العمري٢
الأحد، 8 نوفمبر 2020
العمري٢
ومنهم:
١- الأديب أبو محمد الحسن بن أحمد حكّينا البغداديّ (( ٣ ))
(٢) بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله شاعر تتبّع من القصائد أبهجها، ونقّب عن الفوائد فاستخرجها؛ حاك من النّظم حللا، كأنّه بأشعّة الشّموس مزجها، وحاكى رضاب بنت الكرم، إلّا أنّه بالشّهد لا بالماء مزجها.
وشعره زهريّ النفحات، زهريّ اللمحات، لدقّة معنى. تختلس القلوب، وتختلف بتغذية الأرواح، اختلاف النسيم عند الهبوب.
اتّفق أهل العراق على استحسان لطائفه، وإحسان دوحه المثمر، فيما أجناه لقاطفه وكانت تستروح ببرد سحره، وورد خضره، ورويّة ورد أفنانه في شجره.
وقدر ابن حكّينا فوق ما حكينا، وقد ذكره العماد الكاتب وشكره، بما تلمس الغواني عليه الترائب. وقال فيه: (( ظريف الشعر مطبوعه. لم يجد الزمان بمثله في رقّة لفظه وسلاسته. وقد أجمع أهل العراق (( ١ )) على أنّه لم يرزق أحد من الشعراء لطافة طبعه. وله الإشارات (( ٢ )) النادرة المذهبة، التي من حقّها أن
تكتب بماء الذهب )) (( ١ )) انتهى كلام العماد الكاتب.
وما المختار هاهنا من شعره- على قلة ما وقفت له عليه وقطفت من جنى جنيه، (( ٢ )) فمنه قوله: (( ٣ )) [المنسرح]
عيناك ترمي قلبي بأسهمها ... فما لخدّيك تلبس الزّردا
ريقته الشّهد والدّليل على ... ذلك نمل بخدّه صعدا (( ٤ ))
ومنه قوله:
يا من تشكّى عنه، وبلاؤه منها، وفيها النّا ... س منها يشتكون وأنت منها تشتكيها
ومنه قوله: [مجزوء الرجز]
تبرم بالعذار وظنّ أنّي ... أقاطعه وأخرج من يديه
وخافت عارضاه خلاص قلبي ... من التّبريح فانقفلت عليه
ومنه قوله: (( ٥ )) [المديد]
لافتضاحي في عوارضه ... سبب والنّاس نوّام (( ٦ ))
(٣) كيف يخفى ما أكتّمه ... والذي أهواه نمّام (( ٧ ))
ومنه قوله: [المنسرح]
يا سيّدي والذي مودّته ... عندي روح تحيا به الجسد
من ألم الظّهر أستغيث وهل ... يألم ظهر إليك يستند
ونظر إليه بعض إخوانه في يوم عاشوراء، وقد اكتحل وطرف أهدابه بالحداد لا بالكحل، فلامه لما رأى طرفه الكحول، ولم يعلم أنّه ممّا نزف الدمع من سواد عينه المحلول، فقال: (( ١ )) [مخلع البسيط]
ولائم لام في اكتحالي ... يوم استباحوا دم الحسين
فقلت دعني، أحقّ عضو ... منّي يلبس السّواد عيني (( ٢ ))
وباقي المختار من شعره قوله: (( ٣ )) [مجزوء الخفيف]
كم تقولون بعض عا ... رضه قد تغيّرا (( ٤ ))
إنّما الحسن حيث مر ... ربه الحبّ مسفرا (( ٥ ))
رام تبخيره فذر ... ر على الجمر عنبرا
ومنه قوله: (( ٦ )) [الطويل]
وربّ جفون شاكلتني لأنني ... أقمت على سهم ولم أخل من سحر
قسا ثمّ أجرى دمعتي فكأنّه ... لفرقته الخنساء تبكي على صخر (( ٧ ))
ومنه قوله: [الطويل]
مولى تزايد في تواضعه عظما ... كذاك البدر في الأفق
ومنه قوله: (( ١ )) [الخفيف]
لست أحوي صفاته غير أنّي ... ما رأيت الإعسار منذ رآني
وإذا أظهر التّواضع فينا ... فهو من أنّه عظيم الشّأن (( ٢ ))
ومتى لاحت النّجوم على صف ... حة ماء، فما النّجوم دواني
(٤) ومنه قوله: [الخفيف]
وكأنّ الوهاد بالدّم كاسا ... ت عقار فيها الرّءوس حباب
كلما ذمّت العدى ما أتاهم ... من عقاب أثنت عليك العقاب
ومنه قوله: (( ٣ )) [السريع]
قصدت ربعي فتعالى به قد ... ري فدتك النّفس من قاصد (( ٤ ))
ولم ير العالم من قبلها ... بحرا مشى قطّ إلى وارد (( ٥ ))
ومنه قوله: (( ٦ )) [الطويل]
ويكتب بالبيض الصّوارم أسطرا ... على أوجه الفرسان تنقطها السّمر
وينظمهم في الرّمح نظما وإنّما ... رؤوسهم من بعد نظمهم نثر
ومنه قوله: [السريع]
ناولني تفاحة أشبهت لو ... ني وطيب الرّيح من فيه
ظبي جعلت القلب في أسره ... فقد غدا محتكما فيه
ومنه قوله: (( ١ )) [السريع]
ما فيكم بخل ولا بي غنى ... عن نائل والنّجح في الصّدق (( ٢ ))
ولست أستبطي ولكنّني ... ينقطع الغيث فاستسقي
ومنه قوله يهجو: [مجزوء الخفيف]
للنّميريّ نكهة ... طال منها تحيّري
هي أفسا إذا تنف ... فس من ألف مبعر
قلت لما شممتها ... من خري جوف منخري
ومنه قوله في العزيز عمّ العماد الكاتب: (( ٣ )) [الكامل]
لنكتال من مال العزيز بصاعه ... فميلوا بنا نحو العراق ركابكم
ومنه قوله في الشّريف الشّجري النّحويّ: (( ٤ )) [المنسرح]
يا سيدي والذي يعيذك من ... نظم قريض يصدا به الفكر
ما فيك من جدّك النّبيّ سوى ... أنّك لا ينبغي لك الشّعر (( ٥ ))
(٥) ومنه قوله: (( ١ )) [المنسرح]
ارض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه
ومنه قوله: (( ٢ )) [الطويل]
مدحتهم فازددت بعدا بمدحهم ... فخيّل لي أنّ المديح هجاء
يقولون ما لا يفعلون كأنّهم ... إذا سئلوا رفدا هم الشّعراء
ومنه قوله: (( ٣ )) [الطويل]
أتاني بنو الحاجات من كلّ وجهة ... يقولون لي: أين الموفّق قاعد؟
فقلت لهم: فوق المجرّة داره ... ولكنني فارقته وهو صاعد
فإن شئتم أن لا تضلّوا فيمّموا ... إلى حيث سارت بالثّناء القصائد
ومنه قوله: (( ٤ )) [الطويل]
لاقى طريق النّسك شاسعة ... فاستصحب اللذّات وانحرفا
يهوى كؤوس الرّاح تذكره ... قبسا أضاء وبارقا خطفا
يهدي المزاج بجيدها حببا ... مثل السّهام تعاورت هدفا (( ٥ ))
وإذا دعاه طرف غانية ... للوصل بادره ولو زحفا
منها:
واعقد بطرفك صدغ ذي ترف ... لّما ألمّ بخصره انعطفا
كالنّون منحنيا فإن عبثت ... كفّي أحالت شكله ألفا (( ١ ))
والماء تطربه منادمتي ... فلو استبدّ برأيه وقفا
وخلائق مثل النّسيم جرى ... فإذا تعرّض للعدا عصفا
وتراه يرفدني وأنشده ... مدحي فنظهر بيننا الطّرفا (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [السريع]
لم أجن ذنبا في مديح امرئ ... قابل شعري بالمواعيد
إن قلت: بحر فبما نالني ... من هوله أيّام ترد يدي
(٦) أو قلت: ليث فبتكليحه ... إذا أتاه طالب الجود
ومنه قوله في ولده: (( ٤ )) [السريع]
ابني بلا شكّ ولا خلف ... في غاية الإدبار والسّخف (( ٥ ))
كأنّه الحبّال في مشيه ... يزداد إقبالا إلى خلف
ومنه قوله: (( ٦ )) [الطويل]
سكن المجرّة واستهلّ ندا ... وكذا الغمام إذا علا وكفا
لم آت أستكفيه حادثة ... إلّا تهلّل بشره وكفا
ومنهم:
٢- أبو عبد الله محمد بن مبارك بن عليّ بن جارية القصّار، البغداديّ (( ١٣ ))
لفظه عال، ودرّه غال. يبدو عليه ظرف أهل العراق، ووصف أهل بغداد، في كرم الأخلاق. ومن شعره الحالي الرّشفات، الحاوي لإحياء الرّفات، من النّمط العالي الصّفات، الغالي، فالذهب ما إليه التفات، قوله: (( ١ )) [مخلع البسيط]
وأدهم اللّون ذي حجول ... قد عقدت صبحه بليله
كأنّما البرق خاف منه ... فجاء مستمسكا بذيله
ومنه قوله يهجو مغنيا اسمه محمود: (( ٢ )) [الخفيف]
أنت تدري أن الشتاء على الأش ... جار صعب، إذا أطلّ شديد
لو أراد الإله بالأرض خصبا ... ما تغنّى من فوقها محمود
كلّما أنبتت يسيرا من العش ... ب وغنّى، غطّى عليه الجليد
ومن قوله في ذمّ الشّيب: (( ٣ )) [البسيط]
ولي إلى الشّيب شوق ما ينهنهه ... سعي للقياه من عمري على قدم (( ٤ ))
ما أرغد الدّهر عيشي في الشّباب ولا ... أحلى فأبكى شبابي حالة الهرم
ومنه قوله (( ١ )) [الكامل]
علّ النحيلة أن تجود بنظرة ... ولقد يجود بمائه الجلمود
(٧) إن كان موعدنا برامة غاله ... خلف فهذا موعد وزرود (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [المتقارب]
إذا كان حظّ الفتى صاعدا ... فلا بأس بالأدب النّازل
أحذقا ورزقا لقد رمت ما ... يزيد على أمل الآمل
هما خلفان، فهذا المقي ... م يعقب من ذلك الرّاحل
وما غاية الفضل نظم القري ... ض ولكنّه نفثة الفاضل
واستدعاه بعض أصدقائه صبيحة ليلة، أكلت الشمس نجومها، وحدرت على صفحة السّماء غيومها، وقد أذابت كحل الليل دمعة الفجر، وتحرّك نهر النّهار، إلّا أنّه لم يجر، ثمّ دام عنده نهاره كلّه حتّى اعتلّ اليوم، واختلّ القوم، وقبض المساء روح الشّمس وهيّأ الغرب لميّت النّهار الرّمس، وأتت الليلة المقبلة بذكيّ شعلها، وتدبّر حللها، حتى آن لسيف الدّجى أن يستلّ من شعر العذّال الأشيب، ولثعلب الفجر على ممرّ حان أوّله يتوثّب. فلمّا أتّمهما عنده يوما وليلة، جمع طوق كلّ منهما وذيله. سأله في الانصراف، فأذن له على تلوّ عليه وتروّ أن يخرج من يديه. فلما خرج كتب إليه: [الخفيف]
أيّها الصّاحب الذي عزّ عندي ... إذ تحقّقت في المودة ميله
ليت شعري ماذا استطلت من ال ... وصل، وما كان غير يوم وليله
فكتب إليه: [الخفيف]
أيها الصّاحب الذي زاد عتبا ... لصديق له توهّم ميله
دمت يوما وليلة ما افترقنا ... وهل الدّهر غير يوم وليله؟
ومنهم:
٣- القاضي أبو عمرو، يحيى بن صاعد بن سيّار الهرويّ، قاضي قضاة هراة (( ١٣ ))
حاكم على الكلام، وناجم في أفق الأيّام، علم الأدب وقاله، وبلغ به مع العلم كماله. ممن لا يقاس به إذا ندر، ولا ترد القرائح إلّا إذا أصدر. ولا يفخر العلماء إلّا إذا قاموا لديه. وقد تصدر ولا تجد المدائح لبوسها إلّا (٨) مما قدر عليه أو قدّر.
قال فيه العماد: (( صاحب بديهة، ينظم بسرعة، حلو الشّعر لطيفه )) (( ١ )) قلت:
ومن شعره المنتخب ثمينه، المنتخل من درّه ما يزينه، قوله في زرقة العين: (( ٢ )) [الكامل]
ما شانها وأبيك زرقة عينها ... بل صار ذلك زائدا في زينها (( ٣ ))
كادت أساود شعرها تسطو على ... مهج الورى لولا زمرّد عينها
ومنه قوله: (( ٤ )) [الكامل]
ومن العجائب أن يمرّ كلامه ... وممرّه بالشّهد من شفتيه (( ٥ ))
وكذا تنفّس من رآه بارد ... وممرّه بالنّار من جنبيه
ومنه قوله: (( ١ )) [السريع]
قلبي هو العاشق لا صدغه ... فلا أراه أبدا يضطرب (( ٢ ))
لا تعجبن من فعله هكذا ... سنّة من يرقد فوق اللهب
ومنه قوله: (( ٣ )) [السريع]
أبكي إذا ما حضروا منهم ... وإن نأوا أبكي على النّائي
كأنّني السّكّر في طبعه ... أذوب في النّار وفي الماء
ومنه قوله: (( ٤ )) [مجزوء الرجز]
لا تفخرن بالشّعر إنّ العقل لا يوجبه ... وأيّ فخر بالذي أجوده أكذبه
ومنه قوله: (( ٥ )) [البسيط]
سألتها ودموع العين تشفع لي ... بالله ترحم قلبا لي بها تاها (( ٦ ))
قالت لديّ قلوب جمّة علقت ... فأيّها أنت تعني؟ قلت: أشقاها
ومنه قوله في الشّمعة: (( ٧ )) [الوافر]
ومن يك ضاق في الظّلماء ذرعا ... فإنّي من يسرّ به جنانه
أطارد عسكر الظّلماء عنّي ... برمح صيغ من ذهب سنانه
(٩) ومنه قوله: (( ١ )) [الوافر]
أنا المغترّ حين ظننت أن لا ... يكون لوصلهم أبدا فراق
وقالوا: كيف ليلك؟ قلت ليلي ... كليل الشّمع أجمعه احتراق
ومنهم:
٤- أبو عبد الله النّقّاش، عيسى بن هبة الله البزّاز البغدادي (( ١٣ ))
شعره كأيّام الشّباب، والتآم الأحباب. ولم يقع إليّ منه إلّا ما يقع من الشّمس بين الغصون، أو بقدر ما يبوح به الكتوم من السّرّ المصون. وقد ذكره العماد الكاتب ذكر التفخيم، وأشار إليه إشارة قامت مقام الدّلّ من الأغيد الرّخيم. والذي أتيت له به حتى نوار ومجاجة شهد من يد مشتار، وزجاجة شفّت عن كوكب درّيّ يوقد بالأنوار.
منه قوله: (( ٢ )) [المتقارب]
إذا وجد الشيخ في نفسه ... نشاطا فذلك موت خفي
ألست ترى أن ضوء السّراج ... له لهب قبل أن ينطفي
ومنهم:
٥- أبو المظفّر، أسامة بن مرشد بن عليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ، الكنانيّ الكلبيّ الشيزريّ، مؤيّد الدولة (( ١٣ ))
مجد الدّين، ورفد المحدثين. سليل إمارة، وسيل سحب مدرارة، وعديل شهب سيّارة. من أكابر بني منقذ، أصحاب شيزر، وأرباب تقى. لا يشدّ له على الفحشاء مئزر. توارثها منهم سادة غرّ، وقادة توزّعت خطياتهم الدّراري والدرّ، وكان هذا من أسنى بدورهم تماما، وأندى زهورهم أرجا ناغى غماما. فارس وغى، لا تقعده السآمة، وبطل حرب لا يدعى إليها أشجع من أسامة. من العلماء الشّجعان، والكرماء في الطّعام والطّعان. يطعنون صدر الكتيبة، ويطعمون السّنة الجديبة. يمتّون إلى البيت الفاضليّ بحقّ الجوار، وحظّ النّسب في الأدب، لا في النّجاد. وكانت له مع القاضي الفاضل صحبة زادت قدره بكتابه، وزانت حظّه له مشابه، وبينه وبينهم كتب تنشر (١٠) الرياض لمن تأمّل، وتنظر الشّهب منها في أردان من تحمّل، إلى همم يناط بالفراقد نجادها، وينام على الظّلم سهّادها.
وهو في بني منقذ علامة أعلام، وضرغامة في أجمة أسل وأقلام. حمامة سجع، وغمامة رجع، وصمصامة مرهف منهم لا يفلّ له حدّ، وأسامة من بيت، كلّهم أسود، ما منهم إلّا كريم الجدّ، طمى على قريبهم سيله، وغطّى على أطوادهم المنيفة ذيله.
وقد ذكره العماد الكاتب ذكرا يوشّح الأعطاف، ويرشّح لفواضل هزّاته السّلاف، قال: (( وسكن دمشق، ثمّ نبت به كما تنبو الدّار بالكريم، فانتقل إلى مصر، فبقي بها مؤمّرا مشارا إليه بالتّعظيم، إلى أيّام الصّالح ابن رزّيك. ثم عاد
إلى الشّام، ثم رماه الزّمان إلى حصن كيفا، فأقام بها حتّى ملك السّلطان صلاح الدّين، فاستدعاه وقد جاوز الثّمانين )) (( ١ )) انتهى كلامه.
قلت: وقدم عليه وقد أمسك الهرم بواعثه، وشدّ بإمساك العصا له رجلا ثالثة، وقد جاوز الثّمانين، وجاور ركائب إلى المنايا ما بين. وفي سنّه يقول: لمّا علّت ومرّت أيامه التي خلت، وقد وهن جلده، ووهى بنانه، ورعشت يده.
ويصف فيها ما آلت إليه أحواله وآصت، أقصر من أعمر الأيام أحواله، يتذكّر شبابه المفارق، وناب سنانه في صدر المارق، إذ كانت قناته تحرق لبّة الأسد، وتخلق له في قلب الشّجاع الحسد: [البسيط]
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما ... من بعد حطم القنا في لبّة الأسد (( ٢ ))
وله ديوان شعر رقيق الجلباب كخدود الغيد، تحيّر فيها ماء الشّباب. لا يصل إلى درّه الغوّاص، ولا يطّلع على سرّه إلّا الخواص.
ومما له يرشف ثغوره، وترهف كالسّيوف الحداد سطوره، قوله: (( ٣ )) [الطويل]
تخالفت الأهواء وانشقّت العصا ... وشعّبهم وشك النّوى كلّ مشعب
وقد نثر التّوديع في كلّ مقلة ... على كلّ خد لؤلوا لم ينقّب
(١١) ومنه قوله: (( ٤ )) [مجزوء الكامل]
يا عاتبا أحبابه ... أأمنت تقليب القلوب؟
لا تفز عنّ سماع من ... تهوى بتعداد الذّنوب
ما ناقش الأحباب إلا (م) ... من يعيش بلا حبيب
ومنه قوله: (( ١ )) [البسيط]
أفدي خيالا سرى ليلا فاشرقت الدّ ... نيا بأنواره والصّبح ما انبلجا
عجبت منه تخطّى الهول معترضا ... أرض العدا ووشاة الحيّ، كيف نجا؟
ومنه قوله: (( ٢ )) [المنسرح]
انظر إليها فإن نظرت ترى ... شخصا عن العاشقين يحتجّ (( ٣ ))
غصن ودعص فالغصن من هيف ... يميس لينا والدّعص يرتجّ
شمس وليل فاعجب لشمس ضحى ... تشرق والليل راكد يدجو
منه قوله: (( ٤ )) [السريع]
نفسي فدت بدر تمام إذا ... عاتبني بالجدّ أو بالمزاح
سددت بالتّقبيل فاه على ... مسك ودرّ ورضاب وراح (( ٥ ))
ومنه قوله: (( ٦ )) [مجزوء الرمل]
يا من فدتك النفس قد أس ... رفت في هجري وصدّي
ابق من هجرك حظا ... للذي يهواك بعدي (( ٧ ))
قلت: وما كان ضرّ هذا الشاعر لو قال بعدها:
لا تخلّي الهجر طرا ... في نصيبي أنا وحدي
ومنه قوله: (( ١ )) [مخلع البسيط]
إن راعنا البين بافتراق ... وساء بعد الدّنوّ بعد
فهذه شيمة الليالي ... تعيرنا ثمّ تستردّ
ومنه قوله: (( ٢ )) [الرجز]
ما هاج هذا الشّوق غير الذّكر ... وزورة الطّيف أتى من مصر (( ٣ ))
(١٢) كم خاض بحرا وفلا كبحر ... حتى أتى طلائحا في قفر
قد انطوينا من سرى وضمر ... حتى اغتدين كهلال الشّهر
يحملن كل ما جد كالصّقر ... بعيد مهوى همّة وذكر
للمجد يسعى لا لكسب الوفر ... يذكرني طيب الزّمان النّضر
ما كان إلا غرة في الدّهر
ومنه قوله: (( ٤ )) [الكامل]
واها لليل خلتني من طيبه ... متفيّئا في ظلّ طير طائر
ناهلت فيه البدر شمسا توّجت ... عند المزاح بكلّ نجم زاهر (( ٥ ))
ولثمت برقا لو تألّق في دجى ... أغنى المحول عن الغمام الماطر (( ٦ ))
ومنه قوله: (( ١ )) [الكامل]
عاتبته في صدّه قبل النّوى ... فكأنّ عتبي زاده إصرارا
ورأيت أمواه الحياء بخدّه ... فترقرقت حتى استحالت نارا
ومنه قوله: (( ٢ )) [الرمل]
راحتي في فيض دمعي ... لو أطاعتني الدّموع
وخداع الطّيف لوطا ... ف بأجفاني الهجوع
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
أحبابنا المتوجّعون لما بنا ... هجروا وأبدوا رأفة وتوجّعا
صدّوا فأشعرني السّقام صدودهم ... وأعاض عيني من كراها أدمعا
وهم جنوا ما أنكروا فتوجّعوا ... متنصّلين تقيّة وتورّعا
كالقوس ترمي السّهم ثم ترنّ من ... وجد عليه تأسّفا وتفجّعا
وفي هذا زيادة على قول ابن الرومي: (( ٤ )) [البسيط]
كالقوس يصمي الرمّايا وهي مرنان
ومنه قوله: (( ٥ )) [الكامل]
في وجهه ماء الملاحة حائر ... وبخدّه ورد الحيا لم يقطف
وكأن وشي عذاره في خدّه ... نمل تسرّب فوق ورد مضعف
(١٣) ومنه قوله: (( ١ )) [الكامل]
هبني أكفكف زفرتي ومدامعي ... ما حيلتي وشجا التجمّل خانقي
أنا كالحمام تبوح حين تنوح بالشّ (م) ... كوى ولم يفغر لها فم ناطق (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
لله ليلتنا التي رحبت لنا ... فيها المسرّة في مجال ضيّق
ما شابها لولا مشيب ظلامها ... كدر ولا راعت بواش محنق
فلو استطعت خضبتها بشبيبتي ... وجعلت لون صباحها في مفرقي
ومنه قوله: (( ٤ )) [المنسرح]
أقول للعين في يوم الوداع وقد ... فاضت بقان على الخدّين مستبق (( ٥ ))
تزودّي اليوم من توديعهم نظرا ... ففي غد تفرغي للبين والأرق (( ٦ ))
ومنه قوله في الخمر: (( ٧ )) [المنسرح]
إذا قراها المزاج أضرمها ... وقلت: أيدي السّقاة تحترق (( ٨ ))
توّجها الماء من فواقعه ... درّا به ترتدي وتنتطق (( ٩ ))
ومنه قوله: (( ١ )) [البسيط]
ما حيلتي خذلتني بعد بعدكم ... مدامعي واستحالت في الحشا حرقا
كأنّما رام قلبي أن يصعّد من ... دمي دموعا بنار الشّوق فاحترقا
ومنه قوله: (( ٢ )) [السريع]
أخرجني حبّك عن شيمتي ... حتى لقد أنكرت أخلاقي
أخضع للواشي ولولا الجوى ... لم يخضع الملسوع للراقي
أشفق أن يظهر حبّي لكم ... هيهات يا ضيعة إشفاقي
ومنه قوله: (( ٣ )) [مخلع البسيط]
قل للملوك الذي تجنّى ... وخان من بعد ملك رقيّ
أحسن بي لا عن اعتماد ... غدرك إذ جاد لي بعتقي
(١٤) ومنه قوله: (( ٤ )) [الخفيف]
لو رآني أموت ظمآن والنّي ... ل بكفّيه ما سقاني بلالا
وهو لو رام أخذ إنسان عيني ... قلت: خذه يكن بخدّك خالا
ومنه قوله: (( ٥ )) [الكامل]
نفسي الفداء لمن يعاتبني ... وفمي على فمه يقبّله
ويريد يوضح وجه حجّته ... واللّثم يعجله ويخجله
حتّى إذا أضجرته سترت ... ما بين فيّ وفيه أنمله
ويعود معتذرا ليشغلني ... عنه بعذر لست أقبله
ومنه قوله: (( ١ )) [الكامل]
راجع أحبّتك الذين هجرتهم ... أو فالق هجرتهم بقلب سال
تاركتهم لا معلنا بقطيعة ... تسلي ولا متعرّضا لوصال
ثقة بهم ونسيت أنّ قلوبهم ... مخلوقة من جفوة وملال
وغدا إذا استعطفتهم وتمنّعوا ... أدمت بنانك حسرة الإخلال
ومنه قوله: (( ٢ ))
عتبي نفاق لا تحفلنّ به ... قول بلا نيّة ولا عمل
يشبه تعبيس شارب الخمر لا ... لكرهها بل لفارط الجذل
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
لا تستعر جلدا على هجرانهم ... فقواك تضعف عن صدود دائم
واعلم بأنّك إن رجعت إليهم ... طوعا، وإلّا عدت عودة راغم
ومنه قوله: (( ٤ )) [الكامل]
قسما بمن لم يبق خو ... ف رقيبه لي فيه قسما
خاف الوشاة فصدّ حتّ ... ى في الرّقاد إذا ألمّا
لأخاطرنّ بمهجتي ... في حبّه إمّا وإمّا
ومنه قوله: (( ١ )) [البسيط]
من لي بأنّ بسيط الأرض دونكم ... طرس وأنّي في أرجائه قلم
(١٥) أسعى إليكم على رأسي ويمنعني ... إجلالي الودّ أن تسعى بي القدم (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
نمّت على حسراته زفراته ... وكذا ينمّ على الضرام دخانه
وأخو الهوى مثل الكتاب دليل ذا ... ك عيانه ودليل ذا عنوانه
تحكي البروق فؤاده فضرامها ... أشواقه وخفوقها خفقانه
ومنها: [الكامل]
كاتمت واشيك الهوى قبل النّوى ... فبدا له من بعدها كتمانه
وعصاك دمعك عند خطرة ذكرهم ... وبقدر طاعتك الهوى عصيانه
وتخلّق الطّيف الطّروق بخلقهم ... فإذا ألمّ يروعني هجرانه
ومنه قوله: (( ٤ )) [الكامل]
أنكرت واشيك الغرا ... م فجاء سقمي بالبيان
شهد النّحول به وما ... يغني الجحود عن العيان
ما يستدلّ على وقو ... د النّار إلّا بالدّخان
ومنه قوله: (( ١ )) [الكامل]
يمتنّ طيفك بالزّيارة كلّما ... دلّته أفكاري على أجفاني
المنّ للأفكار لو لم تهده ... نحوي لكان كأنت في الهجران
لقن القطيعة منك في سنة الكرى ... فإذا جفا وجنى فأنت الجاني
ومنه قوله: (( ٢ )) [الكامل]
يا هاجري [أبدا] في يقظتي فإذا ... هوّمت وكّل بي طيفا يؤرّقني (( ٣ ))
يلمّ بي غير مشتاق على عجل ... وينثني حين يشجيني ويقلقني
فلست أنفكّ من بين مجدّد لي ... روعاته بخيال منك يطرقني (( ٤ ))
ومنه قوله: (( ٥ )) [السريع]
كيف انتصاري من هوى ظالم ... قلبي وعيني بعض أعوانه؟
(١٦) في كلّ يوم موقف للنّوى ... من عتبه ظلما وهجرانه
فعهده أضعف من خصره ... وخصره في سقم أجفانه
ومنه قوله: (( ٦ )) [البسيط]
جاهرت بالهجر أستبقي الوصال به ... وربّما استتر الإسرار في العلن
فضاع في الصّدّ أيّام حفظت بها ... أيّام وصلك في مستأنف الزّمن
كذاك الدّم وهو الرّوح يهرقه الطّ ... بيب حفظا لباقي الرّوح في البدن (( ١ ))
ومنه قوله: (( ٢ )) [البسيط]
إن ألقه سرّه قربي وآنسه ... وإن أغب صدّ عنّي معرضا ولها
كأنّني ميّت في النّوم يبهجه ... لقاؤه ثمّ ينساه إذا انتبها
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
تخفى عليّ ذنوبه في حبّه ... ويرى ذنوبي قبل أن أجنيها
فكأنّه عيني ترى عيبي ولا ... يبدو لي العيب الذي هو فيها
ومنه قوله: (( ٤ )) [الكامل]
يغالطني فيكم هواي فأنثني ... إليكم على إنكار ما قد بداليا
كعطفة أمّ البوّ ترأم شلوه ... وقد رابها منه الذي ليس خافيا (( ٥ ))
ومنه قوله: ))
[البسيط]
بعدا لمن شرّه أعمى يصيب ولا ... يرى مكان الأقاصي من ذوي النّسب (( ٧ ))
كالنّار تحرق طبعا لا تميز بي ... ن المندل الرّطب في الإحراق والحطب
ومنه قوله: (( ١ )) [مخلع البسيط]
أنت كلون البياض تهوى ... وهو أذى كلّه وعيب
إن حلّ في العين فهو شين ... أو حلّ في الرّأس فهو شيب
وقوله: (( ٢ )) [الوافر]
وما أشكو تلوّن أهل ودّي ... ولو أجدت شكيّتهم شكوت
(١٧) مللت عتابهم ويئست منهم ... فما أرجوهم فيمن رجوت
إذا أدمت قوارضهم فؤادي ... كظمت على أذاهم وانطويت (( ٣ ))
ورحت عليهم طلق المحيّا ... كأنّي ما سمعت ولا رأيت
ومنه قوله: (( ٤ )) [الكامل]
لا تنكرن مرّ العتاب فتحته ... شهد جنته يد الوداد الناصح
وتطلّب المحبوب في مكروهه ... فالدّرّ يطلب في الأجاج المالح
ومنه قوله: (( ٥ )) [الخفيف]
لي مولى صحبته مدّة العم ... ر فلم يرع حرمتي وذمامي
ظنّني ظلّه أصاحبه الدّه ... ر على غير نائل واحترام
فافترقنا كأنّه كان طيفا ... وكأنّي رأيته في المنام
وقوله من مرثيّة: (( ١ )) [الطويل]
أطلت عليّ الليل حتّى كأنّما ... زماني ليل كلّه ما له فجر
تمثّلك الأفكار لي كلّ ليلة ... وتؤنسني أشباهك الأنجم الزّهر
وقوله: (( ٢ )) [البسيط]
أزور قبرك مشتاقا فيحجبني ... ماهيل فوقك من ترب وأحجار
فأنثني ودموعي من جوى كبدي ... تفيض فاعجب لماء فاض من نار
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
حيّا ربوعك من ربى ومنازل ... ساري الغمام بكلّ هام هامل
وسقتك يا دار الهوى بعد النّوى ... وطفاء تسفح بالهتون الهاطل
حتّى تروّض كلّ ماح ما حل ... عاف وتروي كلّ ذاو ذابل
أبكيك أم أبكي زماني فيك أم ... أهليك أم شرخ الشّباب الزائل
وما قدر دمعي أن تقسّمه النّوى ... والوجد بين أحبّة ومنازل (( ٤ ))
ومنه قوله: (( ٥ )) [الكامل]
نظرت إلى ذي شيبة متهدّم ... أفناه ما أفنى من الأيّام (( ٦ ))
(١٨) يمشي وتقدمه العصا وقد انحنى ... فكأنّها وتر لقوس الرّامي
ومنه قوله: (( ١ )) [البسيط]
إذا كتبت فخطّي جدّ مرتعش ... كخطّ مضطرب الكفّين مرتعد (( ٢ ))
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما ... من بعد حطم القنا في لبّة الأسد
وإن مشيت وفي كفّي العصا ثقلت ... رجلي كأنّي أخوض الوحل في الجلد
وقد تقدّم البيت الثّاني منها في ترجمته.
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
كم حار في ليل الشّباب فدلّه ... صبح المشيب على الطّريق الأقصد (( ٤ ))
وإذا عددت سنيّ ثمّ نقصتها ... زمن الهموم فتلك ساعة مولدي (( ٥ ))
ومنه قوله: (( ٦ )) [الطويل]
أراني نهار الشّيب قصدي وطالما ... تجاوز بي ليل الشّباب سبيلي
وقد كان عذري أن أضلّني الدّجا ... فهل لي عذر والنّهار دليلي
ومنه قوله: (( ٧ )) [البسيط]
يا ربّ حسن رجائي فيك حسّن لي ... تضييع وقتي في لغو وفي لعب (( ٨ ))
وأنت قلت لمن أضحى على ثقة ... بحسن عفوك إنّي عند ظنّك بي
ومنه قوله: (( ١ )) [البسيط]
الرّوح محصورة في الجسم موثقة ... بقيد مهلتها أو ينتهي العمر
حتى إذا خلصت أفضت إلى سعة ال ... فضاء وانزاح عنها الضّيق والضّرر
كالنّور في العين محصور ويخرج من ... حرص دقيق وضيق ثم ينتشر
ومنه قوله في قلع الضّرس: (( ٢ )) [البسيط]
وصاحب لا تملّ الدّهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم يبد لي مذ تصاحبنا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد (( ٣ ))
ومنه قوله: (( ٤ )) [البسيط]
علا إلى الأفق أقوام بلا أدب ... وفي الحضيض ذوو الآداب قد همدوا
(١٩) كأنّما النّاس في بحر يموج بهم ... رسا به الدّرّ واستعلى به الزّبد
ومنه قوله: (( ٥ )) [الكامل]
استر همومك بالتّجمّل واصطبر ... إنّ الكريم على الحوادث يصبر
كالشّمع يظهر نوره متجمّلا ... فوق الشّمات وفيه نار تسعر
ومنه قوله: (( ٦ )) [البسيط]
اصبر إذا ناب أمر وانتظر فرجا ... يأتي به الله بعد الضّرّ والياس
إن اصطبار ابنة العنقود إذ حبست ... في ظلمة القار أفضاها إلى الكاس
ومنه قوله: (( ١ )) [الكامل]
اصبر على جور الولاة وعسفهم ... وترقّب الفرج الذي يتوقّع
وادفع معرّتهم بطاعة خاضع ... فالدّهر عارية غدا يسترجع
فالنّبت يسجد خاضعا متواضعا ... للريّح ثمّ إذا تولّت يرفع
ومنه قوله: (( ٢ )) [البسيط]
إنّي وثقت بأمر عزّني أملي ... فيه وقد قيل كم من واثق خجل
عادت إليّ الأماني منه آيسة ... فيا حياء المنى من خيبة الأمل
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
النّاس أشباه فإن خطب عرا ... حطّ الدّنيّ وساد ذكر الأفضل
كالعود مشتبها فإن أحرقته ... كره الدّخان وطاب عرف المندل (( ٤ ))
ومنه قوله: (( ٥ )) [البسيط]
زهّدني في العقل أنّي أرى ... عناية الأيّام بالجهل
والدّهر كالميزان: ذو الفضل ين ... حطّ وذو النقصان يستعلي
ومنه قوله، وفي كل كلمة نون: (( ١ )) [الكامل]
نزّه لسانك عن خنا ونميمة ... من نمّ بين النّاس كان مهينا
وامنح نوالك من نحاك بظنّة ... وأنف لنفسك أن تكون ضنينا
(٢٠) ومنه قوله: (( ٢ )) [الخفيف]
كم تغصّ الأيّام منّي وتأبى ... همّتي أن تنال منّي مناها
أنا في كفّها كجذوة نار ... كلّما نكّست تعالى سناها
ومنه قوله: (( ٣ )) [مجزوء الرمل]
يا ظلوما كلّما استع ... طفته صدّ وتاها
زدت في تيهك والشي ... ء إذا زاد تناهى
تتقصّى دولة الحس ... ن وإن طال مداها
ومنه قوله: (( ٤ )) [الكامل]
خلع الخليع عذاره في عشقه ... حتّى تهتّك غاية الإفراط (( ٥ ))
يأتي ويؤتى ليس ينكر ذا ولا ... هذا كذلك إبرة الخيّاط
ومنه قوله: (( ٦ )) [الكامل]
قالوا نهته الأربعون عن الصّبا ... وأخو المشيب يجور ثمّت يهتدي
كم حار في ليل الشّباب فدلّه ... صبح المشيب على الطّريق الأقصد (( ١ ))
ومنه قوله: (( ٢ )) [الكامل]
لا تحسدنّ على البقاء معمّرا ... فالموت أيسر ما يؤول إليه
وإذا دعوت بطول عمر لامرئ ... فاعلم بأنّك قد دعوت عليه
انتهى ذكره، وسنذكر بقايا بيته. وإذا اختصرنا فهو من جرثومة مثمرة الأغصان، مقمرة الأهلّة في طلائع الخرصان. أهل فضل لا ينزح قليبه، ولا يبرح يستسقى اغترافا باليد قريبه.
ومنهم:
٦- أخوه أبو الحسن (( ١٣ ))
فاق بني منقذ سؤددا ضخما، وشجاعة أنحلت المشرفيّ عناقا، والرّدينيّ ضمّا. ورد بغداد حالا في كنف إمامها، وحاجّا تحت ظلّ أعلامها. واستشهد في حرب الإفرنج على باب غزّة، ودفن بها، فوسّد ترابها عزّه. وأنشد له أخوه شعرا ما شمخت (٢١) عندي ذوائبه، ولا نفحت في أذني عجائبه، وإنّما منه: (( ٣ )) [الكامل]
ما فهت مع متحدّث متشاغلا ... إلا رأيتك خاطرا في خاطري
ولو استطعت لزرت ربعك ماشيا ... بسواد قلبي لا بسواد النّاظر (( ٤ ))
ومنهم:
٧- أبو الحسن عليّ بن مقلد (( ١٣ ))
جدّه سديد الملك، وهو جدهم السعيد وزندهم القادح ضرما في ماء الحديد، لولاه ما زأر أسامة، ولا استعرض مرهف الحرب ولا سآمة، ولا كان مرشد إلا حائرا يطلب طريق السّلامة، ولكن فخروا جدودا، وادجروا جودا، وأصبحوا يتوقّل الحصون لواؤهم، ويصبّ على المعاقل أنواؤهم. وهو الذي أخذ حصن شيزر من الأسقف الذي كان مالك صياصيه، بمال بذله له فسلّمه إليه بنواصيه. ثم شرع في عمارته، وبرع به في إماراته.
وهو ممدوح فحول الشّعراء في أوانه، ومستودع درر القرائح في صوانه. وله شعر ما قصّر به عن مدى، ولا تأخر عن الزهر المبلل بالنّدى. فمنه قوله في غلام ضربه، وقد أبدع فيه وأغرب، وقال فأطرب، وهو: (( ١ )) [البسيط]
أسطو عليه وقلبي لو تمكّن من ... كفّيّ غلّهما غيظا إلى عنقي
وأستعير إذا عاتبته حنقا ... وأين ذلّ الهوى من عزّة الحنق (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [مجزوء الرمل]
بكرت تنظر شيبي ... وثيابي يوم عيد
ثم قالت لي بهزء ... يا خليعا في جديد
لا تغالطني فما تص ... لح إلا للصّدود
ومنهم:
٨- أبو سلامة، مرشد بن عليّ بن مقلد (( ١٣ ))
وهو ممن كتب خطّا فائقا، وأضحى لجيوب الكمائم فاتقا. وتقدّم على قومه فتأخّروا عن شوطه، وتأثّروا بزجره قبل سوطه. وأسنّ وعمّر، وسنّ معروفا منذ أمّر. وولد أولادا نجباء، وأمجادا كرماء.
وذكره صاحب بغية الألباء فلم ينشد له شعرا، ولا أنشق له عطرا. وقد أنشد له مؤلف (( الفضل الأغزر في ملوك شيزر )) (٢٢) شعرا كثيرا، أليقه بالأبيات، وأنسبه طللا يلحق بالأبيات، قوله: [الطويل]
بكائي على إخوان صدق فقدتهم ... أصابهم سهم الرّدى وعداني
فلا صاحب إن غبت عنه أشوقه ... ولا صاحب إن متّ عنه بكاني
ومنهم:
٩- حميد بن مالك بن مغيث بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم، أبو الغنائم (( ١٤ ))
الملقب بمكين الدّولة. تالي قرآن لا يفتر منه لسانه، وتالي غمام لا يقصر عنه إحسانه. ينظم من الشّعر فاخر عقوده، ويشقّ زاخر بحوره. ولا يردّ عن مقصوده.
شاعر فحل، ظاهر في كلامه جنى النّحل. مع عفاف لا يدنّس له بردا، ولا يكدّر له وردا. هذا إلى تتيّم بسلمى وسعدى، وكلف لا يبيت ليلة لا يستنجز وعدا. كلّ هذا صناعة أدبية، ورقة عربيّة. ومن شعره السّائر، ونظمه الطّائر،
قوله: (( ١ )) [البسيط]
ما بعد جلّق للمرتاد منزلة ... ولا كسكّانها في الأرض سكّان
في كلّ ناحية عين وكلّ فتى ... تلقاه من أهلها للعين إنسان
ومنهم:
١٠- أبو الفضل، إسماعيل بن أبي العلاء (( ١٣ ))
سلطان بن عليّ بن منقذ. أبوه عمّ مؤيّد الدّولة أسامة. هو الفضل حقيقة، وله الفعل الجميل خليقة. نشأ شابّا يترنّح غصنه شبابا، ويضيء ذهنه شهابا، ويرقّ خلقه شرابا. اعتورت المنايا سراجه، وعجّبت الرّزايا أدراجه. فما بزغ حتى أفل، ولا آب حتى قفل. وذكره العماد الكاتب وقال: سمعت من شعره: (( ٢ )) [الطويل]
ومهفهف كتب الجمال بخدّه ... سطرا يحيّر ناظر المتأمّل
بالغت في استخراجه فوجدته ... لا رأي إلّا رأي أهل الموصل
وذكره صاحب بغية الألبّاء، وقال: اتّصل بي ذكره، وأنه كان في مخيّمه، فطار عليه زنبوران، وكان على رأسه مملوك وضيء الوجه، فطيّرهما. فكتب إلى ابن عنين: (( ٣ )) [الطويل]
متفرّدين ترنّما في مجلس ... فنفاهما لأذاهما الأقوام (( ٤ ))
(٢٣) هذا يجود بما يجود بعكسه ... هذا فيشكر ذا وذاك يذام (( ١ ))
فأجابه: (( ٢ )) [الكامل]
هذان زنبوران أما جود ذا ... عسل وذا لدغ عليه يذام
كلحاظ من أهوى وريقة ثغره ... خمر لراشفها وذاك سهام
ومنهم:
١١- أبو الفتح يحيى بن سلطان بن منقذ (( ١٣ ))
مجد الدين (( ٣ )) كان لا يعدم بينهم تمجيدا، ولا يطاول أخدعا وجيدا. إلّا أنّه كان يتنعب من العيش زهيدا، ثم قتل بعد ذلك شهيدا. وله شعر منه: [البسيط]
والشمس مصفرّة في الغرب قد نشرت ... شعاعها في تفاريق من السّحب
كأنّما السّحب أعلام مورّدة ... والشمس من تحتها ترس من الذّهب
وروى هذه أيضا لغيره. وإنّما شيخنا علاء الدّين الكندي رواهما له، ومنه سمعت.
ومنهم:
١٢- أبو مرهف، نصر بن علي بن مقلد (( ١٤ ))
عمّ مؤيّد الدّولة أسامة. وكان يلقّب بعزّ الدّولة. مؤرّخ لا يفوته فائت، ولا
تخفى عليه حال مقيل ولا بائت. فضلا أتقنه، وشغلا جعله ديدنه. هذا، مع تحف أناشيد، وطرف شعر ألذّ من الأغاريد. سريع المحاضرة، سريّ المذاكرة، يغترف من بحر لجّيّ، ويقتطف من ليل دجوجي، فلهذا لا تعدّ درره ولا دراريه، ولا تحدّ أواخره ولا مباديه.
ذكره العماد الكاتب الأصفهاني فقال: حضرنا عند الملك الصالح ليلة بدمشق، في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، والأمير مؤيّد الدّولة حاضر، يناشدنا ملح القصائد، وينشد لنا ضالة الفوائد. وجرى ذكر بيتين لبعضهم، في المشط الأسود والمشط الأبيض، وهما لأبي الحسين أحمد بن محمد الدويدة، وهما: [الخفيف]
كنت أستعمل السواد من الأم ... شاط والشّعر في سواد الدياجي
أتلقّى مثلا بمثل فلمّا ... صار عاجا سرّحته بالعاج
فقال أسامة: أخذ هذا المعنى عمّي نصر، وعكسه، فقال: [الخفيف]
كنت أستعمل البياض من الأم ... شاط عجبا بلمّتي وشبابي
(١٤) فاتّخذت السّواد في حالة الشّي ... ب سلوّا عن الصّبا والتّصابي
ومنهم:
١٣- أبو الفوارس، مرهف بن أسامة بن مرشد بن عليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ، عضد الدّولة (( ١٣ ))
أسنّ وما خلع جلباب الشّباب، ولا ودّع سلمى والرّباب. بخلق زادته السنون صفاء، وأفادته رقة يتخذ معها مواصلة الراح جفاء. وكان كريما خرق البنان، خلق للقلم والعنان. اقتنى الكتب وجمعها، واجتنى الآداب وأبدعها، ومتّع
بحواسّه فما فقدها، ولا طلبها إلّا وجدها. ما تغبّر له ذهن ولا عقل، ولا غاب عنه بحث ولا نقل. وكان إلى أن مات يقرأ الخطّ الرقيق قراءة الشّبّان، ولا يتمادى عليه أوان.
ومما كتب به إلى أبيه: (( ١ )) [الطويل]
رحلتم وقلبي بالولاء مشرّق ... لديكم وجسمي للعناء مغرّب (( ٢ ))
فهذا سعيد بالدّنوّ منعّم ... وهذا شقيّ بالبعاد معذّب
وما أدّعي شوقا فسحب مدامعي ... تترجم عن شوقي إليكم وتعرب
وو الله ما اخترت التّأخّر عنكم ... ولكن قضاء الله ما منه مهرب
انتهى البيت المنقذي.
ثم نذكر بقية من نحن بصددهم، فنقول:
١٤- القاضي أبو غانم عبد الرزاق بن أبي حصين (( ١٣ ))
المعري أصفه مختصرا، وأدل عليه مقتصرا، فأقول: إن تقدّمه بلديّه بزمانه، فقد أدركه بإحسانه، وما يأتي من شعره أنموذج من بيانه. ومنه قوله في كوز الفقّاع: (( ٣ )) [الوافر]
ومحبوس بلا جرم جناه ... له حبس بباب من رصاص
يضيّق بابه خوفا عليه ... ويوثق بعد ذلك بالعفاص (( ٤ ))
إذا أطلقته خرج ارتقاصا ... وقبّل فاك من فرح الخلاص
وقد ترجم له العماد، وقال بعد إيرادها: وما أعجب به من إنشادها، ما صورته هذه الأبيات الحسنة، صقلتها الألسنة وهي عروسها في كنّها، خندريس في دنّها، مطبوعة في فنّها. يعدّ هذا الأسلوب من النظم معمّى. (٢٥) ويدلّ على أن لقائله فضلا جمّا. انتهى كلام العماد.
ولو شاء في الثّناء زيادة لزاد. ومن شعره قوله في حجر الرّجل: (( ١ )) [الكامل]
وعجيبة أبصرتها فخبأتها ... لغزا لكلّ مساجل ومناضل
ما تستقرّ بكف ألكن ناقص ... حتى تجرّ برجل أروع فاضل (( ٢ ))
ومنهم:
١٥- أبو العلاء بن أبي الندى (( ١٣ ))
أبو العلاء بن أبي الندى، وقيل ابن جعفر بن عمرو المعري. الشعر فضله على فضائله. والأدب طبع يبدو على مخائله. من هذه البلد التي أخرجت الأخاير، وملئت بجواهرهم الذخائر. وكان أبو العلاء ذاك، ذكاء ليس فيه شاك.
قال فيه العماد: (( اشتغل صغيرا بالفقه، وكان في الذكاء عديم الشّبه، سمح البديهة والرّويّة. مجيد وحيد فريد، غدر به عمره، وطوي نشره، وغيّض فيضه قبره، ونضب عند تموّج عبابه بحره. ولو عاش لكان آية، فلم يبق في علم من العلوم غاية )) . ومن شعره يمدح بهاء الدّين الشّريف: (( ٣ )) [الكامل]
من أين كان لكنّ يا حدق المهى ... علم بنفث السّحر في عقد النّهى
أم من أعار البان في مهج الورى ... فتكا فأصبح بالقنا متشبّها
من كلّ ميّاد القوام منعّم ... يختال من سكر الشّباب فيزدهى (( ١ ))
واهي الجفون فلو تكفّل جفنه ... فعل الصّوارم لاستقلّ وما وهى
يبدو بوجه كلّما قابلته ... أهدى إليك من المحاسن أوجها
كالفضّة البيضاء إلا أنّه ... يلقاك من ذهب الحياء مموّها
وله على القمر المنير فضيلة ... كفضيلة القمر المنير على السّها (( ٢ ))
جمّ البهاء كأنّما جمعت له ... تلك الصّفات الغرّ من شيم البها
البدر يقصر أن أقايسه به ... والشّمس تصغر أن أشبههه بها
وظلمت شامخ مجده إن جئته ... عند المديح ممثّلا ومشبّها
أنتم بني الزهراء، أهل الحجّة ال ... زهراء إن فطن المجاور أوسها
فإلام يجحد في البريّة حقّكم ... قد آن للوسنان أن يتنبّها
(٢٦) صنتم ببذل عروضكم أعراضكم ... وصيانة الأعراض في بذل اللها
ماذا أقول، وما لوصف علاكم ... حدّ، ولا لنهاكم من منتهى
منكم سنا الشّرف المبين جميعه ... وإلى بهاء الدّين بعدكم انتهى
ومنه قوله: (( ٣ )) [البسيط]
لا غرو إن كان من دوني يفوز بكم ... وأنثني عنكم بالويل والحرب
يدنى الأراك فيمسي وهو ملتثم ... ثغر الفتاة ويلقى العود في اللهب
ومنه قوله في المروحة: (( ١ )) [الوافر]
وقابضة بعنان النّسيم ... تصرّفه كيف شاءت هبوبا
فمن حيث شاءت أهبّت صبا ... ومن حيث شاءت أهبّت جنوبا
يضمّخ بالطّيب أردانها ... فتهدي لملبسها الطّيب طيبا
إذا أقبل القرّ كانت عدوّا ... وإن أقبل القيظ صارت حبيبا
ومنه قوله في غلام ينظر في مرآة: (( ٢ )) [البسيط]
بدا لنا فازدهانا حسن صورته ... حتى امترينا لها في أنه بشر
وقابلت وجهه مرآته فبدت ... كأنها هالة في وسطها قمر
ومنه قوله: (( ٣ )) [الطويل]
خذي قلبه رهنا وردّي له الكرى ... لعلّ خيالا منك في النّوم يطرق
فواعجبا للطّيف ليس بواصل ... إلى الجفن إلّا وهو وسنان مطبق
يصدّ إذا الأبواب تفتح دونه ... ويقرب منها شخصه حين تغلق
وما ذاك دأب الزّائرين وإنّما ... زيارته للصّبّ زور منمّق (( ٤ ))
ومنهم:
١٦- محمد بن حيدر البغدادي (( ١٣ ))
الأديب أبو طاهر، محمد بن حيدر البغداديّ. ممن زاد بذكره الخطيري. زينة الدّهر وجلاها حسناء لم يغلها المهر. وله لطائف أغضّ من الزّهر، وأندى من الأقاحي على النّهر، ومنها قوله: (( ١ )) [الكامل]
يا جاحدي فضلي وقد نطقت ... بفضائلي بدهاته عنه
(٢٧) هل أنت إلّا البدر توضحه ... شمس الضّحى وكسوفها منه؟
وقوله: [المنسرح]
أما ترى البدر كيف مدّ على ... دجلة ضوءا من نوره البهج
والجسر من فوقها يرقّصه الن ... نسيم من مائها على اللّجج
كأنها لاذة مفرّكة ... يقطعها قاطع من الشّبج
ومنه قوله: [الوافر]
وصاحبة وردت بها غديرا ... يقدّر من صفاء الماء أرضا
كأنّ الوحش حين تعبّ منه ... يقبّل بعضها للشّوق بعضا
وقوله: (( ٢ )) [الطويل]
ومدامة كدم الذّبيح سخا بها ... للشّرب من لهواته الإبريق
حتى إذا ضحك الزّجاج لقربها ... منه بكى لفراقها الراووق
وقوله: [مجزوء الكامل]
يا صاح قد جمع السّرو ... رلنا بقربك ما تبدّد
قم فاسقني والسحب با ... كية وطرف البرق أرمد
والليل فد شابت ذوا ... ئب أفقه والبدر أمرد
والماء في وسط الصّرا ... ة كأنّه زرد مبدد
وقوله: (( ١ )) [الهزج]
خف الأمر وإن هان ... ولا يطغ بك الشّبع
ولا تصد من الكل ... فة ما يصقله الطّبع
فقد يخشى من الفأ ... ر على من عضّه السّبع
ومنهم:
١٧- أبو الفتح، محمد بن عبد الله، سبط ابن التعاويذي (( ١٣ ))
الملقّب بأمين الدّولة. رجل تدفع العين عوذه، وتمنع من يرتاد الرّوض نبذه.
كان من الكتاب استرزاقا لا صناعة واستحقاقا. لو أن مادته في الشّعر له (٢٨) بضاعة. وأدبه نسب النسيم إذا سرى سحرا، ونبّه عيون النّور من وسعه الكرى.
وله في الشعر توليد غير موءود، وديوان شعر ما فيه مخرّج لا مردود. وكله مما يلج بلا استئذان، ويصل إلى القلب قبل الأذان، إلّا أنّ الغوص في أكثره قليل، والدّقيق في مواضعه منه حليل.
وهو ممن تديّر ريفا، وتفيّأ من النّخيل ظلا وريفا، لا يعلّله إلا أساها، ولا يعلمه شكوى الفراق إلا نوح الحمائم في مصبحها وممساها. وكان مسترزقا
بالمديح، مادّا منه كفّ المستميح.
وبعث مديحا إلى السّلطان صلاح الدّين- قدّس الله روحه- أرسله لأمله رائدا، وبعث يطلب بكرمه معنى زائرا.
وبعث قصيدة إلى العماد الكاتب استجداه فيها فروة يدفع بها برد الشّتاء الكالح، ونبل الوبل الرّاشق، وخطّار البرق الرامح.
وكان شيخنا شهاب الدّين مفتونا بطريقه، مغبونا في رحيقه. لا يقدم عليه شاعرا من معاصريه، ولا يحب ذا أدب لا يكون من ناصريه.
وحدّثني الحافظ أبو الفتح ابن سيّد الناس العمري، قال: كان قاضي القضاة ابن دقيق العيد يثني عليه ويقول: من يحسن مثل قوله: (( ١ )) [السريع]
سرت بنا في ليلة القرّ ... تجمع بين الإثم والأجر
والله لو مدحت بمثلها لأجرت عليها ألف دينار.
قلت: وحسبه ثناء هذين وكفى.
ومن سهل مطبوعه، وجيده المنتقى من مطبوعه، قوله: (( ٢ )) [الخفيف]
بات يجلو عليّ روضة حسن ... بتّ منها ما بين روض وآس (( ٣ ))
قلقي من وشاحه وبقلبي ... ما بخلخاله من الوسواس
ومنه قوله: (( ٤ )) [المنسرح]
وقائد الجرد كالعقارب لا ... يدركها في نجائها البصر (( ١ ))
حماتها كلّ يوم ملحمة ... حماتها والقنا لها إبر
ومنه قوله: (( ٢ )) [مجزوء الكامل]
قالت وأدمعها تسي ... ل أسى على الخدّ الأسيل
(٢٩) يا بين كم أجليت يو ... م نوى الأحبّة عن قتيل
منها في المديح:
يا فارج الكرب العظي ... م وكاشف الخطب الجليل
أحسنت في الدّهر المسي ... ء وجدت في الزّمن البخيل (( ٣ ))
ومنه قوله: (( ٤ )) [الخفيف]
بأبي الأسمر العزيز وقد با ... ت على غيرة الوشاة سميري (( ٥ ))
زارني بعد هجعة يمسح الرّق ... دة عن جفن عينه المزرور
ومنه قوله: (( ٦ )) [الكامل]
عودي مريضا في يديك شفاؤه ... أشفى وأنت بما يكابد أعلم
ولطالما وجد الطّبيب لدائه ... برءا إذا كان الطّبيب المسقم (( ٧ ))
ومنه قوله: (( ١ )) [الطويل]
يعزّ على زرق الأسنّة عودها ... وما نهلت ذوابلها السّمر
تحوم ظماء والنحور كأنّها ... مناهل ورد والرّماح قطا كدر
ومنه قوله: (( ٢ )) [مجزوء الكامل]
أين استقلّت بالحبيب ركابه ومتى ظعن ... ولربّ ليل بتّ فيه صريع باطية ودن
مع مخطف لدن القوام إذا انثنى رخص البدن ... لكنّني كفّرت ليلة زرته عنّي وعن
ومنه قوله: (( ٣ )) [المنسرح]
قد أقسمت لا اهتدى الخيال إلى ... جفني وبرّت لمياء في القسم
أمزج شكواي بالخضوع لها ... ودمع عيني صبابة بدمي
ومنه قوله: (( ٤ )) [الكامل]
يا شاكي اللّحظات شكوى مغرم ... يلقاك وهو من التجلّد أعزل
أصمت لواحظك المقاتل راميا ... أفما يدقّ على سهامك مقتل
(٣٠) ومنه قوله: (( ٥ )) [الطويل]
إذا ما أظلّتني عناقيد فرعها ... سقتني بكأس الثّغر ماء العناقيد
ومنه قوله: (( ١ )) [السريع]
وليلة بات سميري بها ... وناظري بالنّجم معقود
حتى انمحى صبغ الدّجى واغتدت ... كأس الثّريّا وهي عنقود (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
خذ في أفانين الصّدود فإنّ لي ... قلبا على العلّات لا يتقلّب (( ٤ ))
أتظنني أضمرت بعدك سلوة ... هيهات عطفك من سلوّي أقرب
ومنه قوله: (( ٥ )) [مجزوء البسيط]
وبارد الظّلم شتيت الثّغر ... واهي المواعيد معا والخصر (( ٦ ))
في خدّه ماء الشّباب يجري ... قافية من شعري (( ٧ ))
أصبحت لا أملك فيه أمري
ومنه قوله يمدح: (( ٨ )) [الكامل]
قوم إذا اعتقلوا مثقفة القنا ... لوغى حسبت الأسد في الآجام (( ٩ ))
غلب ولكن في المغافر منهم ... حدق المها وسوالف الآرام
ومنه قوله: (( ١ )) [الوافر]
عليل الشوق فيك متى يصحّ ... وسكران بحبّك كيف يصحو
وأبعد ما يرام له شفاء ... فؤاد من لحاظك فيه جرح (( ٢ ))
فبين القلب والسّلوان حرب ... وبين الجفن والعبرات صلح
ومنه قوله: (( ٣ )) [المتقارب]
حمته صوارم ألحاظه ... فأصبح والثّغر من فيه ثغر
نشدتك يا ظالم المقلتين ... هل عند قلبي لعينيك وتر
ومنه قوله: (( ٤ )) [الوافر]
بنفسي من وهبت لها رقادي ... قليلي بعد فرقتها طويل
(٣١) وما بخلت عليّ بيوم وصل ... ولكنّ الزّمان بها بخيل
ومنه قوله: (( ٥ )) [السريع]
تختلف الأيام في أهلها ... مثل اختلاف المدّ والجزر
وما لإنسانيتي شاهد ... عندي سوى أنّي في خسر
ومنه قوله: (( ٦ )) [الطويل]
ومما شجاني أنّني يوم بينهم ... شكوت الذي ألقى إلى غير راحم
ولو كنت مذ بانوا سهرت لساهر ... لهان ولكنّي سهرت لنائم
ومنه قوله يذكر عود الوزارة: (( ١ )) [الكامل]
أنتم وإن رغم العدى ورّاثها ... قدما وغيركم الدعيّ الملحق
لكم استفاد على الإباء شموسها ... وبكم تجمّع شملها المتفرّق
ومنه قوله: (( ٢ )) [المتقارب]
وربّ ليال مزجنا بهنّ ... حرّ الفراق ببرد التلاقي
تقضّت قصارا ولكنّها ... أطالت عليّ الليالي البواقي
ومنه قوله: (( ٣ )) [مجزوء الكامل]
جذلان من مرح الشّبا ... ب ينام عن ليل المسهّد (( ٤ ))
ظبي سقاني خمر عيني ... هـ فأسكرني وعربد
ومنه قوله: (( ٥ )) [مجزوء الرجز]
وليلة شربت فيها بالرقاد السّهرا ... قضّيتها يزاحم العشاء منها السّحرا
لو كحّل الصّبح بها من قصر ما شعرا ... باريتها نواظرا مكحولة وطررا
فبتّ أستجلي بها وهي سرار قمرا
ومنه قوله يصف الحمام الرسائلي من مديح: (( ١ )) [الوافر]
تنال بجدّك الطّلبات حتما ... فليس يفوتها أبدا طلاب (( ٢ ))
(٣٢) وتصدر عن مراحلها سراعا ... كما ينقضّ للرّجم الشّهاب
تخوض دماء أفئدة الأعادي ... فمنه على معاصمها خضاب
ومنه قوله: (( ٣ )) [الرجز]
يا نابذا بين الظّباء قلبه ... ذريّة لكل سهم عاثر
كيف تعرّضت وأنت حازم ... يوم اللّوى لأعين الجآذر
أما علمت أن أحداق الظّبا ... ء النّجل لا يؤخذن بالجرائر
ومنه قوله: (( ٤ )) [مجزوء الكامل]
لله زورته وقد ... مالت إلى الغرب النجوم (( ٥ ))
وقلادة الجوزاء عق ... د في ترائبه نظيم
وقد انتشى خوط الأر ... اكة والحمام له نديم
ومنه قوله: (( ٦ )) [الطويل]
يجيل على متنيه سود غدائر ... كما نفض الغصن المرنّح أوراقا (( ٧ ))
وقالوا نجا من عقرب الصّدغ خدّه ... فقلت اعترفتم أنّ فيه درياقا
ومنه قوله: (( ١ )) [البسيط]
يظنّ من فتنته أنّها عنم ... ولّت تشير بأطراف مخضّبه
أنّ الخضاب على ذاك البنان دم ... تروقه وهو لا يدري لشقوته
منها في المديح: [البسيط]
يكاد يقطر من نادي أسرّته ... ماء الحياء ومن أعطافه الكرم
ومنه قوله: (( ٢ )) [مجزوء الكامل]
قم يا نديم فناد في النّدماء حيّ على الفلاح (( ٣ ))
سيما ونشر الرّوض قد جلبته أنفاس الرياح (( ٤ ))
والديك كالنشوان من طرب يصفّق بالجناح
ومنه قوله: (( ٥ )) [مجزوء الكامل]
ولقد نزعت عن الغوا ... ية لا بسا ثوب الوقار
(٣٣) لما تبلّح فجر فودي ... وانجلى ليل العذار
وكذا المريب يسير لي ... لته ويكمن في النّهار
ومنه قوله يعاتب: (( ٦ )) [الكامل]
لا غرو أن نسيت عهود مودتي ... وقديم أيامي وسالف صحبتي
أنا لا أعدّ اليوم إلا ميّتا ... ومتى وفى الأحياء قطّ لميّت
ومنه قوله: (( ١ )) [المتقارب]
فمن شبّه العمر كأسا يقرّ ... قذاه ويرسب في أسفله
فإني رأيت القذى طافيا ... على صفحة الكأس من أوّله (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [مخلع البسيط]
لم يبق لي في هوى الغواني ... مذ تقضّى الصّبا طماعه
خلعت نفسي من التّصابي ... ما لأخي الشّيب والخلاعه
أنكرن مني شيبا وعدما ... فلا بضاع ولا بضاعه
ومنه قوله يذم خشكنانجة من قصيدة: (( ٤ )) [البسيط]
وخشكنانجة سوداء فارغة ... كأنّها قطعة من قرن جاموس
ومنه قوله: (( ٥ )) [الوافر]
إذا ما الرّعد زمجر خلت أسدا ... غضابا في السّحاب لها زئير
وإن سلّت صوارمها الغوادي ... أفاض عليه جوشنه الغدير (( ٦ ))
ومنه قوله: (( ٧ )) [السريع]
وروضة غنّاء باكرتها ... والشّمس قد جاوزت الحوتا
سرت بريّاها نسيم الصّبا ... تحمل نشر المسك مفتوتا (( ١ ))
وردّ ما استودعه تربها ... من لؤلؤ القطر يواقيتا
ومنه قوله: (( ٢ )) [المنسرح]
يرنحها نشوات الشباب فتمشي ... كما انعطف الغصن غضّا
(٣٤) صحت وهي بالدّلّ سكرى القوا ... م وصحّت لواحظها وهي مرضى
أقام لي خدّك الدّليل بما ... ضرّمه من جوى على كبدي
إنّ مرايا الأحداق تحرق ما ... قابله نورها على البعد
وقوله: (( ٣ )) [الوافر]
أدر كأس المدام عليّ صرفا ... ولا تفسد كؤوسك بالمزاج
ودعني والصّلاة إذا تدانت ... فليس على خراب من خراج
وقوله: (( ٤ )) [الطويل]
سمحت بدمعي للدّيار مسائلا ... رسوم الهوى لو أنّ تسآلها يجدي
على القلب تجني كلّ عين بلحظها ... وعيني على قلبي جنت وعلى خدّي
وقوله: (( ٥ )) [المنسرح]
وريع سرب النّجوم فاستبقت ... في أخريات الظلام تطّرد (( ٦ ))
وطار عن وكره إلى الأفق النّس ... ر وخاف الغزالة الأسد
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
قالت أتقنع أن أزورك في الكرى ... فتبيت في حكم المنام ضجيعي
وأبيك ما سمحت بطيف خيالها ... إلا وقد ملكت عليّ هجوعي
ومنهم:
١٨- أبو الغنائم، محمد بن عليّ بن المعلّم الواسطيّ (( ١٣ ))
الملقّب نجم الدّين. شاعر كأنّما حرّك بكلّ هوى، وحرّق بكلّ جوى، فتحمّل كلّ صبابة، وتجمّل بالصبر لو أصابه. فداوت نسيمه وصبا (( ٢ )) ، وهبّت جنوبا وصبا (( ٣ )) . وسكن البطائح، وسكب في رواقها الأحمديّ (( ٤ )) دم كلّ دمع طائح.
وعني بشعره بين يديّ شيخ الطائفة أحمد بن الرفاعيّ، قدّس الله روحه، فطاب به هو والفقراء، فعادت عليه بركاتهم، وسرت فيه حركاتهم، وحصلت له حظوة نهنهته في العراق، ورفعت رأسه من الإطراق، فلم يخل مجلس (٣٥) رئيس من منشد لشعره أو مستنشد، ومتّهم به أو متحدّ.
واتّخذت ديوانه الوعّاظ موضع إنشادهم، ومكان استشهادهم. فذهب بالقلوب، ونهب الألباب، بلفظه الخلوب، للطافة مأخذه، وقرب وصوله إلى القلب ومنفذه: حتّى إنّ الكلمة كانت تختطف من فمه، وتقتطف قبل أن يثمر
بها أفنان قلمه. فلا تنشد له قصيدة إلا تناهب إنشادها من حضر، وتواثب إليها كلّ منهم وابتدر. فقلّ أن تميّز منشد له بإنشاد، أو برز منفردا بإيراد، لمسابقة الحضور له إلى أبياتها، مسارعة الجميع له إلى غاياتها، لسرعة انتشارها، وسعة اشتهارها، فجاء كلّه حلوا رقيقا، وصفوا رحيقا.
ومن مختاره المختال، وشجاره المعتال، قوله: [المتقارب]
دعوه فقد قيل إن الغرا ... م جنون وما كذب القائل
ولا تسلو حاضرا غائبا ... كفى مخبرا دمعه السائل
قفا بي ولو ساعة في العقي ... ق لنبكي على النّاحل النّاحل
يحاول من دمعه ناصرا ... على البين والنّاصر الخاذل
وقوله: [الطويل]
ألم تسأموا عذلي، دعوني والبكا ... ألام على فيض الدموع ألام
أسكّان نجد أين أيّام رامة ... إذ الورد من ماء الوصال جمام
صحا كلّ ذي سكر بكم غير شارب ... له النّجم خدن والدّموع مدام
سلوا غير طرفي إن سألتم عن الكرى ... فما لجفون العاشقين منام
وخلّوا زفيري يحد دمعي فكلّما ... تتابع برق استهلّ غمام
وقوله: [البسيط]
أضلّه وطريق الرّكب ملحوب ... وها أمامك حيث البان ملحوب (( ١ ))
عرّج وقف وقفة لوت الإزا ... ربه فما عليك به إثم ولا حوب (( ٢ ))
دع التجلّد وامدد للغرام يدا ... من غالب الشّوق أمسى وهو مغلوب
(٣٦) وما خلت أنّ الهوى يقضي عليّ به ... والحبّ كالحين للإنسان مجلوب
لم أخل أنّ سرّ الوجد يفضحه ... من الحمائم تغريد وتطريب
فما بدا البارق العلويّ معترضا ... إلا أبيت وعندي منه ألهوب
كأنّما هو من جنبيّ مخترط ... للومض أو هو في جنبيّ مقروب
يبدو وأبكي دما فهو الصدوق منى ... ما لاح إذ ومضه بالبيض محجوب
وقوله: [البسيط]
كم لي أمدّ غطاء الصّبر أستر أس ... رار الغرام وكفّ البين يكشفه
وكم أكتّم دمعي وهو منسكب ... يجري، وخوفا من الواشي أكفكفه
لا تنكروا ماء أجفاني وحمرته ... لو كان في العين دمع كنت أنزفه
أفنى الهوى أدمعي نزفا ولم يرني ... سوى دمي فهو بالتّوديع يذرفه
ومنها في المديح:
وما أمتّ بشعر بتّ أنظمه ... للمدح فيك ولا سجع أصنّفه
أخذت منك الذي أثني عليك به ... فأنت لا أنا بالنّعمى مؤلّفه
وقوله: [المنسرح]
دار بقوس صحّت النفوس بها ... والحبّ حيث الشّقاء والعلل (( ١ ))
مذ سكنتها البدور ما انتقلت ... عن جوّها والبدور تنتقل
توسع فتكا فليس ندري ال ... جراحات بها أم عيونها النّجل
وقوله: [الرمل]
كلفي فيكم قديم عهده ... ما صباباتي بكم مكتسبه
أين ورق الجزع من لي أن ... أرى عجمه أو أن أشاهد عربه
ونعم إذا بان حزوى فاسألوا ... إن شككتم في عذابي عذّبه
عن جفوني النوم من بعده ... وإلى جسمي الضّنى من قرّبه
وصلوا طيفا إذا لم تصلوا ... مستها ما قد قطعتم سببه
(٣٧) فإلى أن تحسنوا صنعا بنا ... قد أساء الحبّ فينا أدبه
أعشق اللّوم لحبي ذكركم ... يا لمرّ في الهوى ما أعذبه
وقال: [الخفيف]
قسما بالقدود وهنّ رماح ... ولحاظ العيون وهنّ سهام
ويجور الهوى وأعظم أقسا ... م المحبّين هذه الأقسام
لأطيلنّ وقفة الحزن في ال ... أطلال حتّى يرثي لي اللّوّام
وقال من أخرى: [الطويل]
تظلّ عيون النّور في تلعاته ... إلى أعين السّحب الهوامي روامقا
فتضحك أنواء السّحاب إذا بكت ... عليه غزار موثقا وشقائقا
وقال من أخرى: [الطويل]
تخال لديه الشّمس في الجوّ غادة ... عليها ردى من نقعه وخمار
ويقدحن من نقع الحوامي على الحصى ... لظى برءوس السّمر منه شرار
وقال منها في المديح:
وراح ببذل المال صبّا كأنّه ال ... فرزدق والجود الصّريح نوار
إذا هزّ يوم الرّوع رمحا فإنّما ... لثعلبه صدر الكميّ وجار
وقال: [الطويل]
فلله عطف من صبا الغور مائس ... ولله طرف من سنا البرق يدمع
يشاهد منه النّجم جفن مسهّد ... ويقرع منه الخدّ ماء مشعشع
وقال من أخرى: [الطويل]
وصارخة من أيكة أجّجت له ... لظا طالما أذكته في قلبه الورق
بكت طربا فانصاع يبكي تشوقا ... فدمعتها زور ودمعته حقّ
وهل يستوي ذو صبوة وابن راحة ... إذا استعبرا، هيهات بينهما فرق
ذري الآن يا ورقاء نوحك إنّما ال ... بكاء لمن دمعه يخجل الودق
(٣٨) فما أنا بالمثني عليك وإنّما ... له الحزن في هذا البكا ولك السّبق
وقال: [المنسرح]
يا للهوى نمّت الجفون بنا ... وليس يخلو المحبّ من زلل
ما عصينا القلوب، أعينهم ... نحن، وهبنا القلوب للمقل
وقال: [الخفيف]
قل لحيّ على اللّوى والكثيب ال ... فرد جاد الحيا الكثيب الفردا
قد وقفنا من بعدكم نسأل ال ... بان ضلالا عنكم ويشكو الرّبدا (( ١ ))
فشفانا صمتا، ولم يشف نطقا ... وحكاكم لينا ولم يحك قدّا
وقال: [الطويل]
عسى من كسا الجسم السّقام يعوده ... ومن سلب الجفن المنام يعيده
فما يبري المشتاق إلا معلّة ... وينقص داء المحبّ إلا مزيده (( ١ ))
وقال: [البسيط]
هو الحمى مغانيه مغانيه ... فاحبس وعان بليلى ما تعانيه
لا تسأل الرّكب والحادي فما سأل ال ... عشّاق قبلك من ركب وحاديه
ما في الصّحاب أخو وجد يطارحه ... حديث نجد ولا صبّ نجاريه
إليك عن كلّ قلب في أماكنه ... ساه، وعن كلّ دمع في مآقيه
ما واجد الصّبر في المعنى كفاقده ... وجامد الدّمع في المعنى كجاريه
لقي الكئيب هوى عادت أواخره ... على العقيق كما عادت أواليه
يجدّد العشق والأشجان تخلفه ... وينثر الدّمع والأحزان تطويه
ربع، ثغور الهوى، لا الرّوض يضحكه ... وأعين العشق، لا الأنواء تبكيه
خلا، وغير فؤادي ما يهيم به ... دعا، وغير دموعي ما تلبّيه
يا منزلا بدواعي البين منتهب ... وما البليّة إلّا من دواعيه
فالنّار من زفراتي لا بوارقه ... والماء من عبراتي لا غواديه
(٣٩) ومودع القلب إذ ودّعته لهبا ... حاشاه حاشاه من قلبي وما فيه
يوهي قوى جلدي من لا أبوح به ... ويستبيح دمي من لا أسمّيه
قسا فما في فؤادي ما يعاتبه ... ضعفا يلاقي فؤادي ما يقاسيه
لم أدر حين بدا والكأس في يده ... من كأسه السّكر أم عينيه أم فيه
وما المدامة إلا من تثنيّته ... وما الظّلامة إلّا من تثنّيه
لو لم يطل عصره فخرا وتاه به ... عجبا لما اهتز عطفاه من التّيه
وقوله: [الكامل]
عرض العقيق له وجرعاء الحمى ... فطواهما نظرا وأعرض عنهما
هاجا صبابته ولم يقل اسلما ... لهما ولا حال الهوى ما هجتما
صونا لسرّهما القديم وحقّ من ... حمل المحبّة أن يصون ويكتما
منها: [الكامل]
يا ردفه، افتضح الكثيب، وعطفه عرف ال ... قضيب بما استعارا منكما
ما ضرّ ذاك، الظّلم لو اتّقى ... ظلمي وعاف تألّمي ذاك اللّمى
وقوله: [الكامل]
وا رحمتا للصّبّ تاه وما له ... جلد، ولا حمل الأذى من عاده
هو في العراق، وقلبه بتهامة ... يا قرب مسمعه، وبعد فؤاده
وقوله: [الكامل]
لو رام هذا السّائق العجلان ... خبر الغضا لا بان عنه البان
أمسوا، وقد ظعنوا يحدّث عنهم ... ويميل عنه كأنّه سكران
ما يستفيق كأنّما عرضت له ال ... أشواق أو ولعت به الأشجان
وكأنّه صبّ تهيج له الصّبا ... ذكرى تمايل عندها الأغصان
بانوا وفي عذباته من طيبهم ... ماء الثّرى، وكأنّهم ما بانوا
إن تجتنب حزوى فلا ذهل بها ... يستوقف الحادي ولا شيبان
(٤٠) فخفى هوى نطقت به أجفانه ... هيهات ليس مع البكا كتمان
ينسى، وأذكره العقيق وما له ... ولهي ولا دمعي به الهتّان
منها:
أأصونه وهو العقيق وطالما ... سمحت به الأجفان وهو جمان
إنّ الألى بخلوا برد تحيّة ... ما ضنّ بعدهم بدمع شان
خذ من عيونهم الأمان وهل لمن ... حمل الغرام من العيون أمان
كم في البراقع من قسيّ حواجب ... تصمي القلوب وغيرها المرنان
منها:
واستقبلوا الوادي فأطرقت المهى ... وتحيّرت بغصونها الكثبان
فكأنّما اعترفت لهم بقدودها ال ... أغصان أو لعيونها الغزلان
وقوله: [الوافر]
إذا رفعت عن الغور الخيام ... وعزّ مرامها هان الحمام
دعوني والبكا، فلغير طر ... فيّ البكا ولغير أذنيّ الملام
منها:
أقصّ على البشام بها حديثي ... ولولا الدّمع لاحترق البشام
أشبّب بالغصون فلا التواء ... ينوب عن القدود ولا قوام
يفرّق شمل دمعي البان فيها ... وينظم نثر شكواي الحمام
يميل كأنّما يقسى نسيم ... يمرّ عليه أو دمعي مدام
منها:
إذا كانت حواجبها قسيّا ... فإنّ لحاظ أعينها سهام
إذا نفسي ودمعي قابلاه ... درى ما الريح والغيث الرهام
وقوله: [الكامل]
دعني فما اخضرّ العقيق ... إلّا وصرّح نبته بزفيري
مهلا فما دمعي بمحبوس ولا ... قلبي على جور النّوى بصبور
(٤١) وإليك عن ذكر المحبّين الألى ... درجوا فما المطويّ كالمنشور
وقوله: [الكامل]
ما وقفة الحادي على يبرين وهـ ... والخليّ من الظّباء العين
إلا ليمنحني جوى ويزيدني ... مرضا على مرضي ولا يبريني
قسما بما ضمّت إليه شفاههم ... من قرقف في لؤلؤ مكنون (( ١ ))
إن شارف الحادي الغوير لأقضين ... نحبي ومن لي أن تبرّ يميني (( ٢ ))
ولقد مررت على العقيق بزفرة ... أمسى الأراك بها بغير غصون
فبكا الحمام وما يحنّ صبابتي ... وشكا المطيّ وما يحنّ حنيني
وأظنّ ما اشتملت عليه أضالعي ... أهدي الذي حلّت به لجفوني
فلذاك نار حشاي يظهر سرّها ... من حرّ هذا الدّمع بعد كمون
أنا كالسّحاب إذا توالى برقه ... والى بغيث كالدّموع هتون
يا صاحبي ما أنت إن لم ترث لي ... يوما على سرّ الهوى بأمين
سل باللّوى إن كنت تخبر فيه عن ... دمعي الطّليق ودمعي المكنون
وقوله: [مجزوء الكامل]
قف بي على الوادي الذي ... أقوى ربا وعفا محلا
أشكو بلائي إليه وال ... مشكوّ من شاكيه أبلى
وعلى مرارات الهوى ... ما أعذب الشّكوى، وأحلا
وقوله: [الكامل]
وتنكّر الوادي فأصبح بعدهم ... قفرا وشمل جميعهم متبدّدا
وكأنّما الأغصان لم تصبح به ... سكرى ولم يمس الحمام مغرّدا
وقوله: [البسيط]
بانوا بزهر النّجوم الطّالعات فما ... في الرّبع معنى ولا بالرّوض من زهر
(٤٢) وأيّ نور تشيم العين من فلك ... أمسى خلاء بلا نجم ولا قمر
وقوله: [الكامل]
إنّ الألى رحلوا بأقمار الدّجى ... وربا النقا ونواظر الغزلان
لم ينج ربّ صنيعة بتدرّع منهم ... ولا بالشّدّ ربّ حصان
شهروا عن الطعن العيون وكيف لا ... تحمي وهنّ مقاتل الفرسان
وقوله: [الكامل]
وأصون عن نظر الوشاة مدامعي ... من أن يبوح الدّمع بالكتمان
ويخونني طرف فينطق بالذي ... أخفيه من شأن الممنع شاني
ما لي وما لليل وقف طوله ... هدي الكواكب وقفة الحيران
وقوله: [الكامل]
لا تعجبوا إن عاف مشربه الذي ... أجفانه سمحت بأحمر مربد
هي مهجة لا دمعة جمدت وقد ... ذابت دما فكأنّها لم تجمد
منها:
أمزودي الأضياف ضيف جمالكم ... لم يحظ لا بقرى ولا بتزوّد
لا رقة للمشتكي بجنابكم ... وجد المحبّ ولا جدى للمجتدي
أترى الذي صبغ الوجوه برقة الص ... صهباء صاغ قلوبها من جلمد
وقوله: [مجزوء الكامل]
رحلوا بأغيد مائس ال ... أعطاف معسول الشمائل
طامي الوشاح بعيد مه ... وى القرط ريّان الخلاخل
يفترّ عن درّ علاه ... كأنّ مبسمه المراسل (( ١ ))
يجفو ويبعث طيفه ... فهو المقاطع والمواصل
كالبدر وجها وهو أب ... هى طلعة والبدر كامل
(٤٣) والغصن قدا وهو أح ... سن منه معتدلا ومائل
والسّحر لحظا وهو أف ... تك في الحشا من سحر بابل
وقوله: [المنسرح]
أين تريد درّس الربع البلا ... هو الحمى فاحبس عليه الإبلا
وقفت أشكوه بجفن مارقا ... حوادث البين، وقلب ماسلا
بكيته فهل رأيتم طللا ... قبل وقوفي فيه يبكي طللا
عليّ أن أمطره دمعي وما ... عليّ إن جاد الحيا أو بخلا
وقوله: [البسيط]
لم يدر بي عاذلي لولا لظى نفسي ... ولا اهتدى الطيف بي لولا توقّده
يا للهوى دلّ عذالي على سقمي ... وجدي الذي كأحرّ النّار أبرده
وقوله: [من الرجز]
يا صاح إن فتّ الأراك سالما ... منه مراحا لم يفته مغدا
يهدي إليك النوح من حمامه ... غبّ الهدوء قلقا ما يهدا
أمّا الهوى: بان اللّوى ورنده ... سقى الحيا بان الهوى والرّندا
وقوله: [البسيط]
يقوى البلاء على قلبي وأوثره ... علما بأنّ بلائي فيه يؤثره
وتستلذّ الضّنى نفسي وعادتها ... ألّا تمرّ بصاف لا تكدّره
يا نازلين الحمى رفقا بقلب فتى ... إن صاح بالبين راع باح مضمره
لا تحسبوا الصّدّ عن عهدي يغيّرني ... غيري ملازمة البلوى مغيّره
كم تستريحون في صبحي وأتعبه ... وكم تنامون عن ليلي وأسهره
وقوله: [الرمل]
أتلقّى باحتجاجي ذنبه ... مغمدا ما من مساويه سهر
فإذا قيل أسا قلت عفا ... وإذا قيل جنى قلت غفر
(٤٤) ما دنا إلّا نأى من عزّه ... هو والشّمس سواء والقمر
يوسفيّ الحسن زادت بسطة ... بمعانيه على البدو الحضر
وقوله: [مجزوء الكامل]
ما زال يظهرني البكا ... لهم ويخفيني النّحول
حتى رثى لي حاسدي ... فيهم ورقّ لي العذول
وقوله: [من الرجز]
تنبهي يا عذبات الرّند كم ... ذا الكرى هبّ نسيم نجد
مرّ على الرّوض وجاء سحرا ... يسحب ثوبي أرج ورند
حتى إذا عانقت منها نفحة ... عاد سموما والغرام يعدي
وا عجبا منّي أستشفي الصّبا ... وما تزيد النّار غير وقد
أعلّل القلب ببان رامة ... وما ينوب غصن عن مد
وأسأل الرّبع ومن لي وعى ... رجع الكلام أو سخا بردّ
تعلّة وقوفنا بطلل ... وضلة سؤالنا لصلد
وأقتضي النوح حمامات اللوى ... هيهات ما عند اللوى ما عندي
بانوا فلا دار العقيق بعدهم ... داري ولا عهد الحمى بعهدي
وأنت يا عيني وعدت بالبكا ... هذا الفراق فانعمي بالوعد
آه من البعد ولو رفقتم ... ما ضرّني تأوّهي للبعد
ماذا على العاذل لو كنّيت عن ... حزوى وليلى بالحمى وهند
وقوله: [الطويل]
أمن بابل أم من لواحظك السّحر ... أمن حانة أم من مراشفك الخمر
وهل ما أراه الموت أم حادث النوى ... وهل هو شوق بين جنبيّ أم جمر
سلوا بعدكم وادي الحمى ما أساله ... دمي أم دموع العاشقين أم القطر
أيحكي الحيا عذب المذاقة أبيضا ... سيول دموعي وهي مالحة حمر
يجفّ السحاب الرطب فيكم وتنضب ال ... مياه وطرفي ما يجفّ له شفر
بكيت دما إذ ليس لي عنكم غنى ... وذبت جوى إذ ليس لي عنكم صبر
منها:
وفي الركب من لو حطّ ليلا نقابه ... لردّ الدآدي وهي من وجهه قمر (( ١ ))
بكى فالتقى باللؤلؤ الرطب هازئا ... على نحره من طرفه اللؤلؤ النثر
وقوله: [الطويل]
أجيراننا إنّ الدموع التي جرت ... رخاصا على أيدي النّوى لغوال
أقيموا على الوادي ولو عمر ساعة ... كلوث إزار أو كحلّ عقال
ومنهم:
١٩- عمارة بن عليّ بن زيدان الحكمي (( ١٣ ))
الفقيه، اليمني، الشافعيّ. شاعر لا تنقشع عارضته، ولا تتوقع معارضته، لو قاومه المغلّب لما ناهضه، أو قاوله الفرزدق لما ناقضه. لا يدرك لبحره قرار، ولا لبدره سرار (( ١ )) . كان عربيّا فصيحا، ينطف ردنه خزامى وشيحا، تكلم بلسان العرب فما أخطأ، ولا فات سهما ولا عرفا، بفصاحة تسيل شعابها وتسير هضابها. وأصله من مدينة يقال لها (مرطان) من تهامة، وتأدّبه بزبيد من اليمن. وحج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فسيّره القاسم بن هاشم بن فليتة صاحب مكة المعظمة رسولا إلى مصر، فسرى إليها يتأنّس بمهنّده، ويقطع الظلام يكتحل في كل ميل بإثمد. هذا، ورائد الفضل يقدمه، وقائد الحظّ يخدمه.
فأتى مصر والملك الصالح ابن رزيك يومئذ وزيرها، وبه يبتدأ من يزورها، والفائز اسم ابن رزيك معناه، ومضطجع مهد لولاه لم يلهم لمعناه، فأكرم الصالح منه زائرا أشهى من الطيف لماما، وأخفّ من الضيف مقاما، ودخل على الفائز بقبو الذهب وهو في مجلس كلّ أشمّ الأنف فيه خاضع، وكلّ شامخ الرأس لديه متواضع، وكلّ طرف متشاوس به عضيض، وكلّ جناح همة متعال عنده مهيض، لا يتكلّم فيه إلّا أذن وقال صوابا، ولا يتكلم فيه إلّا من منحه الحصر (٤٦) أن
يردّ جوابا، والفائز على سرير مرتفع تقع مرامي العيون دونه وتودّ أسرّة النجوم أن تكونه، وزعماء الجيش قد أخذت مجالسها في نواحيه، ومنعتها المهابة أن تتخيل أنها فيه، فأنشد قصيدة مر بها الفائز ووزيره الصالح ووصف حسن قيامه بالمصالح، وهي: (( ١ )) [البسيط]
الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أولت من النّعم
لا أجحد الحقّ عندي للركاب يد ... تمنّت اللجم فيها رتبة الخطم
قرّبن بعد المزار العزّ من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم (( ٢ ))
ورحن من كعبة البطحاء سائرة ... وفدا إلى كعبة المعروف والكرم (( ٣ ))
فهل درى البيت أنّي بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم
حيث الخلافة مضروب سرادقها ... على النقيضين من عفو ومن نقم
وللإمامة أنوار مقدّسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللنبوّة آيات تنصّ لنا ... على الحقيقين من حلم ومن حلم (( ٤ ))
وللمكارم أعلام تعلّمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلى ألسن تثني محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم
دراية الشّرف البذّاخ ترفعها ... يد الرّفيعين من مجد ومن همم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا ... فوز النّجاة وأجر البرّ في القسم
لقد حمى الدين والدّنيا وأهلهما ... وزيره الصّالح الفرّاج للغمم
اللابس الفخر لم تنسج غلائله ... إلّا يد لصنيعي السّيف والقلم (( ٥ ))
وجوده أوجد الأيام ما اقترحت ... وجوده أعدم الشّاكين للعدم
قد ملّكته العوالي رقّ مملكة ... تعير أنف الثّريا عزّة الشّمم
أرى مقاما عظيم الشأن أوهمني ... في يقظتي أنّه [من] جملة الحلم (( ١ ))
يوم من العمر لم يخطر على أملي ... ولا ترقّت إليه رغبة الهمم
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
(٤٧) ترى الوزارة فيه وهي باذلة ... عند الخلافة نصحا غير متّهم
عواطف أعلمتنا أنّ بينهما ... قرابة من جميل الرأي لا الرّحم (( ٢ ))
خليفة ووزير مدّ عدلهما ... ظلا على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النّيل نقص عند فيضهما ... فما عسى تتعاطى منّة الدّيم (( ٣ ))
فاستحسن قصيدته الحاضرون. ثم عاد إلى مكة وهم إليه بعيونهم ناظرون.
ثم إنّ صاحب مكة أعاده إلى الفائز مرة ثانية، وهبّت إلى مصر ريح يمانية ومدّ إليها منه بحر عدّت البحار السبعة ثمانية. وأتاها على نيّة مقيم، وبعلانية أنّه عنها لا يريم، فلما دنا عمارة من الفائز أدناه، وسوّغه فوق مناه، شكرا لمسعاته، وبرّا كلّمه به بغير ترجمان من دعاته، وذلك بما لقّنه ابن رزيك وفطّنه، واستجلبه به ليوطّنه، ثم اختص بابن رزيك خصوصيّة اللسان بالبيان، واليد بالبنان، فغرفه الصالح بسجله، وعرفه نجح ما جاء لأجله، وجعله لا يطأ الثريّا برجله، ولا يطلب الجوزاء بأن تصاغ بحجله، وقد تقدّم في ترجمة الفائز ذكر وفادته، وأنّها كانت بكر سعادته، وأتينا هناك على عيون من أخباره، ومكنون من أشعاره، فلقد أحلّه ابن رزيك منه مكانا تسفّ عنه الرياح المحلّقة، وتشف عنه مصابيح النجوم
المعلّقة، ثم إنّ الصالح أراد به زيادة اختلاطه، قوة ارتباطه، فدعاه كما تقدم في ذكر الفائز ليدخل في مذهبه، ويعجّل له آلاف ذهبه، فتباعد من أربه وتأفف من سوء مشربه، وكان الصّالح قد كتب إليه: [الكامل]
قل للفقيه عمارة يا خير من ... أضحى يؤلّف خطبة وكتابا
الأبيات الخمسة المقدّمة الذكر، فيما مرّ من هذا الكتاب. فلما أتت عمارة هذه الأبيات، وسع من الغيظ فوق مليئه، وحمل النّفس حشو عبيئه، وأبى له أن يخيب يقينه، وأنف له لهذه الدنيّة دنية، وكان شافعي المذهب، حسن المعتقد، متعصّبا لأهل السنّة. وكان هذا ينكّب خطّته، ويتجنّب خلطته (٤٨) وكتب إليه جوابا أقذاه، وطوى جوانحه على أذاه وهو: [الكامل]
يا خير أملاك الزّمان نصابا ... حاشاك من هذا الخطاب خطابا
الأبيات الثّلاثة المقدّمة أيضا. ثم إنّ الصّالح يفسد ما بينه وبين عمارة، وسكت عنه تصريحا وإشارة، وسدّ هذا الباب فلم يفتح له قفلا، ولم يكلّفه منه فرضا ولا نفلا، بل قاربه إذ جانب، وواصله إذ جاذب، وكان هو وإياه خليطي خمر وماء، وقسيمي بؤس ونعماء، وكان الصّالح يغمره ببحره، ويؤمّره على أمره، وعمارة يجعل شكره صحيفة آنائه، وحقيبة ثنائه، يقرن كل بيت بوفقه، وينظم كلّ معنى إلى لفقه، ومضت قريحته على هذا التوالي، ودبت الأيام ودرجت الليالي، بفرائد ماتت بين السحر والنحر، وقصائد نظمت حاشيتي البرّ والبحر، ومدائح ركبت الأفواه ووردت المياه، وطرقت الأندية والخدور، وحلت الأطراف والصدور، وقال فسكت كلّ متكلّم، وصدّ كلّ ناطق مترنّم، ويدلّ على أكبر حاله قصيدته التي مدح بها السّلطان صلاح الدّين، ومنها قوله: [الطويل]
أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعي ... لنفثة مصدور وأنّة موجع
يقاصرني خطو الزمان وباعه ... فقصّر من ذرعي وقصّر أذرعي
وأخرجني من موضع كنت أهله ... وآداني بالجور في غير موضعي
تيممت مصرا أطلب الجاه والغنى ... فنلتهما في ظلّ عيش ممتّع
وزرت ملوك النّيل أرتاد نيلهم ... فأدركت آمالي وأخصب مرتعي
وجاد ابن رزيك فيهما بمواهب ... وكم زاد عن مرمى رجائي ومطمعي
مذاهبهم في الجود مذهب سنة ... وإن خالفوني في اعتقاد التشيّع
فقل لصلاح الدّين والعدل شأنه ... من الحاكم المصغي إليّ فأدّعي
فيا راعي الإسلام كيف تركتنا ... فريقي ضياع من عرايا وجوّع
ونصري له من حيث لا أنت ناصر ... بضرب صقيلات ولاطعن شرّع
فمالك لم توسع عليّ وتلتفت ... إليّ التفات المنعم المتبرّع
فيا واصل الأرزاق كيف تركتني ... أمدّ إلى زند العلا كفّ أقطع
وأقسمت (٤٩) لو قالت لياليك للدجى ... أعد غارب الجوزاء قال لها اطلعي
فيا زارع الإحسان في كلّ تربة ... ظفرت بترب تنبت الشّكر فازرع
ومن شعره النّادر وقوله المبادر، ما سأشنّف به هذا التّصنيف، وأكمل عور هذا التّأليف. وقد حكى ابن خلكان عنه، وقد ذكره، قال: (( ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن، أنّه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين، ثم قال: فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كلّ الإحسان وصحبوه مع اختلاف العقيدة بحسن صحبته. ثم قال: وكانت بينه وبين الكامل ابن شاور صحبة متأكّدة قبل وزارة أبيه، فلما وزر استحال عليه، فكتب إليه: (( ١ )) [الطويل]
إذا لم يسالمك الزّمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيدا ضعيفا فربّما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب (( ١ ))
فقد هدّ قدما عرش بلقيس هدهد ... وخرّب فأر قبل سدّ المآرب (( ٢ ))
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف اللّيل والصّبح معرك ... يكرّ علينا جيشه بالعجائب
وما راعني غدر الشّباب لأنني ... أنست بهذا الخلق من كلّ صاحب
وغدر الفتى في عهده ووفائه ... وغدر المواضي في نبوّ المضارب
إذا كان هذا الدّرّ معدنه فمي ... فصونوه عن تقبيل راحة واهب
رأيت رجالا أصبحت في مآرب ... لديكم وحالي وحدها في نوادب (( ٣ ))
تأخّرت لما قدّمتهم علاكم ... عليّ وتأبى الأسد سبق الثّعالب
ترى أين كانوا في مواطني التي ... غدوت لكم فيهنّ أكرم نائب (( ٤ ))
ليالي أتلو ذكركم في مجالس ... حديث الورى فيها بغمز الحواجب
ومما كان فيه بلاؤه الموكّل بالمنطق قوله- وقد رأى مصلوبا مما أنشد له ابن سعيد- وقال: وكأنما كان لسان حاله، وهو: [الكامل]
ورأت يداه عظيم ما جنتا ... فنفرن ذي شرقا وذي غربا
(٥٠) وأمال نحو الصدر منه فما ... ليلوم في أفعاله القلبا
وكذلك أنشد له قوله: [الكامل]
يا ساكن الجفن القريح وليته ... يرعى لجاري الدّمع حقّ الجار
ومن شعره قوله: [البسيط]
واقبض على كلماتي كفّ منتقد ... زيف الكلام فليس الصّفر كالذّهب
قصائد لم تزل في كلّ جارحة ... من حسنها نشوات الخمر والطّرب
كانت مكرّمة المثوى منزّهة ... في أرض مصر عن التّصريح بالطلب
فأصبحت في زمان التّرك طامية ... تحوم حول زلال الماء والعشب
حتى كأنّ أذى قلبي يطيب لهم ... كالعود لولا حريق النّار لم يطب
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
غصبت أميّة إرث آل محمّد ... سفها وشنّت غارة الشّنان
وغدت تخالف في الخلافة أهلها ... وتقابل البرهان بالبهتان
لم تقتنع حكامهم بركوبهم ... ظهر النّفاق وغارب العدوان (( ٢ ))
وقعودهم في رتبة نبويّة ... لم يبنها لهم أبو سفيان
حتّى أضافوا بعد ذلك أنّهم ... أخذوا بثأر الكفر في الإيمان
فأتى زياد في القبيح زيادة ... تركت يزيد يزيد في النّقصان
تأمل هذا اللفظ المحكم، والمعنى المحكّم، والتجنيس الخالي من التكليف، والعبارة البريئة من التعقيد، والعروس المحببة إلى من زفّت إليه، وجليت عليه، وإلى المقاصد الملائمة لهوى الممدوح، وقد جلاها هذا الفقيه السّنّي، لابسة إزار التشيّع المحض، (٥١) بارزة في رداء الروض الغض. وقد أكثر النّاس في هذا المعنى فما منهم من قارب هذا الفحل ولا داناه، ولا أشبه أعلى شعره ولا أدناه، ولهذا تحق له بهذا المدح ومثله أن يخصّ، تنكأ الشيعة جناحه وتريشه بالندى،
وقلّ من يسود سدى، ولهذا كان قسيم ذهبها وإن باين تأسي مذهبها، وهذا الذي أورده في الدّولة الصّلاحيّة ذلك المورد الذي عجز عن إصداره، ورفعه على الجذع التي لا تناسب جلالة مقداره، ولكنه القضاء المحكّم، والبلاء المختّم، فنعوذ بالله من خرق لا يرقع، وخرق يودع صاحبه البلقع.
عدنا إليه، ومنه قوله: [الكامل]
يا حاسدي عضد الإمام جهالة ... غضّوا جفونكم على الأقذاء
فو حقّه ما نال إلّا حقّه ... والدرّ أحسنه على الحسناء
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
خفضت لواء الحمد من بعد رفعه ... وحلّت بنان العتب عقد لوائي
ولم يتخلّف بيننا كلّ خامل ... أشرّف من مقداره بهجاء (( ٢ ))
وقوله: [البسيط]
ألقى الكفيل أبو الغارات كلكله ... على الزمان فضاعت حيلة النّوب
لما تمرّد بهرام وأسرته ... جهلا وراموا قراع النبع بالغرب
صدّعت بالناصر المحيي زجاجتهم ... وللزجاجة صدع غير منشعب
في ليلة قدحت زرق النّصال بها ... نارا تشبّ بأطراف القنا الأشب
ظنوا الشجاعة تنجيهم فقارعهم ... أبو شجاع قريع المجد والحسب
سقوا بأسكر سكرا لا انقضاء له ... من قهوة الموت لا من قهوة العنب
تسنّموا إبلا يتلو قلائعهم ... يا عزة السّرج ذوقي ذلة القتب
(٥٢) كأنهم فوقها خشب مسنّدة ... إن النّفاق لمنسوب إلى الخشب
سما إليهم سموّ البدر تصحبه ... كواكب من سحاب النقع في حجب
في فتية من بني رزيك تحسبهم ... عن جانبيه رحا دارت على قطب
كأنّ لمع المواضي في أكفّهم ... صواعق في الوغى تنقضّ من سحب
متوّج من بني رزيك تنسبه ... بين المساعي إلى جرثومة العرب
ما أليق التّاج معصوبا بمفرقه ... وربّ معتصب بالتاج مغتصب
أرضته عن هفوات النّاس قدرته ... فما يكدّر صفو الحلم بالغضب
تجر بين يديه من سوابقه ... قبّ ترقرق منها الحسن في أهب
من كلّ أجرد مسكيّ الأديم له ... صبغ إذا شاب رأس الليل لم يشب
وأحمر شفقيّ اللون متّقد ... بحدّة الشوط لا بالسوط ملتهب
مسوّمات عراب لم تزل أبدا ... تجلى وتكسى بما بزّت من السّلب
يرى لكلّ هلال من مراكبها ... خيط المجرّة مجرورا على اللبب
جرد إذا جرّدتها كفّ عزمته ... للغزو هزّت عذاب الشرك في العذب
تثير نقع دخان تحته لهب ... إنّ الدّخان لنمّام على اللهب
تحكي مجر عواليها إذا رحلت ... عن منزل أثر الحيات في الكثب
لانت صفاة عدو أنت قارعها ... فاصلب على ملّة الأوثان والصّلب
فعندك الضّمّر الجرد التي عرفوا ... وفوقهن أسود الغاب لم تغب
إذا تهنت بك الأيام قاطبة ... فما الهناء بمقصور على رجب
وقوله: [الكامل]
جاءته إخوته ووالده إلى ... مصر على التدريج والترتيب
فانظر إلى الأسباط زارت يوسفا ... والشّمل مجتمع إلى يعقوب
جاءوا وما جاءوا أباهم فرية ... بحديث ذيب أو دم مكذوب
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
فهاجرت بعد الصالح الملك هجرة ... غدت سببا للعز وهو المسبب (( ٢ ))
(٥٣) غفرت به ذنب الليالي التي مضت ... وربّتما يستوجب العفو مذنب
رأينا بيومي بأسه ونواله ... علا ضاع فيه حاتم والمهلّب
أقول لمغترّ بظاهر بشره ... تيقظ فإنّ الماء تخفيه طحلب
ولا تركنن للبحر عند سكونه ... وبادر فإنّ البحر إن هاج يعطب
وقد يبسم الضرغام وهو معبّس ... وقد يتلظى البرق والغيث يسكب
وقوله: [الطويل]
عليم بأوضاع السياسة لم يزل ... يصرفها منه الخبير المجرّب
وهون قدر الانتقام فما يرى ... له أثر في وجهه حين يغضب
هذا الذهب الإبريز، والأنموذج الغريب، والمدح الذي يحثا في وجه سواه التّراب والحلم الذي ليس فيه ما يستراب، والحكمة ثمانيه [هكذا!] وما أثمن حكمته، وأوفر حظّه منها وقسمته، وانظر إلى أين طوّح نظره، وهمته، عدنا إليه، وقوله: [البسيط]
نور النبوة في ذا الدست مؤتلق ... للنّاظرين ونار العزم تلتهب
في صدره فائز بالنصر محتجب ... بنوره وبتاج العز معتصب
لا يستوي وملوك الأرض في شرف ... إلّا كما يتساوى الصّفر والذهب
من معشر شابت الدنيا ومجدهم ... غصن وأثوابه فضفاضة قشب
لولا الوزير أبو الغارات ما خفقت ... للنصر في القصر رايات ولا عذب
وسطوة لو خلت عن عفو مقتدر ... على العقاب لكاد الجوّ يلتهب
يا ابن النبي نداء ما لصاحبه ... قلب إلى غير حسن الظنّ ينقلب
كم موقف لك قد نادى نداك به ... يا مادحين لكفّ المادح السّلب
وقوله: [البسيط]
الأروع البرّ لا تخشى بوادره ... إذا استخفّت رجالا سورة الغضب
لو كان في السّلف الماضي لكان به ... إما وليّا لعهد أو وصيّ نبي
(٥٤) وقوله: [البسيط]
عمت رعايته أقصى رعيّته ... حتى استوى نازح منها ومقترب
يا طالب الشرف الأقصى ولو عدمت ... بنو أبي طالب ما أنجح الطلب
ولو تولت بنو رزيك نصرتكم ... في سالف الدهر ما نابتكم النّوب
أندى الملوك وجوها غير أنّهم ... ترضى المواضي بأيديهم إذا غضبوا
وقوله: (( ١ )) [السريع]
طرقتها والليل وجف الجناح ... وما تلبّست بثوب الجناح (( ٢ ))
في ليلة بات نجادي بها ... ذوائب تخفق فوق الوشاح (( ٣ ))
وفاح من عرف الصبا عنبر ... أحرقه الفجر بجمر الصباح
لاموا عليها مغرما سمعه ... كراحة الناصر عند السماح
كأنما أسيافه روضة ... لما بها من ورقات الصفاح
والملك لا يسكب خطّابه ... إن لم يكلّمهم كلوم الجراح
فالقدس قد آذن إغلاقه ... على يدي يوسف بالانفتاح
ملك إذا حدّثت عن بأسه ... قال النّدى واذكر حديث السّماح
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
ضاق الصّعيد على جيادك بعد ما ... ضمنت صعادك فتح كلّ صعيد (( ٢ ))
والغرب واليمن القصيّ وأهله ... من خوفهم في قائم وحصيد
فإلى متى أيدي الكماة معوقة ... عن نشر ألوية ونشر بنود
وخلفت مملكة تقول طريقها ... للدّهر أرّخ بي وخلّ تليدي
وقوله: [الكامل]
شرفا بني رزيك إنّ علوّكم ... أبدا على مسّ الحديد حديد
لا تفتل الأيام حبل مكيدة ... إلا وفيه لأمركم تأكيد
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
يا دار دار عليك سعد المشتري ... وجرى إليك زلال نهر الكوثر (( ٤ ))
(٥٥) ولقد كسيت من الرّخام غلائلا ... نسجت ولكن من نقيّ المرمر
وكأنّ حسن سواده وبياضه ... ليل تبسّم عن صباح مسفر (( ٥ ))
كمرايش الحبرات أو كقلائد ... كافورهنّ مفصّل بالعنبر
دارت مناطقه على فسقيّة ... تملى فتحكي مقلة من محجر (( ٦ ))
وعلى جوانبها بساط خميلة ... قد فروزوه بالنّبات الأخضر
وقوله: [الوافر]
رحلت وكان حظي في رحيلي ... وقربي في التّنائي عن بلادي
فمن عثرت به قدم فإني ... بمصر قد عثرت على المراد
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
سفر الزّمان بواضح من بشره ... وافترّ باسم ثغره من ثغره
وأضاء حتى خلت فحمة ليله ... طارت شرارا من توقّد فجره
بالياسر المغني بأيسر جوده ... والمقتني عزّ الزّمان بأسره (( ٢ ))
ما كانت الدّنيا تضيق بطالب ... لو أنّ واسع صدرها من صدره
لله هذه الديباجة الخسروانية، والحبرات اليمانية، عدنا إليه:
وقوله: [البسيط]
هبت رويحة نجد وهي من قطري ... فعطّرت بالخزامى نفحة المطر
عليلة النّفس الحادي وأحسن ما ... هبّ النسيم عليلا آخر السّحر
واستشرفت عقدات البان لي فهفا ... قلبي بمعتدل منها ومنأطر
أضمّهنّ وفي الأغصان تسلية ... عن القدود وليس العين كالأثر
والليل قد طال حتى خلت أنجمه ... مسمّرات أو الأفلاك لم تدر
قالت: كبرت وشبّت فيك ناشئة ... من الغرام تنافي حالة الكبر؟!
ومادرت أنّ حبّ الحبّ منبته ... في أسود القلب لا في أسود الشّعر
أنكرت أشهب رأسي بعد أدهمه ... والفرع ليل وحسن الليل بالقمر
(٥٦) يا قصّر الله باع الدهر كيف سعى ... في نقض مبرمة الأطراف في مزر
وردّ بقلة راسي وهي ذاوية ... وكان أخضرها ريحانة العمر
وقوله منها: [البسيط]
من ذا يعيرك أجفانا لتوقعها ... في قبضة الظالمين الدمع والسهر
قالوا أتبكي لهم والقلب من حجر ... فقلت والماء قد يجري من الحجر
قلب: هو الطير في جوّ الغرام فلم ... تبتاعه إنّ ذا بيع على غرر
لكلّ ورد ذبول قد سمعت به ... إلّا الذي فوق خديه من الخفر
لك الحديث الذي تبقى حوادثه ... ما قيّد الذكر مثل الصارم الذّكر
قالوا إلى اليمن الميمون رحلته ... فقلت ما دونه شيء سوى السّفر
لا توقدن لها النّار التي عهدت ... خفّض عليك تنل ما شئت بالشّرر
الحال ملء يد والقوم ملك يد ... وما أطيل وهذا جملة الخبر
يا عدن كم فيك إلّا في ربا عدن ... للجسم من وطن والقلب من وطر
ردها على الصّفو من حمات مشرعها ... فقد عهدناك ورّادا على الكدر
وطأ بها هامة الدنيا وأوح إلى ... فرق المنابر ما توحي إلى السّور
كانت إليك عيون الملك ناظرة ... وكنت أشرف مأمول ومنتظر
تصدّعت بك من مصر زجاجتها ... ما للزجاجة من صبر على الحجر
غسلت بالسّيف والأيام راغمة ... ما كان فوق رداء الملك من وضر
وقد قصدتك في جاه وفي وزر ... وإن فعلت فما تخطي خطا سفري
فإن عزمت فقل فيها لعزمك يا ... ذريعة الخير لا تبقي ولا تذري
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
وأجلّها يوم الخليج فإنّه ... من بينها يوم أغرّ مشهّر
وافاك فيه النيل وهو من الحيا ... خجل يقدّم رجله ويؤخّر
قد جاء معتذرا إليك وتائبا ... من ذنبه الماضي ومثلك يعذر
(٥٧) لولا تعثّره بأذيال الثّرى ... ما كان مذرورا عليه العنبر
ولو أنّه لاقى ركابك صافيا ... صرفا لكدّره العجاج الأكدر (( ٢ ))
ولقد عدمناه فنبت نيابة ... عزّ الغنيّ بها وأثرى المعسر
كسر الخليج عبارة عن منّة ... أضحى بها كسر البريّة يجبر
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
أكفيل آل محمّد ووليّهم ... في حيث عرف ولائهم إنكار (( ٤ ))
واخجلتا للبيض كيف تطاولت ... سفها بأيدي البيض وهي قصار
رصدوك في ضيق المجال بحيث لا ال ... خطّيّ متّسع ولا الخطّار
أوفى أبو حسن بعهدك عندما ... خذلت يمين أختها ويسار
غابت حماتك واثقين ولم يغب ... فكأنّهم بحضوره حضّار
لا تسألن إلّا مضارب سيفه ... فلقد تزيد وتنقص الأخبار
هي وقفة رزق المكرّم جهدها ... وعلى رجال يومها والعار
وقوله: (( ٥ )) [الكامل]
لم تحترق دار الخليج وإنّما ... شبّت لمن يسري بها نار القرى
طلبت يفاع الأرض دون وهادها ... فتوقّدت في راس شامخة الذّرى
طلعت طلوع النّجم نال به الهدى ... سار أضلّ طريقه فتحيّرا (( ١ ))
ودليل ذلك أنّها لم تشتعل ... في اللّيل حتّى رنّقت سنة الكرى
أوهل تزور النّار ساحة جنّة ... أجريت فيها من نداك الكوثرا
فتملّ دارا شيّدتها نعمة ... يغدو العسير بأمرها متيسّرا (( ٢ ))
ألبستها بيض السّتور وحمرها ... فأتت كزهر الورد أبيض أحمرا
لم يبق نوع صامت أو ناطق ... إلّا غدا فيها الجميع مصوّرا
فيها حدائق لم تجدها ديمة ... أبدا ولا نبتت على وجه الثّرى
لم يبد فيها الرّوض إلّا مزهرا ... والنّخل والرّمان إلّا مثمرا (( ٣ ))
(٥٨) وبها من الحيوان كلّ مسهّر ... لبس النسيج العبقريّ مشهّرا
أنست نوافر وحشها بسباعها ... فظباؤها لا تتقي أسد الشّرى
وبها زرافات كأنّ رقابها ... في الطّول ألوية تؤمّ العسكرا
نوبّية المنشا تريك من المها ... روقا ومن بزل المهاري مشفرا
وقوله: [من الرجز]
عند ظباء الجلهتين (( ٤ )) ثاره ... وبين أطناب المها عثاره
فلا ترقّا لشكاة مغرم ... أسلمه إلى الضّنى اصطباره
تخيّر الموت بألحاظ المها ... فخلّيا عنه وما اختياره
يا حبّذا في حبّهنّ لوعة ... تضرم وجدا لا يبوح ناره
وموقف رقّت حواشي عتبه ... ودقّ حتى لم يبن سراره (( ١ ))
من كلّ من طال لسان عتبها ... على محبّ قصّر احتذاره
يا صاحبيّ والغرام صبوة ... ألذّها ما عظم اشتهاره
فاستقبلا رونق عيش مقبل ... وابتدراه لا يفت بداره
فقد ضمنت للعذول عنكما ... أمرا عليّ في الهوى إمراره
إن كان دينا فعليّ دينه ... أو كان عارا فعليّ عاره
لا تسألنّ شاكيا عمّا به ... فإنّما سكوته إمراره
يا هذه إنّ المشيب حلّة ... يخلعها على الفتى وقاره
فلا تصدّي واعلمي بأنّه ... ما كلّ من شاب بدا عواره
إن أقلع الوبل فعندي طلّه ... أو ذهب الخمر فبي خماره (( ٢ ))
سقى مغانيك وإن لم يغنها ... عن أدمعي مع الحيا مدراره
يسحب ذيل السّحب فيها وابل ... تزجى على وجه الثرى أستاره
تحسب صوت الرعد في ربابه ... صوت قطيع أرزمت (( ٣ )) عشاره
كأنّ بدرا (( ٤ )) سمحت يمينه ... بذلك الوابل أو يساره
(٥٩) أبلج من غسان، لا نصيفه ... يدرك في المجد ولا معشاره
فرّ من الذّمّ إلى بذل الندى ... فاعجب لليث زانه فراره
من آل رزيك الذين أقسموا ... لا خذل الحقّ وهم أنصاره
مؤيّد سمر القنا بنانه ... مظفّر بيض الظّبى أظفاره
يطلع من أبنائه في ملكه ... نجوم ملك تجتلى أقماره
أشبال خيس وهم أسوده ... صغار عصر وهم كباره
وقوله: [الوافر]
وقائلة من الرجل الذي لا ... تماثله الرجال فقلت عيسى
فقالت ما دليلك قلت أضحت ... بهمّته كلوم الدهر توسى
في (( ١ )) بعض كتّاب النصارى وقد خدم بدار الكباش بمصر: [المتقارب]
رأيت أبا النّقص ضاقت به ... مذاهبه في التماس المعاش
فمن حبّه لبنات القرون (( ٢ )) ... غدا وهو خادم دار الكباش
وقوله: [البسيط]
مدائحي وسجاياه ونائله ... ثلاثة نظمت كالدّرّ في نسق
يرجى ويخشى ما في ذاك من عجب ... كالماء يشرق إذ ينجي من الشّرق
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
لمّا أدار (( ٤ )) سلافة الأحداق ... دبّت حميّا نشوة الأشواق
ما كنت أدري قبل رؤية وجهه ... أنّ الخدود مصارع العشّاق
وقوله: [البسيط]
من كان لا يعشق الأجياد والحدقا ... ثمّ ادّعى لذّة الدنيا فما صدقا
في العشق معنى لطيف ليس يدركه ... من البريّة إلّا كلّ من عشقا
لا خفّف الله عن قلبي صبابته ... بالغانيات ولا عن طرفي الأرقا
من كلّ شمس إذا قابلتها التثمت ... كأنّما أشفقت أن ألثم الشفقا
(٦٠) وقوله [في] طرخان بن يوسف وقد صلب: (( ١ )) [الوافر]
تمنّى رفعة وعلوّ قدر ... فأصبح فوق جذع وهو عال (( ٢ ))
ومدّ على صليب الصّلب منه ... يمينا لا تطول على الشمال (( ٣ ))
ونكّس رأسه بعتاب قلب ... دعاه إلى الغواية والضّلال
وقوله: [البسيط]
قل للرعيّة لا تقنط مطامعها ... فجرح عيسى بعبد الله يندمل
أما ترى حركات النّيل قد نشطت ... من بعد ما كان في أعطافها كسل
زيادة النّيل في إقبال دولته ... مما يدلّك أنّ السّعد مقتبل
وقوله: [الطويل]
أفاتح أرض النيل وهي منيعة ... على كلّ راج فتحها ومؤمّل
متى توقد النّار التي أنت قادح ... بغمدان مشبوب سناها بمندل
وتسمع من لفظ التحيّة ما سما ... إليه ابن هند وهو باغ على علي
وتخلق ملكا لا تحيل بفخره ... على أحد إلّا على عزمك العلي
وقوله: [الطويل]
له راحة ينهلّ جودا بنانها ... ووجه إذا قابلته يتهلّل
يرى الحقّ للزوّار حتى كأنّه ... عليهم- وحاشا قدره- يتطفّل
وقوله: [الكامل]
لو كنت أمدح غير آل محمّد ... لرفعته فوق السّماك الأعزل
قوم إذا ما أسندوا خبر العلا ... جاؤوا بأقرب مسند عن مرسل
من كلّ ملثوم البساط غدت به ... قمم الرءوس حواسدا للأرجل
ووصلت حبلك في الحياة بحبلهم ... صلة الأشاجع ركّبت في الأنمل
وقوله يمدح القاضي الفاضل: [البسيط]
من راكب وعلى أعجاز نضوته ... شكر تفيض به الأنساغ والحزم (( ١ ))
(٦١) يستخبر الناس عن عبد الرحيم وهل ... يخفى بذروة طود شامخ علم
واشكر يدا من أبيه عن وليّهما ... شكرا يصدّقها الإكرام والكرم
جاورت منه الفرات العذب مطعمه ... وزاخرا من أخيه الملح يلتطم
خرّجت من يدك العليا إلى يده ... وكلّ شعب بوادي مكّة حرم
وقوله: [الوافر]
أيا شمس الخلافة وهو نعت ... يصدّقه جبينك بالضياء
تشيّع جود كفّك في فؤادي ... وعدّي بالتشيّع في الولاء
وقوله: [الكامل]
واذكر محامد أحمد من قبل أن ... تجد القوافي فترة المغصوب
واختر له صفو الكلام فإنّما ... صفو النّمير لذاذة المشروب
وقوله: [الكامل]
إن لم يكن لك في القوافي رغبة ... فالطم بها وجه الرجاء وهاتها
فالأمّ لا تأبى إذا لم يولها ... أصهارها خيرا طلاق بناتها
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
أيخفى صحيح الودّ والسقم لائح ... ويكتم سرّ الشّوق والدّمع بائح
جنحت إلى الواشي ولولاك ما التقى ... سهادي وطرفي والجوى والجوانح
وليلة هوّمنا بذي الطّلح زارنا ... خيالك وهنا والمطايا طلائح
فبتّ ولم أسكر سوى سنة الكرى ... أطارحه ذكر الهوى ويطارح
وأصحب أيّامي على العلل التي ... بها تمرض الأيّام وهي صحائح
ولولا أبو النجم المظفّر عطّلت ... مسارب من سبل الندى ومسارح
لئن شركوه في اسمه دون فعله ... فما يستوي البحران عذب ومالح
لئن حلّ في دست الوزارة عادل ... سما قبله فيها إلى النجم صالح
فإنّك يا بدر بن رزيك عنهما ... لنعم المكافي للعدى والمكافح
(٦٢) نهضت بأمر الدّولة النّهضة التي ... جزاك بها خيرا وليّ وكاشح
وأوريت ناريها عقابا ونائلا ... وما وريا إلا وزندك قادح
وقوله: [الطويل]
إذا أكثر المحموم من هذيانه ... تقدّم له عذر الخبير بشانه
ولا تتأخّر حين تدعى لحاجة ... فما الغيث بالمحمود بعد أوانه
ومنهم:
٢٠- ابن الساعاتي، عليّ بن رستم، بهاء الدين، أبو الكرم الخراساني (( ١٣ ))
شاعر كلّ وصف حقيق، وثائر كلّ ساعة منه بعمر الشقيق. ولا يضاهي حسن ديباجته الحقائق، ولا تعدّ نظير درجته الرقائق. بفطنة زائدة، وفطرة لم تنفق ساعاته بغير فائدة. مذ نشأ بذّ من أنشا، ومن حين راهق ساير النجوم ورافق. ومن أوّل ما نزع التمائم، برع في أهل العمائم، وشرع يفتّق الزهر من الكمائم، ويهزّ الغصن تحت الحمائم. وكان ذا شباب رقّ ماؤه، وترف نعماؤه.
يجلو قمر السّماء، ويعطو بجيد ظبية أدماء. ترف عليه طرّة، وسالف ولين أعطاف لا تخالف.
ولم يخل مذ كان من كآبة معشوق، وصبابة مشوق، حتى عدّ في الأعيان، وقعد على ذروة البيان، وقرّبته الملوك، فحظي بالجميل، وحبي بالجزيل. وكانوا إذا أنشد لديهم الشعراء، قدّم ابن الساعاتي، وأحسن إذا أساء العاتي، لروائع لا يقدر الواصف يوقّنها، وبدائع ما مضى قبلها، فآتى ذلك الساعة التي أنت فيها.
ومنه قوله: (( ١ )) [الكامل]
نهبت منام العاشقين جفونه ... فلذاك ليس يراك كالوسنان
ذو وجنة حمراء حول عذاره ... وكذا تكون شقائق النعمان
رشأ عصيت عواذلي وأطعته ... فأطاع فيّ وشاته وعصاني
وقوله: (( ١ )) [البسيط]
وأهيف القدّ حيّاني بكأس طلا ... كالشّمس يحملها بدر الدّجى السّاري
فقلت لّما رأيت الكأس في يده ... قد أمكن الجمع بين الماء والنّار
(٦٣) وقوله: (( ٢ )) [الطويل]
إذا الحبّ لم يشفع بسقم وأدمع ... فهاتيك دعوى لا تزكّى شهودها
لقد سقمت مثل الجسوم جفونها ... فلولا عموم السّقم كنّا نعودها
عدا مقلتي برق الحمى ووميضه ... فما غادرت من لوعة تستزيدها
وما هو إلا صارم قتل الدّجى ... وحمرته لوث فمن ذا يقيدها (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [الطويل]
وبي سالم الأحشاء من ألم الهوى ... نظرت إليه نظرة سبّبت حتفي (( ٥ ))
فيا آخذي أجفانه بظلامتي ... دعوها فما أصمى فؤادي سوى طرفي
وقوله: (( ٦ )) [الطويل]
شكوت إلى خدّيه فعل لحاظه ... وقد فوّقت نحوي سهام جفونه
فقال كذا الورد الجنيّ بدوحة ... يمانع عنه شوكه في غصونه
وقوله في أرمد: (( ١ )) [البسيط]
قالوا به رمد ينهى لواحظه ... ألّا تخيف على قلب ولا كبر (( ٢ ))
قلت احذروا مقلتيه فهي قاتلة ... وضعفها الآن ينجيها من القود
ألم تروا عارضيه كيف قد لبسا ... من خوف عارضها ثوبا من الزّرد
إن السّنان مخوف وهو ذو كلف ... والسّيف يقطع منه الحدّ وهو صدي
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
ولقد وقفت بها وكفّ ربيعها ... في نسج حلّة نورها تتألّق
وشذا خيوط المزن يرسلها الحيا ... إبرا وأكمام النبات تفتّق (( ٤ ))
والبان يرقص والحمام هواتفا ... تشدو وأطراف الغدير تصفّق (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [الكامل]
ألزمتني قول الوشاة وليس من ... عدل الهوى أخذي بقول النّاس
وأريهم أن قد سلوت مغالطا ... وبليتي في الدّمع والأنفاس
(٦٤) وأما وحبّك لو تفوز بسلوة ... كفّي وقد علقت بذيل النّاس
عفت الحنين إلى زمان ذاهب ... وأبيت ذكري للملول الناسي
وقوله: (( ٧ )) [الكامل]
ما هذه يا عمرو أوّل وقفة ... هان العزيز بها ولان الجليد (( ١ ))
أنكرت أدمعه وليس ببدعة ... بالماء أن يتفجّر الجلمود
وقوله: (( ٢ )) [مخلع البسيط]
يا سائلا عن غليل قلبي ... لقد تجاهلت للسؤال
أنت على القرب والتنائي ... أعلم مني بكلّ حال (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
يا قلب عاشقه وسهم جفونه ... من ألزم المقتول حبّ القاتل؟
وقوله: (( ٥ )) [الطويل]
تعجّب عمرو أن وقفت بمنزل ... كلانا لفقدان الأحبّة ناحل
لئن جنّ فيه العاشقون صبابة ... فأصداغه للعاشقين السلاسل
وقوله: (( ٦ )) [الخفيف]
زعموا أنني تعشّقتك سو ... داء دون بيض الغواني
ليس معنى الجمال فيك بخاف ... إنما أنت خال خدّ الزّمان
وقوله: (( ٧ )) [الكامل]
وسألت عن قلبي وأنت سلبته ... سواك العارف المتجاهل
عاقبتني طوع الوشاة تجنّيا ... وأخذتني ظلما بقول العاذل
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
لو أنّ صدّكم تمثّل ليلة ... لثنت غياهبها الخيال عن السّرى
ولئن غدرت فسنّة مأثورة ... ما حلت عن شيم الليالي والورى
غلب الهيام عليه حتى أنّه ... وكفاك حبّا، لو وصلت لما درى (( ٢ ))
فانقع بذكر الصّبر حرّ فؤاده ... أو لا فحدّث مقلتيه عن الكرى
حجبوك بدرا في الهوادج طالعا ... وثنوك ظبيا في الأكلّة أحورا
ما هذه الغزلان بين كناسها ... لكنّها الأسد الضواري والشّرى
(٦٥) من كلّ ماضي اللّحظ زهّد قومه ... في البيض حتّى أنّها لا تشترى (( ٣ ))
ومنهم:
٢١- شرف الدين، أبو المحاسن، نصر الله بن عنين، الدمشقيّ (( ١٣ ))
شاعر لا يطاق يلبّه، ولا يهاب الأسد إلا إذا كفّ مخلبه. ينفح بلسان صلّ، ويلفح بنيران غل. أنفذ في المدام من المسام، وأشدّ في الإيلام من الهوام. بلسان أفتك في الأعراض من المقراض، وأنهك للأجسام من الأمراض. دؤوبا لزم منه طباع العقرب، ووثوبا مثل وثوب شجاع أو أقرب، وأسلوبا أقدم به إقدام الخناع ولم يترقّب فلم يسلم منه بريء على الإطلاق، ولا حمي عرض منه بمكارم
الأخلاق، بهجاء لا يخلص منه إنسان، ولا يخلو ربّ سيف ولا طيلسان. هذا مع كلمة بتصريف الأمر مقبولة، وعظمة على الكبر مجبولة، وهمّة نصبها على نقع في شركه، وأحبولة تعرض إلى العرض الفاضليّ.
واشتغل به زمانه، وأشعل بيانه بنانه. فما قال لكلبه أخسّه إذ نبح، ولا التفت إليه هجاء أو مدح. وتصدّى لأهل دمشق تصدّيا، أدوى قلوب الجميع، وآرى أذن كلّ سميع، فقاموا لمقاومة سمّه، ومقاحمة تمّه، فآل به الحال إلى الهجاج، واختراق الفجاج، فتغلغل في البلاد، ومني بالبعد عن موضع الميلاد.
وطاف الحجاز، واليمن، والهند، والسّند، وما وراء النّهر، وخراسان، وبلاد العجم، والعراق، مذبذبا في مهامهها الفساح، راكبا على كفل الليل وهادي الصّباح.
وكان على بعد الديار لا ييأس من روح الاقتراب، على طول الاغتراب. ومع هذا، لا تنجلي عن أهل دمشق غيابته، ولا تنجلي غوايته، بل يصبّ عليهم وبله، ويصيب فيهم نبله، ومن ذلك قوله: (( ١ )) [الكامل]
فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا
انفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفي كلّ من صدقا
على أنه ما ذكر دمشق إلا ضاقت ضلوعه بزفراتها، وفاضت عيونه بعبراتها.
(٦٦) وله في هذا أشعار لم يقصّ لها جناح، ولم يقصر بها ارتياح.
ثمّ إنّه ما سكن له قلق، ولا سلب عن جفنه أرق، حتى أزيلت عن العود إليها موانعه، وأزيحت أسباب من كان لا يصانعه. ثم لما استقرت به الدار، وبها لم يدع أهلها من بوائقه، ولم يعد إلا وقد أذنت بقدومه جعجعة صواعقه. ومنها
قوله: (( ١ )) [المتقارب]
هجوت الأكابر في جلّق ... ورعت الرفيع بسبّ الوضيع (( ٢ ))
وأخرجت منها ولكنّني ... رجعت على رغم أنف الجميع
ومما استعطف به هذه النائبة، حتى لان له قلبها القاسي، وخفّ عليه حبلها الراسي، قصيدة كتبها إلى الملك العادل، أبي بكر ابن أيوب، منها: (( ٣ )) [الكامل]
ما في أبي بكر لمعتقد الهدى ... شكّ يريب بأنه خير الورى
بين الملوك الغابرين وبينه ... في الفضل ما بين الثّريّا والثّرى
يعفو عن الذّنب العظيم تكرّما ... ويصدّ عن قول الخنا متكبّرا
وله البنون بكلّ أرض منهم ... ملك يقود إلى الأعادي عسكرا
من كلّ وضّاح الجبين تخاله ... بدرا، فإن شهد الوغى فغضنفرا
يعشو إلى نار الوغى شغفا بها ... ويجلّ أن يعشو إلى نار القرى
متقدم حتى إذا النّقع انجلى ... بالبيض عن سبي الحريم تأخّرا
يا أيها الملك الذي ما في فضا ... ئله وسؤدده ومحتده مرا
أشكو إليك نوى تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو ولا جفني يصافحه الكرى
ومن العجائب أن تفيّأ ظلكم ... كلّ الورى، ونبذت وحدي بالعرا
ثم كانت له من الملك المعظم عيسى، حين أفضى إليه ملكها، مكانة أشرقت عداه، وأشرقت بنداه. وكان لا يفارقه حيث شاد وخيّم، ولا يتجهّم له وجهه حيث تقشّع أو غيّم. وولّاه بدمشق وظيفة نظر الديوان، فباشرها حتى (٦٧)
استقال، وهدأ شيطانه وقال، وخرس إلا ما أضحك به الملك المعظم فقال.
وكان يعجب بنوادره، ويعجل إيماء الطرف ببوادره، ويقترح عليه في خواص مجلسه، ليخرج بينهم تلك الدّفائن، ويغرق في بحره الأجاج تلك السفائن، إلا من ركب ذلك البحر على خطر، أو وقف في طريقه ليقع منهم في حفر.
ولّما كان في العراق، حضر مجلس الإمام الرّازي، في يوم ذيول السّحب عليه مكفوفة، وعين الشمس به مطروفة، والثّلج قد بثّ في الجوّ سرايا نوره، وبعث من الأفق تحايا كافوره. وأري ماء كلّ غدير في إناء بلّوره. فسقطت لديه حمامة لزبها (( ١ )) خاطف، ووقعت عليه كما يستجير الخائف، فقام ابن عنين، وقال: (( ٢ )) [الكامل]
يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا ... في كلّ مخمصة وثلج خاشف (( ٣ ))
العاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين الصوارم والوشيج الرّاعف (( ٤ ))
من نبّأ الورقاء أن محلّكم ... حرم وأنّك ملجأ للخائف
وفدت عليك وقد تدانى حتفها ... فحياتها ببقائها المستانف
لو أنّها تحبى بمال لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف (( ٥ ))
جاءت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع في جناحي خاطف (( ٦ ))
قرم لواه الجوع ثمّ أعاده ... من دونها يهوي بقلب واجف (( ٧ ))
فقال له الإمام: أنت ابن عنين الدمشقي- ولم يكن يعرفه من قبل- فقال: أنا هو. فأدني من مجلسه، وأسنى له خالص ودّه وأنفسه.
ولم يبق من أهل المجلس إلّا من كتب شعره، ورواه، ثم كان لا يؤثر إلا هواه.
وأشعاره كلّها موضع استحسان، ومجمع إحسان. فمنه قوله يمدح المعظم نوبة دمياط، وهو: (( ١ )) [الطويل]
سلوا صهوات الخيل يوم الوغى عنّا ... إذا جهلت آياتنا والقنا اللّدنا
غداة لقينا دون دمياط جحفلا ... من الروم لا يحصى يقينا ولا ظنّا
قد اتّفقوا رأيا وعزما وهمّة ... ودينا وإن كانوا قد اختلفوا لسنا
(٦٨) تداعوا بأنصار الصليب فأقبلت ... جموع كأن الموج كان لهم سفنا
عليهم من الماذيّ كلّ مفاضة ... دلاص كقرن الشمس قد أحكمت وضنا
وأطمعهم فينا غرور فأرقلوا ... إلينا سراعا بالجياد وأرقلنا
فما برحت سمر الرماح تنوشهم ... بأطرافها حتى استجاروا بها منّا
سقيناهم كأسا نفت عنهم الكرى ... وكيف ينام الليل من عدم الأمنا
لقد صبروا صبرا جميلا ودافعوا ... طويلا فما أجدى الدفاع ولا أغنى
رأوا الموت من زرق الأسنّة أحمرا ... فألقوا بأيديهم إلينا فأحسنا (( ٢ ))
منحنا بقاياهم حياة جديدة ... فعاشوا بأعناق مقلّدة منّا
ولو ملكوا لم يأتلوا في دمائنا ... ولوغا ولكنّا ملكنا فأسجحنا
فكم من مليك قد شددنا إساره ... وكم من أسير من يد الأسر أطلقنا (( ٣ ))
أسود وغى لولا وقائع سمرنا ... لما ركبوا قيدا ولا سكنوا سجنا (( ١ ))
يسير بنا من آل يعقوب ماجد ... أبى عزمه أن يستقرّ به مغنى (( ٢ ))
سرى نحو دمياط بكلّ سميذع ... بحيث يرى ورد الوغى المورد الأهنى
وطهّرها من رجسها بحسامه ... همام يرى كسب الثّنا المغنم الأسنى
مآثر مجد خلّفتها سيوفه ... لها نبأ، يفنى الزمان وما تفنى (( ٣ ))
وقد عرفت أسيافنا ورقابهم ... مواقعها فيهم، فإن عاودوا عدنا (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [الطويل]
وما شام من أعلى المقطّم جفنه ... سنا بارق إلا توالت قطاره
حديث صقال الخدّ لم يذو ورده ... ولا دبّ كالريحان فيه عذاره
وقوله وهو مريض، يتقاضى نفقة ينفقها، وطبيبا يعوده، وصبيّا معظميا من الغيث يجوده: (( ٦ )) [الكامل]
انظر إليّ بعين مولى لم يزل ... يولي النّدا وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي (( ٧ ))
(٦٩) وقوله في ملوك بني أيوب، رحمهم الله: (( ٨ )) [الوافر]
هم تركوا صليب الكفر أرضا ... يداس وكان معبودا يباس
وأرغم بأسهم آناف قوم ... تجنّبها لعزّتها العطاس
وقوله: (( ١ )) [البسيط]
أبيت وأسراب النّجوم كأنها ... قفول تهادى إثرهنّ قفول
وقوله: (( ٢ )) [الطويل]
ألا يا نسيم الرّيح من تلّ راهط ... وروض الحمى كيف اهتديت إلى الهند
فأصبح طيب المسك يخفي مكانه ... حياء ولا يبدو شذا العنبر الورد (( ٣ ))
أأهل الحمى خصّوك منهم بنفحة ... فأصبحت معتلّ الصّبا عطر البرد
إذا جمعت بيني وبينهم النّوى ... فأيّ يد مشكورة للنوى عندي (( ٤ ))
وقوله منها:
فما زالت الأيام ترهف حدّها ... وتسحت حتى استأصلت كلّ ما عندي (( ٥ ))
فأقبلت أجتاب البلاد كأنّني ... قذى حال دون النّوم في أعين رمد
وقوله: (( ٦ )) [الكامل]
ما باله في عارضيه مسكه ... ولقد عهدت المسك في سرر الظّبا
عجبا له اتّخذ الوشاة وقولهم ... صدقا وعاين ما لقيت وكذّبا
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
خود تعثّر كلّما رقصت ... من شعرها بمبلبل زجل (( ٢ ))
وبليّتي من ضيق مقلتها ... إن خيف قتل الأعين النّجل (( ٣ ))
تسعى بصافية معتّقة ... تبدو لنا في الكأس كالشّعل
ودنت كأنّ شعاعها قبس ... باد وإن جلّت عن المثل
في روضة غنّى الربيع بها ... فأبان صنعة علّة العلل (( ٤ ))
فكأنّما فرشت بساحتها ... بسط الزّمرّد راحة النّفل (( ٥ ))
(٧٠) وكأنّ كفّ النجم من طرب ... نثرت عليها أنجم الحمل (( ٦ ))
ودعت حمائمها مراجعة ... فوقفت في شغل بلا شغل
شقّ الشقيق بها ملابسه ... حزنا على ديباجة الأصل
وكأن في أغصانها سحرا ... ثاني الثّقيل ومطلق الرّمل (( ٧ ))
ومنها قوله:
ملك زهت أيام دولته ال ... غرّاء وافتخرت على الدّول
يغشى الوغى والحرب قد كشرت ... للموت عن أنيابها العصل
والشمس كالعذراء كاسفة ... محجوبة بالنّقع في الكلل (( ٨ ))
ملك صوارمه رسائله ... إنّ الصوارم أبلغ الرّسل
ملك قصرت على مدائحه ... شعري، وعقد نواله أملي (( ١ ))
ومنها قوله يمدح الملك المعز، صاحب اليمن، ويحرّضه على الأشراف بمكة، وكان قد أخذ بها وسلب، ودبّت إليه عقارب شرارها فلسب: (( ٢ )) [البسيط]
أعيت صفات نداك المصقع اللسنا ... وحزت في الجود فضل الحسن والحسنا (( ٣ ))
وما تريد بجسم لا بقاء له ... من خلّص الزّبد ما أبقى لك اللّبنا
ولا تقل ساحل الإفرنج أملكه ... فما يساوي إذا قايسته عدنا
وإن أردت جهادا روّ سيفك من ... قوم أضاعوا حقوق الله والسّننا (( ٤ ))
طهّر بسيفك بيت الله من دنس ... وما أحاط به من خسّة وخنا
ولا تقل إنّهم أولاد فاطمة ... لو أدركوا آل حرب قاتلوا الحسنا
وقوله يمدح الصاحب صفي الدين، ابن شكر، وكان مالكيّ المذهب: (( ٥ )) [البسيط]
في ظلّ أبلج يستسقى الغمام به ... فيستهلّ ويستشفى به الكلب
المستقلّ بما تعنى الملوك به ... والمستقلّ لنا الدّنيا إذا يهب (( ٦ ))
ثبت الجنان له حلم يوقّره ... إذا هفا بحلوم السّادة الغضب
صافي الضمائر، مرضيّ السّرائر مح ... مود المآثر ترضى باسمه الخطب
(٧١) إذا احتبى للفتاوى فهو مالكها ... وإن حبا خجلت من جوده السّحب
فما رأينا إماما قبل رؤيته ... يرى النّوافل فرضا فعلها يجب
يقظان للمجد يحمي ما توارثه ... آباؤه الصّيد من فخر أب فأب
قوم ترى الوفد في أبياتهم زمرا ... فالمجد يخزن والأموال تنتهب
لو أزمعوا أمرهم يوما على أجأ ... رأيت أركان سلمى خيفة تجب
يا أيها الصاحب الصدر الوزير ومن ... إلى مفاخره العلياء تنتسب (( ١ ))
دعيت في الدولة الغرّاء صاحبها ... حقّا فظنّ جهول أنه لقب (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [الخفيف]
خبّروها بأنّه قد تصدّى ... لسلوّ عنها ولو مات صدّا
عنفت طيفها على ظنّها أن ... ن خيالا منها إلينا يهدى (( ٤ ))
كذّبتها ظنونها لا الكرى زا ... ر جفوني ولا الخيال تهدّى (( ٥ ))
ومنها قوله:
وتعاطى الملوك مثل معالي ... هـ فنالوا من دون ذلك جهدا (( ٦ ))
هلكوا دون نيل ما أمّلوه ... من يطر فوق طوره يتردّى
لم يقف دونهم ولو كان يلقى ... رتبة من ورائهم لتعدّى
وقوله يمدح الإمام فخر الدين الرّازي: (( ٧ )) [الكامل]
بحر تصدّر للعلوم ومن رأى ... بحرا تصدّر قبله في محفل
غلط امرئ بأبي عليّ فأسه ... هيهات قصّر عن مداه أبو علي (( ١ ))
لو أنّ رسطاليس يسمع لفظة ... من لفظه لعرته هزّة أفكل
ويحار بطليموس لو لاقاه من ... برهانه في كل شكل مشكل (( ٢ ))
فلو انهم جمعوا لديه تيقّنوا ... أنّ الفضيلة لم تكن للأوّل
وقوله في الأمجد بهرام شاه: (( ٣ )) [البسيط]
تمضي المنايا بما شاءت أسّنته ... إذا القنا بين فرسان الوغى اشتجرا
(٧٢) تكاد تخفي النجوم الزّهر أنفسها ... خوفا ويشرق بهرام إذا ذكرا (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [الخفيف]
وربا عزّتا وقد جادها الثّل ... ج ولاحت من سائر الأقطار
كعروس من آل ساسان تجلى ... من دبيقي ثوبه في إزار (( ٦ ))
وقوله في جنديّ استحسنه وهو ببلاد الهند: (( ٧ )) [مجزوء الكامل]
ما للمحبّ وللعواذل ... لو أنهم شغلوا بشاغل
ما أنكروا أعجوبة ... إذ يصبح الهنديّ قاتل (( ٨ ))
وقوله على لسان حائك، يورّي بصناعته كأنه يفخر: (( ١ )) [الطويل]
أنا الذي لولا صنائع كفّه ... لما رفعت يوما لملك مضاربه (( ٢ ))
فتى يتقاضى صنعه النّاس دائما ... فلم يخل وقتا من غريم يطالبه
له قصبات السّبق في كلّ موطن ... يطيل إذا أسدى لمن لا يناسبه
ويسقي إذا الأنواء في العام أخلفت ... فهل مثل آبائي تعدّ مناقبه
وكم قد كسونا من يتيم وميّت ... سترنا ولولانا لبانت معايبه
وكم قد سعى جدّي لمدّ صنيعة ... تهزّ لها أعطافه وجوانبه (( ٣ ))
وكم راض صعبا جامحا متمنّعا ... يلاينه طورا وطورا يصاعبه
ولست كمن ولّى فرارا من الضّنى ... يطيل سؤالا عن رفيق يصاحبه (( ٤ ))
وقوله في البئر، في معرض الإلغاز: (( ٥ )) [الطويل]
ورومية في الدار عندي عزيزة ... عليّ تروّيني الحديث بلا ضجر
تفوت القنا الخطّيّ طولا وشكلها ... يوازي الغلام الطفل في الدار إن خطر (( ٦ ))
وقوله في المرآة: (( ٧ )) [الطويل]
وفاتنة عندي عزيز نجارها ... عليها حليّ من لجين ومن تبر (( ٨ ))
يؤثّر فيها الوهم من صلف بها ... فمن أجل هذا لا تريم من الخدر (( ١ ))
تخبّرني عني بما لا رأيته ... فتصدق فيما خبّرت وهي لا تدري
(٧٣) تقابل بالمكروه إن قابلت به ... وإن قوبلت بالبشر لاقته بالبشر (( ٢ ))
وقوله في الكركة التي يستخرج فيها ماء الورد: (( ٣ )) [الطويل]
ومثقلة حملا إذا ما بناتها ... مرتها أعارتها الغواني نهودها (( ٤ ))
تباري ثقال المعصرات بدرّها ... فما تركت للسّحب إلا رعودها
وقوله في جواب لابن عدلان في حبل الغسيل: (( ٥ )) [الخفيف]
أبدا يكتسي العواري من النا ... س، ومن يكتسي العواري عاري
فهو يكسى، واليوم صحو ويعرى ... جسمه في مواقع الأمطار
وكان الذي كتب به ابن عدلان إليه: (( ٦ )) [الخفيف]
وضئيل له الهواء مقيل ... مكتس يومه وفي الليل عاري (( ٧ ))
ويرى لابسا صنوف ثياب ... وهو ذو فاقة حليف افتقار
تعتليه الكسا ثقالا فيلقي ... ها خفافا في أخريات النهار (( ٨ ))
وقوله في الزّرّ والعروة: (( ١ )) [الوافر]
وبعل كلّه ذكر صحيح ... وأنثى كلّها فرج مباح (( ٢ ))
فتفضي هذه، ويحب هذا ... ولا يوديهما ذاك الجراح (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [المتقارب]
تعجّب قوم لصفع الرّشيد ... وذلك ما زال من دأبه
رحمت انكسار قلوب النّعال ... وقد دنّسوها بأثوابه
فو الله ما صفعوه بها ... ولكنهم صفعوها به
وقوله في هجاء الفاضل، وقد تمحّل عليه وتقوّل فيما لا ينسب إليه ومثله من يصفح، وما زالت الأشراف تهجا وتمدح. والذي قاله: [المنسرح]
حاشى لعبد الرحيم سيّدنا ال ... فاضل مما تقوله السّفل
وتبّ من قال إنّ حدبته ... في ظهره من عبيده حبل
هذا قياس في غير سيّدنا ... يصحّ إن كان يحبل الرّجل
(٧٤) وقوله في مثله: (( ٥ )) [الطويل]
سألت السّديد الفاضليّ وقد بدا ... عليه هزال بعد شدّة أسره
أكنت مريضا؟ قال: لا، وإنما ... يخبّرني عبد الرحيم بسرّه (( ٦ ))
فقلت له: إن العظيم اختياره ... لأوضح فحل من تفاقم أمره (( ١ ))
فما هذه ما بين ثدييك، قال لي: ... تقعّر صدري من محدّب ظهره
وقوله في جدال طال بين فقيهين يعرف أحدهما بالجاموس، والآخر بالبغل: (( ٢ )) [الكامل]
البغل والجاموس في جدليهما ... قد أصبحا مثلا لكل مناظر
برزا عشيّة يومنا فتناظرا ... هذا بقرنيه وذا بالحافر (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
ما إن مدحتك أرتجي لك نائلا ... فحرمتني فهجوت باستحقاق
لكنني عاينت عرضك أسودا ... متمزّقا فقدحت في حرّاق
وقوله: (( ٥ )) [البسيط]
وما هجوت ابن عصرون أروم له ... فضلا ولا نلت من فخر ولا شرف
لكن أجرّب فيه خاطري عبثا ... كما تجرّب بيض الهند في الجيف
وقوله في ابن دحية الكلبي اللغوي: (( ٦ )) [السريع]
دحية لم يعقب فلم تنتمي ... إليه بالبهتان والإفك (( ١ ))
ما صحّ عند الناس شيء سوى ... أنّك من كلب بلا شكّ
وقوله: (( ٢ )) [الوافر]
شكا شعري إليّ وقال تهجو ... بمثلي عرض ذا الكلب اللئيم
فقلت له تسلّ فربّ نجم ... هوى في رجم شيطان رجيم (( ٣ ))
وقوله في ابن المؤيّد، وقد عزل: (( ٤ )) [المتقارب]
شكا ابن المؤيّد من صرفه ... وذمّ الزمان وأبدى السّفه (( ٥ ))
(٧٥) فلا تغضبنّ إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه (( ٦ ))
وقوله في علويّ أحبّ صبيّا يلقب الجمل: (( ٧ )) [المتقارب]
فديتك قل للشهاب الشّريف ... وإن شاط غيظا لذا واحتفل (( ٨ ))
أتزعم أنّك من شيعة ال ... وصيّ وأنت تحبّ الجمل (( ٩ ))
وقوله مما كتب به وهو مريض إلى الصلاح الإربلي: (( ١٠ )) [الوافر]
إليك شكيّتي عبث الليالي ... لقد حصّت نوائبها جناحي (( ١ ))
وكيف يفيق من عبث الليالي ... مريض لا يرى وجه الصلاح (( ٢ ))
وقوله في صبي أسود أحبه، وقصر منه على حبّة القلب حبّه: (( ٣ )) [الطويل]
أجل أنا في لون الشّبيبة مغرم ... وإن لجّ عذّال وأسرف لوّم
وقد عابني قومي بتقبيل خدّه ... وما ذاك عيب أسود الرّكن يلثم (( ٤ ))
وقوله، مما كتب به إلى الملك المعظم عيسى: (( ٥ )) [البسيط]
إذا لقيت الأعادي يوم معركة ... فإنّ جمعهم المغرور منتهب
لك النفوس وللطير اللحوم ولل ... وحش العظام وللخيّالة السّلب
وقوله في العجلة المعدّة لجرّ الأثقال، وأجاد المقال: (( ٦ )) [البسيط]
أهل العلوم أحاجيكم بواردة ... لا ترتوي ذات إبطاء على عجله
إذا استوى بين رجليها امرؤ نطقت ... بمزعجات من الأصوات متّصله
تمشي وقائدها من خلفها أبدا ... تميد في المشي كالسكرانة الثّمله
صعراء إن قامت فهي مائلة ... وإن مشت فهي كالميزان معتدله
محمولة وهي للأثقال حاملة ... مقمية لا تزال الدّهر مرتحله
وقوله في محي الدين بن أبي عصرون، وكان يباشر الحرب تحت الراية
الناصرية الصلاحية، سقى الله أيامها: (( ١ )) [الوافر]
سمعت بأنّ محي الدين يغشى ال ... وغى والحرب سارية المنايا (( ٢ ))
فلا تشهد بصفعان قتالا ... فقوس النّدف لا تصمي الرّمايا
(٧٦) وقوله: (( ٣ )) [البسيط]
لو كنت أسود مثل الفيل هامته ... عبل الذّراعين في غرموله كبر
كانت حوائج مثلي عندكم قضيت ... لكنني أبيض في أيره قصر
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
أقولها بالغة ما عسى ... والطبل لا يضرب تحت الكسا (( ٥ ))
قاضيك إن لم تخصه فاقصه ... أولا فلا يحكم بين النّسا (( ٦ ))
وقوله: (( ٧ )) [الطويل]
فيا من لراج أن تبيت مغذّة ... ببيداء دون الماطرون ركابه
وقامت جبال الثّلج زهرا كأنّها ... سفائن في بحر يعبّ عبابه (( ٨ ))
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
وقد شرقت زرق الأسنّة بالدّما ... وأنكر حدّ المشرفيّ قرابه
فكم أمرد خطّ الحسام عذاره ... وكم أشيب كان النجيع قرابه (( ٢ ))
ومنهم:
٢٢- إسحاق بن أبي البقاء، يونس بن عليّ بن يونس، فتح الدين، أبو محمد
من كتّاب إنشاء الملك الناصر بن العزيز، وكان في فلك أولئك الجماعة له تبريز، وله تخيّل لطيف، وتحيّل طريف، إلّا أنّ مدده ضعيف، وجدده مخيف.
يدفق محاربه نزز (( ٣ )) ، وتمام معانيه عوز. ومن شعره الرقيق، وخمره الرحيق، قوله مما أنشد له ابن سعيد: [الخفيف]
أدغموا الذّابلات في مثلها من ... هم وفي المثل يحسن الإدغام
وأمالوا إليهم ألفات النّبع ... حتى لم تحمهم منه لام
وقوله: [الطويل]
وما زلت من حيث استقلّت بك النوى ... أسائل أنفاس الصّبا عنك والبرقا
ومن كلفي بالشّرق لما حللته ... توهّم قوم أنني أعبد الشّرقا
ومنهم:
٢٣- عون الدين، سليمان بن عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله بن الحسن بن العجمي (( ١٣ ))
ولي الشام أيام الناصر المذكور، وهو من أكابر بيوت حلب (٧٧) ، وممن ينفق له كل جلب. وهو ممن قتله سيف السيف السامري، وأطاح دمه الفري، ورماه بأيدته، وعرّاه من فائدته، حتى صار عرضه بما بذل منه منديلا لكل ماسح، وبئرا يدلي فيه كل ماتح. ولم يرع له بيتا لا يغمط حقّه، ولا يجحد سبقه. ومن شعره ما أنشده له ابن سعيد، وهو قوله: (( ١ )) [الوافر]
لهيب الخدّ حين بدا لعيني ... هوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالا ... وها أثر الدّخان على الحواشي
ومنه قوله، وقد رمى رجلا بما رماه به السامريّ من الداء العضال، والمرض الذي لا يشفى منه إلا ماء الرجال، وهو المعروف المنكور، والمنسيّ المذكور، والفضاء الواسع لوقع المهنّدة الذّكور. والذي قاله: [السريع]
ابن القطيمي له فقحة ... شيعيّة تصبو إلى القائم
أبخل من كلب ولكنّه ... بجحره أكرم من حاتم
ومنه قوله: [البسيط]
وكلما لجّ طرفي في تأمّله ... ليشتفي القلب قال الحسن كيف ترى
هذا الذي أبدع الرحمن صورته ... ولا تفاوت فيه فارجع البصرا
ومنه قوله: [الكامل]
تمّت محاسنه بمرسل صدغه ... فالصبر عنه بشرعه منسوخ
رشأ يلوح البدر من أطواقه ... حسنا ومن وجناته المرّيخ
ومنه قوله: [السريع]
يا لائمي في حبّ ذي عارض ... ما البلد المخصب كالماحل
يجول ماء الحسن في خدّه ... فيقذف العنبر بالسّاحل
ومنه قوله، وقد قال له الملك الناصر بن العزيز: أنت من أهل البيت: (( ١ )) [الطويل]
(٧٨) رعى الله ملكا ما له من مشابه ... يمنّ على العافي ولم يك منّانا (( ٢ ))
لإحسانه أمسيت حسّان مدحه ... وكنت سليمانا فأصبحت سلمانا
ومنهم:
٢٤- محيي الدين بن زيلاق الموصليّ. وهو أبو العزيز يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة، العباسيّ (( ١٣ ))
الشريف قدرا، الشّريد شعرا، الشهيد الذي قتل صبرا. قتله التتار حين ملكوا الموصل قتلا بالسيف، يطيل النجم لنومه تسهيدا، ويحيي الشفق بدمه على ثوبه شهيدا. وهو ممن ضرب في النّسب بعرقه، وأخذ من الأدب بحقّه، وتمّم مذهب الكرم بخلقه أيّ معنى لمرتحله، أو معنى لم يحلّه، أو طيّب محرّم على سواه لم يحله.
وشعره قريب التناول على الأفهام، قريب يعدّ من الإلهام. طاف الآفاق له طيف زائر، وشقّ الأقطار بجناح طائر. وهو لميل النفوس إلى سماعه، وميل الرءوس بإيقاعه، كأنّما اشتقّ من كلّ البلاد، وشقّ ليجتبيه كلّ فؤاد، سواء العاكف فيه والباد، والمتروّي منه والصاد.
قلت: وقد ذكره ابن الفخر عيسى الإربلي في تذكرته، وهي التذكرة الفخرية، وقال: (( فارس مبارز في حلبات الأدب، وعالم مبرز في لغة العرب.
شعره أحسن من الروض جاده الغمام، وأزهى من اللؤلؤ الرطب زانه النظام. قال:
وعاشرته مدّة فملأ سمعي ببدائع فرائده، التي هي أحسن من الدّرّ في قلائده.
وطلبت منه الإجازة فاعتذر اعتذار خجل، وأطرق إطراق وجل، وقال: أنا والله أجلّك عن هذا الهذر، وأنت أولى من عذر (( ١ )) وسريع الاعتلاق بالخواطر، والاعتلاج في الضمائر. ومن مشهود قدره، في مشهور شعره، قوله: (( ٢ )) [الطويل]
بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنى ... سهادا يذود الجفن أن يألف الجفنا
وأبصر جسمي حسن خصرك ناحلا ... فحاكاه لكن زاد في دقّة المعنى
ومنه قوله: [الكامل]
يوم تكاثف غيمه فكأنّه ... دون السّماء دخان ندّ أخضر
(٧٩) والطّلّ مثل برادة من فضّة ... منثورة في تربة من عنبر
والشمس أحيانا تلوح كأنّها ... أمة تعرّض نفسها للمشتري
ومنه قوله: [الطويل]
أدرها فدمع المزن قد أضحك الرّبى ... ونظّم درّ النظم درّ الغمائم
وقد آن للإصباح أن يصدع الدّجى ... كذا حدّثتنا عنه ورق الحمائم
ومنه قوله، وأحسن: [البسيط]
إنّي لأقضي نهاري بعدكم أسفا ... وطول ليلي بتسهيد وتعذيب
جفن قريح وقلب حشوه حرق ... فمن رأى يوسفا في حزن يعقوب
ومنه قوله: (( ١ )) [المنسرح]
أحور يجلو الدّجى تبسّمه ... أسمر يحلو بذكره السّمر
جوامع الحسن فيه كاملة ... فالقلب وقف عليه والبصر (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
وإذا شكوت من الزّمان ومسّني ... ضيم ونكّس صعدتي إعصار
وعلمتم أني بكم متعلّق ... فعلى علاكم لا عليّ العار
ومنه قوله: [الوافر]
فبات يمجّني عذبا شهيّا ... كأن رضابه ضرب وراح
إلى أن رقّ جلباب الدّياج ... وقرّت في تبسّمها الرياح
ومنها:
وأخشى أن ينمّ بنا ضياء ... يكون لسرّنا فيه افتضاح
فقلت: أقم، فدتك النفس، عندي ... فإن لم تبد لم يبد الصباح
ومنه قوله: [الكامل]
قد زخرفت في وجنتيه جنّة ... أنس النفوس بها وحظّ الأعين
يا موسرا من صنف كلّ ملاحة ... أظفرت من هذا الزّمان بمعدن
أبدأت في وصلي فهلّا عدت لي ... وكسوتني سقما فهلّا عدتني
ووعدتني عطفا عليّ فلم أطب ... نفسا، إنّ عطفك ينثني
(٨٠) ومنه قوله: [الخفيف]
ما أهتدي بعدكم رقادا إلى جف ... ني ولا أهتدي السّلوّ لبالي
وحياتي بعد الفراق دليل ... أنّ موت النفوس بالآجال
ومنه قوله: [السريع]
هل أنت يا وفد الصّبا مخبري ... بربع أحبابي متى روّضا
وهل أقام الحيّ من بعدنا ... مخيّما بالجزع أم فوّضا
وأنت يا بارق نجد إذا ... أضأت جيرانا بذات الأضا
فقل لهم: ذاك الغريب الذي ... أمرضتموه بجفاكم قضى
حاشى لذاك الوجد أن ينقضي ... وعهدنا بالخيف أن ينقضا
ويا شفاء النّفس لو أنّه ... كان طبيب الدّاء من أمرضا
أحبابنا منذ وداع اللّوى ... لم ألق عيشا بعدكم يرتضى
ولا رأت عيناي مذ غبتم ... يوما كأيّامي بكم أبيضا
ومنه قوله: (( ١ )) [المنسرح]
بمن كسا وجنتيك من حلل ال ... حسن رياضا نسيمها عبق
لا تثن عطفا إلى الوشاة فما ... سلاك قلبي لكنّهم عشقوا
أنت بحالي أدرى وحالهم ... قد وضّحت في حديثنا الطّرق
ما كنت يوما إليك معتذرا ... لو أنهم في حديثهم صدقوا
ومنه قوله: [البسيط]
نقشت أناملها وأنبت خدّه ... وردا يزيد ملاحة عن عهده
فإذا أشارت بالغناء بدا لنا ... مخضرّ آس بنائها من ورده
ومنه قوله، مما أنشده له ابن سعيد: [الطويل]
ومن عجبي أن يحرسوك بخادم ... وخدّام هذا الحسن من ذاك أكثر
عذارك ريحان وثغرك جوهر ... وخدّك كافور وخالك عنبر
(٨١) ومنه قوله من قصيدة مطولة، ضمنها ذكر دمشق: (( ١ )) [الكامل]
أدمشق لا زالت تجودك ديمة ... يرفّ بها زهر الرياض ويونق (( ٢ ))
أنّى التفتّ فجدول متسلسل ... أو روضة مرضية أو جوسق (( ٣ ))
يشدو الحمام بدوحها فكأنّما ... في كلّ عود منه عود يخفق
وإذا رأيت الغصن ترقصه الصّبا ... طربا رأيت الماء وهو يصفّق
فحمامها غرد ونبت رياضها ... خضل وركب نسيمها مترفّق
وترى من الغزلان في ميدانها ... فرقا أسود الغيل منها يفرق
والقاصدون إليه إمّا شائق ... متنزّه أو عاشق متشوّق
لا تخد عنّ فما اللّذاذة والهوى ... ومواطن الأفراح إلا جلّق (( ١ ))
ثم أعقب هذه القصيدة برسالة منها: (( ٢ ))
(( حتى إذا بلغت النفس أمنيتها، وأقبلنا على دمشق فقبّلنا ثنيّتها، رأينا منظرا يقصر عنه المتوهّم، ويملأ عين النّاظر، المتوسم: ظلّ ظليل، ونسيم عليل، ومغنى بنهاية الحسن كفيل. يطوى الحزن بنشره، ويصغر قدر البلاد (( ٣ )) دون قدره، فيصغر عن صفته شعب بوان، ويغمد في مفاضلته (( ٤ )) سيف غمدان، ويبهت لمباهاته نظر الإيوان. فالأغصان مائسة في سندسيّها، متظاهرة بفاخر حليها. قد ألقحتها الأنهار فأثقلتها بحملها، ولا عبتها الصّبا، فتلقّت كلّ واحدة بمثلها (( ٥ )) . فسرنا منها بين جنّات كظهور البزاة، وجداول كبطون الحيّات. قد هزّ الشوق أطيارها فصدحت، وحرّك النسيم رباها فنفحت، وحنّت علينا (( ٦ )) أفنانها حنوّ الوالدات على الفطيم، وحجبت عن معارضتنا الشمس (( ٧ )) وأذنت للنسيم، فإذا أصابت شمسها فرجة، لاحظتنا ملاحظة الحياء، وألقت على (( ٨ )) فضّة الماء شعاعها، فصحّحت صناعة الكيمياء. ثم أفضينا إلى فضاء قد أثرى من الرّوض
ثراه، وغني عن منّة السّحاب ذراه، قد تشابه فيه (٨٢) الشّقيقان خدّا وزهرا، واقترن الباسمان (( ١ )) أقاحا وثغرا، وتغاير أخضراه آسا وعذارا، وأصفراه عاشقا وبهارا، فأيّ همّ لا تطرده أنهاره المطّردة، وفرح لا تجلبه أطيارها المغرّدة. ولمّا وصلنا إلى محلّها الذي هو مجتمع الأهواء، ومقرّ السّرّاء، ومقنص (( ٢ )) الظّباء، واستوطنّا وطنها الذي هو للظامي نهله، وللمستوفر عقله. [الطويل]
أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنّينا فكنت الأمانيا
وهذا مع إكثاره لا يبلغ اليسير من نعتها، وما يري آية من الحسن إلا هي أكبر من أختها.
ومن شعره قوله: [الكامل]
هذا فؤادي في يديك تذيبه ... غادرته عرض الهموم تصيبه
ما كان يبلغ من أذاه عدوّه ... ما قد بلغت به وأنت حبيبه
تهدي الشّفاء له وأنت نعيمه ... وتزيده مرضا وأنت طبيبه
وسرى النّسيم فهزّ عطف غرامه ... إذ كان من جهة الحبيب هبوبه
ومنه قوله: (( ٣ )) [المنسرح]
حياة وجدي ماء بوجنته ... ما كدّرت صفوه يد الكدر (( ٤ ))
إن يطل الفكر في توردّها ... فذاك والله موضع النّظر
ومنه قوله: (( ١ )) [الطويل]
دعاه يشم برقا على الغور لائحا ... يضيء كما هزّ الكماة الصّفائحا
ولا تمنعاه أن يمرّ مسلّما ... على معهد قضّى به من العيش صالحا
فماذا عليه أن يطارح شجوه ... حمائم فوق الأيكتين صوادحا (( ٢ ))
بعيشكما هل في النّسيم سلافة ... فقد راح منها القلب ريّان طافحا (( ٣ ))
وهل شافهت في مرّها روضة الحمى ... فإنّا نرى من طيّها النّشر فائحا (( ٤ ))
وقوفا فهذا السّفح أسقي ربوعه ... دموعا كما شاء الغرام سوافحا (( ٥ ))
منازل كانت للشّموس مطالعا ... وللغيد من أدم الظّباء مسارحا
(٨٣) ومنه قوله: [الطويل]
وإن سفحت عيناي دمعي أحمرا ... فلا عجب سيل العقيق من السّفح
أيجعله الواشي على الوجد شاهدا ... وحمرته في الجفن تشهد بالجرح
ومنه قوله: [الكامل]
يا مانحي طول السّقام ومانعي ... بجفاه ورد رضابه المعسول
ما صار وجهك للمحاسن جامعا ... إلّا وثغرك قبلة التّقبيل
وحكى الإمام الفاضل أبو العباس، ابن العطار، أن ابن زيلاق أهدى إلى بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل، جملا، وكتب معه إليه يداعبه: [مجزوء الرجز]
يا أيّها الملك الذي ... ببابه كلّ أمل
لو لم تكن بدرا لما ... أهدى لك الثور الجمل
ومنهم:
٢٥- أبو بكر بن عدي بن الهيذام الموصلي
قوّس بالمعاني حتّى تهوّس، وتعالى في تشييد المباني حتى تنكّس. عرض له وسواس اختل به نظام عقله، ونقص تمام فضله، وكان لا يخلو في جنونه من طرف أفرح من البساتين، وألطف ما يحكى عن عقلاء المجانين. ثم زاد يبس مزاجه، ويئس من علاجه، فأتى جبلا ألقى نفسه من شاهقه فهلك، وحلّ رمسه لا ينتفع بما ملك، وقد أنشد له ابن سعيد قوله: [الخفيف]
أنا صبّ وماء عيني صبّ ... وأسير من الضّنى في قيود
وشهودي على الهوى أدمع العي ... ن ولكنّني قذفت شهودي
ومن شعره قوله: [مجزوء الكامل]
أفدي الذي ناديته ... وركابه بيد النّوى
مولاي حبّك نيّتي ... ولكلّ عبد ما نوى
ومنهم:
٢٦- أحمد بن محمّد بن الوفا، ابن الحلاوي، الربعيّ الموصليّ (( ١٣ ))
شرف الدّين، أبو الطّيّب، ذو الصّناعة التي لها لذاذة في الذوق، وحلاوة (٨٤) في مرارة الشّوق. لم ترم بضاعته بالكساد، ولا صناعته بالفساد. على
أنّها صناعة حلاوي ما عرفتها العرب، ولا ألفتها في مأدبات الأدب، ولا ألّفتها الألباب من لباب البرّ والضّرب، ولا جادت بتقريبها ذات جفون ولا جفان، ولا جاءت بضرب من ضربها شفة ولا لسان. ولا تطاول إلى منّها الحلاويّ حلاويّ الأري والشّراب، ولا ندّ مثل عبقها في نادي الأعراب. ولا ذاقت العين شبيه طعم حلاوتها في صحون خدود الكواعب الأتراب، ولا تجاسر النخل أن يساقط رطبه الجنيّ لمقابلتها، ولا النّحل أن يعرض شهده الشّهيّ لمشاكلتها، ولا مكرر السكران يبرز من غلفه الملبسة لمماثلتها. ومن معموله الغالي، وقوله العالي، ما أنشده له ابن سعيد: (( ١ )) [الطويل]
كتبت فلولا أنّ هذا محلّل ... وهذا حرام، قست لفظك بالسّحر (( ٢ ))
فو الله ما أدري أزهر خميلة ... بطرسك أم درّ يلوح على نحر
فإن كان زهرا فهو صنع سحابة ... وإن كان درّا فهو من لجّة البحر
وكان له فرس أصابه داء الحمر لزيادة علفه، فأمر غلامه أن يسيّره ليخفّ ثقله، فأهمل الغلام ما أمره به، فتشبّك صدره، فلام الغلام، فادّعى أنّه سيّره، فقال: (( ٣ )) [مجزوء الرجز]
ابن الحلاويّ أنا ... دع قولك المعلّكا
لو أنّه مسيّر ... لما غدا مشبّكا
ومما اخترته من شعره قوله، مما كتب به إلى بدر الدّين لؤلؤ، صاحب الموصل، ليلة نصف شعبان: [الطويل]
أتى للهنا ابن الحلاويّ مادحا ... بنادر شعر فيكم محكم الرّصف
يهنّيك بالنّصف الذي أنت بدره ... وقد حاز في أشعاره غاية اللّطف
ففي النّصف أبهى ما يرى البدر طالعا ... وأحسن معمول الحلاويّ في النّصف
(٨٥) ومنه قوله يخاطب شخصا اسمه الركن: [الوافر]
على دار السّلام وأنت فيها ... لأجلك دائما مني السّلام
بقربك لذّ لي فيها مقامي ... ولولا الرّكن ما طاب المقام
ومنه قوله في مليح قصّر شعره: [الكامل]
قصّرت شعرك كي تقلّ ملاحة ... فكساك أبهى الحسن وهو مقصّر
وقطعته ليقلّ عنّا شرّه ... والإثم أقتله القصير الأبتر
ومنه قوله: (( ١ )) [الطويل]
يهدّد منه الطّرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الرّيق من لا يذوقه
حكى وجهه بدر السّماء فلو بدا ... مع البدر قال النّاس هذا شقيقه
ومنه قوله: [الكامل]
أطلقت أدمع عينه يوم النّوى ... وفؤاده أحكمت شدّ وثاقه
أسهرته وأسلت مقلته دما ... أترى ذبحت النّوم في آماقه
ومنه قوله: (( ٢ )) [الكامل]
أحيا بموعده قتيل وعيده ... رشأ يشوب وصاله بصدوده
لم أنسه إذ جاء يسحب برده ... والليل يخطر في فضول بروده
والصّبح مأسور، أجدّ لأسره ... جنح الظّلام تأسّفا لفقيده
فالليل يرفل في ثياب حداده ... والصّبح يرسف في وثاق حديده (( ١ ))
ولذاك لم تنم النّجوم مخافة ... من أن يفادي الصّبح فكّ قيوده (( ٢ ))
ما زال يرشفنا شقيقة ريقه ... طيبا، ويلثمنا شقيق خدوده
حتى تحكّم في النّجوم نعاسها ... والتذّ كلّ مسهّد بهجوده
ومنه قوله: (( ٣ )) [الطويل]
يقولون يحكي البدر في الحسن وجهه ... وبدر الدّجى عن ذلك الحسن منحطّ
كما شبّهوا غصن النّقا بقوامه ... لقد بالغوا في المدح للغصن واشتطّوا (( ٤ ))
(٨٦) ومنه قوله، وقد عرّف النور السهرزوري بينه وبين بدر الدين لؤلؤ في أيّام العشر: [الطويل]
وعشر رأيت البدر فيه مجالسي ... وأعجب شيء رؤية البدر في العشر
هداني إليه النّور حتى أتيته ... ولا عجب إن دلّ نور على بدر
ومنه قوله، مما كتب إلى الصّاحب بهاء الدّين زهير: [البسيط]
تجيزها وتجيز المادحين بها ... فقل لنا أزهير أنت أم هرم
ومنه أخذ الصاحب جمال الدين بن مطروح فقال: [الوافر]
أقول وقد توالى منك برّ ... وأهلا ما برحت لكلّ خير
ألا لا تذكروا هرما بجود ... فما هرم بأكرم من زهير
ثم رجع إلى تتمّة ما اخترنا لابن الحلاوي. ومنه قوله وقد خلع عليه خلعة صفراء فكرهها، وبوجه الوجل شبّهها: [الكامل]
فعلام ألبس من فواضل جودكم ... ما لا يليق بهمّتي وفخاري
صفراء أنبأ لونها لما أتت ... بقصور حجّتها عن الإعذار
ومنه قوله في الشّبّابة، وأجاد في التضمين، ووفّى من الإجادة بما هو به ضمين: (( ١ )) [الطويل]
وناطقة خرساء باد شحوبها ... تلقّفها عشر وعنهنّ تخبر (( ٢ ))
يلذّ على الأسماع رجع حديثها ... إذا سدّ منها منخر جاش منخر (( ٣ ))
ولم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
ومنه قوله مما كتب به إلى بعض أصدقائه يستعين به في عاريّة صوان له من شخص كان يصحبه من الأمراء: [الطويل]
أريد من المولى الأمير الذي سرت ... مواهبه بين الورى سير عدله
أخا سفر ما حلّت الشّمس وجهه ... من الأرض إلّا صدّها قدر شكله
فكن مسعدي فيما طلبت فمقصدي ... بأنّي لا أنفكّ من تحت ظلّه
(٨٧) ومنهم:
٢٧- مجد الدّين بن الظّهير (( ١٣ ))
هو أبو عبد الله، محمّد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر، الإربليّ، الحنفيّ. إمام الأدب إذا أتى كلّ أحد بإمامه، وملك البيان الآخذ بزمامه، وبدر السّماء الذي لا يغتاله النّقص عند تمامه، وبحر العلم الذي يسير في الآفاق بغوث غمامه، ويسري في الخواطر التي لا تسري خطراتها إلّا بزمامه. ولد بإربل وأخذ عن أدبائها. وأقام بعانة محمّلا لصهبائها. ثمّ أتى دمشق واستوطنها، واستوطى وطنها، وكان حرزا للبّتها، وكنزا لطلبتها. ودرّس بالقيمازيّة مدّة سنين، تنشر به الفتاوى عذبها، وتحيي موات الأموات أدبها.
ذكره ابن اليونيني رحمه الله، وقال: (( وكان وافر الدّيانة، دمث الأخلاق، حلو النادرة، كثير الصّدقة، صحبته في طريق الحجاز الشّريف سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ورأيت من جميل أوصافه ما يجتمع في غيره )) .
قلت: وهو شيخ شيخنا شهاب الدّين أبي الثناء محمود، وعنه أخذ، ومنه فلذ. وأنشد مما أنشده قوله: (( ١ )) [الكامل]
صبرا كمال الدين يا من حلمه ... أرسى من الطّود المنيف وأرسخ
غشّى السّرار أخاك قبل تمامه ... ضنّا بمجدك أن يكون له أخ
وقوله: (( ٢ ))
طاف بدر الدّجى بشمس النّهار ... في رياض أنيقة النّوّار (( ١ ))
وأتانا بها يقدّ أديم ال ... ليل منها صوارم الأنوار
جاء يسعى بها إلينا وقد خا ... طت يد اللّيل أعين السّمّار (( ٢ ))
وكأنّ النّجوم نور رياض ... وكأنّ المرّيخ شعلة نار
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
ما شانه الألم الملمّ ولم يزل ... لأليم أدواء القلوب طبيبا
فالرّيح تزداد اعتلالا كلّما ... هبّت ولا تزداد إلّا طيبا
وقوله: (( ٤ )) [الخفيف]
أكثر اللّوم في الحبيب أناس ... عيّروني ببذله بعد منع
قلت شمس الضحى أشدّ ابتذالا ... وهي محبوبة إلى كلّ طبع
وقوله، مما كتبت إليه من العلا سنة حجّه: (( ٥ )) [الطويل]
بلغنا العلى والشوق يحدو ركابنا ... وذكركم زاد لنا وسمير
لعلّ النّوى ينجاب عنّا ظلامها ... فتدنو ويبدو للعيون سنير (( ٦ ))
وتروى أحاديث الغرام صحيحة ... وتروى بكم بعد الغليل صدور
وتحدث في اللّقيا أمور عجيبة ... وتحدث من بعد الأمور أمور
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
أما والمطايا في الأزمّة تمرح ... وقد شفّها طول السّرى فهي طلّح
يتمّم من أرض الحجاز منازلا ... لها دونها مسرى فسيح ومسرح
قسيّ عليها كالسّهام سواهم ... كرام كما أمسوا على النّوق أصبحوا (( ٢ ))
يميل بهم سكر السّهاد كأنّما ... على كلّ كور غصن بان مرنّح
ومنه قوله: (( ٣ )) [الكامل]
نم لا جناح عليك في سهري وما ... ألقاه في ليلي الطويل وجنحه
طرفي وقلبي، ذا يفيض دما، وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه (( ٤ ))
وهما بحبّك شاهدان وإنما ... تعديل كلّ منهما في جرحه (( ٥ ))
والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحّه
وقوله: (( ٦ )) [الطويل]
وإن لم أكن يا أهل ودّي مكاتبا ... فما أنا من أسر الصّبابة معتق
وقوله: (( ٧ )) [الكامل]
طلق المحيّا والوجوه عوابس ... صفو الموارد والزّمان مكدّر
ما كان فعلك في النّدى متعدّيا ... إلّا وأنت لكلّ خير مصدر
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
أحبابنا والدار منكم قريبة ... هل الوصل يوما إن دعوت مجيب
وهل عندكم حفظ لعهد متيّم ... حليفاه منكم لوعة ونحيب
(٨٩) يحنّ إليكم والخطوب تنوشه ... ويشتاقكم والنّائبات تنوب
له أنّة لا يملك الحلم ردّها ... إذا هبّ من ذاك الجناب جنوب
وقوله مما أنشده ابن اليونيني له: (( ٢ )) [الخفيف]
قد دفعنا إلى زمان لئيم ... لم ننل منه غير غلّ الصّدور
ورثاه تلميذه شيخنا شهاب الدين أبو الثنا محمود الكاتب بقصيدة منها: (( ٣ )) [الطويل]
ألا في سبيل الله من ضيم بعده ... حمى المجد حتى لان للجهل جانبه
وفي ذمّة الرّضوان بحر ندى غدت ... مشرّعة للواردين مشاربه
ولله من فاق المجازين سعيه ... ومن أدرك المجد المؤثّل طالبه
بكته معاليه ولم ير قبله ... كريم مضى والمكرمات نوادبه
ولا غرو أن تبكي المعالي بشجوها ... على المجد إذ أودى وهنّ صواحبه
أما والذي أرسى كثيرا وحلمه ... لقد طاش حلمي يوم زمّت ركائبه
وقد كدت أن أقضي غراما كما قضى ... فؤادي الذي قد أدرك الفرض واجبه
ومنهم:
٢٨- الجلال ابن الصفّار الدنيسري (( ١٣ ))
كتب الإنشاء بماردين، وخدم ملوكها عدد سنين. وكان صاحب قلم أبقي البيان في روعه، وأبقى الإحسان في نوعه. لكنّه ممّن رجحت كفّة شعره في الوزن، وصلحت نفائس درّه للخزن. ولما ماج طوفان التتار بديار بكر، غرق في سيلهم العرم، وتقطّع بسيف موجهم المزدحم. واستتر فما نفعه الاستتار، وحذر وأبى الله إلّا أن يقتل بسيوف التّتار. وأنشد له ابن سعيد: (( ١ )) [الكامل]
تعلّقته أمّيّ حسن فما له ... أتى بكتاب ضمنه سورة النّمل (( ٢ ))
ومالي أنا المجنون فيه وشعره ... إذا مرّ بالكثبان خطّ على الرّمل
وأنشد له: (( ٣ )) [الكامل]
فمتى تقوم قيامتي بوصاله ... ويضمّ شملينا معاد شامل
وأكون من أهل الخطايا؛ خدّه ... ناري، وصدغاه عليّ سلاسل
(٩٠) وحكى لي بعض أصدقائه: استدعاه إلى مجلس شراب، ومكنس غزلان وأتراب، على أنّه يأتيه صبيحة عنده، ليقضوا يومهما في لذّة العيش ورغده، وقدّم إليه الوعد من العشاء، والليل تزهر نجومه، ويصابر السّهر نومه.
فلما نصّف الليل، جاءت السّحب ترقص في أعنّتها، وأصليت سيوف البروق للنجوم وأسنّتها. فأصبحت الأرض قارورة، وقطعت عن الجماعة في الفرض
الضّرورة، وخاف عتب صديقه، فكتب إليه، والحال يشهد بتصديقه: [الخفيف]
حال بيني وبينك حالا ... ن وحول وقرب عهد عهاد
وكأنّ الطريق ليل محبّ ... وكأنّ السّماء كفّ جواد
ومن شعره قوله: (( ١ )) [المتقارب]
هل اختط فانآد غصنا وريقا ... غرير حكى الكأس ثغرا وريقا
أم الصّدغ لما صفا خدّه ... تمثّل فيه خيالا دقيقا
حججت إلى كعبة الحسن منه ... ووجّهت وجهي إليه مشوقا (( ٢ ))
وقبّلته فوردت العذيب ... وحزت الثّنايا وجئت العقيقا
ومنه قوله: [المنسرح]
حلا بأفواهنا مقبّله ... وإنّما في عيوننا ملحا
يدير من خدّه ومن يده ... وفيه، من كلّ واحد قدحا
ومنه قوله في فحم يوقد: [الطويل]
تذكّرت أيّام الشّباب الذي مضى ... تمنّيته لّما ترنّح أغصنا
فأزهر منه الآبنوس بنفسجا ... وأثمر عنّابا وأورق سوسنا
ومنه قوله: [السريع]
ويوم قرّ ندّ أنفاسه ... تمزّق الأوجه من قرصها
يوم تودّ الشّمس من برده ... لو جرّت النّار إلى قرصها
ومنه قوله: [المتقارب]
ويوم حواشيه مضمومة ... علينا تحاذر أن تفرجا
(٩١) قبصت والتفتّ أريد ... أختها فاحتمت بالدّجى (( ١ ))
وقوله: [البسيط]
حتى إذا اخضرّ من ماء الشّباب عذا ... راه كما احمرّ خدّاه من الخجل
خافت زمرّد عينيه ذؤابته ... فاستخبأت خلفه فهي ابنة الجبل
وحكي عنه أنّه حضر مجلسا، وقد طلعت في أفقه شهب الأقداح، وكتم الزهر شذاه ففاح. والجوّ قد لبس ثوب السّحاب المصندل، وشبّ على حور الرّوق المندل، ومال يتناثر من القطر عنقوده المهدّل، ومن دونه الرّباب، مسحّف (( ٢ )) به ذيل السّحاب، كسرب قطا تعلّق بالأحبل، أو قطيع نعام تعلّق بالأرجل، فقال: [البسيط]
كنّا نبيت نشاوى من مدام هوى ... عذراء لم نفترع كأسا ولا جاما
ونجتني الورد حتى لان مسمعه ... للنّاس فازددت من واشيه نمّاما
أما ترى الروض نسّاجا ملاءته ... على الثّرى وغمام المزن رقّاما
إذا تناثر سلك الطّلّ كان له ... في مثله من أصول الدّوح نظّاما
جمر ألمّت بخمريّ البنفسج في ... أسيّه يد سار هبّ نسّاما
ففتّقته جيوبا حين صار له ... نشر اللّطائم لّما انشقّ أكماما
وقوله: [البسيط]
ألمّ طيفكم وهنا فحيّاني ... وظنّ أنّ الكرى من بعض سلواني
ولم أنم غير أني متّ من كلفي ... بكم فلما ألمّ الطّيف أحياني
وقوله: [الكامل]
لا تخش من عين الكمال فما انتهت ... بك غاية إلّا وأنت الأفضل
وإذا بلغت فلا تزال زيادة ... لك في العلى فمتى تتمّ وتكمل
وأنشد له ابن سعيد: [الطويل]
وو الله ما أخّرت عنك مدائحي ... لأمر سوى أنّي عجزت عن الشّكر
(٩٢) وقد رضت فكري مرّة بعد مرّة ... فما ساغ أن أهدى إلى مثلكم شعري
فإن لم يكن درّا فتلك نقيصة ... وإن كان درّا كيف يهدى إلى البحر
ومن شعره قوله: [البسيط]
أحبابنا هل لأوقات لنا سلفت ... بقربكم، والتئام الشّمل عودات
بنتم فلا البان ميّاس يرنّحه ... مرّ النّسيم ولا الرّوضات روضات
وربّ دير طرقنا بابه سحرا ... وللنّواقيس في أعلاه أصوات
فقال راهبه من ذا؟ فقلت له: ... قوم إليك لهم في الدّير حاجات
فقام يسعى إلى إكرامنا عجلا ... وقال: بشرى لكم عندي المسرّات
فاشرب على وجه من تهوى مشعشعة ... بنورها تهتدي الزّهر المنيرات
كأنّها الشّمس نورا والمدير لها ... بدر الدّجنة والأقداح هالات
ومنه قوله: [البسيط]
لم يبق منّي الضّنى رسما ولا طللا ... سوى رسوم بقت من جسمي البالي
فخلّني أجر رسم الرّسم سحب دم ... فالدّمع دمعي والأطلال أطلالي
ومنه قوله: [الخفيف]
حزني من أقاح مبسمه العذ ... ب وويلي من طرفه النّرجسي
أسرتني طليعة بلواء ... أخضر، من عذاره الخارجي
ومنه قوله: [الكامل]
ما إن عليهم في الهوى درك ... حقنوا دم العشّاق أم سفكوا
وصلوا كلمعة بارق خطفت ... وجفوا فما أبقوا ولا تركوا
قال الوشاة سلا، وأدمعه ... يشهدن أن وشاته أفكوا (( ١ ))
ما ضرّه والعذر مجتنب ... لو أنّه بالعهد يمتسك
يجلو عروسا كلّما دمع الر ... راووق أبدى ثغرها الضّحك
كانت من الأقداح طائرة ... لولا بها من لؤلؤ سبك
(٩٣) ومنه قوله: [الكامل]
ومهفهف لدن المعاطف جسمه ... ماء ولكن قلبه جلمود
عبث الهواء بعطفه وهو الصّبا ... فأماله المقصور والممدود
في قدّه والرّدف منه تنازع ال ... حقف المهيل وناضر أملود
حتى إذا ما طال ذلك منهما ... قطع التنازع بنده المعقود
ومنه قوله: [الكامل]
لي من محيّاه البهيّ ومن ... أجفان عيني الرّوض والمطر
من ريق مبسمه وشاربه ... ماء الحياة العذب والخصر
ومنهم:
٢٩- يوسف بن بركة بن سالم الشيبانيّ، التلعفريّ (( ١٣ ))
شهاب الدين أبو المحاسن. وأبوه يعرف بابن عرّاج. رجل خضعت له رقاب المعاني، وطمعت أنها لشهب السّماء تداني، بهمّة بلّغتها ما أرادت، وسوّغتها المنى وزادت. وكان لا يرتفع عليه رأس أديب، ولا يمتنع عليه لمن شمخ منهم أنفه تأديب. وتصالت معه تصالي الكواكب في مطلع الفجر، وتخاضعت له تخاضع العشاق في الهجر. ومدح ملوك بني أيّوب، ومتح ماءهم الشّروب، ومنح منهم ثقل الأردان والجيوب، وصحبه الأشرف، ووهبه فأسرف، وكان بآل بيت النبوّة كلفا متواليا، وشغفا مغاليا. لا يرى إلّا آل أحمد شيعة لإسعاده، وذريعة في معاده، وأنشد له ابن سعيد قوله: (( ١ )) [الكامل]
وإذا الثّنيّة أشرقت وشممت من ... أرجائها أرجا كنشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حديثها ال ... مرفوع عن ذيل الصّبا المجرور (( ٢ ))
ومن شعره قوله: (( ٣ )) [الكامل]
ربع علقت به وربع شبيبتي ... نضر وفودي ليله لم يقمر (( ٤ ))
لله عصر شبيبة قضّيته ... في جوّه برحيق صرف مسكر
(٩٤) مع كلّ معتدل يرنّح صعدة ... من قدّه ويدير مقلة جؤذر
ورشيقة ممشوقة لو تقيت ... بالبدر ليلة تمّه لم يسفر
وقوله مهنّئا بعيد نحر: (( ١ )) [الطويل]
ولا تنحر الأعداء فيه مضحّيا ... ففيهم عيوب لا يتمّ بها النّحر
وبهذا ذكرت بيتين كنت كتبتهما جوابا للفاضل إلى الصفا الصفدي. فأما ما كتب به إليّ فهو مع غنم أهداها إليّ في الأضحى، وهو: [الطويل]
أتتني ضحاياك التي قد بعثتها ... لتصبح كالأعداء في بكرة الأضحى
وحسبك أعدانا كلاب جميعهم ... وحاشاك لا تجزي الكلاب لمن ضحّى
وأما ما كتبت به إليه وهو المراد هنا فهو: [الطويل]
أيا من أرجّي فيه أنّ عداته ... تبيت كما تمسي ضحاياه أو تضحي
وحقّك ما أهدي إليك أضاحيا ... ولكنّني قدّمت أعداك للذّبح
عدنا إليه. ومن شعره قوله: (( ٢ )) [الوافر]
تمتّع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرّجام
فإنّ لثالث الحالين معنى ... سوى حال انتباهك والمنام
وهذه حكمة ما فاز بطاوتها سبق اليونان، ولا عرفتها الهند ولا آباؤها إلى كنعان.
عدنا إلى قوله. ومنه (( ٣ )) [البسيط]
عج حين تسمع أصوات النواقيس ... من جانب الدّير تحت الليل بالعيس
مستخبرا عن كميت اللّون صافية ... قد عتّقتها أناس في النّواويس
يسعى بها من نصارى الدّير بدر دجى ... يميس في فتية مثل الطّواويس
فاصرف بدينارها صرف الزّمان إذا ... ونادم الشّمس من نحل الشماميس (( ١ ))
وقوله: (( ٢ )) [السريع]
أصبح قارون ولكنّه ... ما عنده يوما لراجيه خير
والله ما يملك من جبّة ... إلّا وقد نيك بها ألف أير
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
أرأيت غيرك يا حياة الأنفس ... من يحرس الورد الجنيّ بنرجس
يا من يدير بوجنتيه ومقلتي ... هـ وراحتيه لنا ثلاثة أكؤس
آنست إذ أخذ الكرى من مقلتي ... ي زمام هاتيك الجفون النّعّس (( ٤ ))
ما كنت أطمع قبلها في مثلها ... لكنّني من بعدها لم أيأس (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [البسيط]
إذا سئلت عن الدنيا وساكنها ... فقل دمشق وموسى الأشرف الملك
المستنير سنا والليل معتكر ... والمستشيط سطا والخيل تعترك
ملك تبرّ يمين المقسمين إذا ... قالوا بغير ارتياب إنّه ملك
تناقضت حالتاه فهو يوم وغى ... غرّ وفي الآراء محتنك
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
ذرني وعزمي والسّرى والعيس وال ... قفر الذي لا يهتدى لسبيله
في كلّ مشتبه الجوانب تربه ال ... مغبرّ يخفق منه قلب دليله
وقوله: (( ٢ )) [البسيط]
أفدي الذي زارني في الليل مستترا ... أحلى من الأمن عند الخائف الدّهش
ولاحت الشّمس تحكي عند مطلعها ... مرآة تبر بدت في كفّ مرتعش
وقوله: (( ٣ )) [الوافر]
إذا أمسى فراشي من تراب ... وبتّ مجاور الملك الرّحيم
فهنّوني أخلّائي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم
وقوله: وقد رأى الفلوس الأسديّة أيام الظاهر بيبرس: (( ٤ )) [السريع]
يقولون في أرض مصر الغنى ... وليس لأقوالهم مستند
وكيف يرجّى بها معدم ... غنى وعلى كلّ فلس أسد
وقوله: (( ٥ )) [الكامل]
القلب دلّ عليك أنك في الدّجى ... قمر السّماء لأنه لك منزل
(٩٦) هب أنّ خدّك قد أصيب بعارض ... ما بال صدغك راح وهو مسلسل
وقوله: (( ١ )) [البسيط]
من ضلّ في شعره يهدى بمبسمه ... وثغره البارق السّاري به ساري
رفعت عن أدمعي الشّكوى فوقّع لي ... لا ينقطع رسم هذا المدمع الجاري
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
من لي بطيف منكم إن أغمضت ... عيني يعين على الأسى ويريح
هذي الجفون، وإنّما أين الكرى ... منها؟! وهذا الجسم أين الرّوح؟!
وقوله: (( ٣ )) [الطويل]
تحيّرت لما قال نشوان عطفه ... فقلت وقد أزرى بما يثبت الخطّ
أمن لحظه أم لفظه أم رضابه ... يميل ألا إنّ الثلاثة أسفط (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [الكامل]
بعثت إليّ ودوننا رمل اللّوى ... طيفا على قتل النّفوس محرّضا (( ٦ ))
فمددت بين يديه خدّا مذهبا ... أجرى البكاء دما عليه مفضّضا
من لي بمرسلة الخيال وقد جلا ... بالوصل، ليل السّخط لألاء الرّضا
لأعيد رمّان النهود مكسّرا ... منها وتفاح الخدود معضّضا
في قوله معضّضا استخدام، ما لكلّ فكرة عليه إقدام، هو في كلّ معنى كأنما وضع بإزائه، وصنع لتمام أجزائه، والبيت الآخر تضمين من شعر السّريّ الرّفّاء، وقد جاء به طبعه العفو، لا يبين لصنعة الرّفاء فيه الرّفو.
وقوله: ))
[الخفيف]
من بني التّرك كلّما جذب القو ... س رأينا في وسطه بدر هالة (( ٢ ))
يقع الوهم حين يرمي فماتد ... ري يداه أم عينه النبّالة (( ٣ ))
قلت لما لوى ديون وصالي ... وهو مثر وقادر لا محالة
بيننا الشرع قال: سربي فعندي ... من صفاتي لكلّ دعوى دلالة
(٩٧) وشهودي من خال خدّي ومن ... قدّي شهود معروفة بالعدالة (( ٤ ))
أنا وكّلت مقلتي في دم الخل ... ق، فقالت: قبلت هذي الوكالة
ومنه قوله: (( ٥ )) [الخفيف]
يا شيب كيف وما انقضى زمن الصّبا ... عجّلت منّي اللّمّة السوداء
لو أنّها يوم الحساب صحيفتي ... ما سرّ قلبي كونها بيضاء
ومنه قوله: (( ٦ )) [الكامل]
بشقيق وجنتك الجنيّ وآسها ... عالج لواعج عاشقيك وآسها
واسمح بإرسال الرّقاد لمقلة ... أهدت إلى جفنيك كلّ نعاسها (( ١ ))
ومنه قوله: (( ٢ )) [الكامل]
قف سائلا بلوى الكثيب الأيمن ... دارا عفت فكأنّها لم تسكن
وحذار من حدق الظّباء فلم يزل ... جمر المنايا في سواد الأعين (( ٣ ))
رحلوا بواضحة الجبين إذا بدت ... فلمجتل وإذا انثنت فلمجتن (( ٤ ))
يا ظبية عشّاقها في حبّها ... لا يظفرون بغير حظّ الألسن (( ٥ ))
ليس الغرام كما عهدت وإنّه ... باق وأمّا الصّبر عنك فقد فني (( ٦ ))
أرجو خيالك والرّقاد مشرّد ... عنّي لقد أمّلت ما لم يمكن
ومنه قوله: (( ٧ )) [الطويل]
أمتلف عيني بالدّموع وبالبكا ... ومهجة قلبي بالأسى المتوقّد
تعذّب قلبي. قلت: طرفي مشرك، ... فما العذر في تعذيب قلبي الموحّد
ومنه قوله: (( ٨ )) [الخفيف]
أيّ سهم من مقلة نجلاء ... أثبتته اللّحاظ في أحشائي (( ١ ))
وخدود لو لم تنقّط بخال ... قلت: كالجلّنارة الحمراء
ومنه قوله: (( ٢ )) [الرمل]
يا خليلي خلّ دارا أقفرت ... ومحلا غاب عنه السّكّن
ودماء سفكتهنّ الدّمى ... ما سلاح العين إلا الأعين
(٩٨) ومنه قوله: (( ٣ )) [الخفيف]
لا تغر بالغوير إذ تتثنّى ... فيه أعطاف كلّ غصن وريق (( ٤ ))
واثن محمرّ خدّيك واستر ... هـ وإلّا ينشقّ قلب الشّقيق
ومنه قوله: (( ٥ )) [الخفيف]
لو رعيتم للعاشقين ذماما ... لبعثتم قبل الخيال المناما
كان ظنّي أنّ الحمائم تشفي ... فسقاني نوح الحمام الحماما
لا وأيام قربكم ما نهاني ... عنكم عاذل يطيل الملاما
كلّما قال: دعهم. قلت دعني ... لا شفى الله فيهم لي سقاما
ومنه قوله: (( ٦ )) [الوافر]
لواحظك التي تصمي الرّمايا ... سهاما حاجبيك لها حنايا (( ٧ ))
ملكت بعدل قدّك كلّ رق ... وذاك العدل جور في الرعايا (( ١ ))
ومنه قوله: (( ٢ )) [الكامل]
مذ شام سيف لحاظه مسلولا ... لا يلتقي إلّا دما مطلولا (( ٣ ))
فإذا عطا، قل: كيف فارق سربه ... وإذا سطا، قل: كيف أخلى الغيلا (( ٤ ))
ومنه قوله: (( ٥ )) [الكامل]
حدّثه عن نجد فذاك يعينه ... واسأله فيه هل تجفّ جفونه (( ٦ ))
واستمل ما تمليه نفحة روضه ... سحرا، وترفعه، إليك غصونه (( ٧ ))
ومنه قوله: (( ٨ )) [الكامل]
أألومكم في هجركم وصدودكم ... ما هذه في الهجر منكم أوّلة (( ٩ ))
قسما بكم قد حرت مما أشتكي ... حتى الدّجى وعدمته ما أطولة (( ١٠ ))
يا سائلي عن شرح حالي في الهوى ... تركي الجواب جواب هذي المسألة (( ١١ ))
يا راحلين وفي أكلّة عيسهم ... رشأ، عليه، حشا المحبّ مقلقلة
أسرت له العشاق نضرة وجنة ... بسوى اللواحظ لا تبيت مقبّلة ))
لو لم يصب صدغيه عارض خدّه ... ما أصبحت في سالفيه مسلسلة (( ٢ ))
(٩٩) وهذه القطعة من قصيدة أوّلها:
هذا العذول عليكم مالي وله؟ ... أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله
وكلّها جيّدة وهذا مختارها، وكلّها جنان وهذه ثمارها. وأتى فيها بأبيات أكثر فيها من التورية بأسماء الكتب وهو مالا أستحسنه. ولا يعدّ مع المحسنين وإن أجاد محسنه.
ورأيت بخطّ الفاضل كمال الدّين أبي العبّاس أحمد بن العطّار الشيباني الكاتب، رحمه الله، ما صورته: (( ذكر أنّ أبا الشيص كان لو قيل له: ابن من أنت؟ لقال: وقف الهوى بي حيث أنت ... البيت. ولو قيل لشهاب الدين التلعفري: ابن من أنت؟ لقال: هذا العذول عليكم ما لي وله ... ثم قال:
وهي قصيدة مشهورة سيّارة محفوظة، دائرة على ألسنة العالم. وعارضها جماعة من معاصريه، فلم يتّفق لهم ما اتّفق له من الجودة والسيرورة.
عدنا إلى تتمّة شعره. ومنه قوله (( ٣ )) [الكامل]
مهما الجفون كذا محاربة الكرى ... ما لي انتفاع بالخيال إذا سرى (( ٤ ))
كم ذا التباله في الهوى عن حالتي ... دمعي يسيل وأنت تسأل ما جرى!
وحياة حبّك إنّ قول عواذلي ... لك: إنني سال، حديث مفترى
ما كنت قبل لحاظ طرفك مثبتا ... أنّ الظباء تصيد آساد الشّرى (( ١ ))
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
أأفوز من أسر الهوى بخلاص ... كيف المناص ولات حين مناص
لي ظاعن كم دون يوم لقائه ... من فتّ أكباد وشيب نواصي
دمعي وصبري فيه، هذا طائع ... لي حين أدعوه وهذا عاصي
جرحت لواحظه فؤادي فاغتدى ... بلواحظي من وجنتيه قصاصي
ما كان يهجرني ويسرف لو رأى ... ما في الفؤاد له من الإخلاص
كم ذا التّجنّي والجفا يا درّة ال ... غوّاص أو يا ظبية القنّاص (( ٣ ))
(١٠٠) ومنهم:
٣٠- نجم الدين القمراوي (( ١٣ ))
ليث فصاحة لا يساور، وغيث سماحة لا يسارر. وجدول بيان لا تغمد قضبه، ومهمه فكر لا تتطامن هضبه، وحديقة حدق لا تشبع منه نظراتها، ومهبّ صبا لا تميل به خطراتها. وكان لا يسأم معه طول السّمر، ولا تجالس مذكراته في كلّ ناحية من وجهها قمر، بلطائف يماثل العقود فريدها، وأحاديث يودّ إذا ما انقضت أحدوثة لو يعيدها. لكنّه عصفت به ريح التتار، وشقّت طوده فما استقلّ ولا سار. وأنشد له ابن سعيد:
ويا ليل الذّؤابة ما كفاني ... تطاول حالك الليل البهيم
وحاكمت النسيم على مرور ... بعطفيه فمال مع النّسيم
ومنه قوله وهو مما يعدّ في حسن التخلّص في ممدوح اسمه علي: [الكامل]
عجبا له ثنّى على مجروحه ... وقد انتضى باللّحظ سيف عليّ
ملك غدا ودعاؤه وولاؤه ... فرض على الشّيعيّ والسّنّيّ
ومنهم:
٣١- فتيان الشاغوري (( ١٣ ))
فتيان الشاغوريّ. بحر ربّما قذف الدّرّة، وبرّ طالما طاولت الجبال منه الذرّة.
تنبه منه فطن لا يدرك له غرّة، وجرى منه سابق أدهم ربّما وضحت له غرّة. يقع له الجيّد في أثناء كلامه، وينقع مورده للصادي بعض أوامه، وتتولّد له معان ما منعت بالتمام، وتتجلّى له نجوم طلعت وباقيها تحت ستور الظلام. وأنشد له ابن سعيد: (( ١ )) [البسيط]
فبطنها حجر الأسباط منبجس ... وظهرها حجر الإسلام مستلم (( ٢ ))
ومنه قوله: (( ٣ )) [المنسرح]
قد كتب الحسن بالعذار على ... كاغد تفّاح خدّه ألفا
كأنّه عاشق لوجنته ... حتى إذا ما تقابلا وقفا
ومنهم:
٣٢- عبد الرحمن بن عوض بن محبوب، الكلبيّ، المعرّيّ، عفيف الدين التلمسانيّ، أبو البركات (( ١٣ ))
ممن كان له في الحديث اللطيف غاية، وله بالحديث الشريف رواية، مع دماثة خلق يتجافى عنها الماء (١٠١) وهو سلسال، والصهباء وهي جريال، والنسيم وقد لعبت الشّمول منه بأعطاف الشّمال. وما نقص حظّه من أدب بارع، أو فكر مسارع. ومن شعره المشعشع السّلسبيل، الملمّع به برد الأصيل، الصّافي الظّلّ في خدّ النهر الأسيل، قوله، فيما أنشده له ابن سعيد: [الطويل]
فإن نحت في أفنان وجدي يحقّ لي ... لأنّي بما أوليتموني مطوّق
قطعتم، ولم أسرقكم الودّ، كتبكم ... وكيف يجازى القطع من ليس يسرق
ومنهم:
٣٣- محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن محمّد بن الحسن بن الحسين، الدمشقيّ (( ١٤ ))
الأديب نجم الدين، أبو المعالي وله صحبة بالقدوة صاحب الطريقة عليّ الحريريّ- رحمه الله . لبس بها من ديباجته، وشرب من زجاجته، فلاح عليه نور إيمانه، وفاح له من سرّ حقائبه ما عجز عن كتمانه، وفاء عليه من ظلّ حقائقه ما تقلّ الأرواح في أثمانه. وتقدّمت له صحبة بالسّهرورديّ. وأجلسه في ثلاث خلوات، وآنسه في الجلوات. وكان له أدب غضّ تميل به الأغصان والقدود،
وتخلع عليه النفوس والبرود. أشغل قلب الشّجيّ والخليّ: فهذا غنّى وهذا ناح.
وأسمع أذن السّالي والمغرم: فهذا كتم وهذا باح. وكان لا يخلو منه سماع، ولا عقد اجتماع. تتهاداه مجالس الكبراء سرورا للنفوس، وتتعاطاه سلافا في الكؤوس، وتميل به لإمالة الطّرب الرءوس. وجرت بينه وبين الخيميّ في القصيدة البائية المحاكمة التي قضى فيها ابن الفارض عليه قضاء لم يقدر حاكم على نقضه، ولا أعانه صاحب على تجرّع ممضّه. ثم كان بعده لا يزال منقّبا بالحياء، مذبذبا يمشي على استحياء، لما ألق به من وصمة عار الادّعاء، وسمة قبح لا يطلب منه بعدها رفع يد بصالح الدّعاء. وكان مع كثرة حضوره حيث تصفّق الألحان، وتصفّق أواني المدام، بنت خضرة القدس لا بنت الجان، لا يدخل طابق الرّقص، ولا يزداد وحده إلّا بمقدار ما يأخذ في (١٠٢) النقص.
وحكى قاضي مجد الدين بن العديم، قال: أريت في النوم كأني داخل إلى بلده، فقيل لي: إن نجم الدين بن إسرائيل، قد صار كاتبا عند الوالي بها، فقلت: [الوافر]
إلى كم ذا تغرّرك الليالي ... وتبدي منك حالا بعد حال
فطورا شيخ زاوية وفقر ... وطورا كاتب في دار والي
وذكرت هذا المقام للطف موقعه، وطرف نظمه في موضعه.
ومن فائق شعره، وفائح نشره، قوله: [الكامل]
يا واحد الحسن الذي لولا الجفا ... ما عاقه عني العشيّة عائق
أنت الأمير على الملاح بأسرهم ... وعليك من قلبي لواء خافق
ومنه قوله: [الكامل]
أعلمت ما أبكى الجفون وأسهرا ... برق أعار الأفق مرطا أحمرا
باتت تشام على البشام سيوفه ... فكأنما باتت تهزّ على الكرى
وعلى الثنيّة من تنمّر حلّة ... ما إن يزال غيورها مستنمرا
تذكى الولائد في متون يفاعها ... بالمندل الهندي نيران القرى
ووراء أستار الخدور خريدة ... يمسي حماها بالرماح مستّرا
سمراء تحسب أنها كافورة ... قد خالطت للطيب مسكا إذفرا
ومنه قوله، يذكر أنابيب بركة تصعد الماء عاليا ثم تحدره نجوما، وتوشيه في جلباب اللّجّة الزرقاء رقوما، وهو: [البسيط]
ترقى أنابيبها بالماء مصعدة ... حتى تفوت صعودا طرف رائيها
تحكي رماح لجين طال شامخها ... قبّ السماء رشاش من عواليها
منه قوله: [الرمل]
وهبوا عيني إذا لم تصلوا ... نظرة من طيفكم يجلو قذاها
ومحال أن ترى طيفكم ... عين صبّ فقدت فيكم كراها
ومنه قوله: (( ١ )) [الكامل]
يا سيّد الحكماء هذي سنّة ... مسنونة للناس أنت سننتها
(١٠٣) أو كلّما كلّت سيوف جفون من ... سفكت لواحظه الدماء سننتها
ومنه قوله يخاطب شريفا أتى مصر فنزل باللؤلؤة: [المنسرح]
يا ابن رسول الله لم أدر ذا ال ... أمر الذي جئت به ماهوه
عهدي باللؤلؤ في بحره ... وأنت بحر حلّ في لؤلؤه
ومنه قوله يرثي الشيخ العارف علي الحريري: [الكامل]
بكت السماء عليه ساعة دفنه ... بمدامع كاللؤلؤ المنثور
وأظنّها فرحت بمصعد روحه ... لّما سمت وتعلّقت بالنور
أو ليس دمع الغيث يجري باردا ... وكذا تكون مدامع المسرور
ومنه قوله: (( ١ )) [الطويل]
ودار لكم بالبان عن أيمن الحمى ... يلوح عليها نضرة وسرور
كأنّ مواطي الخيل فيها أهلّة ... وآثار أخفاف المطيّ بدور
ومنه قوله: [الطويل]
لقد عادني من لاعج الشوق عائد ... فهل عهد ذات الخال بالسّفح عائد
نديميّ من سعد أديرا حديثها ... فذكر هواها والمدامة واحد
فديتك هل إلمامة من خيالكم ... تعود لقا قد ملّ منه العوائد
وكيف يزور الطيف، لا الليل ساتر ... عليه، ولا الطرف المسهّد راقد
وقوله: [السريع]
ويوم قرّ بدا غيمه ... يلفّ قرص الشّمس في برده
كأنّما الأرض وقد زلزلت ... تهتزّ للرّعدة من برده
ومنهم:
٣٤- عليّ بن يحيى البطريق، البغداديّ، الحليّ (( ١٣ ))
الكاتب، نجم الدين، أبو الحسن. طلع نجمه عليّا، وجمع نظمه حليّا، وبرع أدبا فائقا، وذهبا نافقا، وكتب الإنشاء إلّا أنّه لم يكن لبيانه سحر يؤثر، ولا لجنانه
نهر يتدفق ولا كوثر، لتقصير وقع في قسمه، وقعد بنثره عن نظمه.
وكانت له في الأيام الكامليّة (١٠٤) قدم صدق في الولاء، وقدم استحقاق في الأولياء.
ومن شعره المحرّر الحالي لفظه، المكرّر، ما أنشده له ابن سعيد، وهو: (( ١ )) [البسيط]
أعاذك الله من همّي ومن وصبي ... ولا لقيت الذي ألقى من العرب (( ٢ ))
فذا زماني أبو جهل، وذا جربي ... أبو معيط، وذا قلبي أبو لهب (( ٣ ))
وقوله: [الكامل]
كن كالديار فكلّ مغنى منهم ... قد كان بعدهم جديدا أخلقا
وتغيّرت صفة الغوير فلم يكن ... ذاك الغوير ولا النّقا ذاك النّقا
وقوله في ابن أبي الحديد، عارض الجيش، وقد لبس خلعة خضراء، ماس في ورقها غصنه، وثارت فيها بسيوف جفونه فتنه: [مخلع البسيط]
لما بدا مائس التّثنّي ... في خضر أثوابه تميد
قبّلته باعتبار مغنى ... لأنّه عارض مديد
وقوله وقد تقلّد راجح الحلّي سيفا محلّى ورمحا: (( ٤ )) [الوافر]
تقلّد راجح الحلّي سيفا ... محلّى واقتنى سمر الرّماح
وقال الناس فيه فقلت: كفّوا ... فليس عليه في ذا من جناح
أيقدر أن يغير على القوافي ... وأموال الملوك بلا سلاح
وقوله يشكو- وهو بالقاهرة- طلوعه كلّ يوم إلى القلعة الجبلية، ووقوعه لمعاناة تردّده إليها في بليّة: (( ١ )) [الخفيف]
لي على الرّيق كلّ يوم ركوب ... في غبار أغصّ منه بريقي
أقصد القلعة الخراب كأنّي ... حجر من حجارة المنجنيق
فدوابي تفنى وجسمي يضنى ... هذه قلعة على التحقيق (( ٢ ))
ومنهم:
٣٥- ابن نجم الموصلي، شرف الدين
ولم أعرف اسمه. ما قصّر عن إحسان تبييض الصحيفة، ويعوّض النجوم بكلمه الشريفة. وصل جناح الموصل ذكره الجائل، وشعره الطّائل. وقد أنشد له ابن سعيد: [الكامل]
(١٠٥) فالعضب أبتر والمثقّف ذابل وكلّ حنيّة مرنان
ومنهم:
٣٦- أيدمر المحيوي، فخر التّرك، أبو شجاع (( ١٣ ))
مولى وزير الجزيرة. أثبت الفضل للتّرك وما ترك. وهاجم سيل الليل ولا درك، وواثب القرائح ففاز بالدّرك، ولزّ السّحائب فما قدرت على الحرك، وجمع عقد الجوزاء وقد انفرك، ونصر آل خاقان وعلى خدّه القاني دم المعترك، وصاد المعاني
ولام عذاره الشّرك، وساوت السيوف لحاظه والأجفان من المشترك. التقط الدّراري ونظمها عقودا، وأضرمها وقودا، وقسّمها صهباء عنقودا. وخلط سحر بيانه بسحر أجفانه، فجاء بسحر عظيم، ومدام لفظه بمدام لحظه، ولا غول فيها ولا تأثيم، وسلب بطرفه وطرفه، وكلاهما فتّان، ونزّه في شعره وشعره، وكلاهما بستان. والحبّ يشرب صفاؤه ورونقه، والحسن يظهر في شين رونقه. فآذن أن الترك لا ترامى ولا ترام، وأنّ الأقلام في أيديهم مثل السهام، وأنّ في بني يافث من يسمو بني سام، وأن الحسن لا ينفكّ عن أفنيتهم، والغصن لا يعقد عليه إلا ازرار أقبيتهم.
وكان كعبة جمال يحجّ إليه، وصنم حسن لا تزال طائفة يعكفون عليه. وقلّ من لم يكن بشعره هائما، وعلى ثغره حائما، ومن بدائع نظمه ونثره السّاخرين، وبيانه وبنانه وما تظاهر عليه الساحران، ما أنشده له ابن سعيد، قوله: (( ١ )) [الكامل]
وكأنّ نرجسه المضاعف خائض ... في الماء لفّ ثيابه في رأسه
وأنشد له: (( ٢ )) [الطويل]
شكا رمدا جفن الأصيل إلى الدجى ... فكحّله ميل الظلام بإثمد
ومن شعره: (( ٣ )) [السريع]
يا حبذا مجلسنا مجلسا ... قد حفّت النعمة جلّاسه
يجلو علينا الغصن أعطافه ... زهوا ويهوي الزّهر أنفاسه
ومنهم:
٣٧- ابن عربي، سعد الدين الدمشقي (( ١٣ ))
شاعر وصّاف، وبطل (١٠٦) يقدّم على الأوصاف، ومتفنّن ذلّلت عناقيده للقطاف، وحلّلت مدامته والسّاقي قد طاف، وطلعت دراريه وما أكنّتها الأسداف، وبرزت درره وما ولدها البحر ولا خبّأتها الأصداف.
وكان يظهر التّهتّك وليس كفاك، ويشهر الغرام وما هو على ذاك. يتخيّل في كلّ طور حبيبا ما رآه، وجوى ما أقلّه ولا واراه.
ومن بدائعه التي سبرها، ومحاسنه التي في كلّ حفظ سيّرها، وفي كلّ لفظ صوّرها، ما أنشده له ابن سعيد، وهو: [الطويل]
وقالوا قصير شعر من قد هويته ... فقلت دعوني لا أرى فيه مخلصا
محّياه شمس قد علت غصن قدّه ... فلا عجب للظّلّ أن يتقلّصا
وأنشد له: [الكامل]
عاينت في الحمّام بدرا مشرقا ... يرنو بمقلة شادن مذعور
يرخي ذوائبه على أعطافه ... فيريك ظلا لاح فوق غدير
ومن بديع قوله: [الكامل]
وافى إليّ مع الظّلام مسلّما ... فلقيت منه نضرة وسرورا
غصنا رأيت النور منه بثغره ... فضممته وقرأت منه النورا
ومنه قوله: [الطويل]
وبدر بدا منه العذار كأنّه ... بقيّة ليل فرّ من وضح الفجر
محوت بفرط اللّثم خطّ عذاره ... ألم تر ذاك المحو في صفحة البدر
ومنه قوله في قصّار: [الكامل]
أحببت قصّارا محاسنه ... شرك العقول ونزهة النفس
أقسمت لولا أنّه قمر ... ما كان محتاجا إلى الشمس
ومنه قوله: (( ١ )) [الخفيف]
قيل لي جسم من تحبّ نحيل ... وهو مما يشينه فاسل عنه
قلت: ما ذاك من سقام ولكن ... خفّة الرّوح أعدت الجسم منه
(١٠٧) ومنه قوله: [الطويل]
وبالنفس أفدي طلعة القمر الذي ... إذا ما انثنى كالغصن يا خجلة الغصن
يخاطبني خوف الرّقيب بنفرة ... فيفهم قلبي غير ما سمعت أذني
ومنه قوله: [الخفيف]
هو لا شكّ واحد العصر في ال ... حسن ولكن قدّه يتثنّى
رشأ أعربت عن السّحر عينا ... هـ وأجفانه على الكسر تبنى
ومنه قوله: [الكامل]
زعم العذول بأنّ قلبي قد سلا ... كلّا وحقّك هذا يتخيّل
فهواك في طيّ الجوانح مودع ... وعليه من شفتيّ باب مقفل
ومنه قوله: [الطويل]
أقول وقد وافى الرسول مخبّري ... بأن حبيبي قد أساء بي الظّنّا
بعيشك ما أبدى الحبيب وقاله ... وما ظلّ يحكي قال لي الغصن اللّدنا
ومنه قوله: (( ١ )) [الخفيف]
يا خليليّ في الزيادة ظبي ... سلبت مقلتاه جفني رقاده
كيف أرجو السّلوّ عنه وطرفي ... ناظر حسن وجهه في الزّياده
ومنه قوله: [الكامل]
قالوا الحلول بحيّزين لجوهر ... حكم عليه العقل غير مساعد
هذا حبيبي وهو فرد حلّ في ... طرفي وقلبي في زمان واحد
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
وربّ قاض لنا مليح ... يعرب عن منطق لذيذ
إذا رمانا بسهم لحظ ... قلنا له دائم النفوذ
ومنه قوله: [الطويل]
كلفت بظبي ظلّ يقطف مشمشا ... على سلّم فيه اعتصام لهارب
كذا البدر لولا أنّه في مسيره ... رقا درجا لم يتّصل بالكواكب
(١٠٨) ومنه قوله: [السريع]
شاهدت دولابا له أدمع ... تكفّلت للرّوض بالرّيّ
فاعجب له من فلك دائر ... ما فيه برج غير مائيّ
ومنه قوله: [السريع]
يا مانعي القبلة في خدّه ... فتّتت قلبي فهو مفتوت
لا تخش أنفاسي ولا حرّها ... فإنّما خدّك ياقوت
ومنه قوله: [الكامل]
ماذا الذي تعني بقولك جوهر ... إذا الشيء أو عرض وقصدك يحضر
جسدي هو العرض الذي أنكرته ... فافترّ، قلت له وهذا الجوهر
ومنه في مجروح اليد: [الطويل]
وبدر دجى في الكفّ منه جراحه ... يظنّ بأني في محبّته سمح
فقلت له إن الدّموع شواهدي ... بأنّي من سكر المحبّة لا أصحو
فقال: وما تغني شهود مدامعي ... لديّ إذا ما كان في يدي الجرح
ومنه قوله في صانع تطماج: [المنسرح]
أضحى يبيع التطماج بدر دجى ... يغرب في القلب كلما طلعا
قلت وقد صفّه على طبق ... ما هذه؟ قال وما خدعا
كنّ بدورا رامت مشابهتي ... فقطّعتها لواحظي قطعا
ومنه قوله في حريري: [الوافر]
أقول له ألا ترثي لصبّ ... عديم للمساعد والنّظير
أقام ببابكم خمسين شهرا ... فقال: كذا مقامات الحريري
ومنه قوله في حجّام: [الكامل]
حاولت منه الوصل قال بشرط أن ... آتيك والرّقباء ليست تعلم
كدّرت بالشّرط الوصال، فقال لي: ... أو ما علمت بأنّ شرطي مؤلم
(١٠٩) ومنه قوله في غلام اسمه سليمان: [الطويل]
وبدر دجى ما زال ينشد طرفه ... عزيز أسى، من داؤه الحدق النّجل
له وجنة تدمى من اللحظ رقّة ... يكاد بها ماء الشبيبة ينهل
فهذا سليمان لرقّة خدّه ... إذا دبّ فيه النّمل كلّمه النّمل
ومنه قوله: [الكامل]
ناديت من أهواه وهو مقلّم ... أظفاره، يا نزهة المتأمّل
فأجابني: أتظنني قلّمتها ... عن حاجة، لا بل لمعنى عنّ لي
لأريك يا من بالهلال تقيسني ... إنّ الهلال قلامة من أنملي
ومنه قوله في جواب أبيات جاءته من نظام الدين، ابن المولى: [الطويل]
بعثت بأبيات إذا ما عرضتها ... بسوق ذوي الألباب ليس تسام
فإن لحظتها منك عين عناية ... فهنّ لآل رأيهنّ نظام
ومنه قوله مما كتب به إلى مجد الدين بن العديم: [الطويل]
أمولاي مجد الدين ما زلت مسديا ... بقول وفعل كلّ فضل وإفضال
أطوف بهذا العيد حولك داعيا ... لأنّك قد أصبحت كعبة آمالي
ولّما بدا منك الصّفا جئت ساعيا ... إليك ولم أقطع مسافة أميال
وغيري يسعى كي ينال بك الغنى ... وما أنا من يسعى بجاه ولا مال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
ومنه قوله في دواة: [الخفيف]
ودواة من أنفع الأدوات ... مصطفاة لما حوت من صفات
إن عدت منبع الحياة فلا غر ... وفماء الحياة في الظّلمات
ومنه قوله في مؤذّن: [الخفيف]
وبنفسي مؤذّن مذ سباني ... لم تفدني شكوى الغرام إليه
كيف يصغي لما أقول حبيب ... واضع إصبعيه في أذنيه
(١١٠) ومنه قوله في قوّاس: (( ١ )) [السريع]
قلت لقوّاس له طلعة ... من رام عنها الصّبر لم يقدر
يا من له وجه كبدر الدّجى ... كيف تبيع القوس للمشتري
ومنه قوله في طيوريّ: [مخلع البسيط]
هذا الطيوريّ قلت يوما ... له ولم أرهب الأعادي
يا جامعا صنف كلّ طير ... هل لك في طائر الفؤاد
ومنه قوله فيمن يبيع قضامة: [الكامل]
باع القضامة شادن ترف ... فاضت عليه مدامعي فيضا
يا من قضامته مجوهرة ... الثغر منك مجوهر أيضا
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
خاصمني من أهيم فيه ... ورام جرحي بما يبيد
يا مالكي ما أقوله في ... واقعة بعدها الحديد
ومنه قوله في نشّار: [الخفيف]
أيّها البدر لو تواصلني اليو ... م لقاربت في وصالك سعدا
ما وجدنا لحسن نشرك ندّا ... بل وجدنا لطيب نشرك ندّا
ومنه قوله يرثي رجلا يلقّب البدر، دفن بالشرف الأعلى: [البسيط]
يا بدر إن كنت في ظلماء موحشة ... فالبدر في سدف والدرّ في صدف
دفنت في الشّرف الأعلى ومن عجب ... هبوط بدر الدّجى في ذروة الشّرف
ومنه قوله يصف شعر عون الدين سليمان، ابن العجمي: [الطويل]
يقولون عون الدين أضحى لمجده ... قريض كروض باكرته عهاده
فقلت لهم هذا سليمان عصره ... يدين له في كلّ معنى فراده
إذا هو أمسى في القريض مفكّرا ... عرضن عليه بالعشيّ جياده
ومنه قوله: [الكامل]
أمبشّري ممن أحبّ بزورة ... أهلا وسهلا بالبشارة والهنا
(١١١) ما كان أسمحني عليك بخلعة ... لو كان عندي حلة غير الضّنا
ومنه قوله: [الكامل]
عفت المدام سوى مدامة ريقه ... ذاك الرّحيق ختامه مسك اللّمى
إن سمته خمر الرّضاب يقول لي ... أهممت أن تعصي؟ فقلت: اللّوّما
ومنهم: (( ١ ))
٣٨- أبو عبد الله الكردي ١ ))
مدرة حرب، وندرة أخدان، ما رقم بهم طراز شرب. فهمه مثل سيفه، كلاهما حدّ، ونظمه مثل سيبه، كلاهما ما له حدّ.
وقفت له على شعر كثير، لم يعلق بخاطري منه شيّ، ولا أطلّ على أنهار صحفي منه ظلّ ولا فيّ، إلّا أنّه شاعر مجيد قادر على التوليد. لا يحضرني منه إلا ما أنشده له ابن سعيد، وهو وقوله: [الوافر]
إذا ما اشتقت يوما أن أراكم ... وحال البعد بينكم وبيني
بعثت لكم سوادا في بياض ... لأبصركم بشيء مثل عيني
ومنهم:
٣٩- جمال الدّين، يوسف بن البدر لؤلؤ، الذهبيّ ١ ))
كما نسبوه الجوهريّ. واللؤلؤ أبوه، والبدر والده، أو هو جماله اليوسفيّ، أو أخوه. وأدبه أعبق في المجامع من النسيم، وأعلق بالمسامع من قرط الثّريّا في أذن الليل البهيم. أدخل على الخواطر من الأفكار، وأوضح للنواظر من رؤية النهار.
وله في نوع التورية من البديع، ما أخمد وراة شراره من قدح، وفرغ الكأس وما أبقى سؤرا في القدح. وكان من شعراء ابن العزيز، عزيزا عنده مكانه، مجيرا له بما يسعه إمكانه، ومما أنشد له ابن سعيد قوله: [البسيط]
والخيل قد نشرت من نقعها صحفا ... قامت كتائبها ما بينها سطرا
تملي علينا الرّدينيّات ما نظمت ... فيها ويملي علينا السيف ما نثرا
ومن شعره: [البسيط]
دع الفصاد إذا ما كنت مشتكيا ... بكلّ أحور في أعطافه ميل
ولا ترق دمك القاني فحسبك ما ... تريقه بظباها الأعين النّجل
(١١٢) وقوله: (( ١ )) [السريع]
حلا نبات الشّعر يا عاذلي ... لما يدلّ في خدّه الأحمر (( ٢ ))
فشاقني ذاك العذار الذي ... نباته أحلا من السّكّر
وقوله في رفّاء: (( ٣ )) [مجزوء الكامل]
بمهجتي الرّفّا الذي ... فضح الذّوابل لينه
لم يرف قلب متيّم ... قد مزّقته جفونه
وقوله: [الكامل]
والعيس مثل العاشقين مع النّوى ... حملت من الأثقال ما لم تحمل
ولكم سبقت حداتهم بمدامعي ... حتى جعلت قطارها في الأوّل
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
هلمّ يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدا همّه
نسيمها يعثر في ذيله ... وزهرها يضحك في كمّه (( ١ ))
وقوله: (( ٢ )) [السريع]
أدر كؤوس الرّاح في روضة ... قد نمّقت أزهارها السّحب
الطير فيها شيّق مغرم ... وجدول الماء بها صبّ (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
فعاطني الصّهباء مشمولة ... عذراء فالواشون نوّام
واكتم أحاديث الهوى بيننا ... ففي خلال الرّوض نمّام
وقوله في غلام غرق: [المتقارب]
أسلت الدموع إلى أن جرت ... وواراك تيّارها المغدق
وأيّ غزال هضيم الحشا ... يحلّ العيون ولا يغرق
وقوله: [الكامل]
أحمامة الوادي بشرقيّ الغضا ... فغصونه في راحتيك وجمره في أضلعي
فإذا هوى بك منزل مستوبل ... رفعتك هوج اليعملات الوضّع
كلّفتها مسح الفيافي قسمة ... فلذاك تضرب أذرعا في أذرع
عدها الحمى إن أرزمت وإذا ونت ... فإلى جناب ابن العزيز الممرع
(١١٣) وانظر أساريرا تلوح فإنّها ... في كفّه طرق النّدى المتنوّع
وقوله: (( ١ )) [مجزوء الكامل]
رفقا بصبّ مغرم ... أبليته صدّا وهجرا
وافاك سائل دمعه ... فرددته في الحال نهرا
وقوله: (( ٢ )) [مجزوء الرجز]
وروضة دولابها ... إلى الغصون قد شكا
من حيث ضاع زهرها ... دار عليه وبكى
وقوله: [مخلع البسيط]
ما نظرت مقلتي عجيبا ... كاللوز لما بدا نواره
اشتعل الرّأس منه شيبا ... واخضرّ من بعد ذا عذاره
وقوله: (( ٣ )) [الطويل]
وبتّ أعاطيه الحديث منمّقا ... وبات يعاطيني العتيق مشعشعا (( ٤ ))
ولم أدر أنّ الصّبح كان مراقبا ... لنا من وراء الليل حتى تطلّعا
وقوله: [السريع]
ولا تعذلوني في هوى شادن ... هويت طرفا منه سحارا
لو لم يكن حبّي من حسنه ... يحسده النّجم لما غارا
وقوله: (( ٥ )) [الخفيف]
وجنان ألفتها حين غنّت ... حولها الورق بكرة وأصيلا (( ١ ))
نهرها مسرعا جرى وتمشّت ... في رباها الصّبا قليلا قليلا
وقوله، وفيه زيادة على المتداول: [الطويل]
جنبنا إلى العيس الجياد جوامحا ... سوامي الهوادي أن تنال فتلجما
يريك بدورا وطؤها وأهلّة ... وآونة من قدحها الصّخر ألجما
وقوله: [الطويل]
في جنّة أضحى الأقاح مدرهما ... في جانبيها والبهار مدنّرا
لمّا تشعّب ماؤها بين الرّبا ... عبثت به أيدي الصّبا فتكسّرا
وقوله في قريب منه مع العكس: [الكامل]
(١١٤) وحديقة مطلولة باكرتها ... والشمس ترشف ريق أزهار الرّبا
يتكسّر الماء الزّلال على الحصا ... فإذا غدا نحو الرّياض تشعّبا
وقوله [الكامل]
لم أنسه إذ قال أين تحلّني ... حذرا عليّ من الخيال الطّارق
فأجبته: قلبي. فقال تعجّبا: ... أسمعت قطّ بساكن في خافق
قوله: [الطويل]
لقد بتّ عند الفارس النّدب ليلة ... وما غرّني إلّا شقائي وأطماعي
فبتّ أقاسي البرد في طول ليلتي ... مغطّى كرأس القنّبط بأضلاعي
وقوله: [الكامل]
ومعذّر قد بايتته جماعة ... وفّوا بما وعدوه عند الليل
واكتاله كلّ هناك وما رأى ... منهم سوى حشف وسوء الكيل
وقوله: [الطويل]
وعلّقته سيفا من البيض مرهفا ... بغير حلاه لم أكن أتقلّد
أبيت ولي من ساعديه حمائل ... على عاتقي في الليل وهو مجرّد
وقوله: [الطويل]
يكلّفني العذّال صبرا وقد قضى ... لي الله عنه الصبر ليس يكون
وما كان إلا الرّوض نشرا وبهجة ... فلا غرو أن تجري عليه عيون
وقوله من قصيدته الزّائية الزّاهية، الآمرة الناهية، التي حلّق إليها كلّ شاعر في زمانه، فوقع وسار وراءها، ولكنّه من نصف الطريق رجع: [الطويل]
فأتبعتهم طرفا إلى الجزع باكيا ... وراء المطايا لا بكيّا ولا نزّا
وقلت لحادي العيس رفقا بمدمعي ... وبالعيس لا تفني قطاريهما لزّا
وفي الكلّة الحمراء بيضاء غادة ... مريضة لحظ العين مملوءة عجزا
تسارقنا باللحظ خوف رقيبها ... فآونة شزرا وآونة غمزا
(١١٥) وقوله مما كتب به إلى بعض أصحاب جمال الدين أحمد المصري النحوي يعزيه فيه: [الطويل]
عزاؤك زين الدين في الذاهب الذي ... بكته بنو الآداب مثنى وموحدا
هم فارقوا منه الخليل بن أحمد ... وأنت ففارقت الخليل وأحمدا
وقوله عند عبور الملك الظاهر الفرات: [مجزوء الخفيف]
ظنّ أن يحفظوا الفر ... ات ببيض الصّفائح
كيف يحمونها وقد ... جاءها كلّ سائح
وقوله: [البسيط]
ولاح كأس الثّريّا في مشارقه ... ملوّحا من شعاع ساطع ذهبا
وللبروق وميض في الغمام حكى ... تحت العجاج سيوف الناصر القضبا
له يد لا عدمناها يفيض بها ... بحر فلم ذا يباري جودها السّحبا
يد تلاقت يراعات بها وفتى ... أنّى تجارى وحازت ذلك القصبا
وحدّثني شيخنا أبو الحسن الكندي، عن بعض من خرج معه يوما، حين تقشّعت الحرور، وطفت نارها الشّعرى العبور، وبدا سهيل يزهر في الصباح كالقنديل، وأثمر كلّ غصن في جانح كلّ أصيل، وباكر الدهر بسرّائه، وكفّ بأس بأسائه، وتقدمت الشّتاء آلاؤه، وعطف تشرين فرقّ جوّه وماؤه، وطاب المقيل في برد أفيائه، وترقرقت على صفحات النهر دمعة أندائه، وأتى الخريف مخلّفا زرع الزعفران، ناشرا من ذهبيّاته مصبغات الألوان، والأترجّ كأنّه عاشق مدنف، والسّفرجل كأنّه وجل مخطّف، والرّمّان كأنّه من صافي الذهب أكر، والتفاح كأنّه جامد الراح أو خدود تلك الشجر، والنسيم قد كرّ من طراد أيلول وأتى مبشّرا بالغمام كذيل الغلالة المبلول، والأرض تتوقع الشتاء توقّع المأمول، وتنتظر الغيث انتظار المحبّ عود الرسول. والنّبت قد صحت مقل نرجسه، ولم يبق منها ناظر إلّا (١١٦) وهو بالطّلّ مكحول.
إنه لما رأى تلك المحاسن الأشتات، اهتزّ إعجابا بفصل الخريف، وما جمع منها زمانه، وأبدع في تأليف ألوانها أوانه، فقال: [الكامل]
رقّ النّهار وراقت الأنهار ... وسرى النسيم وغنّت الأطيار
وأتى الخريف مبشّرا بصبوحه ... فتخلّقت لقدومه الأشجار
ورياض وقفت أشجارها ... وتمشّت نسمة الرّيح إليها (( ١ ))
طالعت أوراقها شمس الضّحى ... بعد أن وقّعت الورق عليها
(١١٧) وقوله: (( ٢ )) [السريع]
جاء الشتاء الغثّ مستعجلا ... مبادرا بالغيم والغمّ (( ٣ ))
وفصله البارد قد جاءني ... منه بكانون بلا فحم
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
إن تمادى الغيث شهرا هكذا ... جاء بالطوفان والبحر المحيط (( ٥ ))
ما هم من قوم نوح ياسما ... أقلعي عنهم فهم من قوم لوط
وقوله: (( ٦ )) [المجتث]
يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو
يمرّ بي كلّ وقت ... وكلّما مرّ يحلو
وقوله: [المنسرح]
يا شادنا كلّما مررت به ... يخفق قلبي له ويضطرب
قد قمت بالقلب في هواك ضنى ... وإنّما قمت بالذي يجب
وثنى معاطفه الخليج وصفّقت ... أمواجه وتراقص التّيّار
ودعا إلى شرب الأصائل والضّحى ... في كلّ واد بلبل وهزار
واجنح لحانة كرمة في ظلّها ... الرّاح بكر والدّنان عشار
واشرب على ذهبيّة الأوراق من ... ذهبيّة بيد السّقاة تدار
قد أينعت وتألّفت فكأنّما ... هي جلّنار للنديم ونار
عذراء رقّصها المزاج بحلّة ... في طوقها من لؤلؤ أزرار
وقوله: [الكامل]
ومن التّعلّل أنني أرجو الصّبا ... تغدو تبثّ تحيّتي وتروح
أو أطلب الأحباب بين معاهد ... قد ضاع فيها رندها والشّيح
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
وبمهجتي المتحمّلون عشيّة ... والرّكب بين تلازم وعناق
وحداتهم أخذت حجازا بعدما ... غنّت وراء الظّعن في عشّاق (( ٢ ))
وتنبّهت ذات الجناح بسحرة ... في الواديين فنبّهت أشواقي (( ٣ ))
أنّى تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض مآقي (( ٤ ))
وأنا الذي أملي الجوى من خاطري ... وهي التي تملي من الأوراق
ولقد صفحت عن الزّمان لليلة ... عدل الحبيب بها وجار الساقي
وقوله: (( ٥ )) [الرمل]
قوله: (( ١ )) [المتقارب]
أيا صاح أشكو إليك الخمار ... وما فعلت بي كؤوس العقار (( ٢ ))
وجور سقاة الكؤوس التي ... ترينا الكواكب وسط النّهار (( ٣ ))
وقوله: [الرمل]
وحمام الأيك في الأشجار قد ... بثّت الأشجان فيها والغراما
والصّبا معتلّة من طول ما ... حمّلت من كلّ مشتاق سلاما
وقوله: [البسيط]
وحفتيان الذي غرّ العدى طمع ... فيها فأهلكتهم في نيلها الغرر
رام العدى لك دفعا عن جوانبها ... وكيف يدفع سيل وهو منحدر
وقوله: [الطويل]
وما ذهبت شمس الأصيل تحيّة ... إلى الغرب حتى ذهبت فضّة النهر
وأمسى أصيل اليوم ملقى من الضّنا ... على فرش الأزهار في آخر العمر
وقوله: [السريع]
لنا حديث يا حمام الحمى ... توضحه الأشجان أيّ اتّضاح
(١١٨)
ألفت غصنا وأنا في الهوى ... فقدت غصنا وأطلنا النّواح
فهات طارحني فكلّ غدا ... منّا على غصن تغنّى وناح
وقوله: [الكامل]
أنزلتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهره
وقوله يخاطب رجلا أحبّ غلاما يلقّب بالجارح: (( ١ )) [مجزوء الخفيف]
قلبك اليوم طائر ... عنك أم في الجوانح
كيف ترجو خلاصه ... وهو في كفّ جارح
ثم قوله وقد بلغه أن ذلك الرجل قال: خلص الطائر: (( ٢ )) [الكامل]
(١١٩) خلّصت طائر قلبك المضنى هوى ... من جارح يغدو به ويروح (( ٣ ))
ولقد يسرّ خلاصه إن كنت قد ... خلّصته منه وفيه روح
ومنه قوله في غلام ورّاق: (( ٤ )) [الطويل]
خليليّ جدّ الوجد واتصل الأسى ... وضاقت على المشتاق في قصده السّبل
وقد أصبح القلب المعنّى كما ترى ... معنّى بورّاق وما عنده وصل
ومنه قوله يشكو غرفة كان يسكنها، والحرّ يلفح هجيره، ويتوقّد سعيره:
مولاي أشكو غرفة في ناجد ... كالنار تلفح بالهجير اللافح
عزّ النسيم بها فليس بسانح ... وخلا الذباب بها فليس ببارح
ومنه قوله: (( ٥ )) [مخلع البسيط]
عرّج على الزّهر يا نديمي ... ومل إلى ظلّه الظّليل
وسريتم طوع النّوى ورجعتم ... وكذا الكواكب سيرها ورجوعها
ما كنت أعلم أنّ دائرة النّوى ... فيكم وفي أكبادنا تقطيعها
وقوله: [الطويل]
وأهيف طرفي منه في جنّة غدا ... وقلبي من أعراضها في جهنّما
أغنّ يريك الغصن من لين قدّه ... قويما ويبدي زهره أن تبسّما
وقوله: [الخفيف]
ورشيق القوام حلو التّثنّي ... والثّنايا مهفهف أملود
هو بدر قبلت فيه ومن ما ... ت ببدر مثلي فذاك شهيد
وقوله في كحّال كحّل غلاما حسنا غدوة يوم، ثم مات الكحّال مساء يومه: (( ١ )) [الكامل]
يا قوم غلط الحكيم وما درى ... في كحله الرّشأ الغرير وطبّه (( ٢ ))
وأراد أن يمضي نصال جفونه ... لتصيبنا بسهامها فبدت به
وقوله: (( ٣ )) [مجزوء الرمل]
ربّ ناعورة يوم ... بات يندى ويفوح
تضحك الأزهار منها ... وهي تبكي وتنوح
وقوله: [مجزوء الكامل]
إنّ الذين ترحّلوا ... نزلوا بعيني الناظره
فالغصن يلقاك بابتسام ... والرّيح تلقاك بالقبول (( ١ ))
ومنه قوله: (( ٢ )) [مجزوء الكامل]
الزهر ألطف ما رأي ... ت إذا تكاثرت الهموم
تحنو عليّ غصونه ... ويرقّ لي فيه النّسيم
ومنه قوله، وقد استسقوا فلم يسقوا: [الكامل]
لما بدا وجه السماء لهم ... متجهّما لم يند أنواء
قاموا ليستسقوا الإله لهم ... غيثا فما أسقاهم الماء
ومنه قوله في عامل كان بالجامع المعمور، سعى في تأخير رواتب النّاس:
[الكامل]
أضحى بديوان المصالح عامل ... ما سرّني أن ليس فيه سنان
بطلت رواتبنا عليه وإنّما ... قد قام في بطلانها البرهان
ومنه قوله: [الكامل]
عرّج بوادي النّيربين بنا وقف ... فيه بحيث تلاقت الغزلان
وانظر إلى جنّاته العليا التي ... شبّ القضيب بها وشاب البان
(١٢٠) ومنه قوله: [البسيط]
يا سيّدي شرف الدين الجواد أتت ... إليك أبكار أفكاري ولم تقف
فهاك ألفاظها إن لم تكن دررا ... فإنّها أنجم سارت إلى الشّرف
ومنه قوله: [المجتث]
الانتقام عفوه، ولا يكدّر ما في ضريح الغمام صفوه. تخيّله المصدّق المكذّب، وشعره وافق اسمه المهذّب. لو رقا الصخر للان له قاسيه، أو دعا الجليل لخضع له راسيه. (١٢١) لو زاد المطر لأمسك عقوده الواهية، أو صاد الحجر لأنبطه عيونا جارية. وأنشد له ابن سعيد: [الطويل]
جننت فعوّذني بكتبك إن لي ... شياطين شوق لا يفارقن مضجعي
إذا استرقت أسرار وجدي تمردا ... بعثت عليها في الدّجى شهب أدمعي
ومنه قوله: [السريع]
هذا هلال كهلال الدّجى ... من شعره قد لاح في غيهب
إن عطف الصّدغ على خدّه ... فانظر إلى المرّيخ في العقرب
ومنه قوله: [السريع]
وشادن أبصرته راكبا ... في كفّه جوكانه يلعب
كالبدر فوق البدر في كفّه ... هلاله والكرة الكوكب
ومنه قوله: [البسيط]
وشادن ذي عذار كنت أعشقه ... فصار يحلق لما طغى الشّعر
فاليوم قد زار موسى طور عارضه ... وكان بالأمس في أرجائه الخضر
ومنه قوله: [الكامل]
ومهفهف ريحان نبت عذاره ... في ورد خدّيه الجنيّ الأحمر
أصلى بنار الخدّ عنبر خاله ... فبدا العذار دخان ذاك العنبر
ومنه قوله: [الكامل]
ومعود صيد الطيور بكاسر ... والعاشقين بكسر طرف لائح
يا ذا النّدى والمعالي ... نسيت وعدي شهورا
قد كنت تنسى قليلا ... فصرت تنسى كثيرا
ومنه قوله: ملغزا في فحم: [الوافر]
وما أحوى له قدّ إذا ما ... أردنا وصفه قلنا قضيبا
تبيت به القلوب إذا قلاها ... على جمر يذيب به القلوبا
أحنّ إليه إن هبّت شمالا ... وأذكره إذا هبّت جنوبا
به حرق وبي حرق إليه ... وأرجو أن أزاد به لهيبا
وكم أبدى لنا نارا يبيسا ... وقدما كان يخفيها رطيبا
عريق الأصل سوّده أبوه ... ولم يك في مغارسه نجيبا
ومنه قوله: [الكامل]
يا حسنه في الجيش حين غدا ... يختال بين السّمر والقضب
لم ألق أحلى من شمائله ... في العين لما سار في القلب
ومنهم:
٤٠- محمد بن محمد بن إبراهيم بن الخضر، الطبريّ*
الآمليّ المحتد، الحلبيّ المولد، المهذّب، أبو نصر الحاسب. حاسب لو شاء لأحصى الأرض مساحة، وقسّم البرّ والبحر بالراحة، لا يعزب عنه في الحساب مثقال ذرّة، ولا في السحاب إذا أراد عدّة قطرة. لو همّ بجمع رمل عالج لأحصاه، أو حصر شجر ضارج لاستقصاه. ذكيّ فهم، وطالب علم نهم. لا يشوب
هيهات أفلت من هوى متقنّص ... أبدا بجارحة يصيد وجارح
ومنه قوله في مليح يعمل التكك: [السريع]
يا بائع التّكّة في سوقه ... محكمة بالظفر والعقد
ما حاجتي إلا إلى تكّة ... تحلّها في خلوة عندي
ومنهم:
٤١- نور الدين الأسعرديّ (( ١٣ ))
ذو سخف حجّ ابن الحجاج، وهبّر ابن (١٢٢) الهبّارية، ألبد البديع الهمدانيّ، وهرّ نافخا في وجه الوهراني. وأتى بكلّ حلو إحماضه، وبكلّ تبسّم إيماضه، لو هزّأ بالنّجوم لأطفأ مصابيحها الزّاهية، أو هجا البدر المنير لرماه بداهية.
وكانت بينه وبين بني العديم مودة ما تقطّعت أسبابها، وتصرّمت لهم أيام مضى طيبها وبقيت آدابها. ومما أنشده له ابن سعيد: [الطويل]
ولم أر شمسا قبلها في زجاجة ... مكلّلة من نفسها بنجوم
وتنظر من ستر الزجاج كأنها ... سنا البرق يبدو من دقيق غيوم
ومن شعره قوله يعتذر عن هفوة، وكان قد أضرّ: [الوافر]
أيا ملكا له ظلّ ظليل ... يقال به ويولي كلّ نعمى
أقلني إن عثرت أريك سهوا ... فأولى ما يقال عثار أعمى
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
سباني معسول المراشف عاسل ال ... معاطف مصقول السوالف مائد
يروم على أردافه الخصر مسعدا ... (( إذا عظم المطلوب قلّ المساعد )) (( ٢ ))
وقوله: [السريع]
قال وقد قصّرت في نيكه ... سدّ فضا مبعري الواسع
فقلت يا مولاي عذرا فقد ... (( اتّسع الخرق على الراقع ))
وقوله: [البسيط]
وجئته طائعا أبغي البراز له ... فقال: دعني فقد ضاقت بي الحيل
فقلت صبرا على ما قد بليت به ... فظلّ ينشدني والدمع ينهمل
يحتاج من عرف الجمّال منزلة ... يوسّع الباب حتى يدخل الجمل
وقوله: [المتقارب]
سألت الوزير أتهوى النّساء ... أم المرد جاروا على مهجتك
فقال وأبدى الخلاعة لي ... كذا وكذا قلت: من زوجتك؟
وقوله: [البسيط]
لما ثنى جيده للسكر مضطجعا ... وهنا ولولا شفيع الرّاح لم ينم
(١٢٣) دببت ليلا عليه بعد هجعته ... شكرا فقل في دبيب النّور في الظّلم
وقوله: [المجتث]
هذا النّصير عجيب ... يا ويحه كم ينيك
مؤذّن لا يصلّي ... كأنّما هو ديك
وقوله: [الخفيف]
قلت يوما للصدر هل تث ... بت البعث وتنفي إنكارهم للحشر
قال: أثبتّ. قلت: ذقنك في استي ... قال: أنفي فقلت: في وسط جحري
وقوله: [الخفيف]
لا تقولوا تدري النّصارى حسابا ... ليس تدري غير علم الخباثه
كيف يدري الحساب من جعل الوا ... حد سبحانه بجهل ثلاثه
ومنهم:
٤٢- جمال الدين بن خطلخ، الأمويّ
فرع من ذلك الأصل سمق، وجواد على العرق سبق. بقية من علوم بها الأعداء أقرّت، وحلوم مثل الجبال استقرّت. نطق فأبانت أمويته عن أنسابها، وأنابت قريش لآدابها، وأنامت معد لا تسفه أحلامها، وأنالت كنانة ما تخفق عليه أعلامها. ونفح محاضرة من عبد شمس هاشم، ولحا مجالسة من قصيّ قصارى كل اسم. ومن شعره ما أنشده له ابن سعيد، وهو قوله: [السريع]
صابونه في راحتي منعم ... أصبحت السّحب له حسّدا
تلاطم البحران في صدرها ... فأصبح الموج بها مزيدا
ومنهم:
٤٣- يحيى بن يوسف بن يحيى، الصّرصريّ، الفقيه، الحنبليّ (( ١٣ ))
فقيه أديب، ومحبّ ما مثل حبيبه حبيب. جعل المدائح الشريفة النبويّة- زادها الله شرفا- فري قريحته، ودأب أيامه، في مسائه وصبيحته. ملأ صحائفه بحسناتها، وملأ بطيبها أسماع حداتها، حتى عرف بولوج ذلك الباب، وولوع قلبه بما تتهافت عليه الألباب، وقرّ في كلّ خاطر هيامه بساكن ذلك الحمى، وقيامه في كنف الذي به احتمى. وكان منور البصيرة، وإن أظلم منه البصر، طويل الباع (١٢٤) في وصف هواه وإن اقتصر. بان شوقا إلى المحلّ النازح، ويحنّ إلى من حنّت إليه المطيّ الرّوازح. وكان من الفقهاء الحنابلة المبالغين، وقصيدته العينية التي أولها: (( ١ )) [الطويل]
تواضع لربّ العرش علّك ترفع
ناطقة، وحلّل الإطناب في محاسنه. هذا إلى ما لا شكّ فيه، ولا ريب في فضله الذي لا يدّعي مكثر أنه يوفّيه، مما كان به من ثوب الصّلاح مرتديا، وإليه من حسن الثواب مهتديا.
وقد وقفت له على مدائح ليست من المشرفات المحمدية، ولا مما تقي نار الخطوب كراماتها الأحمدية. ومن طرره المقوم للتشريف المنظوم في المديح الشريف، قوله: (( ٢ )) [البسيط]
يا سائق الرّكب لا تعجل فلي أرب ... فوق الرّواحل حالت دونه الحجب
لعلّ بدر الدّجى يرخي اللّثام لنا ... عن عارضيه فيشفى الواله الوصب
ماذا على ظاعن شطّ المزار به ... لو أنّه في الدّجى يدنو ويقترب
أحبابنا إن تكن أيدي النّوى عبثت ... بشملنا فهو بالتفريق منتهب
فإنّ حبّكم وسط الحشاشة لا ... تناله غير الأيام والنّوب
هلّا عطفتم على صبّ بكم فعلت ... به سطا البين مالا تفعل القضب (( ١ ))
فؤاده نازح مستأنس بكم ... وجسمه وهو بين الأهل مغترب
ما هبّ من نحوكم في الصّبح نشر صبا ... إلا وهزّ إليكم عطفه الطّرب
ولا ترنّم قمريّ على فنن ... إلا وظلّ من الأشواق ينتحب
يحنّ نحو الحمى إذ تنزلون به ... وليس بينهما لو لاكم نسب
وإن جرى ذكر سلع في مسامعه ... فإنه لدواعي وجده سبب
سحّت غمائم أنوار المزيد على ... قبابه البيض سحّا دونه السّحب (( ٢ ))
فهي الشّفاء لأسقامي وساكنها ... هو الحبيب الذي أبغي وأطّلب
يا ناقتي لا تغشّاك الضّلال ولا ... مسّ القوائم منك الأين والنّصب
سيري إلى أن تحلّي ربع أفضل من ... في الأرض شدّ إلى أقطاره القتب
محمد خير مبعوث بمرحمة ... من خير بيت عليه أجمع العرب
(١٢٥) عف كريم السجايا من سلالة إب ... راهيم أكرم خلق الله منتجب
مهذّب طاهر طابت أرومته ... وطاب بين الورى أمّ له وأب
به هدى الله قوما صدّهم سفها ... عن الهدى الخمر والأزلام والنّصب (( ٣ ))
أتاهم بكتاب صدّق الصّحف ال ... أولى كما صدّقت آياته الكتب
فأخرج الناس من ليل الضّلال به ... إلى صباح رشاد ليس يحتجب
دعا إلى الله ربّ العرش وهو على ... بصيرة لا يغطّي نورها الرّيب
وقوله: (( ١ )) [الخفيف]
لو وفى مولع بليّ العدات ... لم تخنّي الدموع بين العداة
ناظر بالبكاء أضحى حسيرا ... وحشا تنطوي على الحسرات
أتمنّى أرض الحجاز ودوني ... حاجز من صوارف النائبات
كلّما أهدت النسيم عبيرا ... من رباها أجود بالعبرات
آه للبارق التّهاميّ أذكى ... لي على أبرق الحمى زفراتي
طال شوقي إلى منازل فيها ... يقصر الهمّ مثل قصر الصلاة
فوق خوص تفري جيوب الدياجي ... باجتياب المهامه المقفرات
طالبات البرّ في قطعها البر ... رو فلي البيداء والفلوات (( ٢ ))
فهي في الآل كالأجادل تهوي ... بل ترى كالمجادل المشرفات
وإذا ما ونت تعرّض حادي ... ها بذكر الحمى غدت طائرات (( ٣ ))
فهي تطوي صعب الفلاة بأسرا ... ر الهوى لا بطيبة النغمات
وعليها شعث النّواصي تواصوا ... في سبيل الهدى بحسن الثبات
وأجدّوا بمسجد الخيف عهدا ... وأقاموا للرمي بالجمرات
ثمّ حلّت بأرض طيبة ربعا ... فيه أضحت معادن الطيّبات
النبيّ الهادي البشير أبو القا ... سم ذو البيّنات والمعجزات
وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
(١٢٦) لي بين سلع والعقيق عهود ... بلي الشّباب وذكرهنّ جديد (( ١ ))
أيّام أرفل في جلابيب الصّبا ... وعليّ من خلع الوصال برود
كلّ الليالي للمحبّ بجوّه ... ليل التمام وكلّ يوم عيد
إنّ امرأ يمسي ويصبح عاكفا ... بجنابه العطر الثّرى لسعيد
تدنيه بالآمال أحلام الكرى ... منّي وإنّ مزاره لبعيد
إن متّ من شغفي به وصبابتي ... فقتيل أسياف الفراق شهيد
كيف اللّقاء ودون من أحببته ... وعر الحجاز ومن تهامة بيد
وقوله: (( ٢ )) [الخفيف]
يا ولاة الفلا ذميلا ووخدا ... كيف خلّفتم العذيب ونجدا (( ٣ ))
هل جرى بعدنا النسيم مريضا ... في ثراه فهزّبانا ورندا
أم كست من رباه أيدي الغوادي ... كلّ عطف من الأزاهير بردا (( ٤ ))
خبّروني كيف الحجاز وهل مر ... رت بأعلامه الرّكائب تحدا (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [البسيط]
ماذا أثار بقلبي السّائق الغرد ... لما انبرت عيسه نحو الحمى تخد (( ٧ ))
وددت لو أنني أصبحت متّبعا ... آثارها أرد الماء الذي ترد
أهوى الحجاز ولولا ساكنوه لما ... حلا بنجد لي التّهجير والنّجد
ولا اطّباني برق في أبارقه ... كأنه صارم في متنه ربد (( ١ ))
هل من سبيل إلى ذات السّتور ولو ... أنّ الظّبا والقنا من دونها رصد (( ٢ ))
ففي هواها قليل أن يطلّ دمي ... وكم لها من قتيل ما له قود
وبالعقيق حبيب لو بذلت له ... روحي لكان يسيرا في الذي أجد
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
ذكر العقيق فهاجه تذكاره ... صب عن الأحباب شطّ مزاره
وهفت إلى سلع نوازع قلبه ... فتصرّمت بين الجوانح ناره
(١٢٧) شغفا بمن ملك الفؤاد بأسره ... وبودّه أن لا يفكّ إساره
يا من ثوى بين الجوانح والحشا ... مني وإن بعدت عليّ دياره
عطفا على قلب بحبّك هائم ... إن لم تصله تقطّعت أعشاره (( ٤ ))
وارحم كئيبا فيك يقضي نحبه ... أسفا عليك وما انقضت أوطاره
ما اعتاض من سمر الحمى ظلّا ولا ... طابت بغير حديثكم أسماره (( ٥ ))
هل عائد زمن تضوّع نشره ... أرجا ورقّت بالرّضى أشجاره (( ٦ ))
يحمي النّزيل وكيف لا يحمي وقد ... حفّت بجاه المصطفى أقطاره
وقوله: (( ٧ )) [الكامل]
سلوان مثلك للمحبّ عزيز ... وعليك لوم الصّبّ ليس يجوز
قلبي ذلول في هواك ومسمعي ... فله عن اللّوّام فيك نشوز
يا من شأى بجماله شمس الضّحى ... ولقدّه دان القنا المهزوز
هل للمتيّم في وصالك مطمع ... فلعلّه بالقرب منك يفوز
أنا عبدك الرّاضي برقّي فارضني ... عبدا فلي في ذلك التمييز
لا عار يلحق في هواك لعاشق ... ومحبّ غيرك عرضه مغموز (( ١ ))
لا أدّعي فيك الغرام مغمغما ... في مثل حبّك يكشف المرموز
نظم القريض بمدح غيرك نقده ... زيف ونظم مديحك الإبريز (( ٢ ))
كلّ العروض بحسن مدحك كامل ... يحلو به المقصور والمهموز
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
إن بان من تهوى وأنت مثبّط ... وصبرت لا تبكي فأنت مفرّط
فاحلل عقود الدّمع في دار الهوى ... فلها البكاء عليك حقّ يشرط (( ٤ ))
طلّ الدموع على ثرى الأطلال في ... شرع الغرام فريضة لا تسقط
دار علقت بها وفودك فاحم ... أفتنثني عنها ورأسك أشمط
كيف التّسلّي عن هوى بدر له ... في القلب منّي منزل متوسّط (( ٥ ))
(١٢٨) وقوله: (( ٦ )) [الكامل]
لوم المحبّ عليك ليس يسوغ ... فلم العذول عن الصّواب يروغ
يتجرّع المشتاق فيك تستّرا ... غصص الملام ولا يكاد يسيغ
وقوله: (( ١ )) [الوافر]
دموع العين موعدك الفراق ... هنالك ما خزنت أسى يراق (( ٢ ))
أيا ركب الحجاز هديت رفقا ... بقلب هائم معكم يساق
عجبت له يحلّ بذات عرق ... بهمّته ومنزله العراق
ويسكن أرض نعمان اشتياقا ... ولم تشعر بمسراه النياق
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
من غير سنّة حبّهم خذ واترك ... وسوى طريقهم تعدّ أو اسلك
واصبر على فتكات صارم حبّهم ... لا فخر للهنديّ إن لم يفتك
والبس بهم ثوب النّحول فإنّه ... لا يخلص الإبريز إن لم يسبك
شرف القلوب دخولها في رقّه ... والعبد يحوي الفخر بالمتملّك (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [البسيط]
ركب الحجاز ومنك الخير مأمول ... هل عندك اليوم للمشتاق تنويل
هل ربّة السّتر بعد النّأي دانية ... أم حبلها بعد طول القطع موصول
أم هل تحلّ مطايانا بساحتها ... وربعها الرّحب بالأحباب مأهول (( ٦ ))
يلبزن صمّ الحصا لبزا كأن دمها ... خطّ عليه فمنقوط ومشكول
تحنّ شوقا وأنّى لا تحنّ إلى ... حمى الرسول النجيبات المراسيل
حللتها فحلا عندي الغرام بها ... ثم انصرفن وفي قلبي عقابيل
وقوله: (( ١ )) [البسيط]
أحبابنا إن ونت عنّي رسائلكم ... فإنّ أنفاس وجدي نحوكم رسل
(١٢٩) وإن تشاغل غيري عنكم يهوى ... فما لقلبي سوى تذكاركم شغل
ومنهم:
٤٤- الحسام الحاجريّ (( ١٣ ))
وهو أبو الفضل، عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل بن خمارتكين بن طاشتكين، الإربليّ. ممن تسمّى في الأفراد، وينمى في نسبه إلى الأكراد. وكان من أهل الجنديّة وذوي الفضل.
ولابن خلكان به صحبة، وكان يكثر في سوم شعره، ويؤثر السحر من شعره.
وقتل بعد الثلاثين وستمائة. رزق عليه بعض أعدائه، وزرّ عليه طوقا من القتل سلبه من ردائه. وشعره سهل الخلائق، دمث الجانب، كأنّه الرّوض دبّجت الشقائق. ومنه قوله: (( ٢ )) [الكامل]
لم لا يشنّ على فؤادي غارة ... والخدّ من زرد العذار ملبّس
يتنفّس الصّعداء قلبي كلما ... عاينت صبح جبينه يتنفّس (( ١ ))
ملك الفؤاد بعارض وبمقلة ... حار البنفسج فيهما والنّرجس
كيف السبيل إلى السّلوّ ولي حشا ... أضحى يقوم بها الغرام ويجلس
قد صيّر الخدّ البكاء حفائرا ... فإذا جرت فيه المدامع تيبس
لا تخش ثأرا حيث خدّك ناطق ... يدمى عليك فلي لسان أخرس
وقوله: (( ٢ )) [الطويل]
بحقّكم يا جائرين تعطّفوا ... فقد رقّ لي من هجركم كلّ شامت (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [الخفيف]
جسد ناحل وقلب جريح ... ودموع على الخدود تسيح
وحبيب جمّ التّجنّي ولكن ... كلّ ما يفعل المليح مليح (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [الطويل]
ولم أنسه كالبدر ليلة زارني ... يميس كغصن البان وهو رطيب
فبتنا ولا واش سوى طيب نشره ... علينا ولا غير النجوم رقيب
وقوله: (( ٧ )) [الكامل]
وعلى الكئيب ولا أصرّح بالهوى ... من لا يلمّ بقلبه الإشفاق (( ١ ))
(١٣٠) ما كنت أعلم قبل يوم فراقهم ... أنّ الحمام قطيعة وفراق
وقوله: (( ٢ )) [الطويل]
رعى الله ليلات بطيب حديثكم ... تقضّت وحيّاها الحيا وسقاها
فما قلت إيها بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبي آها (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [الطويل]
وبي ثمل ما ماس إلا وأطرقت ... حياء له السّمر الذّوابل والقضب (( ٥ ))
يعاتبني والذّنب في الحبّ ذنبه ... فيرجع مغفورا له ولي الذّنب
وقوله: (( ٦ )) [الخفيف]
قلت لما بدا يرنّح عطفي ... هـ كغصن الأراكة الميّاد
قد سرقت الرّقاد قال مجيبا ... ليس هذا بدعا من الأكراد
وقوله: (( ٧ )) [الوافر]
أسائقها إلى العلمين قصدا ... يبيد البيد قربا مثل بعد
حذارا إن وصلت بها المصلّى ... من البلوى فداء الحبّ يعدي
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
لله درّ لواعج أودعتني ... يوم الغوير ضحى وأنت مودّعي
سأعلّمنّ النّوح كلّ حمامة ... ثكلى وفرط الوجد كلّ مفجّع
وقوله: (( ٢ )) [الوافر]
عذار في الغرام أقام عذري ... شغفت بحبّه وهتكت ستري (( ٣ ))
أيا شمس الملاحة كلّ صبّ ... يشاهد من جفونك يوم بدر (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [الوافر]
أتظعن والذي تهوى مقيم ... لعمرك إنّ ذا خطر عظيم
إذا ما كنت للحدثان عونا ... عليك وللزمان فمن تلوم
وقوله: (( ٦ )) [الطويل]
ولّما ابتلي بالحبّ رقّ لشقوتي ... وما كان لولا الحبّ ممن يرقّ لي
(١٣١) أحبّ الذي هام الحبيب بحبّه ... ألا فاعجبوا من ذا الغرام المسلسل
وقوله: (( ٧ )) [الطويل]
تعشّق من أهوى فأصبحت ذا هوى ... جدير بمن يهوى الحبيب ويعشق
وأعجب من ذا أن قلبي موثّق ... كذا من له قلب بآخر موثق
وقوله: (( ١ )) [السريع]
قلت لمحبوبي وقد مرّ به ... محبوبه كالقمر السّاري
هذا الذي يأخذ لي طرفه ... من طرفك الفتّان بالثّار
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
ومهفهف من شعره وجبينه ... تغدو الورى في ظلمة وضياء
لا تنكروا الخال الذي في خدّه ... كلّ الشّقيق بنقطة سوداء
وقوله: (( ٣ )) [السريع]
ومن غرامي فيه قال الورى ... ما جنّ قيس مثل هذا الجنون
كلّي لسان عند تذكاره ... وجملتي عند التلاقي عيون
وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
أضحى ليوسف في الجمال خليفة ... يخشاه كلّ العاشقين إذا بدا
عرّج معي وانظر إليه لكي ترى ... في خدّه علم الخلافة أسودا
وقوله: (( ٥ )) [الكامل]
ما زال يحلف لي بكلّ أليّة ... أن لا يزال مدى الزمان مصاحبي
لما جفا نزل العذار بخدّه ... فتعجّبوا السواد وجه الكاذب
وقوله: (( ١ )) [الوافر]
سقى عهد الصّبا غاد ملثّ ... ولا حيّا بياض العارضين
فمذ خطّ المشيب عدمت صحبي ... لقد كان المشيب غراب بين
وقوله: (( ٢ )) [الخفيف]
كذب القائلون بابل أرض ... هي اسم من بعض تلك العيون
(١٣٢) وقوله: (( ٣ )) [السريع]
لو لم تكن وجنته جنّة ... ما أنبتت ذاك العذار الأنيق
وا عجبا يفعل بي في الهوى ... ما تفعل الأعداء وهو الصديق
وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
ومهفهف عبث السّقام بجفنه ... وسرى فخيّم في معاقل خصره
مزّقت أثواب الظلام بثغره ... ثم انثنى فرفوتهنّ بشعره
وقوله: الصّواب أنها لابن سهر بن العباس الصولي: (( ٥ )) [الطويل]
دنت يا ناس عن بابي زيارة ... وشطّ بليلي عن دنوّ مزارها
وإنّ مقيمات بمنعرج اللّوى ... لأقرب من ليلي وهاتيك دارها
وقوله: (( ٦ )) [المتقارب]
بليت بذي جفوة جائر ... وماذا احتيالي ورقّي لديه
أراه فأدعو له خيفة ... وأخلو بنفسي فأدعو عليه
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
ووقفت قلبي المستهام على الهوى ... طوعا وكلّ متيّم مطواع
يا غير حبّ العامريّة لا تسم ... قلبي فإن الوقف ليس يباع
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
لا تعجبن يا عزّ إن ذلّ الفتى ... ذو الأصل واستعلى اللئيم المعتدي
فكذا البزاة رؤوسهنّ عواطل ... والتاج معقود برأس الهدهد
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
قد قلت لما أن رأيت بخدّه ... وردا وخطّ عذاره كالآس
أعذاره السّاري العجول بخدّه ... ما في وقوفك ساعة من باس
وقوله: (( ٤ )) [الوافر]
تثنّى فاستحال قضيب بان ... يحيّر من معاطفه الغصونا
وكانت بابل من قبل أرضا ... فلما أن رنا صارت جفونا
(١٣٣) وقوله: (( ٥ )) [الطويل]
أموت اشتياقا مبعدا ومقرّبا ... وأتلف وجدا حين يرضى ويغضب
فكيف احتيالي في الشّفاء ومهجتي ... على كلّ حال في هواه تعذّب
وقوله: (( ١ )) [السريع]
طبّ ابن شمعون بلا ريبة ... حكم على كلّ الورى مقضي (( ٢ ))
يمشي وعزرائيل من خلفه ... مشمّر الأردان للقبض
وقوله: (( ٣ )) [البسيط]
حذار من طبّ شمعون فقد حلفت ... أن لا يفارق جسما زاره العلل (( ٤ ))
ما جسّ نبض فتى إلا وأنشده ... (( ودّع هريرة إنّ الركب مرتحل )) (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [السريع]
ليت ابن شمعون درى أنه ... يفعل فعل الأرقم القاتل
مبارك الطّلعة في طبّه ... لكن على الحفّار والغاسل
وقوله: (( ٧ )) [السريع]
من آل خاقان له لفتة ... كالظّبي والظّبي شرود نفور
صحّ حساب السّحر من طرفه ... إذ كان في جفنيه جمع الكسور
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
على دمع عيني من فراقك ناظر ... ترقرقه إذ لم ترقه المحاجر (( ٢ ))
يمثلك الشّوق الشّديد لناظري ... فأطرق إجلالا كأنك حاضر
عجبت لخال يعبد النار دائما ... بخدّك لم يحرق بها وهو كافر
وأعجب من ذا أن طرفك منذر ... يصدّق في آياته وهو ساحر
ومذ خبّروني أن غصنا قوامه ... تيقّنت أنّ القلب مني طائر
وما اخضرّ ذاك الخدّ نبتا وإنما ... لكثرة ما شقّت عليه المرائر
وقوله: (( ٣ )) [الطويل]
سقى الله جيرانا على الخيف طالما ... سقيت الثرى من بعدهم بدموعي
(١٣٤)
تناءوا فآل القلب بعد فراقهم ... يمنيا بأن لا قرّ بين ضلوعي (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [الخفيف]
هل لطرف أسهرتموه هجود ... ولظام ألهفتموه ورود
كيف صبري والبين منّي قريب ... ليس ينفكّ والمزار بعيد
والليالي القصار أضحت طوالا ... كنّ وصلا واليوم هنّ صدود
وقوله: (( ٦ )) [الرمل]
إن هم بالله يا حادي السّرى ... سألوك الحال قل: والله مضنا
يتمنّى ساعة من قربكم ... وبعيدا أن يرى ما يتمنّى
وقوله: (( ١ )) [المتقارب]
شكوت إلى البان ما بي فمال ... إلى أن تباكى عليه الحمام (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [الطويل]
بدا فأراني الظّبي والغصن والبدرا ... فتبّا لقلب لا يبيت به مغرى
نبيّ جمال كلّ ما فيه معجز ... من الحسن لكن وجهه الآية الكبرى
أقام بلال الخال من فوق خدّه ... يراقب من لألاء غرّته الفجرا (( ٤ ))
أغالط إخواني إذا ذكروا له ... حديثا كأني لا أحبّ له ذكرا
أعاذل هل أبصرت من قبل وجهه ... وعارضه نارا حوت جنّة خضرا
سرى طيفه ليلا إليّ مجدّدا ... عهود الهوى يا حبّذا ليلة الإسرا
ومنهم:
٤٥- ابن تميم (( ١٣ ))
وهو مجير الدين، محمد بن [يعقوب بن علي الإسعردي] (( ٥ )) . طاب شميما، وطال بأبّوته الفرزدق وتميما. وكان فتى لا يزال من النّوائب مجيرا، ولا يرنّح
الرّكائب بردا ولا هجيرا. يعمل مطيّه على وجاها، ويعمل لما زاده رتبة وجاها (( ١ )) ، لأدب رقّ كالخدّ سلسله، وخطّ حسن كالصّدغ مسلسله، وشعر كان فيه مطبوعا لا يتكلّف، ومتبوعا لا تجد عنه من يتخلّف. وأغري بالتورية والاستخدام، وأتى منهما بالماء والمدام، فألقى على الناس منه محبّه، وملك القلوب فلم يدع منها حبّه، فأخمل شعراء الشام والعراق، وضمّ اللطائف (١٣٥) ضمّ السّاعد للعناق. وطالما بات ليالي لا ينقاد لوسن، ولا يرتاد إلّا سهل الكلام لكنه الحسن.
وكان يعدّ في حماة من حماتها، وممن تفلق به الدّروع قلوب كماتها.
وصحب ملوكها الطّيّبين بحارا، وأمسى لهم في جانب الفرقدين جارا، فبلغ به جودهم فوق همّاته، وغادروه الدهر شاكرا لحماته. وله معهم أخبار يطول شرحها، ويحول سرحها. حكي أنّ الملك المنصور استدعاه في ليلة غفل رقيبها، وحضر ربيبها، وسحبت من الذّوائب ضفائرها، وسجنت من بيض الأيام ضرائرها، إلى مجلس من خزف، وفواكه لم تحرف. وأمامه جدول قد خرّ ماؤه فتكسّر، وأنّ عليه كل بارق وتحسّر. والكؤوس دائره، والشّموس في أيدي البدور سائرة. فلما رأى الجدول، وقد أصابته من العين نظرة فتعثّر، وسقط عقد لؤلؤه فتنتّر، نظر إليه، وقال: [الكامل]
يا حسنه من جدول متدفّق ... يلهي برونق حسنه من أبصرا
ما زلت أنذره عيونا حوله ... خوفا عليه أن يصاب فتعثرا
فأبى وزاد تماديا في جريه ... حتّى هوى من شاهق فتكسّرا
فسرّ المنصور بأبياته، وأحبّ استطلاع خبايا بناته، وأمره بالجلوس إليه، وجعله أرفع القوم مجلسا لديه. ثم لم يستقرّ به المكان، ولا قعد واستكان، حتى
تحرّك المجلس لغلام ورد، كأنما تبسّم عن برد، فقال له المنصور بصوت يخفيه، ما تقول فيه، فقال: [الخفيف]
بأبي أهيف تبدّى وحيّا ... بابتسام عدمت منه اصطباري
فأراني بوجهه وثنايا ... هـ نجوما طلعن وسط النّهار
فقال له سرّا، وقد أسفر وجهه وتسرّى: ألا إنّه شديد النّفار من المدام، ولو قرّع بالملام. فهل تقدر على استلابته، وتسهيل بأسه واستهابته؟. فما قطع المقال، حتى التفت إليه ابن تميم وقال: [الطويل]
أتهجرها صرفا لأجل خمارها ... وذلك شيء لو جرى غير صائر
(١٣٦) فلا تخش من داء الخمار وعاطها ... (( هنيئا مريئا غير داء مخامر ))
فكاد الغلام يسطو عليه سطوة العائث، وقال له كالعابث: وما هذه؟
فقال: [السريع]
صفراء لو لاحت لشمس الضّحى ... من قبل أن تطلع لم تطلع
أحسن ما في وصفها أنّها ... لم تجتمع والهمّ في موضع
فقال: بل أشرب خيرا منها، وأدعو (( ١ )) للنهي عنها. ثم أتى بركة، فغبّ في مائها، وأرى وجهه خيال قمره في سمائها، فقال: (( ٢ )) [الكامل]
أفدي الذي أهوى بفيه شاربا ... من بركة راقت وطابت مشرعا
أبدت لعيني وجهه وخياله ... (( فأرتني القمرين في وقت معا ))
ثم لم يزل به حتى شرب، ولذّ معه عامّة ليلته وطرب. فلما طلع ابن ذكاء، وأنار الصّبح وأضاء، شكر له المنصور حلّ عقدة الغلام، وقال: مثلك من سحر
بالكلام. ثم سنّى له الجائزة، وغدا ابن تميم ويده لها حائزة.
ثم استدعاه ليلة أخرى، والحندس قد أسبل جلابيبه، والظلام قد صبّ شآبيبه، والنجوم قد آلت أن لا تزول، وركائب السّيّارة على المجرّة نزول. فبيناهم في ذلك العيش السّجسج (( ١ )) ، وبرد السّرور الذي مثله ما يسنج، وإذا بجارية في ظلامها مسفرة، ولذمامها غير مخفرة. قد عنّت كالظّبية المقبلة، تحت ذيل ذوائبها المسبلة، فقال له: إن كنت من أبناء قيلة، قل في هذه الليلة.
فقال: (( ٢ )) [الكامل]
يا ليلة قصّرت زورة غادة ... سفرت فأغنى وجهها عن بدرها (( ٣ ))
حتى إذا خافت هجوم صباحها ... نشرت ثلاث ذوائب من شعرها
فتبسّمت تضحك لشيب مفرقه، وتوضّح الشمس في مفرقه، فقال: [الوافر]
تقول وقد وصفت لها مشيبي ... بزهر في دجى شعري منير
بودّي لو يغيّبها غمام ... ويؤمر بالمقام فلا يسير
(١٣٧) فقال له الملك المنصور: دع عنك هذا، وقل في ذوائب هذه الجارية، فقال: [الطويل]
وهيفاء يسبينا اهتزاز قوامها ... وتفتننا بالسّحر أجفانها المرضى
يطول عليها الشّعر حتى إذا مشت ... أتى خاضعا قدّامها يلثم الأرضا
فقال له: بالله هل أعجبتك هذه الجارية؟ فقال: إي والذي خلق الحبّ، وقيّم الزّبّ. فضحك المنصور، وضحكت الجارية. ثم قال له: أفتحبّ أن تكون ملكك، على أن لا تمنعنا من عادة زيارتها؟ فقال: رضيت بالشّركة. فقال له
المنصور: لو قلت هذا شعرا لكان أحسن. فقال: [الطويل]
يقولون لم نعهدك في الحبّ آخذا ... شريكا ولا مستأنسا بصديق
فقلت طريق الحبّ أصعب مخطرا ... مخوفا فلم يسلك بغير رفيق
فقضى معه ليلة لم ير مثلها ابن حجر في لياليه الغرّان، ولا ابن بحر عند ابن الخيزران.
وحكي أنّه استدعاه في صبيحة يوم أبيض، ونور بات ياسمينه على الأرض ينفض، والثلج قد نثر كافوره، والجليد قد كسر بلّوره، والسحائب قد أضحت ذيولها مجرورة، والبرق قد تلوّن طول ليلته حتى أخرجها من صورة إلى صورة، وأواني الزجاج قد شفّت من وراء مدامها الرّاح، والدّنان قد فكّ عنها ختام فدامها، ورجال الرّاح قد رادت في إقدامها، والسّاقي بعذار كأنّما كتب بالريحان، أو سيّج بالزّمرّد بنت الجان، وتحت عذاره خيلان. قد خبّأت مسكها فزاد تضوّعا، وكثر طيبه تنوّعا. قد بارح نشرها وفاح، وعلم بنقطها في خدّه أنّه قد تمّ وصف التفاح. فلما دخل عليه في بكرة ذلك اليوم الأغر، ورأى الدنيا الضاحكة تفترّ، أنشده: [الكامل]
يا أيها الملك الذي بسطت له ... بالجود كفّ دهرها لم يقبض
دنياك مذ وعدت بأنّك لم تزل ... في نعمة وسعادة لا تنقضي
كان الدليل على وفاها أنّها ... أضحت تقابلنا بوجه أبيض
(١٣٨) فقال له: ما لهذا طلبتك، ولا لأجله خبّأتك، لكن انظر إلى شامات هذا السّاقي تحت عذاره، وقل في أسّه وعذاره. فلم يقل إيها، حتى قال بديها: [الكامل]
ومهفهف خيلانه وعذاره ... قد جاوزا حدّ الجمال فأفرطا
فكأنّما كتب العذار بخطّه ... سطرا بحبّات القلوب ونقّطا
فأجزل له الصّلة، وإن لم تكن عوائده منفصلة.
وحكي أنه طلبه في أخريات عصر غربت شمسه، وكاد يتساوى يومه وأمسه. وبثّ الرّسل في طلبه من كلّ صوب، وتوقّع أوبته من كل أوب، إلى أن توقّد في فحم الدّجى جمر الشّفق، وأهزلوا الجوزاء وخفق. فلم يوجد في ناحية، ولا رئي في عشيّة ولا ضاحية. فلما انشقّ جيب الظلام، واشتعل في المشرق وثيب الضّرام، ألفي في بستان، نائي المكان، نائي السّكان. قد خلا فيه بنفسه منفردا، وبقي فيه فردا مثل السيف مجرّدا. فأخبر بحاله، وأحضر إليه على حاله، فأمر أن يسقى مداما، ثم أوسعه ملاما، فقال: [الكامل]
من كان يرغب في حياة فؤاده ... وصفائه فلينأ عن هذا الورى
فالماء يصفو ما نأى فإذا دنا ... منهم تغيّر لونه وتكدّرا
وحكي أنه خرج والرّبيع قد غشيت أنديته، وقتيل المحل قد أديت ديته، حتى خيّم بروضة أطال إليها الخبب والإيضاع، وأودعت النّسيم طيبها فضاع، وبها دولاب تذر مآقيه، ويسرّ مدير كأسه وساقيه، قال فيها: (( ١ )) [الطويل]
أيا حسنها من روضة ضاع نشرها ... فنادت عليه في الرّياض طيور
ودولابها كادت تعدّ ضلوعه ... لكثرة ما يبكي بها ويدور
فبينا هو على تلك الوسائد، وفي خدمه من قائم الشجر تلك الولائد. فلما أمست مسكة الليل من بأرضه، وصاغ النجم له خاتما من فضة، أخذته (١٣٩) إغفاءة كإغفاءة المناصل، أو أخذ المدام بأطراف المفاصل. فرأى فيما يراه النائم
غلاما كان يهواه. قد طرقه طيفا، وبات له في سواد الليل ضيفا، فقال: [الطويل]
أقول لطيف الحبّ إذ زار مضجعي ... وبات إلى وقت الصّباح معانقي
أيا عجبا من ليلة قد طويتها ... بوصل حبيبي وهو فيها مفارقي
ومرحت وامتدت أقاطيع الأشعة وسرحت، إيّاه الغلام بقدّ كالرّدني، وطرف كاليماني. قد لبس لام عارضه، وأسكت حسنه قول معارضه، فقال: [البسيط]
من لي بأهيف قد أمست على خطر ... من قدّه مهجتي إن ماس أو خطرا
قد راح بالعارض المسكيّ محتجبا ... والغيم عادته أن يحجب القمرا
وفيه يقول: (( ١ )) [الطويل]
وأهيف مثل البدر غصن قوامه ... عليه قلوب العاشقين تطير
تدور عذاراه لتقبيل وجنة ... على مثلها كان الخصيب يدور
وفيه يقول: [الكامل]
يا حسن أهيف حظّه من حبّنا ... طيب النّعيم وحظّنا منه الشّقا
قدم العذار إلى نقا وجناته ... يا مرحبا بقدوم جيران النّقا
وفيه يقول، وقد عيّره بالمشيب: [الكامل]
أضحى يعيّرني المشيب وإنما ... أبداه طول صدوده وفراقه
هذا الذي أخذ الشباب فزاده ... في ليل طرّته وفي أحداقه
وحكي أنه حضر أندية بعض الكبراء، وقد غضّ فيه قدر من بقي من
الشعراء. وهو لا يبوح ببنت شفة، ولا يحترف معهم تمرة ولا خشفه، إلّا أن تلبّث خاطره قد انفجر، وخاسئ فضله لهم قد زجر. فلما لم يوم إليهم بطرف، ولا نطق بحرف، همّوا بمناجاته، فعالجهم بمفاجاته، حين أعورت عينه قذاتهم، وأعولت عنده أذاتهم، وقال: لقد جهلتم غرر المصاع، وكلتم زمر الناس كلّهم بصاع، (١٤٠) ولو اختبرتم القدّ على المحكّ، لبان الشّك. فتنوّعوا حينئذ في الاقتراح، وكدّوا خاطره فاستراح. فقال أحدهم: صف فوّارة. فقال: [الطويل]
سمت فأعادت في السماء مياهها ... وزادت فأجرت من مجرّتها نهرا
وقال الآخر: صف كلبا أحمر. فقال: [البسيط]
وثقت بالصّيد لّما أن ركبت له ... بمستطيل على وحش الفلا ضاري
بأحمر اللون خفّت روحه فله ... روح من الرّيح في جسم من النّار
وقال الآخر: قل في غلام طويل الشّعر. فقال: [الكامل]
قال الحبيب وقد رآني خائفا ... إذ زارني من أعين النّظّار
أرسلت شعري حين جئتك زائرا ... خلفي فعفّى عنهم آثاري
وقال الآخر: صف روضا تعبث به النسيم. فقال: [الكامل]
روض تحلّى بالنبات فماله ... ولحسنه إلا السّماء نظير
والزّهر مثل الزّهر تحسب أنها ... فيه إذا هبّ النّسيم تسير
وقال الآخر: صف حديقة قد اهتزّ دوحها، وابتزّ عرف الجنان روحها، واخضلّ فيها نبت النعماء، ورفّت بنت الروض على ابن ماء السماء. وبينها نهر صفا ضميرا، وغدا لأطفال النبات ضيرا. فقال: [مجزوء الكامل]
وحديقة مالت معا ... طف دوحها من غير سكر
والنهر ساغ قد غدا ... بسعادة الأغصان يجري
وقال الآخر: إني كلف بفتى دقيق الخصر، لم يحو مثله القصر. فقل فيه.
فقال: [السريع]
قد أظهر المحبوب أعجوبة ... حار بها العاشق في أمره
ضاق على خنصره خاتم ... فردّه يقلق في خصره
وحكي أنه مرّ مرّة بدار كان يعهدها معاهد ظباء، ومواعد حباء. فرآها مقفرة الأبيات، من سوانح تلك الظبيات، فوقف بها باكيا، وطاف بأطلالها شاكيا، وهو يقول: [البسيط]
(١٤١) يا ليت دارهم من بعدهم رسخت ... تحت الثّرى واختفت عنّي إلى الأبد
فإنّ رؤيتها من بعدهم سبب ... إلى تضرّم نار الشّوق في كبدي
ثم عكف عليها طائفا، وتذكّر تليدا وطارفا، وقال: [الكامل]
كانت ديارهم بهم مأهولة ... تغدو بها غزلانها وتروح
حتى نأوا عنها فصارت بعدهم ... كالجسم لما فارقته الرّوح
ثم والى الزّفير والشّهيق، حتى رثى له الشفيق، ورأى الخليّ أنه لا يفيق.
وحكي أنّه خلا بنفسه في بعض مجالس أنسه، متداويا من هوى برّح بقلبه في جارية، كاد ريّاها يطير بلبّه في ليلة أفصحت العيدان بحروف معجمها، وقرئت صحائف الظلماء بنقط أنجمها، وجرّت كمّت الكؤوس إلى وردها، وخلطت مسك الليل بوردها. وأقبلت الجواري والولدان كاللؤلؤ المنثور، ووصلت الظلماء بذوائب الشّعر المنشور. وأقسم السرور أن قفل الظلماء على الفجر لا يفتح، وآلى أن جانب السّحر له لا يفسح، فقال: [البسيط]
إنّ الغناء الذي قد كان يطربني ... بكم وينشي مسراتي وأفراحي
هو الذي صار ينشي بعد بينكم ... حزني ويجعل دمعي مزج أقداحي
ثم أصبح وهو ما هو عليه من الجماح، وأصحر وقد غنّت ذوات الجناح، فجعل يبكي ويقول: [الكامل]
أعلمت أنّ الورق بعدك ساعدت ... أهل الهوى بالنّوح والأحزان
وبحقّها ناحت عليك لأنّها ... فقدت قوامك في غصون البان
وحكي أنّه جلس مرّة بالمسجد الجامع، وقد أجاب داعي مؤذّنه السّامع. فلما فرغ من أداء ما وجب، وجلس إليه رجل يقرأ كتابا ويظهر العجب. فلما امتدّ في ذلك الطّلق، ولم يفه لسانه ولا نطق، فقال له: ممّ تعجب، ولم تتخفّى السّماء وتحجب؟ فقال: إنها درعيات أبي العلاء، ودرّيّات ذلك اللألاء. فقال: اقرأها عليّ، وهاك ما لديّ. فقال: لا والله حتى أترح عليك وإلّا (١٤٢) فاطرح وإليك، فقال على لسان الدّرع: [الطويل]
هنيئا لمن يأوي إليّ فإنّه ... يلوذ بحصن لا يرام حصين
وألبسه في الرّوع ثوب سلامة ... وألقى الرّدى عن نفسه بعيون
وحكى أنّه دعاه بعض الرؤساء إليه في ليلة باردة، أصبح منها بطن الأرض مقشعرّا، وظهر الرّوض من الزّهر قد تعرّى، والجليد قد أقلّ حيل الجليد، والبرد قد نهك الحديد، فسار على كره منه وغيظ لم يثنه، حتى أتى مجلسا أمامه بحرة لو جاراها البحر لجارت، أو أطلقت فيها أزمّة السّفن لسارت، ترمي فيها فواره كإنسان يتشهّد في الماء، أو عمود فضّة يقيم خيمة السّماء. فقال له ذلك الرئيس: هل قلت في ليلتك هذه شيئا؟ فقال: نعم. فقال: ما هو؟.
فأنشده: [الوافر]
وليلة قرّة قد هبّ فيها ... نسيم لا تقابله الصّدور
نسيم يقشعرّ الرّوض منه ... إذا وافى ويرتعد الغدير
فعبس ذلك الرئيس وجهه وقطّب، وقال: ظننت والله أنّك تسرّنا فسؤتنا، فهلّا تكفّر هذا بما تقوله في هذه البحرة، فقال: [الطويل]
لقد قابلتنا بالعجائب بحرة ... مكمّلة الأوصاف في الطول والعرض
كأنّ الذي يرنو إليها بطرفه ... يرى نفسه فوق السّما وهو في الأرض
فقال له: فما شأن الفوارة؟ فقال: [الطويل]
وفوارة جادت على الأرض فانثنت ... عقيب الظّما بالرّيّ كالنّرجس الغضّ
وقد أرسلت لّما ارتوت فضل مائها ... هدايا على أيدي السّحاب إلى الأرض
فقال له: لقد والله عظم حقّك عليّ فاحتكم. فقال: إي والله، فقال: تهبني السّاقي، وكان غلاما روميّا ناعس الطّرف ناعم الظّرف، قد فاق بسحر عينيه، وفلّ الجيوش بكسر جفنيه. فقال: [الكامل]
روحي الفداء لمن أدار بلحظه ... صهباء في عقلي لها تأثير
فاعجب له من أن يصون بلحظه ... مشمولة وإناؤها مكسور
(١٤٣) فاستطار مسرّه، واستقلّ الغلام له في المبرّه.
وحكي أنّه جلس على بحرة، أشرقت سماؤها، وطاب بكفّيه المجلس ماؤها، والشمس قد توسّطت الظّهيرة، وأرخت ذوائب أشعّتها الضّفيرة، واللّجّة قد نصبت في كلّ ناحية حباله، وتناومت عينها فما رأيت من الشيء إلا خياله، والماء قد لبس من شعاع الشّمس فضّيّ الغلالة، وغابت سباع البركة، فلعبت الغزالة. فقال: [الطويل]
ولمّا احتمت منها الغزالة بالسّما ... وعزّ على قنّاصها أن ينالها
نصبنا شباك الماء في الأرض حيلة ... عليها فلم نقدر فصدنا خيالها
ثمّ، بينما هو في في إملائهما على الحضور، ويومه قد وسع فوق طاقته من السّرور، وإذا بفتاة كانت تنتاب محلّه انتياب الطّيف الطّارق، وتطلع عليه في الأحيان، طلوع النّيّر الشّارق، وقد جاءت إليه بتهادي وزارته، ولم تفارق جفنه سهادا، ثم لم تلبث أن تجرّدت من ثيابها ونزلت الماء، وأرته في الأرض كيف يحلّ البدر السّماء، فقال: [الكامل]
لو كنت إذ أبصرتها عريانة ... بضفيرتين كليلتي مهجور
لتراهما ألفين من مسك وقد ... خطّا على لوح من الكافور
وحضر نادي الملك المنصور، وقد حشر الصّباح له ونادى، وقدح السّماح له زنادا، واليوم أوّل ما قد ترعرع، وسرير الملك بوقاره قد تزعزع، وكؤوس الرّاح ساعية، ونفوس الأفراح داعية، وقد جلس للاصطباح، والدهر قد انقاد نيبه للاصطلاح. وإذا بغلام قد دخل كالظّبي، قد تدرّع درع الفارس الأشوس، وخاف أسود شعر محيّاه دراء الأطلس، فقال له: قل في هذا، فقال: [الطويل]
وأهيف أخفى شعره تحت أطلس ... فأصبح منّا كلّ قلب به مغرى
أراد بأن يطفي عن النّاس فتنة ... بإخفائه فاستأنفت فتنة أخرى
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل فيه أيضا، فقال: [الطويل]
(١٤٤) وبي ساحر الأجفان حيّة شعره ... تبدّت لنا في أطلس راق أبصارا
عجبت لها ما فارقت منه جنّة ... فلم سكّنت من ذلك الأطلس النّارا
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل فيه أيضا، فقال: [السريع]
قلت لحبّي إذ خبا شعره ... في أطلس بالغ في ستره
مكّن يدي من لمسه قال لي ... من يلمس الثّعبان في وكره
فقال: أحسنت والله، فبحياتي انظر إلى حسن هذه المنطقة في خصره، ثمّ قل فيها شيئا. وكان الغلام قد شدّ عليه منطقة مجوهرة، قد عانقته كأنّها كلّفت بحبّه، وشغفت بخصره غراما، فتعلّقت به، وتلك المنطقة كأنّما توشّحت بالمباسم، أو توشّعت بأصل المواسم، قد جعلت للهوى به أقوى سبب، وجليت صفوا كالرّاح طفا عليها الحبب، فقال: [الكامل]
كم قلت إذ شدّ الحياصة شادن ... كلّ القلوب بأسرها في أسره
أتراه قد شغف النّجوم محبّة ... فتساقطت وتعلّقت في خصره
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل أيضا، فقال: [الكامل]
لّما رأت عيني مناطقك التي ... أضحت بخصرك دائما تتعلّق
لا تستقرّ وقد علتها صفرة ... ونحول جسم بالصبابة ينطق
أيقنت أنّ الخصر ضاع نحافة ... فلذا تدور جوى عليه وتقلق
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل أيضا، فقال: [المتقارب]
بروحي حبيب إذا ما بدا ... رأيت العيون به محدقه
أعار التّثنّي قدود الغصون ... فأعطته من حليها منطقه
فسنى له الجائزة، ثم قال له: لك الاقتراح، وكان وقت راح، فقال: أن تأذن لي أن أسافر إلى مصر مدّة، ولك أن تشترط في أيّام الغيبة العدّة. فأذن له على شرط لازم، فشمّر تشمير عازم، ثمّ ما بلّل طلّ الشّجر أطراف الأردية، إلّا وقد ندّ من الأندية، وخلّف رقعة كتب فيها إليه: [السريع]
(١٤٥) إنّي وبعدي عنك يا يامالكي ... وأنت بالإحسان لي ناظر
كالرّوض إذ جادت عليه السّما ... والبعد ما بينهما ظاهر
فلمّا أتى دمشق وحلّها، واستطاب دون البلاد محلّها، ورأى النّيّرين وقد أشرق له فيهما نيّر البين، وهبّ إليه ذلك الرّيا، ووقف على مجرى النهر في الدّوح، تحت أغصان الثّريا قال: (( ١ )) [الطويل]
سقى الله وادي النّيّرين فإنّني ... قطعت به يوما لذيذا من العمر (( ٢ ))
درى أنّني قد جئته متنزّها ... فمدّ لأقدامي بساطا من الزّهر
وأوحى إلى الأغصان قربي فأرسلت ... هدايا مع الأرواح طيّبة النّشر
وأخدمني الماء القراح فحيث ما ال ... تفتّ رأيت الماء في خدمتي يجري (( ٣ ))
ثمّ خرج يريد مصر في بكرة يوم من أيّام الرّبيع، قد جاء فيه النّسيم بريح الجنان مخبرا، وتأجّج الشّفق نارا تحرق من الطّيب عنبرا، وقد ألقى أبيض الغيم على محمرّه ذيله الفضفاض، وآناء الصّباح قد امتلأ من ندى الطّلّ وفاض، فقال: [الكامل]
للغيم في شفق الأصائل منظر ... يلهي برونق حسنه من أبصرا
لا غرو إن طاب النّسيم وأفقنا ... نار مؤجّجة تحرّق عنبرا
ثمّ سار أمام كلّ سريّة، حتى أتى الإسكندرية، وهي صنعاء البلاد، وذات الحلل لا البجاد، لا يتجاوزها الأمل، ولا يعدّ ما فيها من حسن التّفاضيل والجمل. فلمّا تمتّع بتحبيرها وتحريرها، وتنعّم في جنّتها وحريرها قال: [الكامل]
لمّا قصدت سكندريّة زائرا ... ملأت فؤادي بهجة وسرورا
ما درت فيها جانبا إلّا رأت ... عيناي فيها جنّة وحريرا
وفي المركب بمينائها يقول: [الكامل]
انظر إلى قطع المراكب إذ بدت ... والماء يعلو حولها ويدور
مثل السّحائب لا يفرّق بينها ... نظر وكلّ بالرّياح يسير
وحكي أنّه مات له يوم مطر صديق بكاه، وأغرى بدمعه السّحاب فحكاه (١٤٦) فقال: [الطويل]
بروحي الذي جاء الغمام يعوده ... فصادفه نحو المنيّة قد سرى
فما زال يبدي حرقة وتنهّدا ... ويبكي إلى أن بلّ من دمعه الثّرى
وحكي أنّه كان قد علق غلاما توقّدت نار وجنته، وحلت مجاجة شفتيه، فأتاه ليلة أثر مدام، دقّق غزل مقلتيه، وشوّش سالفتي طرّتيه، وفي يده شمعة، أزهر منها شمعة خدّه، وأرشق منها قامة قدّه، فلمّا رآه مقبلا وثب وقبّل قدميه من كثب، ثمّ قال بديها فيه وفيها: [الكامل]
عجبا له أنّى يزور بشمعة ... وضياؤه أبقى الظّلام نهارا
لمّا رأته ووجهه أبهى سنا ... منها أسالت دمعها مدرارا
وغدت لفرط الغيظ تعطي كل من ... وافى ليقطع رأسها دينارا
وحكي أنّه خرج يوما بحماة يتفسّح في الصّحراء، والرّبيع قد طلع في حلّته الخضراء، حتى أتى النّاعورة الكبرى، والغروب قد جرى على النّهر تبرا، ونهر العاصي في تلك العشيّة قد موّهت كؤوسه، وذهبت نجوم فواقعه شموسه، فقال يصف النهر: [الطويل]
ونهر إذا ما الشّمس حان غروبها ... عليه ولاحت في ملابسها الصّفر
رأينا الذي أبقت به من شعاعها ... كأنّا أرقنا فيه كأسا من الخمر
ثم قال في الناعورة: [الطويل]
وناعورة شبّهتها حين ألبست ... من الشّمس ثوبا فوق أثوابها الخضر
بطاووس بستان يدور وينجلي ... وينفض عن أرياشه بلل القطر
وحكي أنه كان قد واعد صديقا أن يخرج معه غازيا، ثمّ قعد وانطلق صديقه غاديا، وذلك لأنّه لم يتقدّم له عليه حقّ يسلّفه، ولا ضرب له موعدا لا يخلفه، ثم كتب إليه يعتبه، وحمّله من أثقاله ما يتعبه، فكتب إليه: [الطويل]
رأيتك إذ ألزمتني الذّنب ظالما ... وذنبك بين النّاس قد شاع واشتهر
كقلب الذي يهوى يعذّب دائما ... ولم يجن ذنبا إنّما الذّنب للبصر
(١٤٧) ثمّ لّما فقد ذلك الصديق، وقابل عذره بوجهه الصّفيق، جعل يذكر مواقف غزاته، والاعتداد بمجازاته، فقال: [الطويل]
أتفخر إذ طاعنت خيلا مغيرة ... فوارسها يوم الوغى ما لها ذكر
وفاتك أنّي طول عمري لم أزل ... أطاعن خيلا من فوارسها الدّهر (( ١ ))
وحكي أنّه خرج يوما إلى الصحراء، وقد تجلّت الأرض بالبيضاء والصفراء، وعيون النّرجس محدّقة. الفضاء مجال خيله. فألفى به غلاما كان له. كان له أيّ مسعد وافاه على غير موعد، فأنزل القبل بساحة خدّه، وأطال في ذميل العناق إليه ووخده (( ٢ )) ، وقال، وجيوب الشّفق مشقّقة، والنّسيم يتعثّر بذيله، ويوسع في ذلك: [الكامل]
لو لم أعانق من أحبّ بروضة ... أحداق نرجسها إلينا تنظر
ما شقّ جيب شقيقها حسدا ولا ... بات النّسيم بذيله يتعثّر
ثمّ لم يقدر على إطالة المكث معه، فتركه وودّعه، فضاق عليه فسيح ذلك الفضاء، وقام يشيح للمضاء، فمرّ بدولاب قد فاضت عيونه، وعبّرت عن شأنه شؤونه، قد حنّ حنين المفارق للأخدان، وإن تعهّد شبابه وهو أغصان لدان، فقال: [الطويل]
ودولاب روض كان من قبل أغصنا ... تميس فلمّا غيّرتها يد الدّهر
تذكّر عهدا بالرّياض فكلّه ... عيون على أيام الصّبى تجري
وحكي أنّ الملك المنصور استدعاه يوما إلى مجلسه المطلّ على العاصي، المشرف على الدّاني منه والقاصي، والسّعد قد خدمه، وطنب على النجوم خيمه. وقد أتاه بعض الخدم المعدّين للخدم، فعرض عليه من أعمال الجواري صنائع حسان، وبدائع إحسان، كأنّما أسهمها الرّوض في حبره، أو سهّمها النرض بإبره، فجعل يقرّبها ويأخذها ويقلّبها، حتى أتى على مناديل ليست بمذالات، جعلت لبدور الوجوه هالات، فأمره أن يكتب ما يطرّز فيها، فلم يقل أيّها (١٤٨) بل قال بديها: [الطويل]
إذا حملتني راحة الملك الذي ... أنامله جودا تفيض على البحر
فمن ذا الذي قد حاز ما حزت من علا ... ومن ذا الذي قد نال ما نلت من فخر
إذا كنت أرقى كلّ وقت وساعة ... على لجّة البحر المحيط إلى البدر
وحكي أنه واعد غلاما كان به مغرما، وكان لا يرى غير وصله مغنما، وقد ضرب له العشاء موعدا، وأصبح له الدّهر بوصله مسعدا. فجلس لانتظاره حتى طوي بساط السّمر، وكفّ الغروب اشتطاط القمر. فلمّا اسودّت أحشاء الظّلماء، وطفي سراج السّماء، طلع عليه إذ غاب القمر طلوع البدر، وأراه من تلك الليلة
ليلة القدر، فقال: [البسيط]
كم قلت للقمر العلويّ حين بدا ... يزهى بنور على الآفاق منتشر
أغرب فبدر الدّجى عندي ومن ملكت ... يداه بدر الدّجى لم يرض بالقمر
ثمّ أديرت الكؤوس، وأذيلت من الهموم مسرّات النّفوس، والساقي يحثّها صفراء تسرّ النّظّار، وتبطن فضّة الأقداح بالنّضار، والغلام إذا أتاه الدّور أطال حمل الكاس، وتشاغل بشمّ الآس، فقال: [الطويل]
حبيبي وعدت الكأس منك بقبلة ... وأعقب ذاك الوعد منك نفار
فأوقفتها تحت الرّجاء وقلبها ... به خوف خلف الوعد منك شرار
وما كان هذا لونها غير أنّها ... علاها لطول الانتظار صفار
فلمّا غربت النّجوم، وغرّدت الطيور حين همّ الصّباح بالهجوم، باكر الغلام رفقة كان قد اتّعد معهم السّفر، وحكى الظّبي الغرير فنفر، فقال: [البسيط]
لّما رحلتم بقلبي في حمولكم ... وظلت حيران بين الهمّ والفكر
سلّطت دمعي على عيني وقبلكم ... قد كنت أشفق من دمعي على بصري
وحكي أنّه حين آب من سفره، وانجاب عنه من ذلك النّبكان (( ١ )) سحاب مغفرة، دخل عليه زائرا، وقد قلع لامته (( ٢ )) ، وهزّ عوض الرّديني (( ٣ )) قامته، والكؤوس (١٤٩) تحثّ والمدام يقول: لا يكن للكأس في يدك لبث. وهو يخالف أمره المطاع، ويحبس الكأس في يده ما استطاع، فجنّ ابن تميم جنونه، وباسطه فلم يقبل جنونه، فقال: [البسيط]
لا تحسبوا طول حمل الكاس في يد من ... أحببته أنّه ساه ولا ناسي
لكن رأى وجهه فيها وأعجبه ... جماله فأطال الحمل للكاس
وحكي أنّه كان له صديق يسر بموافقته، ويصرّ على مرافقته. كانا نجيّين في السّرور، ويضعان ويرتشفان الحبور ويرتضعان، ثمّ حصلت بينهما مقاطعة وهجرة، أظلمت ما بينهما، والكؤوس ساطعة، ومكثا على الهجران، حتى آن أن يلقي الشّتاء الجران (( ١ )) ، فهبّ يوما من منامه، وصبّ للاصطباح كؤوس مدامه، والجوّ قد مرحت فيه قطع الغيم، ولبس منه صدور البراءة وحلّة الأيم. فلمّا برئت من الشّفق الجراح، وتعلّق السّحاب دون السماء تعلّق القطاة بالجناح، تذكّر عهد صاحبه المفارق، وساقه إليه من شعاع المدام وميض البارق، فكتب إليه: [البسيط]
إلى متى ذا التواني يا نديم فقم ... والق المدام بإكرام وإعزاز (( ٢ ))
فيومنا بابتسام الجوّ تحسبه ... من عقل من بات فيه صاحبا هازي
فقد تجعّد مبيضّ الغمام به ... دون السّماء فحاكى جؤجؤ البازي (( ٣ ))
فلمّا قرأها قام إليه، وقطع يمينا لا يغلو بإنفاق العمر عليه.
وحكي أنّه اتخّذ له بادهنجا تغيّر عليه هواه، ولم يحسن إرساله للنّسيم ولا هواؤه، فقال فيه: [البسيط]
قد كان لي بادهنج أستلذّ به ... في القيظ منه النّسيم الرّطب ألتمس
لكنّه، عشتم، قد مات من زمن ... أما تراه وما يبدو به نفس
وكذلك حكي أنّه رأى وردا يستخرج ماؤه، وقد فارت في الأنابيب دماؤه،
فقال: [البسيط]
الورد قد قال لّما أن أتيتكم ... ضيفا وفضلي عليكم غير ملتبس
(١٥٠) جعلتم فيض روحي نصب أعينكم ... ظلما ولم تقنعوا أن تأخذوا نفسي
وقال: (( ١ )) [الطويل]
ولم أنس قول الورد والنّار قد سطت ... عليه فأمسى دمعه يتحدّر
ترفّق، فما هذي دموعي التي ترى ... ولكنّها نفس تذوب فتقطر
وحكي أنّ رجلا دعاه إلى بستان نازح، ومكان لا يسمع ضيفه صوت نابح، بعيد من القرى والقرى، ما فيه للطارق إلا الحديث والمناح في الذّرى، فبات عنده بسوءة الحال. فلمّا أصبح شمّر للارتحال، فأركبه المضيّف له فرسا قصيرا، لا يحسن له مصيرا، فقال: [الطويل]
وما أنا إلا راحل فوق ظهره ... ولكنّني فيما ترى العين فارس
فقال له ذلك المضيّف، وكان جاهلا لا يتقلّب بين الناس والرّجا، ولا يفرّق بين المديح والهجا: هبك قلت هذا، ماذا يكون؟ فقال ولم يفصل بين كلاميهما سكون: [البسيط]
لا تحتقر بقليل الشّرّ إنّ له ... زيادة كضرام النّار بالقبس
فحرب وائل ضرع النّاب سعّرها ... وحرب عبس جنتها لطمة الفرس
وحكي أنّه كان يهوى غلاما يهيم بوعده، ويصلى النّار ببعده. وطالما قعد ينتظر منه موعدا أخلفه، وقد قدّم له الوعد وأسلفه، فإذا عتب قال: نسيت. وإن كان لا ينسى ولا يأسف عليه ولا يأسى، فقال: [الطويل]
مدحي الذي نسيانه صار عادة ... وأفرط حتى كاد يعدمه الحسّا
فلو أنّه بالهجر أضحى مهدّدي ... لما ساءني علما به أنّه ينسى
وحكي أنّه حضر مجلس بعض الأكابر، وقد غصّ المجلس، وبهتت فيه عيون النرجس، وقمعت فيه أصابع المنثور، وأعطي فيه أمير الحسن ذؤابة شعره المنشور، وطال إعمال الكؤوس، حتى غمضت الجفون، ولم يبق من دور الكأس حال من الجنون، وثم أمنية ابن تميم قد تركه السّكر لقى، وخلا (١٥١) خدّه المضرّج مخلقا. فنهض غير مرّة لتقبيله، ثمّ خاف أعين قبيله، فقعد بعد اللّجاج، ورجع رجوع الصادي، والماء يجلا عليه في الزّجاج، فقال: [الكامل]
كيف السّبيل لأن أقبّل خدّ من ... أهوى وقد نامت عيون المجلس
وأصابع المنثور تومي نحونا ... حسدا وتغمزها عيون النّرجس
وفيه يقول: [السريع]
أبدى الذي أعشقه شامة ... تزيد بلبالي ووسواسي
بصحن خدّ لم يغض ماؤه ... ولم تخضه أعين النّاس
وفيه يقول، وقد أفاض عليه درعا، ضاق به ذرعا، وقد جعل شعره في كيس من الأطلس، منع بها حيّته أن تسعى، أو تجدّد له لسعا: [الكامل]
شهد القتال وحاجباه وطرفه ... تغنيه عن حمل الصّوارم والقسي
أعطاه أرقم شعره جلبابه ... درعا فعوّضه بثوب أطلس
وأمّا ما لم يقع لنا فيه من شعره خبر، فقوله في البنفسج والورد: [الكامل]
إن البنفسج مذ أتاه مبشّر ... بالورد عرّض وحشه من أنسه
الورد يورده الحمام فلبسه ... ثوب الحداد لرزأة في نفسه
وقوله يهجو: [الكامل]
لّما جسستك بالمديح ولم أكن ... أدري بأنّك خامل في النّاس
ناديت لّما أن جسستك بالهجا ... أكليب خذها من يدي جسّاس
وقوله في النرجس: [المتقارب]
ولما أتى النّرجس المجتنى ... بقرب الرّبيع وإيناسه
نثرنا على رأسه فضّة ... وتبرا فراق لجلّاسه
وأصبح يخطر ما بيننا ... وذاك النّثار على رأسه
وقوله في إهداء قدح: [الكامل]
يا حسنه قدحا يضيء زجاجه ... ليل الهموم إذا ادلهمّ وعسعسا
(١٥٢) أهديته مثل النّهار فإن حوى ... صرف المدام غدا نهارا مشمسا
وقوله: [الوافر]
وزورق فضّة لم تحظ منه ... عيون الشّرب من فرط البريق
تراه وهو يسبح في الحميّا ... هلالا لاح في شفق رقيق
وقوله يرثي شريفا غرق في نهر يزيد: [البسيط]
بني عليّ يزيد حيث كان لكم ... حربا، فمن حلّ منكم فيه لم يعش
لقد تنوّع في إتلاف أنفسكم ... فظلّ يقتلكم بالرّيّ والعطش
وقوله يصف خيال الغصون في الماء: [الكامل]
وحديقة ينساب فيها جدول ... طرفي برونق حسنه مدهوش
يبدو خيال غصونها في نهرها ... فكأنّما هو معصم منقوش
وقوله في النيلوفر: (( ١ )) [الكامل]
لما حكى زهر الكواكب نوفر ... وأقام وهو على الكياد حريص
خاف الحريق وقد رمته بشهبها ... فلذاك أمسى في المياه يغوص
وقوله: [الطويل]
ونيلوفر يحكي النجوم وماؤه ... يحكي سماها لا يغادرها حرفا
يغيب إذا غابت ويبدو إذا بدت ... ويشبهها شكلا ويفضلها عرفا
وقوله: [الطويل]
إذا كنت ذا فضل وتشكر ناقصا ... يقابل إعراض الورى بالقوارص
فلا خير في الفضل الذي قد حويته ... إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص
وقوله: [الكامل]
إنّ الشّفيع إلى الجواد شريكه ... في الجود للدّاني معا والقاصي
وإذا شكرت البحر في إنعامه ... بالدّرّ فاشكر حيلة الغوّاص
وقوله: [الكامل]
ولربّ صيّاد غذتني كفّه ... سمكا يظلّ الطرف منه حائرا
(١٥٣) يلقي إلى قعر الخليج بدرعه ... فيعود ملآن العيون خناجرا
وقوله: [البسيط]
لا تعجبوا من غلامي وهو أبله خل ... ق الله إذ راح لي في حاجة فمضى
فالسهم وهو جماد حين أرسله ... من ساعتي في مهمّ يفهم الغرضا
وقوله يذم قينة: [السريع]
غانية جاءت بلا موعد ... ولم تكن روحي بها راضية
قضى الله لي بها مرّة ... يا ليتها كانت القاضية
وقال يصف زهر اللّوز: [الوافر]
خرجنا للتّنزّه في بقاع ... يعود الطّرف عنها وهو راض
ولاح الزّهر من بعد فخلنا ... ضبابا قد تقطّع في رياض
وقوله على لسان الياسمين: [الكامل]
لما ازدرى بالياسمين ولبسه ال ... مبيضّ زهر الرّوض قال وأعرضا
ما ضرّ إذ كان نشري طيّبا ... من دونكم إذ كان ثوبي أبيضا
وقوله في المديح: [البسيط]
لّما تفضّلت في حقي وقمت إلى ... نصري وبلّغتني بالجود أغراضي
كسوت عرضك درعا بالمديح فإن ... أردته كان سيفا في العدا ماضي
وقوله في المشيب: [الكامل]
خطب ألمّ، وشيب رأسي جملة ... فلقيت شرّا منهما وكذا قضي
فاعجب لخطب أسود لم يقتنع ... بفعاله وأتى بخطب أبيض
ولله هذا الشاعر وحسن تخيّله، ولطف تحيّله، انظر كيف جعل الخطب الملمّ موافيا لشيب رأسه المدلهم، وجعل خطب النّوائب أسود، وخطب الشيب أبيض، وأنه جمع فيهما بين المتضادين، وقد قال في البيت الأول: و (( لقيت شرّا منهما (( وهو إن حمل على ظاهره كان بليغا، وإن حمل على أنّ المراد بقوله شرّا (١٥٤) أفعل التفضيل كان أبلغ، وهذا الذي لا يقدر عليه كلّ شاعر، ولا يعدل به وسق (( ١ )) الأباعر.
عدنا إليه. وقوله يخاطب شيخه علاء الدّين النّحّاس: [الوافر]
علاء الدّين أضحى بحر علم ... يجيب السّائلين بلا قنوط
أحاط بكلّ ما في الأرض علما ... فقل ما شئت في البحر المحيط
وهذا من المقاصد الحسنة، إذ جعله قد أحاط بما في الأرض، وهو البحر المحيط، إذ هكذا حقيقته.
عدنا إليه. وقوله وقد دعي إلى مجلسين يفضّل أحدهما: [الوافر]
دعيت فكان أكلي فخد طير ... ولم أشرب من الصّهباء نقطة
وما يومي كأمس وذاك أنّي ... أكلت إوزّة وشربت بطّة
وهذا والله غاية ما بعدها.
عدنا إليه: [السريع]
مذ زارني المحبوب تحت الدّجى ... مبرّدا قلبي من قيظه
تطّلع الصّبح علينا ولم ... يشعر به فانشقّ من غيظه
وقوله يحرّض على القتال: [الكامل]
انهض بنا نحو العدوّ فإنّهم ... في غفلة من قبل أن يتيقّظوا
فجيادنا للغيظ تأكل لحمها ... حنقا عليهم والظّبى تتلمّظ
وقوله في مطرب: [الكامل]
يا من يلازم موضعا في شدوه ... قسما لقد شرّفت مني مسمعي
لو كان لي سعد وحقّك لم تزل ... أبدا تعنّيني بهذا الموضع
وقوله يصف نارا: [الكامل]
وكأن نارا أضرمت ما بيننا ... ولهيبها يخشى سطاه ويجزع
سوداء أحرق قلبها فتكلّمت ... بسفاهة فينا كلاما يلذع
وقوله: [الكامل]
لا ذنب للنيران إن هي أخمدت ... زمنا فصنّ العرق فيه بنبضه
كانون أرعدها فأصبح جسمها ... للبرد يدخل بعضه في بعضه
(١٥٥) وقوله يصف فانوسا: [الكامل]
انظر إلى الفانوس تلق متيّما ... ذرفت على فقد الحبيب دموعه
يبدو تلهّب قلبه لنحوله ... وتعدّ من تحت القميص ضلوعه
وفيه يقول: (( ١ )) [الطويل]
يقول لها الفانوس لما بدت له ... وفي قلبه نار من الوجد تسعر
خذي بيدي ثم اكشفي الثّوب تنظري ... ضنى جسدي لكنني أتستّر (( ٢ ))
وفيه يقول: [البسيط]
أبدي اعتذارا لذا الفانوس حين غدا ... في حالة من هواه ليس ينكرها
رأى الهوى مضرما ما بين أضلعه ... نار الجوى فغدا بالثّوب يسترها
وقوله يصف درعا: [الطويل]
ودرع إذا ألقيتها وسط مهمه ... رأيت القطا فيها يغبّ ويكرع
يكاد إذا عاينت ضحضاح ما بها ... يلوح بها للصّفو حوت وضفدع
إذا ما أتاها الرّمح ظنّ بأنّها ... غدير نشأ في مائه فهو يخضع
ويرعد متن السّيف علما بأنّه ... متى زارها في شهره يتقطّع
ولو كان أنّ في ضلوعه ... من الغمد يلقاها لما كان يطلع
وإن جاءها سهم يناد بها سردها ... أرى النّصح يا مغرور أنّك ترجع
إذا كان هذا في قنا اللحظ والظّبى ... صنيعي فقل لي ما بضعفك أصنع
فلو لجأت نفس إليّ وجاءها ... رسول المنايا لم تكن منه تجزع
وقوله: [الوافر]
ونهر كلّما هبّت عليه النّ ... واسم في الذّهاب وفي الرّجوع
يؤثّر فيه تجعيدا خفيفا ... كوطء الصّافنات على الدّروع
وقوله في غلام ينظر وجهه في مرآة: (( ١ )) [الكامل]
طوبى لمرآة الحبيب فإنها ... حملت براحة غصن بان أينعا
(١٥٦) واستقبلت قمر السّماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
وقوله في غلام لابس قباء أصفر: [الطويل]
ولّما ارتدى من أصفر اللّون حلّة ... كسا عاشقيه حلّة من طباعها
وما هي إلّا شمس خدّيه أشرقت ... فألقت على أثوابه من شعاعها
انظر إلى رأي هذا الشاعر الأصيل، ولطف معناه الذي خضعت له شمس الأصيل، هل يقال أحسن منه في لابس أصفر، أو يجلي مثله الصباح إذا أسفر.
عدنا إليه. وقوله يصف ناعورة: [الكامل]
وناعورة قالت لنا بأنينها ... قولا ولم تدر المقال ولم تعي
كم فيّ من عيب يرى مع أنني ... أبدا أسير ولا أفارق موضعي
لا رأس في جسدي وقلبي ظاهر ... للناظرين وأعيني في أضلعي
وقوله: [الطويل]
أيا ذا الذي قد كفّ كفّيه عامدا ... عن الجود خوف الفقر ما ذاك سائغ
أتخشى، سهام الفقر ما دمت منفقا ... تصيبك، والنّعمى عليك سوابغ
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
حاذر أصابع من ظلمت فإنّه ... يدعو بقلب في الدّجى مكسور
فالورد ما ألقاه في جمر الغضا ... إلّا دعاء أصابع المنثور (( ٢ ))
وقوله: [الكامل]
لّما دعا المنثور أن الورد لا ... يأتي وإن يصلى بنار سعير
ودّت ثغور الأقحوان لو أنّها ... كانت تعضّ أصابع المنثور
وقوله: [الكامل]
أنعم على المنثور منك بزورة ... فلقد أراه والسّقام حليفه
ما اصفرّ إلا حين غبت ولم تزل ... تدعو بأن يأتي إليه كفوفه
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
مذ لاحظ المنثور طرف النّرجس ال ... مزور قال وقوله لا يدفع
(١٥٧) فتّح عيونك في سواي فإنه ... عندي قبالة كل عين أصبع
وقوله: [الكامل]
مذ قلت للمنثور إنّ الورد قد ... وافى على الأزهار وهو أمير
بسمت ثغور الأقحوان مسرّة ... بقدومه وتلوّن المنثور
ومنهم:
٤٦- الأمير السليمانيّ (( ١٣ ))
رجل من أبناء الأمراء، وبطل تجلّى بأبناء الأسود بلا مراء، كان من أضرى الضّراغم، وأعزّ الفوارس. إذا أنف شمّ الرّغام أنف الرّاغم، ثمّ خلع تلك الملابس، وولع بما كان له أفخر لابس. واجتنب الأمراء وصحب الفقراء، ولبس رداء التصوّف، وترك رياء التصرّف، وترك دويرة أبي القاسم الشّميساطي بباب الجامع الأموي. وأصبح عن النّاس بمعزل، وقال ما مثل الدّويرة منزل. وخمدت منه تلك السّطا الفاتكة، ولم يجنح مع دويرة الشّميساطي أن يقول: يا دار عاتكة.
وكان من صاغة الشعر، وباعة القصائد بأغلى سعر. وممّا اختار لنفسه، ومن خطّه نقلت، ومن ظبائه السّوانح عقلت، قوله: [البسيط]
لو عاين اللائم اللّاحي محاسنه ... لما خلا قلبه من حبّه أبدا
شمس سنا، غصنا قدّا نقا كفلا ... سهما لحاظا طلا ريقا طلا جيدا
يزيد قلبي لهيبا في محبّته ... إذا ترشّفت من ذاك اللّمى بردا
وقوله: [الكامل]
ولقد سريت على أغرّ كأنّه ... لهب الهشيم أصاب ريح الشّمال
وله إذا ضاق الفضاء وحطّمت ... سمر القنى، وعلت سماء القسطل
دوران زوبعة وخفّة شمأل ... وصدام جلمود وعطفة جدول
وقوله: [الكامل]
إن مسّ ذاك الوجه من كره أذى ... أخفاه عن لحظ العيون فلم تره
فكذا أخوه البدر عند كماله ... يعتاده مسّ الكسوف من الكره
(١٥٨) وقوله: [الكامل]
لك معنيان إذا طرقت أراهما ... وإذا ذكرتك في النّسيب أريهما
بيني وبينك من جمالك عامر ... فالحسن والإحسان يظهر فيهما
وقوله: [الكامل]
أعلقتكم حبل الوداد وجئتكم ... بمودّة ما زال ثابت أسّها
مثل السّفين تجشّمت صعدا وجا ... دبها على علّاتها من نفسها
وقوله: [الكامل]
قولوا لمن أضحى سواء عندهم ... ما يوجب الإعراض والإلمام
بإضافة الأعلام لا تتعرّف النّ ... كرات بل تتنكّر الأعلام
وقوله: [الكامل]
لا غرو إن وصف امرؤ وصفي ونا ... ل مكانتي يوما وليس بطائل
تجري الصّفات على أمر ليست له ... ويقام مفعول مقام الفاعل
وقوله: [المنسرح]
لا تك ممن يقول أعرف هـ ... ذا الأمر جهلا منه وما عرفه
سل غير مستكبر فإن حيا ... ة الجهل بين الحياء والأنفه
وقوله: [المنسرح]
في الناس من يخطئ الصّواب فإن ... ردّ إليه يعود كالنّاسي
وإنّما من يرى الصّواب ولا ... يعرفه لا يعدّ في النّاس
وقوله: [الطويل]
الخاتم المنقوش زينة لابس ... وحرز لما يحوي من العين والقدّ
فمن جاءني كالصّخر عاد كما بدا ... ومن جاءني كالشمع حصّل ما عندي
وقوله: [الطويل]
إليك أمير المؤمنين بعثتها ... عروسا تهادى في صوان وفي خدر
سليلة أعراب بنجد بيوتها ... وما برحت من قصر عيسى إلى النّهر
لدى ناهب عجم الطّغاة نفوسهم ... وأمواله نهب الفصيح من الشّعر
أليلة قدر قمت أنشد مدحة ... لديه، وما أدراك ما ليلة القدر
(١٥٩) أؤمّل نعمى ثيّبا أستزيدها ... على حسن ما أهديت من ناهد بكر
وقوله: [البسيط]
إن لم يصب من عدوّ سهمه غرضا ... يوم النّضال فإن الرّأي صائبه
وإن سرى في بهيم الخطب سائره ... تريك محتوم ما يأتي تجاربه
ومنها:
غيث يسحّ على الدّاني فيغرقه ... جودا وتنشر للقاصي ذوائبه
وكلّ ما جلّ من مال ومن نشب ... فالعدل جامعه والجود ناهبه
وقوله: [الطويل]
إذا ساس ملكا سار كالشّمس أشرقت ... عليه فنجم الظّلم في الأفق آفل
وإن حكّ مسودّ الخطوب برأيه ... جلاه كما تجلو الصّفاح الصّياقل
ومنها:
إذا اعتقلوا سمر الرّماح فعقلهم ... بمولاهم صيد وبيض عقائل
وإن نكحت بيض الصّدور فإنّها ... تحيض دما في الرّوع وهي حوامل
وقوله: [الطويل]
فلا تتّخذ عونا على الدّهر دائبا ... سوى العدمس الوجناء والفرس النّهد (( ١ ))
فإني حلبت النّاس ثمّ مخضتهم ... فما حصلت كفّاي منهم على زبد (( ٢ ))
وقوله: [الطويل]
عزيز إذا عاززته في عظيمة ... ألّمت، فإن لاينته لان جانبه
إذا اضطرّ لم يحلم ويحلم قادرا ... على مذنب والغيظ يزور حاجبه
وقوله: [الرجز]
إن القضاء قاذف المرء إلى ... مقدوره أو جاذب بطوقه
أفّ لمن يجبن عن أقرانه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه
وقوله: [الرجز]
ندعوك للأمر الذي يعزّنا ... دفاعه عنّا فليس يبرح
ليس لهذا الأمر إلاك فتى ... إن الحديد بالحديد يفلح
(١٦٠) وقوله: [الكامل]
وكأنّ بركة مائها ماويّة ... تحكي النّجوم الزّهر في جريانها
فتريك لامع مائها في سقفها ... وتريك زخرف سقفها في مائها
ومنها:
وكأنّ ألواح الرّخام موائلا ... في لونها وصقالها وصفائها
أمواه آنية تخالف لونها ... فتشبّهت كلّ بلون إنائها
ومنها:
تمّت محاسنها بجمّام لها ... تتخلّل الضّرّاء في سرّائها
كالكير يخلص سرّه بحريقه ... فنعيم داخلها بطول شقائها
تبدو لعينك في القباب بدورها ... وتضيء في أرجائها وسوائها
وبكلّ أنبوب سكوب قنية ... فدموعها تجري جوا والنار في أحشائها
ومنها:
ودمشق، زاد الله ملكك، جنّة ... جدواك فيها مثل قسمة مائها
علّمه يرقى مثل جودك في ذرى ... أو غالها ويصبّ في بطحائها
وقوله: [البسيط]
إنّي ليحزنني ذكرى مآربه ... وقصده الشّرف المقصود بالدّأب
جرت أمانيه تتلوها منيّته ... شدّا فما وقفا إلّا على الإرب
قضى وفي قلبه من فقد صبيته ... حزن يدوم مع الأيام والحقب
كالعظم ليس بذي روح ويؤلمه ... أذى المشارك مثل العرق والعصب
وقوله: [البسيط]
ملك له من بني العباس منزلة ... علياء يقصر عن إدراكها زحل
سمت جلالا فلو مدّت لتلمسها ... كفّ الخضيب عراها الضّعف والشّلل
وقوله: [مجزوء الرجز]
إيّاك يا منتحلا ... حديث شعري متّضح
(١٦١) شعري كالمسك من ... يسرق منه يفتضح
وقوله: [الطويل]
صفاتك أصفى من سماء سحابة ... رأت من مديحي حيث مازجها بحرا
ولكنّها تهمي عليّ فرائدا ... فآخذها ماء وأقذفها درّا
وقوله: [الكامل]
لا تركننّ إلى صفاء مصاحب ... إن لم تكن أحكمته تجريبا
فالماء يصفو للعيون وإنّه ... ليريك كلّ ممثّل مقلوبا
وقوله: [الطويل]
نصبت على التمييز إنسان مقلتي ... أشاهد قدّا منه نصبا على الظّرف
أأخشى فراقا بعدها أو قساوة ... وقد جاؤوا والصّدغ للجمع والعطف
وقوله: [الخفيف]
لم يوفّق من أعوزته المدارا ... ة ولا طال من يطول عناده
وإذا المرء صيّر الحقد طبعا ... مات غبنا ولم تمت أحقاده
فاجعل الحلم والسّماح جناحي ... ك تصيد ما لم تكن تصطاده
واقتصد في الأمور إن لبيب النا ... س من أعجب اللبيب اقتصاده
هي منّي نصيحة لك والنّص ... ح كبير نفاقه وكساده
وقوله: [مجزوء الرمل]
قل لمن علّم خطّا ... مرّة لا نلت علما
زدت عين الشّرّ شرّا ... وسقيت السّهم سمّا
وقوله: [الكامل]
إنّي لأعرف في الرّجال مخادعا ... يبدي الصّفاء وودّه ممذوق
مثل الغدير يريك قرب قراره ... لصفائه والقعر منه عميق
وقوله: [الخفيف]
لم تغيّر يا أحسن النّاس ودّي ... بدوام الصّدود والتّعذيب
شافع واحد من الحسن يمحو ... ألف ذنب لا سيّما من حبيب
(١٦٢) وقوله: [الطويل]
وقد كان روح الأرض حال حياته ... وأيّة روح لا يفارقها الجسم
لقد عدم المعروف بعد وفاته ... ولو أنّه حيّ لما عرف العدم
وقوله: [مجزوء الرجز]
يا هرما كأنّه نصل يراه من لمح ... وصغيره من شاهد الوضع اتّضح
فلو تهيّا سهمه وركّب السّهم وصح ... رمى به عفريت بلقيس على قوس قزح
وقوله: [الطويل]
أساكن مصر قرّ عينا ولا تخف ... فقد كفل الجبّار رعي مقامها
وقد صحّ نقلا أن مصر كنانة ... وأهرامها منها يصول سهامها
وقوله: [الوافر]
تبيّن أنّ صدر الأرض مصر ... ونهداها من الهرمين شاهد
ووا عجبا وقد ولدت كبيرا ... على هرم وذاك النّهد ناهد
وقوله: [البسيط]
يا ويح ناعورة باتت تؤرّقني ... فواصلت حزن آصالي بأسحاري
باتت تئنّ وتبكي في تقلّبها ... لكن على غير أوطان وأوطار
فهيّجت أنّتي شوقا إلى سكني ... وأرسلت دمعي الجاري على الجار
وقوله: [مجزوء الكامل]
لا تعذلنّي في العرو ... ض ولو رأيت القصد حائر
دارت عليّ دوائر ... فجهدت في فكّ الدوائر
وقوله: [الكامل]
فتّ التّتار على عتيق مقرّب ... ورجعت لكن فوق جدّ مقرف
وإذا اصطفى الملك الخؤون لنفسه ... ولملكه فالذنب ذنب المصطفي
وأخوك خانك قبل ذاك فما نجا ... فابكوا مليكا خانه الأخ والصّفي
والعين تشبه أختها في خلقها ... ولرّبما اختلفا كعيني أخيف
ومنها:
تتلو الجواسق فاطرا أسفا وقد ... كانت بقربك تاليات الزّخرف
(١٦٣) وقوله: [الوافر]
أميل إلى سكون وانقطاع ... مريح والزّمان به ضنين
وكيف يرام من حركات دهر ... يدور بأهله أبدا سكون
وقوله: [الخفيف]
نمّ فوق الخدّين منه عذار ... لا تراه العيون إلّا خيالا
كإناء من عسجد فيه ماء ... نقشت تحته الصّناع مثالا
وقوله: [الوافر]
تقاطع صاحباي على هناة ... جرت بعد التّصافن والتّصافي
وذا مالا يضمّهما مكان ... كأنهما معاقبة الزّحاف
وقوله: [الطويل]
وصلت فلمّا أن ملكت حشاشتي ... هجرت فجد وارحم فقد مسّني الضّرّ
فليت الذي قد كان لي منك لم يكن ... وليتك لا وصل لديك ولا هجر
فلا عبرتي ترقى ولا فيك رقّة ... ولا منك إلمام ولا عنك لي صبر
وقوله: [البسيط]
إن دام بعدكم لا شكّ في تلفي ... أنتم دوائي وأنتم في الهوى دائي
بقاي بعدكم يا من كلفت بهم ... كالحوت في البرّ أو كالضّبّ في الماء
وقوله: [الكامل]
أنّى تكيّف أو تمثّل ذات من ... عجزت عقول الخلق عن أوصافه
مهما تمثّل ناظر أو خاطر ... فالله جلّ ثناؤه بخلافه
وقوله: [المتقارب]
أنام إذا أنا حدّثته ... لأن حديثي لا ينفع
نشاط المحدّث في لفظه ... على قدر فهم الذي يسمع
وقوله: [مجزوء الكامل]
يغتابني فإذا التفتّ ... أبان عن محض صحيح
وثبا كوثب البحتريّ ... من النّسيب إلى المديح
وقوله: [الخفيف]
من مجيري من أسمر اللون كالأس ... مر قامت عليّ فيه القيامه
(١٦٤) حسد البدر حسنه فلهذا ... ذاب غيظا حتى بدا كالقلامه
لعبت خلفه الذّؤابة فاس ... تكبر تيها فقبّلت أقدامه
وقوله: [الكامل]
والشّعر كالدّينار جيّده ... ورديئه كالفلس في الصّرف
ضرب كضرب العود تسمعه ... وقعاقع كالطّبل والدّفّ
ومنهم:
٤٧- الحسام الأحدب، وهو أبو العوف، منقذ بن سالم بن منقذ بن رافع بن جميل بن منير بن مزروع المخزومي
شاعر ولد بالمعرّة، وعقد راحه بالمسرّة، ومن ثمّ بين نبلائها نجم، ومن يمّ فضلائها انسجم. ونشأ بدمشق منذ كان في سن اليافع، واخضرّت فيها فروعه، فقيل له أبو الغصن لغصنه اليانع. ولم يكن مثله في الحدبان والهلال الذي تقوّس، ولا شبيهه في الأغصان ولو تهوّس، إلا أنه ما سدّت بمثله محرومة محروم، ولا سدّت قريش على نظره نطاق مخزوم.
وقد ذكره الفاضل أبو العباس، ابن العطّار الكاتب، قال: (( وكان قامته دون قعدة الرجل )) خلاف قول سلم الخاسر: [المتقارب]
إلى ملك من بني الخيزرا ... ن كان القيام لديه قعود
وقد أنشده من شعره قوله: [الكامل]
لولا ظماي إلى جنى رشفاتها ... عفت الكؤوس وما شربت مداما
وممنّع الزّورات زور خياله ... من أجله أنا أعشق الأحلاما
يهوى الزيارة في الظّلام مجالسا ... فأودّ لو عاد الصّباح ظلاما
من لي بمعشوق الشّمائل لم ينل ... بدر التّمام إذا رآه تماما
رشأ لقتل محارب ومسالم ... إن لم يهزّ الرّمح هزّ قواما
وقوله: [الطويل]
سلوا ورق بانات الحمى عن تشوّقي ... وجز بالمنحنى عن تحرّقي
ففي دين بعد البين ما بعض بثّه ... يدلّ على قلب المعنّى وما لقي
(١٦٥) وليس الذي عندي من الوجد والأسى ... بمستحدث عن بعد يوم التّفرّق
ولكنها نار تشبّ ضرامها ... نوانا فما تخبو إلى حين تلتقي
وفي ذلك الحيّ التّهامي كاعب ... كغصن النّقا عضّ النظارة موثقي
إذا طلعت شمس النهار رأيتها ... تحاذر ذاك الحيّ منها وتتّقي
وقوله: [الكامل]
وفتور لحظك وهو آفة سكرنا ... لا ما أتى في الكأس والإبريق
ما فاتك الحرّ الحلال وإنّما ... حلو حديثك فيه مرّ عتيق
وقوله: [الخفيف]
لا تزدني على شديد اشتياقي ... فكفاني من الأسى ما ألاقي
فإلى من وأنت خصمي ووالي ال ... حسن أشكو جناية الأحداق
ونصوح يقول نم لترى الطّي ... ف فتحظى منه ببعض التّلاقي
يا رفيق المحبّ أطنبت في التّع ... نيف، ما هذه شروط الرّفاق
وقوله: [الكامل]
ما للغواني قلّ منها ناصري ... لّما رأت خذلان شبّي النّاصل
عطلي من الأحباب أبقاني على ... حال الأسى فأعجب لحال عاطل
وقوله: [الكامل]
زمن الصّبى هل ما تولّى يرجع ... هيهات ذلك والشّباب مودّع
كم قد بكيت عليك لو أجدى البكا ... وأسفت لو أنّ التّأسّف ينفع
لا تنكرنّ لهم خضوعي ذلّة ... من ذا يحبّ ولا يذلّ ويخضع
وحمائم بالغور بتّ مؤرّقا ... أشكو الذي تشكو وباتت تسجع
وأحبّة قطعوا حبال مودّتي ... لم يبق لي في الوصل منهم مطمع
قالوا تعرّض بالخيال وطيفه ... والطّيف كيف يزور من لا يهجع
وقوله: [الطويل]
تجمعت الأحزان من كلّ جانب ... عليّ كشمل الحيّ لّما تفرّقا
(١٦٦) حبست على أطلاله الدّمع سافحا ... ففي سفح ذاك المنحنى راح مطلقا
أطلت إليه بثّ شكوى صبابتي ... [ومثلي] يطيل البثّ من كان شيّقا
ولما اجتمعنا للوداع عشيّة ... جزعت ولما يبعد العهد باللّقا
وإن تبت عنكم كارها فأليّة ... بحبّكم لا بتّ إلّا مؤرّقا
وقوله: [الطويل]
سرى البرق من نحو الحمى يتألّق ... فهاج لمسراه الحمام المطوّق
وغرّد حتى قلت مثلي متيّم ... وأعلن حتى قلت مثلي مؤرّق
وبتّ أناجي الشوق حتى إذا بدت ... عن الصبح أثواب الظلام تشقّق
وقفت بربع الدار عنهم مسائلا ... فكادت لما بي دمنة الدار تنطق
وقوله: [الطويل]
مرير التّجنّي ثغره خصر الجنا ... بصدري به قبض وعذري له بسط
أباح دم العشّاق خطّى قدّه ... فهل جاءه غير العذار به خطّ
وقوله: [مجزوء الكامل]
طاب الصّبوح مع الغبوق ... فامزج لنا راحا براح
مشمولة قد عتّقت ... في دنّها من عهد نوح
حمراء صرفا إن بدت ... في كأسها أزرت ببوح
أو ما ترى راووقها ... يبكي على الزّقّ الذّبيح
خذها وإلا ما النصي ... ح فلا تطع قول النصيح
وقوله: [الخفيف]
يا نسيم الصّباح عيّ لساني ... قصر والغرام شرح يطول
أنت مأمونة على السّرّ فاستملي ... حديثي وحقّقي ما أقول
جدّدي بيننا المواثيق فالله ... على ما نقول وكيل
في عذول عن السّلوّ وفي ... أذنيّ وقر عما يقول العذول
ما عليهم لو خفّفوا من غرامي ... إن عبء الغرام عبء ثقيل
(١٦٧) وبذاك الصّريم ريم لقتلي ... فاعل وعن صدّه مفعول
قمر من جبينه ومن الفر ... ع لرأيه بكرة وأصيل
أشبهت لون قده حوّة ... الثغر فذا عاسل وذا معسول
يا عنيدا بالصدّ هل لظما الصب ... ب إلى رائق الوصول وصول
إن نار الجفا التي أنت مصل ... فوق ما يستحقّ منك الخليل
وقوله: [الكامل]
كرّر عليّ فإنّ أخبار النّقا ... أمست أحقّ لمسمعي أن تطرقا
وأعد عليّ حديث من حلّ الحمى ... فلربما ناب الحديث عن اللّقا
وقوله: [الطويل]
أهاجك نجد أم شجتك المنازل ... فأكناف سلع فاللوي فالمعاقل
فيا حبّ وصل لم تشبه قطيعة ... ويا طيب حبّ لم تشنه العواذل
ولم أنس سكّان الحمى وقد اغتدوا ... رواحل قد شدّت لديهم رواحل
فما أوسقوا يوم الترحّل أو سقوا ... مطيّهم إلا ودمعي مناهل
ولما نأوا نأيا تولّيت إثرهم ... أسائل بعد القوم والدمع سائل
فلو قصدوا الإنصاف أدنوا وباعدوا ... ولو عدلوا في الحكم صدوا وواصلوا
أيا فالقا هام الدّجى بقلوصه ... توقّ النّقا إن كنت نجدا تحاول
وإياك أن تأتي الأراك مخافة ... أراك وقد أصمى فؤادك نائل
وقبّل إذا أقبلت أحجار حاجر ... ومثّل به فالرسم للرسم ماثل
وحيّ به حيّا متى رمت ريمة ... يصدّك عنه الذابل القدّ ذابل
فكم علقتنا من هواه علائق ... خذلنا بها والحبّ للمرء جاذل
وكم قد توسّلنا إليه بمدمع ... فسال ولم تنفع لديه الوسائل
ولما رأيت السّحر بدعة طرفة ... تيقنت حقّا أن عيناه بابل
وقوله: (١٦٨) [البسيط]
وعاذر في الهوى أن دان جاهله ... فللهوى مسلك مستويل زلق
يردي الكميّ وإن جلّت بسالته ... ويستباح حماه المدره العرق
هل أنت عاصم باك سوف يدهمه ... إما حريق بنار الشوق أو غرق
لله من واله ولم ترم بسكان النقا ... ولّما يزل ما اعتاده القلق
فلا تعجّب من ذلّي وعزّهم ... فطالما ذلّ أقوام إذا عشقوا
وإن حرمت لذيذا من وصالهم ... فالمستحقّون شيئا قلّ ما رزقوا
ومنهم:
٤٨- عبد الله بن عمر بن نصر الله الأنصاري، أبو محمد، موفّق
المعروف بالورن، الواعظ، الكحال، المتطبّب. واعظ لا يغر، ولا فظ بلفظ الدّر، وطبيب يمسح بيده السّقام، وكحّال لا تروّع بعده العيون بالمنام. دمث الأخلاق، غيث الروض فخاب سعي نسيمه الخفّاق، وتنقّل في السّكنى بمصر والشام، ثم اتخذ بعلبك من مساكنها دارا، ورضي بساكنها جارا، ثمّ لما حمّ حمامه، وقاربت الممات أيامه، رحل إلى مصر فتوسّد بها فراش التراب، وحطّ بها رحله، ثمّ لم يبعث له ركاب، وشعره الذّ من غفلة الرقيب، وزورة الحبيب، فمنه قوله: [الطويل]
يسائل طرفي عن خيالك في الكرى ... فيخبر سهدي أنّ طرفك راقد
ويحسب وكرا ناظري طائر الكرى ... وما هو إلا للسّهاد مصائد
وقوله: [الكامل]
قلبي وطرفي في ديارهم ... هذا يهيم بها وذا يهمي
رسم الهوى لما وقفت بها ... للدمع أن يجري على الرّسم
وقوله: [السريع]
تشابهت والصّبح في نورها ... ففرّق الساقي بفرق دقيق
ومزّقت ثوب الضحى فانثنى ... من بزلها يرفي بخيط رقيق
وقوله: [الكامل]
رقّ النسيم لطافة فكأنّما ... في طيّه للعاشقين عباب
وسرى يفوح معطّرا وأظنّه ... لرسائل الأشواق فيه جواب
(١٦٩) وقوله: [الكامل]
إن ضيّعوا عهدي فعهد هواهم ... بين الجوانح سرّه مكنون
وحياتهم، أما السّلوّ فإنّه ... شك وأما حبّهم فيقين
وقوله: [الكامل]
شمت الحسود لأني ضنيت وما درى ... أنّي بأثواب الضّنا أتشرّف
يا غائبين وما ألذّ نداهم ... وحياتكم قسمي وعزّ المصحف
وقوله: [الطويل]
رتق الحمى حدّث بأخبار لوعة ... لها من فؤادي بالجفون تواتر
ويا نسمات الصّبح قولي لراقد ... هناك الكرى، إنّي لبعدك ساهر
وقوله: [الطويل]
خليلي ما للبرق يخفق غيرة ... أبرق حماها مثل قلبي عاشق
وما للمطايا قد حداها اشتياقها ... حتى لها مثلي تحنّ الأيانق
تميل غصون البان شوقا لقدّها ... فتنطق إشفاقا عليها المناطق
وينشقّ قلب للشقائق غيرة ... إذا حدّقت حينا إليها الحدائق
وقوله: [الكامل]
نقل الأراك بأنّ ريقة ثغره ... من قهوة مزجت بماء الكوثر
يا طيب ما نقل الأراك لأنّه ... يرويه نقلا عن صحاح الجوهر
حكى الفاضل أبو العبّاس بن العطّار، الكاتب، أنّ أخت الشيخ قطب الدين موسى بن القويني كانت مزوّجة في الرّحبة، فلمّا مات زوجها توجّه أخوها قطب الدين لإحضارها فأقام عندها لتقضي مدّة العدّة، ثمّ يحضرها، فكتب إليه الورن: [الكامل]
مولاي قطب الدين موسى دعوة ... من نازح يسلو قطيعة وصله
أتراك ما آنست نار تشوّقي ... يا من قضى أجلا وسار بأهله
قال: وكان بالبقاع قاض يلقّب شهاب الدين، وله ولد مليح اسمه موسى (١٧٠) فأتاه فقيه مشهور يحبّ الغلمان، وكان قد أطلّ شهر رمضان، فتلقّاه القاضي، وأنزله عند ابنه، فكتب إليه الورن: [السريع]
قل لشهاب الدين يا حاكما ... في سرعة الحبّ على الجار جار
آويت في ذا الشهر ضيفا يرى ... أنّ دبيب الليل مثل النهار
وهو فقيه أشعريّ الخصا ... يعلّم الصّبيان باب الظّهار
إياك إن لاحت له غفلة ... لفّ كبار البيت بعد الصّغار
قال: وكان بالبقاع وال من أهل الأدب، يعرف بابن درباس، واسمه عليّ، وكان ينظم الشّعر ويتوالى، والوزير بدمشق إذ ذاك بدر الدين جعفر بن الآمدي، وكان يتوالى أيضا. فاتّفق أنّه ولّى عنده بالبقاع كاتبا ممن سلم من التّشمير من
ديوان المطابخ، وكان من حديث هؤلاء أنهم سرقوا قندا كبيرا، كان قد حمل من غور الكرك، ليطبخ بدمشق للسلطان، فبلغ ذلك الملك الظاهر بيبرس، فأمر بهم فسمّروا، وطيف بهم على الجمال، إلّا هذا الكاتب، فإنّه شفع فيه، فأطلق بعد أن قدّم الجمل ليسرّ، فلمّا استخدمه ابن الآمدي بالبقاع، ضيّق على ابن درباس، فأقام يعمل قريحته فيما يكتبه إلى ابن الآمدي فيه، فلم يأت بشيء، فسأل الورن في ذلك فكتب: [البسيط]
شكية يا وزير العصر أرفقها ... ما كان بأملي هذا من ولاك علي
لم يبق في الأرض مختار إلا فتى ... من بقايا وقعه الجمل
فضحك ابن الآمدي، وقال: قال الحق والله، ثم عزل ذلك الكاتب، ولم يستخدمه بعدها.
ومنهم:
٤٩- يوسف بن أحمد بن محمود، الأسديّ، أبو العزّ وأبو المحاسن، جمال الدين. عرف بابن الطّحان (( ١٣ ))
وهو المسمى بالحافظ اليغموري، لنسبته إلى صحبة ابن يغمور. محدّث لا يملّ، ومؤرّخ لا يخلّ، وحافظ مدد بحره لا يقلّ، وفاضل لا يعجز أن يستدلّ، ملأ بخطّه الورق، ورمى بخطبه الفرق، وكتب أوقار أحمال، وأوراق تعاليق تقيّد خطا الجمال، صدوق، نقله محقّق، (١٧١) وقوله مصدّق، وحديثه موثّق. كم له من مجموع حسن، ومسموع ما أطرب به طائر على فنن، وكان له طرف تشفّ، ولطف تخفّ، وأدب شكره واجب، كأنه الغمز بالحواجب. وحكي أنه مرض لابن يغمور مملوك كان يعزّ عليه، وكان يعوده طبيب من أخصّاء أصحابه،
فمات المملوك، فلما خرجت جنازته، خرج الطّبيب فيمن خرج معها، فلما حضر الدفن قعد الطبيب على القبر وهو يحفر، ثم بقي يقول للحفّار احفر كذا، اعمل كذا، افعل كذا، فقال له الحافظ اليغموري: يا سيّدنا أنت قد عملت ما يجب عليك وما قصّرت، لازمته حتى وصّلته إلى هنا، وأمّا من هنا ورايح، ما بقي يتعلّق بك. الذي عليك أنت عملته، وبقي الذي على هذا، وأشار إلى الحفار، فخزي الرجل، وضحك كلّ من حضر الدفن. ورأيت بخطّ ابن العطّار ما صورته وقد ذكره، فقال: (( وكتب إليه الأديب شهاب الدين محمّد بن عبد المنعم ابن الخيمي، وكلاهما أرمد: (( ١ )) [الوافر]
أبثّك يا خليلي أنّ عيني ... غدت رمداء تجري مثل عين
حديثا أنت تعرفه يقينا ... لأنّك قد رمدت وأنت عيني (( ٢ ))
فكتب جوابه: [الوافر]
كفاك الله ما تشكو وحيّا ... محاسن مقلتيك بكلّ زين
فإنّي من شفائك ذو يقين ... لأني قد شفيت وأنت عيني (( ٣ ))
ومن شعره قوله: (( ٤ )) [الرمل]
رجع الودّ على رغم الأعادي ... وأتى الوصل على وفق مرادي (( ٥ ))
ما على الأيام ذنب بعدها ... كفّر القرب إساءات البعاد (( ٦ ))
ومنه قوله: (( ١ )) [الرمل]
أنا مرآة فإن أبصرتم ... حسنا أنتم بها ذاك الحسن
أو تروا ما ليس يرضيكم فقد ... صدئت إذ لم تروها من زمن (( ٢ ))
ومنهم:
٥٠- جوبان القوّاس (( ١٣ ))
واسمه رمضان، ولقبه أمين الدين. لسان (١٧٢) ينفق درّا، وبيان ينفث سحرا، وسنان يصيب نحرا، وحسّان يؤيّد بروح القدس إذا قال شعرا، كان لا يقرأ ولا يكتب، ولا سلف له سابق بأديب، ولا درس، بل كان شغله صنعة القسيّ يطلع أهلّتها، ويصنع من سقام الأصيل حلّتها. وحكى لي شيخنا شهاب الدين محمود الحلّي الكاتب عنه، أنه كان يدّعي الأميّة، وكان بخلاف ما يدّعيه، قرأ وكتب وحفظ المفصّل في النحو. وحكى لي صاحبنا الشيخ جمال الدين، أبو زكريا يحيى بن الغويرة السّلميّ عنه، أنّه كان يأخذ الخطوط المنسوبة الفائقة بخط ابن البوّاب، والوليّ التبريزي، وأمثالها ويضعها قدّامه بحيث يراها، ثمّ يقصّ من التّوّ مثلها ويلصقها أسطرا على الدروج، لا يفرّق بين ما قصّه منها بالمقصّ وبين ما كتبه أولئك الكتّاب بالقلم. وحكى لي حسن بن المحدّث الكاتب أنه كان يكون قاعدا في عمل صناعته وهو ينظم القطعة من الشّعر، النظم الجيّد المرضي، وفي شعره ما يبلّل بقطره الغمائم، ويلطم بنشره اللطائم، ومنه قوله: (( ٣ )) [الطويل]
وعهدي بوجه الأرض مبتسما فلم ... تغرغر منه الدّمع في مقل الغدر (( ١ ))
إذ أرجف الماء النسيم لوقته ... كساه شعاع الشمس درعا من التّبر
وقوله:
نصون الحميّا بالقناني وإنّما ... نصون القناني بالحميّا ولا ندري (( ٢ ))
ولما حكى الرّاووق في العين شكله ... وقد علق العنقود في سالف الدّهر
تذكّر عهدا بالكروم فكلّه ... عيون على أيام عصر الصّبا تجري (( ٣ ))
يناولنيها مخطف الخصر أغيد ... فلله ذاك الأغيد المخطف الخصر
يقول وفرط السّكر يثني لسانه ... إلى غير ما يرضي التّقى وهو لا يدري (( ٤ ))
ومن كان لا تحوي ذراعاه مئزري ... فدون الذي تحوي أنامله خصري
وقوله:
لك بين حزني والسّرور مقام ... فلذاك أعذر في الهوى وألام
(١٧٣) ولك السّرى بين الرّقاد ويقظتي ... فالوجد لا فكر ولا أحلام
يا حيرة العشّاق في سبل الهوى ... إذ ليس يدرك علمه فيرام
كتب الغرام على صحيفة خدّه ... مت عاشقا فلتتعب اللّوام
وقوله:
أدر علينا كأس ذكر الحبيب ... فإنّه يسكر سكرا عجيب
لو نسيمات بنشر الحمى ... تأتي مع الصّبح لمات الكئيب
وا رحمتا للصّبّ إن عرضوا ... بذكر من يهواه عند الرقيب
يروم أن يكتم أحواله ... وكيف تخفى لمحات المريب
وقوله في مليح له خال رقم ديباجة خدّه، وخال أنّه هو سبب صدّه، وأتى بلفظة حاله هنا تورية حسنة على ابتذالها وكثرة استعمالها: [السريع]
وأسمر يخجل سمر القنا ... معسوله تحمي بعسّاله
يتمنّى خال على خدّه ... وآفة العشاق من حاله
وقوله: [الطويل]
تحمّلت فيك السّقم حتى رحمتني ... فحاكيت حالي والتوجّع مسقم
وأحرقت قلبي بالجفا وسكنته ... فلا غرو إن فاحت عليك جهنّم
ومذ غاض ما استودعت في الخدّ من دمي ... بكيت به إلّا فمن أين لي دم
وقوله: [السريع]
لولا عيون الرشأ الأكحل ... ما وصل السّهم إلى مقلتي
رقّ لي العاذل من لوعتي ... فكيف لو شاهده عذّلي
وقوله: [مجزوء الخفيف]
سار مزموم ركبهم ... وهو عنّي مجنّب
فأنا اليوم بعدهم ... بالمغاني مشبّب
وقوله في القوس، وبذل فيه جهد استطاعته، وأجاد في صناعته:
[الخفيف]
أنا عون على هلاك عداكا ... زادك الله نصرة وحماكا
(١٧٤) فادعني في الوغى تجدني صبورا ... نافذ السّهم في العلا فتّاكا
ربّ في الحرب نلت مطلبك ال ... أقصى وما بي من قدرة لولاكا
وقوله في مليح لعب بالصوالجة، فطارت الكرة إلى وجهه فأثّرت فيه، وحقّقت باللّدم له بالبدر التّشبيه: [البسيط]
وافى وقد أثّرت في وجهه كرة ... جاءته قاصدة من غير مقتصد
لم ألق في حرجي من فعلها ألما ... بقدر ما نالني من شدّة الحسد
وقوله: (( ١ )) [مجزوء الكامل]
ربّح وخذ بنسيئة ... واشرب وامطل ودافع (( ٢ ))
فأحقّ ما أكل المحا ... لي مال أرباب المطامع
وقوله، وهما في جملة قطعة من قطعه السائرة، وأبياته التي علقت بكلّ ذاكرة: (( ٣ )) [البسيط]
لاح الهلال ابن يوميه فأذكرني ... شرب المدامة تجلى من يد السّاقي (( ٤ ))
كأنّه شفق للكأس قد نقصت ... بالميل والخمر شفّاق على الباقي
وقوله: [مجزوء الوافر]
تفرّق عقله فرقا ... كذاك يصاب من عشقا
وأودع قلبه حجرا ... من الوجنات فاحترقا
وقوله: [الكامل]
قابل مذلّة من أتاك بعذره ... بالصفح إنّ العذر خير شفيع
وإذا غفرت فلا تشوب حلاوة ال ... غفران منك مرارة التقريع
وقوله: [الوافر]
أغايظه ليعرض بالتجنّي ... فيحلو لي إذا أبدى الدلالا
وإن عرف الفتى مقدار شيء ... عزيز من بضاعته تغالى
وقوله: (( ١ )) [مخلع البسيط]
جئت أريد الحمّام يوما ... فغرّني النقش والحصير
أنقل خوف الوقوع رجلي ... فيها كما ينقل الضرير
(١٧٥) جهنّم لا يصاب فيها ... وهج بل الكلّ زمهرير
وكلّما جاءها زبون ... قلنا ألم يأتكم نذير
وقوله: [المنسرح]
نفس الخسيس البخيل كامنة ... فيه ولو حاز ملك قارون
يعطي ويقري وفي مخايله ... منّ شحيح وكظم مغبون
وقوله: (( ٢ )) [الوافر]
حمانا الترك وانتهكوا حمانا ... وليس يفي التواصل بالصدود (( ٣ ))
حمونا بالصوارم والعوالي ... وجاروا باللواحظ والقدود
وقوله يرثي صديقا له: [الخفيف]
كيف نسلو يا زين أو نتناسى ... خلقا منك يطرب الجلّاسا
لست أبكي عليه لكن على نف ... سي أبكي فقد عدمت النّاسا
وقوله: [الطويل]
ولما نزلنا دوحة الزهر نجتلي ... محاسن ما قد نظّمته يد القطر
فما خلتها إلّا تماثيل عنبر ... وقد جلّلت من فوقها شبك الدّرّ
وقوله: [البسيط]
أرني المنافس في الدنيا ليجمعها ... حرصا وللرزق حكم يبطل السّببا
كلاعب النّرد يفني في تصرّفه ... جهدا ويمنعه المقدار ما طلبا
وقوله: [البسيط]
وباقة ألّفت من نرجس نضر ... تروق أبصارنا بالمنظر العجب
تخال مائدة من فضّة وضعت ... وبثّ فيها سكاريج من الذّهب (( ١ ))
وقوله: [المديد]
أيّها الحادي أقم نفسا ... فلعمري فيك إحسان
اسأل الأحباب أن يعدوا ... عودة فالقوم قد لانوا
(١٧٦) رحلوا والقلب بينهم ... يتوارى وهو وجلان
خيفة ممّن يهيم بهم ... كلّ من في الركب غيران
وحكي أنه كان يعهد غلاما مصونا، ذا جمال رائق، وكمال فائق، وحسن يعذر به الوامق، وانجذاب يطمع بمثله العاشق، وكان يعهده يجرح قلبه ولا يكلّمه، ويروي نظره منه ولا يطفأ تضرّمه، فمرّ به وقد تمادى عليه زمان في
حانوت معلّمه، فمذ رآه افترّ له بمبسمه، فأراد أن يجلس إليه فأشار إليه ألّا يفعل، فعلق قلبه برحم إيمائه، وقوي طمعه في الوصول إلى نجم سمائه، وكان الغلام قد خاف معلّمه لأنّه كان به مفتونا لا يكفّ عنه نظرا، ولا يبصر غيره ولا يرى، وكان المعلّم وهو الذي راض جامح ذلك الغلام، وعلّمه أن يرمي بطرفه تلك السّهام، فانصرف عنه وهو يقول: [المنسرح]
أقصد حانوته فيغمزني ... أن لا تقف عندنا لتهتكنا
فإنّ هذا معلّمي رجل ... قد لاط قسطا من عمره وزنا
لا جمّل الله من معلّمه ... بالسّتر عرقا إن مات أو دفنا
علّمه صنعة يعيش بها ... معه، وأخرى بها أموت أنا
قلت، وقد سكّن (معه) في هذا البيت وهو معيب. وكان شيخنا شهاب الدين محمود رحمه الله يقول: قلّ أن نهضت قافية مقيّدة، أو عمّر بيت سكّنت فيه مع.
قلت: وفي قول شيخنا هذا مطلقا نظر، و (مع) ، الساكنة مع غير ضمير أخفّ منها ساكنة مع الضمير. ثمّ نرجع إلى تتمّة شعره فنقول، ومنه قوله: [الطويل]
ألقت هواي في هواكم فراضني ... فلم يبق لي نفس تخالف عن أمري
وقد كنت ذا صبر على ما ينوبني ... فعلّمني هجرانكم قلّة الصّبر
وقوله: [السريع]
لما بدا الشّعر على سالفيه ... سعى به من كان يسعى إليه
(١٧٧) ما عاينت من قبله مقلتي ... بدرا عراه النّقص من جانبيه
وقوله في الحشيشة: [الوافر]
إذا فرص بدت لك فانتهزها ... فأعمار السّرور بها قصار
وخذها من معنبرة بلون ... كلون الآس يلحقها اصفرار
تطوف على الأكفّ بغير كاس ... لها، وحياتها الحبّ الصغار
وودّع غيرها إن خفت عارا ... فحسوة غيرها ذل وعار
فلو أنّ الحشيش تزيد فهما ... لنال بفهمه الرّتب الحمار
وقوله: [السريع]
يعبث عجبا بقلوب الورى ... في الشّحّ بالوصل وبذل السّماح
يؤنس بالنرجس من يجتني ... فإن لوى أطعمه بالأقاح
وقوله في الأذريون، وأهل دمشق تسمّيه (الكركاش) : [الكامل]
انظر إلى الكركاش وهو محدّق ... كالتّبر محتاط عليه يدار
فكأنّه فم شادن متبسّم ... من فوق رأس لسانه دينار
وقوله: [السريع]
تبّا لحمّام نشبنا بها ... لم نر فيها خصلة صالحة
فبابها كالفحم لكنّها ... كالثّلج منها نقطة راسخة
والماء كالبولة لكنّه ... سخن غليظ سهك الرائحة (( ١ ))
فيها ضباب عاقد تغتدي ... أوجهنا في نقعه كالحة
والسّدر كالوحل على أرضها ... قد لزم الشّعر من البارحة
وما الذي يذهب غيّابه ... وليس فيه نقطة شارحة
وفيم أترف من أحذم ... علامة الشّرّ به لائحة
تتلو علينا كلّما جئنا ... هـ نتلو سورة الفاتحة
وقوله: (( ١ )) [السريع]
نفّش غصن البان أذنابه ... واهتزّ عند الصّبح عجبا وفاح
وقال هل في الروض مثلي وقد ... عزوا إلى غصني قدود الملاح (( ٢ ))
(١٧٨) فحدّق النرجس يهزا به ... وقال حقّا قلته أو مزاح؟!
قال له البان ألا تستحي ... ما هذه إلّا عيون وقاح (( ٣ ))
وقوله: [الخفيف]
وعدت زورة إذا الليل جنّا ... فتجافى الكرى جفون المعنّى
وغدا بين خوفه والدّجى هل ... ل إليه الصباح أو هي أدنى
وقوله: [مجزوء الرجز]
ذو مقلة صحيحة ... ألحاظها منكسرة
كأنّها من فعله ... بصبّها معتذرة
أوصافه كاملة ... وفي الورى مختصرة
يا ربّ خذ رقيبه ... فهو أشدّ العشرة
وقوله: [الوافر]
لئن جحدتني العينان ظلما ... وجوب دمي فإنّ الخدّ يشهد
بخلت على الخليل بغير ذنب ... جناه بطيب مرشفك المبرّد
وقوله في المائدة وهي الخونجاه: [مخلع البسيط]
وذات أصل لها زكيّ ... يصلح بين المغاضبين
تسعى على الرأس إن أتتنا ... طورا وطورا على اليدين
وقوله: [السريع]
وذات وجهين وما فيهما ... عين ولا أنف ولا حاجب
لها فم ليس له مدخل ... وهو لّما يسقونه شارب
ومنهم:
٥١- محمد بن العفيف، سليمان بن علي بن عبد الله بن علي، التلمسانيّ، أبو عبد الله، شمس الدين (( ١٣ ))
نسيم سرى، ونعيم جرى، وطيف لا بل أخفّ موقعا في الكرى، لم يأت إلّا بما خفّ على القلوب، وبرئ من العيوب، ورقّ شعره فكاد يشرب، ودقّ فلا غرو للقصب أن يرقص، وللحمام أن يطرب. ولزم طريقة دخل بها بلا استئذان، وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان، وجاء بكلّ لطيف، وأجاد التورية والكلّ معها لفيف، وبرز على (١٧٩) أقرانه ففات الرّفقة، وملأ العين بما جاء به من الرّقّة، وكان لأهل عصره، فمن جاء على آثارهم افتتان بشعره، وافتنان فيه وفي ذكره، وخاصة أهل دمشق، فإنّه بين عمائم حياضهم ربّي، وفي كمائم رياضهم خبّي، حتّى تدفّق نهره، وأينع زهره، وكان يرى أنّهم جلدته، وأبناء بلدته، وإن كان قديمه من بلد سوى بلدهم، ولمولد غير مولدهم.
وقد أدركت جماعة من خلطائه لا يرون عليه تفضيل شاعر، ولا يروون له
شعرا إلّا عظّموه كالمشاعر، ولا ينظرون له بيتا إلا كالبيت، ولا يقدّمون عليه سابقا، لو قلت: ولا امرأ القيس لما باليت. ومرّت له ولهم بالحمى أوقات لم يبق لهم من زمانها إلّا تذكّره، ولا من إحسانها إلّا ما تشكره. وأكثر شعره- لا بل كلّه- رشيق الألفاظ، سهل على الحفّاظ، لا يخلو من الأمثال العاميّة، وما تحلو به المذاهب الكلاميّة، فلهذا علق بكلّ خاطر، وولع به كلّ ذاكر، وعاجله أجله فاخترم، وأحرم أحبابه لذّة الحياة وحرم. ذكر شيخنا أبو حيّان وهو آخر من ذكره في مجاني العصر، وقال: مولده بالقاهرة في عشر جمادى الآخرة، سنة إحدى وستين وستمئة، ومما أنشد له قوله في طبّاخ: (( ١ )) [مجزوء الرمل]
ربّ طبّاخ مليح ... فاتر الطرف غرير
مالكي أصبح لكن ... شغّلوه بالقدور
وقوله: (( ٢ )) [السريع]
أسير أجفان بخدّ أسيل ... كليم أحشاء بطرف كليل (( ٣ ))
في حبّ من حظّي كشعر له ... لكن قصير ذا وهذا طويل (( ٤ ))
ليس خليلا لي ولكنّه ... يضرم في الأحشاء نار الخليل (( ٥ ))
يا ردفه جرت على خصره ... رفقا به ما أنت إلّا ثقيل
وقوله: (( ٦ )) [الهزج]
وقد سوّد حظّي من ... ك يا أبهى الورى غرّة (( ١ ))
سواد الخال والعار ... ض والمقلة والطّرّة (( ٢ ))
(١٨٠) قديم الهجر من لفتى ... قديم في الهوى هجره
رأينا من جفا وجنا ... ولكن زدت في كرّة (( ٣ ))
فهل تسنح أو تس ... مح بالوصل ولو مرّة (( ٤ ))
فقد أصبحت لا أمل ... ك من صبري ولا ذرّة
وقد صيّرني هجرك ... في كس أخت ما أكره (( ٥ ))
عذيري فيه من قمر ... يريك بخدّه الزّهره
إذا قارن بالأكؤس ... إذ بشرتها ثغره (( ٦ ))
أراك الذّهب المصري ... ي فوق الفضّة الفقرة
ومما أنشد له الفاضل أبو الصفا الصّفديّ قوله: (( ٧ )) [الخفيف]
ومليح كالبدر زار بليل ... فجلا حسنه الدّجى إذ تجلّى (( ٨ ))
وما درى منزلي ولكنّ قلبي ... بلهيب الجوى هداه ودلّا (( ٩ ))
وعجيب منه فقيه ذكيّ ... بمحلّ النزاع كيف استدلّا
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
ولقد أتيت إلى جنابك قاضيا ... باللّثم للعتبات بعض الواجب (( ٢ ))
وأتيت أقصد زورة أحيا بها ... فرددت يا عيني هناك بحاجب (( ٣ ))
وقوله في رسّام: (( ٤ )) [مجزوء الرجز]
قلت لرسّامكم ... بك الفؤاد مغرم (( ٥ ))
قال متى أذيبه ... فقلت حين ترسم (( ٦ ))
وقوله: (( ٧ )) [من الرجز]
يا بأبي معاطف وأعين ... يصول منها رامح ونابل (( ٨ ))
فهذه ذوابل نواضر ... وهذه نواظر ذوابل
وقوله: (( ٩ )) [الطويل]
حللت بأحشاء لها منك قاتل ... فهل أنت منها نازل أم منازل (( ١٠ ))
أرى الليل مذ حجّبت ما حال لونه ... على أنه بيني وبينك حائل
(١٨١) أيسروا يا طلعة البدر طالع ... ومن شقوتي حظّ بخدّك نازل
ولو أنّ قسّا واصف منك وجنة ... لأعجزه نبت بها وهو باقل
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
بلا غيبة للبدر وجهك أجمل ... وما أنا فيما قلته متقوّل
لحاظك أسياف ذكور فما لها ... كما زعموا مثل الأرامل تغزل
وما بال برهان العذار مسلّما ... ويلزمه دور وفيه تسلسل
ولا عيب عندي فيك إلا صبابة ... لديك بها كلّ امرئ متبدّل (( ٢ ))
وعهدي أنّ الشمس بالصّحو آذنت ... وسكري أراه من محيّاك يقبل (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
في غزلي من لحظ ذاك الغزال ... أخبار صبّ قتلته النّبال
غصن سقته أدمعي ثمّ ما ... أثمر لما مال إلّا الملال
وهبته ياقوت دمعي ولا ... يسمح لي مبسمه باللآل (( ٥ ))
حلّ ثلاثا يوم حمّامه ... ذوائبا تعبق منها الغوال (( ٦ ))
فقلت والقصد ذؤاباته ... واسهري في ذي الليالي الطّوال
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
وكم يتجافى خصره وهو ناحل ... وكم يتحالى ثغره وهو بارد (( ٢ ))
وكم يدّعي صونا وهدب جفونه ... تفتّرها للعاشقين مواعد (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [الرجز]
مثل الغزال نظرة ولفتة ... من ذا رآه مقبلا ولا افتتن
أحسن خلق الله ثغرا وفما ... إن لم يكن أحقّ بالحسن فمن
وسنّ في شرع الهوى تسهّدي ... وحرّم الأجفان لذّات الوسن (( ٥ ))
في ثغره وصدغه ووجهه ... الماء والخضرة والوجه الحسن (( ٦ ))
وقوله: (( ٧ )) [الوافر]
وبين الخدّ والشفتين خال ... كزنجيّ أتى روضا صباحا
(١٨٢) تحيّر في الرياض فليس يدري ... أيجني الورد أم يجني الأقاحا
وقوله: (( ٨ )) [السريع]
كأنّ ذاك الخال لما غدا ... يلوح في سلسلة من عذار
أسيود يخدم في جنّة ... قيّده مولاه خوف الفرار
قلت والمذكور له محاسن كثيرة سوى هذا، منها قوله في نحوي: (( ١ )) [السريع]
يا ربّ نحويّ له مبسم ... تقبيله غاية مطلوبي
قد صغّر الجوهر من ثغره ... لكنّه تصغير تحبيب
وقوله في مليح يعمل الكوافي اسمه علي: (( ٢ )) [مخلع البسيط]
اسم حبيبي وما يعاني ... قد أظهرا لوعتي وحبّي (( ٣ ))
قالوا: عليّا، فقلت: قدرا ... قالوا: كوافي، فقلت: قلبي (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [مجزوء الوافر]
عذار فيه قد عبثوا ... محبّوه وقد عنتوا
يخاف عيون واشيه ... فيمشي ثمّ يلتفت
وقوله: (( ٦ )) [مجزوء الكامل]
إنّي لأشكو في الهوى ... ما راح يفعل خدّه
ما كان يعرف ما الجفا ... لكن تفتّح ورده
وقوله: (( ٧ )) [الكامل]
بعث العتاب برقعة محمرّة ... جاءت تهدّدنا بفرط جفائه (( ١ ))
فسألتها عنه فقالت إنّه ... ذبح الوداد فكنت بعض دمائه (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
ما أنت عندي والقضي ... ب اللّدن في حال سوا (( ٤ ))
هذاك حرّكه الهوا ... ء وأنت حرّكت الهوى
وقوله: (( ٥ )) [الوافر]
جلا ثغرا وأطلع لي ثنايا ... يسوق بها إلى قلبي المنايا (( ٦ ))
(١٨٣) وأنشد ثغره يبغي افتخارا ... أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا (( ٧ ))
وقوله: (( ٨ )) [الكامل]
لي من هواك بعيده وقريبه ... ولك الجمال بديعه وغريبه
يا من أعيذ جماله بجلاله ... حذرا عليه من العيون تصيبه
إن لم تكن عيني فإنّك نورها ... أو لم تكن قلبي فأنت حبيبه
هل حرمة أو رحمة لمتيّم ... قد قلّ فيك نصيره ونصيبه (( ٩ ))
لم يبق لي سرّ أقول تذيعه ... كلا ولا قلبا أقول تذيبه (( ١ ))
والنجم أقرب من لقاك مناله ... عندي وأبعد من رضاك مغيبه
والجوّ قد رقّت عليّ عيونه ... وجفونه وشماله وجنوبه (( ٢ ))
هي مقلة سهم الفراق يصيبها ... ويسحّ وابل دمعها فيصوبه (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [الطويل]
دعاه ورقم الليل بالبرق مذهب ... هوى بك لبّاه الفؤاد المعذّب
بروحي يا طيف الحبيب محافظ ... على العهد، يدنو كيف شئت ويقرب (( ٥ ))
ومن كلّما عاتبته رقّ قلبه ... وأقسم لا يجفو ولا يتجنّب (( ٦ ))
يعلّمه فرط القساوة أهله ... ويعطفه الخلق الجميل فيغلب (( ٧ ))
يشقّ جلابيب الدّجنّة زائري ... على رغم من يلحى ومن يترقّب
فأخجله مما أبثّ له الهوى ... ويخجلني من كثر ما يتأدّب (( ٨ ))
فلو رمت أني عنه أثني عن الهوى ... غرامي لنادى لطفه أين تذهب (( ٩ ))
وقوله: (( ١٠ )) [السريع]
أخجلت بالثّغر ثنايا الأقاح ... يا طرّة الليل ووجه الصّباح
وأعجمت أعينك السّحر مذ ... أعرب منهنّ صفاح فصاح (( ١ ))
فيا لها سودا مراضا غدت ... تسلّ للعشاق بيضا صحاح (( ٢ ))
يا للهوى هل مسعد مغرما ... رأى حمام الأيك غنّى فناح (( ٣ ))
(١٨٤) يا بانة مالت بأعطافه ... علّمتني كيف مهزّ الرّماح (( ٤ ))
وأنت يا أسهم ألحاظه ... أثخنت والله فؤادي جراح
وقوله: (( ٥ )) [المنسرح]
أوّل عهدي بالحبّ فيك غدا ... آخر عهدي بالصّبر والجلد
وأنت يا طرفه السّقيم أما ... ترحم ما قد حكاك من جسدي
يميل قلبي لرشف ريقته ... من أين للنار نسبة البرد
حسبي وحسب الهوى وحسبك ما ... يفعله الهجر بي فلا تزد
وقوله: (( ٦ )) [الطويل]
تعالوا نعيد الوصل نحن وأنتم ... فلا رأي منا عند من دام صدّه (( ٧ ))
ولا تفتحوا للعتب بابا فربّما ... يعزّ علينا بعد ذلك سدّه (( ٨ ))
ومنتقم مني وذنبي عنده ... مقالي وهذا الحرّ قلبي عبده
رعى الله ليلا زارني فيه والدّجى ... يلثّمه لولا تضوع ندّه
فلما بدا واشي الصّباح بوشيه ... ونيط علينا من ندى الجوّ برده (( ١ ))
ترقرق درّ الدمع في متن لحظه ... فحقّقت أن السيف فيه فرنده (( ٢ ))
أقول لقلبي والغرام يقوده ... وسيف التجنّي والتّمنّي يقدّه
سأسري وجنح الليل يسطو ظلامه ... وأسقي وقلب الشمس يلمح وفده (( ٣ ))
أروم بعزمي فوق ما دون نيله ... لواء المنايا خافق الظلّ بنده
ولا ذنب لي إلّا الكمال على الصّبا ... فمن لي بعيب أو بشيب أعدّه (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [الكامل]
ولقد أقول لصاحبيّ برملة ال ... جرعاء ما بين النقا والغار
حثّا النياق بنا تسير ونحن في ... قلب الدّجى أخفى من الأسرار (( ٦ ))
لا تخد عنّكما المعاطف إنّها ... قد أنحلت سمر القنا الخطّار
وتوقيا تلك المحاسن إنّها ... نار القلوب وجنّة الأبصار
(١٨٥) وقوله: (( ٧ )) [الوافر]
أما وتمايل الغصن النضير ... وحسن تلفّت الظّبي الغرير
وصدغ قد حكا لما تبدّى ... خيال الروض في صفو الغدير
لقد نشطت لواحظه لقتلي ... بعزم وهي توصف بالفتور
كما جهلت ذوائبه غرامي ... ذهولا وهي توصف بالشّعور (( ١ ))
هلال في التباعد والتداني ... غزال في التلفّت والنفور
أعاين من محاسنه ودمعي ... طلوع الشمس في اليوم المطير
وقوله: (( ٢ )) [مجزوء الرجز]
غادرني بغدره ... على هجير هجره
فلم يحرّك في الهوى ... لسانه بذكره
وطرفه الساحر إن ... شككتم في أمره (( ٣ ))
كيف يذوق عاشق ... حلاوة في صبره
يا عاشقين حاذروا ... إذا وفى من غدره (( ٤ ))
يريد أن يخرجكم ... من عقلكم بسحره
ومنهم:
٥٢- عمرو بن مسعود بن عمرو الكتّاني (( ١٣ ))
المحّار، السرّاج، أبو حفص. هو السّراج المنير، والمحّار محاره، الدرّ خاطره، الحسن التصوير، والكتانيّ الذي دون صناعته قدر الحريريّ والحرير، الحلبيّ الذي لو تقدّم زمانه ابن حمدان لما طابت لأبي الطيّب عنده أردان، ولا كان له من الكنديّ أو نظرائه أخدان، ولقال بلدي أنا أولى به وهو أولى بي، وأنا أحقّ بذهبه
وهو أحقّ بذهبي، وجاري ولا واحد جاء من تنوفة، وشاعر من حلب ولا شاعر من أهل الكوفة. وهو ممن اجتمعت به ورويت عنه ما تروي منه النّهلة، ولقطت من عجالته ما لا تحصّله المهلة. وكان قد لبس زيّ المتصوّفة، ونسك آخر عمره نسك أهل المعرفة، وكان جلّ أدبه الموشّحات والزّجل، وأجادهما أجل، وكان فيهما أجلّ، ومن شعره قوله يصف مرآة من سبج: [الوافر]
ومرآة من السّبج المحلّا ... بدت في راحة الملك الهمام
(١٨٦) تراءى وجهه فيها فقلنا ... أهذا البدر يجلى في الظلام
ومنه قوله: (( ١ )) [المنسرح]
رأيته في المنام معتنقي ... يا ليت ما في المنام لو كانا
ثم انثنى معرضا فواعجبي ... يهجرني نائما ويقظانا
وقوله: (( ٢ )) [السريع]
بعثت نحوي المشط يا مالكي ... فكدت أن تسلبني روحي
وكيف لا تسلب روحي وقد ... بعثت منشورا لتسريحي
ومنه قوله في معالج مقيرة: (( ٣ )) [الطويل]
بروحي أفدي في الأنام معالجا ... معاطفه أزهى من الغصن الغضّ
إذا ما امتطى لطفا مقيرة له ... وأقعدها واحمرّ سالفه الفضيّ
رأيت محيّاه وما في يمينه ... كشمس تجلّت دونها كرة الأرض
ومنه قوله يصف الجوسق الذي بناه، وأظهر بالذّهب المموّه عن الأصل غناه: [الكامل]
لله جوسقك الرفيع محلّه ... طال المجرّة سقفه المرفوع
يغنيك عن زهر الربى إذهابه ... فلديك منه مربع وربيع
مختارة منه المحاسن كلّها ... فصفاته ما مثلها مجموع
ومنه قوله يصف طيب حماة، وما يرشف العاصي الجوسق من لماه، وينزلها لدمشق منزلة الضّرة، ويفضّلها على أكفافها المخضّرة: (( ١ )) [الكامل]
يا حبّذا وادي حماة وطيبه ... وطلاوة العاصي بها والجوسق
فاتت منازل جلّق فلحسنها ال ... شقراء تكبو خلفها والأبلق (( ٢ ))
ومنه قوله وقد ناوله صاحب حماة قرص حلواء أو خشكنانكه: [مخلع البسيط]
يا ملكا جود راحتيه لم ... يحوج السائل السّؤالا
ما زلت تسمو في الجود حتّى ... أهديت لي الشمس والهلالا
(١٨٧) ومنه قوله: [السريع]
لنا مغنّ حسن صوته ... يطرب من لحنه العرب
يرقص من يسمعه طيبة ... وهكذا المرقص والمطرب
ومنه قوله في مركب: [السريع]
وأدهم أحسن شكل يرى ... قد راق حسنا وحلا منظرا
يزيد عن مرّ نسيم الصّبا ... لطفا على الماء إذا ما سرى
أغرب ما فيه على حسنه ... رجاله تمشي به القهقرى
البرق لو جاراه قلنا انظروا ... كيف يعدّي الأدهم الأشقرا
ومنه قوله في وصف باب رخام مشحّم عليه جامة ذهب وحلق، من رآه قال سبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم وأتقن ما خلق: [البسيط]
قالوا تشبّه ذا الباب الرّخام فما ... تقول في حسن هذا الجام والحلق
فقلت شمس عليها هالة طلعت ... تمزّق الغيم عنها حمرة الشّفق
ومنه قوله (( ١ )) : [الكامل]
قالوا هوى بابن الأمير جواده ... فقلوبنا كادت عليه تفطّر
فأجبتهم لا تعجبوا لوقوعه ... إنّ السّحاب إذا سرى يتقطّر
ومنه قوله: [السريع]
لو جاد لي باللثم تحت اللّثام ... غنيت عن شرب كؤوس المدام
عذاره أوضح عذري به ... لام، لمن عنّف فيه ولام
إذا رنا يخجل ريم الفلا ... وإن بدا يفضح بدر التّمام
أو انثنى قالت غصون النّقا ... لله ما أعدل هذا القوام
وقوله: [المنسرح]
إنّ بني مزهر وإن صغرت ... أقدارهم من أكابر الفجرة
لا يعرف الخير عندهم فلذا ... معرفة الخير عندهم نكرة
(١٨٨) إذا تأمّلتهم وجدت على ... وجوههم من مهانة قترة
ترهقها ذلة اليهود وإش ... راك النّصارى وخسّة السّحرة
أبوهم مزهر فمذ نشأت ... فروعه ما رأوا لها ثمرة
ودوحة لا تظلّ صاحبها ... فلا سقى الله تلكم الشجرة
ومنه قوله: [الكامل]
أحببته ساجي اللواحظ أهيفا ... مرّ الجفا عذب اللّمى حلو الجنى
قالوا تهيم بحسنه فأجبتهم ... ماذا عليّ إذا عشقت الأحسنا
ومنه قوله في قنديل: (( ١ )) [البسيط]
يا حسن بهجة قنديل خلوت به ... والليل قد أسبلت منه ستائره
أضاء كالكوكب الدرّيّ متّقدا ... فراق باطنه نورا وظاهره
تزيده ظلمة الليل البهيم سنا ... كأنما الليل طرف وهو باصره
ومنه قوله في حمام بعض مقاصيده بطّالة: [السريع]
سقيا لحمّام الأمير التي ... رقّت بها من بعدها الحال
حلّ بها الفالج من بردها ... فجنبها الواحد بطّال
ومنه قوله في مليح اسمه شعبان: [السريع]
أحبّ شعبان وأرجو بأن ... أرزق في حبّي له صبرا
ما اتّفق الناس على نصفه ... إلّا وفيه الآية الكبرى
ومنه قوله في فوّارة ماء تبيض جؤجوا، وترقص لؤلؤا: [الوافر]
ومائسة القوام إذا تثنّت ... يروقك شكلها الحسن البديع
تريك من العيون لها قواما ... فتثنيه وسائره دموع
ومنه قوله في مليح محموم، لازمت بدنه ثمّ قبّلت فمه: [السريع]
لا أحسد الناس على نعمة ... لكنني أحسد حمّاكا
أما كفاها أنّها عانقت ... قدّك حتّى قبّلت فاكا
(١٨٩) ومنه قوله في قريب منه: [الكامل]
قالوا حبيبك قد غدا ذا هزّة ... أتقول تلك عقوبة الهجران
فأجبتهم: حاشاه لكن الهوى ... أبدا يهزّ معاطف الأغصان
ومنه قوله في إبريق فخّار: (( ١ )) [البسيط]
يا حبّذا شكل إبريق تميل له ... منا القلوب وتصبو نحوه الحدق
يروق لي حين أجلوه وتعجبني ... منه محاسن ذاك الجسم والعنق (( ١ ))
كم قد شربت به ماء الحياة ولن ... ينالني منه لا غصّ ولا شرق
حتى غدا خجلا مما أقبّله ... فظلّ يرشح من أعطافه العرق
ومنه قوله في شخص من نحاس يجري منه الماء: [البسيط]
وصامت صامت موضوعه عجب ... فأمره مبهم المعنى وموضوح
له عيون بأعضاء يفجّرها ... ماء الحياة، وما في جسمه روح
ومنه قوله في مليح اسمه محمود: [السريع]
يقول لي منكر حالي به ... من لك في ذا الحيّ مقصود
فقلت لا تسأل عن مقصدي ... فيه فقصدي فيه محمود
ومنه قوله يشفع في مسجون اسمه كمال: [الوافر]
فقال أيرتجى منّي تمام ... أسرّ به وفي السّجن كمال
ومنه قوله يذكر الشّتاء الكالح وثلجه المكفهرّ وثغره الفاتح: [البسيط]
يا شهر كانون أمرضت الغصون ومذ ... أمتّها لبست أنوارها حزنا
والمزن غسّلها من ماء أدمعه ... والثّلج حاك لها من نسجه كفنا
ومنه قوله: [المنسرح]
انظر إلى النهر في تسلسله ... وصفوه، قد وشا على السّمك
توهّم الرّيح صيدها فغدا ... ينسج متن الغدير كالشبّك
ومنه قوله في الياسمين وقد لاحت نجومه المشرقة، وبدت وكأنّه (١٩٠) على صدر الغواني في الأزر الخضر، صلبه المعلقة: [الوافر]
كأن الغصون من الياسمي ... ن وأزهاره حين يعلوه طيب
نساء من الروم هيف الخصو ... ر على صدر كلّ فتاة صليب
ومنه قوله في زهر الخوخ، وهو الدراقن: [الوافر]
وللزهريّ زهر راق لونا ... تجلّى في بياض واحمرار
كأن عيونه ترنو إلينا ... عيون حشوها أثر الخمار
وقوله، وقد دخل الملك المنصور من فامية إلى حماة، وتركه في مخيمه بها، وكانوا بها في حمى نرجس: [الطويل]
رحلت فأصبحت روضة النّرجس ال ... ذي عهدت بها الأزهار وهي بواسم
مقرّحة الأجفان خفّاقة الحشا ... تود اشتياقا لو بكتها الحمائم
ومنه قوله في مليح يعلوه صفرة ذهّبت أديمه الفضّيّ، ووشعت أصلها نسيمه الروضي: [الكامل]
قالوا: حبيبك أصفر فأجبتهم ... ما ذاك منقصة لفرط بهائه
ولذاك إنّ الحسن رقّ بخدّه ... فأراك لون محبه في مائه
ومنه قوله في معذّر رآه في قباء أزرق كالبدر في الصحو أشرق، أو الشمس في غيم ذلك الاستبرق، إلا أن عارضه قد لوي ونام لما شرب من ماء خده وروي: [الهزج]
ولما لاح في الأزرق ... من مزروه المزري
بخدّ مشرق اللون ... عليه عارض ملوي
أرانا الشمس في الغيم ... وبدر التمّ في الصحو
ومنه قوله: [الطويل]
أرى لابن سعد لحية قد تكاثفت ... على وجهه واستقبلت غير مقبل
ودارت على أنف عظيم كأنه ... (( كبير أناس في بجاد مزمّل )) (( ١ ))
ومنه قوله في زامرة سوداء قبيحة: [الكامل]
(١٩١) ولربّ زامرة تهيج بزمرها ... ريح البطون فليتها لم تزمر
شبّهت أنملها على مزمارها ... وسوادها الداجي القبيح المنظر
بخنافس قصدت كثيفا فاعتدت ... تدنو إليه على خيار الشنبر
ومنه قوله في أحدب يدعى الحسام: [المنسرح]
وأحدب أنكروا عليه وقد ... سمّى حساما وغير منكور
ما لقبوه الحسام عن سفه ... لو لم يروا قدّه القلا جوري
ومنه قوله في نجار مليح رآه بالمعرة: [الكامل]
قالوا المعرة قد غدت من فضلها ... يسعى إلى أبوابها وتزار
وجبت زيارتها علينا عندما ... شغف القلوب حبيبها النجار
ومنه قوله يخاطب رجلا أهدى له زيتا: [الوافر]
أنور الدين يا مردي الأعادي ... بصارمه إذا اشتدّ الهياج
أتاني الزيت منك فزدت نورا ... ولولا النور ما عرف السراج
ومنه قوله من أبيات طارت في كل سماع، وعلقت بكل الأسماع، صنعت في موضع من الغناء، ما سمع منه أطيب، ولا هزّ المعاطف منه أطرب. طالما كانت لأغصان القدود مميلات، وقضيت بها ليال، وإنما العمر هاتيك الليلات: [البسيط]
ما بثّ شكواه لولا مسّه الألم ... ولا تأوّه لولا شفّه السقم
ولا توهم أنّ الدّمع مهجته ... أذابها الوجد حتى سال وهم دم
صبّ له مدمع صب يكفكفه ... فتستهل غواديه وتنسجم
أراد إخفاء ما يلقاه من ألم ... حتى لقد كان بالسلوان يتهم
ومنهم:
٥٣- علي بن المظفر الكندي الوداعي (( ١٣ ))
شاعر له لسان لا ينبو له ضرب، ولا تخبو له نار حرب. أولع من النار بتخليد الفساد، ومن النار بتخليف الرماد. أفنى أعراق الأعراض قرضا وأنهك عظام العظام رضا. وتتبع المساوئ ودوّنها، والمخازي وسطّر أدونها. وخلّد القبائح وكتب، وأظهر الفضائح (١٩٢) وكذب. وولع بالكبراء ولع الخمر بالعقول، وعبث بالأمراء وكان لا يبقي فيما يقول. وكان ممن غالب صباه على تأديب
نفسه فتأدب، ثم ما تأدب، وصفا منهله ثم تطحلب، لأنه أشغله بإفشاء المعايب، وإنشاء المثالب. وكتب أول حاله للصاحب عز الدين بن وداعة، ثم كان ينقل في الوظائف التي بها ينتفع، إلا أنه لا يرتفع. ثم استكتب بالبيرة، ثم بديوان الإنشاء بدمشق. بعد عطلة ضاق بها عطنا، وضاع فيها فهمه فحار لا يهتدي، ولا يأنس فطنا، فما صدر عنه ما يثبت، ولا ظهر ما يكتب له إلا ما يكبت. فما عدم من عزاء القديم امتهانا، ولا خلّد له بالديوان إلا أنه خلد فيه مهانا.
وكان ممن لا يؤخر في رجال الحديث، والقراءة علو رواية، وعلوم دراية، وتعاليق فيها بخطه، وكان غاية. وقرأت عليه بعض كتب الأدب، أول ما عقّت عني التمائم، ولبثت على رأسي العمائم. وكان سريع الإفهام سرى القدح في زناد الأفهام. وله تذكرة جمعها عدة أجزاء، وديوان شعر، أول ما بدأه بأعراض أصحابه الأعزاء، معما فيهما من محاسن أخر، ومعادن درر. ووقفهما ببعض الجهات، وملأهما حراما وحلالا، وبينهما شبهات. فانتدب قاضي القضاة نجم الدين، أبو العباس، أحمد بن صصري التغلبي، فكشط ما ضمهما من القبائح وتطهيرهما، وقد غمس فيهما يده في دماء تلك الذبائح، وها ديوانه الآن منقّى من ذلك الغلث، مبقى ما سوى ذلك العبث. أجل، إلا ما غمض على بديهة المعارف، وخفى بهرجه على بصيرة الصيارف. وكنت قد استعرت نسخة منه، فلما انقضت إفادتها، وطلب مني إعادتها، كتبت معها: [الطويل]
بعثت بديوان الوداعيّ مسرعا ... إليك وفي أثنائه الذمّ والمدح
حكى شجر الدفلاء شكلا ومخبرا ... فباطنه سمّ وظاهره سمح
وها أنا ذاكر من شعر المبتدع، الوداعي إلا أنه الدر الثمين لا الودع. فمنه
قوله: [المجتث]
يا من يلوم كريما يهشّ للتعظيم ... ما يقبل النفخ إلا ظرف صحيح الأديم
(١٩٣) ومنه قوله: [مجزوء الكامل]
يا سائلي من أين تأكل ... هاك حالي عن يقين
إن الذي خلق الرّحى ... يأتي إليها بالطحين
ومنه قوله في نصراني مليح رآه سائحا، وكالظبي في جنبات الوادي سارحا: [المجتث]
وسائح وهواه في كل قلب مقيم ... مذ أشبه الظبي أضحى في كل واد يهيم
ومنه قوله: [السريع]
أشكو إلى الرحمن بوابكم ... وما أرى من طول تعميره
ملازم الباب مقيم به ... كأنه بعض مساميره
ومنه قوله وقد مرّ بالنّيرب فرأى تمايل غصونه ما أطرب: (( ١ )) [الطويل]
ويوم لنا بالنّير بين رقيقة ... حواشيه خال من رقيب يشينه
وقفت فسلمنا على الدّوح غدوة ... فردّت علينا بالرؤوس غصونه (( ٢ ))
ومنه قوله: [السريع]
أما ترى الجامع في ليلة النص ... ف التي تزهى بأنوارها
قد وقّدوه فحكى روضة ... ذهبيّة أوراق أشجارها
قلت: وقد ذكرت بهذين البيتين بيتين كنت قلتهما في هذا المعنى، ليلة نصف شعبان سنة تسع عشرة وسبعمائة بدمشق، ونحن بالجامع الأموي، وقد علقت مصابيح الوقود، كأنها خدود، وأقبل شاب ما طرّ شاربه، هو البدر التمام في تلك الليلة أو يقاربه، ثم طفق في الجامع يتمشى، ويأخذ بمجامع القلوب ولا يخشى، فقلت: [الطويل]
ولاحت مصابيح الوقود كأنها ... عيون رأت معنى الحبيب فحدّقت
وولّت تريد العود من خوف خدّه ... وقد سرقت منه الشعاع فعلّقت
عدنا إليه. ومنه قوله، وقد وكل السلطان ابن المقدسي، وهو ناصر الدين (١٩٤) محمد بن عبد الرحمن بن نوح، وكان من علمت فعلاته وعرفت عليه ولم يسرق عملاته: [مجزوء الكامل]
قل للمليك أمدّه ربّ العلى منه بروح
إن الذي وكّلته لا بالنصيح ولا الفصيح
وهو ابن نوح فاسأل القرآن عن عمل ابن نوح
ومنه قوله، وقد طلبت منهم بغال، ورميت عليهم جواري من سبي بيروت: [مجزوء الرمل]
أيها الكتّاب قد زال زمان الافتقار ... وغنينا واحتشمنا ببغال وجواري
ومنه قوله، وقد رفعت الديادب النار منذرين بالعدو، ثم أصبح الخبر ساكنا، والبلد آمنا، وقد خمدت جمرة ذلك الليل وأصبحت رمادا، وسطح بياض النهار وما رأوا في مساء تلك الليلة إلا سوادا: [مجزوء الرمل]
لا تخافوا رفع نار ... عندما لاح السواد
إنها جمرة ليل ... أصبحت وهي رماد
ومنه قوله، وقد اهتم المتحدث بالشام في توسعة الميدان، عند قدوم الملك الأشرف: [الكامل]
علم الأمير بأن سلطان الورى ... يأتي دمشق ويطلق الأموالا
فلأجل ذلك زاد في ميدانها ... ليكون أوسع للجواد مجالا
ومنه قوله، وقد أهدي قطرا: [المجتث]
أرسلت قطرا وسؤلي ... له قبول وعذر
ثم الأباليج يأتي ... وأول الغيث قطر
ومنه قوله، قد سبق الأعسر الأمراء في عمل ما خصّه من الميدان: [الكامل]
لقد جاد شمس الدين بالمال والقرى ... فليس له في حلبة الفضل لاحق
وأعجز في هذا البناء بسبقه ... وكلّ جواد في الميادين سابق
ومنه قوله في الصاحب محي الدين، محمد بن النحاس، أحد أئمة الحنفية، وكان له ولد اسمه يوسف أجاد: [الطويل]
(١٩٥) من مثل محي الدين دامت حياته ... إلى مذهب الدين الحنيفي يرشد
لقد أشبه النّعمان وهو حقيقة ... أبو يوسف في علمه ومحمد
ومنه قوله: [الطويل]
كفى أسفا أننا جميعا ببلدة ... لا نلتقي يوما ولا نتزاور
وما ذاك من بغض ولكن عيوننا ... على بعضنا من بعضنا تتغاير
ومنه قوله: [مجزوء الكامل]
يفدي عدوّك سبعة ... ممن يحبّك في البرايا
وكذلك البقر التي ... في العيد تنحر للضحايا
ومنه قوله، وقد اجتاز في طريقه بجفان كرم: [الكامل]
لله كرم أصله وفروعه ... طابت وطالت فهو غير مذمّم
نصبت بمدرجة الطريق جفانه ... وكذاك عادات الكريم المطعم
ومنه قوله، وقد غنى الفصيح، ومال الشمع وطرب في جملة الجمع: [مجزوء الرمل]
وفصيح ما سمعنا ... لأغانيه مثالا
أطرب الحيّ إلى أن ... طرب الشمع فمالا
ومنه قوله: [مجزوء الكامل]
يوم يقول بشكله ... قوموا اعبدوا الله الأحد
قزح كمحراب بدا ... والبرق قنديل وقد
والرّعد فيه مسبّح ... حبّات سبحته البرد
ومنه قوله: [مجزوء الرمل]
أيها الزائر ربعي ... بعد هجر ونفور
ليس في الدنيا مكان ... يسع اليوم سروري
ومنه قوله: [مجزوء الوافر]
رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي
(١٩٦) وما في ذاك من بدع ... سهام الليل ما تخطي
منه قوله، وأحسن كلّ الإحسان: [الوافر]
أبا أقضى القضاة ومن نداه ... له نشر يعطّر كلّ ناد
لقد جنّت دواتي من بياض ... فعوّذها بحرز من مداد
ومنه قوله: [السريع]
يا حسنه من حمدار لقد ... حارت عقول الناس في وصفه
كأنه من عظم أردافه ... قد حمل الكاره من خلفه
منه قوله، وتطارف: (( ١ )) [الطويل]
لنا صاحب قد هذّب الطبع شعره ... فأصبح عاصيه على فيه طيّعا
إذا خمّس الناس القصيد لحسنه ... فحقّ لشعر قاله أن يسبّعا
ومنه قوله: (( ٢ )) [الطويل]
أتيت إلى البلقاء أبغي لقاكم ... فلم أركم فازداد شوقي وأشجاني
فقال لي الأقوام: من أنت راصد ... لرؤياه، قلت: الشمس. قالوا: بحسبان
ومنه قوله: [الخفيف]
إن هذا الفتى فتى سباني ... حسن نقش العذار في وجنتيه
يا نديمي في المدامة إني ... أشتهي أن أدقّ يوما عليه
ومنه قوله، قد طلب بخيل الحجر: [مجزوء الرمل]
حرت في أمري فدلّو ... ني وقولوا: أين أذهب
ومتى ينجو ضعيف ... وهو بالخيل يطلب
ومنه قوله، وقد مرّ بباب عمّي الصاحب شرف الدين، رحمه الله، في الشتاء، فوجد كرمة هناك، لم ترم ورقها، ولا جرد الأجيرد رونقها: [البسيط]
قد أسقط البدر أوراق الغصون وفي ... أبواب دارك غصن يانع الورق
هذا يحقق عند الناس كلهم ... بأن ربعك من ريب المنون يقي
(١٩٧) ومنه قوله في مليح هرب فنطق على جناح الحمام الرسائلي برده: [الرجز]
وذي دلال أهيف كم ... سرّحوا من الحمام نوبة في ردّه
لأنها تعرفه من طول ما غنت ... على مائس غصن قدّه
ومنه قوله، وقد سمع قائلا يقول عنه: هذا رافضيّ، والقائل يعيش أبوه وجدّه، وهما شيخان: (( ١ )) [مجزوء الكامل]
قل للذي بالرّفض أت ... همني أضلّ الله قصده
أنا رافضيّ ألعن الشي ... خين أباه وجدّه
ومنه قوله: [الخفيف]
أنا كأس من المدامة فان ... كنت تفاحة من البستان
كنت ذوبا مثل العقيق ولكن ... جمدتني مخافة السلطان
ومنه قوله في كاتب مليح: [السريع]
اسمع حديثي ثم من بعده ... كن عائبي إن شئت أو عاتبي
أصبح جسمي قلما من ضنى ... وما براه غير ذا الكاتب
ومنه قوله: (( ١ )) [البسيط]
قالوا: حبيبك قد دامت ملاحته ... وما أتاه عذار إن ذا عجب
فقلت: خدّاه تبر والعذار صدا ... وقد زعمتم بأن لا يصدأ الذهب
ومنه قوله: (( ٢ )) [الخفيف]
لا أرى لفظ عارضيه قبيحا ... يا عذولا عن حبه ظلّ ينهى
وجهه روضة وليس عجيبا ... أنه يلقط البنفسج منها (( ٣ ))
ومنه قوله: [الكامل]
أحببته رشأ عليه شقرة ... من أجلها ذهب العذار مفضض
قل للعواذل فيه هل أنكرتم ... أن البنفسج منه زهر أبيض
ومنه قوله في أعمى يرى بابنه: [الخفيف]
(١٩٨)
موسويّ الغرام يهوى بسمعي ... هـ ويشكو من رؤية العين ضرّا
يتوكّا على قضيب رطيب ... وله عنده مآرب أخرى
ومنه قوله: [الوافر]
ركبدار وجندار غواني ... ورئيس قرية وأمين خان
لئام أمهاتهم زوان ... وإلا أين أولاد الزواني
ومنهم:
٥٤- أحمد بن أبي المحاسن، يعقوب بن إبراهيم بن أبي نصر
الطيبي، الأسدي، أبو علي، شمس الدين، ردنه ينفح طيبا، وفنه بل فتنه يهتز رطيبا. جاء من بلاد الطيب مملوء الحقائب، موفور الركائب. يساجل بطيبه الأطايب، ويضمخ لمم المفارق عنبره الذائب، ويغلّف مسك نقشه رأس الطرس الشائب. يعرف نفسه الطيبي، ويغرق في مسكيّ شعاره الخطيبي، بدائع طيبيّ أخملت ذكر أبي الطيّب، وأذوت غرس ابن نباتة بتوالي غيثها الصّيّب، وجعلت ورد الأبيوردي لا يضر بجعلي، وزهر زهير المتقدم والمتأخر هذا جفّ وهذا بلي، بكلّ عقيلة طائره تمسي الغوالي نسال رياشها، وطائلة تضحي فتيت المسك فوق فراشها. نتيجة فكر تخرج اللآلي إذا جرت بحارها، ونبت قريحة تشيب نواصي المسك إذا وقدت بالمندل الرطب نارها. بديهة إذا وعتها المسامع انتشت، وإذا جازت بأودية الخواطر تضوع طيبا بطن نعمان إذ مشت، إلا أنها ذات أرج كقهوة الديرانيّ تعرف بشميمها، وزجاجة أبي الهندي ينمّ شذاها على نديمها، وروضة الصنوبري يفاوح مغضوض الحقائب مسكها، ومليحة الكندي قلتها وهي مسك هتكها، وكأس أبي نواس والنجم قد تصوّب، ومحبوبة امرئ القيس كلما جاء طارقا وجد بها طيبا وإن لم تطيّب. لو حلّت فيما سلف في المطيّبين من آل عبد مناف، لما استطاعت أن تتعاقد عليهم الأحلاف، ولا ذعنت اللعقة للتحكيم، وغمست أيديها في الطيب من جفنة أم حكيم.
ورد الطيبيّ هذا دمشق، ونزل بها على ابن عمّنا القاضي جمال الدين (١٩٩) أبي محمد، يوسف بن رزق الله العمري، واتصل به اتصال الطيّب باللمم، واتصف بصنائعه اتصاف الروض الأريج بالديم، وأوصله إلى والدي- رحمه الله فاستكتبه في بعض الثغور، ولم ينتظر له الشغور، وأطلع كواكبه إلا أنها التي لا تغور. ثم نقله إلى طرابلس، فدام في كتاب الدرج بها حتى مات،
وغابت شمسه فجاءت الظلمات، وكلّ كلمه طيب الأرج، إلا أن نظمه أعبق، ونوافحه في المسام أعلق، وشذاه من بلد الطيب حيث تشام أعرق.
وكان لا يزال مائلا بنشوة، ومائلا مع نسوة، وقائلا في ظل كرم أو قهوة، ومنجدبا بين مهبّ صبا أو صبوة. لم يتعظ بنذير المشيب، ولم ينقّ بياضه من دنس المعيب. مدمنا في الكؤوس، يحثّ أدوارها، ويحلّ من الدنان المشدودة المعاقد إزارها، ويصرف فيها دراهمه بالذهب، ويتلقاها له بالمبزل ساق توشّح بالمنديل حين وثب وبرهن لديها روحه، فيعجز عن فكاكها، ويدخل إليها فتصيده فواقع الحبب في شباكها، وكان على ما يصل إليه من غمرة هذه السكرة، ويقع عليه في مظنه ما يكره. لا يغيب له ذهن خاطر، ولا يغيم له أفق ماطر. وما عرف في عمره يوم صحو، ولا فرق له بين إثبات ومحو، حتى لقد حكى لي من كان يحضر عنده على تلك الحال، التي يعشى دونها طرف الأعشى، ويقلع الوليد ولا يخشى، وينكل ابن هرمة خوفا من أمير المدينة لا يغشى. لا يزيد ذهنه إلا حضورا، وفهمه إلا أن يقدح من ذات الشعاع نورا.
وأدبه الطيبي إلا أن يدير كأسا كان مزاجها كافورا، وكلمه الطيب إلا أن يفتح لمصعدها سماء السماع ومدامته العاطرة الأرج، إلا أن يتقسمها شعاع الشعاع وشجرته الفارسية إلا أن يتفتح وردها.
ونسبته الأسد إلا أن يهاجم وردها، وأنديته المنسوبة إلى الطيب، إلا أن يشبّ ندها ويشيب بأهواله ندها.
ومن بديعه الذي طار في كل جمع، وطاف بكأسه على كلّ سمع، كلمته نوبة مرج الصفر، حين نصر سلطاننا الملك الناصر على جيوش السلطان محمود غازان، وهي القصيدة التي أغنته أن يغزو، وتركته وما (٢٠٠) شهد القتال بالأبطال يهزو. وهي الفائية الفائتة شأو كلّ قريحة، البائتة لا تني عن السّرى
وركائب النجوم طليحة، المنقولة إلى أقصى البلاد، المحمولة على الرواة ورقاب الحسّاد. التي خلّت الدّرّ أصدافا، وحلت فاؤها فما تركت نطق كلّ شاعر همّ بأن ينطق بمعارضتها إلا فأفأ.
وكان سبب نظمه لها، أنه قيل له وهو على مجلس الشراب، وقد أخذ منه:
لقد أكثر الشعراء في وصف هذا اليوم، فلو عملت فيه. فأخذ دواة وقرطاسا وكتب لوقته هذه القصيدة عن آخرها. هذا ونجوم الكؤوس حوله سائرة، وأدوار الترك عليه دائرة، والخمر قد ضربت على رؤوس الشرب سرادقها، والعقول قد أنكرت في أفهام القوم حقائقها. ثم لم يزل يكتب والساقي بكأسه يصافحه ويحاسبه على نوبته ولا يسامحه، وهو على طلقه كأنه يقتدح الفهم من قدحه، ويلتقط الدرّ من حباب كؤوسه لمدحه، وهو يغالب النوم. فلما أكملها، سقط لجنبه ونام، والسّكر قد عجّل قضاء نحبه. فلما بشّر طائر الديك بالصباح، وهزّ لارتياحته به خافق الجناح، نهض به جلساؤه إلى الحمام، لغسل ظاهر دنس ذلك الإثام. فلما قضوا منه إربهم، وقاربوا منقلبهم، أذكروه بما كان منه، فأنكر أن يكون أجال في هذا فكرا، أو افترع خاطره عونا ولا بكرا. ثم لما رأى كلمة إجماعهم، وراب كذب شكّه نزاعهم، قال: دعوني أبادر هذه العورة البادية لأسترها، وهذه السّوءة الفاضحة لأقبرها. فكيف يكون عبث المخمور، وكلام من ضرب السكر بينه وبين عقله بسور. ثم أخذ في تعجيل الحميم، ومواثبة الخروج لتصحيح نتيجة فهمه السقيم، فخرج وخرجوا معه، لينظروا ما صنعه، فلما أتوا موضع منامه، ومصرع مدامه، أخرجوا تلك الورقة التي ضمّنت تلك الشذور قراطيسها، وقدحت من شرارة شعاع تلك البراح مقاييسها، فأوموا لها سجودا، ونكسوا رؤوسا، ومدوا إليها أيديهم ليتناولوها مما ادّخروه كؤوسا، ثم علموا أنها (٢٠١) آية أحمدية، جاءت ببقية ما جاءت به السّحرة لموسى، وهي: [البسيط]
برق الصّوارم والأبصار تختطف ... والنّقع يحكي سحابا بالدّما يكف
أحلى وأغلا وأعلى قيمة وسنا ... من برق ثغر الغواني حين ترتشف
وفي قدود القنا معنى شغفت به ... لا بالقدود التي قد زانها الهيف
ومن غدا بالخدود الحمر ذا كلف ... فإنني بخدود البيض لي كلف
ولامة الحرب في عينيّ أحسن من ... لام العذار الذي في الخد ينعطف
كلاهما زرد، هذا يقيك وذا ... يردي، فشأنهما في الفعل يختلف
والخيل في طلب الأوتار صاهلة ... ألذّ لحنا من الأوتار تأتلف
ما مجلس الشّرب والأرطال دائرة ... كموقف الحرب والأبطال تزدلف
هل دارع برداء الفخر مؤتزر ... كحاسر بشعار العار يلتحف؟
أو رامح سمقت في المجد همّته ... كأعزل بدنايا الهمّ يتّصف
لا تغبطنّ مضاما عيشه رغد ... واغبط أبيّا وإن أودى به الظلف
فالرزق من تحت ظل الرمح مقترن ... بالعزّ، والذلّ يأباه الفتى الصلف
لا عيش إلا لفتيان إذا انتدبوا ... ثاروا، وإن نهضوا في غمّة كشفوا
مستلئمين فلا جمّ ولا عزل ... يوم القراع ولا ميل ولا كشف
مقحّمين يخوضون الغمار إذا ... ما استرغبوا بأذى آذيّها اعتسفوا
ما استأكلوا الخبز بالجبن المذلّ ولا اس ... تسقوا ندى غير عين العجز بل صدقوا
يقي بهم ملّة الإسلام ناصرها ... كما يقي الدّرّة المكنونة الصّدف
قاموا لقوة دين الله ما وهنوا ... لما أصابهم فيه ولا ضعفوا
هم كسّروا الشّرك بالتوحيد إذ جبروا ... كسرا فلاحوا شموسا بعدما كشفوا
وجاهدوا في سبيل الله وانتصروا ... من بعد ظلم ومما شانهم أنفوا
وهاجروا وبحقّ جاهروا ونكوا ... في باطل دفعوه عندما قذفوا
لما أتتهم حشود الكفر يقدمهم ... رأس الضلال الذي في عقله جنف
(٢٠٢) وأضمروا النقض للميثاق إذ جنحوا ... للسلم وانقلبوا للغدر وانحرفوا
جاءوا فكلّ مقام ظلّ مضطربا ... منهم، وكلّ مقيم بات يرتجف
أبدوا، وقد أوردوا الخيل الفرات، لنا ... أن الذي يمموه الماء والعلف
ثم استجاشوا لنكث العهد فارتبعوا ... مرعى وخيما أراهم غبّ ما اعتلفوا
زاد التتار تبارا أن طغوا وبغوا ... فهم لكيدهم في قيدهم رسفوا
شاموا من الشام برقا من طماعية ... فطشّهم بغمام الغمّ إذ أزفوا
ظنوا السّراب شرابا فاستزلّهم ... غول الغوائل سقاهم غبّ ما اغترفوا
وجال مكرهم فيهم وحاق بهم ... وانهار من تحت ما قد أسّسوا الجرف
جاسوا خلال حمى الله المنيع وهل ... ترضى بلبس الحمير الروضة الأنف
داسوا بأنجاسهم أرضا مقدّسة ... فنفضتهم وهم في الرجس ما نظفوا
ويوم كوم بأرض العرض عارضهم ... من الرّدى عارض شؤبوبه التلف
لما أغاروا وغاروا راجعين وقد ... راعوا الرّعاء كدبت السّرح واختطفوا
سدّت مسالكهم بالسيف فافترقوا ... مجدّلين سدى من سوء ما اقترفوا
وكان فيه لهم وعظ ومزدجر ... لو أنهم عقلوا الأنباء أو عرفوا
وغرّهم نيلهم من حمص وهو لهم ... كالحبّ يصطاد منه الطائر الوجف
غابوا عن الرّشد إذ عاثوا وسرّهم ... ومن وراء السّرور الهمّ والأسف
لجّوا وعاموا من الطغيان في لجج ... إلى البحيرة فانصاعوا وما اغترفوا
وساقهم طمع في طيّه جزع ... وعاقهم شمس في ضمنه عجف
حتّى بدت راية الإسلام عالية ... والخيل جائلة من حولها تجف
يسعى بها ملك بالنصر مقترف ... بالناس مدّرع بالجود متّصف
ظلّ الإله وسلطان الأنام فتى ... برّ عطوف رحيم بالورى رؤف
محمد ناصر الدين الذي طفقت ... له السلاطين بالتقديم تعترف
سلالة الملك المنصور يخلفه ... بالعدل في ملكه يا حبذا الخلف
(٢٠٣)
قاد الجنود من الفسطاط حين طغى ... الطاغي وكاد عمود الملك ينحرف
بهمّة كالدراري وهي طالعة ... وعزمة كالمواضي وهي ترتهف
لقد غزا غزوة تحكي بطلعته ... غزاة بدر بلا ريب كما وصفوا
وافى طباق موافاة العدوّ ولو ... تواعدوا للقاء الخيل لاختلفوا
في فيلق تلبس الأرض الحديد به ... وتحجب الجوّ من آثاره السّجف
خيل لها طرف بالنيل متصل ... وبالفرات إذا امتدت لها طرف
وغلمة من كماة الحرب تحسبهم ... تحت الدّروع شموسا فوقها سدف
من كلّ أهيف بالخطّيّ معتقل ... فالرمح والقدّ منه اللام والألف
يحمي بصارمه ثغريه ذاك له ... ثغر الجهاد وهذا الثغر يرتشف
ففي اللقاء تراه باسلا خشنا ... وفي التلاقي على أعطافه ترف
رمى كتائب غازان بعسكره ال ... غازين إذ دلفوا بالبغي وازدلفوا
حمى حمى حوزة الإسلام ثم محا ... آثار ما شوّهوا فيها وما خسفوا
أتوا كراديس ترتجّ الجبال بهم ... كأنهم قطع الظلماء والكسف
ما زال خذلانهم في سيرهم خببا ... إلى مصارعهم يجري فلا يقف
حتى رأوا من جنود الله دونهم ... سدّ الحديد وبحر الموت فانصدفوا
وشاهدوا علم الإسلام مرتفعا ... بالعدل فاستيقنوا أن ليس ينصرف
لقّاهم الفيلق الجرّار فانكسروا ... خوف العوامل بالتأنيث وانصرفوا
يا مرج صفر بيّضت الوجوه كما ... فعلت من قبل والإسلام مؤتنف
للمؤمنين من الرحمن فيك بدا ... فتح فأنت بنور النصر ملتحف
أزهر روضك أزهى في تفتّحه ... أم يانعات رؤوس فيك تقتطف
غدران أرضك قد أضحت لواردها ... ممزوجة بدماء المغل تغترف
زلّت على كنف المصري أرجلهم ... فليس يدرون أنّى تؤكل الكتف
راموا سهاما ولكن بالتراكش ... والقسيّ خيفة راميهم فهم هدف
(٢٠٤) أووا إلى جبل لو كان يعصمهم ... من موج فوج المنايا حين تختطف
دارت عليهم من الشجعان دائرة ... فما نجا سالم منهم وقد زحفوا
ونكّسوا منهم الأعلام فانهزموا ... ونكّصوهم على الأعقاب فانقصفوا
فرّوا من السيف ملعونين حيث سروا ... وقتّلوا في البراري أينما ثقفوا
ففي جماجمهم بيض الظّبى زبر ... وفي كلا كلهم سمر القنا قصف
وما استقام لهم في أعوج نهج ... ولا أجارهم من مانع كنف
وأحرقوا بعد ما قد أغرقوا ورموا ... من القلال إلى الأوحال فانخسفوا
وملّت الأرض قتلاهم بما قذفت ... منهم وقد ضاق منها المهمه القذف
والطير والوحش قد عافت لحومهم ... ففي مراج الصواري منهم قرف
ردوا فكلّ طريق نحو أرضهم ... تدلّ جاهلها الأشلاء والجيف
وأدبروا فتولّى قطع دابرهم ... والحمد لله قوم للوغى ألفوا
ساقوهم فسقوا شطّ الفرات دما ... وطمّهم بعباب اليمّ فانحرفوا
وأصبحوا بعد، لا عين ولا أثر ... غير القلاع عليها منهم السّعف
يا برق بلّغ إلى غازان قصتهم ... وصف فغصّتهم من فوق ما تصف
فقلبه وجل من أجلهم قلق ... حتى يعود حزينا دمعه ذرف
بشّر بهلكهم ملك العراق لكي ... يعطيك حلوانها حلوان والنجف
وإن يسل عنهم قل قد تركتهم ... بالنخل صرعى فلا تمر ولا سعف
ما أنت كفء عروس الشام تخطبها ... جهلا وأنت إليها هائم دنف
قد مات قبلك آباء بحسرتها ... وكلهم مغرم مغرى بها كلف
إنّ الذي في جحيم النار مسكنه ... لا تستباح له الجنات والغرف
وإن تعودوا بعد أسيافنا لكم ... ضربا إذا قابلتها رضّت الحجف
ذوقوا وبال تعدّيكم وبغيكم ... في أمركم ولكأس الخزي فارتشفوا
كذاك والج غاب الليث يحسبه ... قد غاب عنه بناب الليث يجترف
(٢٠٥) فالحمد لله معطي النصر ناصره ... وكاشف الضّرّ حيث الحال ينكشف
قد أنجز الوعد في تصديق سيدنا ... محمد من به أضحى لنا الشرف
نبيّ سيف أتتنا الأنبياء به ... وبشّرتنا به التوراة والصحف
عليه من صلوات الله أكملها ... ومن هدايا تحيات الورى التحف
وكتبت هذه القصيدة بتمامها لإعجازها، ولأن حقيقة كلّ بديع في مجازها. وأما باقي شعره الطيبي، الذي نفح وانتشر طيبه، لأنه روض بات يجوده الغمام بما سفح، فقف قليلا تزود منه نفسا، وتشهد قبسا، ويجحد بعده في الكنوز ملتمسا، ومنه قوله: [البسيط]
ترنّم العود مسرورا ومن عجب ... سروره وهو في ضرب وتقييد
من أين للعود هذا الصوت تطربنا ... ألفاظه بأظاريف الأناشيد
أظنّ حين نشا في الدّوح علّمه ... سجع الحمائم ترجيع الأغاريد
ومنه قوله، وقد لبست الذمّة العمائم المصبغة: النصارى أزرق، واليهود أصفر، والسامرة أحمر: [البسيط]
تعجّبوا للنصارى واليهود معا ... والسّامريّين لما عمّموا الخرقا
كأنما بات بالأصباغ منسهلا ... نسر السماء فأضحى فوقهم درقا
ومنه قوله: [السريع]
النهر وافى شاهرا سيفه ... ولمعه يختلس الأعينا
فماجت البركة من خوفه ... وارتعدت وادرعت جوشنا
ومنه قوله: [البسيط]
قامت تنبهني وسنى الجفون وقد ... رقّ النسيم ونامت أعين الرقبا
والليل قد مدّ سترا من ذوائبها ... والصبح من خدّها قد لاح ملتهبا
واستغربت راحتاها الرّاح حين رأت ... بنانها بشعاع الكأس مختضبا
ضنّ الزمان بما قد جاد به ... وعادة منه لي استرجاع ما وهبا
(٢٠٦) ومنه قوله: [البسيط]
بناظري قمر اتبعته نظري ... مذ حلّ في خاطري قد زاد في خطري
تحت النقاب له بدر يقابله ... قد صار منزله في القلب كالقمر
ومنه قوله: [المتقارب]
أيا ناظري أنت سقت البلا ... لقلبي وذقت الهوى أوّلا
ويا قلب أبليتني بالغرام ... ومن ناظري كان أصل البلا
ومنه قوله: [الخفيف]
برزت في الكؤوس كالإبريز ... فأعادت مسرّتي بالبروز
قهوة فارسية من خبايا ... أردشير لبخله برويز
بنت كرم من عصر نعمان زفّت ... لابن ماء السماء غير نشوز
وجلاها زجاجها فأرانا ... جامد الماء ذائب الإبريز
وهي في حلّة السرور كميت ... تكتسي بالحباب حلية بوز
ارقني إنني أصبت بعين ... بالحميّا لا بالرّقى والحروز
أنا لا أرتوي بكأس وطاس ... فاسقنيها بالزّقّ والقطر ميز
اسقنيها حتى أموت بسكري ... وادع جمع القيان في تجهيزي
اسقنيها فالأرض تحكي عروسا ... تتجلّى في ملونات الخزوز
اسقنيها مع الصبايا فإني ... أنا شيخ الغرام وهي عجوزي
ومنهم:
٥٥- محمد بن محمد بن محمود أبو عبد الله، شهاب الدين (( ١٣ ))
عرف بابن دمرداش. عدل مات على الشهادة، وعاش مدرّعا بالزهادة، وكان في أول أمره على ما كان عليه آباؤه من معاناة الجندية، ومعاياة البروق بمخاصمة سيوفه (٢٠٧) الهندية. خدم الملك المنصور صاحب حماة، واتخذه من نداماه، وأمطره بواكف نعماه، وأسرى إليه صباه ونعاماه. ثم كره حماة بعد صاحبها المنصور، وعاف موردها، واستنزر إثمدها، ولم ير بعده من يرى أن يكون له خديما، أو يعد له نديما. وطفق يقلب يديه، وصدره طافح، وقلبه لهمه مكافح، وحاله لا يلمّ شعثه، كأنه لمّة المحرم، وحظه لا يضيء، كأنه صحيفة المحرم، فخلع عن منكبه ذلك الرداء، وانتهى في معالجة نفسه إلى أن كوى ذلك الداء. وعاد إلى دمشق، وعانى بيع الكتب ومشتراها، وحصل منها الفرائد كما تراها. ثم فقد ما بيده، إلا ما حصله من ذلك الربح الظاهر، وحصنه حفظا في خزانة الخاطر. ثم استرزق بالعدالة بما يقسم له بين الشهود، ويقدر له من المتيسّر الموجود، غير منافس مثلهم في الجعالة، ولا لابسا خلق تلك الحالة، قانعا بما سمحت له به النفوس، وسنحت له ديم الكرم بغير عبوس.
وكان حقيقة تمنح جوهرا، وحقيبة تنفح عنبرا. ومن شعره المطرب نغمه،
المطيب تفتيت المسك لممه، قوله مما أنشدنيه: [البسيط]
أحسن إلى الناس مهما دمت مقتدرا ... على الجميل ففعل الخير ينتهز
ولا تكن كأناس أخّروه إلى ... غد فلما أتاهم في غد عجزوا
وقوله مما أنشدنيه: (( ١ )) [الكامل]
ومهفهف الأعطاف معسول اللّمى ... كالغصن يعطفه النسيم إذا سرى
قال اسقني فأتيته بزجاجة ... ملئت قراحا وهو لاه لا يرى
وتأرّجت برضا به وأمدها ... من نار وجنته شعاعا أحمرا
ثم انثنى ثملا وقد أسكرته ... برضا به وبوجنتيه وما درى
وقوله مما أنشدنيه: (( ٢ )) [الخفيف]
قال لي ساجي اللواحظ صف لي ... هيفي: قلت: يا رشيق القوام (( ٣ ))
(٢٠٨) لك قدّ لولا جوارح عيني ... ك تغنّت عليه ورق الحمام (( ٤ ))
وقوله مما أنشدنيه: (( ٥ )) [السريع]
بالله إن جزت وادي الأراك ... وقبّلت أغصانه الخضر فاك (( ٦ ))
اهد إلى عبدك من بعضها ... فإنني والله مالي سواك
وقوله مما أنشدنيه: (( ٧ )) [الطويل]
أقول لمسواك الحبيب لك الهنا ... برشف فم ما ناله ثغر عاشق
فقال وفي أحشائه لاعج الجوى ... مقالة صبّ للدّيار مفارق (( ١ ))
تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى ... أعلّله بين العذيب وبارق
وقوله، وهو مما أنشدنيه: (( ٢ )) [الطويل]
جيادك يا من طبّق الأرض عدله ... وحاز بأعلى الجدّ أعلى المناصب
إذا سابقتها في المهامه غرّة ... رياح الصّبا عادت لها كالجنائب (( ٣ ))
ولو لم يكن في ظهرها كعبة المنى ... لما شبهت آثارها بالمحارب
وقوله: (( ٤ )) [الطويل]
ولما التقينا بعد بين وفي الحشا ... لواعج شوق في الفؤاد تخيّم (( ٥ ))
أراد اختباري بالحديث فما رأى ... سوى نظر فيه الجوى يتكلم
وقوله: (( ٦ )) [الكامل]
حتّام لا تصل المدام فقد أتت ... لك في النسيم من الحبيب وعود (( ٧ ))
والنهر من طرب يصفّق فرحة ... والغصن يرقص والرياض تميد
وقوله: (( ٨ )) [الكامل]
قد صنت سرّ هواكم ضنّا به ... إنّ المتيّم بالهوى لضنين
فوشت به عيني ولم أك عالما ... من قبلها أنّ الوشاة عيون
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
روى دمع عيني عن غرامي فأشكلا ... ولكنه ورّى الحديث فأشكلا
(٢٠٩) وأسنده عن واقديّ أضالعي ... فأضحى صحيحا بالغرام معلّلا
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
وافى النسيم وقد تحمّل منكم ... لطفا يقصّر فهمه عن علمه
وشكا السّقام وما درى ما قد حوى ... وأنا أحق من الرسول بقسمه
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
إن طال ليلي بعدكم فلطوله ... عذر وذاك لما أقاسي منكم
لم تسر فيه نجومه لكنها ... وقفت لتسمع ما أحدّث عنكم
وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
عجبا لمشغوف يفوه بمدحكم ... ماذا يقول وما عساه يمدح (( ٥ ))
والكون إمّا صامت فمعظّم ... حرماتكم أو ناطق فمسبّح
وقوله: (( ٦ )) [المنسرح]
من لأسير أمست قرينته ... في الدّوح عن حاله تسائله (( ١ ))
فهو يغنّي مبدا الحزين لها ... وهي بأوراقها تراسله
وقوله: (( ٢ )) [البسيط]
حتى إذا رقّ جلباب الدّجى وسرت ... من تحت أذياله مسكيّة النفس
تبسّم الصّبح إعجابا بخلوتنا ... ووصلنا الطاهر الخالي من الدّنس
وقوله: [السريع]
بالرّوح أفدي منطقيّا علا ... برتبة النحو على نشوه
منطقه العذب الشهيّ الذي ... قد جذب القلب إلى نحوه
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
يا سيدي أوحشت قوما ما لهم ... عن حسن منظرك الجميل بديل
وتعلّلت شمس النهار فما لها ... من بعد بعدك بكرة وأصيل
وبكا السّحاب مساعدا لتفجّعي ... من طول هجرك والنسيم عليل
(٢١٠) وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
انظر إلى الأزهار تلق رؤوسها ... شابت وطفل ثمارها ما أدركا
وعبيرها قد ضاع من أكمامها ... وغدا بأذيال الصّبا متمسكا
وقوله: (( ٥ )) [الطويل]
ولما أشارت بالبنان وودّعت ... وقد أظهرت للكاشحين تشهّدا
طفقنا نبوس الأرض نوهم أننا ... نصلّي الضحى خوفا عليها من العدى
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
ما أبطأت أخبار من أحببته ... عن مسمعي بقدومه ورجوعه
إلّا جرى قلمي إليه حافيا ... وشكا إليه تشوقي بدموعه (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [الطويل]
يقولون شبّهت الغزال بأهيف ... وهذا دليل في المحبة واضح
ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه اح ... ورارا لما تاقت إليه الجوارح
وقوله: (( ٤ )) [الطويل]
يقول لي الدولاب راض حبيبك ال ... ملول بما تهوى من الخير والنفع
فإني من عود خلقت وها أنا ... إذا مال عنّي الغصن أسقيه من دمعي
ومنهم:
٥٦- محفوظ العراقي، رشيد الدين (( ١٣ ))
فحل لا يقرع له أنف، ولا يطمع أن يقاد بالعنف. قادر على الشعر ينظمه في الوقت الحاضر، ويرقمه كالروض الناضر، يدل على قوة لجتين، كأنما يهدر
فيهما رعد، أو يشهر سيف وعيد لا وعد. بعارضة يلين لها الجماد.
ورد دمشق، ومدح والدي، رحمه الله، بقصيدة أحرقت قلب حاسده، وأشجت فؤاد معانده، وبات لها عدوه على شوك القتاد، وضده قد سلم إليه القياد، خلا رجل كانت منه نادرة غلط حملته على تفضيل رجل عليه، كلمة قالها بغير علم، وعثرة ما استقى لها عندي حلم، فمزّقت عرضه هجاء، وفرّقت أرضه أرجاء، فسلط (٢١١) عليه ذلك الرجل بعض أقاربه، وقصد رفو عرضه الممزق بإبر عقاربه، فالتقفهم صلّه الأرقم، والتقمهم عقابه القشعم، وجاهرهم بالسوء من القول، وجاهدهم جهاد الفحل على الشوك.
وكان قد اجتمع رأي فضلاء العصر، كالإمامين: صدر الدين أبي عبد الله محمد بن الوكيل، وكمال الدين أبي المعالي محمد بن الزملكاني، والفاضل رئيس الكتاب كمال الدين أبي العباس أحمد بن العطار، على تفضيله وتقديمه في الشعر على أهل جيله.
ومن شعره في هجاء من هيّج حفيظته، وأوهج توقيد نار الغضب مغيظته، مما قاله ارتجالا في خصمه، وواجهه بنفث سمه، قوله: (( ١ )) [الخفيف]
ركب الله في فناء بني فع ... لان معنى النيران والحيّات (( ٢ ))
أوجه القوم بالمكاره تحفى ... وفروج النساء بالشهوات (( ٣ ))
حدثني ابن عمنا القاضي جمال الدين، أبو محمد، يوسف بن رزق الله العمري، وكان هذا الرشيد محفوظ خاصّا به، وخالصا لصاحبه، نزل عليه حال
مقدمه، واصفا خالص خدمه، قال: حدثني الرشيد، ما سأذكر أنا معناه، وهو أنه لما مرّ بحماة، في مقدمه إلى دمشق، مدح طائفة من كبرائها المتّصلين بخدمة صاحبها الملك المظفر، منهم: ابن قرناص، كاتب سره، وصاحب أمره بأسره، وأراد منه أن يوصله إلى صاحبه لينشده مديحا عمله فيه، قاطع عليه الكرى، وأشبه به النجوم إلا في السّرى، حتى جاء به روضا ما سقته إلا سحب القرائح التي تشب لهبا، وتصب ذهبا، فعلّق أمله بالوعد ومنعه، فلم يصل إليه إلا فيما بعد. فلما رأى أن وعده لا يثمر، وأن قصده لا يظهر منه إلا خلاف ما يضمر، عدل إلى كستغدي أستاذ الدار (( ١ )) وكان ممن لا يخيّب المرجو، ولا يقطع رحم الأدب المرجو، لأخذه بحظّ من الفضائل لا تنقص، ولا يعرف الذهب ما لم يخلص، فلما أنزل به مقصده، أنشده: (( ٢ )) [الكامل]
ولقد ركبت هجين عزم ساقه ... مني الرجاء إلى الأعزّ الأبلج (( ٣ ))
(٢١٢) ملك توعّره جنود حوله ... كالروض بات مسيّجا بالعوسج
فلما دخل على الملك المظفر، أوصل إليه جليّة خبره، وأنشده البيتين بما فيهما من وخز إبره، وابن قرناص حاضر يسمع، ناطر يتوقع ما يصنع، فأمر بإحضاره، فأحضر في الحال، واستنشده البيتين، فقال: ولقد ركبت هجين عزم ساقه (البيت) ثم اهتدم البيت الثاني فقال: [الكامل]
ملك تزان به جنود حوله ... كالروض بات مسيجا ببنفسج (( ٤ ))
فقال له: ما هكذا قلت. فقال: قد كان ذاك قبل أن أحضر لديك، فأما بعد أن حضرت، فهو كما أنشدت بين يديك. فأسنى عطاءه من الذهب الخلاص، وأوسع ملامته ابن قرناص.
وحدثني أيضا عنه: أنه أتى حصن الأكراد مادحا نائبها، ومستقيا من أياديه سحائبها، فأخذ ابن الذهبي كاتب درجه القصيدة ليوصلها إليه، ثم عاد إليه، فأخبره أنها ضاعت من وسط يديه، فقال: [المنسرح]
لا الذهبيّ أسرى المديح ولا ... أعذبه منهلا وعذّبه
أهديت مدحي تبرا إليه فما ... ذهّبه بل عليّ أذهبه
وقوله، وقد رأى مشجر الفسيفساء بجامع دمشق: [الطويل]
ألم تر أشجارا بجامع جلّق ... حكت مثلها لو أنّ صانعها باق
نضارتها أن لا تداني فروعها ... بشمس ولا يسقي مغارسها ساق
وقوله: (( ١ )) [الخفيف]
فرّقت بيننا الحوادث لكن ... لي نفس إليكم أدنيها
فكأني في الودّ فارة مسك ... أفرغوها ونفحة الطيب فيها (( ٢ ))
وقوله: [الخفيف]
هيّج البرق لوعة المشتاق ... بوميض لقلبه الخفّاق
هذه مزنة إليّ حدتها ... نسمة الصّبح من نواحي العراق
يا قساة القلوب رقّوا فإني ... لا غرامي فان ولا أنا باق
(٢١٣) هل لبؤس لاقيته من فراق ... ونعيم فارقته من تلاق
ومنهم:
٥٧- محمد بن سبط الحافظ، شمس الدين
ذكي الفطنة، زكي الفطرة، وقّاد القريحة، نقّاد المعاني الصحيحة، لطيف المحاضرة، خفيف المجالسة. يقع على نادر المعنى، لكنه ربما أتى بمساكن بلا مغنى، إذ كان مستوشل المواد، مستوحش الجواد، لا دربة له بممارسة، ولا رغبة تقدمت له في مدارسة، اعتمادا على ضياء حسه، وصفاء جوهر نفسه. مركب أعاريض الشعر، ولا يلحج في بحاره، ولا يدلج ليله قبل تبلج أسحاره. وخدم في الدواوين زمانا، ثم في الجيش بصفد خدمة أخذ بها الرامح من قلبه أمانا، وكان يجيد حلّ المترجم ويبيّن ما أسرّه قلم كاتبه وجمجم، بفهم إلى قراءته، يسارعه كأنه واضعه متى نظره قرأه لا يتوقف، كأنه هو الذي كتبه وسطره. ومن شعره: [الطويل]
وذي شنب مالت إلى فيه شمعة ... وعادت إلى رجليه عن شفتيه
وقالت: بدا من فيه شهد فهزّني ... بذكر لأوطاني فملت إليه
فحالت يد الأيام بيني وبينه ... فعفّرت أجفاني على قدميه
ومنهم:
٥٨- محمد بن سباع الصائغ، الدمشقي، أبو يوسف، شمس الدين (( ١٣ ))
صائغ لا غشّ في ذهبه، ولا غلّ في أدبه، ولا غب لزيارة سحبه. قطف غضّ البلاغة، وجاء بالكلام كمال يقال: صاغه صياغة. وما كان ابن سباع إلا وهو شبل قسورة، ولا نعت بالشمس إلا لأن الليالي كانت به مقمرة.
وهو ممن أخذت عنه العروض، وكان فيه إماما، وقطّعت بحوره لا أرد الماء إلا حماما. وتعلمت منه علم القوافي، وطرت في دقيقه وجليله بالقوادم والخوافي.
وكانت حانوته بقيسارية الصاغة بدمشق سوق ذهب وأدب، كلاهما إبريز، وهما ما هما وله فيهما التبريز. وله أوفر قسم من النحو والعربية والمقامات (٢١٤) الحريرية، وسائر المواد الأدبية. ومن أشعاره المولدة العربية الذهبية، قوله: [الكامل]
وتخيّروا تلك الحزون منازلا ... بالحزم للأمر الأشدّ الأصعب
ملأت خيامهم الجهات فلم يكد ... للقرب يفرق مضرب من مضرب
ومنه قوله يذكر حريق بلد أخذ منه الكفر: [الكامل]
طهّرتها من أهلها بدمائهم ... وجعلت باسمك ربعها مأنوسا
أمهرتها عزما ملأت به الدّنى ... ولقد ملكت كما بذلت نفيسا
ورميت فيها النار تطهيرا لها ... مثنى فمنها الشّرك عاد يؤوسا
فكأنّها والنّار في جنباتها ... نبت به الشّيطان غرّ مجوسا
وسلبتها مما حوته ذخائرا ... وجواهرا ونفائسا ونفوسا
وتركتهم برا وبحرا جيفة ... من بالقصور يظنها ناووسا
ومنه قوله في فتح عكا وصور: [الكامل]
قلقلت أرض الشام عند دخولها ... ركضا بجيش كالسحاب عرمرم
قد كان وجه الشمس غير مبرقع ... لولاهم والبدر غير ملثّم
فأريت عكاما بعمورية ... رأت الفوارس في الزمان الأقدم
فتح محيّا الدهر موسوم به ... وزمانه في دورة كالموسم
ما الرأي إلا عند قلب ثابت ... والسيف إلا في يمين مصمم
قد حزت صورا في تقضّي فتحها ... فبشكرك الإسلام رطب المبسم
ما كان بينهما سوى يوم فذا ... سعد إليه كلّ سعد ينتمي
والجمع للأختين غير محلّل ... لكن بهذا الحال غير محرّم
ومنه قوله يصف قصيدة مطولة: [الكامل]
عجبا رأينا من تزيّد حسنها ... مع أنها زادت على التسعين
شغلت ذوي الأسماع في إنشادها ... مما حوته عن ابنة العشرين
(٢١٥) ومنه قوله، وهو مما ادّعاه سواه، وكان شيخنا أبو الثناء لا يبثّهما إلا لابن القماح: [الرجز]
لو تعلم الورق حنيني نحوكم ... لمزّقت من طرب أطواقها
ولو يذوق عاذلي صبابتي ... صبا معي، لكنه ما ذاقها
ومنهم:
٥٩- عبد المجير، أحمد بن الحسين الخياط، مجير الدين
شاعر لا يقدر على مبالغه، ولا يعصى الحصا على ماضغه. قريحته مقتدرة، وفكرته مبتدرة، وخاطره السمح لا يقابله بالمعذرة. ولم يكن في سوق الشعر متكسبا، ولا بما يتسنّى من جوائزه متسببا، بل كان يكتفي بصناعة يده، وبضاعة شمم يكفى بها منه مسترفده، مع قليل مال يصلحه فينمي، ويستسفحه فيهمي، إلا أنه رزق خياط يجنيه من حرث إبرته، وتأييد بمقدار ما يبيعه من نظر مقلته، مع أنه بدا بناظره فخاطه بالإعجاب، وخاطه بكبرياء بلغت به العجب العجاب. ومن شعره السهل الذي لو دعي أجاب، قوله: [الكامل]
يغنيه عن بعث الكتائب كتبه ... وكأنما في كلّ سطر فيلق
والمرء يفتن بابنه وبشعره ... وكلاهما شيء لعمرك يعشق
ورأيت بخط المجير المذكور فصلا أتبعه بشعر لخصتهما وهو: ولقد ورد على رجل من مصر يتعاطى أنه شاعر، ولم يكن خبيرا بما يحتاج إليه، بل كان نظّاما لحّانا، يخطئ الأوزان، ويخالف اللغة في غير مكان، فأصلحت من هذيانه على ما أفضى إليه حال لفظه، ونسقت له أساليب من كلامي، زيّنت بها قبح ما جاء به من بشاعة نظمه، وبرد سرده، ولم يخل من قصيده وضيعا ولا رفيعا، ولا عبدا ولا حرّا. وكل هذا وأنا أنظم له القصائد، وهو بحبالي الصائد، ثم ثلبني، فنقل إليّ، فقلت: [الوافر]
عتبت وقلت إني قيل عني ... مقال ما سمعنا منه أكذب
وإني قانع بقليل شكر ... فقل لي ما لكثر الذمّ أوجب
(٢١٦) ولا تعجب لقلب الخير سرّا ... فذمّك لي بظهر الغيب أعجب
وإن تر أنّ في عتبي صوابا ... فترك العتب منك عليّ أصوب
وقد قلت الذي عندي وهذا ... نهاية حالنا فاجنب أو اركب
ولم أسلفك إلا كلّ خير ... وإن تعتب فإنّي غير معتب
ومن شعره قوله: [المجتث]
صبح العوافي تنفّس ... في ليل سقمي وعسعس
وعاد نطق حياتي ... وكان بالموت أخرس
ونافس البرء سقمي ... فكان بالنفس أنفس
والموت لم ينج منه ... سمّ العرانين أخنس
وكل عال ونكس ... في هوّة الهلك ينكس
ومنه قوله: [المنسرح]
يدافع الموت في تقلّبه ... موج المنايا وسيلها دفع
وليس من تحت سبع أرقعة ... يبقى ذباب كلّا ولا سبع
ومنه قوله: [المنسرح]
سدّ عليّ النهيج والأرق ... وساقني في لجامه العرق
واتّسعت فيّ للردى سبل ... فيها تضيق الأنفاس لي طرق
وفي عروقي وأعظمي ودمي ... جرت خيول الحمام تستبق
أظلّ لا أطعم الطعام فإن ... طعمت منه أكاد أختنق
وفي سحاب الحياة بارقة ... في جوّ جوفي بالموت تأتلق
ولي بتقدير خالقي علق ... من حيث لا نطفة ولا علق
ومنه قوله في وزن درعية المعري التي أولها: هم الفوارس بات في إدراعها، (( ١ )) قصيدة منها: [الكامل]
ماذية لو أرسلت من خالق ... في سيله فاتته في إسراعها
(٢١٧) لو أن أرجل نملة دبّت على ... سربالها ما غاص طرف ذراعها
عاديّة تنبو الصوارم في الوغى ... عنها لرقّتها وغلظ طباعها
لو ألقيت في قفرة دويّة ... حام القطا طمعا بحومة قاعها
خصراء محكمة القتير لسردها ... حبك يضيع الفكر في أوضاعها
زغف دلاص ستر كلّ مقنع ... إن آذنت حرب بكشف قناعها
كم قطّعت بيض الظّبا بوصالها ... وتدافعت سمر القنا بدفاعها
وثوابت الخرصان لو قارعنها ... لتقصّفت وتقصّدت بقراعها
لطفت على فرط الكثافة حلّة ... قد طرّزت بالبرق من تلماعها
سمح الزمان بحين عصر ولادها ... ومسامع الدنيا ثديّ رضاعها
ومنه قوله يصف مقتل أفعى: [الكامل]
نفر الحباب فخلت سيل الجدول ... متدفقا نحو الأباطح من عل
أو أسمرا متأطّرا يوم الوغى ... في كفّ مشبوح الذراع شمردل
يرنو بأخرز شبه جذوة قابس ... متوقدا في جنح ليل أليل
فهو الشجاع مدرّبا بإهابه ... فمسربل درعا وغير مسربل
وكأنما حدق الجراد لباسه ... أو رقش وشي فوق ردّ أسحل
بادرته بمهند ضمّ الصفا ... بفرنده يغري بضربة فيصل
وكأنه ليل سطا بسواده ... عند الصدام بياض صبح منجلي
متململا من فوق مفرش تربه ... يعلو أعالي رأسه بالأسفل
وكأنّما هو بالدماء مضمّخ ... ليل كقنو النخلة المتعثكل
تملو لهازمه لفرقة نفسه ... بتكشّر عن كلّ ناب أعصل
فقتلت منه أفعوانا قاتلا ... كم قد أصاب ضريبة في المقتل
ومنه قوله: [مجزوء الرمل]
أين من أعطافهم ... كانت تهزّ الأريحيّة
(٢١٨) وعلى الشعر يجازو ... ن الجوائز السنيّة
ذهبوا لم يبق في ... الدنيا منهم بقيّة
غبروا لذكر منهم ... عطّر أفواه البريّة
ومنه قوله: [المجتث]
لا ترفعنّ دنيّا ... فرفعه لك خفض
ودسه حيث تراه ... بتركه فهو أرض
ومنه قوله: [الكامل]
لا شيء فوق الموت تألمه ... إلا إذا أضيافه ارتحلوا
لو أن كعب الجود عاصره ... بسماحه لم يضرب المثل
ومنه قوله في حائك صار خطيبا: [السريع]
وحائك صار خطيبا ومذ ... صار خطيبا قد بدا منصرما
ظنّ وقد صار على منبر ... بأنه قد صار فوق السما
وهو الذي من نفق في الثرى ... إلى الثريّا قد رقي سلّما
ومنه قوله، وقد ولي شمس الدين محمد بن الرزيز خطابة الجامع الكريمي بقبيبات دمشق، وقام شخص اسمه ابن العديسة واعظا: [المجتث]
في الدهر شيء عجيب ... مرآه يقذي اللواحظ
ابن الرزيز خطيب ... وابن العديسة واعظ
ومما أملانا من نثره قوله مع قصيدة كتب بها إلى بعض الرؤساء، وهو:
فأرسلتها كالمهدي قطرة إلى البحر المحيط، أو النافخ بغيه ليزيد بنفسه في الهواء البسيط.
ومنهم:
٦٠- أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل، شهاب الدين، أبو جعفر (( ١٣ ))
عرف بابن غانم. أي لا يصبر على ضيم، ولا يتغافل لمساورة أيم، بل أي بلد نبت به أرضها، ونبت له ممضّها، طلّقها طلاق البتات، وقوّض عنها (٢١٩) خيامه قبل البيات. جوّال آفاق، وجوّاب مهامه بلا رفاق. طار بغير جناح، واخترق حيث تهب الرياح.
وقد تقدم ذكر أخيه في الكتّاب في هذا الكتاب. وكان أبوهما ممن أحبّ له داعي الفلاح، وأجيل قلمه في سهام القداح، ثم غضب ابنه هذا عليه غضبة حملته على الاغتراب، وحلّقت به حيث لا يحلق الغراب. هذا وبدره ما اكتمل، وجلباب الورق على غصنه ما اشتمل. فأتى العراق في رفقة، سلكوا به السماوة، لا يصحبه إلا أبيض مسلول، ولا يؤنسه إلا أرقط زهلول، ولا يظلله إلا سمرة في يهماء، ولا برد إلا أداوة يترشف منها الماء. ونزل بها على خفاجة مخفيا لنفسه، مظهرا له أدب درسه، فلما تسمّى لهم واكتنى، وكتم من أمره معلنا- وكان العهد إذ ذاك قريبا بأخذ بغداد، وشتات شذاذ الخلافة في أقطار البلاد- ظنوه ابنا للمستعصم، كان قد فقد على الجسر، بعد اقتحام التتار شوارعها الفساح، والتهام أفواه قسيهم الفاغرة مضغ الأرواح، وأبناء الخلائق لديهم نهب صيح في حجراته، وهضب ذيد عن سمراته.
ولقد حكى لي أن هذا صار فيه عقد دينهم، وعقل يقينهم، فقدموه عليهم إماما، وسلموه لهم زماما، وإنه لم يفسدهم بكشف باطنه، وإخراج خبيئة من مواطنه. وأتى الملك الظاهر هذا البناء، فخاف منه فتقا لا يرقعه، وخرقا لا يجمعه، فكتب إلى ملك العرب عيسى بن مهنا يطلب منه إحضاره، ويوكل به انتظاره، فاستدرجه إليه، ثم بعث به حتى أقدمه عليه، فلما حضر بين يديه، تعرّف إليه بأبيه، وشهد له بعض من حضر، فسلّم وقد أهوى إليه الحجر، وأمر باستدعاء أبيه من دمشق، فلما وصل سلّم إليه، وسلّ من قنصة الموت وألقى
لديه، وقيل له: لا بورك لك، ثم ردّ ضائعه عليه.
ثم إنه كتب الإنشاء في الممالك، وتنقل بمصر ودمشق، ثم أبى حمل المشق.
كان قد أفرد للكتابة في مجلس الوزارة بدمشق، والمتحدث إذ ذاك، الصاحب شمس الدين عبد الله المعروف بغبرال، فأمره يوما بكتابة كتاب، فضمنه شيئا (٢٢٠) من الصناعة التي لا عهد بها لمن كتبت عنه، وقرأ ما فيها فلم يستبينه، فأنكر ما لم يحط به علمه، ولا تصوره فهمه، فسأله عن موضع منها كالمستفسر، فظنه كالمستنفر، فركب القفار يضربها أذرعا في أذرع، ويودع منها أربعا في أربع، وظنّ أنه قد تفلّت من يده تفلّت المملق من يد الغريم المقلق، وتقحّم مهالك بحار الرياح في قطعها، ومهاوي لا تكتحل جفن الغزالة، ينقعها بتلاعب يد الإقتار، ويقذف به في الفجاج البعيدة الأقطار، إلى أن نزل بالملك المؤيد صاحب اليمن، في بحبوحة مجد، وأرجوحة جد، وسعادة أراشت جناحه المحصوص، وأطارت طائره المقصوص.
ثم ضاقت به تلك الرحاب، ونغصت إليه تلك المحاب، لأمراض تناوبت بنيه، وأعراض هدّت مبانيه، فسيرهم من طريق لاقاهم إليه، إلى مكان لم يخلف لهم فيه موعدا، ولا تجاوزه مبعدا، إلى أن حلّ حضرة صنعاء متذمما بإمامها، وطالبا منه صنيعة يتمسك بذمامها، فوجد لديه إكراما، وحواليه لاقى كراما.
ثم وجه على طريق السراة ميمما مكة المعظمة، فوافاها والموسم قد أقمرت لياليه، ورقمت خدود الأيام غواليه، فحضر الموسم وشهد أيامه المعلومات، ولياليه الرافلة حلله المرقومات. وقد التقى كلّ ذي دين وماطله، وهدت به سنابك اليمن وأياطله، ثم قصد الباب الشريف النّاصري، فلقي برّا بحسن الخلف، وحلما لا يؤاخذ بما سلف، وأمر باستخدامه، ثم تنقل في مصره وشامه،
وتنقل ببرّه وإنعامه.
ولما فوّض إلينا الأمر بالشام في أخريات شعبان، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، أبى إلا أن يحفظ عهدنا، وأن لا يقيم بمصر بعدنا، فجاء على آثارنا مستصحبا لحال المودة، مقضيا معنا عمره إلى آخر مدة. ثم منعه مانع الهرم أن يعود معنا إلى مصر، في جمادى الأولى من السنة القابلة، حين قلدنا بها ثانيا، وقعد عجزا لا توانيا، لفتور عزم قيد خطاه، وفند رأيه لحلول الأجل فما تخطاه.
وبلغنا على الأثر أنه غلب عليه سوء مزاج، لم يفد فيه حسن (٢٢١) علاج، إمضاء لإرادة الله في خلقه، وإفضاء به إلى نهاية أجله ورزقه.
وكان فاضل بيته، ومستدرك فوته، ناقلة لغة، وعاقلة أدب، مع إلمام بطرف كل فضيلة، وطرف ودّ أوى به إلى ضوء كل قبيلة.
فأما الشعر، فكان نبعته التي قرع بها القرناء، وصنعته التي ما خلا بعده لمن عاناها إلا العناء.
وله طرائف وظرائف. حكى عنه قريبنا القاضي جمال الدين، أبو محمد، يوسف بن رزق الله العمري، قال: اجتمعت به يوما في سماع، فرقص الناس ثم جلسوا، فأقامهم شخص استمع هو ورجال مثله، عليهم سيماء البادية، وطال الحال في الوقوف، وشهاب الدين ساكت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك، فقال له رجل على سبيل الهزء به: مالي أراك ساكنا كأنه يرجى إليك؟ فقال: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ
(( ١ ))
وحكى عنه بعض أقاربه، أن الملك المنصور صاحب حماة، خرج إلى باب الشجريات بالمعرة، وشهاب الدين في صحبته، فاحتاج شهاب الدين إلى الخلاء، ولم يكن من رأيه دخول الخربشت، (( ٢ )) وكان الفضاء مسدودا بالوطاق الظاهري، وهو إذ ذاك مخيم به، فصعد شهاب الدين إلى شجرة تين ليتخلّا، والملك المنصور يراه، ولم يعلم ما يصنع، فجهز شخصا لينظر ما يفعل، فقال: خذ! وسلح عليه، حتى ملأ وجهه وعينيه. فقال: ويلك، ما هذا؟ فقال: أطعمتك من التينة. فأتى الملك المنصور الخبر، وفهم الصورة، فانقلب يضحك حتى أغشي عليه.
وحكي أنه اجتمع يوما هو ونور الدين ابن هلال الدولة مقدم يمن بكفر عامر، في مجلس لهو فيه شيء من آلات الطرب، فأخذ شهاب الدين آلة منها ليضرب بها على سبيل العبث، وكان لا يعرف هذا، وابن هلال الدولة متهم بالرفض، فقال له ابن هلال الدولة: أحسنت، بالله سمّعنا غليظ ما نكره، فقال: رضي الله (٢٢٢) عن أبي بكر وحكي عنه، ثم حكى هو لنا عن نفسه، أنه كان عند واحد الدهر القاضي كريم الدين عبد الكريم الناصري في خيمة جمع القرّاء بها بالقرافة، وأنه أوى إلى القاضي علاء الدين، علي بن الظاهر، وجلس إليه يحدثه، فبعث إليه بآخر هناك يعرف بالطواشي معاوية، يقول له: بقيت نوبتي، يعني قم تعال إليّ، وألحّ عليه. فقال له: ويلك! من يخلّي عليّا ويروح إلى معاوية؟ فيما أوردناه مقنع، وفي بعضه ممتع.
ومما أنشدنا من شعره تلفظا أو إجازة قوله: (( ١ )) [السريع]
والله ما أدعو على هاجري ... إلا بأن يمحن بالعشق
حتى يرى مقدار ما قد جرى ... منه وما قد تمّ في حقي
وقوله: (( ٢ )) [المجتث]
يا حسنها من رياض ... مثل النّضار نضاره
كالزهر زهرا وعنها ... ريح العبير عباره (( ١ ))
وقوله: (( ٢ )) [مخلع البسيط]
طرفك هذا به فتور ... أضحى لقلبي به فنون
قد كنت لولاه في أمان ... لله ما تفعل العيون
وقوله: [الكامل]
يا نازحا عني بغير بعاد ... لولاك ما علق الهوى بفؤادي
أنت الذي أفردتني مني فلي ... بك شاغل عن مقصدي ومرادي
سهرت بحبك مقلتي فحلالها ... فيك السّهاد فلا وجدت رقادي
ورضيت ما ترضى فلو أقصيتني ... أيام عمري ما نقضت ودادي
أنت العزيز عليّ إن أشكو لك ال ... وجد الذي أهديته لفؤادي
وقوله: (( ٣ )) [الخفيف]
أيّها اللائمي لأكلي كروشا ... أتقنوها في غاية الإتقان
لا تلمني على الكروش فحبي ... وطني من علائم الإيمان (( ٤ ))
وهو من قول النصير الحمامي، وقول النصير أحسن، وهو: [السريع]
(٢٢٣)
رأيت شخصا آكلا كرشة ... وهو أخو ذوق وفيه فطن
وقال: ما زلت محبّا لها ... قلت: من الإيمان حبّ الوطن
وكذلك قوله، أعني أبا جعفر بن غانم: (( ١ )) [الخفيف]
ما اعتكاف الفقيه أخذا بأجر ... بل لحكم قضى به رمضان
هو شهر تغلّ فيه الشياطي ... ن ولا شكّ أنه شيطان
وقوله: [البسيط]
تعجّب الناس للبطيخ حين أتى ... لحين حين وإذ وافى بطاعون
وكيف لا يقطع الأعمار مقدمه ... وليس يؤكل إلا بالسكاكين
وقوله في مولود سمّي مباركا: [مجزوء الرجز]
تهنّ يا مباركا ... بالولد المبارك
بمن سمّوه أنسا ... لكونه ابن مالك
وقوله، مما كتب به إلى قاضي القضاة، جمال الدين ابن واصل، وقد أقعده عاقدا بحماة في مكتب فيه السيف علي بن المغيزل: (( ٢ )) [مخلع البسيط]
مولاي قاضي القضاة يا من ... له على العبد ألف منّه
إليك أشكو قرين سوء ... بليت منه بألف محنه
شهرته بيننا اعتداء ... أغمده فالسيف سيف فتنه
وقوله في زركشي: [مجزوء الكامل]
بأبي أفدي زركشيا ... قد سبى كلّ الورى
عشق الشريط جماله ... فغدا نحيلا أصفرا
وقوله مناقضة للبيتين المشهورين، والذي قاله: [المتقارب]
تأمّل دمشق وجاور بها ... فقد زانها الجامع الجامع
فسرّ السرور به مودع ... وسعد السعود به طالع
وأما البيتان المنقوضان فيهما، فهما: [المتقارب]
(٢٢٤) تجنّب دمشق ولا تأتها ... وإن شاقك الجامع الجامع
فسوق الفسوق به قائم ... وفجر الفجور به طالع
عدنا إلى تتمة ما نذكره له، فمنه قوله في مقصوص الشعر: (( ١ )) [البسيط]
صدغان كان فؤادي هائما بهما ... فكيف أسلو وكلّ الشعر أصداغ (( ٢ ))
قالوا: ذؤابته مقصوصة حسدا ... فقلت: قاطعها للحسن صوّاغ
ومنه قوله، نقلته مما كتبه لي من شعره القاضي نجم الدين أحمد ابن أخيه، واستثبته في قوله، فقال: إنه سمع هذا من فيه، وهو: [الطويل]
أعاهد قلبي في اجتناب هواكم ... ويغلبني شوقي إليكم فأنكث
وأحلف لا واصلتكم ما بقيتم ... وأعلم أن الوصل خير فأحنث
ومنه قوله: (( ٣ )) [الخفيف]
بأبي صائغ مليح التثني ... بقوام أزرى لغصن البان
أمسك الكلبتين يا صاح فاعجب ... من غزال في كفّه كلبتان
وحكي أنه كان قد دعاه صاحب له ليضيفه، فلما جاءه قال له. اقلع قماشك واقعد عندنا اليوم. فلما قلع قماشه واطمأن، سرق جبّته وخبّأها على سبيل اللعب. ثم جاءه بصحن كبير مغطى، فلما كشفه لم يجد فيه إلا سبع حبات من القطائف في غاية الصغر. فقال: ويحك! ما هذه؟ فقال له: كل، فإن استطبتها زدناك. فلما أكلها لم يأته بشيء آخر، ثم أمره بالانصراف. فلما قام لينصرف، لم يجد جبّته، فسأل عنها. فقال له: أخذناها ثمن القطائف التي أكلتها.
فقال: (( ١ )) [مجزوء الرجز]
قل للذي ضيّفني ... في بيته سبع لقم (( ٢ ))
ورام أخذ جبّتي ... هذا على الرطل بكم
قلت: وعلى طول مدته في ديوان الدرج، واسترزاقه بقلم الإنشاء، وما يتلاطم في حفظه من أمواج المراد، ما تعاظم إلا لديه من وافر الفضل (٢٢٥) لا يذلّه في تنميق النثر، ولا في تحقيق طريق الكتابة، بل هو مخلّى فيها، ونفسه يركد ولا يهب، ويقعد ولا يقوم، حتى في كتب السفيل، لا يرضى منها له كتاب، ولا تحلّى بشيء مما عنده من الأدب، بل هي في معزل، والكتابة في مغزل، وقد سدّ بينهما باب، وضيّع خازنه المفتاح، حتى لا يفتح ذلك الباب.
انتهى كلامنا فيه.
وهذا آخر ما ذكرت من شعراء الجانب الشرقي، ممن ضمت حنايا القبور أسرارهم، وأخفت مغارب اللحود أقمارهم، ووسدهم التراب حشاياه، وكدّر
لهم الدهر عشاياه، وصاد ورقهم الساجعة، بازيّ الحمام المطل، وشبرق ثوب الشفق بدمهم سبع منونهم المطل، وها هم الآن كما رأيتهم أرواحا، يتصوّر بالتمثيل عيانهم، وتفضّ من مدارج الصحف أكفانهم.
وها أنا الآن أذكر من بقي من شعراء الجانب الشرقي ممن هو حي موجود، هم على آثار سبقهم مجدون، ولسلف موتاهم ممدون، وما نحن إلا مثلهم، غير أننا أنخنا قليلا بعدهم وتقدموا. فنسأل الله أن يكشف غطاء قلوبنا، ويرشدنا لما فيه صلاح أمورنا، إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
فأمّا من وعدت بذكرهم من الأحياء الموجودين، فأقول وبالله التوفيق:
ومنهم:
٦١- عبد العزيز بن سرايا الحلّي، أبو الفضل، صفيّ الدين (( ١٣ ))
التاجر، ملء فكيه لسان، وحشو لحييه إحسان، وبين جنبيه بحر إلا أنه إنسان، ولا بس برديه شاعر ولكنه حسّان. وزن به بلديّه الحلي فخفّ راجح، وقرن به سلم فسلّم أن الخاسر غير رابح. لو نازع الحكميّ لحكم له عليه من أجمع، أو السّلميّ لعلم من منهما أشجع. وله شرف نفس يرى الجوزاء دون مرامه، والبدر أقلّ من تمامه. أخذ ثأر خاله وقد قتل قهرا بيده، وابتزّ دمه من مخالب الأسود قسرا بمهنده، ولم ينفق سوقه على السوق، ولا لبس عقائله إلا الحرير وحاشاه من السوق. ولم يتخذ من الشّعر سببا، ولا علق لأطماعه (٢٢٦) بأوتاد طينا، ولا رضي لفواضله من فواصله مكسب، إلا ما جاء من عفو إنعام الملوك هنيئا بلا
تعب، وهنيّا لم يستصعب. أو ما سامح به من حقوق متجره، ويصالح به على مالا يقوّم من جوهره. ووفد على سلطاننا متشرّفا بمدحه، تشوّفا إلى منحه، فأقبل عليه بفضله ووصله، ملء حقيبة رحله. ثم عاد إلى ماردين، مصاحبا لملوكها الكرام، مواظبا لهم دون سائر الندماء. وتردد إلى حماة، أيام الملك المؤيد عماد الدين، أبي الفداء إسماعيل، ثم أيام ابنه الأفضل. وما منهما إلا من كان يعدّ لوفوده الليالي، ويعدّ لوروده الذهب ثمنا للآلي. وهو اليوم باق يمتاح، وحي إليه كلّ قلب حيّ يرتاح. ومن شعره الغرد، وسلسله المطّرد قوله: (( ١ )) [الكامل]
لولاك ما نافقت أهل مودّتي ... وظللت فيك نفيس عمري أنفق
وصحبت قوما لست من نظرائهم ... فكأنّني في الطّرس سطر ملحّق
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
وأغرّ أدهم ذي حجول أربع ... مبيضّها يزهو على مسودّه (( ٣ ))
خلع الصّباح عليه سائل غرّة ... منه، وقمّصه الظّلام بجلده
قلق المراح، فإن تلاطم خطوه ... ظنّ المطارد أنّه في مهده
أرمي الحصى من حافريه بمثله ... وأروع ضوء الصّبح منه بضدّه
وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
عاتبته، فتضرّجت وجناته ... وازور ألحاظا وقطّب حاجبا
فأرابني الخدّ الكليم وطرفه ... ذو النّون إذ ذهب الغداة مغاضبا (( ٥ ))
لا غرو إن وهب النّواظر حظوة ... من نوره ودعاه قلبي ناهبا (( ٦ ))
فمواهب السّلطان قد كست الورى ... نعما وتدعوه القساور سالبا
ملك يرى تعب المكارم راحة ... ويعدّ راحات القراع متاعبا
لم تخل أرض من ثناه وإن خلت ... من ذكره ملئت قنا وقواضبا
(٢٢٧) ترجى مواهبه ويرهب بطشه ... مثل الزّمان مسالما ومحاربا
كالسّيل يحمد منه عذبا واصلا ... ويعدّه قوم عذابا واصبا (( ١ ))
فإذا نظرت ندى يديه ورأيه ... لم تلف إلّا صائبا أو صائبا (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [الرمل]
شام برق الشّام صبحا، فصبا ... وترآه عشاء فعشا
لاح واللّيل به مكتهل ... وجنين الصّبح حمل في الحشا
وهلال الأفق يحكي قوسه ... جانب المرآة يبدو من غشا
وحكى المرّيخ في صبغته ... خدّ محبوب بلحظ خدشا
وسهيل مثل قلب خافق ... مكّن الرّعب به فارتعشا
والثّريّا سبعة قد أشبهت ... شكل لحيان بتخت نقشا
ووميض غادرت غرّته ... أدهم اللّيل صباحا أبرشا
وقوله: (( ٤ )) [البسيط]
والرّيح تجري رخاء فوق بحرتها ... وماؤها مطلق في زيّ مأسور
قد جمّعت جمع تصحيح جوانبها ... والماء يجمع فيها جمع تكسير
والرّيح ترقم في أمواجها شبكا ... والغيم يرسم أنواع التّصاوير (( ٥ ))
والماء ما بين مصروف وممتنع ... والظّلّ ما بين ممدود ومقصور
والرّيح قد أطلقت فضل العنان به ... والغصن ما بين تقديم وتأخير
والنّرجس الغضّ لم تغضض نواظره ... فزهره بين منفض ومزرور
كأنّه ذهب من فوق أعمدة ... من الزّمرّد في أوراق كافور
والأقحوان زها بين البهار بها ... شبه الدّراهم ما بين الدّنانير
وزامر القوم يطوينا وينشرنا ... بالنّفخ في النّاي لا بالنّفخ في الصّور
وقد ترنّم شاد صوته غرد ... كأنّه ناطق من حلق شحرور
بشامخ الأنف قوّام على قدم ... يشكو الصّبابة عن أنفاس مهجور
(٢٢٨) شكت إلى الصّحب أحشاه وأضلعه ... قرض المقاريض أو نشر المناشير (( ١ ))
والراقصات وقد مالت ذوائبها ... على خصور كأوساط الزّنانير
كأنّ في الشّيز يمناها إذا ضربت ... صبحا تقلقل فيه قلب ديجور (( ٢ ))
ترعى الضّروب بكفّيها وأرجلها ... وتحفظ الأصل من نقص وتغيير
وتعرب الرّقص من لحن فتلحقه ... ما يلحق النّحو من حذف وتقدير
وحامل الكأس ساجي الطّرف ذو هيف ... صاحي اللّواحظ يثني عطف مخمور
يدير راحا يشبّ المزج جذوتها ... فلا يزيد لظاها غير تسعير
نارا بدت لكليم الوجد آنسها ... من جانب الكأس لا من جانب الطّور
وللأبارق عند المزج لجلجة ... كنطق مرتبك الألفاظ مذعور
كأنّها وهي في الأكواب ساكبة ... طير تزقّ فراخا بالمناقير
أقول والرّاح قد أبدت فواقعها ... والكأس ينفث فيها نفث مصدور
أسأت يا مازج الكاسات حليتها ... وهل يتوّج ياقوت ببلّور
وقائل إذ رأى الجنّات عالية ... والحور مقصورة بين المقاصير
لمن ترى الملك بعد الله؟ قلت له ... مقال منبسط الآمال مسرور
لصاحب التّاج والقصر المشيد ومن ... أتى بعدل برحب الأرض منشور
فقال: تعني به كسرى؟ فقلت له: ... كسرى بن أرتق لا كسرى بن سابور
لا تفخر الشّمس إلّا أنّها لقب ... له، وشبه له في العزّ والنّور
رأت بنو أرتق نهج الرّشاد به ... وليس كلّ زناد في الدّجى يوري
كم عصبة مذبدا سوء الخلاف بها ... بادت بصارم عزم منه مشهور
مشوا كمشي القطا، حتى إذا حملوا ... ثقل القيود مشوا مشي العصافير
إن كان بالجوسق النّعمان ساد، فكم ... من جوسق لك بالشّعبين معمور (( ١ ))
في كلّ مستصعب الأرجاء ممتنع ... تبنى القناطير فيه بالقناطير
لا أدّعي العذر عن تأخير قصدكم ... ليس المحبّ على بعد بمعذور
(٢٢٩) بل إن غدا طول بعدي عن جنابكم ... ذنبي العظيم فهذا المدح تكفيري
فاستجل بكر قريض لا صداق لها ... سوى القبول وودّ غير مكفور
على (أبي الطيّب) الكوفيّ مفخرها ... إذ لم أضع مسكها في مثل (كافور)
رقّت لتعرب عن رقّي لمجدكم ... حبّا وطالت لتمحو ذنب تقصيري
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
يا من يعير الغصن لين قوامه ... ويغير بدر التّمّ عند كماله
ما حلّت الواشون ما عقد الهوى ... تفنى الليالي والغرام بحاله
وقوله: (( ٧ )) [الكامل]
زوّجت أبكار الظّبا بنفوسهم ... وجعلت أطراف الرماح شهودا
كفروا فآمنت الرءوس لأنها ... خرّت لسيفك ركّعا وسجودا
وجرت على الخيل الدماء مذالة ... فكأنما كسيت بهنّ جلودا
بقساور قلّت عديدا في الوغى ... ومن الشجاعة أن تقلّ عديدا (( ١ ))
رفضوا الدروع عن الجسوم وأسبغوا ... فوق الجسوم من القلوب حديدا
وقوله: (( ٢ )) [الوافر]
ومجلسنا الأنيق تضيء فيه ... أواني الرّاح من ورق وعين
فأطلقنا فم الإبريق فيه ... وبات الزّقّ مغلول اليدين
وشمعتنا شبيه سنان تبر ... تركّب في قناة من لجين
ونحن نزفّ أعياد النّصارى ... بشطّ محوّل والرّقمتين (( ٣ ))
نوحّد راحنا من شرك ماء، ... ونولع في الهوى بالمذهبين
وورد كالمداهن من عقيق ... وقدّاح كأزرار اللّجين (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [الطويل]
وبكر فلاة لم تخف وطء طامث ... ولا افتضّها من قبل مهري ناكح
كشفت خمار الصّون عن حرّ وجهها ... ضحى، ولثام الصّبح في الشرق طائح
(٢٣٠) وأنكحتها يقظان من نسل لاحق ... فأمست به مع عقمها وهي لاقح
من الشّهب في إدراكه الشّهب طامع ... فناظره نحو الكواكب طامح
أخوض به بحر الدّجى وهو راكد ... وأورده حوض الضّحى وهو طافح (( ٦ ))
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
أهلا بها كالقضب في كثبانها ... جعلت شواظ النّار من تيجانها
باحت أسرّة وجهها بسرائر ... ضاقت صدور النّاس عن كتمانها
وقوله: (( ٢ )) [السريع]
أهلا بشهب عند إشراقها ... يحكي الدّجى من نورها الواضح (( ٣ ))
ينضب بحر اللّيل إذ تغتدي ... ناهلة من لجّه الطّافح
كأنّما إيماضها عزمة ... من عزمات الملك الصّالح
وقوله: (( ٤ )) [الخفيف]
يا ضعيف الجفون أضعفت قلبا ... كان قبل الهوى قويّا مليّا
لا تحارب بناظريك فؤادي ... فضعيفان يغلبان قويّا
وقوله: (( ٥ )) [السريع]
ما زال كحل النّوم في ناظري ... من قبل إعراضك والبين
حتى سرقت الغمض من مقلتي ... يا سارق الكحل من العين
وقوله: (( ٦ )) [الوافر]
تنبّأ فيك قلبي فاسترابت ... به قوم وعمّهم الضّلال
وصدّهم الهوى أن يؤمنوا بي ... وقالوا: إن معجزه محال
فمذ سلّمت سلّمت البرايا ... إليّ، وقيل: كلّمه الغزال
وقوله: [السريع]
وربّ ليل خضت تيّاره ... بأدهم يسبق جري الرّياح
محجّل الأربع ذي غرّة ... ميمونة الطّلعة ذات اتّضاح
كأنّه قد شقّ بحر الدّجى ... وبعده خاض غدير الصّباح
(٢٣١)
لم تعلم الأبصار في جريه ... قادمة خفّت به أم جناح
وقوله: (( ١ )) [الوافر]
لحى الله الطّبيب لقد تعدّى ... وجاء لقلع ضرسك بالمحال
أعاق الظّبي في كلتا يديه ... وسلّط كلبتين على غزال
وقوله: (( ٢ )) [السريع]
قلوبنا مودعة عندكم ... أمانة يعجز عن حملها
إن لم تصونوها بإحسانكم ... ردّوا الأمانات إلى أهلها (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [الوافر]
لعمرك ما تجافى الطّيف جفني ... لفقد الغمض إذ شطّ المزار (( ٥ ))
ولكن زارني من غير وعد ... على عجل فلم ير ما يزار
وقوله: (( ١ )) [مجزوء الكامل]
عاتبت من أهواه في ... هجري وأكثرت الملامه
فأجابني: أقللت حب ... بك لي فأبديت الجهامه
فأجبت: إنّ كرامتي ... فرض عليك إلى القيامه
فأجابني: من لا له ... حبّ فليس له كرامه (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [الوافر]
وساق من بني الأتراك طفل ... أتيه به على جمع الرّفاق
أملّكه قيادي وهو رقّي ... وأفديه بعيني وهو ساقي
وقوله: (( ٤ )) [الوافر]
خفيّ الكيد تعرفه المنايا ... إذا ما أنكر السّيف النّجادا
ترى الأسياف قد مطرت نجيعا ... إذا أوداجه قطرت مدادا
وقوله: (( ٥ )) [المتقارب]
ولا تطلبوا ما بأيدي الأنام ... تصيروا بذلك أعداءهم
(٢٣٢) لذلك قد قال رب العباد ... ولا تسألوا الناس أشياءهم
وقوله: (( ٦ )) [الكامل]
قال العذول: لم اعتزلت عن الورى ... وأقمت نفسك في المقام الأوهن (( ١ ))
ناديت طالب راحة، فأجابني ... أتعبتها بطلاب ما لم يمكن
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
اسمع مخاطبة الجليس ولا تكن ... عجلا بنطقك قبلما تتفهّم
لم تعط مع أذنيك نطقا واحدا ... إلّا لتسمع ضعف ما تتكلّم
وقوله: (( ٣ )) [السريع]
أنا الذي خالفت كلّ الورى ... في خبر أثبته الوقت
لما أتاني عمر زائرا ... أنمته ثمّ تنبّهت
وقوله: (( ٤ )) [الخفيف]
ومليح له رقيب قبيح ... يتعنّى وغيره يتهنّى
وليس فيه معنى يقال ولكن ... هو عند النحاة جاء لمعنى
وقوله: (( ٥ )) [الوافر]
عرضنا أنفسا عزّت لدينا ... عليكم فاستخفّ بها الهوان
ولو أنّا دفعناها لعزّت ... ولكن كلّ مجلوب مهان
وقوله: (( ٦ )) [الوافر]
ويظهر منك زور وازورار ... فلي في عود صحبته الخيار
أتهجرني وما أسلفت ذنبا ... إذا اختلّ الخليل لغير ذنب
قلت: انظر إلى هذا الشعر ما أظرفه، وما أرقّ مزاج كأسه وألطفه. ولقد أحسن إذ قال: فلي في عود صحبته الخيار. إذ كان لا يعرف ما يلجأ إليه وقت الاضطرار، فإن المرء قد يهون عليه قدر البلوى قبل وقوعها، ثم لا يجدها من نفسه إذا وقعت. ولقد تطارف في قوله: (( ١ )) [الوافر]
(٢٣٣) إذا صدّ الحبيب لغير ذنب ... وقاطعني وأعرض عن وصالي
أمثّله وأنكح عند صلحي ... بأير الفكر في ثقب الخيال
وقوله: (( ٢ )) [الطويل]
تزوّج شيخ في جواري صبيّة ... فلم يستطع غشيانها حين جاءها
ولو أنني بادرتها لتركتها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
وقوله في رجل اسمه أحمد، كان يرمى بابنة، وهو يدّعي حبّ غلام اسمه عمر: (( ٣ )) [المتقارب]
توالت على أحمد ابنة ... فأقبل يشكو إليّ الألم
فقلت له: إنها فتنة ... فنبّه له فتنة ثم نم
وقوله في غلام اسمه لؤلؤ: (( ٤ )) [الكامل]
وصفوك عندي بالجواد فلم أزل ... متعجّبا حتّى رأيتك تركب
وعجبت إذ سمّتك أمّك لؤلؤا ... فكأنها علمت بأنك تثقب
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
وبه الجواري المنشآت كأنّها ... أعلام بيد أو فروع قنان
نهضت بأجنحة القلوع كأنّها ... عند المسير تهمّ بالطّيران
والماء يسرع في التّدفّق كلّما ... عجلت عليه يد النّسيم الواني
طورا كأسنمة القلاص وتارة ... متفتّل كأكارع الغزلان
ومنه قوله: [الكامل]
نسج الغبار على الجياد مدارعا ... موصولة بمدارع الفرسان
ودما بأذيال الدروع كأنّه ... حول الغدير شقائق النّعمان (( ٢ ))
وفلك حدّ جموعهم بصوارم ... ككراك نافرة عن الأجفان
وقوله: (( ٣ )) [الخفيف]
قيل إنّ العقيق يبطل السّح ... ر تختيمه لسر حقيقي (( ٤ ))
فأرى مقلتيك تنفث سحرا ... وعلى فيك خاتم من عقيق
(٢٣٤) وقوله: (( ٥ )) [مخلع البسيط]
ورنّح الرّقص منه عطفا ... حفّ به اللطف والدخول
فعطفه داخل خفيف ... وردفه خارج ثقيل
وقوله: (( ١ )) [الخفيف]
حرّضوني على السلوّ وعابوا ... لك وجها به يعاب البدر
حاش لله ما لعذري وجه ... في التّسلّي ولا لوجهك عذر
وقوله: (( ٢ )) [البسيط]
وقهوة كوميض البرق صافية ... كأنّها من أديم الشّمس قد رشحت
رقيقة الجرم يستخفي الزّجاج بها ... كأنّها دون جرم الكأس قد سفحت
باكرتها وعيون الشّهب قد غمضت ... خوف الصّباح وعين الشمس قد فتحت
وبشّرت بوفاة اللّيل ساجعة ... كأنّها في غدير الصّبح قد سبحت
مخضوبة الكفّ لا تنفكّ نائحة ... كأنّ أفراخها في كفّها ذبحت
ومنها قوله:
تلوي يداه صفاح الهند عن غضب ... حتى إذا ظفرت عن قدرة صفحت
ما إن تزال مقاليتا خزائنه ... لأنّها بوليد المال ما فرحت
أثنت عليه بنو الآمال حين غدا ... يعطي القرائح منهم فوق ما اقترحت (( ٣ ))
قالوا: وردنا نداه، قلت: عادته ... قالوا: وجادت يداه، قلت: ما برحت
وله في طلب ثأر خاله صفي الدين محاسن بن محاسن أشعار تحرّك بها القرائح، وتحرض على جمع ذلك الدم الطائح. وسآتي على بعض ينبئ عن الكل، ويظهر الكثر منه بالقل، وإن لم يكن كلّ ما أورد منها نادرا من شرط الاختيار، لتعلق بعض الساقط بالمختار، على أنه ليس في شعره ساقط، ولا في نجومه هابط.
فمنها قوله يخاطب أحد أعمامه عقيب واقعة جرت لهم بالعراق، وأجرت كلّ دم مهراق، وهو: (( ١ )) [البسيط]
(٢٣٥) ما دام وعد الأماني غير منتجز ... فطول مكثك منسوب إلى العجز
هذي المغانم فامدد كفّ منتهب ... وفرصة الدّهر فاسبق سبق منتهز
واغز العدى قبل تغزونا جيوشهم ... إنّ الشّجاع إذا ملّ الغزاة غزي
والق العدوّ بجأش غير محترس ... من المنايا وجيش غير محترز
ما عذرنا وبنو الأعمام ليس بهم ... نقص ولا في صفاح الهند من عوز (( ٢ ))
وكلّ ذي صمم في كفّ ذي همم ... وكلّ ذي ميس في كفّ ذي ميز
فاقمع بنا الضّدّ ما دامت أوامرنا ... مطاعة، ومعالينا على نشز
إنّ الولاية ثوب قد خصصت به ... جاءت كفافا فلم تفضل ولم تعز
ومنها ما كتبه إلى بعض الأصحاب يعتبه لتأخره عن المساعدة، وهو قوله: (( ٣ )) [السريع]
وعدت جميلا وأخلفته ... وذلك بالحرّ لا يجمل
وقلت بأنّك لي ناصر ... إذا قابل الجحفل الجحفل
وكم قد نصرتك في معرك ... تحطّم فيه القنا الذّبّل
بذا يتفاوت قدر الرّجا ... ل فتعلم أيّهم الأكمل
كما قاله الصّقر في عزّة ... به حين فاخره البلبل
وقال: أراك جليس الملو ... ك ومن فوق أيديهم تحمل
وأنت كما علموا أخرس ... وعن بعض ما قلته تنكل
وأحبس مع أنّني ناطق ... وحالي عندهم مهمل (( ١ ))
فقال: صدقت ولكنّهم ... بذاك دروا أنّني الأفضل
لأنّي فعلت وما قلت قطّ ... وأنت تقول، ولا تفعل
ومنها قوله، وقد أخذ بثأره، وتقاضاه ببتّاره، وبرد غليله بأخذ دمه، وتخليق صدر السيف بعندمه، وانطفأ لاعج أواره، وسكن قلق جهد ولم يواره، وهو: (( ٢ )) [البسيط]
(٢٣٦) سل الرّماح العوالي عن معالينا ... واستشهد البيض هل خاب الرّجا فينا
وسائل العرب والأتراك ما فعلت ... في أرض قبر عبيد الله أيدينا
لمّا سعينا فما رقّت عزائمنا ... عمّا نروم ولا خابت مساعينا
يا يوم وقعة زوراء العراق وقد ... دنّا الأعادي كما كانوا يدينونا
بضمّر ما ربطناها مسوّمة ... إلّا لنغزو بها من بات يغزونا
وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم ... لقولنا أو دعوناهم أجابونا
قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة ... يوما وإن حكّموا كانوا موازينا
إنّ الزّرازير لمّا قام قائمها ... توهّمت أنّها صارت شواهينا
بيادق ظفرت أيدي الرّخاخ بها ... ولو تركناهم صاروا فرازينا (( ٣ ))
ذلّوا بأسيافنا طول الزّمان فمذ ... تحكّموا أظهروا أحقادهم فينا
لم يغنهم مالنا عن نهب أنفسنا ... كأنّهم في أمان من تقاضينا
أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا ... حتى حملنا فأخلينا الدّواوينا
ثمّ انثنينا وقد ظلّت صوارمنا ... تميس عجبا وتهتزّ القنا لينا
وللدّماء على أثوابنا علق ... بنشره عن عبير المسك يغنينا
إنّا لقوم أبت أخلاقنا شرفا ... أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيض صنائعنا سود وقائعنا ... خضر مرابعنا حمر مواضينا
لا يظهر العجز منّا عن بلوغ منى ... ولو رأينا المنايا في أمانينا (( ١ ))
ما أعوزتنا فرامين نصول بها ... إلّا جعلنا مواضينا فرامينا (( ٢ ))
نغشى الخطوب بأيدينا فندفعها ... وإن دهتنا دفعناها بآدينا (( ٣ ))
ومن غرر محاسنه، ودرر قلائده، أرجوزته المزدوجة ذات التخميس، التي ضمنها رمي البندق، وذكر فيها طير الواجب، وهي: (( ٤ )) [الرجز]
دارت على الدّوح سلاف القطر ... فرنحت أعطافه بالسّكر
ونبّه الورق نسيم الفجر ... فغرّدت فوق الغصون الخضر
(٢٣٧)
تغني عن العود وصوت الزّمر
تبسّمت مباسم الأزهار ... وأشرق النّوّار بالأنوار
وظلّ عقد الطّلّ في نثار ... وباكرتها ديم الأمطار
فكلّلت تيجانها بالدّرّ
قد أقبلت طلائع الغيوم ... إذ أذن الشّتاء بالقدوم
فمذ حداها سائق النّسيم ... جفّت ربى العقيق والغميم (( ٥ ))
وباكرت أرض دياربكر
أما ترى الغيم الجديد قد أتى ... مبشّرا بالقرب من فصل الشّتا
فاعقر همومي بالعقار يا فتى ... فترك أيّام الهنا إلى متى؟
وإنّها محسوبة من عمري
فانهض لنهب فرصة الزمان ... فلست من فجواه في أمان
واشرب على النّايات والمثاني ... إنّ الخريف لربيع ثان (( ١ ))
كأنّه بالصّرع عيد النّحر
هذي الكراكي نحونا قد قدمت ... فاقدة لإلفها قد عدمت
لو علمت بما تلاقي ندمت ... فانظر إلى أخياطها قد نظمت (( ٢ ))
شبه حروف نظمت في سطر
تذكّرت مربعها فشاقها ... فأقبلت حاملة أشواقها (( ٣ ))
تجيل في مطارها أحداقها ... تمدّ من حنينها أعناقها
لم تدر أنّ مدّها للجزر
يا سعد كن في حبّها مساعدي ... فإنّها مذ عشت من عوائدي
ولا تلم من بات فيها حاسدي ... فلو ترى طير عذار خالد
أقمت في حبّ العذار عذري
طير بقدر أنجم السّماء ... مختلف الأشكال والأسماء
إذا جلا الصّبح دجى الظّلماء ... يلوح من فوق طفيح الماء (( ١ ))
شبه نقوش خيّلت في ستر
في لجّة الأطيار كالعساكر ... فهنّ بين وارد وصادر (( ٢ ))
جليلها ناء عن الأصاغر ... محدودة منذ عهود النّاصر
معدودة في أربع وعشر
(٢٣٨) شبيطر ومرزم وكركي ... وصنف تمّ وإوزّ تركي (( ٣ ))
ولغلغ يشبه لون المسك ... والكيّ والعنّاز يا ذا الشّكّ
ثمّ العقاب مقرن بالنّسر (( ٤ ))
ويتبع الغرنوق صنف مبدع ... أنيسة إنسيّة إذ تصرع
والصّوغ والحبرج فهي أجمع ... خمس وخمس كملت وأربع
كأنّها أيّام عمر البدر
فابكر إلى دجلة والأقطاع ... فإنّها من أحمد المساعي
واعجب لما فيها من الأنواع ... من سائر الجليل والمراعي
وضجّة الشّيق وصوت الخضر
ما بين تمّ ناهض وواضع ... وبين نسر طائر وواقع
وبين كيّ خارج وراجع ... ونهضة الطّير من المرابع (( ١ ))
كأنّها أمثال غيم تسري (( ٢ ))
أما ترى الرّماة قد ترسّموا ... ولارتقاب الطّير قد تقسّموا
بالجفت قد تدرّعوا وعمّموا ... لّما على سفك دماها صمّموا
جاؤوا إليها في ثياب حمر
قد فزعوا عن كلّ عرب وعجم ... وأصبحوا بين الفيافي والأكم (( ٣ ))
من كلّ نجم بالسّعود قد نجم ... وكلّ بدر بشهاب قد رجم
عن كلّ محنيّ شديد الظّهر
محنّية في رفعها قد أدمجت ... أدركها التّثقيف لّما عوّجت
قد كبست بيوتها وسرّجت ... كأنّها أهلّة قد أخرجت
بنادقا مثل النّجوم الزّهر
قد جوّدت أربابها متاعها ... وأتعبت في حزمها صنّاعها
وهذّبت رماتها طباعها ... إذا لمست خابرا أقطاعها
حسبتها ملمومة من صخر (( ٤ ))
إذا سمعت صرخة الجوارح ... تصبو إلى أصواتها جوارحي
وإن رأيت أجم البطائح ... ولم أكن ما بينها بطائح
يضيق عن حمل الهموم صدري
من لي بأنّي لا أراك سائحا ... (٢٣٩) بين المرامي غاديا ورائحا (( ١ ))
لو كان لي دهري بذاك سامحا ... فالقرب عندي أن أبيت نازحا
أقطع في البيداء كلّ قفر
نذرت للنّفس إذا تمّ الهنا ... وزمّت العيس لإدراك المنى
أن أقرن العزّ لديها بالغنى ... فمذ رأت أنّ الرّحيل قد دنا (( ٢ ))
فطالبتني بوفاء نذري
تقول لي لّما جفاني غمضي ... وأنكرت طول مقامي أرضي
وعاقني صرف الرّدى عن نهضي ... ما للّيالي أولعت بخفضي
كأنّها بعض حروف الجرّ
فامض ركاب العزم في البيداء ... وازور بالعيس عن الزّوراء (( ٣ ))
ولا تقم بالموصل الحدباء ... إنّ شهاب القلعة الشّهباء
يحرق شيطان صروف الدّهر
نجم به الأنام تستدلّ ... من عزّ في حماه لا يذلّ
في القرّ شمس والمصيف ظلّ ... وبل على العفاة مستهلّ
أغنى الأنام عن هتون القطر
وقال في الفهد: (( ١ )) [الرجز]
ويوم دجن معلم البردين ... سماؤه بالغيم في لونين
كأنّها وقد بدت للعين ... فيروزج يلمع باللّجين
قضيت فيه بالسّرور ديني ... وسرت أفلي مفرق الشّعبين
بأدهم محجّل الرّجلين ... سبط الأديم مطلق اليدين
خصب الغطاة ماحل الرّسغين ... وسرب وحش مذ بدا لعيني
عارضته في منتهى السّفحين ... بأرقط مخطّط الأذنين
ناتي الجبين أهرت الشّدقين ... أفطس سبط الشّعر صافي العين
ينظر في اللّيل بجمرتين ... ذي كحل سال من العينين
فخطّ لامين على الخدّين ... محدّد النّابين والظّفرين
كأنّما يكشر عن نصلين ... ليس لها عهد بضرب قين
(٢٤٠) رقيق لحم الزّند والسّاقين ... ذي ذنب أملس غير شين
فخاتل السّرب بخطوتين ... وأردف الخطو بوثبتين
فكان فيها كغراب البين ... فرّقها قبل بلوغ الحين
ونال منها أعفر المتنين ... أجيد مصقول الإهاب زين
جدّله في ملتقى الصّفّين ... ولم يحل ما بينه وبيني
نلت بمهري وبه كفلين ... يالهما للصّيد عدّتين
لا يحسن اللهو بغير ذين
وقال في ذلك: (( ٢ )) [الرجز]
وليلة في طول يوم العرض ... سماؤها من دكنه كالأرض
مخضت فيها العيش أيّ مخض ... وفزت فيها بالنّعيم المحض
وغضّ جفن الدّهر أيّ غضّ ... فبتّ من صروفه أستقضي
أرفع قدر عيشتي بالخفض ... لا أكحل الجفن بها بغمض
مع كلّ ساق كالقضيب الغضّ ... يدير راحا بالسّرور يقضي
ساطعة كالبرق عند الومض ... حتى إذا آن قضاء الفرض (( ١ ))
وشقّ جيب الفلق المبيضّ ... عرضت خيلي فأجدت عرضي
واخترت منها سابقا لي يرضي ... يفوت لمح الطّرف حين يمضي
كأنّما الأرض به في قبضي ... لا فرق بين طوله والعرض
جعلته وقاية لعرضي ... ثمّ غدوت لمرامي أقضي
من كلّ سرب شارد منقضّ ... بأرقط الظّهر صقيل بض
كسبج في ذهب مرفضّ ... أهرت رحب الصّدر نائي الغمض (( ٢ ))
مستثقل الشّلو خفيف النّهض ... عريض بسط الكفّ عند القبض
مدرّب النّاب لغير عضّ ... منتصب الأذنين عند الرّكض (( ٣ ))
فخاتل السّرب بغير وفض ... منخفضا للختل أيّ خفض (( ٤ ))
(٢٤١)
مصافحا بالبطن ظهر الأرض ... يجسّها بالكفّ جسّ النّبض
حتى إذا أمكن قرب البعض ... عاجلها كالكوكب المنقضّ
فعانق الأكبر عند النّهض ... عناق ذي حبّ لربّ بغض
فهاض منه العظم عند الهضّ ... ورضّ منه الصّدر أيّ رضّ (( ١ ))
فقمت أسعى خيفة أن يقضي ... خضّبت كفّي بالدم المرفضّ
أرضيته من نحره ببرض ... وعدت مسرورا بعيش مرض (( ٢ ))
راض من الدّهر بما لي يرضي ... أغضّ عن زلّاته وأغضي
وقال فيه: (( ٣ )) [الرجز]
وأهرت الشّدقين محبوك المطا ... محدّد الأنياب مرهوب السّطا (( ٤ ))
أفطس تبري الإهاب أرقطا ... كلون تبر بمداد نقّطا
ألبسه الخالق حسنا مفرطا ... وخطّ في الخدّين منه خططا
مستثقل الجسم خفيف إن خطا ... مجرّب الإقدام مأمون الخطى
يسبق في إرساله كدر القطا ... أضحى على قنيصه مسلّطا
حتى إذا من العقال نشطا ... وفى لنا فعلا بما قد شرطا
قلت وقد بتّ به مغتبطا ... والشّلو من قنيصه معتبطا
بذاك أم بالخيل تعدو المرطى (( ٥ ))
وقال يصف الكلب: (( ٦ )) [الرجز]
وأخطل من الكلاب أعصل ... يخال مرحوضا وإن لم يغسل (( ٧ ))
أعصم مثل الفرس المحجّل ... مختصر الشّلو ثقيل المحمل
منفسح الهامة ناتي المقل ... آذانه كالسّوسن المهدّل
منسرح الزّور فسيح الكلكل ... منهضم الخصر عريض الكفل
ذي أيطل خال ومتن ممتلي ... خصيب أعلى العضد محل الأسفل
قصير عظم السّاعد المفتّل ... مقتصر الأيدي طويل الأرجل
(٢٤٢) مزدحم الأطفار ثبت العضل ... ذي ذنب سبط قصير أفتل
أملس في دقّته كالمغزل ... يبيت غضبان إذا لم يرسل
قيد الأراوى وعقال الأيّل ... رعت به سرب الظباء الجفّل
فاعتصمت منه بأعلى الجبل ... حتى إذا انقضّ انقضاض الأجدل
فما ارتضى منها بدون الأوّل ... غادره مجندلا في الجندل
فظلّ صحبي في نعيم مقبل ... لهم غريض لحمه والشكر لي
وقال في صيد النعام: (( ١ )) [الرجز]
وربّ يوم أدكن القتام ... ممتزج الضّياء بالظّلام
سرنا به لقنص الآرام ... والصّبح قد طوّح باللّثام
كراقد هبّ من المنام ... بضمّر طامية الحوامي (( ٢ ))
معتادة بالكرّ والإقدام ... تحجم في الحرب عن الإحجام
حتى إذا آن ظهور الجام ... والبرّ بالآل كبحر طام (( ٣ ))
عن لنا سرب من النّعام ... مشرفة الأعناق كالأعلام
فاغرة الأفواه للهيام ... كأينق فرّت من الزّمام (( ١ ))
وحش على مثنى من الأقدام ... مل طير تدعى وهي كالأنعام (( ٢ ))
تطير بالأرجل في الموامي ... كأنّما أعناقها السّوامي (( ٣ ))
أراقم قد قمن للخصام ... فحين همّ السّرب بانهزام
ألجمت القسيّ بالسّهام ... وأرسل النّبل كوبل هام
فعنّ رأل عارض أمامي ... كأنّما درّع بالظّلام
نيطت جناحاه بعنق سام ... كأنّها في حسن الالتئام
هاء شقيق وصلت بلام ... عارضته تحت العجاج السّامي
بسابق ينقضّ كالقطامي ... خلو العنان مفعم الحزام (( ٤ ))
يكاد يلوي حلق اللّجام ... ذي كفل راب وشدق دام
(٢٤٣) وصفحة ريّا ورسغ ظام ... فحين وافى عارضا قدامي
أثبتّ في كلكله سهامي ... فمرقت في اللّحم والعظام
فخرّ مصروعا على الرّغام ... قد ساقه الخوف إلى الحمام
فأعجب الصّحب به اهتمامي ... حتى اغتدى كلّ من الأقوام
يقول: لا شلّت يمين الرّامي
وقال يصف فرسا أدهم محجلا: (( ٥ )) [البسيط]
وأدهم يقق التّحجيل ذي مرح ... يميس من عجبه كالشّارب الثّمل
مطهّم مشرف الأذنين تحسبه ... موكّلا بارتقاب السّمع عن زحل (( ١ ))
ركبت منه مطاليل تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرّت بهاديه وانحطّت على الكفل
قلت: وهذا معنى ظنّه أبا عذرته، وهو لابن السراج. ولقد اجتمعنا ليلة نحن، وهو عند شيخنا شهاب الدين محمود، ودار بيننا في هذا ما ليس هذا موضعه، إلّا أنه لم يسعه الجحود. عدنا إلى ذكره فنقول، وله: (( ٢ )) [الكامل]
شكرتك عني شاردات قصائد ... بصنائع فاهت بشكر صنائع
تنفي الحداة بها عن الجفن الكرى ... وتخيط من طرب جفون السامع
وله: (( ٣ )) [الوافر]
غدا رجب يؤمّن حين أدعو ... لمجدك أن يزيد به ارتقاء
أصمّ ظلّ مستمعا دعائي ... فها أنا أسمع الصّمّ الدّعاء
وله: (( ٤ )) [الطويل]
قدمت، وقد لاح الهلال مبشّرا ... بعودك، إنّ السّعد فيه قرينه
ويخبر أنّ النّصر فيه مقدّر ... ألم تره قد لاح في الغرب نونه
وله: (( ٥ )) [الكامل]
قوم يعزّون النّزيل، فطالما ... بخل الحيا، وأكفّهم لم تبخل (( ١ ))
(٢٤٤) يفنى الزّمان وفيه رونق ذكرهم ... كبلى القميص، وفيه عرف المندل (( ٢ ))
قلت: هذا هو العذب المنسجم الذي لا كلفة عليه، ولا تقعر فيه. قوي التركيب، حسن الأساليب، لا كما رغب فيه أهل العصر من حبّ اللين الذي لا يتماسك رغبة في التورية، التي لا تسع أفهامهم سواها من البديع، ولا تعرف غيره من الحسن.
عدنا إلى تتمة مختاره. ومنه على مذهب المديح، قوله: (( ٣ )) [البسيط]
يقبّل الأرض عبد تحت ظلّكم ... عليكم بعد فضل الله يعتمد
ما دار ميّة من أسنى مطالبه ... يوما، وأنتم له العلياء والسّند
وله: (( ٤ )) [الخفيف]
حرّضوني على السّلو وعابوا ... لك وجها به يعاب البدر
حاش لله ما لعذري وجه ... في التّسلّي ولا لوجهك عذر
وله: (( ٥ )) [الطويل]
وخلّ دعاني للصّبوح أجبته ... وقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
وأبرزها صفراء تحسب كأسها ... غشاء من البلّور يحمل كهربا (( ٦ ))
وله: (( ١ )) [الطويل]
وراح لها طبع كعكس حروفها ... تصيّر ضيق الصدر من حرّها رحبا (( ٢ ))
إذا لمعت في الليل غرّة وجهها ... تصيّر دهم الليل من نورها شهبا (( ٣ ))
وله: (( ٤ )) [الخفيف]
قد أتانا الربيع والزهر يبدي ... لهبا خلته مشاعل جمر
وبدا النرجس المحدّق يحكي ... شائبا فوق رأسه طاس تبر
وله: (( ٥ )) [المديد]
وشدت في الدّوح صادحة ... بضروب السجع والملح
كلما ناحت على شجن ... خلتها غنّت على قدح
وله: (( ٦ )) [الوافر]
وراح في لجين الكأس تحكي ... بصفرة لونها ذوب النّضار
(٢٤٥) وقد عقد الحباب لها نطاقا ... لمعصم كأسها شبه السّوار
وله: (( ٧ )) [البسيط]
قد مرّ لي ليلة بالدّير صالحة ... مع كلّ ذي طلعة بالبدر مشتبه
وقد عزمت بأن أغشاه ثانية ... فهل تعين على غيّ هممت به
وله: (( ١ )) [الوافر]
ولما شاقنا نظم بديع ... وقد أرخى المدام لنا نقابا
جعلنا الماء شاعرنا فلما ... جرت في فكره نظم الحبابا
وله: (( ٢ )) [الخفيف]
إن أكن قد جنيت في السّكر ذنبا ... فاعف عنّي يا راحة الأرواح
أيّ عقل يبقى هناك لمثلي ... بين سكر الهوى وسكر الرّاح
قلت: وهذا وإن كان متداولا، قد ابتذلته الألسنة، فإنه عذب سائغ شرابه، لذيذ يطرب سماعه، يهز الأعطاف، ويحرك الجماد، وهكذا شأن كل كلمه، وجميع قوله، حتى تجربة قلمه. ومن بقية ما له قوله: (( ٣ )) [المنسرح]
قد أضحك الرّوض مدمع السّحب ... وتوّج الزّهر عاطل القضب
وقهقه الورد للصّبا فغدا ... تملأ فاه قراضة الذّهب (( ٤ ))
وأقبلت بالرّبيع محدقة ... كتائب لا تخلّ بالأدب
فغصنها قائم على قدم ... والكرم جاث له على الرّكب
وقوله: (( ٥ )) [المتقارب]
وللنّرجس الغضّ ما بيننا ... وجوه بحضرتنا ناضره
كأن تحدّق أزهارها ... عيون إلى ربّها ناظره
وقوله: (( ١ )) [مخلع البسيط]
جدت بخطّ بغير وجه ... ذاك حال عليّ يبطي
وليس ذا مذهبي، ولكن ... أريد وجها بغير خطّ (( ٢ ))
(٢٤٦) وقوله: (( ٣ )) [الطويل]
عذرتك إذ حالت خلائقك التي ... أطلت بها باعي وقصّرت آمالي
لأنّك دنياي التي هي فتنتي، ... فلا عجب ألّا تدوم على حال
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
يا مالكا أصبح لي صارما ... أعدّه يوم الوغى للضّراب
حاشاك أن ترضى بقول العدى ... سيفك هذا لا يفكّ القراب
وقوله: (( ٥ )) [الخفيف]
يا مهيني عند المغيب ومبد ... مع حضوري خضوع عبد لمولى
لا تقم لي مع التّقاعد عنّي ... فقيام النّفوس بالودّ أولى
وقوله: (( ٦ )) [الكامل]
حالي وحالك كالهلال وشمسه ... مذ أكسبته النّور في إشراقه
فإذا نأى عنها حظي بكماله ... وإذا دنا منها رمي بمحاقه
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
لّما استعرت من المهذّب جوخة ... ولّى وأولاني جفا وصدودا
حاولتها عاريّة مردودة ... فرجعت منها عاريا مردودا
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
إنّ البخيريّ مذ فارقتموه غدا ... يسفي الرّماد على كانونه الحرب
لو شئتم أنّه يمسي أبا لهب ... جاءت بغالكم حمّالة الحطب
وقوله: (( ٣ )) [السريع]
سألتكم ردّ جوابي فكم ... يد لكم من قبلها عندي
فقلّدونا منّة واعجبوا ... من سائل يقنع بالرّدّ
وقوله: (( ٤ )) [المتقارب]
تركت إجابة كتبي إليك ... لحقّ تشبّه بالباطل
(٢٤٧)
لأنّي سألتك ردّ الجواب ... ولا تعرف الرّدّ للسّائل
وقوله: (( ٥ )) [الخفيف]
كنت أخشى عذل العواذل حتى ... صرت مستثقلا لردّ جوابي
فتركت التّثقيل في بعث كتبي ... واستراحت عواذلي من عتابي
وقوله في ذم ماطل للوعود: (( ١ )) [البسيط]
لمّا تطاول بي إفراط مطلك لي ... وضاع وقتي بين العذر والعذل
أيقنت أن لست إنسانا لبطئك ذا ... لقوله خلق الإنسان من عجل
وقوله في طبيب يدعى إسحاق: (( ٢ )) [الطويل]
مباضع إسحاق الطّبيب كأنّها ... لها بفناء العالمين كفيل
معوّدة ألّا تسلّ نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
إني مدحتك كي أجيد قريحتي ... وعلمت أن المدح فيك يضيع
لكن رأيت المسك عند فساده ... يدنوه من بيت الخلا فيضوع (( ٤ ))
وقوله: (( ٥ )) [الكامل]
صدقوا بأنّ النّجم محتشم ... بالمال لا بالفضل والخطر
لكنّه مع فرط حشمته ... كقميص يوسف قدّ من دبر
قلت: هكذا فليكن التعريض الذي أسهل منه بري المدى، وقرض المقاريض على طول المدى. لقد أكل عرضه، وشرب ماء حياته، إذ عرّضه لهذا البلاء، ومزّقه كلّ ممزّق. وبمثل هذا تطيّر السّمع، ويضحك الأعداء.
عدنا إلى قوله ومنه: (( ١ )) [الخفيف]
طفلة غضّة الحياء من الدّل ... ل ولكن خدودها جمريّه
هي مع حسنها حريريّة ال ... جسم ولكن أشفارها صوفيّه
وهذا نظم مهزول، ومعنى مبذول، وللناس فيه شتى المحاسن.
عدنا (٢٤٨) وقوله: (( ٢ )) [الطويل]
وذات حر جادت به فصددتها ... وقلت لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خلقي بالرضى ... ولم يعل من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيها تجشأت ... وذاك ضراط لم يتم له نضج
وقوله: (( ٣ )) [الكامل]
ولقد تعاطيت اللواط فلم أجد ... علقا لأقسام الصناعة يكمل
بل ضاع بينهما الصواب فواسع ... يخرى عليّ وضيّق لا يدخل
وقوله: (( ٤ )) [الطويل]
ولم أنس إذ أولجت في النجم فيشة ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل (( ٥ ))
فقلت لها مهلا إذا رمت عودة ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
فمثل هذا التضمين وإلا فلا، ومثل هذه التورية وإلا فدع.
عدنا، وقوله في عمر: (( ١ )) [السريع]
أنا الذي خالفت قول الورى ... في خبر أثبته الوقت
لما أتاني عمر زائرا ... أنمته ثم تنبّهت
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
ولم أر كالمحبوب ليلة وصله ... وقد راضه لومي له وعتابيا
إذا كان غضبانا لقيني بوجهه ... وبالظهر يلقاني إذا كان راضيا
وقوله: (( ٣ )) [الطويل]
تعلّمت فعل الخير من غير أهله، ... وهذّب نفسي فعلهم باختلافه
أرى ما يسوء النّفس من فعل جاهل، ... فآخذ في تأديبها بخلافه
قلت: وهذا مبتذل، إلّا أنه كما ابتذلت الشمس وهي محبوبة، ورزق النطاف وهي مشروبة، وخلاف النفس مشروع والحظ فيه، وللعلماء في النفس أقوال ليس هذا موضعها، ولا نرى في أفق الأدب (٢٤٩) مطلعها.
عدنا إلى قوله، ومنه: (( ٤ )) [المنسرح]
من لم تضمّ الضّيوف ساحته ... فستره أن تضمّه الحفره
ومن غدا عرضه المهلّب في النّا ... س غدا وجهه أبا صفره
وقوله: (( ٥ )) [الكامل]
عجبا لفودي بعد فقد شبيبتي ... وكأنّ ضوء الشّيب فيه ظلام (( ١ ))
لّما نضت عنه اللّيالي صبغها ... خلعت عليه ضياءها الأيّام (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [السريع]
لا غرو إن قصّ جناحي الرّدى ... فعذره في فعله واضح
يضرب عن ذي النّقص صفحا ولا ... يقصّ إلّا الدّرهم الرّاجح
قلت: والأشبه بهذا أن يكون قول ملك متظلم أعيا لحاقه القرناء، وعنّى بعده الأمثال، فوقفوا وجرت سلاهبه، وتصنّعوا وأتت طبعا مواهبه، تلتهب ذكاؤه والخلق تغشاه، وينهب نائله والأسد تخشاه. رأى نفسه فوق الجوزاء، وخدين الشهب الأغراء. قد جعل للآمال مآلفا، وللآمال ملتفا. يسدي الرّفد إلى أربابه، ويحسب المجد من آرابه، فبلي بداهية الدهر، وشنعاء الحادث النكر، وقدم عليه من لا يدرك أدنى شوطه إذ يسعى على مهل، ولا تقمص بخلق جلبابه إلا إذا فضل. فلم يجد إلا أن تنفّس الصعداء، ويتحمل الداء. لا يقعده إذا بدر إلا سابق القدر، وإلا فهو أوثب من أرقم، وأمرّ إذا غضب من علقم. لو قد قام لاقتاد دهم الليل في رسنه، واخضرّ الشجر مخبلا بوسنه، ولكنه فردد لا يغالب، وسؤدد هدر ما ثمّ من به يطالب.
عدنا إليه. قال أيضا في البازي: (( ٤ )) [الكامل]
قد ارتدى ذيل الصباح الأكهب ... والصّبح مثل الماء تحت الطّحلب (( ٥ ))
مثقّل الكفّ بباز أشهب ... منتصب القامة سامي المنكب
ذي عنق خصب ورأس مجدب ... عيونه مثل الجمان المذهب
(٢٥٠) قد بدّلت من سبج بكهرب ... محدّد المنسر شين المخلب
حتف الحبارى وعقال الأرنب ... مهذّب الخلق قليل الغضب
يرتاح للعود وإن لم يطلب ... كفاضل حاول حفظ المنصب
وقال: (( ١ )) [الطويل]
سوابقنا والنّقع والسّمر والظّبى ... وأحسابنا والحلم والبأس والبشر
هبوب الصّبا واللّيل والبرق والقضا ... وشمس الضّحى والطّود والنار والبحر
وقوله، وفيه استخدامان: (( ٢ )) [الطويل]
لئن لم أبرقع بالحيا وجه عفّتي ... فلا أشبهته راحتي في التّكرّم (( ٣ ))
ولا كنت ممّن يكسر الجفن في الوغى ... إذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم (( ٤ ))
وقال: (( ٥ )) [الكامل]
ولقد أسير على الضّلال ولم أقل ... أين الطّريق وإن كرهت ضلالي
وأعاف تسآل الدّليل ترفّعا ... عن أن يفوه فمي بلفظ سؤال
وقال: (( ٦ )) [الطويل]
ولائي لآل المصطفى عقد مذهبي ... وقلبي من حبّ الصّحابة مفعم
وما أنا ممن يستجيز بحبّهم ... مسبّة أقوام عليهم تقدّموا
ولكنّني أعطي الفريقين حقّهم ... وربّي بحال الأفضليّة أعلم
فمن شاء تعويجي فإنّي معوّج ... ومن شاء تقويمي فإنّي مقوّم
وقال: (( ١ )) [الكامل]
لما رأت علياك أني كالذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني ووفيت لي بمكارم ... فنداك لي صلة وأنت العائد
وقال: (( ٢ )) [مجزوء الكامل]
ولقد ذكرت القرب منك ... وطيب أيّامي الخوالي
فطفقت أصفق راحتيّ ... وعند صفقتها مقالي:
(٢٥١) كيف السّبيل إلى سعا ... د ودونها قلل الجبال
وقال: (( ٣ )) [الطويل]
وعود به عاد السّرور لأنّه ... حوى اللهو قدما وهو ريّان ناعم
يغرّب في تغريده وكأنّه ... يعيد لنا ما لقّنته الحمائم (( ٤ ))
وقال: (( ٥ )) [السريع]
عود حوى في الروض أعواده ... كلّ المعاني وهو رطب قويم (( ١ ))
فحاز شدو الورق في سجعه ... ورقّة الماء ولطف النّسيم
وقال في جملة وصف رسالة: (( ٢ )) [المتقارب]
فكم بكر معنى حوى طرسها ... وإن كان في حسن لفظ عوان
إذا ما شققت صدور البيوت ... وجدت بهنّ قلوب المعاني
وقال من أبيات: (( ٣ )) [الكامل]
وشدت فأيقظت الرقود بشدوها ... وأعارت الأيقاظ طيب رقودها
خود شدت بلسانها وبنانها ... حتى تشابه ضربها بنشيدها
وكأنّ نغمة عودها في صوتها ... وكأن رقّة صوتها في عودها
إنّي لأحسد عودها إن عانقت ... عطفيه أو ضمته بين نهودها
وأغار من لثم الكؤوس لثغرها ... وأذوب من لمس الحليّ لجيدها
وقال: (( ٤ )) [الوافر]
ومجلس لذّة أمسى دجاه ... يضيء كأنّه صبح منير
تجمّع فيه مشموم وراح ... وأوتار وولدان وحور
تلذّذت الحواس الخمس فيه ... بخمس يستتمّ بها السّرور
فكان الضّمّ قسم اللّمس فيه ... وقسم الذّوق كاسات تدور
وللسّمع الأغاني والغواني ... لأعيننا وللشّمّ البخور
وقال في إبريق: (( ١ )) [الوافر]
(٢٥٢)
وإبريق له بطن عجيب ... إذا ما أرسلت منه السّلاف (( ٢ ))
كتمتام تلجلج في حديث ... يردّد لفظه والتاء قاف (( ٣ ))
وقال في رواقص: (( ٤ )) [البسيط]
بحر من الحسن لا ينجو الغريق به ... إذا تلاطم أعطاف بأعطاف
ما حركته نسيم الرّقص من مرح ... إلّا وماجت به أمواج أرداف
وقال: (( ٥ )) [الوافر]
ليهنك أنّ لي ولدا وعبدا ... سواء في المقال وفي المقام
فهذا سابق من غير سين ... وهذا عاقل من غير لام
وقال في باب: (( ٦ )) [المتقارب]
وباب إذا أمّه قاصد ... رآه من الغيث أدنى وأندى
له الفتح دأب ومن شأنه ... يردّ وقاصده لن يردّا
وقال في النيل: (( ٧ )) [الطويل]
وفي النّيل إذ وفّى البسيطة حقّها ... وزاد على ما جاءه من صنائع
فما إن توفّى النّاس من منعم ... يشار إلى إنعامه بالأصابع
وقال: (( ١ )) [البسيط]
وكيف أنسى مليكا فضل أنعمه ... فرضي ونفلي في سرّي وإعلاني
جعلت نفسي كشطر اسمي لخدمته ... وكيف لا وهو عندي شطره الثّاني
وقال: (( ٢ )) [الطويل]
أحنّ إليكم كلّما ذرّ شارق ... ويشتاق قلبي كلّما مرّ خاطف
واهتزّ من خفق النّسيم إذا سرى ... ولولاكم ما حرّكتني العواصف
وقال: (( ٣ )) [الطويل]
رعى الله من فارقت يوم فراقهم ... حشاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا
ومن ظعنت روحي وقد سار ظعنهم ... فلم أدر أيّ الظّاعنين أشيّع
(٢٥٣) وقال: (( ٤ )) [الخفيف]
يا قرير العيون رقّ لعين ... فجّرتها دموعها تفجيرا
لم تطلّق من بعدك الغمض إلّا ... لترى منك نظرة وسرورا
وقال: (( ٥ )) [الكامل]
لي في ضميرك شاهد فيه غنى ... لك عن قراءة ما حوى قرطاسي
ولئن وقفت عليه معتبرا له ... ما في وقوفك ساعة من باس
وقال: (( ١ )) [الكامل]
ولقد ذكرتك والعجاج كأنّه ... ظلّ الغنيّ وسوء عيش المعسر
والشّوس بين مجدّل في جندل ... منّا وبين معفّر في معفر
فظنت أنّي في صباح مشرق ... بضياء وجهك أو مساء مقمر
وتعطّرت أرض الكفاح كأنّما ... فتقت لنا ريح الجلاد بعنبر
وقال: (( ٢ )) [الكامل]
ولقد ذكرتك والجماجم وقّع ... تحت السّنابك والأكفّ تطير
والهام في أفق العجاجة حوّم ... فكأنّها فوق النّسور نسور
فاعتادني من طيب ذكرك نشوة ... وبدت عليّ بشاشة وسرور
فظننت أنّي في مجالس لذّتي ... والرّاح تجلى والكؤوس تدور
وقال: (( ٣ )) [الكامل]
ولقد ذكرتك حين أنكرت الظّبى ... أغمادها وتعارفت في الهام
والنّبل من خلل العجاج كأنّه ... وبل تتابع من فروج غمام
فاستصغرت عيناني أفواج العدى ... وتتابع الأقدام في الإقدام
ووجّدت برد الأمن في حرّ الوغى ... والموت خلفي تارة وأمامي
وقال: (( ٤ )) [السريع]
غارت وقد قلت لمسواكها: ... أراك تجني ريقها يا أراك
قالت: تمنّيت جنى ريقتي ... وفاز بالتّرشاف منها سواك
(٢٥٤) وقال: (( ١ )) [الكامل]
يا من حمت عنّا مذاقة ريقها ... رفقا بقلب ليس فيه سواك
فلكم سألت الثّغر وصف رضابه ... فأبى وصرّح لي سفيه سواك
وقال: (( ٢ )) [الخفيف]
قد شهدنا فعل البلى بمغاني ... ك ودمع الغيوم فيها سجام
واقترضنا منها الدّموع فقالت: ... كلّ قرض يجرّ نفعا حرام
قلت: لقد أتى من الفقه بهذه اللطيفة. فإن قيل: فما الذي جرّه البكاء من النفع؟ قلنا: أشياء، نحو سقيا المعاهد، وإطفاء حر الفؤاد الواقد، وتخفيف ثقل البكاء عن العيون التي كثر بكاؤها. وقد قال الأول: وأثقل محمول على العين ماؤها. وقد ذكرت بالدمع بيتين كنت قلتهما، وإن لم يكن معناهما من هذا في: [الخفيف]
عما جرى لي من دموع كأنهنّ اللآلي (( ٣ ))
خففت وطأة الغرام ولكن ... غرقت في الجفون طيف الخيال
عدنا إليه. قال: (( ٤ )) [من الهزج]
ألا يا مالك الرّ ... قّ من ملّكك الرّقّا
إذا لم تقض أن أسعد ... لا تقض بأن أشقى
تصدّق بالذي يفنى ... وخذ أجر الذي يبقى
وذكّر عطفك الميّا ... ل والرّدف بما ألقى
وقال: (( ١ )) [المجتث]
وجه من البدر أحلى ... ومنه بالمدح أحرى
طرفي به يتحلّى ... وخاطري يتحرّى (( ٢ ))
بمنظر يتجلّى ... وناظر يتجرّى (( ٣ ))
خدّ يقرّ بقتلي ... وردفه يتبرّى
وقال: (( ٤ )) [الطويل]
ولم أنس إذ زار الحبيب بروضة ... وقد غفلت عنّا وشاة ولوّام
وقد فرش الورد الخدود ونشّرت ... لمقدمه للسّوسن الغضّ أعلام
(٢٥٥) أقول وطرف النّرجس الغضّ شاخص ... إلينا وللنمّام حولي إلمام
أيا ربّ! حتى في الحدائق أعين ... علينا وحتى في الرّياحين نمّام
قلت: وهكذا التورية، وبمثل هذا تضيء القريحة المورية. تأمل كيف بدأه:
أن الحبيب زاره بروضة، ثم ذكر مع كل من الزهر ما يناسبه ويدنو منه ويقاربه، حتى إذا انقضى من هذا أربه، عاد إلى مناسبة تتمة البيت الأول، وقد قال فيه:
وقد غفلت عنا وشاة ولوّام، ليستوفي معنى البيت الذي بنى عليه، فتظلّم من الحدائق، إذ لها أعين، وفيها نمّام، يعني النرجس والنمّام، وهذا في غاية التمام.
وقال: (( ١ )) [المتقارب]
رعى الله ليلتنا بالحمى ... وأمواه أعينه الزّاخره
وقد زين حسن سماء الغصون ... بأنجم أزهاره الزّاهره (( ٢ ))
وللنّرجس الغضّ ما بيننا ... وجوه بحضرتنا ناضره
كأنّ تحدّق أزهارها ... عيون إلى ربّها ناظره
وقال: (( ٣ )) [مخلع البسيط]
قال الحيا للنّسيم لمّا ... ظلّ به الزّهر في اشتغال
وضاع نشر الرّياض حتى ... تعطّرت بردة الشّمال
أما ترى الأرض كيف تثني ... عليّ منها لسان حالي
فاعجب لإقرارها بفضلي ... وسكرها بي وشكرها لي
وقال: (( ٤ )) [الخفيف]
خلياني أجرّ فضل برودي ... راتعا في رياض عين البرود
كم بها من بديع زهر أنيق ... كفصول منظومة وعقود
زنبق بين قضب آس وبان ... وأقاح ونرجس وورود
كجبين وعارض وقوام ... وثغور وأعين وخدود
وقال يعاتب من اعتذر بالثلج: (( ٥ )) [المنسرح]
(٢٥٦) عذرك بالثلج عن زيارتنا ... مبدولة باؤه من الكاف
والغير لما أراد زورتنا ... سعى إلينا من نشره حافي
وعندك المال والرجال وما ... في تاسع النحل وافر واف
بل أبدلت ذلك الولاية يا ... أحمد لما وليت بالقاف
قوله: تاسع النحل وافر واف: أراد بذلك قوله تعالى (( وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها ))
(( ١ ))
وكتب مع طبق حلاوة أهداه مع غلام: (( ٢ )) [الرجز]
عبدك قد أرسل أدنى خدمة ... إليك يا من بالجميل قد سبق
فانظر بعين الجبر أو عين الرّضا ... نحو غلام وكتاب وطبق (( ٣ ))
وقال ملغزا في القوس: (( ٤ )) [الطويل]
وما اسم تراه في البروج وإنما ... يحلّ به المرّيخ دون الكواكب
إذا قدّر الباري عليه مصيبة ... عدته وحلّت في صدور الكتائب
ولاجسم إلا فيه يدرك قلبه ... ويدركه في قلبه كلّ طالب
قلت: وقوله: وإنما يحل به المريخ دون الكواكب، أراد به نصل السهم أو السهم، إذ كان من شأنهما القتل، وهو من طبيعة المريخ كما يزعم أهل النجابة.
أو ليلطخه بالدماء، فإذا نظر، كان المريخ بحمرته واشتعاله. وهو إذا صحّ على هذا، لا يصحّ على ظاهره، إذ كانت القوس محلا لكلّ من السبعة السّيّارة، وهو بيت المشتري، فلا وجه لتخصيص المريخ به. وفي جملة على المعنيين اللذين أرادهما نظر.
وقال في السهم: (( ١ )) [الطويل]
وأهيف منسوب إلى التّرك أصله ... رشيق براه ربّه وهو راشق
يقرّب من أفواههم وهو فاجر ... ويرسل في أعراضهم وهو مارق
يبيت عديم النفع وهو مواصل ... ويرضيك في الأفعال وهو مفارق
إذا اعتبروا أفعاله فهو طائر ... وإن نسبوه فهو بالنّبت لاحق
وقال فيه: (( ٢ )) [الطويل]
وأهيف ماض في الأمور مسدّد ... إذا رام قصدا لا يميل عن القصد
(٢٥٧) ينضنض مثل الأفعوان لسانه ... لشدّة ما لاقى من الحرّ والبرد (( ٣ ))
تقرّبه الأملاك وهو ممانع ... ويجهد في تقريبه غاية الجهد
إذا صحّفوه مرة كان بينهم ... وإن تركوه كان منهم على بعد
وقال في قلم: (( ٤ )) [الطويل]
وأخرس بادي النطق حلو فؤاده ... حليف ضنى يبكي وما هو عاشق
يشقّ مرارا رأسه وهو طيّع ... ويقطع أحيانا وما هو سارق
إذا أرسل البيض الصّفاح لعادة ... يتابع طورا أمره ويفارق
يحاجى به ما ناطق وهو صامت ... يرى ساكتا والسيف عن فيه ناطق (( ٥ ))
وقال في الدواة والقلم: (( ١ )) [الطويل]
وما اسمان كلّ صالح لقرينه ... إذا اتّفقا يستصغر الصّارم العضب
وقد وجدا في الذّكر أوّل سورة ... ولولاهما لم يوجد الذكر والكتب
فهذا له قلب وما حلّ جسمه ... وهذا له جسم وليس له قلب
وقال في الخطّ: (( ٢ )) [مجزوء الكامل]
ومعلّق في قنّب طورا وطورا في حرير ... ولقد تراه مسلسلا بيد الإمارة والصدور
ولقد يكون على الجباه وفي البطون وفي الظهور ... ويرى بأعضاد الرجال وفوق أجنحة الطيور
قلت: وهذا شعر بديع، ونظم صنيع، ونمط عال رفيع، لا يقدر عليه كل قائل، ولا يحظى معه معارض بطائل. ألا ترى كيف وصف الخط وافتتحه بقوله:
ومعلق! وانظر هذه التورية ما أتمّها وأحسنها وأقواها وأمكنها. ثمّ أتى في البيت كله باستخدام معنوي إذ قال: في قنّب طورا وطورا في حرير! وظاهره على مجرى اللغز، يوهم أنّ شيئا له جسم، علق بخيط حرير، أو حبل قنب، وباطنه يريد الورق. وهو يصنع من هذين (٢٥٨) حيث يعهد الشاعر. وهو إذا حمل على كل من المعنيين صح، وكان تماما موفيا بالمراد. وكذلك قوله في البيت الثاني: ولقد تراه مسلسلا. يجري مجرى قوله: ومعلق. فأما البيت الثالث، فمعناه أكثر من لفظه، وتفهمه أكبر من حفظه. فأما كونه جعله يكون معلقا على الجباه، فهو ما يكتب من التمائم والعوذ، وما هو من هذا النوع. وأما قوله:
وفي البطون وفي الظهور، فكذا يكتب: تارة في بطون الأوراق، وتارة في ظهورها. وهو مع كونه أتى فيه بالحقيقة، لم يعدم فيه رونق المجاز. والبيت الرابع نوع منه آخر. وقوله: وفوق أجنحة الطيور، هو ما يكتب في صغار البطائق على هوادي الحمام الرسائلي. فانظر إلى محاسن ما أتى به، واعجب لإيجازه.
عدنا إليه. قال في دود القز: (( ١ )) [الطويل]
وما حيوان عكسه مثل طرده ... له جسد سبط وليس له قلب
ضعيف وكم أغنت مجاجة ريقه ... فقيرا به أمسى ومربعه خصب
يرى من خشاش الأرض طورا وتارة ... من الطير لكن دونه تسبل الحجب
شقيّ لنفع الغير يسجن نفسه ... وليس له في السجن أكل ولا شرب
وقال في العود: (( ٢ )) [السريع]
وأعجميّ أخرس ناطق ... له لسان مستطاب الكلام
مناجيا في الحجر أربابه ... طورا وفي البيت العتيق الحرام
قلت: ولله مذهبه في هذين البيتين، لو وصف هذا الألمعي العود بأطيب من نغمه وأرجه. وقوله: أعجمي، وصفا له، قول صدق، إذ العود الشجر أعجم لا ينطق، والعود عود الطرب من وضع الأعاجم. ولسان العود هو الذي يحرك به الوتر. وقوله مستطاب الكلام وهو طربه. وقد أتبعه بقوله: ساجيا في الحجر ربّا له، لأنه كان كأنّه يناجي ربه، وهو الضارب به. وقوله: وفي البيت العتيق الحرام، هو العود الهندي. يقال: إن عهد البيت الحرام زاده الله شرفا منه. فاعرف لهذا الرجل حقه، واعلم حذقه.
عدنا (٢٥٩) إلى بقية مختاره. قال في الحشيشة يحسّن قبيحها، ويدّعي تفريحها: (( ١ )) [الوافر]
تغانى بالحشيش عن الرّحيق ... وبالورق الجديد عن العتيق
وبالخضراء عن حمراء صرف ... وكم بين الزّمرّد والعقيق
وقال أيضا فيها: (( ٢ )) [البسيط]
في الكيس لي عوض عمّا حوى الكاس ... وفي القراطيس عمّا ضمّت الطّاس
وبالجديد غرامي لا معتّقة ... وسواسها في صدور النّاس خنّاس
مدامة ما لها في الرّأس وشوشة ... تطغي النّفوس ولا في الصّدر وسواس
ولا تكلّف نفسا غير طاقتها ... ولا يخاف بها ضرّ وإفلاس
كم بين خمر يخاف الحدّ شاربها ... وخمرة ما على شرّابها باس
ولا نبيت إذا شئنا نعاقرها ... لنا على الباب حفّاظ وحرّاس
حوض الدّواة لها جان ومزودها ... دنّ وكاساتها ظفر وقرطاس
وقال أيضا: (( ٣ )) [السريع]
في الكيس لا في الكأس لي قهوة ... من ذوقها أسكر أو شمّها
لم ينه نصّ الذّكر عنها ولا ... أجمع في الشّرع على ذمّها
ظاهرة النّفع لها نشوة ... تستنقذ الأنفس من همّها
فشكرها أكثر من سكرها ... ونفعها أكثر من إثمها
وقال: (( ٤ )) [السريع]
جاءت بوجه بين قرطين ... شبيه بدر بين نجمين
فامتدت الأعين منا إلى ... عينين منها تحت نونين
قالت لكي تعبث بي لا تكن ... للنّفس نونا بعد ميمين
فقلت إن عارضتني بعدها ... قطعت سينا بين كافين
وقال: (( ١ )) [المنسرح]
عنّفتها إذ فست على ذكري ... وهو لعمري في غاية الكبر
(٢٦٠) قالت دع اللوم والعتاب فلو ... دفعت هذا في است البعير خري
لو أن ضعفيه جاء من قبل ... ما كان عندي لذاك من أثر
لكنه مع جفاء جثّته ... صال فقدّ القميص من دبر
قلت: فشيخي قد قال مبتدئا ... وذاك في العلم صادق النظر
الأير للجحر حربة خلقت ... لو كان للكس كان كالطّبر
وقال: (( ٢ )) [الطويل]
وذات حر جادت به فصددتها ... وقلت لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خلقي بالرضى ... وفي قلبها مما تكابده رهج
وظلّت تقاسي من فعالي شدّة ... ولم يعل من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيه تجشّأت ... وذاك ضراط لم يتمّ له نضج
وقال: (( ٣ )) [المنسرح]
ولي غلام كالنجم طلعته ... أخدمه وهو بعض خدّامي
تراه خلفي طول النّهار فإن ... دجا لنا الليل صار قدّامي
جعلته في الحضور مع سفري ... كفروة الحارث بن همّام
وقال: (( ١ )) [الوافر]
وليلة عانقت كفّاي بدرا ... كأنّ ضياء مبسمه نجوم
لثمت الثغر منه فقام أيري ... فعنّفني وأقبل لي يلوم
وأسكتني الحياء فقال أيري ... أقم عذري فإنّ اللوم لوم
أيقدر من له عقل ولبّ ... ومعرفة يراك ولا يقوم
وقال: (( ٢ )) [السريع]
قالوا اخضب الشّيب فقلت اقصروا ... فإنّ قصد الصّدق من شيمتي
فكيف أرضى بعد ذا أنّني ... أوّل ما أكذب في لحيتي
وقال يعتب ابن المعتز عن قوله: (( ٣ )) [المتقارب]
(٢٦١) ونحن ورثنا ثياب النبي ... ي فكم تجذبون بأذيالها
لكم رحم يا بني بنته ... ولكن بنو العم أولى بها
ومنها:
قتلنا أمية في دارها ... ونحن أحقّ بأسلابها
إذا ما دنوتم تلقيتم ... زبونا أقرت بجلّابها
وقوله: [المتقارب]
وقلت ورثنا ثياب النّبي ... ي فكم تجذبون بأهدابها
وعندك لا يورث الأنبياء ... فكيف حظيتم بأثوابها
أجدّك يرضى بما قلته ... وما كان يوما بمرتابها
وإذ جعل الأمر شورى لها ... فهل كان من بعض أربابها (( ١ ))
وقولك أنتم بنو بنته، ... ولكن بنو العمّ أولى بها
بنو البنت أيضا بنو عمّه ... وذلك أدنى لأنسابها
وقلت بأنّكم القاتلو ... ن أسود أميّة في غابها
ولولا سيوف أبي مسلم ... لعزّت على جهد طلّابها
وقال: (( ٢ )) [الرجز]
انهض فهذا النّجم في الغرب سقط ... والشّيب في فود الظّلام قد وخط
والصّبح قد مدّ إلى نحر الدّجى ... يدا بها درّ النّجوم تلتقط
وألهب الإصباح أذيال الدّجى ... بشمعة من الشّعاع لم تقطّ
وضجّت الأطيار في أوراقها ... لّما رأت سيف الصّباح مخترط
وقام من فوق الجدار هاتف ... متوّج الهامة ذو فرع قطط
يخبّر الرّاقد أنّ نومه ... عند انتباه جدّه من الغلط
والبدر قد صار هلالا ناحلا ... في آخر الشّهر وبالصّبح اختلط
كأنّه قوس لجين موتر ... واللّيل زنجيّ عليه قد ضبط
(٢٦٢) وفي يديه للثّريّا ندب ... يزيد فردا واحدا عن النّمط
فأيّ عذر للرّماة والدّجى ... قد عدّ في سلك الرّماة وانخرط
أما ترى الغيم الجديد مقبلا ... قد مدّ في الأفق رداه فانبسط
يلمع ضوء البرق في حافاته ... كأنّ في الجوّ صفاحا تخترط
وأظهر الخريف من أزهاره ... أضعاف ما أخفى الرّبيع إذ شحط
ولان عطف الرّيح في هبوبها ... والطّلّ من بعد الهجير قد سقط
والشّمس في الميزان موزون بها ... قسط النّهار بعد ما كان قسط
وأرسلت جبال دربند لنا ... رسلا صبا القلب إليها وانبسط
من الكراكي الخزريّات التي ... تقدم والبعض ببعض مرتبط
كأنّها إذ تابعت صفوفها ... ركائب عنها الرّحال لم تحط
إذا وعاها سمع ذي صبابة ... مثلي، تقاضاه الغرام ونشط (( ١ ))
فقم بنا نرفل في ثوب الصّبى ... إنّ الرّضى بتركه عين السّخط
والتقط اللّذة حيث أمكنت ... فإنّما اللّذّات في الدّهر لقط
إنّ الشّباب زائر مودّع ... لا يستطاع ردّه إذا فرط
أما ترى الكركيّ في الجوّ وقد ... نغّم في أفق السّماء ولغط
أنساه حبّ دجلة وطيبها ... مواطنا قد زقّ فيها ولقط
فجاء يهدي نفسه وما درى ... أنّ الرّدي قرينه حيث سقط
فابرز قسيّا من كمنداناتها ... إنّ الجياد للحروب ترتبط
من كلّ سبط من هدايا واسط ... جعد التّلاع منه في الكعب نقط (( ٢ ))
أصلحه الصالح باجتهاده ... فكلّ ذي لبّ له فيه غبط (( ٣ ))
وما أضاع الحزم عند حزمها ... بل جاوز القيظ وللفصل ضبط (( ١ ))
حتى إذا حرّ حزيران خبا ... وتمّ تموز وآب وشحط
وجاء أيلول بحرّ فاتر ... في نضج تعديل الثّمار ما فرط
(٢٦٣)
أبرز ما أحرز من آلاته ... وحلّ من ذاك المتاع ما ربط
ومدّ للصنعة كفّ أوحد ... منزّه عن الفساد والغلط
وظلّ يستقري بلاغ عودها ... فسبّر الأطراف واختار الوسط (( ٢ ))
وجوّد التّدقيق في لحامها ... فأسقط الكرشات منه والسّقط (( ٣ ))
ولم يزل ينقلها مراتبا ... تلزم في صنعته وتشترط
فعند ما أفضت إلى تطهيرها ... صحّح دارات البيوت والنّقط
حتى إذا قمّصها بدهنها ... جاءت من الصّحّة في أحلى نمط
كأنّها النّونات في تعريقها ... يعرج منها بندق مثل النّقط
مثل السّوار في يد الرّامي فلو ... شاء طواها وحواها في سفط
لو يقذف اليمّ بها مالكها ... ما انتقض العود ولا الزّور انكشط
كأنّما بندقها نيازك ... أو من يد الرّامي إلى الطّير خطط
من كلّ محني البيوت مدمج ... ما أخطأ الباري به ولا فرط
كأنّه لام عليها ألف ... وقال قوم: إنّها اللّام فقط
فاجل قذى عيوننا ببرزة ... تنفي عن القلب الهموم والقنط
فما رأت من بعد هور بابل ... ومائه التّيّار عيشا يغتبط
ونحن في مروجه في نشوة ... عند التّحرّي في الوقوف للخطط
من كلّ مقبول المقال صادق ... قد قبض القوس وللنّفس بسط
يقدمنا فيها قديم حاذق ... لا كسل يشينه ولا شطط (( ١ ))
يحكم فينا حكم داود فلا ... ينظر منّا خارجا عمّا شرط
لا يشبك الأسباق من جفّته ... ولم يكن مثل القرلّي في النّمط (( ٢ ))
إذا رأى الشرّ تعلّى وإذا ... لاح له الخير تدلّى وهبط (( ٣ ))
ما نغم المزهر والدّفّ إذا ... فصّل أدوار الضّروب وضبط
أطيب من تدفدف التّمّ إذا ... دقّ على القبض الجناح وخبط
(٢٦٤) والطّير شتّى في نواحيه فذا ... قد اكتسى الرّيش وهذا قد شمط
وذاك يرعى في شواطيه وذا ... على الرّوابي قد تحصّى ولقط
فمن جليل واجب تعداده ... ومن مراع عدّها لا يشترط
يعرج منّا نحوها بنادق ... لم ينج منها من تعلّى واختبط
فمن كسير في العباب عائم ... ومن ذبيح بالدّماء يعتبط
وقال، وورّى وكأن قصده كان طلب الدّرياقين: (( ٤ )) [الخفيف]
قيل لي تعشق الصّحابة طرّا ... أم تفرّدت منهم بفريق
فوصفت الجميع وصفا إذا ضوّ ... ع أزرى بكلّ مسك سحيق
قيل هذي الصّفات والكلّ كالدّر ... ياق يشفي من كلّ داء وثيق
فإلى من تميل؟ قلت إلى الأر ... بع لا سيّما إلى الفاروق
وقال في السلطان وقد لعب بالكرة: (( ١ )) [الكامل]
ملك يروّض فوق طرف قارع ... كرة بجو كان حكاه ضبابا
وكأنّ بدرا في سماء راكبا ... برقا يزحزح بالهلال شهابا (( ٢ ))
وقال في أدهم ذي حجول: (( ٣ )) [الكامل]
ولقد أروح إلى القنيص وأغتدي ... في متن أدهم كالظّلام محجّل
رام الصّباح من الدّجى استنقاذه ... حسدا فلم يظفر بغير الأرجل
فكأنّه صبغ الشبيبة هابه ... وخط المشيب فجاءه من أسفل
وقوله: (( ٤ )) [الكامل]
لا غرو أن يصلى الفؤاد لبعدكم ... نارا تؤجّجها يد التّذكار
قلبي إذا غبتم يصوّر شخصكم ... فيه وكلّ مصوّر في النّار
وقوله: (( ٥ )) [الكامل]
ولما سطرت الطرس شوّهت لفظه ... وجئت بما شاهدت من لحنه عمدا
عساك ترى عيبا به فتردّ لي ... جوابا لأنّ العيب قد يوجب الرّدّا
(٢٦٥) وقوله: (( ٦ )) [الطويل]
لئن سلّ الزّمان لنا مناصل ... فصنع الودّ عندي غير ناصل
فإن يك قد تأخّر عنك سعيي ... فإني بالدعاء لكم مواصل
ولم تثن النّوى أوتاد ودّي ... بأسباب القطيعة والفواصل
وإنّي إن وصفت لكم ودادي ... كأنّي طالب تحصيل حاصل
وقوله يصف غلاما تركيا على فرس يرمي الظباء بالسّهام: (( ١ )) [الطويل]
وظبي بقفر فوق طرف مفوّق ... بقوس رمى في النّقع وحشا بأسهم
كبدر بأفق فوق برق بكفّه ... هلال رمى الليل جنّا بأنجم
وقال في فرس: (( ٢ )) [الوافر]
وعادية إلى الغارات ضبحا ... تريك لقدح حافرها التهابا
كأنّ الصّبح ألبسها حجولا ... وجنح اللّيل قمّصها إهابا
جواد في الجبال تخال وعلا ... وفي الفلوات تحسبها عقابا
إذا ما سابقتها الرّيح فرّت ... وأبقت في يد الرّيح الترابا
وقال: (( ٣ )) [الطويل]
وإنّي لألهو بالمدام وإنّها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر
ويطربني في مجلس الأنس بيننا ... أنابيب في أجوافها الرّيح تصفر
ودهم بأيدي الغانيات تقعقعت ... مفاصلها من هول ما هي تنظر
وصفر جفون ما بكت بمدامع ... ولكنّها روح تذوب وتقطر
وأشمط محنيّ الضّلوع على الضّنى ... به الضّرّ إلّا أنّه يتستّر (( ٤ ))
إذا انجاب ستر اللّيل ظلّت ضلوعه ... مجرّدة تضحى لديك وتخصر
وقال: (( ١ )) [السريع]
قد نشر الزّنبق أعلامه ... وقال: كلّ الزّهر في خدمتي
لو لم أكن في الحسن سلطانه ... ما رفعت من دونه رايتي
(٢٦٦) فقهقه الورد به هازئا ... وقال: ما تحذر من سطوتي
وقال للسّوسن: ماذا الذي ... يقوله الأشيب في حضرتي
فامتعض الزّنبق من قوله ... وقال للأزهار: يا صحبتي (( ٢ ))
يكون هذا الحسن بي محدقا ... ويضحك الورد على شيبتي
قلت: وهذا قول يقطر ظرافة ويحسن، وإن كان حديث خرافة.
وهذا آخر ما اخترت من جميع ديوانه، وبديع ما ضمنه من الفريد في صوانه. وقد وقفت عليه، وكله ناطق بصنيعه، مذهب بشعاع توشيعه. ولم اقتصر على هذا لأن بمثله يكتفى، وإنما أقللت للقناعة، وأتيت من عينه بمقدار ما تعرف به بقية البضاعة. وقد وقفت له على نثر لا يقاس بنظمه، وإن كان الكلّ درّ، ولا يقاربه، وكلّ منهما يسر، وإنما هو في طبقة هذا الشعر حيث ترى، وأين الثريّا من الثّرى. وقد كان كتب إليّ كتابا وددت لو حضرني لآتي به، وإن كنت جدّ ضنين وأسمح به، وإن كان لا يسمح بالثمين.
ومنهم:
٦٢- محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن الحنفي
الفقيه العدل، الأديب، الشاعر. أبو عبد الله شمس الدين الخياط الدمشقي.
قادر أتى بما لم تستطعه الأوائل، ولم تطعه إلّا قسرا أنداد الفضائل، لا يجيء البحر له إلى كعب، ولا يحاول إلّا النجوم، لا يعجزه مرامها الصّعب. وكان خصم نفسه في الأدب، يدرس فنونه النافعة، ويغرس أفنانه اليانعة. فاحتذى مفارق الرءوس وانتعل، وعرفت الرّجال بغيرهم وعرف بما فعل، سدّ الفجاج على المعائب، وعدّ صفو المزن رنقا بالشوائب. وله قصائد أدرك منها ما رامه ابن الروميّ في مطوّلاته، وتمّ لأبي تمام في تطوّلاته، وفات حوليّات زهير بن أبي سلمى، وخوليّات ابن العبد، وطرف طرفة أعمى، وما منها إلّا ألحق بالسّبع
الطّوال، وحاربت في جوّ النّسور العوال، فكأنها كانت لتلك القصائد كامنة، لتلك (٢٦٧) السبع المعلّقات ثامنة، بل ما أتت بعد تلك السبع الشّداد، إلّا كالعام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، ومنه يجنون ويهصرون. وله قطع تقطع كلّ أجدع، وتقرّع كلّ حميّ أنفه لا يجدع. فيومه يومان، وطعمه طعمان، بكلّ كلمة هي إبر النّحل أو مشاره، وفخر الدهر أو عاره، تلعّبا بالكلام كيف شاء صرفه، ومن شاء وضعه به أو شرّفه، فطالما أوقد حائن وهدف عرّضه لرميه فدفع بيديه حدّ المدى، ووضع إصبعيه في فم الرّدى، على أنّه خير أخ في الشدائد، وأعظم مقاوم لسمّ الليالي الأساود، وكلمه لا يغشى بوارقها بالسّحب، ولا ثلاث رودها إلّا بالرّماح منصلة بالشّهب. ومن شعره المحرّك للأطراب، المبيّض لقادمة الليل والفجر في آخره كما شاب جناح الغراب، قوله: [السريع]
كم نلت في الأسفار من شدّة ... لم تحص في عدّ ولم تحصر
فهذه عين وذا محجر ... والموت بين العين والمحجر
ومنه قوله: [السريع]
ديار مصر جنّة فتّحت ... أبوابها في الحسن للمبصر
وغير بدع أنّها جنّة ... ونيلها جار من الكوثر
ومنه قوله: [الطويل]
شكت زوجة القاضي من الطّلق شدّة ... فنال الإمام الهمّ وهو همام
فقلت له صبرا جميلا فربّما ... يكون مع الطّلق الشديد غلام
ومنه قوله: [الوافر]
وما طلبي الشهادة خوف نقص ... على مالي ولا طمع الزّيادة
ولكنّي لإسلامي وديني ... وتوحيدي حرصت على الشّهادة
ومنه قوله: [الطويل]
تهنّ فلان الدين شهرا مباركا ... فصب لك فيه بالعلاء المكارم
(٢٦٨) وإن تك قد باشرت في يوم موسم ... فسائر أيام الكرام مواسم
ومنه قوله: [السريع]
الحبس حبس النّفس عن قصدها ... وإنّما نقمته نعمة
لا سيّما إن كان أعجوبة ... كثرة ناموس بلا حرمة
ومنه قوله: [السريع]
مولاي سيف الدين يا من له ... أصل زكيّ في انتساب الملوك
أسمعتني وعد ديوك وقد ... أكلت كفّي قبل أكل الديوك
ومنه قوله وقد ردّد مقصود المعنى وزاده: [السريع]
كم ليلة بالبرد قضّيتها ... في شدّة والعين لم تهجع
وليس لي أكل سوى راحتي ... وليس لي شرب سوى أدمعي
ومنه قوله: [السريع]
حفيت من طول طوافي على ... بشر لأحظى بالنّدى الوافي
فاعجب لعكس الحال ما بيننا ... هذاك بشر وأنا الحافي
ومنه قوله: [الطويل]
إلى كم أمنّي النّفس في طلب الغنى ... أقول عسى ينزاح فقري وربّما
وما العار إلّا أن أرى عاريا وما ... عليّ كما قالوا سوى مطر السّما
ومنه قوله: [الوافر]
عجبت من الزمان ومن بنيه ... ورفضهم الأهاجي والمدائح
أروح على منازلهم وأغدو ... وليس أشمّ للجدوى روائح
ومنه قوله: [الكامل]
يا سيّدي قد طال مكث قصيدتي ... وأعيذ سيّدنا من النّسيان
إن كان في يوم المعاد إجازة ... أمّلتها من كفّة الميزان
ومنه قوله [الكامل]
(٢٦٩) رقب الهلال الناس واجتهدوا فلم ... تره العيون وكفّها عنه العمى
لا غرو إن خفي الهلال عن الورى ... ورآه في الأرض ابن ناطور السّما
ومنه قوله: [الطويل]
يقولون في سمّ الخياط قناعة ... فلا ترم شكر العيش في القنع بالدمّ
فقلت لهم إنّي أخاف من الرّدى ... ولا آمل البقيا ورزقي من سمّ
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
يا سيّدا لم يزل بحمدي ... بين بني جنسه محلّا
أسلفتني موعدا جميلا ... فاسمح بإنجازه وإلّا
ومنه قوله: [البسيط]
قالوا تردّد فبيت المال فيه غنى ... لكلّ مشتمل بالفقر محروم
فحين وافيته لم ألق فيه سوى ... مسوّدات لتأخير وتقديم
فيه صناديق أوراق بلا ورق ... قد أوسقوها بتحديد المراسيم
قبض وصرف ومردود وفذلكة ... بلا حساب وتخريج لمعلوم
فاحذر إذا جزت بيت المال فهو بلا ... لام وفيه مخاريم بلا ميم
ومنه قوله: [السريع]
وقيّم مغرى بسفك الدّما ... كلّ سليم بيديه سليم
صعقت خوفا منه لّما غدا ... في كفّه موسى ورأسي الكليم
ومنه قوله: [السريع]
إن تهجروا الخياط عمدا فما ... له إلى غيركم هجرة
يقصّ أخباركم ناقلا ... حديثكم بالخيط والإبرة
ومنه قوله: [الوافر]
أرى المحبوب يفعل كلّ ذنب ... ويغضب والهوى أمر عجيب
وأسأله الرّضى والذنب منه ... كأنّي من إساءته أتوب
(٢٧٠) ومنه قوله: [السريع]
لم أنس والمحبوب في مجلسي ... كالبدر يسقيني كؤوس الرحيق
يجمع لي ضدّين من عارض ... له جديد ومدام عتيق
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
عذار حبّي دقيق معنى ... تجلّ من حسنه الصفات
حلا لرائيه وهو نبت ... هذا هو السّكّر النبات
ومنه قوله: [السريع]
خلّفت بالشام حبيبي وقد ... يمّمت مصرا لغنى طارق
والأرض قد طالت فلا تبعدي ... بالله يا مصر على عاشق
ومنه قوله: [الوافر]
صبرت على صروف الدهر حتّى ... رماني من هويت بسهم صدّ
وأسقمني بهجران طويل ... وقال دواؤه بالوصل عندي
ومنه قوله: [البسيط]
سار الحبيب بقلبي يوم ودّعني ... ولم يدع لي صبرا ساعة البين
وقال إن كنت مشتاقا إلى نظري ... أجر المدامع حمرا قلت: من عيني
ومنه قوله: [البسيط]
قلبي شكا حبّ خياط يمزّقه ... فكيف من قلق لي فيه تثبيت
قد كفّ عن غيري طرفه ونمنم لي ... خدا كأنّ عذارا فيه تنبيت
ومنه قوله: [الطويل]
لربوتنا واد حوى كلّ بهجة ... فعيش الورى يحلو لديه ويعذب
يروق لنا الأنهار تحت حنكه ... فلا عجب أنّا نخوض ونلعب
ومنه قوله: [مجزوء الخفيف]
ربّ علق عيوبه ... عدد الرّمل والحصا
(٢٧١) يأخذ الأير ضاحكا ... ثمّ يبكي على الخصا
ومنه قوله: [السريع]
يا من على عينيه شعريّة ... قد أضرمت في القلب نار الغرام
يشبه بدرا طالعا نصفه ... ونصفه الآخر تحت الغمام
ومنه قوله: [السريع]
لا تحسبوا شطبا على خدّه ... قد لاح من فعل سيوف الجنون
وإنّما من رقّة خدّه ... قد أثّرت فيه لحاظ العيون
ومنه قوله: [السريع]
قد طال فكري في القريض الذي ... من نفعه لست على طائل
أقرّني زورا فصرت امرأ ... صاحب ديوان بلا حاصل
ومنه قوله: [الخفيف]
لي بأرض الشام شرّ مقام ... لا مكاني يرجّى ولا إمكاني
أسهر الليل في مكابدة الشّع ... ر وأبكي النّهار للحرمان
ومنه قوله: [الخفيف]
قل لمن حضّنى على الدين أقصر ... عن ملامي فليس لي تقصير
لا تسلني عن الصّلاة فبيتي ... مسجد غير أنّه مهجور
ومنهم:
٦٣- حسن بن علي العزّي
ابن نفسه، وصاحب يومه لا أمسه، يعرف بالزعاري، نسبة إلى غور زعر، لا إلى الكلاب، وإن كان قد فغر فمه فأشبهها، وغرّ بأنّه بشر إلّا أنه سوّد صورته وشوّهها. أعقل منه سكان المارستان، وآمن عاقبة منه حنش البستان، وأقلّ غيبة منه وجوه أهل البهتان، وأملك منه لشهوته الحمار، شمّ بولة الأتان. لا دين يرجع إليه، ولا عقل يرد عليه، ولا محتسب يقيم عليه (٢٧٢) الحدّ، ويمسك يديه، بعقيدة لا يغسل السيف عارها، ولا يواري الليل عوارها، أثقل من منّ، وأشحذ من مسنّ، وأبغض من مساء رقيب، وأشأم من صباح ذيب، وأقدر من قمل، وأحرص من نمل، وأسقط من الذّباب، وأسمج من الذّئاب. بعرض أسرع
تفطّرا من الزّجاج، وآكل للقدر من الدّجاج. لا له زاجر يردعه، ولا أمر من العفاف يسعه، يطير مع كلّ ناعق، ويعوي لكلّ ناهق، إذا شعر نبح، وإذا أنشد كبح. يتهادى إلى كلّ مجلس كأنّه زلزلة، ويتباذى وما حرج من الخطوة الحاضرة قدر أنمله. على أنّه حام تتحامى صرحه الذّئاب، ويعرف فضله على كثير ممّن لبس الثياب. يرعى العظام ولا يلج بيت جاره إلّا أنّه يسعى حول الخيام، ذو حميّة ما شهد شبهها يوم الكلاب، وحفيظة ما عرف مثلها لبني كلاب، ببصر حديد، وساعد شديد، وفطنة لو تقيّد بها علم الطّبّ أو تنحّل علم أبقراط فصار الأكحل لا يخاف الغارة الشعرى ولا يهاب في السماء العوا. لا يزال في الحيّ منه طائف يسعى، ومقدام الأسد إذا أقعى، تتوقّى الأعداء من كلبه، وتتطاول الرءوس ولا تصل إلى ذنبه. فاتك أخلا رامة من ظباتها السوانح، وسبق بطشه الجوارح. إذا رأته كلاب الحيّ بصبصت أذنابها، وأكرمت مقدمه كأنّها تعرف أنسابها. إذا نبذت له الحصاة ينزو لوقعها، وينبو لسمعتها. وله خطّ يروق وشي قلمه، ويطول بعصيّ يراعه كأنّما يهش بها على غنمه. هذا مع رجوعه إلى أكرومته وعفافه، وقنعه بقليل الذّمّ بلغه، واللحم موفر لأضيافه، وعدم تهافته على آمال تتنافس طلابها، ودنيا تزاحم منها على جيفة وتهارش كلابها.
وحكى لي من لا أتّهمه، ممن كان يصحبه ويلزمه، (٢٧٣) ويبيت عنده ولا يضجره ولا يبرمه، أنّه كان ينام عنده الليلة الطويلة بتمامها، ويصبح النّهار ويتضحّى وهو نائم، فإذا حضر الغداء، أنبهه فقعد فأكل، لا يغسل وجها ولا يدا، ولا يقف مع أمر كأنّه خلق سدى، ما استيقظ وتوضّا، ولا صلى سنة ولا فرضا، هذا مع إصرار لا يهمّه منه لبس القبائح، ولا يخيفه تشيع الفضائح، ولا يضرّه أن يبيت جسمه سماط السّياط، وعرضه قرى القوابح. وعلى هذا فهو شاعر يملأ السمع عجبا، ويهزّ الجماد طربا، لا يفوته صيد معنى شارد، ولا ليل
يسهره لراقد. بديهة في التحصيل اعتادها، وقدرة على صيد شوارد المعاني لا ينكر له إذا صادها. عجبا له وهو في هذا النّسب العريق، والمشابهة في التخلّق والتخليق، كيف خالف عادة مثله في الوفاء، وكيف حمد من نوعه كلّ مضمر، ووصف وهو بالجفاء، إلّا أنّ محاسن شعره نطقت، ويد المعرفة به سبقت، وله حقّ الصّحبة التي كانت إنفاقا، فليتها لا كانت ولا أنفقت. ومن بدائعه قوله فيما كتب به إليّ: [الكامل]
أبدا يجدّد لي الحمام إذا شدا ... ذكراك في الليل البهيم إذا هدى
يا غصن بان طار قلبي نحوه ... شوقا فبلّ جناحه قطر النّدى
أترى دمي في وجنتيك فإنّني ... عاينت خدّك لا يزال مورّدا
أم نار حسنك أوقدت في صحنه ... فوضعت قلبي منه خالا أسودا
عقد الجفون بكلّ نجم طالع ... طرف يطالعني على بعد المدى
شرقت به عين وغصّ بشخصه ... صدري وضمّ عليّ وارده يدا
ثمّ انتضته يد الفراق بيقظة ... من مقلتيّ وكان فيها مغمدا
منها:
نجل الخليفة من قريش والذي ... حاز المفاخر طارفا أو متلدا
سلك الطريق إلى عديّ جدّه ... في المجد والحسب الصريح فما عدا
(٢٧٤) وجلت مخايله الرئاسة إذ نضا ... عنه الغمامة ثمّ لاث السؤددا
أورى زناد الدين بعد خموده ... حينا ونار الجاهليّة أخمدا
وعصى دعاء اللات بعد بلوغه ... وأطاع في الله النبيّ محمّدا
بنيت معاليه على قصد القنا ال ... خطّيّ إذ سلك الطريق الأقصدا
وأقام أعمدة المآثر وارتقى ... درج المعالي في السّيادة مصعدا
وأحلّ أسرار الممالك صدره ... فحنت أضالعه عليه تودّدا
فلو استطاع الماردون لوحيه ... سمعا علوا صرحا إليه ممرّدا
لكنّهم منعوا برجم شهابه ... أن يقعدوا للسّمع منه مقعدا
وقوله من أخرى كتب بها إليّ: [الطويل]
عفا بعدهم بطن العقيق فلعلع ... فوادي الغضا فالمنحنى فطويلع
منازل عفّاها البلى فتأبّدت ... معالمها بعد النّوى فهي بلقع
هي الدار يصبيني صباها ولم يزل ... تجرّعن فيها الأمرين أجرع
وزعني بها الصبر الجميل عن الأسى ... دموع على ليل الصّدود توزع
سقى الله أيامي بها وإن انقضت ... مراجعتي فيها لمن ليس يرجع
وحيّ لياليّ التي زالت المنى ... وقد زلن والأيّام تعطي وتمنع
ومنها:
فساروا بمثل الشّمس حطّت لثامها ... وكم دون تلك الشّمس بدر مقنّع
لوت جيدها فيما ترى العين دمية ... تحاط بألحاظ الكماة وتمنع
يراقبنا فيها غيور كأنّما ... ترى الشّمس منها بين قرنيه تطلع
إذا زلّ عنها سجنها أحدقت به ... لواحظ قد غطّت عليهنّ أدمع
يشقّ إليها الدّمع وهي سريعة ... يشقّ عليها والقنا وهي شرّع
ومنها:
شهاب يضيء الخطب رأيا مهذّبا ... عليه الحسام الهندوانيّ يطبع
(٢٧٥) سليل أبي حفص إلى مثل هديه ... وآثاره في صالح الذّكر ينزع
فتى عدويّ يجبن السيل دونه ... إذا همّ ناجاه فؤاد مشيّع
إذا ناب خطب ناب فيه عن القنا ... يراع له أنف الكريهة يجدع
وألفاظ حرّ حرّة لا يديرها ... خداع إذا مرّت وذو الحرب يخدع
يصيح على الأعداء في كلّ بقعة ... غراب لها بالطّرس والنّقس أبقع (( ١ ))
وقوله من أخرى كتب بها إليّ: [الوافر]
سقى عهد الحمى صوب العهاد ... بكلّ أجشّ منفتق المزاد
كأن حبيك ريّقه إذا ما ... تراكم قطره رجلا جراد
يفضّ عراه لمع البرق فيه ... كما هتك الدّجى شرر الزّناد
فيسرق منه أجفان الخزامى ... ندى كالدّمع في الأجفان بادي
فلو أنّ الجماد يطيق شكرا ... له لنطقن ألسنة الجماد
حيا يحيى موات التّرب منه ... بنفث الرّوح أفواه الغوادي
ثرى دار وجدت بها شجوني ... ولكنّي عدمت بها فؤادي
منازل باعدت ما بين قلبي ... وسلواني وجفني والرّقاد
يعارض ذكرها ريقي فتشجى ... لهاتي منه بالعذب البراد
ويبرأ من نسيم المسك أنفي ... إذا هبّت صبا تلك البلاد
منها:
إذا الحلماء والفصحاء جاؤوا ... وجيء بهم لإسداء الأيادي
فمن قيس بن عاصم وابن قيس ... ومن قسّ بن ساعدة الإيادي
ذكرتك يا ابن فضل الله ذكرى ... علا هي والكواكب في عداد
وقد نوّهت باسمي فهو فرد ... أجوز به النّجوم علي انفرادي
وألبسني احتفالك بي رداء ... خلعن عليه أفئدة العباد
وقد أوطأت آثاري أناسا ... على آثارهم وطء الجياد
(٢٧٦) فكنت لهم عليانا ودوني ... إذا ما حاولوا خرط القتاد
وقوله من أخرى كتب بها إليّ: [الكامل]
أطروق طيف من خيالك عائد ... يعنى بوسنان اللواحظ هاجد
قطع السماوة بعد هدء قائما ... بالودّ في حفظ العهود لقاعد
ومن العجائب أن تحسّ دنوّه ... بعد الجفاء لنازح متباعد
أصبو إليه ودون منهل ثغره ... ما دون مورد كلّ عذب بارد
خفقان ألوية ولمع أسنّة ... زرق تفارط في أنامل ذائد
للماء تحت طلا لهى وضاءة ال ... خدّ المورّد تحت فرع وارد
منها:
برّاق ثغر الجود يشعر نشره ... بالرّيّ أشعار الغمام الرّاعد
وترى السكينة في خفافي عطفه ... كالصّفو في ماء الغدير الرّاكد
يسطو فيبرأ تاج كلّ مملّك ... لسطا يديه من بنان العاقد
وإذا اجتنى للجود ناط يمينه ... بالنيّرات إلى يمين القاصد
وتظلّ تحسده الملوك فإنّني ... لأرى الملوك على نداه حواسدي
أطناب عزّيه على هام السّهى ... موصولة من عزمه بقواعد
يتعثّر الخطب المفاجئ بينها ... ويقيل عثرة كلّ حدّ صاعد
وقوله مضمّنا: [الكامل]
أفديه أغيد شعره وجبينه ... نور تلألأ في ظلام داجي
والفرق بين الشّعر فوق جبينه ... عريان يمشي في الدّجى بسراج
وقوله: [الرجز]
قد بعتهم قلبي يوم بينهم ... بضمّة التوديع وهو محترق
ولم أجد من بعدها لردّه ... وجها، وكان الرّدّ لو لم نفترق
وقوله: [المتقارب]
(٢٧٧) أتى ابن نباتة ديوانه ... يوقّع والجهل قد أوقعه
فلمّا تصدّر لم يدر ما ... يصدّر في الكتب المصفعة
فقالوا حمار وهذا الجمود ... يدلّ على أنّه بردعه
وقوله: [المتقارب]
أرى ابن نباتة لما غدا ... يعرّض في كتبه بي غوى
فإن كنت كلبا فقد حمّلوا ... على عرسه كلّ كلب عوى
وقوله: [المنسرح]
كأنّما الورد حمرة وندى خدّ مليح أبكاه توبيخ ... فانظر إليه في أفق مجلسنا كواكبا كلّهنّ مرّيخ
وقوله: [البسيط]
يا سيّدي أهل دار الطّعم قد كذبوا ... حتى عليّ بوعد غير منضبط
فاعلم على كلّ حال أنّهم سقط ... لا يفلحون فلا تغترّ بالسّقط
وقوله في يوم ثلج: [الطويل]
كأنّ مغاني جلّق حين أشرفت ... وقد عمّ منها الثلج بكلّ طريق
كواعب قامت في انتظار لزائر ... يبسطن لممشاه ثياب دبيقي
وقوله: [الوافر]
بدا والليل مضموم الجناح ... بريق مثل منبلج الصباح
سريع الومض في وطفاء تشكو ... تثاقل خطوها هيم البطاح
أصاخ لها الثرى وقد ارجحنّت ... وشافه وقعها ثغر الأقاحي
فأولد بطن ذاك السّفح زهرا ... كواعبه التقين على سفاح
فمن قان يخال دما وزاه ... أغرّ كأنّه بيض الأداحي
كأنّ المزن والأغصان خيل ... عطفن على الرّبى بكؤوس راح
فوا لهفيّ من جفن وثغر ... رقيق الخصر مجدول الوشاح
(٢٧٨) أغنّ إذا نضا برديه لاحت ... معاذير المتيّم للّواحي
شكا خدّاه من طرفي جراحا ... وقلبي منهما دامي الجراح
فلم أر مثل ناظره وقلبي ... وكلّ منهما شاكي السّلاح
ومن قصيدة: [الطويل]
سرى ونقاب اللّيل بالفجر قد حطّا ... وخطّت يد الإصباح في فوده وخطا
وقد شغلت أيدي الضّحى بنجومه ... أناملها يلقطن جوهرها لقطا
وألقت خواتيم الثّريّا اليد الّتي ... لها فكّت الجوزاء من أذنها القرطا
وشقّت على اللّيل البهيم ابتسامة ... من الصّبح شقّت عن ترائبه مرطا
وخادع مطرود الكرى كلّ ناظر ... وسدّ عن الرّمل أبرده الأرطى (( ١ ))
خيال إذا أدنته من كبدي المنى ... شفاها فقد يدنو المراد وإن شطّا
خليليّ ما أولاكما بتحيّة ... تردّ إلى من شطّ إن جئتما الشّطّا
يذاد لها ماء الفرات إذا انتهت ... إلى كبد تشتاق من عاته السّقطا (( ٢ ))
ومن قصيدة: [الكامل]
لله مطّلعون من قلل الحمى ... تدنيهم الذّكرى وإن لم يسعفوا
بين البروق ثغورهم تجلو الدّجى ... ومع الشّموس وجوههم تستشرف
أنكرت منزلهم بعيني والحشا ... يدريه للشّعف القديم ويعرف
ومن قصيدة: [الكامل]
غادي الدّيار فناج فيها فعلنا ... وشكا الذي نشكو الحمائم موهنا
صبّ بكى إثر الخليط وعاقه ... أن يستقلّ وراءهم فرط الضّنى
زالت حمولهم وفيها أنفس ... قد أبدلوها بالضّلوع المنحنى
لله ما سترت غمائم خمرهم ... من أقمر تبدو فيحجبها السّنا
هي والبدور على قوالب أفرغت ... لكن أرى الآدى إلينا الأحسنا
بانوا وأتبعهم فؤادي حسرة ... يستصحب الأكباد فيها الأعينا
(٢٧٩) يتلفّتون إلى قتيل نواهم ... وهم الظّباء وأيّ ظبي ما دنا
ويلينهم مرّ النّسيم لطافة ... وهم الغصون وأيّ غصن ما انثنى
واها لها ولكلّ غصن ليّن ... لو ضمّ منه الصّدر قلبا ليّنا
وقوله: [الخفيف]
ومليح ما زال طاير عقلي ... واقفا في الهوى على غصن قدّه
ضمّ نبت الشّقيق زهرا وكانت ... علّة الضّمّ أنّه جنس خدّه
وقوله: [الكامل]
أعطى أزمّته الصّبا والشّمالا ... وانقاد أدهم بالبروق محجّلا
غيث قفا إثر الكواكب ذيله ... فعفا وأرسلها سحائب جفّلا
ما قبّلت منه الكمائم هيدبا ... إلّا وقد حسبته كمّا مسبلا
لبست له الغدر الدّروع وقد رأت ... برقا يهزّ على الأبيرق منصلا
وقوله: [الوافر]
جرت كبدي مع الدمع المندّي ... حواشي وحشتي غبّ العقاب
فكانا لؤلؤا رطبا أضيفت ... فرائده إلى ذهب مذاب
فيالك حلية لوفزت منها ... بشيء لافتديت به شبابي
وقوله: [الوافر]
حبست الدمع ثمّ جعلت جفني ... سياجا ما له عنه انفراج
فما زلتم بجودكم إلى أن ... تجرّى الدّمع وانخرق السّياج
وقوله: [المتقارب]
وأغيد ألثغ خاطبته ... وقد أبدل السّين في اللفظ ثا
فقلت له زر فقال الرقي ... ب أراه مع الصّبح قد غلثا
فقلت أرى جبلا لا يرق ... فؤادك لي قال لي قد رثا
وقوله: [السريع]
كأنّما طابعه المشتهى ... من تحت تلك الشّفة الزاهرة
(٢٨٠) مركز بيكار الجمال الذي ... صحّح وضع الطلعة الباهرة
فاعجب لأيدي الحسن إذ قرّرت ... مركزه في طرف الدائرة
وقوله: [الرمل]
أعجب ما في مجلس اللهو جري ... من أدمع الرّاووق لمّا انسكبت
لم تزل البطّة في قهقهة مم ... ما بيننا تضحك حتى انقلبت
وقوله: [السريع]
أنا القليل العقل في خرقي الذي ... أهلكه في كلف المشارب (( ١ ))
ما نلت من تضييع موجودي سوى ... تصفية الكاسات في شواربي
وقوله: [مخلع البسيط]
قالت وقد أنكرت سقامي ... لم أر ذا السّقم يوم بينك
لكن أصابتك عين غيري ... فقلت لا عين غير عينك
وقوله: [الطويل]
جرت من بعيد الدار لي نفحة الصّبا ... فقد أقبلت حسرى من السّير ظالعة
ومن عرق مبلولة الجيب بالنّدى ... ومن تعب أنفاسها متتابعة
وقوله: [الكامل]
لي عند مشتجر الرّياح إذا التقى ال ... جمعان واستنّ الجياد الضّمّر
وتراكمت سحب المنايا واعتلى ... في الجوّ من وقع السّنابك عثير
وانهلّ من زرق الأسنّة فوق مغ ... برّ التّراب دم عبيط أحمر
وعلى الثرى من كلّ شهم أروع ... ثوب بتفضيل المنون مشهّر
من أبيض في مفرقيه أبيض ... أو أسمر في جانبيه أسمر
قلب تخيّلك الظنون له فما ... تصبيه حادثة ولا تتغيّر
وقوله: [المتقارب]
فتنت بأسمر حلو اللّمى ... لسلوانه الصّبّ لم يستطع
(٢٨١) يقطّع قلبي وما رقّ لي ... ودمعي يرقّ وما ينقطع
وقوله: [الطويل]
لقد نبتت في الصّالحيّة دوحة ... من العزّ يحلو لي جناها ويعذب
فطاب لدى قاضي القضاة محلّها ... وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب
وقوله: [الكامل]
ركب البريد سواي نحو قمامة ... للرّزق كابن نباتة النّجّام
وأتوا وأجربة البريد وراءهم ... وأتيت لا خلفي ولا قدّامي
وقوله: [الوافر]
توهّم إذ رأى حبّا يحاكي ... على شفتيه درّا في عقيق
فقلت له وحقّك ليس هذا ... سوى حبب على كأس الرّحيق
وقوله: [مجزوء الرمل]
يا فم المعشوق سبحا ... ن الذي زانك زينا
قد تحلّيت بدرّ ... فتحيّيت إلينا
وقوله: [الطويل]
أتى سرطان الشّام مصر مهاجرا ... ليلجأ في النّيل السّعيد إلى جرف
فإن منعوه النّيل خوف نجاسة ... فقل نهر قلّوط عليه إلى الأنف
ومنهم:
٦٤- ألطنبغا العلمي الجاولي، أبو جعفر، علاء الدين (( ١٣ ))
هو اليوم واحد في جنسه، لا أعرف له ثانيا، ولا لفضله مدانيا. يتبارى سيفه وذهنه، ويتجارى جواده وخاطره، وكلاهما يحرز له رهنه. لو اجتمع هو والفارابيّ في مجلس ابن حمدان، لأراه بمعانيه كيف الطّرب. أو جاوره الجوهريّ لقيل له لقد حكيت ولكن فاتك النّسب. أو جالسه أيدمر السّنائي لاستمدّ من موادّه الغزيرة. أو وقف على ديوانه ابن العديم، لأقرّ بأنّه فخر التّرك لا مولى وزير الجزيرة.
لقد أسمع من كلمه ما رقّ كأسه حتى شرب، ونفح من شذاه ما سلّم به إلى أنّ جياد المسك (٢٨٢) ما كان من بلاد الترك قد جلب. فيا له فارس جواد وإجادة، أصبح فيهما بلا نظير، وبلغ منهما غاية كلّ مضمار وغاية كلّ ضمير.
وأتى بالدّرّ كأنّه مبسمه، أو من فلول سيفه لما اخترطه.
هذا وقد طبع على سجايا لو تمثّلت كالزّجاج لشفّت. ومرايا لو قلقل طوارق الليل لكنّت شيمة ممازجة، وسجيّة كريمة. تحلّى بملابسها، وأحسن ما فيها أنّها تركيّة ساذجة.
ومن شعره الفائق قوله: (( ١ )) [البسيط]
سبّح فقد لاح برق الثّغر بالبرد ... واستسق كفّ الطّلا من كفّ ذي ميد
ستعرب اللّفظ للأتراك نسبته ... له على كلّ صبّ صولة الأسد
يا عاذلي خلّني فالحسن قلّده ... عقدا من الدّرّ لا حبلا من المسد
ويل لمن لا مني فيه ومقلته ... نفّاثة النّيل لا نفّاثة العقد
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
خود زها فوق المراشف خالها ... ولئن فتنت به فلست ألام
فكأنّ مبسمها وأسود خالها ... مسك على كأس الرّحيق ختام
وقوله: (( ٣ )) [المجتث]
وبارد الثغر حلو ... بمرشف فيه حوّة
وخصره في انتحال ... يبدي من الضّعف قوّة
وقوله: (( ٤ )) [الخفيف]
ردفه زاد في الثّقالة حتّى ... أقعد الخصر والقوام السّويّا
نهض الخصر والقوام وقاما ... وضعيفان يغلبان قويّا
وقوله: (( ١ )) [الطويل]
تخاطبني خود فأبدي تصامما ... فتكثر تكرار الخطاب وتجهر
فأصغي لها أذنا وأظهر عجمة ... لكيما أرى درّا من الدّرّ ينثر
وقوله: [البسيط]
قال النّحاة بأنّ الاسم عندهم ... غير المسمّى وهذا القول مردود
الاسم عين المسمّى والدّليل على ... ما قلت أنّ شهاب الدين محمود
وقوله: (( ٢ )) [الوافر]
(٢٨٣) وصالك والثّريّا في قران ... وهجرك والجفا فرسا رهان
فديتك ما حفظت لشؤم بختي ... من القرآن إلّا لن تراني
وقوله: [الكامل]
وكأنّ عارضه تسلسل دورة ... وحلا مراشف ثغره من شهده
نمل سعى يبغي ضريب رضابه ... لكن توقّف من تصرّم خدّه
وقوله: [الكامل]
بالرّعب أحضر الخدود وشاربه ... فليهن بالرّيق المعسّل شاربه
سلطان عشق كلّما كلّمته ... يزور ناظره ويقسو حاجبه
وقوله: [الطويل]
وقالوا عذار الخدّ فيه صبابة ... وإنّ به كلّ الجمال يتمّ
وقوله: [المتقارب]
عذارك والخدّ قد أظهرا ... جميع الذي فيهما يرمز
وأنّى يصان الهوى فيهما ... وهذا ينمّ وذا يغمز
وقوله: [الخفيف]
شغف الطّرف والعذار بخدّ ... فيه ماء وجمر نار يشبّ
كلّما احمرّ خجلة وحياء ... ينعس الطّرف والعذار يذبّ
وقوله: [الكامل]
نقلوا الهوى عنّي وقد شاع الخبر ... حتى درى بصبابتي كلّ البشر
إنّ العيون الضيّقات فتنّني ... لا الأعين النّجل التي فيها الحور
يا من يعرّض للهلال فؤاده ... من سطوة الأتراك الحذر الحذر
قوم إذا رقّوا يروقوا في الوفا ... فإذا قسوا قاسا محبّهم الخطر
لا يعرفون سوى السّهام ورشقها ... إمّا بأيديهم وإمّا بالنّظر
عند الجلاد ضراغم لكنّهم ... في مجلس اللذّات زهر أو زهر
من كلّ ريّان القوام مهفهف ... يختال في حلل الملاحة والخفر
(٢٨٤) من آل خاقان كلفت بحبّه ... زنجيّ لحظ والحواجب والشّعر
لّما بدا للناس قالوا إنّ ذا ... ملك أتى بالحسن ما هذا بشر
وقوله: [المديد]
مت شهيدا في غزال ألوف ... ليّن الأعطاف غير عطوف
خدّه دون ظبا مقلتيه ... جنّة تحت ظلال السّيوف
وقوله: [الكامل]
وإذا بليت من الهموم بلسعة ... فاجعل سلافك عاجلا درياقها
لم يظلموا راووقها في صلبه ... فلقد أباح دماءها وأراقها
وقوله: [الطويل]
بكت عندما عانقتها يوم ودّعت ... فقالت: لقد زاد البعاد وأفرطا
فو الله لا أدري ألؤلؤ دمعها ... أم العقد من ذاك العناق تفرّطا
وقوله: [الكامل]
سفرت عن الوجه المنير نقابها ... واستقبلت قمر الدّجى فتشابها
حتى إذا حاشى الرّقيب تبرقعت ... شمس غدا ذاك النقاب حجابها
لم أنسها يوم الوداع وقد دعت ... دمعا يكلّل خدّها فأجابها
فكأنّه درّ على ديباجة ... أو روضة طلّ السّماء أصابها
خافت غداة البين من رقبائها ... لّما رأت بلّ الدموع نقابها
زجرت دموعا مثل لؤلؤ ثغرها ... حتى حسبنا كلّلت أهدابها
وقوله: [المتقارب]
خذوا حذركم من سيوف المقل ... فليس لكم بسطاها قبل
وقوا أنفسا إن رمت أسهما ... فما هي إلّا سهام الأجل
وإن نفثت سحرها أورنت ... فليس تفيد الرّقي والحيل
فهل لدمي آخذ من رشا ... يصول ولا يختشي إن قتل
(٢٨٥) وقوله: [الكامل]
وسرت سيوفك في الكماة كما سرت ... سنة الكرى في مقلة النّوّام
لا يشعرون إذا قطعت رقابهم ... لولا التحاق الهام بالأقدام
وقوله: [الخفيف]
وكأنّ الكماة صرعى مدام ... رقدوا من ظباك لا إغفاء
إذ سقتهم سيوفك البيض كأسا ... فتراهم صرعى تفانوا دماء
ومنهم:
٦٥- سليمان بن داود بن سليمان بن محمّد بن عبد الحقّ، الحنفيّ، أبو الربيع، صدر الدين
من بيت فقه وقضاء، وعلم كأحسن وجوه الكواكب الوضاء. تفقّه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ويغلب على ظنّي أنّه لم يعلق في المدارس بوظيفة.
وجاس خلال البلاد، وجاز على ملوك المغل ثمّ عاد. ووصل مع رسل جاءت منهم مشاركا في الرّسالة، مشارا إليه بينهم بالجلالة. ما الأري (( ١ )) المشار إلّا مذاقه، ولا النّهار المنير إلّا إشراقه، ولا سلاف العقار إلّا ما أسمع، ولا البدور الكوامل إلّا ما أطلع، ولا العراب الأتراب إلّا ما أبدى من بنيّات فكره فجلا أو أكنّ فبرقع.
وهو في كلّ فنونه مبرّز، ولعيونه محرز. حاز البيان بحدّه، وملك منه ملكا سليمانيّا لا ينبغي لأحد من بعده، بقريحة عرفت بالسماح حتى لوم حاتم، وتصرّفت في ملك البيان تصرّف سليمان وقلمه الخاتم، لقدرة طبّ (( ٢ )) بها فخر
العقود، وتصرّف بها تصرّف سليمان بن داود. لم يبق عروض حتى زخر له بحره، ولا سرّ بلاغة حتى ضمّ عليه صدره، ولا تفنّن أهل غرب أو شرق حتى جمع، وتفنّن فيه حتى قصر دونه كلّ طمع، مما ينافس فيه البديع، ويجانس وشي صنعاء حسنه الصّنيع، وينشر ملاءات الحبر من فكره السحابيّ أبو الربيع، مما تقذف به السّفن والرّكاب، وتجري الريح بأمره مسخّرة حيث أصاب، لمحاسن أبعد فيها وأبدع، وظلّ بها كلّ من حضر مجلسه السّليمانيّ وكأنه الهدهد يسجد ويركع. هذا ونشره يلوح على الأسارير، وندى وجهه تخوضه (٢٨٦) العيون ثم تقول إنّه صرح ممرّد من قوارير.
ومن شعره الذي يروق، ودرّه الذي يفوق، قوله: [الوافر]
أروم وصاله فيصدّ قلبي ... بلحظ قد حمى رشف الثّنايا
فبين لحاظ عينيه وقلبي ... وبين الوصل معترك المنايا
وقوله: [المتقارب]
ولما انقضى وقت توديعها ... عشيّة بين وجدّ السّفر
وقفت بجسم يريها السّها ... وسارت بوجه يريني القمر (( ١ ))
وقوله: [الرمل]
حظّ عينيّ من الدّنيا القذى ... وفؤادي حظّه منها الأذى
ولكم حاولت فيها راحة ... ما أراد الله إلّا هكذا
وقوله: [السريع]
لمّا بدا في خدّه عارض ... وشاق طرفي نبته الأخضر
أمطر أجفاني مستقبلا ... فقلت هذا عارض ممطر
وقوله: [الخفيف]
إن بدا لي وتبت عن شرب راحي ... ودعاني إليه دفّ وعود
فأدر يا نديم كأس مدامي ... وعليّ الضّمان أنّي أعود
وقوله: [مخلع البسيط]
عطشت في مجلس وفيه ... ساق كريم يدير خمرا
سقيت لما عطشت كأسا ... يا ليتني لو عطشت أخرى
وقوله: [الطويل]
تعشّقته ظبيا فنمّ عذاره ... فناديت يا قلبي خلصت من السّبي
فقال أتسلو عند نبت عذاره ... ألم تدر أنّ المسك ينبت في الظّبي
وقوله: [مجزوء الكامل]
من يكن أعمى أصمّا ... يدخل الحان جهارا
(٢٨٧) يسمع الحان تتلى ... وترى النّاس سكارى
وقوله: [الطويل]
بدا الشّعر في الخدّ الذي كان مشتهى ... فأخفى عن المعشوق حالي وما يخفى
لقد كانت الأرداف بالأمس روضة ... من الورد وهي اليوم موردة الحلفا (( ١ ))
وقوله: [المجتث]
أهوى رشا غريرا ... لم يبق فيّ بقيا
من مهجتي ودمعي ... رعيا له وسقيا
وقوله: [الخفيف]
يا رسول الحبيب غث مستهاما ... مغرما يعشق الغرام ديانه
حدّث الخائف الكئيب من الهج ... ر فهو ممّن يرى الحديث أمانه
وقوله: [الطويل]
أناديك موسى إذ رأيتك واردا ... ومقتبسا نارا وقد قيل لا ولا
أيا قابسا خذ من فؤادي جذوة ... ويا واردا رد من دموعي منهلا
وقوله: [مخلع البسيط]
قل للذي حين رام رزقا ... بكلّ مالا يليق لاذا
أقصر عناء ونم قريرا ... فالرّزق يأتي بدون هذا
وقوله: [الطويل]
وقائلة يوم الوداع أرى دما ... تفيض به عيناك قلت لا أدري
ألم تعلمي أنّ الفؤاد لبيننا ... يذوب وأنّ العين لا بدّ أن تجري
وقوله: [الكامل]
وإلام أمنحك الوداد سجيّة ... وأبوء بالحرمان منك وبالأذى
ويلومني فيك العذول وليس لي ... دمع يعي، وإلى متى تبقى كذا
وقوله، مما كتبه إليّ: [الطويل]
نشأت شهاب الدين بالعلم والحجا ... وفقت الورى فضلا وعلما وسؤددا
(٢٨٨) شهاب العلا قد كان قبلك في العلا ... شهاب ومحمود وقد جئت أحمدا
وقوله: [السريع]
ضيّعت أموالي في سائب ... يظهر لي بالودّ كالصّاحب
لّما انتهى مالي انتهى ودّه ... واضيعة الأموال في السّائب
وقوله: [الطويل]
يقول نديمي عن نصوح بكفّه ... لقد فضح الصّهبا وجلّ عن الخبث
فقلت هو المطبوخ من جسد لها ... ألم تره قد صار منها على الثّلث
وقوله: [الطويل]
أقول لثغري والحبيب رضابه ... مدامي، ونقلي لثم أيد وأرجل
أيا ثغر قبّل جيده وجبينه ... تنقّل فلذّات الهوى في التّنقّل
وقوله: [الطويل]
وساحر طرف عقرب فوق صدغه ... تدبّ إلى قلبي ولم أملك الدّفعا
وحيّة شعر خلفها نحو مهجتي ... يخيّل لي من سحرها أنّها تسعى
وقوله: [مجزوء الكامل]
لما حكى برق النّقا ... لمعان ثغرك إذ سرى
نقل الغمام إليك عن ... دمعي الحديث كما جرى
وقوله: [مجزوء الكامل]
قد كنت أحسب بعدكم ... حتى توخّيت السّرى
وظننت دمعي بعدكم ... يجري دما وكذا جرى
ومنهم:
٦٦- سليمان بن أبي داود
علم الدين، صاحب الديوان. العلم الفرد، الذي ساد ذكره وساد الشّكر شكره، وسال بذائب النّضار فكره، وسام الدّر الغالي فهان لديه قدره، وولي المناصب السلطانية، وكان صدر رتبها، وسرّ كتبها، ورأس دواوينها، وأساس قوانينها، وآس دوحها الخضر، وورد (٢٨٩) أفانينها.
وتقدّمت له خدمة لقرا سنقر المنصوري، حلّ فيها عنده المحلّ الجليل، وصحبه بها مدّة، وفارقه على وجه جميل، وكان معه حيث رجع عن قصد الحجّ، موجّها إلى البريّة، وأخبرني أنّه وصل معه إلى الفرات، ثم رجع بإذنه، حيث خلّاه صاحبه، وتغلغل ووطئ ذلك البساط، وتوغّل وأتى الباب الشّريف الناصريّ، فعرف وفاءه لصاحبه، وقيامه له من حسن الصّحبة بواجبه، واتّخذه
موضع المعوّل، والوفاء الذي شكر بدونه السموأل، وهو أقدر النّاس على نظم، وأسرع فيه تقريبا لفهم، ومنه قوله: [مجزوء الرجز]
قلت له: كم تشتكي ... أتشتهي خذ واتّكي
فقال: لا. قلت له: ... لا تشتهي وتشتكي
وقوله في زوجة له ماتت، وكانت لخلائقه قد واتت، ثمّ مضت كأنها ما أصبحت عنده، ولا باتت، فجرحه مصابها، وجرّعه صابها، فواصل حزن قلبه قطيعتها، وأنطق لسان شكواه فجيعتها: [الطويل]
أقول لقلبي حين غيبها الثّرى ... تسلّ فكلّ للمنيّة صائر
وفي كلّ شيء للفتى ألف حيلة ... ولا حيلة فيمن حوته المقابر
وقوله: [الكامل]
قالت وقد راودتها عن حالة ... يا جارتي لا تسألي عمّا جرى
إنّي بليت بعاشق في أيره ... كبر بلا فلس ويطلب من ورا
وقوله: [الطويل]
وبي رشأ ريحان خطّ عذاره ... مسلسله حول الحواشي محقّق
على وجنة قد ورّد الورد لونها ... وقلب شقيق الروض منه مشقّق
ومنهم:
٦٧- يحيى بن محمّد بن زكريا، العامريّ
الخبّاز في التنّور. وهو شاعر عطّل الخبّاز البلديّ فنّه، وأنف أن يكون من الخبز أرزي خدنه، وسجر التنّور وأوقده ذهنه، بقريحة محصّلة لم تتّكل، على حاصل ابن القمّاح، ولا قنعت بمدّ (٢٩٠) ابن خضير الحوراني، لما تشكّله على الألواح. ما قدح خاطره المتوقّد إلّا مثل هذا الفكر المسجور، ولا استمرئ فكره المتدفّق إلّا قيل جاء أمر الله وفار التّنّور. تتحاشد عليه المسامع تحاشد الطّبون (( ١ )) وتتحاسد تحاسد نظرائه في الزّبون. تدرك فطرته المعاني بخرصها، وتودّ الشمس لو جرّت ناره إلى قرصها. تودّ فحمة الليل لو أنّها في تنّوره أحرقت، وعنبرة الصّدغ لو استدارت بوجوه أرغفته التي أشرقت، بتصرّف لا تتلوّم به الأعذار، ومعنى يخرج من فكره وله الغداة نوار، إلى خطّ كأنّه رغيفه على الألواح له من الشّونيز (( ٢ )) عذار. فلو رآه ابن الروميّ لعدل عن مدح صانع
الرّقاق، وقطع له دونه بالاستحقاق، ولراسله ابن المعتزّ في تشبيهه السّوقي، وقدّمه على تشبيهه الملوكي، لبديهته التي في مثل اللمح بالبصر، وصناعته التي بينما هو متجمّع لها كأنّها كرة إذا بها قوراء كالقمر، وسرعته التي مقدار ما تنداح دائرة في صفحة الماء تلتقي فيه بالحجر.
ومن شعره قوله: [الطويل]
كأنّ هلال الصّبح والشهب حوله ... مليك عليه الخاصكيّة تحدق
ولفّ الثريّا قصة رفعت له ... عليها لسان الصّبح بالبشر ينطق
وقوله: [الكامل]
زهر السّفر جل بالجميل رأيته ... قد فاق زهر اللّوز في الأوصاف
هذا ينثّر للنّسيم دراهما ... ونثار ذا بخفائف الأنصاف
وقوله: [الطويل]
ولم أنس زهر اللّوز عند عشيّة ... وقد ميّلت ريح الصّبا لين أعطافه
طربنا لتغريد الحمائم فوقه ... فنقّط وجه الأرض من جملة أنصافه
وقوله: [الكامل]
أين السيوف من العيون نسلّها ... غلظا وإن كانت بصقل تلمع
إنّ السيوف قواطع بصقالها ... إلّا العيون إذا تصدّت تقطع
وقوله: [الطويل]
ولّما رأى حبّي سقامي يزيدني ... فقال: إلى كم ذا المقال يزيد
(٢٩١) فقلت: وهل لي صحّة وسلامة ... وجفناك مرضى إن ذا لبعيد
وقوله: [السريع]
قلت لمن ينتف أصداغه ... لا يكره الريحان حول الشقيق
واعتق لشعر الذّقن من نتفها ... فالشيخ سنّيّ يحبّ العتيق
وقوله من قصيد: [الكامل]
والياسمين كأنّه من فضّة ... قد صيغ للنّدمان كالصّلبان
ولأجل ذا قد غرّد الشّحرور في ... حلل السّواد كحلية الرّهبان
وقوله: [البسيط]
بادر إلى فرص اللّذّات في الغلس ... واجل المدامة تغنينا عن القبس
فمسكة الليل قد فتّت نوافجها ... على الرياض فأهدت أطيب النّفس (( ١ ))
ووجه روضك بسّام ونرجسه ... محدّق الطّرف لا يخشى من النّعس
وإن رأيت النّدى في الأقحوان بدا ... فنزّه الطّرف بين الثّغر واللّعس
وقوله: [الكامل]
لا تعجبوا لسرور من أحببته ... ودمي عليه في المحبّة يسفك
فدم الشقيق يسيل من وجناته ... وبجنبه ثغر الأقاحي يضحك
وقوله في مثاقف: [المتقارب]
لئن شبّهوا قدّه بالغصون ... أو الوجه بالبدر خافوا عليه
وأخطا المشبّه في حقّ من ... غدا الغصن والبدر في قبضتيه
وقوله: [الطويل]
تتيّمت زهر اللوز من أجل سبقه ... يخبّرنا إنّ الرّبيع لقادم
وأعجب ما عاينته منه أنّه ... يقطّع من أعضائه وهو باسم
وقوله في أقطع: [الطويل]
وبي أقطع ما زال يسخو بماله ... ومن قاصديه قطّ ما ردّ سائل
(٢٩٢) تناهت يداه فاستطال عطاؤها ... وعند التّناهي يقصر المتطاول
وقوله مضمّنا: [الوافر]
أحبّ الجحر دون الكسّ قصدا ... ولا أبغي على ذاك ازديادا
ولي نفس تحلّ بي الرّوابي ... وتأنف أن يحلّ بي الوهادا
وقوله: [السريع]
باكر عروس الرّوض واستجلها ... وطلّق الحزن ثلاثا بتات
بقهوة حلّت لنا كلّما ... حلّت لآلي القطر جيد النبات
وقوله: [الكامل]
ومعقرب الأصداغ أسبل برقعا ... فسبا لكلّ معقرب ومبرقع
قالت لواحظه لطالب قبلة ... في خدّه لا تخش قلب البرقع
وقوله: [الوافر]
بعيشك هاتها صفراء صرفا ... صباحا واطّرح قول النّصوح
فهذي الشمس قد بزغت بعين ... تغامزنا على شرب الصّبوح
وقوله: [الكامل]
اشرب على الغيم الجديد عتيقا ... وانظر بكأسك لؤلؤا وعقيقا
واطف اللهيب بكأس راحك ساعة ... واحرق همومك بالرّحيق حريقا
والحق صبوحك بالغبوق لذاذة ... ما العيش إلّا صبحة وغبوقا
من كفّ ساق صاغه منشيه من ... لطف فلم تنظر لديه عقوقا
ساق أبعناه العقول بكأسه ... فأقام فينا للمسرّة سوقا
ثمل المعاطف قدّه من لينه ... رشق القلوب به فصار رشيقا
وشققت ثوب تصبّري من خدّه ... لّما له صار الشقيق شقيقا
شرقت لرؤيته العيون بدمعها ... وجرت دما لما رأته شريقا
وبريقه زاد الحميّا رقّة ... وبشعره زاد البروق بريقا
(٢٩٣)
خرست أساوره وأنّ وشاحه ... فتخاله قلبا عليه خفوقا
أرخى ذوائبه وقال أبينهم ... فرق فقلت له أراك دقيقا
يجفو الصّديق صديقه في مثله ... ولطالما هجر الصّديق صديقا
قد جاز في حدّ الملاحة مثلما ... فضل المؤيّد جاوز العيّوقا
ومنهم
٦٨- محمّد بن عليّ، الحمويّ
المعروف بالشت.. (( ١ ))
ومنهم:
٦٩- عمر بن المظفّر بن عمر بن محمّد بن أبي الفوارس بن عليّ، الورديّ، أبو حفص، زين الدين (( ١٣ ))
أحد القضاة ببلاد حلب، وفي ذلك قال: (( ٢ )) [الكامل]
قد قيل لي قاض وأيّ فضيلة ... لاسم هو المستثقل المنقوص (( ٣ ))
قلت: وهذا الورديّ ذو أدب. حسبك ما تشمّ من شذاه، وتضمّ من ورده تحت قطر نداه. وأقمت قبل تمام هذا التأليف مدّة أسأل عنه الرّكبان، وأتطلّبه حتى جاءني منه أوائل ورد في أواخر شعبان، فتحرّجت بمراهقة الصيام من إدارة كؤوسه، وتحجّرت في كتمانه خوفا أن يجعل رمضان نهار أكله بشعشعة شموسه، وقلت لسابق سحابه: أمسك عنانك الصيّب، ولمورد ورده من أين لك هذا النّفس الطّيّب، ونظرت إلى مدبجه، وقلت: إنّك للعلم الفرد، ثم التفتّ إلى أرجه، وقلت: وإنّك ماء الورد إن ذهب الورد. وتحيّرت هل هو مما أنبتت حلب أو نصيبين، وهل هو مما شحّ به الشّجر أو درّ من دارين. ورأيت ما ينسب إلى الخدّ الورديّ في ديباجته، وإلى المدام الورديّ في زجاجته. لا بل هو الورد على رغم
المنكر، وهو المضاعف حسنه إن كرّر. ثمّ قدمت حلب فأتاني، وعرض عليّ من شعره كلّ غضّ القطاف، ورديّ العطاف، لا يشكّك فيه الممتري (٢٩٤) ، ولا يرتاب قبل جفاف النّدى عن الورق أنّه الورد الطّري، فاجتنيت به الورد من غصنيه، واجتلبت الورد لكنّه مما لا يعدّه مرتبط الجياد في حصنيه، واجتبيت الورد إلّا أنّه الأسد المتعقع زئير لسنه، واجتليت الورد إلّا أنّه العنبر الورد في يد مختزنه، وكدت أستخرج منه ماء الورد إلّا أنه قد أعرق، وتكلّل منه بالجوهر مثل لؤلؤ الطّلّ المفرّق، وقلت بوركت من ورديّ يعير ثغور العذارى عقوده المجوهرة، وورد منسوب في نصيب نصيبين لا قطعت أيدي الحوادث من أنسابه شجرة، وظللت أنشدها ويجتهد الحسود فلا يقدر يجحدها، وطفقت أقلّب جنيّه الورديّ، وأقبّل شفاه ورده، والساقي يتوهّم فيقول تارة: دع قدحي. وتارة يقول:
خلّ خدّي، وأجتني باكورته من فرعه المنتمي إلى علي، وأنشر نشره ورياحه تضرّ حاسده الجعليّ. ولو عاصره ابن قلاقس وعقل، لقال: دعني أتستّر بورقي، وأختبيء من الأرض في نفقي، وأسرق من وشيه الورديّ خضرة سرقي. ولما أدّعى- وقال الحقّ- بنفسج صبحي، ووردة شفقي، ولو جاء بكيرا في أوّل الأوان لما وسم الأبيوردي في اسمه بالزّيادة، ولا كان إلّا عبده أبو عبادة، ولكان صنو الصنوبريّ لا بل أبان عجزه على التّحقيق، وقصوره في وصف الرّوض الأنيق، وعرّفه- وقد ضيّع عمره في وصف الرّوض وشقيقه- بأنّ ساعة من الورد بعمر الشّقيق.
وهو ممّن ضرب إلى الفقه بعرق، وظهر له في النّحو حذق. وولي القضاء وهو له مستحقّ. ومن شعره الذي يقرّ له الكلام الحرّ بالبرق، وتسأله القرائح المماتنة الرّفق، ما أثبته له الفاضل أبو الصفاء خليل الصّفّديّ. ومن خطّه نقلت، وفي أثنائه أبيات لأبي الصفاء ذكرها، واعترض بمثل أثناء الوشاح المفصّل دررها، كان قد أنشدها لقاضينا الورديّ، فأخذ معناها قسرا، وركّبها في صورة أخرى، إلّا أنه استزار منها حلم الطّيف، وأكرم ملقيها لمّا أتته من حلب إلى دمشق، وقال يا كرام الورد ضيف، ومما ذكر للوردي قوله المستدعي يحثّ كؤوس المدام، وكيف (٢٩٥) لا، وهي أيّام الورد في غبوق الغمام. فمنه قوله: (( ١ )) [الكامل]
أتظنّني أصغي إلى اللوّام ... في حبّ من ذلّي بها إكرامي
فبقدّها وبخدّها وبثغرها ... غصن وتفاح وحبّ غمام
لما تبدّت بين أتراب ومن ... سحب البراقع لاح بدر تمام (( ٢ ))
ناديت يا قلبي ويا طرفي معا ... أنا قد وقعت ففارقا بسلام (( ٣ ))
وقوله: (( ١ )) [الخفيف]
سل وميض البروق عن خفقاني ... وعليل النّسيم عن جثماني
ولهيب الهجير عن نار قلبي ... وخفيّ الخيال عن أجفاني
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
إن عاد لمع البرق يخبر عنكم ... وأتى القبول مبشّرا بقبولي
فلأقدحنّ البرق من نار الحشا ... ولأخلعنّ على النّجوم نحولي
وقوله: (( ٣ )) [الوافر]
وسود صيّرتها السّود بيضا ... فلا تطلب من الأيّام بيضا
فبعد السّود ترجو البيض ظلما ... وقد سلّت عليها السّود بيضا
وقوله: (( ٤ )) [البسيط]
انهلّ أدمعها درّا وفي فمها ... درّ وبينهما فرق وتمثال
لأنّ ذا جامد في الثغر منتظم ... وذاك منتثر في الخدّ سيّال
وقوله: (( ٥ )) [الخفيف]
جاءنا الورد في بديع زمان ... فقطعناه في منى وأمان
ونهبنا فيه لذيذ وصال ... وهتكنا فيه عروس الدّنان
وغلطنا فيه ببعض ليال ... فخلطنا شعبان في رمضان
وقوله: (( ١ )) [الكامل]
أنّى لورقاء الغضا تشكو النّوى ... وغدت مضاجعة قضيب البان
فلو طوّقت جيدا وقد خضبت يدا ... وشدت بألحان على عيدان
وقوله: (( ٢ )) [الكامل]
ومرنّح الأعطاف مهضوم الحشا ... يهتزّ من هيف بلين قوام
نمّ العذار على صحيفة خدّه ... أنا خائف من فتنة النّمّام
(٢٩٦) وقوله: (( ٣ )) [البسيط]
أحاط بالخال فوق الخدّ عذاره ... لّما تكوّن في نور ونيران
مكان عابد نار فوق وجنته ... وقد غدا راهبا في دير شعران
وقوله: (( ٤ )) [البسيط]
لّما رأوا حسن شامات بوجنته ... وقد نما حولها خاف من الزّغب
قالوا لقد شان شامات له شعر ... فقلت والله ذا من أفحش الكذب
لكنّها نفحات المسك قد نثرت ... وصيغ منثور ذاك المسك بالذّهب
وقوله: (( ٥ )) [البسيط]
زهت عقارب أصداغ له مسخت ... في نار وجنته نملا وما احترقت
حتى إذا اجتمعت عادت بوجنته ... حبّات مسك على خدّيه واخترقت
وقوله: (( ١ )) [البسيط]
قد خطّ في خدّه من زغب ... فقال لي عاذلي هل عنه سلوان
أما ترى نمّ نبت فوق وجنته ... فقلت ما نمّه زور وبهتان
وإنّما كتبت كلّ المحاسن في ... صحيفة الخدّ والسّطران عنوان
وقوله: (( ٢ )) [البسيط]
لا تحسبوا شعرا من فوق وجنته ... يشين خدّا صقيلا راق منظره
لكنّه سلّ من أجفان مقلته ... سيفا فمثّل في الخدّين جوهره
وقوله: (( ٣ )) [البسيط]
كأنّ عارضه في الخدّ حين نما ... خفيّ غيم بدا في جانب الشّفق
أو عنبر الخال فوق الخدّ محترق ... دخّانه قد علا في خدّه الشّرق
وقوله: (( ٤ )) [الرمل]
بي من لو قال لي مبسمه ... ادن والثم غرت أن ألثمه
غاب عن عيني نهارا كاملا ... ليتني أعلم من علّمه
وقوله: (( ٥ )) [المجتث]
إن جزت سلعا فسل عن ... ظبي من الظّبي أحسن
(٢٩٧) مكّنته من فؤادي ... ومهجتي فتمكّن (( ١ ))
لا تطلبوا فيه صبري ... فالصّبر أوهى وأوهن (( ٢ ))
أفنيت فيه وجودي ... ولست أسمع ممّن
وقوله: (( ٣ )) [السريع]
علقت أعرابيّة ريقها ... شهد ولي فيها عذاب مذاب (( ٤ ))
طرفي بها نبهان والرأس من ... شيبان والعذال فيها كلاب (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [المتقارب]
وأفشيت سرّي إلى صاحبي ... فعدت له طول دهري ذليلا (( ٧ ))
فوا أسفا كيف أودعته ... ليوم العداوة سيفا صقيلا
وقوله: (( ٨ )) [مجزوء الرجز]
أنتم أحبّائي وقد ... فعلتم فعل العدى
حتّى تركتم خبري ... للعاشقين مبتدا (( ٩ ))
وقوله: (( ١ )) [السريع]
إذا مضى للمرء من عمره ... خمسون عاش العيشة السيّئة
وإن شكا قال له دهره ... أجمل فلي عندك نصف المئة (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [الرمل]
جاءنا ملتثما مكتتما ... فدعوناه لأكل وعجبنا
مدّ في السّفرة كفّا ترفا ... فحسبنا أنّ في السّفرة جبنا
وقوله: (( ٤ )) [مجزوء الرجز]
قلت وقد عانقته ... عندي من الصّبح قلق
قال: وهل يحسدنا ... قلت: نعم: قال: انفلق
وقوله: (( ٥ )) [السريع]
بالله يا معشر أصحابي ... اغتنموا علمي وآدابي
فالشّيب قد حلّ رأسي وقد ... أقسم ما يرحل إلّا بي
وقوله: (( ٦ )) [الوافر]
وكنت إذا رأيت ولو عجوزا ... يبادر بالقيام على الحرارة
(٢٩٨) فأصبح لا يقوم لبدر تمّ ... كأنّ النّحس قد ولي الوزارة
وقوله: (( ١ )) [المنسرح]
رامت وصالي فقلت لي شغل ... عن كلّ خود تريد تلقاني
قالت: كأنّ الخدود كاسدة ... قلت: كثيرا لقلّة القاني
وقوله: (( ٢ )) [مجزوء الرجز]
لا تصحبنّ أعورا ... وإن تناهى زينه
لو كان فيه راحة ... ما فارقته عينه
وقوله: (( ٣ )) [مجزوء الكامل]
لّما شتت عيني ولم ... ترفق لتوديع الفتى
أدنيتها من خدّه ... والنار فاكهة الشّتا
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
لما رأى الزهر الشقيق انثنى ... منهزما لم يستطع لمحه
وقال من جاء؟ فقلنا له: ... (( جاء شقيق عارضا رمحه )) (( ٥ ))
وقوله: (( ٦ )) [السريع]
من كان مردودا بعيب فقد ... ردّتني الغيد بعيبين
الرأس واللّحية شابا معا ... عاقبني الدّهر بشيبين
وقوله: (( ١ )) [مجزوء الرمل]
دهرنا أضحى ضنينا ... باللّقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عودي ... واجمعينا أجمعينا
وقوله: (( ٢ )) [الرجز]
أنتم أحبّائي وقد ... فعلتم فعل العدى
حتى تركتم خبري ... في العالمين مبتدا (( ٣ ))
وقوله: (( ٤ )) [السريع]
وتاجر شاهدت عشّاقه ... والحرب فيما بينهم سائر (( ٥ ))
قال: علام اقتتلوا هكذا ... قلت: على عينك يا تاجر
وقوله: (( ٦ )) [الكامل]
مرض الفؤاد وصحّ ودّي فيكم ... وأقام تذكاري وجفني نازح (( ٧ ))
إنسان عيني كم سهاد كم بكا ... (( يا أيّها الإنسان إنّك كادح )) (( ٨ ))
وقوله: (( ٩ )) [البسيط]
يعيب شعري أقوام وأعذرهم ... فإنّ شعري ورديّ وهم جعل
شعري وإن كان سهلا فهو ذو ثقل ... على حسودي فهو السّهل والجبل
(٢٩٩) وقوله: (( ١ )) [مجزوء الرمل]
العروضيّ فلان ... أن بدت منه هنات
فله جدّات سوء ... فاعلات فاعلات (( ٢ ))
وقوله: (( ٣ )) [السريع]
مرّت نساء كالظّبا خلفها ... أدهم يحميها عن الكيد
قالوا لما يصلح؟ قلت الظّبا ... للصّيد، والأدهم للقيد
وقوله وزاده: (( ٤ )) [البسيط]
ديار مصر هي الدّنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلهم بتقبيلي (( ٥ ))
يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدّمة والسّرح للنيل (( ٦ ))م
تعليقات