَتْ من شرْقِها ومغربها ... حتَّى اشتكَتْكَ الرِّكابُ والسُّبُلُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

خليليَّ إنِّي لا أَرَى غيرَ شاعرٍ ... فلمْ منهمُ الدَّعوى ومنّي القصائدُ

فلا تعجبا إنَّ السُّيوفَ كثيرةٌ ... ولكنّ سيفَ الدَّولةِ اليومَ واحدُ

لهُ من كريمِ الطَّبعِ في الحربِ مُنتضٍ ... ومن عادةِ الإحسانِ والصَّفْحِ غامدُ

ولمّا رأيتُ النَّاس دونَ محلّهِ ... تيقّنتُ أنَّ الدَّهر للنَّاسِ ناقدُ


أحقُّهُمُ بالسَّيفِ من ضرَبَ الطُّلى ... وبالأمنِ من هانت عليهِ الشَّدائدُ

فتًى يشتهي طولَ البلادِ ووقتِهِ ... تضيقُ به أوقاتُهُ والمقاصدُ

أخو غزواتٍ ما تُغبُّ سيوفُهُ ... رقابَهُمُ إلاَّ وسيْحانُ جامدُ

فلم يبقَ إلاَّ من حماها من الظُّبا ... لمى شفتَيْها والثُّديُّ النَّواهدُ

تُبكّيْ عليهنَّ البطاريقُ في الدُّجَى ... وهُنَّ لدينا مُلقياتٌ كواسدُ

بِذا قضت الأيَّام ما بينَ أهلِها ... مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ

وكلٌّ يرى طرقَ الشَّجاعةِ والنَّدَى ... ولكنَّ طبعَ النَّفسِ للنَّفسِ قائدُ

نهبْتَ من الأعمارِ ما لو حويْتَهُ ... لهنِّئَتِ الدُّنيا بأنّكَ خالدُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

غيري بأكثر هذا النَّاس ينخدعُ ... إنْ قاتلو جَبُنوا أو حدَّثوا شجُعوا

أهل الحفيظةِ إلاَّ أن تُجرّبهُم ... وفي التّجارب بعدَ الغيِّ ما يزعُ

وما الحياةُ ونفسي بعدما علمَتْ ... أنَّ الحياةَ كما لا تشتهي طبعُ

ليسَ الجمالُ لوجهٍ صحَّ مارِنُهُ ... أنفُ العزيز بفقد العزِّ يُجتدعُ

أأطرَحُ المجدَ عن كِتْفي وأطلبه ... وأتركُ الغيثَ في غمدي وأنْتَجعُ

والمشرفيَّةُ لا زالتْ مُشرَّفةً ... دواءُ كلّ كريمٍ أو هي الوجعُ

وفارسُ الخيلِ من خفّتْ فوقَّرها ... في الدَّربِ والدَّمِ في أعطافها دُفَعُ

بالجيشِ تمتنعُ السّاداتُ كلُّهم ... والجيشُ بابنِ أبي الهيجاءِ يمتنعُ

قادَ المقانبَ أقصى شُربها نهلٌ ... على الشَّكيمِ وأدنى سيرها سِرَعُ

لا يَعْتقي بلدٌ مسراهُ عن بلدٍ ... كالموت ليسَ لهُ ريٌّ ولا شبعُ

حتَّى أقامَ على أرْباضِ خَرْشنةٍ ... تشقى به الرُّومُ والصُّلبانُ والبِيعُ

للسَّبْيِ ما نكحوا والقتلِ ما ولَدوا ... والنَّهبِ ما جمعوا والنّارِ ما زرعوا

يُطمّعُ الطيرَ فيهم طولُ أكلهِم ... حتَّى تكادَ على أحيائهمْ تقعُ

يمشي الكرامُ على آثار غيرهم ... وأنت تخلُقُ ما تأتي وتبتدعُ

وهل يشينُك وقتٌ كنتَ فارسَهُ ... وكان غيرَكَ فيه العاجزُ الضَّرعُ

من كان فوقَ محلِّ الشَّمْسِ موضعُهُ ... فليس يرفعهُ شيءٌ ولا يضعُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ

فتعظُمُ في عين الصَّغيرِ صغارُها ... وتصغر في عين العظيمِ العظائمُ

يكلّفُ سيفُ الدّولة الجيشَ همَّهُ ... وقد عجزتْ عنهُ الجيوش الخضارِمُ

ويطلبُ عندَ النَّاسِ ما عندَ نفسِهِ ... وذلك ما لا تدّعيه الضَّراغمُ

يُفدّي أتمُّ الطّير عمراً سلاحَهُ ... نسورُ الملا أحداثُها والقشاعِمُ

وما ضرَّها خلقٌ بغير مخالبٍ ... وقد خُلقَتْ أسيافُه والقوادمُ

تُفيتُ اللَّيالي كلَّ شيءٍ أخذتَهُ ... وهنَّ لما يأخذْنَ منكَ غوارمُ

إذا كان ما تنويهِ فعلاً مُضارعاً ... مضى قبلَ أن تُلقى عليهِ الجوازمُ

أتوْكَ يجرُّونَ الحديدَ كأنَّما ... سرَوا بجيادٍ ما لهنَّ قوائمُ

إذا برقوا لم تُعْرف البيضُ منهمُ ... ثيابهُم من مثلها والعمائمُ

خميسٌ بشرق الأرضِ والغربِ زحفُهُ ... وفي أُذنِ الجوزاءِ منهُ زمازِمُ

تجمّع فيهِ كلُّ لِسْنٍ وأُمّةٍ ... فما يعرف الحُدّاثَ إلاَّ التّراجمُ

وقفتَ وما في الموتِ شكٌّ لواقفٍ ... كأنّكَ في جفنِ الرَّدى وهو نائمُ

تمرُّ بكَ الأبطالُ كَلْمى هزيمةً ... ووجهُكَ وضَّاحٌ وثغرُكَ باسمُ

ضممْتَ جناحيهم على القلبِ ضمّةً ... تموتُ الخوافي تحتها والقوادمُ

بضرْبٍ أتى الهاماتِ والنّصرُ غائبٌ ... وصارَ إلى اللّبّاتِ والنّصرُ قادمُ

ومن طلبَ الفتحَ الجليلَ فإنَّما ... مفاتيحُهُ البيضُ الخِفافُ الصَّوارمُ

نثرتهُمُ فوق الأُحَيْدبِ كلِّهِ ... كما نُثرتْ فوقَ العروسِ الدَّراهمُ

ولستَ مليكاً هازماً لنظيرِهِ ... ولكنّهُ التَّوحيدُ للشِّركِ هازمُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:


ولو كنتُ في أسرِ غيرِ الهَوَى ... ضمنْتُ ضمانَ أبي وائلِ

فدى نفسهُ بضمانِ النّضارِ ... وأعطى صدورَ القنا الذّابلِ

ومنّاهُمُ الخيل مجنوبةً ... فجئْنَ بكلّ فتًى باسلِ

كأنَّ خلاصَ أبي وائلٍ ... معاودَةُ القمرِ الآفِلِ

أما للخلافةِ من مُشفقٍ ... على سيفِ دولتها الفاصِلِ

يقدُّ عِداها بلا ضاربٍ ... ويسري إليهم بلا حامِلِ

تركْتَ جماجمهُمْ في النَّقا ... وما يتخلَّصْنَ للنَّاخِلِ

وأنبتَّ منهمْ ربيعَ السِّباعِ ... فأثنَتْ بإحسانكَ الشّامِلِ

وعُدْتَ إلى حلبٍ ظافراً ... كعوْدِ الحُليّ إلى العاطِلِ

فهنّأكَ النّصرَ مُعطيكَهُ ... وأرضاهُ سعيُكَ في الآجِلِ

فذي الدَّارُ أخوَنُ من مومسٍ ... وأخدَعُ من كفِّهِ الحابِلِ

تفانى الرِّجالُ على حُبِّها ... وما يحصُلونَ على طائِلِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أعطى الزَّمانُ فما قبلتُ عطاءهُ ... وأرادَ لي فأردتُ أن أتخيَّرا

أرجانَ أيَّتها الجيادُ فإنَّهُ ... عزمي الَّذي يذرُ الوشيجَ مُكسّرا

أُمّي أبا الفضلِ المُبرَّ أليَّتي ... لأُيمِّمَنَّ أجلَّ بحرٍ جوهرا

صُغْتُ السِّوارَ لأيّ كفٍّ بشَّرتْ ... بابن العميدِ وأيِّ عبدٍ كبَّرا

إن لم تُغثْني خيلُهُ وسلاحه ... فمتى أقودُ إلى الأعادي عسكرا

بأبي وأمّي ناطقٌ في لفظِهِ ... ثمنٌ تُباع به القلوبُ وتُشترى

يتكسَّبُ القصبُ الضَّعيفُ بكفِّهِ ... شرفاً على صُمِّ الرِّماحِ ومفخرا

ويبينُ فيما مسّ منهُ بنانُهُ ... تيهُ المدلِّ فلو مشى لتبَخْتَرا

يا من إذا ورد البلادَ كتابهُ ... قبلَ الجيوشِ ثنى الجيوشَ تحيُّرا

أنتَ الوحيدُ إذا ركبتَ طريقةً ... ومن الرَّديفُ وقد ركبتَ غضَنْفرا

قطفَ الرِّجالُ القولَ قبلَ نباتِهِ ... وقطفْتَ أنتَ القولَ لمّا نوَّرا

فهو المشيَّعُ بالمسامعِ إن مضى ... وهو المضاعَفُ حسنُهُ إن كرّرا

وإذا سكتَّ فإنَّ أبلغَ ناطقٍ ... قلمٌ لكَ اتَّخذ الأصابعَ منبرا

أرأيتَ همَّة ناقتي في ناقةٍ ... نقلتْ يداً سُرحاً وخُفّاً مُجْمرا

تركَتْ دُخانَ الرَّمثِ في أوطانها ... طلباً لقومٍ يوقدونَ العَنْبرا

وتكرَّمتْ رُكباتُها عن مبرَكٍ ... تقعانِ فيهِ وليسَ مسكاً أذْفرا

فأتَتْكَ داميةَ الأظلّ كأنّما ... حُذيتْ قوائمُها العقيقَ الأحمرا

بدرت إليكَ يدُ الزَّمان كأنّما ... وجدتْهُ مشغولَ اليديْن مُفكِّرا

مَنْ مُبلغُ الأعرابِ أنِّي بعدها ... شاهدْتُ رِسطاليسَ والإسْكَندرا

ومللْتُ نحرَ عِشارها فأضافني ... من ينحرُ البدرَ النُّضارَ لمن قرى

وسمعتُ بطليموسَ دارِسَ كُتْبهِ ... مُتَملِّكاً مُتَبدِّياً مُتحضِّرا

ولقيتُ كلَّ الفاضلينَ كأنَّما ... ردَّ الإلهُ نفوسهُمْ والأعْصرا

نُسِقوا لنا نسقَ الحِسابِ مُقدّماً ... وأتى فذلكَ إذْ أتيتَ مؤخَّرا

زُحلٌ على أنَّ الكواكبَ قوْمُهُ ... لو كانَ منكَ لكانَ أكرمَ معشرا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

لا يُدركُ المجدَ إلاَّ سيِّدٌ فطنٌ ... لما يشقُّ على السّاداتِ فعّالُ

لا وارثٌ جهلتْ يُمناه ما وهبَتْ ... ولا كَسوبٌ بغيرِ السَّيف سئَّالُ

قال الزَّمَانُ له قولاً فأفهمَهُ ... أنَّ الزَّمان على الإمساكِ عذّالُ

كفاتكٍ ودخولُ الكافِ منقصةٌ ... كالشَّمسِ قلتُ وما للشَّمسِ أمثالُ

القائدُ الأُسدَ غذَّتْها براثنهُ ... بمثلها من عِداهُ وهي أشبالُ

القاتلُ السَّيفَ في جسم القتيلِ بِهِ ... وللسُّيوف كما للنّاسِ آجالُ

تُغيرُ عنه على الأعداءِ هيبته ... ومالُهُ بأقاصي البرِّ أهْمالُ

لهُ من الوحشِ ما اختارتْ أسِنَّتُهُ ... عيْرٌ وهَيْقٌ وخنساءٌ وذيّالُ

لا يعرفُ الرُّزءَ في مالٍ ولا ولدٍ ... إلاَّ إذا احتفز الضّيفانَ ترحالُ

يُريك مخبرهُ أضعافَ منظرهِ ... بينَ الرّجال وفيها الماءُ والآلُ


إذا العِدا نَشِبتْ فيهمْ مخالبُهُ ... لم يجتمعْ لهمُ حلمٌ ورئبالُ

يروعهمْ منهُ دهرٌ صرفُهُ أبداً ... مُجاهرٌ وصروفُ الدَّهر تَغْتالُ

إذا الملوكُ تحلّت كان حليتَهُ ... مهنَّدٌ وأصمُّ الكعبِ عسّالُ

أبو شجاع أبو الشُّجعانِ قاطبةً ... هولٌ نمتْهُ من الهيجاءِ أهوالُ

تملّكَ الحمدَ حتَّى ما لمُفْتخرٍ ... في الحمدِ حاءٌ ولا ميمٌ ولا دالُ

إن كنتَ تكبُرُ أن تختالَ في بشرٍ ... فإنَّ قدركَ في الأقدارِ يختالُ

لولا المشقَّةُ سادَ النَّاسُ كلُّهُمُ ... الجودُ يُفقرُ والإقدامُ قتّالُ

وإنّما يبلغُ الإنسانُ طاقتَهُ ... ما كلُّ ماشيةٍ بالرِّجْلِ شِمْلالُ

إنّا لفي زمنٍ ترْكُ القبيحِ بِهِ ... من أكثرِ النَّاسِ إحسانٌ وإجمالِ

ذِكرُ الفَتَى عُمْرُهُ الثّاني وحاجتُهُ ... ما قاتَهُ وفضولُ العيشِ أشْغالُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أحُلْماً نرى أمْ زماناً جديدا ... أم الخلقُ في شخصِ حيٍّ أُعيدا

تجلّى لنا فأضأنا به ... كأنّا نجومٌ لقينَ السُّعودا

رأينا ببدرٍ وآبائهِ ... لبدْرٍ ولوداً وبدراً وليدا

طلبْنا رضاهُ بتركِ الَّذي ... رضينا لهُ فتركنا السُّجودا

أميرٌ أميرٌ عليهِ النَّدَى ... جوادٌ بخيلٌ بأن لا يجودا

يحدِّثُ عن فضلِهِ مُكرهاً ... كأنَّ لهُ منهُ قلباً حسودا

ويُقْدمُ إلاَّ على أن يفرَّ ... ويقدر إلاَّ على أن يزيدا

ورُبّتما حملةٍ في الوَغَى ... رددْنَ لهُ الذُّبَّلَ السُّمرَ سودا

وهوْلٍ كشفْتَ ونصلٍ قصفْتَ ... ورمحٍ تركتَ مُباداً مُبيدا

ومالٍ وهبْتَ بلا موعدٍ ... وقِرْنٍ سبقتَ إليه الوعيدا

بهجْرِ سيوفِكَ أغمادها ... تمنَّى الطُّلى أن تكونَ الغُمودا

إلى الهامِ تصدُرُ عن مثلِهِ ... تَرَى صدراً عن ورودٍ ورودا

قتلْتَ نفوسَ العِدا بالحدي ... دِ حتَّى قتلْتَ بهنَّ الحديدا

فأنْفدْتَ عن عيشهنَّ البقاءَ ... وأبقيْتَ ممّا ملكْتَ النُّفودا

كأنّك بالفقْرِ تبغي الغِنَى ... وبالموتِ في الحربِ تبغي الخُلودا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

تعرّضَ سيفُ الدَّولةِ الدهرَ كلَّهُ ... يُطبّقُ في أوصاله ويصمِّمُ

فجازَ له حتَّى على الشَّمْسِ حكمُهُ ... وبانَ له حتَّى على البدرِ ميْسَمُ

كأنَّ العِدا في أرضهمْ خلفاؤُه ... فإنْ شاءَ حازوها وإن شاءَ سلَّموا

ولا كُتْبَ إلاَّ المشرفيَّةُ عندهُ ... ولا رسلٌ إلاَّ الخميسُ العَرمْرمُ

فلم يخْلُ من نصرٍ لهُ من له يدٌ ... ولم يخلُ من شكرٍ له من لهُ فمُ

ولم يخلُ من أسمائهِ عودُ منبرٍ ... ولم يخلُ دينارٌ ولم يخلُ درهمُ

يُقرّ له بالفضلِ من لا يودُّهُ ... ويقضي له بالسَّعدِ من لا يُنجِّمُ

أجارَ على الأيَّام حتَّى ظننتُهُ ... تطالبه بالرَّدِّ عادٌ وجُرْهُمُ

ولمّا عرضْتَ الجيشَ كانَ بهاؤه ... على الفارسِ المُرْخى الذُّؤابةِ منهُمُ

حوالَيْهِ بحرٌ للتّجافيفِ مائجٌ ... يسيرُ به طودٌ من الخيل أيْهَمُ

تساوتْ به الأقطارُ حتَّى كأنّما ... يجمّعُ أشتاتَ البلادِ وينظمُ

وكلّ فتًى للحرب فوقَ جبينهِ ... من الضَّرب سطرٌ بالأسنَّةِ مُعجمُ

يمدُّ يديْهِ في المفاضةِ ضيغمٌ ... وعينيهِ من تحتِ التَّريكةِ أرقمُ

على كلّ طاوٍ تحتَ طاوٍ كأنه ... من الدَّمِ يُسقى أو من اللَّحمِ يُطعمُ

لها في الوَغَى زيّ الفوارس فوقها ... فكُلّ حصانٍ دارعٌ مُتَلثِّمُ

وما ذاك بخلاً بالنُّفوس على القنا ... ولكنَّ صدمَ الشَّرِّ بالشَّرِّ أحْزمُ

أتحسبُ بيضُ الهندِ أصلك أصْلها ... وأنَّك منها ساءَ ما تتوهَّمُ

إذا نحنُ سمَّيناكَ خِلْنا سيوفَنا ... من التّيه في أغمادِها تتبسَّمُ

ولم نرَ ملكاً قطّ يُدعى بدونِهِ ... فيرضى ولكنْ يجهلونَ وتحلمُ

أخذتَ على الأرواح كلَّ ثنيَّةٍ ... من العيش تُعطي من تشاء وتحرمُ


فلا موتَ إلاَّ من سنانكَ يُتَّقى ... ولا رزقَ إلاَّ من يمينكَ يُقسمُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

بغيْرِكَ راعياً عبثَ الذئابُ ... وغيرَكَ صارماً ثلَمَ الضِّرابُ

وتملكُ أنفُسَ الثقليْنِ طُرّاً ... فكيفَ تحوزُ أنفسها كلابُ

وما تركوكَ معصيةً ولكنْ ... يُعافُ الوِردُ والموتُ الشرابُ

طلبتَهُمُ على الأمواهِ حتَّى ... تخوَّف أن تفتّشهُ السَّحابُ

فبتَّ ليالياً لا نومَ فيها ... تخبُّ بكَ المسوَّمةُ العِرابُ

يهزّ الجيشُ حولَكَ جانبَيْهِ ... كما نفضتْ جناحيْها العُقابُ

وتسألُ عنهمُ الفلواتِ حتَّى ... أجابكَ بعضُها وهُمُ الجوابُ

إذا ما سرْتَ في آثار قوم ... تخاذلت الجماجِمُ والرّقابُ

وكيفَ يتمُّ بأسك في أُناسٍ ... تصيبهم فيؤلمكَ المُصابُ

ترفَّقْ أيُّها المولى عليهمْ ... فإنّ الرِّفْقَ بالجاني عِتابُ

وإنّهُمُ عبيدكَ حيثُ كانوا ... إذا تدعوا لحادثةٍ أجابوا

وعينُ المُخطئين هم وليسوا ... بأوَّل معشرٍ خَطِؤوا فتابوا

وأنتَ حياتُهم غضبَتْ عليهمْ ... وهجرُ حياتهمْ لهُمُ عقابُ

وما جهلتْ أياديكَ البوادي ... ولكن رُبَّما خفِيَ الصَّوابُ

وكم ذنبٍ موَلِّدُه دلالٌ ... وكم بعْدٍ مولِّده اقترابُ

وجُرمٍ جرَّهُ سُفهاءُ قومٍ ... فحلّ بغيرِ جارمِهِ العذابُ

ولو غيرُ الأمير غزا كلاباً ... ثناهُ عن شُموسهمُ ضبابُ

ولاقى دونَ ثايهِمِ طِعاناً ... يُلاقي عندهُ الذِّئبَ الغُرابُ

وخيلاً تغتذي ريحَ الموامي ... ويكفيها من الماءِ السَّرابُ

ولكنْ ربُّهمْ أسرى إليهمْ ... فما نفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ

ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌ ... ولا خيلٌ حملْنَ ولا رِكابُ

رميتَهُمُ ببحرٍ من حديدٍ ... لهُ في البرِّ خلفَهُمُ عُبابُ

فمسَّاهُمْ وبُسطهُمُ حريرٌ ... وصبّحهُمْ وبسطهمُ ترابُ

ومن في كفّهِ منهم قناةٌ ... كمنْ في كفِّه منهمْ خِضابُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وما زلتُ أطوي القلب قبل اجتماعِنا ... على حاجةٍ بين السَّنابك والسُّبْلِ

ولو لم تسرْ سرنا إليكَ بأنفسٍ ... غرائبَ يؤثرنَ الجيادَ على الأهلِ

وخيلٍ إذا مرَّت بوحشٍ وروضةٍ ... أنتْ رعيَها إلاَّ ومِرْجلُنا يغلي

ولكنْ رأيتَ الفضل في القصدِ شركةً ... فكانَ لكَ الفضلان في القصدِ والفضلِ

وليسَ الَّذي يتَّبَّعُ الوبلَ رائداً ... كمنْ جاءهُ في داره رائدُ الوبْلِ

وما أنا ممَّنْ يدَّعي الشَّوقَ قلبهُ ... ويحتَجّ في تركِ الزّيارةِ بالشُّغلِ

وأهدَتْ إلينا غيرَ قاصدةٍ بهِ ... كريمَ السَّجايا يسبقُ القولَ بالفعْلِ

تتبّعَ آثارَ الرّزايا بجودِهِ ... تتبُّعَ آثار الأسنّةِ بالفُتْلِ

عفيفٌ تروقُ الشَّمْسَ صورةُ وجههِ ... فلو نزلتْ شوقاً لحادَ إلى الظِّلِّ

شجاعٌ كأنَّ الحربَ عاشقةٌ لهُ ... إذا زارها فدَّتْهُ بالخيل والرَّجْلِ

وما دامَ دِلَّيْرٌ يهزُّ حسامهُ ... فلا نابَ في الدُّنيا للَيْثٍ ولا شبلِ

فتًى لا يُرجّي أن تتم طهارةٌ ... لمن لم يطهِّرْ راحتَيْهِ من البخلِ

وقال أيضاً:

وبمُهْجتي يا عاذلي المَلكُ الَّذي ... أسخطْتُ كلَّ النَّاس في إرضائِهِ

إنْ كانَ قدْ ملَكَ القلوبَ فإنَّهُ ... ملَكَ الزَّمَانَ بأرضِهِ وسمائِهِ

الشَّمْسُ من حُسَّادِهِ والنَّصرُ من ... قُرَنائِهِ والسَّيفُ من أسمائِهِ

أينَ الثَّلاثةُ من ثلاثِ خِصالهِ ... من حسنِهِ وإبائِهِ ومضائِهِ

مضَتْ الدُّهورُ وما أتينَ بمثلهِ ... ولقدْ أتى فعجزْنَ عن نُظرائِهِ

وُقِيَ الأميرُ هوى العيونِ فإنَّهُ ... ما لا يزولُ ببأسِهِ وسخائِهِ

يستأسرُ البطلَ الكميَّ بنظرةٍ ... ويحولُ بين فؤادِهِ وعزائِهِ

إنِّي دعوتُكَ للنّوائِبِ دعوةً ... لم يدْعَ سامعُها إلى أكفائِهِ

فأتيْتُ من فوق الزّمان وتحته ... مَتَصلْصلاً وأمامِهِ وورائِهِ


من للسُّيوفِ بأن يكون سميّها ... في أصلِهِ وفرنْدِهِ ووفائِهِ

طُبعَ الحديدُ فكانَ من أجناسِهِ ... وعليٌّ المطبوعُ من آبائِهِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت أوَّلها في باب النَّسيب:

من الحلمِ أن تستعمل الجهلَ دونَهُ ... إذا اتّسعت في الحلمِ طرقُ المظالمِ

وأن تردَ الماءَ الَّذي شطرُه دمٌ ... فتُسْقى إذا لم يُسقَ من لم يُزاحِمِ

ومن عرف الأيَّام معرفتي بها ... وبالنَّاسِ روّى رُمحَهُ غيرَ راحمِ

فليسَ بمرحومٍ إذا ظفروا به ... ولا في الرَّدى الجاري عليهم بآثمِ

إذا صُلْتُ لم أترك مصالاً لفاتكٍ ... وإن قلتُ لم أترك مقالاً لعالمِ

وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعفُ العزائمِ

تمنّى أعاديهِ محلَّ عُفاتِهِ ... وتحسد كفَّيْهِ ثقالُ الغمائمِ

ولا يتلقّى الجهرَ إلاَّ بمُهْجةٍ ... مُعظَّمةٍ مذخورةٍ للعظائمِ

كريمٌ نفضتُ النَّاسَ لمّا بلغتُه ... كأنَّهُمُ ما جفَّ من زادِ قادِمِ

وكادَ سُروري لا يَفي لنَدَامتي ... على تركهِ في عمريَ المُتقادِمِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ ثبت أولها في باب النسيب:

ومنْ تكن الأُسدُ الضَّواري جودَهُ ... يكنْ ليلُه صبحاً ومطعمُهُ غَصْبا

ولستُ أُبالي بعدَ إدراكي العُلا ... أكانَ تراثاً ما تناولتُ أمْ كسبا

وربَّ غلامٍ علَّمَ المجدَ نفسَهُ ... كتعليمِ سيف الدَّولةِ الضّرْبا

إذا الدولةُ استكفتْ بهِ في ملمَّةٍ ... كفاها فكانَ السَّيْفَ والكفَّ والقلبا

تهابُ سيوفُ الهندِ وهي حدائدٌ ... فكيفَ إذا ما كانتْ نِزاريَّةً عُربا

ويرهَبُ نابُ اللَّيثِ واللَّيثُ وحدَهُ ... فكيفَ إذا كانَ اللّيوثُ لهُ صَحْبا

ويخشَى عبابُ البحرِ وهو مكانَهُ ... فكيفَ بمنْ يغشى البلادَ إذا عبَّا

كفى عجباً أن يعجَبَ النَّاسُ أنَّه ... بنى مَرْعشاً تبّاً لآرائهمْ تبَّا

وما الفرقُ ما بينَ الأنامِ وبينَهُ ... إذا حذرَ المحذورَ واستصعَبَ الصَّعبا

لأمرٍ أعدته الخلافةُ للعِدا ... وسمَّتهُ دونَ العالمِ الصَّارمَ العضْبا

ولم تفترق عنهُ الأسنَّةُ رحمةً ... ولم يترُك الشَّامَ الأعادي لهُ حبَّا

ولكنْ نَفَاها عنهُ غيرَ كريمةٍ ... كريمُ النَّثا ما سُبَّ قطّ ولا سَبَّا

وجيشٌ يُثنّي كلّ طودٍ كأنَّهُ ... خَريقُ رياحٍ واجهتْ غُصناً رَطبا

كأنَّ نجومَ الليلِ خافتْ مُغارَهُ ... فمدَّتْ عَلَيْها من عَجَاجتهِ حُجْبا


وقال أبو الطَّيِّب المتنبِّي من قصيدةٍ:

سأطلُبُ حقِّي بالقَنَا ومشايخٍ ... كأنَّهم مِن طولِ ما أُلْثموا مُرْدُ

ثقالٍ إذا لاقَوْا خِفافٍ إذا دُعُوا ... كثيرٍ إذا شَدُّوا قليلٍ إذا عُدُّوا

وطعنٍ كأنَّ الطَّعنَ لا طعنَ عندَهُ ... وضربٍ كأنَّ النَّارَ من حرِّهِ برْدُ

إذا شئتُ حفَّت بي على كلِّ سابحٍ ... رجالٌ كأنَّ الموتَ في فمِها شهدُ

ومنْ نكَدِ الدُّنيا على الحرِّ أن يَرَى ... عدوّاً لهُ ما مِن صداقتِهِ بدُّ

بقلبي وإنْ لم أروَ منها مَلالةٌ ... وبي عنْ غَوانيها وإنْ وَصلتْ صدُّ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أُهمُّ بشيءٍ واللَّيالي كأنَّها ... تُطاردُني عن كونِهِ وأُطاردُ

وحيدٌ من الخلاَّنِ في كلِّ بلدةٍ ... إذا عظمَ المطلوبُ قلَّ المساعدُ

وتُسعدُني في غمرةٍ بعدَ غمرةٍ ... سبوح لها منها عَلَيْها شواهدُ

تَثَنَّى على قدرِ الطِّعانِ كأنَّما ... مفاصلُها تحتَ الرِّماحِ مَراودُ

وأُوردُ نفسي والمهنَّدُ في يَدي ... مواردَ لا يُصدرنَ مَنْ لا يُجالدُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

عشْ عزيزاً أو متْ وأنتَ كريمٌ ... بينَ طعنِ القَنَا وخفقِ البنودِ

فرؤوسُ الرِّماحِ أذهَبُ للغيْ ... ظِ وأشفَى لغِلّ صدرِ الحَقُودِ

لا بقومي شَرُفتُ بل شَرُفوا بي ... وبنفسي فخرتُ لا بجُدودي


إنْ أكنْ مُعجَباً فعجبُ عَجيبٍ ... لم يجدْ فوقَ نفسِهِ من مَزيدِ

أنا تربُ النَّدَى وربُّ القوافي ... وسمامُ العِدا وغيظُ الحَسُودِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

ولا بدَّ من يومٍ أغرَّ محجَّلٍ ... يطولُ استِماعي بعدَهُ للنَّوادِبِ

يهونُ على مِثلي إذا رامَ حاجةً ... وقوعُ العَوَالي دونَها والقواضِبِ

إليَّ لَعَمْرِي قصدُ كلِّ عجيبةٍ ... كأنِّي عجيبٌ في عُيُونِ العجائِبِ

بأيِّ بلادٍ لم أجرَّ ذَوَائبي ... وأيُّ مكانٍ لم تطأْهُ رَكائِبِي

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وجاهلٍ مدَّهُ في جهلِهِ ضَحِكي ... حتَّى أتتهُ يدٌ فرَّاسةٌ وَفَمُ

إذا رأيتَ نيوبَ اللَّيثِ بارزةً ... فلا تظنَّنَّ أنَّ اللَّيثَ مبتسمُ

ومهجة مهجتي من همِّ صاحِبِها ... أدركْتُها بجوادٍ ظهرُهُ حَرَمُ

رِجلاهُ في الرَّكضِ رجلٌ واليدانِ يدٌ ... وفعلُهُ ما تريدُ الكفُّ والقَدَمُ

ومُرهفٍ سرتُ بين الجحْفَلَينِ بهِ ... حتَّى ضربتُ وموجُ البحرِ يلتطمُ

فالخيلُ واللَّيْلُ والبيداءُ تعرفُني ... والطَّعنُ والضَّربُ والقِرطاسُ والقَلَمُ

أنا الَّذي نظَرَ الأعمى إلى أَدَبي ... وأسمعتْ كلِماتي مَن بهِ صَمَمُ

ما أبعَدَ العيبَ والنُّقصانَ عن شَرَفي ... أنا الثُّريَّا وذانِ الشَّيبُ والهَرَمُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وفي الجسمِ نفسٌ لا تشيبُ بشيبةٍ ... ولو أنَّ ما في الوجهِ منهُ حرابُ

لها ظُفُرٌ إنْ كلَّ ظفرٌ أُعدُّهُ ... ونابٌ إذا لم يبقَ في الفمِ نابُ

يُغيّرُ منِّي الدَّهْرُ ما شاءَ غيرَهَا ... وأبلغُ أقصَى العمرِ وهي كَعَابُ

وإنِّي لنجمٌ تهتَدي بيَ صُحبتي ... إذا حالَ مِن دونِ النُّجومِ سحابُ

غنيٌّ عنِ الأوطانِ لا يستفزُّني ... إلى بلدٍ سافرتُ عنهُ إيابُ

وعنْ ذَملانِ العيسِ إنْ سامحتْ بهِ ... وإلاَّ ففي أكوارهنَّ عُقابُ

وأصْدى فلا أُبدي إلى الماءِ حاجَةً ... وللشَّمسِ فوقَ اليعْمَلاتِ لُعابُ

وللسِّرِّ منِّي موضعٌ لا ينالُهُ ... نديمٌ ولا يُفضي إليهِ شرابُ

والخَوْدِ منِّي ساعةٌ ثمَّ بينَنَا ... فلاةٌ إلى غيرِ اللِّقاءِ تُجابُ

وغيرُ فؤادي للغَوَاني رميَّةٌ ... وغيرُ بَنَاني للزُّجاجِ ركابُ

تَرَكنا لأطرافِ القَنَا كلَّ شهوةٍ ... فليسَ لنا إلاَّ بهنَّ لِعابُ

نُصرِّفُهُ للطَّعنِ فوقَ حواذرٍ ... قد انقصَفَتْ فيهنَّ منهُ كِعابُ

أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ ... وخيرُ جليسٍ في الزَّمَانِ كِتابُ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أبدُو فيسجُدُ مَن بالسّوءِ يذكُرُني ... ولا أُعاتبُهُ صفحاً وإهوانا

وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني ... إنَّ النَّفيسَ غريبٌ حيثُما كانا

محسَّدُ الفضلِ مكذوبٌ على أَثَري ... ألْقى الكميَّ وَيَلقاني إذا حانا

لا أشرئبُّ إلى ما لم يفتْ طمعاً ... ولا أبيتُ على ما فاتَ حَسْرانا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

لقد تصبَّرتُ حتَّى لاتَ مصطَبَرٍ ... فالآن أُقحمُ حتى لاتَ مُقتحمِ

لأتركنَّ وجوهَ الخيلِ ساهمَةً ... والحربُ أقوَمُ مِن ساقٍ على قَدَمِ

والطَّعن يحرقُها والزَّجرُ يقلِقُها ... حتَّى كأنَّ بها ضرباً منَ اللَّممِ

قد كلَّمتْها العَوَالي فهي كالحةٌ ... كأنَّما الصَّابُ معصوبٌ على اللَّجمِ

بكلِّ منصلتٍ ما زالَ منتظِري ... حتَّى أدلْتُ لهُ مِن دولةِ الخَدَمِ

شيخٌ يَرَى الصَّلواتِ الخمسَ ناقلَةً ... ويستحلُّ دمَ الحجَّاجِ في الحرمِ

وكلّما نُطحتْ تحتَ العجاجِ بهِ ... أُسدُ الكتائِبِ رامتْهُ ولم يَرَمِ

تُنسي البلادَ بروقَ الجوِّ بارِقتي ... وتَكتفي بالدّمِ الجاري منَ الدِّيَمِ

رِدي حياضَ الرَّدى حَوباءُ واتَّرِكي ... حياضَ خوفِ الرَّدى للشَّاءِ والنَّعمِ

إنْ لم أزدكِ على الأرماحِ سائلَةً ... فلا دُعيتُ ابنَ أُمِّ المجدِ والكرمِ

أيملِكُ الملكَ والأسيافُ ظامئةٌ ... والطَّيرُ جائعةٌ لحمٌ على وَضَمِ


مَنْ لو رآني ماءً ماتَ من ظمأٍ ... ولو مَثَلتُ لهُ في النَّومِ لمْ يَنَمِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

وما سَكَني سِوى قتلِ الأعادي ... فهلْ من زَورةٍ تشفي القُلُوبا

تظلُّ الطَّيرُ منها في حديثٍ ... تردُّ بهِ الصَّراصرَ والنَّعيبا

وقدْ لبستْ دماؤهُمُ عليهمْ ... حِداداً لم تشقَّ لها جُيُوبا

أَدَمنا طعنهمْ والقتلَ حتَّى ... خلطْنا في عظامهمُ الكُعُوبا

كأنَّ خيولَنَا كانتْ قديماً ... تُسقَّى في قُحُوفهمُ الحَليبا

فمرَّتْ غيرَ نافرةٍ عليهمْ ... تدوسُ بنا الجماجمَ والتَّريبا

يُقدِّمُها وما خُضبتْ شَوَاها ... فتًى الحروبُ بهِ الحُرُوبا

شديدُ الخُنْزُوانَةِ لا يُبالي ... أصابَ إذا تنمَّرَ أمْ أُصيبا

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

أُفكِّرُ في مُعاقرةِ المَنَايا ... وقوْدِ الخيلِ مشرفةَ الهَوَادي

زعيماً للقَنَا الخطِّيِّ عزْمي ... بسفكِ دَمِ الحواضِرِ والبَوَادي

إلى كمْ ذا التَّخلُّفُ والتَّواني ... وكم هذا التَّمادي في التَّمادي

وشغلُ النَّفسِ عن طلبِ المَعَالي ... ببيعِ الشِّعرِ في سوقِ الكَسَادِ

وما ماضي الشَّبابِ بمستردٍّ ... ولا يومٌ يمرُّ بمُستعادِ

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

جَفَتني كأنِّي لستُ أَنطقَ قومِها ... وأطعَنهم والشُّهبُ في صورةِ الدُّهْمِ

يُحاذرُني حَتفي كأنِّيَ حتفُهُ ... وتنكُزني الأفعَى فيقتلُها سُمِّي

طوالُ الرُّدَينيَّاتِ يقصفُها دَمي ... وبيضُ السُّرَيْجيَّاتِ يقطَعُها لحمِي

برتْني السُّرى برْيَ المُدى فتركْنَني ... أخفَّ على المركوبِ من نَفسي جِرْمِي

وأبصَرَ منْ زرقاء جوٍّ لأنَّني ... إذا نظرتْ عينايَ شاءهُما عِلْمي

كأنِّي دَحَوْتُ الأرضَ مِن خِبرتي بها ... كأنِّي بَنى الإسكندَرُ السَّدَّ مِن عَزمي

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

محبٌّ كَنى بالبِيض عن مُرهفاتِهِ ... وبالحُسنِ في أجسامهنَّ عن الصَّقلِ

وبالسُّمرِ عن سُمرِ القَنَا غير أنَّني ... جَنَاها أحبائي وأطرافُها رُسْلي

عدِمتُ فؤاداً لم تبتْ فيه فضلةٌ ... لغيرِ الثَّنايا الغرِّ والحَدَقِ النُّجْلِ

فما حرَّمتْ حسناءُ بالهجرِ غِبطَةً ... ولا بلَّغَتْها مَن شَكَا الهجرَ بالوصلِ

ذَريني أنلْ ما لا يُنالُ من العُلا ... فصعبُ العُلا في الصَّعبِ والسَّهلُ في السَّهلِ

تريدينَ لُقيانَ المَعَالي رخيصَةً ... ولا بدَّ دونَ الشَّهدِ من إبرِ الَّنحلِ

وقال من قصيدةٍ يرثي جدّته:

لئنْ لذَّ يومُ الشَّامتينَ بموْتها ... فقد ولدتْ منِّي لآنافِهِمْ رَغما

تَغرّبَ لا مستعظماً غيرَ نفسِهِ ... ولا قابلاً إلاَّ لخالقِهِ حُكما

ولا سالكاً إلاَّ فؤادَ عجاجةٍ ... ولا واجداً إلاَّ لمكرمةٍ طَعما

يقولونَ لي ما أنتَ في كلِّ بلدةٍ ... وما تبتَغي ما أبتَغي جلَّ أنْ يُسمَى

كأنَّ بَنيهمْ عالمونَ بأنَّني ... جَلُوبٌ إليهم من معادنِهِ اليُتما

ولكنَّني مُستنصرٌ بذُبابِهِ ... ومُرتكبٌ في كلِّ حالٍ بهِ الغَشْما

وجاعلُه يومَ اللِّقاءِ تحيَّتي ... وإلاَّ فلستُ السَّيِّدَ البطلَ القِرما

إذا قلَّ عزمي عن مدًى خوفَ بعدِهِ ... فأبعَدُ شيءٍ ممكنٌ لم يجدْ عَزْما

وإنِّي لمنْ قومٍ كأنَّ نُفُوسَنَا ... بها أَنَفٌ أن تسكنَ اللَّحمَ والعَظْما

وقال أيضاً من قصيدةٍ:

تمرستُ بالآفاتِ حتَّى تركتُها ... تقولُ أماتَ الموتُ أم ذُعِرَ الذُّعرُ

وأقدمتُ إقدامَ الأتيّ كأنَّ لي ... سوى مهجتي أو كانَ لي عندهَا وترُ

ذَرِ النَّفسَ تأخذ وُسعَهَا قبلَ بينِها ... فمفترقٌ جارانِ دارُهما العمرُ

ولا تحسَبَنَّ المجدَ زِقّاً وقَينةً ... فما المجدُ إلاَّ السَّيْفُ والفتكةُ البِكرُ

وتضريبُ أعناقِ الملوكِ وأن تُرى ... لكَ الهَبواتُ السُّودُ والعسكرُ المَجْرُ

وتركُكَ في الدُّنيا دويّاً كأنَّما ... تَداولَ سمعَ المرءِ أنمُلُهُ العشرُ


عليَّ لأهلِ الجَورِ كلُّ طمرَّةٍ ... عَلَيْها غلامٌ ملءُ حيزُومِهِ غِمرُ

يديرُ بأطرافِ الرِّماحِ عليهُمُ ... كؤوسَ المَنَايا حيثُ لا تُشتهَى الخمرُ

وقال أيضاً من القصيدة الَّتي أوَّلها:

حتَّى مَ نحنُ نُساري النَّجمَ في الظُّلَمِ

في بعض النسخ:

أنا الزَّعيمُ بأنْ أُغزي ديارهُمُ ... خَيلي فتغدُو وما فيهنَّ مِن إرَمِ

في فتيةٍ مِن بَني حامٍ وجوههُمُ ... في الخطبِ بيضٌ وإن أصبحْنَ كالحممِ

يلقَى مُحاربُهُمْ قِدماً منِيَّتَهُ ... فليسَ يقتَلُ إلاَّ غيرَ منهزمِ

وما انتِظاري وسَيفي ليسَ يوحشُهُ ... في راحَتي قلَّةُ الأعوانِ والحَشَمِ

لولا مُحافظَةٌ منِّي لَنَازَلَني ... حبُّ النُّزولِ على الأعناقِ والقِممِ

ولوْ يُسلّ بآنافٍ برِمْتُ بها ... شُمٍّ لَغادَرَها جُدْعاً بلا شَمَمِ

أفْديهِ مِن صاحبٍ ما زالَ قائمُهُ ... يُذِمُّ لي حينَ ألْقى مُخفِرَ الذِّممِ

لمَّا وَفَى دونَ النَّاسِ أمَّنني ... كلَّ امرئ غادِرِ الأخلاقِ والشِّيمِ

كم قدْ سقيتُ ظُباهُ مِنْ نجيعِ دمٍ ... في حينِ يُسقى بهِ مِن باردٍ شَبِمِ

يَخيمُ عِندي شجاعٌ لوْ يُفاجئُهُ ... ليثُ العَرينِ أبو الأشبالِ لم يخِمِ

ينفِّرُ الخيلَ منِّي بعدَ فاتِكِها ... قَوْدي وإقحامُها في كلِّ مُقتحَمِ

مَضَى وقدْ عوَّدتْني البِيضُ عادَتَها ... ضربَ الرّؤوسِ وهتكَ البَيضِ واللِّممِ

مَن يعفِرُ الأُسدَ غَيري بعدَ عافِرِها ... أبي شُجاعٍ وقدْ أفضَى إلى الرُّجُمِ


وقال أبو الطيّب المتنبِّي:

تصفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافلٍ ... عمَّا مضى فيها وما يُتوقَّع

ولمن يغالطُ في الحقائقِ نفسهُ ... ويسومُها طلبَ المحالِ فتطمعُ

أين الذي الهرمان من بنيانهِ ... ما قومهُ ما يومه ما المصرعُ

تتخلَّف الآثارُ عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتتبعُ

لم يُرضِ قلبَ أبي شجاعٍ مبلغٌ ... قبل الممات ولم يسعهُ موضعُ

يا من يبدّلُ كل يوم حلّةً ... أنّى رضيتَ بحلَّةٍ لا تنزعُ

ما زلتَ تخلعُها على من شاءها ... حتَّى لبستَ اليوم ما لا تخلعُ

ما زلتَ تدفعُ كلَّ أمرٍ فادحٍ ... حتَّى أتى الأمرُ الَّذي لا يُدفعُ

فظللتَ تنظرُ لا رماحُك شُرَّعٌ ... فيما عراك ولا سيوفك قُطّعُ

من للمحافلِ والجحافل والسُّرى ... فقدت بفقدِك نيِّراً لا يطلعُ

ومن اتخذتَ على الضيوفِ خليفة ... ضاعوا ومثلُك لا يكادُ يضيِّعُ

من كان فيه لكلّ قوم ملجأ ... ولسيفهِ في كلِّ يوم مرتعُ

إن حلَّ في فُرسٍ ففيها ربُّها ... كسرى تذُّل له الرقابُ وتخضعُ

أو حلَّ في رومٍ ففيها قيصرٌ ... أو حلَّ في عُرب ففيها تبَّعُ

قد كان أسرع فارسٍ في طعنةٍ ... فرساً ولكنَّ المنيَّة أسرعُ


لا قلّبت أيدي الفوارس بعده ... رمحاً، ولا حملت جواداً أربعُ

وقال أيضاً: " من الوافر "

نعدُّ المشرفيّة والعوالي ... وتقتلنا المنونُ بلا قتالِ

ونرتبطُ السَّوابقَ مقرباتٍ ... وما ينجينَ من خببِ الليالي

ومن لم يعشقِ الدُّنيا قديماً؟ ... ولكن لا سبيلَ إلى الوصالِ

نصيبكَ في حياتكَ من حبيبٍ ... نصيبكَ في منامكَ من خيالِ

رماني الدَّهر بالأرزاءِ حتّى ... فؤادي في غشاءٍ من نبالِ!

فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ ... تكسَّرت النِّصال على النِّصالِ

وهانَ فما أبالي بالرَّزايا ... لأنّي ما انتفعتُ بأن أبالي

وهذا أوّلُ الناعين طرّاً ... لأوّل ميتةٍ في ذا الجلالِ

كأن الموتَ لم يفجع بنفسٍ ... ولم يخطر لمخلوقٍ ببال!ِ

حصانٌ مثلُ ماءِ المزنِ فيه ... كتومُ السِّرِّ صادقةُ المقالِ

ولو كان النساءُ كمن فقدنا ... لفضِّلت النِّساء على الرِّجالِ

وما التَّأنيثُ لاسم الشَّمس عيبٌ ... ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ

أسيفَ الدَّولة استنجد بصبرٍ ... وكيف بمثلِ صبركَ للجبالِ؟

فأنت تعلّمُ النّاسَ التَّعزِّي ... وخوضَ الموتِ في الحربِ السّجالِ

وحالاتُ الزمانِ عليكَ شتَّى ... وحالكَ واحدٌ في كلِّ حالِ

فإن تفقِ الأنامَ وأنتَ منهمْ ... فإنَّ المِسك بعضُ دمِ الغزالِ


وقال أبو الطَّيِّب المتنبِّي:

نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنهُ أن نلمَّ به ركبا

نذمُّ السَّحاب الغرَّ في فعلها به ... ونعرضُ عنه كلَّما طلعت عتبا

ومن صحبَ الدُّنيا طويلاً تقلَّبت ... على عينهِ حتَّى يرى صدقها كذبا

وكيف التذاذي بالأصائلِ والضُّحى ... إذا لم يعد ذاكَ النَّسيم الَّذي هبَّا

ذكرتُ به وصلاً كأن لم أفزْ به ... وعيشاً كأنِّي كنتُ أقطعُهُ وثبا

وفتَّانةَ العينين قتَّالة الهوى ... إذا نفحت شيخاً روائحُها شبّا

لها بشرُ الدُّرِّ الَّذي قلِّدت به ... ولم أرَ بدراً قبلها قلِّد الشُّهبا

فيا شوقُ ما أبقى، ويا لي من النَّوى ... ويا دمعُ ما أجرى ويا قلبُ ما أصبى

وقال أيضاً:

من الجآذرُ في زيِّ الأعاريب ... حمرُ الحُلى والمطايا والجلابيبِ

إن كنتَ تسألُ شكَّاً عن معارفها ... فمن بلاكَ بتسهيدٍ وتعذيبِ

لا تُجزني بضنىً بي بعدها بقرٌ ... تجزي دموعي مسكوباً بمسكوبِ

سوائرٌ ربَّما سارت هوادجُها ... منيعةً بين مطعونٍ ومضروبِ

وربَّما وخدت أيدي المطيِّ بها ... على نجيعٍ من الفرسانِ مصبوبِ

كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةِ ... أدهى وقد رقدوا من زورةِ الذِّيبِ

أزورهم وسوادُ اللَّيل يشفع لي ... وأنثني وبياضُ الصُّبح يغري بي

قد وافقوا الوحشَ في سكنى مراتعها ... وخالفوها بتقويضٍ وتطنيبِ

جيرانُها وهم شرُّ الجوارِ لها ... وصحبُها وهم شرُّ الأصاحيبِ

ما أوجهُ الحضرِ المستحسناتِ بهِ ... كأوجهِ البدويَّاتِ الرَّعابيبِ

حسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ ... وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوبِ

أين المعيزُ من الآرامِ ناظرةً ... وغير ناظرةٍ في الحُسنِ والطِّيبِ

أفدي ظباءَ فلاةٍ ما عرفنَ بها ... مضغ الكلام ولا صبغَ الحواجيبِ

ولا برزن من الحمَّام مائلةً ... أوراكهنَّ صقيلات العراقيبِ

وقال أيضاً:

لعينيكِ ما يلقى الفؤادُ وما لقي ... وللحبِّ ما لم يبقَ منِّي وما بقي

وما كنتُ ممَّن يدخلُ العشقُ قلبهُ ... ولكنَّ من يبصرُ جفونكِ يعشقِ

وبين الرِّضا والسُّخط والقربِ والنَّوى ... مجالٌ لدمعِ المقلةِ المترقرقِ

وأحلى الهوى ما شكَّ في الوصل ربُّه ... وفي الهجرِ فهو الدَّهر يرجو ويتَّقي

ولم أرَ كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثنَ بكلِّ القتلِ من كلِّ مشفقِ

أدرنَ عيوناً حائراتٍ كأنَّها ... مركَّبةٌ أحداقها فوق زئبقِ

عشيَّةَ يعدونا عن النَّظر البُكى ... وعن لذَّة التَّوديعِ خوفُ التَّفرُّقِ

وقال أيضاً:

قفي تغرمِ الأولى من اللَّحظِ مهجتي ... بثانيَّةٍ والمتلفُ الشَّيء غارمهْ

سقاكِ وحيَّانا بكِ الله إنَّما ... على العيسِ نورٌ والخدورُ كمائمهْ

وما حاجةُ الأظعانِ حولك في الدُّجى ... إلى قمرٍ؟ ما واجدٌ لك عادمهْ

إذا ظفرت منكِ العيون بنظرةٍ ... أثاب بها مُعيى المطيِّ ورازمهْ

وقال أيضاً:

هامَ الفؤادُ بأعرابيَّةٍ سكنت ... بيتاً من القلبِ لم تمددْ له طنبا

مظلومةُ القدِّ في تشبيهه غصناً ... مظلومةُ الرِّيق في تشبيههِ ضربا

بيضاءَ تطمعُ فيما تحت حلَّتها ... وعزَّ ذلك مطلوباً إذا طلبا

كأنَّها الشَّمس يعيي كفَّ قابضها ... شعاعها ويراهُ الطَّرف مقتربا

وقال أيضاً:

قد كان يمنعني الحياءُ من البكا ... فاليومُ يمنعه البُكا أن يمنعا

حتَّى كأنَّ لكلِّ عضوٍ رنَّة ... في جلدهِ ولكلِّ عرقٍ مدمعا

سفرت وبرقعهَا الحياءُ بصفرةٍ ... سترت محاسنها ولم تكُ برقعا


فكأنَّها والدَّمعُ يقطرُ فوقها ... ذهبٌ بسمطي لؤلؤ قد رصِّعا

كشفت ثلاثَ ذوائبَ من شعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا

واستقبلت قمرَ السَّماءِ بوجهها ... فأرتني القمرين في وقتٍ معا

وقال أيضاً:

بأبي الشُّموسُ الجانحاتُ غواربا ... اللاَّبساتُ من الحرير جلاببا

حاولن تفديتي وخفن مراقباً ... فوضعنَ أيديهنَّ فوق ترائبا

وبسمنَ عن بردٍ خشيتُ أذيبهُ ... من حرِّ أنفاسي فكنتُ الذَّائبا

وقال أيضاً:

كأنَّ العيسَ كانت فوقَ جفني ... مناخاتٍ فلمَّا ثرن سالاَ

لبسنَ الوشي لا متجمَّلاتٍ ... ولكن كي يصنَّ به الجمالاَ

وضفَّرن الغدائر لا لحسنٍ ... ولكن خِفن في الشَّعر الضَّلالاَ

بجسمي من برتهُ فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤةٍ لجالاَ

بدت قمراً ومالت خوط بانٍ ... وفاحت عنبراً ورنت غزالاَ

وقال أيضاً:

فليتَ هوى الأحبَّةِ كان عدلاً ... فحمَّل كلَّ قلبٍ ما أطاقا

وقد أخذ التَّمامَ البدرُ فيهم ... وأعطانِي من السَّقم المحاقا

وبين الفرعِ والقدمين نورٌ ... يقودُ بلا أزمَّتها النِّياقا

وطرفٌ إن سقى العشَّاق كأساً ... بها نقصٌ سقانيها دهاقا

وخصرٌ تثبتُ الأبصارُ فيه ... كأنَّ عليه من حدقٍ نطاقا

وقال أيضاً:

أبعدُ نأي المليحةِ البخلُ ... في السَّيرِ ما لا تكلفُ الابلُ

كأنَّما قدُّها إذا انفتلت ... سكرانُ من خمرِ طرفها ثملُ

يجذبها تحت خصرِها عجزٌ ... كأنَّهُ من فراقها وجلُ

بي حرُّ شوقٍ إلى ترشُّفها ... ينفصلُ الصَّبر حينَ يتَّصلُ

النَّحرُ والثَّغرُ والمخلخلُ وال ... معصمُ دائي والفاحمُ الرَّجلُ

وقال أيضاً:

وشكيَّتي فقد السِّقام لأنَّه ... قد كان لمَّا كانَ لي أعضاءُ

مثَّلتِ عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها كلتاهما نجلاءُ

نفذت عليَّ السابريَّ وربَّما ... تندقُّ فيه الصَّعدةُ السَّمراءُ

وقال أيضاً:

أمنعمةٌ بالعودةِ الظَّبية الَّتي ... بغيرِ وليِّ كان نائلها الوسمي

ترشَّفتُ فاها سحرةً فكأنَّني ... ترشَّفتُ حرَّ الوجد من باردِ الظلمِ

فتاةٌ تساوى عقدُها وكلامُها ... ومبسمُها الدُّرِّيُّ في النَّثر والنَّظمِ

ونكهتُها والمندليُّ وقرقفٌ ... معتَّقةٌ صهباءُ في الرِّيحِ والطَّعمِ

هو الجدّ حتى تفضُل العينُ أختَها ... وحتى يكون اليومُ لليوم سيّدا

وما قتل الأحْرار كالعفْو عنهُم ... ومن لك بالحُرّ الذي يحفَظُ اليَدا

إذا أنت أكرَمت الكريمَ ملكتَه ... وإن أنت أكرمْتَ اللئيم تمرّدا

أزِل حسَد الحُسّادِ عنّي بكبتِهم ... فأنت الذي صيّرتَهم ليَ حُسَّدا

وما أنا إلا سمهريٌّ حملتَه ... فزيّن معروضاً وراع مُسدَّدا

أجِزْني إذا أُنشِدْت شِعراً فإنّما ... بشِعري أتاكَ المادِحون مرَدَّدا

ودعْ كلَّ صوتٍ دون صوتي فإنّني ... أنا الصائحُ المَحكيُّ والآخرُ الصّدَى

تركتُ السُرى خلفي لمَن قلّ مالُه ... وأنعلْتُ أفراسي بنُعماكَ عسْجَدا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 101

وقيّدتُ نفسي في ذَراك محبّةً ... ومن وجدَ الإحسانَ قيْداً تقيّدا

إذا سأل الإنسانُ أيامه الغِنى ... وكُنتَ على بُعدٍ جعلتك موعِدا

وقوله:

وأطمعَ عامرَ البُقيا عليهمْ ... ونزّقها احتمالُك والوقارُ

وكانت بالتّوقّف عن رَداها ... نُفوساً في رَداها تُستشارُ

وكنت السّيفَ قائمهُ إليها ... وفي الأعْداء حدُّك والغِرار

وظلّ الطّعنُ في الخيْلَين خَلساً ... كأنّ الموتَ بينهمُ اختصارُ

مضوْا مُتسابقي الأعضاء فيه ... لأرؤسِهمْ بأرجُلِهم عِثار

إذا صرفَ النهارُ الضّوءَ عنهم ... دَجا ليلان: ليلٌ والغُبار

وإن جُنحُ الظلامِ انجابَ عنهمْ ... أضاءَ المشرفيّة والنهارُ

إذا فاتوا الرِّماح تناولتْهم ... بأرماحٍ من العطشِ القِفارُ

يرون الموتَ قُدّاماً وخلْفاً ... فيختارون والموتُ اضطِرارُ

إذا سلك السّماوةَ غير هادٍ ... فقتْلاهُمْ لعينيْهِ منارُ

فمن طلب الطِّعان فذا عليٌ ... وخيلُ الله والأسَلُ الحِرارُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 102

يراه الناسُ حيثُ رأتْه كعْبٌ ... بأرضٍ ما لنازِلها استِتارُ

بنو كعْبٍ وما أثّرْتَ فيهم ... يدٌ لم يُدْمِها إلا السِّوارُ

بها من قطْعه ألمٌ ونقْصٌ ... وفيها من جلالَتِه افتِخارُ

لهم حقٌ بشِركِك في نِزارٍ ... وأدنى الشِّرْكِ في نسبٍ جِوارُ

لعلّ بنيهُمُ لبَنيكَ جُندٌ ... فأوّل قُرَّحِ الخيلِ المِهارُ

وقوله:

نزَلوا في مصارِعٍ عرفوها ... يندُبون الأعمام والأخوالا

تحمِلُ الريح بينهم شعَرَ الها ... مِ وتُذري عليهمُ الأوصالا

تُنذِر الجسمَ أن يُقيم لديْها ... وتُريه لكلّ عُضْو مِثالا

أبصَروا الطّعْن في القُلوب دِراكا ... قبل أن يُبصِروا الرّماح خَيالا

ينفُض الرّوْعُ أيدِياً ليس تدري ... أسُيوفاً حملْن أم أغْلالا

وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ ... طلب الطّعْنَ وحْدَه والنِّزالا

إنّ دون التي على الدّرْب والأحْ ... دَبِ والنّهرِ مِخلَطاً مِزْيالا

غَصَبَ الدّهرَ والمُلوكَ عليها ... وبَناها في وجْنةِ الدّهرِ خالا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 103

إنما أنفُسُ الأنيس سِباعٌ ... يتفارسْن جهْرةً واغتِيالا

من أطاقَ التِماس شيءٍ غِلاباً ... واغتِصاباً لم يلتمِسْهُ سؤالا

وقوله:

قادَ الجيادَ الى الطِّعان ولم يقُدْ ... إلا الى العادات والأوطانِ

إن خُليَتْ رُبطَتْ بآدابِ الوغى ... فدعاؤها يُغني عن الأرْسانِ

في جحْفَل ستَر العيونَ غُبارُه ... فكأنّما يُبصِرْن بالآذانِ

يرْمي بها البلدَ البعيد مظفّرٌ ... كلُّ العبيد له قريبٌ دانِ

حتى عبرْن بأرسَناسَ سَوابحاً ... ينشُرنَ فيه عَمائِمَ الفُرسانِ

يقمُصنَ في مثل المُدى من باردٍ ... يذَرُ الفُحولَ وهنّ كالخِصيان

بحرٌ تعوّد أو يُذمُّ لأهلِه ... من دهْره وطوارِقِ الحِدثانِ

فتركتَه وإذا أذَمّ من الوَرى ... راعاكَ واستَثْنى بني حمْدانِ

نظروا الى زُبَرِ الحديد كأنما ... يصعدْن بين مناكِبِ العِقْبانِ

وفوارِسٍ يُحيي الحِمامُ نفوسَها ... فكأنها ليست من الحيوانِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 104

مازِلتَ تضربُهم دِراكاً في الذُرى ... ضرْباً كأنّ السيف فيه اثنانِ

خصّ الجماجمَ والوجوهَ كأنّما ... جاءتْ إليك جسومُهم بأمانِ

وقوله:

لو كلّتِ الخيلُ حتى لا تحمّلُه ... تحمّلَتْه الى أعدائه الهِمَمُ

يحُبٌ تمرّ بحِصن الرّانِ مُمسكةً ... وما بها البُخلُ لولا أنها نِقمُ

وشُزّبٍ أحمت الشِّعرَى شكائمها ... ووسّمتْها على آنافِها الحكَمُ

ترمي على شفَراتِ الباتِراتِ بهم ... مكامِنُ الأرض والغيطانُ والأكَمُ

وما يصدُّك عن بحرٍ لهم سَعةٌ ... وما يردّك عن طوْدٍ لهم شمَمُ

ضربْتَه بصدورِ الخيلِ حاملةً ... قوماً إذا تلِفوا قُدْماً فقد سلِموا

وفيها:

هنديةٌ إن تصغِّرْ معشَراً صَغُروا ... بحدِّها أو تعظِّمْ معْشَراً عظُموا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 105

قاسَمتَها تلَّ بِطريقٍ فكان لها ... أبطالُها ولك الأطفالُ والحُرَم

وقد تمنّوا غَداةَ الدّرْب في لجَبٍ ... أن يُبصروك فلمّا أبصروك عَموا

فكان أثبتَ ما فيهم جُسومُهُم ... يسقُطنَ حولكَ والأرواحُ تنهزِمُ

إذا توافقتِ الضّرْبات صاعدةً ... توافقتْ قُلَلٌ في الجوّ تصطدِمُ

لا يأمَلُ النفَسَ الأقصى لمُهجتِه ... فيسرِق النّفَسَ الأدنى ويغتنِمُ

ألقَتْ إليك دِماءُ الرومِ طاعتَها ... فلو دعوْت بلا ضرْبٍ أجابَ دمُ

يُسابقُ القتلُ فيهم كلّ حادثة ... فما يُصيبهُم موتٌ ولا هرَمُ

ألهى الممالكَ عن فخرٍ قفلْتَ به ... شُرْبُ المُدامةِ والأوتارُ والنّغمُ

مقلَّداً فوقَ شُكَّرِ الله ذا شُطَب ... لا تُستَدامُ بأمضى منهما النِّعمُ

وقوله:

يا أعدلَ الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصمُ والحكمُ

إذا رأيت نيوبَ الليثِ بارزةً ... فلا تظنّنّ أن الليثَ يبتسمُ

ومهجةٍ مُهجتي من همِّ صاحبِها ... أدركتُها بجوادٍ ظهرُه حرمُ

رجلاه في الركضِ رِجْلٌ واليَدان يدٌ ... وفعلُه ما تُريدُ الكفُّ والقدَمُ

يا من يعزّ علينا أن نفارقهمْ ... وِجدانُنا كل شيء بعدَكم عدمُ

ما كان أخلقَنا منك بتكرِمةٍ ... لو أنّ أمرَكمُ من أمرِنا أمَمُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 106

إن كان سرّكمُ ما قال حاسِدُنا ... فما لجُرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ

وبيننا لو رعيتُم ذاك معرفةٌ ... إنّ المعارِف في أهل النُهى ذمَمُ

ما أبعدَ العيبَ والنُقصانَ من شيَمي ... أنا الثُريّا وذانِ الشّيبُ والهرمُ

ليتَ الغَمامَ الذي عندي صواعقُه ... يُزيلهنّ الى مَنْ عندَه الدِّيَمُ

شرّ البلادِ مكانٌ لا صديقَ به ... وشرّ ما يكسِبُ الإنسان ما يصِمُ

وشرّ ما قنصَتْه راحتي قنَصٌ ... شُهْبُ البُزاةِ سواءٌ فيه والرّحَمُ

ويقول:

الناسُ ما لم يروك أشباه ... والدهرُ لفظٌ وأنت معناهُ

والجودُ عينٌ وأنت ناظرها ... والبأس باعٌ وأنت يُمناهُ

تُنشدُ أثوابُنا مدائِحَه ... بألسُنٍ ما لهنّ أفواهُ

إذا مررنا على الأصمِّ بها ... أغنَتْه عن مِسمَعَيْه عيناهُ

يا راحِلاً كلّ من يودِّعُه ... مودِّعٌ دينَه ودُنياهُ

إن كان فيما نراه من كرَمٍ ... فيكَ مزيدٌ، فزادَك اللهُ

وقوله:

وفارسُ الخيل من خفّت فوقّرها ... في الدّرب والدمُ في أعطافِها دُفَعُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 107

فأوحَدَته وما في قلبِه قلقٌ ... وأغضبتْه وما في لفظِه قذَعُ

قاد المقانِبَ أقصى شُربِها نهَلٌ ... على الشّكيم وأدنى سيرِها سرَعُ

لا يعتَقي بلدٌ مسراهُ عن بلدٍ ... كاموتِ ليس له ريٌّ ولا شِبعُ

يطمِّع الطيرَ فيهم طول أكلِهم ... حتى تكادَ على أحيائِهم تقعُ

ذمّ الدُمُستُق عينيه وقد طلعت ... سودُ الغَمام فظنّوا أنها قزَعُ

فيها الكُماة التي مفطومُها رجلٌ ... على الجياد التي حوليُّها جذَعُ

كأنها تتلقهم لتسلُكهم ... فالطّعن يفتح في الأجواف ما تسُع

إذا دعا العِلْجُ عِلجاً حال بينهُما ... أظْمى تُفارِق منه أختَها الضِّلَعُ

لا تحسبوا من أسرْتُم كان ذا رمَقٍ ... فليس يأكلُ إلا الميتةَ الضَّبُعُ

وإنما عرّض الله الجنودَ بكم ... لكي يكونوا بلا فسْل إذا رجعوا

وهل يشينُك وقتٌ أنت فارسُه ... وكان غيرُك فيه العاجزُ الضّرعُ

من كان فوق محلِّ الشمسِ موضعُه ... فليس يرفعُه شيءٌ ولا يضعُ

لا يُسلمُ الكرّ في الأعقابِ مهجتَه ... إن كان أسلمَها الأصحابُ والشِّيَعُ

وما حمِدتُك في هوْلٍ ثبتّ له ... حتى بلوتُك والأبطالُ تمتَصِعُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 108

فقد يُظنّ شُجاعاً من به خرَقٌ ... وقد يُظنّ جباناً من به زمَعُ

وقوله:

خليليّ إني لا أرى غير شاعرٍ ... فلِمْ منهمُ الدّعوى ومنّي القصائدُ

فلا تعجَبا إن السيوفَ كثيرةٌ ... ولكنّ سيفَ الدولة اليوم واحدُ

له من كريم الطبع في الحرب منتضٍ ... ومن عادةِ الإحسانِ والصّفحِ غامدُ

ولما رأيتُ الناس دون محلّه ... تيقنت أن الدهر للناس ناقدُ

ومن شرفِ الإقدامِ أنّك فيهم ... على القتل موموقٌ كأنّك شاكِدُ

وأنّ دماً أجريتَه بك فاخِرٌ ... وأنّ فؤاداً رُعْتَه لكَ حامِدُ

وكلٌ يرى طُرْقَ الشجاعة والنّدى ... ولكنّ طبعَ النفس للنّفس قائِدُ

نهبْتَ من الأعمار ما لو حويْتَه ... لهُنِّئتِ الدُنيا بأنّك خالدُ

وقوله - يرثي عبداً لسيف الدولة:

ومن سرّ أهل الأرض ثم بكى أسًى ... بكى بعيونٍ سرّها وقُلوبِ

سُبِقنا الى الدنيا فلو عاش أهلُها ... منِعْنا بها من جيئَةٍ وذهوبِ

وأوفى حياةِ الغابرين لصاحِبٍ ... حياةُ امرئٍ خانتْه بعد مَشيبِ

وفيها:

فإن يكنِ العِلقَ النفيسَ فقدتَه ... فمن كفِّ مِتلافٍ أغرّ وَهوبِ

كأنّ الرّدى عادٍ على كلّ ماجدٍ ... إذا لم يعوِّذْ مجدَه بعُيوبِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 109

ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفَلْنا فلم نشعُر له بذُنوبِ

تسَلّ بفِكرٍ في أبيك فإنما ... بكيتَ وكان الضّحكُ بعدَ قريبِ

وقوله:

نزلنا عنِ الأكوارِ نمشي كرامةً ... لمن بان عنهُ أن نُلمّ به ركْبا

نذمّ السّحابَ الغرَّ في فعلِها به ... ونُعرِضُ عنها كلّما طلعتْ عتْبا

ومن صحِبَ الدُنيا طويلاً تقلّبتْ ... على عينِه حتى يرى صدقَها كِذبا

ذكرتُ به وصْلاً كأنْ لم أفُز به ... وعيشاً كأني كنتُ أقطعُه نهْبا

وقوله فيها:

مضى بعد ما التفّ الرِّماحان ساعةً ... كما يتلقّى الهُدْب في الرّقْدةِ الهُدْبا

ولكنه ولّى وللطّعْن سَورةٌ ... إذا ذكرتْها نفسُه لمسَ الجَنْبا

أرى كلَّنا يبغي الحياةَ بسعيهِ ... حريصاً عليها مُستَهاماً بها صبّا

فحبّ الجبانِ النّفسَ أوردَهُ التُقى ... وحبّ الشُجاعِ النفسَ أوردهُ الحرْبا

ويختلف الرّزقانِ والفعلُ واحدٌ ... الى أن يُرى إحسانُ هذا لِذا ذنْبا

وفيها:

ولم نفترِقْ عنه الإسنّة رحمةً ... ولم يترُكِ الشامَ الأعادي له حُبّا

ولكنْ نَفاها عنهُ غيرَ كريمةٍ ... كريمُ الثنا ما سُبّ قطّ ولا سَبّا

وجيشٌ يُثنّي كل طوْد كأنّه ... خريقُ رياحٍ واجهتْ غُصُناً رطْبا

كأنّ نجومَ الليلِ خافتْ مُغارَه ... فمدّتْ عليه من عجاجتهِ حُجْبا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 110

ويقول - يذكر رسول صاحب الروم:

رأى ملكُ الروم ارتياحَك للنّدى ... فقامَ مقام المُجتَدي المتملّقِ

وخلّى الرماحَ السّمهريّة صاغراً ... لأدْربَ منه بالطّعانِ وأحذَقِ

وكاتبَ من أرض بعيدٍ مرامُها ... قريبٍ على خيلٍ حوالَيك سُبَّقِ

وقد سار في مسْراك منها رسولُه ... فما سار إلا فوقَ هامٍ مفلَّقِ

وكنتَ إذا كاتبتَه قبل هذه ... كتبتَ إليه في قَذال الدُمُستُقِ

وهل ترك البيضُ الصّوارم منهمُ ... حبيساً لفادٍ أو رفيقاً لمُعتِقِ

وقوله:

فلوْ خُلِق الناس من دهرِهم ... لكانوا الظّلامَ وكنتَ النّهارا

أشدّهُم في النّدى هِزّة ... وأبعدُهُم في عُدوٍّ مُغارا

سما بك همّي فوق الهُمومِ ... فلستُ أعدّ يَساراً يسارا

ومن كنتَ بحْراً له يا عل ... يّ فلم يقبَلِ الدُرَّ إلا كِبارا

وعندي لك الشُرَّدُ السّائرا ... تُ لا يختصِصْنَ من الأرضِ دارا

وكنّ إذا سِرْن من مِقوَلي ... وثبْنَ الجِبالَ وخُضْنَ البِحارا

وقوله: 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 111

ورُعْن بنا قلبَ الفراتِ كأنّما ... تخِرّ عليهِ بالرّجالِ سُيولُ

يطارِدُ فيه موجَهُ كلّ سابحٍ ... سَواءٌ عليه غمرةٌ ومسيلُ

تراه كأنّ الماءَ مرّ بجسمِه ... وأقبلَ رأسٌ وحدَه وتَليلُ

تمَلُّ الحصونُ الشُمّ طولَ نِزالِنا ... فتُلقي إلينا أهلَها وتَزولُ

ولما رأوه وحدَه قبلَ جيشِه ... درَوا أنّ كلّ العالمينَ فُضولُ

فودّع قتْلاهُم وشيّع فلّهمْ ... بضرْبٍ حُزونُ الأرضِ فيه سُهولُ

وإنا لنَلْقى الحادِثاتِ بأنفُسٍ ... كثيرُ الرّزايا عندَهنّ قليلُ

وفيها:

شريكُ المنايا والنّفوسُ غنيمةٌ ... فكلّ مماتٍ لم يُمِتْهُ غُلولُ

فإنْ تكنِ الدّوْلاتُ قِسماً فإنها ... لمَنْ باشَر الموتَ الزّؤامَ تَدولُ

لمَنْ هوّن الدُنيا على النّفسِ ساعةً ... وللبيضِ في هام الكُماةِ صَليلُ

وقوله:

أيدْري ما أرابكَ من يُريب ... وهل ترْقى الى الفلكِ الخطوبُ

يجشِّمُك الزمانُ هوًى وحُباً ... وقد يؤذَى من المِقَة الحبيبُ

وكيف تعِلّك الدُنيا بشيء ... وأنت لعلّةِ الدنيا طَبيبُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 112

وكيف تنوبُك الشّكوى بداءٍ ... وأنت المُستَغاثُ لِما ينوبُ

ملِلْتَ مُقامَ يومٍ ليس فيه ... طِعانٌ صادِقٌ ودمٌ صَبيبُ

وما بك غير حُبِّك أن تراها ... وعِثْيَرُها لأرجُلها جَنيبُ

مجلّحَةً لها أرضُ الأعادي ... وللسُمْر المناحِرُ والجُنوبُ

وقوله:

المجدُ عوفيَ إذ عوفيتَ والكرَمُ ... وزال عنك الى أعدائك الألمُ

صحّتْ بصحّتِك الغاراتُ وابتهجتْ ... بها المكارِمُ وانهلّتْ بها الديَمُ

ولاح برقُك لي من عارضَي ملِكٍ ... ما يسقُطُ الغيثُ إلا حيث يبتسِمُ

وما أخصّك في بُرء بتهنئَةٍ ... إذا سلِمْت فكل الناسِ قد سلِموا

وقوله:

ما الدّهر عندكَ إلا روضةٌ أُنُفٌ ... يا مَن شمائلُه في دهرِه زهَرُ

ما ينتهي لك في أيامِه كرَمٌ ... فلا انتهى لك في أعوامِه عُمرُ

فإنّ حظّك من تكرارِها شرَفٌ ... وحظَّ غيرِك منهُ الشّيبُ والكبَرُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 113

وقوله يذكر رسول صاحب الروم:

وأنّى اهتدى هذا الرسولُ بأرضِه ... وما سكنَتْ مذْ سِرْتَ فيها القساطِلُ

ومن أيِّ ماءٍ كان يسقي جيادَهُ ... ولم تصْفُ من مزْجِ الدماءِ المناهِلُ

أتاك يكادُ الرأسُ يجحَدُ عُنقَه ... وتنقدُّ تحت الدِّرْعِ منه المفاصِلُ

فما بلّغَتْه ما أراد كَرامةٌ ... عليكَ ولكن لم يخِبْ لك سائل

وأكبَرَ منه همّةً بعثَتْ به ... إليك العِدى واستنظَرتْهُ الجحافلُ

فأقبلَ من أصحابه وهْو مُرسَلٌ ... وعاد الى أصحابه وهو عاذِلُ

إذا عاينتْك الرُسْلُ هانت نفوسُها ... عليها وما جاءت به والمُراسِلُ

وقد زعموا أنّ النجومَ خوالِدٌ ... ولو حاربَتْه ناحَ فيها الثّواكِلُ

وما كان أدناه له لو أرادَها ... وألطَفَها لو أنّه المُتناوِلُ

وقوله:

طلبتَهم على الأمواه حتى ... تخوّفَ أن تُفتّشهُ السّحابُ

وتسأل عنهم الفلَواتِ حتى ... أجابكَ بعضُها وهُم الجوابُ

إذا ماسِرْتَ في آثار قومٍ ... تخاذلَتِ الجماجِم والرِّقابُ

ولو غيرُ الأمير غَزا كِلاباً ... ثناهُ عن شموسِهمُ ضَبابُ

ولاقى دون ثايهمُ طِعاناً ... يُلاقي عنده الذئبَ الغُرابُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 114

وخيلً تغتذي ريحَ الموامي ... ويكفيها من الماءِ السّرابُ

ويقول:

هلِ الحدَثُ الحمْراءُ تعرِفُ لونَها ... وتعلمُ أيُّ السّاقيَينِ الغمائمُ

سقَتْها الغمامُ الغُرُّ قبل نُزولِه ... فلما دنا منها سقتْها الجماجِمُ

وكان بها مثلُ الجُنونِ فأصبحَتْ ... ومن جُثثِ القتْلى عليه تَمئمُ

طريدةُ دهْرٍ ساقَه فرددْتَها ... على الدّين بالخطّيِّ والدّهرُ راغِمُ

تُفيتُ اللّيالي كل شيء أخذتَه ... وهنّ لما يأخُذن منك غوارِمُ

أتوك يجرّون الحديدَ كأنّهم ... سَروا بجِيادٍ ما لهنّ قوائمُ

وقفتَ وما في الموت شكٌ لواقفٍ ... كأنك في جفْنِ الرّدى وهو نائمُ

تمرّ بك الأبطالُ كلمى هزيمةً ... ووجهُك وضّاحٌ وثغرُك باسمُ

ضممت جناحيهم الى القلب ضمّةً ... تموت الخوافي تحتها والقوادِمُ

بضرْبٍ أتى الهاماتِ والنّصرُ غائبٌ ... وصار الى اللّبّات والنصرُ قادِمُ

وقوله:

ودانت له الدُنيا فأصبح جالساً ... وأيامُه فيما يُريدُ قيامُ

وكل أناسٍ يتبعون إمامَهُم ... وأنتلأهلِ المكرُماتِ إمامُ

ورُبّ جوابٍ عن كتابٍ بعثْتَه ... وعُنوانُه للناظِرينَ قَتامُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 115

تضيقُ به البيداءُ من قبل نشرِه ... وما فُضَّ بالبيداءِ عنه ختامُ

وربّوا لك الأولادَ حتى أصبْتَها ... وقد كعبَتْ بنتٌ وشبّ غُلمُ

جرى معك الجارون حتى إذا انتهَوا ... الى الغاية القُصوى جريْتَ وقاموا

وقوله:

للنّفسِ أخلاقٌ تدلّ على الفتى ... أكان سخاءً ما أتى أم تساخِيا

خُلقْتُ أَلوفاً لو رحلْتُ الى الصِّبا ... لَفارَقْتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكِيا

فإنّ دموعَ العين غُدرٌ بربِّها ... إذا كنّ إثْرَ الغادِرين جوارِيا

وجُرْداً مددْنا بين آذانِها القَنا ... فبتْن خِفافاً يتّبعْن العَواليا

تماشى بأيْدٍ كلّما وافَتِ الصّفا ... نقشْن به صدْر البُزاةِ حوافِيا

وتنظُر من سودٍ صوادِقَ في الدُجى ... يرَينَ بعيداتِ الشُخوص كما هِيا

وتنصِبُ للجَرسِ الخفيّ سوامعاً ... يخلنَ مُناجاة الضّمير تنادِيا

تجاذِبُ فرسانَ الصّباح أعنّةً ... كأنّ على الأعناقِ منها أفاعِيا

قواصِدَ كافورٍ توارِك غيرِه ... ومنْ قصد البحرَ استقلّ السّواقِيا

فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانِه ... وخلّتْ بَياضاً خلفَها ومآقِيا

نحوز عليها المُحسنين الى الذي ... نرى عندَهم إحسانَهُ والأيادِيا

وقوله:

وما زال أهلُ الدهر يشتبهون لي ... إليك فلما لُحتَ لي لاح فَردُهُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 116

يُقال إذا أبصَرْتَ جيشاً وربّه ... أمامكَ ربٌ ربُّ ذا الجيش عبدُهُ

وألقى الفمَ الضّحّاكَ أعلمُ أنّه ... قريبٌ بذي الكفّ المفدّاةِ عهدُهُ

فكُنْ في اصطِناعي مُحسِناً كمجرِّبٍ ... يبنِ لك تقريبُ الجوادِ وشدُّهُ

وما الصّارمُ الهنديُّ إلا كغيرِه ... إذا لم يُفارِقهُ النِّجادُ وغمدُهُ

فإنك ما مرّ النّحوسُ بكوكبٍ ... وقابلْتَه إلا ووجهُك سعدُهُ

وقوله:

إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءَتْ ظُنونُه ... وصدّقَ ما يعتادُه من توهّمِ

وعادى محبّيهِ بقوْل عُداتِه ... وأصبحَ في ليلٍ من الشّكّ مظلِمِ

أُصادِقُ نفسَ المرءِ من قبلِ جسمِه ... وأعرِفها في فعلِه والتكلّمِ

وما كل هاوٍ للجميل بفاعِلٍ ... ولا كلّ فعّالٍ له بمتمِّمِ

وأبلجَ يعصي باختِصاصي مُشيرَهُ ... عصيْتُ بقصْديهِ مُشيري ولوّمي

فساقَ إليّ العُرفَ غير مكدَّرٍ ... وسُقْتُ إليه الشُكْرَ غير مجمْجَمِ

فأحسَنُ وجْهٍ في الوَرى وجهُ مُحسنٍ ... وأيمَنُ كفٍّ فيهمُ كفُّ مُنعِمِ

ولو كنت أدري كم حَياتي قسمتُها ... وصيّرتُ ثُلثَيْها انتظارَك فاعْلَمِ

وقوله:

أما تغلَطُ الأيامُ فيّ بأنْ أرى ... بغيضاً تُنائي أو حبيباً تقرِّبُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 117

ويومٍ كليلِ العاشقينَ كمنْتُه ... أراقبُ فيه الشمسَ أيّانَ تغرُبُ

وعيني الى أذنَيْ أغرَّ كأنّه ... من الليلِ باقٍ بين عينيْه كوكبُ

له فضلةٌ عن جسمِه في إهابه ... تجيءُ على صدرٍ رحيبٍ وتذهَبُ

شققْتُ به الظّلماءَ أُدْني عِنانَه ... فيَطْغى وأُرخيهِ مِراراً فيلعَبُ

وأصرَعُ أيّ الوحشِ قفَّيتُه به ... وأنزِلُ عنه مثلَه حين أركَبُ

وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ ... وإن كثُرَتْ في عينِ من لا يجرِّبُ

إذا لم تُشاهِدْ غيرَ حُسنِ شياتِها ... وأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مغيَّبُ

وفيها:

يُريد بك الحُسّاد ما اللهُ دافِعٌ ... وسُمرُ العوالي والحديدُ المذرَّبُ

إذا طلبوا جدْواكَ أُعطوا وحُكِّموا ... وإن طلبوا المجْدَ الذي فيك خُيبوا

ولو جاز أن يحْووا عُلاك وهبْتَها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهَبُ

وأظلَمُ أهلِ الظُلمِ من بات حاسداً ... لمَنْ بات في نَعمائه يتقلّبُ

ويُغنيكَ عمّا ينسُب الناسُ أنه ... إليك تناهَى المكرُماتُ وتنسَبُ

وتعذُلُني فيكَ القوافي وهمّتي ... كأني بمدْح قبلَ مدحِكَ مذنِبُ

وقوله:

رأيتُكم لا يصونُ العِرضَ جارُكُم ... ولا يدِرُّ على مرْعاكُم اللبَنُ

جزاءُ كلِّ قريبٍ منكُم ملَلٌ ... وحظُّ كل محِبٍ منكُمُ ضغَنُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 118

وتغضبون على من نال رِفدَكُمُ ... حتى يعاقبَهُ التنْغيصُ والمِنَنُ

فغادرَ الهجْرُ ما بيني وبينكُمُ ... يهْماء تكذِبُ فيها العينَ والأذُنُ

تحْبو الرّواسمُ من بعدِ الرّسيم بها ... وتسألُ الأرض عن أخفافِها الثّفِن

سهرتُ بعد رحيلي وحشةً لكُم ... ثم استمرّ مريري وارعَوَى الوسنُ

وإن بُليت بودٍّ مثلِ ودِّكُمُ ... فإنني بفِراقٍ مثلِه قمِنُ

وقوله:

برغم شَبيبٍ فارقَ السيفَ كفُّه ... وكانا على العِلاّت يصطحبان

كأنّ رقابَ الناسِ قالت لسيفِه ... رفيقُك قيسيٌ وأنت يماني

وهل ينفعُ الجيشَ الكثيرَ التفافُهُ ... على غيرِ منصورٍ وغيرِ مُعانِ

ثنى يدَه الإحسانُ حتى كأنّها ... وقد قُبضَتْ كانت بغيرِ بَنانِ

وقوله:

عُيون رواحلي إن حِرتُ عيني ... وكلّ بُغامِ رازِحةٍ بفغامي

فقد أرِدُ المياهَ بغيرِ هادٍ ... سوى عدّي لها برْقَ الغَمامِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 119

ولما صارَ ودُّ الناسِ خِبّاً ... جزَيتُ على ابتِسامٍ بابتِسامِ

وصرتُ أشكّ فيمَن أصطَفيه ... لعِلمي أنّه بعضُ الأنامِ

أرى الأجداد تغلِبُها كثيراً ... على الأولادِ أخلاقُ اللّئامِ

وقوله:

وزائِرتي كأنّ بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلامِ

بذلْتُ لها المطارِفَ والحشايا ... فعافتْها وباتت في عِظامي

يضيقُ الجِلدُ عن نفسي وعنها ... فتوسِعهُ بأنواعِ السّقامِ

إذا ما فارقَتْني غسّلَتْني ... كأنّا عاكِفانِ على حرامِ

كأنّ الصُبحَ يطردُها فتجري ... مدامِعُها بأربعةٍ سِجامِ

أراقِبُ وقتَها من غيرِ شوقٍ ... مُراقبةَ المَشوقِ المُستهام

ويصدُقُ وعدُها والصّدقُ شرٌ ... إذا ألْقاكَ في الكُرَبِ العِطام

ومنها:

ألا يا ليتَ شعرَ يدي أتمسي ... تصرّفُ في عِنانٍ أو زِمام

وهل أرمي هَواي براقصاتٍ ... مُحلاّةِ المقاودِ باللُغامِ

فربّتما شفيتُ غليلَ صدري ... بسيرٍ أو قناةٍ أو حُسامِ

وضاقتْ خطّةٌ فخلصْتُ منها ... خلاصَ الخمرِ من نسْجِ الفِدامِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 120

وفارقتُ الحبيبَ بلا وداعٍ ... وودّعتُ البِلادَ بِلا سلامِ

يقول ليَ الطّبيبُ أكلتَ شيئاً ... وداؤك في شرابِك والطعامِ

وما في طبِّه أني جوادٌ ... أضرَّ بجسمِه طولُ الجَمام

تعوّد أن يغبِّر في السّرايا ... ويدخُل من قَتامٍ في قتامِ

فأُمسِكَ لا يُطالُ له فيرْعَى ... ولا هو في العَليقِ ولا اللّجامِ

فإنْ أمرَضْ فما مرِضَ اصطِباري ... وإن أُحْمَم فما حُم اعتِزامي

وإنْ أسلَمْ فما أبقى ولكنْ ... سلِمْتُ من الحِمام الى الحِمامِ

وهذه القصيدة كلّها مختارة؛ لا يعلمُ لأحدٍ في معناها مثلُهوالأبياتُ التي وصف فيها الحمى أفراد، وقد اخترع أكثر معانيها، وسهل في ألفاظها؛ فجاءت مطبوعةً مصنوعةوهذا القسمُ من الشعر هو المطمِع المؤيس.

وقد أحسن عبد الصّمد بن المعذَّل في قصيدته الرائية التي وصف فيها الحمَّى، وقصر في الضادية وفي مقاطيع له في وصفها، وكأن أبا الطيب قصد تنكُّب معانيه فلم يُلِمّبشيء منها؛ قال عبد الصّمد:

وبنْت المنيّةِ تنْتابُني ... هَدوّاً وتطرُقُني سفحْرَه

إذا وردَتْ لم يدَعْ وِرْدَها ... عن القلب حجبٌ ولا سُتْرَه

كأنّ له ضَرماًفي الحشى ... وفي كل عُضوٍ لها جمْرَه

إذا لم تَرُحْ أصلاً في العشيّ ... فأقصى مواعِدها بُكْره 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 121

لها قُدرةٌ في جسومِ الأنام ... حَباها اللهُ ذو القُدره

تغاليت باسم سواها لها ... كأن ليس لي باسمها خُبرَه

فَطَوراً ألقّبها سُخنةً ... وطَوراً ألقّبها فتْرهْ

أسائل أهيَ عن سُخنتي ... وأمنحهم نظرةً نظرَه

فأجزعُ إن قيل لي حُمرة ... وأُشفِق إن قيلَ لي صُفره

وصرت إذا جُعتُ يوماً ظللت ... كأنّ على كبدي شفرَه

ويربو الطّحال إذا ما شبعت ... فتعلو الترائب والصُدره

فأُمسي كأني من معدتي ... لبستُ الثيابَ على زُكرَه

إذا ما رأيتُ امرأ مطلقاً ... له الأكل تخنقني العَبره

كأني في منزلي مُخصِباً ... ببلقَعةٍ جدْبَة قَفره

فأحسن وأجاد، وملح واتسع، وأنت - إذا قِست أبيات أبي الطيب بها على قصَرها، وقابلت اللفظ باللفظ، والمعنى بالمعنى، وكنت من أهل البصر، وكان لك حظٌ في النقدتبينت الفاضل من الفضولفأما أنا فأكرهُ أن أبتّ حُكماً أو أفضّل قضاء، أو أدخل بين هذين الفاضلين، وكلاهما مُحسِن مصيب.

وقوله:

تسوِّد الشّمسُ منّا بيضَ أوجهِنا ... ولا تسوّدُ بيضَ العذر واللّمَم 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 122

وكان حالُهما في الحُكم واحدةً ... لوِ احْتكمنا من الدنيا الى حكَمِ

طردْتُ من مصرَ أيديها بأرجُلِها ... حتى مرقْن بنا من جوْشَ والعلَمِ

في غِلمةٍ أخطرُوا أرواحَهم ورَضوا ... بما لقينَ رِضا الأيْسار بالزّلَمِ

حتى رجَعتُ وأقلامي قوائلُ لي ... المجدُ للسيفِ ليسَ المجدُ للقلَم

اكتُب بنا أبداً بعد الكِتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدَمِ

منِ اقتضى بسوى الهِنديّ حاجتَهُ ... أجابَ كلّ سؤالٍ عن هلٍ بلَمِ

توهّم القومُ أنّ العجزَ قرّبنا ... وفي التّقرُّب ما يدْعو الى التُهَمِ

ولم تزَلْ قلةُ الإنصافِ قاطعةً ... بين الرجالِ وإن كانوا ذوي رحِم

فلا زيارَة إلا أن تزورَهُم ... أيْدٍ نشأنَ مع المصْقولَة الخُذُم

صُنّا قوائمها عنهمْ فما وقعتْ ... مواقعَ اللؤْم في الأيدي ولا الكزَمِ

هوِّنْ على بصرٍ ما شقّ منظرُه ... فإنما يقظتُ العينِ كالحُلُمِ

ولا تشَكَّ الى خلْقٍ فتُشمِتَه ... شكْوى الجريح الى الغِرْبان والرّخَم

وقوله: 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 123

تزاحَم الجيشُ حتى لم يجِد سبباً ... الى بساطِك لي سمْعٌ ولا بصرُ

فكنت أشهدَ مُختصٍّ وأغيَبَهُ ... مُعايَناً وعِياني كلّه خبَرُ

وقوله:

إنْ ترَيْني أدُمْتُ بعدَ بَياضٍ ... فحَميدٌ من القناةِ الذبولُ

صحبَتْني على الفَلاةِ فتاةٌ ... عادةُ اللّونِ عندها التّبديلُ

سترَتْكِ الحِجالُ عنها ولكنْ ... بكِ منها منَ اللّمى تقْبيلُ

وقوله:

أخو الحرْبِ يُخدِم مما سَبى ... قناهُ، ويخلَع مما سلَبْ

إذا حاز مالاً فقد حازَه ... فتًى لا يُسرُّ بما لا يهَبْ

وقد علِمَتْ خيلُه أنّه ... إذا همّ وهْو عليلٌ ركِبْ

أتاهُمْ بأوسَعَ من أرضِهِم ... طِوالَ السّبيب قِصارَ العُسُبْ

ولا تعبُرُ الرّيحُ في جوّه ... إذا لم تخَطّ القَنا أو تَئِبْ

وقوله - يصف السيف:

قلّدتني يمينُه بحُسامٍ ... أعقبَتْ منه واحداً أجدادُهْ

كلما استُلّ ضاحكَتْهُ إياةٌ ... تزعُم الشمسُ أنها أرآدُهْ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 124

مثّلوه في جفنِه خشيَةَ الفقْ ... دِ ففي مثلِ أثْرِهِ أغمادُه

مُنعَلٌ لا منَ الحَفا ذهباً يحْ ... مِلُ بحْراً فِرِنْدُهُ إزْبادُهْ

يَقسِمُ الفارِسَ المدجّجَ لا يسْ ... لَمُ من شفرَتَيْهِ إلا بِدادُهْ

جمَع الدّهرُ حدَّهُ ويدَيْه ... وثَنائِي فاستَجْمعتْ آحادُه

وقوله:

تبدِّل أيّامي وعيشي ومنزِلي ... نجائِبُ لا يُفكِرْن في النّحْس والسّعدِ

وأوجُهُ فِتيانٍ حياءً تلثّموا ... عليهنّ لا خوْفاً من الحرّ والبردِ

إذا لم تُجِزْهُم دارَ قومٍ مودّةٌ ... أجازَ القَنا والخوفُ خيرٌ من الوُدِّ

ومن يصْحَبِ اسم ابنِ العميدِ محمّدٍ ... يَسِرْ بين أنيابِ الأساوِدِ والأُسدِ

كفانا الرّبيعُ العِيسَ من برَكاتِه ... فجاءَتْه لم تسمَعْ حُداءً سوى الرّعدِ

كأنّا أرادتْ شُكرَنا الأرضُ عنده ... فلمْ يُخلِنا جوٌ هبطْناهُ من رِفْدِ

فتًى فاتَتِ العدْوى من الناس عينُه ... فما أرمدَتْ أجفانَه كثرةُ الرُّمْدِ

يغيِّرُ ألوانَ اللّيالي على العِدَى ... بمنشورَة الرّاياتِ منصورةِ الجُندِ

ومبثوثةً لا تُتّقى بطليعَةٍ ... ولا يفحتَمى منها بغوْرٍ ولا نجْدِ

يغِضْنَ إذا ما غِرْنَ في مُتفاقِدٍ ... منَ الكُثْر غانٍ بالبعيدِ عن الحشدِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 125

حثَتْ كلّ أرضِ تُربةً في غُبارِه ... فهنّ عليه كالطّرائِقِ في البُردِ

وقوله:

أروحُ وقد ختمْت على فؤادي ... بحبِّك أن يحُلّ بهِ سِواكا

لعلّ اللهَ يجعلُه رَحيلاً ... يُعينُ على الإقامةِ في ذَراكا

ولو أنّي استطعْتُ خفضْتُ طرْفي ... فلم أُبصِرْ به حتى أراكا

وكم طرِبِ المَسامِع ليس يدري ... أيعجَبُ من ثَنائي أم حُلاكا

وفي الأحبابِ مختَصٌ بوجدٍ ... وآخرُ يدّعي معهُ اشتِراكا

إذا اشتبهَتْ دموعٌ في خدودِ ... تبيّن مَن بكى ممّن تباكَى

وأيّا شِئْتِ يا طُرُقي فكوني ... أذاةً أو نَجاةً أو هلاكا

فلو سِرْنا وفي تَشرينَ خمسٌ ... رأوْني قبلَ أن يرَوا السِّماكا

وقوله:

وما زِلتُ أطوي القلبَ قبل اجتماعِنا ... على حاجةٍ بين السّنابِك والسُبْلِ

ولو لم تسِرْ سِرْنا إليكَ بأنفُسٍ ... غرائِبُ يؤْثِرن الجِيادَ على الأهلِ

وخيلٍ إذا مرّت بوحْشٍ وروضةٍ ... أبتْ رعْيَها إلا ومِرجَلُنا يغلي

وقوله: 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 126

قومٌ بُلوغُ الغُلام عندَهُمُ ... طعْنُ نُحورِ الكُماة لا الحُلُمُ

كأنّما يولَد النّدى معهمْ ... لا صِغَرٌ عاذِرٌ ولا هرَمُ

إذا تولّوا عَداوَةً كشَفوا ... وإنْ تولّوا صَنيعةً كتَموا

تظنّ من فقدِك اعتِدادَهُم ... أنهمُ أنْعَموا وما علِموا

إن برَقوا فالحُتوفُ حاضرةٌ ... أو نطَقوا فالصّواب والحِكَمُ

أو حلَفوا بالغَموسِ واجتَهدوا ... فقولهم: خاب سائِلي القسَمُ

أو ركِبوا الخيْلَ غير مُسرجةٍ ... فإنّ أفخاذَهُم لها حُزُمُ

أو شهِدوا الحربَ لاقِحاً أخذوا ... من مهَجِ الدّارِعين ما احْتَكموا

تُشرِقُ أعراضُهُم وأوجُهُهم ... كأنها في نفوسِهم شيَمُ

أعيذُكُمُ من صُروفِ دهرِكُمُ ... فإنّه في الكِرامِ متّهمُ

وقوله:

ملكٌ سِنانُ قناتِه وبنانُه ... يتبارَيان دماً وعُرْفاً ساكِبا

إنْ تلْقَه لا تلْقَ إلا جحْفَلاً ... أو قسطَلاً أو طاعِناً أو ضارِبا

وإذا نظرتَ الى السُهولِ رأيتَها ... تحت الجِبالِ فَوارِساً وجَنائِبا

وعَجاجةً تركَ الحديدُ سوادَها ... زِنجاً تبسّم أو قَذالاً شائِبا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 127

كالبحرِ يقذِفُ للقريبِ جواهِراً ... جُوداً ويبعثُ للبعيد سحائِبا

وقوله يصف كلباً:

فحلّ كلاّبي وثاقَ الأحبُلِ

عن أشدَقٍ مسَوجَرٍ مُسلسَلِ

مؤجّدِ الفِقرةِ رِخْوِ المفْصِلِ

لّ إذا أدْبَرَ لحْظُ المُقبِلِ

يعْدو إذا أحزَنَ عدْوَ المُسهلِ

يُقعي جلوسَ البدويّ المُصطَلي

بأربَعٍ مجدولَةٍ لم تُجدَلِ

فُتْلِ الأيادي رَبِذاتِ الأرجُلِ

آثارُها أمثالُها في الجندَلِ

يكادُ في الوثْبِ منَ التفتّلِ

يجمعُ بين متنِه والكلْكَلِ

وبين أعْلاهُ وبين الأسفَلِ

وقوله: 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 128

أغرُّ أعداؤهُ إذا سلِموا ... بالهرَبِ استكثروا الذي فعلوا

يُقبلُهُمْ وجهَ كل سابحةٍ ... أربَعُها قبلَ طرْفِها تصِلُ

جرْداءَ ملءَ الحِزامِ مُجفَرَةٍ ... تكون مثلَيْ عسيبها الخُصَلُ

إن أدبرَت قلت: لا تَليلَ لها ... أو أقبلت قلت: ما لها كفَلُ

سارٍ ولا قفْرَ في مواكِبهِ ... كأنّما كلّ سبْسَبٍ جبَلُ

إنّك من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دون أعمارِهم فقد بخِلوا

كتيبةٌ لستَ ربّها نفَلٌ ... وبلدَةٌ لستَ حلْيَها عطُلُ

ثم وصف خطأ الفاصِد فقال:

عُذرُ المَلومَينِ فيكَ أنّهُما ... آسٍ جبانٌ ومِبضَعٌ بطَلُ

مددْتَ في راحةِ الطّبيبِ يداً ... وما دَرى يُقطَعُ الأملُ

خامرَهُ إذ مددْتَها جزَعٌ ... كأنّ من حَذاقَةٍ عجِلُ

أبلَغُ ما يُطلَبُ النّجاحُ به الطّبْ ... عُ وعندَ التعمّقِ الزّللُ

وقوله:

سبقْتَ السّابقين فما تُجارَى ... وحاوَزْتَ العُلوّ فما تُعالَى 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 129

وأقسِم لو صلَحْت يمينَ شيء ... لما صلَح العِبادُ له شِمالا

أقلِّبُ منكَ طرْفي في سماء ... وإنْ طلعتْ كواكِبُها خِصالا

وقوله:

مَحكٌ إذا مطلَ الغَريمُ بدَيْنِه ... جعلَ الحُسامَ بما أرادَ كَفيلا

أعْدى الزّمانَ سخاؤهُ فسَخا به ... ولقدْ يكون بهِ الزّمانُ بَخيلا

ثم وصف الأسد فقال:

وقعتْ على الأُردُنِّ منه بَليّةٌ ... نضدَتْ بها هامَ الرِّفاق تُلولا

متخضِّبٌ بدمِ الفوارسِ لابسٌ ... في غيلهِ منْ لِبدتَيْهِ غِيلا

ما قوبلَتْ عيناهُ إلا ظُنّتا ... تحت الدُجى نارَ الفريق حُلولا

يَطأ الثّرى مترَفِّقاً من تِيهه ... فكأنّه آسٍ يجُسّ عَليلا

ويردّ غُفرَتَه الى يافوخِه ... حتى تَصيرَ لرأسهِ إكليلا

وتظنّه ممّا يزمْجِر نفسُه ... عنها بشدّةِ غيظهِ مشغولا

قصرَتْ مخافتُه الخُطى فكأنّما ... ركِب الكميُّ جوادَه مشْكولا

ألْقى فريستَهُ وبرْبرَ دونَها ... وقرُبْتَ قُرْباً خالَهُ تطْفيلا

فتشابَه الخُلُقان في إقدامِه ... وتخالَفا في بذْلِك المأكولا

أسدٌ يرى عُضوَيْه فيكَ كليْهما ... متْناً أزلّ وساعِداً مفْتولا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 130

في سرْجِ ظامِئَةِ الفُصوص طِمرّة ... يأبى تفرّدُها لها التّمثيلا

نيّالةِ الطّلِباتِ لوْلا أنّها ... تُعطي مكانَ لجامِها ما نِيلا

تنْدى سوالفُها إذا استحضرْتَها ... وتظنّ عقْدَ عِنانِها محْلولا

ما زالَ يجمَع نفسَه في زورِه ... حتى حسِبْتَ العرْضَ منه الطّولا

ويدقّ بالصّدْرِ الحِجارَ كأنّه ... يبغي الى ما في الحضيض سَبيلا

أنَفُ الكَريم منَ الدّنيّةِ تارِكٌ ... في عينِه العددَ الكثيرَ قَليلا

والعارُ مضّاضٌ، وليس بخائِفٍ ... من حتْفِه من خافَ ممّا قِيلا

قبضَتْ منيّتُه يديْهِ وعُنقَهُ ... فكأنّما صادَفْتَه مغلولا

ولولا أبياتُ البحتري في هذا المعنى لعددتُ هذه من أفراد أبي الطيب؛ لكن البحتري قال يصف قتْل الفتح بن خاقان أسداً عرَض له:

غَداةَ لقيتَ اللّيث والليثُ مُخدِرٌ ... يحدِّدُ ناباً للّقاءِ ومِخْلَبا

يحصِّنه من نهر نيزك مَعقِلٌ ... مَنيعٌ تسامَى غابُه وتأشّبا

إذا شاءَ غادَى عانة أو غَدا على ... عقائل سِرْبِ أو تقنّصَ ربْرَبا

يجرّ الى أشبالهِ كلّ شارقٍ ... عبيطاً مُدمًى أو رَميلاً مُخَضّبا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 131

فلم أر ضِرغاميْنِ أصدق منكما ... عِراكاً إذا الهيّابةُ النِّكْس كذَبا

هزَبرٌ مشَى يبغي هِزَبْراً وأغلبٌ ... من القومِ يغْشى باسِلَ الوجهِ أغْلبا

أذلّ بشَغْب ثم هالته صوْلَةٌ ... رآك لها أمضى جَناناً وأشْغَبا

فأحجَم لما لم يجدْ فيك مَطمَعاً ... وأقدَم لما لم يجدْ عنك مهْرَبا

حملتَ عليه السيفَ، لا عزمُك انثنى ... ولا يدُك ارتدّتْ ولا حدُّه نَبا

وكنتَ متى تجمَعْ يمينك تهتك الضْ ... ضَريبةَ أو لا تُبق للسيف مضْربا

فاستوفى المعنى، وأجاد في الصِّفة، ووصل الى المرادوأما أبو زبيد فإنما وصف خلْق الأسد وزئيره وجرأته وإقدامه، وكأنما هو مرعوب أو محذر، والفضل له على كل حال،لكن هذا غرضٌ لم يرُمْه، ومذهب لم يسلُكه.

وقوله:

نيطَتْ حمائِلُه بعاتِقِ محرَبٍ ... ما كرّ قطّ وهلْ يكُرّ وما انثنى

أمضى إرادَته فسوْف له قدٌ ... واستقْرَبَ الأقصى فثمّ لهُ هُنا

وقوله:

وجدْتُ المُدامةَ غلاّبَةً ... تُهيِّجُ للقلْبِ أشواقَهُ

تُسيءُ منَ المرء تأديبَه ... ولكنْ تحسِّنُ أخلاقَهُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 132

وأنفَسُ ما للفَتى لُبّهُ ... وذو اللُّبِّ يكرَهُ إنْفاقَهُ

وقد مُتّ أمسِ بها موتَةً ... ولا يشتَهي الموتَ مَن ذاقَهُ

وقوله:

قِرانٌ تلاقَى الصّلْتُ فيه وعامرٌ ... كما يتلاقَى الهُندُوانيّ والنّصرُ

فجاءَا به صلْتَ الجبينِ معظَّما ... ترى الناسَ قُلاًّ حولَه وهمُ كُثرُ

وما زلتُ حتى قادَني الشّوْق نحوَه ... يُسايرُني في كلّ ركْبٍ له ذِكرُ

وأستَكْبِرُ الأخبارَ قبلَ لِقائِه ... فلما التقَيْنا صغّر الخبرَ الخُبرُ

أزالَت بكَ الأيامُ عتْبي كأنما ... بَنوها لها ذنْبٌ وأنت له عُذرُ

وقوله:

وقَفنا كأنّا كلّ وجْدِ قُلوبِنا ... تمكّن من أذوادِنا في القوائمِ

ودُسنا بأخْفافِ المطيّ تُرابَها ... فلا زِلتُ أستشفي بلثْم المناسِمِ

ديارُ اللّواتي دارُهنّ عزيزةٌ ... بطولِ القَنا يُحفَظْنَ لا بالتّمائِمِ

حِسانُ التثنّي ينقُشُ الوشْيُ مثلهُ ... إذا مِسْنَ في أجسامهنّ النّواعِم

ويبسِمْن عن درّ تقلّدْن مثلَه ... كأنّ التّراقي وشِّحَت بالمَباسِم 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 133

من الحِلمِ أن تستعمِلَ الجهلُ دونَه ... إذا اتّسعتْ في الحِلمِ طُرْقُ المظالمِ

وأن ترِدَ الماءَ الذي شطرُه دمٌ ... فتسْقي إذا لم يسْقِ من لم يُزاحمِ

ومن عرَفَ الأيامَ معرفتي بها ... وبالنّاسِ روّى رمحَه غيرَ راحِم

وفيها:

وذي لجَبٍ لا ذو الجناحِ أمامه ... بتاجٍ، ولا الوحشُ المُثارُ بسالِم

تمرّ عليه الشمسُ وهْي كليلةٌ ... تُطالِعُه من بينِ ريشِ القَشاعِم

إذا ضوءُها لاقى من الطّيرِ فَرجةً ... تدوَّر فوق البيضِ مثلَ الدّراهمِ

أرى دون ما بين الفراتِ وبرْقةٍ ... ضِراباً يمشّي الخيلَ فوق الجماجمِ

وطعْنَ غطاريفٍ كأنّ أكفّهم ... عرفْن الرُدَينيّاتِ قبلَ المعاصِمِ

حمتْه على الأعداءِ من كلّ جانبٍ ... سُيوفُ بني طُغْجِ بنِ جُفِّ القَماقمِ

هُمُ المحسِنون الكَرّ في حومةِ الوَغى ... وأحسنُ منهُ كرّهُم في المكارمِ

ولولا احتِقارُ الأُسْدِ شبّهتهُم بها ... ولكنها معدودةٌ في البهائم 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 134

كريمٌ نفضْتُ الناسَ لمّا لقيتُه ... كأنهمُ ما جفّ من زادِ قادِم

وكاد سروري لا يَقي بنَدامتي ... على تركِه في عُمريَ المُتقادِم

وقوله:

وشامِخٍ منَ الجبالِ أقْوَدِ

فرْدٍ كيافوخِ البعيرِ الأصيَدِ

يُسارُ من مَضيقِه والجلْمَدِ

في مثلِ متْنث المسَدِ المعقّدِ

زُرْناهُ للأمرِ الذي لم يُعْهَدِ

للصّيدِ والنُزهةِ والتّمرّدِ

بكلّ مسْقيِّ الدّماءِ أسودِ

مُعاودٍ مقوّدٍ مقلَّدِ

كطالبِ الثأرِ وإن لم يحقِدِ

يقتُلُ ما يقتُلُه ولا يَدي

فثار من أخضرَ ممْطورٍ نَدي

كأنه بدْزُ عِذارِ الأمْردِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 135

فلم يكدْ إلا لحتْفٍ يهتدي

ولم يقعْ إلا على بطْنِ يدِ

وقوله:

فتًى علّمتهُ نفسُه وجُدودُه ... قِراعَ العوالي وابتِذالَ الرغائِبِ

فقد غيّب الشُهّادَ عن كلّ موطِن ... وردّ الى أوطانِه كلّ غائِبِ

كذا الفاطميّون النّدَى في بَنانِهم ... أعزُّ امِّحاءً من خُطوطِ الرّواجبِ

ألا أيها المالُ الذي قد أبادَه ... تعزَّ فهذا فعلُه بالكتائِبِ

لعلّك في وقتٍ شغلْتَ فؤادَه ... عن الجودِ أو كثّرْت جيشَ مُحاربِ

وقوله:

يرى الجُبناءُ أنّ الجُبْنَ عقلٌ ... وتلكَ خديعةُ الطّبْعِ اللّئيمِ

وكم من عائِبٍ قولاً صحيحاً ... وآفتُه من الفهْمِ السّقيمِ

ولكنْ تأخذُ الآذانُ منهُ ... على قدْرِ القرائِحِ والعُلومِ

وقوله: 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 136

يا بَني الحارِثِ بن لُقمانَ لا تعْ ... دَمكُمُ في الوغى مُتونُ العِتاقِ

بعثوا الرعْبَ في قُلوب الأعاد ... يّ فكان القِتالُ قبلَ التّلاقي

وتكادُ الظُبَى لِما عوّدوها ... تنتَضي نفسَها الى الأعناقِ

وإذا أشفقَ الفوارسُ من وقْ ... عِ القَنا أشفَقوا منَ الإشفاقِ

كلّ ذِمْرٍ يزيدُ في الموتِ حُسناً ... كبُدورٍ تمامُها في المُحاقِ

جاعِلٍ درعَهُ منيّتَه إنْ ... لم يكنْ دونها منَ العارِ واقِ

كرمٌ خشّن الجوانبَ منهُمْ ... فهْو كالماءِ في الشِّفارِ الرِّقاقِ

ومَعالٍ إذا ادّعاها سواهُمْ ... لزمَتْهُ خيانَةُ السّراقِ

وقوله:

سرْ حلَّ حيث تحُلُّه النّوّارُ ... وأراد فيكَ مُرادَك المِقْدارُ

وإذا ارتحلْتَ فشيّعتْكَ سلامةٌ ... حيث اتّجهْتَ وديمةٌ مِدرارُ

وأراك دهرُك ما تُحاولُ في الفِدى ... حتى كأنّ صُروفَه أنصارُ

أنت الذي بجحَ الزمانُ بذكرهِ ... وتزيّنتْ بحديثِه الأسْمارُ

وقوله في بازٍ أطلق:

وطائرةٍ تتبّعُها المنايا ... على آثارِها زجِلُ الجناحِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 137

كأنّ رؤوسَ أقلامٍ غِلاظ ... مسحْنَ بريشِ جؤجُئِه الصِّحاحِ

فأقعَصَها بحُجْنٍ تحت صفرٍ ... لها فعلُ الأسنّةِ والرّماحِ

كأنّ الريشَ منهُ في سِهامٍ ... على جسدٍ تجسّم من رياحِ

فقلت: لكلّ حيٍّ يومُ سوءٍ ... وإنْ حرِصَ النّفوسُ على الفَلاحِ

وقوله:

فواهِبٌ والرّماحُ تشجُرُه ... وطاعنٌ والهِباتُ متّصلَهْ

وكلما آمنَ البلادَ سرَى ... وكلما خيفَ منزلٌ نزلَهْ

وكلما جاهرَ العدوَّ ضُحًى ... أمكنَ حتى كأنهُ ختَلَه

وقوله:

أنا منكَ بين فضائلٍ ومكارمٍ ... ومنَ ارتياحِكَ في غَمامٍ دائمِ

ومن احتقارِك كلّ ما تحْبو به ... فيما ألاحظهُ بعينَي حالِم

إنّ الخليفةَ لم يسمِّكَ سيفها ... حتى ابتلاك فكنتَ عينَ الصّارمِ

فإذا تتوّجَ كنتَ دُرّةَ تاجِه ... وإذا تختّم كنتَ فصّ الخاتَمِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 138

وإذا انتضاكَ على العِدى في معْرَكٍ ... هلَكوا وضاقتْ كفّهُ بالقائمِ

أبدى سخاؤكَ عجْزَ كلِّ مشمّرٍ ... في وصفِه وأضاق ذرْعَ الكاتِمِ

وقوله:

فكأنها والدمعُ يقطرُ فوقَها ... ذهبٌ بسمْطَيْ لؤلُؤٍ قد رُصِّعا

نشرَتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرِها ... في ليلةٍ فأرَتْ لياليَ أربَعا

واستقبلَتْ قمرَ السّماءِ بوجهها ... فأَتْني القمريْنِ في وقتٍ مَعا

وقوله:

وشكيّتي فقدُ السّقامِ لأنه ... قد كان لمّا كان لي أعضاءُ

مثلْتِ عينَك في حشايَ جراحةً ... فتشابَها كِلتاهما نجْلاءُ

قوله: فتَشابها كان حقّه فتشابهتَا، ولكن حمل الجراحة على الجرح والعين على العضو.

نفذَتْ عليّ السّابِريّ وربما ... تنْدَقّ فيه الصّعدَةُ السّمْراءُ

وقوله:

كأنّ العيسَ كانت فوقَ جَفْني ... مُناخاتٍ فلمّا سِرْنَ سالا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 139

لبسنَ الوشيَ لا متجمِّلاتٍ ... ولكنْ كيْ يصُنّ به الجَمالا

بدت قمَراً ومالت خوطَ بانٍ ... وفاحتْ عنبراً ورنَتْ غَزالا

وقوله:

كانتْ منَ الكحْلاءِ سولي إنّما ... أجَلي تمثّلَ في فؤاديَ سولا

أجِدُ الجَفاءَ على سواكِ مروءةً ... والصّبْرَ إلا في نَواكِ جَميلا

وأرى تدلُّلكِ الكثيرَ محبَّباً ... وأرى قَليلَ تدلّلٍ ممْلولا

تشْكو روادِفَكِ المطيّةُ فوقَها ... شكْوى التي وجدتْ هواكِ دَخيلا

وقوله:

الحبّ ما منع الكلامَ الألسُنا ... وألذّ شكْوى عاشقٍ ما أعْلَنا

ليتَ الحبيبَ الهاجري هجْرَ الكرى ... من غيرِ جُرمٍ واصِلي صلةَ الضّنى

بنّا فلوْ حليلتَنا لم تدْر ما ... ألوانُنا ممّا امتُقِعْن تلوُّنا

وتوقّدتْ أنفاسُنا حتى لقد ... أشفقْتُ تحتَرِقُ العواذلُ بينَنا

أفدي المودّعةَ التي أتبعْتُها ... نظراً فُرادَى بينَ زفْراتٍ ثُنا

أنكرْتُ طارِقةَ الحوادثِ مرّةً ... ثمّ اعترفْت بها فصارتْ ديدَنا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 140

وقوله:

إلامَ طماعيةُ العاذلِ ... ولا رأْيَ في الحبِّ للعاقِلِ

يُرادُ من القلبِ نسيانُكمْ ... وتأبى الطِّباعُ على النّاقِل

وإني لأعشَقُ من عِشقِكُم ... نُحولي وكلّ فتًى ناحِل

ولو زُلتُمُ ثمّ لم أبكِكُمْ ... بكيتُ على حبّي الزّائلِ

أينكِرُ خدّي دُموعي وقد ... جرتْ منه في مسلَكٍ سابِل

أأوّلُ دمْعٍ جرى فوقَه ... وأوّلُ حُزنٍ على راحِلِ

وهبتُ السّلوَّ لمن لامني ... وبتّ من الشّوقِ في شاغِل

كأنّ الجفونَ على مُقلتي ... ثيابٌ شُقِقْنَ على ثاكِل

وقوله:

وما عشتُ من بعدِ الأحبّةِ سلوةً ... ولكنّني للنّائِباتِ حَمولُ

وإنّ رحيلاً واحداً حال بيننا ... وفي الموتِ من بعدِ الرّحيل رحيلُ

إذا كان شمّ الرَّوْحِ أدنى إليكُمُ ... فَلا برحَتْني روضةٌ وقَبولُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 141

وما شرَقي بالماءِ إلا تذكّراً ... لماءٍ به أهلُ الحبيبِ نُزولُ

يحرِّمُه لمْعُ الأسنّةِ فوقَه ... فليسَ لظمآنٍ إليهِ وصولُ

أمَا في النّجومِ السّائراتِ وغيرِها ... لعيني على ضوْءِ السماءِ دَليلُ

ألمْ يرَ هذا الليلُ عينيْكِ رؤيتي ... فتظهرَ فيهِ رقّةٌ ونُحولُ

لقيتُ بدرْبِ القُلّةِ الفجْر لُقيةً ... شفتْ كمَدي والليلُ فيه قتيلُ

ويوماً كأنّ الحُسن فيه علامةٌ ... بعثتِ بها والشمسُ منكِ رسولُ

وقوله:

دِمَنٌ تكاثرَتِ الهُمومُ عليّ في ... عرَصاتِها كتكاثُرِ اللّوّامِ

فكأنّ كلّ سحابةٍ وكفتْ بها ... تبكي بعينَي عُروةَ بن حِزامِ

ولطالَما أفنيتُ ريقَ كعابها ... فيها وأفنَتْ بالعِتابِ كلامي

وقوله:

شاميّةٌ طالَما خلوْتُ بها ... تُبصِرُ في ناظرِ مُحيّاها

فقبّلَتْ ناظري تُغالطُني ... وإنما قبّلتْ به فاها

تبُلّ خدّيَّ كلّما ابتسمَتْ ... من مطرٍ برقُه ثناياها

ما نفّضتْ في يدي غدائِرُها ... جعلَتْه في المدامِ أفْواها 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 142

في بلدٍ تُضرَبُ الحِجالِ بهِ ... على حِسانٍ ولسْن أشْباها

لَقيننا والحُمولُ سائِرةٌ ... وهنّ درٌ فذُبْنَ أمْواها

كلّ مَهاةٍ كأنّ مُقلتَها ... تقولُ إيّاكمُ وإيّاها

وقوله:

أوَما وجدْتُمْ في الصّراةِ مُلوحةً ... ممّا أرقرِقُ في الفراتِ دُموعي

رحَل العزاءُ برحلَتي فكأنّما ... أتبعتُه الأنفاسَ للتّشْييعِ

وقوله:

ما كنتُ أحسِبُ قبل دفنِك في الثّرى ... أنّ الكواكبَ في التُرابِ تَغورُ

ما كنتُ آمُلُ قبلَ نعشِكَ أن أرى ... رضْوَى على أيدي الرِّجالِ تسيرُ

خرَجوا به ولكلّ باكٍ خلفَه ... صعَقاتُ موسى يومَ دُكَّ الطّورُ

والشمسُ في كبدِ السماءِ مريضةٌ ... والأرضُ واجفةٌ تكادُ تمورُ

وحفيفُ أجنحةِ الملائِكِ حولَه ... وعُيونُ أهلِ اللاذقيّةِ صورُ

حتّى أتوْا جدَثاً كأنّ ضريحَه ... في قلبِ كلّ موحّدٍ محْفورُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 143

كفَلَ الثّناءُ له بردِّ حياتِه ... لمّا انطَوى فكأنّه منشورُ

وقوله:

نفَرٌ إذا غابتْ غُمودُ سُيوفِهمْ ... عنها فآجالُ العِبادِ حُضورُ

وقوله:

ومن لم يعشقِ الدُنيا قديماً ... ولكنْ لا سبيلَ الى الوصالِ

نصيبُك في حياتِك من حبيبٍ ... نصيبُك في منامِك من خَيالِ

رماني الدهرُ بالأرْزاءِ حتى ... فؤادي في غِشاء من نِبالِ

فصِرْتُ إذا أصابتْني سِهامٌ ... تكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ

وهانَ فما أُبالي بالرّزايا ... لأنّي ما انتفَعتُ بأنْ أُبالي

وهذا أوّلُ النّاعينَ طُرّاً ... لأوّلِ مَيتَةٍ في ذا الجَلالِ

كأنّ الموتَ لم يفجَعْ بنفْسٍ ... ولم يخطُرْ لمخلوقٍ ببالِ

صلاةُ اللهِ خالِقِنا حَنوطٌ ... على الوجهِ المكفَّنِ بالجَمالِ

على المدْفونِ قبلَ التُرْبِ صوْناً ... وقبلَ اللّحْدِ في كرَمِ الخِلالِ

فإنّ لهُ ببَطْنِ الأرضِ شخْصاً ... جديداً ذِكْرُناهُ وهو بالي

وفيها: 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 144

أتتْهُنّ المصائِبُ غافِلاتٍ ... فدمْعُ الحُزنِ في دمْعِ الدّلالِ

ولو كان النِّساءُ كمَنْ فقدْنا ... لفُضِّلتِ النساء على الرّجالِ

وقوله:

أجدُ الحزنَ فيكَ حِفظاً وعقْلاً ... وأراهُ في الخلْقِ ذُعْراً وجهْلا

لك إلْفٌ يجرّه وإذا ما ... كرُم الأصلُ كان للإلْفِ أصْلا

ووفاءٌ نبتّ فيه ولكنْ ... لم يزلْ للوَفاءِ أهلُك أهْلا

إنّ خيرَ الدُموعِ عوْناً لَدَمْعٌ ... بعثتْهُ رعايةٌ فاستَهلاّ

أينَ ذي الرِّقّة التي لك في الحرْ ... بِ إذا استُكْرِهَ الحديدُ وصلاّ

أينَ خلّفتَها غَداةَ لقيتَ الرْ ... رُومَ والهامُ بالصّوارمِ تُفلَى

قاسمَتْك المَنون شخصَينِ جَوْراً ... جعلَ القِسمُ نفسَه فيكَ عدْلا

فإذا قسْتَ ما أخذْنَ بما غا ... دَرْنَ سرّى عنِ الفؤادِ وسلّى

وتيقّنتَ أنّ حظّكَ أوْفى ... وتبيّنْتَ أنّ جدَّك أعلَى

ولَعَمري لقد شغلْتَ المَنايا ... بالأعادي فكيفَ يطلُبْنَ شُغْلا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 145

وكم انتشْتَ بالسيوفِ من الدّهْ ... رِ أسيراً وبالنّوالِ مُقِلا

عدّها نُصرةً عليه فلمّا ... صال ختْلاً رآهُ أدركَ تبْلا

وإذا لم تجدْ من الناسِ كُفْواً ... ذاتُ خِدْرٍ أرادتِ الموتَ بعْلا

ولذيذُ الحياةِ أنفَسُ في النّفْ ... سِ وأشهى من أن يُمَلَّ وأحْلى

وإذا الشيخُ قال أفٍّ فما م ... لَّ حياةً وإنما الضُعفَ ملاّ

آلةُ العيشِ صحّةٌ وشَبابٌ ... فإذا ولّيا عنِ المرءِ ولّى

أبداً تستردُّ ما تهَبُ الدُن ... يا فيا ليْت جودَها كان بُخْلا

وهْيَ معشوقةٌ على الغدْرِ لا تحْ ... فَظُ عهْداً ولا تتمِّمُ وصْلا

كلّ دمْعٍ يسيلُ منها عليها ... وبفَكِّ اليَدينِ عنها تُخَلّى

شيَمُ الغانِياتِ فيها فلا أدْ ... ري لِذا أنّثَ اسْمَها الناسُ أم لا

يا مَليكَ الوَرى المفرِّقَ محْيا ... ومَماتاً فيهمْ وعِزّاً وذُلاّ

قلّدَ اللهُ دولةً سيفُها أنْ ... تَ حُساماً بالمكْرُماتِ مُحلّى

فبِه أغنَتِ الموالي بذْلاً ... وبهِ أفنَتِ الأعاديَ قتْلا

أيُّها الباهِرُ العُقولَ فما يُدْ ... رَكُ وصْفاً أتعَبْتَ فِكري فمَهْلا

مَنْ تعاطى تشبُّهاً بكَ أعْيا ... هُ ومَنْ دلّ في طريقِك ضلاّ

وإذا ما اشتهَى خُلودَك داعٍ ... قال لا زُلْتَ أو نَرى لك مِثْلا 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 146

وقوله:

النّومُ بعدَ أبي شُجاعٍ نافِرٌ ... والليلُ مُعْيٍ والكواكِبُ ظُلَّعُ

إني لأجْبُنُ منْ فِراقِ أحبّتي ... وتُحِسّ نفْسي بالحِمامِ فأشجُعُ

ويَزيدُني غضَبُ الأعادي قسوةً ... ويُلمّ بي عتْبُ الصّديقِ فأجْزَعُ

تصْفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافِلٍ ... عما مضى منها وما يتوقَّعُ

ولمَنْ يُغالِطُ في الحقائقِ نفسَه ... ويسومُها طلبَ المُحالِ فتطمَعُ

أين الذي الهَرَمانِ من بُنيانِه ... ما يومُه ما قومُه ما المصْرَعُ

تتخلّفُ الآثارُ عن أصحابِها ... حيناً ويدرِكُها الفَناءُ فتتْبعُ

وإذا حصلْتَ من السِّلاحِ على البُكا ... فحشاكَ رُعْتَ به وخدّكَ تقْرَعُ

وقوله:

طوَى الجزيرةَ حتى جاءَني خبرٌ ... فزِعْتُ فيه بآمالي الى الكذِبِ

حتى إذا لم يدَعْ لي صدْقُه أمَلاً ... شرِقْتُ بالدمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي

تعثّرَتْ به في الأفْواهِ ألسُنُها ... والبُردُ في الطُرْقِ والأقلامُ في الكتُبِ

فإن تكنْ تغلِبُ الغلْباءُ عُنصُرَها ... فإن في الخمر معْنًى ليس في العِنَبِ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 147

وما ذكرْتُ جميلاً من صنائِعِها ... إلا بكيْتُ، ولا ودٌ بلا سببِ

فلا تنلْكَ الليالي إنّ أيديَها ... إذا ضربْن كسرْنَ النّبْعَ بالغرَبِ

ولا يُعِنّ عدوّاً أنت قاهِرُهُ ... فإنّهنّ يصِدْنَ الصّقْرَ بالخرَبِ

وربما احتسَب الإنسانُ غايتَها ... وفاجأتْهُ بأمرٍ غيرِ محتسَبِ

وما قضى أحدٌ منها لُبانتَهُ ... ولا انتهى أربٌ إلا الى أرَبِ

ومن تفكّر في الدُنيا ومُهجتِه ... أقامَه الفِكرُ بين العجْزِ والتّعبِ

وقوله:

نحن بَنو الموتِ فما بالُنا ... نعافُ ما لا بدّ من شُرْبِه

تبخَلُ أيدينا بأرواحنا ... على زمانٍ هنّ منْ كسْبِهِ

فهذه الأرواحُ من جوِّهِ ... وهذه الأجسامُ من تُربِه

لو فكّر العاشِقُ في مُنتَهى ... حُسنِ الذي يسْبيه لم يسْبِه

لم يُرَ قرْنُ الشمسِ في شرْقِه ... فشكّتِ الأنفُسُ في غرْبِه

يموتُ راعي الضّأنِ في جهلِه ... ميتَةَ جالينوسَ في طِبِّه 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 148

وربما زاد على عمرِه ... وزادَ في الأمْنِ على سربِه

وغايةُ المُفرطِ في سِلمِه ... كغايةِ المُفرِط في حرْبِه

فلا قضى حاجتَه طالبٌ ... فؤادُهُ يخفِقُ من رُعبِه

حاشاك أن تضعُفَ عن حملِ ما ... تحمّلَ السّائرُ في كُتْبِه

وقوله - يرثي جدته:

عرفْتُ الليالي قبلَ ما صنعَتْ بنا ... فلما دهَتْني لم تزِدْني بها عِلْما

حَرامٌ على قلْبي السرورُ فإنني ... أعدّ الذي ماتتْ بهِ بعدَها سمّا

تعجّبُ من حظّي ولفْظي كأنها ... ترى بحروف السطرِ أغرِبَةً عُصْما

وتلثَمهُ حتى أصارَ مِدادُهُ ... محاجِرَ عينَيْها وأنيابَها سُحْما

رَقا دمعُها الجاري وجفّتْ جُفونُها ... وفارَقَ حُبّي قلبَها بعد ما أدْمى

ولم يُسْلِها إلا المنايا، وإنما ... أشدُّ من السُقْمِ الذي أذهبَ السُقْما

وكنتُ قُبيلَ الموتِ أستعظِمُ النّوى ... فقد صارتِ الصُغْرى التي كانتِ العُظمى

وما انسدّتِ الدنيا عليّ لِضيقِها ... ولكنّ طرْفاً لا أراكِ به أعْمى

وقوله: 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 149

يا أختَ معتَنِقِ الفوارسِ في الوغى ... لأخوكِ ثمّ أرقّ منكِ وأرحَمُ

يرْنو إليكِ مع العَفافِ وعندَهُ ... أنّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحْكُم

راعتْكِ رائِعةُ البَياضِ بعارِضي ... ولوَ انّها الأولى لراعَ الأسْحَمُ

لو كان يمكنُني سفرْتُ عنِ الصِّبا ... فالشّيبُ من قبْلِ الأوانِ تلثُّمُ

ولقد رأيتُ الحادِثاتِ فلا أرى ... يقَقاً يُميتُ ولا سَواداً يعصِم

والناسُ قد نبَذوا الحِفاظَ فمُطلَقٌ ... ينْسى الذي يولَى وعافٍ يندَمُ

لا يسلَم الشّرفُ الرّفيعُ من الأذى ... حتى يُراقَ على جوانِبه الدّمُ

الظُلْمُ من شيَمِ النّفوسِ إن تجِدْ ... ذا عِفّةٍ فلِعلّةٍ لا يظْلِمُ

ومنَ البليّة عذلُ من لا يرْعَوي ... عن جهلِه وخِطابُ منْ لا يفهَمُ

ثم هجا وقال:

يحمي ابنُ كيْغَلغَ الطّريقَ وعِرسُهُ ... ما بين رجلَيْها الطّريقُ الأعظمُ

يمشي بأربعةٍ على أعْقابِه ... تحت العُلوجِ ومن وراءٍ يُلجَمُ

وجُفونُه ما تستقرُّ كأنّها ... مطروفةٌ أو فُتَّ فيها حِصرِمُ

وإذا أشارَ محدِّثاً فكأنّها ... قِردٌ يقهقهُ أو عجوزٌ تلطِمُ

يقْلي مُفارقةَ الأكفّ قَذالُهُ ... حتى يكادَ على يدٍ يتعمّمُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 150

ومن العَداوةِ ما ينالُك نفْعُهُ ... ومنَ الصّداقةِ ما يضُرُّ ويؤْلِمُ

وقوله:

من علّمَ الأسودَ المخْصيَّ مكرُمَةً ... أقوْمُهُ البيضُ أم آباؤُهُ الصِّيدُ

أم أذنُه في يدِ النّخاسِ داميةً ... أم قدرُهُ وهو بالفَلْسَيْنِ مردودُ

وقوله:

وأسود أمّا القلبُ منه فضيّقٌ ... نخيبٌ وأما بطنُه فرَحيبُ

يموتُ به غيْظاً على الدّهْرِ أهلُه ... كما مات غيْظاً فاتكٌ وشبيبُ

إذا ما عدِمتَ الأصلَ والعقلَ والنّدى ... فما لحياةٍ في جنابكِ طيبُ

وقوله:

كأنّما مائِجُ الهواءِ به ... بحْرٌ حوَى مثلَ مائه عنَما

ناثرُهُ ناثِرُ السيوفِ دَماً ... وكلّ قولٍ يقولهُ حكَما

والحَيْلَ قد فصّلَ الضّياعَ بها ... والنِّعَمَ السّابِغاتِ والنّقَما

فليُرنا الوردُ إن شكا يدَهُ ... أحسنَ منه من جودِها سلِما

وقُل له لستَ خيرَ ما نثرَتْ ... وإنما عوّذَتْ بكَ الكرَما 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 151

ومن حُسنِ التخلّص وحسن الخروج قوله:

حدَقٌ يُذمُّ من القواتِل غيرَها ... بدْرُ بنُ عمّارِ بنِ إسماعيلا

وقوله:

وهزٌ أطارَ النّومَ حتى كأنني ... من السُكْر في الغرَزَينِ ثوبٌ شُبارِقُ

شدَوْا بابْنِ إسحاقَ الحُسينِ فصافحَت ... ذَفاريَها كيرانُها والنّمارقُ

وقوله:

مرّتْ بنا بينَ تِربَيْها فقلت لها ... من أينَ جانسَ هذا الشّادِنُ العرَبا

فاستضحكَتْ ثمّ قالت كالمُغيث يُرى ... ليثَ الشّرى وهْوَ من عِجْلِ إذا انتسَبا

وقوله:

وحُبيتُ من خوصِ الرِّكابِ بأسوَدٍ ... من دارِشٍ فغدوْتُ أمشي راكِبا

حالاً متى علِمَ ابنُ منصورٍ بها ... حاءَ الزّمانُ إليّ منها تائِبا

وقوله:

جمح الزمانُ فما لذيذٌ خالصٌ ... مما يشوبُ ولا سرورٌ كاملُ 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 152

حتى أبو الفضلِ بنُ عبد الله رؤْ ... يتُه المُنى وهْيَ المَقامُ الهائلُ

وقوله:

ومقانِبٍ بمقانِبٍ غادرْتُها ... أقْواتَ وحشٍ كنّ من أقْواتها

أقبلتُها غُرَرَ الجيادِ كأنما ... أيدي بني عِمرانَ في جبَهاتِها

وقوله:

وغيثٍ ظنَنّا تحته أنّ عامراً ... عَلا لم يمُتْ أو في السّحابِ لهُ قبْرُ

وقوله:

إذا صُلْتُ لم أترُكْ مَصالاً لفاتِكٍ ... وإن قلت لم أترُكْ مَقالاً لعالمِ

وإلا فخانَتْني القَوافي وعاقَني ... عن ابن عُبَيدِ اللهِ ضُعفُ العزائِمِ

وقوله:

ولو كنتُ في أسْرِ غير الهوى ... ضمِنْتُ ضمانَ أبي وائِلِ

فَدَى نفسه بضمانِ النُضارِ ... وأعطى صُدورَ القَنا الذّابل

وقوله:

نودِّعهم والبيْنُ فينا كأنّهُ ... قَنا ابْنِ أبي الهيجاءِ في قلبِ فيلَق 

 

الجزء: 1 ¦ الصفحة: 153

وقوله:

وتعذُّرُ الأحرار صيّر ظهْرها ... إلا إليكَ عليّ ظهْرَ حرامِ

وقوله:

كلما رحّبتْ بنا الروضُ قُلنا ... حلَبٌ قصدُنا وأنتِ السّبيلُ

فيكِ مرْعَى جيادِنا والمطايا ... وإليها وجيفُنا والذميلُ

والمسمَّوْنَ بالأمير كثيرٌ ... والأميرُ الذي بها المأمولُ

وقوله:

لو أنّ فنّا خُسْرَ صبّحكم ... وبرزْتِ وحْدَكِ عاقَهُ الغزَلُ

ما كنتِ فاعلةً وضيفُكمْ ... ملِكُ الملوكِ وشأنُكِ البَخَلُ

أتمنِّعينَ قِرًى فتفتَضحي ... أم تبذُلين له الذي بسَلُ

بل لا يحُلّ بحيث حلّ بهِ ... بُخْلٌ ولا جوْرٌ ولا وجَلُ

ولعلك لا تجدُ له تخلّصاً مستكرهاً إلا قوله



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مطريات

قول