نثر
في الخطب والمواعظ
نخبة من كتاب أطباق الذهب لعبد المؤمن المغربي الأصبهاني
المقالة الأولى
يا أرباب القوة والطاقة. انظروا بعين الإفاقة. إلى أهل الفاقة. ويا ركبان الناقة. رفقا بضعفاء الساقة. ويا حملة الأوزار وخزنة المال المستعار. لا تجروا ذيل الافتخار علىأرباب الافتقار. فقلوبهم خير من قلوبكم. ومطلوبهم أعز من مطلوبكم شغلكم التجول بالأسواق. عن تنسم قبول الأشواق. وألهاكم حب الرزق عن الرزاق. ويا عمار الخرابوشاب الشراب لا تعمروا هذه القرية الحلجاء. ولا تسكنوا هذه المهلكة الفيحاء. لا تتخذوا الدنيا الفانية سوقا. إن الباطل كان زهوقا
المقالة الثانية
ابن آدم عجن من الصلصال. ثم تاه بشرائف الخصال. وما درى أن الخصال الحميدة من مواهب الرحمان. لا من مكاسب الإنسان. ما العقل إلا عطية من عطاياه. وماالنفس إلا مطية من مطاياه. فإن شاء زمها بزمام الهدى. وإن شاء تركها سدى. فمن يستطيع لنفسه خفضا أو رفعا. قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أوأراد بكم نفعا
المقالة الحادية عشرة
ألعاقل قصي مرامي النظر. فسيح موامي العبر. علي مرام الخطر. يقرأ مكتوب أسرار الغد من عنوان اليوم. ويقطف ثمار الغيب من صنوان النوم. يرى موعود الله ناجزا. ومكنونه بارزا. فكن يقظا حاذرا. ومثل الغيب حاضرا. وإذا ملكت فاذكر القادر وقدرته. وإذا بغمت فاذكر الصائد وقترته. واعلم أن مسرات الأيام مقرونة بالغم. وحلاوة الدنيامعجونة بالسم. والمح الدهر بعين الذكاء. وإذا ضحكت فاجهش للبكاء. وإياك أن تقنع من العلوم بالقشور. ومن الرق المنشور بالدوائر والعشور. أولئك قوم نزلوا هذه الثنية. وغفلوا عن المرحلة الثانية. وشغلوا بالدنيا الدنية. فهم في مهابط الغي سافلون. وفي مباذل العيش رافلون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون
المقالة الخامسة عشرة
من الناس من يستطيب ركوب الأخطار وورود التيار. لحوق العار والشنار لأجل الدينار. ويستلذ سف الرماد ونقل السماد. لأجل الأولاد. ويصبر على نسف الجبال. وتجشمالأهوال لشهوة المنال. يبدل الأيمان بالكفر. ويحفر الجبال بالظفر للدنانير الصفر. ويلج عرين الأسود. للدراهم السود. لا يكره صداعا. إذا نال كراعا. ويلقى النوائب بقلبصابر. في طاعة الشيخ أبي جابر. يأبى العز
طبيعة. ويرى الذل شريعة. ومن الناس من يختار العفاف. ويعاف الإسفاف. يدع الطعام طاويا ويذر الشراب صاديا. ويرى المال رائحا وغاديا. يترك الدنيا لطلابها. ويطرحالجيفة لكلابها. لا يسترزق لئام الناس. ويقنع بالخبز الناس. يكره المن والأذى. ويعاف الماء على القذى. إن أثرى جعل موجوده معدوما. وإن أقوى حسب قفاره مأدوما. جوفخال. وثوب بال. ومجد عال. وثوب أسمال. وراءه عز وجمال. وعقب مرزوق. وذيل مفتوق. يجره فتى مغبوق
لله تحت قباب العز طائفة ... أخفاهم في رداء الفقر إجلالا
هم السلاطين في أثواب مسكنة ... استعبدوا من ملوك الأرض أقيالا
غبر ملابسهم شم معاطسهم ... جروا على قلل الخضراء أذيالا
هذي السعادة لا ثوبان من عدن ... خيطا قميصا فصارا بعد أسمالا
تلك المناقب لا قعبان من لبن ... شيبا بما فعادا بعد أبوالا
هم الذين جلبوا أبراء من التكلف ... يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف
المقالة الحادية والعشرون
يا من يسعى لقاعد ويسهر لراقد. ويا من يحرس لراصد ويزرع لحاصد. ويبخل لباذل. ويجمع لآكل. تبني الإيوان وعن قليل ينهدم ركناك. وتبسط الرواق وفي الجدث سكناك. قلب كقلوب الكفار وحرص كحرص الفار. ينقب بالأظفار ولا يبقى على المأدوم والقفار. قل لي إذا وقعت الواقعة. وقرعت القارعة. وأزف لك
الرحيل. واجتمع الطبيب والعليل. واختلف الغسال والغسيل. والعائد يغمز عينيه والطبيب يقلب كفيه. حتى إذا انقطع نفسك. وخفي جرسك. أينفعك حينئذ حلال أصبته. أمحرام غضبته. أم نشب حرشته. أو ولد حضنته أو ربع أسسته أو نبع غرسته. أو حطام حرسته أو قفر حرثته. أو وفر أورثته. كلا لا ينفعك فيء قد غنمته. ولا يضرك شيءعدمته. ولا ينجيك إلا خير أمضيته. أو خصم أرضيته. فانتبه يا نائم. واستقم يا هائم. لقد تهت في بادية لا يبلغك ندائي. وترديت في هاوية لا يبلغها ردائي. تغيم هواؤكوسيصحي. حين لا ينفعك نصحي. ولا تعص الله في أولاد سوء إذا حضرك الموت غابوا. وما حزنوا لما أصيبوا بل فرحوا بما أصابوا. وإن تدعهم لا يسمعوا دعاءك ولوسمعوا ما استجابوا
نخبة من ديوان خطب ابن نباتة
خطبة لشهر صفر
الحمد لله الرقيب على عباده. ألقريب من أهل صحبته ووداده. ألقاهر من حاربه من عباده. ألقامع من نازعه ودافعه عن مراده. أحمده سبحانه وتعالى على ما أولانا من مننهوإمداده. إبن آدم كم لله عليك من نعمة أنت لها كاتم. وكم له لديك من نقمة أنت مع موجدتها كاظم. لو تفكرت في أحوالها لرأيتها مشحونة بالعظائم. ولو تدبرت في الوجودلرأيته ساعيا في مصالحك كالخادم. فوا عجبا تعد النقم. وتنسى النعم. وربما كانت النقمة نعمة عند فهم الذكي العاقل العالم. كم في الفقر من أجر وكم في الضر منتكفير سيئة ودفع مأثم. فما ربك بظلام للعبيد بل هو عادل في كل ما هو به حاكم. فيا مشغولا
بالإعراض عن مولاك أفق فإنك في الحسب غالط وفي دعواك ظالم. إن أحرمك مرة فكم من مرة أعطاك. وإن أسقمك يوما فكم من أيام عافاك. فو الله لولا رحمته ما دفع عنكالمآلم. ولا أوصل إليك المكارم. كم عاملك وعالم فكيف إذا عبدته بالأركان. ومجدته باللسان. ووحدته بالجنان. وكنت في محبته كالهائم. فو الله ما عز شيء إلا وهان. ولاتم أمرإلا وأخذ في النقصان. وما أطاعه عبد مع الإخلاص إلا وغمره ببحر جوده المتلاطم
وله من خطبة في الصلاة
تارك الصلاة إذا وضع في قبره وأهيل عليه التراب بالمسحاة يخاطبه القبر بلسان فصيح وألفاظ معربات. لا أهلا بك ولا سهلا يا من ضيع في الدنيا حقوق رب المخلوقات. ياطول ما مشيت على ظهري وتركت الصلوات. وسهوت عنها بالشهوات واللذات. اليوم تنظر مني عذابا لا تطيقه الجبال الراسيات. فيضمه القبر ضمة واحدة. فتصير أضلاعهمختلفات. فاتقوا الله حق تقواه في جميع الأوقات
وله من غيرها
أيها الناس قرب الرحيل وأنتم عن الطاعة غافلون. وأنقصت الآجال وأنتم على المعاصي عاكفون. وترادفت الأهوال وأنتم في طغيانكم تعمهون. فهل أنتم على ثقة من الحياةوالقرار. أم بينكم وبين
الله عهد على البقاء في هذه الدار. كلا والله إنكم منها راحلون ولنعيمها مفارقون أما تعتبرون بمن مضى من الأموات. أما تخافون من العرض على رب السماوات. أما ترونأهوال القيامة وقد تواردت. أما ترون القلوب من الحسد عن بعضها تنافرت. أما ترون الفواحش وقد أصبحت ظاهرة. أما ترون الهمم عن الخيرات قاصرة. أما ترون أن البدعقد كثرت وعمت. أما ترون الفتن غلبت وطمت. أما ترون أن الأمانة قد ذهبت وضاعت. أما ترون الخيانة قد كثرت وشاعت. فكأني بكم وقد طرقكم طارق المنون. وأخذكم بغتةوأنتم لا تشعرون. فتنبهوا رحمكم الله قبل هجوم الموت. وتزودوا الآخرتكم قبل الفوت. قبل العرض على الملك الجبار. قبل كشف الأسرار. قبل يوم القصاص. قبل تعذرالخلاص. قبل دنو الشمس من الرؤوس. قبل هلاك الأرواح والنفوس
خطبة لابن رندقة الطرطوشي
يا أيها الرجل (وكلنا ذلك الرجل) ألق إلى سمعك وأعرني لبك فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن بأنك لا تبقى إلى آخر الدهر أين آدم أبو الأولين والآخرين. أين إبراهيمخليل رب العالمين. أين الأمم الماضية. أين الملوك السالفة أين القرون الخالية. أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان. أين الذين اعتزوا بالأجناد والسلطان. أين أصحابالسطوة والولايات. أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية
والرايات. أين الذين قادوا الجيوش والعساكر. أين الذين عمروا القصور والدساكر. أين الذين اقتحموا المخاطر والمخاوف. أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب. أين الذينتمتعوا في اللذات والمآرب. أين الذين تاهوا على الخلائق كبرا وعتيا. أين الذين راحوا في الحلل بكرة وعشيا. أين الذين استلانوا الملابس أثاثا ورئيا. وكم أهلكنا قبلهم منقرن هم أحسن أثاثا ورئيا. أين الذين ملأوا ما بين الخافقين عزا. أين الذين فرشوا القصور خزا وقزا. أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وهزا. أين الذين استذلوا العبادقهرا ولزا. هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا. أفناهم والله مفني الأمم. وأبادهم مبيد الرمم. وأخرجهم من سعة القصور. وأسكنهم في ضنك القبور. تحت الجنادلوالصخور. فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فعاث الدود في أجسامهم. واتخذ مقيلا في أبدانهم. فسالت العيون على الخدود وامتلأت تلك الأفواه بالدود. وتساقطت الأعضاءوتمزقت الجلود. فلم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما كسبوا. أسلمك الأحبة والأولياء. وهجرك الإخوان والأصفياء. ونسيك القرباء والبعداء. فأنسيت ولو نطقت لأنشدتقولنا عن سكان الثرى. ورهائن الترب والبلى:
مقيم بالحجون رهين رمس ... وأهلي رائحون بكل واد
كأني لم أكن لهم حبيبا ... ولا كانوا الأحبة في السواد
فعوجوا بالسلام فإن أبيتم ... فأوموا بالسلام على بعاد
فإن طال المدى وصفا خليل ... سوانا فاذكروا صفو الوداد
وذاك أقل ما لك من حبيب ... وآخره إلى يوم التناد
فلو أنا بموقفكم وقفنا ... سقينا الترب من مهج الفؤاد
وله أيضا
(يا أيها الرجل) اعتبر بمن مضى من الملوك والأقيال. وخلا من الأمم والأجيال. وكيف بسطت لهم الدنيا وأنسئت لهم الآجال. وأفسح لهم في المنى والآمال. وأمدوا بالآلاتوالعدد والأموال. كيف طحنهم بكلكله المنون. واختدعهم بزخرفه الدهر الخؤون. وأسكنوا بعد سعة القصور. بين الجنادل والصخور. وعاد العين أثرا. والملك خبرا. فأما اليومفقد ذهب صفو الزمان وبقي كدره. فالموت تحفة لكل مرء كأن الخير أصبح خاملا والشر أصبح غائرا وأصبح الجور عاليا. وكأن العلم أصبح مدفونا والجهل منشورا. وكأناللؤم أصبح باسقا والكرم ذاويا. وكأن الود أصبح مقطوعا والبغض موصولا. وكأن الكرامة قد سلبت من الصالحين ونوجي بها الأشرار. وكأن الخبيث أصبح مستيقظاوالوفاء نائما. وكأن الكذب أصبح مثمرا والصدق قاحلا. وكأن الأشرار أصبحوا يسامون السماء وأصبح الأخيار يردون بطن الأرض. أما ترى
الدنيا تقبل إقبال الطالب. وتدبر إدبار بالهارب. وتصل وصال الملول. وتفارق فراق العجول. فخيرها يسير. وعيشها قصير. وإقبالها خديعة. وإدبارها فجيعة. ولذاتها فانية. وتبعاتها باقية. فاغتنم غفوة الزمان. وانتهز فرصة الإمكان. وخذ من نفسك لنفسك. وتزود من يومك لغدك. ولا تنافس أهل الدنيا في خفض عيشهم. ولين ريشهم. ولكن انظرإلى سرعة ظغنهم وسوء منقلبهم.
من خطبة للسان الدين ابن الخطيب في ذم الكسل
ألكسل مزلقة الربح. ومسخرة الصبح. إذا رقدت النفس في فراش الكسل استغرقها نوم الغفلة. لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. الندامة في الكسل. كالسم في العسل. الكسل آفة الصنائع. وأرضه في البضائع. العجز والكسل. يفتحان الخمول ولا تسل. الفلاح إذا مل الحركة. عدم البركة.
ظهران لا يبلغان المرء إن ركبا ... باب السعادة ظهر العجز والكسل
وفي اغتنام الأنام من أضاع الفرصة. تجزع الغصة. إن كان لك من الزمان شيء فالحال. وما سواه فمحال. تارك أمره إلى غد. لا يفلح للأبد. الإنسان ابن ساعته. فليحطهامن إضاعته. التسويف سم الأعمال. وعدو الكمال. لم يحرم المبادرة. إلا في النادر. ما درجت أفراخ ذل إلا من وكر طماعة. ولا بصقت فروع ندم غلا من جرثومة إضاعة. العزم سوق. والتاجر الجسور مرزوق. من وثق بعهد الزمان.
علقت يداه بحبال الحرمان. الربح في ضمن الجسارة. والمضيع أولى بالخسارة (نفخ الطيب للمقري)
الباب الأول في الخطب
نخبة من كتاب أطواق الذهب في المواعظ والخطب للزمخشري
اللهم إني أحمدك على ما أزلت إلي من نعمتك. وعلى ما أزلت عني من نقمتك. وعلى أني لم أكن أهلاً للأولى. وكنت بالثانية أولى. لولا فضل منك سابق حمد الحامد وراءهيقطف. وإن أعنق فكأنه مصفود يرسف. وكرم باسق شكر الشاكرين ينوء تحته بجناح مهيض. وإن حلق فكأنه لاصق بالحضيض. ثم إني أحمدك حمداً بعد حمدٍ ما هجسفي ضمير نفس. ولا اتصل يماً بظن ولا حدس. من تيسر الفيئة التي بإحسانك المتظاهر جذبت إليها بضبعي. وبسلطانك القاهر قسرت عليها طبعي. وبنظرك الصادقخففت علي مجاشمها المتعبة. وسهلت بحل إساري وعتقي. ورقيتني إلى رتبة القناعة وهي الرتبة العليا. وزهدتني في الحرص على زخرف الدنيا. وطيبت نفسي بغوارزأخلافها عن الغزار. وترضيتها بعد الدرة بالغزار.
(المقالة الأولى) ما يخفض المرء عدمه ويتمه. إذا رفعه دينه
وعلمه ولا يرفعه ماله وأهله. إذا خفضه فجوره وجهله. والعلم هو الأب. بل هو للثأي أرأب. والتقوى هي الأم. بل هي إلى اللبان أضم. فأحرز نفسك في حرزهما. وأشدد يدكبغرزهما. يسقك الله نعمةً صيبةً. ويحيك حياةً طيبة.
(المقالة الثانية) يا ابن آدم أصلك من صلصال كالفخار. وفيك ما لا يسعك من التيه والفخار. تارة بالأب والجد. وأخرى بالدولة والجد. ما أولاك بأن لا تصعر خديك. ولا تفتخربجديك تبصر خليلي مم مركبك. وإلى مَ منقلبك. فخفض من غلوائك. وخل بعض خيلائك.
(المقالة الثامنة) ما أسعدك لو كنت في سلامة الضمير. كسلاسة الماء النمير. وفي النقاء عن الريبة كمرآة الغريبة. وفي نفاذ الطية. كصدر الخطية. وفي أخذ الأهبة. كالواقعفي النهبة. لكنك ذو تكدير. كرجرجة الغدير. ومتلطخ بالخبائث. كالكثير المحانث. وذو عجز وتواني. كمكسال الغواني. وتارك للاستعداد. كالشاك في المعاد.
(المقالة العاشرة) استمسك بحبل مؤاخيك. ما استمسك بأواخيك. واصحبه ما أصحب للحق وأذعن. وحل مع أشياعه وظعن. فإن تنكرت أنحاؤه. ورشح بالباطل إناؤه. فتعوض من صحبته وإن عوضت الشسع. واصطرف بحبله وإن أعطيت النسع. فصاحب
الصدق أنفع من الترياق النافع. وقرين السوء أضر من السم الناقع.
(المقالة الحادية عشرة) الشهم الحذر. بعيد مطارح الفكر. قريب مسارح النظر. لا يرقد ولا يكرى. إلا وهو يقظان الذكرى. يستنبط العظة من اللمح الخفي. ويستجلب العبرةمن الطرف القصي. فإذا نظرت إلى نبات نعش فاستجلب عبرتك. وإذا رأيت بني نعش فاستجلب عبرتك. واعلم أن من الجوائز. أن تروح غداً على الجنائز.
(المقالة السادسة عشرة) الكريم إذا ريم على الضيم نبا. والسري متى سيم الخسف أبى. والرزين المختبي بحمالة الحلم. ينفر نفرة الوحشي عن الظلم. إشفاقاً على ظفرهأن يقلم. وعلى ظهره أن يكلم. وقلما عرفت الأنفة والإباء. في غير من شرفت منه الآباء. ولا خير فيمن لم يطب له عرق. وذنب الكلب ما به طرق (المقالة السابعة عشرة) الوجه ذوالوقاحة. من وجوه الرقاحة. يفيء على صاحبه الأنفال. ويفتح له الأقفال. ويلقطه الأرطاب. ويلقمه ما استطاب. ويجسره على قول المنطيق. وييسر له فعل ما لا يطيق. وكل ذيوجه حيي. ذو لسانٍ عيي. معتقل لا ينشط لمقال. ولا ينشط من عقال. ولا يزال ضيق الذرع. بكيء الضرع. يشبع غيره وهو طيان. ويعطش هو وصاحبه ريان. ولكن لا كان منيتوقح. لأجل أن يترفه ويترفح. فلعمري ما النائل الوتح. إلا ما
ناله الوقح. وأيم الله إن الرشحة في الجبين. أحسن من الشمم في العرنين. ولئن تفر عرضك وما في سقائك جرعة. خير من أن تملك البحر وما في وجهك مزعة.
(المقالة الثامنة عشرة) عزة النفس وبعد الهمة. الموت الأحمر والخطوب المدلهمة. ولكن من عرف منهل الذل فعافه. استعذب نقيع العز وذعافه. ومن لم يصطل بحر الهيجاء لميصل إلى برد المغنم. ومن لم يصبر على براثن أسد اللقاء يصب أطرافاً كالغنم. وتحت علم الملك المطاع. ذكر السيوف والأنطاع. ومن لم يقض عليه عسر يقذه. لم يقيض لهيسر ينفذه. وما الحكمة الإلهية إلا هي. وهي القاعدة التي أمر عليها العبد ونهي. اليوم عزاء في كلف وكرب وغداً جزاء بزلف وقرب.
(المقالة الحادية والعشرون) لا تنتفع بما لا تني أن تبتني وتقتني. وتعتن بغرس ما لا تجتني. هلم إلى استشارة عقلك فتبصر. وإلى استخارة ذهنك فتدبر. وقل لي إذا شقبصرك. واشتد حصرك. وعانيت الجد فشغلك عن ددك. وأوحشك تفريطك فسقط في يدك. ما يغني حينئذٍ عنك بنيانك. وما يجدي عليك قنيانك. وهل ينفعك نخيلك الصنوانوغير الصنوان. أم يدفع عنك ما يخرج من طلعها من القنوان (المقالة الثانية والعشرون) خل عن يدك الباطل واللدد.
واعتنق الجد والزم الجدد. إن الله تعالى خلقك جداً لا عبثاً. وفطرك إبريزاً لا خبثاً. لولا أن نفسك بكسبها الخبيث خبثتك. وبلطخ عملها السيئ لوثتك. فأرخيت عنانك فيما أنتعنه مزجور. وتوليت بركتك عما أن عليه مأجور. إلقاء بيدك إلى التهلكة. وإضاعة لحظك في عظيم المهلكة.
(المقالة الرابعة والعشرون) من لعمل كالظهر الدبر. ومن لقلب كالجرح الغبر. دووي بكل دواء ينجع. واحتيل عليه بكل حيلة فلم ينفع. متى رفوت منه جانباً انتقض عليه آخر. وإذا سددت من فساده منخراً جاش منخره ضاقت عن تدبيره فطن الأناسي. وأعضل علاجه على الطيب النطاسي. فيا ويلتا من هذا السقام. ويا غوثتا من هذا الداءالعقام. وما أحق بمثلي أن يبيت بليلةٍ سليم. كلما تليت: إلا من أتى الله بقلب سليم.
(المقالة الخامسة والعشرون) احرص وفيك بقية. على أن تكون لك نفس تقية. فلن يسعد إلا التقي. وكل من عداه فهو شقي. قبل أن ترى الشيب المجلل. والصلب المهلل. والجلد المتشنن. والرأي المتقنن. والنوء المتخاذل. والوطء المتثاقل. والرثية في المفاصل ناهضة. والرعشة للأنامل نافضة. وقبل أن لا تقدر على ما أنت عليه قادر. ولا تصدر عماأنت عنه صادر.
(المقالة الحادية والثلاثون) قلبك آمن. وجأشك متطامن.
ورأيك في الشهوات باتر. وشوقك إلى ما عند الله فاتر. وأنت مترفه مترف. أطيب قطف لك مخترف. في أكناف السعة راتع. ولأخلاف الدعة راضع. وفي تيه الغفلات هائم. كأنك إحدى البهائم ما هذا خلق المؤمن. ولا هكذا صفة الموقن. المؤمن راهب راغب. ساغب لاغب. ذو هيئة بذة. محتم من كل لذة. إن رأى من نفسه جماحاً ألجم وحجر. وإنأحس منها مطمعاً ألقمها الحجر.
(المقالة الثالثة والثلاثون) يا عدب الدينار والدرهم متى أنت عتيقهما. ويا أسير الحرص والطمع متى أنت طليقهما. هيهات لا عتاق إلا أن تكاتب على دينك الممزق. ولا إطلاقأو تفادي بخيرك الملزق. يا من يشبعه القرص. ما هذا الحرص. ويا من ترويه الجرع. ما هذا الجزع. ستعلم غداً إذا تندمت. أن ليس لك إلا ما قدمت. وإذا لقيت المنون. لمينفعك مال ولا بنون. ما يصنع بالقناطير المقنطرة. عابر هذه القنطرة. وما يريد من البهجة والفرحة. نازل ظل هذه السرحة.
(المقالة الثامنة والثلاثون) لم أر فرسي رهان. مثل الحق والبرهان. لله درهما متخاصرين. ولا عدمتهما من متناصرين. اصطحبا غير مبانين. اصطحاب أبانين. من شديدهبغرزهما. فقد اعتز بعزهما. ومن زل عنهما فهو من الذلة أذل. ومن القلة أقل.
(المقالة التاسعة والثلاثون) أيها الشيخ الشيب ناهيك به ناهياً.
فما لي أراك ساهياً لاهياً. أبق على نفسك وأربع. فهذه أخرى المراحل الأربع. ومن بلغ رابعة المراحل. فقد بلغ من الحياة الساحل. وما بعدها إلا المورد الذي ليس لأحد عنهمصدر. ولا زيد من عمرو بوروده أجد. هو لعمر الله مشرع. جميع الناس فيه شرع. وأحقهم بالاستعداد له من شارفه وأولاهم بالإشفاق له من فارقه.
(المقالة الثالثة والأربعون) ما لعلماء السوء جمعوا عزائم الشرع ودونوها. ثم رخصوا فيها لأمراء السوء وهونوها. ليتهم إذ لم يرعوا شروطها لم يعوها. وإذا لم يسمعوها كماهي لم يسمعوها. إنما حفظوا وعلقوا. وصفقوا وحلقوا. ليقمروا المال وييسروا. ويفقروا الأيتام ويؤسروا. إذا أنشبوا أظفارهم في نشب فمن يخلص. وإن قالوا لا نفعل أو يزادكذا فمن ينقص. دراريع ختالة. ملؤها ذراريح قتالة. وأكمام واسعة. فيها أصلال لاسعة. وٌلام. كأنها أزلام. وفتوى. يعمل بها الجاهل فيتوى. إن وازنت بين هؤلاء والشرط. وجدت الشرط أبعد من الشطط. حيث لم يطلبوا بالدين الدنيا ولم يثيروا الفتنة بالفتيا.
(المقالة الرابعة والأربعون) هب أنك اتقيت الكبائر التي نصت. وتجنبت العظائم التي قصت. ورضت نفسك مع الرائضين. على أن لا تخوض مع الخائضين. فما قولك فيهنات توجد منك وأنت ذاهل. في هفوات تصدر عنك وأنت غافل. ولعلك ممزق الشلوح
مأكول. وإلى المؤاخذة باقترافها موكول. فمثلك مثل الرئبال. في محاماته عن الأشبال. يصد عن التصدي لها البطل الحميس. بل يرد عن مرابضها الخميس. ثم يصبح أبوالشبل والنمل إلى ابنه كالحبل. وهي بأوصاله مطيفة. كأنما كسته فطيفة. فما أغنى عنه ذياده. حتى تم للنمل كياده.
(المقالة السابعة والأربعون) الحازم من لم يزل على جده. لم يزل عنه إلى ضده. وذو الرأي الجزل. من ليس في شيء من الهزل. وكيف يكون حازماً من هو مازح. هيهاتالبون بينما نازح. وكفاك أن المزح. مقلوب الحزم كما أن الحزم مقلوب المزح. رب كلمة غمستك في الذنوب. وأفرغت على أخيك ملء الذنوب. فإن كان حراً زرعت الغمر فيسويدائه. وإن كان عبداً نزعت المهابة من أحشائه. وتقول إنها مزاحة. وعليك في أن تقولها مزاحة. ويحك يا تلعابة. لو علمت ما في الدعابة لأطعت في إطراحها نهاتك. ولماغراغرت بها لهاتك. أسرك أن داعبت الرجل فضحك. ولم تشعر أنه بذلك فضحك. حيث أعلم لو فطنت لإعلامه. أنك الشيخ المضحوك من كلامه. وذلك ما ليس به خفاء. أنه منصفات السخفاء.
(المقالة الرابعة والستون) شبت وعرامك ما وخط عارضيه مشيب. وشخت وغرامك رداء شبابه قشيب. مالي أراك صعب المراس. جامح الرأس. كأن وافد المشيب لم يخطمك. وكأن ارتقاء
السن لم يحطمك. الشيخوخة تكسب أهلها سمتاً. وأنت ما أكسبتك إلا أمتا. لو علمت أي وقد حل بفودك. لتبرقعت حياء من وفدك. ولكن محياك لم يتعلم الحياء. ولم يتهج منحروفه الحاء ولا الياء. تثب إلى الشر كما تثب الظباء. وتلهث إلى اللهو كما يلهث الظماء. إن حمحم الباطل فأسمع من سمع. وإن همهم الحق فكأنك بلا سمع. حملت نفسكعلى الرياضات وهي ريضة. ومن يحتلب اللباء من اللبؤة المغيضة.
خطبة لبديع الزمان الهمذاني
أيها الناس إنكم لم تتركوا سدى. وإن اليوم غداً. وإنكم واردو هوة. فأعدوا لها ما استطعتم من قوة. وإن بعد المعاش معاداً فأعدوا لها زادا. ألا لا عذر فقد بينت لكم المحجة. وأخذت عليكم الحجة. من السماء بالخبر. ومن الأرض بالعبر. ألا وإن الذي بدأ الخلق عليما. يحيي العظام رميما. إلا وإن الدنيا دار جهاز. وقنطرة جواز. من عبرها سلم. ومن عمرها ندم. إلا وقد نصبت لكم الفخ ونثرت لكم الحب فمن يرتع. يقع. ومن يلقط. يسقط. ألا وإن كذبت حيلة العاقل فاكتسوها. والغنى حلة الطغيان فلا تلبسوها. كذبتظنون الملحدين. الذين جحدوا الدين. وجعلوا أقواله عضين. إن بعد الحدث حدثاً. وإنكم لم تخلقوا عبثاً. فحذار حر النار. وبدار عقبى الدار. إلا وإن العلم أحسن على علاته. والجهل أقبح على
الاته. وإنكم أشقى من أظلته السماء. إن شقى بكم العلماء. الناس بأئمتهم. فإن انقادوا بأزمتهم. نجوا بذمتهم. والناس رجلان عالم يرعى. ومتعلم يسعى. والباقون هاملنعام. وراتع أنعام. ويل عال أمر من سافله. وعالم شيء من جاهله. وقد سمعت أن علي بن الحسين كان قائما يعظ الناس ويقول: يا نفس حتام إلى الحياة ركونك. وإلىالدنيا وعمارتها سكونك. أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك. وبمن وارته الأرض من آلافك. ومن فجعت به من إخوانك. ونقل إلى دار البلى من أقرانك:
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها ... محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصم ... وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها ... وضمتهم تحت التراب الحفائر
كم اختلست أي المنون. من قرون بعد قرون. وكم غيرت ببلاها. وغيبت أكثر الرجال في ثراها:
وأنت على الدنيا مكب منافس ... لخطابها فيها حريص مكاثر
على خطر تمشي وتصبح لاهياً ... أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
وإن امرءاً يسعى لدنياه جادهاً ... ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
انظر إلى الأمم الخالية. والملوك الفانية. كيف انتسفتهم الأيام. وأفناهم الحمام. فانمحت آثارهم. وبقيت أخبارهم:
فأصبحوا رميما في التراب وأقفرت ... مجالس منهم عطلت ومقاصر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا بها ... وما فاز منهم غير من هو صابر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم ... وأنى لسكان القبور التزاور
فما إن ترى إلا رموسا ثووا بها ... مسطحة تسفي عليها الأعاصير
كم عاينت من عزة وسلطان. وجنود وأعوان. قد تمكن من دنياه. ونال منها مناه. فبنى الحصون والدساكر. وجمع الأعلاق والعساكر:
فما صرفت كف المنية إذ أتت ... مبادرة تهوي إليه الذخائر
ولا دفعت عنه الحصون التي بنى ... وحفت به أنهارها والدساكر
ولا قارعت عنه المنية حيلة ... ولا طمعت في الذب عنه العساكر
يا قوم الحذر الحذر. والبدار البدار. من الدنيا ومكايدها. وما نصبت لكم من مصايدها. وتجلت لكم من زينتها. واستشرفت لكم من بهجتها:
وفي دون ما عينت من فجعاتها ... إلى رفضها داع وبالزهد آمر
فجد ولا تغفل فعيشك بائد ... وأنت إلى دار المنية صائر
ولا تطلب الدنيا فإن طلابها ... وإن نلت منها رغبة لك ضائر
وكيف يحرص عليها لبيب. أو يسر بها أريب. وهو على ثقةٍ من فنائها لا تعجبون ممن ينام وهو يخشى الموت. ولا يرجو الفوت:
ألا لا ولكنا نغر نفوسنا ... وتشغلها اللذات عما تحاذر
وكيف يلذ العيش من هو موقن ... بموقف عدل حيث تبلى السرائر
كأنا نرى أن لا نشور وأننا ... سدى ما لنا بعد الفناء مصاير
كم غرت الدنيا من مخلد إليها. وصرعت من مكب عليها. فلم تنعشه من عثرته ولم تقله من صرعته. ولم تداوه من سقمه. ولم تشفه من ألمه:
بلى أوردته بعد عز ورفعة ... موارد سوء ما لهن مصادر
فلما رأى أن لا نجاة وأنه ... هو الموت لا ينجيه منه المؤازر
تندم لو أغناه طول ندامة ... عليه وأبكته الذنوب الكبائر
بكى على ما سلف من خطاياه. وتحسر على ما خلف من دنياه. حيث لم ينفه الاستعبار. ولم ينجه الاعتذار:
أحاطت به أحزانه وهمومه ... وإبليس لما أعجزته المعاذر
فليس له من كربة الموت فارج ... وليس له مما يحاذر ناصر
وقد خسئت فوق المنية نسفه ... ترددها منه اللهى والحناجر
فإلى متى ترفع بآخرتك دنياك. وتركب في ذاك وهواك. إني أراك ضعيف اليقين. يا رافع الدنيا بالدين. أبهذا أمرك الرحمن. أم على هذا دللك القرآن:
تخرب ما يبقى وتعمر فانيا ... فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر
فهل لك إن وافاك حتفك بغتة ... ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر
أترضى بأن تقتضي الحياة وتنقضي ... ودينك منقوص ومالك وافر
نخبة من خطب الحريري
أيا السادر في غلوائه. السادل ثوب خيلائه. الجامح في
جهالاته. الجانح إلى خزعبلاته. إلى م تستمر على غيك. وتستمرئ مرعى بغيك. وحتى م تتناهى في زهوك. ولا تنتهي عن لهوك. تبارز بمعصيتك. ما لك ناصيتك. وتجترئبقبح سيرتك. على عالم سريرتك. وتتوارى عن قريبك. وأنت بمرأى رقيبك. وتستخفي من مملوكك. وما تخفى خافية على مليكك. أتظن أن ستنفعك حالك. إذا آن ارتحالك. أوينقذك مالك. حين توبقك أعمالك. أو يغني عنك ندمك. إذا زلت قدمك. أو يعطف عليك معشرك. يوم يضمك محشرك. هلا انتهجت محجة اهتدائك. وعجلت معالجة دائك. وفللتشباة اعتدائك. وفدعت نفسك فهي أكبر أعدائك. أما الحمام ميعادك. فما إعدادك. وبالمشيب إنذارك. فما إعذارك. وفي اللحد مقيلك. فما قيلك. وإلى الله مصيرك. فمننصيرك. طالما أيقظك الدهر فتناعست. وجذبك الوعظ فتقاعست. وتجلت لك العبر فتعاميت. وحصحص لك الحق فتماريت. وأذكرك الموت فتناسيت. وأمكنك أن تؤاسي فماآسيت. تؤثر فلساً توعيه. على ذكر تعيه. وتختار قصراً تعليه. على بر توليه. وترغب عن هاد تستهديه. إلى زاد تستهديه. وتغلب حب ثوب تشتهيه. على ثواب تشتريه. يواقيتالصلات. أعلق بقلبك من مواقيت الصلاة. ومغالاة الصدقات. آثر عندك من موالاة الصدقات. وصحاف الألوان. أشهى إليك من صحائف الأديان. ودعابة الأقران. آنس لك
من تلاوة القرآن. تأمر بالعرف وتنتهك حماه. وتحمي عن النكر ولا تتحاماه. وتزحزح عن الظلم ثم تغشاه. وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. ثم أنشد:
تبا لطالب دنيا ... ثنى إليها انصبابه
ما يستفيق غراما ... بها وفرط صبابه
ولم درى لكفاه ... مما يروم صبابه
وله أيضاً من خطبة
أيا من يدعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم
تعبي الذنب والذم
وتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيب ... أما أنذرتك الشيب
وما في نصحه ريب
ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت ... أما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفوت
فتحتاط وتهتم
فكم تسدر في السهو ... وتختال من الزهو
وتنصب إلى اللهو
كأن الموت ما عم
وحتام تجافيك ... وإبطاء تلافيك
طباعاً جمعت فيك
عيوباً شملها انضم
إذا أسخطت مولاك ... فما تقلق من ذاك
وإن أخفق مسعاك
تلظيت من الهم
وإن لاح لك النقش ... من الأصفر تهتش
وإن مر بك النعش
تغاممت ولا غم
تعاصي الناصح البر ... وتعتاص وتزور
وتنقاد لمن غر
ومن مان ومن نم
تسعى في هوى النفس ... وتحتال على الفلس
وتنسى ظلمة الرمس
ولا تذكر ما ثم
ولو لاحظك الحظ ... لما طاح بك اللحظ
ولا كنت إذا الوعظ
حلا الأحزان تغتم
ستذري الدم لا الدمع ... إذا عانيت لا جمع
يقي في عرصة الجمع
ولا خال ولا عم
كأني بك تنحط ... إلى اللحد وتنغط
وقد أسلمك الرهط
إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود ... ليستأكله الدود
إلى أن ينخر العود
ويمسى العظم قد رم
ومن بعد فلا بد ... من العرض إذا اعتد
صراط جسره مد
على النار لمن أم
فكم من مرشد ضل ... ومن ذي غزة ذل
وكم من عالمٍ ذل
وقال الخطب قد طم
فبادر أيها الغمر ... لما يحلو به المر
فقد كاد يهي العمر
وما أقلعت عن ذم
ولا تركن إلى الدهر ... وإن لان وإن سر
فتلفى كمن اغتر
بأفعى تنفث السم
وخفض من تراقيك ... فإن الموت لاقيك
وسار في تراقيك
وما ينكل إن هم
وجانب صعر الخد ... إذا ساعدك الجد
وزم اللفظ إن ند
فما أسعد من زم
ونفس عن أخي البث ... وصدقه نث
ورم العمل الرث
فقد أفلح من رم
ورش من رشية انحص ... بما عم وما خص
ولا تأس على النقص
ولا تحرص على اللم
وعاد الخلق الرذل ... وعود كفك البذل
ولا تستمع العذل
ونزهها عن الضم
وزود نفسك الخير ... ودع ما يعقب الضير
وهيئ مركب السير
وخف من لجة اليم
بذا أوصيت يا صاح ... وقد بحت كمن باح
فطوبى لفتى راح
بآدابي يأتم
وله من خطبة وهي عرية من الإعجام
الحمد لله الممدوح الأسماء. المحمود الآلاء. الواسع العطاء
المدعو لحسم اللأواء. مالك الأمم ومصور الرمم. ومكرم أهل السماح والكرم. ومهلك عاد وإرم. أدرك كل سر علمه. ووسع كل مصر حلمه. وعم كل عالم طوله. وهد كل ماردحوله. أحمد حمد موحد مسلم. وأدعوه دعاء مؤمل مسلم. وهو الله لا إله إلا هو الواحد الأحد. العادل الصمد ... ما همر ركام. وهدر حمام. وسرح سوام. وسطا حسام. اعملوارحمكم الله عمل الصلحاء. واكدحوا لمعادكم كدح الأصحاء. واردعوا أهواءكم ردع الأعداء. وأعدوا للرحلة إعداد السعداء. وادرعوا حلل الورع. وداووا علل الطمع. وسووا أودالعمل. وعاصوا وساوس الأمل. وصورا لأوهامكم حؤول الأحوال. وحلول الأهوال. ومساورة الأعلال. ومصارمة المال والآل. وادكروا الحمام وسكرة مصعره والرمس وهولمطلعه. واللحد ووحدة مودعه. الملك وروعة سؤاله ومطلعه. والمحو الدهر ولؤم كره. وسوء محاله ومكره. كم طمس معلماً. وأمر مطمعاً. وطحطح عرمرماً. ودمر ملكاً مكرماً. همهسك المسامع. وسح المدامع. وإكثار المطامع. وإرداء المسمع والسامع. عم حكمه الملوك الرعاع. والمسود والمطاع. والمحسود والحساد. والأساود والآساد. ما مول إلا مال. وعكس الآمال. وما وصل إلا وصال. وكلم الأوصال. ولا سر إلا وساء. ولؤم وأساء. ولا أصح إلا ولد الداء. وروع الأوداء. الله الله. رعاكم الله. إلى م مداومة اللهو. ومواصلةالسهو. وطول
الإصرار. وحمل الآصار. واطراح كلام الحكماء. ومعاصاة إله السماء. أما الهرم حصادكم. والمدر مهادكم. أما الحمام مدرككم. والصراط مسلككم. أما الساعة موعدكم. والساهرة موردكم. أما أهوال الطامة لكم مرصدة. أما دار العصاة الحطمة المؤصدة. حارسهم مالك. ورواؤهم حالك. وطعامهم السموم. وهواؤهم السموم. لا مال أسعدهم ولاولد. ولا عدد حماهم ولا عدد. ألا رحم الله امرءاً ملك هواه. وأم مسالك هداه. وأحكم طاعة مولاه. وكدح لروح مأواه. وعمل ما دام العمر مطاوعاً. والدهر موادعاً. والصحةكاملة. والسلامة حاصلة. وإلا دهمه عدم المرام. وحصر الكلام. وإلمام الآلام. وحموم الحمام. وهدؤ الحواس. ومراس الأرماس. آها لها حسرة ألمها مؤكد. وأمدها سرمد. وممارسها مكمد. ما لولهه حاسم. ولا لسدمه راحم. ولا له مما عراه عاصم. ألهكم الله أحمد الإلهام. وردا كم دراء الإكرام. وأحكم دار السلام. وأسأله الرحمة لكم ولأهل ملةالإسلام. وهو أسمح الكرام. والمسلم والسلام.
وله من خطبة أخرى
مسكين ابن آدم وأي مسكين. ركن من الدنيا إلى غير ركين. واستعصم منها بغير مكين. وذبح من حبها بغير سكين. يكلف بها لغباوته. ويكلب عليها لشقاوته. ويعتد فيهالمفاخرته. ولا يتزود منها
لآخرته. أقسم بمن مرج البحرين. ونور القمرين. ورفع قدر الحجرين. لو عقل ابن آدم. لما نادم. ولو فكر في ما قدم لبكى الدم. ولو ذكر المكافأة. لاستدرك ما فات. ولو نظرفي المآل. لحسن قبح الأعمال. يا عجبا كل العجب. لمن يقتحم ذات اللهب. في اكتناز الذهب. وخزن النشب. لذوي النسب. ثم من البدع العجيب أن يعظك وخط المشيب. وتؤذن شمسك بالمغيب. ولست ترى أن تنيب. وتهذب المعيب. ثم اندفع ينشد. إنشاد من يرشد:
يا ويح من أنذره شيبه ... وهو على غي الصبا منكمش
يعشو إلى نار الهوى بعدما ... أصبح من ضعف القوى يرتعش
ويمتطي اللهو ويعتده ... أوطأ ما يفترش المفترش
ولم يهب الشيب الذي ما رأى ... نجومه ذو اللب إلا دهش
ولا انتهى عما نهاه النهي ... عنه ولا بالى بعرض خدش
فذاك إن مات فسحقاً له ... وإن يعش عد كأن لم يعش
لا خير في محيا امرئ نشره ... كنشر ميت بعد عشر نبش
وحبذا من عرضه طيب ... يروق حسنا مثل برد رقش
فقل لمن قد شاكه ذنبه ... هلكت يا مسكين أو تنتقش
فأخلص التوبة تطمس بها ... من الخطايا السود ما قد نقش
وعاشر الناس بخلق رضى ... ودار من طاش ومن لم يطش
ورش جناح الحر إن حصه ... زمانه لا كان من لم يرش
وأنجد الموتور ظلما فإن ... عجزت عن إنجاده فاستجش
وأنعش إذا ناداك ذو كبوة ... عساك في الحشر به تنتعش
وهاك كأس النصح فاشرب وجد ... بفضلة الكأس على من عطش
موعظة لابن الجوزي
إخواني اعلموا أن من عمل في الأيام خيرا حمد أمره. ومن اقترف فيها شرا أضاع عمره. سيندم غدا من قصر على تقصيره. ويتلهف من ترك العمل لمصيره. ويبكي هاجرالهدى بعد تبصيره. إنما هي أوقات مبادرة تذهب. واغتنام أيام تنهب. فبادر بعمرك قبل الفوت. واغتنم حياتك قبل الموت. يا من يعصي مولاه على ما يريد. ويبارزه بالمعاصيوهو أقرب إليه من حبل الوريد. وهو في دار الأرباح لا يكسب ولا يستفيد. ولا يشوقه الوعد ولا يخوفه الوعيد. أمله طويل وليس العمر بمديد. والمواعظ تقرع القلوب فتجدهاأقسى من الصخور وأصلب من الحديد. تيقظ يا مغرور وافهم يا بليد. فالأمل طويل والأمن عريرٌ شريدٌ. وطريق العقاب بعيد مديد. كيف ترجو البقاء في دار الفناء والرحيل. تأمل الرضا والزمان قد مضى في غير الجميل. أعددت الجواب وقد علمت أن الحساب يأتي على الكثير والقليل. فإلى متى تضيع الوقت الشريف. وحتى متى تتقرب إلىالملك اللطيف. وكيف أعرضت عن القيام بتخفيف التكليف. وأين تأثير الإنذار عندك والتخويف. يا من إذا دعي إلى صلاحه أبى
وتخلف. وإذا وعد بتوبة تمادى وأخلف. وإذا هم بفعل الخير توانى وسوف. وإذا أدى واجبا شق عليه وتكلف. وإذا لاح له ما يهوى من المخازي لم يتأن ولم يتوقف. وإذا بارزبالمعاصي لم يتحذر ولم يتخوف. هذا ميدان المجاهدة فأين اجتهادك. هذا الرحيل قد دنا فأين زادك. هذا الصراط قد مد فأين استعدادك. هذا ركن الفناء وثيق فأيناعتمادك. هذا الاعتبار قد لاح فأين أجدادك. هذا نذير الرحيل قد صاح فهل تم مرادك. وكيف نسيت مأربك فأثرت على يقينك ارتيابك. أفأمنت توبيخك وعتابك حتى ملأت منالخطايا. كتابك. ليت شعري ما الذي أصابك. حتى اخترت خطأك ورفضت صوابك. أنسيت حشرك وحسابك. أم أعددت للسؤال جوابك. يا هذا أبك على ذنوبك وكن حزيناًوجلا. قبل أن يأتي يوم الحسرة وأنت مطرق خجلا. وكن على طلب الخلاص بالإخلاص مستسهلا. قبل أن يصير دمعك إذا صغى سمعك منهملاً. كيف يكون حالك إذا خرجالخلائق من القبور وفار البحر المسجور. وتدكدكت الجبال والصخور. وتمزقت السماء وهي تمور. وتقطعت الأرض وهي تحور. فهل ترى في ذلك اليوم من فتور. كيف يكونحالك إذا انكشفت غدا الأمور. وانهتكت من المذنبين الستور وبرز العدل الذي لا يجور. وذل كل جبار فجور. وتجلى العزيز الصبور. وحيل بينك وبينه يا مغرور. فناديتبالويل
والثبور. كيف يكون حالك إذا قدمت غدا النجب للمطيعين. وانقطعت أنت في حملة المنقطعين. كيف يكون حالك إذا نشرت غدا أعلام التائبين. وبقيت أنت مع الخائبين. كيفيكون حالك إذا حشر الناس سكارى. من هول يوم القيامة حيارى. وحسبت أنت مع الأسارى. ودمعك يسيح. وجفنك قريح. وعينك عبرى. وكبدك حرى. وعقلك مسلوب. وفؤادكيذوب. وظلم المعاصي قد انكشفت. والشدائد عليك قد تضاعفت. وصحيفتك قد ظهرت. والزبانية إليك قد تبادرت. والجحيم قد أزفرت. وأستارك قد انتهكت. وقبائحك قد برزتوذنوبك قد اشتهرت. ودموعك قد انهمرت. وعينك قد استعبرت. وتلتفت عن اليمين وعن الشمال. وقد خابت منك الآمال. تنادي في قلبك: الحريق. كيف أمضي وأين الطريق. فحينئذ يهرب منك الأخ الشفيق. وينال الخل الودود والصاحب والرفيق. اللهم أجرنا من هول ذلك اليوم. واجعلنا من تباع الفائزين من القوم. يا من لا تأخذه سنة ولا نوم.
نخبة من مواعظ لسان الدين الخطيب
الحمد لله الولي الحميد. المبدئ المعيد. البعيد في قربه من العبيد. القريب في بعده فهو أقرب من حبل الوريد. محيي ربوع العارفين بتحيات حياة التوحيد. ومغني نفوسالزاهدين بكنوز احتقار
الافتقار إلى العرض الزهيد. ومخلص خواطر المحققين من سجون دجون التقييد. إلى فسح التجريد. نحمده وله الحمد المنتظمة درره في سلوك الدوام وسموط التأييد. حمدمن نزه أحكام وحدانيته وأعلام فردانيته عن مرابط التقييد. ومخابط الطبع والبليد. ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد. ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو شهادةنتخطى بها معلم الخلق إلى حضرة الحق على كبد التفريد ... آه أي وعظ بعد وعظ الله تعالى يا أحبابنا يسمع. وفيما ذا وقد تبين الرشد من الغي يطمع. يا من يعطيويمنع. إذا لم تقم الصنيعة فماذا تصنع. اجمعنا بقلوبنا يا من يفرق ويجمع. ولين حديدها بنار خشيتك فقد استعاذ الحكيم من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع. اعملوارحمكم الله أن الحكمة ضالة المؤمن. يأخذها من الأقوال والأحوال ومن الجماد والحيوان. وما أملاه الملوان. فإن الحق نور لا يضره أن صدر من الخامل. ولا يقصر بمحمولهاحتقار الحامل. وأنتم تدرون أنكم في أطوار سفر لا تستقر لها دون الغاية رحلة. ولا تتأتى معها إقامة ولا مهلة. من الأصلاب إلى الأرحام إلى الوجود إلى القبور إلىالنشور إلى إحدى داري البقاء أفي الله شك. فلو أبصرتم مسافراً في البرية يبني ويفرش. ويمهد ويعرش. ألم تكونوا تضحكون من جهله. وتعجبون من ركاكة عقله. ووالله ماأموالكم وأولادكم وشواغلكم عن الله التي فيها اجتهادكم إلا بقاء سفر في قفر. أو أعراس في ليلة نفر.
كأنكم بها مطرحة تعبر فيها المواشي. وتنبو العيون عن خبرها المتلاشي. إنما أموالكم ولذاتكم فتنة. والله عنده أجر عظيم. ما بعد المقيل إلا الرحيل. ولا بعد الرحيل إلا المنزلالكريم أو المنزل الوبيل. وإنكم تستقبلون أهوالا سكرات الموت بواكر حسابها. وعتب أبوابها. فلو كشف الغطاء عن ذرة منها لذهلت العقول وطاشت الألباب. وما كل حقيقةيشرحها الكلام. يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا يغرنكم بالله الغرور أفلا أعددتم لهذه الورطة حيلة. وأظهرتم للاهتمام بها مخيلة. أتعويلا على عفوه مع المقاطعة وهو القائلفي مقام التهديد. إن عذابي لشديد. أأمنا من مكره مع المنابذة. ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. أطعما في رحمته مع المخالفة كما قيل: فسأكتبها للذين يتقون. أومشاقة ومعاندة. ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب:
هكذا هكذا يكون التعامي ... هكذا هكذا يكون الغرور
يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسوم إلا كانوا به يستهزئون. وما عدا عما بدا ورسولكم الحريص عليكم الرؤوف الرحيم يقول لكم: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعدالموت. والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. فعلام بعد هذا المعول. وماذا يتأول. اتقوا الله سبحانه في نفوسكم وانصحوها. واغتنموا فرص الحياةواربحوها. أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب
الله وإن كنت لمن الساخرين. وتنادي أخرى: هل إلى مرد من سبيل. تستغيث أخرى: يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل. وتقول أخرى: رب أرجعوني. فرحم الله من نظرلنفسه. قبل غروب شمسه. وقدم لغده من أمسه. وعلم أن الحياة تجر إلى الموت. والغفلة تقود إلى الفوت. والصحة مركب الألم. والشيبة سفينة تقطع إلى الساحل الهرم.
وله أيضاً من عظة
إخواني صمت الآذان والنداء جهير. وكذب العيان والمشار إليه شهير. أين الملك وأين الظهير. أين الخاصة أين الجماهير. أين القيل والعشير. أين ابن أردشير. صدق واللهالناعي وكذب البشير. وغش المستشار واتهم المشير. وسئل عن الكل فأشار إلى التراب المشير:
خذ عن حياتك للممات الآتي ... وبدار ما دام الزمان مواتي
لا تغتر فهو السراب بقيعة ... قد خودع الماضي به الآتي
يا من يؤمل واعظا ومذكرا ... يوما ليوقظه من الغفلات
هلا اعتبرت ويا لها من عبرة ... بمدافن الآباء والأمات
قف بالبقيع وناد في عرصاته ... فلكم به من جيرة ولدات
درجوا ولست بخالد من بعدهم ... متميز عنهم بوصف حياة
والله ما استهللت حيا صارخا ... إلا وأنت تعد في الأموات
كيف الحياة لدارج متكلف ... سنة الكرى بمدارج الحيات
أسفا علينا معشر الأموات لا ... ننفك عن شغل بهاك وهات
ويغرنا لمع السراب فنغتدي ... في غفلة عن هادم اللذات
يا من غدا وراح وألف المراح. يا من شرب الراح ممزوجة بالعذاب القراح. وقعد لعيان صروف الزمان مقعد الاقتراح. كأنك والله باختلاف الرياح. وسماع الصياح. وهجومغارة الاجتياح. فأديل الخفوت من الارتياح. ونسيت أصوات الغناء برنات الرياح. وعوضت عرر النوب القباح. من غرر الوجوه العهود الكريمة بمر المساء عليها والصباح. وأصبحت كماة النطاح. من تحت البطاح. وخملت المهندة والرماح ذليلة من بعد الجماح.
تبا لطالب دنيا لا بقاء لها ... كأنما هي في تصريفها حلم
صفاؤها كدر سراؤها ضرر ... أمانها غدر أنوارها ظلم
شبابها هرم راحاتها سقم ... لذاتها ندم وجدانها عدم
فخل عنها ولا تركن لزهرتها ... فإنها نعم في طيها نقم
يا مشتغلا بداره. ورم جداره. عن إسراعه إلى النجاة وبداره. يا من صاح بإنذاره. وشيب عذاره. يا من صرف عين اعتذاره بأقذاره. يا من قطعه بعد مزاره. وثقل أوزاره. يامعتلقاً ينتظر هجوم جزاره. يا من أمعن في خمر الهوى خف من إسكاره. يا من خالف مولى رقه توق من إنكاره. يا كلفا بعارية ترد. يا مفتونا بأنفاس تعد.
يا معولا على الإقامة والرحال تشد. كأني بك وقد أوثق الشد وألصق بالوسادة الخد. والرجل تقبض والأخرى تمد. واللسان يقول يا ليتنا نرد:
إن إلى الله وإن له ... ما أشغل الإنسان عن شانه
يرتاح للأثواب يزهى بها ... والخيط مغزول لأكفانه
ويخزن الفلس لوارثه ... مستنفدا مبلغ أكوانه
قوض عن الفاني رحال امرئ ... مد إليه عين عرفانه
ما ثم إلا موقف زاهد ... قد وكل العدل بميزانه
مفرط يشقى بتفريطه ... ومحسن يجزى بإحسانه
يا هذا خفي عليك مرض اعتقادك. فالتبس الشحم بالورم. جهلت قيم المعادن فبعت الشبه بالذهب. فسد حسن ذوقك فتفكهت بحنظلة. أين حرصك من أجلك. أين قولك منعملك. يدركك الحياء من الفل فتتحامى حمى الفاحشة في البيت بسببه. ثم تواقعها بعين خالق العين. ومقدر الكيف والين. تالله ما فعل فعلك بمعبوده. من قطع بوجوده. مايكون من نجوى ثلاثة إلى عليم. تعود عليك مساعي الجوارح التي سخرها لك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة فتبخل منها في سبيله بفلس. وأحد الأمرين لازم إماالتكذيب وإما الحماقة وجمعك بين الحالتين عجيب. يرزقك السنين العديدة من غير حق وجب لك وتسيء الظن به في يوم. توجب الحق
وتعتذر بالغفلة. فما بال التمادي. تعترف بالذنب فما الحجة في الإصرار والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا. يا مدعي النسيان ماذا فعلت بعدالتذكير. يا معتذرا بالغفلة أين ثمرة التنبيه. يا من قطع بالرحيل أين الزاد. يا ذبابة الحرص كم ذا تلجج في ورطة الشهد. يا نائما ملء عينيه حذار الأجل قد أنذر. يا ثملالاغترار قرب خمار الندم. تدعي الحذق بالصنائع وتجهل هذا القدر. تبذل النصح لغيرك وتغش نفسك هذا الغش. اندمل جرح توبتك على عظم قام بناء عزمتك على رمل. نبتت خضراء دعواتك على دمنة. عقد كفك من الحق على قبضة ماء. أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً. فإن الله يضل من شاء ويهدي من يشاء. إذا غام جو هذا المجلسوابتدأ رش غمام الدموع قالت النفس الأمارة: حوالينا لا علينا. فدالت رياح الغفلة وسحاب الصيف هفاف. كلما شد طفل العزيمة على ردة التوبة صانعته ظئر الشهوة عنذلك بعصفور. إذا ضيق الخوف فسحة المهل سرق الأمل حدود الجار. قال بعض الفضلاء: كانوا إذا فقدوا قلوبهم. تفقدوا مطلوبهم. ولو صدق الوعظ لأثر. اللهم لا أكثرطبيب يداوي الناس وهو عليل. والخطب جليل والمتفطن قليل فهل إلى الخلاص سبيل. اللهم انظر إلينا بعين رحمتك التي وسعت الأشياء وشملت الأموات والحياء. يا دليلالحائرين دلنا. يا عزيز ارحم ذلنا. يا ولي من لا ولي له كن لنا
كلنا. إن أعرضت عنا فمن لنا نحن المذنبون وأنت غفار الذنوب. فقلب قلوبنا يا مقلب القلوب. وستر عيوبنا يا ستار العيوب. يا أمل الطالب ويا غاية المطلوب.
وللسان الدين في المواعظ ما خاطب به بعض من استدعى منه الموعظة ونصه
إذا لم أنح يوما على نفسي التي ... بحرائها أحببت كل حبيب
وقد صحح عندي أن غادية الردى ... تدب لها والله كل دبيب
فمن ذا الذي يبكي عليها بأدمعي ... إذا كنت موصوفا برأي لبيب
كم قد نظرت إلى حبيب تغار من إرسال طرفك بكتاب الهوى إلى إنسانه. وقد ذبلت بالسقم نرجسة لحظة وذوت وردة خده واصفرت لمغيب الفراق شمس حسنه وهو يجودبنفسه التي كان يبخل منها بالنفس. يخاطب بلسان حاله مسترحما. وليت الفحل يهضم نفسه وأنت على أثر مسحبه إلى دست الحكم. وما أدري ما يفعل بي ولا بكم. ومنهاتالله: لو لم يكن المخبر صادقا لنشب بحلق العيش بعده شوكة الشك:
ولو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شي
فالحازم من بتر الآمال طوعا. وقال: بيدي لا بيد عمرو. يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. وقال أمير الوعاظ: وبضدها تتميزالأشياء. يا مقتولا
ما له طالب ثار. بريد الموت مطلق الأعنة فيطلبك وما يحميك حصن. ثوب حياتك منسوج من طاقات أنفاسك. والأنفاس تستلب ذرات ذاتك وحركات الزمان قوية في النسيجالضعيف. فيا سرعة التمزيق يا رابطا مناه بخيط الأمل إنه ضعيف الفتل. صياد التلف قد بث الصقور. وأرسل العقبان ونصب الأشراك وقطع المواد فكيف السلامة. تهيألسرعة الموت وأشد منها قلب القلب ليت شعري لما يؤول أمر. مركب الحياة تجري في بحري البدن برخاء الأنفاس. ولا بد من عاصف قاصف بفلكه ويغرق الركاب:
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
(وقال) كأنك بحرب التلف قد قامت على ساق وانهزمت بجنود الأمل. وإذا بملك الموت قد بارز الروح يجذبها بخطاطيف الشدائد من قيان العروق قد شد أكتاف الذبيح وحارالبصر لشدة الهول. وملائكة الرحمة عن اليمين قد فتحوا أبوب الجنة وملائكة العذاب عن اليسار قد فتحوا أبواب النار. وجميع المخلوقات تستوكف الخبر ولكون كله قد قامعلى صيحة: سعد فلان أو شقي فلان. فهناك تنجلي أبصار الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى ويحك تهيأ لتلك الساعة حصل زادا قل الفوت:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العيشة من عرار
مثل لعينيك سرعة الموت وما قد عزمت أن تفعل حينئذ في
وقت الأسر فافعله في وقت الإطلاق. قال أبو تمام:
أتأمل في الدنيا تجد وتعمر ... وأنت غدا فيها تموت وتقبر
تلقح آمالا وترجو نتاجها ... وعمرك مما قد ترجيه أقصر
تحوم على إدراك ما قد كفيته ... وتقبل بالآمال فيه وتدبر
وهذا صباح اليوم ينعاك ضوءه ... وليلته تنعاك إن كنت تشعر
ورزقك لا يعدوك إما معجل ... على حاله يوما وإما مؤخر
ولا حول محتال ولا وجه مذهب ... ولا قدر يزجيه إلا المقدر
وقد قدر الأرزاق من ليس عادلا ... عن العدل بين الخلق فيما يقدر
فلا تأمن الدنيا وإن هي أقبلت ... عليك فما زالت تخون وتغدر
فما تم فيها الصفو يوما لأهله ... ولا الرنق إلا ريثما يتغير
وما لاح نجم لا ولا ذر شارق ... على الخلق إلا حبل عمرك يقصر
تطهر وألحق ذنبك اليوم توبة ... لعلك منه إن تطهرت تطهر
وشمر فقد أبدى لك الموت وجهه ... وليس ينال الفوز إلا المشمر
فهذي الليالي مؤذناتك بالبلى ... تروح وأيام كذلك تبكر
وأخلص لدين الله صدرا ونية ... فإن الذي تخفيه يوما سيظهر
ود يستر الإنسان باللفظ فعله ... فيظهر عنه الطرف ما كان يستر
تذكر وفكر في الذي أنت صائر ... إليه غدا إن كنت ممن يفكر
فلا بد يوما إن تصير لحفرة ... بأثنائها تطوى إلى اليوم
الباب الخامس في المناظرة
مناظرة الأزهار أو المقامة الوردية
حدثنا الريان عن أبي الريحان. عن أبي الورد أبان. عن بلبل الأغصان. عن ناظر الإنسان. عن كوكب البستان. عن وابل الهتان. قال: مررت يوما على حديقة. خضرة نضرةأنيقة. طلولها وديقة. وأغصانها وريقة. وكوكبها أبدى بريقه. ذات ألوان وأفنان. وأكمام وأكنان. وإذا بها أزرار الأزهار مجتمعة. وأنوار الأنوار ملتمعة. وعلى منابر الأغصانأكابر الأزاهر. والصبا تضرب على رؤوسها من الأوراق الخضر بالمزاهر. فقلت لبعض من عبر: ألا تحدثوني ما الخبر. فقال: إن عساكر الرياحين قد حضرت. وأزهارالبساتين قد نظرت لما نضرت. واتفقت على عقد مجلس حافل. لاختيار من هو بالملك أحق وكافل. وها أكابر الأزهار قد صعدت المنابر. لبيدي كل حجته للناظر. ويناظر بينأهل المناظر. في أنه أحق أن يتأمر على البوادي منها والحواضر. فجلست لأحضر فصل الخطاب. وأسمع ما يأتي به كل من الحديث المستطاب (فهجم الورد) بشوكته. ونجم من بين الرياحين معجبا بإشراق
صورته. وإفراق صولته. وقال: بسم الله المعين وبه نستعين. أنا الورد ملك الرياحين. والوارد منعشا للأرواح ومتاعا لها إلى حين. ونديم الخلفاء والسلاطين. والمرفوع أبدا علىالأسرة لا أجلس على ترب ولا طين. والظاهر لوني الأحمر على أزاهر البساتين. والعزيز عند الناس. والمودود بين الجلاس للإيناس. والعادل في المزاج. والصالح في العلاج. أسكن حرارة الصفراء. وأقوي الباطن من الأعضاء. وابرد أنواع اللهيب الكائنة في الراس. وربما أستخرجها منه بالعطاس. وانفع من القلاع والقروح. وأنا بعطريتي ملائملجوهر الروح. ومن تجرع من مائي يسيرا. نفع من الغشي والخفقان كثيرا. ودهني شديد النفع للخراجات. وفيه مآرب كثيرة لذوي الحاجات. وأنا مع ذلك جلد صبار. أجريمع الأقدار. إذا صليت بالنار. فلهذا رفعت من أغصاني الأشائر. ودقت من داراتي البشائر. وأعملت لي المشاعر. وقال في الشاعر:
للورد عندي محل ... ورتبة لا تمل
كل الرياحين جند ... وهو الأمير الأجل
إن جاء عزوا وتاهوا ... حتى إذا غاب ذلوا
(فقام النرجس) على ساق. ورمى الورد منه بالأحداق. وقال: لقد تجاوزت الحد يا ورد. وزعمت أنك جمع في فرد. إن اعتقدت أن لك بحمرتك فخرة. فإنها منك فجرة. وإن قلتإنك نافع
في العلاج. فكم لك في منهاج الطب من هاج. فاحفظ حرمتك. وإلا كسرت بقائم سيفي شوكتك. ويكفيك قول البستي فيك:
لا يغرنك أنني لين الم ... س لأني إذا انتضيت حسام
أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام
ولكن أنا القائم لله في الدياجي على ساقي. ألساهر طول الليل في عبادة ربي فلا تطرف أحداقي. وأنا مع ذلك المعد للحروب. ألمدعو عند تزاحم الكروب. ألا ترى وسطي لايزال مشدودا. وسيفي لا يزال مجرودا. وأنا فريد الزمان. في المحاسن والإحسان. ولهذا قال في كسرى أنوشروان: النرجس ياقوت أصفر. بين در أبيض على زمرد أخضر. وأنا المقرون في مهمات الأدواء بالصلاح. أنفع غاية النفع. من داء الثعلب والصرع. ومن الدليل على صلاحي. أن أبا نواس غفر له أثنى علي بأبيات قالها في امتداحي:
تأمل في رياض الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات ... بأحداق كما الذهب السبيك
على قضيب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك
ولقد أحسن ابن الرومي حيث قال. مبينا فضلي على كل حال:
أيها المحتج للور ... د بزور ومحال
ذهب النرجس بالفض ... ل فأنصف في المقال
(فقام الياسمين) وقال: آمنت برب العالمين. لقد تجبست
يا جبس. وأكثرك رجس ننجس. وأنت قليل الحرمة. واسمك مشمول بالعجمة. وكيف تطلب الملك وأنت بعد قائم مشدود الوسط في الخدمة رأسك لا يزال منكوس. وأنت المهيجللقيء المصدع من المحرورين للروس. أصفر من غير علة. مكسو أحقر حلة. ويكفيك بعض واصفيك.
أرى النرجس الغض الزكي مشمراً ... على ساقه في خدمة الورد قائم
وقد ذل حتى لف من فوق رأسه ... عمائم فيها لليهود علائم
ولكن أنا زين الرياض. والموسوم في الوجه بالبياض. شطر الحسن كما ورد. وأنا ألطف من ورد جاورد. ونشري أعبق من نشرك صباحا وندا. فأنا أحق بالملك منك منصوراومؤيدا. وأنا النافع من أمرض العصب الباردة. والملطف للرطوبات الجامدة. أنفع من اللقوة والشقيقة والزكام. ومن وجع الرأس البلغمي والسوداوي. ودهني نافع من الفالجووجع المفاصل. ويحلل الأعضاء ويجلب العرق الفاضل. يقول لي لسان الحال: لست الهزيل مقاما ياسمين. ويشهد لسان الألثغ بأني الدر الغالي إذا قال: يا ثمين
أنا الياسمين الذي ... لطفت فنلت المنى
فريحي لمن قد نأى ... وعيني إلى من دنا
وقد شفت حضرتي ... لصبري على من جنى
(فقام البان) وأبدى غاية الغضب وأبان وقال: لقد تعديت
يا ياسمين طورك. وأبعدت في المداغورك. وكونك أضعف الكون. وكثرة شمك تصفر اللون. وإذا سحق اليابس منك ورض. وذر على الشعر الأسود أبيض. وإذا قسم اسمكقسمين صار ما بين يأس ومينٍ. وإن ذكرت نفعك. فأنت كما قيل لا تساوي جمعك. ولقد صدق القائل. من الأوائل:
لا مرحبا بالياسمين ... وإن غدا في الروض زينا
صحفته فوجدته ... متضمنا يأسا ومينا
ولكن أنا ذو الاسمين. والظافر بالأصل والفرع بالقسمين. والقريب من الباز. والمضروب بقدي المثل في الاهتزاز. أزهاري عالية وأدهاني غالية. وقد ألبست خلعة السنجاب. واتفق على فضلي الأنجاب. أنفع بالشم من مزاحه حار. وأرطب دماغه وأسكن صداعه. ودهني نافع لكل وجع بارد. وتحت ذلك صور كثيرة الموارد. من الراس والضرس. ويكفي في وردي. قول ابن الوردي:
تجادلنا أماء الزهر أذكى ... أم الخلاف أم ورد القطاف
وعقبى ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد وقع الوفاق على الخلاف
(فقام النسرين) بين القائمين. منتصرا لأخيه الياسمين. وقال: أتتعدى يابان على شقيقي. وأين الفري من الذهب الدبيقي. ألم يعرفك الحال. قول من قال:
لله بستان حللنا دوحه ... في جنة قد فتحت أبوابها
والبان تحسبه سنانيرا رأت ... بعض الكلاب فنفشت أذنابها
ولكن أنازين البستان. وفي من الذهب والفضة لونان. أنفع من أورام الحلق واللوزتين ووجع الأسنان. ومن برد العصب والدوي والطنين في الآذان. وأسكن القيء والفواق. وأقوي القلب والدماغ على الإطلاق. وبي غاية الانتفاع. والبري مني إذا لطخ به الجبهة سكن الصداع. ويكفيك من المعاني. قول من عناني:
ما أحسن النسرين عندي وما ... أملحه مذ كان في عيني
زهر إذا ما أنا صفحته ... وجدته بشرى ويسرين
(فقام البنفسج) وقد التهب. ولاحت عليه زرقة الغضب. وقال: أيها النسرين لست عندنا من المعدودين. ولا في الصلاح من المحمودين. لأنك حار يابس إنما توافق المبرودين. ولاتصلح إلا للمشايخ المبلغمين. وأنت كثير الإذاعة فلست على حفظ الأسرار بأمين. ويعجبني ما قال فيك بعض المتقدمين:
ولم أنس قول الورد لا تركنوا إلى ... معاهدة النسرين فهو يمين
ألا تنظروا منه بنانا مخضبا ... وليس لمخضوب البنان يمين
ولكن أنا اللطيف الذات. ألبديع الصفات. ألمشبه برزق اليواقيت. وأعناف الفواخيت. ومزاجي رطب بارد. ومنافعي كثيرة الموارد. أولد دما في غاية الاعتدال. وأنفع الحار منالرمد والسعال. وأسكن الصداع الصفراوي والدموي لمن شم أو ضمد.
وألين الصدر وأنفع من التهاب المعد. وكفاني شرفا بين الإخوان. أن دهني سيد الأدهان. بارد في الصيف حار في الشتاء فهو صالح في كل الأزمان. وذلك لأنه يسكنالقلق. وينوم أصحاب الأرق. ومنافعي لا تحصى. وما أودعه خالقي في لا يستقصى. من رآني أذن بالانشراح. وتفاءل بالانفساح. ألا تسمع قول من باح وصاح:
يا مهديا لي بنفسجا أرجا ... يرتاح صدري له وينشرح
بشرني عاجلا مصحفه ... بأن ضيق الأمور ينفسح
(فقام اللينوفر) على ساق. وحشد الجيوش وساق. وأنشد بعد إطراق:
بنفسج الروض تاه عجبا ... وقال طيبي للجو ضمخ
فأقبل الزهر في احتفال ... والبان في غيظه تنفخ
ثم قال البنفسج: بأي شيء تدعي الإمارة. وتطاوع نفسك والنفس أمارة. وأكثر ما عندك أنك تشبه بالعذار وبالنار في الكبريت. وحاصل هذين يرجع إلى أشنع صيت. ومامن نفع ذكرته عنك إلا وأنا أفعل مثله وأكثر. وأنا أحرى بسلامة العاقبة منك وأجدر. من شرب اليابس منك ولده قبضا على القلب. وربى في معدته وأمعائه وأحدث له الكرب. وقد كفانا الورد مؤونة الرد عليك. وحذرنا من القرب منك والإصغاء إليك. فقال:
أعلي يفتخر البنفسج جاهلاً ... وإلي يعزى كل فضل يبهر
وأنا المحبب للقلوب زمانه ... وبمقدمي أهل المسرة تفخر
وقال الحاكي. عن الورد الباكي:
عانيت ورد الروض يلطم خده ... ويقول وهو على البنفسج محنق
لا تقربوه وإن تضوع نشره ... ما بينكم فهو العدو الأزرق
ولكن أنا اللطيف الغواص. ألكثير الخواص. أسكن الصداع الحار. وأذهب بالأرق والأسهار. وما أحسن ما قال في. بعض واصفي:
يرتاح للينوفر القلب الذي ... لا يستفيق من الغرام وجهده
والورد أصبح في الروائح عبده ... والنرجس المسكي خادم عبده
يا حسنه في بركة قد أصبحت ... محشوة مسكا تشاب بنده
ومني صنف يقال له البشنين. يشابهني في التكوين. لا في التلوين. ويحدث عند إطباق النيل. وله في منافع الطب تنويل. دهنه محمود في البرسام. إذا تسعط به ذوالأسقام. وقد أنشد فيه. من أراد أن يوصله حقه ويوفيه:
وبركة بغدير الماء قد طفحت ... بها عيون من البشنين قد فتحت
كأنها وهي تزهو في جوانبها ... مثل السماء وفيها أنجم سبحت
(فقام الآس) وقد استعد. وقال: لقد تجاوزت يا لينوفر الحد. ألست المضعف للمرء في قواه. الجالب له صفة الشيخوخة في صباه. ولقد عرفك. من قال حين وصفك:
ولينوفر أبدى باطن له ... مع الظاهر المخضر حمرة عندم
فشبهته لما قصدت هجاءه ... بكاسات حجام بها لوثة الدم
أنا المقوي للأبدان. الحابس للإسهال والعرق وكل سيلان. ألمنشف من الرطوبات. ألمانع من الصنان. ألمسكن للأورام والحمرة والشرى والصداع والخفقان. وأنا الباقي فيطول الزمان. وقال في بعض الأعيان:
الآس سيد أنواع الرياحين ... في كل وقت وحين في البساتين
يبقى على الدهر لا تبلى نضارته ... لا في المصيف ولا في برد كانون
وقال آخر:
للآس فضل بقائه ووفائه ... ودوام منظره على الأوقات
قامت على أغصانه ورقاته ... كنصول نبل جئن مؤتلفات
(فقام الريحان) وقال: يا آس. لأجرحنك جرحا ما له من آس:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وأنا الوارد في: عليكم بالمرزنجوش. فشموه فإنه جيد للخشام وأنا أنفع من لسعة العقرب لمن بالخل ضمد. ودهني يدخل في الضمادات للفالج الذي يعرض فيه ميل الرقبةإلى خلف وفي تشنج الأعصاب. ومع هذا فأنا المنوه باسمي في القرآن. حيث يقال: فروح وريحان. وحسبك مني في التشبيه. قول من قال على البديه:
أما ترى الريحان أهدى لنا ... حما حما منه فأحيانا
كأنه في ظله والندى ... زمرد يحمل مرجانا
فعطف عليه الآس. وقال: يا ريحان أتريد أن تسود. وأنت تشبه بهامات العبيد السود. ألم يغنك عن مقصوري. قول الشهاب المنصوري:
وريحان تميس به غصون ... يطيب بشمه لثم الكؤوس
كسودان لبسن ثياب خز ... وقد قاموا مكاشيف الرؤوس
قال الراوي: فلما أبدى كل ما لديه. وقال ما ورد عليه. اتفق رأي الناظرين. وأهل الحل والعقد من الحاضرين. على أن يجعلوا بينهم حكما عادلا. يكون لقطع النزاع بينهمفاصلا. فقصدوا رجلا عالما بالأصول والفروع. حافظا للآثار الموقوف منها والمرفوع. عارفا بالأنساب. مميزا بين الأسماء والألقاب. والأتباع والأصحاب. مديد الباع. بسيطاليدين في معرفة الخلاف والإجماع. خبيرا بمباحث الجدل. واستخراج مسالك العلل. متبحراً في علوم اللغة والإعراب. مطلعا بعلوم البلاغة والخطاب. محيطا بفنون البديع. حافظا للشواهد الشعرية التي هي أبهى من زهر الربيع. شديد الرمية. سديد الإصابة. ألشعر والنظم صوغ بيانه. والنثر والإنشاء طوع بنانه. والتاريخ الذي هو فضيلة غيرهفضلة ديوانه. فلما مثلوا بين يديه. ووقعت أعينهم عليه. قالوا: يا فريد الأرض. يا عالم البسيطة ما بين طولها والعرض. إنا أخصام بغى بعضنا على بعض. فانظر في حالنالنكون لك ذخيرة يوم العرض. واحكم بيننا بالحق.
واقض لأينا بالملك أحق. فقال: أيتها الأزهار إني لست كالذي تحاكم إليه العنب والرطب. ولا الذي تقاضى إليه المشمش والتوت ولا التين والعنب. إني لا أقبل الرشا. ولاأطوي على الغل الحشا ولا أميل مع صاحب رشوة. ولا أستحل من مال المسلمين حسوة. إنما أحكم بما ثبت في السنة. ولا أسلك غلا طريقا موصلا للجنة. فقصوا عليالخبر. لأعرف من فجر منكم وبر. فلما قص عليه كل قوله. وأبدى هينه وهوله. قال: ليس أحد منكم عندي مستحقا للملك. ولا صالحا للانخراط في هذا السلك. ولكن الملكالأكبر. والسيد البر. وصاحب المنبر ذو النشر الأعطر. والقدر الأخطر. ألسيد الأيد الصالح الجيد هو الفاغية. وقد جاء في الحديث: إن سيد الرياحين في الدنيا والآخرةالفاغية اشتمل على ما في الرياحين من الحسنى وحكم له بالسيادة. وشهد له بها وناهيك بالشهادة (قال) فلما سمعت الرياحين الأحاديث في فضل الفاغية أطرقوارؤوسهم خاشعين. وظلت أعناقهم لها خاضعين. ودخلوا تحت أمره سامعين طائعين. ومدوا أيديهم لها مبايعين بالإمرة ومتابعين. وقالوا لقد كنا قبل في غفلة عن هذا إنا كناظالمين. وإنا إذا لمن الآثمين. وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين
مناظرة بين فصول العام
حضر فصول العام مجلس الأدب. في يوم بلغ منه الأديب
نهاية الأرب. بمشهد من ذوي البلاغة. ومتقي صناعة الصياغة. فقام كل منهم يعرب عن نفسه. ويفتخر على أبناء جنسه
(فقال الربيع) : أنا شاب الزمان. وروح الحيوان. وإنسان عين الإنسان. أنا حياة النفوس. وزينة عروس الغروس. ونزهة الأبصار. ومنطق الأطيار. عرف أوقاتي ناسم. وأياميأعياد ومواسم. فيها يظهر النبات. وتنشر الأموات. وترد الودائع. وتتحرك الطبائع. ويمرح جنيب الجنوب. وينزح وجيب القلوب. وتفيض عيون الأنهار. ويعتدل الليل والنهار. كملي عقد منظوم. وطراز وشي مرقوم. وحلة فاخرة. وحلية ظاهرة. ونجم سعد يدني راعيه من الأمل. وشمس حسن تنشد: يا بعد ما بين برج الجدي والحمل. عساكريمنصورة. وأسلحتي مشهورة. فمن سيف غصن مجوهر. ودرع بنفسج مشهر. ومغفر شقيق أحمر. وترس بهار يبهر. وسهم آس يرشق فينشق. ورمح سوسن سنانه أزرق. تحرسها آيات. وتكنفها ألوية ورايات. بي تحمر من الورد خدوده. وتهتز من البان قدوده. ويخضر عذار الريحان. وينتبه من النرجس طرفه الوسنان. وتخرج الخبايا منالزوايا. ويفتر ثغر الأقحوان قائلا: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
إن هذا الربيع شيء عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء
(وقال الصيف) : أنا الخل الموافق. والصديق الصادق. والطبيب الحاذق. أجتهد في مصلحة الأصحاب. وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب. وأخفف أثقالهم. وأوفر أموالهم. وأكفيهم المؤونة. وأجزل لهم المعونة. وأغنيهم عن شراء الفرا. وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا. ونصرت بالصبا. وأوتيت الحكمة في زمن الصبا. بي تتضحالجادة. وتنضج من الفواكه المادة. ويزهو البسر والرطب. وينصلح مزاج العنب. ويقوى قلب اللوز. ويلين عطف التين والموز. وينعقد حب الرمان. فيقمع الصفراء ويسكنالخفقان. وتخضب وجنات التفاح. ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح. وتسود عيون الزيتون. وتخلق تيجان النارنج والليمون. ومواعدي منقودة. وموائدي ممدودة. ألخيرموجود في مقامي. والرزق مقسوم في أيامي. ألفقير ينصاع بملء مده وصاعه. والغني يرتع في ملكه وأقطاعه. والوحش تأتي زرافات ووحدانا. والطير تغدو خماصا وتروحبطانا. قال ابن حبيب:
مصيف له ظل مديد على الورى ... ومن حلا طعما وحلل أخلاطا
يعالج أنواع الفواكه مبديا ... لصحتها حفظا يعجز بقراطا
(وقال الخريف) : أنا سائق الغيوم. وكاسر جيش الغموم. وهازم أحزاب
السموم. وحادي نجائب السحائب. وحاسر نقاب المناقب. أنا أصد الصدى. وأجود بالندى. وأظهر كل معنى جلي. وأسمو بالوسمي والولي. في أيامي تقطف الثمار. وتصفوا الأنهار من الأكدار. ويترقرق دمع العيون. ويتلون ورق الغصون. طورا يحاكي البقم. وتارة يشبه الأرقم. وحينا يبدو حلته الذهبية. فيجذب إلى خلته القلوب الأبية. وفيها يكفى الناس هم الهوام. ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام. وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها. رافلة في الملابس المجددة في ريشها. وتعصر بنت العنقود. وتوثق فيسجن الدن بالقيود. على أنها لم تجترح إثما. ولم تعاقب إلا عدوانا وظلما. بي تطيب الأوقات وتحصل اللذات. وترق النسمات. وترمى حصى الجمرات. وتسكن حرارة القلوب. وتكثر أنواع المطعوم والمشروب. كم لي من شجرة أكلها دائم. وحملها للنفع المتعدي لازم. وورقها غير زائل. وقدود أغصانها تخجل كل رمح ذابل. ولابن حبيب:
إن فصل الخريف وافى إلينا ... يتهادى في حليه كالعروس
عيره كان للعيون ربيعا ... وهو ما بيننا ربيع النفوس
(وقال الشتاء) :
أنا شيخ الجماعة. ورب البضاعة. والمقابل بالسمع والطاعة. أجمع شمل الأصحاب. وأسبل عليهم الحجاب. وأتحفهم بالطعام والشراب. ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونهالباب. أميل إلى
المطيع. ألقادر المستطيع. المعتضد بالبرود والفرا. المستمسك من الدثار بأوثق العرى. ألمرتقب قدومي وموافاتي. ألمتأهب للسبع المشهورة من كافاتي. ومن يعش عن ذكري. ولم يمتثل أمري. أرجفته بصوت الرعد. وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد. وسرت إلية بعساكر السحاب. ولم أقنع من الغنيمة بالإياب. معرفي معروف. ونيل نيليموصوف. وثمار إحساني دانية القطوف. كم لي من وابل طويل المدى. وجود وافر الجدا. وقطر حلا مذاقه. وغيث قيد العفاة إطلاقه. وديمة تطرب السمع بصوتها. وحيا يحييالأرض بعد موتها. أيامي وجيزة. وأوقاتي عزيزة. ومجالسي معمورة. بذوي السيادة مغمورة. بالخير والمير والسعادة. نقلها يأتي من أنواعه بالعجب. ومناقلها تسمح بذهباللهب. وراحها تنعش الأرواح. وتفتن العقول الصحاح. إن ردتها وجدت مالا ممدودا. وإن زرتها شاهدت لها بنين شهودا:
وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عودا وحرق عودا
فلما نظم كل منهم سلك مقاله. وفرغ من الكلام على شرح حاله. أخذ الجماعة من الطرب ما يأخذ أهل السكر. وتجاذبوا أطراف مطارف الثناء والشكر. وظهرت أسرارالسرور. وانشرحت صدور الصدور. وهبت نسمات قبول الإقبال. وأنشد الحال:
وماذا يعيب المرء في مدح نفسه ... إذا لم يكن في قوله بكذوب
ثم انفض المجلس وحل النطاق. وتفرق شمل أهله وآخر الصحبة الفراق (نسيم الصبا لابن حبيب الحلبي)
البحر والبر
قد تفاوض لسان حال البحر ولسان حال البر. وهما في محاورة بين عيد الفطر وعيد النحر. بعتاب في السر منزه عن الشر. (فقال البر) : يا صاحب الدر ومعدن الدر أغرقترياضي. ومزقت جسوري وأحواضى. وأغرقت جثتي ودخلت جنتي. وتلاطمت أمواجك على جنتي. وأكلت جزائري وجروفي. وأهلكت مرعى فصيلي وخروفي. وأهزلت ثوريوحملي. وفرسي وجملي. وأجريت سفنك على أرض لم تجر عليها. ولم تمر طرف غرابها إليها. وغرست أوتادها على أوتاد الأرض. وعرست في مواطن النفل والفرض. وجعلتمجرى مراكبك في مجرى مراكبي. ومشى حوتك على بطنه في سعد أخبية مضاربي. وغاص ملاحك في ديار فرحي. وهاجرت من القرى إلى أم القرى. وحملت فلاحيأثقاله على القرى. وقد تلقيتك من الجنادل بصدري. وحملتك إلى برزخك على ظهري. وقبلت أمواجك بثغري. وخلقت مقياسي فرحا بقدومك إلى مصري. وقد جرت وعدلت. وفعلت ما فعلت. وأخرجت ما بيني وبينك. واخترت رحيلك وبينك. فعلك تغيض. ولا يكون ذهابك علي
ذهاب بغيض. أو تفارق هذه الفجاج. وتختلط بالبحر العجاج. وإن لم تفعل شكوناك إلى من أنزلك من السماء. وأنعم بك علينا من خزائن الماء:
إذا لم تكن ترحم بلادا ولم تغث ... عبادا فمولاهم يغيث ويرحم
وإن صدرت منهم ذنوب عظيمة ... فعفو الذي أجراك يا بحر أعظم
نمد إليه أيديا لم نمدها ... إلى غيره والله بالحال أعلم
(قال البحر) : يا بر يا ذا البر. ومنبت البر. هكذا تخاطب ضيفك. وهو يخصب شتاءك وصيفك. وقد ساقني الله إلى أرضك الجرز. ومعدن الدر والخرز. لأبهج زرعها وأخيلها. وأخرج أبها ونخيلها. وأكرم مثوى ساكنك. وأنزل البركة في أماكنك. وأثبت لك في قلب أهلك أحكام المحبة. وأنبت بك لهم في كل سنبلة مائة حبة. وأحييك حياة طيبة يبتهجبها عمرك الجديد. ويتلو كذلك يحيي الله الموتى ألسنة العبيد. وأطهرك من الأوساخ. وأحمل إليك الإبليز فأطيبك به من عرق السباخ. وأنا هدية الله إلى مصرك. وملك عصركالقائم بنصرك. وكذلك أنمي مال السلطان. ولولا بركاتي عليك ومسيري في كل مسرى إليك لكنت واديا غير ذي زرع. وصاديا غير ذي ضرع. هذا ولم أتحرك إليك إلا بإذنأسمعه بأذن. وأخرج لأجلك من جنات عدن. وأدخل بعد إحيائك في البحر الأعظم. وقيل إنه جهنم. وتهتز طربا إذا رحلت
عنك بأمر من أرسلني إليك وتتبسم فلا أقل من أن تزودني بشكر. في صحو وسكر. فإلى الله البر. أحاكمك أيها البر. وأسأله أن يسخرك ويسخرني لأهل الخير والبر. فأناوأنت إلى خيره فقيران. وترابك ومائي لأهل عباده طهوران. وبعد ذلك فأقول لك يا مبارك المسالك. وكنانة الله المحروسة بالملائك:
سريت أنا ماء الحياة فلا أذى ... إذا عشت للأصحاب فالمال هين
فكن خضرا يا بر واعلم بأنني ... إلى طينك الظمآن بالري أحسن
وأسعى إليه من بلاد بعيدة ... وأحسن أجري بالتي هي أحسن
إذا طاف طوفاني بمقياسك الذي يسر بإتيان الوفاء ويعلن
فقم وتلقاه ببسطتك التي ... لروضتها فضل على الروض بين
ولعمري لقد تلطف البر في عتابه وأحسن. ودفع البحر في جوابه بالتي هي أحسن. وقد اصطلحنا على مصالحنا بين العيدين. وصارا بفضل الله لنا كالعبدين. وهما بحمدالله خوانان لعباده. أو أخوان متظافران على عمارة بلاده. فالله تعالى يخصب مرعاهما. ويحرسهما ويرعاهما. ويثبتهما بالجبال الشواهق. ويقر بهما جفون الأحداق وعيونالحدائق
نخبة من مغايرة بين السيف والقلم للشيخ جمال الدين ابن نباتة
(قال) . برز القلم بإفصاحه. ونشط لارتياحه. ورقي من الأنامل على أعواده. وقام خطيبا بمحاسنه في حلة مداده. والتفت إلى السيف وقال: بسم الله الرحمن الرحيم والقلموما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون. الحمد لله الذي علم بالقلم وشرفه بالقسم. وخط به ما قدر وقسم. أما بعد فإن القلم منار الدين والدنيا ونظام الشرف والعليا. ومحاديح الخير إذا احتاجت الهمم إلى السقيا. ومفتاح باب اليمن المجرب إذا أعيا. وسفير الملك المحجب.
وعذيق الملك المرجب. وزمام أموره السائرة. وقادمة أجنحة الطائرة. ومطلق أرزاق عفاته المتواترة. وأنملة الهدى المشيرة إلى ذخائر الدنيا والآخرة. به رقم الكتاب الذي لا يأتيهالباطل. وسننه التي تهذب الخواطر الخواطل. فهو في مراضي الدول عونة للشائدين. وبعين الله في ليالي النقس تقلب وجهه في الساجدين. إن نظمت فرائد العلوم فإنماهو سلكها. وإن علت أسرة الكتب فإنما هو ملكها. أو رقمت برود البيان فإنا هو جلالها. وإن تشعبت فنون الحكم فإنما هو أمانها ومآلها. وإذا انقسمت أمور الممالك فإنماهو عصمتها وثمالها. وإن اجتمعت رعايا الصنائع فإنما هو إمامها المتلفع بسواده. وإن زخرت بحار الأفكار فإنما هو المستخرج دررها من ظلمات مداده. وإن وعد وفىبجلب النفع. وإن أوعد أخاف كأنما يستمد من النفع. هذا وهو لسان الملوك المخاطب. ورسيلها لأبكار الفتوح والخاطب. والمنفق في تعمير دولها محصول أنفاسه. والمتحملأمورها الشاقة على عينه ورأسه. والمتيقظ لجهاد أعدائها والسيف في جفنه نائم. والمجهز لبأسها وكرمها جيشي الحروب والمكارم. والجاري بما أمر الله من العدلوالإحسان. والمسود الناصر فكأنما هو لعين الدهر إنسان. طالما ذب عن حرمها. فشد الله أزره ورفع ذكر. وقام في المحاماة عن دينها أشعث أغبر لو أقسم على الله لا بره. وقاتل على البعد والصوارم في القرب. وأوتي
من معجزات النبوءة نوعا من النصر بالرعب. وبعث جحافل السطور فالقسي دالات والرماح ألفات واللامات لامات. والهمزات كواسر الطير التي تتبع الجحافل. والأتربةعجاجها المحمر من دم الكلى والمفاصل. فهو صاحب فضيلتي العلم والعمل. وساحب ذيلي الفخار في الحرب والسلم. لا يعاديه إلا من سفه نفسه. ولبس لبسه. وطبع علىقلبه. وفل الجدال من غربه. وخرج في وزن المعارضة عن ضربه. وكيف يعادى من إذا كرع في نقسه. قيل إنا أعطيناك الكوثر. وإذا ذكر شانئه السيف قيل إن شانئك هوالأبتر. أقول قولي هذا وأستغفر الله من الشرف وخيلاته. والفخار وكبريائه. وأتوكل على الله فيما حكم. وأسأله التدبير فيما جرى به القلم. ثم اكتفى بما ذكره من أدواته. وجلس على كرسي دواته متمثلا بقول القائل:
قلم يفل الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشابها ... كرم السيول وصولة الآساد
فعند ذلك نهض السيف قائما عجلا. وتملظ لسانه للقول مرتجلا. وقال: بسم الله الرحمن الرحيم وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسلهبالغيب إن الله قوي عزيز. الحمد لله الذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف. وشرع حدها في ذوي العصيان فأغصتهم بماء الحتوف. وشيد مراتب الذين
يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وعقد موصوف. وأجناهم من ورق حديدها الأخضر ثمار نعيمها الدانية القطوف. أما بعد فإن السيف زند الحق الوري وزندهالقوي. وحده الفارق بين الرشيد والغوي. والنجم الهادي إلى العز وسبيله. والثغر الباسم عن تباشيره فلوله. وخصه الله على الأقلام بأن به للحق منهاجا. وأطلعه في لياليالنقع والشك سراجا وهاجا. وفتح باب الدين بمصباحه حتى دخل فيه الناس أفواجا. فهو ذو الرأي الصائب. وشهاب العزم الثاقب. وسماء العز التي زينت من آثاره بزينةالكواكب. والحد الذي كأنه ماء دافق يخرج من عند قطع الأجساد من بين الصلب والترائب. لا تجحد آثاره ولا ينكر قراراه. إذا اشتبت في الدجى والنقع ناره. يجمع بنيالحالتين البأس والكرم. ويصاغ في طوق الحليتين فهو إما طوق في نحور الأعداء وإما خلخال في عراقيب أهل النقم. وتحسم به أهواء الفتن المضلة. وتحذف بهمته الجازمةحروف العلة. وإذا انحنى في سماء القتام بالضرب فهو القوي الاستطاعة الطويل المعمر. إذا قصف سواه في ساعة فما أولاه بطول الإحسان. وما أجمل ذكره في أخبارالمعمرين ومقاتل الفرسان. كأن الغيث في غمده للطالب المنتجع. وكأنه زناد يستضاء به إلا أن دفع الدماء شرره الملتمع. كم قد مد فأدرك الطلاب. ودعا النصر بلسانه المحمرمن أثر الدماء فأجاب. وتشعبت
الدول لقائم نصره المنتظر. وحازت أبكار الفتوح بحده الظفر. وغدت أيامها به ذات حجول معلومة وغرر. وشدت به الظهور وحمدت علائقه في الأمور. واتخذته الملوك حرزالسلطانها. وحصنا على أوطانها وقطانها. وجردته على صروف الأقدار في شانها. وندب فما أعيت عليه المصالح. وباشر اللمم فهو على الحقيقة بين الهدى والضلال فرقواضح. وأغاث في كل فصل فهو إما لغمده سعد الأخبية وإما لحامله سعد السعود. وإما لصده سعد الدابح. يجلس على رؤوس الأعداء قهرا. ويشرح أنباء الشجاعة قائلاللقلم: ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا. وهل يفاخر من وقف الموت على بابه. وعض الحرب الضروس بنابه. وقذفت شياطين القراع بشهبه. ومنح آيات شريفة منها طلوعالشمس من غربه. ومنها: أن الله أنشنأ برقه فكان للمارد مصرعا. وللرائد مرتعا. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من لفظ يجمح. ورأي إلى الخصام يجنح. ولسانيحوجه اللدد إلى أن يخرج فيجرح. وأتوكل عليه في صد الباطل وصرفه. وأسأله الإعانة على كل باحث عن حتفه بظلفه. ثم اختفى في بعض الخمائل. وتمثل بقول القائل:
سل السيف عن أصل الفخار وفرعه ... فإني رأيت السيف أفصح مقولا
(فلما وعى القلم) خطبته الطويلة الطائلة. ونشطته الجليلة الجائلة. وفهم كنايته وتلويحه. وتعريضه بالذم وتصريحه. وتعديله في
الحديث وتجريحه. استغاث باللفظ النصير. واحتد وما أدراك ما حدة القصير. وقام في دواته وقعد. واضطرب على وجه القرطاس وارتعد. وعدل إلى السب الصراح. ورأىأنه إن سكت تكلم ولكن بأفواه الجراح. فانحرف إلى السيف وقال: أيها المعتز بطبعه. المغتر بلمعه. الناقض حبل الأنس بقطعه. الناسخ بهجيره من ظلال العيش فيئا. السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. الحبيس الذي طالما عادت عليه عوائد شره. أتعرض بسبي. وتتعرض لمكايد حربي. ألست ذا الخدع البالغةوالحرب خدعة. والمنن النافعة ولا خير فيمن لا تبغي الأنام نفعه. ألست المسود الأحق بقول القائل:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الجود والإقداما
أتفاخرني وأنا للوصل وأنت للقطع. وأنا للعطاء وأنت للمنع. وأنا للصلح وأنت للضراب. وأنا للعمارة وأنت للخراب. وأنا المعمر. وأنت المدمر. وأنت المقلد وأنا صاحب التقليد. وأنت العابث وأنا المجود ومن أولى من القلم بالتجويد. فما أقبح شبهك. وما أشنع يوما ترى فيه العيون وجهك. أعلى مثلي يشق القول. ويرفع الصوت والصول. وأنا ذو اللفظالمكين. وأنت ممن دخل تحت قول القرآن: أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. فقد تعديت حدك. وطلبت ما لم تبلغ به جهدك. هيهات أنا المنتصب
لمصالح الدول وأنت في الغمد طريح. والمتعب في تمهيدها وأنت غافل مستريح. والساهر وقد مهد لك في الغمد مضجع. والجالس عن يمين الملك وأنت عن يساره فأيالحالتين أرفع. والساعي في تدبير حال القوم. والمفني لنفعهم العمر إذا كان نفعك يوما أو بعض يوم. فاقطع عنك أسباب المفاخرة. واستر أنيابك عند المكاشرة. فما يحسنبالصامت محاورة المفصح. والله يعلم المفسد من المصلح. على أنه لا ينكر لمثلك التصدي. ولا يستغرب منه على مثلي التعدي. ما أنا أول من أطاع البارئ وتجرأت عليه. ومددت يد العدوان إليه. أو لست الذي قيل فيه:
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجاج في الحرم
قد سلبت الرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. وجلبت القسوة فكم هيجت سبة حمراء. وأثرت دهماء. وخمشت الوجوه وكيف لا وأنت كالظفر كونا. وقطعت اللذات ولم لاوأنت كالصبح لونا. أين بطشك من حلمي. وجهلك من علمي. وجسمك من جسمي:
شتان ما بين جسم صيغ من ذهب ... وذاك جسمي وجسم صيغ من بهق
أين عينك الزرقاء من عيني الكحيلة. ورؤيتك الشنعاء من رؤيتي الجميلة. أين لون الشيب من لون الشباب. وأين نذير الأعداء من رسول الأحباب. هذا وكم أكلت الأكبادغيظا.
وحميت الأضغان قيظا. وشكوت الصدى فسيقت ولكن بشواظ من نار. وأخنت عليك الأيام حتى انتعل بأبعاضك الحمار. ولولا تعرضك إلي لما وقعت في المقت. ولولا إساءتكلما كنت تصقل في كل وقت. فدع عنك هذا الفخر المديد. وتأمل وصفي إذا كشف عنك الغطاء فبصرك اليوم حديد. وافهم قول ابن الرومي:
بذا قضى الله في الأقلام إذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
(فعند ذلك وثب السيف) على قده. وكان الغضب يخرجه من حده. وقال: أيها المتطاول على قصره. والماشي على طريق غرره. والمتعرض منى إلى الدمار. والمتحرش بي فهوكما تقول العامة: ذنبه قش ويتحرش بالنار. لقد شمرت عن ساقك حتى أغرقتك الغمرات. وأتعبت نفسك فيما لا تدرك إلى أن أذهبها التعب حسرات. أو لست الذي طالماأرعش السيف للهيبة عطفك. ونكسر للخدمة رأسك وطرفك. وأمر بعض رعيته وهو السكين فقطع قفاك وشق أنفك. ورفعك في مهمات خاملة وحطك. وجذبك للاستعمال وقطك. فليت شعري كيف جسرت. وعبست على مثلي وبسرت. وأنت السوقة وأنا الملك. وأنا الصادق وأنت المؤتفك. وأنت لصون الحطام وأنا لصون الممالك. وأنت لحفظ المزارع وأنالحفظ المسالك. وأنت للفلاحة وأنا الفلاح. وأنت حاطب الليل من نقسه وأنا ساري الصباح. وأنا الباصر وأنت الأرمد. وأنا
المخدوم الأبيض وأنت الخادم الأسود. وأقسم بمن صير في قبضتي أنواع اليمن إنك عن بلوغ قدري لأذل رتبة. وعن بري كفي لأخيب طلبة. فإني لا أنكر قول بعض أربابكحيث قالوا:
أف لرزق الكتبه ... أف له ما أصعبه
يرتشف الرزق به ... من شق تلك القصبة
يا قلما يرفع في الط ... رس لوجهي ذنبه
ما أعرف السكين إلا ... كاتبا ذا متربه
إن عاينت الديوان وقعت في الحساب والعذاب. أو البلاغة سحرت وبالغت فأنت ساحر كذاب. أو فخرت بتقييد العلوم فما لك منها سوى لمحة الطرف. أو برقم المصاحف فإنكتعبد الله على حرف. أو جمعت عملا فإنما جمعك للتكسير. أو رفعت إلي طرفك رجع البصر خاسئا وهو جسير. وهل أنت في الدول إلا هيال تكتفي الهمم بطيفه. أو إصبعتلعق بها الرزق إذا أكل الضارب بقائم سيفه. وساع على رأسه قل ما أجدى. وسار ربما أعطى قليلا وأكدى. ثم وقف وأكدى. أين أنت من حظي الأسنى وكفي الأغنى. وماخصصت به من الجوهر الفرد إذا عجزت أنت عن العرض الأدنى. كم برزت فما أغنيت في مهمه. وكم خرجت من دواتك لتسطير سيئة. فخرجت كما قيل من ظلمة إلى ظلمة. وهب أنك كما قلت مفتوق اللسان. جريء الجنان. مداحل بمخلبك بين ذوي الاقتناص.
معدود من شياطين الدول وأنت في الطرس والنقس بين بناء وغواص. فلو جريت خلفي إلى أن تخفى. وصحت بصريرك إلى أن تخفت وتخفى. لما كنت مني إلا بمنزلة المدرةمن السماك الرامح. والبعرة على تيار الخضم الطافح. فلا تعد نفسك بمعجزي فإنك ممن يمين. ولا تحلف لها أن تبلغ مداي فليس لمخضوب البنان يمين. ومن صلاح نجمكأن تعترف بفضلي الأكبر. وتؤمن بمعجزتي التي بعثت منك إلى الأسود والأحمر. لتستوجب حقا. وتسلم من نار حر تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. وإن لم يتضح لرأيك إلاالإصرار. وأبت حصائد لسانك إلا أن توقعك في النار. فلا رعى الله عزائمك القاصرة. ولا جمع عقارب ليل نفسك التي إن عادت فإن نعال السيوف لها حاضرة. ثم قطعالكلام. وتمثل بقول أبي تمام:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب.
فلما تحقق تحريف القلم حرجه. وفهم مقدار الغيظ الذي أخرجه. وسمع هذه المقالة التي يقطر من جوانبها الدم. ورأى أنه هو البادي بهذه المناقشة والبادي أظلم. رجع إلىخداعه. وتنحى عن طريق قراعه. وعلم أن الدهر دهره. والقدر على حكم الوقت قدره. وأنه أحق بقول القائل:
لحنها معرب وأعجب من ذا ... أن إعراب غيرها ملحون
فالتفت إليه وقال: أيها الملتهب في قدحه. والخارج عما نسب إليه من صفحه. ما هذه الزيادة في السباب. والتطفيف في كيل الجواب. وأني علم الشيوخ عن جهل الشباب. أما كان الأحسن بك أن تترك هذا الرفث. وتلم أخاك على الشعث. وتحلم كما زعمت أنك السيد. وتزكو على الغيظ كما يزكو على النار الجيد. أما تعلم أني معينك في تشييدالممالك. ورفيقك فيما تسلكه لنفعها من المسالك. أما أنا وأنت للملك كاليدين. وفي تشييده كالركنين. وما أراك عبتني في الأكثر إلا بنحول الجسد الذي ليس خلقه علي. وضعفه الذي ليس أمره إلي. على أن أذكى النسيمات أعلها وأنفها. وهذه سادات العرب تعد ذلك من فضلها الأظهر. وحسنها الأشهر. ولو أنك تقول بالفصاحة. وتقف فيهذه الساحة. لأسمعتك في ذلك من أشعارهم. وأتحفتك بما يفخرون به من آثارهم. فيا لله من هذه الحجة البائرة. والكرة الخاسرة. وعلى هذه النسبة ما عبتني به من فقرالأنبياء. وذل الحكماء. على أن إطلاقات معروفي معروفة وسطوات أمري في وجوه الأعداء المكسوفة مكشوفة. فاستغفر الله مما فرط في مقالك. والتفويض من عوائداحتمالك. فلا تشمت بنا الأضداد ولا تسلط بفرقتنا المفسدين في الأرض. إن الله لا يحب الفساد. واغضض الآن من خيلائك بعض هذا الغض. ولا تشك أني قسيمك وإنأبيت إلا أن تهدد. وتجرد
الشغب وتحدد. فاذكر محلنا في اليد الشريفة السلطانية الملكية المؤيدة. أيد الله نعمها. وجازى بالإحسان شيمها. وأيقظ في الآجال والآمال سيفها وقلمها. ولا عطل مشاهدالمدح من أنسها. ولا أخلى فرائض البأس والكرم من قيام خمسها. فاقسم من باسه بالليل وما وسق. ومن بشر طلعته بالقمر إذا اتسق. لو تجاوز الأسد والظباء. بتلك اليدلوردا بالأمن في منهل. ورتعا في روض لا يجهل. فما ينبغي لنا بين تلك الأنامل غير سلوك الأدب. والمعاضدة على محو الأزمات والنوب. والاستقامة على الحق ولا عوج. والحديث من تلك الراحة عن البحر ولا حرج. هذه نصيحتي إليك والدين النصيحة. والله تعالى يطلعك على معاني الرشد الصريحة. ويجعل بينك وبين الغي حجابا مستورا. وينسيك ما تقدم من القول وكان ذلك في الكتاب مسطورا. فعند ذلك نكس السيف طرفه وقبل خديعة القلم قائلا لأمر ما جدع قصير أنفه وأمسك عن المشاغبة خفية الزلل. فإن السيوف معروفة بالخلل. ثم قال: أيها الضعيف الجبار. البازغ في ليل المداد نجما وكم في النجوم غرار. لقد تظلمت من أمر أنت البادي بظلمه. وتسورت إلى فتح بابأنت السابق إلى فتح ختمه. وقد فهمت الآن ما ذكرت من أمر اليد الشريفة ونعم ما ذكر. وأحسن بما أشرت. وما أنسانيه إلا الشيطان أن ذكره وقد تغافلت عن قولكالأحسن. ورددتك
إلى أمك الدواة كي تقر عينها ولا تحزن. وسألت الله تعالى أن يزيد محاسن تلك اليد العالية تماما على الذي أحسن فإنها اليد التي:
لو أثر التقبيل في يد منعم ... لمحا براجم كفها التقبيل
والراحة التي:
تسعى القلوب لغوثها ولغيثها ... فيجيبه التأمين والتأميل
والأنامل التي علمها الله بالسيف والقلم. ومكنها من رتبتي العلم والعلم. ودارك بكرمها آمال العفاة بعد إن ولا ولم. ولولا أن هذا المضمار يضيق عن وصفه السابق إلى غايةالخصل. ومجده الذي إذا جر ذيله ود الفضل لو تمسك منه بالفضل. لأطلت الآن في ذكر مجدها الأوضح. وأفصحت في مدحها ولا ينكر لمثلها أن أنطقت الصامت فأفصح. ثم إنك بعدما تقدم من القول المزيد. والمجادلة التي عز أمرها على الحديد. أقررت أنت أننا للملك كاليدين. ولم تقر أينا اليمين. وفي آفاقه كالقمرين. ولم تذكر أينا الواضحةالجبين. وما يشفي ضناي ويروي صداي إلا أن يحكم بيننا من لا يرد حكمه. ولا يتهم فهمه. فيظهر أينا المفضول من الفاضل. والمخذول من الخاذل. ويقصر عن القولالمناظر. ويستريح المناضل. وقد رأيت أن يحكم بيننا المقام الأعظم الذي أشرت إلى يده الشريفة. وتوسلت بمحاسنها اللطيفة. فإنه مالك زمامنا. ومنشئ غمامنا. ومصرفكلامنا. وحامل أعبائنا. الذي ما هوى للهوى وصاحب
أمرنا ونهينا وتالله ما ضل صاحبكم وما غوى. ليفصل الأمر بحكمه ويقدمنا إلى مجلسه الشريف فيحكم بيننا بعلمه. فقد خيرة الله على ذلك الاشتراط. وقل بعد تقبيلناالأرض له في ذلك البساط: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط. واهدنا إلى سواء الصراط. فنشط القلم فرحا. ومشى في أرض الطرس مرحا. وطرب لهذا الجواب. وخر راكعا وأناب. وقال: سمعا وطاعة. وشكر الله على هذه الساعة يا برد ذاك الذي قالت على كبدي الآن ظهر ما تبغيان. وقضي الأمر الذي فيهتستفتيان. وحكم بيننا الرأي المنير. ونبأنا بحقيقة الأمر ولا ينبئك مثل خبير. ثم تفاصلا على ذلك. وتراضينا على ما يحكم به المالك. وكانوا أحق بها وأهلها وانتبه المملوك منسنة فكره. وطالع بما اختلج سواد هذه الليلة في سره. والله تعالى يديم أيام مولانا السلطان التي هي نظام المفاخر. ومقام المآثر. وغوث الشاكي وغيث الشاكر. ويمتعبظلال مقامه الذي لا تكسر الأيام مقدار ما هو جابر. ولا تجبر ما هو كاسر. إن شاء الله تعالى (خزانة الأدب للحموي)
رشف الرحيق في وصف الحريق
حكى شعلة بن أبي لهب عن أبي الزناد شهاب، أنه قال: لم تزل أذني متشنفة بأوصاف دمشق، متلذذة بماء الأقلام في ذكر محاسنها من التعليق
والمشق، حتى رأيت الحزم، شد الكور إليها والحزم، فأزمعت السير، ولم أزجر الطير، وقطعت أديم الأرض بالسير، وركبت إليها مطاء الشوق قبل مطايا السوق، ولم يتلفتالقلب إلى الوطن، ولا حن النجيب إلى العطن، حتى بلغتها بعد مكابدة السرى، وإثارة العجاج من الثرى، فلما حللت مغناها وجدتها: [الكامل]
بلدا أعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلة ريشه الطاووس
وكأنما الأنهار فيه سلافة ... وكأن ساحات الديار كؤوس
فألقيت العصا في ساحتها، وألفيت زوال التعب في مصافحة راحتها، فما سرت فيها إلى روض إلا وأجلسني من النرجس على أحداقه، وقام السرو من السرور بين يديعلى ساقه، وجرى الماء في خدمتي لكرم أخلاقه، وظللني الدوح لطيب أعراقه، ومد الغصن لي ستور أوراقه، وغنى لي الحمام على عوده، ولو تأنى أو تأبى جره بأطواقه. قال:
فشفيت سقمي بنسيمها العليل، واستروحت إلى ما نقله عن بانه وبنفسجه لا إلى ما يتحمله من الإذخر والجليل، وخلت أنه بلطف مسه يلين له الجندل، وجننت بعرفهالمندلي، وما رأى الناس من جنّ بالمندل، وبردت بأنفاسه حر الصبابة والجوى، وقلت: [الكامل]
أضحى نسيم دمشق حياها الحيا ... يمشي الهوينا في ظلال حماها
فكأنه من مائها وهضابها ... ما داس إلا أعينا وجباها
وقطعت بها زمنا ألذ من وصال الحبيب، وأشهى إلى النفس من التشفي بأذى الرقيب، فلا أبعد الله ما في بساتينها من شجرات، ولا قدّر الكسوف على ما فيها من كواكبالثمرات، ولا دكّ هضبات أزهارها التي تضوع بطن نعمان برياها، لا بمن مشى به من الخفرات، فإنها: [الخفيف]
شوقتنا إلى الجنان فزدنا ... في اجتناب الذنوب والآثام
قال: ولازمت جامعها الذي تحيرت العقول في تكوينه وكنهه، وحسنه الذي لم يكن فيه عيب سوى أنه لم تقع العين على شبهه، ولله من نظم درّا فيه حين قال فيه: [المتقارب]
دمشق لها منظر رائق ... وكلّ إلى وصلها تائق
وكيف تقاس بها بلدة ... أبى الله والجامع الفارق
فإنه يوقظ النائم، بحسن رخامه القائم، ويجلو بهيم الدجى حصّة الفجر من حصّه، وتروي لك زخرفته حديث الحسن بفصه، كم زهرت فيه ليلة النصف من ذبالة هي نجمتوقد، وكم دار به دولاب كانت قناديله تدور مثل الفرقد، وكم طلع في سماء صحنه من ثريا، وكم تمنى من القمر لو كان بين نجومه فما اتفق له ذلك ولا تهيا، وكم جليت عروسهفي عقود وقود، وكم تمتعت الأبصار فيه بوجوه تخجل البدر في ليالي السعود، وكم فيه من عمود قام على قاعدة، وكم به من منجور كغضون أوجه العجائز وأزراره ناهدة،وكم من أعطاف رؤيت في صحنه مائدة، وكم من طائر لرفع نسره مخفوض، وكم حسن بناء عند بنائه يعرب أنه مرفوض، كم أظهرت الصناع فيه بدائع لا يدعيها غيرهم ولايتعاطى، وكم أبرزوا فيه من معجز لأنهم جعلوا الحجارة أوراقا والرخام أخياطا، قد عمر الله تعالى أوقاته بالذكر، وأراح قلب من يراه من الهم، وأراح عنه الفكر.
قال: فلما رأيت مجموعه المختار، وأن العيون تودّ لو نسج له من شعر جفونها أستار، قلت (( 1 )) : [الطويل]
تقول دمشق إذ تفاخر غيرها ... بجامعها الزاهي البديع المشيد
جرى لتناهي حسنه كلّ جامع ... وما قصبات السبق إلا لمعبد
قال: فبينا نحن ذات ليلة وقد وردنا حمى المضاجع، ودخل ضيف الطيف على مقلة الهاجع، وإذا بالأصوات تعجّ، والدعوات تلج أبواب السماء وتلجّ: [الطويل]
فلو نشدت نعشا هناك بناته ... لمات ولم يسمع لها صوت منشد
فسألت عن الخبر ممن عبر، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى نسج الجوّ كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع؛ فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم،والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم، ورأيت النار وقد نشرت في حداد الظلماء معصفرات عصائبها، وصعدت إلى عنان السماء عذبات ذوائبها: [من الطويل]
ذوائب لجت في علوّ كأنما ... تحاول ثأرا عند بعض الكواكب
وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ترمي بشرر كالقصر، فكم زمر أضحت لذلك الدخان جاثية، وكم نفس كانت في النازعاتوهي تتلو: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ
(( 1 )) ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتفني ما يستفلها ويعتليها، إلى أن ارتقت إلى المئذنة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقية، وثارت إليها منالأرض لأخذ الثأر، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء: كأنه علم في رأسه نار (( 2 )) ؛ فنكست وكانت للتوحيد سبابة، ولمعبدها المطرب شبابة، وابتلي رأسها من الهدموالنار بشقيقة، وأدار الحريق على دائرها رحيقه: [المتقارب]
وبالأرض من حبها صفرة ... فما ينبت الروض إلا بهارا
وترقى إليها أو لو العزم من النظارة، وصبروا على النار والشعث بعد النعيم والنضارة، وكادت نارها تكون كنار القيامة وقودها الناس (( 1 )) والحجارة؛ هذا وبنفسج الظلاميذوي، ولينوفر (( 2 )) النار يشب على الماء ويقوى، حتى نثرت غصون ذوائب النار شررها في النواحي، وظننا الدخان روضة سوسن تخللها نرجس وأقاحي، وعقد الدخانسماء أخرى، وأطلع الشرار فيها كواكب زهرا، وكأن أهل دمشق دعوا طارق النيل والفرات ليقرى، وخافوا ضلاله فرفعوا له من النار في الظلماء ألوية حمرا، إلى أن أتاهاالبحر- لا زال نصره عجاجا، ولا برحت سيوفه تكاثر البحار أمواجا- فانكشفت لما أن رأت من وجهه سراجا وهاجا، وطفئت لما أن رأت جوده عذبا فراتا، وبأسه ملحا أجاجا،وكاثرهم بهمم أمرائه فأحكم إخمادها وتلقى بصدره من خطب الزمان ما دهى؛ ولما طلع في روض السماء ياسمين النهار، وعاد إهليلجا ما رؤي بالليل من الجلنار، وقفالنادبون على الرسوم، ورأوا صنع النار التي عكست نار الآخرة، فكان لكلّ مكان منها جزء مقسوم (( 3 )) : [الطويل]
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا ... ولا نحن من فرط الجوى كيف نسأل
وأصبح باب الساعات (( 4 )) وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنة والجماعة، وعادت الدهشة وقد آل أمرها إلى الوحشة، وحسنها البديع، وقد ثلث النارعرشه، كأن لم أر بها سميرا، ولا شاهدت من بنائها
وقماشها جنة وحريرا، قد سلط الله عليها النار التي ما لها ردة، وأحرق أزهار ثيابها الملونة بوردة؛ ونظرت إلى الوراقين وقد زال ما بها من الطرائف، وطاف عليها من الدثوروالخراب طائف، فيا ضياع أوضاعها المكونة، ويا سواد وجوه أوراقها الملونة، ولمحت اللبادين وقد صارت كالعهن المنفوش، ومحيت بأيدي النار سطور كل خاتم منقوش،وأصبح أهلها كالحمائم تنوح على أقفاصها، وتود اللآلئ أنها لم تخرج إليهم من مغاصها، فما منهم إلا ربّ نعمة سلبت، أصبح بعد الجديد في خلق، أو غنيّ أمسى بعد ماضم قفصه يكدي في الحلق، وكادت الخضراء (( 1 )) تذهب بالنار الحمراء.
قال: فلما رأيت تلك الأطلال الدائرة، ونسخ هاتيك الظلال المتصلة بالهاجرة، وخطوطها وزواياها كيف أحاط بها سوء الدائرة: قلت عند مشاهدة تلك الحال في الحال:[الطويل]
حريق دمشق قد بدا لعياني ... ليظهر لي عند البيان معاني
غدت ناره في الجو تعلو وترتقي ... كأن لها عند النجوم أماني
لقد ضوّأ الآفاق لامع برقها ... وما كلّ برق شمته بيماني
وقد كاد يمحو آية الليل ضوؤها ... ويبدي نهارا بعد ذلك ثاني
ونالت عنان الجو حتى رأيتها ... يصرفه من تحتها بعنان
وطالت إلى نهر المجرة في السما ... لتقصد شيّ الحوت والسرطان
فأبصر أهل النيل لما ترفعت ... نجوم شرار في سماء دخان
كأن دخان النار غبراء مغزل ... وكل شرار فيه مثل سنان
ولو لم تكن نار الأعادي لما غدت ... وحنّاؤها باد بكل بنان
ولا صبغت بالزعفران قميصها ... سرورا ولا طالت بكل لسان
قال: وما نفض الناس غبار ذلك الهدم، ولا رماد ذلك الصدع الشديد الصدم، حتى وقع بالمدرسة الأمينية (( 1 )) حريق ثان، ودهمت شقراء النار دهماء الظلام، ولم يوجدلعنانها ثان، فجمعت بين عين الوداع وسين السلام، وكانت كحمى أبي الطيب، فليس تزور إلا في الظلام (( 2 )) فيا لسوق الكفت كيف باد وفتت الأكباد؛ علكت النار لجمه،وكسفت نجمه، أين بأسه الشديد، ومنافعه التي لا تبيد؟ سكت زبره، ورفع خبره.
ويا لسوق الخيم، كيف ذهب، وعدم النصر على الكافرين، فتبت يدا أبي لهب، لقد تمسكت النار بأطنابه، وتجلد لها والنار تحت ثيابه، وأمسى وكل عمود غصنه مهصور،وكل خام وهو على البلى مقصور، كأن الشاعر قديما تخيل ما يحصل لها من الأوام، فقال: سقيت الغيث أيتها الخيام.
ويا لسوق القسي كيف محي من الوجود ونسي، لم يبق لقوس قلبها، ولم يعطها لباريها ربها، كأنما كان للنار عند القسي أوتار، وكأن نسخها كان محققا فجاءهم بقلمالطومار، أو كأن امتهانها كان معلقا بثلث الليل بعد ما رقت حواشيها ولم يقع عليها غبار، فكم قسي توفر من النار سهمها، وعظم بوهنها وهمها، وأقامتها النار بعد ماكانت حنايا، وأفنت قرنها وما اختلط بعظم أو الحوايا، لم تبطش ولها أيد، ولم تهرب ولها أرجل ولم تئنّ وهي مرنان، ولم تدفع الأذى عن نفسها ونفثها يقتل، ولم ينبسط لهاإلى الدفع قبضة، ولم تصل إلى غرض، ولم ينبض لعرق وترها نبضة؛ قد قال لها لسان النار: هل سمعت بهذه الحادثة في ملحمة ابن عقب؟ أو اتصل بناؤها بقوس السحابفانتظره وارتقب؛ كيف غفلت عن هذه النازلة، وأنت عدة قوم قليلا من الليل ما
يهجعون؟ وكيف نمت ولا عجب لمن نعس وهو ذو قرون؟
قال: فبينما هما في المناجاة، وتكرار المحاجاة، إذ جاء النار خير مالك، وأشرف من زهيت به الدول والممالك، فجاس خلال ضرامها، ودخل لظاها فتلقته ببردها وسلامها،وتتبع أثرها الذي آثر اقتلاعه واقتحمها، فتعلقت إذ تألقت في الجو، والفرار قدام الملوك طاعة، ولم ير تلك الساعة أحد أقرب منه إليها، ولا أسلط سطا منه عليها، وثب فيجهاتها مماليكه وأمراؤه، وصغار بنيه وكبراؤه، فهم قوم: [الطويل]
إذا ركبوا زادوا المواكب بهجة ... وإن جلسوا كانوا صدور المجالس
فلم ير أسهل من خمودها، ولا أسرع من إبطال حركتها وجمودها؛ ونصر- أعز الله أنصاره- هذه الملة المحمدية، وحاز بهذه المنقبة الكرامة الأحمدية.
ولما رأيت مسك هذا الختام، وأن الجيش تعالى وانحط القتام، قلت: [السريع]
جاد ليطفي النار من اسمه ... بحر فأخفى زندها الواري
ومن يكن بحرا فلا غرو أن ... تطفا لظى منه بتيار
وقام في الله لدفع الأذى ... مؤيدا بالقدر الجبّار
وغير بدع أن يرد الردى ... بمرهف الحدين بتار
لأنه سيف ولم يدخر ... إلا لخطب طارق طار
واقتحم النار بوجه حكى ... بدر الدجى إذ لاح للساري
فانظر إليه وهو في وسطها ... تشاهد الجنة في النار
قال: ولم يزل الناس من أمر هذه النار في قلق، وحدس نفى عن قلوبهم القرار، ورمى جفونهم بالأرق، وحنق يود الصبح لو تنفس، والفجر معه لو انفلق، حتى أظهر اللهتعالى أن النصارى قصدوا الجامع بذلك، وتخيلوا أن النار تلعب في
جوانب دمشق، وما الناس إلا هالك وابن هالك (( 1 )) ؛ وتوهموا أن فعلاتهم المذمومة تغطي مساوئها الليالي الحوالك، فعل من صوّر الصور بيده وعبدها، وكفر بالوحدانيةوجحدها، وعكف على الخيانة والجناية، واعتمد على عقل أداه إلى أن الواحد تعالى ثلاثة، فتهيب بعض الناس رميهم بهذا الحجر وأعظم نسبة هذا الفعل إليهم، وفجروخوف بانتصار الفرنج لأهل ملتهم، وإزاحة علّتهم، وكشف غمتهم، والأخذ بثأر رمّتهم؛ فقال من صدق في إيمانه، وكان من أنصار الإسلام وأعوانه (( 2 )) : [الوافر]
أعباد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا
فما كان إلا أن صممت العزمات السيفية، وعمت بإحسانها الشامل، حتى خلصت النفوس البريئة من هذه البرية، وأيقظت عين حزمها الراقدة، واستبدت مرة واحدة؛ ورسمبإمساك من أبرم هذا الأمر وحرره، وبيت على فعله وقرره، فأقروا بما فعلوا، ووجدوا ما عملوا، فضربوا بسياط كشطت غلظ الغلظ من جلدتهم، وأوهنت قوى شجاعتهموجلدهم، كم فيهم من أسود اللّمّة فتق جلده الشيب، وخطّ وخطه على جنبه ما كان مخبوءا له في الغيب، وأقبل بعضهم يوبخ بعضا فيما أشار، ويتبرم هذا إذ يتبرأ ذاك منهذه الآثار، ويتسابون فيما بينهم، إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
))
. ولقد قلت فيهم عند التشفي، والانكفاء عن عقابهم بما يكفّ الحنق ويكفي: [الكامل]
حرثت جنوبهم وشقت أرضها ... ليلا فجاد نباتها بشقيق
وأريد تأريخ الحريق فخطه ال ... والي على أضلاعهم بعقيق
ولما أخذ سحت أموالهم، وصرف في إيجاد ما أعدموه بفعالهم، نظر في سوء منقلبهم ومآلهم، وتمام المقابلة على تجنيس أعماله، وورد المرسوم العشرين بتسميرهم علىالجمال، وإظهار ما لهذه الملة القاهرة من العز والجمال، فقضى الله تعالى فيهم أمرهم، وجعلهم آية لأهل الصليب وعبرة، وأخرجوا وطباع الورى على عدم رحمتهم مجبولة،وقدموا في حلقة الناس، فخرج كل واحد منهم بجمل وست فحولة، وأقيموا رقباء للشمس كالحرباء، فليس لهم من دونها ستر منسبل، وتنوع الناس في شتمهم، فقال:أشبعتمونا شتما (( 1 )) ، ورحنا بالإبل: [الكامل]
انظر إليهم في الجذوع كأنهم ... قد فوقوا يرمون بالنشاب
أو عصبة عزموا الرحيل فنكسوا ... أعناقهم أسفا على الأحباب
وطيف بهم بياض يومين، ثم أنزلوا ليجعل كل سطل منهم دلوين، فجردوا من ثيابهم، وجمع شمل السرور بتمزيق إهابهم: [السريع]
ساقهم البغي إلى صرعة ... للحين لم تخطر على بالهم
كم أملوا المكروه في غيرهم ... فنالهم مكروه آمالهم
وسبق السيف فيهم العذل، وقال كل مسلم لمصرعهم: تركتني أصحب الدنيا بلا أمل؛ وبقيت أشلاؤهم طريحة الحفير، وألقوا في جهنم وبئس المصير.
* ومن شعره قوله: [البسيط]
أدعوك يا موجد الأشياء من عدم ... وصانع العالم العلوي والأرضي
إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملا
تعليقات