٢٧٥
١ الحدّ الأوّل في العقل والعلم والجهل وما يتعلّق بها
(١) فيما جاء في العقل والحمق «١» وذمّ اتباع الهوى
ما يحدّ به العقل وبنوه والحمق وذووه
قيل: العقل الوقوف عند مقادير الأشياء قولا وفعلا وقيل النظر في العواقب وقال المتكلّمون اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صحّ تكليفه.
وقيل: العاقل من له رقيب على جميع شهواته. وقيل: من عقل نفسه عن المحارم، ولذلك لم يصح وصف الله تعالى به.
والحمق قلّة الإصابة ووضع الكلام في غير موضعه، وقيل: فقدان ما يحمد من العاقل.
مدح العقل وذمّ الحمق
قال النبي ﷺ: ما اكتسب ابن آدم أفضل من عقل يهديه إلى هدى، أو يرده عن ردى.
وقيل: الحمق يسلب السلامة ويورث الندامة والعقل وزير رشيد وظهير سعيد، من أطاعه أنجاه، ومن عصاه أرداه.
وقيل: لو صوّر العقل لأضاء معه الليل ولو صوّر لأظلم معه النهار.
وقال المتنبّي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
حاجة الفضائل إلى العقل
قيل: العقل بلا أدب فقر، والأدب بغير عقل حتف. وقيل: بلوغ شرف المنزلة بغير عقل أشفاء على الهلكة. وقيل: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(١) فيما جاء في العقل والحمق وذم اتباع الهوى←حاجة الفضائل إلى العقل
٢ فضل مصاحبة العقلاء
قال الزهري: إذا أنكرت عقلك، فاقدحه بعاقل.
وقال: عدوك ذو العقل أبقى عليك، وأرعى من الوامق «١» الأحمق.
تبرّم العقلاء بصحبة الجهّال
قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسرّ منه بلين العيش مع السّفهاء وقيل: قطيعة الجاهل تعدل صحبة العاقل:
لم يبل ذو الجهل الذي ... دارت عليه صروف دهره
ببليّة أشجى له ... من جاهل يزري بقدره «٢»
يمضي حكومته عليه ... بجهله وجواز أمره
النّهي عن مصاحبة الجاهل
قال لقمان: لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال؛ وانظر إلى السيف ما أحسن منظره.
وقال الجاحظ: لا تجالس الحمقى، فإنه يعلق بك من مجالستهم من الفساد، ما لا يعلق بك من مجالسة العقلاء دهرا، من الصّلاح. فإنّ الفساد أشد التحاما بالطّباع.
وقيل: العاقل يضلّ عقله بمصاحبة الجاهل.
استعمال العقل والجهل مع ذويهما
قيل: العاقل يعامل الإنسان على خليقته، ويجاري الزمان على طريقته:
فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن مثل أحمق «٣»
وقال آخر:
أحامقه حتّى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله «٤»
ذمّ عاقل متجاهل
قيل: عظمت المؤنة «٥» في عاقل متجاهل، وجاهل متعاقل. وددت أني مثلك في ظنّك، وأن أعدائي مثلك في الحقيقة.
قال المتنبيّ:
ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل ... يرى النّاس ضلالا وليس بمهتدمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(١) فيما جاء في العقل والحمق وذم اتباع الهوى←ذم عاقل متجاهل
٣ صعوبة مداواة الأحمق
لكلّ داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها «١»
وقال المتنبيّ:
ومن البليّة عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم «٢»
روي أن عيسى ﵊، أتى بأحمق ليداويه، فقال: أعياني مداواة الأحمق ولم يعيني مداواة الأكمه «٣» والأبرص «٤» .
وقال الحجّاج: أنا للعاقل المدبّر أرجى منّي للجاهل المقبل.
وقيل: أنك تحفظ الأحمق من كل شيء إلا من نفسه، وتداويه إلا من حمقه.
تعب العاقل واستراحة الجاهل
قيل لحكيم: من أنعم الناس عيشا؟ فقال: من كفى أمر دينه، ولم يهتم لأمر آخرته.
قال أبو علي كاتب بكر:
من رزق الحمق فذو نعمة ... آثارها واضحة ظاهره
يحطّ ثقل المرء عن نفسه ... والفكر في الدنيا وفي الآخره
وقال آخر (المتنبّي):
ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم
موصوف بالعقل
كان ابن المقفع والخليل «٥» يحبّان أن يجتمعا. فاتفق التقاؤهما، فاجتمعا ثلاثة أيام يتحاوران. فقيل لابن المقفع: كيف رأيته؟ فقال: وجدت رجلا عقله زائد على علمه.
وسئل الخليل عنه، فقال: وجدت رجلا علمه فوق عقله.
قال بعض العلماء: صدقا فإن الخليل مات حتف أنفه في خص «٦» وهو أزهد خلق الله، وتعاطى ابن المقفع ما كان مستغنيا عنه حتى قتل أسوأ قتلة.
قال الصنوبري:
فإن يلتمس يوما حجاكم فإنّكم ... جبال الحجا لكنّكم أبحر الجدوى «٧»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(١) فيما جاء في العقل والحمق وذم اتباع الهوى←موصوف بالعقل
٤ وقيل: إن قدمت هواك على عقلك لم تصب رشدا في حياتك، ولا أمنا بعد وفاتك. وأنشد:
إنّ الهوان هو الهوى جزم اسمه ... فإذا ألقيت هوى لقيت هوانا «١»
حمد مخالفته
قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
«٢» .
وبعث ملك إلى عابد مالك لا تخدمني وأنت عبدي. فقال: لو اعتبرت لعلمت أنك عبد عبدي. قال: كيف؟ قال: لأنك تتبع الهوى فأنت عبده وأنا أملكه فهو عبدي. فقال: صدقت.
وقيل: سلطان من ملك الهوى فوق سلطان من ملك الدنيا.
ذمّ من يجهل نفسه
قال أبو علي الورّاق: آفة الناس قلّة معرفتهم بقدر أنفسهم.
قيل لبزرجمهر: أيّ العيوب أعظم؟
قال: قلّة معرفة المرء بنفسه.
وقال المتنبّي:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
وقال سقراط: لا شيء أضرّ بالإنسان من رضاه عن نفسه، فإنه إذا رضي عنها اكتفى باليسير فعابه كل خطير.
مدح من يعرفها
قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: لن يهلك امرؤ عرف قدره. وقيل: أجمع كلمة قول الحكيم: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه.
وقال النبي ﷺ: من أراد الله به خيرا فقّهه في الدين وعرّفه عيوب نفسه.
وقيل في قوله تعالى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
«٣»: معناه عرّفناهم عيوب أنفسهم.
وقوف المرء على عيب نفسه
قيل: لحكيم ما أصعب الأشياء؟ قال: معرفة الإنسان عيب نفسه، والإمساك عن الكلام في ما لا يعنيه.
وقيل: قد يعرف نقص غيره من لا يعرف نقص نفسه، ولا يعرف نقص نفسه من لامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(١) فيما جاء في العقل والحمق وذم اتباع الهوى←وقوف المرء على عيب نفسه
٥ قال الشاعر:
أصبحت تنفخ في رمادك بعدما ... ضيّعت حظّك من وقود النّار
الأمر بترك التلهف على ما فات
قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ.
قيل: أكبر الأدواء للبدن التلهف على ما لا يدرك. إن ليتاوان لو إعناء.
إظهار النّدامة والتأسّف
قال الشاعر:
عضضت أناملي وقرعت سنّي «١» وقال الكسعي وخبره مشهور:
ندمت ندامة لو أنّ نفسي ... تطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبيّن لي سفاه الرأي منّي ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي
وهذا هو المضروب به المثل في الندامة وإياه عنى الفرزدق بقوله:
ندمت ندامة الكسعيّ لما ... غدت منّي مطلّقة نوار
وقال صخر بن عمرو:
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان «٢»
قال آخر:
وكنت كناشب في الوحل ينوي ... نهوضا وهو يزداد ارتطاما «٣»
مدح من لا يندم فيما يباشره
قال أبو الأصمع: لا ينهض العجز في أعقاب نهزته «٤»، ولا يصاحب عزما حين يخترم «٥» المتنبي:
فما تكشّفك الأعداء عن ملل ... من الحروب ولا الآراء عن زلل
وقال الموسوي في مدح بعضهم:
في قرعه سنّه لا يطمع النّدممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٢) ما جاء في الحزم والعزم وما يضادهما، والظن والشك والتثبت والعجلة←مدح من لا يندم فيما يباشره
٦ ذمّهما
قال الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
، وقال شيخ لرجل: أظنّك كاذبا فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه، وقال:
وأضعف عصمة عصم الظّنون
وقال المتنبّي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم «١»
مدح التغافل
سئل حكيم: ما اللبيب؟ فقال: الفطن المتغافل. ولما أمضى معاوية بيعة يزيد قال:
يزيد: يا أبت ما أدري أنخدع النّاس أم يخدعوننا بما يأخذون منّا؟ فقال: يا بنيّ من خدعك فانخدعت له فقد خدعته. وقيل: إذا أردت لباس المحبّة فكن عالما كجاهل.
وقيل: من تغافل فعقلوه، ومن تكايس فطبطبوه أي العبوا به على الطبطابة.
قال الشاعر:
ليس الغنيّ بسيّد في قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابي «٢»
ولأبي فراس وقد أجاد:
تغابيت عن قومي فظنّوا غباوتي ... بمفرق أغبانا حصى وتراب «٣»
من لا يخدع لعقله
قال عمرو بن العاص: ما رأيت أحدا كلّم عمر ﵁ إلا رحمته لأنه كان لا يخدع أحدا لفضله، ولا يخدعه أحد لفطنته. وقال أياس بن معاوية:
لست بخبّ ولا الخبّ يخدعني «٤»
وقيل لرجل:- فيك فطنة، فقال: ما ذنبي إذ خلقني الله عاقلا.
مدح التثبّت
قال الشعبيّ: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد. وقال عمرو بن العاص:
لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة. وروى عن النبي ﷺ: ما دخل الرفق في شيء إلا زانة «٥» ولا الخرف إلا شأنه «٦» .محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٢) ما جاء في الحزم والعزم وما يضادهما، والظن والشك والتثبت والعجلة←مدح التثبت
٧ مدح الحساب
قال الله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
«١»، وقال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
«٢» وقيل الحساب ديباج «٣» العلم، وقال علي بن زين: لو رفع الحساب لبطلت العلوم ولو رفعت العلوم لم يبطل الحساب.
مدح إستخراج المعمّى» وذمّه والحاذق فيه
قيل: إستخراج المعمّى يدقق النظر ويصقل الذهن ويفطن القلب. وقيل: إن بعض اليونانيين كتب بلغتهم كتابا إلى الخليل فخلا به شهرا حتى فهمه فقيل له في ذلك، فقال:
علمت أنه لا بدّ من أن يفتتح الكتاب باسم الله فبنيت على ذلك فقست عليه وجعلت ذلك أصلا ففتحت ثم وضع كتاب المعمى على ذلك.
وقال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن المعمّى فقال هو عمى القلب. وقال الجاحظ: ليس المعمّى بشيء قد كان كيسان مستملي أبي عبيدة يسمع خلاف ما يقال، ويكتب خلاف ما يسمع، ويقرأ خلاف ما يكتب، يتعسر «٥» عليه إستخراج أخف نكتة «٦» من المعمّى.
معرفة النسب
سئل بعضهم عن علم النسب، فقال: هو علم لا تنفع معرفته ولا يضرّ جهله.
وقال رجل لأبي عبيدة: علّمني شيئا من النسب، فقال: ما تستفيد بذلك إلا معرفة المعايب. وقيل: فلان أنسب من دغفل «٧» ومن ابن لسان الحمرة. وقال المتنبّي في نبطي «٨» عارف بالنسب:
وماذا بمصر من المضحكات ... ولكنّه ضحك كالبكا
بها نبطيّ من أهل السّواد ... يدرس أنساب أهل العلامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٤) ومما جاء في وصف العلم والعلماء مدحا وذما ووصف الحفظ والنسيان←معرفة النسب
٨ العتب على من يذمّ علما
تحدّث يوما شريك بحديث فقال عافية القاضي: لا أعلم هذا. فقال: وهل يضرّ عالما جهل جاهل.
وقال المتنبي:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم «١»
وقال ابن الرومي:
عابوا قريضي وما عابوا بمعرفة ... ولن ترى الشمس أبصار الخفافيش «٢»
ذمّ مستكثر لعلمه معجب بنفسه
ذكر النظّام الخليل فقال: توحد به العجب فأهلكه وصوّب له الاستبداد صواب رأيه فتعاطى ما لا يحسنه. وقال إبليس: ثلاث من كنّ فيه أدركت حاجتي منه: من استكثر علمه، ونسي ذنبه، وأعجب برأيه.
ويدخل في هذا الباب ما ذكر في قول عديّ بن الرقاع وقد تقدم.
ذمّ مدّع للعلم
قال كشاجم:
تشبّه في النحو بالأخفشين ... فجاء بأعجوبة مطرفه «٣»
ولم يسمع النّحو لكنّه ... قرا منه شيئا وقد صحّفه
فإن لم يكن أخفش الناظرين ... فإنّ الفتى أخفش المعرفه
وقال آخر:
فما لك بالغريب يد ولكنّ ... تعاطيك الغريب من الغريب «٤»
وقال أبو العتاهية «٥»:
أشدّ النّاس للعلم ادعاء ... أقلّهم بما هو فيه علمامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٤) ومما جاء في وصف العلم والعلماء مدحا وذما ووصف الحفظ والنسيان←ذم مدع للعلم
٩ من يعلّم من هو أعلم منه
قيل: كمستبضع التمر إلى هجر، وكمعلمة أمها البضاع «١» .
وقيل: تعلّمني بضبّ أنا حرّشته، وقيل: فلان يقرأ سورة يوسف على يعقوب ﵉.
وقال المتنبي:
فآجرك الإله على عليل ... بعثت إلى المسيح به طبيبا
ويقال: أنا منه كحاقن «٢» الإهالة إذا كنت عارفا به.
الحثّ على الحفظ دون الاعتماد على الكتب
قيل: إذا فقد العالم الذهن قلّ على الأضداد احتجاجه وكثر إلى الكتب احتياجه.
وقيل: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النّادي.
وقال محمد بن بشير:
ليس بعلم ما يعي القمطر ... ما العلم إلا ما وعاه الصّدر «٣»
وله أيضا:
إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع
وقال آخر:
غدوت بتشمير وجدّ عليهم ... فمحبرتي سمعي ودفترها قلبي
ضبط العلم بالكتابة
قيل: قيّدوا العلم بالكتابة، وقال سقراط: ما بنته الأقلام لم تطمع في دروسه الأيام.
وقيل: العلم يندّ فاجعلوا الكتب له حماة والأقلام عليها رعاة. العلم عقود فاجعلوا الكتب لها نظاما.
وقيل: اكتبوا ما تسمعونه من الحكم ولو في بياض النواظر بأطراف الخناجر.
وصف المثبت لكلّ ما يسمع
قال أعرابي في رجل يكتب كل ما يسمع: أنت حتف الكلمة الشّرود «٤» .محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٧٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٥) ومما جاء في التعلم والتعليم وما يتعلق بهما←وصف المثبت لكل ما يسمع
١٠ والله لو وضعته على شعر لحلقه أو على صخر لفلقه قال الله تعالى: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
«١»، ووصف أعرابي رجلا فقال: أدقّ من ورقة وألين من سرقة.
قال الغساني:
له بين فكّيه لسان كأنّه ... حسام دقيق الشفرتين عتيق
وقال آخر:
وللسّيف أشوى وقعة من لسانيا «٢»
وقال آخر:
وحسبت أنّ لسانه من عضبه
وصف كلام بالسلاسة
«٣» قيل: لو كان الكلام طعاما لكان هذا إداما كلام يقطر عسله هذا. والله نثر نغم أحسن من نثر نغم، كلام كالوبل في المحل.
وتكلّم المأمون بكلام حسن في مسألة ثم قال لبعض ندمائه: كيف كان الكلام في هذه المسألة؟ قال: كان والله كغيث وقع على أرض عطشة. فقال: جوابك هذا أحلى لدي من الأمن بعد الخوف.
وقال المتنبّي:
إذا ما صافح الأسماع يوما ... تبسّمت الضمائر والقلوب
قال ابن المقفع: ما زالت ينابيع حكمه تترقرق في معابر الآذان حتّى ملأت القلوب عقولا. اللفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد.
وقيل في وصف كلام: إنه يحطّ الجندل «٤» ويثقب الخردل «٥»، وأنه لدون السحر وفوق الشعر.
لفظ ساعد المعنى في الجودة
مدح أعرابي رجلا فقال: كان ألفاظه قوالب لمعانيه.
قال الشاعر:
تزين معانيه ألفاظه ... وألفاظه زائنات المعاني
وقيل: خير الكلام ما كان لفظه بكرا ومعناه فحلا.
وقال شاعر:
نرى حلل البيان منشرات ... تخير وسطها صور المعانيمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٨٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٦) ومما جاء في البلاغة وما يضادها←لفظ ساعد المعنى في الجودة
١١ مدح كلام وسط
خير الكلام ما لا يكون عاميا سوقيا ولا عربيا وحشيّا. وقيل: الإيغال «١» في البلاغة معجزة، والخروج عن كلام أهل الزمان هجنة.
قال أبو الأسود الدؤلي لابنه: يا بنيّ إذا كنت في قوم فلا تتكلّم بكلام من لم يبلغه سنّك فيستثقلوك، ولا بكلام من هو دونك فيستحقروك.
مفاضلة الرواية والبديهة
قال معاوية لعمرو بن العاص: أنا آدب منك، فقال: أنت للرويّة وأنا للبديهة وبينهما بون «٢» .
وقال ابن الرومي:
نار الرويّة نار غير منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضّلها قوم لعاجلها ... لكنّه عاجل يمضي مع الرّيح
فضل البديهة وما يحاضر به
قيل: خير الفقه ما حضرت به، ولا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النادي. وقال الحطيئة:
فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول دوره شهرا
وقال المتنبي:
أبلغ ما يطلب النجاح به الطب ... ع وعند التعمّق الزلل
النهي عن التشادق والتقعّر وذمّهما
قال النبي ﷺ: إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون «٣» المتشدّقون «٤» . وقال: ﷺ إياك والتشادق.
وقال بشر بن المعتمر «٥» إيّاك والتقعر «٦» فإنّه يسلمك إلى التعقيد، فيستهلك معانيك، ويمنعك من مراميك.
وقال تشقيق البيان من شقاشق الشيطان.
وقال النبي ﷺ شعبتان من النفاق البذاء «٧» والبيان، وشعبتان من الإيمان: الحياء والعيّ «٨»،محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٨٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٦) ومما جاء في البلاغة وما يضادها←النهي عن التشادق والتقعر وذمهما
١٢ فرجته بلسان غير ملتبس ... عند الحفاظ وقلب غير مردود
وقال حسّان «١»:
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي حاجة في القول جدّا ولا هزلا
الموصوف بإنصاف النظّار لديه والسكون في مجلسه
قال أبو تمّام:
ثبت الخطاب إذا اصطكّت بمظلمة ... في رحله ألسن الأقوام والركب
لا المنطق اللخي يزكو في محافله ... يوما ولا حجّة الملهوف تستلب «٢»
وقال المتنبّي:
الفاصل الحكم عيّ الأوّلون به ... والمظهر الحقّ للساهي على الذهن «٣»
وكان أبو الشمر إذا ناظر لم يحرّك يديه ولا رأسه، ولا منكبيه حتّى كان كلامه يخرج من صدع صخرة.
وقال الأنصاري:
مجالسهم خفض الحديث وقولهم ... إذا ما قضوا في الأمر وحي المحاجر
وقال المتنبّي:
وإذا هو لا يستبّ خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل
وهذا منقول من قول الآخر:
واستبّ بعدك يا كليب المجلس
المدفوع عن حجّة قويّة لا تعرف لغموضها
قال ابن الرومي:
غموض الحق حين تذبّ عنه ... يقلّل ناصر الحقّ المحقّ
يضلّ عن الدقيق عقول قوم ... فتحكم للمجلّ على المدقّ
وقيل ما دقّ من الكلام يعجز عنه كثير من الأنام، فينسب إلى الإحالة وإن كان في غاية الجلالة، ولذلك قال أبو تمّام:
فصرت أذلّ من معنى دقيق ... به فقر إلى فهم جليل «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١٠٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٨) ومما جاء في المذاكرة والمجادلة←المدفوع عن حجة قوية لا تعرف لغموضها
١٣ مدح الراجع إلى الحقّ في المناظرة
قال عمر ﵁: الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي «١» في الباطل. وقيل:
المبطل مخصوم، وإن خصم والمحق فالج، وإن خصم.
وقال عمر ﵁ يوما: أيّها الناس ما هذه الصدقات التي أحدثتم لا يبلغني أن أحدا أتجاوز صداق النبي ﷺ إلا استرجعته منه فقامت إليه امرأة فقالت: ما جعل الله ذلك إليك يا ابن الخطاب، إن الله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا
، فقال عمر: أما تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت. ناضلت أميركم فنضلته.
وقال الشعبيّ: إنّي لأستحي أن أعرف الحق فلا أرجع إليه.
وقيل لم ير أذعن للحجة إذا لزمته من عمرو بن عبيد.
المستمرّ على خطأه وقد بان له الصواب
قال عمارة: أني لأمضي على الخطأ إذا أخطأت أهون عليّ من نقض وإبرام في مجلس واحد.
وقال بعضهم: نعم المركب اللجاج بعد الحجاج.
ذمّ من تشكّك في الضروريّات
قيل: من شكّ في المشاهدات فليس بتامّ العقل.
قال المتنبي:
وليس يصحّ في الأفهام شيء ... إذا احتاج النّهار إلى دليل «٢»
حكى المتكلّمون أنّ جماعة يلقّبون السوفسطائية، يقولون: لا نعرف لشيء حقيقة، ويقولون لمّا كان أحدنا يرى الشيء في رقدته فيتصور له بصورة ما يشاهده في يقظته، ونرى الصورة في الماء ثم لا حقيقة لها، لم يمتنع أن لا يكون لما نعاينه «٣» ونشاهده حقيقة. وذكر بعض العلماء أنه لم يكن قطّ على هذه الصفة أحد وأن السوفسطائية أنما هو شيء من توليدات المتكلمين ومنحولاتهم.
ذمّ القاصر عن المناظرة
قال الله تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
«٤»، وقيلمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١٠١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٨) ومما جاء في المذاكرة والمجادلة←ذم القاصر عن المناظرة
١٤ مفاضلة البديهة والرويّة ومدح الطّبع
قال ابن الرومي في الحكم بينهما:
نار الرويّة نار غير منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنّه عاجل يمضي مع الريح
وقال معاوية لابن العاص «١»: أنا آدب منك، فقال: أنا للبهدية وأنت للرويّة «٢»، وبينهما بون «٣» .
وممّا يؤكد تفضيل البديهة قول العبديّ في وصف البلاغة: أن تصيب فلا تخطىء وتعجل فلا تبطىء. وقيل: خير الفقه ما حاضرت به.
وقال الحطيئة:
فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوّره شهرا
واجتمع ابن مناذر وأبو العتاهية، فقال أبو العتاهية: كم بيتا تقول في اليوم؟ قال:
مقدار عشرة أبيات. فقال أبو العتاهية: فأنا أقول مائتين. فقال: فإنك تقبل من شيطانك نحو: ألا يا عتبة الساعة، أموت الساعة الساعة، ولو أني أقول مثل ذلك لقلت ألوفا.
قال المتنبّي:
أبلغ ما يطلب النجاح به الطب ... ع وعند التعمّق الزلل
المعتذر لرفض طريقة من النسج
قيل لنصيّب «٤»: إنك لا تحسن الهجاء، فقال: من ذا الذي لا يحسن مكان عافاه الله أخزاه الله، ولكنّي رأيت الناس ثلاثة رجال: رجلا لم أسأله فلا ينبغي أن أهجوه، ورجلا سألته فمنحني وهو الممدوح، ورجلا سألته فلم يعط. فنفسي أحق بالهجاء إذ سوّلت لي أن أسأله.
وقال عبد الملك للعجّاج: بلغني أنك لا تحسن أن تهجو، فقال: من يقدر على تشييد أمكنة يمكنه إخرابها، فقال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: أن لنا عزّا يمنع من أن نظلم، وحلما يمنع من أن نظلم، فعلام الهجاء؟ فقال: كلامك أشعر من شعرك.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١١٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٩) ومما جاء في وصف الشعر والشعراء←المعتذر لرفض طريقة من النسج
١٥ معن، فأنشده هذه الأبيات. فالتفت معاوية إلى ابن زهير فقال: كيف انتحلتها فقال: إن معنا أخي من الرضاع وأنا أحقّ بهذا الشعر منه.
التوارد في الشّعر وادعاء ذلك
التوارد أن يتفق الشاعران في معنى، من غير أن يسمع أحدهما بمقالة الآخر. وسئل أبو عمرو بن العلاء «١» رحمه الله تعالى: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها.
ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادّعى البحتري أنه سرقه منه:
الشعر ظهر طريق أنت راكبه ... فمنه منشعب أو غير منشعب
وربّما ضمّ بين الركب منهجه ... وألصق الطنب العالي إلى الطنب
وقال آخر وقد أتى سلطانا يمدحه فحرمه وزعم أنه مسروق:
وهبني سرقت الشعر ثمّ مدحته ... أما كان يؤتيني عليه جزائيا
وقال أبو المضاء:
لو أنّ جريرا جاءه في زمانه ... وأنشده شعرا لقال تنحّلا
وقال أبو تمام في مدح شعر غير مسروق:
منزّهة عن السّرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعار
شعر أعاده قائله في غير الممدوح
أنشد أبو القاسم بن أبي العلاء يوما شعرا كاتب به رئيسا وكنّا سمعناه منه قبل.
فعوتب في ذلك فقال: أنا نظمته أقلّد به من أشاء.
وكان قد وقع إلى أبي الفضل بن العميد قصيدة المتنبي التي أولها:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب «٢»
فلما ورد عليه مدحه بها وبدل قوله:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغنّي منذ حين وتشرب «٣»
فجعله أبا الفضل. فلما أنشدها استطال وتكبر وأظهر إعجابا بها فقال أبومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١١٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٩) ومما جاء في وصف الشعر والشعراء←شعر أعاده قائله في غير الممدوح
١٦ وقال المتنبّي:
أبقى على كنف الأيام من كنفي ... رضوى وأسير في الآفاق من مثل
وقال الكندي:
يقصر عن مداها الريح جريا ... وتعجز عن مواقعها السّهام
تناهب حسنها حاد وشاد ... فحثّ بها المطايا والمدام «١»
وقال المسيّب «٢»:
ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثّل وسماع
وقال النّابغة:
أوابد كالسّلام إذا استمرّت ... فليس يردّ فدفدها التمنّي «٣»
شعر أثّر في المقول فيه فرفعه أو وضعه
كان بنو قريع متى قيل لهم أنف الناقة استحيوا، حتى قال فيهم الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف النّاقة الذنبا
فصاروا بعد ذلك يتبجّحون «٤» به ويقولون نحن من أنف الناقة.
ونمير «٥» كانوا يتبجّحون باسمهم حتى قال فيهم الشاعر:
فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فكانوا بعد إذا سئلوا قالوا: من بني عامر.
وقال جرير:
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
فقالوا لو طعنوا بعد هذا في أستاههم ما حكّوها.
مفاضلة قصار الشعر وطواله
قيل لعقيل: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. وقيل لآخر ذلك، فقال: يكون أحوك، وعلى أفواه الرواة أعلق.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١١٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٩) ومما جاء في وصف الشعر والشعراء←مفاضلة قصار الشعر وطواله
١٧ وقيل لجرير: ما تقول في الجعديّ «١»، فقال: سوق خلقان «٢» ترى ثوبا يروعك وثوبا تستهجنه عينك. وقيل: إذا كان الكلام كلّه منقّى لم تبن فيه اللمعة والنكتة، ولذلك لم يستعذب الناس شعر صالح بن عبد القدوس «٣»، لما كان كلّه حكما.
وقال المتنبّي:
وفي الشعر ما تهوى النفوس إستماعه ... وفي الشعر ما قد ضمّه حبل حاطب
ضنّ الشاعر برديء شعره
قال عبد الله بن طاهر: آفة الشاعر البخل، لأنه يقول خمسين بيتا وفيها بيت رديء فلا يحتمل قلبه أن يسقطه.
وقيل: الشاعر كالصيرفيّ يجتهد في أن يروّج ما في كيسه من الزيوف.
اعتذار من قصّر عن مساجلة
. قال العتّابي:
ولا عار إن قصّرت دون مبرّز ... شأى الناس قبلي سعيه وشآني «٤»
وإنّي كمن جارى جوادا بمقرف ... قوائمه مشكولة بحران «٥»
وممّا يحسن أن يتمثّل به هنا قول الدارمي «٦»:
كلانا شاعر من قول صدق ... ولكنّ الرّحى فوق التفال
قائل شعر ذكر أنه استعاره من المقول فيه
قال أحمد بن أبي الخصيب:
وإنّي وإن أحسنت في القول مرّة ... فمنك ومن إحسانك امتار هاجسيمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١١٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(٩) ومما جاء في وصف الشعر والشعراء←قائل شعر ذكر أنه استعاره من المقول فيه
١٨ وقال ابن المعتزّ:
وما كاتب بالكفّ إلا كشارط «١»
ذمّ عجزة الكتّاب
قال الحجام الأهوازي يهجو الكتّاب:
تعيس الزّمان لقد أتى بعجاب ... ومحا رسوم الظرف والآداب
وأتى بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتّاب
وقال آخر:
دعيّ في الكتابة يدّعيها ... كدعوة آل حرب في زياد «٢»
ولما ولي الفضل بن مروان ديوان الخراج وموسى بن عبد الملك ديوان الضياع، قال محمد بن يزيد المراعي:
أرى التدبير ليس له نظام ... وأمر النّاس ليس بمستقيم
فديوان الضّياع بفتح ضاد ... وديوان الخراج بغير جيم
وذمّ رجل آخر فقال فيه: من أخلاق النبي ﷺ عدم الكتابة والعجز عن تقويم الشعر.
من يسدّ كتابه مسدّ السّلاح والعساكر
قال ابن الرومي:
في كفّه قلم ناهيك من قلم ... نيلا وناهيك من كفّ به اتّشحا
يمحو ويكتب أرزاق العباد به ... فما المقادير إلا محا ووحى
وقال المتنبيّ:
يا من إذا ورد البلاد كتابه ... قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيّرا
ورسائل قطع العداة سخاءها ... فرأوا قنا وأسنّة وسنوّرا «٣»
وفي وصف القلم باب يجري هذا المجرى.
وممّا هو كالمضادّ لهذا الباب
ما روي أن عكلا «٤» أغارت على إبل لبني حنظلة «٥» فاستغاثوا بإسحاق بن إبراهيم، فكتب إلى عامل كتابا، فخرج صاحب الكتاب وخرق الكتاب وقال:
جعلتم قراطيس العراق سيوفكم ... ولن يقطع القرطاس رأس المكابرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١٢٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(١٠) ومما جاء في الكتابة والكتاب←ومما هو كالمضاد لهذا الباب
١٩ تصحيفات مستحسنة
قرأ الأصمعي على أبي عمرو هذا البيت:
وعزرتني وزعمت أنك لاتني بالضيف تأمر ... وإنما هو لابن بالصيف تامر
فقال أبو عمرو: إنك في التصحيف أشعر من الحطيئة.
وكان حمّاد الراوية، لا يحسن القرآن فقيل له: لو قرأت القرآن، فأخذ المصحف، وقرأ فلم يزلّ إلا في أربعة مواضع. قال: عذابي أصيب به من أساء، وقوله: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أباه، ومن الشجر ومّما يغرسون بل الذين كفروا في غرّة وشقاق.
من عجم «١» حزفا عمد إلى تصحيفه
دفع رجل إلى محمد بن عبد الله قصّة عليها حريت بن الغراس فعجمه، وقال:
خريت في الفراش، ووقع تحته بئسما فعلت.
ووجّه إلى المأمون رجل، وقيل سابق الحاج فتباطأ الرجل فنقط تحته، وجعله سايق الحاج. وكتب أبو تمام رقعة إلى عبد الملك بن صالح وعليها حببت فنقطه وجعله جنيت.
من هجا أو مدح بادّعاء تصحيف
هجا أبو نواس أبان اللاحقي فقال:
صحفت أمّك إذ سمّتك في المهد أبانا ... قد علمنا ما أرادت
لم ترد إلا أتانا.
وقال آخر يهجو:
رأى الصيف مكتوبا فظنّ بأنّه ... لتصحيفه ضيفا فقام يواثبه
وقال المتنبّي:
جرى الخلف إلا فيك إنك واحد ... وإنك ليث والملوك ذئاب
وإنّك لو قويست صحّف قارىء ... ذئابا ولم يخطىء فقال ذباب
كلمات تعسر قراءتها ويعسر تصحيفها
استؤمر عبد الله بن طاهر في ابتناء موضع، يقال له لبنا فوقّع له، لبنا لبنا لبنا لبنا لبنا ووقع في رقعة بسبب عزير بن نوح عزير غرير عزير علينا ومن عزير، ووقع أيضا معاوية ابن معاوية ليحيى ليحيا خراج جراح فقد فقد، ووقّع علي بن رستم لرجل: غرك عزك فصار قصار ذلك دلك فاخش فاحش فعلك فعلك نهدا بهذا والسلام.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١٤٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(١١) ومما جاء في التصحيفات←كلمات تعسر قراءتها ويعسر تصحيفها
٢٠ وقال أبو الفيّاض الصابىء في الصاحب بن عبّاد:
أقال الله للأقدار سيري ... وفي أقلام إسماعيل صيري
تفضيل القلم على السّيف
قال محمّد بن علي يمدح:
في كفّه صارم لانت مضاربه ... يسوسنا رغبا إن شاء أو رهبا «١»
السيف والرمح خدّام له أبدا ... لا يبلغان به جدّا ولا لعبا «٢»
فما رأينا مدادا قبل ذاك دما ... ولا رأينا حساما قبل ذا قصبا «٣»
وقال ابن الرومي:
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنّ السيوف لها مذ أرهفت خدم
تفضيله على القلم
فاخر السيف القلم فقال القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال السيف: القلم خادم السيف إن نيل مراده، وإلا فإلى السيف معاده.
وقال البحتري:
وعادة السيف أن يستخدم القلما
وقال المتنبّي:
حتّى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسّيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم
وصفه بأنه يكشف عن الضمائر
قال بعضهم: القلم يزفّ بنات القلوب إلى خدور الكتب، وقال ابن المعتز: القلم يخدم الإرادة ولا يملّ الإستزاده، يسكت واقفا وينطق سائرا، وقال شاعر:
ومكشف السرّ الضمير بلا معاناة «٤» السّؤال
وقال آخر:
نواطق إلا أنّهن سواكت ... يترجمن عمّا في الضمير مكتما
وفي وصفه:
عجبت لذي سنين والماء نبته ... له أثر في كلّ مصر ومعمرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١٤٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(١٢) ومما جاء في آلات الكتابة←وصفه بأنه يكشف عن الضمائر
٢١ المتبجّج بحفظ السرّ
قيل لرجل: كيف كتمانك السر؟ قال: قلبي قبره وصدري حبسه. وقال الأحوص «١»:
ومستخبر عن سرّ ريّا رددته ... بعمياء من ريّا بغير يقين
وقال أبو تمّام:
منيع نواحي السرّ منه حصينها
وقال المتنبّي:
وللسرّ منّي موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب
وقال ابن نباته «٢»:
أكاتم قلبي رأي عيني وإنّه ... ليكتم منّي سرّ كلّ خليل
الممدوح بحفظه
قال الأحوص:
كريم يميت السرّ حتّى كأنّه ... عم بنواحي أمره وهو خابر
وقال قيس بن الحطيم:
كتوم لأسرار الخليل أمينها ... يرى أن بثّ السرّ قاصمة الظّهر
وقال كشاجم:
ويكاتم الأسرار حتّى أنّه ... ليصونها عن أن تمرّ بخاطره
مدح كتمان السر
قال قتادة (رضي الله تعالى عنه): إذا تكلمت بالنهار فانظر من عندك، وبالليل، فاخفض صوتك. وقد نظمه الشاعر بقوله:
اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنّهار قبل الكلام
ودنا رجل من آخر فكلّمه، فقال: ليس ها هنا أحد، فقال: من حق السرّ التداني «٣» .محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/١٦١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الأول في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها←(١٤) ومما جاء في السر←مدح كتمان السر
٢٢ فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
كون الإنسان رئيسا حيثما كان
قال المتنبّي:
إن حلّ في فرس ففيها ربّها ... كسرى تذلّ له الرقاب وتخضع
أو حلّ في روم ففيها قيصر ... أو حلّ في عرب ففيها تبّع
أسامي ملوك كلّ صقع
خزحير صاحب أفريقية، كسرى صاحب فارس، قيصر صاحب الروم، يغفور صاحب الصين، البهراج صاحب الزنج، خاقان صاحب الترك، زنبيل صاحب الخرز، أصفر صاحب علوا، كابيل صاحب النوبة، أصبهيد صاحب الجبل، أمير المؤمنين والخليفة والإمام صاحب المسلمين، تبّع صاحب حمير، ويقال لهم الأقيال والعباهلة، حكى ذلك الجاحظ.
المجمع على سيادته
قال أبو تمّام:
لو أن إجماعنا في فضل سودده ... في الدين لم يختلف في الأمّة اثنان
وقال نهار بن قوسعة:
قلّدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تملك السراة العجوز
المزري رئاسته بغيره
قال عبد الملك، وقد ذكر عنده عمر بن الخطاب ﵁: قلّلوا من ذكره فهو طعن على الأئمة وحسرة على الأمة.
وقال رجل لمالك بن طوق: أصبحت والله ناصحا متبعا فاضحا لكل وال قبلك، بحسن سيرتك متبعا لكل وال بعدك لقصوره عنك.
رئيس يتلوه رؤساء
قال عليّ بن الجهم «١»:
كأنه وولاة العهد تتبعه ... بدر السماء تلته الأنجم الزهرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٠١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(١) السيادة والولاية←رئيس يتلوه رؤساء
٢٣ وقال أحمد بن أبي طاهر:
كأنّ عليّا وأبناءه ... هلال تحفّ به الأنجم
أخذ ذلك من جرير حيث يقول:
كالبدر حفّ بواضحات الأنجم
أمير الأمراء
قال المتنبيّ:
وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتّى رأيت مولاها
وقال آخر:
ولو جمع الأئمة في مقام ... تكون به لكنت لهم إماما
وقال ابن الرومي:
سادة الناس كالجبال وأنتم ... كالنجوم التي تفوق الجبالا
وقال الخوارزمي:
إلا حركا لي أبرويز بن هرمز ... وقولا له قم تلق أعجوبة قم «١»
تطلع إلى الدنيا لتعلم إنّما ... ملكت من الدينار مقدار درهم
من هو رأس القوم وروحهم
قيل: الملك كالرأس وأعوانه كالجوارح «٢» صلاحها بصلاحه.
قال منصور النمريّ:
الناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الرأس
وقال الماني:
لو يكتب الناس أسماء الملوك إذا ... أعطوك موضع بسم الله في الحسب
وقال إبراهيم بن هرمة:
وجدتك من قيس إذا القوم حصلوا ... مكان نياط القلب بين الأضالع «٣»
وقال الفرزدق:
منّا الكواهل والأعناق تقدمها ... والرأس منّا وفيه السمع والبصر
وسئل بعضهم عن رئيسهم كيف هو؟ فقال: هو فينا مكان الروح في الجسد. وقيل:
هو الذروة وهم الزمع «٤»، هو الرأس والناس الذنابى.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٠٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(١) السيادة والولاية←من هو رأس القوم وروحهم
٢٤ وحفظ طرقها في الأسفار، ومنع عدوها عن حريمها، وإعزاز قضاتها، وقال المتنبّي:
إذا طلبت ودائعهم ثقات ... دفعن إلى المحاني والرّعان «١»
فماتت فوقهن بلا صحاب ... تصيح بمن يمر: ألا تراني
وصيّة الكبار بتحرّي الإنصاف
كان كسرى يقيم رجلين عن يمينه وشماله إذا قعد للنظر في أمور الناس. فكان إذا زاغ «٢»، حرّكاه بقضيب كان معهما، وقالا له، والرعية يسمعون: أيها الملك انتبه أنت مخلوق لا خالق، وعبد لا مولى. ليس بينك وبين الله قرابة. أنصف الناس وانظر لنفسك.
ودخل أسقف نجران على مصعب، فكلّمه بشيء أغضبه فرماه بمحجن. فقال الأسقف: إن لم يغضب الأمير، حدّثته بحديث، فقال: حدّث. فقال: في الإنجيل ليس للإمام أن يظلم وبه يلتمس العدل، ولا أن يسفّه ومنه يطلب الحلم فاعتذر منه وندم.
مدح العفّة والأمانة والحثّ عليهما
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«٣» . إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وقال تعالى: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
«٤» وقال: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
«٥» .
وقال ﵊: لا إيمان لمن لا أمانة له.
وقال أعرابي اللهم إني أعوذ بك من الخيانة فبئست البطانة. وقال بعضهم: إذا لم تكن خائنا فبت آمنا. وقال الجاحظ: سقى الله قبر الأحنف، حيث يقول الزم الصحة يلزمك العمل.
وقيل: من أحرز العفاف لم يعدم الكفاف «٦» . وقال معاوية ﵁: من ولّيناه أمرا فليلزم الرفيعين: الأمانة والعدل.
منع الوالي عن قبول الهديّة
قال النبي ﷺ: الهدية تذهب السمع والبصر، وقال: إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الكوّة.
وبلغ أنوشروان أن بعض عماله قبل هدية، فأحضره فلمّا دخل عليه، قال: هل قبلت الهدية؟ فقال: نعم، فقال: إن قبلتها لتستكفيه شيئا لم تكن تستكفيه لو لاها، إنك لخائن.
وإن قبلتها ولم تكافئه إنك للئيم. ولئن كافأته بسطت لسان رعيتك عليك ذمّا. فمن أتى صنيعا لا يخلو من هذه الثلاثة رغبنا عنه، وعزله. وقال الحجاج لوال: لا تقبل الهديةمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢١٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(١) السيادة والولاية←منع الوالي عن قبول الهدية
٢٥ رفيع معزول بدنيء
قال ابن بزدويه الأصبهاني- لمّا عزل أبو علي بن رستم، وقلّد أبو الحسن، وأبو مسلم- يخاطب عليّ بن عيسى:
أيا ابن عيسى سمتنا ... مقابح الحوادث
بعاملين أخرقين عابس وعابث ... طيرين أرسلتهما
عززهما بثالث
ولمّا عزل وكيع عن رئاسة بني تميم قال بعضهم: عزلت السباع وولّيت الضباع فصار الأمر إلى الضياع. ولبعضهم في مثله: أي حق رفع، وأي باطل وضع.
بدّل لعمرك من يزيد أعور
وقال ابن أبي الرعد:
فإن تك قد عزلت فلا عجيب ... ضياء الشمس يعزله الظّلام
وقال كناس لما عزل علي بن عيسى وولّي مكانه ابن الفرات: أخذوا المصحف «١» ووضعوا مكانه طنبورا «٢» .
من يقرب عزله من ولايته
قال الشاعر:
فإنك في زمن دهره ... كيوم ودولته ساعتان
وقال ابن حجّاج:
يوم الخميس بعثت بي ... وصرفتني يوم الأحد
فالنّاس قد غنوا علي ... كما خرجت من البلد
ما قام عمرو في الولا ... ية ساعة حتّى قعد
وقال آخر:
رأينا لأبواب ابن بلبل ساعة ... من الدّهر إقبالا تطلع فارتحل
أشبهه نقش العروس تخضّبت ... فلما مضى الأسبوع من عرسها نصل «٣»
تذمّم من ولى أمرا صغيرا بعد أن تولّى كبيرا
قيل: عنوق «٤» بعد نوق، وحور بعد كور. وقال المتنبّي:محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٢٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(١) السيادة والولاية←تذمم من ولى أمرا صغيرا بعد أن تولى كبيرا
٢٦ وقال الشاعر:
وأحمد يا قوم لو أمره ... إليّ لألزمته راوية
وولّى ابن هبيرة رجلا ماسبذان «١» فقال: اكتم أمرك حتى ترد إلى عملك. فخرج إلى همدان. فلما بلغ قيل لم يرد علينا ما دلّ على ولايتك. فأخرج عهده فإذا هو إلى صاحب ماسبذان، فكتب إلى ابن هبيرة إني عطلت ما بين سب وبين هم لما رأيت في آخره ذان.
فضحك لما قرأ الكتاب وقال: أنا أولى الناس بأن أؤدب إذ ولّيت مثله واعتمدت جهله.
ذمّ وال خسيس
وقال ابن لنكك «٢»
قل للوضيع أبي رياش لا تبل ... ته كل تيهك بالولاية والعمل
ما ازددت حين ولّيت إلا خسّة ... فالكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل
وقال المتنبّي:
كرم الأعمال لا يغنيك والنفس قليله ... ليس في النذل ولو خوّل ملك الأرض حيله
وقال الطرمّاح «٣»:
إذا ما ابن جدّ كان ناهز طيىء ... فإنّ الذرا قد صرن تحت المناسم
من لا يستضرّ بعزله ولا ينتفع بولايته
قال أبو العيناء لصاعد: نحن في دولتك محرومون وفي عطلتك محرومون. وقيل له: ما حالك مع فلان مذ تولّى فقال: أنا معه غير جندب، يعني قول الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب «٤»
وأنشد لأبي الفتح بن أبي جعفر بيتين قالهما في الأستاذ الرئيس لما قبض على بن أحمد بن العباس، فأغير على داره:
أيوجب عدل أهل العدل أني ... أعدّ مع الجناة بلا جناية
أشارك معشرا في صرف دهر ... هم ما شاركوني في الولايةمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٢٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(١) السيادة والولاية←من لا يستضر بعزله ولا ينتفع بولايته
٢٧ ينتفان سباله إلى أن يؤدي الخراج فقال الرجل: أؤديه اليوم، قال: وخراج أهل بيتك قال: افعل قال: وخراج شركائك، فنظر إلى العونين وقال: انتفا على بركة الله فإنّ الرجل أحمق، ولما طلب يوسف بن عمر خالدا القسري قال قد علمت أن الذي تطلبه ليس بحاضر وإنه لمتبدد عند الناس، فاجمع الناس لي وائذن لي في الخروج إليهم لا كلّمهم واسأل من عنده شيء ليرده.
فأمر بأن يخرج إلى الناس فخطب خطبة وقال: أيها الناس قد علمتم ولايتي وسيرتي وإنما كنت عاملا لهشام وماله عندي تبعة وها هو قد سلط على يوسف بن عمر وطالبني بمال فليبلغ الشاهد منكم الغائب أن من عنده وديعة فهو منها في حل، وكل مملوك لي فهو حر ومن أسديت إليه صنيعا فأنا نادم على تقصيري حيث لم أضعه له وقال شاعر:
وقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا ... هلمّ فإن المشرفيّ لقاضب «١»
المتغيّر على السّلطان لفظا
بعث يزيد عبد الله الأشعري إلى ابن الزبير «٢» فقال له: إن أول أمرك كان حسنا فلا تفسده بآخره. فقال عبد الله ﵁ ليس ليزيد في عنقي بيعة فقال: ولو كان له في عنقك بيعة كنت تفي بها. قال: أي والله فالتفت إلى الناس فقال: معشر الناس قد بايعتم ليزيد وهو يأمركم بالرجوع عن بيعته، وهو لا يرتضي الرجوع عنها. فقالوا لابن الزبير:
كيف رأيت هذا الخلع الخفي. وقال معاوية لامرأة من الخوارج: أخرجي المال من تحت استك «٣» فقالت لمن حضر: أسألكم بالله أهذا من كلام الخلفاء.
المتهّدد بالخروج عن الطاعة والمتبجّح بذلك
قال عبد الملك: عجبا لخالد بن عبد الله وليته البصرة وأمرته أن يجرد السيف ويمنع المال فبذل المال وأغمد السيف. فقال عبد الرحمن بن حسان: لو جرّد السيف لوجد سيوفا مجردة ولو منع المال لوجد أيديا منازعة. قال الفرزدق:
ولا نلين لسلطان يكايدنا ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر «٤»
قال الأوسي:
وما زلنا حجا حجة ملوكا ... تدين لنا الملوك ولا ندين
قال المتنبي:
تعزّز لا مستعظما غير نفسه ... ولا قابلا إلا لخالقه حكمامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٤١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(٢) ومما جاء في أحوال أتباع السلاطين←المتهدد بالخروج عن الطاعة والمتبجح بذلك
٢٨ من ردّت شهادته لبلهه «١»
قال سوار: لا أعلم أحدا أفضل من عطاء السلميّ ولو شهد عندي بفلس ما أجزت شهادته لأنه ليس بحازم. وقال كثير من الفقهاء: لا نقبل شهادة الوهم والأبله لا شهادة له.
من عارض من الخصوم الحاكم في الشاهد عليه فردّ شهادته
شهد رجل عن شريح فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وإن أحبّ الأشياء إليه الخبز واللحم، فتوقف في إمضاء شهادته. فقيل له: لم توقفت؟ فقال: أنه يعني أنه يشهد بأكلة. وشهد رجل عند سوّار بمال على آخر فقال: سوّار تارس أم رامح؟ فقال تارس، فقال ذاك شرّ له سأعيد المسألة عنه.
وإنما أراد أنه مأبون فتعجّب الحاضرون من حيلة الرجل وفطانة سوّار لمراده.
الممتنع من إقامة شهادة زور
استشهد محمد بن الفرات أيام وزارته علي ابن عيسى بغير حق، فلم يشهد له. فلما عاد إلى بيته كتب إليه: لا تلمني على نكوصي عن نصرتك بشهادة زور فإنه لا اتفاق على نفاق ولا وفاء لذي مين «٢» واختلاف، وأحرى بمن تعدّى الحق في مسرتك إذا رضي أن يتعدى الباطل في مساءتك.
وكان المتنبّي أشار إلى هذا المعنى بقوله:
لقد أباحك غشا في معاملة ... من كنت منه بغير الصدق تنتفع
شهود زور
قال سهل بن دارم: كان بالبصرة شيوخ يشهدون بالزور وشرط بعضهم درهم وآخرون يشهدون وشرطهم أربعة. وآخرون شرطهم عشرون درهما. فسألت عن ذلك، فقال:
أصحاب الدرهم يشهدون ولا يحلفون، وأصحاب الأربعة يشهدون ويحلفون، وأما أصحاب العشرين فيشهدون ويحلفون ويبهتون.
وكان شيخ في المعدلين يشهد بطفيف «٣» يهدى إليه فجاءه رجل بدرهمين وسأله شهادة فقال: ما ضربت المشط بأقل من خمسة ولكني أسامحك. قال الشاعر:
ما للعدول أراني الله جمعهم ... في مرجل مطبق في جوف تنّور
قوم إذا غضبوا كانت سيوفهم ... قطع الشهادة بين القوم بالزّور
قال عبد الصمد المعدل «٤»:
وكيف تخشى شهادات يقوم بها ... ثلاثة شاهدا زور ومجنون «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٥٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(٣) ومما جاء في القضاء والشهادة←شهود زور
٢٩ فلما قرأ البيت كتب إليه:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وكثير من الثقيل القليل
وقيل: الركوب إلى باب السلطان بعد الظهر ثقل وسوء أدب، وكتب بعض السلاطين إلى صاحب له يزوره بالعشيّات:
أعيذك من زورة بالعشيّ ... تحطّ وتذهب قدر النّبيل «١»
فإمّا رجعت بذلّ الحجاب ... وأما حللت محلّ الثقيل
النهي عن دخول الدور بغير إذن
قال الله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
«٢» وقال الله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ
«٣» وقال ﷺ: من أطلع في بيت بغير أذن ففقئت عينه فهو هدر.
وروي أن من اطلع في بيت فقد دمر، أي حكمه حكم الداخل وقال ﷺ: إنما جعل الاستئذان لأجل النظر وقال عمر ﵁: من ملأ عينيه من قائمة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق.
وقال ﷺ: إذا استأذن أحدكم فلم يؤذن له فلينصرف.
الحثّ على تأديب الغلمان
قيل: لا يتأدب العبد بالكلام إذا وثق بأنه لا يضرب. وأمر محمد بن الجهم أن يضرب غلامه ضربة وجيعة فقيل له في ذلك فقال: الواحدة الوجعية تملأ صدره من التضاعيف وإذا كان خفيفا أحسن ظنه بالكثير قال المتنبي:
اجعل عبيدك أوتادا تشجّجها ... لا يثبت البيت حتى يقرع الوتد
قال الحكم بن عبد الله:
العبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلّا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع الظهر لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا
الحثّ على الإحسان إلى الخدم
روي في الحديث: اتقوا الله في خولكم «٤» فإنهم اشقاؤكم لم ينحتوا من جبل ولممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٦٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(٤) ومما جاء في الحجاب والحجاب والغلمان←الحث على الإحسان إلى الخدم
٣٠ إن استفرغ في الخدمة جهده خيّل إليه أنه بذل عفوه. أثبت من الجدار إذا استمهل وأسرع من البرق إذا استعجل.
قال الرشيد لإسحاق الهاشمي: أخبرت أن لك غلاما فصيحا، فقال: ها هو بالباب. ثمّ دعاه فقال: إن مولاك قد وهبك لنا. قال: فما زلت وما تحولت. فقلنا: ما معنى قولك فقال: ما زلت لك منذ كنت غلامه وما تحولت عنه إذ صرت لك، فأمر له بصلة وأحسن إليه.
من أعتق من صلحاء العبيد
حكي أنّ ابن عمر ﵁ مرّ براعي غنم مملوك فقال: أتبيعني شاة من غنمك؟
قال: ليست هي لي، فقال: أين العلل وأراد أن يمتحنه فقال: فأين الله؟ فاشتراه وأعتقه.
فقال الغلام: اللهم إنك رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر، وأعتق عمرو بن عقبة غلاما له كبيرا فقام إليه عبد صغير فقال: اذكرني يا مولاي ذكرك الله بخير فقال إنك لم تخرف، فقال: إن النخلة قد تجني زهوا قبل أن تصير معوا «١» قال: قاتلك الله لقد استعتقت وحسنت وقد وهبتك لواهبك، كنت أمس لي واليوم مني، سبي فيلسوف وأراد رجل شراءه فقال له لماذا يصلح؟ قال: للحرية.
ذمّ العبيد
قيل: ليس عبد بأخ لك. قال ابن سعد:
العبد لو كانت ذؤابة رأسه ... ذهبا لكان رصاصة رجلاه
قال المتنبي «٢»:
أنوك من عبد ومن عرسه ... من حكّم العبد على نفسه «٣»
فلا ترج الخير عند امرىء ... مرّت يد النخّاس في رأسه «٤»
أراذل الخدم
كان لبعضهم مملوك يتشطر وكان إذا قال له صاحبه: هات الدواة، قال: مرحبا بجعفر البرمكي. وإذا قال: ناولني ثوبي. قال: قيصر يلبس وإذا قال: اغسل ثيابي. قال:
يونس النبي كان خيرا منك. لبس القرع، وآدم ﵇ لبس ورق التين، وأنت لا تلبس ثوبا وسخا. وإذا قال: اذهب إلى السوق. قال: خذلني «٥» الله إن ذهبت حتى آكل كبابامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٦٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(٤) ومما جاء في الحجاب والحجاب والغلمان←أراذل الخدم
٣١ المسيء إلى خدمه
قال رجل لأعرابي: ما تصنعون في عبيدكم حتى يقال في الدعاء عليهم باعك الله في الأعراب؟ قال: نجيع كبده ونعري جسده ونطيل كدّه ونكثر جلده. اشترى أعرابي عبدا فقيل: أنه يبول في الفراش فقال: إن وجد في دارنا فراشا فليبل فيه.
وكان لرجل عبد يأكل الحوّاري «١» ويطعمه الخشكار، فباعه فاشتراه آخر يأكل الخشكار ويطعمه الشعير، فباعه فاشتراه آخر يأكل الشعير ويطعمه النخالة فاستباعه «٢»، فاشتراه آخر كان يجيعه وإذا قعد بالليل وضع السراج على رأسه فلم يستبعه، فقيل له في ذلك فقال: أخشى إن باعني أن يضع المشتري الفتيلة في حدقتي «٣» .
من ذكر أنّ لا غلام له
قال ابن الحجّاج:
إذا قدموا خيلهم للركوب ... خرجت فقدمت لي ركبتي
وفي جملة الناس غلمانهم ... وليس سواي في جملتي
ولا لي غلام فادعو به ... سوى من أبوه أخو عمّتي
والعرب تقول العبد من لا عبد له.
ذمّ الخصيان
قالت أعرابية لخصيّ: اسكت فمالك حزم الرجال ولا رقّة النساء. قال المتنبّي:
لقد كنت أحسب قبل الخصي ... بأن الرؤوس مقر النهى
فلما نظرت إلى عقله ... رأيت النّهى كلّها في الخصى
قال أبو نعامة:
لا تطلبنّ إلى خصيّ حاجة ... يوما فمالك عنده من خير «٤»
واكشف له عن رأس أيرك إنه ... لا شيء آثر عنده من أير «٥»
قال الجاحظ: كلّ حيوان ذي ريح منتنة فإنه متى خصي زال نتنه وصنانه «٦» كالتيس والهر، غير الإنسان فإنه يزداد نتنا وصنانا. وكل شيء إذا خصي دقّ عظمه واسترخى لحمه إلا الإنسان فإنه تطول عظامه وتلتوي.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٦٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني في السيادة والولاية←(٤) ومما جاء في الحجاب والحجاب والغلمان←ذم الخصيان
٣٢ وقال:
كأنّه من حذار الظلم مجنون
قال آخر:
ولا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وقد أحسن الذي قال: من ظلمني مرة فالله ينتقم لي منه ومن ظلمني مرتين فالله ينتقم له منّي.
عادة النّاس ظلم من استضعفوه
قال ابن عائشة «١»:
تراهم يغمزون من استركّوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا
قال المتنبّي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلّة لا يظلم «٢»
قال رجل عبسيّ:
إن المحكّم ما لم يرتقب حسبا ... أو يرهب السيف أو حد القنا حنفا
ظالم متظلّم
في المثل يلدغ العقرب وتصيء «٣» قال الخبزارزي:
ظلمت سرا وتستعدي علانية ... ألهبت نارا وتستعفي من اللهب
قال الشعبي: حضرت مجلس شريح فجاءته امرأة تخاصم زوجها باكية، فقلت: ما أظنها إلا مظلومة. فقال: إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم ظالمون.
ذمّ ممتنع من قبول الإنصاف
قيل: ما أعطي أحد قط النصف فأبى إلا أخذ شرا منه. وقال الأحنف: ما عرضت النصفة على أحد فقبلها إلّا تداخلني منه هيبة ولا ردّها أحد إلا طمعت فيه.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٧٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(١) فمما جاء في الإنصاف والظلم←ذم ممتنع من قبول الإنصاف
٣٣ الممدوح بالحلم
قال حسان «١»:
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتزيد جاهلنا على الجهّال «٢»
قال ابن هرمة:
ولو وزنت رضوى ببعض حلومهم ... لشالت ولو زيدت عليه تضارع «٣»
قال أبو فراس:
يجني الخليل وأستحلي جنايته ... كيما يدلّ على حلمي وإحساني «٤»
قال المتنبي:
وأحلم عن خلّي وأعلم أنّني ... متى أجزه حلما عن الجهل يندم «٥»
من اجتهد في إغضابه فحلم
بايع رجل آخر على أن يغضب الأحنف فجاءه فخطب إليه أمه. فقال: لسنا نردك انتقاصا بحسبك ولا قلة رغبة في مصاهرتك، ولكنها امرأة قد علا سنها وأنت تحتاج إلى امرأة ودود ولود، تأخذ من خلقك وتستمد من أدبك، ارجع إلى قومك وأخبرهم أنك لم تغضبني.
خطب آخر إلى معاوية أمه. فقال: ما الذي رغبّك فيها وهي عجوز؟ فقال: بلغني أنها عجوز عظيمة العجز، فقال: لعلك خاطرت أن تغضب سيد بني تميم قال: نعم.
قال: ارجع فلست به.
فضل كظم الغيظ
قال الله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
«٦» ومر النبي ﷺ بقوم يربعون حجرا فقال: ألا أخبركم بأشدكم من ملك نفسه عند الغضب، وقال ﷺ: من كظم الغيظ وهو يقدر على أن ينفذه خيّره الله في أي حور شاء، وقيل: الكظم يدفع محذور الندم كالماء يطفىء حر الضرم. كظم يتردد في حلقي أحب إلى من نقص أجده في خلقي. قال: وأفضل حلم حسبة حلم مغضب.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٧٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٢) مدح الحلم وكظم الغيظ وفضل الرحمة والعفو والاستعفاء والاعتذار←فضل كظم الغيظ
٣٤ ما يسكّن به الغضب
قيل: من غضب قائما فقعد سكن غضبه وإن كان قاعدا فاضطجع سكن والعجم تقول: من غضب فليستلق.
قال أبو بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم، وقيل: أذكر قدرة الله إذا غضبت. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
«١» فقيل: الطيف من الشيطان حرّ الغضب.
من أغضب من الكبار فصبر
قام رجل إلى عمر بن عبد العزيز فكلّمه بكلام أغضبه، فقال: أردت أن يستفّزني الشيطان، فإياك ومعاودة مثله، عافاك الله.
أمر محمد بن سليمان برجل أن يطرح من القصر كان قد غضب عليه، فقال الرجل:
اتّق الله. فقال: خلوا سبيله فإني كرهت أن أكون من الذين قال الله تعالى فيهم: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
«٢» .
ذمّ الغضب
قيل لحكيم: أيّ الأحمال اثقل؟ فقال: الغضب. وروى أن إبليس لعنه الله. قال: مهما أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب لأنه ينقاد لي فيما أبتغيه ويعمل ما أريده وأرتضيه.
وقيل لأبي عباد: أيما أبعد من الرشاد السكران أم الغضبان؟ فقال: الغضبان: لا يعذر أحد في طلاق ولا ماثم يجترمه وما أكثر ما يعذر السكران. وسئل ابن عباس ﵁ عن الغضب والحزن أيّهما أشدّ؟ فقال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غضبا ومن نازع من لا يقوى عليه كتمه حزنا، ومن هنا أخذ المتنبيقوله:
وحزن كلّ أخي حزن أخو الغضب
من غضب في غير مغضب
قال بعض الحكماء: إذا كانت الموجدة «٣» من علّة كان الرضا مفقودا. وقيل: من غضب من غير ذنب رضي من غير عذر. وقيل: من فاته الدين والمروءة فرأس ماله الغضب.
عذر من كان منه غضب
قال الشافعي «٤» ﵁: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، ومن استرضيمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٧٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٢) مدح الحلم وكظم الغيظ وفضل الرحمة والعفو والاستعفاء والاعتذار←عذر من كان منه غضب
٣٥ قال المتنبي:
فتى لا تسلب القتلى يداه ... ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا «١»
الممدوح بأنه إن شاء صفح وإن شاء انتقم
قال الأعشى:
يقوم على الرغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم
وقال كثير:
حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب «٢»
قال علي بن الجهم «٣»:
يعاقب تأديبا ويعفو تطوّلا ... ويجزي على الحسنى ويعطي فيجزل
وقال آخر:
تسطو بعدل وتعفو إن عفوت به ... فلا عدمناك من عاف ومنتقم
الحثّ على إقالة من سلم ظاهره
قيل: لا تعتد بما لم تسمعه أذناك فإن السيد إذا حضر هيب وإذا غاب اغتيب. وقال بعض الملوك: إنما نملك الأجساد دون النيات ونحكم بالعدل لا بالهوى ونفحص عن الأعمال لا عن السرائر «٤» . قال البحتري:
إذا عدوّك لم يظهر عداوته ... فما يضرّك إن عاداك إسرارا «٥»
وقال آخر:
إذا دحسوا بالكره فاعف تكرّما ... وإن حبسوا عنك الحديث فلا تسل «٦»
فإنّ الذي يؤذيك منه استماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
العفو عمّن سلم باطنه
قد يهفو «٧» المرء ونيته سليمة ويزلّ «٨» وطريقته مستقيمه، قال إبراهيم بن المهدي:محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٨٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٢) مدح الحلم وكظم الغيظ وفضل الرحمة والعفو والاستعفاء والاعتذار←العفو عمن سلم باطنه
٣٦ أن يذكر. فبعد ذلك كان الفراش يصبّ ماء على يديه وعليه ثياب فاخرة فقال ركن الدولة: هذه الثياب من ذلك الطاس، وكان الفراش جلدا فقال نعم أيها الأمير: وغير ذلك من أثر النعم، فعفا عنه.
الحثّ على استبقاء نعمة بإقالة عثرة
قال ابن الرومي:
لا تطيّر وسنا عن مقلة ... أنت أهديت لها حلو الوسن»
قال ابن نوقة:
أترضى بإلزام الدنيئة خادما ... رجا في ذراكم أن ينال المعاليا «٢»
وقال روح بن ذنباع «٣»: لا تشمتنّ بي عدوا أنت رقمته ولا تسوءنّ بي صديقا أنت سررته ولا تهدمنّ ركنا أنت بنيته.
استعفاء من زعم أن ذنبه كان خطأ أو نسيانا
قال النبي ﷺ: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. وقال غلام هاشميّ أراد عمّه أن يجازيه بسهو منه: يا عم إنّي قد أسأت وليس معي عقلي فلا تسىء ومعك عقلك. قال أبو تمّام:
فإن يك سخط عمّ أو تك هفوة ... على خطإ منّي فعذري على عمد «٤»
قال عليّ بن الجهم:
ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا اهدى
ومفسد أمر تلافيته ... فعاد وأصلح ما أفسدا
قال المتنبّي:
وعين المخطئين هم وليسوا ... بأوّل معشر خطئوا فتابوا
وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربّما حفي الصّواب
المتمدّح بذلك
اعتذر رجل إلى المنتصر فقال: أتراني أتجاوز بك حكم الله حيث يقول: لَيْسَمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٨٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٢) مدح الحلم وكظم الغيظ وفضل الرحمة والعفو والاستعفاء والاعتذار←استعفاء من زعم أن ذنبه كان خطأ أو نسيانا←المتمدح بذلك
٣٧ فقال له مصعب: هذا لك وعلينا أن نعطيه ذلك، قال المتنبّي:
فاغفر فديتك وأحبني من بعدها ... لتخصّني بهدّية منها أنا «١»
وقال:
رددت مالا ولم تمنن عليّ به ... وقبل مالي قدما قد حقنت دمي
المتوصّل إلى العفو بدفع الوقت
أتي عبيد الله بن زياد»
بخارجيّ فأمر بقتله، فقال: إن رأيت أن تؤخّرني إلى غد فأمر بتأخيره فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
فعفا عنه. وغضب المأمون على علي بن الجهم «٣» فقال: لآخذن مالك ولاقتلنك أقتلوه. فقال أحمد بن أبي «٤» دؤاد: إذا قتلته فمن أين تأخذ المال يا أمير المؤمنين؟ قال:
من ورثته، فقال: حينئذ تأخذ مال الورثة وأمير المؤمنين يأبى ذلك. فقال: يؤخّر حتى يستصفى ماله. وانقضى المجلس وسكن غضبه وتوصل إلى خلاصه.
قال شاعر:
وإذا ابن عمك لجّ بعض لجاجه ... فانظر به غده ولا تستعجل
المتوصّل إلى ذلك بالتثبّت إلى حين التبيّن
قال الله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
«٥»، وقيل: لوال: تأنّ فإن التأني من الوالي صدقة. وغضب الرشيد على رجل فقال له جعفر: غضبت لله فاطع الله في غضبك بالوقوف إلى حال التبين كما غضبت له.
وقال الشعبيّ لعبد الملك: إنّك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على ردّ ما أوقعت.
فأخذ هذا المعنى شاعر، فقال:
فداويته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما دام في يده السّهممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٩٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٢) مدح الحلم وكظم الغيظ وفضل الرحمة والعفو والاستعفاء والاعتذار←المتوصل إلى ذلك بالتثبت إلى حين التبين
٣٨ التثبّت في العقوبة نصف العفو
قال المتنبّي:
ترفّق أيّها المولى عليهم ... فإنّ الرفق بالجاني عتاب
نهي العافي عن التثريب
رضي بعض الملوك عن رجل ثم أخذ يوبّخه. فقال: إن رأيت أن لا تخدش وجه رضاك بالتثريب «١» فافعل. وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع به «٢» . وقيل: العفو مع العذل «٣» أشد من الضرب على ذي العقل. فرّب قول أنفذ من صول وعفو أشد من انتقام، قال ابن نوقة:
إن كنت تعفو فاعف عفو مهنىء ... إحسانه إنّ الكريم وهوب
قل قول يوسف حين قال لإخوة ... جاؤه معتذرين لا تثريب
أو لا فعاقبني فليس بمنكر ... من مثلك التقويم والتأديب
وفيمن يعاقب ثم يعاتب، قال شاعر:
إذا عوقب الجاني على قدر جرمه ... فتعنيفه بعد العقاب من الرّبا «٤»
معاتبة من صفح ثم ندم
قال ابن طباطبا: كان جرى بيني وبين رجل كلام واحتملت عنه، ثم ندمت فرأيت في المنام كأنّ شيخا أتاني فأنشدني:
أندمت حين صفح ... ت عمّن قد أساء وقد ظلم
لا تندمن فشرّنا ... من أتبع الخير الندم
ذمّ من اعتذر فأساء
قيل في المثل: عذره أشد من جرمه، رب أضرار أحسن من اعتذار. وقال آخر:
أنسيتنا باعتذارك كلّ عثارك وقيل بث من عذرك ثم من ذنبك.
قال الخبزارزي:
وكم مذنب لمّا أتى باعتذاره ... جنى عذره ذنبا من الذّنب أعظما
قال ابن الحجّاج:
لي صديق جنى عليّ مرارا وكثّرامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٩٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٢) مدح الحلم وكظم الغيظ وفضل الرحمة والعفو والاستعفاء والاعتذار←ذم من اعتذر فأساء
٣٩ قال سعد بن ناشب:
وفي اللين ضعف والشراسة هيبة ... ومن لا يهب يحمل على مركب وعر «١»
وقيل: الكريم يلين عند استعطافه واللئيم يقسو عند استلطافه.
النهي عن الحلم إذا كان يلحق منه مذلّة
قال سالم بن وابصة:
إنّ من الحلم ذلا أنت عارفه ... والحلم عن قدرة فضل من الكرم
قال قيس بن زهير «٢»:
وقد يستجهل الرجل الكريم
وقال آخر:
وفي الحلم ضعف والعقوبة هيبة ... إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح
إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم
قال المتنبي:
وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وله:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم
دفع الجهل بالجهل
قال هدبة:
ما إن نفى عنك قوما أنت تكرههم ... كمثل وقمك جهّالا بجهّال
وقال آخر:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج «٣»
وما كنت أرضى الجهل خدنا ولا أخا ... ولكنّني أرضى به حين أحوج «٤»
وقيل: الشرّ لا يدفعه إلا الشر والحديد بالحديد يفلح.
من حلم وقتا ونهى عن الاغترار به
قال بعضهم:
فلا يغررك طول الحلم منّي ... فما أبدا تصادفني حليمامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٩٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٣) ومما جاء في ذم الحلم ومدح العقاب←من حلم وقتا ونهى عن الاغترار به
٤٠ قال المتنبّي:
وأطمع عامر البقيا عليها ... وترّفها احتمالك والوقار «١»
وصف الحلم بأنه مضرّ مذلّل
قيل: الشهرة بالملاينة والخير شرّ من الاشتهار بالغلظة والشر لأن من عرف بالخير اجترأ عليه الناس، ومن عرف بالشّر هابه الناس وتجنّبوه. وقيل: آفة الحلم الذلّ وقيل للأحنف: ما الحلم؟ فقال: الرضا بالذل.
كون الحلم مغريا
قال معاوية: ما ولدت قرشية خيرا منّي فقال ابن زرارة الكلابية: بل ما ولدت شرّا لهم منك فقال: كيف؟ قال: لأنك عودتهم عادة يطلبونها ممّن بعدك فلا يجيبونهم إليها فيحملون عليهم كحملهم عليك، وكأنّي بهم كالزقاق «٢» المنفوخة على طرقات المدينة.
وقال الأحنف لرجل: ليت طول حلمنا عليك لا يدعو جهل غيرنا إليك.
النهي عن إكرام اللئام
قال يزيد بن معاوية لأبيه: هل ذممت عاقبة حلم؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليا إلا أعقبني ندما، ولا أقدمت على كريم وإن كان عدوا إلا أعقبني أسفا. قال شاعر:
متى تضع الكرامة في لئيم ... فإنّك قد أسأت إلى الكرامه
وقد ذهبت صنيعته ضياعا ... وكان جزاء فاعلها النّدامه «٣»
وقيل: الكريم يستصلح بالكرامة واللئيم بالمهانة.
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا «٤»
فوضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضرّ كوضع السيف في موضع النّدى
وقيل: استعمال الحلم مع اللئيم أضر من استعمال الجهل مع الكريم.
الاستخفاف بمن لا يصلحه الإكرام
إذا لم تنفع الكرامة فالإهانة أحزم. وقيل: من لا يصلحه الطالي أصلحه الكاوي منمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٢٩٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٣) ومما جاء في ذم الحلم ومدح العقاب←الاستخفاف بمن لا يصلحه الإكرام
٤١ الواثق بتعذيبه وبحبسه في تنور من الحديد وإطباقه عليه قال لمعذبه: ارحمني. فردّ الخبر إلى الواثق فقال: أين قول لا تكون الرحمة إلا من خور، ثمّ تمثل بقوله:
فلا تجز عن من حسنة سنة أنت سرّتها
ووقع في قصة رجل دعني من ذكر الرحمة والاشفاق فما هما إلا للنسوان والصبيان.
قال المتنبّي:
يدخل صبر المرء في مدحه ... ويدخل الإشفاق في قلبه
المتمدّح بأنه يقابل الإساءة بمثلها
قال شاعر:
اعلم بأنّك ما أسديت من حسن ... إليّ أو سيء أوفيتك الثّمنا
قال مسلم بن الوليد «١»:
فإن يك أقوام أساؤا فأحسنوا ... إليّ فإنّي بالجزاء لراصد
قال الحارثي إذا عفا لم يكن في عفوه من ولا يكدر نعماه، إن سطا عاتب ذا جرم بقدره لا يتعداه.
أخذ البريء بجرم السقيم
قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
«٢» . قال الحارث بن حلزة «٣»:
عننا باطلا وظلما كما يع ... ترّ عن حجرة الربيض الظّباء «٤»
وقال آخر:
كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع «٥»
وقال آخر:
كالثور يضرب لما عافت البقر
ووقف رجل على الحجّاج فقال: أصلح الله الأمير جنى جان في الحيّ فأخذت بجريرته وأسقط عطائي. فقال الحجّاج: أما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد ... يعدي الصّحاح مبارك الجربمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٠٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٣) ومما جاء في ذم الحلم ومدح العقاب←أخذ البريء بجرم السقيم
٤٢ وقيل: احذر معاداة الرجال فالناس رجلان عاقل فأحذر ختله «١» وأحمق فاحذر حمقه.
وقال عبد الله بن الحسن بن الحسين ﵃ لابنه: إتّق معاداة الرجال فانك لا تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم.
وقيل: الأحقاد مخوفة وأخوفها ما كان في أنفس الكبار فإنهم يرون الطلب الوتر «٢» مكرمة.
وقال بعضهم في التحذير من العداوة:
سيعلم إسماعيل أنّ عداوتي ... له سمّ أفعى لا يصاب دواؤها
النهي عن الاعتذار بالعداوة إذا ظهر الودّ
قيل: العدوّ المبطن للعداوة كالنحل تمج الدواء وتجتنب الداء. قال سديف بن ميمون يحرض بني العباس على بني أمية:
لا يغرّنّك ما ترى من رجال ... إنّ تحت الضّلوع داء دويّا
فخذ السيف واطّرح السوط حتّى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا
وله:
أنزلوها بحيث انزلها الل ... هـ بدار الهوان والأتعاس
ذلّها أظهر التودّد منها ... وبها منكم كحزّ المواسي
قال المتنبي:
فلا يغررك ألسنة موال ... تقلّبهنّ أفئدة أعادي
وكن كالموت لا يرثي لباك ... بكى منه ويروى وهو صاد «٣»
وقال آخر:
تعلم أنّ أكثر ما تنادي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي «٤»
وفي كتاب كليلة: لا يغرّ العاقل سكون الحقد في القلب ما لم يجد محركا كالجمر المكنون، ما لم يجد حطبا. والعداوة إذا وجدت فرصة اشتعلت فلا يطفئها شيء دون النفس.
النهي عن السّكون إلى من يخافك
من خاف شرك أفسد أمرك ومن خاف صولتك ناصب دولتك، قال معاوية: من خاف اساءتك اعتقد مساءتك.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٠٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٤) ومما جاء في العداوات←النهي عن السكون إلى من يخافك
٤٣ الأدب أن تستر العداوة إلى وقت الفرصة لئلا يستسلح لذلك. قال أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه: انكى الأشياء لعدوك أن لا تعلمه أنك اتخذته عدوا. وقيل: لا يكونّن سلاحك على عدوك أن تكثر ثلبه وقصبه فإنك تخبر عن حزمه وعجزك، ولكن دامجه حتى تبادره بالكظم وتساتره بالختل. قال التنوخي:
إلق العدّو بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات
فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودّات
وقيل: إذا لم تجد لشفرتك محزا فلا تضعها في صلابة فتكلها.
المتبجّح باظهار الليان وإبطان العداوة
قال عبد الملك بن مروان لما قتل عمر والاشدق سكنته ليقلّ منه نفره، فاصول صولة حازم مستمكن. قال حميد الأكاف:
وإني ليلقاني العدوّ مواصلا ... فيحسبني منه أبرّ وأوصلا
أجرّ له ذيلي لأدرك فرصتي ... ويحسبني في جرّ ذيلي مغفّلا
قال المتنبي:
وجاهل مدّه في جهله ضحكي ... حتّى أتته يد فرّاسة وفم
وقال آخر:
أجامل أقواما حياء وقد أرى ... صدورهم باد على مراضها «١»
وصف عدوّ يكاشرك إذا حضرك
قال عمرو بن جابر الحنفي:
يكاشرني وأعلم أنّ كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص «٢»
قال عمرو بن أم عاصم:
كلّ يداجي على البغضاء صاحبه ... ولن أعالنهم إلا كما علنوا»
قال المثقب:
إن شرّ الناس من يكشر لي ... حين ألقاه وإن غبت شتم «٤»
قال ابن الرومي:
يبيح لي صفحة السلّامة والسّلم ويخفي في قلبه مرضا «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٠٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٤) ومما جاء في العداوات←وصف عدو يكاشرك إذا حضرك
٤٤ وقال المتنبي:
أبدو فيسجد من بالسّوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحا وإهوانا
وقيل لأعرابي: كيف فلان فيكم؟ فقال: إذا حضر هبناه وإن غاب اغتبناه «١» . قال:
ذاك هو السيد فيكم.
من نظره ينبىء عن عداوته
وقال زهير:
الودّ لا يخفى وإن أخفيته ... والبغض تبديه لك العينان «٢»
وقال آخر:
ستور الضمائر مهتوكة ... إذا ما تلاحظت الأعين «٣»
وذكر أعرابي قوما فقال: ما زالت عيون العداوة تتجهم فتمجها أفواههم وأسباب المودة تخلق من قلوبهم فتخرس عنها ألسنتهم حتى ما لعداوتهم مزيد.
العداوة المستورة والتحذير منها
قال الشاعر:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كماطر أوبار الجراب على النشر «٤»
وقال آخر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزازات النّفوس كما هيا
وقال أبو نواس:
كمن الشنآن فيه لنا ... ككمون النّار في حجره
وقال المتنبي:
وإنّ الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد
وقيل هدنة على دخل وجماعة على أقذاء. قال شاعر:
ومستخبر عنّا يريد لنا الرّدى ... ومستخبرات والعيون سواجم «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٠٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٤) ومما جاء في العداوات←العداوة المستورة والتحذير منها
٤٥ إلى الأسد وقال قاتلني فقال الأسد لست بكفؤى ومتى قتلتك لم يكن لي فخر وإن قتلتني لحقني وصم «١» عظيم. فقال لأخبرنّ السباع بنكولك «٢» فقال الأسد: احتمال العارفي ذلك أيسر من التلطخ بدمك، وفي عذر من يخاصم دنيئا ويدافعه قول المتنبي:
إذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟
الحثّ على العداوة بالفعل لا القول
قيل: غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله. وولي أبو مسلم رجلا ناحية فقال له: إياك وغضبة السفلة فإنها في ألسنتها وعليك بغضبة الأشراف فإنها تظهر في أفعالها.
الحثّ على إماتة الحقد
أرسطوطاليس «٣» استعدّ لإهماد «٤» لهب العداوة بالاناة قبل تلّهب ناره فإن إطفاءه قبل انتشاره سهل يسير، وقيل: ما أحسن بالرجل أن يحسن مداراة عدوه حتى يطفىء سورة «٥» ناره وقال بعض أصحاب المأمون يوما إن عجيف بن عنبسة خبيث النية رديء السريرة «٦»، وأراك قد قربت مجلسه. فقال: والله لأحسنن إليه ولا تفضلن عليه حتى أكون أحب الناس إليه. فلم يزل يختصه حتى صار يبذل دونه مهجته.
مدح الحقد وذويه
وصف أعرابي حقودا فقال: يحقد حقد من لا ينحلّ عقده ولا يلين كيده، وقال يحيى لعبد الملك ابن صالح: إنك حقود فقال: إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر إنهما عندي لثابتان، فلما قام قال يحيى ما رأيت من احتج للحقد حتى حسنه سواه وقيل لرجل: أنك لحقود، فقال:
وإن امرأ لم يحقد الوتر لم يكن ... لديه لذي النعماء جزاء ولا شكر
قال ابن الرومي:
وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرضمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣١٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٤) ومما جاء في العداوات←مدح الحقد وذويه
٤٦ هائم وحزن لازم وقال أيضا لله در الحسد ما أعدله يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. وقيل: الحسود لا يسود. وقال الجاحظ: من العدل المحض والإنصاف الصريح أن تحط عن الحاسد نصف عقابه لأن ألم جسمه قد كفاك مؤنة شطر غيظك. وقيل: لا راحة لحسود ولا وفاء لملول الحسود غضبان على القدر والقدر لا يعتبه. ولمنصور الفقيه:
ألا قل لمن بات لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه ... إذا أنت لم ترض لي ما وهب
وجد على بساط لملك الروم البخيل مذموم، والحسود مغموم، والحريص محروم.
وسئل ابن عباس ﵄ عن الحسد والنكد «١» أيهما شر؟ فقال: الحسد داعية «٢» النكد بدلالة أن إبليس حسد آدم ﵇ فصار حسده سبب نكده فأصبح لعينا بعد أن كان مكينا «٣» .
صعوبة إرضاء الحاسد
قال معاوية: كل الناس يمكنني أن أرضيه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال نعمتي.
وقيل: لزاذان فروح: أيّ: عدو لا تحب أن يعود صديقا؟ قال: الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلّا زوال نعمتي. قال المتنبي:
سوى وجع الحسّاد داو فإنّه ... إذا حلّ في قلب فليس يحول «٤»
وقال الببغا:
ومن البليّة أن تداوي حقد من ... نعم الإله عليك من أحقاده
وصف الحسد بأنه أعظم عداوة
قال أبو العيناء: إذا أراد الله أن يسلّط على عبده عدوّا لا يرحمه، سلط عليه حاسدا.
وقال بعضهم: ما ظنك بعداوة الحاسد وهو يرى زوال نعمتك نعمة عليه.
صعوبة شماتة الحساد
سأل بعض الملوك جماعة من الحكماء عن أشد ما يمرّ على الإنسان، فقال بعضهم:
الفقر، وقال آخرون: الفقر في الغربة، وقال غيرهم الغربة مع المرض. ثم أجمعوا على أن أشد من ذلك كله شماتة العدو ثم أجمعوا على أن أشد من ذلك كله رحمة العدو للمرء من نكبة تناله. فقال:
وحسبك من حادث بامرىء ... ترى حاسديه له راحمينامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣١٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٥) ومما جاء في الحسد←صعوبة شماتة الحساد
٤٧ وقيل في الدعاء: حسد حاسدك. وقال بعض أهل اللغة: ولا يقال حاسد حسدك لأنه يصير دعاء للحاسد.
ذمّ من لا يحسد
قال:
ولن ترى للئام النّاس حسّادا
الحارثي:
وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرى ... ما أحدا يزري عليه وينكر «١»
دنيء يحسد سريّا
قال مروان بن أبي حفصة «٢»:
ما ضرّني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذو والتّقصير
قال أبو تمّام:
لكلّ كريم من ألائم قومه ... على كلّ حال حاسدون وكشّح «٣»
من يحسد الذين تصل إليهم نعمه
قيل: توصل رجل إلى إبليس فقال له: لي إليك حاجة إنّ لي ابن عم ذا ثروة وله إحسان كثير إلي وتوفر علي ولي بماله نفع بيّن، ولكنّي أريد أن تزيل نعمته، وأن افتقرت بفقره. فقال إبليس لاصحابه من أراد أن يرى من هو شر منّي فلينظر إليه. وقيل لرجل:
أتحسد فلانا وهو يواليك ويكرمك. فقال نعم حتى أصير مثله أو يصير مثلي قال المتنبي:
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلّب
قال ابن الرومي:
يا من يعادي السماء إن رفعت ... كلّ خيرها تحتها ودع نكدك «٤»
المكذب بأفعاله قول الحساد
يكذّب قول الحاسدين سماحتي ... وصبري إذا ما الأمر عضّ فأضجعا
قال لبيد:
بنو عامر من خير حي علمتم ... وإن نطق الأعداء زورا وباطلامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣١٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك←(٥) ومما جاء في الحسد←المكذب بأفعاله قول الحساد
٤٨ ناصر مستنصره وإن لم يكن بينهما معرفة
روي أن حاتما كان بأرض عنزة فناداه أسير يا أبا سفانة أكلني الأسار والقمل، فقال:
ويلك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت إذ نوّهت باسمي. فاشتراه وقال:
خلوا سبيله واجعلوني في القيد مكانه حتى أؤدي فداءه فجعل مكانه وبعث إلى قومه فاتوه بالفداء. وفي المثل: ربّ أخ لك لم تلده أمك.
المبادرة إلى نصرة مستنصره
قيل: لا تسأل الصارخ واسأل ما له بعض بني العنبر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النّائبات على ما قال برهانا «١»
قال السري:
ملك إصاخته لأوّل صارخ ... وسجال أنعمه لأوّل طالب
قال عمرو بن مخادة:
دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلج «٢»
قال المتنبّي:
سبقت إليهم مناياهم ... ومنفعة الغوث قبل العطب
قال الصنوبري «٣»:
يا خير مستصرخ لنائبة ... يضيق بالعالمين قطراها
من تحمّل من جاره الضرّاء ووفّر له السرّاء
قال زهير:
وجار سار معتمدا علينا ... أجاءته المخافة والرجاء
ضمنّا ما له فغدا سليما ... علينا نقصه وله النّماء
قال شبيب بن البرصاء:
وجاراتنا ما دمن فينا عزيزة ... كأروى ثبير لا يحلّ اصطيادها «٤»
يكون علينا نقصها وضمانها ... وللجار إن كانت تريد ازديادهامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٢٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(١) الجوار والنصرة←من تحمل من جاره الضراء ووفر له السراء
٤٩ مدح من كرم جاره ومستنصروه
قال شاعر:
وعزّت جوار عصبة أنت جارها
قال أبو تمّام:
وليس امرؤ في النّاس كنت سلاحه ... عشية يلقى الحادثات بأعزلا
ترى درعه حصداء والسيف قاضبا ... وزجّيه مسهومين والسوط معولا «١»
قال السري الرفاء:
ما عذر من بسطت يمينك كفّه ... أن لا ينال بها السها والمرزما «٢»
قال المتنبي:
إذا شدّ زندي حسن ذاتك في يدي ... ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا
وقال آخر:
إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... ودافع عنّي حازم وابن حازم
عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريّا قاعدا غير قائم
قال ابن الحجاج «٣»:
وكيف يخشى صولة الذئب من ... قد جعل السبع له عدّة «٤»
الحامي جاره الحابيه ماله
قال ابن الرومي:
هم أمّلونا في هضاب غيومهم ... ندى ورعونا بالقنا والقنابل
قال السري الرفاء:
أمّن في ظلّه رعيّته ... خوف أعاديه حين عاداها
أهّلها في نواله وغدا ... مشتملا بالحسام يرعاها
الحامي جاره والمبيح ماله
قال ابن الرومي:
هو المرء أما ماله فمحلّل ... لعاف وأمّا جاره فحرام «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٣٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(١) الجوار والنصرة←الحامي جاره والمبيح ماله
٥٠ وقال آخر:
فنحن حلال في حريمك للغنى ... ونحن على الأيّام فيه حرام
الراعي مال جاره من النوب والسرّاق
كانوا يقولون جار كجار أبي دؤاد وذلك أنه إذا مات له بعير أو شاة أخلفه وإذا مات له قريب وداه، قال شاعر:
إذا نزل الشتاء بدار قوم ... تجنّب دار قومهم الشتاء
قال الفرزدق:
الضامنون على المنيّة جارهم ... والمطعمون غداة كلّ شمال «١»
قال المتنبّي:
يذمّ على اللصوص لكلّ تجر ... ويضمن للصّوارم كلّ جان «٢»
المستجير بمن أمّنه من النّوب
قال أبو نواس:
أخذت بحبل من حبال محمّد ... أمنت به من طارق الحدثان «٣»
تغطّيت من دهري بظلّ جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
قال ابن أبي فنن:
كبا الدهر بي فاستلّني من جيرانه ... وقد كنت لاقيت المنية أو كدت «٤»
وحكّمني في ماله وجياده ... وخيّرني بين الحكومة فاخترت
مدح الناصر صاحبه وإن كان ذا عذر
في المثل، الفحل يحمي شوله معقولا، والخيل تجري على مساويها.
قال شاعر:
يفرّ جبان القوم عن أمّ نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
الحثّ على نصرة واقع في محنة
قال بعض البلغاء: لتكن معاونتك أخاك بمهجتك عند البلاء أكثر من معاونتك إياه عند الرخاء. وقيل: أفضل المعروف نصرة الملهوف.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٣١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(١) الجوار والنصرة←الحث على نصرة واقع في محنة
٥١ ذمّ من لا يصون جاره
قال الحطيئة «١»:
لمّا بدا لي منكم ذات أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكم آس «٢»
أزمعت ياسا مبينا من جواركم ... ولن ترى طاردا للحرّ كالياس
قال المتنبّي:
رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدرّ على مرعاكم اللبن
جزاء كلّ قريب منكم ملل ... وحظّ كلّ محبّ منكم ضغن «٣»
وقال رجل لابن الزيات: أمتّ إليكم بجواري، فقال نسب بين حيطان، نظم ذلك بعضهم فقال:
أرى الجوار نسبا بين الجدر ... والعطف والرقة حينا والخور «٤»
طباع نسوان وصبيان غرر
ذمّ من لا نصرة لديه
قال إبراهيم بن العباس:
وإني إذا أدعوك عند ملمّة ... كداعية بين القبور نصيرها «٥»
قال ريقان:
فما دار عمّي لي بدار خفارة ... ولا عهد عمّي لي بعهد جوار
قال عامر:
فجارك عند بيتك لحم ظبي ... وجاري عند بيتي لا يرام «٦»
وقال آخر:
تركوا جارهم يأكله ... ضبع الوادي ويرميه الشّجر «٧»
وسأل سليمان بن علي خالد بن صفوان عن ابنيه فقال كيف تحمد جوارهما فأنشد:
أبو مالك جار لها وابن برثن ... فيا لك جاري ذلّة وصغار «٨»
وفي المثل: لا حرّ بوادي عوف.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٣٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(١) الجوار والنصرة←ذم من لا نصرة لديه
٥٢ صعوبة ترك العادة والرجوع عنها
قيل: للعادة على كل إنسان سلطان، وكل امرىء جار على ما تعوّدا، وقيل: لكل كريم عادة يستعيدها، وقيل: اللسان متقاضيك ما عودته. قال المتنبي:
وتأبى الطّباع على الناقل.
وقالت الحكماء العادة طبيعة ثانية.
نفي العيب عن تعاطي ما كان خلقا
قال بعض القدماء:
ظلمت امرأ كلّفته غير خلقه ... وهل كانت الأخلاق إلا غرائزا «١»
قال الخبزارزي:
يعاب الفتى فيما أتى باختياره ... ولا عيب في ما كان خلقا مركّبا
المتخلّق يرجع إلى شيمته
قال عمر رضي الله تعالى عنه من تخلّق للناس بما ليس خلقا له شأنه الله وفي كتاب كليلة: الطبع المتكلّف كلما زدته تثقيفا زادك تعقيفا «٢» . وقيل: كل إناء يرشح بما فيه. وقال إن التخلق يأبى دونه الخلق.
قال ذو الإصبع «٣»:
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها «٤»
قال زهير «٥»:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى على النّاس تعلم «٦»
وقال آخر:
وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٣٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٢) ومما جاء في الأخلاق الحسنة والقبيحة←المتخلق يرجع إلى شيمته
٥٣ النّهي عن تعاطي ما يضحك
قال النبيّ ﷺ ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له ويل له. وقال رسول الله ﷺ: إن الرجل يتكلم بالكلمة يضحك بها الناس فيذل أبعد ما بين السماء والأرض، وقيل لأبي العيناء: فلان يضحك منك فقال: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون.
إيراد جدّ في مسلك هزل
قيل: جديدة في لعيبة، وقال خالد بن صفوان رماني بأصلب من الجندل ونشقني بأحرّ من الخردل، ثم قال أني أمازحك.
لي صاحب ليس يخلو ... لسانه من جراحي
يجدّ تمزيق عرضي ... على طريق المزاح «١»
(٤) ومما جاء في الحياء والوقاحة
قال النبي ﷺ: الحياء شعبة من الإيمان ومن لا حياء له فلا إيمان له وفسر قوله تعالى:
وَلِباسُ التَّقْوى
«٢» بالحياء وقال: أبى عليك بالحياء والأنفة فإنك إن استحييت من الغضاضة «٣» اجتنبت من الخساسة، وإن أنفت من الغلبة لم يتقدمك أحد في مرتبة. وقيل: أحي حياءك بمجالسة من يستحى منه، وقيل: من جمع بين الحياء والسخاء فقد أجاد الخلة إزارها ورداءها.
الممدوح بالحياء
في وصف النبي ﷺ أنّه كان شديد الحياء، وكان أشدّ حياء من العذراء في خدرها «٤»، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. وسأل يحيى ابن خالد رجلا عن ابنه فقال تركته وماء الحياء يتحدر من أسارير وجهه، وسيول الجود سائلة من فروج أنامله ولآلىء العلم متناثرة من ميازيب «٥» منطقه. قال شاعر:
ترك الحياء بها رداع سقيم «٦»
قال المتنبّي:
وأوجه فتيان حياء تلتمّوا ... عليهنّ لا خوفا من الحرّ والبردمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٤٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٤) ومما جاء في الحياء والوقاحة←الممدوح بالحياء
٥٤ الانصراف إلى دارك أتدلج «١» علي؟ فقال: نعم، فكان يفعل ذلك به. فلما كان ذات يوم قتل بعض الخوارج صاحب شرطة زياد، فأمر زياد أن يقتل من في الحبس من الخوارج وكان مرداس خارجا، فقال أهله: اتّق الله في نفسك فإنّك مقتول إن رجعت، فقال: ما كنت لألقى الله غادرا وهذا جبار ولا آمن أن يقتل السجان فرجع، وقال للسجّان:
تساقط «٢» إليّ ما عزم صاحبك عليه من قتل أصحابنا فبادرت لئلا يلحقك مكروه، فقال السجّان: خذ أي طريق شئت فانج نجّاك الله.
الوفيّات من النساء
قال أبو عبيدة: لم تف امرأة لزوجها إلّا قضاعيتان نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان ﵁، وذلك أنه خطبها معاوية لما قتل عثمان فدعت بفهر «٣»، فقلعت ثنيتها «٤» وقالت: أني رأيت الحزن يبلى فلم آمن أن يبلى حزنى فتدعوني نفسي إلى التزوّج وامرأة هدبة فإنها حين قتل زوجها قطعت أنفها وكانت حسنة الأنف لئلا يرغب فيها.
قلّة الوفاء في النّاس ووصف عامّتهم بالغدر
قال تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
«٥» وكان يحيى بن خالد إذا اجتهد في يمينه يقول: لا والذي جعل الوفاء أعز ما يرى. وكان يقول هو أعز من الوفاء، وقيل لحكيم أي أصناف الناس أقل وفاء فقال أهل الأمانة والوفاء.
قال موسى العلوي:
وخان الناس كلّهم ... فلا أدري بمن أثق
قال المتنبّي:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا
أهل الحفيظة إلا أن تجرّبهم ... وفي التجارب بعد الغيّ ما يزع «٦»
قال أبو فراس:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحرّ الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلّهم ... ذئابا على أجسادهنّ ثياب
وله:
أبغي الوفاء بدهر لا وفاء له ... كأننّي جاهل بالدّهر والنّاسمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٥٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٥) الأمانة والخيانة←قلة الوفاء في الناس ووصف عامتهم بالغدر
٥٥ وكان لعبد الملك صديق يختصه، فغاب عنه غيبة قتل عبد الملك فيها عمرو بن سعيد بعد أن أمنه. فلما قدم قال له يوما: ما تقول في قتل عمرو بن سعيد؟ فقال: اعفني.
فقال: أقسمت عليك لتقولنّ. فقال لو قتلته يا أمير المؤمنين وأنت كان حي جميلا. فقال أو ما تراني حيا قال ليس بحي من أقام نفسه مقاما لا يوثق به، والله لا يخرج عليك بعدها خارجى إلا وبلغ الغاية في معاداتك، وإن بذلت له كل أمانة. فقال عبد الملك: لو سبق إلى إذني لم أصنع ما صنعت، ولقد صدق من قال نصف عقلك مع صاحبك.
قال جحظة «١»:
وأمّنتني ثمّ عاقبتني ... فكان أمان أبي مسلم
مدح سوء الظنّ بالنّاس
قيل: ما الحزم؟ قال: سوء الظن بالناس.
وقال ببغاء «٢» البغدادي:
وأكثر من تلقى يسرّك قوله ... ولكن قليل من يسّرك فعله
وقد كان حسن الظنّ بعض مذاهبي ... فأدبّني هذا الزمان وأهله «٣»
وقد تقدم هذا الباب.
ذمّ من ساء ظنّه
قيل لبعضهم: ما ظنّك بالناس؟ قال: ظنّي بنفسي. قال المتنبّي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توّهم
وقيل: أخفض الناس «٤» من لا يثق بأحد ولا يثق به أحد.
النهي عن الوقوف موضع التّهمة
قال النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقومّن مقام التهمة. وقيل: من وقف موقف التهمة لم يكن له أجر الغيبة. من جعل نفسه عرضا للتهم فلا يلومنّ من أساء به الظن.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٥٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٥) الأمانة والخيانة←النهي عن الوقوف موضع التهمة
٥٦ وفي المثل فلان لا يشقّ غباره «١» . وكتب كاتب: لسنا لاحقيك إذا ابتدأت ولا سابقيك إذا كافأت.
وسئل مجنون: كيف رأيت بني فلان مع من فاخر؟ فقال:
كانوا ومن عاداهم من البشر ... كأنما أجريت خيلا وبقر
وقال سلم الخاسر:
جاراك قوم فلم ينالوا ... مداك والجري لا يعار «٢»
وقال المتنبّي:
من تعاطى تشبّها بك أعيا ... هـ ومن دلّ في طريقك ضلّا «٣»
وقال البحتري:
في فتية طلبوا غبارك إنّه ... وهج ترفع من طريق السؤدد
قال ابن الرومي:
رجحتم على أكفائكم إذا وزنتم ... وهل يستوي الآلاف والعشرات
قال أبو تمّام:
محاسن أقوام متى تقرنوا بها ... محاسن أقوام تكن كالخبائث «٤»
من يبكّت مساميه ومباريه
وقال بشّار:
أيها الجاهل المباهي بريدا ... ليس بدر السماء منك بدان «٥»
وقال أبو تمّام:
ويا أيّها السّاعي ليدرك شأوه ... تزحزح قصيّا أسوأ الظّنّ كاذبه «٦»
بحسبك من نيل المكارم أن ترى ... عليما بأن ليست تنال مناقبه «٧»
وقال آخر:
نحيت بيربوع لتدرك دارما ... ضلالا لمن منّاك تلك إلا مانيا
سعيت شباب الدهر لم تستطعهم ... أفالان لمّا أصبح الدهر فانيا
قال الموسوي:
يريد المعالي عاطل من أداتها ... وهيهات من محصوصة طيرانهامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٥٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٦) ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل←من يبكت مساميه ومباريه
٥٧ وأما أسّه فعلى قديم ... من العاديّ إن ذكر البناء
قال أبو تمّام:
له نبعة فرعها في السماء ... وفي هامة الحوت أعراقها
قال أبو فراس:
لنا بيت على عنق الثريّا ... بعيد مذاهب الأطناب سام «١»
تظلّله الفوارس بالعوالي ... وتفرشه الولائد بالطّعام
وقال آخر:
له قبّة في المجد رأس عمادها
المتدرّع للمعالي
قال الراعي «٢»:
فمن يفخر بمكرمة فإنّا ... سننّاها لأيدي الفاعلينا
قال ابن الرومي، وقد أحسن:
هم المبدعون بديع العلى ... إذا كان غيرهم المتّبع
وما الدين إلا مع التّابعين ... ولكنّما المجد للمبتدع
قال أبو تمام، وقد أحسن:
فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن ... سوى حسن ممّا فعلت مردّد
محاسن أصناف المغنّين جمّة ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد «٣»
قال المتنبّي:
يمشي الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع «٤»
وقال أرسطوطاليس للإسكندر: أمّا مناقبك فقد نسخها تواترها فصارت كالشيء القديم يتأسى به كالبديع بتعجب منه.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٦٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٦) ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل←المتدرع للمعالي
٥٨ المتثبّت بالمعالي والخادم لها
قال أبو الشيص «١»:
عشق المكارم فهو معتمد لها ... والمكرمات قليلة العشّاق
قال المتنبّي:
تلد له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذّ له الغرام
ومن هنا أخذ الصاحب قوله:
اشبب لكن بالمعالي اشبب ... وانسب لكن بالمكارم أنسب
قال أبو تمّام:
خدم العلى فخدمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تخدم
العديم النظير والشبيه
وصف أعرابي رجلا فقال ما نطف «٢» فحل بمثله، قال:
ما ولدت مثلك أرحام النساء
وقال آخر:
إنّ الزمان بمثله لعقيم
قال المتنبّي:
ليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه
وليس ذلك بعيب وإنما هو كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب «٣»
قال علي بن عبد العزيز:
جملة القول أنّ مثلك لا يمكن في مثل دهرنا تكوينه قال أبو نواس:
خلقت بديعا لا يقال كأنّه ... تعالى ولم يسمع بمثلك سامع
قال آخر:
ولم تقع عين على مثلهمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٦٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٦) ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل←العديم النظير والشبيه
٥٩ قال ابن سكّرة في الصّابي:
خرجت أطلب شيئا لا وجود له ... ومن غدا يطلب المفقود لم يجد
شبه الكريم أبي إسحاق في كرم ... ما ليس في الظنّ هل يسطاع في بلد
من اشتغاله كسب المعالي
قال البحتري:
إلى فارغ من كلّ شغل يشينه ... فإن يشتغل بالمجد طاب اشتغاله
قال المتنبّي:
ويشغلهم كسب الثّناء عن الشغل
من يتزايد في المجد على مرور الدهر
قال شاعر:
وجدتك أمس خير بني معّد ... وأنت اليوم خير منك أمس
قال أبو الهول:
ما كنت في غاية إلا سبقت ولا ... طال المدى بك إلّا زدت إحسانا
من لا يحصى مجده
وقال أبو شراعة:
وحزت بهم لا بل بنفس ابن حرّة ... مآثر يحصى دون إحصائها الرّمل
قال دعبل:
معاليه يحصى قبل إحصائها القطر
الموصوف بان تجمّع فيه عالم لفضله
عقيل يصول إذا استجير به نفير، قال أبو نواس:
متى تخطى إليه الرجل سالمة ... تستجمع الخلق في تمثال إنسان
وله:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
قال المتنبّي:
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
من يستحقر في جنبه أجلّاء الناس
قال بكر بن النطاح:
ما النّاس إلا ملك واحد ... غير خشارات......... «١»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٦٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٦) ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل←من يستحقر في جنبه أجلاء الناس
٦٠ قال رشتة بن الأبيض:
الناس عند علي حين تذكرهم ... كالشّوك يذكر بين الورد والآس
قال ابن العوّام:
فنحن السنام والمناسم غيرنا ... ومن ذا يسوّي بالسنام المناسما «١»
وذلك مأخوذ من قول الآخر:
ومن يسوّي بأنّف الناقة الذنبا
قال أبو السعداء:
النّاس أيام الشهو ... ر وأنت فيهم يوم عيد «٢»
من تتزيّن به الدنيا
وصف أعرابي رجلا فقال لئن عابه كونه في الزمان لقد تزين الزمان بكونه فيه.
قال الجريمي:
تحلّت به الدنيا فغطّت عيوبها ... وأمست به الدنيا تجّل وتحمد
قال المتنبّي:
أنت الذي بجح الزمان بذكره ... وتزيّنت بحديثه الأسمار «٣»
وقال أبو الفضل بن العميد: أمدح بيت قول المتنبي:
الدهر لفظ وأنت معناه
قال الشيخ ﵀ وأنا استحسن قول الشاعر:
فما أحسن الدنيا وفي الدار خالد ... وأقبحها لمّا تجهّز غازيا
قال ابن الرومي:
يا زينة الدين والدنيا إذا احتفلا ... وأظهرا ما أعداه من الزين
من تنافست فيه الأيّام
قال نصيب:
وقد تغايرت الأيام فيك فما ... تنفكّ تسني لها الحذيا وتحتشد «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٦٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٦) ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل←من تنافست فيه الأيام
٦١ قال أبو تمّام:
يشتاقه من كماله غده ... ويكثر الوجد نحوه الأمس
قال ابن الرومي:
تنافس الناس في أيّام دولته ... فما يبيعون ساعات بأعوام
ومن الأقوال المشهورة:
فلان لا يحجب في العلم ... (أي لا يخفى مكانه)
وقال شاعر:
وهل يخفى على الناس النهار
قال ابن الرومي:
شمس الضحى أبرع من أن تطمسا «١»
وقال آخر:
إنّي إذا خفي الرجال وجدتني ... كالشّمس لا تخفى بكلّ مكان
قال ابن هرمة «٢»:
إذا خفي القوم اللئام رأيتني ... مقارن شمس في المجرّة أو بدر «٣»
وكان علي بن الحسين ﵄ يطوف بالبيت فرآه يزيد. فقال: من هذا؟
فقال له الحارث بن الليث:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم «٤»
اعتذار من لم يعرف
قال رجل لسقراط ذكرتك عند فلان فلم يعرفك فقال: يضرّه أنه لا يعرفني، لأنه لا يجهل مكان ذي العلم إلّا خسيس. وقال محمد بن الزيات لبعض أولاد البرامكة: من أنت ومن أبوك؟ فقال: أما أنا فالذي تعرفني وأما أبي فالذي لم يعرفك ولا أباك. قال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياءمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٦٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٦) ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل←اعتذار من لم يعرف
٦٢ أخذه ابن الرومي فقال:
فامدد إليّ يدا تعوّد بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا
قال الخوارزمي:
تعاورت الشفاه الكم عنها ... ونافست الشفاه بها الخدودا
وله:
يقبّل رجليه رجال أقلّهم ... تقبّل في الدست الرفيع أنامله
وفي ضده يقول الهنادي لبعض بني هاشم:
يا قبلة ذهبت ضياعا في يد ... ضرّ الإله بنانها بالنّقرس
ودخل أبو العميثل على طاهر بن الحسين متمدحا وقبل يده فقال: ما أخشن شاربك يا أبا العميثل. فقال: أيها الأمير إن شوك القنفذ لا يضر ببرثن الأسد. فضحك وقال إن هذه الكلمة أعجب إليّ من كل شعر. فأعطاه للشعر ألف درهم ولكلمته هذه ثلاثة آلاف درهم.
المقبّل أرضه
قال المتنبّي:
تقبّل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمّه وبراجمه «١»
قال أبو القاسم بن أبي العلاء:
يقبّل صيد النّاس سدّة بابه ... ويعظم عنه أخمص وركاب
لدى ملك قد خطّ في كلّ جبهة ... كتابة رقّ والمداد تراب «٢»
قال أحمد بن إبراهيم:
سجدنا للقرود رجاء دنيا ... حوتها دوننا أيدي القرود
فما بلت أناملنا بشيء ... رجوناه سوى ذلّ الخدود
من يقام له وينزل إليه وجواز ذلك وكرامته
قال شاعر:
فلا تعجب لإسراعي إليه ... فإنّ لمثله شرّع القيام
قال إبراهيم الصولي:
إذا ما بدا والقوم فوق سروجهم ... تناثرت الأشراف منهم على الأرضمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٧١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٦) ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل←من يقام له وينزل إليه وجواز ذلك وكرامته
٦٣ قال مسلم:
كأنّه قمر أو ضيغم هصر ... أو حيّة ذكر أو عارض هطل «١»
قال وهب الهمداني تلقاه في الظلماء والهيجاء والمحل المجيع كالغيث والليث المحامي والعقيلة والصديع قال البحتري:
كالغيث في أخذامه والغيث في ... أرهامه والليث في إقدامه
إن كنت تنكر ما أقول فجاره ... أوباره أو حاكه أو سامه
قال ابن طباطبا:
كالبدر إذ يجري وكالليل إذ ... يسري وكالصّارم إذ يفري «٢»
قال محمد بن وهيب:
تحكي أفاعيله في كلّ نائبة ... والغيث والليث والصمصامة الذّكرا
قال الخوارزمي:
ستلقى به بدرا وبحرا وضيغما ... وسيفا وإنسانا وطودا وفيلقا «٣»
قال أبو طالب المأموني:
جبال الحجا أسد الوغا غصص العدا ... شموس العلا سحب النّدى أنجم الفضل
الممدوح بمعنى واحد في أحوال أو جوارح مختلفة
قال المتنبيّ:
طويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل اللسان
حديد اللحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان
قال الخوارزمي:
سريع اللسان سريع السنان ... سريع البنان سريع القلم
الممدوح بأنّه لو كان كذا لكان خيره
قال أبو عمرو بن العلاء لو كانت ربيعة فرسا لكان شيبان غرّتها.
قال شاعر:
لو كنت ماء كنت من مزنة ... أو كنت نجما كنت سعد السعود «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٧٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٦) ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل←الممدوح بأنه لو كان كذا لكان خيره
٦٤ ذمّ من يتكلّف إدراك ما لا يدركه
ذكران قصارا كان يعمل على شاطىء نهر وكان يرى كركيا يجيء كلّ يوم فيلتقط من الحمأة دودا ويقتصر في القوت عليه. فرأى يوما بازيا قد ارتفع في الجو فاصطاد حماما فأكل منها بعضا وترك في موضعه البعض وطار فتفكر الكركي في نفسه. وقال:
مالي لا أصطاد الطيور كما يصطاد وأنا أكبر جسما منه. فارتفع في الجو وانقض على الحمام، فأخطأه فسقط في الحمأة فتلطخ ريشه ولم يمكنه أن يطير فأخذه القصار وحمله إلى منزله فاستقبله رجل فقال: ما هذا قال: كركي يتصقر. وكان المتنبي ألم بهذا المعنى في قوله:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
وفي المثل:
- أطرق كرى أن النعام في القرى ونحو ذلك قول يربوع:
- بخست بيربوع لتدرك دارما ... ضلالا لمن منّاك تلك الأمانيا
وقد تقدّم ذلك.
الحكم بين فاضل ونذل
سئل أبو العيناء عن رجلين فقال: وما يستوى البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. وسئل أبو ثور عن حماد بن زيد بن درهم وحماد بن سلمة بن دينار فقال: بينهما في القدر ما بين جديهما في الصرف، وقال أعرابي: فلان يدعي الفضل على فلان ولو وقع في ضحضاح معروفة لغرق شاعر. وهل يقاس ضياء الشمس بالقمر! قال محمد بن منادر:
ومن يجعل الوجه مثل القفا ... وعالية الرّمح كالسّافل
وفي المثل:
مذكية تقاس بالجذاع «١»
وفيه: ليس قطا مثل قطي وقال سبيع التميميّ:
أسوّيك بالمرء الذي لست مثله ... وكيف يسوّى صالح القوم بالرّذلمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٧٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٧) ومما جاء في النذالة والتأخر عن المكارم←الحكم بين فاضل ونذل
٦٥ وفي المثل يا عبرى مقبلة ويا سهري مدبرة وقيل أغيرة وجبنا:
يا ليت حظّي من نداك الصافي ... والخير أن تركتني كفافي
وقال آخر:
ليت حظّي من أبي كرب ... سدّ عنّي خيره خبله
وقال آخر:
فراشة الحلم فرعون العذاب وإن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب
من يرضى منه أن يكفّ شرّه
قيل: أسوأ ما في الكريم أن يمنعك نداه وأحسن ما في اللئيم أن يكفّ عنك أذاه، قال المتنبي في معناه:
إنّا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر النّاس إحسان وإجمال
ذمّ من يعادي أولياءه دون أعدائه
قيل لمعاوية: ما النذالة؟ قال: الجراءة على الصديق والنكول «١» عن العدو. وذم أعرابي رجلا فقال: هو أقل الناس ذنوبا إلى أعدائه وأكثرهم تجرؤا على أصدقائه وأوليائه وكتب بعضهم عدوه بمعزل عنه وصديقه على وجل منه إن شهد عافه وإن غاب عنه خافه وفي الأقارب باب يقرب من هذا.
من أخلف فيه الظنّ لنذالته
قال أبو علي البصير
كان ظنّي بك الجميل فألفي ... تك من كلّ ما ظننت بعيدا
قيل لجعيفر: أن اقصد فلانا وسله. فقال: إنه قطوف عن الخيرات لا يثمر شجرة ولا يميه حجره. فقيل ليس كما تظنه فأتاه فلم ير منه طائلا فقال: له:
يا فتى أخلف فيه الظ ... نّ من كلّ فنون
لم يكن ظنّي بك ال ... خير ولكن خدعوني
الموفي على كلّ لئيم
قد كان لأم طفل لفّ في خرق، وقيل هو ألام من الذئب وفي ضده قيل هو أكرم من الليث ولؤم الذئب أنه يأخذه ما يعن له وإن كان شعبان والأسد يتلطف عن ذلك إذا شبع وقيل: لئيم راضع وذلك من باب البخل.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٨٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٧) ومما جاء في النذالة والتأخر عن المكارم←الموفي على كل لئيم
٦٦ من لا يبالي بغضبه
قيل لرجل: فلان غضب عليك. فأنشد:
إذا غضبت تلك الأنوف لم أرضها ... ولم أطلب العتبى ولكن أزيدها
قال ابن الرومي:
غضبت وطلت من سفه وطيش ... تهزهز لحية في قدّ رفش
فما افترقت لغضبتك الثريّا ... ولا اجتمعت لذاك بنات نعش
وفي المثل: غضب الخيل على اللجم، ومما يضرب به المثل في ذلك قول المتنبي:
وغيظ على الأيام كالنّار في الحشا ... ولكنّه غيظ الأسير على القدّ «١»
وقيل:
فلا سلّ من تلك الصدور قتادها
قال أبو علي البصير:
أبو جعفر كالناس يرضى ويغضب ... ويبعد في كلّ الأمور ويقرب
ولكن رضاه ليس يجدي قلامة ... فما فوقها إذ سخطه ليس يرهب «٢»
ويقرب من ذلك قولهم ما أبالي ما نهي من ضبك وما نضج وعكس هذا الباب قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت النّاس كلّهم غضابا «٣»
وضيع ارتفع
قيل: إذا استنسر البغاث «٤» حلت الأحداث، وقيل إذا ذهبت العتاق ارتفعت الدقاق «٥»، وجاء ما لا يطاق.
وقال أزدشير ما شيء أسرع في انتقال الدول من رفع وضيع إلى مرتبة شريف. قيل السفل إذا تعلموا تكبروا وإذا تمولوا استطالوا، والكرام إذا تعلموا تواضعوا وإذا افتقروا صالوا، وقيل لأن يسقط ألف من العلية خير من أن يرتفع واحد من السفلة.
الاغتياظ لوضيع تعرض لرفيع
لما ولي زياد البصرة خطب فقال: إني رأيت خلالا ثلاثا نبذت إليكم، منهن النصيحة لامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٨٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة←(٧) ومما جاء في النذالة والتأخر عن المكارم←الاغتياظ لوضيع تعرض لرفيع
٦٧ فقيرا أتعبني، ولا أرضى كدى له كدا ولا سعي له في الحياة سعيا، أهتم بفقره بعد وفاتي حين لا ينالني به سرور، ولا يهمه لي حزن، واصحر يوما فرآى صيادا فقال: ما أكثر ما يقع في شبكتك، قال كل طير زاق. فقال الحسن: هلك المعيلون. قال ابن عباس ﵄ لرجل معه ولده: إن عاش فتنك وإن مات أحزنك وقد أحسن المتنبي في قوله:
وما الدهر أهل أن يؤمّل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل
وقيل: النكد كل النكد من رماه الأبد كل عام بولد.
كون الولد مكسبا لأبويه بأفعاله
قال النبي ﷺ: أنت ومالك لأبيك وقال ﷺ أولادكم كسبكم فكلوا من أموالهم.
وناول عمر ﵁ رجلا شيئا فقال له: خدمك بنوك فقال: بل أغناني الله عنهم.
شفقة الأبوين على الولد
كان النبي ﷺ يخطب فطلع الحسن ﵁ يتخطى الناس فسقط فنزل النبي ﷺ فتناوله ثم رجع فقال: والذي نفسي بيده ما علمت كيف نزلت صدق الله ﷿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة. وضرب رجل وطولب بمال فلم يسمح به فأخذ ابنه وضرب فجزع فقيل له في ذلك فقال: ضرب جلدي فصبرت وضرب كبدي فلم أصبر. قال شاعر:
وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض «١»
من كره الموت شفقة على ولده
قال شاعر:
يقرّ بعيني وهو ينقص مدّتي ... مرور الليالي كي يشبّ حكيم
مخافة أن يغتالني الموت قبله ... فينشو مع الصّبيان وهو يتيم
وقال آخر:
لقد زاد الحياة إليّ حبا ... بناتي إنهنّ من الضعاف
مخافة أن يذقن اليتم بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صاف
متحمل تعبا لأولاده
قال شاعر:
والله لولا صبية صغار ... وجوههم كأنّها أقمار
لمّا رآني ملك جبار ... ببابه ما طلع النّهار
ونحو هذا قولهم:محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٣٩٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس في الأبوة والبنوة ومدحهما وذمهما←(١) فمما جاء في البنين والبنات←متحمل تعبا لأولاده
٦٨ وقيل: أصل راسخ وفرع شامخ. محمد بن وهيب:
وليس بديعا بأن تحتذي ... مذاهب آسادها الأشبل
ونحوه لعماءة بن عقيل:
وهل يشبه الأشبال ألا أسودها
وقال بعض المحدثين:
أنت غصن من ذلك المنبت الزا ... كي ونصل من ذلك الفولاذ
من مكارمه تدلّ على كرم سلفه
قال أبو تمّام:
فروع لا ترّف عليك إلا ... شهدت بها على طيب الأروم
وفي الشّرف الحديث دليل صدق ... لمختبر على الشرف القديم
قال أبو هفان:
لا تنظرنّ إلى امرىء ما أصله ... وانظر إلى أفعاله ثمّ احكم «١»
المستغني بنفسه عن شرف آبائه
دخل البحتري على بعض العلوية فسأله حاجة بعد حاجة، فأجابه إلى كل ما التمس فأثنى عليه فقال: بعض من حضر كيف لا يعطى وهو من منصب الفضل، فقال:
لا توجبنّ لكريم أصلك منة ... لو كنت من عكل لكنت كريما «٢»
قال دعبل:
لو لم تكن لك أجداد تنوبهم ... إلا بنفسك نلت النجم من كثب
قال عامر بن الطفيل:
وإني وإن كنت ابن فارس عامر ... وفي السرّ منها والصّميم المهذّب
فما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
قال المتنبيّ:
ويغنيك عمّا ينسب النّاس أنه ... إليك تناهى المكرمات وتنسب
وله:
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٠٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس في الأبوة والبنوة ومدحهما وذمهما←(٢) ومما جاء في ممادح الأبوة ومذامها←المستغني بنفسه عن شرف آبائه
٦٩ من تشرّف به آباؤه ولم يتشرّف بهم
قال الفرزدق:
وإن تميما كلّها غير سعدها ... زعانف لولا عزّ سعد لذلّت
فقيل لقد وضع من قومه أكثر مما رفع من نفسه.
قال علي بن جبلة:
فما سوّدت عجلا مآثر قومه ... ولكن به سادت على غيرها عجل
فغير عليه هذا المعنى وقيل غض عن حسبه ونقص من شأن نفسه واقتدى المتنبيبه فقال:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي
أنشد الحسن يوما:
لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيله
فقال الحسن: أمدحه أم ذمه فقيل مدحه وذم قومه فقال: ما مدحة من ذم قومه وما فضل الولد على الوالد بأحسن من قول المتنبي حيث يقول:
فإن تكن تغلب العلياء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
وقوله أيضا:
فإنك ماء الورد إن ذهب الورد
من ازداد شرف آبائه به
ولو علم الشيخان أدّ ويعرب ... لسرت إذا تلك العظام الرمائم
قال الخوارزمي:
هو ابن الرئيس والعميد كليهما ... وفوقهما قدرا وإن كان منهما
وقد يوقد الزندان نار المقابس ... فتضحي من الزّندين أعلى وأعظما «١»
قال ابن الرومي:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
يسمو الرجال بآباء وآونة ... يسمو الرجال بأبناء وتزدان
من زان شرف أبيه بفعله
قال شاعر:
زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه «٢»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٠٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس في الأبوة والبنوة ومدحهما وذمهما←(٢) ومما جاء في ممادح الأبوة ومذامها←من زان شرف أبيه بفعله
٧٠ قد زيّنوا أحسابهم بسماحهم ... لا خير في حسن بغير سماح «١»
المزيّن أباه والمتزيّن به
قال أبو تمّام:
وحسب امرىء أنت امرؤ آخر له ... وحسبك فخرا أنّه لك أوّل
وقال الخبزارزي:
فطوبى لقوم أنت فارع أصلهم ... وطوباك إذ من أصلهم أنت فارع «٢»
المتزيّن بمكانه النّاس قاطبة
قال المتنبيّ:
تشرّف عدنان به لا ربيعة ... وتفتخر الدّنيا به لا العواصم
وقال آخر:
يا زينة الدّين والدّنيا إذا احتفلا ... وأظهرا ما أعداه من الزّين
لا اعتداد بمن شرف أصله ولم يشرّف بنفسه
قال الأحنف: من فاته حسب بدنه فلا حسب له. وقيل: الشرف بالهم العالية لا بالرمم «٣» البالية.
وقال أبو وائل لرجل شريف الأصل دنيء النفس: ما أحوج عرضك إلى أن يكون لمن يصونه فيكون فوق من أنت اليوم دونه.
وقال أرسطوطاليس: إذا كان الإنسان خسيس «٤» الأبوين شريف النفس كان خسة أبويه زائدا في شرفه وإذا كان شريف الأبوين خسيس النفس كان شرف أبويه زائدة في خسته.
وقال الصاحب: شرف نفسي خير من شرف رمسي وعصامي خير من عظامي يعني قول النابغة:
نفس عصام سوّدت عصاما
ويعني بعظامي قول الآخر:
إذا ما الحيّ عاش بعظم ميت ... فذاك العظم حيّ وهو ميت
وقال ابن الرومي:
وما الحسب الموروث لا درّ درّه ... لمحتسب إلا بآخر مكتسبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٠٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس في الأبوة والبنوة ومدحهما وذمهما←(٢) ومما جاء في ممادح الأبوة ومذامها←لا اعتداد بمن شرف أصله ولم يشرف بنفسه
٧١ ذمّ علويّ
كتب أبو الحسين بن طباطبا إلى الكادوشي:
لن تحلب الشاة أفاويقها ... أو يخلع التيس عليها الرّسن «١»
فاحذر على ثغرك من منعظ ... يقطع عن ضرعك عرق اللبن «٢»
فكتب إليه الكادوشي:
أبا حسن أيما حاجة ... دعتك إلى شين هذا النّسب
تصون بعرضك عرض اللئام ... كأنّك تحلّهم عن نشب «٣»
وتعنق في سبل المنكرا ... ت ظلما لتنصر أهل الريب «٤»
لذاك الخلافة لم ترضكم ... ولا نصرتكم عليها العرب
تحللت بالسبّ لما رأيت ... أديمك صحّ ومن سبّ سب «٥»
فإن لم نجد فيك من مغمز ... سلكنا إليك طريق الكذب
ولولا النبيّ ﵇ ... ولولا عليّ لقيت العجب
وقال المتنبيّ:
بها علويّ جدّه غير هاشم
وله:
إذا علويّ لم يكن مثل طاهر ... فما هو إلا حجّة للنواصب «٦»
وقال الخوارزمي: كأن الله لم يخلقه إلا لتنعطف القلوب على يزيد، وقال ابن الحجّاج علوي من أجله رحم الله معاوية، وقال بعضهم في ذم جعفري وبكري:
إن كان جعفرهم طيار أجنحة ... فإن أولادهم فينا مقاصيص
وإن تقولوا إلى الطيّار نسبتنا ... فالتمر ينبت في أضعافه الشّيص «٧»
قال أحمد بن يزيد: تعدّى بكري على أبي في مجلس، فاحتمله وقال: احتملته كرامة لأبي بكر، فقال ما أمكنك أن تقول فيّ فقل، فقال أبي:
لا بارك الله في البكري أن له ... أبا خيار أو سعيا غير مختار
ثان لراكبه رجليه معتمل ... أبوه ثاني رسول الله في الغار «٨»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٢٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس في الأبوة والبنوة ومدحهما وذمهما←(٢) ومما جاء في ممادح الأبوة ومذامها←ذم علوي
٧٢ وقال آخر:
فإن يك أربى عفو شكرك عن يدي ... أناس فقد أربى نداه على شكري «١»
المستنكف آلاء معطيه عجزا عن شكره
وقال المتنبّي:
ولم نملل تفقدك الموالي ... ولم نذمم أياديك الجساما
ولكن الغيوث إذا توالت ... بأرض مسافر كره الغماما
وقال محمد بن أبي عمران:
رويدك لا تعنف عليّ واعفني ... على حسب أقضي ما أطيق من الشكر
وقد أجاد أبو نواس في هذا المعنى:
أنت امرؤ جلّلتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدينّ إليّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا «٢»
وقد أبدع البحتري في هذا المعنى، حيث يقول:
أخجلتني بندى يدي وسوّدت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالجود حتّى إنّنّي ... متخوّف أن لا يكون لقاء
وله أيضا:
أيها أبا الفضل شكري منك في نصب ... أقصّر فمالي في جدواك من أرب «٣»
لا أقبل الدّهر نيلا لا يقوم له ... شكري ولو كان مسديه إلى أبي
وقال العثماني في الصاحب:
وفدنا لنشكر كافي الكفاة ... ونسأله الكفّ عن برّنا «٤»
فقال العلوي قد كفيت فإن الصاحب صار لا يعطي شيئا.
من لا يخفي أياديه
أياد تتضوع ونعم تسطع وآلاء تتطلع.
قال الشمردلي:
أياديك لا تخفى مواقع صوبها ... فتعفو إذا ما ضيّع الحمد والشكر
وهل تستطيع الأرض من بعد ما انطوت ... على ريّها إنكار ما فعل القطرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٤٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(١) فمما جاء في الشكر←من لا يخفي أياديه
٧٣ التحذير ممّن يمدحك في وجهك تصنّعا
قيل: أعوذ بالله من صديق يطري وجليس يغري. وكان رجل يكثر الثناء على أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، وعلم من قلبه خلاف قوله، فقال له: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك. قال الجاحظ: شر الشكر ثناء المواجه لك المسرف في مدحك وخيره ثناء الغائب عنك المقتصد في وصفك.
وصف العتابي رجلا بالمداهنة، فقال: ذلك إن وجد مادحا مدح وإن وجد قادحا قدح وإن استودع سرا افتضح.
قال أبو فراس:
ولا تقبلنّ القول من كل قائل ... سأرضيك مرأى لست أرضيك مسمعا
التحذير ممّن يتجاوز الحدّ في مدحك
قيل: كن ممن أفرط في تزكيتك أحذر ممن أفرط في الزراية بك. وقيل: من مدح الرجل بما ليس فيه فقد بالغ في ذمه. وفي المثل: من حفنا أو رفنا فليقتصد. وقيل: من أحب أن يمدح بما ليس فيه استهدف للسخرية.
من وضع نفسه وكره الثناء
لما ولي أبو بكر ﵁ خطب فقال: إني وليتكم ولست بخيركم فلما بلغ الحسن قوله قال: بلى ولكن المؤمن يهضم نفسه. وقال الفضيل: لو شممتم رائحة الذنوب مني ما قربتموني، وأثنى على زاهد فقال: لو عرفت مني ما عرفت من نفسي لأبغضتني.
قال المتنبيّ:
يحدّث عن فضله مكرها ... كأنّ له منه قلبا حسودا «١»
ما يقول الفاضل عند مدح الناس له
كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول إذا مدح: اللهم أنت أعلم مني بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون. وقيل لأعرابي: ما أحسن الثناء عليك، فقال: بلاء الله عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا وذنوبي إلى الله أكثر من عيب الذامين وإن أكثروا.
النهي عن المدح قبل الاختبار
قيل: لا تهرف قبل أن تعرف. وقيل: لا تحمدنّ أمة عام شرائها ولا حرة قبل بنائها.
وقال رجل لعمر ﵁: إن فلانا رجل صدق فقال: هل سافرت معه أو ائتمنته، قالمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٥٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٢) ومما جاء في المدح ومستحقيه والهجو وذويه←النهي عن المدح قبل الاختبار
٧٤ وقال آخر:
يزيد على شأوي زياد وجرول ... وقد غودر ابن العبد في نظمه عبدي
وقال أشجع:
مدحناهمّ فلم ندرك بمدح ... مآثرهم ولم نترك مقالا
وقال المتنبيّ:
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل «١»
وقال ابن الحجّاج:
هو البحر إن حدثت عن معجزاته ... ضعفت عن استغراق تلك العجائب
وإن رام شعري بأن يحيط بوصفه ... أحاط بشعري العجز من كلّ جانب
من كثرت ممادحه سهل الشعر على مادحه
قيل للفرزدق: أحسن الكميت في الهاشميات، فقال: وجد آجرا وجصّا فبنى. كتب بعضهم: فتحت شيمه على المداح مستغلقات الكلام. وقال آخر: جود آل المهلب تراهم أهدافا للمديح.
قال أحمد بن أبي طاهر:
إذا نحن حكنا الشعر فيك تسهّلت ... علينا معانيه وذلّت صعابها
فما انتظمت إلا عليك عقودها ... وما انتشرت إلا عليك ثيابها
وقال ابن الرومي:
كرمتم فجاش المفحمون لمدحكم ... إذا رجزوا فيكم أبيتم فقصّدوا «٢»
كما أزهرت جنّات عدن وأثمرت ... فأضحت وعجم الطير فيها تغرّد
وله:
عجبت لمن يهديه للشعر مدحكم ... وتنطقه أيامكم وهو مفحم
وقال نصيب الأصغر:
ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك النّاس كلّهم شعراء
فأجمعوا على جودته، وأنه لا عيب فيه إلا أنه منفرد. ولعابدة المهلبيّة:
فيا يوما أديل الموت فيه ... وقال السّيف للشعراء قولوامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٥٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٢) ومما جاء في المدح ومستحقيه والهجو وذويه←من كثرت ممادحه سهل الشعر على مادحه
٧٥ من أحيا بأفضاله طريقة الشعر.
قال أبو تمّام:
ملك إذا ما الشعر حار ببلدة ... كان الطريق لطرفه المتحيّر «١»
وله:
وحياة القريض إحياؤك الجو ... د فان مات الجود مات القريض
وقال المتنبّي:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي ... والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
وقالت عابدة المهلبية:
إليّ إليّ أيتها القوافي ... سيغلي مهرك الملك الجليل
ويروى للخوارزمي:
خذي ثأر الكساد من اللّيالي ... لكل صناعة يوما مديل «٢»
وقيل لذي الرمّة: لم خصصت بلالا بمدحك؟ قال: لأنه وطأ مضجعي وأكرم مجلسي فاستولى بذلك على شكري ومدحي.
المستفاد منه ما يمدح به
قال أحمد بن إسماعيل:
وإني وإن أحسنت في القول مرة ... فمنك ومن إحسانك امتارها جسمي «٣»
وقال آخر:
تعلّمت ممّا قلته وفعلته ... فأهديت حلوا من جناي لغارس
وقال ابن طباطبا:
لا تنكرنّ إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه
والله ﷿ يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه
وقال آخر:
إن جدّ معنى فمن جدواه معتصر ... أو جلّ لفظا فمن علياه مهتصر «٤»
المعني بكلّ مدح حسن
متى ما أقل في آخر الدهر مدحة ... فما هي إلا في ليالي المكرممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٥٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٢) ومما جاء في المدح ومستحقيه والهجو وذويه←المعني بكل مدح حسن
٧٦ قال المتنبيّ:
فظنّوني مدحتهم كثيرا ... وأنت بما مدحتهم مرادي
من يليق به مدحه
قال المتنبّي:
وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
وقال ابن الرومي:
خذها هديا ولم أنكحكها عزبا ... يا ابن الوزير وكم أنكحت من عزب
وقال عليّ بن عبد العزيز:
وأرى المديح إذا عداك نقيصة ... فأعافه ولو أنّه في حاتم «١»
فإذا امتدحت سواك قال الشعر لي ... لم ترع حقّي إذ أبحت محارمي
من يستطاب مدحه
قال أبو تمّام:
عذبت ممادحه بأفواه الورى ... فثناؤه ينتاب كلّ مكان «٢»
وقال المتنبّي:
ألذّ من الصّهباء بالماء ذكره ... وأحسن من يسر تلقاه معدم
المجمع على مدحه
ذكر أعرابي رجلا فقال: كأن الألسن والقلوب ريضت له فما تعقد إلا على ودّه ولا تنطق إلّا بحمده. وقيل: غاية المدح أن يمدحك من لا معرفة له بك ضرورة إلى مدحك، وأن يسلفك حسن الثناء من عسى أن لا يصل منك إلى نفع.
وقال البحتري:
وأرى الخلق مجمعين على فضلك ... من بين سيّد ومسود
عرف الجاهلون فضلك با ... لعلم وقال الجهال بالتقليد
وقال ابن أبي طاهر:
وما أنا في شكري عليّا بواحد ... ولكنّه في الفضل والجود واحد
من لا يجد أحد عن مدحه محيصا
قال أبو عمر: وغاية المدح أن يمدحك من لا يريد مدحك وغاية الذم أن يذمك منمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٥٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٢) ومما جاء في المدح ومستحقيه والهجو وذويه←من لا يجد أحد عن مدحه محيصا
٧٧ قال البحتري:
جلّ عن مذهب المديح فقد ... كاد يكون المديح فيه هجاء «١»
وقال المتنبّي:
تجاوز قدر المدح حتّى كأنّه ... بأكثر ما يثنى عليه يعاب
من ذكر أن أحدا لا يستغني عن الشّكر
وقال شاعر:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزّة ملك وارتفاع مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروا لي أيّها الثقلان «٢»
مدحك محسنا لم ينلك إحسانه
قال أبو تمّام:
وحسبي أن أطري الحسام إذا مضى ... وإن كان يوم الروع غيري حامله «٣»
وقال عمارة بن عقيل:
أرى الناس طرّا حامدين لخالد ... وما كلّهم أفضت إليه صنائعه
ولن يترك الأقوام أن يحمدوا الفتى ... إذا كرمت أعراقه وطبائعه
المعتذر إلى رئيس لمدحه غيره
كان ابن الزيات عاتب أبا تمام في مدحه سواه فاعتذر إليه بقوله:
أما القوافي فقد عضلت عذرتها ... فما يصاب دم منها ولا سلب «٤»
ولو منعت من الأكفاء أيّمها ... ولم يكن لك في إظهارها أرب «٥»
كانت بنات نصيب حين ضنّ بها ... عن العوالي ولم تحفل بها العرب «٦»
وقال بعض الأكابر لأبي هفان مالك لا تمدحني، فقال:
لسان الشكر تنطقه العطايا ... ويخرس عند منقطع النوال «٧»
تبكيت من يذمّ من لا يستحق الذم
قام رجل في أيام صفّين إلى معاوية ﵁، فقال: اصطنعني فقد قصدتك منمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٥٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٢) ومما جاء في المدح ومستحقيه والهجو وذويه←تبكيت من يذم من لا يستحق الذم
٧٨ وقال أبو نواس لما مات جعفر بن يحيى. لا يكون في الدنيا أكرم منه هجوته وقلت فيه:
فلست وإن أطنبت في مدح جعفر ... بأوّل إنسان خرى في ثيابه
فأمر لي بعشرة آلاف درهم وقال اغسل بهذا ثيابك التي خريت فيها.
قال الموسوي:
مدحتهم فاستقبح المدح فيهم ... ألا ربّ عنق لا يليق به العقد
من لا يستحقّ الهجو لخسّته ودناءته
قال أبو مسلم لأصحابه: أي الإعراض أدنأ، فقال بعضهم: عرض بخيل. فقال: رب بخيل لم يكلم عرضه أدنأ الأعراض عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذم. وقيل للفرزدق:
وضعت كل قبيلة إلا تيما فقال: لم أجد حسبا فأضعه ولا بناء فأهدمه. وقال ابن مناذر لرجل: مالك أصل فأحقره ولا فرع فأهصره. وقال رجل للنمري: اهجني. قال: إنما يهجو مثلك مثلك، وقال:
إنّي لأكرم نفسي أن أكلّفها ... هجاء جرم وما يهجوهم أحد
ماذا يقول لهم من كان هاجيهم ... لا يبلغ النّاس ما فيهم وإن جهدوا
قال مسلم:
أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح فيك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق جدّك إنه ... جدّ عززت به وأنت ذليل «١»
وقال المتنبّي:
فلو كنت امرأ يهجي هجونا ... ولكن ضاق فتر عن مسير «٢»
أخذه من قول الراعي:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرّقاع ولكن لست من أحد
من لا يهتزّ لمدح ولا يغتمّ لهجو
قال رجل لحكيم: لا أبالي مدحت أم هجيت، فقال: استرحت من حيث تعب الكرام. وقيل: من لا يبالي سخط الكرام وشكية الأحرار فطوقه سوءة الحمار. وقيل: ليعد ميتا من لم يهتز لمدح ولا يرتمض من ذم.
قال ابن الرومي:
فما يرتاح للمدح ... ولا يرتاح للذّممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٦٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٢) ومما جاء في المدح ومستحقيه والهجو وذويه←من لا يهتز لمدح ولا يغتم لهجو
٧٩ وقال المتنبّي:
وإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل
وقال الموسوي:
عادات هذا الدّهر ذمّ مفضل ... وملام مقدام ونقص جواد
وكأنه من قول الآخر:
وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
ونحوه قول الآخر:
إنما الغيبة تلقيح الشّرف
من رمى غيره بعيبه
رمتني بدائها وانسلت عير بجير بجره، نسي بجير خيره. وقيل: أتبصر القذاة في عين أخيك وتدع الجذع المعترض في حلقك.
اغتياب المرء غيره يدلّ على عيبه
قيل: من وجدتموه عيّابا وجدتموه معيبا، لأنه يعيب الناس بفضل عيبه، وفي ذلك قال:
ويأخذ عيب المرء من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
قال أبو العيناء: ما قطعني أحد كما قطعني المهدي، فإنه قال: بلغني أنك تغتاب الناس، فقلت له: يبطل ما قيل في شغلي بعيبي، فقال: والله ذاك أشد لغيظك على أهل العافية، أعرف الناس بعوار الناس المعور.
تشهّي الغيبة واستطابتها
قال قتيبة لرجل يغتاب آخر: لقد تلمظت بما يعافه الكرام، فقال: لو تلمظت به ما صبرت عنه. وقال رجل لبنيه: إذا اجتمعتم فعليكم حديث أنفسكم ودعوا الاغتياب، فقال أحدهم: نحن نحتاج في هذه السنة إلى كذا وكذا ونفعل ونصنع كذا وكذا، فقد فرغنا من حديثنا فبماذا نشتغل؟ وقيل: الغيبة فاكهة النساك والقرّاء. وقصد رجل ابن عمه مسترفدا لحق له فأحسن إليه فلما عاد سئل فقال: منعني التلذذ بالغيبة والشكوى. ونحوه قول الآخر:
فقضت حاجتي معجلة ... فجعتّني بلذّة الشّكوى
من اغتاب فاغتيب
قيل: من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه، وقيل: بحثك عن عيوب الناسمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٧٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٣) ومما جاء في الغيبة والنميمة←من اغتاب فاغتيب
٨٠ ذمّ من بخل بالتحيّة وعذره
أنشد ثعلب:
ومالك نعمة سلفت إلينا ... فكيف نراك تبخل بالسّلام
وقال كشاجم:
إذا كاتبوا صادقوا في الدعا ... كان دعاءهم مستجاب
وأنشد المبرّد:
إذا لم تجد بجميل الكلام ... فما الذي بعده تبذل؟
وقال آخر:
يا جوادا بالثّراء ... وبخيلا بالدّعاء
فتفضّل يا أخا ... الفضل بتفخيم الثّناء
وسلم آخر على رجل بسوطه فلم يجبه، فقيل له في ذلك، فقال: سلم عليّ بالإيماء فرددت عليه بالضمير:
لقد مرّ عمرو على مجلسي ... فسلّم تسليمة خافيه
لئن تاه عمرو بفضل الغنى ... لقد فضّل الله بالعافيه
وقيل: من بدأ بغيضا بالسلام فهو أبغض منه. وقال ابن المقفع: لا تكوننّ نزر الكلام والسلام ولا تتهافتن بالبشاشة والهشاشة، فإن أحدهما كبر والآخر سخف. وقال الشعبي: انتهت التحية إلى قولهم وبركاته. ولقي رجل أبا العيناء فقال أطال الله بقاءك وأدام عزك وتأييدك، فقال: هذا العنوان ما هو. وقال المتنبي في عذر تخفيف السلام:
أقلّ سلامي حبّ ما خفّ عنكم ... واسكت كيما لا يكون جواب
مواضع التسليم
جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فقال ﷺ: إذا أتيتني على هذه الحال فلا تسلم عليّ، فإنك إن فعلت لم أرد عليك وقال ﷺ: إذا أتى أحدكم المجلس فليسلم، فإن قام والقوم جلوس فليسلم فإن الأولى ليست بأحق من الآخرى. أتى أبو معكم الأسدي النبي ﷺ فقال:
يقول أبو معكم صادقا ... عليك السلام أبا القاسم
فقال ﷺ: إن عليك السلام تحية الموتى وكذا يقال للميت نحو، عليك سلام الله قيس بن عاصم. ودخل الحسن بن الكناني على عبد الله بن جعفر فأنشد:
عليك السلام أبا جعفر ... ولست بهر لدى المحضر
فقال: أخطأت حييتني بتحية الموتى، وقد أمكنك أن تقول:
سلام عليك أبا جعفرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٧٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٤) ومما جاء في التحية والأدعية والتهنئة←مواضع التسليم
٨١ وقال المتنبّي:
بقيت بقاء ما تبني فإنّي ... أراه بقاء يذبل أو أبان
وقال آخر:
فلا زالت الشمس التي في سمائه ... مطالعة الشمس التي في لثامه «١»
ولا زال تجتاز البدور بوجهه ... فتعجب من نقصانها وتمامه «٢»
وقال عمارة:
فذا العرش زد في عمره من صلاتنا ... وأعمارنا حتّى يطول له العمر
وقد نسب قوم: أطال الله بقاءك وجعلني فداءك إلى الإحالة. وقد روي أن أول من خاطب بذلك أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه.
التفدية
قال ابن بوقة:
أفديك بل أيّام عمري كلّها ... يفدين أيّاما عرفتك فيها
وله:
نفسي فداؤكما وقلت في الورى ... للسيّد المخدوم نفس الخادم «٣»
وقال آخر:
بنفسي أنت لا بأبي فإنّي ... رأيت الجود بالآباء لؤما
وقال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: جعلني الله فداء نعلك، فقال:
إذا يطيل الله هوانك
وقال يعقوب بن الربيع:
فلو أنني إذ كان وقت حمامها ... أحكّم في عمري لشاطرتها عمري «٤»
فحلّ بنا المقدار في ساعة معا ... فماتت ولا أدري ومتّ ولا تدري
وقال الخوارزمي:
أطال الله أعمار المعالي ... وذاك بأن يطول لك البقاءمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٨١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٤) ومما جاء في التحية والأدعية والتهنئة←التفدية
٨٢ وقال المتنبّي:
وأراك دهرك ما تحاول في العدى ... حتّى كأنّ صروفها الأقدار «١»
الدعاء ببلوغ الأمل
قال شاعر:
أنالك ربّك ما تأمله ... وحقّ لك الله ما تسأله
قال الموسوي:
ظفرت بما اشتهيت من الليالي ... وأعطيت المراد من الأماني
الدعاء بأن جعل الله له النعم وأدامها عليه
زادك الله كما زاد نابك وأعطاك أكثر مما أعطانا منك، وقال ابن القرية: لا زلت في رحب من البال وثروة من المال في غبطة وسرور وبعد من المكروه والشرور. أعطاك تعالى حتى ترضى وزادك بعد الرضا وتوفر لك من سعته ما لا تهتدي لمسألته ولا يحيط قلبك بمعرفته، وجعل ذلك موصولا بالثواب المدّخر للمحسنين. أنعم الله عليك بما يعجز عنه شكرك ولا أبلاك بما يضيق عنه صدرك، منحكم الله منحة لا تغار ليست بجداء ولا نكراء ولا ذات داء جعل الله نعمك هبة مخلّدة لا عارية مستردة.
قال المتنبّي:
أتمّ سعدك من لقاك أوله ... ولا استردّ هبات منك معطيها
وقال عليّ بن الجهم:
أتم الله نعمته علينا ... فإنّ تمامه نعم علينا
الدعاء بزيادة النعماء والعلاء
قال المتنبّي:
إن كان فيما نراه من حسن ... فيك مزيد فزادك الله «٢»
وقال أبو تمّام:
إسمع أقامت في ديارك نعمة ... خضراء ناعمة ترفّ رفيفا «٣»
وقالت عنان جارية الناطفي:
نعم إذا النعم انتقلن تخيّمت ... وإذا نفرن عدت عليك ألوفا «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٨٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٤) ومما جاء في التحية والأدعية والتهنئة←الدعاء بزيادة النعماء والعلاء
٨٣ وقال آخر:
أيا رب زده نعمة وكرامة ... على غيظ أعداء وإرغام حاسد
الدعاء بأن يقيه الله من الفقر ويجعل له سعة من اليسر
جعل الله لك في الخير جدا ولا جعل معيشتك كدّا، أعاذك الله من القنوع والخضوع والخنوع، أعاذك من بطر الغنى ومذلة الفقر، جعل الله لك رزقا واسعا وجعلك به قانعا، وهب الله من غناه ما لا يقدر عليه سواه. قال رجل لمسروق بن الأجدع: أعاذك الله من خشية الفقر وطول الأمل ولا جعلك ردية السفهاء وشينا على الفقهاء.
وقال أعرابي: رزقك الله من غير طلب شديد ولا سفر بعيد، جعلك الله في الرزق حولا لغيرك.
الدعاء بالتّوفيق والإعاذة من الشّرور
فرّغك الله لما له خلقك ولا شغلك بما تكفل به لك. وقال سعيد بن المسيب: مرّ بي صلة بن أشيم فقلت: ادع لي، فقال لي: رغبك الله في ما يبقى وزهدك في ما يفنى أعاذك من هيجان الحرص وسورة الغضب وغلبة الحسد ومخالفة الهدى وسنة الغفلة وإيثار الباطل على الحق، وأعاذك من سوء السيرة واحصاء الصغيرة ومن شماتة الأعداء والفقر إلى غير الاكفاء ومن عيشة في شدة وميتة من غير عدة ومن سوء المآب وحرمان الثواب وحلول العقاب.
وقال أعرابي: أعاذك الله من هول المطلع وضيق المضطجع وبعد المرتجع.
وقال آخر: أعانك الله على الدنيا بالسعة وعلى الآخرة بالمغفرة.
قال المتنبّي:
فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا ضربن كسرن النّبع بالغرب «١»
ولا تعزّ عدوا أنت قاهره ... فإنّهنّ يصدن الصّقر بالخرب «٢»
وقال ابن الرومي:
فزادكم بالمدح كلّ قصيدة ... ولا قصدتكم بالمراثي القصائد
وقال أبو محمد الخازن:
لا زال ألسنة القريض نواطقا ... تخدمن مجدك بالثّناء الأفصح
تهنئة بولاية
أهنىء بك العمل الذي وليته ولا أهنئك به، لأن الله تعالى أصاره إلى من يورده موارد الصواب ويصدره مصادر الحجّة. لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ دخل عليه شاب من الأنصار، فقال: ما طيبتك الخلافة ولكن طيّبتهامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٨٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٤) ومما جاء في التحية والأدعية والتهنئة←تهنئة بولاية
٨٤ وقال المتنبّي:
وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار «١»
وصدرت أغنم صادر عن مورد ... مرفوعة لقدومك الأبصار
وقال الخبزارزي:
رعاه الله حيث غدا وسار ... وأعقبه الغنيمة والإيابا
وقال أبو المعافاة:
ردّك الله إلينا سالما ... بعد غنم واغتباط وظفر
الدعاء للقادم من سفر قال أبو العتاهية
: لا زلت من غنم إلى راحة ... تقدّم يا خير فتى قادم
وقال ابن الرومي:
لا زلت من غنم إلى ... دعة وأمن قادما «٢»
وله:
قدوم سعادة وقفول يمن ... هو البشر المخفّف كلّ حزن
وقيل لما دخل النبي ﷺ المدينة كان نساؤها يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
تهنئة بالصوم
قال الصنوبريّ:
نلت في ذا الصّيام ما ترتجيه ... ووقاك الإله ما تتّقيه
أنت في النّاس مثل ذا الشهر ... في الأشهر بل مثل ليلة القدر فيه «٣»
تهنئة بالعيد
قيل: قبل الله منك الفرض والسنّة واستقبل بك الخير والنعمة.
وقال ابن خلاد:
بأسعد طالع عيّدت يا من ... بطلعته سعادة كلّ عيدمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٨٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٤) ومما جاء في التحية والأدعية والتهنئة←تهنئة بالعيد
٨٥ وقال المتنبّي:
هنيئا لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا «١»
ولا زالت الأعياد لبسك بعدها ... تسلّم مخروقا وتعطى مجدّدا
وقال آخر:
البس النعماء ما أو ... مض برق في غمام
واصلا عيدا بعيد ... ودواما بدوام
تهنئة بخلعة
قال أبو بكر الصولي:
خلع خلعت بها قلوب عداكا ... ملأت سرورا كلّ من يهواكا
لا زلت تلبس كلّ يوم مثلها ... أبدا على إرغام من عاداكا «٢»
ووقاك ربّ النّاس ما تخشاه من ... عنت الزّمان وظلمه وكفاكا «٣»
تهنئة بدار
قال ابن الرومي:
دار أمن وقرار ... واعتلاء واقتدار
أسست والطير باليمن وبالسّعد جوار ... خير دار حلّ فيها
خير أرباب الدّيار ... وقديما وفق الله خيار الخيار
وقال القاضي علي بن عبد العزيز:
ليهن ويسعد من به سعد الفضل ... بدار هي الدنيا وسائرها فضل
دعاء لتناول شيء من لحيته
نزع رجل من لحية الحسن قذاة، فقال: لا بك السوء، وقال آخر: لا عدمت ربك نافعا. وتناول بعضهم من لحية رجل شيئا فقال: صرف الله عنك السوء. فقال إليك لا عاد. ورأى الفتح شيئا في لحية المتوكل فلم يمد يده إليه ولا قال له شيئا، بل قال يا غلام هات مرآة أمير المؤمنين فجيء بها ونظر فيها فأخذه بيده.
وعلى العكس من هذا الباب
قال الأصمعي: نزع رجل من لحية آخر شيئا فقال: نزع الله ما بك من نعمة. وتناولمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٤٨٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٤) ومما جاء في التحية والأدعية والتهنئة←دعاء لتناول شيء من لحيته←وعلى العكس من هذا الباب
٨٦ وقال المتنبّي:
يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبّه «١»
وروي أن موسى ﵇ قال: يا رب من أين الداء؟ قال من عندي، قال فالدواء قال من عندي، قال فالأطباء ما يصنعون، قال يطيّبون قلوب عبادي حتى تحل عافيتي أو بلائي، وقال ابن نباتة:
نعلل بالدواء إذا مرضنا ... وهل يشفي من الموت الدواء
ونختار الطبيب وهل طبيب ... يؤخر ما يقدّمه القضاء
وما أنفاسنا إلا حساب ... ولا حركاتنا إلا فناء «٢»
وقال مسلمة ما وعظني شيء بعد القرآن كما وعظني بيتان لعمران بن حطان:
لنا كل عام مرضة ثم نقهة ... ونبغي ولا نبغى متى وإلى متى
فيوشك يوم أن يوافق ليلة ... يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا
وصف الحمّى
دخل بختيشوع على يحيى بن خالد بعقب حمى، فقال له: توقّ فإن حمى ليلة يبقى في البدن تأثيره سنة، وعنده وكيع فقال صدق، فقال يحيى ما أقرب تصديقك إياه، قال لأن النبي ﷺ قال: حمى ليلة كفارة سنة فعلمت أن هذا كما قال. وقال النبي ﷺ: إن الله تعالى يقول الحمى ناري أسلطها على عبدي فإن لم يشكني إلى عوّاده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وأخرجته من ذنوبه لهيئة يوم ولد. وقال ﷺ: الحمى من قبح جهنم فاطفؤوها بالماء، ويستجاد قول المتنبي:
وزائرتي كأنّ بها حياء ... فليس تزور إلّا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنّا عاكفان على حرام
أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام «٣»
حمّ أعرابي في أيام القيظ بمكة فأتى الأبطح وقت الظهيرة، فتعرى وطلى بدنه بالزيت ونام في الشمس وجعل يتقلب فيها، ويقول مخاطبا للحمى: لتعلمن ما نزل بك يا حمى عدلت عن الأمراء وأهل الثراء وجئتني، فعرق وذهبت حمّاه. وقام فسمع قائلا يقول: حم الأمير، فقال: أنا والله بعتها فلعن الله من وشى به عليّ.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٠٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٧) ومما جاء في الطب والمرض والعيادة←وصف الحمى
٨٧ لو عصرت ما انعصر مني إلا الرائب. وقال طبيب لمريض لا تأكل السمك واللحم، فقال له: لو كانا عندي ما اعتللت.
شكا عبد الله بن جعفر ضرسه، فقال له عبد الله بن صفوان: إن إبليس يقول دواء الضرس قلعه، فقال: إنما يطيع إبليس أولياؤه. شكا رجل إلى أبي السائب وجع رجله، فقال له: لا تأكل القديد، فقال أنا أحبه، قال: فالوجع أيضا يحب رجلك، وظن خادم أن بشرا المريسي طبيب فعرض عليه ماءه فقال أنا طبيب الأديان لا طبيب الأبدان.
سخفيات في الطبّ
نظر عبادة إلى رجل في عينه جرب، فقال: أعطني مائة درهم أصف لك دواء، قال:
افعل، فقال: خذ ورق المدر وعروق الحجر واسحقهما واكتحل بهما سبع سنين فإن لم تذهب عينك فخذني به، فرفع رجله وضرط عليه ضرطتين، فقال خذ هذين الدرهمين فإن نفع دواؤك زدناك.
وركب بختيشوع يوما مع المأمون فتعلق به مجنون، وقال: أيها الطبيب خذ نبضي فأخذه، وقال ما تشتكي؟ فقال المجنون: أشتكي الشبق «١»، فقال بختيشوع: خذ مسواك أراك «٢» وأدخله من وراك فإنه صالح لذاك، فضرط المجنون وقال: خذ هذا لذاك حتى تجرب دواك فإن كان صالحا زدناك ولا يكون لنا طبيب سواك، فضحك المأمون:
شهوة المريض للطّعام
قيل للخليل في علته أتشتهي شيئا، قال: لا، وبودي أن أشتهي. وقيل ذاك لآخر:
فقال: أشتهي ما لا أجد وأجد ما لا أشتهي. وقيل ذلك لآخر: فقال: أشتهي أن لا أموت. قال أبقراط: المريض الذي يشتهي أرجى عندي من الصحيح الذي لا يشتهي.
وقال المتنبي:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرّ به الماء الزلالا
من شكا علته
قال أبو نواس، وقيل هو آخر شعر قاله:
دبّ فيّ السّقام سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا
ليس يمضي من ساعة بي إلا ... نقصتني بمرها بي جزوا «٣»
لهف نفسي على ليال وأيا ... م تمتّعتهنّ لعبا ولهوا
وقيل لعمرو بن العاص في مرضه: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥١٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٧) ومما جاء في الطب والمرض والعيادة←من شكا علته
٨٨ لقد أمسى صلاح أبي عليّ ... لأهل الأرض كلّهم صلاحا «١»
قيل لأعرابي برأ من علته: الحمد لله الذي سلمك، فقال: أو يسلم من الموت في عقبه. كتب عبد الله بن المعتز: أذن الله بشفائك وتلقّى داءك بدوائك ومسحك بيد العافية ووجّه إليك وافد السلامة وجعل علتك ماحية لذنوبك مضاعفة لثوابك.
وقال ابن المعتز:
يا رب أمسك رمق الدنيا به ... واغسله بالصحة من أوصابه «٢»
وقال أبو تمّام:
سقم أتيح له برء فزعزعه ... والرمح ينآد طورا ثم يعتدل «٣»
قد حال لون فردّ الله نضرته ... والنجم يخمد حينا ثم يشتعل
وقال المتنبّي:
صحت بصحتك الغارات وابتهجت ... بها المكارم وأنهلّت بها الديم «٤»
وراجع الشمس نور كان فارقها ... كأنّما فقده في جسمها سقم «٥»
تفدية المريض
قال شاعر:
فديناك لو نعطى المنى فيك والهوى ... لكان بنا الشكوى وكان لك الأجر
وقال البحتري:
بأنفسنا لا بالطوارف والتلد ... نقيك الذي تخفى من السقم أو تبدي «٦»
بنا معشر العافين ما بك من أذى ... فإن أشفقوا ممّا أقول فبي وحدي «٧»
وقال آخر:
يا ليت علّته بي غير أنّ له ... أجر العليل وإني غير مأجور
وقال ديك الجن:
يا ليت حمّاه بي كانت مضاعفة ... يوما بشهر وأن الله عافاه
فيصبح السقم منقولا إلى جسدي ... ويجعل الله منه البرء عقباهمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥١٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض←(٧) ومما جاء في الطب والمرض والعيادة←تفدية المريض
٨٩ ولبعض بني عامر:
إذا لم يكن للفتى همة ... تبوّئه في العلا مصعدا
ونفس يعوّدها المكرما ... ت والمرء يلزم ما عوّدا
ولم تعد همّته نفسه ... فليس ينال بها السؤددا
من عظمت همّته وقصّرت موجدته
قيل: ذو الهمة وإن حطّ نفسه، تأبى إلا العلو، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا. وقيل: أسوأ الناس من اتسعت معرفته وضاقت مقدرته وبعدت همته، أخذ ذلك المتنبي فقال:
وأتعب خلق الله من زاد همّة ... ويقصر عمّا تشتهي النفس وجده «١»
وقال ابن نباتة:
أرى همم المرء اكتئابا وحسرة ... عليه إذا لم يسعد الله جنده
الحثّ على طلب الحسام والاعتزال عن الأنام
قال في كليلة: ينبغي لذي المروءة أن يكون إمّا مع الملوك مبجّلا أو مع النساك متبتلا كالفيل إما أن يكون مركبا نبيلا أو في البرية مهيبا جليلا. وقال حكيم: الناس رجلان دنياوي وآخري فالدنياوي صاحب سلطان وذو لسان أو سنان لا يفضي على هوان، والآخري المتباعد من الناس الجاعل بينه وبينهم سدّا ولا واسطة بينهما. وقال معاوية ﵁ لابنه: كن مترفعا عن الناس ومستترا عنهم.
الممدوح بعظم الهمّة
قال أعرابي: فلان يرمى بهمّته حيث يشير إليه الكرم، يتحسى مرارة الإخوان ويسقيهم عذبه، له همة تناطح النجوم وكرم يشامخ الغيوم.
قال أبو الغمر:
وهمة نبلت عن أن يقال لها ... كأنّها وتعالت عن مدى الهمم
وقال آخر:
ولي همم بيني وبين بلوغها ... بحور من الآمال ليس لها جسر
وقال المتنبي:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصغرى أجلّ من الدهرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٢٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع في الهمم والجد والآمال←(١) فما جاء في الهمم الرفيعة والوضيعة←الممدوح بعظم الهمة
٩٠ وله:
فتى أصاب من الدنيا نهايتها ... وهمة في ابتداآت وتشتيت «١»
وقال آخر:
صدر رحيب لما يأتي الزمان به ... وهمة تسع الدنيا وما تسع
من ضاق به الزمان لعظم همّته
قال المتنبيّ:
فتى يشتهي طول البلاد ووقته ... تضيق به أوقاته والمقاصد
وله:
تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها «٢»
وقال الموسوي:
ضاق الزمان فضاق فيه تقلّبي ... والماء يجعل نفسه في جدول «٣»
تحمّل المكاره في نيل المكارم:
قيل: المكارم موصولة بالمكاره، وقيل: من سما لمكرمة فليتحمّل مكروهها.
وقال الخبزارزي:
فقل لمرجّي معالي الأمور ... بغير اجتهاد رجوت المحالا
وقال أبو تمّام:
ما ابيض وجه المرء في طلب العلا ... حتّى يسودّ وجهه في البيد «٤»
وقيل: إذا لم تتعن لم تتودع وإذا لم تتفجع لم تتمتع. دون نيل المعالي هول العوالي. وقيل للربيع بن خيثم: أتعبت نفسك في العبادة وإصلاح أمر الناس، فقال:
راحتها أريد فإن أفره العبيد أكسبهم لمولاه. وقيل لروح ابن حاتم: طال وقوفك في الشمس، فقال: ليطول وقوفي في الظلّ. وقد أجمع حكماء العرب والعجم أنه لم يدرك نعيم بنعيم قط، وما أدرك نعيم إلا ببؤس قبله.
قال شاعر:
وتحمل المكروه ليس بضائر ... ما خلته سببا إلى محمودمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٢٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع في الهمم والجد والآمال←(١) فما جاء في الهمم الرفيعة والوضيعة←تحمل المكاره في نيل المكارم:
٩١ وقال امرؤ القيس:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
وقال المتنبّي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر صغير ... كطعم الموت في أمر عظيم
وله:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وقال الصاحب:
وقائلة لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم «١»
فقلت دعيني على غصّتي ... بقدر الهموم تكون الهمم
وكتب بليغ: فلان تعب في طلب المكارم غير ضالّ في طرقها، ولا متشاغل عنها:
استطابة تحمّل الشدّة للوصول إلى الرفعة
قال المتنبيّ:
تلذّ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذّ له الغرام
وقال أبو فراس:
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر
وقال أبو دلف:
وليس فراغ القلب مجدا ورفعة ... ولكنّ شغل القلب للهمّ رافع
وذو المجد محمول على كل آلة ... وكلّ قصير الهمّ في الحي وادع «٢»
ذمّ من همته نفسه
لمّا قال الحطيئة في الزبرقان:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
شكاه الزبرقان إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: ما في ذلك هجاء.
فقال: يا أمير المؤمنين إنه عرّاني عما ابتنيته من المعالي فدعا حسّانا وسأله، فقال: ما هجاه ولكنه سلح عليه.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٢٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع في الهمم والجد والآمال←(١) فما جاء في الهمم الرفيعة والوضيعة←ذم من همته نفسه
٩٢ وقال حاتم:
لحى الله صعلوكا مناه وهمّه ... من العيش أن يلفي لبوسا ومطعما «١»
وقال آخر:
إنّي رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خزّ الثياب وتشبعوا
فإذا تذوكرت المكارم مرّة ... في مجلس أنتم به فتقنعوا
وقال ابن سوادة:
همهم من هذه كلّه ... في الأكل والشرب وفي الباه
أخذ ذلك من قول الأعرابي الذي قال: فلان كالبهيمة تأكل ما جمعت وتنكح ما وجدت، وقال:
إذا الفتى لم يركب الأهوالا ... فاسع له وعدّه عيّالا «٢»
ذمّ من قصّرت همّته عن طلب المعالي
ذم إعرابي رجلا، فقال: هو عبد البدن حر الثياب عظيم الرواق صغير الأخلاق الدهر يرفعه وهمته تضعه.
قال أبو تمّام:
بنو الهمم الهوامد والنفوس ... الخوامد والمروآت النيام
وكان لأعرابية ابن تحرضه على الإقامة والاقتصار على المطعم والمشرب، فأنشدها:
إذا ما الفتى لم يبغ إلا لباسه ... ومطعمه فالخير منه بعيد
وقيل: فلان بطر الدعة بخيل السعة سيء الرعة. قال ابن الأعرابي: فلان يشبعه كراع الأرنب إذا كان دنيء الهمة. ويقرب من هذا الباب ما قاله المنصور للمهدي: أشبع العباس بن محمد فإنّك إن لم تشبعه يأكلك. وأما محمد بن إبراهيم فإنه إذا قدر على فرج امرأته لم يفارقه، وإياك أن تولّي محمد بن سليمان صعود منبر فإنه إن صعده همّ بالخلافة.
تذمّم من قصّر في طلب المعالي
قال المتنبّي:
إلى كم ذا التخلّف والتّواني ... وكم هذا التمادي في التمادي «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٢٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع في الهمم والجد والآمال←(١) فما جاء في الهمم الرفيعة والوضيعة←تذمم من قصر في طلب المعالي
٩٣ وقال آخر:
هل نافعي جدّي وفرط تيقّظي ... إن كان جدّي يا أمامة جاهدا
وأنشد محمد بن عمر الورّاق البلخي:
إن السعادة أمر ليس يدركه ... أهل السعادة إلا بالمقادير
مخزونة عن أناس طالبين لها ... وقد تساق إلى قوم بتيسير
وقال عمر للنبي ﷺ لما ذكر من أسعده الله من أهل الجنة وأشقاه من أهل النار:
ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال ﷺ: يا ابن الخطاب إعمل فكل ميسّر لما خلق له. أما أهل السعادة فميسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فميسرون لعمل أهل الشقاوة.
تفضيل الجدّ على العقل
تقدّم إخوة إلى سوار في ميراث لهم، فقال سوار: خيّروا الأكبر منكم فإنه خلف أبيكم والمنظور إليه دونكم، قالوا: قد فعلنا فأبى الأكبر أن يقبل ذلك، فقال سوار: ما يمنعك، فقال: إني بحظي أوثق مني بعقلي، فأقرع بينهم فخرج سهمه خيرا من سهامهم، فقال: كيف رأيت فقال سوار: استأذن العقل على الحظ فحجبه. وقد تقدم في باب العقل أمثلة لذلك.
كون العاقل محدودا والجاهل مجدودا
من زيد في عقله نقص من حظه. وقيل: ما جعل الله لأحد عقلا وافرا إلا احتسب عليه من رزقه.
قال شاعر:
وخصلة قلّ فيها من يخالفني ... الرزق والحمق ملزومان في قرن «١»
وقال آخر:
خاب امرؤ ظلّ يرجو أن ينال غنى ... بالعقل ما عاش في دهر المجانين
وقال المتنبّي:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأبعد من أن أجمع الحظّ والفهما
معارضة دنيء ساعده القدر:
ألا ليت المقادر لم تقدر ... ولم تكن إلا حظّى والجدود
فننظر أينا يضحي ويمسي ... له هذي المراكب والعبيدمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٢٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع في الهمم والجد والآمال←(٢) ومما جاء في الجد←معارضة دنيء ساعده القدر:
٩٤ قال رجل لابن سيرين: رأيتني كأني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح، فقال: أنت رجل تكثر الأماني. وقيل: المنى والحلم أخوان. إن المنى طرق الضلال. إن ليتا وإن ولو إعناء.
قال كثير: وددت وما تغني الودادة أنني ... (البيتين) .
وقال محمد بن أميّة:
أقطع الدهر بظنّ حسن ... وأجلي كربة لا تنجلي
كلّما أملت وجها صالحا ... عرض المكروه دون الأمل
وكذا الأيام لا تدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي «١»
وقال البسّامي:
أعلّل نفسي بما لا يكون ... كما يفعل المائق الأحمق «٢»
وقال المتنبّي
تمنّ يلذّ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي
وقال أبو تمّام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
وقال آخر:
إنّ المنى رأس أموال المفاليس
وقال أفنون التغلبي:
ولا خير في أن يكذب المرء نفسه ... وتقواله للشيء يا ليت ذا ليا
أماني من تمنّى أمرا فأدركه
اجتمع ابن عمر وعروة بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة، فقال مصعب: هلموا نتمن. فتمنى عروة الفقه وأن يحمل عنه الفقه، وتمنى عبد الملك الخلافة، وتمنى مصعب ولاية العراق وتزويجه سكينة بنت الحسين بن علي وعائشة بنت طلحة، وعبد الله بن عمر الجنة. فنال مصعب وعبد الملك وعروة ما تمنوه، وشهد ابن عمر ﵄ مدرك ما تمناه وطلبه.
وروي أن كعب بن ربيعة بن عامر أتاه آت في المنام فقال: إجمع بنيك ومرهم بالتمنيّ فإنهم يعطون، فجمعهم فقال لعقيل: تمنّ، فقال: العدد والرمي فليس في بني كعب أكثر عددا منهم ولا أرمى. وقال لجعدة: تمنّ، فقال: المال فهم أكثر بني كعب خيلامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٣٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع في الهمم والجد والآمال←(٣) ومما جاء في الأماني والآمال←أماني من تمنى أمرا فأدركه
٩٥ فقال الحسن: أصبت. ثم قيل له: ما تقول في امرأة لها حليل؟ فقال الفرزدق: ألم تسمع قولي:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالا لمن يبني بها لم تطلّق «١»
فقال الحسن: أصبت. فقال الفرزدق: كنت أراني أشعر منك، فإذا أنا أفقه منك أيضا.
وصف الكاذب بكثرة الحلف
قيل: علامة الكاذب جوده بيمينه لغير مستحلف، ومنه أخذ المتنبّي:
وفي اليمين على ما أنت واعذه ... ما دلّ أنّك في الميعاد متّهم «٢»
وقال المنصور لعمر بن عبيد: بلغني أن كتاب محمد بن عبد الله الدارمي ورد عليك، فقال: قد ورد له كتاب وما قرأته وأنت تعلم رأيي في الخوارج، فقال له: طيّب نفسي بخلعة، فقال: لا تسمني فإني إن كذبتك تقية لأحلفن تقية.
القليل المبالاة بالحلف
قال النبي ﷺ: ومن لم يحلف على ماله فلا مال له وادّعى رجل على المأمون مالا فاستحضر قاضيه يحيى بن أكثم فاستحلفه فحلف، ثم أمر للمدعي بما ادعى عليه، فقيل له في ذلك، فقال: حلفت له لئلا يجعل إتقاي ذريعة إلى أن يدعو عليّ، وبذلت المال لئلا يظن أحد أني حلفت لمبالاتي بهذا المال.
وادّعى رجل على عمر ما لم يلزمه فحلف له واستحلف أبيّ بن كعب عمر بن الخطاب ﵁ فحلف كراهة أن يجعل الناس ترك الإيمان مع معرفتهم بالبراءة سنة، فدخل ذلك في شدة الورع.
واستحلف عمرو ابن عبيد على درهم ادعاه عليه بعض من أراد عنته، فقال حفص بن سالم: نعطيه نحن ونعفيك منه ونرفع قدرك عن مطالبة مثله، فقال: ما أكره أن أحلف على حق وما كنت لأعينه على معصية. وادعى رجل على عثمان ﵁ مالا واستحلفه فأبى واتقاه بدعواه، فقيل له: هلّا حلفت إذ كان مبطلا، فقال: خشيت أن يوافق حلفي قضاء، فيقال إن ذلك أصابه لجراءته على الحلف.
قال المتنبّي:
وفاعل ما أشتهي يغنيه عن حلف ... على الفعال حضور الفعل والكرم «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٦٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلب والغنى والفقر←(٤) ومما جاء في الأيمان←القليل المبالاة بالحلف
٩٦ ولا مقاما وادعا ... يدفع رزقا قد نزل
وقيل: لبعض من تقاعد به الزمان ألق الدلاء وأجذبها ملاء، فقال: كيف أنزع دلوا خان رشاؤها «١» وأسدد سهما زالت أغراضها.
الحثّ على السفر في طلب المال
قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
«٢» . وقال النبي ﷺ: سافروا تغنموا. وسئل ضمرة بن ضمرة عن الفقر الحاضر والعجز الظاهر، فقال: أما الفقر الحاضر فمن لا تشبع نفسه وأما العجز الظاهر فالشاب القليل الحيلة اللازم الحليلة إن غضبت ترضّاها وإن رضيت فداها، يحوم حولها ويطيع قولها.
قيل: رأس العجز أن تقيم فلا تريم وأن تخيم فلا تظعن، فمن طلب جلب ومن تبغل تبقل، ومن نام رأى الأحلام. وقيل: الحركة لقاح الجد العقيم.
قال أبو تمّام:
أراد بأن يحوي الغنى وهو وادع ... وهل يغرس الليث الطلا وهو رابض «٣»
قال بزرجمهر: السعيد يتبع الغني والشقي يتبع مسقط رأسه، قال شاعر:
ذو اللبّ تنزع للرفاهة نفسه ... وترى الشقي نزوعه للموطن
أخذه المبرّد:
الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان
وقال آخر:
وكلّ بلاد أخصبت فبلادي
وقال المتنبيّ:
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق «٤»
إقامة العذر في الطلب
قال عروة بن الورد:
لتبلغ عذرا أو تصيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال كشاجم:
وعليّ أن أسعى وليس ... عليّ إدراك النّجاحمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٧٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلب والغنى والفقر←(٥) ومما جاء في الاكتساب والإنفاق←إقامة العذر في الطلب
٩٧ له: إمسك عليك مالك فإنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.
وقال ابن عباس ﵁ حث النبي ﷺ ذات يوم على الصدقة، فجاء أبو بكر بماله كله، فقال له النبي ﷺ: ما أعددت لعيالك فقال الله ورسوله، وجاء عمر ﵁ بنصف ماله، فقال له: ما أعددت لعيالك؟ فقال: الله ورسوله ونصف مالي، فقال ﷺ:
بين الرجلين ما بين الكلمتين.
وسئل الشبلي عمّا يجب في مائتي درهم، فقال: أما من جهة الشرع فخمسة دراهم وأما من جهة الإخلاص فالكل. وقيل للمأمون لا شرف في السرف، فقال: لا سرف «١» في الشرف.
الإنفاق على الأهل
قال النبي ﷺ: نفقة الرجل على أهله صدقة، وقال: خيركم خيركم لأهله، وقال:
ابدأ بمن تعول ولا تعجز عن نفسك.
وكان أيوب يقول لأصحابه: تعاهدوا أولادكم وأهليكم بالبر والمعروف ولا تدعوهم يطمحوا بأبصارهم إلى ما في أيدي الناس.
وقال زيد بن على ﵁: ثلاث لا يسأل الإنسان عنها: ما ينفقه في مرضه وما ينفقه في إفطاره، وما ينفقه على ضيفه.
مدح مفيد مبيد
مدح إعرابي رجلا، فقال: هو أكسبكم للمعدوم وآكلكم للمأدوم وأعطاكم للمحروم.
وقال الوليد بن يزيد: لأجمعنّ جمع من يعيش أبدا ولأنفقنه إنفاق من يموت غدا.
قال أبو تمّام:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم واحتوته الصنائع
وقال آخر:
إذا أسلفتهن الملاحم مغنما ... دعاهن من كسب المكارم مغرم
وقال المتنبّي:
والسّلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء «٢»
النهي عن إمساك المال
قال النبي ﷺ: ينادي مناد كلّ ليلة، فيقول: اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٨٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلب والغنى والفقر←(٥) ومما جاء في الاكتساب والإنفاق←النهي عن إمساك المال
٩٨ عدم المجد حيث عدم المال
كان طلحة ﵁ يقول: اللهم أرزقني مجدا ومالا فلا يصلح المجد إلا بالمال، ولا يصلح المال إلا بالأفعال.
قال المتنبي وقد أخذ هذا المعنى:
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده
وقال هرم بن عمير التغلبي:
إني امرؤ هدم الاقتار مأثرتي ... واجتاح ما بثّت الأيام من خطري «١»
أرومة عطلتني من مكارمها ... كالقوس عطّلها الرامي من الوتر
ومما يناقض هذا الباب قول جرثومة بن مالك:
فتى إن تجده معوزا من تلاده ... فليس من الرأي الأصيل بمعوز «٢»
وقال الأحنف:
وإن المروءة لا تستطاع ... لمن لم يكن ماله فاضلا
صعوبة الفقر على ذي همّة وجود
قيل لحكيم من أشقى الناس؟ فقال من اتسعت معرفته وضاقت مقدرته.
وقال أعرابي: لا تنظر إلى هيئتي وانظر إلى همّتي.
وقال الطرمّاح:
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهنّ مالي
فنفسي لا تطاوعني لبخل ... ومالي لا يبلغني فعالي
وقال المتنبيّ:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني ... أرى صالح الأخلاق لا أستطيعها
أرى خلة في إخوة وقرابة ... وذي رحم ما كنت ممّن يضيعها
وقال آخر:
أرى الدهر يجفوني ونفسي عزيزة ... وليس معي زهد فأسطو على الدّهر
صعوبة الفقر على متعودّي اليسر
كان النبي ﷺ يتعوذ من الحور بعد الكور «٣»، وقال: إرحموا ثلاثة، عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما بين جهال.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٨٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلب والغنى والفقر←(٦) ومما جاء في مدح الغنى وذم الفقر←صعوبة الفقر على متعودي اليسر
٩٩ وقيل: أبت الدنيا أن تعطي أحدا ما يستحقه، إمّا محطوط عن درجته أو مرفوع فوق قدره. وقيل لأفلاطون: لم لا يجتمع العلم والمال، فقال لعزّة الكمال، قال:
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وقيل: من أعطاه الله عقلا احتسب عليه من الرزق، وقيل لو جعل الله المال للعقلاء مات الجهال، فلما جعله في أيدي الجهال استقلّهم العقلاء واستنزلوهم عنه بلطفهم. وقد تقدم في باب العقل شيء من هذا.
علّة ميل الدنيا إلى الأنذال
قال سعيد بن المسيب ﵁: الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال. وقال حكيم: إذا أردت أن تزهد في الدنيا فانظر عند من هي. وقال النظّام: مما يدل على لؤم الذهب والفضة كثرة كونهما عند اللئام فالشيء يصير إلى شكله ومن هنا أخذ المتنبي قوله:
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطّغام «١»
وقال حسان:
المال يغشى رجالا لا طباع لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي «٢»
وقال أبو تمّام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسّيل حرب للمكان العالي
وقال ابن الرومي:
رأيت الدهر يرفع كلّ وغد ... ويخفض كلّ ذي رتب شريفه «٣»
كمثل البحر يرسب فيه حيّ ... ولا ينفكّ تطفو فيه جيفه «٤»
وكالميزان يخفض كلّ واف ... ويرفع كلّ ذي زنة خفيفه
معاتبة الدهر لتقديم جاهل وتأخير فاضل
وقال جحظة البرمكي:
غلط الدهر بما أعطاكم ... وفعال الدهر جهل وغلط
وقال الموسوي:
ومما يحلّل ذمّ الزما ... ن إقصاؤه الأفضلين الخيارامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٥٩٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلب والغنى والفقر←(٦) ومما جاء في مدح الغنى وذم الفقر←معاتبة الدهر لتقديم جاهل وتأخير فاضل
١٠٠ وقال آخر:
رأيت مخيلة فطمعت فيها ... وفي الطمع المذلّة للرّقاب «١»
وقال الحارثي:
حتّى متى وإلى متى ... طول التّمادي في اللعب
لا تستفيق ولا تفيق ولا تمل من الطلب
وقال سابق البربري:
النفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها
وقال أبو جرير السلمي:
كلّفني حرصي على الدراهم ... خدمة من لست له بخادم
وقال أحمد بن بارس:
أجيء به من حلّه وحرامه ... إلى حامد لي فيه أو غير حامد «٢»
وأشقى به من بينهم بحسابه ... وحظّي من إنفاقه حظّ واحد
وأنشد عبد الله الخازن لنفسه:
يا نفس يا نفس ثقي ... بالله ربا واتّقي
لا تحسبي أنّك إن ... لم تتعبي لم ترزقي
واقتصدي واقتصري ... فما أقلّ ما بقي
نهي المرء عن جمع ما عساه لا ينفعه
قال النبي ﷺ: إن لك في مالك شريكين الحارث والوارث فلا تكن أخس الثلاثة نصيبا. وقال ﷺ: إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو تصدقت فأمضيت أو لبست فأبليت، وما سوى ذلك فهو للوارث.
وقيل لبخيل: لم تحبس المال وتقاسى الشدة؟ فقال: خشية الفقر، فقيل: قد نزل بك الفقر بتضييقك عن نفسك، ومن هنا أخذ المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
وقال العطوي:
جمعت مالا ففكر هل جمعت له ... يا جامع المال أياما تفرّقه
وقال أبو العتاهية:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقعمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٠٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلب والغنى والفقر←(٧) ومما جاء في الزهد ومدح الفقر وذم الغنى←نهي المرء عن جمع ما عساه لا ينفعه
١٠١ وقال ابن نباتة:
كلّما يفضل الكاف فضول
التحذير من طول الأمل وقرب الأجل
كم من مستقبل يوما ليس بمستكمله ومنتظر غدا ليس من أجله، ولو رأيتم الأجل ومروره لأبغضتم الأمل وغروره. وكان الحسن ﵁ إذا نعى له دنيوي، يقول:
شقي والله ما بقيت له الدنيا ولا بقي لها، ولو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال. من جرى في عنان أمله عثر لا شك في أجل. كم منية جلبت منية.
بقاء الأمل وازدياده مدة بقاء الأجل
قيل:: الآمال لا تنتهي والحي لا يكتفي. وقيل: المرء ما دام حيا خادم الأمل. وفي الخبر: يهرم ابن آدم ويشب معه إثنان الحرص والأمل. أخذه المتنبي، فقال:
وفي الجسم نفس لا تشيب لشيبه ... ولو أنّ ما في الوجه منه حراب «١»
يغيّر منّي الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب «٢»
وقيل للمسيح: ما بال المشايخ أحرص على الدنيا من الشبان، فقال: لأنهم ذاقوا من طعم الدنيا ما لم يذقه الشبان.
حاجة الحيّ لا تنقطع
قال الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
«٣» قيل معناه: يكابد مضايق الدنيا ما دام حيا بعضهم. وحاجة من عاش لا تنقضي، وقال عبدة بن الطبيب:
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
وأنشد ذلك عمر ﵁، فأخذ يكرره ويعجب من صحة تقسيمه. وقال آخر:
النّفس لا تنقضي مآربها
وقال آخر:
والمرء تواق إلى ما لم ينل
وقال الموصلي:
المرء ما عاش لا يزال له ... في نفسه حاجة يطالبها
وقال لبيد:
إذا المرء أسرى ليله خال أنّه ... قضى عملا والمرء ما عاش عامل «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦١٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلب والغنى والفقر←(٧) ومما جاء في الزهد ومدح الفقر وذم الغنى←حاجة الحي لا تنقطع
١٠٢ قصد من يتلقّى زائره النجاح
قال بعضهم:
أتينك لم يزجرن دونك سانحا ... ولا بارحا إلا وهنّ سعود «١»
وقال المتنبيّ:
ولو سرنا إليه في طريق ... من النيران لم نخف احتراقا
وقال القاضي علي بن عبد العزيز:
كلّ الزمان إذا أفضى تصرّفه ... إليك وقت نزول الشمس في الحمل «٢»
وقال ابن أبي طاهر:
بلغت مرادي واطمأنّت بي النّوى ... وقال لي الورّاد أعشبت فانزل
وقال أعرابي:
كلّ أيامه توالت علينا ... بسعود بلغننا ما نوينا
لم يكن دهره كما قيل في الأمث ... ال يوم لنا ويوم علينا
من أطمع مخلفيه في نوال من يعتفيه
قال أبو عثمان المازني: أشخصني الواثق، فلما دخلت عليه سألني عن اسمي، فقلت: بكر بن محمد، فقال: هل لك من ولد، قلت: نعم بنيّة قال: فما قالت لك حين فارقتها، قال: أنشدتني بيت الأعشى:
فيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم «٣»
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى ويقطع منّا الرحم «٤»
قال فبم أجبتها، قلت: ببيت جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح
فقال: أعطوه ألف دينار.
وقال أبو نواس:
تقول التي من بيتها خفّ مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للفتى متّطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثيرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٢٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(١) فمما جاء في قصد أولي الآمال←من أطمع مخلفيه في نوال من يعتفيه
١٠٣ الرّاغب عن كلّ نعمة دون بلوغ مجتداه
وقال طريح:
قصدتك عاريا من كلّ منّ ... لكل الخلق في كلّ المعاني
فلو دنياي قابلني غناها ... بغيرك ما ثنيت لها عناني «١»
وقال سعد بن ضمضم:
أظل أدعو باسمه ودونه ... قوم كرام رغبة تركتهم
تخيّروا فاخترته عليهم ... وما بهم بأس ولا ذممتهم
وقال ابن الرومي:
جعلت على ملوك الأرض طرّا ... محار مطيّتي وعليه حبسي «٢»
وقال المتنبيّ:
قواصد كافور توارك غيره ... ومن ورد البحر استقلّ السواقيا «٣»
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلّت بياضا خلفها ومآقيا
فتأتّى له أجود معنى بقوله إنسان عين زمانه لجودة المعنى، ثم لموافقة كون ممدوحه أسود، وله يخاطب ناقته:
أمّي أبا الفضل المبرّ أليّتي ... لأيمّمنّ أجلّ بحر جوهرا «٤»
تركت دخان الرمث في أوطانها ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا «٥»
ومثله للأسدي:
إليك أمير المؤمنين رحلتها ... من الطلح تبغي منبت الزرجون «٦»
وقال الموسوي:
أتيت وفي كفّي خطام نجيبة ... مدفّعة في كلّ قرب إلى بعد «٧»
فما خدعتها روضة عن مسيرها ... ولا لمع معسول تطلع من ورد «٨»
إذا لحظت ماء جذبت زمامها ... وقلت ارغبي بالقل عن مورد ثمد «٩»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٢٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(١) فمما جاء في قصد أولي الآمال←الراغب عن كل نعمة دون بلوغ مجتداه
١٠٤ وقال آخر:
كرام نقصت النّاس لمّا بلغتهم ... كأنّهم ما جفّ من زاد قادم
قصد من طاب في فنائه الزمان والحياة
وقال ابن الرومي:
أريد مكانا من كريم يصونني ... وإلّا فلي رزق بكلّ مكان
وقال المتنبيّ:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنّها في مفخر أستجدّه «١»
وله:
إذا نلت منك الجاه فالمال هيّن ... وكلّ الذي فوق التّراب تراب «٢»
من قصد سلطانا سائلا لقومه
أتى عبد العزيز بن زرارة باب معاوية، فلما أذن له وقف بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين دخلت إليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت قوما أدناهم منك الحظ وآخرين باعدهم منك الحرمان، فليس للمقرب أن يأمن ولا للمبعد أن ييأس.
وقال زياد بن أبيه: أشخصت قوما إليك الرغبة وأعقدت آخرين عنك المعاذير، وقد جعل الله في سعة فضلك ما يجير المتخلف ويكافىء الشاخص، والخير دليل على أهله، والخصب منتجع في مظانّه.
وقيل: أصاب القوم مجاعة في عهد هشام فدخل إليه وجوه الناس من الأحياء، وفي جملتهم درواس بن حبيب العجلي وعليه جبة صوف مشتمل عليها بشملة قد اشتمل بها الصماء، فنظر هشام إلى حاجبه نظر لائم في دخول درواس إليه، وقال: أيدخل عليّ كل من أراد الدخول. وكان درواس مفوّها فعلم أنه عناه، فقال درواس: يا أمير المؤمنين ما أخلّ بك دخولي عليك ولقد شرفني ورفع من قدري تمكني من مجلسك، وقد رأيت الناس دخلوا لأمر أعجموا عنه، فإن أذنت في الكلام تكلّمت، فقال هشام: لله أبوك تكلّم، فما أرى صاحب القوم غيرك، فقال: يا أمير المؤمنين تتابعت علينا سنون ثلاث، أما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فأكلت اللحم، وأما الثالثة فانتقت المخ ومصت العظم، ولله في أيديكم أموال، فإن تكن لله فأعطفوا بها على عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تحبسونها عنهم، وإن تكن لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين. فقال هشام: لله أبوك ما تركت واحدة من ثلاث، وأمر بمائة ألف دينار فقسمت في الناس، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين ألكل رجل من المسلمين مثلها، قال: لا ولا يقوم بذلك بيت المال، فقال: لا حاجة لي فيمامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٢٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(١) فمما جاء في قصد أولي الآمال←من قصد سلطانا سائلا لقومه
١٠٥ يبعث على ذمّك، فلما عاد إلى داره أمر بذلك فبعث إليه فقسم تسعين ألف درهم في تسعة من إحياء العرب، وحبس عشرة آلاف درهم فبلغ ذلك هشاما، فقال: لله دره إن صنيعة مثله تبعث على الاصطناع.
من رغب في الإيناس والبسط منه
قال العتابي: دخلت على المأمون فسلمت فاجلسني، وقال لي: تكلّم. فقلت: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبساس، قال: إن ذلك من أقل ما نوحيه قال: ثم أقبل على أحمد بن هشام يحدّثه فلما اطمأن بي المجلس ذهبت لأتكلم، فقال المأمون: إن أحب شيء إلينا اليوم أن نبسطك بالحديث النادر والكلام الطيّب والعشرة الرضية، فو الله لقد أعطاني من نفسه ما لم يعط أحد ممن شاهدت وعاشرت.
من قصد سلطانا فحثّه على اصطناعه
وقال ابن الرومي:
زني القوم حتّى تعرفي عند وزنهم ... إذا رفع الميزان كيف أميل
وقال جرير، وهو أبياته الرائقة وأشعاره الجيدة:
إذا سرّكم أن تمسحوا وجه سابق ... جواد فمدّوا وابسطوا من عنانيا «١»
ألا لا تخافا نبوتي في ملمّة ... وخافا المنايا أن تفوتكما بيا «٢»
وقال المتنبيّ:
فكن في اصطناعي محسنا ومجرّبا ... يبن لك تقريب الجواد وشدّه «٣»
إذا كنت في شكّ من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعدّه «٤»
وما الصّارم الهنديّ إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النّجاد وغمده «٥»
من عاتب صاحبه في قلّة معرفته بفضله
وقال ابن الرومي:
قوّمتني غير قيمتي غلطا ... شاور ذوي الرأي تعرف القيّما
وقال ابن نباتة:
أشدد يديك بي الغدا ... ة فإنّني علق المضنّه «٦»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٢٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(١) فمما جاء في قصد أولي الآمال←من عاتب صاحبه في قلة معرفته بفضله
١٠٦ الاعتذار لتأكيد السّؤال
قال أبو تمّام:
لو رأينا التوكيد خطة عجز ... ما شفعنا الأذان بالتثويب «١»
وقال ابن الرومي:
قد يحث الجواد غير بطيء ... ويهز الحسام غير كهام «٢»
وقال بشّار:
هززتك لا أني وجدتك ناسيا ... لأمري ولا أنيّ أردت التقاضيا
ولكن رأيت السيف من بعد سلّه ... إلى الهزّ محتاجا وإن كان ماضيا
عذر من سأل لئيما وأخذ منه
قيل للأعمش: كيف تصنع إذ كان لك إلى لئيم حاجة؟ قال: آتيه كما آتي الحش «٣»، ومنه قال الشاعر:
وعند الضرورة آتي الكنيفا
وقال المتنبيّ:
غير اختيار قبلت برّك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف «٤»
وقال أبو تمّام:
وخذ القليل من اللئ ... يم إذا أبى أهل الكرم
فالليث يفترس الكلا ... ب إذا تعذّرت الغنم
قال ابن شادان: دخلت مع جماعة من الصوفيّة على الشبلي ﵀ فبعث إلى بعض المياسير يسأله ما ينفقه عليهم، فقال للرسول: قل له يا أبا بكر أنت تعرف الحق فلم لا تطلب منه. فقال الشبلي: عد إليه، وقل له: الدنيا سفلة أطلبها من سفلة مثلك، وأطلب من الحقّ الحق، فوجه إليه بمائة دينار.
وفي المثل: خذ من جذع ما أعطاك.
اللّطافة في المسألة
قيل: اللطافة في المسألة أجدى من الوسيلة، قال:
إحلب لبونك إبساسا وتمرية ... لا يقطع الدرّ إلّا عنف محتلبه «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٣٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٢) ومما جاء في السؤال←اللطافة في المسألة
١٠٧ وقسم عبد الله بن عبيد مالا بين بنيه، فقال له عبد صغير: فأعطني أوّلا، فقال له:
ولمه، قال: لأن الله تعالى يقول المال والبنون زينة الحياة الدنيا، فبدأ بالمال وأنا مالك، فأعطاه وقدّمه. وسأل أعرابي عبد الملك، فقال له: سل الله، فقال: سألته فأحالني عليك، فضحك منه وأعطاه.
المستغني بالسّلام عن السؤال
قال أميّة بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء «١»
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء
وقال ابن الرومي:
يا من إذا التعريض صافح نفسه ... أغنى العفاة به عن التصريح «٢»
وقال آخر:
وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم
وإذا رآك مسلّما عرف الذي ... حملته وكأنّه ملزوم
وقال الريّاشي:
وحسبك من تقاضي المرء يوما ... لحاجته الزيارة والحديث
وقال آخر:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي «٣»
وقال المتنبيّ:
أخفّ سلامي حب ما خفّ عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب «٤»
المتوصّل بسؤال حاجة إلى أخرى
في المثل: أعن صبوح تفرقوا.
وقال شاعر:
وحاجة دون أخرى قد سجحت بها ... جعلتها للذي أخفيت عنوانا «٥»
وقال آخر:
وأرضع حاجة بلبان أخرى ... كذاك الحاج ترضع باللبان «٦»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٣٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٢) ومما جاء في السؤال←المتوصل بسؤال حاجة إلى أخرى
١٠٨ قال البحتري:
وأعلم بأن الغيث ليس بنافع ... للمرء ما لم يأت في إبّانه «١»
وله:
وإذا العليل أبلّ ممّا يشتكي ... لم يرج منه مثوبة العوّاد «٢»
وله:
يرجى الطبيب لساعة الأوصاب
سؤال من بعدت داره عن مسؤوله
وقال ابن الرومي:
لا تجشّمنّ أهلي إليك وفادة ... ليعد إليهم برّك الوفاد «٣»
يسري السحاب إلى البعيد بغيثه ... فيظلّ منه وادعا ويجاد
ولأنت أولى أن تجود لمجدب ... عفوا ولم تشدد له أقتاد «٤»
سؤال من قرب ارتحاله
قال بعضهم:
جعلت فداك قد وجب الذمام ... وطال بي التلبّث والمقام
وقد أزف الرحيل إلى بلادي ... فرأيك لا عدمتك والسّلام
وقال المتنبيّ:
لقد نظرتك حتّى حان مرتحلي ... وذا الوداع فكن أهلا لما شيتا «٥»
من استزاد
قال المتنبيّ:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإنّي أغنّي منذ حين وتشرب «٦»
وهبت على مقدار كفّي زماننا ... ونفسي على مقدار كفّيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب «٧» «٨»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٤٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٢) ومما جاء في السؤال←من استزاد
١٠٩ من سأل وذكر أنّ مسؤوله أهل لذلك
قال أحمد بن أبي طاهر:
أتيتك لم أطمع إلى غير مطمع ... كريم ولم أفزع إلى غير مفزع
وقال علقمة:
وفي كلّ شيء قد خبطت بنعمة ... فحق لناس من نداك ذنوب «١»
الحثّ على إتمام النّعمة
العرف إذا لم يستتم كالبرد ما لم يعلم، ولا يحسن العرف إلا بتمامه ولا يروق الهلال إلا بتمامه. وقيل: أتبع الدلو الرشاء والفرس لجامه. وقيل: تمام الربيع الصيف.
وقال أبو تمّام:
إن ابتداء العرف مجد سابق ... والمجد كلّ المجد في استتمامه
هذا الهلال يروق أبصار الورى ... حسنا وليس كحسنه لتمامه
وقال ابن الرومي:
لا تصنعنّ صنيعة مبتورة ... فإذا اصطنعت إلى الرجال فتمّم
لا تطعمنّهم فتقطع عنهم ... أشبع إذا أطعمت أو لا تطعم
وأمر المنتصر وهو أمير الحجاز بشيء فهمّ الوكيل بمصارفته، فقال: والله لصرفي أحسن من مصارفتي، فلم يصارفه واستحسن في المطالبة بأمر تأخر فاختلت به الحال.
قال المتنبي:
فإن فارقتني أمطاره ... فأكثر غدرانها قد نضب «٢»
تربية النّعمة عند المصطنع إليه
قال حكيم: ما ربّيت غير رجلين، رجل له عندي يد فأخاف كفرانه ورجل لي عنده يد فأخاف إفساده. وقيل: رب المعروف أشد من ابتدائه. وقيل: الإبتداء بالصنيعة نافلة وربّها فريضة. وقيل: من لم يربّ معروفه فكأنما لم يصطنعه.
من رغب إلى مسؤوله في الجري على العادة في إعطائه
قال ابن الحجّاج:
نفسي تقي نفسك ما تشتكي ... لمثل هذا اليوم أعددتكا
فاجر على العادة في برّ من ... يجري على العادة في شكركامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٤١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٢) ومما جاء في السؤال←من رغب إلى مسؤوله في الجري على العادة في إعطائه
١١٠ ذمّ طالب كثيرا بعد أن حرم صغيرا
سأل رجل معاوية شيئا فمنعه، فسأله ما هو أكبر منه، فقال معاوية: طلب الأبلق العقوق فلما لم ينله أراد بيض الأنوق «١»، وقال:
شرّ ما رام امرؤ ما لم ينل
ويقاربه:
تسألني برامتين سلجما «٢»
الحثّ على أخذ القليل عند تعذّر الكثير
خذ ما طف لك واستطف، خذ ما قطع البطحاء، خذ من جذع ما أعطاك صيدك لا تحرمه الجحش لما بذل الاعيار «٣» .
الحثّ على إعطاء القليل
قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
«٤» وقال النبي ﷺ: لا يمنعكم من معروف صغره. قال ابن عباس: من حقر حرم. قال:
ما استغرب الناس أفضالا ولا شهروا ... من حاتم غير جود بالذي يجد
وقال عبد الله بن جعفر: لا تستح من إعطاء القليل فإن المنع أقل منه. وقال البحتري:
لا تحقرنّ صغير الخير تفعله ... فقد يروي غليل الحائم الثمد «٥»
وقيل: زوج من عود خير من قعود.
من خيّر فتلطّف في الاختيار
مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة، فقال له: إن شئت أجزناك وإن شئت مدحناك، فاستحيا مطيع أن يختار الثواب وكره العدول إلى المدح، فقال:
ثناء من أمير خير كسب ... لصاحب مغنم وأخي ثراء
ولكنّ الزمان أطال دائي ... وما مثل الدراهم من دواء
وقال بعض الخلفاء لعاف: احتكم، فقال: يد أمير المؤمنين أبسط من لساني بالمسألة فأجزل له العطية.
قال المتنبي:
ما لنا في النّدى عليك اختيار ... كلّ ما يمنح الشريف شريفمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٤٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٢) ومما جاء في السؤال←من خير فتلطف في الاختيار
١١١ وقال منقذ الهلالي:
علام أرى من ضروب الغيو ... ث حولي وأحرم أمطارها
وقال الحسين الخليع:
أنا في ذمّة السّحاب والظما ... إن هذا لوصمة في السّحاب «١»
وقال آخر:
أيا عجبا لبحر ظلّ يسقي ... جميع الناس لم يبلل لهاتي «٢»
من سأل أن لا يؤذى إن لم يعط
قال العجّاج:
يا ليت حظّي من نداك الصّافي ... والحظّ أن تتركني كفافي
وقال آخر:
فإن زوى عنّي الجمار طلعته ... فلا تصبني بخدّي شوكة السّعف «٣»
وقال المتنبيّ:
ليت العهاد الذي عندي صواعقه ... يزيلهنّ إلى من عنده الدّيم «٤»
معاتبة من يقول نذرت أو حلفت أن لا أعطي.
قال بعضهم:
فقل لأبي عمرو متى تبلغ العلا ... وفي كلّ معروف عليك يمين
وقال البحتري:
فإن قلت نذر أو يمين تقدمت ... فأيّ جواد حلّ في ماله النذر «٥»
تعريض السائل بمن خيّبه
كتب أبو السائب إلى صديق يستميحه، فاعتل بأنه فقير: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت محجوجا فجعلك الله معذورا. وتعرضت امرأة للمنصور في طريق مكة فحرمها، فأنشدت:
إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا جنى ... فأبعدكنّ الله من سمرات «٦»
وسأل أعرابي على باب فقال له صبي من الدار: بورك فيك، فقال له: قبح الله هذامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٤٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٢) ومما جاء في السؤال←تعريض السائل بمن خيبه
١١٢ عداة كريعان السراب إذا بدت ... تبشّر عن مين وتطوى على مطل «١»
وقال آخر:
وقد كان منّاني ثلاثة أشهر ... بوعد ووافت بعد ذلك معاذره»
من يحلف على وعده ثم يخلف
قال بعضهم: فلان يحلف على وعده ثم يخلف، ويؤلي «٣» لك ثم لا يواليك، أي يحلف لك ثم لا يعطيك.
وقال شاعر:
وليتك لم تحلف لنا حين تخلف
وقال عبد الرحمن بن معاوية:
ألا لا تحلفن لنا يمينا ... فأكذب ما تكون إذا حلفتا
وقال المتنبي:
وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دلّ أنّك في الميعاد متهم
مطل يتبعه هبة خسيسة
قال ابن الرومي:
قال ابن الرومي:
فلا يك ما تجديه كالبقل خسة ... وكالنخل تأخيرا فما ذاك بالعدل «٤»
وقال آخر:
من الحيف تخفيف النّوال ومطله ... فعجّل خسيسا أو فأجّل موفرا
وكن نخلة تلوي وتسني عطاءها ... وإلا فكن عفصا أقلّ وأيسرا «٥»
من لا يتناهى مطله
وعد أبو الصقر أبا العيناء بشيء فتقاضاه فقال: غدا، فقال له: إن الدهر كله غد، فهل عندك وعد يخلو من المعاريض؟ فقال رجل حاضر قد استعمل المعاريض قوم صالحون حدثنا فلان عن فلان، فقال أبو العيناء: من هذا الذي يحدث في حرماننا بالأسانيد؟ قال ابن الرومي:
أرفه ما أرفه في التقاضي ... وليس لديك غير المطل نقد «٦»
إذا انجاز وعدك كان وعدا ... فيكفيني من الوعدين وعدمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٥٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٣) ومما جاء في الوعد والإنجاز والمطل←من لا يتناهى مطله
١١٣ وقال المتنبيّ:
ومن الخير بطء سيبك عنّي ... أسرع السحب في المسير الجهام
وله:
وإن تأخّر عنّي بعض موعده ... فما تؤخّر آمالي ولا تهن
وهو الوفيّ ولكنّي ذكرت له ... مودّة فهو يبلوها ويمتحن «١»
الممدوح بإنجاز الوعد
فلان يعد وعد من يخلف وينجز إنجاز من يحلف.
قال أبو تمّام:
يقول قول الذي ليس الوفاء له ... عزما وينجز إنجاز الذي حلفا
وفي المثل: أنجز حر ما وعد لم يشنه مطل، ورفد لم يشبه منّ، وبرّ لم يمازجه ملق، وودّ لم يخالطه مذق «٢» .
أعمار موعده قصار تنقضي ... مثل العطايا في أكفّ عداته
قال بشّار:
كأنّ حقوق النّاس حين ضمنتها ... قذى في حقوق العين منّي أواربه «٣»
وقال آخر:
أعمار أعدائهم إذا قصدوا ... أقصر من وعدهم إذا سئلوا
الممدوح بإنجاز الوعد دون الوعيد
قيل: إن وعد وفى، وإن أوعد استثنى. قال شاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقال آخر:
وعيد عقيم ووعد ولود «٤»
وقال ابن الرومي:
إن خلف الوعيد ليس بعار ... إنّما العار كلّه خلف وعدك
الممدوح بإنجازهما
قال ابن هرمة:
إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبى ... وما قال إنّي فاعل فهو فاعلمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٥٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٣) ومما جاء في الوعد والإنجاز والمطل←الممدوح بإنجازهما
١١٤ وقال أبو تمّام:
قوم إذا وعدوا أو أوعدوا غمروا ... صدقا ذوائب ما قالوا بما فعلوا
وقيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل.
الموفي بوعيده دون وعده
يخلف الوعد ويوفي بالوعيد. قال ابن طباطبا:
وفيّ بما أوعدني ... وما وفى بما وعد
وقال آخر:
لها كلّ يوم موعد غير ناجز ... ووعد إذا ما رأس حول تخرّما
فإن أوعدت شرّا أتى دون وقته ... وإن وعدت خيرا أراث وأعتما «١»
المظهر رضاه بالوعد وإن لم يتبعه إنجاز
قال العبّاس:
وإني ليرضيني الذي غيره الرّضا ... وتقنع نفسي بالمواعيد والمطل
وقال آخر:
هلا تعلّلني بوعد كاذب
وقال كشاجم:
ألا لا أرى شيئا ألذّ من الوعد ... ومن أمل فيه وإن كان لا يجدي
وقال الموسوي:
وما ضرّهم إن لم يجودوا بمقنع ... من النيل لو منّوا قليلا وسوّفوا «٢»
وقال النظّام: كنا نلهو بالأماني، ونتمثل في هذا الباب، بقول المتنبيّ:
أرد لي جميلا جدت أو لم تجد به ... فإنّك ما أحببت فيّ أتاني
وقال بعضهم: كان الناس يفعلون ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، والآن ليسوا يقولون ولا يفعلون.
عذر من أخلف وعدا
سأل رجل أبا عمرو بن العلاء حاجة فوعده، ثم لم ينجزه، فقال: أخلفت. فقال أبو عمرو: فمن أولى بالغم؟ قال الرجل: أنا، فقال: بل أنا لأني وعدتك فأبت بفرح الوعد وأبت بهمّ الإنجاز، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة فلقيتني مدلا ولقيتك محتشما.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٥٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٣) ومما جاء في الوعد والإنجاز والمطل←عذر من أخلف وعدا
١١٥ وقال الفرزدق:
أما البنون فقد ردّت شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن ريّانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
كون المحسن محبّبا إلى المحسن إليه:
قال الفزاري:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
وقال المتنبيّ:
وأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كفّ في الورى كفّ منعم «١»
وقال الموصلّي:
أرى النّاس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل
كون المحسن إليه محبّبا إلى المحسن
قيل لبعضهم: أي الناس أحب إليك؟ قال من أولاني معروفا، قيل: فإن لم يكن؟
قال من أوليته معروفا. وقيل: أكرم الناس من كثرت أياديّ إليه. وقام رجل من مجلس خالد بن عبد الله، فقال خالد: إني لأبغض هذا الرجل وماله إلي ذنب، فقال رجل: أوله خيرا تحببه فأولاه معروفا، فما لبث أن كان من المحظيين عنده. وقال رجل لهشام: إن الله تعالى جعل العطاء محبّة والمنع مبغضة، فأعنّي على حبّك.
وقيل للفرزدق: إنك لتمدح آل المهلب وتحبّهم بعد أن لم تكن على ذلك، فقال:
أما علمت أن إعطاء اللها «٢» يفتح اللها ويغرس الهوى.
حثّ من آتاه الله نعمة على حفظها بإسداء الصّنيعة
قال النبي ﷺ: من اتصلت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن لم يحتمل تلك المؤن عرض لزوال تلك النعم. أخذه الشاعر، فقال:
من لم يواس النّاس من فضله ... عرّض للإدبار إقباله
وقيل: اجعل معروفك حرزا من بداية الغرر وبوادر الغير، وقال خالد بن عبد الله:
حوائج الناس إليكم نعم من الله عليكم فلا تملّوا النعم فتتحول نقما، وأفضل الأموال ما أكسب أجرا وأورث ذكرا.
قال دعبل:
قال العواذل أودى المال قلت نعم ... ما بين أجر ألقاه ومحمدة «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٦٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←حث من آتاه الله نعمة على حفظها بإسداء الصنيعة
١١٦ قلّة نفع المال ما لم ينفق
قال هبيرة السلوليّ:
وما الفرق بين المال لولا امتهانه ... وبين الحصى المجموع أو كثب الرمل
المتبجّح بإنفاق ماله لتصوّر مماته
وقال بعضهم:
ولقد علمت لتأتينّ عشيّة ... لا بعدها خوف عليّ ولا عدم
وأزور بيت الحقّ زورة ماكث ... فعلام أحفل ما تقوض وانهدم
فلأتركنّ الساملين حياضهم ... ولأحبسنّ على مكارمي النعم «١»
وكتب روح إلى خالد بن عبد الله القسري يحثه على الإمساك، فأجابه وقال:
خوفتني مما يجوز كونه والسلامة منه ونهيتني عن فعل ما أوجب الحق، وما أنا ممن يترك ما أوجبه الحق لما خوف منه ظن.
من لا يكفّه قول العذّال عن إنفاق المال
قال أبو أسد:
أرادت لتثني الفيض عن عادة النّدى ... ومن ذا الذي يثني السّحاب عن القطر «٢»
وقال المتنبيّ:
وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسدّ طريق العارض الهطل «٣»
وقال آخر:
فنفسك ولّي اللوم عاذل وانطحي برأسك إن كان الصّفا وذريني «٤»
من عادته البذل
يقال إنه لما مات حاتم تشبه به أخوه، فقالت له أمه: لاتتعبن فيما لا تناله، فقال وما يمنعني وقد كان شقيقي وأخي من أمي وأبي، فقالت: إني لما ولدته كنت كلما أرضعته أبي أن يرضع حتى آتيه بمن يشاركه فيرضع الثدي الآخرة وكنت إذا أرضعتك ودخل صبي بكيت حتى يخرج، قال شاعر:
يلام أبو الفضل في جوده ... وهل يملك البحر أن لا يفيضامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٦٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←من عادته البذل
١١٧ وقال آخر:
باتت تلوم وتلحاني على خلق ... عوّدته عادة والخير تعويد
وقال آخر:
وإني امرؤ عوّدت نفسي عادة ... وكلّ امرىء جار على ما تعوّدا
وقال الموسوي:
دعي عذلي فليس العذل يجنى ... به ما أثمرت شيمي وعادي
وقال آخر:
إذا كنت شمسا نورها من طباعها ... فكيف بأن نلقاك غير منير
من لا يترك عادته في الجود وإن دفع إلى ضيق
كانت أخت حاتم سخية لا تبقي شيئا، فحظّر عليها إخوتها وحبسوها حتى ذاقت طعم الجوع والفقر، فظنّوا أنها قد وجدت ألم الضيق والفقر، فأطلقوها ودفعوا إليها صرمة فأتتها سائلة، فقالت: دونك الصرمة، لقد غضّني من الجوع ما لا أمنع بعده سائلا أبدا، ثم أنشأت:
لعمري لقدما عضّني الدهر عضّة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا
وقال آخر:
وإن مسّه الإقواء والجهد زاده ... سماحا وإتلافا لما كان في اليد «١»
ولما أسنّ ابن جذعان أخذ بنو تميم على يده، فكان إذا أتاه سائل يقول: أدن مني فيلطمه، ويقول: أطلب من قومي قصاص لطمتي، ولا ترض بدون كذا، فيفعل فترضيه بنو تميم.
قال سلم:
وكلّ فخر إذا فاخرت مطّرح ... وكلّ جود إذا ما جدت مغمور
وقيل:
يغمر ضحضاحه غمرات الأجواد وتستر نفحاته بحور الامجاد «٢» وقال المتنبيّ:
وهب الملوك وسدتهم بمواهب ... درّ الملوك لدرّها أغبار
وله:
وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنّك في الكرم الأوّلمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٦٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←من لا يترك عادته في الجود وإن دفع إلى ضيق
١١٨ وقال سلم الخاسر:
وفي يديه سماء غير مقلعة ... بالجود صوب عزاليها الدنانير «١»
من فضّل على البحار والسّحاب
قال الغسّاني:
قوم إذا مطرت سماء نوالهم ... ذمّ الأنام سحائب الأمطار
وقال آخر:
البحر يغرق في بحور سخائه
وقال علي بن الجهم:
ولو قرنت بالبحر سبعة أبحر ... لما بلغت جدوى أنامله العشر «٢»
وقال المتنبيّ:
ولما تلقّاك السحاب بصوبه ... تلقّاه أعلى منه كعبا وأكرم «٣»
من يستحي منه السّحاب ويحسده
قال الأمويّ:
يجود فتستحيي السحاب إذا رأت ... نداه وتخطّيه الغيوث المواطر
وقال التنوخي:
إذا انبسطت بالمكرمات أكفّهم ... رأيت الحيا من سيبهنّ قد استحيا «٤»
وقال آخر:
ويحسد كفّيه ثقال الغمائم
المهين لماله
وقال ابن هرمة:
يداه يمينان لم تجمدا ... ولم تأخذا عادة الأشمل
وقال آخر:
أنا الرجل الذي كلتا يديه ... يمين في صروف النّائبات «٥»
الباذل بكلتا يديه
قال ابن الرومي:
ولم أر مالا جاره مثل عزّهم ... يروح ويغدو وهو نهب مقسّممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٦٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←الباذل بكلتا يديه
١١٩ وقال آخر:
وليس لمالي دون حقّ كريمة ... يعزّ وما فيه عليّ كريم
وقال المتنبيّ:
ويحتقر الدنيا احتقار مجرّب ... يرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا
وقال بكر بن النطاح:
فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب «١»
من لا يرى الإعطاء حتما
وقال بشّار:
كأنّ لهم دينا عليه وما لهم ... سوى جود كفّيه عليه حقوق
وقال أبو تمّام:
ترى ماله نصب المعالي فأوجبت ... عليه زكاة الجود ما ليس واجبا
من يبسط الآمال
قال أبو تمّام:
ألبستني حلل الغنى فلبستها ... وجعلت آمالي لهنّ ذيولا
وله:
ويحكّم الآمال في الأموال
وقال البحتري:
ثنى أملي فاختاره عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع
المتلقّي سؤاله بطلاقة وجهه
قيل: بسط الوجه يقوم مقام البذل، وقال النبي ﷺ: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق.
وفي كتب الفرس: لأن تلقي الأحرار بالبشاشة ويحرموا، أحسن من أن يلقوا بالفظاظة ويعطوا، فانظر إلى خلّة أفسدت مثل الجود فاجتنبها وإلى خلّة عفت عن مثل البخل فالزمها.
قال أحمد بن أبي فنن:
بسطت له وجها طليقا إلى النّدى ... وشرّ الوجوه ما يعبسه البخل
وقال كاتب: لما سألته تهلّل واهتز هزّ المهند وابتسم إبتسام الروض عن زهره.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٦٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←المتلقي سؤاله بطلاقة وجهه
١٢٠ وقال البحتري:
مواهب ما تجشّمنا السؤال لها ... إنّ الغمام قليب ليس يحتفر
وقال أبو تمّام:
أعطي ونطفة وجهي في قرارتها ... تصونها الوجنات الغضّة القشب
لن يكرم الظّفر المعطى وإن أخذت ... به الرغائب حتّى يكرم الطّلب
من يكتفي في سؤاله بالتّعريض
قال ابن الرومي:
يا من إذا التعريض صافح سمعه ... أغنى العفاة به عن التّصريح
وقال المتنبيّ:
ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلّمه عنّي ولم أتكلّم
المغني سائله عن سؤال غيره
سئل بعض الأدباء عن جعفر بن يحيى بعد ما قتل، فقال: تركني مقطوع الآمال زاهدا بعده في طلب الأموال. قال ابن الرومي في معناه:
سألتك إغنائي عن النّاس كلّهم ... فأغنيتني عنهم وعنك جميعا
وقال أبو تمّام:
لم يدعني وفي يميني فضل ... لندى غيره ولا في شمالي
وقال ابن نباتة:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدّنيا بلا أمل
ولعابدة المهلبيّة:
بحمدك لا بحمد النّاس أضحى ... وكيلي ليس يقنعه وكيل
وكانوا كلّما كالوا وزنّا ... فصاروا كلّما وزنوا نكيل
وكنت وناقص وزني فأضحى ... مفاعيلن مفاعيلن فعول
من يصير سائله مسؤولا بما يعطيه
مدح أعرابي رجلا، فقال: يعود عليه المجتدي مجديا ومستعطي رفده معطيا والمنتجع منه منتجعا. قال أبو تمّام:
وكم لحظة أهديتها لابن نكبة ... فأصبح منها ذا عفاة ونائل «١»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٧٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←من يصير سائله مسؤولا بما يعطيه
١٢١ وقال ابن الرومي:
ويشرك أدنى الأرض في صوبه القصوي «١» وقال آخر:
لا أشتكي البدر على بعده ... لقد أضاءت لي آفاقه
وقال عمارة:
لعمرك ما النائي البعيد بنازح ... إذا قربت ألطافه ونوائله «٢»
وما ضرّنا أن السماك محلّق ... بعيد، إذا جادت علينا هو اطله «٣»
من أعطى الغنيّ والفقير
روي في الخبر: أعطوا السائل ولو جاء على فرس، وقال ﷺ: كل معروف صدق لغني أو فقير. وقيل لبعضهم: ما الجود؟ فقال: أن تعطي الغني والفقير ولا تخص ولأحمد بن أبي طاهر:
ونداه مثل الغيث جاد لمجدب ... وعر، وحلّ على المحلّ الممرع «٤»
وقال المتنبيّ:
ويد لها كرم الغمام لأنّه ... يسقي العمارة والمكان البلقعا «٥»
المستشهد على فرط جوده بعفاته وزمانه
قال الخطيم:
وإن تلق ندماني تخبرك أنّني ... وكاء لكيس لم أعد منه بالفقر «٦»
وقال ديك الجن:
سلا هل كمجدي أو كفخري لفاخر ... وعندكما من قبل إن تسألا خبر
وقال المتوكل الليثي:
فإن يسأل الله الشهود شهادة ... تنبىء جمادى عنكم والمحرّم «٧»
بأنكما خير الحجاز وأهله ... إذا جعل المعطي يملّ ويسأم
من يباري الرياح
قال عبد الله بن أبي السمط:
أعطى أبو دلف والريح عاصفة ... حتّى إذا وقفت أعطى ولم يقفمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٧٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←من يباري الرياح
١٢٢ وقال آخر:
يكلون الرياح إذا تبارت ... ويمتثلون أفعال السّحاب «١»
المعطي بلا شفاعة
قال ابن الرومي:
النائل المعطي بغير وسيلة ... كالماء مغترفا بغير رشاء «٢»
وقال آخر:
أفردته برجائي أن يشاركني ... فيه الوسائل أو ألقاه بالكتب
من شارك في ماله عفاته
قال ابن الرومي:
وامدح فتى حظّه منّ ومأثرة ... كحظّ ناظرنا من وجهه الحسن
وقال أبو تمّام:
لو كنت شاهد بذله لشهدت لي ... بوراثة أو شركة في ماله
من لا يبقي مالا.
كأنّ عليه أن يفرّق ماله ... ألية مبرور الألية محترز «٣»
وقال المتنبيّ:
عجبا له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها»
وله:
لو كان ضوء الشموس في يده ... أضاعه جوده وأفناه «٥»
وقال آخر:
يقول أناس لو جمعت دراهما ... وكيف ولم أخلق لجمع الدّراهم
أبى الله إلا أن تكون دراهمي ... مدى الدّهر نهبى بين عاف وغانم «٦»
وقال أعرابي: حسن الحديث ضعيف خيط الدرهم.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٧٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←من لا يبقي مالا.
١٢٣ وقال المتنبيّ:
ستروا النّدى ستر الغراب سفاده ... فبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل «١»؟
ووصف أعرابي رجلا، فقال إذ أعطى شكر وإذا أعطى ستر.
المسرور بما يعطيه
لمّا دخل الفضل بن يحيى الرقّة، قال لو كلائه: أحصوا منزل من يغنيه ألف درهم فاحصوا ثلاثمائة منزل فوجه إليهم ثلاثمائة ألف درهم، ثم وضع له الطعام، فقال: ما أكلت طعاما أهنأ منه اليوم، وقد علمت أني أغنيت ثلاثمائة بيت.
قال أبو تمّام:
لو يعلم العافون كم لك في النّدى ... من لذّة وقريحة لم تحمد «٢»
وقال زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
وقال الأعشى:
يرى البخل مرّا والعطاء كأنّما ... يلذّ به عذبا من الماء باردا
وقال أبو تمّام:
ونغمة معتف يرجوه أحلى ... على أذنيه من نغم السّماع
وقال معاوية يوما لجلسائه: ما بقي من لذاتكم؟ فقالوا: ضروب من القول، فقال ذلك لوردان مولى عمر، فقال: النظر في وجه كريم أصابته من دهره جائحة فاصطنعت إليه، فقال معاوية: أنا أحق بهذه منك، فقال: أحق بها من سبق إليها وأنت أقدر عليها فافعل.
ودخل هشام بن عروة على المنصور، فشكا إليه دينا، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين روي عن النبي ﷺ أنه قال من أعطى عطية وهو طيب النفس بورك للمعطي والمعطى منها، أفنفسك طيبة بها، قال: نعم.
من اشتغاله بالعطاء
قال بعضهم:
فتى لا تراه الدهر إلا ونفسه ... تجود بخير أو تهمّ بخير
وقال آخر:
لا يعدّ المال إلا وهبامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٨١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←من اشتغاله بالعطاء
١٢٤ وقال أحمد بن أبي طاهر:
العرض ليس يصونه مال إذا ... ما المال عند حقوقه لم يبذل
وقال آخر:
لا يقي بالإحسان مالا ولكن ... يجعل المال جنّة الإحسان «١»
المبتاع الحمد بالمال
ذهاب المال في حمد وأجر ... ذهاب لا يقال له ذهاب
وقال مجنون:
وما اشتريت بمال قطّ مكرمة ... إلا تيقنت أنّي غير مغبون
وفرّق علي بن موسى الرضى ماله بخراسان كلّه في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: ما هذا المغرم؟ فقال: بل هو المغنم لا تعدن مغرما ما ابتعت به أجرا وكرما.
من يعطي طوعا ويتأبّى خسفا
خبر الدهقان الذي طالبه بالمال قد تقدم في خبر السلاطين. وقيل: فلان لا يسمح بالغلب ولا يدرّ على الغضب. وقال معن بن أوس:
ونأبى فلا نعطي على الخسف درّة ... ميسا ولكن بالتودّد نختل «٢»
وقال البحتري:
حرون إذا عازرته في ملمّة ... فإن جئته من جانب الذلّ أصحبا «٣»
وقال المتنبي:
وأنتم فئة تسخو نفوسكم ... بما يهون ولا تسخون بالسلب «٤»
إعطاء المستحقّ وغيره والشاكر والكافر
قيل: لأن أخطىء باذلا أحب إليّ من أن أصيب مانعا. وقال ابن عبّاس ﵄: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم يصطنع إليه.
قال بعضهم:
يد المعروف غنم حيث كانت ... تضمّنها كفور أو شكورمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٨٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←إعطاء المستحق وغيره والشاكر والكافر
١٢٥ وقد استجيد قول زهير:
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنّه قد يهلك المال نائله
أي ليس ممن يعطى لسكره ولكن يعطي لسخائه. وقيل: ليس ينفق ماله في شرب الخمر ولكنه في البذل. قال البحتري:
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما استطعن أن يحدثن فيك تكرّما
وقال المتنبيّ:
لا تجد الخمر في مكارمه ... إذا انتشى خلّة تلافاها «١»
عذر سخيّ بخل في بعض الأحوال
قال الحسن بن علي ﵄ لرجل سأله شيئا، فلم يمكنه: لو أمكنني لكان الحظ فيه لنا دونك، فإن حرمنا شكرك فلا تحرمنا سعة عذرك. قصد رجل الحسن بن سهل في حالة عسره فاستماحه، فلم ينل منه مطلبه فعاتبه، فقال الحسن:
الجود طبعي ولكن ليس لي مال ... وكيف يسمح من بالدين يحتال
وشيمتي في العطايا لا تزايلني ... وليس ما أشتهي يأتي به المال
واستبطأ دعبل أبا دلف، فبعث إليه دنانير، وكتب معها:
أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلا ولو أمهلتنا لم تقلل
فخذ القليل وكن كأنّك لم تسل ... ونكون نحن كأنّنا لم نسئل
ومدح البحتري طاهر بن محمد، فبعث إليه دنانير، وكتب معها بأبيات منها:
والشريف الظريف يسمح بالعذ ... ر إذا قصّر الصديق المقلّ
فكتب إليه البحتري:
وإذا ما جزيت شعرا بشعر ... يبلغ الحقّ فالدنانير فضل
دخل بعض الطالبيين على إسحاق الموصلي فأطال الجلوس، فلما خف الناس كلّمه في حاجة، فقال: ما إلى ذلك سبيل. فسكت قليلا ثم عاوده، فقال له كذلك، فقال:
لا ييئسنّك من كريم نبوة ... ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم «٢»
فإذا أبى فاستبقه وتأنّه ... حتى يفيء به الطباع الأكرم
فاهتز لكلامه، وقال: قد عاد الطباع الأكرم وخوّله.
وفي المثل: بيتي يبخل لا أنا. وقال وال لرجل كان يكثر سؤاله: دع الضرع يدرّ لغيرك كما درّ لك.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٨٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٤) ومما جاء في الشفاعات←عذر سخي بخل في بعض الأحوال
١٢٦ فما بلّت أناملنا بشيء ... علمناه سوى ذلّ السّجود
وقال المتنبيّ:
تظنّ ابتساماتي رجاء وغبطة ... وما أنا إلّا ضاحك من رجائيا «١»
من لا ينال خيره ولا يرجى فضله
قال الصاحب بن زرارة في أخيه صاعد: هو والله ليس برطب فيعصر ولا بيابس فيكسر، ما عنده خلّ ولا خمر، سواء هو والعدم.
وكان عبد الملك يقال له رشح الحجر لبخله.
وشاتم أعرابي رجلا فقال: إنكم لتقصرون العطاء وتعيرون النساء وتبيعون الماء، ما عنده فائدة ولا عائدة، ولا رأي جميل ولا إكرام دخيل. وقالت امرأة لزوجها: والله ما يقيم الفأر في دارك إلا حبّ الوطن. وقيل في رجل: بئس منتجع المجدب. قال شاعر:
وبحر السراب يفوت الطّلاب ... فقل في طلابك جئنا به
وقال المتنبيّ:
ولا يدرّ على مرعاكم اللبن «٢»
وقال أبو هفّان:
سواء إذا ما زرتهم في ملمّة ... أزرتهم أم زرت من في المقابر
وقيل لأبي العيناء: كيف وجدت فلانا لما قصدته؟ قال: وجدته لا يعود إليه حرّ.
وقصد رجل سلطانا فلما رجع، قيل له: ما ولّاك؟ فقال: ولّاني قفاه وأولاني منعه وحماني نفعه.
من تأبى نفسه السّماحة
قال شاعر:
يعالج نفسا بين جنبيه كزّة ... إذا همّ بالمعروف قالت له: مهلا «٣»
وقال آخر:
كأنّما يعطيك من بصره
وقال سعيد بن عبد الرحمن:
أبي لك فعل الخير رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرّة ... عصاها وإن همّت بشرّ أطاعهامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٩١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٥) ومما جاء في البخل بالأموال←من تأبى نفسه السماحة
١٢٧ فقال: هذه نسبتنا، فقلت:
جليل فضل كريم ... من أهل بيت كرام
فقال أحسنت، فقلت: أتسمع بيتا أم تنجز الوعد؟ فقال: غدا، فقلت: فاسمع.
لكنّه مستهام بأخذ أير الغلام
فقال: آه آه ويلك يا غلام أعطه وأرحنا منه. قال بعضهم:
العبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع الظهر لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا
وقال آخر:
رأيتك مثل الجوز يمنع خيره ... صحيحا ويعطي نفعه حين يكسر
وقال شاعر:
صاحب لي ليس فيه ... خصلة أشكرها له
سمجا شخصا ومخبو ... را وتفصيلا وجمله
ومريدا من جفاه ... ومهينا من أدلّه
فهو كالدينا ... ر لا يكرم إلّا من أذلّه
بخيل أعطى عطيّة لطمع
قيل لأعرابي: أعطاك فلان، فقال: نعم أعطاني طلب الثواب وصانع المعروف لعاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيده به لا لينفعه. ومن هنا أخذ المتنبي تعريضا بكافور.
ومن قد ظنّ نثر الحبّ جودا ... وينصب تحت ما نثر الشّباكا
المصطنع إلى الأراذل دون الأفاضل
قال ابن الرومي:
تنبّه للأنذال يرفع أمرهم ... وأصبح عن أهل المروءة ساهيا
وقال آخر:
صنائعه لدى الأنذا ... ل تنبي أنّه سفله
وقال آخر:
وابن اللئيمة للئام وهوب
بخيل متشبّه بالأسخياء
كان لبعض الموسرين أخ لا يواسيه، فقيل له: لو واسيت أخاك كان أشبه بك من هذا البخل الذي استشعرته، فقال: والله ما أنا ببخيل. لو ملكت ألف ألف لوهبت له الساعة خمسمائة درهم، ثم التفت إلى القوم، فقال: يا قوم رجل يهب لأخيه في مجلس واحدمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٦٩٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٥) ومما جاء في البخل بالأموال←بخيل متشبه بالأسخياء
١٢٨ دعا المنصور طبيبا للخيزران، وكانت قد اشتكت عينها، فقال: إن هذه في عينها شوكة سنبل فانتزع من عينها، فإذا هو شيء طار من السنبل ولصق بعينها وتراكبت الأكحال التي تعالج بها فزال الألم في الوقت، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فلما دفعها إليه ندم.
فأوصاه فقال: إحفظها فإنها مال له خطر، فقال: نعم، وفارقه فاستردّه، وقال: إياك أن تنفق منها شيئا حتى تتفق ضيعة تشتريها بها، فقال: نعم وفارقه، ثم استرده فأوصاه فقال: إن رأيت يا أمير المؤمنين فاختمها بختمك حتى ألقاك بها يوم القيامة على الصراط بختمك، فضحك وخلاه.
النّهي عن الامتنان
قال النبي ﷺ: إياكم والامتنان بالمعروف، فإن ذلك يبطل الشكر ويمحق الأجر، ثم تلا قول الله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
. وقيل: تمام البذل ترك المنّ، وقال بعضهم: لا تمنّ بالمعروف فالمعروف إذا ذكر كدر، وإذا أنسي أمر. تعداد المنة من ضعف المنة. وقيل: المنة تهدم الصنيعة وتسترد النعمة فنزه منتك عن الامتنان، وسأل رجل آخر حاجة فجعل يؤنبه، فقال: أترى أن تقيم ترك التأنيب مقام قضاء الحاجة.
أنواع منه
قال المتنبي:
وما كلّ بمعذور ببخل ... ولا كلّ على بخل يلام
وقال نصيب الصغير:
متى يجتمع يوما حريص ومانع ... فليس إلى حمد هناك سبيل
وقال آخر:
ولو عليك اتكالي في الطّعام إذا ... لكنت أول مدفون من الجوع
أحقر الناس البخيل لكي يستغنوا عن ماله. وسأل ابن عباس إنسانا حاجة فرده، فقال: أبوك لم يرد حاجة أحد جودا. كان قد أتاه قوم يستعبرون كلبا لينزوه على كلبتهم، فقال: لا ينزو عليها غيري إيجابا لكم. وقيل: أتاك ريان بلبنه إذا أعطى ما يفضل منه.
قال أبو علي المحمودي:
أعزّ عليّ من أبويّ عندي ... ومن نفسي أعزّ عليّ فلسي
فلولا الفلس هنت على صديقي ... ولم تكرم على الأطماع نفسي
وله:
ومتّ على الدّرهم المنقوش موت فتى ... يرى الممات عليه أكرم الكرم
ولولا غناك لكنت الكلب عندهم ... فإن أبيت فجرّب واشق بالنّدممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٧٠٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع في الاستعطاء والعطاء←(٥) ومما جاء في البخل بالأموال←النهي عن الامتنان←أنواع منه
١٢٩ قال العجير السلوي:
وإن ابن عمّي لابن زيد وأنه ... لبلال أيدي حلّة الشول بالدم «١»
وقال ابن المعتز:
والسيف راعى إبلي في المحل ... يسلمها إلى قدور تغلي
يرقل فيها بالوقود الجزل ... لرقالها في السير تحت الرحل «٢»
وقال المتنبي:
تفري صوارمه الساعات عبط دم ... كأنما الساع قفّال ونزّال «٣»
من نحرها له لمّا قلّ لبنها
قال لبيد:
إذا ما درّها لم يقر ضيفا ... ضمن له قراه من الشّحوم
وقال عوف بن الأحوص:
إذا الشّول راحت ثم لم يغد حملها ... بألبانها ذاق السنان عقيرها «٤»
الخائف إبله النّحر
قال أبو هرمة:
وكانت تطير الشول عرفان صوته ... ولم تمس إلا وهي خائفة العقر «٥»
وقال أبو فراس:
وتصبح الكوم أشتاتا مروعة ... لا تأمن الدهر إلا من أعاديها «٦»
من لا يبقي إلله لحسنها عن النّحر
قال بعضهم:
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تجرّد فيها متلف المال كاسبه»
وقال البسامي:
ترى إبل البخيل لها سلاح ... تهاب وما لإبلي من سلاح
تناوح إن رأت شخصا غريبا ... يوافي عند هبّات الرياحمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٧٥٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد العاشر في الأطعمة←(٥) ومما جاء في الجود والأجواد←من لا يبقي إلله لحسنها عن النحر
١٣٠ فأقلّ ما في ترك مثلك شربها ... توفيرها وطهارة الأقداح
وقال ابن باذان:
صرف الكاس عن دناة لئام ... همّهم للشّقاء جمع الكنوز
الحثّ على مسابقة الزّمان بتناول المدام وتعاطي اللّذّات
قال العتابي:
بادر إلى اللذات مهما أمكنت ... بورودهنّ بوادر الآفات
كم من مؤخّر لذّة قد أمكنت ... لغدوّ ليس غد له بموات
حتّى إذا فاتت وفات طلابها ... ذهبت عليها نفسه حسرات
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجيء في الفلتات «١»
وقد أحسن المتنبي في هذا المعنى، حيث يقول:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما عمر «٢»
وقال آخر:
بادر فإنّ الزمان غرّ ... من قبل أن يفطن الزّمان
وقال آخر:
وبادر فإنّا للخطوب فرائس
وقال ديك الجن:
خذ من زمانك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالغير «٣»
وقال أبو الفرج الدمشقي:
وتغنم الغفلات من ... دهر يجود على الكرام
وقال الخبزارزي:
وذر الهموم نسيئة ... وتعجّل اللذات نقدا
وليزيد بن معاوية:
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... يبادر باللذات قبل العوائق «٤»
وقال آخر:
وخذ من الدّنيا ولذّاتها ... فإنّما نحن بها عارية «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٧٧٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي عشر في الشرب والشراب←(١) فما جاء في الشرب←الحث على مسابقة الزمان بتناول المدام وتعاطي اللذات
١٣١ وقال الصاحب: حضرت الوزير المهلبي يوما وقد جاءه خادم عمر المطيع، وفي يده رقعة وفيها: غنّي لنا بيتان وهما:
عرّج على الخمر وحاناتها ... واسقنا في وسط جنّاتها
وعلّل النفس ولو ساعة ... فإنّما الدّنيا بساعاتها
فاجعلهما أربع أبيات، فقال لي: تفضل، فقلت:
والرّوح في الرّاح إذا اتبعك ... بهاكها يا خشف أو هاتها «١»
وقينة تسبي بأصواتها ... نأخذ من أطيب أوقاتها
الحثّ على اعتبار الوقت في المسرّات دون ماضيه ومؤتنفه
قال أبو العتاهية:
ليس فيما مضى ولا في الذي لم ... يأت من لذّة لمستجلبيها
إنّما أنت طول عمرك ما عمر ... ت في السّاعة التي أنت فيها
وقال يزيد المهلبي:
أعجز النّاس مضيع يومه ... وهو لا يعلم ما يأتي غده
وقال ابن الحجاج:
خذ الوقت أخذ اللص واسرقه واختلس ... فوائده بالطّيب أو بالتّطايب
ولا تتعلل بالأماني فإنّها ... مطايا أحاديث النّفوس الكواذب «٢»
الحثّ على مبادرة الشّيب بتناول المسرّات والخمور
قال عبد الله بن السمط:
بادر شبابك أن يغتاله الزّمن ... واقض ما أنت قاض والصّبا حسن
وقال ابن الجهم:
فبادر بأيام الشّباب فإنّها ... تفوت وتقضي والغواية تنجلي
وقال أبو علي:
أعط الشباب نصيبه ... مادمت تعذر بالشّباب
وقال المتنبّي:
أنعم ولذّ فللأمور أواخر ... أبدا إذا كانت لهنّ أوائل
ما دمت من أرب الحسان فإنّما ... روق الشباب عليك ظلّ زائل
للهو آونة تمرّ كأنّها ... قبل يزوّدها حبيب راحلمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٧٧٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي عشر في الشرب والشراب←(١) فما جاء في الشرب←الحث على مبادرة الشيب بتناول المسرات والخمور
١٣٢ بها يكشتش، أي قتله قوله في هذا البيت.
وكان المتنبي ينادم أبا الفوارس بن فهد فانصرف من عنده ليلة، وقد أثخن سكرا، فلما أصبح أتاه الرسول يدعوه، فقال:
وقد متّ أمس بها موتة ... ولا يشتهي الموت من ذاقه
وقال آخر:
كصريع الخمر داوى ما به ... من خمار بعقار فانتشى
من ذمّها بأنّها ت زيل العقل
حضر نصيب عند عبد الملك بن مروان فدعاه إلى الشراب، فقال: إني لم أصل إليك بنفسي ولا بحسن صورتي، وإنما قربت منك بعقلي، فإن رأى الأمير أن لا يحول بيني وبينه فعل. وقيل لأعرابي: لم لا تشرب؟ فقال: لا أشرب من يشرب عقلي. وروي أن ابن أبي شيبة مر بغلام يلعب بالتراب، فقال: لا تفعل يا أحمق، فقال الغلام: الأحمق من يشتري الحمق بماله فيدخله رأسه ويقيء في جيبه ويسلح في ذيله، ويصبح محمرا ويمسي مصفرا.
وقيل للعباس بن مرداس: لو شربت النبيذ لازددت جراءة، فقال: ما كنت لأصبح سيد قومي وأمسى سفيههم، وأدخل جوفي ما يحول بيني وبين عقلي. وقيل لأعرابي لم لا تشرب؟ فقال: لأنه يفني مالي ويغير عقلي.
وعلى هذا الحديث وإن لم يكن من صريح المعنى، قال بشر المريسي: دخلت على بعض أصدقائي، فقلت: مر جاريتك تسقني نبيذا، فقال: أخاف أن تأتمر، ثم قال: إسقيه، فلما شربت، قال: تفكرت في أمرك فرأيت النبيذ يزيل العقل ولم أجد لك عقلا أخاف أن يزيله، قال شاعر:
سآلة للفتى ما ليس في يده ... ذهّابة بعقول القوم والمال
وقال المحكم بن هشام لابنه، وكان مولعا بالشراب: يا بني، دع الشراب فإنما هو قيء في شدقك وسلح على عقبك أو حدّ في ظهرك.
من تركها تفاديا من ذمّ الناس
قال بعضهم: تركت كثيره لله تعالى إجلالا وقليله للناس جمالا. وعوتب بعضهم على تركه، فقال: لو علمت أن الماء ينقص من مروءتي ما ذقته. قال الوليد للحجاج: هل لك في الشراب؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين وليس بحرام ما أحللته، ولكني أمنع أهل عملي منه وأخاف أن أخالف قول العبد الصالح، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، فأعفاه.
وسأل المنصور أبا بكر الهذلي عن النبيذ، فقال: تمادت فيه السفهاء حتى كرهته العلماء.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٧٧٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي عشر في الشرب والشراب←(١) فما جاء في الشرب←من تركها تفاديا من ذم الناس
١٣٣ وقال أبو نواس:
ومعربد أبرزته ... للريح إذ سبّ الندامى
أغلقت بابي دونه ... وتركته يرعى الخزامى «١»
ويضاد ذلك ما حكى أنه أتى العريان بشارب، فقال من أنت؟ قال أنا القائل:
إذا صدمتني الكاس أبدت محاسني ... ولم يخش ندماني على صدمها جهلي
فقال العريان: أنعم الله بك عينا، وقال لصاحبه: إحمله على دابتك وبلغه منزله.
مدح الصّفع واحتجاج الصفعان لذلك
الصفع غلّة ولكنه مذلّة ويذهب بالعلّة الغليظة من العينين، إذا أردت أن يكثر نفع دارك فاصبر على الصفع المتدارك. الصفع في هذا الزمان خير من غلّة بستان. الصفع على الريق أنفع من شرب السويق. وقيل لصفعان: ما المعنى في الصفع؟ قال: هو أول منزلة من التواضع وهو يحسن الخلق ويذهب بالصغار ويخفف من الخمار ويؤمن البدن من الاقشعرار، ومن فضائله أنه يونس المستوحش ويبسط المنقبض ويضحك الحزين وينشط الكسلان ويزيل النعاس ويقوي الراس. صفع رجل آخر فغضب المصفوع، فطأطأ رأسه، وقال له: حقك في يدك خذه ولا تغضب.
معارضة صفعان لمن صفعه
كان صفعان مع قوم فصفعه بعض لم يكن يؤبه به من بينهم، فقال الصفعان: يا كشحان هذا يفعله من كان له قصر وفي داره طاوس وعلى بابه نعامة، لا من في داره ديك وعلى بابه كلب وحجرته بالكراء.
وصفع رجل آخر فالتفت إليه، وقال: صفع بصفع أو صفع بنفع.
المهجّو بأنه صفعان
قال شاعر:
قفاه على أكفّ الشرب وقف ... وجلدة وجهه ميدان ريق «٢»
وصفع أحمد بن إسماعيل الكاتب صاحبا له، فقال:
سائل طلول القفا ومصفعها ... كيف ترى راحتي وموقعها
كم صائن هامة ممنّعة ... ذلّلها صافع وطبّعها
ولابن حجاج في المتنبي:
يا ديمة الصّفا هبّي ... على قفا المتنبيّمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٨٠٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي عشر في الشرب والشراب←(٢) ومما جاء في الندام والندماء والسقاة←المهجو بأنه صفعان
١٣٤ الرّخصة في الشّطرنج
مرّ أمير المؤمنين ﵁ بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ولم يأمرهم أن يرفضوه. وقيل: إنما قال لهم ذلك لأنها كانت على صورة الأفراس والفيلة، وسأل الرشيد معن بن عيسى عنه، فقال: ما فقدناه من مجالس قريش التي كنا نهاب أن نمر بها.
وكان الشعبي يلعب مستدير الحذقة. وسئل عنه الحسن ﵁، فقال: لا بأس به ما لم يكن قمارا فإنه احتيال. وسئل أبو العباس بن شريح عنه، فقال: إذا سلمت أيديهما من الطغيان ولسانهما من العدوان وصلواتهما من النسيان، فهو مباح بين الإخوان غير محرم على الخلان.
كراهيّة الشّطرنج وذمّه
قال أمير المؤمنين ﵁ فيه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فسماها تماثيل. ومر عبد الرحمن بن عوف ﵁ بقوم يلعبون، فقال: قد وضعت الحرب أوزارها ثم خلطه. وروي عن محمد بن الحنفية ﵁ أنه كره اللعب. وكان المأمون يستهزىء بالشطرنج مع جودة لعبه به، ويقول: لا يفوق المرء فيه إلا باستفراغ الذهن كله له ولا يبلغ قدر ذلك وكان الفضل بن يحيى يجيد اللعب به، وكان يذّمه ويقول:
لا يقمر اللاعب به إلا بكد الجوارح ولا يبلغ قدره ذلك. قال المتنبّي:
وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للرخاخ ركاب «١»
وقال شاعر:
لعب الشطرنج شوم ... فاجتنبها يا مشوم
إنّما عدّت لقوم ... شأنهم شأن عظيم
ملك يجبى إليه ... أو وزير أو نديم
هبك فيها ألعب النا ... س فماذا يا حكيم
وكان أهل المدينة إذا خطب إليهم من يلعب الشطرنج لم يزوّجوه، ويزعمون أنه إحدى الضرتين. وقيل: إنما وضع للعجم الذين لا علم لهم فإذا اجتمعوا تلاحظوا تلاحظ البقر، فجعلوا ألعبهم به مشغلة.
وصف الشّطرنج
قال شاعر:
أرض مربّعة حمراء من أدم ... ما بين خلّين موصوفين بالكرممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ١/٨٢٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي عشر في الشرب والشراب←(٧) ومما جاء في آلات القمر←وصف الشطرنج
١٣٥ علانيتك فلا تتخذه صديقا في سريرتك. وقيل: من عاشر الإخوان بالمكر كافأه بالغدر.
قال يزيد الحكمي:
لسانك لي أري وقلبك علقم ... وشرّك مبسوط وخيرك ملتوي «١»
وقال آخر:
زعمت صديقى طاب مرأى ومسمعا ... صدقت ولكنّ المغيب معيب «٢»
وقال آخر:
إذا أنت فتّشت القلوب وجدتها ... قلوب أعاد في جسوم أصادق
تأسّف من تكدّر ودّه بعد الصفاء
أخ كنت آوي منه عند ادّكاره ... إلى ظلّ آباء من العزّ شامخ
سعت نوب الأيام بيني وبينه ... فأقلعن منّا عن عدوّ وصارخ «٣»
وقال أعرابي: يا حسرتي فقد صفرت من فلان عياب «٤» ودّي بعد امتلائها واكفهرت «٥» وجوه كانت بمائها. فأدبر ما كان مقبلا وأقبل ما كان مدبرا.
ذمّ من يتجنّى على صديقه طلبا لصرمه
إن الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا «٦»
وقال آخر:
زماني كلّه غضب وعتب ... وأنت عليّ والأيام إلب «٧»
وقال ابن المقفع: ينبغي للعاقل أن يكذب سوء الظن بصديقه ليكون ذا ودّ صحيح وقلب مستريح. وقال ابن سيرين: إذا بلغك عن صديقك ما تكرهه فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعلّ له عذرا وأنت تلوم.
معاتبة من أساء الظنّ بصديقه
قيل لرجل ما ظنك بأخيك؟ قال: ظني بنفسي. قال المتنبيّ:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توّهممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٢٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني عشر في الإخوانيات←(١) حدود الأخوة←معاتبة من أساء الظن بصديقه
١٣٦ وعادى محبّيه بقول عداته ... فاصبح في داج من الشكّ مظلم
وله:
ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مرّا به الماء الزلالا «١»
قال الموسوي:
من ساء ظنّا بما يهواه فارقه ... وحرّضته على إبعاده التهم
معاتبة من سلا عن صديقه
مالي جفيت وكنت لا أجفى ... ودلائل الهجران لا تخفى
وأراك تشربني فتمزجني ... ولقد عهدّتك شاربي صرفا
من كفّ عنك أذاه فهو صديق صدق. خير ما في اللئيم أن يكفّ ضرره.
قال المتنبيّ «٢»:
إنّا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر النّاس إحسان وإجمال
وقال آخر:
لي صديق لديه نصح وودّ ... غير أنّ الدماغ فيه مرمّه
فإذا ما سعى ليدفع عنه ... في الملمّات صار عون الملمّه
ليته كفّ خيره وأذاه ... ورعى لي بذاك حقّا وحرمه
وقال آخر:
قد جناها أخ عليّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجني «٣»
ذمّ من يعادي أصدقاءه
قال السري الكندي:
رأيتك تبري للصّديق نوافذا ... عدوّك من أوصابها الدّهر آمن «٤»
وقال آخر:
لنا أخ يطلب غير ثاره ... يطوي العدا وينتحي لجاره
والكلب لا ينبح من في دارهمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٢٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني عشر في الإخوانيات←(١) حدود الأخوة←ذم من يعادي أصدقاءه
١٣٧ فقال ابن عباس: لئن شكت في زمانها فقد شكت قوم عاد في زمانهم إذ قد وجدوا في خزائنهم سهما مكتوبا عليه:
بلاد بها كنّا ونحن نحبّها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
قال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فقد صاروا شوكا لا ورق فيه إن نافرتهم نفروك، وإن تركتهم ما تركوك.
وقال عدي بن حاتم لمعاوية: معروفك الذي نعده اليوم منكرا معروف لم يأت. وعن أبي صالح في قول الله تعالى: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
«١» أي بسراة الناس.
قال شاعر:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
قال بعضهم: كأنّ الله تعالى ما عنى بقوله-: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
«٢» في البخل والجهل- إلا أهل زماننا فإنهم ما تفاوتوا في البخل والجهل.
ذمّ النّاس
لما قدم محمد بن عبد الله بن طاهر مدينة السلام كتب إلى أخيه وهو بخراسان يشكو إليه قلّة الأنيس وتأذّيه بمضرة الجليس، فكتب إليه:
طب عن الأمة نفسا ... وارض بالوحدة أنسا
لست بالواجد خلّا ... أو تردّ اليوم أمسا
ما رأينا أحدا سا ... وى على الخبرة فلسا
وقيل: خير الناس من لم تجرّبه. إخبر الناس تقليهم «٣» .
قال المتنبيّ:
وصرت أشكّ فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
وقال الآخر:
ليس في الدنيا وفاء ... لا ولا في النّاس خير
قد بلوت الناس فالنا ... س كسير وعوير
وقال الآخر:
بلوناهم واحدا واحدا ... فكلّهم ذلك الواحدمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني عشر في الإخوانيات←(١) حدود الأخوة←ذم الناس
١٣٨ وقيل لسفيان: دلّنا على رجل نجلس إليه. فقال تلك ضالة لا توجد. وقال بعضهم:
الناس كلاب فإذا وجدت سلوقيّا فاحتفظ به.
وكتب بعضهم: أما بعد فإني أحمد الله إلى الناس وأذم الناس إلى الله. وقال الحكيم:
من لم يستطع مزايلة الناس بجسده فليزايلهم بقلبه.
قال المتنبيّ:
كلما أنبت الزمان قناة ... ركّب الدهر في القناة سنانا «١»
قلّة الاستغناء عن النّاس والأمر بمداراتهم
قال رجل لابن عبّاس: ادع الله أن يغنيني عن الناس. فقال: إن حوائج الناس. تتصل بعضها ببعض كاتصال الأعضاء فمتى يستغني المرء عن بعض جوارحه. ولكن قل: إغنني عن شرار الناس.
وقيل: كان بعضهم يطوف ويقول: من يشتري مني بضائع بعشرة آلاف درهم؟ فدعاه بعض الملوك وبذل له المال، فقال له: اعلم أن الله لم يخلق خلقا شرا من الناس وإن لم يكن لك بدّ من الناس فانظر كيف تحتاج أن تعامل ما لا بد منه، ولا غنى بك عنه. ثم قال: هل يساوي هذا الكلام عشرة آلاف درهم؟ قال: دونك المال ولم يأخذه.
أصناف الناس
قال معاوية للأحنف: صف لي الناس وأوجز. فقال: رؤوس رفعها الحظّ وكواهل عظمهم التدبير، وأعجاز شهّرهم المال، وأذناب أتحفهم الأدب ثم الناس بعدهم بهائم إن جاعوا ساموا وإن شبعوا ناموا.
وقال سلمان: الناس أربعة أصناف: آساد وذئاب وثعالب وضأن. فأما الآساد فالملوك وأما الذئاب فالتجار، وأما الثعالب فالقراء المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينهشه كل من يراه.
وقال أمير المؤمنين: الناس ثلاثة: عالم ومتعلم وما سواهما همج.
قال امرؤ القيس:
عصافير وذباب ودود ... وآخر من مجلجلة الذئاب
وقال علان العتابي: رأيت كلثوما يأكل خبزا في الطريق، فقلت له: أما تستحي؟
تأكل بحضرة الناس، فقال: أرأيت لو كنت في دار فيها بقور أما كنت تأكل بحضرتهم قلت: فهؤلاء بقور؟ ثم قال: إن شئت أريتك دلالة ذلك ثم قام ووعظ وجمع قوما. ثم قال: روي عن غير وجه أنّ من بلغ لسانه أرنبة أنفه أدخله الله الجنّة فلم يبق أحد إلا أخرج لسانه ينظر هل يبلغ.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني عشر في الإخوانيات←(١) حدود الأخوة←أصناف الناس
١٣٩ وقال آخر:
لعمري لقد زعم الزاعمون ... بأن القلوب تجاري القلوبا
فلو كان حقّا كما تعلمون ... لما كان يجفو حبيب حبيبا
المدّعي محبّة صديقه
قال المتنبّي:
أحبّك يا بدر الزمان وشمسه ... وإن لامني فيك السّها والفراقد
وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عنك بارد
وإن قليل الحبّ بالعقل صالح ... وإنّ كثير الحبّ بالجهل فاسد
وقال إبراهيم بن العباس:
وأنت هوى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع
وما بك إن بعدوا وحشة ... ولا معهم إن بعدت اجتماع
وقال آخر:
فيا ليت ما بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
وليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
النهي عن فرط الحبّ والبغض
قال رجل لأرسطاطاليس: عظني، قال: لا يملأن قلبك محبة شيء ولا يستولينّ عليك بغضه، واجعلهما قصدا. فالقلب كاسمه يتقلّب، وفي الأثر: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما وابغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما.
قلة المبالاة ببغض من لا يقصد ضرّك
قال عمر بن الخطاب «١» ﵁ لطليحة الأسدي: قتلت عكاشة فقلبي لا يحبك أبدا. قال: فما عشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون على البغضاء. وقال الوليد لرجل: إني أبغضك. فقال: إنما تجزع النساء من فقد المحبّة، ولكن عدل وانصاف يا أمير المؤمنين.
وقال ابن أبي الحواري لأبي سليمان: إن فلانا لا يقع من قلبي، فقال: ولا من قلبي، ولكنّا لعلنا أتينا من قبل أنه ليس فينا خير فلسنا نحب الصالحين.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل هم بطلاق امرأته: لم تطلقها؟ قال: لا أحبها. قال: أَوَكلّ بيت يبنى على المحبة، أين الرعاية والذمم؟محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني عشر في الإخوانيات←(٢) ومما جاء في محبة المعاشرين وبغضهم←قلة المبالاة ببغض من لا يقصد ضرك
١٤٠ قال شاعر:
ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحبّ تملاق وحبّ هو القتل «١»
وسئل بعض الصوفية عن الحب والهوى فقال: الهوى يحلّ في القلب والمحبة يحلّ فيها القلب. وقيل: العشق اسم لما يفضل من المحبة، كما أن السخاء اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وقال بعض الفلاسفة: الحب والعشق والهوى من جنس، لكن العشق اشتهار وتضرع، والوجد هو الحب الساكن الذي إذا رأى صاحبه شغف به وإذا غاب لهج بذكره، والهوى ما تتبعه النفس «٢» غيا كان أم رشدا حسنا كان أو قبيحا ولذلك ذمّه الله تعالى بقوله:
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
«٣» .
الأسباب المولّدة للعشق
زعم بعض المفلسفين أن الله تعالى خلق الأرواح كلّها كهيئة كرة ثم قطعها أنصافا فجعل في كل جسد نصفا «٤» . فكل جسد لقي الجسد الذي فيه نصفه حصل بينهما عشق وتفاوت حالهما في القوّة والضعف على حسب رقة الطبائع.
وزعم بعضهم أن الصداقة على ثلاثة أنواع: إمّا لاتفاق الأرواح فيكون لاتفاق الشمس والقمر في المولّدين في برج واحد، فلا يجد أحدهما بدّا من حب صاحبه، وإمّا لمنفعة تحصل فتولد ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها وإما لإلفة تجتمع مواد الحرص إليها، ولهذا قال المتنبيّ:
وما العشق إلا غرّة وطماعة ... يعرّض قلب نفسه فتصاب
وقال الصمد المري:
وما العشق إلا النار توقد في الحشا ... وتذكى إن انضمت عليه الحوائج «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٤٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١) ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشاق←الأسباب المولدة للعشق
١٤١ ولكن لعمر الله ماطل مسلما ... كغرّ الثنايا واضحات الملاغم «١»
وإن دما لو تعلمين جنيته ... على الحيّ جاني مثله غير سالم
قال مسلم بن الوليد:
أديرا عليّ الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي «٢»
من أمر أن يقتصّ من محبوبه
قال شاعر:
خليليّ إن حانت وفاتي فاطلبا ... دمي من سليمى واطلبا بجميل
وقال الحسين بن الضحّاك:
غزال ما اجتلاه الطرف إلّا ... تحيّر في ملاحة وجنتيه
خذوا بدمي محاسنه وخصّوا ... مقبّله وبرد ثنيّتيه «٣»
الاشفاق من أن يلحق المحبوب إثم في قتله
وقال أحمد بن يوسف:
وفي الموت لي من لوعة الحبّ راحة ... ولكنّني أخشى ندامتها بعدي
استطابة الأذى في معاناة الهوى
قال المجنون:
يقولون ليلى عذبّتك بحبّها ... ألا حبّذا ذاك الحبيب المعذّب
وقال آخر:
تشكّى المحبوب الصبابة ليتني ... تحملت ما ألقاه من بينهم وحدي
فكانت لنفسي لذة الحبّ كلّها ... فلم يلقها قبلي محبّ ولا بعدي
وقال آخر:
دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبه ... فكلّ أذى ممّن تحب سرور
تراب قطيع الشاملي عين ذئبها ... إذا ما تلا آثارهنّ ذرور
قال المتنبيّ:
سهاد أتانا منك في العين عندنا ... رقاد وقلام رعى سربكم ورد «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١) ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشاق←استطابة الأذى في معاناة الهوى
١٤٢ وقال:
ضنى في الهوى كالسمّ في الشهد كامنا ... لذذت به جهلا وفي لذّتي حتف
وقال:
والعشق كالمعشوق يعذب قربه ... للمبتلي وينال من حوبائه «١»
لو قلت للدنف الحزين فديته ... ممّا به لأغرته بفدائه
التبرّم بالهوى
قال محمّد بن عبد الله بن طاهر:
ليت الهوى لم يكن بيني وبينكم ... وليت معرفتي إيّاك لم تكن
وقال البحتري:
رحلوا فأيّة عبرة لم تسكب ... أسفا وأيّ عزيمة لم تغلب
لو كنت شاهدنا وما صنع الهوى ... بقلوبنا لحسدت من لم يحبب
التلذّذ بالهوى عند المواصلة والتبرّم به لدى المعارضة
قال الخوارزمي:
وهذا الهوى عيش المحبّ إذا صفا ... ولكن إذ لم يصف كان له حتفا
وقال وهب الهمداني:
ولي بين هجران الحبيب ووصله ... مصيران موت تارة ونشور «٢»
التعبّد للمحبوب وتذليل النفس فيه
قد أجمع الأدباء على تفضيل قول أبي الشّيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متّقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّي منك حظّي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممّن يكرم
ويستعذب قول المتنبيّ حتى ما من أديب إلا وهو يرويه ولا مغن إلا وهو يغنّيه:
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم ... وجداننا كلّ شيء بعدكم عدممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١) ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشاق←التعبد للمحبوب وتذليل النفس فيه
١٤٣ أدير طرفي فلا أرى حسنا ... إلا أرى فيك ذلك الحسنا
إجابة الهوى إذا دعا
قال بعض بني أسد:
إذا أمرتك النفس أن تتّبع الهوى ... فقل: سامع للأمر منك سميع
وهذا خلاف قول الآخر:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
ولهذا باب في أول الكتاب، ولثوبة:
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح «١»
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فيقال: لما مات ثوبة ومضى على ذلك زمان وتزوجت ليلى مرّت مع زوجها يوما بقبر ثوبة فقال: ألا تسلمين عليه لننظر هل صدق في قوله ولو أن ليلى (البيتين) . فسلمت عليه فندّت هامة «٢» من ناحية قبره وصرخت، فنفر جملها وسقطت فاندقّ عنقها فماتت فدفنت بجانبه.
جهل المحب بمقابح محبوبه
قال النبي ﷺ: حبّك الشّيء يعمي ويصمّ، أي يعمي عن الرشد ويصمّ عن سماع المواعظ على ذلك قال معاوية: لولا يزيد لأبصرت رشدي. قال شاعر:
يا عتب ما أنا عن فعالك بي ... أعمى ولكنّ الهوى أعمى
وقال آخر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أنّ عين السخط تبدي المساويا «٣»
قال المتنبيّ:
ويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا
قال علي بن عبد الله بن جعفر:
ولائم لام فيه ... يبغى بذلك شيني «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١) ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشاق←جهل المحب بمقابح محبوبه
١٤٤ وقال المتنبيّ:
لولا ظباء عديّ ما شقيت بهم ... ولا بربربهم لولا جآذره «١»
من هانت نفسه عليه لاستخفاف محبوبه بها
قال أبو الشيص:
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم
وقال البيتين آخر:
إن الذين بخير كنت تذكرهم ... قد أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا
لا تطلبن حياة عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفّاكا
المدعي عشقا من غير عيان
وقال بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي، فقلت لهم: ... الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا «٢»
قال ابن الرومي:
هويتك ناشئا قبل التّلاقي ... هوى حدثا تكهّل باكتهالي «٣»
وكلّ مودة قبل اختبار ... فتلك هوى طبائع لا انتحال «٤»
تأذّي المحبوب بحبّه
قيل: المرأة إذا أحبتك آذتك وإذا أبغضتك خانتك. وقال رجل ليوسف الصديق:
إني أحبّك، فقال: لا حاجة لي بمن يحبني فقد أحبني أبي فطرحت لأجله في الجبّ وأحبتني امرأة العزيز فحبست لأجلها في السجن بضع سنين.
من فقدته العين ولم يفقده القلب
قال بعض المحدثين:
والله ما شطّت نوى ظاعن ... إلّا عن العين إلى القلب «٥»
وقال آخر:
بنتم عن العين القريحة فيكم ... وسكنتم منّي الفؤاد الوالهمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١) ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشاق←من فقدته العين ولم يفقده القلب
١٤٥ فلمّا أعادت من بعيد بنظرة ... إليّ التفاتا أسلمته المحاجر
وقال آخر:
سقى الله ركبا ودّعوا يوم ودّعوا ... وعيرهم شوقي وحاديهم وجدي «١»
غداة مضت واستوثقتني عبرة ... أسائل في سعد عن القمر السعدي
إظهار التوجع لوداع الحبيب
قال شاعر:
وداعك مثل وداع الربيع ... وقدّك مثل انفقاد الدّيم «٢»
عليك السلام فكم من وفا ... نفارقه منك أو من كرم
قال أبو تمّام:
النّاس غيرك ما تغيّر خيرتي ... لفراقهم هل أنجدوا أم أغاروا «٣»
صعوبة لقاء الإبل للفراق
لو تعلم العيس ما في يوم بينهم ... أبت على السائق الحادي فلم تسر
كأنّ أيدي مطاياهم إذا وخذت ... يقعن في حرّ وجهي أو على بصري
قال المتنبيّ:
كأنّ العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا «٤»
وقد ذم بعضهم الإبل لما كانت سببا للفراق فقال:
وما غراب البين إلا ناقة أو جمل
ونقضه جران العود فقال:
بأخفافها يدنو الفتى من حبيبه ... وتنقذه إن أذهلته الشّدائد «٥»
ارتحال القلب بارتحال المحبّ
قيل: إن بان أخوك بان شطرك. قطيعة الوصال قطع الأوصال. قال الصنوبري:
ذكروا أنّ الفراق غدا ... وفراق النّفس بعد غد
قال أبو تمّام:
قالوا الرحيل فما شككت بأنّه ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٣) ومما جاء في التوديع والفراق←ارتحال القلب بارتحال المحب
١٤٦ قال التنوخي:
كأنّما كان عمري في اقترانك بي ... عارية فاستردته يد البعد «١»
وكتب بعضهم يوم توديعك ودّعت قلبي فهو يتصرف بتصرفك وينصرف بمنصرفك.
قال ابن الحجاج «٢»:
رحلت وما علمت بأنّ قلبي ... على بعض الزوامل في الرحال «٣»
وقال آخر:
لئن بعدت عنك أجسادنا ... لقد سافرت معك الأنفس
قال السلامي:
ما تنشدون وقلبي في رحالكم ... هو الصواع وبعض العير سرّاق «٤»
قال أبو تمّام:
تكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل
من ارتحل فخلّف قلبه عند حبّه.
قال الخبزارزي:
أنا غائب والقلب عندك حاضر ... سافرت عنك وما الفؤاد مسافر
وقال آخر:
وإن يرتحل جسمي مع الركب مكرها ... يقم عنده قلبي وأمضي بلا قلب
قال المتنبيّ:
فجد لي بقلب إن رحلت فإنّني ... أخلفّ قلبي عند من فضله عندي «٥»
ولو فارقت جسمي إليك حياته ... لقلت أصابت غير مذمومة العهد
شدّة الفرقة
قيل لبعض الصوفية: لم تصفرّ الشمس عند الغروب؟ فقال: خوفا من الفراق وبه ألم. قال الأستاذ الرئيس:
لا تركننّ إلى الودا ... ع وإن سكنت إلى العناقمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٣) ومما جاء في التوديع والفراق←شدة الفرقة
١٤٧ فالشمس عند غروبها ... تصفرّ من خوف الفراق
وقيل: ما أشد صدع الفراق بين الرفاق. وقيل بكف الفرقة نقدح نار الحرقة، كبدي بيد الشوق مخطوفة وعيني بقذى الفراق مطروفة. أنتن من ريح الفراق وأزكى من نسيم التلاق:
وما الدّهر إلا هكذا فاصطبر له ... رزيّة مال أو فراق خليل «١»
الحذر من الفراق
قال أشجع:
ومحاذر للبين قد ... وقع الذي يخشى حذاره «٢»
وقال آخر:
كفى حزنا أنّ زوارنا ... لوقت الرّواح أرادوا الغروبا
فلو كنت بالشمس ذا طاقة ... لطال على النّاس حتّى تغيّبا
وقال:
وأشفق من وشك الفراق وإنّني ... أظنّ كمحمول عليه مراكبه
شدّة سماع الفرقة
وقال أبو نواس:
طرحتم من التّرحال أمرا فغمّنا ... فلو قد فعلتم صبّح الموت بعضنا
كون الفرقة كالمنيّة
قيل: لكل جليلة دقيقة ودقيقة الموت الفراق. قال النميريّ:
أن المنيّة والفراق لواحد ... أو توءمان تراضعا بلبان «٣»
في فرقة الأحباب شغل شاغل ... والثكل حقا فرقة الإخوان «٤»
وقال أبو تمّام:
لو حار مرتاد المنيّة لم يجد ... إلا الفراق على النّفوس دليلا
وقال المتنبيّ:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٣) ومما جاء في التوديع والفراق←كون الفرقة كالمنية
١٤٨ وقال محمد بن أمية:
يا فراقا أتى بعيد تلاق ... واتّفاقا جرى بغير اتّفاق
حين حطّت ركابنا لتلاق ... زمّت العيس منهم لفراق «١»
إنّ نفسي بالشام إذ أنت فيها ... ليس نفسي نفسي التي بالعراق
أشتهي أن يرى فؤادي فيدري ... كيف وجدي بهم وكيف احتراقي
كون من تباعد عن محبوبه في غربة
فلا تحسبي أنّ الغريب الذي نأى ... ولكنّ من تنأين عنه غريب
وقال الخبزارزي:
أني لفي غربة مذ غبت يا سكني ... وإن ظللت أرى في الأهل والوطن «٢»
قال المتنبيّ:
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدّروا ... أن لا تفارقهم فالرّاحلون هم
التلفّت إلى المحبوب بعد الارتحال عنه
قال شاعر:
ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة ... إلا وذكرك يلوي دائما عنقي
وقال المتنبيّ:
أفدي المودّعة التي أتبعتها ... نظرا فرادى بين زفرات ثنا «٣»
قال ابن المعتزّ:
لست أنسى التفاته حين ولّى ... والتفاتي وقد نظرت إليه
وكلانا من التأسّف والوج ... د على إلفه يعضّ يديه
تسلّط أيام البين على وصل الأحباب
قال شاعر:
أرّق العين أن قرّة عيني ... دخلت بينه الليالي وبيني
قال جحظة:
جرت نوب الأيّام بيني وبينه ... فلم يبق إلا ما أعيد من الذّكر
وقال أبو تمّام:
عبث الفراق بعينه وبقلبه ... عبثا يروح الجدّ فيه ويغتديمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٣) ومما جاء في التوديع والفراق←تسلط أيام البين على وصل الأحباب
١٤٩ وصف الدهر والنوى
قال محمد بن وهب:
إذا ما سموت إلى وصله ... تعرّض لي دونه عائق
وحاربني فيه ريب الزمان ... كأنّ الزّمان له عاشق
قال شاعر:
ملام النّوى في بعدها غاية الظلم ... كأنّ بها مثل الذي بي من اللوم
فلو لم تعز لم تزوعنّي لقاءكم ... ولو لم تردّكم لم تكن فيكم خصمي «١»
وقال المتنبيّ:
أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا تردّ
التحيّر لتفرّق الأحباب فرقتين
قال أبو العتاهية:
أيا كبدا عادت عشيّة غرّب ... من الشوق إثر الظاعنين تصدع
عشيّة ما فيمن أقام يغرّب ... مقام ولا فيما مضى متشرّع
تفرّق أهلانا مقيما وظاعنا ... فلله درّي أيّ قومي أتبع
ينازعني شوقي أمامي وحاجتي ... ورائي فما أدري بها كيف أصنع
الرغبة في حفظ المودة عند الغيبة
خرج عبد الملك بن صالح مشيّعا لجعفر بن يحيى فاستعرض حاجاته فقال: قصارى كل مشيّع الرجوع، ولكني أريد من الأمير أن يكون كما قال ابن الدمينة «٢»:
فكوني على الواشين لدّاء شغبة ... كما أنا للواشي ألدّ شغوب «٣»
فقال جعفر: أقول كما قال جميل: معاتبة القلب لاشتياقه إذا نأى وتلوّنه على الحبيب إذا دنا. قال بعضهم:
وخبّرتني يا قلب أنّك ذو هوى ... بليلى فذق ما كنت قبل تقول
ومنّيتني حتّى إذا ما تقطّعت ... قوى من قوى أعولت كلّ عويل؟
وقال الخوارزمي:
ولما سرت عنك رأيت نفسي ... وبين الرجل والقلب اختصاممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٣) ومما جاء في التوديع والفراق←الرغبة في حفظ المودة عند الغيبة
١٥٠ الخيزران فكرّ راجعا وقال: وسوتاه من حسنة فإني والله أصابني كما أصاب من يقول:
بينما نحن بالبلاكث فالقا ... ع شراعا والعيس تهوي هويّا «١»
خطرت خطرة على القلب من ذكراك ... وهنا فما استطعت مضيّا
قلت لبيك إذ دعاني يد الشو ... ق وللحاديين كرّا المطيّا «٢»
الشوق بعد الارتحال
كان لأعرابي مملوك فاشتراه عراقيّ فلما ارتحل به بكى وأنشد:
أشوقا ولمّا تمض لي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطيّ بنا عشرا
أخوكم ومولاكم وصاحب سركم ... ومن قد نشا فيكم وعاشركم دهرا
فقال له المشتري الحق بأهلك.
وقال المتنبيّ:
أرى أسفا وما سرنا قليلا ... فكيف إذا غدا السير ابتراكا «٣»
فهذا الشوق قبل البين سيف ... وها أنا ما ضربت وقد أحاكا «٤»
قال أشجع:
فها أنت تبكي وهم جيرة ... فكيف تكون إذا ودّعوا
قال أبو فراس:
حملت هواك لا جلدا ولكن ... صبرت على اختيارك واضطراري
المفارقة كرها
قال الماني:
لا تنكرنّ رحيلي عنك في عجل ... فإنّني لرحيل غير مختار
وربّما فارق الإنسان مهجته ... يوم الوغا غير قال خيفة العار
كراهة فراق من صحبته كرها
قال شاعر:
أقمنا كارهين لها فلمّا ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما شعف البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا «٥»
خرجت أقرّ ما قد كنت عينا ... وخلّفت الفؤاد بها رهينامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٣) ومما جاء في التوديع والفراق←كراهة فراق من صحبته كرها
١٥١ وقال:
وكم من زائر بالكره منّي ... كرهت فراقه بعد المزار
من عمّ الغم بفراقه
قال نفيلة الأشجعي:
فلمّا أن دنا منّا ارتحال ... وقرّب ناجيات السير كوم «١»
تحاسر واضحات اللون غرّ ... على ديباج أوجهها النّعيم
فقائلة ومثنية علينا ... تدور ومالنا فيها حميم
وقال المتنبيّ:
رحلت فكم باك بأجفان شادن ... عليّ وكم ران بأجفان ضيغم
وما ربّة القرط المليح مكانه ... بأجزع من ربّ الحسام المصمّم «٢»
من لم يبال بالفراق لكثرة ما دهاه
قال المتنبيّ:
وفارقت حتّى ما أبالي من النّوى ... وإن بان جيران عليّ كرام
فقد جعلت نفسي على النّأي تنطوي ... وعيني على فقد الصديق تنام
وقال:
روّعت بالبين حتّى ما أراع له ... وبالمصائب في أهلي وجيراني
وقال:
وما أنا بالمستنكر البين إنّني ... بذي لطف الجيران قدما مفجّع
الشاكي كثرة ما يعرض له من فرقة الأحباب
قال الشاعر:
كأنّا خلقنا للنّوى فكأنّنا ... حرام على الأيّام أن نجتمعا
وقال علي بن عبد العزيز:
كأنّ البين محتوم علينا ... فليس سوى التّلاقي والوداعمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٣) ومما جاء في التوديع والفراق←الشاكي كثرة ما يعرض له من فرقة الأحباب
١٥٢ وقال الأحوص:
يا بيت عاتكة التي أتغزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
وقال:
أمرّ مجانبا عن بيت ليلى ... ولم ألمم به وبه القليل
وقال آخر:
أزور بيوتا لا صقات ببيتها ... ونفسي في الدّار التي لا أزورها
الهجران لرضا الحبيب
وقال مسلم:
إن كان هجراننا يطيب لكم ... فليس للوصل عندنا ثمن
قال المتنبّي:
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم «١»
وقال آخر:
سررت بهجرك لمّا علمت ... بأنّ لقلبك فيه سرورا
وأني أرى كلّ ما ساءني ... إذا كان يرضيك سهلا يسيرا
استطابة قليل الهجر بين المتحابين
قال الخثعمي:
ولم أر مثل الصدّ أحسن منظرا ... إذا كان ممّن لا يخاف على الوصل
وقال المتنبّي:
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي «٢»
وقال:
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
هجران الحبيب صيانة للنفس
قال أحمد بن يوسف:
تركتك والهجران لا عن ملالة ... ورددت يأسا من إخائك في صدري
وألزمت نفسي من فراقك خطّة ... حملت لها نفسي على مركب وعر «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٨٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٤) ومما جاء في الهجران←هجران الحبيب صيانة للنفس
١٥٣ وإنّي وإن رقّت عليك ضمائري ... فما قدر حبّي أن أذلّ لها قدري
قال الخبزارزي:
إذا لم يكن في الوصل روح وراحة ... هجرت وكان الهجر أشفى وأسلما
وقال آخر:
ومن لم يطق صبرا على النأي يستعن ... بهجر وبعض الشر يدفع بالشّر
كما لا يرى أوفى من الوصل في الهوى ... كذا لا يرى في القدر أسلى من الهجر
المعتقد رضا حبيبه في الباطن وإن سخط في الظّاهر
قال مسلم بن الوليد:
وراضي القلب غضبان اللسان ... له خلقان ما يتشابهان
يسرّ مودّتي ويطيل هجري ... ويمزج لي المودّة بالهوان «١»
وقال:
ودّه ودّ صحيح ... وهو عنّي ذو انقباض
فعلى الظاهر غضبا ... ن وفي الباطن راضي
تضجر من يواصله بغيض ويصارمه حبيب
أعاشر في ذي الدّار من لا أودّه ... وفي الرّمل مهجور إلى حبيب
قال الحطيئة «٢»:
يبغض منّا من نحبّ لقاءه ... ويجمع منّا بين أهل الضغائن «٣»
قال المتنبّي:
أفجع بالعلق الضّنين وإنّني ... بمن لا أبالي هلكه لممتّع
وله:
ما تغلط الأيام فيّ بأن أرى ... بغيضا تناءى أو حبيبا يقرب
وقال:
تباعد ممّن واصلت فكأنّها ... لآخر ممّن لا تودّ صديقمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٨١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٤) ومما جاء في الهجران←تضجر من يواصله بغيض ويصارمه حبيب
١٥٤ وقال الدمشقي:
علّمت إنسان عيني أن يعوم فقد ... حارت سباحته في ماء دمعته
تشبيه الدمع بماء يتصبّب
قال شاعر:
فعيناك غربا جدول في مفاضه ... كمرّ خليج في صفيح منصب
وقال علقمة:
للماء والنّار في قلبي وفي كبدي ... من قسمة الشّوق ساعور وناعور «١»
وصف الدمع بأنه يستغنى به عن الماء لكثرته
لا أبتغي سقيا السحاب لها ... في مقلتي خلف عن السقيا
وقال ابن المعتمر:
مررت على الفرات وليس تجري ... سفائنه لنقصان الفرات
فلمّا أن ذكرتك فاض دمعي ... فأجراهنّ جري العاصفات
قال ابن طباطبا:
فما مدّ واديكم ولان أديمه ... ولكنّني أمددته بدموعي
الدموع المؤثرة في الخدود
قال إبراهيم بن المهدي:
فلو أن خدّا كان من فيض عبرة ... يرى معشبا لاخضرّ خدي وأعشبا
قال ابن حاجب:
وقد راح خدّي من دماء مدامعي ... كأنّ عليه هدب ثوب معصفر «٢»
دموع مؤثرة في العين
قال بعضهم:
استبق دمعك لا يودي البكاء به ... واكفف مدامع من عينيك تستبق
ليس الشؤون على هذا بباقية ... ولا الجفون على هذا ولا الحدق
قال المتنبّي:
كأن جفوني على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٨٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٥) ومما جاء في البكاء والدموع←دموع مؤثرة في العين
١٥٥ دمعه ممزوج بالدم
قال شاعر:
مزجت دموع العين منّي يوم بانوا بالدّماء ... وكأنّما مزجت بخدّي مقلتي خمرا بماء
استحسان الدمع على خدّ المحبوب
قال المتنبّي:
جرت عبرات في الخدود بأثمد ... فعاد به الورد الجنيّ شقائقا «١»
وقال آخر:
فكأنّها والدّمع يقطر فوقها ... ذهب بسمطي لؤلوء قد رصّعا «٢»
استجلاب البكاء بذكر المحبوب
قال العبّاس بن الأحنف «٣»:
وإذا عصاني الدّمع في ... إحدى ملمّات الخطوب
أجريته بتذكّري ... ما كان من هجر الحبيب
قال أبو حيّة النمري:
آمل أن أراه لعلّ جفني ... يعاوده برؤيته كراه
ويمنع ناظري نظري إليه ... فعال موارب لي من هواه
الاستعانة في البكاء بالغير
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا معيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار
ومثله:
فهل من معير طرف عين جليّة ... فإنسان عين العامريّ كليم «٤»
أخذه من ملح الهذلي:
ولتلتمس عينا سوى العين إذ ... ذهبت بجاري دمعك المترقرق
وقال آخر:
ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح
أباها على النّاس لا يشيرونها ... ومن يشتري ذا علّة بصحيحمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٨٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٥) ومما جاء في البكاء والدموع←الاستعانة في البكاء بالغير
١٥٦ قال المتنبّي:
وكلّما فاض دمعي غاض مصطبري ... كأن ما فاض من جفنيّ من جلدي
وله:
وإذا حصلت من السّلاح على البكا ... فحشاك رعت به وخدّك تقرع
قال محمد بن أبي زرعة:
فبدت تشبّ بدمعها نار الهوى ... من ذا رأى نارا تشّب بماء
نفع البكاء وحمده
قدم رجل من الخوارج إلى عبد الملك ليقتله فدخل على عبد الملك ابن له صغير وهو يبكي لضرب معلمه، فقال الخارجي: دعوه يبكي فهو أفتح لحزمه وأنفع لبصره فقال له عبد الملك: ما شغلك ما أنت فيه عن هذا؟ فقال ينبغي للمسلم أن يشغله عن الخير شيء فعفا عنه.
قيل لصفوان كثرة الكباء تورث العمى فقال: ذاك لهما سهادة. قال ابن نباتة:
تستعذب العين دمعي في مودّتها ... كأنّما تمتريه العين من فيها «١»
كثرة البكاء واحمرار الدّمع بالدم
سمع أبو السائف قول جرير:
أن الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا «٢»
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال: أتدرون ما التبغيض؟ قالوا: لا، فأشار بأصبعه إلى جفنه كأنه يأخذ الدمع لينضحه.
الاستدلال بالدمع على فرط الهوى
قال محمد بن وهب:
يدلّ على أنني عاشق ... من الدمع مستشهد ناطق
قال ديك الجن:
زعمتم بأني قد سلوت وصالكم ... فلم ذرفت عيني ولم شاب مفرقي؟
وقال:
سمة الصّبابة زفرة أو عبرة ... متكّفل بهما حشا وشؤون «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٩١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٥) ومما جاء في البكاء والدموع←الاستدلال بالدمع على فرط الهوى
١٥٧ قال أبو تمّام:
أليس دمعي وفرط شوقي ... وطول سقمي شهود حبّي
وفي كتاب التمليّ في أخبار العشاق قال رجل لامرأة: أنا والله أحبك، فقالت: ما حجتك؟ قال تدفعين لي قفير «١» دقيق فأعجنه بدمع عيني. قالت: فالخبز لمن؟ قال: في حرام عشق لا يساوي أرغفة، فضحكت منه وواصلته.
ما قيل فيمن يتباكى
قال المتنبّي:
إذا اشتبهت دموع في خدود ... تبيّن من بكى ممّن تباكى «٢»
قال ديك الجن:
وقائلة وقد بصرت بدمع ... على الخدّين منحدر سكوب
أتكذب في البكاء وأنت خلو ... قديما ما جسرت على الذنوب «٣»
قميصك والدموع تجول فيه ... وقلبك ليس بالقلب الكئيب
شبيه قميص يوسف حين جاؤوا ... على لباته بدم كذوب
(٦) وممّا جاء في الشوق والحنين والنحول
احتراق القلب وحصول نار فيه
قال أبو الطمحان:
هل الوجد إلا أن قلبي لو دنّا ... من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
قال العباس:
يا قابس النار قد أعيت قوادحه ... إقبس إذا شئت من قلبي بمقباس «٤»
قال الخبزارزي:
بقلبي جمر من هواه فإن أكن ... شكوت فهذا الوجد من ذلك الجمر
وقال:
وحقّ الهوى إنّي أحسّ من الهوى ... على كبدي جمرا وفي أعظمي رضّامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٩٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٦) ومما جاء في الشوق والحنين والنحول←احتراق القلب وحصول نار فيه
١٥٨ قال المتنبّي:
جرّبت من حرّ الهوى ما تنطفي ... نار الغضا وتكلّ عمّا تحرق «١»
شدّة النفس
قال خالد الكاتب:
نفس تدّعي مسالكه ... وأنين لست أملكه
قال ذو الرمّة:
تعتادني زفرات حين أذكرها ... تكاد تنقدّ منهنّ الحيازيم «٢»
قال المتوكل:
إذا زفرات الحب صعدن في الحشا ... وردن ولم يوجد لهنّ طريق
الاستدلال بالنفس على الحال
وقال مسلم:
وإذا بعثت إلى الهوى بعث الهوى ... نفسا يكون على الضمير دليلا
قال يعقوب: قد كتمت الهوى فنمّ علي التنفس.
خفقان القلب
قال بعضهم: رأيت في بني عذرة شيخا يتهادى فقلت: هل بقي من بحبّك بقية؟
فقال:
كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدّة الخفقان
وأنشد لثوبة وقيل للمجنون:
كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
قال بشّار:
كأن فؤاده كرة تترى ... حذار البين لو نفع الحذار «٣»
وقال آخر:
كأنّ فؤادي في يد عبثت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه «٤»
قال ديك الجن:
كأن قلبي إذا تذكّرها ... فريسة بين ساعدي أسدمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٩٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٦) ومما جاء في الشوق والحنين والنحول←خفقان القلب
١٥٩ شجو العاشق
يقال للعاشق هو أسخن عينا ممن بات بين قبرين، واسوأ حالة ممن طوى يومين وليلتين، ذكر أعرابي عاشقا فقال:
يثني طرف عين قد قرّحت مآقيها ... ويحنو على كبد قد أعيت مداويها «١»
شكوى أحد المتحابين مقاساة شدّة من صاحبه
كان بعض القسس يمر فسمع كلاما خفيا من زقاق فإذا جارية تشكو إلى صديق لها ما لقيت فيه فقالت: أوعدوني وضربوني ومزّقوا ثيابي وفعلوا وصنعوا وهو ساكت لا يتكلم فقال القسيس خذوه فأخذ وخلى عن المرأة ثم قال للرجل: إنّها تقص عليك ما لاقت فيك فلم كنت ساكتا؟ فقال: أصلحك الله لم ألق فيها شكوى ولم أكذب فأمر به فضرب خمسين درة وقال: ارجع فاشك إليها ما لاقيته فيها. قال المجنون:
أعدّ الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهرا لا أعدّ الليالي
الخجل ممّن حصل منه اليأس
قال بعضهم:
وأني لا يغول النأي ودّي ... ولو كنا بمنقطع التراب
قال المتنبّي:
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب «٢»
إظهار التشوق في القرب والبعد
كتب عبد الله بن عباس إلى أحمد بن يوسف: جعلت فداك لا أدري كيف أصنع أغيب فاشتاق ثم نلتقي فلا أشتفي يجدد لي اللقاء الذي يدفع به الشقاء حرقة مثل لوعة الفرقة. سأل المهدي عن أنسب بيت فقيل له:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بي ... بسهميك في أعشار قلب مقتّل «٣»
فقال هذا أعرابي قح، فقيل:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثل لي ليلى بكلّ سبيل
فقال: ما هذا بشيء ولم يريد أن ينسى ذكرها؟ فقيل قول الأحوص:
إذا قلت أني مشتف بلقائها ... فحم التّلاقي بيننا زادني وجدامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٩٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٦) ومما جاء في الشوق والحنين والنحول←إظهار التشوق في القرب والبعد
١٦٠ فقال: أحسنت. قال المتنبّي:
وبين الرّضا والسخط والقرب والنّوى ... مجال لدمع العاشق المترقرق
وهذا اختصار قول الآخر:
وما في الدّهر أشقى من محبّ ... ولو وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كلّ حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التّنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي
وقال بعض الكتاب: تفكّري في مرارة البين يمنعني التمتع بحلاوة الوصل، وتكره عيني أن تقرّ بقربك مخافة أن تسخن ببعدك، فلي عند الاجتماع كبد ترجف، وعند التلاقي مقلة تكفّ.
إظهار الشوق في حال الوصل
قال شاعر:
قالوا ظفرت بمن تهوى فقلت لهم ... الآن أشرف ما كانت صباباتي «١»
لا عذر للصبّ أن تهدى جوارحه ... فقد تطعم فوه بالمواتاة
متطبّب داؤه الهوى
أنشد لعروة بن حزام:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمة ... وعرّاف نجد إن هما شفياني «٢»
فما تركا لي رقية يعرفانها ... ولا سقية إلا وقد سقياني
فقالا شفاك الله والله مالنا ... بما ضمنت منك الضّلوع يدان
قال ديك الجن:
جسّ الطبيب يدي جهلا فقلت له: ... إنّ المحبّة في قلبي فخلّ يدي
وقال آخر:
وقالوا به من أعين الجنّ نظرة ... ولو صدقوا قالوا به نظرة الأنس
وقال آخر:
قال الطبيب لأهلي حين أبصرني ... هذا فتاكم وحقّ الله مسحور
فقلت ويحك قد قاربت في صفتي ... وجه الصواب فهلّا قلت مهجور.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٩٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٦) ومما جاء في الشوق والحنين والنحول←متطبب داؤه الهوى
١٦١ الناحل الجسم في الهوى
قال بعضهم:
سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجرّدة تضحي إليك وتحضر
وأخليتها من مخّها فكأنّها ... قوارير في أجوافها الريح تصفر «١»
قال المتنبّي:
فبلحظها نكرت قناتي راحتي ... ضعفا وأنكر خاتماي الخنصرا «٢»
وقال آخر:
خذي بيدي ثم انهضي بي تبيّني ... بي الضرّ إلّا أنّني أتستّر
من تناهى في الهزال حتى صار كخلال أو هلال
قال المتنبّي:
بجسمي من برته فلو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا «٣»
ولولا أنني في غير نوم ... لكنت أظنني منّي خيالا
وقال:
دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أطالهما ودق الكاتب
ونحوه لابن المعتز:
كأنّما جسمي إلى جسمها ... غصنان ذا غضّ وذا ذابل
قال آخر:
فلو أنّ ما أبقيت منّي معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها
قال الخبزارزي:
وذبت حتّى صرت لو زجّ بي ... في مقلة النّائم لم يتنبّه
قد كان لي قبل الهوى خاتم ... والآن لو شئت تمنطقت به
من تسقطه الريح لنحافته
قال ماني:
ها أنا ذا يسقطني للبلى ... عن فرشي أنفاس عوّادي «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٩٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٦) ومما جاء في الشوق والحنين والنحول←من تسقطه الريح لنحافته
١٦٢ قال المجنون:
ألا إنّما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
قال ديك الجن:
ألست تري الضنّى لم يبق منّي ... سوى شبح يطير بكلّ ريح
من لم يبق إلا حركاته وكلامه قال العباس:
لولا الكلام لمّا اهتدت ... عين الجليس إلى مكاني
وقال آخر:
أنظر إلى جسم أضرّ به الهوى ... لولا تقلّب طرفه دفنوه
من لا يستبان لنحافته
قال بعضهم:
شبح قلّ فما يشغل قطراه مكانا
قال أبو نواس:
تركت جسمي قليلا ... من القليل أقلا
يكاد لا يتجزا ... أقلّ في اللفظ من لا «١»
قال أبو الفضل بن العميد:
لو أنّ ما أبقيت من جسدي قذى ... في العين لم يمنع من الإغفاء «٢»
قال ديك الجن:
ولو أن أحداث الزّمان أردنني ... بخير وشرّ ما عرفن مكاني
الشّاكي ذهاب علّته لذهاب جسمه
قال المتنبّي:
وشكيّتي فقد السّقام لأنّه ... قد كان لمّا كان لي أعضاء
وله:
وخيال جسم لم يخل له الهوى ... لحما فينحله السّقام ولا دما
استطابة المرض والسهر لكونهما من الحبيب
قال ديك الجن:
لا أوحشنّك ما استحملت من سقمي ... فإنّ منزله بي أحسن النّاس
قال الأخيطل:
إنّ من أسهرت ليلته ... لقرير العين بالسّهرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٠٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٦) ومما جاء في الشوق والحنين والنحول←استطابة المرض والسهر لكونهما من الحبيب
١٦٣ قال الرستمي:
وأنّي لأهوى الشيب من أجل أنّه ... وإن نفرت عيني له من فعاله
(٧) وممّا جاء في السهر وطول الأزمنة
وجوب السهر لمن كان عاشقا
يستحسن في هذا المعنى قول أبي سعيد بن فوقة:
نسيت الهجود لذكراكم ... وما للمشوق وذكر الهجود «١»
ومن الكبائر عائق يغفي
قال منصور النميري:
الحزن منفاة لضيف الرقاد
المتقلّب على فراشه
قال أشجع:
إذا اللّيل ألبسني ثوبه ... تقلّبت فيه فتى موجع
قال ديك الجن:
ألست ترى الضّنا لم يبق منّي ... سوى شبح يطير بكلّ ريح
قال أبو العتاهية:
أبيت كأنّي في الفراش على مقلي «٢»
من لا ينطبق جفنه من السهر
قال المتنبّي:
بعيدة ما بين الجفون كأنّما ... عقدتم أعالي كلّ هدب بحاجب
أخذ ذلك من بشّار حيث يقول:
جفت عيني عن التغميض حتّى ... كأن جفونها عنها قصار «٣»
كأنّ جفونها حزمت بشوك ... فليس لنومة فيها قرارمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٠١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٧) ومما جاء في السهر وطول الأزمنة←من لا ينطبق جفنه من السهر
١٦٤ قال ابن دريد:
لقد ألفت دهم النّجوم رعايتي ... فإن غبت عنها فهي عني تسائل
يقابل بالتسليم منهنّ طالع ... ويومئ بالتوديع منهنّ آفل
المستشهد بالنجوم لسرّه
قال الناشئ:
سل الليل عنّي كيف أرعى نجومه ... فإنّ الليالي يطّلعن على سرّي
وقال:
سل الليل عنّي ما لقيت وما لقي ... يخبركم أني بحبّكم أشقى
تحيّر النجوم وامتناعها من الغيب
قال النابغة «١»:
وليل أقاسيه بطيء الكواكب
قال امرؤ القيس «٢»:
فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل «٣»
قال المتنبّي:
ما بال هذي النجوم حائرة ... كأنها العمى ما لها قائد
وقال:
أكابد هذا الليل حتّى كأنّه ... على نجمه أن لا يغور يمين
وقال قدامة أنشدني عبد الله بن المعتز:
عسى شمسه مسخت كوكبا ... فقد طلعت في عداد النجوم
فقلت: غيرت في وجه امرئ القيس إذ يقول وليل البيت فقال: لا ولا في وجه ابن طباطبا إذ يقول:
كأنّ نجوم اللّيل سارت نهارها ... وعادت عشاء وهي أنضاء أسفار «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٠٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٧) ومما جاء في السهر وطول الأزمنة←تحير النجوم وامتناعها من الغيب
١٦٥ لو يبيت الناس كلّهم ... بسهادي بيّضوا الحدقا
أنا لم أرزق مودّتكم ... إنما للعبد ما رزقا
وقال:
كلّ من نام لعمري ... يحسب النّاس نياما
وقال:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
من ذكر أن الهموم طولت ليله
قال بشّار:
كأنّ الدجى طال وما طال الدّجى ... ولكن أطال اللّيل همّ مبرّح
وقال:
أقول في الليل وفي طوله ... قول امرئ باللّيل طبّ بصير
يطوّل الليل مراعاته ... فكلّ أمر لا يراعى قصير
قال ابن بسّام:
لا أظلم الليل ولا أدّعي ... أن نجوم اللّيل ليست تغور
ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير
قال المتنبّي:
لياليّ بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل
يبين لي البدر الذي لا أريده ... ويخفين بدرا ما إليه سبيل
استقصار وقت الفرح واستطالة ضدّه
قال العبّاس:
ألا إن أيام البلاء على الفتى ... طوال وأيّام السّرور قصار
قال بشار:
وللدّهر أيام قصار إذا سرت ... بخير ويوم الحزن منه طويل
استطالة النهار
قال شاعر:
يا طول يومي بالكثيب فلم تكد ... شمس الظهيرة تتّقى بحجاب
قال أبو تمام:
بيوم كطول الدّهر في عرض مثله ... ووجدي من هذا وذيّاك أطولمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٠٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٧) ومما جاء في السهر وطول الأزمنة←استطالة النهار
١٦٦ وكيف أطيع العاذلات وحبّها ... يؤرّقني والعاذلات هجوع «١»
فالتفت إلى أبي يريد المساعدة فقلت:
وإني ليلحاني على طول حبّها ... رجال ترى منهم قلوب صحائح
فقال أبي: قم فأنت مثله أو شرّ منه، قال أحمد بن أبي فنن:
أعاذل إنّ لومك لي عناء ... فحسبك قد سمعت وقد عصيت
قال المتنبّي:
إلام طماعية العاذل ... ولا رأى في الحبّ للعاقل
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطّباع على النّاقل
وهبت سلوى لمن لامني ... وبتّ في الشوق في شاغل
أنشد عبد الله بن طاهر قول من يقول:
أطعت الآمريك بصرم حبلي ... مريهم في أحبّتهم بذاك
فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي لمن عصاك
فقال طعنة في كبده هلا قال كما قلت:
قولي لناهيك عن ودّي وعن صلتي ... يهجر أحبّته والترب في فيه
فإن عصاك فردّيه بمعصية ... وإن أطاعك فاعصيه وأقصيه
وقال:
وربّ لوم أتاني من أخي سفه ... على ارتماضي فلم أرفع له أذني «٢»
من ذكر سرور عاذله بصرم محبوبه
قال محمد بن أبي عيينة:
لقد شمت الواشون أن حيل بيننا ... وسرّوا ألا للشامتين بنا العقبي
وقال التمّار:
صدّ من أهواه عنّي ... فاشتفى العاذل منّي
استطابة الملامة
قال أبو نواس:
إذا غاديتني بصبوح عذل ... فشوببه بتسمية الحبيب
فإني لا أعدّ اللوم فيه ... عليّ إذا فعلت، من الذنوبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١١١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٨) ومما جاء في الوشاية والعذل←استطابة الملامة
١٦٧ إسقاط الجوى بإظهار الشكوى
قال أبو العتاهية:
إن المحبّ إذا ترادف همّه ... يلقى المحبّ فيستريح إليه
وقال:
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرّعته من مرّ ما أتجرّع «١»
الاستراحة بإظهار الهوى
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفس تطلع
وقال بعضهم: ما رأيت أظرف وأغزل وأهجن من صاحبة يوسف ﵇ حيث قالت: أنا راودته عن نفسه، ثم قالت ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، قال محمد بن أبي عيينة:
تجنّب مؤنات التدمّث والعقل ... بعينك فانظر ما تلذّ وتستحلي «٢»
قال المتنبّي:
وألذّ شكوى عاشق ما أعلنا
قال الصاحب:
صرّحت في حبّي عن مشكله ... ولم أحتيج فيه إلى عذله
وبحت للعالم باسم الهوى ... فليقعد المغتاب في منزله
إظهار الهوى وامتناعه من أن يخفى
قال شاعر:
من كان يزعم أن سيكتم حبّه ... حتّى يشكك فيه فهو كذوب
وإذا بدا سرّ اللبيب فإنّه ... لم يبد إلا والفتى مغلوب
الحبّ أغلب للفؤاد بقهره ... من أن يرى للسرّ فيه نصيب
قال محمد بن طاهر:
يا كاتمي خيفة الواشي محبته ... إنّي وحقّك أقراه من النظر «٣»
قال سلم الخاسر:
ولي عند رؤيته روعة ... تحقّق ما ظنّه المتهم
قال إسحاق الموصلي:
إنّ المحبّ يرى التوقّر سترة ... فإذا تحيّر في الهوى لم يبصرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١١٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٩) ومما جاء في إبداء الهوى وإخفائه←إظهار الهوى وامتناعه من أن يخفى
١٦٨ ظهور الهوى بالدمع
قال أبو عيسى بن الرشيد:
لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسرّي مذيع
ولولا الدموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع
قال أبو حكيمة:
كأن مجال الطرف من كلّ ناظر ... على حركات العاشقين رقيب
ظهوره بتحوّل الجسم
قال المتنبّي:
أمر الفؤاد لسانه وجفونه ... فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا
وقال الصنوبري:
اكفّ لسان الدمع أن أشكو الهوى ... كأنّ لسان السّقم لا يحسن الشكوى
مبانة العاشق معشوقة في هواه
قال شاعر:
فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم
قال العباس:
لا تحسبيني ماذقا في الهوى ... إنّي على حبّيك مطبوع «١»
قال البحتري:
أعيدي فيّ نظرة مستتيب ... توخّى الهجر أو كره الأثاما «٢»
تري كبدا محرّقة وعينا ... مؤرّقة وقلبا مستهاما «٣»
وقال رجل لامرأة رآها مرهاء «٤»: هلا اكتحلت؟ فقالت: خشيت أن أشغل جزأ من أجزاء عيني عن النظر إليك.
الحثّ على إظهار الجوى للمحبوب
قيل: لا شيء أصيد لامرأة ولا أذهب لعفتها من أن يحيط علمها بأن رجلا يحبّها فإذا رأت أنه أدمع عينه ولو كان أنسك ما يكون لذهب عقلها، وقال بشّار:
عرضن للذي تحبّ بحبّ ... ثم دعه يروضه إبليس
وقيل المرأة تكتم الحب أربعين سنة ولا تكتم البغض والكراهة يوما واحدا.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١١٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(٩) ومما جاء في إبداء الهوى وإخفائه←الحث على إظهار الجوى للمحبوب
١٦٩ قال المتنبّي:
ما لنا كلّنا جوى يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول
كلما عاد من بعثت إليها ... غار منّي وخان فيما يقول
التعرّض لرسول محبوبه
بعثت عنان جارية الناطفي وصيفة لها إلى أبي نواس تدعوه فاحتال فقضى منها وطرا «١» وكتب إليها:
نكنا رسول عنان ... والرأي ما قد فعلنا
فكان خبزا بملح ... قبل الشّواء أكلنا
وبعثت أخرى جاريتها فعادت وبوجهها أثر ريبة فسألتها فزعمت أنه خمشها فعاتبته فقال:
زعم الرسول بأنّني خمشته ... كذب الرسول وفالق الإصباح
شغلي بحبّك عن سواك وليس لي ... قلبان مشتغل وآخر صاح
قال النوفلي:
وقد زعمت يمن بأنّي أردتها ... على نفسها تبّا لذلك من فعل «٢»
سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسف ... فإنّ قميصي لم يكن قدّ من قبل «٣»
الراغب إلى حبيبه أن يكاتبه
قال شاعر:
يا زين من ولدت حوّاء من رجل ... لولاك لم تحسن الدنيا ولم تطب
أما اللقاء فشيء لست آمله ... فما يضرّك لو ناجيت بالكتب
وقال:
فإن لم تكونوا مثلنا في اشتياقنا ... فكونوا أناسا تحسنون التحمّلا
وماذا عليكم لو سمحتم بأحرف ... فأوجبتم فيها علينا التفضّلامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٢٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١٠) ومما جاء في مراسلة الحبيب ومكاتبته←الراغب إلى حبيبه أن يكاتبه
١٧٠ قال ابن طباطبا:
أنا راضي يا منى ... نفسي بنيل منك نزر «١»
فكتاب بل بسطر ... بل بحرف دون سطر
المسرّة بورود الكتاب
قال شاعر:
أتاني كتاب فيه ذكر زيارة ... وقد كان قلبي قبل ذلك يخفق
فقبّلته مستبشرا بوروده ... وأهديته للقلب لا يتفرّق
قال المهلّبي:
طلع الفجر من كتابك عندي ... فمتى باللّقاء يبدو الصّباح
ذاك إن تمّ لي فقد عذب العي ... ش ونيل المنى وريش الجناح
قال محمد بن طاهر:
علامة من بودّك أن تراه ... يطيل إليك إن غبت الكتابا
إذا قصّر الكتاب فأيّ ودّ ... ترجّى من حبيبك حين غابا
(١١) وممّا جاء في مزاورة الحبيب وملاقاته والنظر إليه
المتنبّي:
كم زورة لك في الأعراب خافية ... أدعى وقد رقدوا من زورة الذّيب
أزورهم وسواد اللّيل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي «٢»
وله:
وكم لظلام اللّيل عندي من يد ... تخبر أنّ المانوية تكذب «٣»
وقال ابن المعتز:
وجاءني في قميص اللّيل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت عن الظّفر «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٢١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١١) ومما جاء في مزاورة الحبيب وملاقاته والنظر إليه
١٧١ خلّصتها بالكره من شادن ... يعشق منه بعضه بعضه
قال ابن سكرة:
سألته في صحوه قبلة ... فردّني والموت في ردّه
حتّى إذا السّكر ثنى جيده ... قبّلته ألفا بلا حمده «١»
وقال الحسن بن وهب قبلتها فوجدت بين شفتيها ريحا لو نام فيها المخمور لصحا.
قال المتنبّي:
شاميّة طال ما خلوت بها ... تبصر في ناظري محيّاها
فليتها لا تزال آوية ... وليته لا يزال مأواها
قال الصاحب:
قال إذا قبلني خدّه ... إنّما القبلة عنوان الصّلة
قال الصابئ:
أقبلت ثم قبّلت ظهر كفّي ... قبلة تنقع الغليل وتشفي «٢»
فتلظّى فمي عليها وودّت ... شفتي أنّها هنالك كفي
فعضضّت اليد التي قبّلتها ... بفم حاسد يريد التشفّي «٣»
قال الصاحب:
أو ما لتقبيل يدي ... فقلت لا بل شفتي
قال الموسوي:
ومقبّل كفى وددت بأنّه ... أوما إلى شفتيّ بالتّقبيل
موضع التقبيل
قيل: قبلة المؤمن المصافحة وقبلة الرجل زوجته الفم وقبلة الوالد الولد الرأس وقبلة الأم الابن الخد. قال أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: قبلة الولد رحمة وقبلة المرأة شهوة وقبلة الوالدين عبادة وقبلة الأخ الأخ رقة وزاد فيه الحسن وقبلة الإمام العادل طاعة.
من سأل محبوبه الوصل
وقال الواواء الدمشقي:
أيا من هو الفوز لي بالمنى ... ومن هو بالودّ منّي حقيق «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٣٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١١) ومما جاء في مزاورة الحبيب وملاقاته والنظر إليه←من سأل محبوبه الوصل
١٧٢ تغنم بنا غفلات الزمان ... فوجه الحوادث وجه صفيق «١»
وقال:
تعال بنا نعص الوشاة ونشتفي ... من الوصل قبل الموت ثم نتوب
كتب إبراهيم الموصلي إلى قينة:
دعي الوصل لا أسمع بيومك إنّما ... سألت شيئا ليس يعري لكم ظهرا
فأجابته لكن يملأ لنا بطنا، قال شاعر:
يا قضيبا مخصره ... وكثيبا مؤزره «٢»
ليت شعري متى تجو ... د بما لا نفسّره
سؤاله عوذة النائل
قال المتنبّي:
أمنعمة بالعودة الظّبية التي ... بغير وليّ كان نائلها الوسميّ «٣»
قال بشار:
يا رحمة الله حلّي في منازلنا ... حسبي برائحة الفردوس من فيك «٤»
قد زرتنا مرّة في الدهر واحدة ... ثنّي ولا تجعليها بيضة الديك «٥»
المستكثر قليل الوصل من حبيبته
قال بعضهم:
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الوصل إلا عدتم بجميل
وإنّي ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كنت لا أرضى لكم بقليل
قال آخر:
قفي ودّعينا يا مليح بنظرة ... فقد حان منّا يا مليح رحيل
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل
قال ابن المعتز:
قل لمن حيّا فأحيا ... ميّتا حييت حيّا
ما الذي ضرّك لو أبقي ... ت لي في الكاس شيّامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٣٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١١) ومما جاء في مزاورة الحبيب وملاقاته والنظر إليه←المستكثر قليل الوصل من حبيبته
١٧٣ أرشدني إلى خيالك كيما ... أتقاضاه موعدا لي عليه «١»
وقال:
إنّ فقد النّوم أعدمني ... رؤية الأحباب في الحلم
قال أبو نواس:
كيف السبيل إلى طيف يزاوره ... والنّوم في جملة الأحباب هاجره
بغض طيف ذي هجران
قال أبو دلف:
لا تحمدنّ على نوال في الكرى ... من ليس في غير الكرى بمنول
قال المتنبّي:
إنّي لأبغض طيف من أحببته ... إن كان يهجرنا زمان وصاله
قال المهلّبي:
إنّما الطّيف الملمّ ... فرح يتلوه هم
قلّما يحمد أمر ... ليس فيه ما يذمّ
قالت عابدة المهلبية:
خطبت خياله فإذا خيال ... مطول مثل صاحبه بخيل «٢»
فإن توقّعي طيفا جوادا ... وصاحبه بخيل مستحيل
من ذكر الخيال بات الفكر إزاره
قال أبو تمام:
نم فما زارك الخيال ولكن ... نك بالفكر زرت طيف الخيال
قال المتنبّي:
لا الحلم جاء به ولا بمثاله ... لولا ادّكار وداعه وزياله «٣»
إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت عبارته خيال خياله
بتنا يناولنا المدام بكفّه ... من ليس يخطر أن نراه بباله
فدنوتم ودنوّكم من عنده ... وسمحتم وسماحكم من ماله
من أسهره خيال حبيبه
قال علي بن يحيى:
زارني طيف الخيال فما ... زاد أن أغرى بي الأرقامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٣٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١٢) ومما جاء في الطيف←من أسهره خيال حبيبه
١٧٤ وقال:
كلانا واجد في النّا ... س ممّن ملّه خلفا
قال أبو الشيص:
إذا لم تكن طرق الهوى لي ذليلة ... تنكّبتها وانحزت للجانب السّهل
ومالي أرضى منه بالجور في الهوى ... ولي مثله ألف وليس له مثلي
المتبجّح بالغدر مع أحبابه
قال بعضهم:
يا ربّ مثلك في النّساء عزيزة ... بيضاء قد متعتها بطلاق
لم تدر ما تحت الضلوع وغرّها ... منّي تحمّل شيمتي وخلاقي
من ذكر قلّة توفره على الهوى
يقال رجل عزهاة إذا لم يكن غزلا وقيل في ضده زير نساء، قال البستي:
وللخود منّي ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير الوفاء تجاب «١»
وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للزجاج ركاب «٢»
استدعاء القلب إلى التسلي
قال المتنبّي:
وأعلم أن البين يشكيك بعده ... فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا «٣»
قال بشّار:
وقد رابني قلبي يكلّفني الصّبا ... وما كلّ حين يتبع القلب صاحبه
وقال آخر:
كلّ اللذاذات والتّصّابي ... قبل الثلاثين تستطاب «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٤٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثالث عشر في الغزل وما يتعلق به←(١٣) ومما جاء في السلو←استدعاء القلب إلى التسلي
١٧٥ المخوف منه
قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفا منه. ونظر إليه رجل وقد شقّ العسكر فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه عليّ.
تأثير الجيش
بعث أمير في طلب قوم رجلا، فما لبث أن جاءه برجل أطول ما يكون فقال: كيف تمكنت منه؟ فقال: وقع في قلبي أن آخذه ووقع في قلبه أنه مأخوذ فنصرني عليه خوفه وجراءتي. وقيل لأمير المؤمنين بم غلبت الأقران؟ قال: بتمكّن هيبتي في قلوبهم.
المؤتمر له الوغى والردى
قال كلثوم
قداح المنايا في يديه يجيلها
قال الفرزدق:
أظلّه منك حتف ظلّ يرقبه ... حتّى يؤامر فيه رأيك القدر
وقال دعبل:
هم المتخيّرون على المنايا ... نفوس ذوي الرياسة باقتراح
قال سلم الخاسر:
كأن المنايا جاريات بأمره
وقال المتنبّي:
ويستعظمون الموت والموت خادمه
الموفي على جماعة والغالب لهم
قيل: للإسكندر إن في عسكر دارا»
ألف مقاتل فقال: إن القصاب «٢» الحاذق وإن كان واحدا لا يهوله كثرة الغنم.
فواحدهم كالألف بأسا ونجدة ... وألفهم للعجم والعرب قاهر
وقيل لجنيّة بنت رباح: أعشرة هذرة «٣» أحب إليك أم ثلاثة كعشرة فقالت: ثلاثة كعشرة فولدت بني جعفر قال الموسوي:
قلّوا على كثرة العدوّ لهم ... كم عدد لا يعدّ في العددمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٥١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(١) ما جاء في الشجاعة وأحوالها، حقيقة الشجاعة←الموفي على جماعة والغالب لهم
١٧٦ الموثر الموت في العز على الحياة في الذلّ
هيم إلى الموت إذا خيّروا ... ما بين تبعات وتقتال «١»
ولما وقعت الهزيمة على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أهاب بالناس ليرجعوا فلم يلووا فانتضى سيفه وقاتل قتال مستقتل، فقيل له: لا تهلك نفسك ولك الأمان. فتمثل بأبيات قالها الحسين ﵁ يوم قتل وهي:
أذلّ الحياة وذلّ الممات ... وكلّا أراه طعاما وبيلا «٢»
فإن كان لا بدّ إحداهما ... فسيري إلى الموت سيرا جميلا
وقال أبو تمام:
يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية ... يمانيّة، والأري بالذلّ علقما «٣»
وقال المتنبّي:
فأطلب العزّ في لظى وذر الذ ... لّ ولو كان في جنان الخلود «٤»
وقال الموسوي:
فعاف المنايا وامتطى الموت شامخا ... بمارن أنف لا يذلّ لخاصم «٥»
وقال منصور بن باذان:
فعش ما تعيش عزيز البقاء ... فعزّك خير وإن قيل بل
فطول الحياة على ذلّة ... لعمرك عندي حياة السفل
وكلّ مساع له همّة ... من النّاس إلا قصير الأجل
النهي عن مخافة القتل والحثّ على تصوّر الموت والتمدّح بذلك
قيل لعلي ﵁: أتقاتل أهل الشأم بالغداة وتظهر في العشيّ في ثوب ورداء؟
فقال: أبالموت أخوّف؟ والله ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليّ. وقد أحسن المتنبّي في قوله:
إذا غامرت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٥٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(١) ما جاء في الشجاعة وأحوالها، حقيقة الشجاعة←النهي عن مخافة القتل والحث على تصور الموت والتمدح بذلك
١٧٧ فلا بدّ يوما أن تحدث عرسه ... إذا حدثت يوما حديثا يروعها «١»
قال ابن الرومي:
ومن لا يزل ستين يوما فريسة ... يرى قمنا أن لا يرى منه سالما
وقال آخر:
إن الشجاعة مقرون بها العطب
قصد العدا مجاهرة
أشار على الإسكندر أصحابه أن يبيت الفرس، فقال: ليس من الإنصاف أن أجعل غلبتي سرقة.
قال المتنبّي:
إذا انتقموا أعلنوا أمرهم ... وإن أنعموا أنعموا باكتتام «٢»
وقال السريّ:
ويجعل بشره نذر الأعادي ... فيبعثها يمينا أو شمالا
ولم ينذرهم مقة ولكن ... ترفّع أن ينالهم اغتيالا «٣»
الفتك
وما أنفكّ ما شاورت فيه ولا الذي ... تخبر من لاقيت أنّك فاعله
قال الحارث بن ظالم:
علوت بذي الحيّات مفرق رأسه ... وهل يركب المكروه إلا الأكارم
فتكت به لمّا فتكت بخالد ... وكان سلاحي يحتويه الجماجم
المتعوّد ملازمة الحرب والأمكنة
قال أبو تمّام:
لحياضها متورّد ولخبطها ... متعوّد وبدرّها ملبون «٤»
قال ربيعة بن مقروم:
وثغر مخوف أقمنا به ... يخاف به غيرنا أن يقيما «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٦٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(١) ما جاء في الشجاعة وأحوالها، حقيقة الشجاعة←المتعود ملازمة الحرب والأمكنة
١٧٨ وقال آخر:
يغشى العوالي ولا يلوي على سلب «١»
قال أبو تمام:
إن الأسود أسود الغاب همّتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «٢»
العاجز أعاديه عن إصلاح ما أفسده وعكسه
قال علي بن جبلة:
يأسو الذي يجرح أعداؤه ... وما لهم من جزحه آس
قال الكميت:
لا يهدم الناس ما تبني أكفّهم ... من الفعال ولا يبنون ما هدموا
قال المتنبّي:
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره «٣»
قال أشجع:
ولا يرفع الناس من حطّه ... ولا يضع الناس من يرفع «٤»
وصف الشبان والكهول في الحرب
قال رجل لرجل: لأغزونّك بمرد على جرد، فقال: لألقينّك بكهول على فحول
تفضيل الشبان في الحرب
قال طاهر بن الحسين:
هيب إذا لم يكن جرب بمكتهل ... مجرب قوله يكفي من العمل «٥»
واغشى اللقاء إذا كان اللقاء به ... سفك الدما بحديث السنّ مقتبل
فإنّ ذا السنّ يلقى حتفه أبدا ... ممثّلا بين عينيه من الوجل «٦»
وذو الشباب له شأو يماطله ... فلا يزال بعيد الهمّ والأمل «٧»
الخيول السريعة في الحرب
قال بعضهم:
جنّ الرجال على ظهور سعالي «٨»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٦٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(١) ما جاء في الشجاعة وأحوالها، حقيقة الشجاعة←الخيول السريعة في الحرب
١٧٩ قال كثيّر:
صقور على أثباج جرد قوابس ... وأسد إذا ما كان يوم نزولها «١»
وقال المتنبّي:
إيّاهم جثوا العجاجة والقنا ... سنابكها تحشو بطون الحمالق «٢»
تعويد الفرس في حبسه في المعركة
قال النابغة:
ونحن أناس لا نعود خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطعن حتّى تحسب الجون مشقرا
فلا نحن معروفّ لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكر أن تعقرا
وقال أبو تمّام:
تقاسمنا بها الجرد المذاكي ... سجال الكرّ والدأب العتيد
إذا خرجت من الغمرات قلنا ... خرجت حبائسا إن لم تعودي «٣»
كثرة الجيش
كجنح الليل أردف بالغيوم ... آخر بجمهور يحار الطّرف فيه
يظل معضلا فيه الفضاء
قال صاحب البصرة:
بجمع مثل سدل الليل منظوم من الربد «٤»
وقال المتنبّي:
بجيش لهام يشغل الأرض جمعه ... عن الطير حتّى ما يجدن منازلا
وقال السريّ:
ومثلومة الأقطار حشو فجاجها ... عناق المذاكي والوشيج المقوّم
قال المتنبّي:
قشير وبلعجلان فيها خفية ... كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٦٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(١) ما جاء في الشجاعة وأحوالها، حقيقة الشجاعة←كثرة الجيش
١٨٠ وقيل: زحف ككرّ العارض «١» المنهلّ وكدفاع الاتيّ «٢» المرسل فهو يتطالع من غور «٣» وأنجاد ويظهر من اقتراب وابتعاد
وكالسيل أو كاللّيل أو عدد الحصى ... سالت بطاحهم بالجرد اللهاميم «٤»
كثرة الجيش والأسلحة
بذي لجب أزبّ من العوالي
قال النجاشي:
وعراصة برّاقة ضوؤها دم ... يكشف عن برق لها الأفقان
وقال قيس بن الحطيم:
إنك تلقى حنظلا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي ساحة المتقارب
وقال المتنبّي:
يمنعها أن يصيبها مطر ... شدّة ما قد تضايق الأسل «٥»
(٢) وممّا جاء في التهديد
من هدّده السلطان فاستعان بالله
لقي الحجّاج محمد بن الحنفية فقال له: نفسك فلأريقنّ دمك، فقال محمّد: إنّ لله في كل يوم كذا كذا ألف نظرة يقضي في كل نظرة كذا كذا ألف أمر فعسى أن يشغلك بأمره.
من هدده سلطان فاعتذر وأظهر المخافة
كتب ذو الرياستين إلى طاهر بن الحسين: يا نصف إنسان، والله لئن أمرت لأنفذنّ، ولئن أنفذت لأبرمنّ، ولئن أبرمت لأبلغنّ. فأجابه طاهر: أنا أعزّك الله كالأمة السوداء إن حمل علينا تدمدمت وإن رفّه عنها أشرت، وإن عوقبت فباستحقاق، وإن عفي عنها فبإحسان.
تهديد سلطان شديد الوطأة
خطب الحجاج فقال: أيّها الناس من أعياه داؤه ومن استعجل أجله، فعلّي أن أعجلهمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٦٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٢) ومما جاء في التهديد←تهديد سلطان شديد الوطأة
١٨١ وقيل: من علامات العاقل ترك التهدد قبل إمكان الفرص وعند إمكانها الوثوب مع الثقة بالظفر.
(٣) وممّا جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة
قال النبي ﷺ: إعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. وقيل: السيف حرز إذا جرّد وهيبة إذا أغمد. وقيل: الشرف مع السيف.
وقال جعفر بن محمد السيف مفتاح الجنة والنار، ووصفه بعضهم فقال: رئيس لهوه قطف الرؤوس ضحوك عبوس وهزله خطف النفوس، قال أبو تمّام:
وليس يجلي الكرب رأي مسدد ... إذا لم تؤانسه بسيف مهنّد «١»
قال المتنبّي:
ومن طلب الفتح الجليل فإنّما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم «٢»
وقال:
والمشرفيّة- لا زالت مشرفة-* دواء كلّ كريم داؤه الوجع «٣»
تفضيل السيف على القلم
قال المتنبّي:
حتّى رجعت وأسيافي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم «٤»
أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم
قال أبو تمّام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب «٥»
وفي ضده قيل للكاتب: إلى م تدل بهذه القصبة فقال: هو قصب ولكنه يقطع العصب إن القلم يرد قضاء السيف ويفسخ حكم الحيف ويؤمن مسالك الحوف.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٧٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←تفضيل السيف على القلم
١٨٢ من في سيفه ورمحه الموت
قال صاحب البصرة:
حسام غداة الرّوع ماض كأنّه ... من الموت في قبض النّفوس رسول «١»
وقال ابن حاجب:
لو قيل للموت انتسب لم ينتسب ... يوم الوغى إلّا إلى صمصامه «٢»
قيل في وصف رجل: سيفه تؤمن ثنايا الموت إليه ويعوّل في قبض الأرواح عليه:
سيوفهم يوم الوغى ... يلعبن بالأرواح
وقال ربيعة بن مقرم:
وإني لمن قوم تكون رماحهم ... لأعدائهم في الحرب سمّا مقشبا
وقال ابن المعتز:
لنا صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلّا لسفك دماء «٣»
السيوف الماضية
قيل: كيف وجدت سيفه؟ فقال: هو على الأرواح كالأجل المتاح.
قال إسحاق بن خلف:
ألقى بجانب أخضر ... أمضى من الأجل المتاح
وكأنّما ذرّ الهبا ... ء عليه أنفاس الرّياح
وقال يعقوب الأخطل:
بكلّ حسام كالعقيقة صارم ... إذا قدّ لم يعلق بصفحته دم
قال المتنبّي:
قواض مواض نسج داود عندها ... إذا وقعت فيه كنسج الخزرنق «٤»
قال البحتري:
يغشى الوغى والترس ليس بجنّة ... من حدّه والدرع ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل
وإذا أصاب فكلّ شيء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتلمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٧١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←السيوف الماضية
١٨٣ السيوف المصقولة
قال بعضهم:
وإذا ما سللته بهر الشمس ... شعاعا فلم تكد تستبين
وكأنّ الفرند والرونق البا ... دي على صفحتيه ماء معين «١»
غير المصقولة
كأنّ في متنه ملحا وقد نثرا
وقال آخر:
كأن على مواقعه غبارا
السيوف اللامعة المهتزة
قال قيس:
بسيف كأنّ الماء في جنباته ... محادير غيم أو قرون جنادب «٢»
وقال المتنبّي:
فكأنّ برقا في متون غمامة ... هنديّة في كفّه مسلولا «٣»
وقال ابن هرمة:
شهاب زهته الريح في كفّ قابس
وقال سلم الخاسر:
وكأن السيوف والنّقع عال ... شهب نار في ساطع ودخان «٤»
وقال ابن المعتز:
في كفّه عضب إذا هزّه ... حسبته من خوفه يرتعد «٥»
السيوف المتفللة من الضرب
قال النابغة:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب «٦»
قال دعبل:
إذا النّاس جلوا باللجين سيوفهم ... رددت السيوف بالدّماء حواليا «٧»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٧٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←السيوف المتفللة من الضرب
١٨٤ وقال امرؤ القيس:
ومطّرد كرشاء الحزوّ ... ر من خلب النخلة الأجرد «١»
وقال عدي:
رشاء دم على أنابيبه دم
صلابة الرماح ولدونتها
قال ابن أحمر:
فهزّ ردينيا كأنّ كعوبه ... نوى القسب نقى التمر عند العواجم «٢»
وقال المزرّد:
ومطرد لدن الكعوب كأنّما ... تغشّاه منباع من الزيت سائل
وقالت عابدة المهلبية، ويروى للخوارزمي:
كأن السمر والزانات فيه ... نخيل قد نحلن من الفسيل «٣»
الرمح المتأطر
ويستجاد للمتنبي قوله:
ولربّما أطر القناة بفارس ... وثنى فقوّمها بآخر منهم «٤»
أخذه من قول ابن الرومي:
همام إذا اعوجّت صدور قناته ... غدت بين أحناء الضّلوع تقوّم
وقال يزيد بن أبان:
يكره الرمح مقدما فتراه ... راعف الأنف واهي الأنبوب «٥»
الرمح المتكسر
قال عمرو بن معدي كرب:
ومنزلة فيها العوالي كأنّها ... هشيم شجار كسرتها الحواطب «٦»
وقال الرفاء:
ينثر بالطّعن أنابيب القنا ... كما وهى سلك الفريد المنتظم
وقال المتنبّي:
ورمح تركت مبادا مبيدامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٧٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←الرمح المتكسر
١٨٥ هو من قول الطائيّ:
وربّ يوم كأيّام تركت به ... متن القناة ومتن القرن منتصفا
الرمح المتكسر في المطعون
وقال الموسوي:
وتقعقعت بين الكلى قصد القنا ... فكأنّ كلّ حشار بابة ميسر «١»
وقال ابن نباتة:
يجرّ العوالي والسهام بجسمه ... كمحتطب للحمل ليس يطيق
الرماح اللامعة الأسنة
قال امرؤ القيس:
دفعت ردينيّا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم يستعر بدخان
وقال النميري:
تحكي أسنته النّجوم أو الذبالا
وقيل أيضا:
كأنّ هلالا فوق قناته
وقد أحسن المتنبّي ما شاء في قوله:
تهدي نواظرها والحرب قائمة ... من الأسنّة نار والقنا شمع «٢»
الكتابة بالطعن والضرب
قال بعض الكتّاب: جبينه طرس بالصفّاح منمّق مجندر «٣»، وبالرماح معجم محبّر.
وقال آخر:
خطّ ينمّقمه الحسام على جبينه
وقال أبو تمّام:
كتبت أوجههم مشقا ونمنمة ... طعنا وضربا ففات الهام والصّلفا «٤»
فإن ألظوا بإنكار فقد تركت ... وجوههم بالذي أوليتهم صحاف «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٧٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←الكتابة بالطعن والضرب
١٨٦ وقال المتنبّي:
وكنت إذا كاتبته قبل هذه ... كتبت إليه في قذال الدمستق «١»
وقال غيره:
الكاتبون إلى الأعداء في قل ... ل الأعداء كتبا نرى الأمي والفهما
أمسى الرّدى أصلها والدهر ممليها ... والسيف كاتبها والكاغد القمما «٢»
وقالت عابدة المهلبية ويروى للخوارزمي:
كتبت على وجوههم سطورا ... غرائب حبّرهنّ دم هتول «٣»
يترجمها الأعادي للأعادي ... ويقرأها على الحيّ القتيل
وما لك غير جمجمة رسول ... وما لك غير صاحبها رسيل «٤»
تناول الرؤوس بالرماح
قال البحتري:
قوم إذا شهدوا الكريهة صيّروا ... ضمّ الرماح جماجم الفرسان
وقد أخذه من مسلم:
يكسو السيوف رؤوس الناسكين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
وقال جرير:
كأنّ رؤوس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصر
طعن الأحداق والفؤاد
قال أبو تمّام:
سنان بحبّات القلوب ممتّع
وأجاد المتنبّي:
كأنّ الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد «٥»
وقد صغت الأسنّة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
وقال ابن معدي:
الضاربين بكلّ أبيض مرهف ... والطّاعنين مجامع الأضغان «٦»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٧٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←طعن الأحداق والفؤاد
١٨٧ وقالت عابدة المهلبية ويروى للخوارزمي:
فصادرهم على الأرواح خرق ... إذا ابتاعوا الحياة فلا يقيل
شدّة الطعن والضرب وسعتهما
قال شاعر:
هم الدعو هم حماة الرّماح ... ولدّوهم بالظّبا البيض لدّا «١»
وقال بعضهم:
وطعن كأفواه المزاد المخرّق «٢» وقال أبو كثيّر الهذلي:
عجلت يداك لخيرهم بمرشّة ... كالعطّ وسط مزادة المستخلف «٣»
قال امرؤ القيس:
كجيب الدفنس الورها ... ء ريعت وهي تستغلي «٤»
وقال آخر:
وطعن كأذيال القباء المفرج
وقال ضرار في وصف ضربة:
دفوع لأطراف الرماح كأنّها ... إذا سيّروها فرخ خرقاء دعبل «٥»
وقال المتنبّي:
كأنّما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع
وسمع بعضهم قول الشاعر:
لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها ...
فقال: هذا درب لا طعن.
ويروى لخلف الأحمر:
وأطعن السحساحة المسلسله ... على عشاش دهش وعجله «٦»
وأضرب الحدباء ذات الرعله ... تردّ في نحر النّيب قتله «٧»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٧٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←شدة الطعن والضرب وسعتهما
١٨٨ الحاذق بالطعان والضرب
قال عبد يغوث:
ليبق بتصريف القناة بانيا
وقال المتنبّي:
يضع السّنان بحيث شاء مجاولا ... حتّى من الآذان في أخراتها
وقال الموسوي:
وأسمر يهتّز في راحتي ... كما هزّت القلم الأصبع
سقى الرماح والصفاح دم الأعداء
قال شاعر:
وعامل الرمح أرويه من العلق «١»
وقال آخر:
نهلت قناتي من مطاه وعلّت
قال يحيى بن علي المنجم:
يروي السيوف دما إذا شكت الصدى ... يوم الوغى بأسا وصدق ضراب «٢»
فتمجّ إن خفضت على أعقابنا ... وتمجّ إن رفعت على الأعقاب «٣»
قال دعبل:
فأصبحت تستحيى القنا أن تردّها ... وقد وردت حوض المنايا صواديا «٤»
قال السري:
إذا الحسام غدا سكران منتشيا ... من الدّماء سقوه أنفسا فصحا
الجاعل قواضبه بدل المعاتبة
قال عمرو بن إبراهيم:
ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكلى وضرب الرّقاب
وقال آخر:
دلفت له بأبيض مشرفيّ ... كما يدنو المصافح للسلام «٥»
وقال بعض البغليين:
نزلوا منزل الضيافة منّا ... فقرى القوم غلمة الأعراب «٦»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٧٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←الجاعل قواضبه بدل المعاتبة
١٨٩ وقال الشنفري:
وإنّي كفاني فقد من ليس جازيا ... بحسنى ولا في قربه متعلّل
ثلاثة أصحاب: فقلب مشيع ... وابيض إصليت وصفراء عيطل
وقال الموسوي:
ألف الحسام فلو دعاه لغارة ... عجلان لبّاه بغير نجاد «١»
وقال:
ربّ ليل جعلته طيلساني ... مؤنسي صارمي وقلبي مجنّي «٢»
وقال طاهر بن الحسين:
سيفي رفيقي ومسعدي فرسي ... والكاس أنسي وقينتي خدني «٣»
من استطاب تناول الأسلحة
قال البحتري:
ملوك يعدّون الرمح خواصرا ... إذا زعزعوها والدروع مخاصرا «٤»
وقال المتنبّي:
متعوّدا لبس الدروع يخالها ... في البرد خزّا والهواجر لاذا «٥»
وقال أبو الغمر:
واعتاد حمل القنا لا الراح راحته ... وضاجع البيض لا البيض الرعابيبا «٦»
الأبقع الوجه من صدأ الحديد
وقال الفرزدق:
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل «٧»
طيب صدر المغفر
وطيبهم صدأ المغفر «٨»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٨١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←طيب صدر المغفر
١٩٠ كنت المقدّم غير لابس جنّة ... بالسّيف تضرب معلما أبطالها «١»
فقال: كثير ذاك وصفه بالجهل والتهور وأنا وصفتك بالحزم. قال البحتري:
تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
قلّة غناء الدرع عند حضور الأجل
سئل ابن الحسين: في أي الجنن تحب أن تلقى عدوك؟ قال في أجل مستأخر وقيل لبعضهم: أي الجنن أوقى؟ قال: العافية. وقيل لآخر: لو احترست فقال: كفى بالأجل حارسا.
وصف الدروع
قال شاعر:
كسيل الأتيّ على الحديد
وقال آخر:
ومفاضة كالنهي ينسجه الصّبا «٢»
وقال آخر:
كأنّ قتيرها حدق الجراد «٣»
وقال المتنبّي:
يخطّ فيها العوالي ليس ينفذها ... كأن كلّ سنان فوقها قلم
وقال مزرّد:
ومنسوجة فضفاضة تبعية ... وآها القتير تجتويها المعابل «٤»
ويستحسن لابن المعتز:
كأنّها ماء عليه جرى ... حتّى إذا غاب فيه جمد
قال كلثوم:
كأن سنا الماذي فوق متونهم ... مواقد نار لم تشب بدخان «٥»
المستغني بجلادته عن التدرّع والتقنّع
قال أبو تمّام:
إذا رأوا للمنايا عارضا لبسوا ... من اليقين دروعا ما لها زرد
وقال مسلمة:
على درع تلين المرهفات له ... من الشّجاعة لا من نسج داودمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٨٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←المستغني بجلادته عن التدرع والتقنع
١٩١ النحف النصال العراض والأكحل الذي يضرب لونه إلى الغبرة.
المجيد من الرماة
قيل: خرج بهرام إلى الصيد ومعه جارية فعرض له ظبي فسألته الجارية أن يجمع ظلف الظبي وأذنه بنشابة واحدة فرمى أصل أذن الظبي ببندقة فأهوى الظبي بيده إلى أذنه ليحتك فرماه بنشابة فوصل ظلفه بإذنه، وهذا إن كان صحيحا فعجيب.
قال امرؤ القيس:
فهو لا تنمي رميّته ... ماله لا عدّ من نفره «١»
وقال إسماعيل بن عليّ:
إذا تمطّى قائما ثمّ انثنى ... ومدّها أحسن مدّ وانثنى
أرسل منها نافذا مسنا ... سيّان منه ما نأى وما دنا «٢»
يسوق أسباب النّحوس والفنا
وقد أوغل المتنبّي في قوله:
إذا نكبت كنانته استبنّا ... بأنصلها لأنصلها ندوبا «٣»
يصيب ببعضها أفواق بعض ... فلولا الكسر لاتّصلت قضيبا
الرديء الرمي
نظر فيلسوف إلى رام سهامه تذهب يمينا وشمالا فقعد في موضع الهدف وقال: لم أر موضعا أسلم من هذا. ورمى المتوكل عصفورا فأخطأه فقال له ابن حمدون: أحسنت فقال تهزأ بي؟ فقال: أحسنت إلى العصفور. قال كشاجم:
مستهتر بالرّمي واه عضده ... أحسن شيء حين يرمي طرده
كأنّه فؤاده أو كبده
المجنّ
قال شاعر:
يريك شعاع الشمس في جنّة الدّجى
قال أبو فراس:
أواقد لا آلوك إلا مهنّدا ... وجلد أبي عجل وثيق القبائل
وصف جماعة الأسلحة
سأل عمر بن الخطاب عمرو بن معدي كرب فقال: ما تقول في الرمح؟ قال أخوكمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٨٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←وصف جماعة الأسلحة
١٩٢ قال ابن الرومي:
رأيتكم تبدون في الحرب عدّة ... ولا يمنع الأسلاب منكم مقاتل «١»
فأنتم كمثل النخل يسرع شوكه ... ولا يمنع الجرام ما هو حامل «٢»
قال المتنبّي:
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّة ... فلا تستعدنّ الحسام اليمانيا «٣»
ولا تستطيلنّ الرماح لغارة ... ولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
الاستظلال بالأسلحة
قال امرؤ القيس:
ففئنا إلى بيت بعلياء، مردح ... سماوية منها الحمى معصب «٤»
فأوتاده ماذيّة وعماده ... ردينيّة فيها أسنّة قعضب «٥»
وقال أعرابي من بني أسد:
وفتيان ثنيت لهم ردائي ... على أسيافنا وعلى القسيّ
وقال:
وما اتّخذوا إلا الرماح سرادقا ... وما استتروا إلا بضوء اللهاذم «٦»
ذمّ العزل في الحرب
في المثل: عند النطاح يغلب الكبش الأجم
فمن يك معزال اليدين فإنّه ... إذا كشّرت عن نابها الحرب حامل «٧»
وقال ابن الحطيم:
نبّهت زيدا ولم أفزع إلى وكل ... رثّ السلاح ولا في الحرب مكثور «٨»
من صاحبته الطيور والسباع
أول من وصف ذلك النابغة الذبياني فقال:
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب «٩»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٨٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←من صاحبته الطيور والسباع
١٩٣ وقال أبو تمّام:
وقد ظلّلت عقبان أعلامه ضحّى ... بعقبان طير في الدّماء نواهل «١»
أقامت مع الرايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلا أنّها لم تقاتل
وقال بشّار:
إذا ما غزا بشّرت طيره ... بفتح وبشّرنا بالنّعم «٢»
وقال المتنبّي:
وأنبتّ فيهم ربيع السّباع ... فأثنت بإحسانك الشامل
وقال عمرو بن مامة:
إذا ألحمت قيس لحرب تباشرت ... ضباع الفيافي والنّسور الكواسر «٣»
وقالت جنوب أخت عمرو:
تمشي النسور إليها وهي لاهية ... مشي العذارى عليهنّ الجلابيب
المتزيّن بالجراحات
قال يعقوب بن يوسف:
وخيل تعجز الأرسال عنها ... مزينة بأنواع الجراح
وقال سلم الخاسر:
ولا خير في الغازي إذا آب سالما ... إلى الحيّ لم يجرح ولم يتحدّد «٤»
المتضرّج بالدم
قال البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرّة فكأنّهم لم يسلبوا
وقال آخر:
تضرّج منهم كلّ خدّ معفّر ... وعفّر منهم كلّ خدّ مضرّج «٥»
المتلطّخ بالدم المتسربل بالغبار
قال السريّ:
مفقودة شية الجواد عليهم ... وحجول أربعة لخوض دمائه «٦»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٨٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←المتلطخ بالدم المتسربل بالغبار
١٩٤ وقال المتنبّي:
وعجاجة ترك الحديد سوادها ... زنجا تبسّم أو قذالا شائبا «١»
الغبار
قال الحجّاج: اتّقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج، وقال:
غفار كما فارت دواخن غرقد
وقال أوس:
فانقضّ كالدرّى يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا «٢»
يخفى وآونة يلوح كما ... رفع المنير بكفّه لهبا
الحروب المشهورة
الحروب ثلاثة لم يكن للعرب أعظم منهن: حرب بعاث بين الأوس والخزرج وكانت متصلة إلى أن بعث الله تعالى النبي ﷺ فلما أسلموا اصطلحوا. وحرب بني وائل بكر وتغلب في مقتل كليب اتصلت أربعين سنة، وحرب ابني بغيض عبس وذبيان في مجرى داحس والغبراء بقيت أربعين سنة لم تحمل فيها الحمالات فبعث الله تعالى النبي ﷺ وبقي من دمائهم شيء على الحارث بن عوف فاهتدي للإسلام.
وأيام العرب ثلاثة في الجاهلية لم يكن أعظم منهن: يوم جبلة ويوم كلاب الأخير ويوم ذي قار.
وقال سفيان بن عيينة: السيوف أربعة: سيف لمشركي العرب وهو قوله تعالى:
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
«٣»، وسيف لأهل الردّة على يد أبي بكر ﵁ «وهو تقاتلونهم أو يسلمون» وسيف لأهل الكتاب على يد عمر ﵁ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. وسيف لأهل القبلة والصلاة على يد عليّ ﵁ وهو «وأن طائفتين من المؤمنين اقتتلوا» ولولاه ما عرفنا قتال أهل القبلة.
العصا
تسمى المنسأة «٤»: قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
«٥» وعصا موسى حالها ظاهرة. وقيل ألقى فلان عصاه إذا نزل، وشقّ العصا إذا خرج عن الطاعة، وعبيد العصا أي ينقادون بالعصا وسمى الصغير الرأس رأس العصامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٨٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٣) ومما جاء في فضل الأسلحة والمتسلحة←العصا
١٩٥ بأنّي قد تركت بواردات ... بحيرا في دم مثل العبير
هتكت به بيوت بني عبيد ... وبعض القول أشفى للصدور
قالت صفية بنت الجذع:
وقد قتلنا شفاء النفس لو قنعت ... وما قتلنا به إلا امرأ دونه
قال زبان وكانت قد هجاه بعض أعاديه فقتله وقطع لسانه ودسّه في إسته:
وإن قتيلا بالهباءة في إسته ... صحيفته إن عاد للظلم ظالم
متى تقرؤها تهدكم من ضلالكم ... وتعرف إذا ما فضّ عنها الخواتم
من نزع ثوب العار وانطلق لسانه
قال أخو ساف بن عباد اليشكري:
ألم يأتها أنّي صحوت وأنّني ... شفاني من دائي المخامر شاف
فأصبحت ظبيا مطلقا من أديمه ... صحيح الأديم بعد داء أساف
وكنت مغطّى في قناعي خيفة ... كشفت قناعي وأعتطفت عطافي
قال غالب:
وقد كنت محرور اللسان ومفحما ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
من لا يفوته الثأر
قال عبد الله بن العتابي:
وقد ضمنت أسيافهم ورماحهم ... لمن جاوروا أن لا يضيع لهم وتر «١»
قال البحتري:
تذم الفتاة الرود شيمة بعلها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها «٢»
حمية شعب جاهلي وغيرة ... كليبية أعيا الرجال خضوعها
وقال المتنبّي:
إذا طلب النيل لم يثأه ... وإن كان دينا على ماطل
من يفيت الثأر ولا يفوته
قال الحرعي:
وإذا طلبت الوتر لم تسبق به ... وتفوت مطلوبا به فتبرحمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٩٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٤) ومما جاء في طلب الثأر والدية والرخصة في الاقتصاص←من يفيت الثأر ولا يفوته
١٩٦ وقال آخر:
وقد يملأ القطر الإناء فيفعم «١»
وقال آخر:
وأول الغيث قطر ثم ينسكب
وقال آخر:
كم بذي الأثل دوحة من قضيب
من الحبة تنبت الشجرة العميمة ومن الجمرة تكون النار العظيمة. التمرة إلى التمرة تمر، والذود إلى الذود إبل. قال صالح:
قد يحقر المرء ما يهوى فيركبه ... حتّى يكون إلى توريطه سببا
وحرب البسوس كانت في ضرب ناب وحرب غطفان بسبب دابة.
وصف الحرب بالشدة
قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن الحرب.
فقال هي مرّة المذاق إذا شمّرت عن الساق، من صبر فيها عرف ومن ضعف عنها تلف.
كما قال:
الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى ببزتها لكل جهول
حتّى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات حليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للشمّ والتقبيل
وقيل: موطنان تذهب فيهما العقول المباشرة والمسابقة. ووصف رجل الحرب فقال: أولها شكوى وآخرها بلوى وأوسطها نجوى. قال الفرزدق:
وجامعة أعناقها بعد ما التوت ... جوامعها ما كان سيق لها مهر
إذا ما ابنها لاقى أخاها تعاوروا ... عيونا من الأعداء أبصارها خزر
وقال أبو تمّام:
ومشهد بين حكم الذلّ منقطع ... حباله بحبال الموت تتّصل
ضنك إذا خرست أبطاله نطقت ... فيه الصّوارم والخطيّة الذبل «٢»
وقال المتنبّي:
ومبتسمات هيجاوات عصر ... عن الأسياف ليس عن الثّغور
وقال السريّ:
تضايق حتّى لو جرى الماء فوقهم ... حماه ازدحام البيض أن يتسرّبامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٩٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٥) ومما جاء في التحذير من الحرب وطلب الصلح←وصف الحرب بالشدة
١٩٧ تبكيت من عرض عليه صلح فلم يقبله واستوخم عاقبته
قال ابن قيس:
ومولىّ دعاه الغيّ والغيّ كاسمه ... وللجبن أسباب تصدّ عن الحزم «١»
أتاني يشبّ الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلمّ إلى السّلم
ولما أبى أرسلت فضلة ثوبه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
فكان صريع الجهل أوّل مرة ... فيا لك من مختار جهل على علم
ضارع يطلب الصلح
قال المتنبّي:
من أطاق التماس شيء طلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
(٦) وممّا جاء في الهزيمة والخوف وأنّ الفرار لا يقي من الموت
قال الله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ
... أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
«٢» وقال أمير المؤمنين يوم الجمل: إن الموت طالب حثيث لا يعجزه المقيم ولا يفوته الهارب، وإن لم تقتلوا تموتوا وإن أشرف الموت القتل. والعرب تقول: أجرأ من خاصي خصّاف وكان جبارا فشهد حربا فوقف حجزه فجاء سهم فغرز في الأرض وجعل يهتز فبحث فرآه قد أصاب يربوعا «٣»، فقال:
لا المرء في شيء ولا اليربوع «٤»
ولا أقتل إلا بأجلي. ثم حمل فخرق الصف، فأنكى «٥» في القوم. قال شاعر:
إن الفرار لا يزيد في الأجل
تفضيل القتل على الهرب
قال سقراط لرجل هرب من الحرب: الهرب من الحرب فضيحة. فقال الرجل: شر من الفضيحة الموت. فقال سقراط: الحياة إذا كانت صالحة فسلم فإذا كانت رديئة فالموت أفضل منها. ولما قتل الإسكندر ملك الهند قال لحكمائه: لم منعتم الملك من الطاعة؟
قالوا: ليموت كريما ولا يعيش تحت الذلّ.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٩٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٦) ومما جاء في الهزيمة والخوف وأن الفرار لا يقي من الموت←تفضيل القتل على الهرب
١٩٨ الممتنع من الفرار
قالت امرأة من عبد القيس:
أبوا أن يفرّوا والقضاء في نحورهم ... ولم يرتقوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أحزما
تعيير من أثار الحرب فهرب
قال عمارة بن عقيل:
ما في السويّة أن تجرّ عليهم ... وتكون في الهيجاء أول صادر
وقال هدبة بن الخشرم:
وليس أخو الحرب ثم الغليظة بالذي ... إذا زيّنته الحرب للسلم أخضعا
قال الحصيفي:
جنيتم علينا الحرب ثم ضجعتم ... إلى السلم لمّا أصبح الأمر مبهما
المعيّر بانهزامه
قال الحجاج في كلامه: ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى أعطانها ألا يلوي الشيخ على بنيه ولا يسأل المرء عن أخيه، قال شاعر:
شرّده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره جرد العلا
قال خراش بن الحارث:
ما أنت إلا كعير خاف ميسمه ... قد يضرط العير والمكواة في النّار
وقال آخر:
فولّيت عنه يرتمي بك سابح ... وقد قابلت أذنيه منه الأخادع «١»
وقال المنصور لبعض الخوارج: عرّفني من أشدّ أصحابي إقداما. فقال: لا أعرفهم بوجوههم فإني لم أر إلا أقفاءهم.
وقال ابن الرومي:
لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه
وقال آخر:
وولّى كما ولّى الظليم من الذّعر
قال المتنبّي:
أشدّ سلاحهم فيه الفرارمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/١٩٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٦) ومما جاء في الهزيمة والخوف وأن الفرار لا يقي من الموت←المعير بانهزامه
١٩٩ المتبجّح بإثارة الحرب والانهزام
قال شاعر:
وكتيبة لبستها بكتيبة ... حتّى إذا التبست نفضت لها يدي
فتركتهم نفض الرماح ظهورهم ... من بين منجدل وآخر مسند
فقال أبو القاسم الدميري: هذا كقول الله ﷾: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ
«١» الآية
المتبجّح بأنه عدا لما رأى العدى
قال تميم بن أسد الخزاعي:
لما رأيت بني نفاسة أقبلوا ... يغشون كلّ وتيرة وحجاب
ونشيت ريح الموت من تلقائهم ... وخشيت وقع مهنّد قرضاب «٢»
رفعت رجلا لا أخاف عثارها ... ونبذت بالمتن العراء ثيابي
تسلية المنهزم
لما انهزم أمية بن عبد الله لم يدر الناس كيف يهنئونه أو يعزّونه فدخل عبد الله بن الأهتم فقال: الحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا فقد تقدمت للشهادة بجهدك ولكن علم الله حاجة الإسلام إليك فأبقاك له.
قال المتنبّي يعتذر عن سيف الدولة في هزيمة وقعت له:
قل للدمستق إنّ المسلمين لكم ... خافوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس تأكل إلا الميت الضبع
وإنّما عرض الله الجنود لكم ... لكي يكونوا بلا فشل إذا رجعوا
فكلّ غزو إليك بعد ذا فله ... وكلّ غاز لسيف الدولة التبع
المظهر الشجاعة خارج الحرب والجبن فيها
قيل: فلان يتثعلب في الهيجاء ويتنمّر في الرخاء. قال شاعر:
يفرّ بحيث تختلف العوالي ... وإن يأمن فذو كبر وتيه
وقال دعبل:
أسود إذا ما كان يوم كريهة ... ولكنّهم يوم اللقاء ثعالبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٢٠٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها←(٦) ومما جاء في الهزيمة والخوف وأن الفرار لا يقي من الموت←المظهر الشجاعة خارج الحرب والجبن فيها
٢٠٠ إن كان مشتغلا فالله يصلحه ... فقد لهونا بأمر منه موصول
ولن تصادف مرعى مونقا أبدا ... إلا وجدت به آثار مأكول
وقيل للأحنف: فلان تزوج بالمرأة التي كانت تحتك فقال: أما أنا فقد كفيته الصيحة وسهلت عليه العورة.
إختيار أجناس النساء
قال عبد الملك: من أراد النجابة فعليه بقيّنات فارس، ومن أراد النباهة فقينات بربر ومن أراد الخدمة فبنات الروم. قال المتنبيّ في تفضيل البدويات:
أين المعير من الآرام ناظره ... أو غير ناظره في الحسن والطّيب
قال سعيد الرستمي:
فدت غازلات الشعر أبكار فارس ... وإن وكلت بي هجرها وبعادها
إذا نصّت التيجان فوق رؤوسها ... وأرسلن من تلك الرؤوس جعادها
من اللائي لم تزجر ببيداء هجمة ... ولم تتلفع بالعشي بجادها «١»
ولم أتبع سمر العراب وأدمها ... ولم أتشوف جملها وسعادها
مدح الولود وذمّ العقيم
قال النبي ﷺ: سوداء ولود خير من حسناء عقيم. وقيل: مثل الحسناء العاقر كشجرة يكثر زهرها ويقل ثمرها.
وذم أعرابي امرأة فقال: ما بطنها بوالد ولا ثديها بناهد ولا فوها ببارد ولا شعرها بوارد.
وقيل لأعرابي: أي النساء أكرم؟ فقال: التي في بطنها غلام وفي حجرها غلام ولها مع الغلمان غلام.
من خطب امرأة فخدعها على الجماع
خطب معلم امرأة وابنها في مكتبه فامتنعت عليه فضرب الابن وقال له: لم لا قلت:
لأمك أير المعلم كبير؟ فعاد الصبي إليها شاكيا فوقع في قلبها وبعثت إليه أحضر شهودا وتزوج بي على بركة الله.
وقال رجل لامرأة خطبها: والله لأملأن بيتك خيرا وحرك أيرا فتزوجته كما ظنت فلم تجده كذلك، فقالت:
قد رأيناك فما أعجبتنا ... وبلوناك فلم نرض الخبرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٢٢٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس عشر في التزويج والأزواج والطلاق والعفة والتديث←(١) مما جاء في النكاح والطلاق وأحوال الأزواج وسياستهن←من خطب امرأة فخدعها على الجماع
٢٠١ هذا الفخ لا تقع فيه. وقال لقمان: كن من خيار النساء على حذر، فأنت من شرارهنّ على يقين. وقال رجل: ما دخل داري شرّ قط. فقال له حكيم: ومن أين دخلت امرأتك؟
وصفهنّ بغلبة الرجال
قال النبي ﷺ: ما من ناقصة العقل والدين أغلب للرجال ذوي الأمر من النساء. وقال معاوية في وصفهن: يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام. قال شاعر:
ويجمعن ضعفا واقتدارا على الفتى ... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
قال الرشيد:
ما لي تطاوعني البريّة كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه غلبن أعزّ من سلطاني
قال الموسوي:
معاداة الرجال على الليالي ... أطيق ولا معاداة النّساء
التحذير من الاعتماد عليهن وذمهنّ
قال أمير المؤمنين: لا تطيعوا النساء على حال ولا تأمنوهنّ على مال، ولا تذروهنّ يدّبرن العيال، فإنهن إن تركن وما يردن أو زدن المهالك وأزلن الممالك، لا دين لهنّ عند لذاتهنّ، ولا ورع لهنّ عند شهواتهنّ، ينسين الخير ويحفظن الشر، يتهافتن في البهتان ويتمادين في الطغيان، ويتصدين للشيطان. وقيل: من أطاع عرسه لم ينفع نفسه. وعارضت امرأة عمر في أمر يديره فقال: ما لكن وأمور الرجال أنما أنتن لعبة إن كانت لنا بكنّ حاجة دعوناكن- قال المتنبيّ:
وللخود منّي حاجة ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب
الحثّ على مخالفتهنّ
قال النبي ﷺ: شاورهن وخالفوهنّ. وقيل: إيّاك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن «١» وعزمهن إلى وهن. وقيل أكثروا لهنّ من لا فإن نعم تغريهنّ بالمسألة.
قال أجدع الهمداني:
تعيّرني بالغزو عرسي وما درت ... بانّي لها في كل ما أمرت ضدّ
ذمهنّ بالجهل والاعوجاج
قيل: إذا وصفت المرأة بالعقل فهي غير بعيدة من الجهل. وقيل: لا تدع المرأة تضرب صبيا فإنه أعقل منها. وفي الحديث: خلقت المرأة من ضلع معوج فلّما أرادتمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٢٣٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس عشر في التزويج والأزواج والطلاق والعفة والتديث←(٢) ومما جاء في قلة الصداق وكثرته←ذمهن بالجهل والاعوجاج
٢٠٢ يسرق هل يلزمه القطع؟ ومرّ القس بسلامة المدنية وهي تغني فأعجبته وطرب وقال: والله إني أحبك. فقالت: نفسي بين يديك فما يمنعك؟ فقال: يمنعني قول الله تعالى الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وأخاف أن تكون خلتنا اليوم عداوة يوم القيامة.
امرأة تعرّض لها رجل فدعته إلى العفاف
قال أعرابي: خرجت في ليلة بهيمة فإذا أنا بجارية كأنها علم فراودتها فقالت: أما لك زاجر من عقل إن لم يكن لك ناه من دين؟ فقلت: أنه لا يرانا إلا الكواكب فقالت: وأين مكوكبها؟ ونزل أسدي بطائيّة في يوم صائف فاتته بقرى «١» ففتنته بعينيها من وراء البرقع فراودها «٢»، فقالت: أما يردعك الكرم والإسلام؟ كل وأقل وإن أردت غير ذلك فارتحل.
وروي أن أبرويز راود امرأة على الفجور، فقالت: أيها الملك إن المرأة طبعت على ثلاثة أجزاء من الإنسانية فإذا افتضت ذهب جزء، وإذا حبلت ذهب جزء وإذا ولدت ذهب جزء، وقد أبيت عن ذلك. فأنا أعيذ الملك أن يخرجني من حد الإنسانية.
وقيل: انقطع بعض أولاد الملوك عن أصحابه ودخل إلى منزل امرأة فراودها، فقالت: حتى نتغذى. فوضعت له خوانا عليه عشرون سكرجة «٣» كلها كامخ فذاقها فرآها لونا واحدا، وطعما واحدا ففطن إلى أنها تشير إلى أن النساء لون واحد وأن الذي معها مع زوجته، فانكفّ عنها.
الممدوح بذلك
قال شاعر:
خلوت بها ليلا ولم أقض حاجة ... ولست على ذاك العفاف بنادم
قال المتنبيّ:
عفيف تروق الشمس صورة وجهه ... فلو نزلت يوما لحاد إلى الظلّ
وقال:
كم حبيب لا عذر في اللوم فيه ... لك فيه من التّقى لوّام
وسمعت امرأة رجلا ينشد:
وكم ليلة قد بتّها غير آثم ... بمهضومة الكشحين ريّانة القلب
قالت له: خزاك الله ألا تأثمت.
من تعفّف عن امرأة حراما فأوصله الله إليها حلالا
كان لأمير المؤمنين ﵇ جارية وعلى بابها مؤذن إذا اجتازت به يقول لها: أنامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٢٤٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس عشر في التزويج والأزواج والطلاق والعفة والتديث←(٣) ومما جاء في العفة←من تعفف عن امرأة حراما فأوصله الله إليها حلالا
٢٠٣ أحبّك فحكت الجارية لأمير المؤمنين فقال لها: قولي له وأنا أحبك، فماذا؟ فقالت له، فقال: نصبر إلى يوم يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب. فأخبرت أمير المؤمنين بذلك فدعاه وقال: خذ هذه الجارية فهي لك.
صعوبة الأمر على من اجتمع فيه العفّة والغزل
نظر محمد بن عبد الله بن الحسين إلى امرأة جميلة فأعجبته، فقال:
أهوى هوى الدين واللذّات تعجبني ... فكيف لي بهوى اللذات والدّين
فقالت يا هذا دع أحدهما تنل الآخر. قال المتنبيّ:
إذا كنت تخشى العار في كلّ خلوة ... فلم تتصبّاك الحسان الخرائد «١»
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشى ... محبّ له في قربه متباعد
المتعفّف عن الجارة
مرّ سفيان بن عيينة بدار فسمع قينة تغني:
ما ضرّ قوما كنت جارهم ... أن لا يكون لبيتهم ستر
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي ينزل القدر
فدقّ الباب وقال مثل هذا علموا فتيتكم.
قال حاتم الطائي:
وما تشتكيني جارتي غير أنّني ... إذا غاب عنها زوجها لا أزورها
سيبلغها خيري فيرجع بعلها ... إليها، ولم ترسل عليها ستورها
وقال:
ربّ بيضاء فرعها يتثنّى ... قد دعتني لوصلها فأبيت «٢»
لم يكن بي تحرّج غير أنّي ... كنت خدنا لزوجها فاستحيت «٣»
قال أبو تمّام:
بيضاء كان لها من غيرها حرم ... ولم يكن يستحلّ الصيد في الحرم
التغازل بالنظر والقول دون الفعل
قيل لأعرابي: ما الزنا عندكم؟ فقال: الشمّة والضمّة والقبلة. فقيل: لكن أهل القرى يعدون ذلك المباضعة فقال: ليس ذلك زنا إنما هو طلب ولد. وقالت جارية لرجل:
إن كانت الغلمة هاجت بكم ... فعالج الغلمة بالصّوممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٢٥٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس عشر في التزويج والأزواج والطلاق والعفة والتديث←(٣) ومما جاء في العفة←التغازل بالنظر والقول دون الفعل
٢٠٤ فقالت: إدفع لي ثمن الأغنام التي ابتعتها منّي فقال: والله ما ابتعت منك شيئا. فقالت لقومه: قولوا له لا يجحد الحق. فقالوا: إن كان حق فلا تجحدنّه. فقال والله ما عرفتها قط فتكشفت عن وجهها وقالت: لعلك لا تستثبتني، فقولوا له يستثبتني فقالوا له: فقال:
والله ما عرفتها قطّ ولا رأيتها ولا شاهدتها، فقالت: مالك تشبب بي وتفضحني؟ فخجل وانزجر ولم يعد وكذّبته عشيرته.
امرأة لطيفة القول بعيدة التناول
قال شاعر:
يحسبنّ من لين الحديث زوانيا ... ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام
ومرّ عبد الله بن جعفر بامرأة مزيّنة مطيّبة جالسة على باب دارها وفي يدها سبحة، فقال: ما التسبيح بمشابه لحالك؟ فأنشدت:
ولله عندي جانب لا أضيعه ... وللهو منّي جانب ونصيب
ولست أبالي من رماني بريبة ... إذا كنت عند الله غير مريب
وقال علي بن الجهم:
وقلن لنا نحن الأهلّة إنّما ... نضيء لمن يسري بليل ولا نقري
فلا بذل إلا ما تزوّد ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
وزاد أبو سعيد الرستمي فقال:
وحسناء لم تأخذ من الشمس شيمة ... سوى قرب مسراها وبعد منالها
وقال المتنبيّ:
كأنّها الشمس تعي كفّ قابضها ... لبعدها ويراها الطرف مقتربا
مدح المرأة العفيفة
قال الشنفرى «١»:
لقد أعجبتني لا سقوط قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفّت
كأن لها في الأرض نسيا تقصّه ... على أمّها أو إن تكلمك تنكت
وقال جميل:
خود من الخفرات البيض لم يرها ... بسدّة البيت لا بعل ولا جارمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٢٥٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الخامس عشر في التزويج والأزواج والطلاق والعفة والتديث←(٣) ومما جاء في العفة←مدح المرأة العفيفة
٢٠٥ سأله القوم: أين أبوك؟ هرّ في وجوههم. وأحب صبياننا الطويل الغزلة أي جلدة الذكر السبط الغرّة العريض الورك، الأبله الغفول الذي يطيع عمّه ويعصي أمه. إن سأله القوم أين أبوك؟ قال: معكم.
الموصوف بحسن الوجه وإشراقه
فلان كأنه شهاب في ظلمة الليل ساطع وكوكب في أفق السماء لامع، قال ابن عبدل الأسدي:
وكأنّما نظروا إلى قمر ... أو حيث علّق قوسه زحل
وقال ابن العنقاء:
كأن الثريّا علّقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر
وقال أوس بن حجر:
يجرّد في السّربال أبيض صارما ... مبينا لعين النّاظر المتوسّم «١»
وقال آخر:
تراه كالبدر جلى ليلة الظّلم
وقال ابن الرومي:
كأنه الشمس إذا وافى المنيف بها ... على البريّة لا نار على علم
الموصوف بالقبح
يقال: أقبح من القبيحة في عين ضرّتها، كما يقال: أحسن من الحسناء في عين أمها، وأقبح من زوال النعمى وفوت المنى وطلعة الردى وأسمج من واو عمرو.
قال شاعر:
ووجهك من وجه يوم الفرا ... ق في مقلتي عاشق، أقبح
لما سمع بشّار قول حمّاد عجرد فيه:
شبيه الوجه بالقرد ... إذا ما عمي القرد
بكى وقال: ألم يكفه تشبيهي بالقرد حتى جعله أعمى. هو يراني فيصفني ولست أراه فأصفه، وقال المتنبّي:
وإذا أشار محدّثا فكأنّه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
وقيل: أقبح من العزالى «٢» ومن زوال النعمة، ومن الحدثان ومن سنة بلا نيل. ووقعمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٠٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(١) الخلقة المستحسنة عند العرب←الموصوف بالقبح
٢٠٦ الحدب
قال الجاحظ: من اعتراه الحدب طال أيره واشتد شقّه وكثر خبثه وظرفه. وأتى بعض الولاة بأحدب جنى جناية فقال: لأضربنك ضربا يقيم ظهرك فقال إنك إذا لعظيم البركة.
وقال شاعر:
تعدو الجياد بخالد ... فكأنّما تعدو بقربه «١»
تيس أنب من التي ... وس كأنّ لحيته مذبّه
العرج
قال بشر:
إذا غدوا وعصى الطلح أرجلهم ... كما ينصبّ وسط البيعة الصلب
وقال:
قد كنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على رجل من الشّجر
وقال:
وما بي من عيب الفتى غير أنّني ... جعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي
وقال الغساني:
إذا ما تعدّت بي وسارت مخفّة ... لها أرجل يسعى بها رجلان
وما كنت من فرسانها غير أنّها ... وفت لي لما خانت القدمان
الاعتذار من سواد اللون ومدحه
وقال عبد بني الحسحاس:
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق
وقال:
وما ضرّ أثوابي سوادي وتحته ... لباس من العلياء بيض نبائقه «٢»
وقال المتنبّي:
فدى لأبي المسك الكرام فإنّها ... سوابق خيل يهتدين بأدهم
وقيل لنصيّب أيها العبد الأسود فقال: أما العبودية فإنّي ولدت حرا، وأما السواد فأنا كما قال:
فإن يك حائلا لوني فإنّي ... لعقل غير ذي سقط وعاءمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣١٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(١) الخلقة المستحسنة عند العرب←الاعتذار من سواد اللون ومدحه
٢٠٧ من هو قيد النواظر لجماله
قيل هو قيد النواظر. قال أبو فراس:
فإذا بدا اقتادت محاسنه ... قسرا إليه أعنّة الحدق
قال ابن المعتز:
منظره قيد عيون الورى ... فليس خلق يتعدّاه
قال أبو نواس:
للحسن في وجناته بدع ... ما أن يملّ الدرس قاريها
من هو في الحسن كالنار أو كالثلج
قال أعرابي: رأيت جارية كأنها نار موقدة، وقال:
كجمر غضى هبّت له الريح ذاكيا «١»
قال ديك الجن:
إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السّرج
من أعطى من الحسن مشتهاه
قال أبو نواس:
خلّيت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب
فاكتسب منه طرائفه ... واستزادت فضل ما تهب
وقال المتنبّي:
حبيب كأن الحسن كان يحبّه ... فآثره أو جار في الحسن قاسمه
وقال محمد بن وهب:
قد خلع الحسن على وجهه ... سربال محمود ومحسود
حسن السافرة
قال بعضهم:
وجوه زهاها الحسن أن تتنقّبا
وقال الشماخ:
أطارت من الحسن الرداء المحبّرا
قال يزيد بن التترية:
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٢٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٢) ومما جاء في محاسن المحبوب وميل النفوس إليه←حسن السافرة
٢٠٨ قال بعضهم:
لها حاجبان الحسن والقبح منهما ... كأنّهما نونان من كفّ عاشق
العين المكسرة
يستحسن في صفتها قول بشار:
حوراء إن نظرت إلي ... ك سقتك بالعينين خمرا «١»
وكأنّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا «٢»
وسمع ذو الرمّة إنسانا ينشد قوله:
وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فقال ذو الرّمة فعولان كأنه تورّع أن يقول فعولين فيكون ذلك بأمر الله تعالى.
العين الفاترة
وسنان أقصده النعاس فرنّقت ... في عينه سنّة وليس بنائم
قال البحتري:
وكأنّ في جسمي الذي ... في ناظريك من السّقم
وله:
ما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فتون مستجلب من فتور
قال أبو عبيدة يعجبني من شعر أبي نواس قوله:
بعيدة كرّ الطرف تحسب أنّها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم
العين الجارحة
قال أشجع:
وتنال منك بحدّ مقلتها ... ما لا ينال بحدّ النصل
وقال أبو تمّام:
إن لله في العباد منايا ... سلطتها على القلوب العيون
وقال المتنبّي:
من طاعني ثغر الرّجال جآذر ... ومن الرّماح دمالج وخلاخل «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٢٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٢) ومما جاء في محاسن المحبوب وميل النفوس إليه←العين الجارحة
٢٠٩ ولذا إسم أغطية العيون جفونها ... من أنّها عمل السيوف عوامل
وقال جعفر المصري:
نظرت إليها نظرة فكأنّما ... نظرت بتلك العين سكين شاطر
العين الساحرة
قال كشاجم
بالله يا متغرّدا في حسنه ... ومقلبا هاروت بين محاجره
وقال الصاحب:
ولو أن هاروتا رأى فتر عينه ... تعلّم كيف السحر من حدّ جفنه
العين الكحلاء
وقال صالح بن عبد القدوس:
كحل الجمال جفون أعينها ... فغنين عن كحل بلا كحل
وقال:
كأنّهما مكحولتان بأثمد ... وما بهما غير الملاحة من كحل
وقال المتنبّي:
ليس التكحّل في العينين كالكحل
العين الحولاء
قال الصاحب من بديع ما قيل في الحول:
نظرت إليها والرقيب يخالني ... نظرت إليه فاسترحت من العذل
العين الضيّقة
قال الخوارزمي:
بأبي من عينه أبدا ... في عدات وهي لا تعد
وقال:
يقارب ما بين الجفون كأنّما ... يلاحظ من شقّ على حرف درهم
حسن الأنف
وقال طريح بن إسماعيل:
ولين المنخرين معتدل ال ... مارن لا سابل ولا جعد
حسن الثغر
قيل: الثغر الحسن يحلّي الوجه القبيح قال البحتري:
كأنّما يفترّ عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاحمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٢٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٢) ومما جاء في محاسن المحبوب وميل النفوس إليه←حسن الثغر
٢١٠ وله:
لك من ثغره ومن خدّه ما ... شئت من أقحوان أو جلّنار «١»
ومن جيّده لبعض القدماء:
إذا ما اجتلى الراني إليها بطرفه ... غروب ثناياها أضاء وأظلما
الأسنان
قال المتنبّي:
ويبسمن عن درّ تقلّدن مثله ... كأنّ التراقي وشّحت بالمباسم
وقال طرفة:
برد أبيض مصقول الأشر
وقال البحتري:
لها مبسم كالبدر يضحك عن درّ
وقال الزاهر:
نونات درّ على دالات مرجان
وقال ذو الرمة:
جرى الأسحل الأحوى بطفل مطرّف ... على الغرّ من أنيابها فهي نصّع
طيب الفم
قال كشاجم:
تبسّم عن واضح برود ... تضيق عن طيبه الكؤوس
قال المتنبّي:
وأشنب معسول برد الثّنايا ... لذيذ المقبّل والمبتسم
ويقال: فمها أعذب من برد الشراب وجسمها أعجب من برد الشباب.
من ذكر طيب فم زعم أنّه لم يذقه
أول من قاله النابغة فقال:
زعم الهمام ولم أذقه، أنّه ... يشفى بريّا ريقها العطش الصّدي
قال بشّار:
يا أطيب النّاس ريقا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
طيب الفم وحسن المبتسم معا
قال ابن الرومي:
وقبّلت أفواها عذابا كأنّها ... ينابيع خمر حصبت لؤلؤ البحرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٢٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٢) ومما جاء في محاسن المحبوب وميل النفوس إليه←طيب الفم وحسن المبتسم معا
٢١١ وقال آخر:
عضّت العنّاب بالبرد «١»
وقال المتنبّي:
ويمسح الطلّ فوق الورد بالعنم
البنان المخضّبة
قال بعضهم:
أنابيب درّ قمعت بعقيق «٢»
وقال الناشي:
كأن تطاريف الخضاب بكفّها ... فصوص عقيق فوق قضب زبرجد
وقال ابن الرومي:
وكفّ كأنّ الشمس أبدت بنانها ... إلى الليل مخضوبا فقمعها الليل «٣»
ونقال دعبل يهجو:
كأنّما كفّها إذا اختضبت ... مخلب باز قد ضرّجت بدم
طول القامة
قال تميم:
يهززن للمشي أعطافا منعّمة ... هزّ الجنوب ضحى أغصان يبرينا «٤»
أو كاهتزاز ردينيّ تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا «٥»
وقال آخر:
ويخجل الغصن من تثنّيه «٦»
وقال أبو نواس:
طويلة خوط المتن عند قيامها ... ولي بالطويلات المتون ولوع
وأنشد بشار قول المجنون:
إلا إنّما ليلي عصا خيزرانة ... إذا غمزتها الكفّ فهي تلين
فقال: والله لو جعلها عصا مخ أو ثريد لكان قد هجن فكيف بذكر العصا هلا قال كما قلت:
وحوراء المدامع من معدّ ... كأنّ حديثها قطع الجمان «٧»
إذا قامت لحاجتها تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزرانمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٣٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٢) ومما جاء في محاسن المحبوب وميل النفوس إليه←طول القامة
٢١٢ دقّة الخصر
مخصّر الخصر هضيم الحشى ... صغير ثناء الوشاحين «١»
وقال آخر:
هضيم الكشح حاملة الوشاح
قال امرؤ القيس:
وكشح لطيف كالجديل مخصّر «٢»
قال ابن الرومي:
ظبي كأنّ بخصره ... من ضمره ظمأ وجوعا
قال السريّ الرّفاء:
ضعفت معاقد خصره وعهوده ... فكأن عقد الخصر عهد وفائه
قال المتنبّي:
وخصر تثبّت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
قال الرّفاء:
أحاطت عيون الناظرين بخصره ... فهنّ له دون النطاق نطاق
عظم المخلخل ودقّة الخصر
قال أعرابي: أقبلن وخصورهن تخنق وحجولهن تقلق فكنا بين أسير ومطلق قال عبّاس:
بكى وشاحاها فلم يسكتا ... وإنّما أبكاهما الجوع
ما بال خلخالك ذا خرسة ... لسان خلخالك مقطوع
وفيه:
خلخالها مشبع ... وشاحها مجوع
وقال عبيد الله بن طاهر:
وشاحها يحسد خلخالها ... كجائع يحسد شبعانا
وعكس ذلك دعبل فقال:
خلخالها يسحب في ساقها ... وقرطها في الجيد ما ينطق
وقال ابن أبي زرعة:
فاستكتمت خلخالها ومشت ... تحت الظّلام به فما نطقامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٣٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٢) ومما جاء في محاسن المحبوب وميل النفوس إليه←عظم المخلخل ودقة الخصر
٢١٣ حتّى إذا ريح الصّبا نسمت ... ملأ العبير بسرّنا الطرقا
عظم الكفل مع دقّة الخصر
قال ابن الطثرية:
عقيليّة أما ملاة إزارها ... فدعص وأما خصرها فنبيل «١»
وقال المتنبّي:
كأنّما قدّها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل «٢»
يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنّه من فراقها وجل «٣»
وقال علي بن عاصم:
بيض سرقن من الصّريم عيونها ... ومن الصّريم مآكم الأكفال «٤»
مدح عظم الثدي وتناهده
قيل: لا تحسن المرأة حتى يعظم ثدياها. وقيل: خير الثدي ما يدفئ الضجيع ويروي الرضيع. وقيل للنظّام: أي مقادير الثدي أحمد؟ فقال: وجدت الناس مختلفين في الشهوات، ولكن سمعت الله تعالى يقول في وصف الحور وكواعب أترابا ولم يقل فوالك ولا نواهد.
وقال مسلم:
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصّبا ... وقد فاجأتها العين والشرّ واقع
فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع
قال محمد بن الحسن الأزدي:
وقابلتني بفتور الجفون ... ومستوقرين على منبر
بحقّين من لبّ كافورة ... برأسيهما نقطتا عنبر
وقال ديك الجن:
وذات رمّانتين في طبق ... من فضّة فصصا بفصّين
تناهد الثدي مع عظم العجيزة
قال عروة بن الورد:
أبت الروادف والثّدي لقمصها ... مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا
وإذا الرياح مع العشيّ تناوحت ... نبّهن حاسدة وهجن غيورا
وصف أعرابي امرأة فقال: بيضاء جعدة لا يمس الثوب إلا مشاشة منكبيها وحلمةمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٣٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٢) ومما جاء في محاسن المحبوب وميل النفوس إليه←تناهد الثدي مع عظم العجيزة
٢١٤ الدمى وأضوأ من النهار إذا استنار وأبهى من سرابيل «١» الأنوار. لا يجري بوصفه الوهم، ولا يبلغ نعته الفهم. كأنّ أنفه قصبة درّ وحدّ حسام وكأنّ فمه حلقة خاتم، وكأنّ جيده جيد ظبي قد أتلع «٢» لرؤية قانص «٣»، سبط الأنامل، لين القصب دقيق الخصر حلو الشمائل، كأنما خلق من كل قلب. فكل طرف له فيه حظّ ولكل قلب إليه ميل.
وقيل في وصف جارية: وجهها كضوء البدر، وخدّها كجني الورد ولسانها ساحر، وطرفها فأتر. ضمّها بهيج اللوعة، ونطقها ينقع الغلة «٤» تنهض بقدّ كالقضيب، وتدبر بكفل كالكثيب ثديها يرنو إلى ذقنها، ولا يطرف عكنها»
شعرها، لاحق بذيلها في مثل سواد ليلها، ثغرها كاللؤلؤ النظيم، يجلو دجا الليل البهيم، ريحها «٦» كالراح المعتّق ختامه كالمسك المفتق، يستجمع صنوف النعيم مضاجعها، ولا يأسى على ما فاته مالكها، صحيحة الحدقة، مريضة الجفون كأنّ ساعدها طلعة، ومعصمها جمار، وأصابعها مداري فضة. وكأنّ نحرها من ساج وبشرتها من زجاج وسرتها من عاج ولينها من خز، ودثارتها من قز.
وقال أعرابي في وصف امرأة: عذب ثناياها «٧» وسهل خدّاها ونهد ثدياها ولطف كفّاها ونعم ساعداها، وعرضت وركاها والتفّت خداها، وخدلت ساقها، فتلك هي النفس ومناها.
قال المرقش الأكبر:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم
وقال علي بن عاصم:
السيف مضحكه والقوس حاجبه ... والنّبل عيناه والأشفار أرماح «٨»
وقال المتنبّي:
سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق
ما يجب أن تكون عليه الحسان من حسن الجوارح
يجب أن يكون في المرأة، أربعة أشياء سود: شعر الرأس والحاجبان وأشفار العين والحدقة، وأربعة بيض: اللون وبياض العين والأسنان والساق، وأربعة حمر: اللسانمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٣٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٣) أوصاف مجموعة من الجمال←ما يجب أن تكون عليه الحسان من حسن الجوارح
٢١٥ وقال ابن المعتز:
أنت في الأربعين مثلك في ... العشرين قل لي متى يكون الفلاح؟
قال المتنبي:
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ... ولو أنّ ما في الوجه منه خراب
يغير منّي الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب
قال أبو سعيد الرستمي:
قبيح بذي الشيب أن يطربا ... وما للمشيب وما للصّبا
أمن بعد خمسين ضاعت سدى ... وأودى بها اللهو أيدي سبا «١»
تشيم بروق الدمى دائما ... وقد شامت العارض الأشيبا
وأقبح بذي عارض أشيب ... إذا قابل العارض الأشنبا «٢»
وأهلك واللّيل بادر به ... فقد كادت الشمس أن تغربا
قال علي بن عبد العزيز:
التّصابي بلا شباب محال
من أقلع لظهور شيبه
نظر إياس بن معاوية في المرآة فرأى شيبة في لحيته فقال: لا أراني سمير الحاجات بني تميم فلزم بيته ولم يدخل بعد ذلك على السلطان، وقال مسلمة بن عبد الملك: ما وعظني شعر ما وعظني ما قال عمرو بن حطان:
صبا ما صبا حتّى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل أبعد
وقال أعرابي: فلان وضع رداء مجونه لما بدا الفجر من ليالي قرونه. وقيل لرجل:
ألا تشرب؟ فقال: في شيب الرأس مطردة عن الكاس. وكان الرجل إذا بلغ أربعين طوى فرشه وجدّ في عمله.
وقيل: ثلاثة كل منها يقتضي تجنب الصبا: ظهور الشيب والتحصن بالتزوّج والحج إلى بيت الله الحرام.
وقالت امرأة لرجل: كان يخادنها ما فعل غزلك؟ فقال: أماته شيب العارضين.
قال أبو الفرج الببغاء:
لا عذر بعد عذار شاب أكثره ... فالشيب أوعظ أعذار وأنذارمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٤٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٥) ومما جاء في وصف اللحية والشيب والخضاب وذكر المعمرين←من أقلع لظهور شيبه
٢١٦ الذي قد انثلم «١»، ورأي الشبّان كالزند الصحيح الذي يورى بأيسر اقتداح.
مدح الشيب بالوقار والعفة
تأمل حكيم شيبة فقال: مرحبا بزهرة الحنكة وثمرة الهدى ومقدّمة العفة ولباس التقوى. وروي أن إبراهيم ﵇ لما بدا الشيب بعارضيه قال: يا ربّ ما هذا؟ قال:
وقار. قال: يا ربّ زدني وقارا.
وعيّر حكيم بالشيب فقال: الشيب نور يورثه تعاقب الليالي والأيام، وحلم يفيده مرّ الشهور والأعوام، ووقار تلبسه مدة العمر ومضي الدهر.
قال دعبل:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنّه ... سمة العفيف وحلية المتحرّج
ضيف ألمّ بمفرقي فقريته ... رفض الغواية واقتصاد المنهج
وقال أبو تمّام:
ولا يروعك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب «٢»
مناقضة من مدح الشيب بالوقار
قال أبو تمّام:
حلمتني زعمتم وأراني ... قبل هذا التحليم كنت حليما
دقّة في الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمّي اللديغ سليما
قال المتنبّي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... منّي بحلمي الذي أطعت وتجريبي «٣»
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشّيب
قال عبدان:
إن شيئا نعى إلى حياتي ... لبغيض وإن أفاد الرشاد
قال الموسوي:
غالطوني عن المشيب وقالوا ... لا ترع إنّه جلاء الحسام
قلت بل مرّ بي على الرأس منه ... صارم الجدّ في يد الأياممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٥٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٥) ومما جاء في وصف اللحية والشيب والخضاب وذكر المعمرين←مناقضة من مدح الشيب بالوقار
٢١٧ (٦) في حسن الشباب وطيبه وقبح الشّيب وعيبه
قال عكرمة في قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
«١» إلى الهرم، وللأخطل:
لا تحمدنّ شعرا تغشا ... هـ البياض فليس يحمد
قد كنت أبيض في القلو ... ب زمان كنت تراه أسود
قال أبو تمّام:
غرّة بهمة ألا إنّما كن ... ت أغرّا أيام كنت بهيما «٢»
وقال:
إن قبح البياض في شعر الرأ ... س كقبح البياض في الأحداق «٣»
وقال المتنبي:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السّواد
وقال أبو تمّام:
لو رأى الله أنّ في الشيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وقال البحتري:
وددت بياض السيف يوم لقيتها ... كأنّ بياض الشيب كان بمفرقي
وقال المتنبي:
ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللمم
وقال الموسوي:
ما كان أضوا ذلك الليل في ... سواد عطفيه ولم يقمر
التسمية بما يدل على الكبر ذمّ
لو قيل لعجوز منحنية يا عجوز ويا جدة لغضبت واستوحشت ولو قيل يا جارية لقالتمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٥٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٦) في حسن الشباب وطيبه وقبح الشيب وعيبه←التسمية بما يدل على الكبر ذم
٢١٨ لبيك وسعديك، وعلى ذلك يا شيخ ويا فتى. قال يزيد بن عتاب:
يا حرقة القلب بيا شيخ ويا ... برد الفؤاد حين يدعى يا فتى
وقال:
وإذا دعوتك عمّهن فإنّه ... نسب يزيدك عندهنّ خبالا «١»
وقد ظرف البحتري في قوله:
يتظرّفن للذليل المسمّى ... من تصاب دون العزيز المكنّى
وقال أبو حازم:
إذا ما دعوت الشيخ شيخا هجوته ... وحسبك مدحا للفتى قول يا فتى
إزورار النساء عن الشيب
قال بعض المشايخ: رأيت امرأة راقتني فقلت هل لك فيّ؟ فقالت: إن بي عيبا شيب رأسي فثنيت عناني. فصاحت أثبت وكشفت عن شعر كالحمم وقالت: إني أكره من الشيب ما كرهته. قال المتنبي:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهنّ من الرّجال
وقال ابن الرومي:
أعر طرفك المرآة وانظر فإن نبا ... بعينك منه الشيب فالبيض أعذر «٢»
إذا شنأت عين الفتى شيب نفسه ... فعين سواه بالشناءة أجدر
وقال ابن المعتز:
لقد أبغضت نفسي في مشيبي ... فكيف يحبّني البيض الكعاب
قال الحكم الحضرمي:
قد كان يعجب بعضهنّ نزاعتي ... حتّى سمعن تنحنحي وسعالي
وقال الصاحب: قد سبق ابن المعتز كل من قال في رغبة النساء عن المشيب بقوله:
فظللت أطلب وصلها بتذلّل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
وقال:
الشيب أعظم ذنبا عند غايته ... من ابن ملجم عند الفاطمينامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٥٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٦) في حسن الشباب وطيبه وقبح الشيب وعيبه←إزورار النساء عن الشيب
٢١٩ (٧) البكاء على فقد الشباب والتأسف له
نظر رجل إلى شيبة في رأسه فجمع نساءه وقال: أندبنني فد مات بعضي.
قال الخزيمي:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فبعض الشيء من بعض قريب
وقال محمود الورّاق:
أليس عجيبا بأنّ الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجع ... وبين معنى معز إليه
ويسلبه الدهر شرخ الشباب ... وليس يعزّيه خلق عليه «١»
وقال:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناك حتّى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
ذمّ الشباب بقلّة الوفاء واللبث والتسلّي عنه
قال شاعر:
ما في يدي من الصّبا ... إلا الندامة والأسف
كان الشباب كزائر ... ملّ الزيارة وانصرف
قال بعضهم:
لم أقل للشباب في دعة ... الله وفي حفظه غداة تولّى
زائر زارني أقام قليلا ... سوّد الصحف بالذّنوب وولّى
قال منصور الفقيه:
ما كان أقصر أيام الشباب وما ... أبقى حلاوة ذكراه التي يدع
وقال المتنبّي:
مشيب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقّيه وبانيه هادمه
تمني عوده والدعاء لهمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٥٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد السابع عشر في خلق الإنسان←(٧) البكاء على فقد الشباب والتأسف له←تمني عوده والدعاء له
٢٢٠ وقيل: أحقّ الناس بحلتك أصدقهم في خلتك وقيل: ثوبك على أخيك باليا أحسن منه عليك جديدا وقال المهلب لأولاده: ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم.
من تزيّن به الثّياب ولا يتزيّن بها
كتب بعضهم: فلان تتزين به المطارف وتتشرف به المكارم.
قال بشّار:
زين الملابس حين يلبسها ... وإذا تسلّب زانه سلبه
وقال:
إنّ المليحة من تزيّن حليها ... لا من غدت بحليها تتزين
قال جميل:
إذا ابتزلت لم يزرها ترك زينة ... وفيها إذا ازدانت لدى نيقة حسب «١»
قال المتنبّي:
لبسن الوشي لا متجمّلات ... ولكن كي يصنّ به الجمالا
قال كشاجم:
قد تأمّلت في الغلالة منه ... جسد النّور في قميص الهواء
ذمّ من حسن لباسه ولؤم فعاله وخلقه
ذمّ أعرابي رجلا فقال: هو عبل البدن حسن الثياب عظيم الرواق صغير الأخلاق.
الدهر يرفعه ونفسه تضعه. ونظر أرسطاطاليس إلى رجل حسن اللباس سيء الكلام فقال له:
يا رجل تكلم على قدر لباسك أو ألبس على قدر كلامك. وقيل ثوب نظيف وجسم سخيف. قال شاعر:
إذا لبسوا دكن الخزوز وخضرها ... وراحوا فقد راحت عليك المشاجب «٢»
قال الفرزدق:
بكى الخزّ من عوف وأنكر جلده ... وعجّت عجيجا من جذام المطارف «٣»
وقال البسامي:
كأنّه لمّا بدا مقبلا ... في حلل يقصر عن لبسها
جارية رعناء قد قدّرت ... ثياب مولاها على نفسهامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٧٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن عشر في الملابس والطيب←(١) الرخصة في إجادة الملبس وعذر فاعله دينا ودنيا←ذم من حسن لباسه ولؤم فعاله وخلقه
٢٢١ قال الخوارزمي:
أبو سعد له ثوب نفيس ... ولكن تحت ذاك الثوب عزبه «١»
فإن جاوزت كسوته إليه ... فليس وراء عبادان قربه «٢»
وقال:
وما الثقفيّ إن جادت كساه ... وراعك شخصه إلّا خيال «٣»
وقال آخر:
استجيدوا الثياب إنّ حمار السّوء ... تخفى عيوبه بالجلال «٤»
وقال المتنبّي:
ولا يروق مضيما حسن بزّته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن «٥»
ذمّ ملابس التصوّف
قال ابن السماك الصوفي: إن كان لباسكم وفقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطّلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لها فقد نافقتم وهلكتم. وقال الحسن فيما أظن أن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم وكبرهم في صدورهم حتى لصاحب المدرّعة بمدرعته أشد فرحا من صاحب المطرف بمطرفه.
حمد لبس الصّوف وذمّه
روي عن النبيّ ﷺ: من لبس الصوف وأكل خبز الشعير وركب الأتان فليس فيه شيء من الكبر. وقيل: من أحب أن يجد حلاوة الإيمان فليلبس الصوف. وقيل: لراهب لم تلبسون السواد؟ قال: لأنه أشبه بلباس المصيبة.
وقال ابن سيرين: كان عيسى ﵇ يلبس الصوف ونبيّنا يلبس الكتان وهو أحب إلينا أن نقتدي به.
لبس الحرير والكتّان
قال النبي ﷺ: إنما يلبس الحرير من لا خلاق له وروي أنه ﷺ خرج وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب فقال: هذان على ذكور أمّتي حرامان حلالان على أناثهم.
وقال بعض الأمراء لحاجبه: أدخل إليّ رجلا عاقلا فأدخل رجلا فقال: من أين عرفت عقله؟ قال: رأيته لبس الكتان في الصيف والقطن في الشتاء والعتيق في الحرّ والجديد فيمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٨٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن عشر في الملابس والطيب←(١) الرخصة في إجادة الملبس وعذر فاعله دينا ودنيا←لبس الحرير والكتان
٢٢٢ ترى الملوك وقوفا حول مالكها ... وعدّة الدولة المأمول يعليها
وقال الرّفاء:
صنعت فوقها التماثيل أيد ... عاجزات عن صنعة الخلّاق
ألبستها محاسن الخلق لما ... عجزت عن محاسن الأخلاق
حيوان بلا حياة فمنه ... حائد من منية وملاق «١»
وقال المتنبّي:
وأحسن من ماء الشبيبة كلّه ... حيا بارق في فازة أنا شائمه «٢»
عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغنّ حمائمه «٣»
ترى حيوان البر منسرحا بها ... يحارب ضدّ ضدّه ويسالمه
إذا ضربته الرّيح ماج كأنّه ... تجول مذاكيه وتذأى ضراغمه «٤»
وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة ... لأبيض لا تيجان إلّا عمائمه «٥»
وقال الببغاء في تمثال سبع في رمح:
وضيغم في ذابل يلوح ... مساور تسيل منه الروح «٦»
جسم ولكن ليس فيه روح
في صورة أفعى:
ومارق معتدل الكعوب ... يقلّ أفعى مدّة التركيب
تدب في الجو بلا دبيب
اللّبد
قال أبو طالب المأموني:
وواضعة خدّها بالصّعيد ... لأربابها فلها حرمه «٧»
منسجة من جلود النّعاج ... بغير سداء ولا لحمهمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٨٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثامن عشر في الملابس والطيب←(٢) ومما جاء في آلات الدار←اللبد
٢٢٣ ودعوت ربّي بالسلامة جاهدا ... ليصحّني فإذا السلامة داء
وقال:
لو لم يوكل بالفتى ... إلا السلامة والنّعم
فتداولاه لا وشكا ... أن يسلماه إلى الهرم
قال معدي كرب:
أراني كلّما أبليت يوما ... أتاني بعده يوم جديد
يعود شبابه في كلّ فجر ... ويأبى لي شبابي ما يعود
وقال الصّلتان:
إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي
فرح الدّنيا مشوب بالترح ومعقب بالهموم
قيل: في كل جرعة شرطة ومع كل أكلة غصة. ونظر أنوشروان إلى ملكه فأعجبه، فقال: هذا ملك لولا أنه هالك ونعيم لولا أنه عديم، وغناء، لولا أنه عناء وسرور لولا أنه شرور، ويوم لو كان يوثق له بغد، قال المغيرة بن جيناء:
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
وقال:
لا يغرّنّك عيش ساكن ... قد تولّى بالمنيات السّحر
وقال:
إنّ الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلّا أساءت إليه بعد إحسان
وقال بعضهم: ما من إنسان قيل له: طوباك إلا وقد هيأ له الدهر يوم سوء، قال المتنبّي:
ومن كان في السّراء في حال معجب ... فمحصوله منها على حال نادم
وقال ابن لنكك:
كلّ من حاز سرورا ... أو نعيما هو فيه
فالمنايا والرزايا ... عن قريب تقتضيه
وقال:
لم يشفع الدهر الخؤون لمهجة ... في العمر إلا عاد وهو خصيمها «١»
الدّنيا هموم وغموممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٣٩٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع عشر في ذم الدنيا ونوبها←(١) أسماء الدنيا←الدنيا هموم وغموم
٢٢٤ وقال:
يذمون دنيا لا يرجّون درّها ... ولم أر كالدنيا يذمّ ويحلب
وقال سابق البربري:
النفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها
وقال أبو العتاهية:
كلّنا يكثر المذمّة للد ... نيا وكلّ بحبّها مفتون
وقال الموسوي:
دنيا تضرّ ولا تسرّ وذا الورى ... كلّ يجاذبها وكلّ عائب
الدّنيا ضارّة لأهلها
قيل: الدنيا تضرّ محبيها ما كرمت على أحد نفسه إلا هانت عليه الدنيا. وقيل: أوحى الله إلى الدنيا إن اخدمي من جفاك واستخدمي من يهواك.
وقال عمر بن عبد العزيز: الدنيا لا تضرّ إلا من أمنها ولا تنفع إلا من حذرها.
وقال عمر ﵁: ما كانت الدنيا هم امرئ إلا لزم قلبه خصال أربع، فقر لا يدرك غناه وهم لا ينقضي مداه وشغل لا ينفد أولاه وأمل لا يدرك منتهاه.
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلّما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كلّ من هانت عليه
وقال المتنبّي:
وكلّ يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
وقال ابن نباتة:
تملّ مآرب الأيام منّا ... ونعشقها لقد عظم البلاء «١»
وقال أبو العيناء:
مذمومة بالهمّ مخطوبة ... سم زعاف درّ أخلافها «٢»
ولم تزل تقتل ألافها ... أفّ لمن تقتل ألّافها
تبكيت النّفس في الميل إلى الدّنيا مع المعرفة بها
قال شاعر:
ومن عجب الدنيا ركوني وصبوتي ... إليها على سنّي كأني وليدها
أجاري الليالي ليلة بعد ليلة ... مشيحا كأنّي تربها وطريدها «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٤٠٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع عشر في ذم الدنيا ونوبها←(١) أسماء الدنيا←تبكيت النفس في الميل إلى الدنيا مع المعرفة بها
٢٢٥ تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أي الفاعل هو الله لا الدهر. قال الشيخ أبو القاسم الراغب:
ألمّ بهذا المعنى الخوارزمي، فقال:
وكم نكني وكم نهجو الليالي ... وليس بخصمنا إلا القضاء
وقال الناجم:
نعيب زماننا والعيب فينا ... ولو نطق الزمان بنا هجانا
وقال رجل للأصمعي: فسد الزمان، فقال:
إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس «١»
وقال أبو عبد الرحمن الأصم لأبي العتاهية: أي خلق الله أصغر عنده؟ قال: الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة، قال: أصغر منها محبّها.
لم يفسد الدهر لكنّ أهله فسدوا
وقال المتنبّي:
ألا لا أري الأحداث حمدا ولا ذمّا ... فما بطشها جهلا ولا كفّها حلما
الدّهر يتراذل
قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: معروف زماننا منكر زمان قد فات ومنكره معروف زمان لم يأت. وسمع زياد امرأة تقول: اللهم أعزل عنا زيادا، فقال لها: زيدي في دعائك وأبدي لنا خيرا منه فإن الأخير أبدا شر.
وقال بعض العلماء: آخر الناس شرارهم الذين تقوم عليهم القيامة.
حمد ماضي الزّمان وذمّ حاضره
كانت عائشة ﵂ تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب «٢»
وتقول: رحم الله لبيدا كيف لو عاش إلى زماننا. وكان ابن الزبير ينشده ويقول:
رحم الله عائشة كيف لو عاشت إلى زماننا. وقال بعضهم: كان الناس ورقا بلا شوك، فصاروا شوكا بلا ورق.
وقال شاعر:
لم أبك من زمن شكوت صروفه ... إلّا بكيت عليه حين يزول
وقال:
ننسى أيادي الزمان فينا وما ... نذكر من دهرنا سوى نوبه «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٤٠٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع عشر في ذم الدنيا ونوبها←(١) أسماء الدنيا←حمد ماضي الزمان وذم حاضره
٢٢٦ فأنالني ما أرتجي ... وأجار ممّا أتّقي
فلأغفرنّ له الكبير ... من الذّنوب السّبق
حتّى جنايته بما ... فعل المشيب بمفرقي
وقال آخر:
ربّما أحسن الزما ... ن وإن كان قد أسا
وقال وهو الصدق:
وآخر إحسان الليالي إساءة ... على أنّها قد تتبع العسر باليسر
أصحاب الرّجاء والخوف
قال شاعر:
في كلّ شيء أرتجي مخافة ... في كلّ شيء أشتهيه آفه
فضل العافية وسلامة الدين
قال النبي ﷺ: من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا. وقيل: أراني غنيّا ما كنت سويّا. وقيل: من أوتي العافية فظنّ أن أحدا أوتي أكثر منه فقد قلّل كثيرا وكثرّ قليلا.
وقيل: صلاح الآخرة بخلّة واحدة وهي التقوى وصلاح الدنيا بثلاث: العافية والغنى والعمر.
وقيل: العافية الملك الخفيّ الهنيء. وقيل: الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية.
لا تأس من دنيا على فائت ... وعندك الإسلام والعافيه
إن فات شيء كنت تسعى له ... ففيهما من خلف كافيه
معرفة فضل السلامة عند فوتها
قيل: لا يعرف طعم النعمة إلا من نالته يد العلّة والبلاء:
فبضدها تتميّز الأشياء
وقيل: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الغنى والعافية. وقال أبو تمّام:
وليس يعرف طيب الوصل صاحبه ... حتى يصاب بنأي أو بهجران
وقلب المتنبّي هذا المعنى فقال:
ولولا أيادي الوصل في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب «١»
وقال حكيم: كم من نعمة عرفت ببليّة نزلت ونعمة جهلت بسلامة لبثت.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٤٠٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد التاسع عشر في ذم الدنيا ونوبها←(٢) حث الممتحن على مصابرة الزمن إلى انقضاء زمن المحن←معرفة فضل السلامة عند فوتها
٢٢٧ ولما أتى معاوية موت زياد توجع، وقال:
وأفردت سهما في الكنانة واحدا ... سيرمى به أو يكسر السهم كاسره
الإعتبار بمن مات من الكبار والسّلاطين
قيل: لمّا مات الإسكندر وقف عليه أرسطاطاليس فقال: طالما كان هذا الشخص واعظا بليغا وما وعظ بموعظة في حياته أبلغ من عظته في مماته. أخذ هذا المعنى أبو العتاهية، فقال:
وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وحمل إلى أمه في تابوت من ذهب، فقالت: جمعت الذهب حيا وجمعك الذهب ميتا.
قال الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم بغير إياد «١»
أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد «٢»
وقال المتنبّي:
أين الأكاسرة الجبابرة الألى ... كنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا
من كلّ من ضاق الفضاء بجيشه ... وحواه عند الموت لحد ضيّق
وقال آخر:
ألم تر صول في آل برمك ... وآل نهيك والألى سلفوا قبل
لقد غرسوا غرس النخيل تمكّنا ... فما حصدوا إلا كما يحصد البقل «٣»
ونظرت امرأة إلى جعفر بن يحيى مصلوبا فقالت: لئن كنت في الحياة غاية فلقد صرت في الممات آية.
قال شاعر:
ومن كان ذا باب شديد وحاجب ... فعمّا قليل يهجر الباب حاجبه
وقال آخر:
الموت يأتي كلّ ... محتجب ولا يستأذن
تناهى بعد من مات
قال أبو حية النمري:
فلا غائب من كان يرجى إيابه ... ولكنه من ضمّن اللحد غائبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٠٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←تناهى بعد من مات
٢٢٨ من مات بعد الكبر
عاش نوح ﵇ ما عاش، وقيل له لما أشرف على الموت: كيف وجدت الدنيا؟ فقال: وجدتها دارا دخلتها من باب وخرجت من آخر.
وقال بعضهم:
وكلّ امرئ يوما وإن عاش حقبة ... له غاية تجري إليه ومنتهى
وقال محمود الوراق:
وما صاحب السبعين والعشر بعدها ... بأقرب ممّن حنّكته القوابل «١»
ولكنّ آمالا يؤمّلها الفتى ... وفيهنّ للراجين حقّ وباطل
وقال المتنبّي:
وأوفى حياة الغادرين لصاحب ... حياة امرئ خانته بعد مشيب
الموت لا يفوته أحد
قيل: من لم يمت عاجلا مات آجلا.
قال شاعر:
فمن لم يلاق الموت كاس منيّة ... فلا بدّ منه أن تصادفه غدا
وقال آخر:
كلّ حيّ مملّك ... سوف يفنى وما ملك
وقال آخر:
وكلّ جمع في الورى لتفرّق
وقال آخر:
من لم يمت غبطة يمت هرما «٢»
وقيل لابن المقفع: قد كنت نعيت إلينا. فقال: ما بعد كائن ولا قرب بائن.
وقال ابن المعتز:
ألا إنما جسمي لروحي مطية ... ولا بد يوما أن يعرّى من الرحل «٣»
الموت لا يتخّلص منه بالطب
قيل للربيع بن خيثم في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا لقد كان فيهم أطباء فما أرى المداوي بقي ولا المداوى صلح:
ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرئ مثله فيما مضىمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٠٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←الموت لا يتخلص منه بالطب
٢٢٩ هلك المداوي والمداوى والذي ... جلب الدواء وباعه ومن اشترى
وقال المتنبّي:
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبّه
ودخل الفرزدق على مريض يعوده فسمعه يطلب طبيبا، فقال:
يا طالب الطبّ من داء تخوّفه ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطبيب الذي يرجّى لعافية ... لا من يدوف لك الترياق بالماء «١»
وقال آخر:
وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
وفي باب الطب بعض ذلك وأشباهه.
التحرّز لا يخلّص من الموت
قيل: إذا انقضت المدة فالحتف في العدة.
وقال شاعر:
كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
وقال أبو ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع «٢»
وقال المخبل:
ولئن بنيت لي المشقّر في ... هضب يقصر دونه العصم
وقيل: إن عبد الملك هرب من الطاعون، فركب ليلا وأخرج غلاما معه وكان ينام على دابته فقال للغلام: حدثني، فقال: ومن أنا حتى أحدثك؟ فقال: على كل حال حدّث حديثا سمعته. فقال: بلغني أن ثعلبا يخدم أسدا ليحميه ويمنعه ممن يريده، فكان يحميه فرأى الثعلب عقابا فلجأ إلى الأسد فأقعده على ظهره فأنقض العقاب واختلسه، فصاح الثعلب: يا أبا الحارث أغثني واذكر عهدك لي، فقال: إنما أقدر على منعك من أهل الأرض وأما أهل السماء فلا سبيل لي إليهم. فقال عبد الملك: وعظتني وأحسنت.
انصرف فانصرف ورضي بالقضاء. ويروى لبعض الجن:
رأى الحصن منجاة من الموت فارتقى ... إليه فزارته المنيّة في الحصن
وقال آخر:
يوشك من فرّ من منيّته ... في بعض غرّاته يصادفها «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٠٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←التحرز لا يخلص من الموت
٢٣٠ وقال آخر:
وإذا خشيت من الأمور مقدّرا ... وفررت منه فنحوه تتوجّه
وقال حجر العبسي:
فقل للملتقي عرض المنايا ... توقّ فليس ينفعك اتقاء
وقال ثعلبة العبدي:
أمن حذر آتي المتالف سادرا ... وأية أرض ليس فيها متالف «١»
وقال آخر:
لا تأمننّ وإن أصبحت في حرم ... إن المنايا بجنبي كلّ إنسان
وقال أبو ذؤيب:
يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت ... نشيبة والطراق يكذب قبولها «٢»
ولو أنني استودعته الشمس لارتقت ... إليه المنايا عينها ورسولها
وقال آخر:
كلّ يدور على البقاء مجاهدا ... وعلى العناء تديره الأيام «٣»
كلّ إنسان يفقد أو يفقد أقاربه
قال بعض الحكماء: من طال عمره رأى المصائب في إخوانه وجيرانه، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه.
قال شاعر:
كل امرئ ستئيم من ... هـ العرس أو منها يئيم «٤»
وقال الموسوي:
فمؤجّل يلقى الرّدى في أهله ... ومعجّل يلقى الرّدى في نفسه
وقال المتنبّي:
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
تملّكها الآتي تملّك سالب ... وفارقها الماضي فراق سليبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٠٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←كل إنسان يفقد أو يفقد أقاربه
٢٣١ الموت لا يدفع بالأسلحة
قال علقمة:
بل كلّ قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريقهم بأثافي الشرّ مرجوم «١»
وقال المتنبيّ:
نعدّ المشرفيّة والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال «٢»
ونرتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي «٣»
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
وقال الموسوي:
تفوز بنا المنون وتستبدّ ... ويأخذنا الزمان فلا يردّ
رويدك بالفرار من المنايا ... فليس يفوتها الساري المجدّ «٤»
وكلّ فتى يحفّ بجانبيه ... خواطر بالقنا قنب وجرد «٥»
فما دفع المنايا عنه وفر ... ولا هزم النّوائب عنه جند
الحياة معرضّة لسهام المنايا
قال أبو العتاهية:
إنّ للموت لسهما قاصدا ... ليس يفدي أحدا منه أحدا
وقال الرفاء:
نحن أغراض خطوب إن رمت ... حيرت في دقّة الرمي ثعل «٦»
وإذا ما اختلفت أسهمها ... فأصابت بطل القرم بطل «٧»
صحيح مات
قيل لحكيم: مات فلان أصح ما كان، فقال: أو صحيح من الموت في عنقه. وقيل للحسن: مات فلان فجأة، فقال: لم يمت فجأة لمرض فجأة، ثم قال: اللهم أجرني من أن أكون مختلسا. وقيل لأعرابي: كيف مات أبوك؟ قال: مات سرا يعني فجأة. وقال شاعر:
وربما غوفص ذو غرّة ... أصحّ ما كان ولم يسلم «٨»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٠٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←صحيح مات
٢٣٢ وقال آخر:
وإنّك لا تدري بأية بلدة ... تموت ولا عن أي شقّيك تصرع «١»
تسوية الموت بين الأفاضل والأراذل
قال مالك بن دينار: قدم علينا بشر بن مروان أخو الخليفة فطعن في قدمه فمات، فأخرجناه إلى القبر فلما صرنا إلى الجبان، إذا نحن بسودان يحملون صاحبا لهم إلى القبر فدفناه ودفنوا صاحبهم، فعدت قبل الأسبوع فلم أعرف قبر الأسود من قبره، وعلى هذا قول الشاعر:
ولقد مررت على القبور فما ... ميزّت بين العبد والمولى
وقال المتنبّي:
وصلت إليك يد سواء عندها ال ... بازي الأشيهب والغراب الأبقع «٢»
ويروى أن الإسكندر مرّ بمدينة قد ملكها غيره من الملوك فقال: انظروا هل بقي بها أحد من نسل ملوكها؟ فقالوا: رجل يسكن المقابر، فأحضره وسأله عن إقامته، فقال:
أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء. فقال: هل تتبعني فأحيي شرفك إن كان لك همة، فقال: همّتي عظيمة إن أنلتنيها، فقال: ما هي؟ قال: حياة لا موت معها، وشباب لا هرم معه، وغنى لا فقر معه، وسرور لا مكروه فيه. فقال ليس عندي هذا، فقال: دعني ألتمسه ممّن هو عنده، فقال: ما رأيت مثله حكيما.
وأمر بشر بن الوليد أن يكتب على قبره:
من مات فات وفي المقابر يستوي ... تحت التراب شريفه ووضيعه
وقال صالح بن عبد القدوس:
فيا منزلا سوّى البلى بين أهله ... فلم يستبن فيه الملوك من السّوقي «٣»
انقضاء ناس بعد ناس ورجوعهم إلى الموت
قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: إن لله في كل يوم ثلاث عساكر، عسكر ينزل من الأصلاب إلى الأرحام، وعسكر ينزل من الأرحام إلى الأرض، وعسكر ينتقل من الدنيا إلى الآخرة. وقال شاعر:
وما نحن إلا رفقة غير أنّنا ... أقمنا قليلا بعدهم ونروحمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥١١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←انقضاء ناس بعد ناس ورجوعهم إلى الموت
٢٣٣ ودخل العتبي المقابر، فأنشد:
سقيا ورعيا لإخوان لنا سلفوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد «١»
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد
وقال الغطمش:
أرى الأرض تبقى والأخلّاء تذهب
ونحوه:
إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها ... فقدت صديقا والبلاد كما هيا
وقيل لبهلول وقد أقبل من مقبرة: من أين؟ فقال: من عسكر الموتى. فقيل: ما قلت وما قالوا؟ فقال: سألتهم متى يرحلون؟ فقالوا: ننتظر قدومكم ثم نرتحل. ونحو هذا قول الحسن: يا عجبا بقوم أمروا بالزاد وأذنوا بالارتحال وأقام أولهم على آخرهم وآخرهم قعود يلعبون فليت شعري ما الذي ينتظرون؟
قال الموسوي:
تملي المقادير أعمارا وتنسخها ... ويضرب الدهر أياما بأيّام «٢»
مرجع الإنسان إلى ما خلق منه
قال الله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
«٣» .
وقال المتنبي:
إلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتى ... يعود كما أبدي ويكري كما أرمى «٤»
قال الخبزارزي:
هو الموت مخلوق له الخلق أجمع ... فليس له عن أنفس النّاس مقلع «٥»
وقال المتنبّي:
نحن بنو الدنيا فما بالنا ... نعاف ما لا بدّ من شربه «٦»
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هنّ من كسبه
فهذه الأرواح من جوّه ... وهذه الأجساد من تربه
لو فكّر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه «٧»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥١٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←مرجع الإنسان إلى ما خلق منه
٢٣٤ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا
«١» .
ولما حضر بشرا الموت فرح، فقيل له: تستبشر بالموت، فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي على مخلوق أخافه.
وقال بعضهم: لا يكره الموت إلا مريب.
وسئل فيلسوف عن الموت: فقال هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء، وقال المتنبّي:
نعير حلاوات النفوس قلوبنا ... فنختار بعض العيش وهو حمام
وله:
وما الدهر أهل أن تؤمّل عنده ... حياة وأن تشتاق فيه إلى النّسل «٢»
وقال آخر:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف
وقال بعضهم: لا يكون الحكيم حكيما حتى يعلم أن الحياة تسترقّه والموت يعتقه.
وقال الأخطل:
والناس همّهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال «٣»
وقال الجنيد: من كان حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه فتصعب عليه، ومن كان حياته بربّه فإنه ينتقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة على الحقيقة.
من تمنّى الموت
قيل: شر من الموت ما إذا نزل تمنيت الموت لنزوله. وقيل: خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة.
قال المهلبيّ:
ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن روح حرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه
وقال المتنبّي:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
وقال الموسوي:
آها لنفس حبست في جلدي ... إن الأسير غرض بالقدّ «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥١٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←من تمنى الموت
٢٣٥ واعتل الشبلي ثم برأ فقال له بعض أصحابه: كيف أنت؟ فقال:
كلما قلت قد دنا حل قيدي ... قدموني وأوثقوا المسمارا
الحياة لا تملّ
قال بعض الحكماء: الحياة وإن طالت لا تمل وإنما يمل المرء تكاليف الحياة ولهذا فضّل قول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
على قول لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
وقيل: إن الحياة لا تسأم وإنما تسأم تكاليفها، قال المتنبي:
ولذيذ الحياة أنفس في النفس ... وأشهى من أن يملّ وأحلى
وإذا الشيخ قال أف فما م ... لّ حياة وإنما الضّعف ملّا
آلة العيش صحّة وشباب ... فإذا ولّيا عن المرء ولّى
ودخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا. فقال: يا شيخ أيسرك أن تموت؟ فقال: لا والله. قال: لم؟ وقد بلغت من السن ما أرى؟ قال: نفى الشباب وشره وبقي الشيب وخيره، فأنا إذا قعدت ذكرت الله وإذا قمت حمدت الله فأحب أن تدوم لي هاتان الحالتان.
المستنكف أن يموت حتف أنفه
قال الشنفرى:
فلا تقبروني إنّ قبري محرّم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر «١»
وقال بكر بن عبد العزيز:
إن موت الفراش ذلّ وعار ... وهو تحت السيوف فضل شريف
وإني لأستحسن قول أبي فراس بن حمدان:
متى ما يدن من أجلي كتابي ... أمت بين الأسنّة والأعنّة «٢»
وقال آخر:
فيا ربّ لا تجعل حياتي دنيئة ... ولا ميتتي يا ربّ بين النوائح
ولكن صريعا بين أرماح فتية ... طوال القنا من فوق أدهم قادح «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥١٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(١) أسماء الموت ووصفه←المستنكف أن يموت حتف أنفه
٢٣٦ وقيل: التأسف على الفائت تضييع وقت ثان إن كنت جازعا لما أفلت منك، فاجزع على ما لم يصل إليك. الحزم التسلي عما لا يغني الغم فيه والاحتيال لدفع ما يندفع بالحيلة. وقيل لحكيم: الخوف أشدّ أم الحزن؟ فقال: الحزن لأن الخوف صار مكروها لما فيه من الحزن، فكما أن السرور غاية كل محبوب فالحزن غاية كل مكروه.
ذهاب الحزن بعد انقضاء المدة
الحزن ينضو عن ابن آدم كما ينضو الصبغ عن الثوب ولو بقي لقتله. قال المتنبي:
وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاء أو سكون لغوب «١»
حقيقة الصبر
قيل: الصبر حبس النفس على المكروه وعما تدعوك إليه. وقيل: الصبر صبران، صبر على المكروه فيما يلزمك فعله وصبر عما يدعوك إليه الهوى. وسمع رجل آخر يقول:
اللهم أرزقني صبرا، فقال له: ما أراك تسأل الله إلا الغم.
الحثّ على دفع النّدب بالصّبر
قال النبي ﷺ: الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب. أفضل العدّة الصبر على الشدة. وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: الصبر مطيّة لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو. إذا استهدف غرض الهم فارمه بنبال الصبر. وقيل: اجعل صبرك على النوائب كفاء شكرك على المواهب. الصبر عند النقم والشكر عند النعم.
وقال عمر ﵁: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت. الصبر يناضل الحدثان والجزع من أعوان الزمان. وما في الشكوى إلا أن تحزن صديقك وتشمت عدوك. وقال أنو شروان: جميع مكاره الدنيا تنقسم إلى قسمين، ضرب فيه حيلة فالإضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه فالإصطبار شفاؤه، وقالت الفرس: كلمتان يقولهما العاقل عند نائبته، إحداهما هذه الحال خير ممّا هو شر منها، والأخرى لعل الله أن يجعل في هذا المكروه خيرا.
وكلمتان يقولهما الجاهل: لعل ما أصابني يدعو إلى شر منه والأخرى لو كان بدل هذا كذا وكذا من المصيبة، قال شاعر:
ولخير حظّك في المصيبة أن ... يلقاك عند نزولها الصبر
الصبر يفضي إلى الفرح والظفر
الصبر على مرارة العاجل يفضي إلى حلاوة الآجل. إنك لا تنال قليل ما تحب إلا بالصبر على كثير ما تكره. حيلة من لا حيلة له الصبر. قيل: لكل شيء ثمرة وثمرة الصبرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٢٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←الصبر يفضي إلى الفرح والظفر
٢٣٧ الظفر. قال أنوشروان: الصبر كاسمه وعاقبته العسل. وقيل: الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت. وقيل: مكتوب على باب الجنة من صبر عبر.
حثّ الجزوع على الصّبر وتحكيمه بين الجزع والصّبر
قال أمير المؤمنين كرّم الله وجهه: إن صبرت فأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك المقدور وأنت مأزور. قال بعضهم: رآني راكب وأنا مكبّ على قبر أبكي، فقال: اصبر فالصبر خير معية، فلم أصغ إليه، فولّى وهو يقول:
فإن تصبرا فالصبر خير معيّة ... وإن تجزعا فالأمر ما تريان
وقال أبو راكد:
فإن صبرت فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا
وقال النابغة:
ألا أيّها الباكي لأحداث دهره ... تحمّل على ما يحدث الدهر فاصبر
فإن أنت لم تصبر لما كان جائيا ... وأبصرت تنكيرا لذاك فأنكر
الحثّ على تصوّر النوائب والاستعداد لها لتخفّ عند نزولها
قيل: ما أمتع الدهر إلا ليمنع ولولا اغترار الجاهل بفوائده لخلت النفوس من الحسرة على نوائبه. قيل: لا تخل قلبك من عوارض الفكر وخواطر الذكر فيما تعروك به الأيام من ارتجاع ودائعها وحلول وقائعها. وقيل: من كان متوقعا لم يلف متوجعا.
قال ابن الرومي:
ألم تر رزء الدهر من قبل كونه ... كفاحا إذا فكرت في الخلوات
فما لك كالمرمي في مأمن له ... بنبل أتته غير مرتقبات
فإن قلت مكروه أتاني فجأة ... فما فرحت نفس مع الخطرات
ولا عوفصت نفس لبلوى وقد رأت ... عظات من الأيام بعد عظات «١»
إذا بغتت أشياء قد كان مثلها ... قديما فلا تعتدها بغتات «٢»
الغمّ يمرض البدن
سئل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الحزن والغضب فقال: أصلاهما واحد، وذلك وقوع الأمر على خلاف المحبة فأما فرعاهما فمختلفان فالمكروه ممن فوقك ينتج حزنا وممن دونك ينتج غضبا. قال المتنبي:
وحزن كلّ أخي حزن أخو الغضبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٢٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←الغم يمرض البدن
٢٣٨ نفع البكاء في دفع الأحزان
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: كنت إذا أصابتني مصيبة وأنا شاب لا أبكي وكان يؤذيني ذلك حتى سمعت أعرابيا ينشد:
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل «١»
فسألته: لمن الشعر؟ فقال لذي الرمة فكنت إذا أصبت بكيت فاسترحت. قال العبق:
ويشفي منّي الوجد ما أتواجع
وقال المتنبّي:
وقلّ غناء عبرة تسكبانها ... على أنّها تشفي الحرارة في الصّدر
قلّة نفع البكاء
قال أبو تمّام:
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع أن تزداد طول وقوع
وقال أراكة:
أعينيّ إن كان البكا ردّها لكما ... على أحد قبلي فلا تتركا جهدا
وقال الموسوي:
وإن غبين القوم من ظاعن الردى ... إذا جاء في جيش الرزايا بأدمع «٢»
وقال آخر:
إن الدموع طليعة الأحزان
من سلا عن الولد أو سليّ عنه بسلامته في نفسه
قيل لعبد الله بن عبيد الله بن طاهر: وقد مات له ولد ثم أتاه الخبر قبل عوده من جنازته بأن مات له آخر فانتظر حتى جهز، فدفنه وانصرف مع أصحابه ودعا بالطعام، فقيل له في ذلك، فقال: إذا سلمت الجلة فالسخل «٣» هدر.
ودخل أبو العتاهية على الفضل بن الربيع يعزيه بابنه فقال: الحمد لله الذي جعلنا نعزيك به ولا نعزيه بك.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٢٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←من سلا عن الولد أو سلي عنه بسلامته في نفسه
٢٣٩ الله تعالى يقول ما عندكم ينفد وما عند الله باق.
التسلية عن الأب ببقاء الابن
عزّى رجل آخر بموت أبيه، فقال: من كنت من بقيته لموفور ومن كنت خلفه لمجبور ومن كنت وليّه لمنصور:
قال المتنبّي:
فإنّك ماء الورد إن ذهب الورد
وقال علي بن الجهم:
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما سدى أبوك وما سعى «١»
التّعزية بالبنات
نعي إلى ابن عباس ﵄ بنت له وهو في سفر. فقال: عورة سترها الله ومؤنة كفاها الله وأجر ساقه الله. وماتت لعمر بن عبد العزيز بنت فأقبل الناس لتعزيته فأمر بحجبهم وقال: إنّا لا نعزّى في البنات ولا الأخوات.
من فجع بمختص به فلم يحزن لتصورّه قبل وقوعه
دخل رجل على حكيم وهو يأكل فقيل له: قد مات ابنك. فقال: قد علمت، ولم يقطع الأكل. فقيل له: ومن أين علمت ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
«٢» . وحضر الموبذ عند المأمون بمرو وهو يكالمه إذ وردت عليه خريطة من الحسن فيها أخبار العراق وموت ابن الموبذ، فقال المأمون: أحسن الله لك العوض وعليه الخلف، فأجابه بصالح الأدعية. فعجب المأمون وقال: أتدري ما أردت؟ قال: لا، قال: يقال إن ابنك مات. قال قد علمت ذلك. قال ومن أين علمت ذلك والخريطة الساعة وردت؟ قال:
قد علمت ذلك يوم ولد. وهذا كما سئل أفلاطون فقيل له: ما علّة موت ابنك؟ قال وجوده. وقيل لعمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك، فقال: هذا أمر كنا نتوقعه قبل كونه فلما ورد لم ننكره. وقال شاعر:
وهل جزع مجد عليّ فأجزع
وقال الطّرماح:
ولمّا رأى أنّ الأسى غير دافع ... عن المرء مقدورا من الأمر سلّما
وقال:
هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم ... حياة وكان الصبر أبقى وأكرمامحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٢٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←من فجع بمختص به فلم يحزن لتصوره قبل وقوعه
٢٤٠ وقال المتنبّي:
أردّد ويلي لو قضى الويل حاجة ... وأكثر لهفي لو شفى غلّة لهف «١»
من مات له عدة بنين فصبر
مات لأنس بن مالك ﵁ في طاعون الجارف ثلاثون ابنا، ولعبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أربعون ابنا، ولعبيد الله بن عمر ﵄ ثلاثون ابنا سنة أربع وستين، ومات لأعرابية ابن وأخ وزوج دفعة، فلم تبك، وقالت:
أفردني ممّن أحبّ الدهر ... ثلاثة هم نجوم زهر
فإن جزعت إنّ ذا لعذر ... وإن صبرت لا يخيّب الصّبر
ونظر رجل بالبصرة إلى امرأة فقال: ما رأيت مثل هذه النضارة وما ذاك إلا من قلّة الحزن، فقالت: ما حزن كحزني: ذبح زوجي شاة ولي صبيان يلعبان فقال أحدهما للآخر: تعال أريك كيف ذبح أبي الشاة فذبحه ثم خاف فهرب إلى الجبل فرهقه ذئب فافترسه وخرج زوجي في طلبه، فاشتد عليه الحرّ فمات عطشا فقيل لها: كيف صبرت؟
فقالت: لو وجدت في الحزن دركا ما اخترت عليه.
حثّ الإنسان أن يستعمل من التسلّي عاجلا ما يعود إليه آجلا
عزّى رجل رجلا فقال: إن رأيت أن تقدم ما أخرته الفجوة فتربح نفسك وترضي ربك. وأصيب ابن المبارك بابن رجل، فدخل عليه مجوسي فقال: إن رأيت أن تفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام، فقال ابن المبارك: اكتبوا هذا. وعزّى أمير المؤمنين ﵁ أشعب فقال: إن صبرت جرى عليك المقدور وأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك وأنت موزور.
طول العهد يقتضي التسلّي
اعتكفت فاطمة بنت الحسين على قبر زوجها سنة، فلما أرادت الانصراف سمعت قائلا من جانب البقيع يقول: هل وجدوا ما سلبوا؟ فأجابه من الجانب الآخر: بل يئسوا فانقلبوا. وقيل لأم الهيثم: ما أسرع ما سلوت، فقالت: إني فقدت منه سيفا في مضائه ورمحا في استوائه وبدرا في بهائه، ولكن قلت:
قدم العهد وأسلاني الزمن ... إن في اللّحد لمسلى والكفن
وكما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن
وقال عمر لمتمم بن نويرة: ما بلغ من حزنك على أخيك؟ قال: بكيت عليه حتى ساعدت عيني العوراء الصحيحة. قال: ثم مه. قال: سلوت. وقيل: لم يخلق الله شيئا إلا كان صغيرا فكبر إلا المصيبة فإنه خلقها كبيرة فصغرت.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٣٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←طول العهد يقتضي التسلي
٢٤١ وقال المتنبّي:
لا قلّبت أيدي الفوارس بعده ... رمحا ولا حملت جوادا أربع
الحثّ على التسلّي لقرب اللحوق بالميت والتمدّح بذلك
دخل الطائي على جعفر بن سليمان وقد توفي له أخ، فاشتد جزعه عليه، فقال: أذكر مصيبتك في نفسك تنسك فقد غيرك. واذكر قول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
«١»، وخذ بقول الشاعر:
وهوّن ما ألقى من الموت أنّما ... أصابك منه يا بنيّ مصيبي
وكتب بعضهم: فيم الجزع ونحن على مدرجة المتوفى. وقال إبراهيم بن المهدي:
وإنّي وإن قدمت قبلي لعالم ... بأني وإن أبطأت عنك قريب
وقال يحيى بن زياد:
وهوّن وجدي أنني سوف أغتدي ... على إثره يوما وإن نفس العمر
الحثّ على التسلّي بمن أصابه كمصيبته والتمدح بذلك
روي أنّ الإسكندر حكم له أنه لا يموت إلا بأرض سماؤه ذهب وأرضه حديد. فلما سقط من دابّته حمل على درع وظلل بترس من ذهب فلما أفاق ورأى ذلك فطن لما حكم له، وقال: قاتل الله المنجمّين، يقولون ولا يفسرون، فكتب إلى والدته أن أصنعي طعاما وإدعي له من لم تصبه مصيبة، فامتثلت فبقي الطعام ولم يأتها أحد، ففطنت أنه أرسل يعزيها، وقال:
وما أنا بالمخصوص من بين من أرى ... ولكن أتتني نوبتي في النّوائب
وتوفي ابن لمسلمة فاشتد جزعه حتى أمسك عن الطعام والشراب، فدخل في غمار الناس رجل رثّ الهيئة، فأنشده:
وطيّب نفسي عن شراحيل أنني ... إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه
فقال: ويحك، أعد فأعاده فدعا بالطعام. قالت الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلّي النفس عنه بالتأسّي
وقال حريث:
ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي
ونزل عروة بن الزبير بالوليد ومعه ابنه فضربته دابّة فأصبح ميتا. ووقعت الأكلة فيمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٣٢ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←الحث على التسلي بمن أصابه كمصيبته والتمدح بذلك
٢٤٢ رجله فقطعت بالمنشار ولم يمسكه أحد، فقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. ثم قدم قوم من عبس على الوليد وفيهم ضرير، فقال: نزلت ليلة في بطن واد ولا أعلم في الأرض عبسيا أكثر ما لامني، فطرقنا سيل ذهب بأهلي، ومالي غير بعير ومولود، فند البعير فتبعته، فسمعت صرخة الولد فرجعت، فإذا الذئب قد أكله، فرجعت للبعير وتعلقت بذنبه، فحطّم وجهي فأعماني فأصبحت لا أهل ولا مال ولا عين. فقال الوليد: خذوا بيده إلى عروة ليتسلّى به.
وقال رجل لقوم عزاهم: ما منكم بدأت ولا إليكم انتهت، وعكس ابن الرومي فقال:
ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به وما بي ما بي
وقال فيلسوف: لئن كنت تبكي لنزول الموت بمن أنت له محب، فلطالما نزل بمن كنت له مبغضا. وقال أفلاطون لرجل رآه مغموما: لو أحضرت قلبك ما فيه الناس من المصائب لقل همك.
الحثّ على التسلّي بموت النبي ﵇
قال ﷺ: من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي.
قال ديك الجن:
تأمّل إذا الأحزان فيك تكاثفت ... أعاش رسول الله أم ضمّه القبر
رئي على قبر:
تعزّ فكم لك من أسوة ... تبرّد عنك غلل الحزن
بموت النبي وقتل الوصيّ ... وذبح الحسين وسمّ الحسن
التسلّي بأنه معزّى لا معزّى به
قال بعضهم: لا زلنا نعزّيك ولا نعزّي بك، وقال أبو فراس:
كن المعزّى لا المعزّى به ... إن كان لا بدّ من الواحد
لا بد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في النّاس من خالد
وقال المتنبّي:
مهما يعزّ الفتى الأمير به ... فلا بإقدامه ولا الجود «١»
ومن منانا بقاؤه أبدا ... حتى يعزّى بكلّ مولود «٢»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٣٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←التسلي بأنه معزى لا معزى به
٢٤٣ التسلية عمّن مضى بمن بقي
قال الحمدوني:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض
وقال البحتري:
تعزّ بالصبر واستبدل أسى بأسى ... فالشمس طالعة إن غيّب القمر
وقال المتنبّي:
قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيك عدلا «١»
فإذا قست ما أخذن بما غا ... درن سرّى عن الفؤاد وسلّى
وقيل لرجل ماتت امرأته نفساء: عظم الله أجرك فيما أباد وبارك لك فيما أفاد.
التعزية بمملوك
دخل إبراهيم ابن العباس على الواثق وقد أصيب بخادم كان مشغوفا به، فقال: في بقاء السيد المالك عزاء عن المملوك الهالك.
أدعية لذوي المصيبة
جعل الله رزيته خاتمة الرزايا، وصب على أعدائه ديم المنايا. لا جرّعك الله مصيبة غيرها ولا أنالك قارعة سواها. لا نهشتك بعدها حيّة ولا لذعتك كيّة. جعل الله مصيبتك أدبا ولا جعلها غضبا. لقّاك الله الصبر ووقاك ما يحبط الأجر لا أنساك الله المصيبة بأعظم منها. وهب الله لك عمرا طويلا وأجرا جزيلا وصبرا جميلا.
وقال رجل لابن عمر: عظّم الله أجرك فقال: بل جعل لي العافية، معناه أن تعظيم الأجر في تعظيم ما يؤجر عليه من المصيبة. ويقال: أخلف الله عليك لما منه عوض، وخلف الله عليك لما ليس منه عوض. وقال يحيى البرمكي: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودّة.
تعازي الحمقاء
مات ابن لعبد الملك فجاءه ابنه الوليد يعزّيه فقال: يا بنيّ مصيبتي فيك أقدح في بدني من المصيبة بأخيك، قال: أمّي أمرتني بذلك. واغتم الحجّاج بموت صديق له وعنده شاميّ أوفده إليه عبد الملك في مهمّة. فقال الحجاج: ليت إنسانا يعزّيني عنه بأبيات.
فقال: أقول أيها الأمير قال: قل، فقال: كل خليل سوف يفارق خليله بموت أو بصلب أو يقع فوق البيت أو يقع البيت عليه، أو يسقط في بئر، أو يكون سبب لا نعرفه. فقال الحجّاج: حسبك، فمصيبتي بأمير المؤمنين حيث أرسل مثلك في مهمّة أنستني هذه.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٣٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←تعازي الحمقاء
٢٤٤ من ذكر طول حزنه على من رثاه
قال سلم:
وحزن كطول الدّهر باق إذا مضت ... أوائله عادت إلينا الأواخر
وقال آخر:
أأسرع الحزن في عقلي وفي جسدي
وقال آخر:
أصاب غليلي عبرتي فأسالها ... وعاد احتمامي ليلتي فأطالها «١»
وقال أبو فراس:
أوصيك بالحزن لا أوصيك بالجلد ... جلّ المصاب عن التعنيف والفند «٢»
أبكي بدمع له من حسرتي مدد ... وأستريح إلى صبر بلا مدد «٣»
وقال آخر:
وظلّت بي الأرض الفضاء كأنّما ... تصعد بي أركانها وتجول
وقال أبو فراس:
يعزّون عنك وأين العزاء ... ولكنّها سنّة تستحبّ
من زاد سوء حاله على حال الميت
قال المتنبّي:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي «٤»
كأنّك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا عشت فاخترت الحمام على الثّكل «٥»
وقال الموسوي:
يفوز بالراحة الفقي ... د وللفاقد طول العناء
الراغب عن الحياة لأجل من رثاه
قالت بثينة:
سواء علينا يا جميل بن معمر
وقال آخر:
طلّقت من بعده السرور ... وفرّغت فؤادي للهمّ والحزنمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٣٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←الراغب عن الحياة لأجل من رثاه
٢٤٥ وقال المتنبّي:
أجد الحزن فيك حفظا وعقلا ... وأراه في الخلق وعرا وجهلا «١»
شق الجيب
نهى النبي ﷺ عن شقّ الجيوب. قال أبو سعيد البلخي: من أصيب بمصيبة فشقّ ثوبا وضرب صدرا فكأنما أخذ رمحا يريد أن يقاتل به ربّه.
قال المتنبّي:
علينا لك الإسعاد إن كان نافعا ... بشقّ قلوب لا بشقّ جيوب
وقال أبو عطاء:
عشية قام النائحات وشقّقت ... جيوب بأيدي مآتم وخدود «٢»
وقال رجل من طيء:
ولو لم يفارقني عطية لم أهن ... ولم أعط أعدائي الذي أمنع
شجاع إذا لاقى ورام إذا رمى ... وها أنا ذا ما أظلم الليل مصرع «٣»
وقال أبو الشّيص:
يا أيّها الدهر أقصر عن تنقّصنا ... فلست منتهيا عن عشمنا أبدا «٤»
أضحى سنان قناتي بعد حدّته ... مرّت به عثرات الدهر فانقصدا «٥»
زيارة القبور وتجديد الحزن بها
قال النبي ﷺ: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا.
قال عبد الملك الحارثي:
أتيناه زوّارا فأمجد ناقري ... من البثّ والداء الدخيل المخامر «٦»
وأبنا بزرع قد نما في صدورها ... من الوجد يسقى بالدّموع البوادر «٧»
وقال خلف بن خليفة:
وبالدير أشجاني فكم من شبح له ... دوين المصلّى بالبقيع شجون
ربى حولها أمثالها إن أتيتها ... ترينك أشجانا وهنّ سكونمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٤٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←زيارة القبور وتجديد الحزن بها
٢٤٦ وإلا لقيت الموت أحمر دونه ... كما كان يلقى الدهر أغبر دوني «١»
من مات حتف أنفه وكان يخشى عليه القتل
قال لبيد يرثي أخاه وقد أصابته صاعقة فمات:
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد «٢»
فجعني البرق والصواعق ... بالفارس يوم الكريهة لنجد
وقال كعب بن زهير:
لعمرك ما خشيت على أبيّ ... مصارع بين قوّ فالسّليّ «٣»
ولكنّي خشيت على أبيّ ... جريرة رحمه في كلّ حيّ «٤»
وقال المتنبّي:
نفى وقع أطراف الرماح برمحه ... ولم يخش وقع النّجم والدّبران «٥»
ولم يدر أن الموت فوق شواته ... معار جناح محسن الطّيران «٦»
من اختطفته المنية لمّا أدرك المشتهى أو تناهى
قال سلم الخاسر:
لما استظلّ بتاج الملك واجتمعت ... له الأمور فمنقاد ومقسور
حطّت عليه بمقدار منيّته ... كذاك تصنع بالنّاس المقادير «٧»
وقيل: وقوع المنية في إدراك الأمنية، وذلك نحو قوله:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّ زوالا إذا قيل تمّ
وله باب.
من الموت مرديه مع كثرة توقّيه
قال رجل من بني أسد:
أبعدت من يومك الفرار فما ... جاوزت حتّى انتهى بك القدر
لو كان ينجي من الردى حذر ... أنجاك ممّا أصابك الحذرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٤٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←من الموت مرديه مع كثرة توقيه
٢٤٧ من تصيبه كلّ يوم مصيبة
قال شاعر:
وتقرعني في كلّ يوم مصيبة ... فقد صرت ذا أنس بقرع المصائب «١»
لعمرك ما تعفو كلوم مصيبة ... على صاحب إلّا فجعت بصاحب «٢»
من قاسمته فأخذت النصيبين
قال المتنبّي في سيف الدولة وقد ماتت أختاه فرثى الأولى:
قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيه عدلا
ثم ماتت الأخرى فقال:
قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... وعاش درهما المفدّى بالذهب
وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنا لنغفل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتا كان بينهما ... كأنه الوقت بين الورد والقرب «٣»
من اغتاله الموت وكان من خدّامه
قال مسلم بن الوليد:
ألم تعجب له أنّ المنايا ... فتكن به وهنّ له جنود
وقال بكر بن النطاح:
ألم تر للأيام كيف تتابعت ... به وبه كانت تذاد وتدفع
من استوحش فناؤه بموته
قال أبو حية النمري:
فإن يمس وحشا داره فلربّما ... أقام به بعد الوفود وفود
وقال أبو تمّام:
فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة ... ووحشة من فيها لمصرع واحد
الموصوف بأنه لو خلّد أحد لخلّد هو
قالت الخنساء:
لو كان للدهر مال كان متلدة ... لكان للدهر صخر مال فتيانمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٤٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←الموصوف بأنه لو خلد أحد لخلد هو
٢٤٨ وقال آخر:
إذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار «١»
المرثيّ بالجود
قال مروان بن أبي حفصة:
وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا
وقال السلامي:
أما طلاب المعالي فاستهين به ... وأكرمت بعده الأوراق والذهب
وقال آخر:
أتاه الرّدى في زيّ عاف وإنما ... أبى جوده أن يرجع الموت خائبا «٢»
من مات بموته الجود والكرم
قال شاعر:
سلوا عن المجد والمعروف أين هما ... فقيل إنهما ماتا مع الحكم
وقال زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبرا يمرّ على الطريق الراضع «٣»
وقال آخر:
ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا «٤»
وقال آخر:
ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النّعش من عفاف وجود
وقال المتنبّي:
يحسبه دافنه وحده ... ومجده في القبر من صحبه
من تضمّن قبره عزّا ومنفعة
قال أبو الشّيص:
يا حفرة طولها خمس إذا ذرعت ... في خمسة قد دفنّا عزّنا فيها
وقال ديك الجن:
عجبت لحفرة حشيت بطود ... وقبر حشوه بلد رحيبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٤٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←من تضمن قبره عزا ومنفعة
٢٤٩ قال عبد الصمد بن المعدل:
لو كان يبكي كتاب الله من أحد ... لطول إلف بكتك الآي والسور
المختصّ بمرثية الأبوين
قيل: موت الأبوين سد بابين من أبواب الجنة. قال قتيبة بن مسلم لما ماتت أمه لأبي مجلز: لقد سدّ دوني باب من أبواب الجنة قال: نعم وباب من أبواب النار لأنك ما كنت تأمن أن تعقها.
قال كشاجم:
أبعد مصاب الأمّ آلف مضجعا ... وآوي إلى خفض من العيش أو ظلّ
سترضع عيني قبرها من دموعها ... بما كلفته من رضاعي ومن حملي «١»
رثيت لنصل يأخذ الموت جفنه ... وأعجب من فرع ينوح على أصل
وبكت صبية أباها، فقالت: وا أبتاه تركتنا كالبهم ليس لنا رعاة، وا أبتاه تركتنا كالزرع ليس له مسقاة.
الفجيعة بولد صغير
قال أحمد بن أبي طاهر:
بدر ليل بدر النق ... ص له قبل تمامه
كان نورا من رياض ... فذوى قبل ابتسامه «٢»
وقال أعرابي:
يا غائبا ما يؤوب من سفره ... عاجله موته على صغره
شربت كأسا أبوك شاربها ... لا بدّ منها ولو على كبره
وقال المتنبي:
فإن تك في قبر فإنّك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطّفل «٣»
ومثلك لا يبكى على قدر سنّه ... ولكن على قدر المحيلة والأصل
بنفسي وليد عاد من بطن أمه ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل
وقد مدّت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٥١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←الفجيعة بولد صغير
٢٥٠ وقال المتنبي:
أتتهنّ المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال «١»
من قتل محبوبه
قال بعضهم وقد اتهم امرأته فقتلها:
يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الرّدى بيديها
رويت من دمها الثّرى ولطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها
وذباب سيفي في مجال خناقه ... ومدامعي تجري على خدّيها «٢»
وقال ديك الجن وكان اتهم امرأته فقتلها ثم تبين له بطلانه:
تبكي وتقتل من تحبّ ... فقدك من عجب عجيب
وقال:
وآنسة عذب الثنايا وجدتها ... على خطّة فيها لذي اللبّ مألف
فأصلتّ حرّ السيف في حرّ وجهها ... وقلبي عليها من جوى الوجد يرجف «٣»
فخرّت كما خرّت مهاة أصابها ... أخو قنص ومستعجل متعسّف
سيقتلني حزنا عليها تأسّفي ... وهيهات ما يجدي عليّ التأسّف
مرثية عشيقة
قال العبّاس:
ريحانتي واختلست من يدي ... أبكي عليها آخر المستند «٤»
كانت يدا كانت بها قوّتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي
مرثية زوجة
قال الفرزدق في مرثية امرأة حامل ماتت له:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أمت ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جفنه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أخطأنه لياليا
وقال الموسوي:
إن لم تكن نصلا فغمد نصول ... غالبت أحداث الزمان بغول
أو لا تكن بأبي شبول ضيغم ... تدمى أظافره فأمّ شبول «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٥٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الحادي والعشرون في الموت وأحواله←(٢) ومما جاء في الغموم والصبر والتعازي والمراقي←مرثية زوجة
٢٥١ وقال البحتري:
كأن مداد دجلة حين جاءت ... بأجمعها هلال أو سوار
وقال الولادي الأصبهاني:
كأنّما زرنرود السؤر منعطفا ... نؤي حوالى خباء مدّه سيل «١»
وقال الشريف:
أما ترى زر نرود طالعه ... غيم فأدى مثاله فيه
بين بياض ودكنة وتكاس ... ير من الموج في حواشيه
كأنه الرمل من زرود إذا ... الحيّات يزحفن في نواحيه
حسبته ماء على تكدّره ... أخلص ودّي له وصافيه
ليس عجيبا منك التلوّن لي ... فهكذا كلّ من أؤاخيه
وقال ابن مندويه:
كان اتباع الموج موجا أمامه ... حثيثا تهادى فيلق إثر فيلق
فليس بناج ذا ولا ذا بمدرك ... ولا ذاك مع هذا مدى الدهر يلتقي
وقال آخر:
كأنّما يفقده من يشهده
وقال المتنبّي:
جيشا وغى هازم ومنهزم «٢»
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر ﵁: البحر خلق عظيم يركبه خلق صغير كأنهم دود على عود.
السّيل الذاهب بما يعنّ له
قال امرؤ القيس:
فأضحى يسحّ الماء في كلّ بقية ... يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل «٣»
كأنّ السباع فيه غرقى عشيّة ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل «٤»
قال ابن مندويه:
كأنّ خرير الماء عند التطامه ... زفير سعير في إناء مخرّق «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٨٧ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٢) ومما جاء في الحر والبرد والرياح والسحاب والأمطار والمياه وما يتعلق بذلك←السيل الذاهب بما يعن له
٢٥٢ وقال أشجع:
وكأن صوت الماء في حافاته ... زجل القيان تطارح الأصواتا
وقال آخر:
جداول صخب الأمواج خراد
وقال المتنبّي:
وأمواه يصلّ بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني «١»
وقال السري الكندي:
ما بين ألحان الحما ... م وبين ألحان الجداول
الماء الصافي
قال العجّاج:
فشنّ في الإبريق منه نزفا ... من رصف نازع سيلا رصفا «٢»
وقال البحتري:
كأنّما الفضّة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها
وقال الطرماح:
كمتن اليماني سلّ وهو صقيل
وقيل: لجين الماء على زمرد الحصباء وجدول مسجور كمهرق منشور ومنصل مشهور.
قال شاعر:
ماء كدرع مفرغ من فضّة
وقال مسلم:
ماء كعين الشمس لا يقبل القذى
قيل: ماء كالصباح ومتن الصفاح.
وقال شاعر:
هو الجوّ من رقة غير أن ... مكان الطيور يطير السّمك
وأنشد ابن الأعرابي:
ومسيب خصر ثوى في ضلّة ... وإذا تحرّكه الرياح يزيف «٣»
حلّت به بعد الهدوّ نطاقها ... بالجود دهماء النتاج رجوف «٤»
وقال الأصمعي: أحسن ما قيل في الماء قول امرئ القيس:
فلما استطابوا صبّ في الصحن نصفه ... وجادوا بماء غير طرق ولا كدر «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٥٨٨ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٢) ومما جاء في الحر والبرد والرياح والسحاب والأمطار والمياه وما يتعلق بذلك←الماء الصافي
٢٥٣ ظلّ أوراق الشجر
قد أحسن المتنبّي حيث قال:
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفرّ من الثّياب
قال مسكويه:
والشمس محجوبة عنّا سوى لمع ... يسقطن من ورق الأشجار كالورق
نفع النرجس
قال جالينوس «١»: من كان له رغيف فليجعل لصقه من النرجس، فإنه راعي الدماغ، والدماغ راعي العقل، وقال أمير المؤمنين ﵁: تشمّموا النرجس ولو في اليوم مرة، فإن في قلب الأنسان حالة لا يزيلها إلا شم النرجس، قال أبو نواس:
غضّي جفونك يا عيون النرجس ... كيما ألذّ بقبلة من مؤنسي
وقال آخر:
وتخالهنّ إذا هممت بقبلة ... حدقا تفهم ما أقول فتنظر «٢»
وقال آخر:
كأنّما النرجس يحكي لنا ... عين محبّ أبدا تنظر
لا يطرق الدهر لا شفافة ... تخوفا من لحظه يقصر
ويشبه النرجس بالرقيب، قال أبو نواس:
لدى نرجس غضّ القطاف كأنّه ... إذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة في شكلهنّ فصفرة ... مكان سواد والبياض جفون
وقال آخر:
مداهن تبر حشوهنّ عقيق «٣»
وقال آخر:
أحداق تبر في محاجر فضّة
وصفه قامته
قال شاعر:
ذابلات الأجفان كالعاشق الوا ... قف يشكو الهوى على فرد ساق
وقال آخر:
غصن الزبرجد مرتد ورقا ... من فضّة لك أثمرت ذهبا «٤»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٠٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٣) ومما جاء في الربيع والخريف والأزاهير والأشجار والنبات←وصفه قامته
٢٥٤ دار خلت عن كثب
أنشد أحمد بن أبي طاهر:
أما الطلول فمخبرا ... ت أنّهم ظعنوا قريبا
لم يعفها مطر ولم ... تسف الرياح بها كثيبا
وطء النّعال وأثر مف ... ترش ومغتسلا رطيبا
الأطلال اللائحة
مرّ الفرزدق بمؤدب ينشده صبي قول لبيد:
وجلا السيول عن الطلول كأنّها ... زبر تجد متونها أقلامها «١»
فنزل وسجد فقيل: ما هذا؟ فقال: أنتم تعرفون سجود القرآن، وأنا أعرف سجود الأشعار. وهذا البيت موضع سجدة.
وقال طرفة:
يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
قال أبو نواس:
لمن طلل تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم
تجافى البلى عنهنّ حتّى كأنما ... لبسن على الإقواء ثوب نعيم
وقال البحتري:
دمن موائل كالنّجوم وإن عفت ... فبأيّ نجم للصّبابة تهتدي
وقال مخلد الموصلي
لم تجر فيها الصّبا إلا مسلمة ... ولم يشن وجهها الأرواح والدّيم
عرفان المركوب المحال المعهودة
قال المتنبّي:
مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشكو الجياد المعاهد «٢»
وما تنكر الدهماء من رسم منزل ... سقتها ضريب الشول فيه الولائد «٣»
وقال السلامي:
أنا المشوق فما للخيل والإبل ... تحنّ قبلي إذا مرّت على طللمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٣٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٤) ومما جاء في الأمكنة والأبنية←عرفان المركوب المحال المعهودة
٢٥٥ وقال ذو الرمّة:
دوّ ككف المشتري غير أنه ... بساط لأخفاف المراسل واسع
وقال:
مجهولة تغتال خطو الخاطي
وقال المتنبّي:
مهالك لم صحب بها الذئب نفسه ... فلا حملت فيها الغراب قوادمه «١»
وقال:
مشوّهة المعالم واليفاع
وقال المأموني:
وكأن العرار راحة داع ... أو مطا ساجد عليه ملاء
المفازة الموصولة بالأخرى
وقال جابر بن حيي:
إذا زال رعن عن يديها ونحرها ... بدا رأس رعن وارد متقدّم «٢»
وقال آخر:
إذا قطعنا علما بدا علم «٣»
المفازة التي يلمع فيها الآل
وقال عدي بن الرقاع:
وإذا بدا علم لهنّ كأنّه ... في الآل حين يرى ذؤابة عالم
ووصف أبو النجم جبلا في الآل فقال:
سائح ماءهم بالرسوب
وقال المرقش في وصفه:
رؤوس رجال في خليج تغامس
وقال آخر:
كأن أعلامها في آلها القزع «٤»
وقال آخر:
وقوض الآل ساحرة السّرابمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٤٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٥) ومما جاء في المفازة←المفازة التي يلمع فيها الآل
٢٥٦ وقال آخر:
السيف إن قرّ في الغمود صدا
وقيل: الإغراب يعيد الجدّه ويفيد الحدّه، إذا أخلقك الوطن جددك الظعن لا يألف الوطن إلا ضيق العطن.
وقال يزيد بن المهلّب:
وإنّ لزوم قعر البيت موت ... وإن السير في الأرض النشور
النهي عن الإقامة بمكان مخصب فيه هوان
قال سعد بن ثابت:
ولسنا بمتلين دار هضيمة ... مخافة موت إن بنا نبت الدار «١»
وقال المتنبّي:
وما منزل اللذّات عندي بمنزل ... إذا لم أجلل عنده وأكرم
تأسّف من يلحقه إذلال فيعسر عليه الانتقال
قال شاعر:
أمالي في بلاد الله باب ... يؤدّيني إلى سبل النّجاح
بلى في الأرض متّسع عريض ... ولكنّي منعت من البراح
وما يغني العقاب عيان صيد ... إذا كان العقاب بلا جناح
وقرئ على حائط بأسد أباد:
غيرت بين عزيمتين كلاهما ... أمضى عليّ من شباة سنان
همم تشوّقني إلى طلب العلى ... وهوى يشوّقني إلى الأوطان
وقيل: إذا أعيا المقام في الوطن، أغنى الجلاء عن العطن «٢»
إيثار اليسر في الغربة على العسر في الوطن
قيل: اليسر في الغربة وطن، والعسر في الوطن غربة. وقيل: إذا أيسرت فكل رحل رحلك، وإذا أعسرت اجتنبك أهلك.
وقال عبد الملك للحارث: أي البلاد أحب إليك؟ فقال: ما حسنت فيه حالي وعرض فيه جاهي، لا كوفة أبي ولا بصرة أمي، خشونة الغربة مع الجدّة أوطأ من لين الموطن مع الفقر.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٤٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٦) ومما جاء في التغرب←إيثار اليسر في الغربة على العسر في الوطن
٢٥٧ وقال بزرجمهر: السعيد يتبع الرزق، والشقي يتبع مسقط الرأس، أخذه من قال:
ذو اللبّ تنزع للرفاعة نفسه ... وترى الشقيّ نزوعه للموطن «١»
وقال المتنبّي:
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
قال أبو نواس: دخلت دار السلطان بمدينة السلام، فرأيت أبا دلف الكرخي متعلقا ببعض ستائر الخاصة، وهو يقول:
طلب المعاش مفرّق ... بين الأحبّة والوطن
ومصير جلد الرجا ... ل إلى الضّراعة والوهن
حتّى يقاد كما يقا ... د النضو في ثني الرسن
ثم المنية بعده ... فكأنّه ما لم يكن
فقلت: أيها الأمير لو صرت إلى حجرتي، لأنشدتك بيتين يسليانك فجاء معي فأكل وشرب وقال: هات ما عندك فأنشدته:
إذا كنت في أرض عزيزا وإن نأت ... فلا تكثرنّ منها نزاعا إلى الوطن
فما هي إلا بلدة بعد بلدة ... وخيرها ما كان عونا على الزمن
فسرّي عنه وحباني مالا جمّا.
إيثار العسر في الوطن على اليسر في الغربة
قيل: عسرك في وطنك أطيب من يسرك في غربتك. وقيل: إذا وجدت بعض القوت فالزم قعر البيوت. وقيل: إحفظ بلدا ربّاك. وقيل: بلد أغذيت فيه السلامة فلا تزايله «٢» وقال:
وإن اغترابي كي أنال معيشة ... وفضل غنى للوارثين خسار
ذمّ الخروج عن الوطن
قيل الغربة ذلّة وكربة. وقد قال النبي ﷺ: من رضي بالذل فليس منّا. وقيل السفر سقر، ولكن غلط باسمه. وقيل السفر شعبة من جهنم، ولذلك قيل: لولا فرحة الأوبة لعذبت بالسفر.
وقال التنوخي:
مسير دعاه الناس سيرا توسّعا ... ومعنى اسمه إن حقّقوه إسارمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٤٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٦) ومما جاء في التغرب←ذم الخروج عن الوطن
٢٥٨ وقال:
نضو هوى بال على نضو سفر «١»
وقال آخر:
أترك أنقاضا على أنقاض
وقال البحتري:
ردّ الهجير لحاهم بعد شعلتها ... سودا فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا
من غلبه النعاس لإدامة السّرى
قال شاعر:
فلان يجود من صباباته الكرى ... سقاه السّرى خمرا فصار به سكر «٢»
وقال كعب بن زهير «٣»:
وأشعث رخو المنكبين بعثته ... وللنّوم منه في العظام دبيب
وقال إسحاق:
ومعرّس نبّهته ... فكأنّما نبّهت فهدا «٤»
قطع المفاوز باللّيل
وقال عليّ بن جبلة:
وليل بعيد صبحه من مسائه ... منوع السّرى لا يمتطيه هيوب
بنيت على أولاه أخراه فالتقى ... على العيس منه مطلع ومغيب
وقال أعرابي: جبت أودية الظلام وهجرت لذيذ المنام، إلى أن وصلت إلى المرام، وقال شاعر:
ونضوت سربال المفاوز بالسّرى ... وجعلت أردية السّرى سربالي «٥»
وقال المتنبّي:
وأسري في ظلام الليل وحدي ... كأنّي منه في قمر منيرمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٤٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٦) ومما جاء في التغرب←قطع المفاوز بالليل
٢٥٩ قطع المفاوز بالهاجرة
قال أعرابي: خرجت في هاجرة كادت النفوس لها تلتهب، والحرابي من شمسها تصطلب. وقال النابغة:
إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل «١»
وقال علقمة:
وقد علوت قتود الرحل يسعفني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم
حام كأنّ أوار الشمس شامله ... دون الثياب ورأس المرء معموم «٢»
من ألفته السّباع والمفاوز
وقال تأبّط شرّا:
أبيت بمغنى الوحش حتّى ألفته ... وتصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
وقال أبو تمّام:
أبنّ مع السّباع الماء حتّى ... لخالته السّباع من السّباع «٣»
وقال المتنبّي:
صبحت في الفلوات الوحش منفردا ... حتّى تعجّب منّي القور والأكم «٤»
وقال الشنفرى:
ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل «٥»
المهتدي بالنّجوم والعارف المفاوز
وقال بشّار:
ويهماء يستاف التراب دليلها ... وليس له إلا اليماني مخلق «٦»
تجاوزتها وحدي ولم أرهب الرّدى ... دليلي نجم أو حوار محلّق «٧»
وقال حميد:
تيهاء لا يتخطّاها الدليل بها ... إلا وناظره بالنّجم معقودمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٥٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٦) ومما جاء في التغرب←المهتدي بالنجوم والعارف المفاوز
٢٦٠ وقال تأبّط شرّا:
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النّجوم الشوابك
وقال آخر:
ترى الليل كورا والمجرّة مقودا
وقال المتنبّي:
وإنّي لنجم يهتدي صحبتي به ... إذا حال من دون النّجوم سحاب
وقيل: فلان أدلّ من دعميص «١» الرمل لأنه بلغ آخر رمال بني سعد، ولم يبلغه غيره وعبد الله بن أريقط وهو الذي دل النبي ﷺ ليلة الهجرة وفلان أهدى من القطا ومن اليد إلى الفم.
القادر على المشي
قال أعشى باهلة:
لا يغمز الساق من أين ولا وصب ... ولا يعضّ على شرسوفه الصقر «٢»
وقال:
تحسبني محجّلا سبط السا ... قين أبكي أن يظلع الجمل «٣»
المسرّة بالعود من السفر سالما
قال ابن عيينة:
إذا نحن عدنا آيبين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها
فأنفسنا خير الغنيمة إنها ... تؤوب وفيها ماؤها وحياؤها
وقال:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر «٤»
وقال آخر:
رضيت من الغنيمة بالإياب
مسرة الراجع بقضاء الحاجة
قيل لأعرابي: ما السرور؟ قال: أوبة بغير خيبة. وقال آخر: غيبة تفيد غنى وأوبة تعقب منّى وقال أبو تمّام:
ما آب من آب لم يظفر بحاجته ... ولم يغب طالب للنجح لم يخبمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٥١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٦) ومما جاء في التغرب←مسرة الراجع بقضاء الحاجة
٢٦١ وقال:
نزلنا مكرهين بها فلّما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا
الحنين إلى البادية والتبرّم بالحاضرة
قال بعض الأعراب المتوجهين إلى خراسان في زمن عثمان ﵁ يقول:
بلغت إلى حلوان والقلب نازع ... إلى أهل نجد أين حلوان من نجد
لجثجاث أرض حين يضربه الندى ... أحب وأشهى عندنا من جنى الورد «١»
قيل لزينب أم حسانة الضبية وهي قاعدة على حافة بركة في وسط رياض وأزاهر: أما ترين حسن هذا المكان؟ فأطرقت ساعة وقالت:
أقول لأدنى صاحبي أسرّه ... وللعين دمع يحدر الكحل ساكبه «٢»
أحبّ إلينا من صهاريج ملئت ... للعب ولم تملح إليّ ملاعبه «٣»
فيا حبّذا نجد وطيب هوائه ... إذا أهضبته بالعشيّ هواضبه «٤»
وريح صبا نجد إذا ما تنسّمته ... ضحى وسرت جنح الظلام خبائبه «٥»
فأقسم لا أنساه ما دمت حيّة ... وما دام ليل عن نهار يعاقبه
ولا زال هذا القلب مسقيّ لوعة ... بذكراه حتّى يترك الماء شاربه
الحنين إلى منزل لا يرجى لحوقه
وقال لرجل من بني طهم:
أحنّ إلى نجد وإني لآيس ... طوال الليالي من قفول إلى نجد
وقال:
يقرّ بعيني أن أرى رملة الفضا
وقال آخر:
فلست وإن أحببت من يسكن الفضا ... بأول راج راحة لا ينالها
وقال المتنبّي:
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب «٦»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٥٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الثاني والعشرون في السماء والأزمنة والأمكنة والنبات والأشجار والنيران←(٧) ومما جاء في الحنين إلى الأوطان←الحنين إلى منزل لا يرجى لحوقه
٢٦٢ وقال علقمة يصف ناقة:
تلاحظ السوط شزرا وهي ضامرة
وقال الكميت:
إذا اعصوصبت في أنيق فكأنّما ... بزجرة أخرى من سواهنّ تضرب
الجيد العدو
قيل لأعرابي: كيف عدو فرسك؟ قال: يعدو ما وجد أرضا. وقيل لآخر، فقال: همّه أمامه وسوطه عنانه، وما ضربه أحد إلا ظلما.
وقال أعرابي في صفة فرس وهو رخو العنان، كأن له في كل قائمة جناحا. وذكر رجل فرسا فقال: كأنه شيطان، في أشطان إذا أرسل لمع لمع سحاب، أقرب الأشياء إليه الذي تقع عينه عليه.
ووصف ابن القرية فرسا بعثه الحجّاج إلى عبد الملك: بعثت بفرس حسن القدّ أسيل الخد، يسبق الطرف ويستغرق الوصف. وكتب عمرو بن مسعدة: يمرّ بالشباب مع قواه ويسير بالشيخ تحت هوان.
لاحق غير ملحوق
عرض أعرابي فرسا للبيع، فقيل له: كيف هو؟ فقال: ما طلبت عليه إلا لحقت ولا طلبت إلا فتّ. فقيل له: ولم تبيعه؟ فأنشأ يقول:
وقد تخرج الحاجات يا أمّ مالك ... كرائم من ربّ لهنّ ضنين
وقال المرقّش:
ويسبق مطرودا ويلحق طاردا ... ويخرج من غمّ المضيق ويخرج
قال الناشيء:
لم يعتصم ذو مهرب بفراقه ... يوما ولاذ ومطلب بلحاقه
وقال المتنبيّ:
أدركته بجواد ظهره حرم
المدرك ما طلب
قال امرؤ القيس، وهو أول من ابتدعه:
بمنجرد قيد الأوابد هيكل «١»
وقال الأسود:
قيد الأوابد والرّهان جوادمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٧٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٢) فضل الفرس←المدرك ما طلب
٢٦٣ وقال المتنبّي:
أربعها قبل طرفها تصل
وقال الناشئ في وصفه:
مثل دعاء مستجاب إن علا ... أو كدعاء نازل إذا هبط
المشبّه بالنّار والغليان
شدّ كإضرام الحريق، كمعمعة السعف الموقد، كحريق في غريق، إذا جاش حميه غلي مرجل.
تواتر أيديها وأرجلها في العدو
قال بكر بن النطاح:
كأنّما اليدان والرجلان ... طالبتا وتر وهاربان «١»
وقال العماني يصف فرسا محجّلا:
كأن تحت البطن منه أكلبا ... بيضا صغارا ينهشن المنقبا «٢»
وقال ابن خلف:
وكأنّما جهدت أليته ... أن لا تمسّ الأرض أربعه
وقال آخر:
وكأنّما يرفعن ما لا يوضع
وقال الموسوي:
كأنّه في سرعان الوخد ... يلعب في أرساغه بالبرد «٣»
الحاذق بالناورد
قال كشاجم:
ماء تدفّق طاعة وسلاسة ... فإذا استدرّ الحضر منه فنار «٤»
وإذا عطفت به على ناورده ... لتديره فكأنه بركار
وقال المتنبّي:
تثني على قدر الطعان كأنّما ... مفاصلها تحت الرياح مراود «٥»
وقال الصاحب:
له دور ناورد على قدر درهممحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٧٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٢) فضل الفرس←الحاذق بالناورد
٢٦٤ وقال ابن المعتز في محجّل الواحد مطلق الثلاث:
ومحجل غير اليمين كأنّه ... متبختر يمشي بكم مسبل
وقال أبو تمام في أبلق:
مسودّ شطر مثل ما اسودّ الدّجى ... مبيضّ شطر كابيضاض المهرق
التحجيل
قال ابن المعتز في الكميت:
وقارح أربعه أصواؤه ... كأنّما من دمه غشاؤه «١»
الأغرّ المحجّل
قال البحتري:
تتوهم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرّة وجهه المتهلّل «٢»
الغرّة
قال شاعر:
تخال بياض غرّتها أسراجا
وقال آخر:
كأنّما الشعرى على وجهه «٣»
وقال ابن نباتة:
تطلع بين عينيه الثريّا
وله:
وكأنّما لطم الصّباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض في أحشائه
وقال المتنبّي:
وعيني إلى أذني أغرّ كأنّه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
ما يتفادى منه من الشيات
كان ﷺ يكره الشكال وهو أن تكون اليد اليمنى والرجل اليسرى أو بالعكس مختلفين، أنشد أبو عبيدة:
إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حرا عجانها «٤»
وقيل آنق الخيل المهقوع وهو الذي في عرض زوره دائرة، وكانوا يستحبونه حتى أراد رجل شراء مهقوع مرة فامتنع صاحبه من بيعه، فقرأ المشتري هذا البيت فصار يتفادى منه.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٧٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٢) فضل الفرس←ما يتفادى منه من الشيات
٢٦٥ وقال المتنبّي:
وينظرن من سود صوادق في الدّجى ... يرين بعيدات الشّخوص كما هيا
وقال زهير:
وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله
الموصوف بالطّول
مدح أعرابي فرسا وراكبه، فقال: كان والله طويل العذار أمين العثار، إذا رأيت صاحبه عليه حسبته بازا على مرقب، معه رمح تقصر به الآجال.
وقال عديّ بن الرقاع:
لا يكاد الطويل يبلغ منه ... حيث يثنى من المقصّ العذار «١»
الطويل العنق
قال قطريّ لرجل: اشتر لي فرسا. قال: لا علم لي بنجابته، قال: اشتره ونصفه عنقه ومنه أخذ أبو النجم:
يكاد هاديها يكون شطرها
وقال امرؤ القيس:
ومثنانة في رأس جذع مشذب «٢»
دقّة الأذن
وأنشد العماني الرشيد:
كأن أذنيه إذا تشرفا ... قادمة أو قلسا محرقا
فخطأه فيه ثم قال لأصحابه: كيف يجب أن يقال؟ فأعياهم. فقال: تخال أذنيه كأن هواديها أعلام وآذانها أقلام، وقيل إذن مرهفة مؤللة. ولبعضهم:
مقدودة الآذان أمثال القدود «٣»
سعة العين
قال بعضهم:
وعين لها حدرة بدرة ... وشقت مآقيهما من أخر «٤»
وقال آخر:
عين كعين البكر حين تديرها ... بمحجرها تحت النّصيف المنقب «٥»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٨١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٢) فضل الفرس←سعة العين
٢٦٦ وقال ابن مقبل:
ترى النعرات الخضر تحت لبانه ... فرادى ومثنى أصعقتها صواهله «١»
فريسا ومغشيّا عليه كأنّما ... خيوطه مأوى لواهن قاتله «٢»
الضّامر
وقال عمرو بن معدي:
تقول لها الفوارس إذ رأوه ... ترى مسدا أمرّ على الرّماح «٣»
وقال آخر:
كأنّها هراوة منوال «٤»
وقال آخر:
كقدح رام طار عنه شذبه «٥»
وقال آخر:
جوداء مثل هراوة المغراب «٦»
المحفر
يصفون جياد الخيل بسعة الجوف قال: ببطنه يعدو الذكر، وقيل: لم يسبق الحلبة أهضم قط.
وقال الجعديّ:
حيط على زفرة فتم ولم ... يرجع إلى دقة ولا هضم
الصّلب
قال امرؤ القيس:
كجلمود صخر حطّه السيل من عل
وقال طرفة:
وأروع نباض أحد ململم ... كمرداة صخر في صفيح مصمّد «٧»
الليّن المفاصل
قال البحتري:
لانت مفاصله فخيل بأنّه ... للخيزران مناسب بعظامه
وقال المتنبّي:
مفاصلها تحت الرماح مراودمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٨٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٢) فضل الفرس←اللين المفاصل
٢٦٧ وقال ابن المعتز:
وحافر أزرق كالفيروزج
المؤثّر بحوافره في الصّفا
قال ابن المعتز:
يطبع صمّ الصفا حوافره ... طبع الخواتيم لين الطّين
وقال المتنبّي:
تماشت بأيد كلّما وافت الصّفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا «١»
وقال الببغا:
وكأنّما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلّة في الجلمد
معوذ رائق
قال سلمة بن حوشب:
تعوذ بالرقي من غير خبل ... ويعقد في قلائدها التميم
وقال ابن المعتز:
يكاد لولا اسم الإله يصحبه ... تأكله عيوننا وتشربه
هيئته مقبلة ومدبرة
قال امرؤ القيس:
إذا أقبلت قلت دبّاءة ... من الحضر مغموسة في الغدر «٢»
وإن أدبرت قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر «٣»
وإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطر «٤»
وقال البحتري:
وكأن فارسه وراء قذاله ... ودقّ فلست تراه من قدّامه «٥»
ما يحمد من أوصاف أعضائه مجموعة
سأل الحجّاج ابن القرية ما يحمد من الخيل؟ فقال إذا كان قصير الثلاث طويل الثلاث رحب الثلاث صافي الثلاث فهو الجواد. أما القصير فالعسيب والساق والظهر،محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٨٥ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٢) فضل الفرس←ما يحمد من أوصاف أعضائه مجموعة
٢٦٨ والطويل الاذن والنحر والسالفة، والرحب المنخر والجوف واللبان، والصافي الأديم والعين والحافر.
قال خباب:
وقد أغدو بطرف هيكل ذي منعة سكب ... حديد الطرف والمنكب والعرقوب والقلب
عريض الخدّ والجبهة والصهوة والجنب
وقيل: الفرس يسرع بسعة إبطه وجلده وبطول عنقه وعظم حفرته. وأغار زهير على حيّ من أحياء بكر بن وائل، فأصيب بعضهم فأتته جارية تسأله عن أبيها فقال: ما كان تحت أبيك؟
قالت: طويل بطنها قصير ظهرها هاديها شطرها، فقال: إن صدق وصفك فقد نجا.
أوصاف مختلفة
قال بعضهم:
طرف تبين للبصير وغيره ... فيه النجابة جاريا ومقودا
وقال المتنبّي:
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
وقال البحتري وقد استوهب فرسا مسرجا ملجما:
والطرف أجلب زائر لمؤنة ... ما لم يزرك بسرجه ولجامه
كثرة عرق الخيل وقلته
ترى الماء من أعطافه يتحلّب
وقال أبو النجم:
كأنه في الخيل وهو سام ... مشتمل جاما من الجمام «١»
وقال آخر:
كأنّ على أعطافه ثوب مائح
وعاب الأصمعي أبا ذؤيب بقوله:
إلا الحميم فإنّه يتبضّع
وقال امرؤ القيس:
فأدرك لم يعرق مناط عذاره
أثر العرق
قال طفيل الغنوي:
كأن يبيس الماء فوق متونها ... أسارير ملح في متون مجربمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٨٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٢) فضل الفرس←أثر العرق
٢٦٩ وقال لبيد:
كأخنس ناشط جادت عليه ... ببرقة واجف إحدى الليالي
وكل ذلك يدخل في صفة الوحشيّات.
المشبّه بالسفينة
قال المثقب:
كأنّ الكور والأنساع منها ... على قرواء ماهرة دقين
يشقّ الماء جؤجؤها وتعلو ... غوارب كلّ ذي حدب مصين «١»
وقال أبو النجم:
كأنه إذ خطّ في الزمام ... قرقور ساج مرسل الخطام
فهو يشقّ الماء بانتحام
وقال النابغة:
يستن في ثني الجديل وينتحي ... فعل الخلية في الخليج الجاري
القليل المبالاة ببعد المفاوز
وقال الحطيئة:
إذا نظرت يوما بمؤخّر عينها ... فإلى علم بالغور قالت له أبعد
المتقدّم على ما يسايره من المطايا
قيل لأعرابي كيف بعيرك؟ قال: يتدرع المطايا إذا ما شته بغباره ويخدن إذا برك في آثاره، لا يبرك خفيا يتقدمه فهو كما قال:
موكلة بالأقدمين فكلّما ... رأت رفقة فالأولون لها تصبو
وقال أبو نواس:
تذر المطيّ أمامها فكأنّها ... صفّ تقدمهنّ وهي إمام «٢»
أخذه ابن المعتز وأبدع فقال:
وهي إمام الركب في ذهابها ... كسطر بسم الله في كتابها
وقال المتنبّي:
يمشي إذا عدت المطيّ وراءها ... ويزيد وقت جمامها وكلاله «٣»محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٦٩٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٣) ومما جاء في النعم←المتقدم على ما يسايره من المطايا
٢٧٠ الحمل خوفا من النمل، لأن ولدها ككتلة شحم، فيقصده النمل. ولذلك قال المتنبّي:
يرد أبو الشبل الخميس عن إبنه ... ويسلمه عند الولادة للنمل
واستوصف عبد الملك أبا زبيد أن يذكره نثرا فقال له: عينان حمراوتان مثل وهج التنّور كأنما نقرا بالمناقير، في عرض حجر لونه ورد، وزئيره رعد، هامته عظيمة وجبهته شتيمة، نابه عنيد وشرّه عتيد، إذا استدبرته قلت أفرع. وإذا استقبلته قلت أقرع. إذا مشي تبهنس، وإذا أتى اللّيل إعلنكس تبوأ وتجسس. فقال: حسبك لقد وصفته بصفة خلته يثب عليّ. قال:
ضرغامة أهرت الشدقين ذو لبد ... كأنّه برنسا في الغاب مدرع
وقال الفرزدق:
هزبر هريت الشدق ريبال غابة ... إذا سار عزته يداه وكاهله «١»
شتيم المحيا لا يخاتل قرنه ... ولكنّه بالصحصحان ينازله
وقال ابن هرمة:
أسد في الغيل يحمي أشبلا ... قلّما يعتاده فيه القرم
مطرق يكذب عن أقرانه ... ينقض الكلم إذا الكلم التأم
وقال المتوكل الليثي:
فهابوا وقاعي كالذي هبّ حادرا ... شتيم المحيا خطوه متدان
تشبه عينيه إذا ما فجأته ... سراجين في ديجورة يقدان «٢»
كأنّ ذراعيه لبدة نحره ... خضبن بحناء فهنّ قوان
أزب هريت الشدق ورد كأنّما ... يعلي أعالي لونه بدهان
مضاعف طيّ الساعدين مصنر ... هموس دجى الظلماء غير جبان
الذئب
قصد ذئب الفرزدق فألقى إليه ربع مسلوخة كانت معه فلما ارتحل عارضه فقال:
وليلة بتنا بالعرينين ضافنا ... على الزّاد ممشوق الذراعين أطلس
تلمسنا حتّى أتانا ولم يزل ... لدن فطمته أمّه يتلمّس
فقاسمته نصفين بيني وبينه ... بقية زادي والركائب نعّسمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٠٦ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٤) ومما جاء في الوحشيات←الذئب
٢٧١ وتزعم المجوس أن أهرمن «١» لما قسّم الشرور والسموم كان أخذ من الجرذ شرا فحضر وقد قسم الشر فتداخلها الحسرة فتراها متى اشتدت تتذكر ما فاتها لتباطئها فتقوم وتتحسّر.
الخنفساء
موصوفة بالصّبر. وربما غرز على ظهرها شوكة فتجول كأنها عقرت. وربّما تكون في العلف فيأكلها البعير فمتى وصلت إلى جوفه حيّة قتلته. وهي موصوفة باللجاج، قال:
أشدّ لجاجا من الخنفساء
أمّ حبين
دويبة أصغر من الحرباء كدرة المسراة، بيضاء البطن. وقيل لأعرابي ما تأكلون؟ قال:
ما دبّ ودرج إلا أم حبين، فقال: لتهن أم حبين العافية.
الظربان
على خلقة الكلب الصينيّ أخبث دابة مساءة لا يقوم لفسوها شيء. وتأتي جحر الضبّ فتفسو فيه وتضيق عليه حتى تدار به فيأخذه ويأكله ويسمى مفرق النعم لأنها إذا فست فيها ابدت تأذيا بفسوها وقيل: فسا بينهم الظربان إذا تفرّقوا.
الوجرة
دويبة كالغطاءة حمراء تلزق بالأرض وقيل وجر صدره إذا التزق بالعداوة التزاق تلك بالأرض، وهذا كما يقال للحقود ضبّ.
العضرفوط
دويبة لا خير فيها تذكر العرب أنها لا تبول ألا تشعر بذنبها تلقاء القبلة والحيّات تأكله.
الجعل
يموت من ريح الورد ويعيش بالرّوث.
قال المتنبّي:
كما تضرّ رياح الورد بالجعل
وتحرس القوم. فكلما قام قائم منهم لحاجته تبعه وهو يدحرج الجعر.
قال يهجو:
حتّى إذا أضحى تدري فاكتحل ... بجارتيه ثم ولّى فنبل
رزق الأنوقين قرينا والجعلمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٢٤ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٦) ومما جاء في الهوام والحشرات←الجعل
٢٧٢ جنسه. وذلك نوعان: أحدهما كل نظير صاحب كالأسد والفيل فإنهما يتقاتلان وكل قد يقتل الآخر. والفرس المائي يقتل التمساح ويتغالبان. والحيّة وسام أبرص يتقاتلان والأسد والنمر والأسد والجاموس.
ومنها ما لا يضرّ الآخر ولا يقوى الآخر عليه كالسنور مع الجرذ، والذئب مع الشاة، والدجاج مع ابن آوى، والحمام والشاهين والشاة أشد فرقا من الذئب منها من الأسد.
والدجاج يخاف ابن آوى أكثر ما يخاف الثعلب والحمام أشد فرقا من الشاهين منه للبازي والصقر.
القويّ المتفادي من الضعيف
الجاموس يخشى البعوض خوفا شديدا، ينغمس في الماء والفيل يهرب من الهرّة.
وقيل: إنما يهرب من الأسد إذا ظنّه سنورا عظيما. والحية إذا أصابها خدش تسلّط عليها الذرّ «١» فيهلكها. واللبوة إذا وضعت قصد الذرّ شبلها فيأكله، ولذلك قال المتنبّي:
يذبّ أبو الشبل الخميس عن ابنه ... ويسلمه عند الولادة للنمل «٢»
ما تقوى أناثها
كلّ صنف من الحيوان ذكورها أجرأ وأقوى إلا الفهد والذئب واللبوة.
الأكلة للنّاس من السباع
الأسد والنمر والببر «٣» . وقيل لا يعرض ذلك للناس إلا بعد الهرم والعجز عن الصيد. والذئب أشد الناس مطالبة فإن عجز عوي مستغيثا بالذئاب.
الآكل بعضها بعضا
السمك يأكل بعضه بعضا أكلا ذريعا والذئب متى رأس ذئبا أدمى أكله لا محالة:
قلت وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم
والجرذ إذا خصي أكلها أصحابها.
الصابرة عن الطعام
الحيّة وسام أبرص والعضاة والتمساح تسكن في أعشتها الأربعة الأشهر الشديدة البرد، فلا تطعم شيئا وسائر الحيوانات تسكن بطن الأرض كذلك كل همج لا تبرز في الشتاء إلا النمل والذرّ والنحل فإنها تدّخر ما يكفيها.
المدّخرة
الإنسان والنملة والذّرة والجرذ والفأر، والعنكبوت والنّحل.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٣٣ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٧) ومما جاء في أحوال الحيوانات وطبائعها←المدخرة
٢٧٣ وكل حيوان ذي صدر فصدره ضيق إلا الإنسان والفيل والبقر. وللجواميس أربعة أخلاف «١» في بطونها، وللشاة خلفان، وللناقة أربعة، وللسنّور والكلب ثمانية أطباء «٢» .
والخنزيرة كثيرة الأطباء. وللفهد أربعة وللظبية إثنان.
واللحية تكون للرجل والديك والتيس. والجمل له القنون «٣» والكوسة «٤» من السمك في بطنه شحم طيّب إن اصطادوه ليلا وإلا فلا.
أحوال جماعة من الحيوانات
قيل: الضفدع إذا أبصر النار تحيّر ولم ينق. والخنفساء والجعل إذا دفنا في الورد ماتا وفي العذرة يحييان.
قال المتنبّي:
كما تضرّ رياح الورد بالجعل وإذا دخلت الخنفساء في إست الحمار غشي عليه ولا يفيق حتى تخرج. والزنبور إذا غرق في الزيت مات ويحيا بالخلّ. والذباب إذا غرق في الماء مات وإذا دفنته بعد في التراب حيي.
والأسد إذا رأى قربة منفوخة انهزم، واللبوة تضع ولدها حين تضعه شبلا ميتا فيأتيه أبوه في الثالث فينفخ في منخرية فينبعث، وتضع الذئبة ولدها لحما لا صورة له ثم تلحسه حتى تستوي صورته.
من لدغته العقرب فأدخل في إسته قطعة جليد برأ وقيل بل هذا لمن لدغه الزنبور.
والمرأة إذا لدغت فجومعت برئت.
زبد الجمل الهائج يذهب العقل. إذا مدت على باب البيت شعرة من ذنب فرس عتيق لم يدخله البعوض ما دامت الشعرة ممدودة. الحمار إذا أكل خرء الثعلب مات، والفأرة إذا أكلت المرداسنج ماتت، وإذا حفي الكلب فدهن إسته ذهب حفاه. والثور إذا دهن إسته لم يحف.
والقنفذ لا ينام والفهد لا يسهر والغداف إذا أخرج فرخه هرب منه لأنه يخرج أبيض فيجتمع عليه البعوض لزهومة رائحته فيبتلع منها ما يقيمه. إذا رأت الحية إنسانا عريانا تهرب منه. النمل لا يتوالد من تزاوج لكنه يلقى في الأرض شيئا يسيرا فيصير بيضا ثم يتصور.محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٣٩ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
الحد الرابع والعشرون في الحيوانات←(٧) ومما جاء في أحوال الحيوانات وطبائعها←أحوال جماعة من الحيوانات
٢٧٤ وقال المتنبّي:
لله حال أرجّيها وتخلفني ... وأرتجي كونها دهري وتمطلني
وقال محمد بن يحيى:
قتلت أعزّ من ركب المطايا ... وجئتك استلينك في الكلام
يعزّ عليّ أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا حدّ الحسام
ولكنّ الجناح إذا أصيبت ... قوادمه أسفّ على الآكام
وقال الطاهر:
ولم أرد بدبّة قبله ... يدقّ على بابه دبدبه
وقال أبو القاسم التنوخي:
تخيّر إذا ما كنت في الأمر مرسلا ... فمبلغ آراء الرّجال رسولها
وقال آخر:
إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور «١»
وجدتني ألوي بعيد المستمر ... أحمل ما حملت من خير وشرّ
وقال أبو القاسم الأعمى:
إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبيّن النّاس أن الثّوب مرقوع
وقال ابن طباطبا:
آمن سربله الاش ... فاق سربال المروغ
وقال الخبزارزي:
أحبّ فمن ذا الذي كلفه ... وملّ فمن ذا الذي أستعطفه
فلا أحد في الرّضى سرّه ... ولا أحد في القلى عنّفه
وكنّا كما قد علمت ... فماذا التعدّي وماذا السّفه
وفي النّاس من يتجنّى الذنوب ... وإذا قد تجاوز حدّ الصفه
وما كلّ من كان ذا قوّة ... يناوي الضعيف إذا استضعفه «٢»
ويزعمني صدفا خاليا ... من الدرّ في مثل ما صرفه
ولو شئت عرفته من أنا ... وإن كان بي جيّد المعرفه
وفرعون يعرف من ربّه ... ولكنّ طغيانه سوّفه
وسل من تعرض لي بالهجا ... وعن عرضه أين قد خلفهمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٦٠ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
٢٧٥ وقال ابن الرومي:
وامتناع النفس مما تشتهي ... خشية الإنفاق نقص في النسب
والبحتري:
أضيع في معشري وكم بلد ... يعدّ عود البكاء من حطبه
وقال جحظة:
إذا الشهر هلّ ولا رزق لي ... فعدى أيامه باطل
وقال المتنبّي:
توهّم القوم إن العجز قربنا ... وفي التقرّب ما يدعو إلى التهم
وقال ابن الرومي:
توقّي الداء خير من تصدّ ... لأيسره وإن قرب الطبيب «١»
وقال آخر:
خرجنا لم نصد شيئا ... وما كان لنا أفلت
وقال المتنبّي:
خذوا ما أتاكم به واعذروا ... فإنّ الغنيمة في العاجل «٢»
وله:
ذكر الفتى عمره الآتي وحاجته ... ما فاته من فضول العيش أشغال
وقال ابن طباطبا:
طمعت يا أحمق في قمرها ... لو أمكن القمر قمرناها «٣»
وقال أبو حكمية في حرب محمد والمأمون:
تجافت بي الأحزان عن كل مرقد ... وأرمضني ما فيه أمة أحمد
وما ضرّ قوما يسفكون دماءهم ... صفا الملك للمأمون أو لمحمّد
وقد نصبوا حربا تحرق بينهم ... لكلّ رقيق الشفرتين مهنّد
وقال الخبزارزي:
فمن شغل قلبي بما نلته ... ذهلت به عن جميع الأمور
وقال آخر:
كأن من بشاشتنا ظللنا ... بيوم ليس من هذا الزّمانمحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء ٢/٧٦١ — الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢)
تعليقات