الورديات
ابن الوردي
الحرقة للخرقة
اعلموا يا ولاة الأمور، ويا ذوي الكرم الغمر، أبقاكم الله في مصر للأمة، ووفقكم لرفع الإصر، وبراءة الذمة، إن حلب قد نزعت الزبدة ووقعت من ولاية التاجر الرياحي فيخسر، وشدة قاض سلب الهجوع، وسكب الدموع، وأخلف السرب، وكدّر الشرب، بجرأته التي طمت وطمّت، وعاميته التي عمّت وغمّت، وفتنته التي بلغت الفراقد
وأسهرت ألف راقد، ووقاحته التي أذهبت الألباب، وأخافت النّطف في الأصلاب، فكم لطّخ من زاهد، وكم أسقط من شاهد، وكم أرعب بريئا، وكم قرّب جريئا، وكم سعى فيتكفير سليم، وكم عاقب بعذاب أليم، وكم [1] توسط بها عند الألباب، حشر النائب على من قيل إنه حضر الخمر، وحمله على أن قرعه بالمقارع، حتى قضي الأمر، وامتنعتالأمراء من الشفاعة، وظنوا هم والنائب أن هذا امتثال لأمر الشرع وطاعة:/ [السريع]
يا حامل النائب في حكمه ... أن يقتل النفس التي حرّمت
غششته والله في دينه ... بشراك بالنار التي أضرمت
أسقط في يوم مشهود تسعة من أعيان الشهود، فو الله لو كانوا من غنم رباح، ما سمح بهذه العدة للذباح، وهذا مقت وأي مقت، ما سمعنا بمثله في وقت، أتسلم أربابالبيوت من هذا الرجل المبهوت، فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
[2] ، من يذم هذا البزاز الجرىء على تخريق الخرقة: [السريع]
سحقا لقاض مالكي سطا ... بتسعة أكبر من فينا
وإن أعرناه لها سكتة ... ألحق بالتسعة تسعينا
سبب إسقاطه لهؤلاء النفر، أنه أقر عندهم أول مدته من السفر، بأن قرابغا [3] أعطاه ثلاثة عشر ألف دينار، ووكله ليشتري بها ما يرضاه من العقار، فلما مات قرابغا،عاش الوكيل وندم على إقراره عندهم، فبدرهم بالتنكيل، فهيهات هيهات، فهذا المحو عين الإثبات [4] ، لهذا أكبر الحال، وأسفت القلوب أنه أكل المال، أسقط التسعة قهرا،ونادى عليهم جهرا، وشاور على تطويفهم في الأسواق والجامع، لولا منعه من ذلك مانع، هذا من غير إحضار لهم ولا إعذار، ولا تقدم دعوى ولا إنذار، ولا تظلم من متظلم،/ ولا كلمة من متكلم، إلا سطوة وعتوا واستكبارا في الأرض وعلوّا وخوفا على الدرهم والدينار، بل مكر الليل والنهار، ولما ظهر زبدة [5] الذاهبة، التي تنثلم منها فاس [6] ،وتتباعد عنها دانية [7] ، وتنفر من قبحها تونس [8] ، ويحتجب حياء منها
بن الحاجب [1] ، ويستوحشها ابن يونس.
عقد مجلس بدار العدل لكشف الظلامة، وطي هذا الجور المنشور بغير علامة، فقلنا له سمّ لنا من شهد على الشهود، فأبى أن يسمّي، وقال قضى الله عليه: قضيت فيهمبمذهبي، وحكمت فيهم بعلمي، فقلنا: يا نائما على السّرى، الجرح لا يقبل إلا مفسّرا، وإن كان لك أن تجرحهم، فليس لك أن تذبحهم وتفضحهم يا قليل الفهم، من يساعدكعلى هذا الوهم، هذا محرم لم يبحه مبيح، ومحاسن الإسلام تأبى هذا القبيح. قال: إن لم تركنوا إليّ فاستفتوا المالكية في دمشق عليّ، فأخرنا اللوم، وطالعنا كتب القوم،فوجدنا في مشاهير كتبهم نقلا محققا، أن القاضي لا يقضي بعلمه مطلقا، وأنه إذا شهد عنده من يعلم عليه جرحه، رفع الأمر إلى من فوقه، وأبدى له شرحه [2] ، فكابروتأوّل، واعتمد على الفجور وعوّل، وزاد في المدافعة، وخوّف بالشر والمرافعة، وأطلق لسانه في/ الأعيان ولم يقيّد، وقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد، ولما بلغ المالكية بدمشق هذهالواقعة المستعظمة، أصغروا قدره عنها، وقالوا: كَبُرَتْ كَلِمَةً
[3] ، واستحلوا سبّه وشتمه، واستقلوا عقله وعلمه، وكتبوا إليه: أن يا مغلوب، لقد بغّضت مذهب مالك إلى القلوب، وقطعت المذاهب الأربعة عليه بالخطأ، وزالت بهجته عندالناس، وانكشف الغطاء، ثم من المفتين من لامه على ذلك وعنّف، ومنهم من علّق على تقبيح ذلك وصنّف، ثم سئلت بدمشق اليهود والنصارى، وإن كانوا عن الحق حيارى،هل يجوز في دينهم المنسوخ مثل هذا التخجيل، أم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فأقسموا بالله جهد أيمانهم، إن ذلك لم يكن في أديانهم، وناهيك بخللتستقبحه كل الملل، فقبح الله من أصبح بسهام الأغراض إلى مصون الأعراض في الرامين، وقال: من أحوج المسلمين إلى سؤال المغضوب عليهم والضالين: [الكامل]
أبرأ إلى الرحمن من بهتانه ... وفجوره وعتوّه المتزايد
من ذا يجيز قضاء قاض جاهل ... بالعلم في هذا الزمان الفاسد
وأما قول إمامنا الشافعي في أمه [1] : «لولا قضاة السوء لأجزت للقاضي أن يقضي بعلمه» :/ [المجتث]
قلنا له دع أمورا ... مستهجنات لمثلك
فقال أقضي بعلمي ... قلنا ستقضي بجهلك
ثم فسق مفتيا في الدين، وفضح خطيبا على رؤوس المسلمين، ومن بغضه هذا الخطيب، أمر من لطخ منبره بضد الطيب، الله أكبر آذى حتى الخطيب والمنبر، لقد بالغ فيالختل، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
[2] : [البسيط]
من انتهى طيشه في المحرمات إلى ... هذا المقام عليه غضبة الباري [3]
ولست عن مالك أرضى نيابته ... عن خازن العلم أو عن خازن النار
هذا جزاء المنسلك تحت آراء عبد الملك، ومن البوم دليله، فالخراب مقيله: [السريع]
امتلأت من ذهب أكياسه ... وقلبه ممتلىء من دغل
ما هو إلا حيّة برقها ... بالسمّ هذا المغربي الزغلي [4]
لقد أوقع الناس في الفتنة في بحر عجاج، فدعوا عليه وعلى عبد الملك، ولولا عبد الملك ما استطال [5] هذا الحجاج، قاض يقول القول ثم ينكره، ويذم الشخص في المجلسويشكره، ويحب آيات الردة والكفر، لحبه في الدنانير الصفر: [مجزوء الرمل]
حاكم يصدر منه ... خلف كل الناس حفر
يتمنى كفر شخص ... والرضى بالكفر كفر
ما أولى أحكامه بالانتقاض، وما أحقه بقول السحرة لفرعون: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
[6] ، ولولا العافية لتوهمت أنّ (ما) ههنا نافية: [الوافر]
ولو ولّوا قليل الفقه فيه ... مداراة ودين ما جزعنا
وكان يهون ما نلقى ولكن ... تعالوا فانظروا مع من وقعنا
ثم إنه على عامية نفسه وجهلها، ينتقص العلوم ويضع من أهلها: [البسيط]
الله الله لا تبقوه في حلب ... يا أهل مصر وفينا راقبوا الله
فدما يذمّ فنون العلم محتقرا ... بها ومن جهل الأشياء عاداها [1]
لقد عذب العذبة، وصدّق الكذبة، يستخف الأثقال، ويحكم بما لا يعلم ليقال: [المتقارب]
رأى نفسه أخرّت في العلوم ... فرام التقدّم بالجبروت
عديم الهبات عظيم الهنات ... قليل الثّبات كثير الثبوت
ستر الله هذه المدينة من هؤلاء الأدوان [2] ، ونزّه عنه مذهب مالك برحمة منه ورضوان: [البسيط]
قاض عن الناس غير راضي ... مباهت غالط مغالط
يكذب عن مالك كثيرا ... ويسقط الناس وهو ساقط
عامل أوساط الناس معاملة الأطراف، وأشرف أذاه على العذراء والأشراف، أتلف الأملاك والمكاتيب، بما اعتمده في حق الشهود/ من الأكاذيب، فكم صاحب مكتوب يبكيعلى حاله، كما أوتي كتابه في شماله: [الكامل]
تلفت مكاتيب الأنام بفعله ... وأبان عن طيش وكثرة مخرقه
يرمي الأكابر والأصاغر كاذبا ... بالكفر أو بالفسق أو بالزندقه [3]
هلّا قرأ هذا القاضي الجديد: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
[4] : [الوافر]
لقد آذى الشهود بغير حق ... فأيّ الناس ما رحم الشهودا
أيرضى المسلمون لهم بهذا ... وقد سرّ النصارى واليهودا
ولقد بلغنا وهو من العبر، أنّ جيراننا من أهل شيس [5] سرهم مبتدأ هذا الخبر: [مجزوء الرجز]
صاحب شيس سرّه ... فعال قاض أرعنا
فأحزن الله الذي ... أفرح فينا الأرمنا
أذهب حبّ الذهب ذهن ذهنه وأفنى، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
[1] : [البسيط]
أهل الثنايا أفيكم رجل ... يقول عن نفسه أنا ابن جلا [2]
من جور قاض غناه أفسده ... وكثرة المال تفسد الرجلا
مطالعته في البيت في عرض جريدة الصابون والزيت: [مخلع البسيط]
وتاجر قلّدوه حكما ... كلّ الرعايا عليه لا له
له فعال مدوّنات ... قد أغضبت صاحب الرساله
احتكر الأقوات في أوقات الغلا، فقال فيه بعض الفضلاء: [البسيط]
كيف التخلص من قاض مباحثه ... قطن وقمح وأصناف وصابون
قد جاء يحتكر الأقوات في حلب ... على غلا السعر والحكّار ملعون
كم نهته زوجته عن اللجاج، فتهددها بالضرب والإخراج: [المتقارب]
وقاض لنا لم يلن ... وزوجته لانت
فيا ليته لم يكن ... ويا ليتها كانت
إذا فرغ من مجلس قضائه، اشتغل بمعاقبة أهل بيته والغلظة على أقربائه، أن ينفد الأزمان، فاذا ارتفع ضجيج الحرم والغلمان، وأخذ الناس في لعنة هذا الميت، ويتذكرونببلية أهل الدار محنة أهل البيت: [مجزوء الرجز]
وما رأيت من بلي ... بظالم لم يعدل
إلّا تذكّرت به ... بلوى الحسين بن عليّ
فيا ولاة الأمر، من يبسط نفسه للقبض على الجمر: [الرمل]
مغربيّ الخلق فظّ سلقط ... أيّ من جاهره أسقطه
قامت الحرب على ساق به ... يغفر الله لمن سلّطه
أبطل مسائل المعاملة والبيّنة، فبطل بذلك دولاب المدينة وأفسدت/ ذات البين، وسلط
المديون يشكو على رب الدين، وصار الطالب المطلوب، وهذا الفقه المقلوب، على أن في مذهب الشافعي الزاهي، إن مسألة العينة ليست من المناهي، وهي قوام العامةوالجيش، ولكن لا ذوق لمن غلب عليه الطيش: [مجزوء الرجز]
وما قرا وثيقة إلا وقال باطله [1] ... وذا دليل أنّه ليس له معامله
ففي عزله عنّا أجر غير ممنون، وأي حاجة بالعقلاء إلى مجنون: [السريع]
لا وأخذ الرحمن مصرا ولا ... أزال عنها حسن ديباجه
ولّوا علينا قاضيا ثالثا ... ما كان للناس به حاجه
هذا مالكي متعصب، قد أسكره الذهب والمنصب، فلا يفرق بين الأرض والسماء، ولا يعرف عموم العامة من خصوص العلماء، حركاته وسكناته مكتوبة عليكم، فلا ندريأنشكوكم إلى الدهر، أم نشكو الدهر إليكم. قاض سمين الأموال، مهزول النوال: [المتقارب]
كثير الجنون مسيء الظنون ... عدو الفنون لظى محرق
فيصبغ أصبغ من بهته ... وأشهل في عينه أبلق [2]
لا يحترم أبا حنيفة، ولا الشافعي، ولا يحمد أحمد ولا الرافعي [3] ، قراد لا يلقط إلا دم الأوراك، وجراد لا يسقط إلا على أموال الأتراك، إذا وقع عنده، فقد وقع بين مخالبالأسود، وأنياب الأفاعي السود/: [الرمل]
أدركوا العلم وصونوا أهله ... عن ظلوم حاد عن تبجيله
إنما يعرف قدر العلم من ... سهرت عيناه في تحصيله
فقابلوا الفعل بفعله، واستعيذوا بالله يا أهل مصر، من شر ولاية مثله، وارموه من كنانة مصر بسهم قلما أخطأه، وعاجلوا إيضاحه بالإبهام، ترضى الفرقتان؛ المسبّحةوالسبابة بسيرتكم الوسطى: [الرجز]
المالكيّ طائش ذو فوره ... له على أهل العلوم سوره [4]
دار على باب الجراح الدوره ... وما قرا في باب ستر العوره
مغربي الاخلاق، مذموم على الإطلاق، عار عن الدين، عدة للمعتدين، سيء الصنائع، ذخيرة سوء في الوقائع: [البسيط]
وقاضيا ماضيا في الشرّ مجتنبا ... للخير من سيئات الدهر محسوبا
يرى إباحة أعراض محرّمة ... متى ترى شكله المكروه مندوبا
غاية علمه إطالة السكوت، وقول الحاضرين له دائم الثبوت، سكناته غير متناهية، وإذا تكلم ففي داهية، الويل له إن لم يتب، ويجهل حتى أسماء الكتب، أذاه شامل، وشرهكامل، ومنهاجه عسر.
لو كان حاوي الخصائص ما قال بالتذنيب، ما هو العزيز النهاية، وله بداية مدونة، من يحتقر بالمهذّب من أين له تهذيب، مقدام ظلوم، جاهل بجميع العلوم، لا يعرف في الفقهالطلاق من التطليق،/ ولا في النحو الإلغاء من التعليق، ولا في التفسير أسباب النزول، ولا في القرآات حجج، وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ
[1] ، ولا في اللغة القدح من الكأس، ولا في الأصلين؛ الجوهر الفرد، والجلي القياس، ولا في المنطق الضرب المنتج من العقيم، ولا في الحديث الصحيح من السقيم، ولا فيالعروض تفاعيل الدوائر، ولا في القوافي المتدارك من المتواتر، ولا في التصريف المثال من الأجوف، ولا في الطب أي الأمراض أخوف، وهو مع الجهل، وكونه غير أهل، يؤذينجوم العلوم الطالعة والغاربة، ويعامل الناس بأخلاق المغاربة، ويتطاول على كل طائل، بمنصب هو الظل الزائل، حتى كأنه قدّم على جنس الإنس، أو قدم برأس البرنس:[السريع]
ومالكيّ جاهل باخل ... لا بارك الرحمن في عمره
جفنته أضيق من جفنه ... وقدره أصغر من قدره
جهل كثيف، وعقل سخيف، قد أغضب الجمّ الغفير، واجترأ على الإسقاط والتكفير: [الكامل]
يا أهل مصر وقاكم الله الأذى ... ولّيتم طرفا على الأوساط
صعب على الحرّ الخضوع لناقص ... وتحكّم الأسقاط في الأسفاط
فهلا إذا قضى الله حب المالكية، وليتم على المسلمين ذا نفس زكية: [البسيط]
والله لو أنّ حماماتكم وقعت ... على الرجال لما ولّيتم هذا
ضاري الطباع سرور الناس يحزنه ... ولا انشراح له إلّا إذا آذى
يضرب إذا حكم، ويفتخر له ولم، ويرعد ويضطرب، ويبعد ويقترب، حتى كانه قتل عنترة، أو فتح قلعة مسترة [1] ، يتأوّه على الشرع من بعده، ويزيد في الشريعة سياساتمن عنده، الويل له من هذه الأعمال، كيف يحتاج دين الله إلى إكمال، لقد وقع في عار، لا تغسله مياه الأنهار، قل للذي ما تأدب مع العلوم وأهلها، تهير لحظ البرايا عليهوالنفرات، عاص يريد الشريعة نورا ويصبغه بالنيل للنهر الأسود ولو حكى ابن فرات [2] ، لما رأى خلو مجلسه، وقلة مؤنسه، وانقطاع الأعيان عن داره، وإهمال الخاصة لهلصغر مقداره، قال له رأيه الفاسد إلى متى أنت مهجور كاسد، فازجر وانتهر، وقبّح حتى تشتهر، فآذى ونادى، وجرح وما داوى، فطفر الناس عليه بهذه الطفرة، وما زادهمعنه إلا نفرة، وكشفوا ظلته، وعرفوا علّته: [الكامل]
حال النّحاة على العموم تميّزت ... عندي لأنّ القوم أهل خصوص
من أجل قاض قد رموه بعلّة ... ودعوه بالمستثقل المنقوص
إذا جلس خلت غولة جالسة، وإذا تكلم مطيلسا، قلت جاء البرد والطيالسة [3] ، لا قراءة له ولا قرى [4] ، فليت العيون اكتحلت منه بأميال السرى،/ يحب من القرآن: أَلا فِيالْفِتْنَةِ سَقَطُوا
[5] ، ومن الحديث: (أباهي بكم الأمم) [6] ، حتى بالسقط، ومن الفقه سقوط يد السارق بآفة، ومن النحو سقوط التنوين بأل والإضافة، ومن الشعر [7] : [الوافر]
وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع
[و] : [الرجز]
يحبّ من كلّ علم ... السين والقاف والطا
حاشا الرسالة منه ... ما خلقه بالموطّا
يتنفس على الناس الصعداء، ويؤذي الأشقياء والسعداء، لقي بعض الناس منه ما لقي
وهو عازم على ما بقي: [الطويل]
لقد أصبح الباقون منه على شفا ... متى استنشدوا الشعر القديم يقولوا
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول [1]
فالله يعصم منه أعراضنا العريضة، ويعجّل قسمة تركته، فقد عالت الفريضة: [السريع]
ابن الرباحيّ على جهله ... وجوره في حلب يحكم
إن لم يكن في حلب مسلم ... فمصر ما كان بها مسلم
المنصب الجديد لا يسده إلا الرجل السديد، لقد آذى مذهب مالك، من توسط لهذا العرّة بذلك: [مخلع البسيط]
من كان في علمه دخيلا ... فللولايات لا يليق
لا سيما منصب جديد ... فكفؤه عالم عتيق
وماذا أقول فيمن حمله جهله على أن قال في ابن السّفاح وابن العديم/ ما هو أهله، أحسن الله إليهما، ورضي عنهما، ولولا حظ نفسه، وظلمه حسه، لاكتسب من رئاستهما،واقتدى بعفّتهما عن الأموال والأعراض، وحسن سياستهما، لكنه أعمى البصر والبصيرة، سيّىء الظن، خبيث السريرة يؤذي الناس ويقول لا تؤذوني، وينادي مال قرابغا[2] في يده بالله خذوني: [مخلع البسيط]
بالله يا أولياء مصر ... خذوه من عندنا بستر
متى رأيتم وهل سمعتم ... بأن قاضي القضاة جمري [3]
يقضي عمره في الأسواق والأسفار، ومرافقة أبي حيّة من التجار، ما أقدره على التنقير، وما أسهل عليه الفسق والتكفير، فلا قوة لنا من جمرته [4] ولا حول، لا يُحِبُّ اللَّهُالْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
[5] : [الرجز]
يا قومنا إنّ الفساد قد غلب ... وخافت الأعيان سوء المنقلب
ومن نشا بين الحمير والجلب ... كيف يكون قاضيا على حلب [6]
كم دعي إلى بابك فما ارتاح إلى الباب، وتراه حرّان لعدم الرقة، فاذا قيل فلان قد كفر طاب، هو في العينة جسر الحديد، وبالبخل بعدا وليعش للتفاح، ومعارته الحلفة وشرسرمدا، فلا عاش هذا الأقرع الغاوي اللكام المرتب سفرا عن بائس، فان طول هذه القرينة المقام في حلب، فيا ضيعة الترقا [1] :/ [مجزوء الرمل]
هو في العلم آخر ... وهو في الظلم سابق
فهو للضيف حارم ... وهو في العرض دابق [2]
أيولّى على الناس من كان يخضع للحقير والمكّاس [3] ؟ وبعد تلك الخساسة، يرشح للرياسة، لا جرم أنّه كثر تلبيسه [4] ، وطال تعبيسه، فكأنما يفكر في غامض، أو تلمّظبخل حامض: [مجزوء الرجز]
بعدا لقاض تاجر ... إثباتنا في سابه
شيخ الحقير بارق ... في عينه وقلبه
يحبس على الردة بمجرد الدعوى، ويقوّي شوكته على أهل التقوى، فقد ذلّل الفقهاء والأخيار، وجرّا عليهم السفهاء والأغيار: [مجزوء الرجز]
يحبس في الرّدة من ... شاء بغير شاهد
لا كان من قاض حكى ... الفقاع حد بارد
أراح الله من تعرّضه، وصان الأعراض عن تقرضه، فقد شقّ بحربه على الأكابر، وشق تعديه إلى المقابر: [السريع]
في حلب قاض على مالك ... قد افترى ما فيه توفيق
ومن تلكّا معه قال قم ... قد قيل لي إنّك زنديق
يقصد بذلك أهل الدين، ويلطخ به القراء المجودين، نسي جلوسه في السوق، وأصبح يثبت في الفسوق نقل من الذراع والمقصّ، إلى هذا المنصب الأعز الأخص، والله لقدهزلت، فسحقا للدنيا وما فعلت: [مجزوء الرجز]
قاض من السوق أتى ... معتاد بيع الأكسيه
ذا للوصايا ما يعي ... كيف يعي في الأقضيه
وهو عازم على ما بقي: [الطويل]
لقد أصبح الباقون منه على شفا ... متى استنشدوا الشعر القديم يقولوا
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول [1]
فالله يعصم منه أعراضنا العريضة، ويعجّل قسمة تركته، فقد عالت الفريضة: [السريع]
ابن الرباحيّ على جهله ... وجوره في حلب يحكم
إن لم يكن في حلب مسلم ... فمصر ما كان بها مسلم
المنصب الجديد لا يسده إلا الرجل السديد، لقد آذى مذهب مالك، من توسط لهذا العرّة بذلك: [مخلع البسيط]
من كان في علمه دخيلا ... فللولايات لا يليق
لا سيما منصب جديد ... فكفؤه عالم عتيق
وماذا أقول فيمن حمله جهله على أن قال في ابن السّفاح وابن العديم/ ما هو أهله، أحسن الله إليهما، ورضي عنهما، ولولا حظ نفسه، وظلمه حسه، لاكتسب من رئاستهما،واقتدى بعفّتهما عن الأموال والأعراض، وحسن سياستهما، لكنه أعمى البصر والبصيرة، سيّىء الظن، خبيث السريرة يؤذي الناس ويقول لا تؤذوني، وينادي مال قرابغا[2] في يده بالله خذوني: [مخلع البسيط]
بالله يا أولياء مصر ... خذوه من عندنا بستر
متى رأيتم وهل سمعتم ... بأن قاضي القضاة جمري [3]
يقضي عمره في الأسواق والأسفار، ومرافقة أبي حيّة من التجار، ما أقدره على التنقير، وما أسهل عليه الفسق والتكفير، فلا قوة لنا من جمرته [4] ولا حول، لا يُحِبُّ اللَّهُالْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ
[5] : [الرجز]
يا قومنا إنّ الفساد قد غلب ... وخافت الأعيان سوء المنقلب
ومن نشا بين الحمير والجلب ... كيف يكون قاضيا على حلب [
كم دعي إلى بابك فما ارتاح إلى الباب، وتراه حرّان لعدم الرقة، فاذا قيل فلان قد كفر طاب، هو في العينة جسر الحديد، وبالبخل بعدا وليعش للتفاح، ومعارته الحلفة وشرسرمدا، فلا عاش هذا الأقرع الغاوي اللكام المرتب سفرا عن بائس، فان طول هذه القرينة المقام في حلب، فيا ضيعة الترقا [1] :/ [مجزوء الرمل]
هو في العلم آخر ... وهو في الظلم سابق
فهو للضيف حارم ... وهو في العرض دابق [2]
أيولّى على الناس من كان يخضع للحقير والمكّاس [3] ؟ وبعد تلك الخساسة، يرشح للرياسة، لا جرم أنّه كثر تلبيسه [4] ، وطال تعبيسه، فكأنما يفكر في غامض، أو تلمّظبخل حامض: [مجزوء الرجز]
بعدا لقاض تاجر ... إثباتنا في سابه
شيخ الحقير بارق ... في عينه وقلبه
يحبس على الردة بمجرد الدعوى، ويقوّي شوكته على أهل التقوى، فقد ذلّل الفقهاء والأخيار، وجرّا عليهم السفهاء والأغيار: [مجزوء الرجز]
يحبس في الرّدة من ... شاء بغير شاهد
لا كان من قاض حكى ... الفقاع حد بارد
أراح الله من تعرّضه، وصان الأعراض عن تقرضه، فقد شقّ بحربه على الأكابر، وشق تعديه إلى المقابر: [السريع]
في حلب قاض على مالك ... قد افترى ما فيه توفيق
ومن تلكّا معه قال قم ... قد قيل لي إنّك زنديق
يقصد بذلك أهل الدين، ويلطخ به القراء المجودين، نسي جلوسه في السوق، وأصبح يثبت في الفسوق نقل من الذراع والمقصّ، إلى هذا المنصب الأعز الأخص، والله لقدهزلت، فسحقا للدنيا وما فعلت: [مجزوء الرجز]
قاض من السوق أتى ... معتاد بيع الأكسيه
ذا للوصايا ما يعي ... كيف يعي في الأقضيه
بعد الامتهان في الرحاب، يقال له باسم الله رئيس الاصحاب، وما مر دجنه، وافسد بهذه الكلمة ذهنه، ألا يغيب له طبق، وتعسا لجارح يبلبله الدبق، فو الله لولا كراهةالسخافة، لآتينّ هنا بأفانين من حديث خرافة، ثم إنه مع تلك الأباطيل، يدعي العفّة عن أكل البراطيل [1] ، فليته تناول الحطام، وتعفف عن أعراض الأنام: [مجزوء الرمل]
طرف قدّمه ... دهره إذ سكرا
إن صحا الدهر له ... سترى ما سترا
أو ما علم هذا المشلول اليد، المفترق اللسان، أنّ العرض أثمن من المال عند الإنسان: [الكامل]
التاجر الخياط قاض عندنا ... ولديه تثبت ردّة وفسوق
ومن العجائب أن يخيط قلوبنا ... بكماره ولسانه مفتوق [2]
وكيف عادت حلب تسكن، وفيها هذا الألثغ الألكن: [مخلع البسيط]
يا ساكني مصر ما عهدنا ... منكم سوى رحمة وألفه
فكيف ولّيتموا علينا ... من لا تصحّ الصلاة خلفه
راؤه غين، ومنطقه شين، إذا سبّح الربّ، لا تدري أسبّح أم سبّ: [السريع]
الألثغ الطاغي تولّى القضا ... عدمت هذا الألثغ الطاغي
إن سبّح الباري حكى سبّة ... فقال سبحانك يا باغي
لا يفرّق بين المؤنث والمذكر إلا بالفرج، ولا يعرف العربية إلا باللجام والسرج: [مجزوء الهزج]
قليل الفقه لّحان ... له في حكمه خبط
قبيح الشّكل محتدّ ... فلا شكل ولا ضبط
لو عقل لاكتفى ببلغته، وصان المنصب عن عار لثغته: [المجتث]
وألثغ يتحرّى ... ويصبغ العرض صبغا
إن قيل هل أنت برّا ... يقل نعم أنا بغّا
من ألّم بشكله تألم، ولا سيما إذا تكلم، ولايته هتكة، وعزله مثل الحج إلى مكة: [الكامل]
أضحى يصول على الفصاح بلثغة ... منهوكة مهتوكة تستعظم
عجبي لهم كيف ارتضوه لمثلنا ... حكما أما سمعوه إذ يتكلم
سكر بخمر الولاية، إنّ في ذلك لآية، فصل الله اتصاله عنّا، وجعل بارز ضميره مستكنّا: [مخلع البسيط]
ولّيتم جاهلا جريّا ... ألثغ بالمسلمين ضاري
مقلقلا من بني رباح ... نحن به من بني خسار [1]
فقولوا له عنّي يا شرّ الحزبين، كم من حيّ قاض في البين وكم تقدم/ في الناس طرف، وكم [2] جاء مثلك ثم انصرف، هذا وقد أعلمتك أني لو رضيت الولاية لتقدمتك:[السريع]
قولوا له عنّي ولا تجزعوا ... من شرّه يا ساخن العين
لو كنت أرضى ما تقلدته ... جلست من فوقك باثنين
كم جراح بلا اجتراح، لقد جئت بغريب في الصحاح: [الوافر]
جرحت الأبرياء فأنت قاض ... على الأعراض بالأغراض ضاري
ألم تعلم بأنّ الله عدل ... ويعلم ما جرحتم بالنهار
ثم من أعظم ذنوبه، وأكبر عيوبه، أن هذا الفرد الظالم، حوله من المغاربة جمع غير سالم، وهم في السر يتوقعون قيام الحرب، ويطمعون أن مصر سيملكها أهل الغرب:[الكامل]
يا أهل مصر أهكذا وليتم ... حلبا لجلف مالكيّ المذهب
من دابه مراهنا أصحابه ... ويقول قد ظهرت جيوش المغرب
لا تكونوا فيه من الممترين، فقد ران على قلبه بحب بني مرّين [3] : [مخلع البسيط]
لقد بلينا بمالكيّ ... يقدح في الترك كلّ حين [4]
صلي في السّرّ وهو يدعو ... لصاحب المغرب المريني
أخبرني بذلك من لا يذكر، وحلف أنّي إن سمّيته أنكر، فاعزلوا عن أعمالكم هذا القرد، وإن غضب فغضب الأسير على القدّ، فانه يميل إلى الزيدية [5] ، ويتذكر الدولة
العبيدية [1] :/ [المجتث]
قال الرّباحيّ سرّا ... مصرا إليها إليها
كنّا بمصر وإنّا ... لعاملون عليها
لا عاش ولا بقي، ولقي من الخيبة ما يتّقي، فهذه الدولة مطاعة، إلى قيام الساعة، على رغم قاض إذا حكم جار، ولو على الجار، وإن غضب أو صال، فرّق الأوصال، عاميطرف، لا شرف له ذكر، ولا ذكر له شرف، يوقع العظيمة، ويعظم الوقيعة، ويشارع الخليفة، ويخالف الشريعة، يدع الإيثار، ويؤثر الدّعة، ويختار المرابع المذهّبة على المذاهبالأربعة، وإن تصعب لمالك، فلحظ نفسه في ذلك: [مجزوء الوافر]
لقد ولّيتم رجلا ... بخفض الناس يرتفع
ففرّق بيننا سفها ... وعند الله نجتمع
ومن أغرب ما يحكي الحاكي، أنه جمع العلماء في يوم باكي، فظنوا جمعهم لوليمة، فاذا هو جمع، فأخرج لهم سوطا مجدولا، يشبه سيفا مسلولا، وشاورهم على إعدادهلعقوبة من وقع، فنهوه عن ذلك، وأمروه بالرفق فامتنع، فغادروا من عنده إلى الأوطان، مستعيذين بالله من الشيطان: [الكامل]
سوط يقلّ السيف عند عيانه ... وأراه بعض حوادث الأيام
ينوي به للمسلمين عقوبة ... وكذا تكون موائد الحكّام
فما قولك في طباع، تشبه ضراوة السباع، لا يرضيه إلا الدما، فلولو [2] عنده سما، لولو عارض الكتاب، وهذا يتعرض لجملة الكتّاب، فالحذار الحذار من فعله، والبدارالبدار إلى عزله، فكم أرعب وآذى، والقاضي يعزل بدون هذا، نعم يعزل بمجرد الظّنة، فاخرجوا من حلب هذه النار تدخلوا الجنة، لقد غاظني عامي يعلو بنفسه، والعامةعمى، أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
[3] ، فان شئتم يا نظّام الدولة أن يقوم وزن هذه البلاد، فكونوا في عروض عزله أسبابا [4] تدعو لكم الأوتاد: [المتقارب
1]
على جهله بضروب العروض ... لكل قبيح فعول فعول
فاقصدوا البحر ظلمة المديد جسّا وبترا، وأديروا عليه الدوائر بالفاصلة الكبرى، فقد عاد لباس حلب مخشوشنا، واتخذت نهرها سيفا، وجبلها جوشنا [2] فذبوا عن سهوة[3] الشهباء، ولبّوا فيها دعوة الأولياء، قبل أن ينطوي الجل، ويعقر الكل: [الكامل]
من قبل أن يمسوا ونصف منهم ... في الفاسقين ونصفهم كفّار
حاشاهم من ذا وذا لكنّ من ... عدم الرئاسة قال ما يختار
خذوه فاغسلوه، فانّا نخاف أن يقتلوه، واحسموا مادة هذا الكذاب المبين، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ
[4] /، كم أسقط شاهدا وعدلا ضابط، فالعالم كلهم عليه ساخط، من كثرة ما يسقط خافت حلب أن يكتب جاحظها بالساقط، فاعتماده اعتماد من عدم الحياء، وسيعدمالحياة، وذم محتده ويده، فلا صلة كتاب الطهارة، ولا لكنه باب المياه، فأقدموا في عرضه وإن كان لا يقدح في زناد، وافصلوه عنا فقد ألبس، والفصل في النحو عماد، والغوافعله المتعدي بفعلكم اللازم، وسكّنوا حركاته العارضة بدخول الجوازم، واسقطوا هذه الفضلة من البين، وانصبوه على التحذير لا على الإغراء، فشتّان بين النّصبين، وعاملواهذه اللحنة في النحو بالمنع من التصريف، ونكّروا معرفته بنزع الولاية، فالولاية آلة التعريف [5] واخفضوا هذا العلم المنصوب على الذم، وادخلوا أفعاله الناقصة والمقاربةفي باب كان وكاد، واحذفوه فما هو عمدة، ولا أحد ركني الإسناد، واصرفوه عنا فما له على معرفته ووزن فعله دليل، وركبوه من حلب تركيب سيبويه، فهي مدينة الخليل./
[تمت مقامة الحرقة للخرقة]
المنبجية
حدث عين إنسان معرة النعمان، قال: دخلت منبج [2] في بعض الأسفار، فرأيت مصرا كأمصار، ولكن قد صغّر [3] تصريف الدهر اسمها، وأبهم على المتكلمين حدهاورسمها، فمساجدها بالدثور [4] ساجدة، ومشاهدها بحزنها على من غاب عنها شاهدة، ورباطاتها محلولة القوى وللأنس فاقدة، ومدارسها دارسة إلا واحدة، فازددتبحديثها القديم حبّا، وغدا قلبي فيها كلفا، ودمعي فيها صبّا، وحسدت غرابها على النواح وسواد الثياب، وتلوت: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ
[5] ، وعجبت لسورها المديد، وقصرها المشيد، ونبهت على قبر ملكها حسان [6] بعد أن دثر، وقرأت البيتين المكتوبين عليه نقرا في الحجر [7] : [الوافر]
لقد غفلت صروف الدهر عنّي ... وبتّ من الحوادث في أمان
وكدت أنال في الشرف الثّريّا ... وها أنا في التراب كما تراني
ورايت قبر البحتري بها، وشهدت بهجة مشهد النور، ودعوت عند المستجاب، وفي سفح المصلى خارج السور [1] ، وزرت بقصور مادحيها، وتمثلت مادحي قصورها، وزرتقبور صالحيها، وتوسلت بصالحي قبورها، وأمسيت نزيلا لنزيلها الجليل، ولي الله الشيخ عقيل [2] الطيار في الهواء، الغواص في الماء، شيخ شيوخ الإسلام، وأول مندخل بالخرقة العمرية إلى الشام، جامع الوحوش في البر والبحر أفواجا، وجاعل النجارة باذن الله ذهبا وهاجا، المتصرف بعد وفاته [3] ، كتصرفه في حال حياته، الذيأعدى عديّا [4] ، في حلبات الرهان، وأرسل رسالة سره إلى رسلان [5] ، وما زال الزولي [6] /له مريدا، ورزق بن مرزوق الرسّي [7] به جدا سعيدا، وسعدا جديدا، وبعدأن فعلت ما فعلت، تذكرت ما كنت قلت: [السريع]
خالط أولي العلم تكن عالما ... فربّنا قد رفع الوحيا [8]
واقتد بالموتى على أنه ... لا بدّ للحيّ من الأحيا
فاخلصت النيّة، وقصدت مدرستها النورية، فاذا مدرسها القاضي، وقد استقبل أمر الدرس بفعل ماض، فاحتقرته لحداثة سنّه، وعزمت على تخجيله بفنّ، لعله غير
فنّه [1] ، فانّ المتصدر قبل أوانه سفيه، وربّ فقيه لا أدب فيه، فلما أتم درسه، وبسط لي أنسه، وسألني عن حالتي، فقلت في لجاجتي: نحن عشرة ذوو نسب، وألو علموأدب، وقد أنشد كلّ منا بيتي شعر، سامهما بأغلى سعر، وأقام وزنهما، وقال: إنهما وإنهما، وأنا رسول أصحابي إليك، لتنصف بيننا فقد دللت عليك، فقال: قل ما أردت أنتقول، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول، ثم أصاخ إليّ، فأنشدت بيتيّ، وهما: [السريع]
زائرة زارت بلا موعد ... أفدي بما أملكه سيرها
فقلت ماذا وقته فارجعي ... وعاوديني ليلة غيرها
فقال: هذا سوء الأدب بالأدب، والدليل على ضعف الطلب، أتزورك متفضلة، وترجع خجلة، سأنشدك بيتين لا مطعن عليهما، ولم أسبق إليهما [2] : [السريع]
جبرت يا عائدتي بالصله ... فتممي الإحسان تنفي الوله
وهذه قد حسبت زورة ... لم أنت يا لعبة مستعجله
ثم قال: هكذا المعاني، فأنشدته قول الثاني: [السريع]
يا من أعار الليث حسن اللقا ... وكم أعار السحب الهطلا
بعضك في الجود ككلّ الورى ... فاعجب لبعض يعدل الكلّا
فقال: لقد أشبهك في بيتيك، لا بل أربى في سوء الأدب عليك، فمن أعار الليث لقاه، فبماذا يلقى عداه؟ ومن أعار السحب الهطل، فقد خلت عن الهطل يداه، ولو أبدل أعار ب(علّم) ، واحترز من خطر عموم البيت الثاني، كان أسلم، إذ يلزمه أن يكون بعض هذا الممدوح، مساويا في الجود للورى حتى للكليم والروح، لقد أخطأ وأحال، ويا ليته قال:[مخلع البسيط]
علّمت ليث الشرى وثوبا ... والسحب علّمتهنّ هطلا
حاشاك ذمّ وكلّ ضدّ ... فصحّ قولي حاشا وكلّا
ثم قال: قد أريتك المباحث، فأنشدته قول الثالث: [السريع]
لو كنت محتاجا إلى درهم ... لكان بالمدّاح لي أسوه
وكان من لا يعطني أهجه ... فالحمد لله على الثروه
فقال: هذا نظم على الفتوح، فهو كجسد بلا روح، وتقدير ضمير الشأن، بعد قوله (وكان) يحيا به الميت، وإلا خرب البيت، وشاهد هذه النفيسة: «إن من يدخل الكنيسة» [1] ، فتنبّه إليّ، وانظر كيف أخذت هذا المعنى بكلتا يدي، فقلت: [مجزوء الرمل]
أنا لو كنت مقلا ... ما اصطلى الناس بناري
خلص العالم جمعا ... من يميني ويساري
ثم قال: قد جئتك ببدائع، فأنشدته قول الرابع: [السريع]
له قباء خلت تطريزه ... لحسنه تطريز خدّيه
ملتفت نحوي كظبي النقا ... لا ما لظبي غنج عينيه [2]
فقال: لا معنى بديع، ولا لفظ صنيع، قنع قائله بالوزن والقافية، وجمع بين ثقل (لا) و (ما) النافية، فلو رآه سقراط، أعرض عن حبه بغضا ولم يعرج، وقال: إن لم يكن معلماوإلا فدحرج، فاسمع في المعنى تضميني الثمين الذي أردفت جيش حسنه [3] بكمين، فقلت: [مجزوء الرجز]
طرز قباء محنتي ... كخدّه ورقمه
ما أعوزت منه الظبا ... إلا طراز كمّه
ثم قال: هكذا النفائس، فأنشدته قول الخامس: [الكامل]
بأبي مخيّلة إذا رقصت ... رقص الفواد ونقّط الدمع
رفعت نقاب الحسن ثم شدت ... فافتنّ فيها الطّرف والسّمع
فقال: لقد بالغ في ثلبها ونقصها بقوله: (رقص الفؤاد ونقّط الدمع) لرقصها، فهي إذن معزية لا مهنّئة، ونائحة لا مغنّية، وفي قوله: (رفعت نقاب الحسن) كلام، وفي قوله:
(افتن) عسر، والسلام، فدع فساد المخيلة، واسمع ما قلته في مخيّلة: [السريع]
جاءتك في طيف خيال حكت ... طيف خيال هزّ أعطافه
مصرية في نور شامية ... يا حين ذي الشمعة طوّافه [
ثم قال: كذا من وجهين تجلى العرائس، فأنشدته قول السادس: [المنسرح]
لي أغيد لو بذلت نفسي ... في قبلة منه لم أنلها
قلت له بين عاشقيه ... أتاجر أنت قال: بالها
فقال: هذا رجل صرف (أغيد) ضرورة، وجعل (الهاء) [1] الممدودة مقصورة،/ وكان يقال: الجمع بين ضرتين، ولا الجمع بين ضرورتين، وبالجملة فما وفق لفصيح إعراب، ولاجاء بمعنى ذي إغراب، فاسمع ما قلت في تاجر، فملأت عينه بالجواهر: [السريع]
وتاجر شاهدت عشّاقه ... والحرب فيما بينهم ثائر
قال علام اقتتلوا هكذا ... قلت: على عينيك يا تاجر
ثم قال: هذا البرق اللامع، فأنشدته قول السابع: [مجزوء الرمل]
قيل لي: ماذا يحاكي ... قدّ سعدى، قلت صعده [2]
قيل لي فالريق منها ... أيّ شيء؟ قلت: شهده
فقال: تعمّق هذا القائل، وزعم لطف الشمائل، ووجّه لقدّ سعدى رفعا ونصبا، وجاء في سعدى وصعدة بتجنيس سميناه مليحا غصبا، وخفي عنه أنه لحن حقيقة، بتأخير (أيشيء) عن (الريقة) ، فالخبر إذا تضمن استفهاما وجب تصديره. وسأنشد في المعنى ما يعذب استرقاقه، ويملح تحريره، وهو: [السريع]
قال حكت قامتها صعدة ... فقلت لم تجرح تعديلها [3]
قال فهل ريقتها شهدة ... فقلت كم تقصد نفسي لها
ثم قال في (تعسيلها) ثلاث محاسن، فأنشدته قول الثامن: [السريع]
أحسن ما كانت كؤوس الطّلا ... سوادحا يبدو بها الخافي [4]
فالنقش نقص ومن الرأي أن ... يرتشف الصافي من الصافي
فقال: أحسن هذا بعض الإحسان في شعره، حيث قال: (يبدو بها الخافي) تورية بسره وجهره، وجانس بين النقش والنقص، فغدت كل ربوة تشتهي الرقص، ثم جاء أمرابدعا، وأساء الأدب شرعا، إذ تسهّل في الأمر، وجعل من الرأي إرتشاف كأس الخمر، إلا أن يريد رأي السقاة [5] ، ولا يريد رأي الثقات، فيحسن إذن له الخلاص، وإلا
ف لاتَ حِينَ مَناصٍ
[1] ، ثم قال: اسمع في المعنى أسدّ القولين، وانظر إلى بردتي كيف حوكت على نولين، وأنشد: [مجزوء المتقارب]
دع الكأس من نقشها ... فصاف بصاف أحب [2]
إذا ذهبت بالطلا ... فقد طليت بالذهب
ثم قال: بساط الأدب واسع، فأنشدته قول التاسع: [مخلع البسيط]
دعه ونتف العذار إذ ما ... يسّر وصلي حتى تعذّر
بالنتف ثم النبات يبقى ... عذاره السّكّر المكرّر
فقال قوله: (دعه ونتف العذار) ، يحتمل التوبة عنه والإصرار، وفي قوله: (يسر وصلي حتى تعذر) ثقل، لا يعرف منعه من أهل العروض إلا الأقل، فان هذا القائل غير محيطبخطابه في مخلع البسيط، فان قيل أحسن في تورية تعذّر، ولطافة النبات، وحلاوة المكرر، قلت: على وجه التشنيع، كما قال البديع [3] : [المنسرح] [4]
حتى وحتى، حتى ... تنقطع الحا والتا
وأيضا فحسن اللفظ مطلوب، ولله قولي على هذا الأسلوب: [السريع]
معذّر عشت بتقبيله ... فمتّ من عشقي ومن عاش مات
فثغره والشعر في خدّه ... هذا سنينات وهذا نبات
ثم قال: ما كل شاعر فقيه، ولا كلّ فقيه شاعر، فأنشدته قول العاشر: [مجزوء الرمل]
حبذا وجدي بباد ... ورقيبي فيه حاضر
أنا في بحر هواه ... واقع والقلب طائر
فقال: شغله البادي والحاضر، والواقع والطائر، فوالى بين أربع دالات، حتى كأنه راهن على هذه الثقالات، وكأنه ما وقف على على ما فعله الوهراني بالكندي في مثله، ولاعلم ما جرى على المتنبي من بيتي العظام [5] ، والقلاقل [6] من قبله، فلله اعتمادي في وصف
مليح بادي، فلقد أفرغت الجبن في قالب الحسن، فقلت [1] : [الرمل]
جاءنا ملتثما مكتتما ... فدعوناه لأكل وعجبنا
مدّ في السفرة كفّا ترفا ... فحسبنا أنّ في السفرة جبنا
قال الحاكي: فلما أتم القاضي قوله، أطلت شكره، وشكرت طوله، وقلت: بان أن مقاطيعنا العشرة خاملة، وإن عشرتك تلك عشرة كاملة/، ثم استغفرت ربي من احتقاري لهبقلبي، وعوّذت بالله ذهنه، أن يرضى بمنبج وهي كليلة ودمنة [2] ، فقال:
اسمع أيها المتعصب لكبر الفضيلة على صغر المنصب، أنشد: [الكامل]
وإذا رأت عيناي عالي رتبة ... بلغ المعالي وهو غير مهذّب
قالت لي النفس العزوف بفضلها ... ما كان أولاني بهذا المنصب
فأقول يا نفس ارجعي وتأدّبي ... وثقي فما الحسد الذميم بمذهبي
هي سنّة الدنيا فكم من فاضل ... في الخاملين وكم ترفّع من غبي
وكفاني تأدبا ما قلت في الصّبا: [مجزوء الرمل]
قل لمن لام لكوني ... في مكان غير طائل
هكذا الفاضل مثلي ... عند قسم الرزق فاضل
قال الحاكي، فقلت: أيها القاضي لقد أعجبتني برضاك وأدبك، فلئن يعاب الزمان فيك، خير من أن يعاب بك، ثم سألته الصفح عما قدمت، وودعته للرحلة وآليت بآي الكتاب،أن لا أزري بعدها بشاب، فسبحان من يؤتي الحكم من يشاء صبيا [3] ، ويخص بعض البقاع بمسك ضائع وإن كان ذكيا./
[تمت المقامة المنبجية]
الصوفية
له [1] ، حكى إنسان عين معرة النعمان [2] قال: سافرت إلى القدس الشريف، سفر متنكر، بعد التعريف، فاجتزت في الطريق بواد وقانا لفحة الرمضاء [3] ، وقال: حكمتعلى الوادي الذي يروع حصاه حالية العذارى [4] ، فقلنا: دائم الإمضاء، وإذا فيه عين كعين الخنساء [5] ، تجري على صخر [6] ، ويقول ماؤها: أنا سيد مياه هذا الواديولا فخر، فرويت كبد صاد من تلك العين، ولكن نغّص [7] عليّ منظرها الحسن تذكر ظمأ الحسين [8] ، هذا وماؤها يجري على رأسه خدمة للورّاد، ويطوف بنفسه سَواءًالْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
[9] ، فأسبغت منه وضوئي، إسباغ الدروع، وصليت ركعتين فوّقت فيهما سهام دعاء من قسيّ ركوع،/ وسألت الله سبحانه حسن منقلبي، ورجوت منه أن يعوضني عنتعبي، بصحبة من يدلني به عليه، ورؤية من يقربني منه إليه، فأجيبت دعوتي في الحال، والتفتّ فاذا عشرة رجال، ومن جملتهم شيخ كبير السن والقدر، وقد أحاطوا بهإحاطة الهالة بالبدر، فقلت لهم مرحبا بحاضرة جلالتهم بادية، وسقيا لمن تلقيت صحبتهم من عين صافية، يا ذوي الجمال والزين، من أين؟ قالوا: منه وإليه، ثقة به وتوكلاعليه، ثم خاضوا في بحث يسرونه مني، ومناظرة يخفونها عني، بلفظ ألطف من النسيم، ومعنى مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ
[10] ، وأطالوا في الجدال، وأنا لا أعلم حقيقة الحال، فلحظهم الش
إليهم تارة وإليّ أخرى، وقال: إما أن تكفوا عن حثكم، وإما أن تطلعوا أخاكم الآخر على أول بحثكم، فتنبهوا إليّ، وأقبلوا عليّ، وقالوا أيها الأخ، إن بحثنا الدقيق في طريقهي السر المكتوم، وغوصنا العميق، في منهاج هو مفتاح العلوم، وما ظنك بطريق جنيدها [1] أعظم من الملوك، وأدهمهما وابنه [2] غير مصروفين لنظمها في سلوكالحسن، بحسن السلوك، وأهلها هم أهل الكرم الصيّب، وذلها ينبت العز، وكل مكان ينبت العز طيب [3] : [الكامل]
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام [4]
فكم منكر صار فيها معروفا بالإيثار، وكم مالك [5] أصبح معروفا بحسنها عن دينار: [السريع]
كم أسد روّع بالشّبل ... فيها وحاف فاق ذا نعل
وكم سريّ بحره زاخر ... وكم فضيل فاز بالفضل
قلت: قد وعيت إلى رمزكم، وانتهيت إلى كنزكم، فزيدوني إيضاحا، زادكم الله صلاحا، قالوا: نحن- أيتها العصبة- لنا في التصوف رغبة، وجدالنا معاشر الرفقة في لفظةالتصوف، ممّ هي مشتقة؟ وماذا شرط الصوفي المصافي؟ وإلى الآن ما تحرر لنا في ذلك جواب شاف.
قال الشيخ: على الخبير سقطتم، وبجهينة [6] الخبر أحطتم، ولكنكم ما التفتم أولا إليّ، ولا عولتم في ذلك عليّ، قالوا: مثلك لا يبخل بافادتنا، وأنت عودتنا المسامحة فيالمطارحة، فاصبر لعادتنا، قال: سمعا وطاعة، اعلموا أيتها الجماعة، أنّ اشتقاق التصوف عند أهل
التعريف والتعرف من الصفا والوفا والفنا، هذا من حيث عبارة الناطق، وأما اشتقاقه من حيث الحقائق، فمن أحد أربعة أشياء، تحيي الأسرار، وتسر الأحياء:
الأول: من الصوفانة، وهي بقلة قصيرة ذات زغبة.
والثاني: من صوفة، وهي قبيلة كانت تجيز الحاج وتخدم الكعبة.
الثالث: من صوفة القفا، شعرات في قفا الإنسان./
الرابع: من الصوف الغني عن البيان.
وإذ قد أصغيتم لبياني، فسآتي بالبديع في شرح هذه المعاني، إن أخذ التصوف من الصوفانة التي هي البقلة، فلأن القوم اجتزؤوا في الجملة، فاقتصروا على ما يوجد اللهتعالى بصنعه من رزقه، ومنّ به على عبّاد عباده من غير تكلف فيه من خلقه، فاكتفوا به عمّا فيه للبشر صنع، فلم يبسطهم إليهم عطاء، ولا قبضهم عنه منع، كما شاع عنالمجاهدين من المهاجرين، ونبّه عليه سيد الأولين والآخرين صلّى الله عليه وسلم، وشرّف وكرّم.
وإن أخذ من الصوفة، وهي القبيلة المعروفة، فلأنّ الصوفي متزود من القربات والطاعات، محاسب نفسه على الدقائق والساعات، أحد أعلام الهدى، طاب خبره لطيب المبتدا.
وإن أخذ من صوفة القفا، فحسبكم بيانا وكفى، إن الصوفي معطوف به إلى الحق، مصروف به عن الخلق، لا يريد به بدلا، ولا يبغي عنه حولا [1] .
وإن أخذ من الصوف المعروف، فلأن الصوفي بلبسه موصوف، اختار في الدنيا لبسه، وكسر بذلّته وبذلته نفسه، نداء منه على لابس الحرير بالرعونة والبله، إنما يلبسالحرير في الدنيا من لا خلاق له./
هذا بيان الاشتقاق، وأما شرط الصوفي باستحقاق، فأن يتخلق بأخلاق الرسول، ويفوز من سؤل رياضاته بالشمول، ويتنكب عمّا عنه نكّب [2] ، ويأخذ بما إليه ندب، لايتخذ محرّمه ربيعه، ولا يجري كالعاصي الذي يزيد إعراضه عن الشريعة، فقد صفا من الكدر، ونحّي عن الفكر، ونجّي من الغير، ومن عدل عن سمته ونهجه، وعوّل علىحكم نفسه وهرجه، وسعى لبطنه وفرجه، كان من التصوف خاليا، وفي التجاهل ساعيا، ومن داخله في ذلك مرية، فقد عطّل عما ذكره الحافظ في الحلية [3] .
قال الحاكي: فلما سمعت ما قاله هذا الشيخ الجليل، أكبرته وبالغت في التبجيل
وقلت: يا سيدي، لي زمان أحرص على مثلك، فما ظفرت به من قبلك، فتمّم العطا، واكشف لي الغطا، عن أشياء تعانيها متصوفة الوقت، وبيّن لي منها ما يستحق المقة منالمقت [1] ، قال: سل عمّا تريد، قلت: أول بيت في القصيد، لم حلقوا الرؤوس وقصروا الثياب؟ فقال: موافقة لما في الكتاب، وهم في ذلك كالمذكرين،/ أن من كان إلى العلىمن المخلصين، فليعترف أنه من المقصرين. قلت: فلم تركوا النعال ولبسوا الجماجم؟ [2] قال: شىء إحدثته الأعاجم: [المتقارب]
وأقسم ما ذاك منهم سدى ... فأفهامهم فوق أفهامنا
ولو قلت ما سرّ ذا أنشدوا ... جماجمنا تحت أقدامنا
قلت: فلم تختّموا بالعقيق؟ قال: فيه منافع وخواص هو بها حقيق، فان خاتمه يسكن حدة الغضب، ولمنع النزيف هو سبب، ونحاتته [3] لتآكل الأسنان، ولوجع القلب، وقروحأمعاء الإنسان، ومما ذكر عنه وقيل: إن خاتمه لم يوجد في أصبع قتيل، وما أحسن استخدام بعضهم فيه: [الكامل]
عج بالعقيق فمدمعي يحكيه
قلت: فلم رقصوا في السماع؟ قال: فيه لذة واجتماع، ولهم فيه أسرار، لا يطلع عليها الأشرار، فهو كالفخيخ [4] ، أو كالشبكة في يد الشيخ المتصنع يصيد به القوت،والصادق يريد به الربوب، والمبادرة إلى تحريمه من الجمود والقصور، وهو رأي من لا له بالشعر شعور، ولا فهم المنظوم، ولا شمّ رائحة المنثور، ولقد رأينا المعتمدين من علماءالدين لا يطلقون القول فيه بمنع ولا جواز، ولا يحملون الفتوي [5] في عراق ولا حجاز،/ بل الفتوى المعتمدة التي القلب إليها ساكن، أن الأمر في السماع يختلف باختلافالأشخاص والأحوال والأماكن: [البسيط]
كانوا معاني المغاني حين ينشدهم ... شاد يجاوبه حسن وإحسان
ما إنت حين تغنّي في منازلهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان
قلت: فلم يجلسون الوارد على باب الرباط، ولا يتلقونه أولا بالرحب والانبساط؟
قال: لأنه بطاري السفر، قد تهجن طبعه ونفر، فأرادوا بذلك رياضة نفسه، ولينسى
عشرة غير أبناء جنسه، ويبني النفس كهؤلاء على الكسر، وينصره الله على شيطانه، وَمَا النَّصْرُ
[1] ، قلت: فلم شرطوا عليه هيئة السفر إلى الدخول؟ قال: لأنها هيئة مذكرة بالوصول: [مجزوء الرجز]
فيا لها من هيئة ... تنسي الخلاف والطّرب
تفسيرها رياضة ... تعرب عن أصل الأدب [2]
على أنها في هذا الوقوف، ينشد من قلب عزوف: [المتقارب]
وقوفي على بابهم رفعة ... ويا طول طردي إن لم أقف
ولو لم تكن لي فرعيّة ... إليهم بأصل لقالوا انصرف
قلت: فما معنى توجيه أباريقهم للقبلة؟ قال: هي صورة عبادة في الجملة، وفي المثل الغريب، أباريق الصوفية محاريب: [الكامل]
ساق يسوق إلى السباق محبة ... ويرى شفاء حريقه برحيقه
السّكر كلّ السّكر في كاساته ... والسرّ كلّ السّرّ في إبريقه
قلت: فلم وضع ساقيهم إبهام رجله اليمنى، على إبهام اليسرى؟ قال: فرقا بين خدمة الخالق والمخلوق وذكرى، ففي الصلاة يصفّ قدميه، وفي خدمة القوم يفعل ما أشرتإليه، وعلى الحقيقة فالصوفي لا إبهام لفضله، ولا سبّابة للوسطى من سيرة مثله.
قلت: فلم طوى الخادم للوارد إذا أتاه الطرف الأيسر الأدنى من مصلاه؟ قال:
ليدوس المطويّ بيمناه، وينقل إلى جانبها يسراه، ثم ينقل اليمنى نقلا، ويصفّ اليسرى معها في المصلى، فقد كرموا في هذه الهيئة اليمين، وتميز بها عنهم من يمين [3] ،واتقوا بلل الوضوء بالبطانة، تورية إلى أنّ الوجه أحقّ بالصيانة، وسأدلك على قاعدة يحصل بها من أفعالهم كمال الفائدة، كلما فارقوا فيه بقية الناس، من/ العوائد والسمتواللباس [4] ، فليمتازوا به عن سواهم، فتبارك الذي خلقهم فسوّاهم.
ثم إن الشيخ سالت عبرته، وتوالت حسرته، وغلبه الحال، فأنشد على الارتجال: [الرمل]
ذهب الصّدق وإخلاص العمل ... ما بقي إلا رياء وكسل
غرّك التقصير من ثوبي فان ... قصّر الثوب فقد طال الأمل
إن تأمّلت فقربي منهم ... غير أنّ القلب مغناه طلل
إنما الصوفيّ صافي القلب من ... كلّ غشّ فاذا قال فعل
رفع الكلّ عن الكلّ ومن ... كلّ في الدنيا تحامى كلّ كل
ذلّ لله فعزّت نفسه ... كلّ من عزّ بغير الله ذل
فهو إن يعل فبالله علا ... وهو إن ينزل فبالحقّ نزل
كسر النفس فصحّت واتّقى ... زخرف الدنيا وخيلا وخول
بذل الروح ولولا عزّ ما ... رام ما هان عليه ما بذل
عرف المربوب بالربّ فلم ... يخش إلا ربّه عزّ وجل
ليتني في جسم هذا شعرة ... صغرت أو طعنة فيما انتعل
بل مرامي لحظة أو لفظة ... من وليّ الله من قبل الأجل
هؤلاء القوم يا قوم مضوا ... ما تبقى منهم إلا الأقل
فالى الله تعالى أشتكي ... ما بقلبي من فتور وخبل
لو تثبّتّ أتى رزقي على ... رغمه لكن خلقنا من عجل [1]
كم رياء كم مراء كم خطا ... كم عدوّ كم حسود لا يمل
ليس يخلو المرء عن ضد ولو ... حاول العزلة في رأس جبل
لا أرى الدنيا وإن طابت لمن ... ذاقها إلا كسمّ في عسل [2]
أين كسرى وهرقل أين من ... ملك الأرض وولّى وعزل
أين من شادوا وسادوا وبنوا ... هلك الكلّ ولم تغن القلل
لو سألت الأرض عنهم أنشدت ... أصبح الملعب قفرا والطّلل
قال الحاكي: فما زادني ما سمعت من فيه إلا إعظاما له وحبّا فيه، فازداد تألما، وأنشد مترنما:/ [مخلع البسيط]
يا صاح حقّ لك التحوّف ... وقلّة السعي والتخوّف
لا تقربن بعدها رباطا ... قد خرّقت خرقة التصوف
قلت: هيهات هيهات، هذا المحو عين الإثبات، وقد كانت الصوفية أحبّ الخلق إلى الرحمن، والأصل بقاء ما كان، على ما كان، وللعارف هضم نفسه، مخافة طرده وعكسه.
قال: بالله لقد صدقت في متصوفة العصر، ونصحتك في جمع ألسنتهم، تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
[1] ، فان الصوفية اليوم، أصحاب أكل وشرب ونوم، يروون الأقوال ولا يتبعون الأفعال، وافقوا القوم ملبسا، وخالفوهم أنفسا، يدعون ما ليسوا من رجاله، ويخيرون الشخصبين عرضه وماله، يحبون الجاه والشهرة، ويؤملون برد النعيم على فترة: [مجزوء الرجز]
اعتزل الناس ومل ... عنهم بنفس صادقه
صار الرباط كاسمه ... والخانقاه الخانقه [2]
والناس قد تصنّعوا ... وليس فيهم بارقه
إلا قليلا قال عن ... دنياه أنت طالقه
قلت: إلى رؤية هذا القليل أميل، فيهم تبرد النار ويشفي الغليل، فليت طرفي قبل الموت المحتوم، اكتحل بنجومه الزاهرة، فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ
[3] ، قال الشيخ: ندفعك فلا تندفع، ونقطعك فلا تنقطع، الآن أعجبنا صدقك، ووجب علينا حقك: [الخفيف]
هكذا كن محبّة واحتفالا ... واعص فينا الوشاة والعذّالا
لك منّا تكتّم واستتار ... ولنا منك أن تطيل السؤالا
إنّ لله في الوجود وجوها ... تركت حسنها له والجمالا
فاعلموا أنّ في الزوايا خبايا ... وافهموا أنّ في السويدا رجالا [4]
أقحموا النفس في مهالك زهد ... يفترسن الأرواح والأموالا
قصدوا هدم سورها فبنوه ... وأتوا كي يقصروه فطالا [5]
أنفس أكرم النفوس على الل ... هـ وأقوى حولا وأقوم حالا
فهي تمشي مشي العروس اختيالا ... وتهادى على الزمان دلالا
نحن قوم يعيش من مات فينا ... مستهاما ويبلغ الآمالا
عش على حبّنا ومت في هوانا ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
قال الحاكي: فأطربني هذا الكلام الطيب، وما ضمنه من شعر أبي الطيب، ثم صافحوني للوداع بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ
[1] ، تلك عشرة كاملة، فسلام الله على العشرة. آخرها [2] .
[تمت المقامة الصوفية] في مسند الإمام [3] أحمد، عن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يصف عبد الله وعبيد الله، وكثيرا من بني العباس، ثميقول: (من سبق إليّ فله كذا وكذا) [4] فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم ويلتزمهم.
في المستدرك عن أبي بكر بن شعيب بن الحبحاب، سمعت أشياخنا يقولون: كان نقش خاتم أسامة: (حب رسول الله) .
في معجم الصحابة للبغوي عن إبراهيم بن إسماعيل الكهيلي، قال: كان طول جرير بن عبد الله البجلي ستة أذرع. وفيه عن أبي عمرو الشيباني، قال: سئل جبلة بن حارثة،أخو زيد بن حارثة رضي الله عنهما: أنت أكبر أم زيد؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله.
روى الطبراني عن جرير قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قدمت الوفود عليه، دعاني فباهاهم بي./
في مسند أحمد، عن سفيان قال: حدثني ابن لجرير بن عبد الله، قال: كان نعل جرير بن عبد الله طوله ذراع.
روى أبو موسى المديني في معرفة الصحابة، من طريق أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عون بن سراقة، عن أخيه جعال بن سراقة الضمري، قال: قلت لرسول اللهصلّى الله عليه وسلم، وهو متوجه إى أحد، إنه قيل لي: إنك تقتل [5] غدا، فقال: (أو ليس الدهر كله غدا) [6] .
البغوي في معجمه، عن إياد بن لقيط، قال، قال جعدة بن هبيرة لجلسائه: إني قد علمت ما لم تعلموا، وأدركت ما لم تدركوا، إنه سيجيء بعد هذا، يعني معاوية، أمراء ليسمن رجاله، ولا من ضربائه، وليس فيهم إلا أصفر [7] أو أبتر حتى تقوم الساعة، هذا السلطان سلطان الله جعله، وليس أنتم تجعلونه.
قال ابن حجر في الإصابة: مات جعدة في خلافة معاوية، وأمه أم هاني بنت أبي طالب. ابن مندة عن جناب الكلبي: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول لرجل ربعةإلي جانبه:
إن جبريل عن يميني،/ وميكائيل عن يساري، والملائكة قد أظلت عسكري، فخذ في هناتك، فأطرق الرجل شيئا ثم قال: [الكامل]
يا ركن معتمد وعصمة لائذ ... وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيّره الإله لخلقه ... فحباه بالخلق الزكيّ الطاهر
أنت النبيّ وخير عصمة آدم ... يا من يجود كفيض بحر زاخر
ميكال معك وجبرئيل كلاهما ... مدد لنصرك من عزيز قاهر
قلت: فمن الشاعر؟ قالوا حسان بن ثابت [1] .
قال ابن دريد، حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عبّاد، عن الشرقي، وعن مجاهد، عن الشعبي، قال: كنا عند ابن عباس، وهو في صفّة زمزم يفتي الناس، إذ قام إليهأعرابي، فقال: أفتيتهم، فأفتنا، قال: هات، قال: ما معنى قول الشاعر [2] : [الطويل]
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
فقال له ابن عباس: ذاك عمرو بن حممة الدوسي، قضى بين العرب ثلاث مائة سنة، فكبر وألزموه السابع أو التاسع من ولده،/ فكان إذا غفل قرع له العصا، فلما حضرهالموت، اجتمع إليه قومه، فأوصاهم وصية حسنة، فيها حكم.
الخرائطي في مكارم الأخلاق، حدثنا علي بن داود القنطري، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني أسامة بن زيد: أنه سمع أبا حازم، وحفص بن عبد الله بنأنس، يقولان: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كان يحدث أصحابه عن أمر الآخرة، فاذا رآهم قد كلّوا وعرف ذلك فيهم، أخذ بهم في بعض أحاديث الدنيا، حتى إذانشطوا وأقبلوا، أخذ بهم في حديث الآخرة.
وأخرج فيه عن قتادة قال: الكلام يشبع منه، كما يشبع من الطعام. وأخرج عن علي بن أبي طالب، قال: أجمّوا هذه القلوب، واطلبوا لها طرف الحكمة، فانّها تمل كما تملّالأبدان.
وأخرج عن سليمان التيمي قال: إني لمن جليسي لفي شدة، إما أن يغتاب عندي صديقا، وإما أن يحمل عني شيئا لم أتكلم به.
حديث من رواية الجان، قال الخرائطي، حدثنا سعد بن أبي يزيد البزاز حدثنا أبو
نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان الثوري، وحدثنا العباس بن عبد الله الترفقي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي عن ابن حبان،/ عن أبيه، قال: خرج قوم من التيم فيبعض الأرضين فعطشوا، فسمعوا مناديا ينادي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حدثنا: (أن المسلم أخو المسلم، وعين المسلم) [1] وأن غديرا في مكان كذا وكذا، فعدلواإليه فشربوا.
وأخرج الخرائطي عن أبي هريرة، قال: بينما يحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم عليهما السلام، في البرية، إذ رأيا وحشية ماخضا، قال عيسى ليحيى: ما تلك الكلمات؟ قاليحيى: حنة ولد مريم، مريم ولدت عيسى، الأرض تدعوك يا ولد، اخرج يا ولد اخرج، فوضعت. قال حماد بن زيد: فما منا امرأة تطلق، فقيل هذا عندها، إلا ولدت، حتىالشاة تكون ماخضا، فأقوله وأنا قائم، فما أبرح حتى تضع.
وأخرج عن الليث بن سعد، قال: رأيت إسماعيل بن أمية أعمي، ثم رأيته بصيرا، فسألته عن ذلك، فقال: بينا أنا نائم إذ سمعت قائلا يقول: قل [2] ، يا قريب يا مجيب ياسميع يا بصير، ردّ عليّ بصري، فقلته، فأبصرت
الباب الرابع في المقامات
نخبة من مقامات ابن الوردي
المقامة الانطاكية
حدث إنسان. من معرة النعمان. قال: كثيرا ما كنت أسمع بني البرية. الثناء على نزه أنطاكية. وأنها قطع لمن لم يصلها. وخروج لمن لم يدخلها. لفرط ثنائه عليها. تجهزتللمسير إليها. فلما دخلتها. وشاهدتها وتأملتها. أكبرت طولها وطولها. وعجبت لحصانتها والعاصي دائر حولها. فانتهيت من بدايتها. إلى دار ولايتها. فوجدت والي المدينة. شابا ذا سكينة. فلما سلمت عليه. وأجلسني إليه. أخذ من مؤانستي. وأظهر الابتهاج بمجالستي. فغبطته بحسن زينته. وطيب مدينته. فتنفس الصعداء. وترنم منشدا:
كم من صديق صدوق الود تحسبه ... في راحة ولده الهم والكمد
لا تغبطن بني الدنيا بنعمتهم ... فراحة القلب لم يظفر بها أحد
قلت: لله در فصاحتك. ما السبب في عدم راحتك. قال: لقد جمعت هذه المدينة بين عرب وروم. وأنا معهم في الحي القيوم. لا أطيق فيهم قرارا. لو اطلعت عليهم لوليت منهمفرارا. ومن يطيق الجمع بين الضدين. أم من يقدر على موالاه ندين. وكيف يظفر ساكن أنطاكية بنيل أرب. وقد حنيت أضلع العجم.
على بغض العرب. كم أجد ويلعبون. وهم من بعد غلبهم سيغلبون:
من كل فظ أعجمي ... غث الكلام مذمم
إن نبهته مروءة ... فتقول عجمته نم
قلت: قصر عن خطاك خطاك. واشكر من أنطاك أنطاك. فسورها منيع. وعاصيها مطيع. وأطيارها تحن إلى نغماتها الجوارح. وأنهارها مطردة وعيونها سوارح. ونسيمهايبطل رائحة المسك السحيق. وساكنها يزهى على الغصن الوريق. يصدأ بهوائها السلاح. وتجلى به القلوب والأرواح. برية بحرية. سهلية جبلية:
متكامل فيها السرور لمن بها ... يوما أقام كما تكامل سورها
وخلت قلوب قصورها فاستضحكت ... إذ عاش شاكرها ومات كفورها
من حل فيها نال وصل حبيبها ... وشفى كليم الروح منه طورها
ما تلك إلا حنة الدنيا وها ... ولدانها جليت عليك وحورها
فمضيئة وسنية وندية ... أرجاؤها ورياضها وقصورها
لما بكى فقد الهموم سحابها ... ضحكت وقد عاش السرور زهورها
فالأرض منها سندس وخلاله ... سلت سيوف والسيوف نهورها
هي دار مملكة الرضا فلأجل ذا ... قد أسبلت دون الهموم ستورها
جمعت فنون الطيب في أفنائها ... وعلا على المسك الذكي عبيرها
تصفيق عاصيها المطيع مرقص ... أغصانها لما شدته طيورها
فربوعها محروسة وسفوحها ... مأنوسة لا ينطوي منشورها
فأعجب لأرض كالسماء منيرة ... أضحت تضيء شموسها وبدورها
فتبسمت وتنسمت أرجاؤها ... أرجا فما الغصن النضير نظيرها
فلما أتمت جلاء هذه العروس. ورقمها سامعوها على وجنات الطروس. قال الوالي: لقد زدت وصفها. وشمخت على البلاد أنفها. وما أنطاكية لو كان عندك إنصاف. إلا طرفسكنته الأطراف. فلو أنك جمعت بين الأختين. وأرهقت العدة لنقص البيعتين. وأغلقت باب البحر. وجسرت على قطع الجسر. وسودت البيضاء. وأيبست الخضراء. لكان أهونعلي من هذا النظم الأنيق. في استرقاق هذا البلد العتيق. وماذا تركت لدمشق من المنة والصفة. وقيل إنها قي الأرض هي الجنة لقد عرفت النكرة ونكرت المعرفة. ثم نظر إليخجلا. وأنشد مرتجلا:
مدحت أنطاكية ... حتى توارى عقلها
ولم يكن عندي كما ... ذكرته محلها
لأنها دائرة ... علا عليها ذلها
فكيف لا أبغضها ... وكيف لا أملها
وعجمها أكثرها ... وعربها أقلها
لولا حبيب ساكن ... فيها ولولا ظلها
لقلت من مدن لظى ... لكنني أجلها
لكن أقول قولة ... ليس يرد عدلها
لو كان فيها راحة ... ما فارقتها أهلها
فلما تم الوالي نظامه. ابتدرت ملامه. وقلت: إذا رغبت عن أنطاكية وأهليها. فما وجه مقامك فيها. فقال: ألزمني أن أقيم. مرسموك كريم. ممن غمرني بالعطا. وإذا خولفسطا. فكيف الخلاص. ولات حين مناص. من مدينة بيت الماء أرفع منها بكثير. ولعظم السمكة فيها قدر كبير:
فقلت وقد أنكرت منه مقاله ... وغرت لها ويلاه من سوء حالها
ألا طالما كانت أسرة ملكها ... مكللة بالدر قبل زوالها
وكم خفقت فيها البنود وكم حوت ... ملوكها ترى الجوزاء تحت نعالها
معظمة في الملتين بحسنها ... مكرمة في الدولتين بمالها
ألم تحترم فيها حبيبا نزيلها ... وما أنت لو أنصفتني من رجالها
وسافرت منها ذلك الوقت منشدا ... وعيناي كل أسعدت بسجالها
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... لقد هزلت حتى بدا من هزالها
رسالة لابن الوردي في السيف والقلم
لما كان السيف والقلم عدتي العمل والقول. وعمدتي الدول فإن عدمتها دولة فلا حول. وركني إسناد الملك المعربين عن
المخفوض والمرفوع. ومقدمتي نتيجة الجدل الصادر عنهما المحمول والموضوع. فكرت أيهما أعظم فخرا. وأعلى قدرا. فجلست لهما مجلس الحكم والفتوى. ومثلتهما في الفكرحاضرين للدعوى. وسويت بين الخصمين في الإكرام. واستنطقت لسان حالهما للكلام (فقال القلم) : بسم الله مجراها ومرساها. والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها. أمابعد حمد الله بارئ القلم. ومشرفه بالقسم. وجعله أول ما خلق. وجمل الورق بغصنه كما جمل الغصن بالورق. والصلاة على القائل: جفت الأقلام. فإن القلم قصب الباق. والكاتب بسبعة أقلام من طبقات الكتاب في السبع الطباق. جرى بالقضاء والقدر. وناب عن اللسان فيما نهى وأمر. طالما أربى على البيض والسمر في ضرابها وطعانها. وقاتل في البعد والصوارم في القرب ملء أجفانها. وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه. ومشيه لهم على أم رأسه. (قال السيف) : بسم الله الخافض الرافع. وأنزلنا الحديد فيهبأس شديد ومنافع. أما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف. فعظم بها حرمة الجرح وآمن خيفة الحيف والصلاة على الذي نفذ بالسيف سطور الطورس. وخدمته الأقلامماشية على الرؤوس. وعلى آله وصحبه الذين أرهفت سيوفهم. وبنيت بها على كسر الأعداء حروفهم. فإن السيف عظيم الدولة. شديد الصولة. محا أسطا البلاغة. وأساغممنوع الإساغة. من اعتمد على غيره
في قهر الأعداء تعب. وكيف لا وفي حده الحد بين الجد واللعب. فإن كان القلم شاهدا فالسيف قاضي. وإن اقتربت مجادلته بأمر مستقبل قطعه السيف بفعل ماضي. بهظهر الدين. وهو العدة لقمع المعتمدين. حملته دون القلم يد نبينا. فشرف بذلك في الأمم شرفا بينا. الجنة تحت ظلاله. ولاسيما حين يسل فترى ودق الدم يخرج من خلاله. زيتن بزينة الكواكب سماء غمده. وصدق القائل: السيف أصدق إنباء من ضده. لا يعبث به الحامل. ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل. ما هو كالقلم المشبه بقوم عروا عنلبوسهم. ثم نكسوا كما قيل على رؤوسهم. فكان السيف خلق من ماء دافق. أو كوكب راشق. مقدرا في السرد. فهو الجوهر الفرد. لا يشرى كالقلم بثمن بخس. ولا يبلى كمايبلى القلم بسواد وطمس. كم لقائمه المنتظر. من أثر. في عين أو عين في أثر. فهو في حراب القوم قوام الحرب. ولهذا جاء مطبوع الشكل داخل الضرب. (قال القلم) : أومنينشأ في الحلية وهو الخصام غير مبين. يفاخر وهو القائم عن الشمال الجالس على اليمين. أنا المخصوص بالري وأنت المخصوص بالصدى. أنا آلة الحياة وأنت الردى. مالنت إلا بعد دخول السعير. وما حددت إلا عن ذنب كبير. أنت تنفع في العمر ساعة. وأنا أفني العمر في الطاعة. أنت للرهب. وأنا للرغب. وإذا كان بصرك حديدا فبصري ماذهب. أين
تقليدك من اجتهادي. وأين نجاسة دمك من تطهير مدادي. (قال السيف) : أمثلك يعير مثلي بالدماء. فطالما أمرت بعض فراخي وهي السكين. فأصبحت من النفاثات فيعقدك يا مسكين. فأدخلت من الحياة جثمانك. وشقت أنفك وقطعت لسانك. ويك إن كنت للديوان فحاسب مهموم. أو للإنشاء فخادم لمخدوم. أو للبليغ فساحر مذموم. أو للفقيهفناقص في المعلوم. أو للشاعر فسائل محروم. أو للشاهد فخائف مسموم. أو للمعلم فللحي القيوم. وأما أنا فلي الوجه الأزهر. والحلية والجوهر. والهيبة إذا أشهر. والصعودعلى المنبر. شكلي الحسن علي. ولم لا حملك الحطب بدلي. ثم إني مملوك كمالك. فإنك كناسك. أسلك الطرائق. وأقطع العلائق. (قال القلم) : إما أنا فابن ماء السماء. وأليف الغدير وحليف الهواء. وأما أنت فابن النار والدخان. وباتر الأعمار وخوان الإخوان. تفصل ما لا يفصل. وتقطع ما أمر الله به أن يوصل. لا جرم شمر السيف وصقلقفاه. سقي ماء حميما فقطع معاه. يا غراب البين. ويا عدة الحين. ويا معتل العين. ويا ذا الوجهين. كم أفنيت وأعدمت. وأرملت وأيتمت. (قال السيف) : يا ابن الطين. ألستضامرا وحرفت. ونكرت وعرفت. وسطرت هجوا وشتما. وخلدت عارا وذما أبشر بفرط روعتك. وشدة خيفتك. إذا قست بياض
صفيحتي بسواد صحيفتك. فألن خطابك فأنت قصير المدة. وأحسن جوابك فعندي حدة. وأقلل من غلطتك وجبهتك. واشتغل عن دم في وجهي بمدة في وجهك. وإلا فأدنىضربة مني تروم أرومتك. فتستأصل أصلك وتجتث جرثومتك. فسقيا لمن
غاب بك عن غابك. ورعيا لمن هاب بك لسلخ إهابك. (فلما رأى القلم) السيف قد احتد. ألان له من خطابه ما اشتد. وقال: أما الأدب فيؤخذ عني. وأما اللطف فيكتسب مني. فإن لنت لنت. وإن أحسنت أحسنت. نحن أهل السمع والطاعة. ولهذا تجمع في الدواة الواحدة منا جماعة. وأما أنتم فأهل الحدة والخلاف. ولهذا لم يجمعوا بين سيفين فيغلاف. (قال السيف) : أمكر ودعوى عفة. لأمر ما جدع قصير أنفه لو كنت كما زعمت ذا أدب. لما قابلت رأس الكاتب بعقدة الذنب. أنا ذو الصيت والصوت. وغراراي لسانامشرفي يرتجل غرائب الموت. أنا من مارج من نار. والقلم من صلصال كالفخار. وإذا زعم القلم أنه مثلي أمرت من يدق رأسه بنعلي. (قال القلم) : صه فصاح السيف بلاسعادة كالأعزل. (قال السيف) : مه فقلم البليغ يغير حظ مغزل. (قال القلم) : أنا أزكى وأطهر. (قال السيف) : أنا أبهى وأبهر. فتلا (ذو القلم) لقلمه: إنا أعطيناك الكوثر. فتلا (صاحب السف) لسيفه: فصل لربك وانحر. فتلا (ذو القلم) لقلمه: إن شانئك هو الأبتر. (قال) : أما وكتابي
المسطور. وبيتي المعمور. والتوراة والإنجيل. والقرآن ذي التبجيل. إن لم تكف عني غربك. وتبعد مني قربك. لأكتبنك من الصم البكم. ولأسطرن عليك بعلمي سجلا بهذاالحكم. (قال السيف) : أما ومتني المتين. وفتحي المبين. ولساني الرطبين. ووجهي الصلبين. إن لم تغب عن بياضي بسوادك. لأسخمن وجهك بمدادك. ولقد كسبت من الأسدفي الغابة. توقيح العين والصلابة. مع أني ما ألوتك نصحا. أفنضرب عنكم الذكر صفحا. (قال القلم) : سلم إلي مع من سلم. إن كنت أعلى فأنا أعلم. وإن كنت أحلى فأناأحلم. وإن كنت أقوى فأنا أقوم. أو كنت ألوى فأنا ألوم. أو كنت أطرى فأنا أطرب. أو كنت أعلى فأنا أغلب. أو كنت أعتى فأنا أتب. أو كنت أقضى فأنا أقضب. (قالالسيف) : كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شد أزري. (قال القلم) : كيف لا أفضلك وهو عز نصره ولي أمري.
(قال الحكم بين السيف والقلم) : فلما رأيت الحجتين ناهضتين. والبينتين بينتين متعارضتين. وعلمت أن لكل واحد منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم. ورواية مسندةعن حديثة القديم. لطفت الوسيلة. دققت الحيلة. حتى رددت القلم إلى كنه. وأغمدت السيف فنام ملء جفنه. وأخرت بينهما الترجيح. وسكت عما هو عندي الصحيح. إلى أنيحكم المقر بينهما بعلمه. ويسكن
سورة غضبها الوافر ولجاجهما المديد ببسيط حلمه. ويعاملهما بما وقر في صدره من الوقار وسكن في قبله من السكينة. وإذا كان في هذه المدينة مالكنا فلا يفتى ومالكفي المدينة.
مناظرة الأزهار أو المقامة الوردية
حدثنا الريان عن أبي الريحان. عن أبي الورد أبان. عن بلبل الأغصان. عن ناظر الإنسان. عن كوكب البستان. عن وابل الهتان. قال: مررت يوما على حديقة. خضرة نضرةأنيقة. طلولها وديقة. وأغصانها وريقة. وكوكبها أبدى بريقه. ذات ألوان وأفنان. وأكمام وأكنان. وإذا بها أزرار الأزهار مجتمعة. وأنوار الأنوار ملتمعة. وعلى منابر الأغصانأكابر الأزاهر. والصبا تضرب على رؤوسها من الأوراق الخضر بالمزاهر. فقلت لبعض من عبر: ألا تحدثوني ما الخبر. فقال: إن عساكر الرياحين قد حضرت. وأزهارالبساتين قد نظرت لما نضرت. واتفقت على عقد مجلس حافل. لاختيار من هو بالملك أحق وكافل. وها أكابر الأزهار قد صعدت المنابر. لبيدي كل حجته للناظر. ويناظر بينأهل المناظر. في أنه أحق أن يتأمر على البوادي منها والحواضر. فجلست لأحضر فصل الخطاب. وأسمع ما يأتي به كل من الحديث المستطاب (فهجم الورد) بشوكته. ونجم من بين الرياحين معجبا بإشراق
صورته. وإفراق صولته. وقال: بسم الله المعين وبه نستعين. أنا الورد ملك الرياحين. والوارد منعشا للأرواح ومتاعا لها إلى حين. ونديم الخلفاء والسلاطين. والمرفوع أبدا علىالأسرة لا أجلس على ترب ولا طين. والظاهر لوني الأحمر على أزاهر البساتين. والعزيز عند الناس. والمودود بين الجلاس للإيناس. والعادل في المزاج. والصالح في العلاج. أسكن حرارة الصفراء. وأقوي الباطن من الأعضاء. وابرد أنواع اللهيب الكائنة في الراس. وربما أستخرجها منه بالعطاس. وانفع من القلاع والقروح. وأنا بعطريتي ملائملجوهر الروح. ومن تجرع من مائي يسيرا. نفع من الغشي والخفقان كثيرا. ودهني شديد النفع للخراجات. وفيه مآرب كثيرة لذوي الحاجات. وأنا مع ذلك جلد صبار. أجريمع الأقدار. إذا صليت بالنار. فلهذا رفعت من أغصاني الأشائر. ودقت من داراتي البشائر. وأعملت لي المشاعر. وقال في الشاعر:
للورد عندي محل ... ورتبة لا تمل
كل الرياحين جند ... وهو الأمير الأجل
إن جاء عزوا وتاهوا ... حتى إذا غاب ذلوا
(فقام النرجس) على ساق. ورمى الورد منه بالأحداق. وقال: لقد تجاوزت الحد يا ورد. وزعمت أنك جمع في فرد. إن اعتقدت أن لك بحمرتك فخرة. فإنها منك فجرة. وإن قلتإنك نافع
في العلاج. فكم لك في منهاج الطب من هاج. فاحفظ حرمتك. وإلا كسرت بقائم سيفي شوكتك. ويكفيك قول البستي فيك:
لا يغرنك أنني لين الم ... س لأني إذا انتضيت حسام
أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام
ولكن أنا القائم لله في الدياجي على ساقي. ألساهر طول الليل في عبادة ربي فلا تطرف أحداقي. وأنا مع ذلك المعد للحروب. ألمدعو عند تزاحم الكروب. ألا ترى وسطي لايزال مشدودا. وسيفي لا يزال مجرودا. وأنا فريد الزمان. في المحاسن والإحسان. ولهذا قال في كسرى أنوشروان: النرجس ياقوت أصفر. بين در أبيض على زمرد أخضر. وأنا المقرون في مهمات الأدواء بالصلاح. أنفع غاية النفع. من داء الثعلب والصرع. ومن الدليل على صلاحي. أن أبا نواس غفر له أثنى علي بأبيات قالها في امتداحي:
تأمل في رياض الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات ... بأحداق كما الذهب السبيك
على قضيب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك
ولقد أحسن ابن الرومي حيث قال. مبينا فضلي على كل حال:
أيها المحتج للور ... د بزور ومحال
ذهب النرجس بالفض ... ل فأنصف في المقال
(فقام الياسمين) وقال: آمنت برب العالمين. لقد تجبست
يا جبس. وأكثرك رجس ننجس. وأنت قليل الحرمة. واسمك مشمول بالعجمة. وكيف تطلب الملك وأنت بعد قائم مشدود الوسط في الخدمة رأسك لا يزال منكوس. وأنت المهيجللقيء المصدع من المحرورين للروس. أصفر من غير علة. مكسو أحقر حلة. ويكفيك بعض واصفيك.
أرى النرجس الغض الزكي مشمراً ... على ساقه في خدمة الورد قائم
وقد ذل حتى لف من فوق رأسه ... عمائم فيها لليهود علائم
ولكن أنا زين الرياض. والموسوم في الوجه بالبياض. شطر الحسن كما ورد. وأنا ألطف من ورد جاورد. ونشري أعبق من نشرك صباحا وندا. فأنا أحق بالملك منك منصوراومؤيدا. وأنا النافع من أمرض العصب الباردة. والملطف للرطوبات الجامدة. أنفع من اللقوة والشقيقة والزكام. ومن وجع الرأس البلغمي والسوداوي. ودهني نافع من الفالجووجع المفاصل. ويحلل الأعضاء ويجلب العرق الفاضل. يقول لي لسان الحال: لست الهزيل مقاما ياسمين. ويشهد لسان الألثغ بأني الدر الغالي إذا قال: يا ثمين
أنا الياسمين الذي ... لطفت فنلت المنى
فريحي لمن قد نأى ... وعيني إلى من دنا
وقد شفت حضرتي ... لصبري على من جنى
(فقام البان) وأبدى غاية الغضب وأبان وقال: لقد تعديت
يا ياسمين طورك. وأبعدت في المداغورك. وكونك أضعف الكون. وكثرة شمك تصفر اللون. وإذا سحق اليابس منك ورض. وذر على الشعر الأسود أبيض. وإذا قسم اسمكقسمين صار ما بين يأس ومينٍ. وإن ذكرت نفعك. فأنت كما قيل لا تساوي جمعك. ولقد صدق القائل. من الأوائل:
لا مرحبا بالياسمين ... وإن غدا في الروض زينا
صحفته فوجدته ... متضمنا يأسا ومينا
ولكن أنا ذو الاسمين. والظافر بالأصل والفرع بالقسمين. والقريب من الباز. والمضروب بقدي المثل في الاهتزاز. أزهاري عالية وأدهاني غالية. وقد ألبست خلعة السنجاب. واتفق على فضلي الأنجاب. أنفع بالشم من مزاحه حار. وأرطب دماغه وأسكن صداعه. ودهني نافع لكل وجع بارد. وتحت ذلك صور كثيرة الموارد. من الراس والضرس. ويكفي في وردي. قول ابن الوردي:
تجادلنا أماء الزهر أذكى ... أم الخلاف أم ورد القطاف
وعقبى ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد وقع الوفاق على الخلاف
(فقام النسرين) بين القائمين. منتصرا لأخيه الياسمين. وقال: أتتعدى يابان على شقيقي. وأين الفري من الذهب الدبيقي. ألم يعرفك الحال. قول من قال:
لله بستان حللنا دوحه ... في جنة قد فتحت أبوابها
والبان تحسبه سنانيرا رأت ... بعض الكلاب فنفشت أذنابها
ولكن أنازين البستان. وفي من الذهب والفضة لونان. أنفع من أورام الحلق واللوزتين ووجع الأسنان. ومن برد العصب والدوي والطنين في الآذان. وأسكن القيء والفواق. وأقوي القلب والدماغ على الإطلاق. وبي غاية الانتفاع. والبري مني إذا لطخ به الجبهة سكن الصداع. ويكفيك من المعاني. قول من عناني:
ما أحسن النسرين عندي وما ... أملحه مذ كان في عيني
زهر إذا ما أنا صفحته ... وجدته بشرى ويسرين
(فقام البنفسج) وقد التهب. ولاحت عليه زرقة الغضب. وقال: أيها النسرين لست عندنا من المعدودين. ولا في الصلاح من المحمودين. لأنك حار يابس إنما توافق المبرودين. ولاتصلح إلا للمشايخ المبلغمين. وأنت كثير الإذاعة فلست على حفظ الأسرار بأمين. ويعجبني ما قال فيك بعض المتقدمين:
ولم أنس قول الورد لا تركنوا إلى ... معاهدة النسرين فهو يمين
ألا تنظروا منه بنانا مخضبا ... وليس لمخضوب البنان يمين
ولكن أنا اللطيف الذات. ألبديع الصفات. ألمشبه برزق اليواقيت. وأعناف الفواخيت. ومزاجي رطب بارد. ومنافعي كثيرة الموارد. أولد دما في غاية الاعتدال. وأنفع الحار منالرمد والسعال. وأسكن الصداع الصفراوي والدموي لمن شم أو ضمد.
وألين الصدر وأنفع من التهاب المعد. وكفاني شرفا بين الإخوان. أن دهني سيد الأدهان. بارد في الصيف حار في الشتاء فهو صالح في كل الأزمان. وذلك لأنه يسكنالقلق. وينوم أصحاب الأرق. ومنافعي لا تحصى. وما أودعه خالقي في لا يستقصى. من رآني أذن بالانشراح. وتفاءل بالانفساح. ألا تسمع قول من باح وصاح:
يا مهديا لي بنفسجا أرجا ... يرتاح صدري له وينشرح
بشرني عاجلا مصحفه ... بأن ضيق الأمور ينفسح
(فقام اللينوفر) على ساق. وحشد الجيوش وساق. وأنشد بعد إطراق:
بنفسج الروض تاه عجبا ... وقال طيبي للجو ضمخ
فأقبل الزهر في احتفال ... والبان في غيظه تنفخ
ثم قال البنفسج: بأي شيء تدعي الإمارة. وتطاوع نفسك والنفس أمارة. وأكثر ما عندك أنك تشبه بالعذار وبالنار في الكبريت. وحاصل هذين يرجع إلى أشنع صيت. ومامن نفع ذكرته عنك إلا وأنا أفعل مثله وأكثر. وأنا أحرى بسلامة العاقبة منك وأجدر. من شرب اليابس منك ولده قبضا على القلب. وربى في معدته وأمعائه وأحدث له الكرب. وقد كفانا الورد مؤونة الرد عليك. وحذرنا من القرب منك والإصغاء إليك. فقال:
أعلي يفتخر البنفسج جاهلاً ... وإلي يعزى كل فضل يبهر
وأنا المحبب للقلوب زمانه ... وبمقدمي أهل المسرة تفخر
وقال الحاكي. عن الورد الباكي:
عانيت ورد الروض يلطم خده ... ويقول وهو على البنفسج محنق
لا تقربوه وإن تضوع نشره ... ما بينكم فهو العدو الأزرق
ولكن أنا اللطيف الغواص. ألكثير الخواص. أسكن الصداع الحار. وأذهب بالأرق والأسهار. وما أحسن ما قال في. بعض واصفي:
يرتاح للينوفر القلب الذي ... لا يستفيق من الغرام وجهده
والورد أصبح في الروائح عبده ... والنرجس المسكي خادم عبده
يا حسنه في بركة قد أصبحت ... محشوة مسكا تشاب بنده
ومني صنف يقال له البشنين. يشابهني في التكوين. لا في التلوين. ويحدث عند إطباق النيل. وله في منافع الطب تنويل. دهنه محمود في البرسام. إذا تسعط به ذوالأسقام. وقد أنشد فيه. من أراد أن يوصله حقه ويوفيه:
وبركة بغدير الماء قد طفحت ... بها عيون من البشنين قد فتحت
كأنها وهي تزهو في جوانبها ... مثل السماء وفيها أنجم سبحت
(فقام الآس) وقد استعد. وقال: لقد تجاوزت يا لينوفر الحد. ألست المضعف للمرء في قواه. الجالب له صفة الشيخوخة في صباه. ولقد عرفك. من قال حين وصفك:
ولينوفر أبدى باطن له ... مع الظاهر المخضر حمرة عندم
فشبهته لما قصدت هجاءه ... بكاسات حجام بها لوثة الدم
أنا المقوي للأبدان. الحابس للإسهال والعرق وكل سيلان. ألمنشف من الرطوبات. ألمانع من الصنان. ألمسكن للأورام والحمرة والشرى والصداع والخفقان. وأنا الباقي فيطول الزمان. وقال في بعض الأعيان:
الآس سيد أنواع الرياحين ... في كل وقت وحين في البساتين
يبقى على الدهر لا تبلى نضارته ... لا في المصيف ولا في برد كانون
وقال آخر:
للآس فضل بقائه ووفائه ... ودوام منظره على الأوقات
قامت على أغصانه ورقاته ... كنصول نبل جئن مؤتلفات
(فقام الريحان) وقال: يا آس. لأجرحنك جرحا ما له من آس:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وأنا الوارد في: عليكم بالمرزنجوش. فشموه فإنه جيد للخشام وأنا أنفع من لسعة العقرب لمن بالخل ضمد. ودهني يدخل في الضمادات للفالج الذي يعرض فيه ميل الرقبةإلى خلف وفي تشنج الأعصاب. ومع هذا فأنا المنوه باسمي في القرآن. حيث يقال: فروح وريحان. وحسبك مني في التشبيه. قول من قال على البديه:
أما ترى الريحان أهدى لنا ... حما حما منه فأحيانا
كأنه في ظله والندى ... زمرد يحمل مرجانا
فعطف عليه الآس. وقال: يا ريحان أتريد أن تسود. وأنت تشبه بهامات العبيد السود. ألم يغنك عن مقصوري. قول الشهاب المنصوري:
وريحان تميس به غصون ... يطيب بشمه لثم الكؤوس
كسودان لبسن ثياب خز ... وقد قاموا مكاشيف الرؤوس
قال الراوي: فلما أبدى كل ما لديه. وقال ما ورد عليه. اتفق رأي الناظرين. وأهل الحل والعقد من الحاضرين. على أن يجعلوا بينهم حكما عادلا. يكون لقطع النزاع بينهمفاصلا. فقصدوا رجلا عالما بالأصول والفروع. حافظا للآثار الموقوف منها والمرفوع. عارفا بالأنساب. مميزا بين الأسماء والألقاب. والأتباع والأصحاب. مديد الباع. بسيطاليدين في معرفة الخلاف والإجماع. خبيرا بمباحث الجدل. واستخراج مسالك العلل. متبحراً في علوم اللغة والإعراب. مطلعا بعلوم البلاغة والخطاب. محيطا بفنون البديع. حافظا للشواهد الشعرية التي هي أبهى من زهر الربيع. شديد الرمية. سديد الإصابة. ألشعر والنظم صوغ بيانه. والنثر والإنشاء طوع بنانه. والتاريخ الذي هو فضيلة غيرهفضلة ديوانه. فلما مثلوا بين يديه. ووقعت أعينهم عليه. قالوا: يا فريد الأرض. يا عالم البسيطة ما بين طولها والعرض. إنا أخصام بغى بعضنا على بعض. فانظر في حالنالنكون لك ذخيرة يوم العرض. واحكم بيننا بالحق.
واقض لأينا بالملك أحق. فقال: أيتها الأزهار إني لست كالذي تحاكم إليه العنب والرطب. ولا الذي تقاضى إليه المشمش والتوت ولا التين والعنب. إني لا أقبل الرشا. ولاأطوي على الغل الحشا ولا أميل مع صاحب رشوة. ولا أستحل من مال المسلمين حسوة. إنما أحكم بما ثبت في السنة. ولا أسلك غلا طريقا موصلا للجنة. فقصوا عليالخبر. لأعرف من فجر منكم وبر. فلما قص عليه كل قوله. وأبدى هينه وهوله. قال: ليس أحد منكم عندي مستحقا للملك. ولا صالحا للانخراط في هذا السلك. ولكن الملكالأكبر. والسيد البر. وصاحب المنبر ذو النشر الأعطر. والقدر الأخطر. ألسيد الأيد الصالح الجيد هو الفاغية. وقد جاء في الحديث: إن سيد الرياحين في الدنيا والآخرةالفاغية اشتمل على ما في الرياحين من الحسنى وحكم له بالسيادة. وشهد له بها وناهيك بالشهادة (قال) فلما سمعت الرياحين الأحاديث في فضل الفاغية أطرقوارؤوسهم خاشعين. وظلت أعناقهم لها خاضعين. ودخلوا تحت أمره سامعين طائعين. ومدوا أيديهم لها مبايعين بالإمرة ومتابعين. وقالوا لقد كنا قبل في غفلة عن هذا إنا كناظالمين. وإنا إذا لمن الآثمين. وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين
الوردي:
فبينما الباز سكران بما بان من البان وإذا بحمامة قد أوقعت أمامه وقالت كم تفتخر وأنت عظم نخر أنت من آلة اللعب والصيد وأنا من آله الجد والكبد أنا مع الطوقوالخضاب من جملة حملة الكتاب ومع خوفي من شرك الشرك وحذرى ممن فح الافك حملت الأمانة التي أبت الجبال عن حملها وامتثلت مرسوم (إن الله يأمركم أن تؤدواالأمانات إلى أهلها) فلما أوصلت الحقوق أمنت العقوق وتزينت بالبشائر والخلوق ومما أعجب العالمين أننى مخضوبة البنان ولى يمين أقول للملك دع الاهتمام ولا تحزنفإنى أنا الحمام مهما حدث عليك من البعد من أخصامك أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك كتمت عن الناس سرى وأبهمت في الغناء والنوح أمرى:
روى خضابي وطرقي ... فاستنكفوا من بكائي
ثم ادعوا أن نوحى ... مناسب لغنائي
فقلت كفوا فدمعي ... باد بغير اختفاء
الخضب من فيض دمعي ... والصبر عقد ولائي
زين الدين بن الوردي رحمه الله وينهى وصول الصقرين فسر العبد بهذين الجزئين اللذين تحن الجوارح إليهما من وجهين ويعز على ابن المعتز أن يذكر لهما في تشبيهاتهشبهين فوقع الصقران من الملوك بموقع يفوق النسر وتأمل نحوهما فإذا هما منصوبان لبناء ما ارتفع وانخفض من الصيد على الكسر مثلهما حمر كسيوفه وأجنحتهمامسبلة كغمائم بره على رعاياه وضيوفه مخالبه كالمناجل لحصاد أعمار أعدائه وأعمار الطير ومناقيرهما كالأهلة المبشرة له ولأوليائه بكل خبر فلسان حال كل منهما يقولبمرسليه تفرقوا فبكسبي أجمعكم وبخطف لهم الخطفة ويعود بسرعة فبينما ينظرون بغيبته قالوا طائركم معكم فما أحسن ما يعود يرجع كل واحد منهما من أفقه وقد التزمطائره في عنقه كم للاقى الطير من حرون وكم أهلكنا في الوحش من قرون فما أحق هذا الخبر بمقابلة الثناء عليه وان تمد المملوك لها بين اليدين كلتا يديه ومن كراماتمولانا أنه أصبح جابرا بكاسرين فمرحبا برسوله الذي إن قدم رسول بأيمن طائر فقد قدم هو بأيمن طائرين والسلام
ابن الوردي رحمه الله تعالى فبينما الطاوس مصغ إلى الياسمين وهو على ما ساقه الذنب على ساقه حزين وإذا بدرة خضراء لا بل درة عذراء تقول أف لطاوس الطير منطاوس القراء أيها الطاوس اطريد المعكوس الشريد شغلك ظاهر الثياب عن باطن العيوب إن الله لا ينظر إلى الثياب ولكن ينظر إلى القلوب هلا شغلت بمداواة أمراضك عنبساتينك وغياضك ولم لا أفنيت عن ملبوسك وعجبك ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك شاركت آدم في الخروج من الجنة والأسف عليها فشاركه في التوبة والاستغفار والعودةإليها، على أن آدم خرج من الجنة قهراً ليزرع في الأولى ما يحصده في الآخرة وأما أنا أيها الطاوس فإني رأيت نفوس البشر أشرف النفوس كرمهم الرب وفضلهم وخلقالموجودات لهم فشاركتهم نطقاً وزرقاً ونادمتهم ونديم السعداء لا يشقى فسبحان من بيده الخير المؤلف بين البشر والطير ومن أعجب أحوالي أن الصمت محمود أفعاليلأني طائر ضعيف ولا أقاس على البشر في التكليف:
غائب في القلب حاضر ... كاسر للصب جابر
أنا من خوف جفاه ... واقع والقلب طائر
أنا بالمحبوب فخرى ... فانتصب يا من يفاخر
أنا من جودة فكري ... عرفت باسمي الجواهر
ها أنا الدرة فأعرف ... قيمتي إن كنت تاجر
منطق الطير فصاح الديك هاأنا أناديك أنا قد أذنت فأقم الصلاة أنت هذا أوان صف الإقدام ووضع الحياة ومن أحسن قولاً ممن دعى إلى الله كم أوقظك وبانقضاء الأوقاتأعظك فأشفق عليك بصياحي وأرفرف عليك بجناحي أقسم لك الوظائف بلا حساب وأعرف المواقيت بغير الاصطرلاب أنهاكم عن معصية الله بخروج الوقت فلا تعصوه واللهبقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فمن أدعى حسن الصحبة، فليؤثر كإيثاري ولا يختص من رفاقه بحبه كم منحت أهل الدار أخائي ووليتهم ولائي وهم يذبحون أبنائيويستحيون نسائي
الكامل]
أتظنّني أصغي إلى اللوّام ... في حبّ من ذلّي بها إكرامي
فبقدّها وبخدّها وبثغرها ... غصن وتفاح وحبّ غمام
لما تبدّت بين أتراب ومن ... سحب البراقع لاح بدر تمام (( ٢ ))
ناديت يا قلبي ويا طرفي معا ... أنا قد وقعت ففارقا بسلام (( ٣ ))
وقوله: (( ١ )) [الخفيف]
سل وميض البروق عن خفقاني ... وعليل النّسيم عن جثماني
ولهيب الهجير عن نار قلبي ... وخفيّ الخيال عن أجفاني
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
إن عاد لمع البرق يخبر عنكم ... وأتى القبول مبشّرا بقبولي
فلأقدحنّ البرق من نار الحشا ... ولأخلعنّ على النّجوم نحولي
وقوله: (( ٣ )) [الوافر]
وسود صيّرتها السّود بيضا ... فلا تطلب من الأيّام بيضا
فبعد السّود ترجو البيض ظلما ... وقد سلّت عليها السّود بيضا
وقوله: (( ٤ )) [البسيط]
انهلّ أدمعها درّا وفي فمها ... درّ وبينهما فرق وتمثال
لأنّ ذا جامد في الثغر منتظم ... وذاك منتثر في الخدّ سيّال
وقوله: (( ٥ )) [الخفيف]
جاءنا الورد في بديع زمان ... فقطعناه في منى وأمان
ونهبنا فيه لذيذ وصال ... وهتكنا فيه عروس الدّنان
وغلطنا فيه ببعض ليال ... فخلطنا شعبان في رمضان
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
أنّى لورقاء الغضا تشكو النّوى ... وغدت مضاجعة قضيب البان
فلو طوّقت جيدا وقد خضبت يدا ... وشدت بألحان على عيدان
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
ومرنّح الأعطاف مهضوم الحشا ... يهتزّ من هيف بلين قوام
نمّ العذار على صحيفة خدّه ... أنا خائف من فتنة النّمّام
(٢٩٦) وقوله: (( ٣ )) [البسيط]
أحاط بالخال فوق الخدّ عذاره ... لّما تكوّن في نور ونيران
مكان عابد نار فوق وجنته ... وقد غدا راهبا في دير شعران
وقوله: (( ٤ )) [البسيط]
لّما رأوا حسن شامات بوجنته ... وقد نما حولها خاف من الزّغب
قالوا لقد شان شامات له شعر ... فقلت والله ذا من أفحش الكذب
لكنّها نفحات المسك قد نثرت ... وصيغ منثور ذاك المسك بالذّهب
وقوله: (( ٥ )) [البسيط]
زهت عقارب أصداغ له مسخت ... في نار وجنته نملا وما احترقت
حتى إذا اجتمعت عادت بوجنته ... حبّات مسك على خدّيه واخترقت
وقوله: (( ١ )) [البسيط]
قد خطّ في خدّه من زغب ... فقال لي عاذلي هل عنه سلوان
أما ترى نمّ نبت فوق وجنته ... فقلت ما نمّه زور وبهتان
وإنّما كتبت كلّ المحاسن في ... صحيفة الخدّ والسّطران عنوان
وقوله: (( ٢ )) [البسيط]
لا تحسبوا شعرا من فوق وجنته ... يشين خدّا صقيلا راق منظره
لكنّه سلّ من أجفان مقلته ... سيفا فمثّل في الخدّين جوهره
وقوله: (( ٣ )) [البسيط]
كأنّ عارضه في الخدّ حين نما ... خفيّ غيم بدا في جانب الشّفق
أو عنبر الخال فوق الخدّ محترق ... دخّانه قد علا في خدّه الشّرق
وقوله: (( ٤ )) [الرمل]
بي من لو قال لي مبسمه ... ادن والثم غرت أن ألثمه
غاب عن عيني نهارا كاملا ... ليتني أعلم من علّمه
وقوله: (( ٥ )) [المجتث]
إن جزت سلعا فسل عن ... ظبي من الظّبي أحسن
(٢٩٧) مكّنته من فؤادي ... ومهجتي فتمكّن (( ١ ))
لا تطلبوا فيه صبري ... فالصّبر أوهى وأوهن (( ٢ ))
أفنيت فيه وجودي ... ولست أسمع ممّن
وقوله: (( ٣ )) [السريع]
علقت أعرابيّة ريقها ... شهد ولي فيها عذاب مذاب (( ٤ ))
طرفي بها نبهان والرأس من ... شيبان والعذال فيها كلاب (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [المتقارب]
وأفشيت سرّي إلى صاحبي ... فعدت له طول دهري ذليلا (( ٧ ))
فوا أسفا كيف أودعته ... ليوم العداوة سيفا صقيلا
وقوله: (( ٨ )) [مجزوء الرجز]
أنتم أحبّائي وقد ... فعلتم فعل العدى
حتّى تركتم خبري ... للعاشقين مبتدا (( ٩ ))
وقوله: (( ١ )) [السريع]
إذا مضى للمرء من عمره ... خمسون عاش العيشة السيّئة
وإن شكا قال له دهره ... أجمل فلي عندك نصف المئة (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [الرمل]
جاءنا ملتثما مكتتما ... فدعوناه لأكل وعجبنا
مدّ في السّفرة كفّا ترفا ... فحسبنا أنّ في السّفرة جبنا
وقوله: (( ٤ )) [مجزوء الرجز]
قلت وقد عانقته ... عندي من الصّبح قلق
قال: وهل يحسدنا ... قلت: نعم: قال: انفلق
وقوله: (( ٥ )) [السريع]
بالله يا معشر أصحابي ... اغتنموا علمي وآدابي
فالشّيب قد حلّ رأسي وقد ... أقسم ما يرحل إلّا بي
وقوله: (( ٦ )) [الوافر]
وكنت إذا رأيت ولو عجوزا ... يبادر بالقيام على الحرارة
(٢٩٨) فأصبح لا يقوم لبدر تمّ ... كأنّ النّحس قد ولي الوزارة
وقوله: (( ١ )) [المنسرح]
رامت وصالي فقلت لي شغل ... عن كلّ خود تريد تلقاني
قالت: كأنّ الخدود كاسدة ... قلت: كثيرا لقلّة القاني
وقوله: (( ٢ )) [مجزوء الرجز]
لا تصحبنّ أعورا ... وإن تناهى زينه
لو كان فيه راحة ... ما فارقته عينه
وقوله: (( ٣ )) [مجزوء الكامل]
لّما شتت عيني ولم ... ترفق لتوديع الفتى
أدنيتها من خدّه ... والنار فاكهة الشّتا
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
لما رأى الزهر الشقيق انثنى ... منهزما لم يستطع لمحه
وقال من جاء؟ فقلنا له: ... (( جاء شقيق عارضا رمحه )) (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [السريع]
من كان مردودا بعيب فقد ... ردّتني الغيد بعيبين
الرأس واللّحية شابا معا ... عاقبني الدّهر بشيبين
وقوله: (( ١ )) [مجزوء الرمل]
دهرنا أضحى ضنينا ... باللّقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عودي ... واجمعينا أجمعينا
وقوله: (( ٢ )) [الرجز]
أنتم أحبّائي وقد ... فعلتم فعل العدى
حتى تركتم خبري ... في العالمين مبتدا (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
وتاجر شاهدت عشّاقه ... والحرب فيما بينهم سائر (( ٥ ))
قال: علام اقتتلوا هكذا ... قلت: على عينك يا تاجر
وقوله: (( ٦ )) [الكامل]
مرض الفؤاد وصحّ ودّي فيكم ... وأقام تذكاري وجفني نازح (( ٧ ))
إنسان عيني كم سهاد كم بكا ... (( يا أيّها الإنسان إنّك كادح )) (( ٨ ))
وقوله: (( ٩ )) [البسيط]
يعيب شعري أقوام وأعذرهم ... فإنّ شعري ورديّ وهم جعل
شعري وإن كان سهلا فهو ذو ثقل ... على حسودي فهو السّهل والجبل
(٢٩٩) وقوله: (( ١ )) [مجزوء الرمل]
العروضيّ فلان ... أن بدت منه هنات
فله جدّات سوء ... فاعلات فاعلات (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [السريع]
مرّت نساء كالظّبا خلفها ... أدهم يحميها عن الكيد
قالوا لما يصلح؟ قلت الظّبا ... للصّيد، والأدهم للقيد
وقوله وزاده: (( ٤ )) [البسيط]
ديار مصر هي الدّنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلهم بتقبيلي (( ٥ ))
يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدّمة والسّرح للنيل (( ٦ ))م
مذ زرتهم صحبة وودا ... ألفيتهم مغلقين بابا
سعيي إلى بابهم جنون ... مني فاستأهل الحجابا
ماذا تقولون في محب ... عن غيره أبوابكم تخلا
وجاءكم زائراً عفيفاً ... عن مالكم هل يجوز أم لا
يقول بوابه إذا رأى ... بالباب مني وقفة الحائر
له محارلايم بها شغلة ... قلت محاريم بلا آخر
فأجبته بقولي:
أمولانا شهاب الدين إني ... حمدت الله إذ بك تم مجدي
جميع الناس عندكم نزول ... وأنت جبرتني ونزلت عندي
اشفعوا يا رجال منبج فينا ... لارتفاع الوباء عن البلدان
نزل النور في الظلام عليكم ... إن هذا يزيذ في الأيمان
قلت:
أخ أبقي ببذل المال ذكراً ... وإن لاموه فيه ووبخوه
أزال فراقه لذات عبشى ... وكل أخ مفارقه أخوه
قلت:
مريد قضا بلدة ... له حلب قاعده
فيطلع في ألفه ... وينزل في واحده
قلت:
قل للفرنج تأدبوا وتجنبوا ... فالريح جند نبينا اجماعا
إن قلعت في البر أشجاراً فكم ... في البحر يوماً شجرت أقلاعا
قلت:
ثلج بآذار أم الكافور في ... مزاجه ولونه والمطعم
لولاه سالت بالغلاء دماؤنا ... من عادة الكافور إمساك الدم
قلت:
قل لأهل الحياة مهما ... رمتم عزاً وطاعه
لا تهينوا أهل علم ... فإذا هم سم ساعه
قلت:
كم ملك جاءوكم نائب ... يا زينة الأسواق حتى متى
قد كرروا الزينة حتى اللحى ... ما بقيت تلحق أن تنبتا
قلت:
هذي أمور عظام ... من بعضها القلب ذائب
ما حال قطر يليه ... في كل شهرين نائب
قلت:
تريد لأهل مصر كل خير ... وقصدهم لنا حتف وحيف
وهل يسمو لأهل الشام رمح ... إذا استولى على العربان سيف
قلت:
قصد الشام جراد ... سن للغلات سنا
فتصالحنا عليه ... وحفرنا ودفنا
قلت:
وضج الناس من بدر منير ... يطوف مشرعاً بين الرجال
ذكرت ولا سواء بها السبايا ... وقد طافوا بهن على الجمال
قلت:
رجل جراد صدها ... عن الفساد الصمد
فكم وكم للطفه ... في هذا الرجل يد
قلت:
صاحب سيس الجديد نادى ... كابان عندي عديل روحي
قلنا تأهب لغير هذا ... فذا فتوح على الفتوح
قلت:
ساكني مصر أين ذاك التأني ... والتأني وما لكم عنه عذر
يخسر الشخص ماله ويقاسي ... تعب الدهر والولاية شهر
فقلت وفيه تضمين واهتدام:
وارحمتاه له فإن مصابه ... بابن يبرحه فكيف ابنان
ما أنصفته الحادثات رمينه ... بمودعين وما له قلبان
قلت:
وكنت إذا قابلت جبرين زائراً ... يكون لقلبي بالمقابلة الجبر
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
فقلت:
من بعد يومك هذا ... لا تنقل النقل تغلب
لو أنك ابن خروف ... ما كنت عندي كثعلب
قلت:
حلاوة مر فما ... أملحه أن يدمنا
إلى البلى مسيرا ... وفي الثرى مكفنا
وقلت فيه:
هذي فصوص لم تكن ... بنفيسة في نفسها
أنا قد قرأت نقوشها ... فصوابها في عكسها
قلت:
لوفاة الكمال في العجم وهن ... فلقد أكثروا عليه التعازي
قل لهم لو يكون فيكم جواد ... كان في غنية عن المهمازي
ولي بيتان في ذم حمام هما:
حمامكم في كل أوصافه ... يشبه شخصاً غير مذكور
شديد برد وسخ موحش ... قليل ماء فاقد النور
قلت:
عجائب عامنا عظمت وجلت ... أعاماً كان أم مائتين عاما
تصول على الملوك صيال قاض ... قليل الدين في مال اليتامى
قلت:
يا لؤلؤ قد ظلمت الناس لكن ... بقدر طلوعك اتفق النزول
كبرت فكنت في تاج فلما ... صغرت سحقت منه كل لولو
فقلت في ذلك:
سلطاننا اليوم طفل والأكابر في ... خلف وبينهم الشيطان قد نزغا
وكيف يطمع من مسته مظلمة ... أن يبلغ السؤل والسلطان ما بلغا
قلت:
ما حل فيها زحل ... إلا لنحس المشتري
فانعدمت صورته ... من شؤم تلك الصور
وخلف مالاً طائلاً.
قلت:
لقد قالت لنا حلب مقالاً ... وقد عزم المشد على الرواح
إذا عم الفساد جميع وقفي ... فكيف أكون قابلة الصلاح
قلت:
كان والله عفيفاً نزهاً ... وله عرض عريض ما اتهم
وهو لا يدري مداراة الورى ... ومداراة الهوى أمر مهم
قلت:
النشو لا عدل ولا معرفه ... قد آن للأقدار أن تصرفه
من أتلف الناس وأموالهم ... يحق للسلطان أن يتلفه
قلت:
ما قضاء الشام إلا شرف ... ولمن يتركه أعلى شرف
يا أبا اليسر لقد أذكرنا ... فعلك المشكور أفعال السلف
قلت:
قد كان كل منهما ... يرجو شفا أضغانه
فصاركل واحد ... مشتغلاً بشانه
قلت:
بكت المجالس والمدارس جملة ... لك يا ابن جملة حين فاجأك الردى
فاصعد إلى درج العلى واسعد فمن ... خدم العلوم جزاؤه أن يصعدا
قلت:
فجعت بكتبانها مصر ... فمثله لا يسمح الدهر
يا زين مذهبه كفى أسفاً ... إن الصدور بموتك انسروا
ما كان من بأس لو أنك بال ... علماء برأيها البحر
قلت:
لا ييأسن مخلط ... من رحمة الله العفو
دليل هذا قوله ... وآخرون اعترفوا
قلت:
ما الدهر إلا عجب فاعتبر ... أسرار تصريفاته واعجب
كم باذل في منصب ماله ... مات وما هنيء بالمنصب
قلت:
ستروا المكرم بالحرير وستره ... بالدر والياقوت غير كثير
ستروه وهو من الغواية سترنا ... عجبي لهذا الساتر المستور
قلت:
لو يفطن العاتي الظلوم لحاله ... لبكى عليها فهي بئس الحال
يكفيه شؤم وفاته وقبيح ما ... يثنى عليه وبعد ذا أهوال
قلت:
زرته مرتين والحمد لل ... ه فعاينت خير تلك الزياره
كان فيه تواضع وسكون ... وصلاح باد وحسن عباره
قلت:
قد كان نجم الدين شمساً أشرقت ... بحماة للداني بها والقاضي
عدمت ضياء ابن العديم فأنشدت ... مات المطيع فيا هلاك العاصي
قلت:
كذلك فلتكن أخت ابن صصرى ... تفوق على النساء صبي وشيبا
طراز القوم أنثى مثل هذي ... وما التأنيث لاسم الشمس عيبا
النبا عن الوبا.
فمنها: اللهم صل على سيدنا محمد وسلم، ونجنا بجاهه من طغيان الطاعون وسلم، طاعون روع وأمات، وابتدأ خبره من الظلمات، فواهاً له من زائر، من خمس عشرة سنةدائر، ما صين عنه الصين، ولا منع منه حصن حصين، سل هندياً في الهند، واشتد على السند، وقبض بكفيه وشبك، على بلاد أزبك، وكم قصم من ظهر، فيما وراء النهر، ثمارتفع ونجم، وهجم على العجم، وأوسع الخطا، إلى أرض الخطا، وقرم القرم، ورمى الروم بجمر مضطرم، وجر الجرائر، إلى قبرس والجزائر، ثم قهر خلقاً بالقاهرة، وتنبهتعينه لمصر فإذا هم بالساهرة، وأسكن حركة الإسكندرية، فعمل شغل الفقراء مع الحريرية.
ومنها:
إسكندرية ذا الوباء ... سبع يمد إليك ضبعه
صبراً لقسمته التي ... تركت من السبعين سبعه
ثم تيمم الصعيد الطيب، وأبرق على برقة منه صيب، ثم غزا غزة، وهز عسقلان هزة، وعك إلى عكا، واستشهد بالقدس وزكى، فلحق من النهار بين الأقصى بقلب كالصخرة،ولولا فتح باب الرحمة لقامت القيامة في مرة، ثم طوى المراحل، ونوى أن يحلق الساحل، فصاد صيداً، وبغت بيروت كيداً، ثم صدد الرشق، إلى جهة دمشق، فتربع ثم وتميد،وفتك كل يوم بألف وأزيد، فأقل الكثرة، وقتل خلقاً ببثرة. ومنها:
أصلح الله دمشقاً ... وحماها من مسبه
نفسها خست إلى أن ... تقتل النفس بحبه
ثم أمر المزه، وبرز إلى برزة، وركب تركيب مزج على بعلبك، وأنضد في قارة قفا نبك، ورمى حمص بجلل، وصرفها مع علمه أن فيها ثلاث علل، ثم طلق الكنة في حماة،فبردت أطراف عاصيها من حماة:
يا أيها الطاعون إن حماة من ... خير البلاد ومن أعز حصونها
لا كنت حين شممتها فسممتها ... ولثمت فاها آخذاً بقرونها
ثم دخل معرة النعمان، فقال لها أنت مني في أمان، حماة تكفيك، فلا حاجة لي فيك:
رأى المعرة عيناً زانها حور ... لكن حاجبها بالجور مقرون
ماذا الذي يصنع الطاعون في بلد ... في كل يوم له بالظلم طاعون
ثم سرى إلى سرمين والفوعة، فشعث عن السنة والشيعة، فسن للسنة أسنته شرعاً، وشيع في منازل الشيعة مصرعاً، ثم أنطى أنطاكية بعض نصيب، ورحل عنه حياء مننسيانه ذكرى حبيب، ثم قال لشيزر وحارم لا تخافا مني، فأنتما من قبل ومن بعد في غنى عني، فالأمكنة الردية، تصح في الأزمنة الردية، ثم أذل عزاز وكلزه، وأصبح فيبيوتها الحارث ولا أغنى ابن حلزة، وأخذ من أهل الباب، أهل الألباب، وباشر تل باشر، ودلك دلوك وحاشر، وقصد الوهاد والتلاع، وقلع خلقاً من القلاع، ثم طلب حلب، ولكنهما غلب.
ومنها ومن الأقدار، أنه يتتبع أهل الدار، فمتى بصق أحد منهم دماً، تحققوا كلهم عدماً، ثم يسكن الباصق الأجداث، بعد ليلتين أو ثلاث.
سألت بارئ النسم، في دفع طاعون صدم، فمن أحس بلع دم، فقد أحس بالعدم، ومنها:
حلب والله يكفي ... شرها أرض مشقه
أصبحت حية سوء ... تقتل الناس ببزقه
فلقد كثرت فيها أرزاق الجنائزية فلا رزقوا، وعاشوا بهذا الموسم وعرقوا، من الحمل فلا عاشوا ولا عرفوا، فهم يلهون ويلعبون، ويتقاعدون على الزبون:
اسودت الشهباء في ... عيني من وهم وغش
كادت بنو نعش بها ... أن يلحقوا ببنات نعش
ومما أغضب الإسلام، وأوجب الآلام، أن أهل سيس الملاعين، مسرورون لبلادنا بالطواعين:
سكان سيس يسرهم ما ساءنا ... وكذا العوائد من عدو الدين
فالله ينقله إليهم عاجلاً ... ليمزق الطاغوت بالطاعون
ومنها فإن قال قائل هو يعدي ويبيد، قلت بل الله يبدي ويعيد، فإن جادل الكاذب في دعوى العدوى وتأول، قلنا فقد قال الصادق صلى الله عليه وسلم فمن أعدى الأول،استرسل ثعبانه وانساب، وسمى طاعون الأنساب، وهو سادس طاعون وقع في الإسلام، وعندي أنه الموتان الذي أنذر به نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.
كان وكان:
أعوذ بالله ربي من شر طاعون النسب ... باروده المستعلي قد طار في الأقطار
دولاب دهاشانه ساعي لصارخ ما رثى ... ولا فدا بذخيره فناشه الطيار
يدخل إلى الدار يحلف ما أخرج إلا بأهلها ... معي كتاب القاضي بكل من في الدار
67
الوافي بالوفيات
القاضي زين الدين الوردي الشافعي عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس، القاضي الإمام، الفقيه، الأديب، الشاعر، زين الدين بن الوردي، المعري الشافعي.
أحد فضلاء العصر، وفقهائه، وأدبائه، وشعرائه، تفنن في العلوم وأجاد في المنثور، والمنظوم، نظمه جيد إلى الغاية، وفضله بلغ النهاية، لم يتفق لي لقاؤه إلى الآن، وأنا إلىرؤية وجهه ظمآن، كتبت إليه من دمشق في جمادى الآخرة سنة أربيعين وسبعمائة:
سلام على الحضرة العالية
سلام امرئ نفسه عاليه
لأن لها رتبة في العلى
ذوايها في السما سامية
وتؤنس من قد غدا يجتني
قطوف مسراتها دانية
أيا عمر الوقت أنت الذي
كراماته في الورى سارية
ويا بحر علم طمى لجة
فكم جاءنا عنه من راوية
ويا فاضلا أصبحت روضة الـ
ـعلوم بتحقيقه زاهية
لك الحظ كم فيه من نقطة
لها الحظ بالقلب من زاوية
تقدمت في النظم من قد مضى
لأنك في الذروة العالية
وأرخصت أسعار أشعارهم
كأن مدادك في غالية
وكم في قصيد إذا حكتها
تكون القلوب لها قافية
ونظمت في مذهب الشا
فعي كتابا عدا حاويا حاوية
وزدت مائله جملة
بتحقيق مذهبه وافية
فما لك من مشبه في الورى
ويا حسن ما هذه نافية
لئن كنت أرسلت هذا القر
يض فللبحر قد سقته شافية
وإلا فأهديت نحو الرياض
وقد أينعت زهرة ذاوية
وسرك إن لم أكن حاضرا
يغطي مساويها البادية
فلازلت في نعمة وفرها
يساق لها جملة باقية
وبعد الأرض. ونسأل الله أن يمن عليه بجمع شمله، وأن يقرب اللقاء، فإن التمني قد أطال المدة في وضع حمله، وأن يخفف وجده الذي أنسى المتيم العذري وجده يدعوهوحمله، وأن يريه ذلك الشخص الذي يروق البدور السيارة، ويروع الأسود الزأرة، وأن يرزقه اجتلاء ذلك الروض الذي تجنى بسمعه، إذ أن سلب النظارة بالنضارة، وأن يوردهعن ظمائه أبرح تلك الفضائل التي أبجرها زخارة، وأمواجها هدارة، وأن ينزله المحل الذي يخرج منه ومعه بكارة المعاني التي يبرز منها بكارة بعد كارة، وأن يمتع طرفه بذلكالبدر الذي يأخذ الناس من فوائده الكواكب السيارة، وأن يطلع عليه شمس فوائده التي تسرق من الطلبة في الهالة أو الدارة لعل الله يجهله اجتماعا يعين على الإقامة فيذراكا، وينهى أنه لما كان بالديار المصرية: حضر من قلب ألوية المولى شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي. وأنشد للملوك تضمين إعجاز ’’ملحة الإعراب’’ وقدأدام الله فوائده، فأخذ الملوك بمجامع قلبه، ودخل على لبه بهمزة سلبه، وعلم به القدرة على التصرف في الكلام، وتحقق أن نظم غيره إذا سمع قوبل بالملال والملام، وقال:وذلك الوقت عندما حصل له في كلام في المقه من كلام غيره المقا.
يا سائلا عمن غدا فضله
مشتهرا في القرب والبعد
الناس زهر في السرى نابت
دما ترى أذكى من الورد
وكان للهول قد علقها، وأدخلها أبواب حامله وأغلقها فاغتالتها يد الضياع، وعدم أنس حسنها المحقق من بين الرقاع. ثم إني سألته أن يجيز لي، فكتب الجواب، ومن خطهنقلت: كتبت إلى فلان، مد الله في جاهه، وجمل النوع الإنساني بحياة أشباهه يستجيز من رواية مصنفاتي ومروياتي ومؤلفاتي، فغديته سائلا، وأجبته قائلا: أما بعد:حمدا لله جابر الكبير، والصلاة والسلام على نبيه محمد البشير النذير، وعلى آله الذي أعربت أفعالهم، فسكن حب أسمائهم في مستكن الضمير، فإني ألقي إلي كتابكريم، يشتمل بعد: بسم الله الرحمن الرحيم -: على نظم فائق، بهي، ونثر رائق شهي، غرس لي أصوله بفضله خليل جليل، فامتد علي من فروعه ظل ظليل، قرأته فانتصبتله قائما على الحال، وتميزت به على غدي فطبت نفسا بعد الاعتلال، وابتهلت بالدعاء لهديه مخلصا، ولكن أسأت الأدب إذ وازنت جرام وزنه بالحصى، حيث قلت:
سلام على نفسك الزاكية
وشكرا لهمتك العالية
أزهرا أم الزهر أهديتها
لعبد مدامعه جارية
بل الأمن أرسلته محسنا
أمنت به كيد أعدائيه
كتاب يفوح شذا نشره
فلي منه رائحة جابية
وسعد مغاديه عن مركز الـ
ـعادة يلجى إلى زاوية
إذا حمل الجدي في نطحه
فناس إلى رأسه دانيه
وقابلني حين قبلته
من الطيب ما أرخص الغالية
وفكهني في جنى غرسه
ولاسيما بيت ما النافيه
معرب إيضاحه عمدة
معانيه شافية كافية
تردد عيني به لا سدى
ولكنها تطلب العافية
فمهديه أفديه من سيد
أياديه رائعة راقية
لعل الخليل يداني به
ليجعلها كلمة باقية
فيا جابرا دم معافى فكم
بعثت لمثلي من سارية
لأقلامك الرفع تبنى بها
على الفتح أفعالها الماضية
ولو لم يكن قد سعا نورها
لما حمل الحاسد الغاشية
فإن أهلك الناس جهل بهم
فأنت من الفرقة الناجيه
فكم باب نصر تبوأته
فأذهاننا منه كالجابيه
رضى بك عن دهره ساخط
فلا زلق في عيشة راضيه
فعفوا وصفحا ولا تنتقد
ويا بحر مالك والساقيه
وإني لفي خجل منك إذ
أجبتك في الوزن والقافيه
ليهنك أنك عين الزمان
فليت على عينه الواقيه
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 23- ص: 0
ابن الوردي القاضي زين الدين عمر بن مظفر، تقدم ذكره في حرف العين في مكانه.
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 27- ص: 0
أعيان العصر وأعوان النصر
عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس الشيخ الإمام الفقيه النحوي الأديب الشاعر الناثر زين الدين أبو حفص بن الوردي المعري الشافعي.
أحد فضلاء العصر وفقهائه وأدبائه وشعرائه. تفنن في علومه، وأجاد في منثوره ومنظومه. شعره أسحر من عيون الغيد، وأبهى من الوجنات ذات التوريد. قام بفن التوريةفجاءت معه قاعدة، وخطها في الطروس وهي فوق النجوم صاعدة، يطرب اللبيب لسماعها ولا طرب الصوفي للشبابه، ويعجب الأديب لانطباعها ولا عجب الغواني بما التحفشبابه، ويرغب الأريب لارتجاعها ولا رغبة الروض الذي صوح في صوب السحابة. ويدأب النجيب في اقتطاعها ولا دأب المحب في التمسك بأذيال محبوبه السحابة:
لفظ كأن معاني السكر تسكنه
فمن تحفظ بيتا منه لم يفق
كأنه الروض يبدي منظرا عجبا
وإن غدا وهو مبذول على الطرق
وفقهه للطالب روضه، وللأصحاب الفتاوى قد شرع حوضه. نظم الحاوي وزاده مسائل، وجعله بعد وحشة الأذهان منه خمائل، وعربيته تلافيها ما أنس غريبها بتلافيهاوقربها إلى التعقل بعد تجانفها وتجافيها، وسهل عويصها فلو سمعته الأعرابية ما قالت: ’’يا أبت أدرك فاها غلبني فوها لا طاقة لي بفيها’’، إلا أنه مع هذه القدرة وهذاالتمكن من فن الأدب، وكونه إذا تصدى للنظم تنسل إليه المعاني من كل حدب، لا يسلم من الإغارة على من سواه، واغتصاب ما سبقته إليه غيره وما حواه، ولا يعف عما هولمن تقدمه أو عاصر أو استسلم له أو حاصره. وبهذه الخلة نقص، ولولاها صفق له الزمان ورقص.
ولم يزل في حلب يتولى القضاء في تلك النواحي، وتبكي الغمائم لفراقه وتبتسم لقدومه ثغور الأقاحي، إلى أن ترك الولايات ورفضها، وعاد على أحكامها ونقضها، وأرصدنفسه للإفادة، وتلفع برداء الزهادة، واختص بسيادة العلم وهي السيادة. و تخرج به جماعة وتنبهوا، وحاكوا طريقه وتشبهوا، إلى أن افترس الوردي ورد المنية، وأصبح فيحفرة القبر من وراء الثنية.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.
وتوفي أخوه القاضي جمال الدين يوسف قبله بقليل.
وكان الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى قد رأى عجائب الطاعون في حلب، فعمل فيه رسالة أنشأها وأبدعها وسماها: النبا في الوبا، ولكنه ختم به الوبا، وفجع الناس فيه.
وقلت أنا فيه لما بلغتني وفاته:
لئن ذوى الوردي في هذه الـ
ـدنيا لقد أينع في الخلد
إنما أوحش ربع النهى
والفضل في نقص وفي رد
والعلم روض ماله رونق
لأنه خال من الوردي
وكنت قد كتبت إليه من دمشق في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة:
سلام على الحضرة العالية
سلام امرئ نفسه عانيه
لأن لها رتبة في العلا
ذوائبها في السما ساميه
ويؤنس من غدا يجتني
قطوف مسراتها دانيه
أيا عمر الوقت أنت الذي
كراماته في الورى ساريه
ويا بحر علم طمى لجه
فكم جاءنا عنه من راويه
ويا بحر علم طمى لجه
فكم جاءنا عنه من راويه
ويا فاضلا أصبحت روضة الـ
ـعلوم بتحقيقه زاهيه
لك الخط كم فيه من نقطة
لها الحظ بالقلب في زاويه
تقدمت في النظم من قد مضى
لأنك في الذروة العاليه
ورخصت أسعار أشعارهم
كأن مدادك من غاليه
وكم من قصيد إذا حكتها
تكون القلوب لها قافيه
ونظمت في مذهب الشافعي
كتابا غدا حاويا حاويه
وزدت مسائله جملة
بتحقيق مذهبه وافيه
فما لك من مشبه في الورى
ويا حسن ما ههنا نافيه
لئن كنت أرسلت هذا القريض
فللبحر قد سقته ساقيه
وإلا فأهديت نحو الريا
ض وقد أينعت زهرة ذاويه
وسترك إن لم أكن حاضرا
يغطي مساوئه الباديه
فلا زلت في نعمة وفرها
تساق له جملة باقيه
يقبل الأرض ويسأل الله أن يمن عليه بجمع شمله، ويقرب اللقاء، فإن التمني قد أطال المدة في وضع حمله، وأن يريه ذلك الشخص الذي يروق البدور السيارة، ويروع الأسودالزأارة، وأن يرزقه اجتلاء ذلك الروض الذي نجني بسمعه أزهاره التي تسلب النظارة بالنضارة، وأن يورده على ظمئه البرح تلك الفضائل التي أبحرها زخاره، وأمواجهاهدارة، وأن ينزله المحل الذي يخرج منه ومعه بكارة المعاني التي تبرز منها بكارة بعد كاره، وأن يمتع طرفه بذلك البدر الذي يأخذ الناس من فوائده الكواكب السيارة، وأنيطلع عليه شمس فوائده التي تشرق من الطلبة في الهالة والدارة:
لعل الله يجعله اجتماعا
يعين على الإقامة في ذراكا
وينهي أنه لما كان في الديار المصرية حضر من حلب المحروسة المولى شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي، وأنشد المملوك تضمين أعجاز ملحة الإعراب لمولاناأدام الله فوائده فأخذ من المملوك بجامع قلبه، ودخل على لبه بهمزة سلبه، وعلم به القدرة على التصرف في الكلام، وتحقق أن نظم غيره إذا سمع قوبل بالملال والملام. وقالفي ذلك الوقت عندما حصل له في كلام مولانا المقة وفي كلام غيره المقت:
يا سائلا عمن غدا فضله
مشتهرا في القرب والبعد
الناس زهر في الثرى نابت
وما ترى أذكى من الوردي
وكان المملوك قد علقها، وأدخلها أبواب حاصله وأغلقها، فاغتالتها أيدي الضياع، وعدم أنس حسنها المحقق من بين الرقاع.
ثم إني سألته أن يجيزني رواية ما يجوز له تسميعه، فكتب الجواب، ومن خطه نقلت:
كتب إلي فلان أمد الله تعالى في جاهه، وجمل النوع الإنساني بحياة أشباهه، يستجيز مني رواية مصنفاتي ومروياتي ومؤلفاتي، ففديته سائلا، وأجبته قائلا:
أما بعد حمد الله جابر الكسير، والصلاة على نبيه محمد البشير النذير، وعلى آله الذين أعريت أفعالهم فسكن حب أسمائهم في مستكن الضمير.
فإني ألقي إلي كتاب كريم، يشتمل بعد بسم الله الرحمن الرحيم، على نظم فائق بهي، ونثر رائق شهي، غرس لي أصوله بفضله خليل جليل، فامتد علي من فروعه ظلظليل، فرأيته فانتصبت له قائما على الحال، وتميزت به على غيري، فطبت نفسا بعد الاعتلال، وابتهلت بالدعاء لمهديه مخلصا، ولكن أسأت الأدب إذ وازنت جوهر نظمهبالحصى حيث قلت:
سلام على نفسك الزاكية
وشكرا لهمتك العالية
أزهرا أم الزهر أهديتها
لعبد مدامعه جارية
كتاب يفوح شذى نشره
فلي منه رائحة جائيه
وسعد معاديه عن مركز الـ
ـسعادة يلجا إلى زاويه
إذا حمل الجدي في نطحه
ففاس إلى رأسه دانيه
وقابلني حين قبلته
من الطيب ما أرخص الغاليه
وفكهني في جنى غرسه
ولا سيما بيت ما النافيه
تردد عيني به لا سدى
ولكنها تطلب العافيه
فمهديه أفديه من سيد
أياديه رائقة راقيه
لعل الخليل بداني به
ليجعلها كلمة باقيه
فيا جابرا دم معاذا فكم
بعثت لمحلي من ساريه
لأقلامك الرفع تبنى بها
على الفتح أفعالها الماضيه
ولو لم يكن قد سبا نورها
لما حمل الخادم الغاشيه
فإن أهلك الناس جهل بهم
فأنت من الفرقة الناجيه
فكم باب نصر تبوأته
فأذهاننا منه كالجابيه
رضي بك عن دهره ساخط
فلا زلت في عيشة راضيه
وإني لفي خجل منك إذ
أجبتك في الوزن والقافيه
فعفوا وصفحا ولا تنتقد
ويا بحر مالك والساقيه
ليهنك أنك عين الزما
ن فليت على عينه الواقيه
ولما انتهيت إلى استجازته التي انتظمت في سلوك الحسن بحسن السلوك، واستعظمت، فلولا حسن الظن لأوهمت تهكم المالك بالمملوك، أحجمت عن إجازة من شمر فيالعقل والنقل لتحقيق القديم والحديث، وتبحر في إغراب الإعراب حتى كأن النحاة إياه عنوا بمسألة سيرك السير الحثيث، وقلت: ماذا أصف، وبأي عباة أنتصف. في إجازةمن إذا كتب طرز بالليل رداء نهاره، وإذا نثر فالأنجم الزهر بعض نثاره، وإذا نظم لم يقنع من الدر إلا بكباره، ولم يرض من المعاني إلا بدقيق من بين حجريه الثمينين بلأحجاره، إن أعرب ف ويه على سيبويه، وإن نحا فهو الخليل غير مكذوب عليه، يأتي بما يفتر عنه المبرد، ويشق له الكسائي كساه ويجرد، ويقول الزجاجي: أيها الشاب لقدأخجلت جواهرك صرحي الممرد، وينادي ابن أبي الحديد: سطا علي لسانك المبرد، ويستخدم ملك النحاة في جنده، ويرفرف ابن عصفور عليه بجناحيه ويحلف أنه الخليفةمن بعده، بتعمق يرهف حروف الحروف، وينصف حتى لا يعدو ثعلب ولا أكبر منه على ابن خروف، ويصدق حتى لا يقال ضرب زيد عمرا، ويعدل حتى لا يشتم خالد بكرا،مع بساتين فنون أخر تهتز بنسمات السحر عذبات أفنانها، ويقول حاسدها: آه، فتشبه ألفه في العظم قدود نخلها، وهاؤه ثمر رمانها.
ثم فكرت أن كتابه الشريف آمنني النوب، وخصني بالنوبة الخليلية من بين النوب، وكفاني مواثبة العكس والطرد، وأولاني مناسبة الغرس للورد، فترددت هل أفعل أو لا، ثمظهر لي أن امتثال المرسوم أولى، وجسرني على ذلك مرسوم شيخ الأدب ورحلته، وركنه الأعظم وقبلته، شيخنا الفذ جمال الدين بن نباتة، فسح الله في مدته وأبقى حياته،الذي إن نثر جعل اللجين إبريزا بحسن السبك، وإن نظم قال نظمه: لقرينتيه الحسن والقبول: قفا نضحك من قفا نبك. لا جرم أنا من بحره الحلو نغترف، وبالتقاط جوهرهالتي زان بها مفارق طرق البلاغة نعترف، فأطلعت إذن أمره طالبا صفحه وستره، وقلت: لقد بدأتني أعزك الله بما كنت أنا به أحرى، وكلفتني شططا فتلوت: ’’ستجدني إنشاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا’’، وها قد أجزت لك متطفلا عليك، وأذنت لك متوسلا إليك، أن تروي عني ما يجوز لي روايته وإسماعه، و ليتصل بك فيما اتصل بك ماأمن انقطاعه، من منقول ومقول، وفروع وأصول، ونثر ونظم وأدب وعلم وشرح وتأليف وبسط وتصنيف بشرط المضبوط، وضبطه المشروط.
أما مصنفاتي الشاهدة علي بقصور الباع، ومؤلفاتي المشيرة إلي بقلة الإطلاع، فمنها في الفقه: البهجة الوردية في نظم الحاوي، وفوائد فقهية منظومة.
ومنها في النحو: شرح ألفية ابن مالك، وضوء الدرة على ألفية ابن معط، وقصيدة اللباب في علم الإعراب، وشرحها، واختصار ملحة الإعراب نظما، وتذكرة الغريب نظماوشرحها.
ومنها في الفرائض: الرسائل المهذبة في المسائل الملقبة.
ومنها في الشعر والأدبيات: أبكار الأفكار.
ومنها في غير ذلك: تتمة المختصر في أخبار البشر، اختصار تاريخ حماة، والذيل عليه، والتتمات في أثنائه.
وأرجوزة ي تعبير المنامات، خمس مئة بيت.
وأرجوزة في خواص الأحجار والجواهر، ومنطق الطير، نظما ونثرا، فيه نوع أدب تصوفي، وما لا يحضرني الآن ذكره، وكان الأولى ستره.
أجزت لك أيدك الله رواية الجميع عني بأفضالك، ورواية ما أدونه وأجمعه من ذلك حسبما اقترحه خاطرك العزيز واستوجبت به مدحي، فأنا المادح أنا المجيز.
قاله وكتبه عمر بن مظفر في العشر الأول من شعبان سنة أربعين وسبع مئة.
وكتب بخطه تضمين أنصاف أبيات ملحة الإعراب، وهي في غاية الحسن، وهي ستة وستون بيتا، وقد أثبتها بكمالها في ترجمته في تاريخي الكبير.
وكتب بخطه تضمين:
#يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر لأبي العلاء المعري في مديح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي في إجازته في الجزء الثامن عشر من التذكرة التي لي.
وكتب أيضا بخطه مفاخرة له نثرا بين السيف والقلم وجودها، وكتب بخطه أيضا مقاطيع كثيرة وهي في الجزء الثامن عشر من التذكرة لي، وأثبت له شيئا كثيرا من نظمهفي التذكرة التي لي وهو مفرق في أجزائها.
ومن مصنفاته الكلام على مئة غلام كتبته جميعه بخطي، وهو في الجزء الثاني والثلاثين من التذكرة، والكواكب السارية في مئة جارية، كتبته جميعه بخطي أيضا، وهو فيالجزء الثالث والثلاثين من التذكرة، وله أحاجي نحوية على حروف المعجم وهي قال:
يا من حاجى
في الأسماء
اطرح حرفا
بعد التاء
القثا
وقال:
يا من أحاجيه تغني
عن فطنة المتنبي
إن كان عندك فهم
مثل لنا طول جب
مدابير
وقال:
يا فاضلا قد صلحت
للعالمين نيته
اطرح رتاجا ما ترى
يا سيدي أحجيته
القباب
وقال:
يا من يفوق البرايا
في بحثه حين يبحث
مثل ولا تتوقف
قولي تلا متلبث
قراقف وقال:
قوالوا لرب الحجى
والواضح المنهج
مثل لنا مسرعا
في القول رزقي نجي
قسميات وقال:
أتت يا كامل الحجى
والكلام المصحح
قولي: الطرف ملكه
هات لي مثله اشرح
الإنالة وقال:
يا فاضلا في الأحاجي
ما إن له من مؤاخي
نور لآية حرث
مثل بغير تراخ
سنانير وقال:
يا إماما توقى
ولي كل معاد
ما نظير لقولي
باع أرض سواد
شراريف وقال:
يا من حاجى
وقيت أذى
مثل قولي
تعب جبذا
عناقيد وقال:
يا من أحاجيه أعيت
ذهن الصدور الكبار
ما مثل قولي لشخص
حاجيته رطل قار
مناقير وقال:
يا سيدا ألفاظه
لكل معنى حائزه
مثل لنا ولا تقف
ألف وألف جائزه
الفاصلة وقال:
يا من له بين الورى رتبة
معروفة تومن تلبيسه
مثل لنا أمر امرئ حاضر
بأنه يشغل نقريسه
الهداية وقال:
يا تاجرا في العلم لا
في الملهيات ولا القماش
مثل لنا بخلا بما
إن شئت أو أقص عطاش
دراهيم وقال:
يا فاضلا يرجى له
من ربه حسن الخلاص
مثل لنا في سرعة
تعب المسن من القلاص
عنانيب وقال:
يا من أبان الـ
ـمعنى وفضه
مثل لنا سريعا
أهمل فضه
أبارقه وقال:
يا من لثغر العلا
والعلم أضحى يحوط
إن كنت ذا فطنة
ما مثل أحبب قنوط
مقياس وقال:
يا إماما في الأحاجي
زانه فهم وحفظ
مثل الآن سريعا
آلة التعريف لفظ
الكلمة وقال:
يا سيدا فيه بشر
للبائس المتوجع
إن كنت تدري الأحاجي
فما مثال ارجع ارجع
هدهد وقال:
يا سيدا ذكاؤه
قد أعجز المبالغا
مثل لنا ولا تقف
اطلب شرابا سائغا
سلمى وقال:
يا سيدا ذكاؤه
والفهم أعيا من يصف
كن ناهبا وواهبا
مثل لنا ولا تقف
سلهب وقال:
يا من له فضل يمت به
وبه يرجى الجمع للفرق
مثل لنا إن كنت ذا فطن
ما مثل أهمل ما على العنق
الغراس وقال:
يا فاضلا في الله
أضحى أخذه وتركه
مثل لنا بسرعة
مرتفعات ملكه
الزباله وقال:
يا سيدا ألفاظه
تجل عن مماثل
مثل لنا بسرعة
عشر مئات فاضل
الفراسخ وقال:
يا من له في المعالي
والفضل أي كرامه
مثل لنا ولا تتوقف
نظير علم علامه
سمسمه وقال:
يا شهما ذكيا
بالآداب ملآن
مثل لي سريعا
أحبب غير غضبان
مقراض وقال:
يا شارح المعميا
ت وجهه ووجهها
ذو لحية كبيرة
ملك له ما شبهها
الحالة وقال:
يا من حوى من فهمه
وعلمه ما قد حوى
مثل لنا إذ كنت ما
ذكرته ظهر هوى
مطاريح وقال:
يا سيدا بفضله
أصبح حبرا كاملا
مثل لما في الوقت ما
رادف أطعم عاملا
منوال وقال:
يا سيدا في الأحاجي
له كمال رويه
مثل فداك المعادي
والضد رب عطيه
ذاهبة
ولما وقفت له على كتابه الكلام على مئة غلام عند القاضي الرئيس بهاء الدين حسن بن ريان، وجدت غالبه من نظمي في الحسن الصريح في مئة مليح، وكان ذلك عقيبقدومي من القاهرة فقلت له: يا مولانا اكتب إليه، وقل له: قد وقع صاحب العملة بها وعرفها. فكتب إليه وعرفه المقصود، فغير فيها أشياء فلهذا ترى نسختين ثم وقفت له علىأشياء في غير ما نوع قد اغتصبها واختلسها، فكتبت إليه رحمه الله تعالى:
أغرت على أبكار فكري ولم أغر
عليها فلا تجزع فما أنا واجد
ولو غير مولاي استباح حجابها
أتته من العتب الأليم قصائد
قواطع لا تحميه درع اعتذارها
وألسنها عنه الخصام مبارد
ولكنه لا فرق بيني وبينه
يبين لأنا في الحقيقة واحد
فكتب هو الجواب إلي وأجاد:
وأسرق ما أردت من المعاني
فإن فقت القديم حمدت سيري
وإن ساويته نظما فحسبي
مساواة القديم فذا لخيري
وإن كان القديم أتم معنى
فهذا مبلغي ومطار طيري
فإن الدرهم المضروب باسمي
أحب إلي من دينار غيري
كان رحمه الله تعالى وسامحه لما سمع قولي:
أترك هوى الأتراك إن شئت أن
لا تبتلى فيهم بهم وضير
ولا ترجي الجود من وصلهم
ما ضاقت الأعين منهم لخير
قال هو رحمه الله مختصرا:
سل الله ربك من فضله
إذا عرضت حاجة مقلقه
ولا تقصد الترك في حاجة
فأعينهم أعين ضيقه
ولما سمع قولي:
ركبت في البحر يوما مع أخي أدب
فقال دعني من قال ومن قيل
شرحت يا بحر صدري اليوم قلت له
لا تنكر، الشرح يا نحوي للنيلي
فقال هو رحمه الله تعالى وزاد:
ديار مصر هي الدنيا وساكنها
هم الأنام فقابلهم بتقبيل
يا من يباهي ببغداد ودجلتها
مصر مقدمة والشرح للنيلي
ولما سمع قولي:
كؤوس المدام تحب الصفا
فكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشها
فأحسن ما ذهبت بالطلا
#قال هو رحمه الله تعالى ونقص:
أحسن ما كانت كؤوس الطلا
ساذجدة يبدو بها الخافي
فالنقش نقص ومن الرأي أن
ترتشف الصافي من الصافي
وقال رحمه الله تعالى أيضا مختصرا:
دع الكأس من نقشها
فصاف بصاف أحب
إذا ذهبت بالطلا
فقد طليت بالذهب
ولما سمع قولي:
انهض إلى الربوة مستمتعا
تجد من اللذات ما يكفي
فالطير قد غنى على عوده
في الروض بين الجنك والدف
قال رحمه الله تعالى:
دمشق قل ما شئت في حسنها
واحك عن الربوة ما تحكي
فالطير قد غنى على عوده
وزفها بالدف والجنك
قلت: كذا وجدته قال، وفيه فساد، وهو أنه أضاف الدف إلى الربوة والمشهور بين الناس إضافة الجنك إلى الربوة، فما يقال إلا جنك الربوة، وما يقال: دف الربوة. وإن كانهناك دفوف كثيرة فإن المشهور ما قلته، وقد أخذ المعنى بكماله، ونصف البيت الأول من الثاني بلفظه، وهذه مصالتة، عفا الله عنه.
ولما سمع قولي:
تزوج الشيخ بتركية
تضم في الغربة أطرافه
كأنها من حسنها شمعة
وهي على العشاق طوافه
وقولي في مخيلة:
نقط خدي الدمع عشقا وقد
قامت إلى الرقص خياليه
فما رأت عيني لها مشبها
مصرية في ضوء شاميه
جمع هو المقصدين في مقطوع واحد فقال:
جاءتك في طيف خيال حكت
خيال طيف هز أعطافه
مصرية في ضوء شامية
يا حين ذي الشمعة طوافه
ولما سمع قولي:
ومليح طراز كميه أضحى
مثل خط العذار في حسن رقم
قال قلت الظباء مثلي وما عا
زت ظباء الفلا سوى طرز كمي
وقولي أيضا وفيه تضمين:
ضممت معذبي لما أتاني
ورقم عذاره قد راق عيني
فيا طرزيه هل يدني زماني
ليالي وصلنا بالرقمتين
وجمعهما وقال:
طرز قباء محنتي
كخده ورقمه
ما أعوزت منه الظبا
إلا طراز كمه
ولما سمع قولي:
عجبا لزهر اللوز حين يلوح والـ
ـأوراق إذ تجلى على نظاره
عكس القضية في الورى فمشيبه
يبيض من قبل اخضرار عذاره
قال رحمه الله تعالى:
أشجار لوز تنادي
أمري على الخلف جاري
بعد اشتعالي مشيبا
يخضر مني عذاري
قلت: قوله أخصر، لكنه أبتر، وقولي أنا أكمل وأجمل، وقولي عكس القضية أكثر في الاستعمال من قوله أمري على الخلق جار.
ولما سمع قولي:
أسائل عن أرض ألفت ربوعها
وفيها حبيب نلت منه مرادي
فقالوا متى تظلم جلالها بوجهه
فقلت أنا أدرى بشمس بلادي
قال هو مختصرا:
ما الشمس عندي على ما
زعمتم يا أعادي
دعوه عنكم فإني
أدري بشمس بلادي
ولما سمع قولي في مليح أمير:
هذا المليح المفدى
قلب المعنى أسيره
يقول من بات ضيفي
عشقا فإني أميره
قال هو رحمه الله تعالى:
أقول لبدر سائر بين أنجم
أأنت أمير المصر قال أميره
فقلت إذا مات الكرام بأسرهم
أأنت تمير الوفد قال أميره
ولما سمع قولي في مليح فقير:
فقير غنيت به في الهوى
إذا ما بدا عن محيا البدور
وأصبح وجدي كثيرا به
على أنه قد غدا بالفقيري
قال هو مختصرا:
بي فقير كغني
بسنا وجه منير
لا تلمني في افتضاحي
فغرامي بالفقيري
ولما سمع قولي في مليح ناسخ:
بليت بناسخ كالبدر حسنا
له خصر طفا والردف راسخ
برى جسمي ضنا إذ قط قلبي
وأصبح للجفا بالوصل ناسخ
قال هو مختصرا:
ناسخ راسخ الروا
دف والخصر قد طفا
قد برى الجسم عندما
نسخ الوصل بالجفا
قلت: أخذ المعنى واللفظ بعينهما واختصره لكنه محقه، فإنه ما ذكر القط وهذا ظاهر.
ولما سمع قولي:
لئن سمح الدهر البخيل بقربكم
وسكن منا أنفسا وخواطرا
جعلنا ابتذال النفس شكران وصلكم
وقلنا لدمع العين تعمل ما جرى
نقله فقال في مليح فقير:
ولي فقير أدمعي
تعمل فيه ما جرى
إن قلت قد سلبتني
يقول شغل الفقرا
ولما سمع قولي:
يقول لما قلت هذا اللمى
أسكرتني لما ترشف فاك
سواك ما ذاق لمى مبسمي
أستغفر الله ذكرت السواك
نقله هو فقال:
قالت وناولتها سواكا
ساد بفيها على الأراك
سواي ما ذاق طعم ريقي
قلت بلى ذاقه سواكي
ولما سمع قولي:
مر على حبي نسيم الصبا
فقال لي في بعض أقواله
ما لي في زهر الربا عبرة
مذ تمسكت بأذياله
نقله هو فقال:
ضممتها عند اللقا ضمة
منعشة للكلف الهالك
قالت تمسكت وإلا فما
هذا الشذا قلت بأذيالك
ولما سمع قولي في قيم حمام:
بلان حمامنا له نظر
يحار في حسن وصفه الفكر
عيناه موسى ونبت عارضه
له مسن وقلبه حجر
قال هو رحمه الله تعالى مواليا:
حمامكم فيه قيم منظر ويسبي
غسلني بالدمع ثن أنشد كذا صبي
جعل مسنو وموسو والحجر نصبي
قال ذا عذاري وذا طرفي وذا قلبي
ولما سمع قولي:
المقلة السوداء أجفانها
ترشق في وسط فؤادي النبال
وتقطع الطرق على سلوتي
حتى حسبنا في السويداء رجال
قال هو ولكنه حول معناه:
من قال بالمرد فإني امرؤ
إلى النساء ميلي ذوات الجمال
ما في سويدا القلب إلا النسا
ما حيلتي ما في السويدا رجال
ولما سمع قولي مضمنا:
مليح يخاف على حسنه
فينتف منه عذارا سرح
فقلت له خل هذا الخيال
ومد الشباك وصد من سنح
قال ونقل المعنى إلى صياد:
لو جنة صيادكم نسخة
حريرية ملحة الملح
تقول لنبت العذار اجتهد
ومد الشباك وصد من سنح
ولما سمع قولي:
بتنا وما نقلنا سوى قبل
وريق فيه السلاف مشروبي
نمنا وما نمت الوشاة بنا
لولا فضول الحلي والطيب
قال هو:
زارت على ياسي لطيف خيالها
يا دهر ما بقيت عليك ذنوب
فركبت أخطار الهوى في وصلها
والطيب واش والحلي رقيب
ولما وقفت أنا على قوله:
أخذت عني بديلا
وذا دليل بأنك
تمر بي لست تلوي
علي حتى كأنك
فلست تحسن هجري
ولست أهجر حسنك
وليس يوزن وجدي
وليس يوجد وزنك
قلت: الذي يسلك هذه الطريق السهلة العذبة المنسجمة التي ليس فيها غريب لغة ولا غريب إعراب، ولا تقديم ولا تأخير، ولا حذف ولا تقدير، ما يأتي بهذا الإعراب الذينحتاج أن نقدر له نيابة المصدر المحذوف، وهو يتشبه بطريق البهاء زهير رحمه الله تعالى وذلك ليس في شعره تكلف، بل قول مطبوع غير متطبع، ولا عنده تكلف في إعرابولا حوشي لغة. وقد قلت أنا في ذلك:
لقد أضعفني حزني
وضاعف خالقي حسنك
فها أنا لم أزن وجدي
لأني لم أجد وزنك
وصاحب الذوق السليم يحكم بيني وبينه في هذا رحمه الله تعالى.
وأنشدني لنفسه إجازة، وجوده مضمنا:
مليح خصره والردف منه
كبنيان القصور على الثلوج
خذوا من خده القاني نصيبا
فقد عزم الغريب على الخروج
وأنشدني له أيضا:
جنبتني وأخي تكاليف الشقا
وشفيتنا في الدهر من خطرين
يا حي عالم دهرنا أحييتنا
فلك التحكم في دم الأخوين
وأنشدني له أيضا:
قلت وقد عانقته
عندي من الصبح فلق
قال وهل يحسدنا
قلت نعم قال انفلق
وأنشدني له وجوده:
جبرت يا عائدتي بالصله
فتممي الإحسان تنفي الوله
وهذه قد حسبت زورة
لم أنت يا لعبة مستعجله
وأنشدني له أيضا:
بالله يا معشر أصحابي
اغتنموا فضلي وآدابي
فالشيب قد حل برأسي وقد
أقسم ما يرحل إلا بي
وأنشدني له أيضا:
لا تقصد القاضي إذا أدبرت
دنياك واطلب من جواد كريم
كيف ترجى الجود من عند من
يفتي بأن الفلس مال عظيم
وأنشدني له أيضا:
رامت وصالي فقلت لي شغل
عن كل خود تريد تلقاني
قالت كأن الخدود كاسدة
قلت كثيرا لقلة القاني
وأنشدني له أيضا:
وكنت إذا رأيت ولو عجوزا
يبادر بالقيام على الحراره
فأضحى لا يقوم لبدر تم
كأن النحس قد عطي الوزاره
وأنشدني له أيضا:
قلت لنحوي إذا عرضا
له بأوقات الرضا أعرضا
يا حيث لو أصبح باب الرضى
كيف لما كنت كأمس مضى
قلت: بريد يا مضموما عني لو أصبح باب الرضى مفتوحا لما كنت مكسورا
وأنشدني له أيضا:
لما رأى الزهر الشقيق انثنى
منهزما لم يستطع لمحه
وقال: من جاء؟ فقلنا له:
جاء شقيق عارضا رمحه
وأنشدني له أيضا:
دهرنا أمسى ضنينا
باللقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عودي
واجمعينا أجمعينا
وأنشدني له أيضا:
إني عدمت صديقا
قد كان يعرف قدري
دعني لقلبي ودمعي
عليه أحرق وأذري
وأنشدني إجازة له:
رأيت في الفقه سؤالا حسنا
فرعا على أصلين قد تفرعا
قابض شيء برضا مالكه
ويضمن القيمة والمثل معا
قلت: يتصور في صور منها المحرم يستعير صيدا من غيره فيتلف في يده فتلزمه القيمة لمالكه والمثل جزاء لله تعالى.
أنشدني إجازة، ونقلته من خطه يمدح الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة كمال الدين محمد بن المزملكاني رحمهما الله تعالى:
هنيت عاما مقبلا مقبلا
عليك بالسعد وعيش حلا
مولاي يا من قلبه راحم
وهو أحق الناس أن يعدلا
محبتي موجبة للثوى
وحاجتي تقضي بأن ارحلا
حسبت في أيامكم رفعة
وما خشيت الدهر أن أنزلا
وقلت من يرضى خمولي إذن
فكنت أنت المحسن المجملا
فليتكم أبقيتموني كما
قد كنت من قبلكم الأولا
أتقنت باب البيع والصرف في الـ
ـشهبا وما دافع باب الولا
ثم متى أغفلتني بعد ذا
شرعت في التفليس مستبدلا
ما أنس لا أنس رسولا أتى
بنقلتي لا أعدم المرسلا
قلت رسولي رمت جري إلى
منبج ماذا أنت من أو إلى
قال آنا من قلت لا إن من
للابتدا أنت كذا؟ قال: لا
أنا إلى قلت إلى نعمة
واحدة الآلاء عند الملا
أين هي النعمة في قاطع
بقربه ما حق أن يوصلا
فقال ما سميتني هات قل
واحذر عن التعليل أن تذهلا
قلت له جئت بنفي عن الـ
ـجنس فحق أن نسميك لا
قلت انصرف قال انصرافي على
مذهب أهل النحو لن يجملا
فالعدل والتعريف عندي ولي
منزلة في النحو لن تجهلا
قال أضفناك إلى منبج
فحق أن تصرف مسترسلا
قلت بلادي ربعها عامر
ومنبج ربعها قد خلا
قال اسمك المعدول عن عامر
قضى عن العامر أن تعدلا
وأنشدني له إجازة ومن خطه، نقلت موشحة فائقة:
مذهبي
حب رشا ذي جسد مذهب=قد حبي
حسنا به يستعذب القدح بي
عاذلا=ما أنت فيما قلته
عادلا
سائلا=يخبرك دمع قد همى
سائلا
آه لا=تعذل فما قلبي لذا
آهلا
منصبي
والعقل أذهبتهما من صبي=ما ربي
إلا وقد ربي به ما ربي
ما نسي
زمان طيب الوصل في ما نسي
والمسي
رقيبي بالكف لم ألمس
جانسي
حزني فألفي كلما جا نسي
وارق بي
يا طرف سهدا والنجوم ارقب=واشن بي
من لم يهم في ثغر أشنب
رق ما
في خده الوردي قد رقما
عندما
رأيت دمعي للجفا عندما
ضر ما
في مهجتي من هجره ضرما
من أبي
يأبى الرضا نلت الجفا من أبي=فارع بي
رضاه يا قلبي وته وارعب
من صلا
لي فخه بل من نضالي منصلا
بلبلا
فؤاد مضناه هوى بل بلا
أو ولا
ملازم آخره الأولا
فانه بي
غيري ولذات الغرام انهب=واله بي
عن عذل بل يا حشاي الهب
وفي هذه الموشحة كرر في القافية لفظة بي في مواضع، وهو إيطاء، لكن يغتفر للحلا.
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 3- ص: 675
ابن الوردي عمر بن مظفر. وأخوه القاضي جمال الدين يوسف بن المظفر.
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 545
طبقات الشافعية الكبرى
عمر بن مظفر بن محمد بن أبي الفوارس الشيخ الفقيه الأديب النحوي
زين الدين ابن الوردي
تفقه على قاضي القضاة شرف الدين البارزي
وولي القضاء في بلاد حلب ثم ترك وأقام بحلب
ومن تصانيفه نظم الحاوي وهو حسن جدا وله فوائد فقهية منظومة وأرجوزة في تعبير المنامات واختصار ملحة الإعراب وغير ذلك وشعره أحلى من السكر المكرر وأغلى قيمةمن الجوهر
توفي في سابع عشري من ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبعمائة بحلب في الطاعون
وله في الطاعون رسالة بديعة
أنشدنا لنفسه إجازة
لا تقصد القاضي إذا أدبرت
دنياك واقصد من جواد كريم
كيف ترجي الرزق من عند من
يقضي بأن الفلس مال عظيم
وأيضا
قلت وقد عانقته
عندي من الصبح قلق
قال وهل يحسدنا
قلت نعم قال انفلق
وأيضا
لما رأى الزهر الشقيق انثنى
منهزما لم يستطع لمحه
وقال من جا فقلنا له
جاء شقيق عارضا رمحه
وأيضا
دهرنا أمسى ضنينا
باللقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عودي
واجمعينا أجمعينا
وأيضا
رأيت في الفقه سؤالا حسنا
فرعا على أصلين قد تفرعا
قابض شيء برضا مالكه
ويضمن القيمة والمثل معا
يعني إذا استعار المحرم صيدا فأتلفه فإنه يلزمه القيمة لمالكه والمثل لله تعالى
وأيضا
وأغيد يسألني
ما المبتدا والخبرا
مثلهما لي مسرعا
فقلت أنت القمر
وأيضا
من ترى علمها على مهى
وحشاها من نفار من حشاها
ضرة للشمس والبدر فلو
أدركتها ضرتاها ضرتاها
بك يا عاشق منها شبهة
لو أباحت لك فاها لكفاها
وسويداؤك فيها غلة
لو تدانت شفتاها شفتاها
غض من طرفيك إن قابلتها
كل نفس مقتلاها مقتلاها
ليس يدري الأمر من لم يرها
ودرى من قد رآها قدر آها
وله أيضا في مليح خليفة
يا أمير المؤمنين اعطف ولا
تحتجب عنا بمن قد شرفك
لو كشفت الستر قبلنا الثرى
وترحمنا على من خلفك
وله أيضا
علقت أعرابية ريقها
شهد ولي عذاب مذاب
طرفي بها نبهان والرأس من
شيبان والعذال فيها كلاب
وأيضا في مليح نصراني
قال زنار خصره
كم كذا ترجع البصر
قلت لا تنفرد به
لك شد ولي نظر
وله أيضا دوبيت
إن بكت لي الوشاة عينا عينا
من مثلك نحوهم وحرنا حرنا
أو شبهك الأنام غصنا غصنا
في لومهم فأنت معنى معنا
وأيضا موشح
مذهبي حب رشا ذي جسد مذهب
قد حبي حسنا به يستعذب القدح بي
#عاذلا ما أنت فيما قلته عادلا #سائلا يخبرك دمع قد همى سائلا #أه لا تعذل فما قلبي لذا آهلا
منصبي والعقل أذهبتهما من صبي
ما ربي إلا وقد ربي به ما ربي
ابن الوردي
تعليقات